← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

٣ - يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ [التحريم:٨]. قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة، نور المنافقين قد طفئ (١). وقال الإمام السمعاني:" هو نور الإيمان يكون قدامهم على الصراط، يمشون في ضوئه " (٢). وقال الإمام البغوي:" نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم على الصراط، يقولون إذا طفئ نور المنافقين ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ " (٣). وقيل: إن هذا القول يقوله: من يمر على الصراط زحفاً وحبواً، وقيل: يقوله من يعطى من النور مقدار ما يبصر به موضع قدميه (٤). وقال الإمام الشوكاني في الآية:" وقد تقدم في سورة الحديد أن النور يكون معهم، حال مشيهم على الصراط" (٥).

стр. 492

٤ - وفسر بعض الأئمة قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد:١١]، فسر العقبة: بالصراط يضرب على جهنم كحد السيف، ذكر عن الضحاك ومجاهد (١). وهو أحد التفاسير في الآية، فالآية ليست نصا صريحاً في إثبات الصراط. ٥ - وقال مجاهد في قوله جل وعز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ [يونس:٩] "يهديهم على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نوراً يمشون به" (٢). ٦ - وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٤]:" لما سيقوا إلى النار، حبسوا عند الصراط، لأن السؤال عند الصراط" (٣). قال السمعاني: "فإن قيل: كيف قال: فاهدوهم إلى صراط الجحيم، ثم قال: وقفوهم؟ قلنا: لأنهم يوقفون على الصراط للمساءلة، ويقال إن هذا أشد في التعذيب والتوبيخ " (٤).

стр. 493

أدلة السنة المطهرة في إثبات الصراط: ١ - في حديث أبي هريرة ﵁، الذي أخرجه البخاري في صحيحه، والذي وصف فيه النبي ﷺ الصراط، وفيه «فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ «قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو «(١). ٢ - وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁: « ... ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ، تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ «(٢).

стр. 494

٣ - وفي حديث حذيفة ﵁: « ... وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ «قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا»، قَالَ: «وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنِ اُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ» (١). والأحاديث الواردة في الصراط كثيرة متضافرة متوافرة متواترة، يقول العلامة الإيجي عن الأحاديث الواردة في الصراط:" وكتب الأحاديث طافحة، أي ممتلئة جداً بذلك، الذي أدعينا كونه حقاً، بحيث تواتر القدر المشترك، ولم يبق للمتصف فيه اشتباه" (٢)، وقال العلامة القصري عن الصراط:" وقد نطقت به الآيات والأخبار الصحاح عن رسول الله ﷺ فوجب الإيمان به" (٣).

стр. 495

المسألة الثالثة: المخالفون في الصراط: خالف في بعض الناس، إجماع المسلمين في الإيمان بالصراط، وإثباته بصفاته الواردة في السنة، ولم يكن مع المخالف، مستمسك حق لهذا الإنكار والنفي والتأويل، وممن نسب إليه إنكار الصراط أو بعض صفاته: بشر المريسي (١)، والجهم بن صفوان، ولذا قال الإمام الملطي:" والآثار جاءت بتكذيب جهم في إنكاره، أن الله يجيز على الصراط عبادة" (٢). وأشار في كلام له، أن صنف من الجهمية ينكرون الصراط، فقال:" وأنكروا الصراط أن يكون الله يجيز على الصراط أحد" (٣). ونسب جماعة إلى المعتزلة إنكار الصراط، فقال العلامة المتولي: "وأنكرت المعتزلة الكتب، والصراط" (٤). وقال العلامة يحي العمراني:" وأن الصراط حق، وأن حوض النبي ﷺ حق، وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ ذلك كله" (٥). وقال العلامة التفتازاني:" وأنكره القاضي عبد الجبار وكثير من المعتزلة " (٦). ونسب العلامة السفاريني إنكار بعض صفات الصراط إلى العلامة القرافي والعز بن عبد السلام (٧). والشبة التي تعلق بها من أنكر أو رد أو تأول الصراط، شبه متهافتة، لا تقوم عند قدم التحقيق، خاصة مع ورود النصوص الصحيحة المثبتة للصراط وصفاته، ومن الشبة التي رد بها المخالفون الصراط أو بعض صفاته. (أ) قالوا: لا فائدة من نصب الصراط إلا العبور عليه ، وذلك متعذر جداً بالنسبة إلى الطائع والعاص معاً، لكونه كما قيل: أحد من السيف، وأدق من الشعرة. فقالوا محال في الشاهد ما صفته كذلك أن يمشى عليه (٨).

стр. 496

وأجيب عن هذه الشبهة بما يلي: ١ - أنه ليس كل ما لم نجده في الشاهد، يجب أن نجهله. ٢ - أن إمكان العبور عليه ظاهر، كالمشي على الماء، والطيران في الهواء غايته مخالفة العادة، ثم الله تعالى يسهل الطريق على من أراد فيخف على المؤمن، ويشتد على الكافر. ٣ - كيف ينكر جواز العبور على الصراط، والمشي عليه، مع أن ذلك بالنسبة إلى مقدورات الله تعالى، وخلق السموات والأرض وما فيهن، والمشي في الهواء، والوقوف على الماء وشق البحر، وقلب العصا حية، وغير ذلك من المعجزات والأمور الخارقة للعادات أسهل وأيسر، فغير بعيد أن يعين الله تعالى، وييسر ذلك لمن أطاعه ويخذل من عصاه (١). (ب) إنكار أن يكون الصراط (أحد من السيف وأدق من الشعر) ؛ لثبوت أن له جنبتين تقف عليها الملائكة. على أن هذا الوصف لم يرد في الأحاديث الصحيحة، فكونه دقيقاً وحاداً، هذا لم يثبت في أثر صحيح، فضلا على أن أصل وضعه في اللغة: بمعنى الطريق الواسع، هو الأنسب في المعنى، لكي يعبر عليه الناس، وهذه الشبهة متضمنة لمسائل: ١ - قياس الشاهد على الغائب: ويرد عليه: بأن ما ورد من أخبار الآخرة يجب الإيمان به، والتسليم له، وأن أمور الآخرة، ليست على وفق مقاييس وموازين أمور الدنيا، حتى تستبعد مثل هذه القضايا، فالأمر مختلف تماماً. ٢ - أن الوصف الوارد في الحديث: (أحد من السيف، وأدق من الشعر) ... غير موجود في الروايات الصحيحة، كما صرّح بذلك الإمام البيهقي (٢).

стр. 497

ويرد عليه: بأن الأئمة أثبتوا هذا الوصف، في جملة من الأحاديث التي وردت في وصف الصراط، ففي صحيح الإمام مسلم: قال أبو سعيد الخدري ﵁:"وبلغني أن الجسر أدق من الشعر، وأحد من السيف " (١). يقول الإمام النووي:" وأصحابنا المتكلمون وغيرهم من السلف يقولون: إن الصراط أدق من الشعرة، وأحد من السيف، كما ذكره أبو سعيد الخدري ﵁، هنا في روايته الأخرى" (٢). وقال الإمام السخاوي:" وأما قول أبو سعيد الخدري ﵁ ... (بلغني) فإن الصحابي إذا قال شيئاً مما لا مجال للرأي فيه كوصف الصراط بما تقدم حكمه حكم الرفع على الصحيح. فنقل أبي سعيد المشار إليه، قد ورد تصريح الرفع عن غيره من طرق متعددة، يقوي بعضها بعضاً، بل أورد الحاكم في مستدركه على الصحيحين بعضها، فأخرج البيهقي وابن المبارك وابن أبي الدنيا وغيرهم جميعاً، من حديث عبيد بن عمير المتولي، رفعه مرسلاً: (الصراط على جهنم مثل حرف السيف)، وكذا أخرجه البيهقي , وشيخه الحاكم عن ابن مسعود مرفوعاً: (والصراط كحد السيف)، والبيهقي وحده من حديث زياد النميري عن أنس مرفوعاً: (الصراط كحد الشعرة، أوحد السيف)، ومن حديث يزيد الرقاشي عن أنس رفعه أيضاً: (إنه أدق من الشعرة أحد من السيف)، ولأبي يعلى وابن منيع في مسنديهما، عن أبي هريرة مرفوعا: (الصراط كحد السيف) ولأحمد بن حنبل في مسنده، من حديث القاسم عن عائشة في حديث مرفوع أصله عند أبي داود، من حديث الحسن البصري عنها: (ولجهنم جسر أدق من الشعر، وأحد من السيف) " (٣).

стр. 498

وجاء عن سلمان ﵁، أنه قال: ( ... ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) (١). يقول الشيخ الألباني عن هذا الأثر: " وقد رواه الآجري في الشريعة عن عبيد الله بن معاذ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا حماد بن سلمة به موقوفاً على سلمان وإسناده صحيح، وله حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي " (٢). وفي حديث ابن مسعود: (والصراط كحد السيف، دحض مزلة) (٣). على أن وصف الصراط في الأحاديث الصحاح بأنه: (دحض مزلة)، فيه دلالة على ما ورد في الروايات السابقة، وتوافقها في المعنى، من جهة دقة الصراط وحدته. (٣) أن أصل وضع كلمة الصراط: الطريق الواسع، وهو الأنسب في المعنى؛ لكي يعبر عليه الناس. يرد عليه: بما ذكره الإمام ابن تيمية في هذا المقام بأن: "الصراط في لغة العرب: هو الطريق، يقال: هو الطريق الواضح، ويقال: هو الطريق المحدود بجانبين، الذي لا يخرج عنه، ومنه الصراط المنصوب على جهنم وهو الجسر الذي يعبر عليه المؤمنون إلى الجنة، وإذا عبر عليه الكفار سقطوا في جهنم، ويقال: فيه معنى الاستواء والاعتدال، الذي يوجب سرعة العبور عليه" (٤).

стр. 499

فالصراط يطلق أصالة على الطريق، ثم يكون بحسب ما يلحقه من وصف فإن كان قوله في الحديث: (مدحضة مزلة)، فيه احتمال بيان سعة الصراط لأن الدحض والمزلة لا يكونان إلا في طريق واسع (١)، فيقال: هذا الاحتمال لا يقضي على ما جاء في السنة والأثر، من وصف الصراط بأنه: (أحد من السيف وأدق من الشعر)، فاللفظ المطلق في اللغة، دخله وصف التقييد من الشرع، فوجب القول به. ويمكن أن يحمل كلا المعنيين على قول سعيد بن أبي هلال: (بلغنا أن الصراط أدق من الشعر على بعض الناس، ولبعض الناس مثل الوادي الواسع)، وقد حكم عليه الحافظ ابن حجر بأنه: مرسل أو معضل (٢) ... والجواب الأول أولى. ومن هنا قال الإمام السفاريني عن كل تأويل في الحديث:" وهذا مردود والإيمان بما وصفنا من صفات الصراط، بأنه أدق من الشعرة، وأحد من السيف واجب" (٣). المسألة الرابعة: صفات الصراط: من مجموع الأحاديث والآثار الواردة في الصراط، نستخلص صفاته وأهواله: ١ - أن الصراط أمر مفزع، يدل عليه شعار النبيين يومئذ: اللهم سلم سلم. ٢ - أن الصراط جسر ممدود على جهنم، يعبر الناس منه إلى الجنة. ٣ - أن النبي ﷺ وهو أمته، أول من يجوز الصراط. ٤ - أن الصراط مدحضة مزلة، أي: يزل من مشى عليه إلا من عصمه الله تعالى (٤). قال الإمام ابن الأثير: "أراد أنه تزلق عليه الأقدام ولا تثبت " (٥). ٥ - أن الصراط أحد من السيف، وأدق من الشعرة. ٦ - أن الصراط عليه خطأ طيف وكلاليب، ومسكة وشوك، تخطف من أمرت بخطفه. ٧ - تفاوت الناس في المرور عليه على قدر أعمالهم.

стр. 500

فهذه الصفات في الصراط، هي الصفات الواردة في الأحاديث الصحيحة أما ما عداها من صفات، فهي مفتقرة إلى دليل صحيح؛ لأن صفات الصراط من أمور الغيب التي لا تثبت إلا عن طريق السمع. ومن الصفات والأخبار الواردة في الصراط، أو في صفة المرور عليه التي لا يصح شيء منها: - أنه لا يمر على الصراط إلا بجواز فيه التصريح بدخول الجنة. - تحديد مسافة الصراط وأنه مسيرة كذا أو كذا. - أنه من حديد أو من حجر، يقول العلامة القصري:" والصراط المضروب على متن جهنم لم يرد فيه نص صحيح، أنه من حديد ولا من حجر، ولا من تراب، غير أنه جسر مضروب على متن جهنم، ومن زعم ذلك فليأت ببرهان واضح، وسلطان بيّن على ذلك، ولا يقدر على ذلك" (١). ورويت بعض الأحاديث والآثار، التي لا تصح في الصراط، أو وصفه ... أو في عمل يوجب المرور عليه ومنها: - «أثبتكم على الصراط، أشدكم حباً لأهل بيتي ولأصحابي»، وفيه: محمد بن الأشعث وهو كذاب، وموسى بن إسماعيل لا تعرف له رواية (٢). - «من صلى الصلوات الخمس في جماعة حيث كان، وأين كان، أجاز على الصراط كالبرق اللامع»، وفيه: أبو إسحاق الحجازي، يروي عن موسى بن أبي عائشة المناكير الكثيرة، لا يحتج به (٣). وقال الدارقطني: "لا يثبت هذا الحديث" (٤). - «من صلى ليلة الأحد أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة وخمسين مرة "قل هو الله أحد" حرّم الله لحمه على النار، وبعثه الله يوم القيامة وهو آمن من العذاب، ويحاسب حساباً يسيراً، ويمر على الصراط كالبرق اللامع «. قال الإمام الجوزي: "هذا حديث موضوع، وأكثر رواته مجاهيل " (٥).

стр. 501

- «إذا كان يوم القيامة، نادى مناد على رؤوس الأولين والآخرين: من كان خادماً للمسلمين في دار الدنيا، فليقم وليمض على الصراط غير خائف « ... قال أبو نعيم: هذا مما تفرد الفارابي بوضعه، وكان وضاعاً مشهوراً بالوضع (١). - «من صلى المغرب أول ليلة من رجب، وصلى بعدها عشرين ركعة، جاز على الصراط بلا حساب»، فيه: الحسين بن إبراهيم الكذاب (٢). وهذه جملة مختصرة من المرويات الساقطة التي حكم عليها النقاد بالوهن ولا يعني سقوط هذه الأحاديث والآثار أنه لا تنفع الأعمال الصالحة في اجتياز الصراط، بل المقصود هنا، بيان الصحيح من غيره، حتى لا يعتمد إلا على ما صح في السنة، ومن ناقلة القول، أن من كان مستقيماً في هذه الحياة على الصراط المستقيم، كان من أجوز الناس على الصراط بقدر استقامته وتمسكه بدينه. وهنا يُنبه إلى أنه لا ينبغي الخوض في مسائل الغيبيات إلا بما صح في السنة ولا ينبغي كذلك الجزم بشيء من أحواله دون يقين، كمن يسأل عن الصراط: هل خلق أم لم يخلق؟، ونحو هذا من السؤالات، التي لم يرد فيها نص صحيح، يُعتمد في الجواب عليه. ويشار في هذا المقام: إلى أن مسألة مرور الكفار على الصراط مختلف فيه على قولين: فذهب ابن رجب وجماعة: إلى أن الكفار لا يمرون عليه. وذهب ابن تيمية وجماعة: إلى أنه عام لجميع الخلق (٣).

стр. 502

المطلب السابع القنطرة بين الجنة والنار يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:" فإذا عبروا عليه، وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة" (١). من كمال عدل الله جل وعلا، أن يقتص لكل مظلوم ممن ظلمه، ولذا كان ديوان مظالم العباد، من الدواوين التي لا يتركها الله ، حتى يقتص لأصحابها، ويظهر كمال عدله جل وعلا حين يقتص للشاة الجلحاء حين من الشاة القرناء، وهي بهائم، فكيف بالبشر الذين فضلوا وكرموا. وحيث إن الجنة طيبة مطيبة مكرمة لأهلها، فإن النفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة، التي ليس فيها من الخبث شيء، فمتى كان في النفوس خبث، طهرت وهذبت حتى تصلح لسكنى الجنة (٢). يقول الإمام ابن تيمية:" والجنة طيبة لا يصلح أن يدخلها إلا طيب، ولهذا لا يدخلها أحد إلا بعد القصاص الذي ينظفهم من الخبث" (٣). وهذا الأمر مما اتفق عليه الأئمة، فقبل دخول الجنة، لا بد أن تصفى الأجساد من كل كدر، والأنفس من كل غل، يقول الله جل وعلا: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف:٤٣]. وقال : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر:٤٧]. يقول الإمام ابن القطان الفاسي:" واتفقوا أن الأجساد تدخل مع أنفسها الفاضلة الجنة، بعد أن تصفى الأجساد من كل كدر، والأنفس من كل غل" (٤). ولذا كان من كمال حكمة الله تعالى، وكمال عدله، حبس المؤمنين إذا خلصوا من النار في قنطرة، يتقاصون ما بينهم من المظالم والتبعات ... ليخلصوا منها، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.

стр. 503

"ومعلوم أن النفوس الشريرة الخبيثة المظلمة، التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه، لا يصلح أن تسكن دار السلام في جوار رب العالمين، فإذا عذبوا في النار عذاباً تخلص نفوسهم من ذلك الخبث والوسخ والدرن، كان ذلك من حكمة أحكم الحاكمين ورحمته " (١). فأهل السنة والجماعة يؤمنون بالمقاصة بين المؤمنين على القنطرة التي بين الجنة والنار، وهو من أسباب دفع العقوبة، وتكفير السيئة (٢)، فهي قنطرة المؤمنين؛ ليكونوا قبل دخولهم الجنة، أصفياء أنقياء الظاهر والباطن، لذا لا يسقط في هذه القنطرة أحد، كما يسقطون على الصراط، وهي مقاصة بين المحبين؛ ليدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غل على بعض، أو مظلمة لأحد. وثبت في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا «(٣). يقول الإمام ابن بطال: " وهذه المقاصة التي في هذا الحديث، هي لقوم دون قوم، وهم من لا تستغرق مظالمهم جميع حسناتهم؛ لأنه لو استغرقت جميعها، لكانوا ممن وجب لهم العذاب، ولما جاز أن يقال فيهم: (خلصوا من النار)، فمعنى الحديث - والله أعلم - على الخصوص، لمن يكون عليه تبعات يسيرة " (٤).

стр. 504

ويقول الحافظ ابن حجر في شرح حديث النبي ﷺ : «قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ «(١):"أصحاب الجد (بفتح الجيم) أي الغنى، قوله (محبوسون): أي ممنوعون من دخول الجنة مع الفقراء، من أجل المحاسبة على المال، وكان ذلك عند القنطرة التي يتقاصون فيها بعد الجواز على الصراط " (٢). وقال الإمام القرطبي:" هؤلاء المؤمنون هم الذي علم الله أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم" (٣). واختلف الأئمة في كيفية القصاص: هل هو بالحسنات والسيئات، أم بالأبدان، أم بالتتارك؟ مذهب الإمام ابن بطال أن التقاص هنا، يكون بالحسنات والسيئات. ... وقال المهلب: هذه المقاصة إنما تكون في مظالم الأبدان، من اللطمة وشبهها مما للمظالم فيه ممكن لأداء القصاص فيه، بحضور بدنه، فيقال للمظلوم: إن شئت أن تنتصف، وإن شئت أن تعفو للأجر (٤). وقال العلامة العيني: "معنى يتقاصون: يتتاركون؛ لأنه ليس موضع مقاصة ولا محاسبة، لكن يلقي الله ، في قلوبهم العفو لبعضهم عن بعض، أو يعوض الله بعضهم من بعض " (٥). واختلف الأئمة كذلك في القنطرة: هل هي جسر خاص، أم هو جزء من الصراط المنصوب على متن جهنم؟ فذهب البعض إلى أنها صراط خاص، لا علاقة لها بالصراط المنصوب على متن جهنم، وممن ذهب إليه الإمام القرطبي وسماه الصراط الثاني (٦). ومال إليه العلامة العيني (٧).

стр. 505

وذهب البعض الآخر: إلى أنها طرف الصراط الذي يلي الجنة، واختاره الإمام السيوطي، وقال:" هو المختار الذي دلت عليه أحاديث القناطر والحساب على الصراط " (١). وقد ذكره ابن التين عن الداودي احتمالاً (٢). ومن هنا قال الحافظ ابن حجر:" والذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن يكون من غيره بين الصراط والجنة" (٣). وقد تتبعه العلامة العيني في ذكره الاحتمال، وأنه أخذه من حكاية ابن التين عن الداودي في قوله: باحتمال بأن تكون القنطرة طرف الصراط، ثم قال الحافظ:" فإن قلت: هذا يشعر بأن في القيامة جسرين، هذا والآخر على متن جهنم المشهور بالصراط، قلت: لا محذور فيه، ولئن ثبت بالدليل أنه واحد، فلا بد من تأويله: أن هذه القنطرة من تتمة الصراط، وذنابته ونحو ذلك. انتهى. قلت (العيني): سبحان الله، فلا حاجة إلى هذا السؤال بقوله: يشعر إلى آخره؛ لأنه ينادي بأعلى صوته أن القنطرة المذكورة غير الصراط، ولا من تتمته كما ذكرنا، وقوله: ولئن ثبت، ولم يثبت ذلك، فلا حاجة إلى التأويل الذي ذكره (٤) ". وذهب البعض إلى التوقف لعدم ورود النص، يقول العلامة العثيمين:" والصواب في هذا أن نقول: الله أعلم، وليس يعيننا شأنها، لكن الذي يعنينا، أن الناس يوقفون عليها" (٥). وذكر بعض العلماء أن هناك ثمة قناطر غير هذه القنطرة، يقول العلامة السفاريني:" وفي بعض الآثار: إن فيه سبع قناطر، يسأل كل عبد عند كل قنطرة منها، عن أنواع من التكليف" (٦). والأقرب في مثل هذه الأمور الغيبية، التوقف حتى يرد النص المثبت.

стр. 506

المطلب الثامن أول من يستفتح باب الجنة , وأول الأمم دخولاً إلى الجنة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:" وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ وأول من يدخل الجنة من الأمم: أمته " (١). مما اتفقت عليه الأمة، ودلت عليه دلائل الكتاب والسنة، أن النبي ﷺ أفضل الخلق، وفضائله كثيرة. يقول الإمام ابن تيمية:" وفضائله ﷺ وفضائل أمته كثيرة، ومن حين بعثه الله، جعله الله الفارق بين أوليائه، وبين أعدائه " (٢). ويقول الإمام ابن القطان الفاسي في حكاية إجماع العلماء على فضائل النبي ﷺ :" وكذلك اختص محمداً ﷺ -بأن أنزل عليه القرآن العظيم، والذكر الحكيم المعجز ... ، الذي ليس في قدر المخلوقين الإتيان بمثله، ولو تظاهر على ذلك الإنس والجن، وبأن جعله خاتم النبيين، والشفيع للمذنبين من الأولين والآخرين، وبأن أرسله إلى الخلق أجمعين، وخصه بالحوض المورود، والكوثر المحمود " (٣). ويقول الإمام الغزالي في عقيدته:" وفضله على سائر الأنبياء، وجعله سيد البشر، ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد، وهو قولك (لا إله إلا الله)،مالم يقترن بها الشهادة بالرسول، وهو قولك (محمد رسول الله) " (٤). وشرف النبي ﷺ وعلو منزلته، أمر متفق عليه، تواترت مقالات العلماء والأئمة في بيانه: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" وقد اتفق المسلمون على أنه ﷺ أعظم الخلق جاهاً عند الله، ولا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته" (٥).

стр. 507

فهو ﵊: أفضل أولي العزم، وخاتم النبيين، وإمام المتقين، وسيد ولد آدم، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب لواء الحمد، وصاحب الحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة والفضيلة (١). وقد اشتملت عبارة شيخ الإسلام - في عقيدته إلى أهل واسط - على مسألتين اتفق عليها العلماء، وهما: ١ - أنه ﷺ أول من يستفتح باب الجنة. ٢ - أنه أمته ﷺ أول الأمم دخولاً إلى الجنة. وهاتان المسألتان وجه الشرف فيهما: مرجعه شرف صاحب الرسالة. فلما كان النبي ﷺ أفضل البشر مقاماً، وأعلاهم منزلة، وأكملهم رتبة، اختصه الله جل وعلا بجملة من الخصائص، وميزه على سائر الخلق ببعض الميزات،"وجمع الله جل وعلا له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم" (٢). ومن هذه الخصائص والميز: أنه أول من يستفتح باب الجنة، وهذا قد دلت عليه دلائل السنة المطهرة، وهو مقام يُظهر الله جل وعلا فيه شرف النبي ﷺ وعلو مكانته، وعظيم منزلته على العالمين، يوم يقوم الناس لرب العالمين. أخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا». وفي لفظ له: «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ». وفي لفظ آخر: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ «فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ»، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ " (٣).

стр. 508

وما خص الله جل وعلا به نبيه ﷺ من كونه أول من يستفتح باب الجنة ... هو بسبب سؤال أهل الموقف له، يقول الحافظ ابن حجر:" وتقدم في بعض طرقه، أن من جملة سؤال أهل الموقف استفتاح باب الجنة" (١). وقوله (فأستفتح): أي أطلب فتح الباب، ويكون بالقرع لا بالصوت كما يرشد إليه خبر أحمد: (آخذ بحلقة الباب فأقرع) (٢). ومما يدل على كمال التشريف والتكريم للنبي ﷺ في الحديث هذا قوله ... (فأستفتح): وذلك أن الفاء محتملة لمعنى: السببية، والتعقيب، ووجه السببية: أي يتسبب عن الإتيان الاستفتاح. وأما التعقيب فوجهه: الإشارة إلى أنه قد أذن له من ربه بغير واسطة أحد لا خازن ولا غيره، وذلك من أن ورد باب كبير، فالعادة أن يقف حتى ينتهي خبره إليه ويستأمر، فإن أذن في إدخاله فتح له، فالتعقيب إشارة إلى أنه قد صانه ربه عن ذل الوقوف، وأذن له في الدخول قبل الوصول، بحيث صار الخازن مأموره منتظراً لقدومه. ويظهر وجه الشرف أيضاً في قول الخازن للنبي ﷺ :" بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ ". وفي رواية: "ولا أقوم لأحد بعدك"، وذلك لأن قيامه إليه خاصة، إظهاراً لمرتبته ومزيته، ولا يقوم في خدمة أحد غيره (٣). ولذا لا يكاد يخلو مُصنف من مصنفات أهل السنة والجماعة، من ذكر فضائل النبي ﷺ وخصائصه. وذُكر في السنة المطهرة، روايات تبين معنى قوله ﵊: (فأستفتح):

стр. 509

فجاء في حديث أنس ﵁ مرفوعاً: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهَا» (١). ومعنى: فأقعقعها: أي: أحركها لتصوت، والقعقعة حكاية حركة الشيء، يُسمع له صوت (٢). ويقول الإمام ابن القيم: "وهذا صريح في أنها حلقة حسية، تُحرك وتُقعقع " (٣). وجاء في السنة المطهرة، بيان أولية النبي ﷺ -لاستفتاح باب الجنة: فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُفْتَحُ لَهُ بَابَ الْجَنَّةُ إِلا أَنَّهُ تَأْتِي امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي فَأَقُولُ لَهَا: مَا لَكِ وَمَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي» (٤). قال العلامة الخلوتي:" قلت: قد حصل الفتح المقدم على الوصول ... بدعوته ﵇ بالاستفتاح، ولو لم يكن دعاؤه قد سبق لما فتحت، ثم تبقى الأبواب بدعائه مفتوحة إلى أن يفرغ من الحساب، فإذا جاء أهل الجنة بعد الحساب والصراط، يجدونها مفتوحة ببركة دعائه المقدم على ذلك" (٥). وأورد بعض العلماء سؤالات على الحديث:

стр. 510

١ - عُلِمَ من سياق الحديث أن طلب الفتح إنما هو من الخازن، وإلا لما كان هو المجيب. فإن قلت: ورد عن الحسن وقتادة وغيرهما: أن أبواب الجنة يرى ظاهرها من باطنها، وعكسه، وتتكلم، وتعقل ما يقال لها: (انفتحي انغلقي) (١). فلم طلب الفتح من الخازن ولم يطلبه منها بلا واسطة؟ قيل: الظاهر أنها مأمورة بعدم الاستقلال بالفتح والغلق، وأنها لا تستطيع ذلك إلا بأمر عريفها المالك لأمرها بإذن ربها، وإنما يطالب بما يراد من القوم عرفاؤهم. ٢ - قيل: ما ثبت من أن الخازن هو متولي الفتح عارضه حديث سلمان ﵁: «حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ مِنْ ذَهَبٍ فَيَقْرَعَ الْبَابَ فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيُقَالُ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لَهُ» (٢). فالجواب: بأنه لا معارضة بينهما؛ لأن الله تعالى هو الفاتح الحقيقي، وتولي الخازن لذلك، إنما هو بإقدار الله تعالى له وتمكينه. ٣ - قيل: إن ظاهر الحديث مُشكل بما ذكره بعض الأئمة، من أن أبواب الجنة تفتح لأهلها قبل مجيئهم، بدليل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ [ص: ٥٠].

стр. 511

وأجيب: بأنه لا تعارض أو تدافع بين الآية والحديث؛ لأن سياق الآية الكريمة، يدل على أن المعنى: أنهم إذا دخلوها لم تغلق أبوابها عليهم، بل تبقى مفتحة؛ إشارة إلى تعرفهم، وذهابهم، وإيابهم، ودخول الملائكة عليهم من كل باب، بالتحف والألطاف من ربهم، وإلى أنها دار أمن، لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب، كما كانوا في الدنيا (١). ٤ - واستشكل في الحديث الشريف: الأولية في الاستفتاح والدخول للنبي ﷺ بما ورد: (أ) - عند الترمذي من حديث بريدة ﵁، قال: «أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: «يَا بِلَالُ بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ إِنِّي دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي» (٢). وأجيب عن سبق بلال للنبي ﷺ كما في الحديث، بأنه ليس من حيث الحقيقة، وإنما هو بطريق التمثيل؛ لأن عادته في اليقظة، أنه كان يمشي أمامه فلذلك تمثل له في المنام، ولا يلزم من ذلك السبق الحقيقي في الدخول، وإنما رآه أمامه في منامه، والمراد: سريان الروح في حالة النوم في تلك الحالة ... تنبيها على فضيلة عمله. (ب) - وبما ورد عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُفْتَحُ لَهُ بَابَ الْجَنَّةُ إِلا أَنَّهُ تَأْتِي امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي فَأَقُولُ لَهَا: مَا لَكِ وَمَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي» (٣).

стр. 512

وعن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ» (١). والجواب عن هذه الآثار: محمول على تعدد الدخول للنبي ﷺ فالدخول الأول لا يُتقدم، ولا يشاركه فيه أحد، ويتخلل بينه وبين ما بعده دخول غيره، ويدل على تعدد الدخول، الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره عن أنس ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ، وَلَا فَخْرَ وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَإِنِّي آتِي بَابَ الْجَنَّةِ، فَآخُذُ بِحَلْقَتِهَا، فَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: أَنَا مُحَمَّدٌ، فَيَفْتَحُونَ لِي، فَأَدْخُلُ، فَإِذَا الْجَبَّارُ مُسْتَقْبِلِي، فَأَسْجُدُ لَهُ، فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَتَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: اذْهَبْ إِلَى أُمَّتِكَ، فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنَ الْإِيمَانِ، فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَأُقْبِلُ فَمَنْ وَجَدْتُ فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ فَأُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ. فَإِذَا الْجَبَّارُ مُسْتَقْبِلِي، فَأَسْجُدُ لَهُ» (٢). وكرر الدخول أربعاً، يقول العلامة المناوي:" وبه تندفع الإشكالات ... ويستغني عن تلك التكلفات، وقد قيل: بضعف حديث أبي بكر" (٣).

стр. 513

(ج) - وبما أخرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي» (١) قال الإمام ابن شاهين:" تفرد أبو بكر بهذه الفضيلة، لم يشركه فيها أحد " (٢)، وفيه دليل على أنه أفضل هذه الأمة (٣). وأجيب عن هذا الأثر من وجهين: أ. أن الحديث فيه ضعف، فلا يحتج به (٤). ورد: بأن الحاكم أخرجه في مستدركه وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي" (٥). ب. وعلى فرض صحة الحديث فيحمل قوله: «أول من يدخل الجنة من أمتي»، أي من الرجال بعده ﵊. وجاء ما يعارض ما قرره هذا الحديث، من أن أبا بكر أول من يدخل الجنة، من أمة النبي ﷺ وهو حديث أبي بن كعب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُهُ الْحَقُّ عُمَرُ، وَأَوَّلُ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ» (٦)، وأُجيب عن هذا التعارض من وجهين:

стр. 514

أ. أن حديث أبي بن كعب ضعيف، لاتقوم به حجة، قال الإمام ابن كثير: "هذا الحديث منكر جدا، وما أبعد أن يكون موضوعا، والآفة فيه من داوود بن عطاء هذا "، وقال العلامة البوصيري:" هذا إسناد ضعيف، فيه داود بن عطاء المديني، وقد اتفقوا على ضعفه وباقي رجاله ثقات" (١). ب. على فرض الصحة، فلا تعارض بينهما؛ لأن الأولية في حق الصديق مطلقة، والأولية في حق عمر مقيدة بهذه الأمور في الحديث، أفاده الإمام ابن القيم (٢)، وقد حكم على الحديث في موضع آخر، بأنه منكر جداً (٣). والوجه الأول أولى بالتقديم؛ لما ذُكر. فالخلاصة: أن قرع باب الجنة ابتداءً، هو من خصائص النبي ﷺ ومكرماته التي شرفه الله جل وعلا بها (٤). ولذا يقول الإمام العراقي في ألفيته في السيرة، في بيان خصائص الرسول الكريم (٥): أُرسل للناس جميعاً أعطيا ... مقامه المحمود حتى رضيا وخص بالشفاعة العظمى التي ... يحجم عنها كل من لها أُتي أول من تنشق عنه الأرض ... ولا ينام قلبه بل غمض أول من يقوم للشفاعة أول من يقرع باب الجنة أكثر الأنبياء حقا تبعاً يرى وراءه كقدام معا شرف أمة المصطفى ﷺ : يقول الإمام ابن تيمية في الواسطية: "وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته " (٦). وهذا الدخول الأولي، شرف لهذه الأمة، شَرُفَت به؛ لشرف نبيها ﷺ .

стр. 515

يقول الإمام ابن كثير: "وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد ﷺ فإنه أشرف خلق الله، وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبي قبله، ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه، ما لا يقوم الكثير من أعمال غيرهم مقامه " (١). وقد قامت الدلائل الشرعية، على شرف هذه الأمة، يقول الإمام فخر الدين:" أن من كانت معجزاته أظهر يكون ثواب أمته أقل. قال السبكي: إلا هذه الأمة، فإن كانت معجزات نبيها أظهر، وثوابها أكثر من سائر الأمم " (٢). ومن الأدلة الشرعية على إثبات أولية هذه الأمة لدخول الجنة: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ «(٣). وبيّن النبي ﷺ : «أول زمرة من أمته تدخل الجنة فقال: أَوَّلُ زُمْرَةٍ مِنْ أُمَّتِي تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَشَدِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً «(٤). يقول الإمام البغوي:"يريد: نحن الآخرون خروجاً في الدنيا، السابقون في الفضل والكرامة يوم القيامة" (٥). ويقول النبي ﷺ : «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ «(٦).

стр. 516

يقول الإمام ابن بطال:" السابقون يعني: أن أمته يسبقون سائر الأمم بالدخول في الجنة" (١). ويقول الإمام ابن الجوزي:" المعنى: نحن السابقون في الزمان، السابقون في دخول الجنة " (٢). وهم السابقون في الفضل والكرامة على الله تعالى، فسبق هذه الأمة شامل لكل المواقف، فإنهم أول من يحاسب يوم القيامة، ومن يجوز على الصراط ومن يدخل الجنة (٣). يقول الإمام ابن القيم:" هذه الأمة أسبق الأمم خروجاً من الأرض وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف، وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم، وأسبقهم إلى الجواز على الصراط، , وأسبقهم إلى دخول الجنة، فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد، ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته" (٤). وأورد الإمام العراقي سؤالاً على الحديث مفاده:" فإن قلت: كون هذه الأمة آخر الأمم أمر واضح، فما فائدة الإخبار به؟ قلت: يحتمل أنه ذُكر توطئة لوصفهم بالسبق يوم القيامة، وأنه لا يتخيل من تأخرهم في الزمن، تأخرهم في الحظوظ الأخروية، بل سابقون لها ويحتمل أن يراد بذلك: الدلالة على أنهم آخر الأمم، وأن شريعتهم باقية إلى آخر الدهر، مادام التكليف موجوداً، فسائر الأمم وإن سبقوا لكن انقطعت شرائعهم ونسخت، بخلاف هذه الأمة، فإن شريعتها باقية مستمرة، وهذا الاحتمال أمكن من الأول؛ لأنه يكون حينئذ في وصفهم بالآخرية شرف، كما أن وصفهم بالسبق شرفاً، وعلى الأول يكون مجرد ذكره توطئة" (٥).

стр. 517

إذن: فهذه الأمة المرحومة، وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية فهي سابقة لهم في الآخرة، بأنهم أول من يحشر، وأول من يحاسب، وأول من يقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة (١). ومما يؤكد هذه الأولية لهذه الأمة في دخول الجنة: ما جاء عن عمر ﵁ قال، قال النبي ﷺ : «الْجَنَّةُ حُرِّمَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى أَدْخُلَهَا، وَحُرِّمَتْ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي» (٢). وهذه فضيلة لهذه الأمة. يقول الحلبي في سيرته عن هذه الرواية وغيرها: " منقبة عظيمة لهذه الأمة المحمدية، وهي أنه لا يدخل أحد الجنة من الأمم السابقة، ولو من صلحائها، وعلمائها، وزهادها، حتى يدخل من كان يعذب في النار من عصاة هذه الأمة، بناء على أنه لا بد من تعذيب طائفة من هذه الأمة في النار، ولا بُعد في ذلك؛ لأنه تقدم أن أول من يحاسب من الأمم هذه الأمة، فيجوز أن الأمم لا يفرغ حسابهم، ولا يأتون إلى باب الجنة، إلا وقد خرج من كان يعذب من هذه الأمة في النار، ودخل الجنة " (٣). وورد في السنة أن لهذه الأمة باباً خاصاً يدخلون منه: فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي» (٤).

стр. 518

وعن ابن عمر ﵂، عن النبي ﷺ قال: «بَابُ أُمَّتِي الَّذِي يَدْخُلُونَ مِنْهُ الجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ المُجَوِّدِ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَيُضْغَطُونَ عَلَيْهِ حَتَّى تَكَادَ مَنَاكِبُهُمْ تَزُولُ» (١). يقول الإمام ابن القيم:" ولهذا الأمة باب مختص يدخلون منه دون سائر الأمم " (٢). ويقول العلامة القسطلاني بعد ذكر حديث أبي هريرة السابق:" وقد دل هذا الحديث، على أن لهذه الأمة باباً مختصاً يدخلون منه الجنة دون سائر الأمم. قال العلامة الزرقاني: تشريفاً لهم" (٣). والخلاصة: أن هذه الأمة المحمدية المرحومة قد اختصت بما لم تعطه غيرها من الأمم؛ تكرمة لنبيها ﷺ وزيادة في شرفه، قال العلامة القسطلاني:" وتفصيل فضلها وخصائها، يستدعي سفراً بل أسفاراً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (٤). المطلب التاسع الشفاعة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -: "وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف، حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم، عن الشفاعة حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.

стр. 519

وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها " (١). من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بالشفاعة يوم الدين، وأنها حق دلت عليها دلائل الكتاب والسنة، واتفقت على القول بها الأمة، فاستفاضت أقوالهم واشتهرت مقالاتهم في الإيمان بالشفاعة، وأنها لا تكون إلا بشرطين: ١ - رضا الله عن المشفوع له. ٢ - أذن الله تعالى للشافع أن يشفع. يقول : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم:٢٦]، ويقول جل وعلا: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه:١٠٩]، ويقول جلا وعلا: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]. والشفاعة كما أنها في القرآن مثبتة فكذلك هي فيه منفية، وهي الشفاعة ... الباطلة التي يتعلق بها المشركون في أصنامهم، يتعلقون بها، ويدعون أنها تقربهم إلى الله زلفى، يقول الله جل شأنه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس:١٨]. ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ولكن الله جل وعز نفى هذه النوع من الشفاعة وبين بطلانه، وأنها لا تغني شيئاً: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر:٤٨] (٢).

стр. 520

وقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه باباً قال فيه باب:" لكل نبي دعوة مستجابة "، وذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ» (١). يقول الإمام ابن بطال:" وفي هذا الحديث بيان فضيلة نبينا ﷺ -على سائر الأنبياء ﵈، حين آثر أمته بما خصه الله به من إجابة الدعوة بالشفاعة لهم، ولم يجعل ذلك في خاصة نفسه وأهل بيته ... فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء، وصلى الله عليه أطيب الصلاة، فهو كما وصفه الله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة:١٢٨] (٢). وهذا الحديث أصل في إثبات الشفاعة، يقول الإمام ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث إثبات الشفاعة، وهو ركن من أركان اعتقاد أهل السنة، وهم مجمعون أن تأويل قول الله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء:٧٩]، المقام المحمود: هو شفاعته ﷺ في المؤمنين من أمته، ولا أعلم في هذا مخالفاً إلا شيئاً رويته عن مجاهد، وقد رُوي عنه خلافه على ما عليه الجماعة، فصار إجماعاً منهم" (٣). ويقول الإمام الباجي: "وهذا يدل على ثبوت الشفاعة له في الآخرة" (٤). وحوى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية - المذكور أول المطلب جملة من المسائل:

стр. 521

المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الشفاعة: اتفقت كلمة العلماء على إثبات الشفاعة للنبي ﷺ يوم القيامة، واستفاضت أقوالهم في بيان ذلك: يقول الإمام ابن تيمية:" شفاعته للمؤمنين يوم القيامة في زيادة الثواب، ورفع الدرجات، متفق عليها بين المسلمين ... وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته، فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم" (١). ويقول الإمام أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على أن شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وعلى أنه يخرج قوماً من أمته بعدما صاروا حمماً فيطرحون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل" (٢). ويقول العلامة الإيجي:" أجمع الأمة على ثبوت أصل الشفاعة المقبولة له ... ﷺ " (٣). وحكى الإمام أبو منصور الماتريدي، إجماع النقلة على إثبات الشفاعة (٤). وحكى العلامة أبو بكر الكلاباذي الحنفي، إجماع أهل التصوف على إثبات الشفاعة فقال:" أجمعوا على أن الإقرار بجملة ما ذكر الله تعالى في كتابه ... وجاءت به الروايات عن النبي ﷺ في الشفاعة واجب" (٥). ثم استفاضت مقالات العلماء في إثبات الشفاعة: - فقال الإمام ابن أبي زمنين: "وأهل السنة يؤمنون بالشفاعة" (٦). - وقال الإمام الجرجاني:" وأن الشفاعة حق" (٧).

стр. 522

- وقال الإمام أبو يعلى:" فأما المسيئون الموحدون، فإنهم يخرجون منها بالشفاعة" (١). - وقال الإمام الغزالي: "وأن يؤمن بشفاعة الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء، ثم سائر المؤمنين" (٢). - وقال العلامة جمال الدين الغزنوي: " شفاعة نبينا محمد المصطفى والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والعلماء، والصديقين والشهداء، والعالمين، حق" (٣). - وقال الإمام ابن قدامة:" ولسائر الأنبياء، والمؤمنين، والملائكة شفاعات " (٤). فعلماء الأئمة مجمعون على إثبات الشفاعة، قال الإمام ابن القطان الفاسي: "وأجمعوا على أن الإيمان، مع القول بشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته " (٥). وقال العلامة التفتازاني في الشفاعة:"يدل على ثبوتها: النص، والإجماع " (٦).

стр. 523

فهذا طرف من أقوال الأئمة في إثبات الشفاعة على وجه الجملة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية، ثلاث شفاعات للنبي ﷺ : وهي من الشفاعات التي اتفقت على إثباتها الأمة، ودلت عليها دلائل السنة، على أن ثمة أنواع من الشفاعة، يذكرها الأئمة في هذا الباب، غير ما ذكره الإمام ابن تيمية، وفي بعضها تداخل (١). يقول الإمام ابن كثير:"وقد استقصى هذه الشفاعات، الإمام أبو بكر بن خزيمة في آخر كتاب التوحيد، وكذلك أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة له ... وقد جمع الوليد بن مسلم عليه مجلداً، وقد أفردت اسناده في جزء" (٢). المسألة الثانية: الشفاعات التي ذكرها الإمام ابن تيمية: ١ - الشفاعة العظمى، وهي الشفاعة في أهل الموقف حتى يقضى بينهم وهذه الشفاعة حكى الأئمة الإجماع عليها، وأنها من خصائص الرسول الأعظم ﵊، ودلت عليها دلائل الكتاب والسنة. يقول الإمام ابن خزيمة:" باب ذكر الشفاعة، التي خص الله بها النبي ﷺ دون غيره من الأنبياء صلى الله عليهم، وهي الشفاعة الأولى التي يشفع بها لأمته؛ ليخلصهم الله من الموقف الذي قد جمعوا فيه يوم القيامة" (٣). ويقول الإمام ابن حبان: "ذكر الإخبار بأن المصطفى ﷺ إنما يشفع في القيامة، عند عجز الأنبياء عنها في ذلك اليوم " (٤).

стр. 524

ويقول العلامة السفاريني عن هذه الشفاعة:" لكن هذه الشفاعة العظمى مجمع عليها، لم ينكرها أحد ممن يقول بالحشر، إذ هي للإراحة من طول الوقوف، حين يتمنون الانصراف من موقفهم ذلك ولو إلى النار " (١). وهذه الشفاعة من خصائص النبي ﷺ يقول الإمام ابن الملقن في كتاب الخصائص:" أن له ﷺ شفاعات: أولاهن: الشفاعة العظمى في الفصل بن أهل الموقف، حين يفزعون إليه بعد الأنبياء، كما ثبت في الصحيح في حديث الشفاعة" (٢). وهنا يتبادر سؤال وهو: متى كانت هذه الشفاعة خاصة لنبينا ﷺ فلِمَ لم يلهم الناس المجيء إلى صاحبها؟ يقول الحافظ ابن حجر: "ولعل الله تعالى أنساهم ذلك؛ للحكمة التي تترتب عليه، من إظهار فضل نبينا ﷺ " (٣). واستدل الأئمة على إثبات هذه الشفاعة بما يلي: أ. قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء:٧٩]. ورد عن عبد الله بن عمر ﵄، تفسير المقام المحمود بالشفاعة العظمى يقول: "إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاً، كل أمة تتبع نبيها يقولون يا فلان اشفع لنا، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود " (٤). وهذا القول هو الصحيح في تفسير (المقام المحمود) وهو الذي دلت عليه الدلائل، وعليه جمهور الصحابة ومن بعدهم، حتى بالغ الإمام الواحدي وحكى فيه إجماع المفسرين (٥). وقد حكاه الإمام ابن عبد البر كذلك (٦).

стр. 525

يقول الإمام ابن رجب: "والمقام المحمود: فسر بالشفاعة، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وغيرهم" (١). أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄، قال: «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ » وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: «فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ» (٢). يقول الإمام ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث:" فهذه هي الشفاعة العظمى، التي يمتاز بها عن جميع الرسل أولي العزم، بعد أن يسأل كل واحد منهم أن يقوم فيها، فيقول لست هناكم، اذهبوا إلى فلان، فلا يزال الناس من رسول إلى رسول، حتى ينتهوا إلى محمد ﷺ فيقول: أنا لها، فيذهب فيشفع في أهل الموقف كلهم عند الله تعالى؛ ليفصل بينهم، ويريح بعضهم من بعض" (٣). وساق العلامة الألباني حديث ابن عمر، وذكر سياقه من كتاب التوحيد لابن خزيمة، ثم قال: "وهذا حديث عزيز في المقام المحمود، وأنه شفاعته ﷺ الخاصة به" (٤).

стр. 526

وأخرج الإمام الترمذي في جامعه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩] وسئل عنها قال: «هي الشفاعة» (١). وقال العلامة الألباني:" حديث صحيح، وإسناده ضعيف، وحسنه الترمذي؛ لأن له شاهداً من حديث كعب بن مالك ... عن كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال: «يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ وَيَكْسُونِي رَبِّي ﵎ حُلَّةً خَضْرَاءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي، فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ فَذَاكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ»، إسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات. وقد صرح بقية بالتحديث، فأمنا بذلك من شر تدليسه. على أنه قد تابعه محمد بن حرب ... ثنا الزبيدي به" (٢). وبعد أن رجح الإمام الطبري القول بأن المقصود بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ أنها الشفاعة، ساق الأدلة الدالة على ذلك (٣). واستدل بعض الأئمة على ثبوت الشفاعة العظمى للنبي ﷺ ، بما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: ... وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» (٤).

стр. 527

يقول الإمام ابن دقيق العيد:" قوله: ﷺ : وأعطيت الشفاعة (للعهد) وهو ما بينه ﷺ ، من شفاعته العظمى، وهي شفاعته في إراحة الناس من طول القيام، بتعجيل حسابهم، وهي شفاعة مختصة به ﷺ ، ولا خلاف فيها" (١). ويقول الإمام النووي:" قوله ﷺ : وأعطيت الشفاعة، هي الشفاعة العامة التي تكون في المحشر، بفزع الخلائق إليه، ﷺ ؛ لأن الشفاعة في الخاصة جُعلت لغيره أيضاً " (٢). ويقول الإمام العراقي: "وأما تخصيصه بالشفاعة، فالمراد: الشفاعة العامة التي تكون في الحشر، عندما يفزع الناس للأنبياء، فكلهم يقول: لست لها حتى يأتوا نبينا ﷺ ، فيقول: أنا لها، فأما الشفاعة الخاصة، فقد ثبتت لغيره من الأنبياء، والملائكة، والمؤمنين" (٣). (٢) شفاعة النبي ﷺ ، في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة: وهذه الشفاعة خاصة للنبي ﷺ ، ابتداء دون غيره في موقف القيامة، وقد نص جماعات من أهل العلم على ثبوت هذه الشفاعة مع توافر الأدلة وتضافرها على إثبات هذا النوع من الشفاعة. وممن نص من أهل العلم على ثبوت هذه الشفاعة: الذهبي، وابن رجب ... وابن كثير، وابن القيم، وابن أبي العز (٤). وهذه الشفاعة خاصة بالنبي ﷺ فيتقدم لها حين يحبس المؤمنون على القنطرة فيشفع لهم بدخول الجنة. وأدلة ثبوت هذا النوع من الشفاعة: ما جاء عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا» (٥).

стр. 528

وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» ... (١). وعنه ﵁، أن النبي ﷺ قال: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» (٢). وفي حديث أبي هريرة ﵁، في الشفاعة، وفيه: أن النبي ﷺ قال: «فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ» (٣). (٣) الشفاعة فيمن استحق النار، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:" وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها " (٤). تضمن كلام شيخ الإسلام إثبات نوعين من أنواع الشفاعة، وهي الشفاعة في أهل الكبائر: أ. الشفاعة لأناس استحقوا النار أن لا يدخلوها. ب. الشفاعة لمن دخلوا النار أن يخرجوا منها. والقسم الأول: الذي حكاه الإمام ابن تيمية: متفق عليه عند أهل السنة في الجملة؛ لأنه يدخل في عمومات النصوص الصريحة المتواترة، في إخراج العصاة من النار، فمتى ثبت بالنص إخراج العصاة من النار بالشفاعة، فمن باب أولى تكون الشفاعة في دفع العذاب قبل وقوعه.

стр. 529

ومع أن بعض الأئمة نص على عدم وجود دليل صريح يدل على هذا النوع من الشفاعة كالإمام ابن القيم (١)، إلا أن جماعة من الأئمة كالحافظ ابن حجر (٢) احتج لها بحديث حذيفة ﵁، عند مسلم، وفيه: «وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ» (٣). وقد ذكر الإمام ابن كثير (٤) جملة من الآثار تدل على هذه الشفاعة إلا أنها لا تثبت، ولذا قال العلامة ابن العثيمين عن هذا النوع من الشفاعة:" ولكني إلى الآن لم أجد لها دليلاً صحيحاً صريحاً، وقد وردت فيها أحاديث في إسنادها مقال، لكن تعددها، وتلقي الأمة لها بالقبول، يدل على ثبوتها" (٥). وقال في موضع آخر: "وأما فيمن استحقها أن لا يدخلها، فهذه تستفاد من دعاء الرسول ﷺ للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم، فإنه من لا زم ذلك ألا يدخل النار " (٦). وقد نص على إثبات هذا النوع من الشفاعة جماعات من أهل العلم، منهم: الأئمة (الذهبي، والقاضي عياض، والنووي، وابن كثير، والقرطبي، وابن أبي العز، وابن الملقن، والسيوطي، والسفاريني , المقريزي) (٧). "وقد نُقل عن الإمام أحمد: والشفاعة يوم القيامة حق، يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار.

стр. 530

وقال الإمام ابن عبد البر:" وقد قيل: إن الشفاعة منه ﷺ تكون مرتين مرة في الوقف، يشفع في قوم فينجون من النار ولا يدخلونها" (١). وأما القسم الثاني: من أقسام الشفاعة التي حكاها ابن تيمية في الشفاعة لأهل الكبائر، فأمر متفق عليه عند الأكابر، وقد حكى العلماء فيه الإجماع واستفاضت أقوالهم، ودلت عليها الدلائل الشرعية، وهذا النوع هو مفصل النزاع بين أهل السنة والجماعة ومن عداهم من المخالفين في هذه المسألة. وقد حكى الإمام ابن تيمية الاتفاق على هذه المسألة في أكثر من موضع فقال:" وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر الأئمة الأربعة وغيرهم " (٢). وقال في إجابة سؤال ورد إليه عن مصير أهل الكبائر:" إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي ﷺ وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين" (٣). وقال الإمام أبو الحسن الأشعري:" وأجمعوا على أن شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته وعلى أنه يخرج من النار قوماً من أمته بعدما صاروا حمماً فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل " (٤). وقال الإمام ابن شاهين:" وأشهد أن الله يدخل قوماً النار من أهل التوحيد بذنوبهم ثم يخرجهم بشفاعة الشافعين فيدخلهم الجنة" (٥).
следующие страницы →