← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وذكر العلامة البغدادي: أن الأحاديث الواردة في الحساب، هي أخبار مستفيضة بين الأئمة، وهم مجمعون على صحتها (١)، وقال العلامة السعد التفتازاني: "سائر ما ورد به السمع، من عذاب القبر، والحساب، والصراط والميزان، وغير ذلك حق " (٢). والأحاديث الواردة في شأن الحساب كثيرة متضافرة منها: عن عائشة ﵂ م قالت: قال النبي ﷺ : «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ» (٣). قال الأئمة: قوله: من نوقش الحساب يهلك، له معنيان: أحدهما: أن نفس المناقشة، وعرض الذنوب والتوقيف عليها، هو التعذيب؛ لما فيه من التوبيخ. والثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار، صححه الإمام النووي وقال: "وهذا الثاني هو الصحيح، ومعناه: أن التقصير غالب في العباد، فمن استُقصي عليه ولم يسامح هلك ودخل النار، ولكن الله تعالى يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء" (٤). وقال الإمام ابن الجوزي: "وظاهر هذا الحديث أن من فتش عن كل شيء عمله عذب؛ لأنه إنما يفتش المسخوط عليه، فأما المرحوم فإن بداية رحمته المسامحة في المسألة " (٥).

стр. 457

وعن أبي بردة الأسلمي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (٣). فهذه النصوص كلها تدل على أمر الحساب يوم الحساب، وجاءت نصوص أخرى فيها دلالة على أولية الحساب في الأمم، وفي الأعمال: ومما ورد في أولية هذه الأمة في الحساب:

стр. 458

ما جاء عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ : «نَحْنُ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ، يُقَالُ: أَيْنَ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ، وَنَبِيُّهَا؟ فَنَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ» (١). قال الإمام ابن كثير:" ثم يُقضى بين هذه الأمة؛ لشرف نبيها، كما أنهم أول من يجوز على الصراط، وأول من يدخل الجنة " (٢). وفي صحيح مسلم قال النبي ﷺ : «نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ» (٣). ومما ورد في أولية الحساب على الأعمال: ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» (٤). وعن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ» (٥). وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ - يَعْنِي العَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ - أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ»: (٦).

стр. 459

فهذه الأحاديث الشريفة الصحيحة المنيفة، دلت على إثبات الحساب، إلا أن ظاهرها يوهم وجود تعارض في أولية الحساب، فبعضها يثبت أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الدماء، وبعضها الصلاة، وبعضها النعيم من صحة الجسد وشرب الماء البارد، ومع هذه الروايات المختلفة في الدلالة، إلا أن العلماء جمعوا بين ما يتوهم تعارضه بين تلك الروايات، وأجابوا عنها بأجوبة منها: أن حديث: «أول ما يحاسب به العبد صلاته»: محمول على ما بين العبد وربه جل وعلا، وحديث: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء»، محمول على ما بين العباد بعضهم البعض (١)، فاللفظ مخصوص بما يقع فيه الحكم بين الناس (٢). يقول الحافظ ابن حجر في وجه الجمع بين الأحاديث:" الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق، والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق، وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين ولفظه: «أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضي بين الناس في الدماء» ". (٣) ويقول الإمام السيوطي:" والمعاصي التي يُعاقب عليها يوم القيامة نوعان: حق لله، وحق لعباده، وأول ما يُقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد الدماء" (٤).

стр. 460

ويقول العلامة علي القاري في وجه الجمع بين الحديثين: "قال الأبهري: وجه الجمع بين هذا، وبين قوله ﵊: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة الدماء»، أن الأول من حق الله تعالى والثاني: من حقوق العباد. ا. هـ، أو الأول من حق ترك العبادات، والثاني من فعل السيئات " (١)، ثم قال: "قلت: الأظهر أن يقال: لأن ذلك من المنهيات، وهذا في المأمورات، أو الأول في المحاسبة والثاني في الحكم " (٢). وقال في وجه البدء بهذه بهاتين الخصلتين: " وحاصله: أن أول ما يحاسب العبد فيما بينه وبين ربه الصلاة؛ لفضلها على سائر العبادات، وأول ما يقضى من حقوق العباد قتل النفس؛ فإنه أكبر الخطيئات" (٣). ويقول العلامة العثيمين:" أول ما يحاسب عليه العبد من الأعمال الصلاة وأول ما يقضى فيه بين الناس الدماء؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية والدماء أعظم ما يعتدى به في حقوق الآدميين" (٤). ومع هذه الاستفاضة وهذا التواتر في أحاديث وأخبار الحساب، تَعجب ممن أنكر حساب الله جل وعز للخلائق يوم القيامة، وقد نقل جماعة من أهل العلم إنكار بعض الفرق للحساب (٥)، في حين أن الواجب في مثل هذه الأمور: الإيمان الجازم بمحاسبة الرب جل وعلا للخلائق يوم الدين، يقول الإمام الغزالي: " وأن يؤمن بالحساب، وتفاوت الخلق فيه إلى مناقش في الحساب وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب، وهم المقربون فيسأل الله تعالى من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة، ومن شاء من الكفار عن تكذيب الرسل، ويسأل المبتدعة عن السنة، ويسأل المسلمين عن الأعمال " (٦).

стр. 461

أشار الإمام الغزالي في كلامه السابق إلى مسألتين، هي مثار حديث عند الأئمة وهما: ١ - حساب الله جل وعلا للأنبياء وسؤالهم. ٢ - حساب الله جل وعلا للكفار وسؤالهم. ومنطوق كلام الإمام الغزالي السابق، أن الأنبياء يسألون عن تبليغ الرسالة ويسأل الكافر عن تكذيبهم للرسل، وبيان هاتين القضيتين في المسألتين التاليتين: المسألة الثالثة: حساب الأنبياء وسؤالهم عليهم الصلاة والسلام: دلت النصوص على سؤال الأنبياء يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦]. قال ابن عباس ﵄، في هذه الآية: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين ويسأل المرسلين عما بلغوا، وقال السدي: ولنسألن الرسل: هل بلغوا ما أرسلوا به؟ (١). ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨]، قال مجاهد: يعني: المبلغين المؤدين من الرسل (٢)، وقال السدي: يعني الأنبياء (٣). وهذا السؤال سؤال تقرير، يعقبه رحمة وكرامة (٤)، فإن قيل: وأي حكمة في سؤالهم عن تبليغ الرسالة؟ قيل: الحكمة في ذلك: تبكيت الذين أرسلوا إليهم (٥). قال العلامة مكي بن أبي طالب:" ومعنى سؤال الله جل ذكره عن ذلك الرسل، وهو عالم به، أنه على التبكيت والتوبيخ للذين كفروا " (٦).

стр. 462

وأجاب الإمام الرازي عن هذا التساؤل:" إذا اثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير البتة، التحق التقصير بكليه بالأمة، فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل؛ لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار، لما ثبت أن كل التقصير كان منهم" (١). يقول الشيخ حمود التويجري:" أن رسول الله ﷺ -مسؤول يوم القيامة عن تبليغ الرسالة، ولهذا قال ﷺ في حديث أبي رزين ﵁، (ألا إني مسؤول هل بلغت؟) (٢)، ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ (٣). ويشهد له حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ... (يجيء نوح وأمته فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول: نعم، أي رب فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد ﷺ وأمته، فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط: العدل" (٤).

стр. 463

فهذا القول هو الذي تدل عليه ظواهر النصوص الشرعية، وأن سؤال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ليس المقصود منه سؤال المناقشة، وإنما هو مساءلتهم عن تبليغهم الدعوة إلى أقوامهم، لإقامة الحجة على المخالفين وبمثل هذا يُجاب عما ذكره بعض العلماء: من أن الأنبياء لا يسألون ولا يحاسبون (١)، فنفي الحساب عنهم هو حساب المناقشة والتقريع، ولذا قال جل وعلا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، وهذا فيه دلالة على العموم، يقول الإمام الرازي:" الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده؛ لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رسلاً، أو مرسلاً إليهم، ويبطل قول من يزعم: أنه لا حساب على الأنبياء والكفار" (٢). فإن كان بعض المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، فكيف بأنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، الذين حازوا كل السوابق واللواحق، لا شك أنهم أولى وأحرى، ولكن المقصود - كما ذكرنا - من سؤالهم، زيادة إقامة الحجة على المخالفين، قال الإمام القرطبي في هذا المقام:" والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم، كافرهم ومؤمنهم، إلا من دخل الجنة بغير حساب " (٣). المسألة الرابعة: حساب الكفار: تنازع العلماء في الكفار، هل يحاسبون أم لا؟ وسبب التنازع: هو مرود النصوص المثبتة لعموم الحساب، والنصوص النافية لحساب الكفار، ومن هنا وقع التنازع، وفهِم كل فريق من الآيات الكريمة ما يدل على حساب الكفار من عدمه، ولذا كان منزع استدلال الفريقين في هذه المسألة، هو تنازع النصوص في الظاهر. فمن النصوص المثبتة لحساب الكفار، قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣].

стр. 464

﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ ... [الزخرف:١٩]. ومن النصوص النافية لحساب الكفار، قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن:٣٩]. ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص:٧٨]. وقد سبق توجيه كلام الأئمة في الجمع بين هذه النصوص المثبتة والنافية وأن هذا محمول على تعدد مواقف ومواطن القيامة، حيث يسألون في موقف دون آخر. فمن نزع إلى القول بحساب الكفار، ذهب إلى النصوص الواردة المثبتة ومن نزع إلى القول بعدم حساب الكفار ذهب إلى النصوص النافية. وهما قولان للعلماء: القول الأول: أن الكفار يحاسبون يوم القيامة، وهو منقول عن جماعات من العلماء منهم: أبو حفص البرمكي، أبو سليمان الدمشقي، وأبو طالب المكي، نقله عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، ونسبه الإمام أبو حيان للجمهور (٢). ولذا قال الإمام أبو الفرج عبد الواحد الشيرازي في جزء " امتحان السني من البدعي ": يسأل عن الكفار هل يحاسبون أم لا؟ فإن قال: يحاسبون فهو سالمي، وإن قال: لا، فهو سني (٣). وكذا نقله القاضي أبو يعلى الفراء فقال: "والكفار لا يحاسبون، خلافاً لابن سالم، وأبي حفص البرمكي من أصحابنا في قولهما يحاسبون" (٤). وقد أفرد العلامة ابن البناء الحنبلي كتاباً في هذه المسألة مع السالمية ... القائلون بحساب الكفار (٥).

стр. 465

وقال الإمام مكي بن أبي طالب في قوله تعالى ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦]: "وهذا يدل على أن الكفار يحاسبون ويسألون " (١). وقال في موضع آخر: "وقد ذكر تعالى ذكره، وزن أعمال الكفار في غير موضع من كتابه، وذلك ما عظم الحساب، وهو كثير في القرآن مكرر، يدل على محاسبة الكفار"، ولذا قال الإمام القرطبي في هذه الآية: "دليل على أن الكفار يحاسبون" (٢). ورجح هذا القول الإمام ابن جزي الغرناطي فقال:" والصحيح أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويُسألون عنها لقوله ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر: ٩٢]، وأن هذا السؤال المنفي، السؤال على وجه الاختبار وطلب التعريف؛ لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه، لكن يسألون على وجه التوبيخ، وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة، فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نفيه فهو على وجه الاستخبار والتعريف" (٣).

стр. 466

وممن ذهب إلى هذا القول الإمام البيهقي فقال في شعب الإيمان:" وقال في آية: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٩ - ١١]، وهذا الوعيد بالإطلاق لا يكون إلا للكفار، فإذا جُمع بينه وبين قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء:٤٧]، ثبت أن الكفار يُسألون عن كل ما خالفوا به الحق من أصل الدين وفروعه، إذا لو لم يُسألوا عما وافقوا فيه أصل تدينهم من ضروب تعاطيهم ولم يحاسبوا بها، لم يعتد بها في الوزن أصلاً، وإذا كانت موزونة في وقت الوزن، دل ذلك على أنهم محاسبون بها في موقف الحساب" (١). ويقول العلامة المنوفي: "والحساب: هو أن يعدد عليه كل ما فعل من حسنة وسيئة، فيحاسب المؤمن بالفضل والمنافق والكافر بالحجة والعدل " (٢). وقال العلامة العدوي في حاشيته، شارحاً كلام المنوفي:" أنه لما كان في حساب المؤمنين ستر وغفران ناسب الفضل، ولما كان في حساب الكافر الهتك ناسب العدل" (٣). وقد جعل الإمام الرازي محاسبة الكافر من الأمور الواجبة، بحكم الوعد الذي لا يخلف (٤). وصحح هذا القول من العلماء المعاصرين جماعة، منهم: الشيخ عمر الأشقر، والشيخ أبو بكر الجزائري، والشيخ عبد الله الفوزان. يقول الشيخ عمر الأشقر: "والصحيح أن الكفار محاسبون مسؤولون، كما أن أعمالهم توزن" (٥).

стр. 467

ويقول الشيخ الجزائري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:٦]:" في الآية دليل على أن الكفار يحاسبون وإن لم توزن أعمالهم لقوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ فمحاسبتهم لإظهار العدالة الإلهية، لا لأن لهم أعمالاً صالحة يجزون بها" (١). وقال الشيخ عبد الله الفوزان:" أرجح الأقوال في هذه المسألة: أن الحساب عام للمسلم والكافر، وفائدة الحساب للكافر مع أن مآله إلى النار، ولا حسنات تنفعه في مقابل ماله من السيئات التي أعظمها سيئة الكفر ... محاسبة الكافر وراءها حكم عظيمة منها: أولاً: محاسبة الكفار فيها توبيخ وتقريع لهم. ثانياً: لأن الكفار على أرجح الأقوال مخاطبون بالأوامر والنواهي. ثالثا: لأن الكفار يتفاوتون في الكفر، والنار دركات" (٢). ولذا قال العلامة الشنقيطي في الأضواء عند قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦]: " وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة" (٣). وهذا القول هو ظاهر كلام ابن القيم والحافظ ابن حجر (٤). القول الثاني: أن الكفار لا يحاسبون يوم القيامة، وذهب إليه جماعات من أهل العلم، منهم: أبو بكر عبد العزيز، وأبو الحسن التميمي، والقاضي أبو يعلى، كما نقله عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٥).

стр. 468

وذهب إليه الإمام اللالكائي فقال: "سياق ما روي عن النبي ﷺ مما يدل على أن الكفار لا يحاسبون، روي ذلك من الصحابة عن عائشة " (١)، ثم ذكر حديث عائشة وغيره من الآثار. وممن ذهب إلى هذا القول: ابن البناء الحنبلي قال:" وأما الكفار فلا يحاسبون كما قال : ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] ... وما ورد في القرآن من ذكر حسابهم، فهو جزءا لهم، كما قال: ﴿عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾ [النبأ:٣٦]، أي: جزاء كافياً" (٢). وقال العلامة البلباني: "فالكفار لا يحاسبون، فلا توزن صحائفهم، وإن فعل الكافر قربة من نحو صدقة، أو عتق، أو ظلمه مسلم، رجونا له أن يخفف عنه العذاب" (٣). وذكر الإمام ابن أبي حاتم هذا القول عن جماعة من أهل التفسير عند تفسير قوله جل وعلا: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص: ٧٨]، فنقل عن قتادة قوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ يقول: المشركون لا يسألون عن ذنوبهم، يعذبون ولا يحاسبون. وعن الربيع بن أنس قال: لا يسألون عن إحصائها، يقول: هاتوا فبينوها لنا ولكن أعطوها في كتب، فلم يشكوا الظلم يومئذ، ولكن شكوا الإحصاء (٤).

стр. 469

وقد ناظر الإمام ابن شاقلا أبا سليمان الدمشقي في مسائل، ومنها مسألتنا هذه - حساب الكفار يوم القيامة - وفي هذه المناظرة فوائد أسوقها بلفظها: قال: ثم ذكرت حساب الكفار فقال لي: قد روي عن النبي ﷺ أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ : «إِنَّ الْكَافِرَ لَيُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُلْجِمَهُ الْعَرَقُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ»، فهلا قلت به؟ فقلت له: ليس يحل ما روي صحيحاً أو سقيماً أن نقول به، وإنما تعبدنا بالصحيح دون السقيم، والصحيح معلوم عند أهل النقل بعدالة ناقليه، متصلاً إلى المخبر عنه، والسقيم معلوم بجرح ناقليه وهذا الخبر الذي رويته، رواه إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، يعني: وهو متروك الحديث، ضعيف عند أهل العلم، وليس هذا مما تقوم به حجة فقال لي: فأي شيء معك في أنهم لا يحاسبون؟ فقلت له: إن شئت من كتاب الله وإن شئت من سنة رسول الله ﷺ -وإن شئت من قول صحابته ﵃ فقال لي منكراً لقولي في الصحابة من قال هذا؟ فقلت: نعم قرأت على أبي عيسى يحي بن محمد بن سهل الخصيب العكبري بعكبرا قال: حدثنا محمد بن صالح بن ذريح العكبري، قال: حدثنا محمد هناد بن السري قال: حدثنا معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: من حوسب دخل الجنة، يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ [الإنشقاق:٧ - ٩]، ويقول للآخرين: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن:٣٩ - ٤١]، فقال لي: قد سمعت هذا الحديث من أبي علي الصواف قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الخالق قال: حدثنا أبو الحسن عبد الوهاب الوراق عن أبي معاوية الضرير، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بمثل معناه، يعني: من حوسب دخل الجنة، فقال لي: هو المسلم

стр. 470

المحترم، فقلت له: جمعت بين ما فرق الله ، لأن الله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] (١). ومع ختام هذه المسألة ينبه لبعض الأمور: ١ - أن السؤال يوم القيامة لا يكون في الأفضلية بين فلان وفلان يقول الإمام ابن عبد البر: "وقد أجمع علماء المسلمين، أن الله تعالى لا يسأل عباده يوم الحساب من أفضل عبادي، ولا هل فلان أفضل من فلان، ولا ذلك مما يُسأل عنه أحد في القبر" (٢). وأما ما يُسأل عنه البشر يوم الدين فعن الإيمان بالرسول وما جاء به من ربه يقول الإمام ابن تيمية:" ولا يُسأل الناس يوم القيامة إلا عن الإيمان به واتباعه وطاعته، وبه يمتحنون في القبور" (٣)، ولذا قال الإمام أبو العالية: "خصلتان يُسأل عنهما كل أحد، يقال: لمن كنت تعبد، وبماذا أجبت المرسلين " (٤). ٢ - أن المخالفة في هذه المسألة غير موجب للتبديع، أو التفسيق، أو التحرج عن الصلاة خلف المخالف. وقد أفتى ابن بشار الحنبلي بأن من زعم أن الكفار يحاسبون لا يصلي خلفه فقال:" من زعم أن الكفار يحاسبون ما يستحي من الله، من صل خلف من يقول هذه المقالة يعيد" (٥).

стр. 471

في حين ذكر الإمام ابن تيمية، أن هذه المسألة مما لا يُضَيَّق فيها، ولا يهجر المخالف، يقول:" هي مسألة لا يكفر فيها بالاتفاق، والصحيح أيضاً: أن لا يُضيّق فيها ولا يهجر، وقد حكي عن أبي الحسن بن بشار أنه قال: لا يصلى خلف من يقول: إنهم يحاسبون، والصواب الذي عليه الجمهور: أنه يصلى خلف الفريقين، بل يكاد الخلاف يرتفع عند التحقيق" (١). ٣ - أن التحقيق في هذه المسألة أن يقال: إن لفظ الحساب يراد معنيان أ. يُراد به الإحاطة بالأعمال، وكتابتها في الصحف، وعرضها على الكفار، وتوبيخهم على ما عملوه، وزيادة العذاب ونقصه، بزيادة الكفر ونقصه، فهذا الضرب من الحساب ثابت بالاتفاق. ب. يُراد به: وزن الحسنات بالسيئات ليتبين أيها أرجح، فالكافر لا حسنات له توزن بسيئاته، إذ أعماله كلها حابطة (٢). قال الإمام ابن تيمية: "ولهذا لما تنازع أهل السنة في الكفار، هل يحاسبون أم لا؟ كان فصل الخطاب إثبات الحساب، بمعنى عد الأعمال وإحصائها وعرضها عليهم، لا بمعنى إثبات حسنات نافعة لهم، في ثواب يوم القيامة تقابل سيئاتهم" (٣). وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة، فمن أثبت الحساب للكفار، لم يلزم من كلامه موازنة بين الحسنات والسيئات، ومن نفى الحساب لم يلزم من كلامه عدم التقرير بالذنوب، وهذا التفصيل جامع بين القولين. قال العلامة ابن العماد:" والحق أنهم تحصى أعمالهم، ويطلعون عليها ويقرّعون بها تقريعاً، من غير وزن ولا حساب" (٤).

стр. 472

المطلب الخامس الحوض المورود يقول شيخ الإسلام - في الواسطية -: "وفي عرصة القيامة: الحوض المورود لمحمد ﷺ -ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً" (١). الإيمان بالحوض المورود مما استقر عليه كلام أئمة السلف، وهو ثابت بالنصوص الشرعية المتواترة، والنقل السابق عن الإمام ابن تيمية في حكاية إجماع الأمة على إثبات الحوض، قد حكاه غير واحد من الأئمة واستفاضت واشتهرت أقوال العلماء فيه، والكلام في الحوض ينتظم المسائل التالية: المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الحوض المورود: نقل الإمام ابن تيمية في موضع آخر من كلامه، اتفاق أهل السنة والجماعة على هذا الأصل العظيم فقال: "وما أخبر به النبي ﷺ من أمر الجنة والنار .. والحوض، فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة" (٢). وقال الإمام الأشعري في بيان إجماعات أهل السنة:" وعلى أن لرسول الله ﷺ حوضاً يوم القيامة ترده أمته لا يظمأ من شرب منه، ويذاد عنه من بدل وغيَّر بعده" (٣)، وقال في موضع آخر:"قال أهل السنة والاستقامة: إن للنبي ﷺ -حوضاً يسقي منه المؤمنين، ولا يسقي منه الكافرين" (٤). وقال الإمام البربهاري:" والإيمان بحوض رسول الله ﷺ " (٥). وقال الإمام ابن أبي زمنين:" وأهل السنة يؤمنون بأن للنبي ﷺ -حوضاً أعطاه الله إياه، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً" (٦).

стр. 473

وقال الإمام الطحاوي:" والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق" (١). وقال الحافظ عبد الغني المقدسي: "ثم الإيمان بأن لرسول الله ﷺ حوضاً ترده أمته كما صح عنه" (٢). وقال الإمام ابن قدامة:" ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة" (٣). والعجب ممن أنكر الحوض، مع تواتر النصوص الشرعية في إثباته واستفاضة كلام الأئمة في حقيقته. وبيان مقالة المخالفين في المسألة التالية: المسألة الثانية: المخالفون في الحوض: جاء عن ابن عباس ﵄، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁، وهو يقول: (إنه سيخرج قوم من بعدكم يكذبون بعذاب القبر ويكذبون بالرحمن، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بالحوض، ويكذبون بقوم يخرجون من النار) (٤). وقد تعجب أنس بن مالك ﵁، فيمن يشكك في الحوض، فيقول أنس: دخلت على ابن زياد وهم يتذاكرون الحوض، فلما رأوني طلعت عليهم قالوا: قد جاءكم أنس فقالوا: يا أنس ما تقول في الحوض؟ فقلت: والله ما شعرت أن أعيش حتى أرى أمثالكم تشكون في الحوض، لقد تركت عجائز المدينة، ما تصلي واحدة منهن صلاة إلا سألت ربها ، أن يوردها حوض محمد ﷺ . قال محمد بن الحسين:" ألا ترون إلى أنس بن مالك ﵀، يتعجب ممن يشك في الحوض، إذ كان عنده أن الحوض مما يؤمن به الخاصة والعامة ... حتى إن العجائز يسألن الله ، أن يسقيهن من حوضه ﷺ " (٥).

стр. 474

ومن ورد عنه التكذيب بالحوض: عبيد الله بن زياد، أَنَّ أَبَا سَبْرَةَ بْنَ سَلَمَةَ الْهُذَلِيَّ، سَمِعَ ابْنَ زِيَادٍ، يَسْأَلُ عَنِ الْحَوْضِ حَوْضِ ﷺ فَقَالَ: مَا أُرَاهُ حَقًّا بَعْدَمَا سَأَلَ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَعَائِذَ بْنَ عَمْرٍو، فَقَالَ: مَا أُصَدِّقُ هَؤُلَاءِ، فَقَالَ أَبُو سَبْرَةَ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ شِفَاءٍ؟ بَعَثَنِي أَبُوكَ بِمَالٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَحَدَّثَنِي بِفِيهِ وَكَتَبْتُهُ بِقَلَمِي مَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أَزِدْ حَرْفًا وَلَمْ أَنْقُصْ، حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَاحِشَ وَلَا الْمُتَفَحِّشَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَظْهَرَ الْفُحْشُ وَالتَّفَحُّشُ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَسُوءُ الْمُجَاوَرَةِ، وَيُخَوَّنُ الْأَمِينُ وَيُؤْتَمَنُ الْخَائِنُ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ النَّحْلَةِ أَكَلَتْ طَيِّبًا وَوَضَعَتْ طَيِّبًا وَوَقَعَتْ طَيِّبًا، فَلَمْ تَفْسُدْ وَلَمْ تُكْسَرْ، وَمَثَلُ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْقِطْعَةِ الْجَيِّدَةِ مِنَ الذَّهَبِ نُفِخَ عَلَيْهَا فَخَرَجَتْ طَيِّبَةً وَوُزِنَتْ فَلَمْ تَنْقُصْ» وَقَالَ ﷺ : «مَوْعِدُكُمْ حَوْضِي عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ، وَذَلِكَ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، فِيهِ أَمْثَالُ الْكَوَاكِبِ أَبَارِيقُ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الْفِضَّةِ مَنْ وَرَدَهُ، وَشَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا». فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: مَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ بِحَدِيثٍ مِثْلِ هَذَا، أَشْهَدُ أَنَّ الْحَوْضَ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَأَخَذَ الصَّحِيفَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا أَبُو سَبْرَةَ (١).

стр. 475

فكما ثبت عن ابن زياد تكذيبه بالحوض، ثبت رجوعه وإيمانه به، أما غيره ممن أنكر أو تأول من بقيه الفرق، فهي باقية على هذا الإنكار، وممن نُقل عنه إنكار الحوض: -المعتزلة: ونقل إنكاره عنهم جماعة من أهل العلم: يقول الإمام الأشعري:"وأنكرت المعتزلة الحوض" (١). ويقول الإمام السجزي عن عقائد المعتزلة:" وإن الحوض والشفاعة والميزان لا أصل لها" (٢). ويقول الإمام أبو الحسن العمراني: "وأن حوض النبي ﷺ -حق، وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ ذلك كله" (٣). ويقول الإمام السفاريني:" خالفت المعتزلة فلم تقل بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة فكل من خالف في إثباته فهو مبتدع " (٤). - الخوارج: ونقل إنكار الحوض عنهم جماعة: يقول الحافظ ابن حجر:" أنكره الخوارج وبعض المعتزلة"، ويقول الإمام ابن عبد البر:" وقد نفاه أهل البدع من الخوارج والمعتزلة " (٥). ولا اعتبار لإنكار هؤلاء للحوض؛ لأنه أمر مشتهر مستفيض، يقول الإمام ابن حزم:" وأما الحوض فقد صحت الآثار فيه، وهو كرامة للنبي ﷺ ولمن ورد عليه من أمته، ولا ندري لمن أنكره متعلقاً، ولا يجوز مخالفة ما صح عن النبي ﷺ في هذا ولا غيره " (٦)، ويقول العلامة ابن أبي العز:" فقاتل الله المنكرين لوجود الحوض، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده بوم العطش الأكبر" (٧)، وفي الأثر: (فمن كذب فلا سقاه الله منه) (٨).

стр. 476

المسألة الثالثة: أدلة إثبات الحوض المورود: استفاضت نصوص السنة واشتهرت وتواترت في الحديث عن الحوض المورود وصفاته وأخباره، أما القرآن الكريم فلم يرد فيه التصريح بذكر الحوض، يقول الإمام السفاريني:" وأما ثبوته بالقرآن فاحتمال وليس بصريح، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ ففيه اختلاف: هل الحوض، أو الخير الكثير، أو النهر الذي في الجنة؟ " (١). وقد ذكر أئمة التفسير في تفسير الكوثر ستة أقوال:" نهر في الجنة، الخير الكثير الذي أعطي نبينا ﷺ العلم والقرآن، النبوة، حوض النبي ﷺ كثرة أتباعه " (٢)، مما يدل على أن الحوض لم يرد في القرآن الكريم صريحاً. أما السنة النبوية فأحاديثها في إثبات الحوض متواترة مستفيضة، وقد حكى الأئمة التواتر في أحاديث الحوض: يقول القاضي عياض عن حديث الحوض:" وهو حديث ثابت متواتر النقل، رواه جماعة من الصحابة" (٣). ويقول الإمام القرطبي عن أحاديث الحوض الواردة فيه أنها:" الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي واليقين التواتري، إذ قد روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين" (٤). وذكر الإمام السيوطي أن رواة أحاديث الحوض زيادة عما ذكره القرطبي فقال: "ورد ذكر الحوض من رواية بضع وخمسين صحابيا (٥) "، ثم سردهم.

стр. 477

وقد صرح الإمام ابن عبد البر بتواتر أحاديث الحوض فقال:" وقد ذكرنا أحاديث الحوض وهي متواترة" (١) وقال: "الأحاديث في حوضه ﷺ -متواترة صحيحة ثابتة كثيرة " (٢). وقال الإمام أبو الحسن الأشعري عن أحاديث الحوض:" وقد روي عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه ﵃ أجمعين بلا خلاف " (٣). وقد نقل هذا التواتر جماعات كثيرة من أهل العلم (٤) مما يدل على ثبوت هذه الأحاديث، وأنها حجة يجب الإيمان بها. وقال الشيخ الداودي في حواشيه على الصحيح: مما تواتر حديث من كذب ومن بنى الله بيتاً واحتسب ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض (٥) وأما أدلة إثبات الحوض من السنة فهي كثيرة منها: عن أنس ﵁ قال: دعا النبي ﷺ -الأنصار، ليكتب لهم بالبحرين فقالوا: لا والله حتى تكتب لإخواننا من قريش بمثلها، فقال: ذاك لهم ما شاء الله على ذلك، يقولون له، قال: «فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ» (٦).

стр. 478

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -قال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي، كَمَا تُذَادُ الغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الحَوْضِ» (٢). وعن عقبة بن عامر ﵁، قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين، كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: «إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا» (٣). وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ ، قال:: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الحَوْضَ، حَتَّى عَرَفْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» (٤). فهذه الأدلة وغيرها كلها تصب في الدلالة على إثبات حوض نبينا ﷺ وأنه حق لا شك فيه، وردت فيه من المواصفات في السنة النبوية الشيء الكثير ... نبينها في المسألة التالية:

стр. 479

المسألة الرابعة: أوصاف الحوض المورود: ورد في السنة النبوية ذكر أخبار الحوض المورود يوم القيامة، وذكر بعض أوصافه وميزاته: ١ - من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً: عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» (١). ٢ - آنية الحوض وصفة ماءه: عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ، آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ» (٢). وفي رواية لمسلم: (وسُئل عن شرابه فقال: «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ» (٣). وعن جابر بن سمرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : قال: «أَلَا إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ، كَأَنَّ الْأَبَارِيقَ فِيهِ النُّجُومُ» (٤).

стр. 480

وعن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ فِي حَوْضِي مِنَ الأَبَارِيقِ بِعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ» (١). وعن جابر ﵁، قال رسول الله ﷺ : «الْحَوْضُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ - يَعْنِي عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ - وَكِيزَانُهُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَهُوَ أَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ، وَأَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا» (٢). وعن حذيفة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «بَيْنَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَمُضَرَ آنِيَتُهُ أَكْثَرُ، أَوْ قَالَ: مِثْلُ ـ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ» (٣). فهذه الأحاديث والآثار، تثبت جملة من صفات وميزات الحوض المورود يقول العلامة ابن أبي العز: "والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض، أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنة، من نهر الكوثر، الذي هو أشد بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل وأطيب ريحاً من المسك، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر (٤). ٣ - مسافة الحوض كما بين أيلة وصنعاء:

стр. 481

هذه إحدى الروايات الواردة في السنة المطهرة في تحديد مسافة الحوض واختلفت الروايات في تحديد مسافة الحوض كالآتي (١): ١ - أنه ما بين صنعاء وأيلة. ٢ - أنه ما بين صنعاء والمدينة. ٣ - أنه ما بين عدن وعمان. ٤ - أنه ما بين صنعاء وبصرى. ٥ - أنه ما بين أيلة وعدن. ٦ - أنه ما بين الكوفة والحجر الأسود. ٧ - أنه ما بين الكعبة وبيت المقدس. ٨ - أنه ما بين جرباء وأذرح. ٩ - أنه ما بين الجابية وصنعاء. ١٠ - أنه ما بين صنعاء ومكة ١١ - أنه ما بين البيضاء وبصرى. وكذا اختلفت الروايات بالزمان، فقيل: مسيرة شهر، وقيل: شهران وقيل: ثلاثة. ومع تضافر هذه الروايات الصحيحة في بيان مسافة الحوض، إلا أنه الناظر فيها ربما يجد نوعاً من التضارب بين هذه الروايات، الأمر الذي استدعى العلماء للقيام ببيان أوجه الجمع بين هذه الروايات، مع علمنا ويقيننا بأن النصوص القطعية الثابتة لا تتناقض، وأنه متى حصل هذا التناقض الظاهر، فمرجعه لفهم الناظر لا لصدق المنظور فيه، ولذا صرح أساطين العلماء بأنه مع كثرة الروايات في قدر الحوض ومسافته إلا أنها ليست موجبة للاضطراب يقول الإمام القرطبي:" ظن بعض الناس أن في هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراباً واختلافاً، وليس كذلك " (٢)، ولذا قال القاضي عياض عن هذا الاختلاف في الروايات هي:"من اختلاف التقدير، ليس في حديث واحد فيحسب اختلافاً واضطراباً من الرواة، وإنما جاء في أحاديث مختلفة عن غير واحد من الصحابة سمعوه في مواطن مختلفة" (٣)، ويقول الإمام أحمد القرطبي: " وقد ظن بعض القاصرين، أن ذلك اضطراب، وليس كذلك " (٤).

стр. 482

واجتهد العلماء بعد ذلك، في بيان أوجه الجمع بين النصوص الواردة في مسافة الحوض على طرائق منها: ١ - أن النبي ﷺ : تكلم بحديث الحوض مرات عديدة، وأن ذلك إنما كان بحسب من حضره، ممن يعرف تلك الجهات، فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها (١). ٢ - وقيل: إن الحوض له طول وعرض، وزوايا وأركان، فيكون اختلاف هذه المسافات التي في الحديث على حساب ذلك (٢). ٣ - وقيل: سبب الاختلاف ملاحظة سرعة السير وعدمها، فقد عهد في الناس من يقطع مسافة عشرة أيام في ثلاث أيام، وعكسه وأكثر من ذلك وأقل (٣). ٤ - وقيل: إن القليل من هذه المسافات، داخل تحت الكثير، والكثير باق على ظاهره، يقول الإمام النووي:" وليس في القليل من هذه منع الكثير، والكثير ثابت على ظاهر الحديث، ولا معارضة " (٤). وأقرب الأوجه الأول، يقول الإمام العلائي: "وأما اختلاف الأحاديث في تقدير مسافة الحوض، أوردنا الله إياه بفضله وكرمه، فالكلام عليها مشهور، وأحسن وجه قيل فيه: إن التقدير كان في كل وقت بحسب ما يفهم الحاضرون من المسافة، مع تقارب ذلك وأنه نحو شهر" (٥). المسألة الخامسة: سؤالات العلماء عن الحوض: هناك جملة من السؤالات الواردة عن الحوض المورود، يحسن ذكرها وبيانها إتماماً لهذا المطلب وهي كالآتي: (أ) متى يرد الناس الحوض؟ اختلف العلماء في وقت ورود الخليفة إلى الحوض المورود: فقيل: قبل الصراط، وذهب إليه الأكثر من أهل العلم، يقول الإمام ابن تيمية:" ورود حوض النبي ﷺ قبل الصراط" (٦).

стр. 483

ويقول الإمام القرطبي:" والصحيح: أن للنبي ﷺ حوضين، وكلاهما يسمى كوثراً، وأن الحوض الذي يذاد عنه من بدل وغيّر، يكون في الموقف قبل الصراط" (١). وكذا مال لهذه القول الإمام ابن كثير، علله:" بأنه يذاد عنه أقوام يقال عنهم: إنهم لم يزالوا يرتدون على أعقابهم منذ فارقتهم، فإن كان هؤلاء كفاراً فالكافر لا يجاوز الصراط، بل يكب على وجهه في النار قبل أن يجاوزه، وإن كانوا عصاة فهم من المسلمين، فيبعد حجبهم عن الحوض، لاسيما وعليهم سيما الوضوء، ثم من جاوز لا يكون إلا ناجياً مسلماً، فمثل هذا لا يحجب عن الحوض، فالأشبه و- والله أعلم - أن الحوض قبل الصراط" (٢). وقيل: الحوض بعد الصراط، نقله الإمام القرطبي عن صاحب القوت (٣) ... وهو صنيع الإمام البخاري، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر (٤)، وهو ما صرح به الإمام الغزالي في عقيدته فقال: "يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط" (٥). قال العلامة السفاريني:" ورجح القاضي عياض: أن الحوض بعد الصراط، وأن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار" (٦). والأقرب من القولين - والعلم عند الله تعالى - الأول؛ لأن المقام يقتضيه حيث إن الناس في حاجة إلى الشرب في العرصات قبل الصراط (٧). ويمكن أن يجمع بينهما: "بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم وتأخيره بعده لآخرين، بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار، حتى يهذبوا منها على الصراط" (٨).

стр. 484

وقال الإمام ابن القيم في الجمع بين القولين، بعد أن حكى كلام الإمام القرطبي والغزالي وأنهما غلطا من يقول إنه قبل الصراط:" وأصحاب هذا القول إن أرادوا أن الحوض لا يرى ولا يوصل إليه، إلا بعد قطع الصراط فحديث أبي هريرة هذا وغيره يرد قولهم، وإن أرادوا أن المؤمنين إذا جاوزوا الصراط وقطعوه بدا لهم الحوض فشربوا منه، فهذا يدل عليه حديث لقيط هذا، وهو لا يناقض كونه قبل الصراط، فإن قوله: «طوله شهر، وعرضه شهر»، فإذا كان بهذا الطول والسعة، فما الذي يحيل امتداده إلى وراء الجسر فيرده المؤمنون قبل الصراط وبعده، فهذا في حيز الإمكان، ووقوعه موقوف على خبر الصادق" (١). (ب): إن قيل: ما السر في وجود الحوض؟ فالجواب: شدة العطش، والعرق الكثير يومئذ؛ لأن الشمس تدنى من رؤوس الخلائق، فيشتد العطش والعرق، فجعل له الحوض على عادة العرب، في جعل الأحواض للواردين عليها كالضيافة (٢). (ج) هل لكل نبي حوضاً؟ وردت جملة من الآثار، اختلف العلماء في أسانيدها، فاعتمد عليها جماهير أهل العلم في الحكم بأن لكل نبي حوضاً، في حين نفى البعض أن يكون لكل نبي حوضاً، وحكم على هذه الآثار بالضعف، وجعل الحوض من الخصائص النبوية لنبينا محمد ﷺ في حين ذهب الأولون إلى أن الخصيصة في الحوض هو: ورود الأحاديث في صريحة وواضحة، فهذا وجه التخصيص، أو أن الأمر الذي اختص به نبينا ﷺ ، هو الكوثر، أما الحوض فإن لكل نبي حوضاً، إلا أن حوض نبينا ﷺ ، هو أكبر الأحواض وأكثرها وارداً. فاختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال ثلاثة: ١ - أن لكل نبي حوضاً. ٢ - أن الحوض خاص بنبينا محمد ﷺ . ٣ - أن لكل نبي حوضاً إلا نبي الله صالح ﵇، فإن حوضه ضرع ناقته، وهذا القول نقله الإمام القرطبي، عن البكري المعروف بابن الواسطي، وذكره الإمام البربهاري في شرح السنة (٣).

стр. 485

وأما الآثار الواردة في المسألة: فعن سمرة بن جندب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً» (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِي حَوْضًا مَا بَيْنَ الْكَعْبَةِ، وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَبْيَضَ، مِثْلَ اللَّبَنِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث الواردة في المسألة ثم عقب على حديث سمرة بقوله: "وهذا مرسل عن الحسن، وهو حسن، صححه يحيى بن سعيد القطان وغيره، وقد أفتى شيخنا المزي بصحته من هذه الطرق" (٣). والأقرب من الأقوال - والعلم عند الله - القول الأول: وهو أن لكل نبي حوضاً، للحديث السابق حديث سمرة بن جندب، وقد صححه العلامة الألباني (٤)؛ "ولأن هذا من كمال عدل الله ، فإنه من نهل من شرعه في الدنيا، كان جزاؤه أن ينهل من أحواض الأنبياء يوم القيامة، لكن ليس معلوماً لدينا من أين تستمد هذه الأحواض التي لغير الرسول ﷺ ، أما حوض الرسول ﷺ فإنه يكون من الكوثر " (٥).

стр. 486

واستدل الحافظ ابن حجر برواية: «إني لأذود عن حوضي»، على أن لكل نبي حوضاً فقال: "والحكمة في الذود المذكور: أنه ﷺ يريد أن يرشد كل أحد إلى حوض نبيه، على ما تقدم أن لكل نبي حوضاً، وأنهم يتباهون بكثرة من يتبعهم، فيكون ذلك من جملة إنصافه، ورعاية إخوانه من النبيين" (١). وفي سؤال ورد إلى الشيخ عبد الرحمن بن حسن مفاده:" فيمن يقول: إن الأولياء يردون الحوض مع النبي ﷺ قبل الأنبياء؟ الجواب:" إنما يتم له ما ذُكر، إن ثبت أن الأنبياء يردون حوض النبي ﷺ ولم أر ما يدل على ذلك، بعد الفحص والاطلاع على الأحاديث الواردة في الحوض عن بضعة وخمسين صحابياً، بل الذي رأيته يدل لخلافه، فقد أخرج الترمذي عن سمرة عن النبي ﷺ : «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً». وأخرج الترمذي عن سمرة مرفوعاً: «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَصْحَابًا مِنْ أُمَّتِهِ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ يَوْمَئِذٍ أَكْثَرَهُمْ كُلِّهِمْ وَارِدَةً، فَإِنَّهُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ قَائِمٌ عَلَى حَوْضٍ مَلْآنَ , مَعَهُ عَصًا , يَدْعُو مَنْ عَرَفَ مِنْ أُمَّتِهِ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ سِيمَاءٌ يَعْرِفُهُمْ بِهَا نَبِيُّهُمْ»، فهذان الحديثان صريحان في أن لكل نبي حوضاً مستقلاً ترده أمته" (٢).

стр. 487

المطلب السادس الصراط يقول الإمام ابن تيمية في الواسطية:" والصراط منصوب على متن جهنم وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر الناس عليه قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يُخطف فيلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم فمن مر على الصراط دخل الجنة" (١). الإيمان بالصراط حتم لازم، وفرض جازم، وهو ثابت بالنصوص الشريفة، والإجماع الذي حكاه شيخ الإسلام إجماع مستقر عند الأئمة وأقوالهم فيه كثيرة مستفيضة. وبيان هذا المطلب في المسائل التالية: المسألة الأول: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الصراط: يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على أن الصراط، جسر ممدود على جهنم، يجوز عليه العباد بقدر أعمالهم، وأنهم يتفاوتون في السرعة والإبطاء على قدر ذلك" (٢)، ويقول الإمامان الرازيان:" أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازاً، وعراقاً، وشاماً، ويمناً، فكان من مذهبهم ... والصراط حق" (٣). ويقول الإمام البربهاري: "والإيمان بشفاعة رسول الله ﷺ للمذنبين الخاطئين في يوم القيامة وعلى الصراط ... والإيمان بالصراط على جهنم يأخذ الصراط من شاء الله، ويجوز من شاء الله، ويسقط في جهنم من شاء الله، ولهم أنوار على قدر إيمانهم " (٤).

стр. 488

ويقول الإمام ابن أبي زمنين:" وأهل السنة يؤمنون بالصراط، وأن الناس يمرون عليه يوم القيامة على قدر أعمالهم" (١). ويقول الإمام أبو المظفر الإسفرايني:" وأن تعلم أن الصراط حق " (٢). ويقول الإمام الجويني: "الصراط والميزان والحوض والشفاعة للمذنبين، كل ذلك حق" (٣). ويقول الإمام المتولي:" والصراط حق، وهو جسر ممدود على جهنم يرده الخلائق" (٤). ويقول الإمام ابن قدامة:" والصراط حق يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار " (٥). ويقول الإمام الغزالي:" وأن يؤمن بأن الصراط حق، وهو جسر ممدود على متن جهنم، أحد من السيف، وأدق من الشعرة، تزل عليه أقدام الكافرين، بحكم الله سبحانه، فتهوي بهم إلى النار، وتثبت عليه أقدام المؤمنين بفضل الله، فيساقون إلى دار القرار " (٦). ويقول العلامة الغزنوي:" الصراط حق، وهو جسر ممدود على متن جهنم" (٧). ويقول العلامة الآمدي:" ومذهب أهل الحق من الإسلاميين القول بالحشر، ونصب الصراط " (٨). ويقول الإمام النووي:" إثبات الصراط ومذهب أهل الحق إثباته، وقد أجمع السلف على إثباته، وهو جسر على متن جهنم" (٩).

стр. 489

فأقوال العلماء في هذه المسألة أكثر من أن تحصر، كلها تدل على إثبات الصراط الحقيقي، بمواصفاته الواردة في السنة النبوية المطهرة، يؤمنون بها دون تأويل أو تحريف، أو رد وإنكار. المسألة الثانية: أدلة إثبات الصراط: أدلة إثبات الصراط من القرآن الكريم: ١ - يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم:٧١ - ٧٢]. وهذا فيه" إشارة إلى وجود الصراط، إذ لا يكون الورود إلا بالمرور على الصراط على متن جهنم" (١). يقول الإمام الطبري في معنى الورود:" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يردها الجميع، ثم يصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله ويهوي فيها الكفار، ووروده هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناج مسلّم ومكدس فيها " (٢). وقال ابن مسعود ﵁ في الآية: "الصراط على جهنم مثل حد السيف" (٣). قال أهل التفسير: المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]: يعني: النار، أو المرور. واختلفوا في المراد بالورود على أقوال: ١ - المراد بالورود: الدخول، وعليه جمهور أهل السنة (٤). وهو قول علي وابن عباس ﵃، ورجحه الإمام القرطبي. ٢ - المراد بالورود: المرور، ورجحه الإمام النووي. ٣ - المراد بالورود: الإشراف عليها، والإطلاع إليها، والقرب منها (٥).

стр. 490

٢ - يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ [الحديد:١٢ - ١٣]. يقول ابن مسعود ﵁: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، يعني: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، وقال الحسن: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: يعني على الصراط (١)، وقال قتادة: ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: «إن المؤمن من يضيء نوره»، يعني: على الصراط (٢). يقول الإمام القرطبي:" قال المفسرون: يعطي الله المؤمنين نوراً يوم القيامة على قدر أعمالهم، يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضاً نوراً خديعة لهم" (٣)، ويقول الإمام ابن أبي زمنين في قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾: " وذلك أنه يعطى كل مؤمن ومنافق نوراً على الصراط، فيطفأ نور المنافقين، ويبقى نور المؤمنين" (٤). ويقول الإمام الشوكاني:" والنور: هو الضياء الذي يُرى بين أيديهم وبأيمانهم، وذلك على الصراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنة " (٥).

стр. 491

٣ - يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ [التحريم:٨]. قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة، نور المنافقين قد طفئ (١). وقال الإمام السمعاني:" هو نور الإيمان يكون قدامهم على الصراط، يمشون في ضوئه " (٢). وقال الإمام البغوي:" نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم على الصراط، يقولون إذا طفئ نور المنافقين ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ " (٣). وقيل: إن هذا القول يقوله: من يمر على الصراط زحفاً وحبواً، وقيل: يقوله من يعطى من النور مقدار ما يبصر به موضع قدميه (٤). وقال الإمام الشوكاني في الآية:" وقد تقدم في سورة الحديد أن النور يكون معهم، حال مشيهم على الصراط" (٥).

стр. 492

٤ - وفسر بعض الأئمة قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد:١١]، فسر العقبة: بالصراط يضرب على جهنم كحد السيف، ذكر عن الضحاك ومجاهد (١). وهو أحد التفاسير في الآية، فالآية ليست نصا صريحاً في إثبات الصراط. ٥ - وقال مجاهد في قوله جل وعز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ [يونس:٩] "يهديهم على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نوراً يمشون به" (٢). ٦ - وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٤]:" لما سيقوا إلى النار، حبسوا عند الصراط، لأن السؤال عند الصراط" (٣). قال السمعاني: "فإن قيل: كيف قال: فاهدوهم إلى صراط الجحيم، ثم قال: وقفوهم؟ قلنا: لأنهم يوقفون على الصراط للمساءلة، ويقال إن هذا أشد في التعذيب والتوبيخ " (٤).

стр. 493

أدلة السنة المطهرة في إثبات الصراط: ١ - في حديث أبي هريرة ﵁، الذي أخرجه البخاري في صحيحه، والذي وصف فيه النبي ﷺ الصراط، وفيه «فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ «قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو «(١). ٢ - وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁: « ... ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ، تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ «(٢).

стр. 494

٣ - وفي حديث حذيفة ﵁: « ... وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ «قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا»، قَالَ: «وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنِ اُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ» (١). والأحاديث الواردة في الصراط كثيرة متضافرة متوافرة متواترة، يقول العلامة الإيجي عن الأحاديث الواردة في الصراط:" وكتب الأحاديث طافحة، أي ممتلئة جداً بذلك، الذي أدعينا كونه حقاً، بحيث تواتر القدر المشترك، ولم يبق للمتصف فيه اشتباه" (٢)، وقال العلامة القصري عن الصراط:" وقد نطقت به الآيات والأخبار الصحاح عن رسول الله ﷺ فوجب الإيمان به" (٣).

стр. 495

المسألة الثالثة: المخالفون في الصراط: خالف في بعض الناس، إجماع المسلمين في الإيمان بالصراط، وإثباته بصفاته الواردة في السنة، ولم يكن مع المخالف، مستمسك حق لهذا الإنكار والنفي والتأويل، وممن نسب إليه إنكار الصراط أو بعض صفاته: بشر المريسي (١)، والجهم بن صفوان، ولذا قال الإمام الملطي:" والآثار جاءت بتكذيب جهم في إنكاره، أن الله يجيز على الصراط عبادة" (٢). وأشار في كلام له، أن صنف من الجهمية ينكرون الصراط، فقال:" وأنكروا الصراط أن يكون الله يجيز على الصراط أحد" (٣). ونسب جماعة إلى المعتزلة إنكار الصراط، فقال العلامة المتولي: "وأنكرت المعتزلة الكتب، والصراط" (٤). وقال العلامة يحي العمراني:" وأن الصراط حق، وأن حوض النبي ﷺ حق، وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ ذلك كله" (٥). وقال العلامة التفتازاني:" وأنكره القاضي عبد الجبار وكثير من المعتزلة " (٦). ونسب العلامة السفاريني إنكار بعض صفات الصراط إلى العلامة القرافي والعز بن عبد السلام (٧). والشبة التي تعلق بها من أنكر أو رد أو تأول الصراط، شبه متهافتة، لا تقوم عند قدم التحقيق، خاصة مع ورود النصوص الصحيحة المثبتة للصراط وصفاته، ومن الشبة التي رد بها المخالفون الصراط أو بعض صفاته. (أ) قالوا: لا فائدة من نصب الصراط إلا العبور عليه ، وذلك متعذر جداً بالنسبة إلى الطائع والعاص معاً، لكونه كما قيل: أحد من السيف، وأدق من الشعرة. فقالوا محال في الشاهد ما صفته كذلك أن يمشى عليه (٨).
следующие страницы →