← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وأخرج الإمام الترمذي في جامعه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩] وسئل عنها قال: «هي الشفاعة» (١). وقال العلامة الألباني:" حديث صحيح، وإسناده ضعيف، وحسنه الترمذي؛ لأن له شاهداً من حديث كعب بن مالك ... عن كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال: «يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ وَيَكْسُونِي رَبِّي ﵎ حُلَّةً خَضْرَاءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي، فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ فَذَاكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ»، إسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات. وقد صرح بقية بالتحديث، فأمنا بذلك من شر تدليسه. على أنه قد تابعه محمد بن حرب ... ثنا الزبيدي به" (٢). وبعد أن رجح الإمام الطبري القول بأن المقصود بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ أنها الشفاعة، ساق الأدلة الدالة على ذلك (٣). واستدل بعض الأئمة على ثبوت الشفاعة العظمى للنبي ﷺ ، بما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: ... وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» (٤).

стр. 527

يقول الإمام ابن دقيق العيد:" قوله: ﷺ : وأعطيت الشفاعة (للعهد) وهو ما بينه ﷺ ، من شفاعته العظمى، وهي شفاعته في إراحة الناس من طول القيام، بتعجيل حسابهم، وهي شفاعة مختصة به ﷺ ، ولا خلاف فيها" (١). ويقول الإمام النووي:" قوله ﷺ : وأعطيت الشفاعة، هي الشفاعة العامة التي تكون في المحشر، بفزع الخلائق إليه، ﷺ ؛ لأن الشفاعة في الخاصة جُعلت لغيره أيضاً " (٢). ويقول الإمام العراقي: "وأما تخصيصه بالشفاعة، فالمراد: الشفاعة العامة التي تكون في الحشر، عندما يفزع الناس للأنبياء، فكلهم يقول: لست لها حتى يأتوا نبينا ﷺ ، فيقول: أنا لها، فأما الشفاعة الخاصة، فقد ثبتت لغيره من الأنبياء، والملائكة، والمؤمنين" (٣). (٢) شفاعة النبي ﷺ ، في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة: وهذه الشفاعة خاصة للنبي ﷺ ، ابتداء دون غيره في موقف القيامة، وقد نص جماعات من أهل العلم على ثبوت هذه الشفاعة مع توافر الأدلة وتضافرها على إثبات هذا النوع من الشفاعة. وممن نص من أهل العلم على ثبوت هذه الشفاعة: الذهبي، وابن رجب ... وابن كثير، وابن القيم، وابن أبي العز (٤). وهذه الشفاعة خاصة بالنبي ﷺ فيتقدم لها حين يحبس المؤمنون على القنطرة فيشفع لهم بدخول الجنة. وأدلة ثبوت هذا النوع من الشفاعة: ما جاء عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا» (٥).

стр. 528

وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» ... (١). وعنه ﵁، أن النبي ﷺ قال: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» (٢). وفي حديث أبي هريرة ﵁، في الشفاعة، وفيه: أن النبي ﷺ قال: «فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ» (٣). (٣) الشفاعة فيمن استحق النار، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:" وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها " (٤). تضمن كلام شيخ الإسلام إثبات نوعين من أنواع الشفاعة، وهي الشفاعة في أهل الكبائر: أ. الشفاعة لأناس استحقوا النار أن لا يدخلوها. ب. الشفاعة لمن دخلوا النار أن يخرجوا منها. والقسم الأول: الذي حكاه الإمام ابن تيمية: متفق عليه عند أهل السنة في الجملة؛ لأنه يدخل في عمومات النصوص الصريحة المتواترة، في إخراج العصاة من النار، فمتى ثبت بالنص إخراج العصاة من النار بالشفاعة، فمن باب أولى تكون الشفاعة في دفع العذاب قبل وقوعه.

стр. 529

ومع أن بعض الأئمة نص على عدم وجود دليل صريح يدل على هذا النوع من الشفاعة كالإمام ابن القيم (١)، إلا أن جماعة من الأئمة كالحافظ ابن حجر (٢) احتج لها بحديث حذيفة ﵁، عند مسلم، وفيه: «وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ» (٣). وقد ذكر الإمام ابن كثير (٤) جملة من الآثار تدل على هذه الشفاعة إلا أنها لا تثبت، ولذا قال العلامة ابن العثيمين عن هذا النوع من الشفاعة:" ولكني إلى الآن لم أجد لها دليلاً صحيحاً صريحاً، وقد وردت فيها أحاديث في إسنادها مقال، لكن تعددها، وتلقي الأمة لها بالقبول، يدل على ثبوتها" (٥). وقال في موضع آخر: "وأما فيمن استحقها أن لا يدخلها، فهذه تستفاد من دعاء الرسول ﷺ للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم، فإنه من لا زم ذلك ألا يدخل النار " (٦). وقد نص على إثبات هذا النوع من الشفاعة جماعات من أهل العلم، منهم: الأئمة (الذهبي، والقاضي عياض، والنووي، وابن كثير، والقرطبي، وابن أبي العز، وابن الملقن، والسيوطي، والسفاريني , المقريزي) (٧). "وقد نُقل عن الإمام أحمد: والشفاعة يوم القيامة حق، يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار.

стр. 530

وقال الإمام ابن عبد البر:" وقد قيل: إن الشفاعة منه ﷺ تكون مرتين مرة في الوقف، يشفع في قوم فينجون من النار ولا يدخلونها" (١). وأما القسم الثاني: من أقسام الشفاعة التي حكاها ابن تيمية في الشفاعة لأهل الكبائر، فأمر متفق عليه عند الأكابر، وقد حكى العلماء فيه الإجماع واستفاضت أقوالهم، ودلت عليها الدلائل الشرعية، وهذا النوع هو مفصل النزاع بين أهل السنة والجماعة ومن عداهم من المخالفين في هذه المسألة. وقد حكى الإمام ابن تيمية الاتفاق على هذه المسألة في أكثر من موضع فقال:" وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر الأئمة الأربعة وغيرهم " (٢). وقال في إجابة سؤال ورد إليه عن مصير أهل الكبائر:" إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي ﷺ وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين" (٣). وقال الإمام أبو الحسن الأشعري:" وأجمعوا على أن شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته وعلى أنه يخرج من النار قوماً من أمته بعدما صاروا حمماً فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل " (٤). وقال الإمام ابن شاهين:" وأشهد أن الله يدخل قوماً النار من أهل التوحيد بذنوبهم ثم يخرجهم بشفاعة الشافعين فيدخلهم الجنة" (٥).

стр. 531

وقال الإمام معمر بن أحمد:" ولما رأيت غربة السنة وكثرة الحوادث، واتباع الأهواء، أحببت أن أوصي أصحابي وسائر المسلمين، بوصية من السنة وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث الأثر، وأهل المعرفة والتصوف، من السلف المتقدمين والبقية من المتأخرين، فأقول وبالله التوفيق: .... وأن قوماً يخرجون من النار، يخرجهم الله برحمته، فيلقيهم في نهر على باب الجنة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، بعدما امتحشوا، فصاروا حمماً، ثم يدخلهم الله الجنة، حتى لا يبقى في النار من كان في قلبه مثقال حبة أو ذرة من إيمان ... فهذه السنة التي اجتمعت عليها الأئمة" (١). وقال الإمام ابن القطان الفاسي:" وأجمعوا على أن الله تعالى يخرج من في قلبه شيء من الإيمان، بعد الانتقام منه، وأجمعوا على أن يخرج من النار قوماً من أمته ﷺ بعدما صاروا حمماً، فيطرحون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل" (٢). وقال الإمام الباقلاني:" والأخبار في الشفاعة أكثر من أن يؤتى عليها وهي كلها متواترة متوافية على خروج الموحدين من النار، بشفاعة الرسول ﷺ وآله، وإن اختلفت ألفاظها ... وقد أطبق سلف الأمة، على تسليم هذه الرواية وصحتها، مع ظهورها وانتشارها، والعلم بأنها مروية عن الصحابة والتابعين " (٣). وقال الإمام ابن أبي زمنين:" وأهل السنة يؤمنون بأن الله عز ... وجل، يدخل ناساً الجنة من أهل التوحيد، بعدما مستهم النار، برحمته ﵎ اسمه، وبشفاعة الشافعين" (٤).

стр. 532

وقال الإمام أبو حنيفة:" وشفاعة النبي ﷺ للمؤمنين المذنبين، ولأهل الكبائر منهم، المستوجبين العقاب، حق" (١). وقال الإمام الجرجاني:" ويقولون إن الله يخرج من النار، قوماً من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين " (٢). ... وقال الإمام الذهبي:" نؤمن أن الله تعالى يخرج من النار، من قلبه أدنى وزن ذرة من إيمان، برحمته، وكرمه، وشفاعة نبيه، وغير ذلك" (٣). وقال الإمام ابن قدامة:" ويشفع نبينا ﷺ -فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته، بعدما أحترقوا وصاروا فحماً وحمماً، فيدخلون الجنة بشفاعته" (٤). ... وقال الإمام العراقي:" وقد أجمع عليها أهل السنة" (٥).

стр. 533

ودلّ على هذا النوع من الشفاعة، جملة من الأحاديث المتواترة المتضافرة عن رسول الله ﷺ ، قال عنها الإمام ابن عبد البر:" والآثار في هذا كثيرة متواترة والجماعة أهل السنة على التصديق بها، ولا ينكرها إلا أهل البدع " (١) فأخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ «(٢). وأخرج أيضاً من حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» (٣). وهؤلاء هم الجهنميون، فعن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، يُسَمَّوْنَ الجَهَنَّمِيِّينَ» (٤). وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ: الجَهَنَّمِيِّينَ» (٥).

стр. 534

وعن جابر ﵁، في سياق حديث ورود النار: «ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مِنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ، وَيَجْعَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْءِ فِي السَّيْلِ، وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا» (١). وفي حديث أنس الطويل في أمر الشفاعة وفيه: «ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ، فَأَقُولُ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ» (٢). وفي حديث أبي سعيد ﵁، عند مسلم: فيقول الله : «شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (٣).

стр. 535

وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (١). وعن جابر ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» قال محمد بن علي: فقال لي جابر: يا محمد، من لم يكن من أهل الكبائر فماله وللشفاعة (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «خُيِّرْتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ، أَوْ يَدْخُلُ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، لِأَنَّهَا أَعَمُّ وَأَكْفَى أَتُرَوْنَهَا لِلْمُنَقَّيْنَ، لَا وَلَكِنَّهَا لِلْمُتَلَوِّثِينَ الْخَطَّاءُونَ» قَالَ زِيَادٌ: " أَمَا إِنَّهَا لَحْنٌ وَلَكِنْ هَكَذَا حَدَّثَنَا الَّذِي حَدَّثَنَا " (٣). فهذه الأحاديث الشريفة وغيرها، تدل على شفاعة النبي ﷺ وغيره، في أصحاب الذنوب والكبائر، وهي مختصة بهم دون من حُكِم عليه بالخلود في النار من الكفار والمنافقين، وعليهم يصدق قوله جل وعلا: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر:٤٨]، يقول العلامة ابن أبي العز: " وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها، لكانوا بمنزلتهم (٤).

стр. 536

المسألة الثالثة: الأدلة العامة على إثبات الشفاعة في الآخرة: دلالات نصوص الوحيين مستفيضة على إثبات الشفاعة في الآخرة، وأنها حق لا شك فيه. وجاءت النصوص الشريفة بالإشارة إلى نوعي الشفاعة في الآخرة، المثبتة للمؤمنين، والعصاة، وأهل الكبائر، والمنفية عن المشركين ونحوهم. (أ) الأدلة المثبتة للشفاعة من القرآن الكريم: الأدلة المثبتة للشفاعة من القرآن الكريم كثيرة متضافرة، جاءت في سياقات مختلفة، كلها تدل على أن الشفاعة حق محض لله وحده جل في علاه، وأن الله سبحانه يتفضل على من يشاء من عباده، بأن يشفع بعد إذنه ورضاه جل في علاه. يقول الرب : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ... ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ... ﴾ [يونس:٣] ... ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه:١٠٩]، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ... ﴾ [الأنبياء:٢٨]، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ [السجدة:٤]، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم:٢٦]. ومن الأدلة على إثبات الشفاعة للمؤمنين، ونفيها عن الكافرين، قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر:٤٨]، يقول الإمام الطبري:" وفي هذه الآية دلالة واضحة، على أن الله تعالى ذكره، مشفع بعض خلقه من بعض " (١). ويقول الإمام القرطبي:" هذا دليل على صحة الشفاعة للمذنبين" (٢).

стр. 537

ويقول الإمام النسفي:" ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾: من الملائكة والنبيين، والصالحين؛ لأنها للمؤمنين دون الكافرين، وفيه دليل ثبوت الشفاعة للمؤمنين" (١). والآيات في إثبات الشفاعة كثيرة. (ب) الأدلة المثبتة للشفاعة في الآخرة من السنة المطهرة: تواترت الأحاديث الشريفة في إثبات الشفاعة يوم الدين، وقد نص العلماء على هذا التواتر في مقالاتهم، وهذا التواتر محكي عن العلماء في عموم الشفاعة وفي بعض أنواعها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" وأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة، وغيرهم، فيقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أن الله يخرج من النار قوماً بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة محمد ﷺ ويخرج آخرين بشفاعة غيره، ويخرج قوماً بلا شفاعة" (٢). ويقول الإمام الذهبي عن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر كذلك:" هي من المتواتر القطعي" (٣). ويقول الإمام ابن عبد البر عن أحاديث الشفاعة عموماً:" والأحاديث فيه متواترة عن النبي ﷺ صحاح ثابتة" (٤). ونص الإمام ابن حزم على تواتر أحاديث الشفاعة فقال:" وصحت بذلك الأخبار المتواترة المتناصرة بنقل الكواف لها" (٥). وقال الإمام الشاطبي في معرض رده على أهل البدع:" وردوا الأحاديث في الشفاعة على تواترها" (٦).

стр. 538

وقال العلامة ابن الوزير:" وأحاديث الشفاعة المصرحة بخروج الموحدين من النار، قاطعة في معناها بالإجماع، وهي قاطعة في ألفاظها" (١). ومن الأحاديث الواردة في الشفاعة غير ما سبق: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (٢). وعن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ -قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع النبي ﷺ ، وذكر عنده عمه فقال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ» (٤).

стр. 539

وعن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قيل يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ ... أَوْ نَفْسِهِ» (١). وعن زياد بن أبي زياد مولى بني مخزوم عَنْ خَادِمٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّا يَقُولُ لِلْخَادِمِ: «أَلَكَ حَاجَةٌ؟» قَالَ: حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ حَاجَتِي قَالَ: «وَمَا حَاجَتُكَ؟» قَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: «وَمَنْ دَلَّكَ عَلَى هَذَا؟» قَالَ: رَبِّي قَالَ: «إِمَّا لَا فَأَعِنِّي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (٢). المسألة الرابعة: المخالفون في أمر الشفاعة يوم الدين: مع اتفاق الأئمة على ثبوت الشفاعة في الآخرة، وتواتر النصوص على إثباتها، إلا أن بعض الناس خالف في بعض أنواع الشفاعات، فنفوها؛ بناء على أصول فاسدة جرتهم إلى هذا النفي. وممن أنكر الشفاعة جملة وتفصيلاً: الجهم بن صفوان، يقول العلامة الملطي:"وأنكر جهم الشفاعة، وأن قوماً يخرجون من النار"، وقال عن اتباع الجهم: "وأنكروا الشفاعة، أن يشفع رسول لله ﷺ لأحد من أمته، وأن ... يخرج الناس من النار بعدما دخلوها" (٣). وكذا أنكرت الخوارج والمعتزلة، شفاعة الشافعين في أهل الكبائر، وممن نص على إنكارهم:

стр. 540

الإمام أبو الحسن الأشعري فقال:" واختلفوا في شفاعة رسول الله ﷺ : هل هي لأهل الكبائر؟ فأنكرت المعتزلة ذلك، وقالت بإبطاله" (١). وقال الإمام أبو المظفر الإسفرايني في ذكر فضائح المعتزلة القدرية:" ثم زادوا على هذا ما هو أفضح منه، فأنكروا من مفاخر رسول الله ﷺ ما كان مختصاً به زائداً على الأنبياء، كوجود المعراج، وثبوت الشفاعة له يوم القيامة " (٢). ويُشار هنا إلى أن المعتزلة والخوارج ونحوهم، لا ينكرون الشفاعة العظمى التي هي المفخرة للنبي ﷺ يوم الدين، وإنما استقر إنكارهم في الشفاعة لأهل الكبائر، وعليه فإن كان مقصود الإمام الاسفرايني إنكارهم الشفاعة العظمى فهذا غير مُسلّم؛ لأنه لم ينكرها أحد، إن كان المقصود إنكارهم الشفاعة في أهل الكبائر، فهذا الذي نحن فيه، ونقرره من كلام أهل العلم. وقال الإمام المتولي: "شفاعة المصطفى ﵇، حق في حق العصاة من أمته، وأنكرت المعتزلة له ذلك وقالوا: لا يجوز الشفاعة لأهل الكبائر وشفاعته ﷺ لرفع الدرجات لا لغفران السيئات" (٣). وقال الإمام الرازي: " القول بشفاعة الرسول ﷺ في حق فساق الأمة حق خلافًا للمعتزلة" (٤). وقال العلامة العمراني:" وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ الشفاعة وذلك لاعتمادهم على عقولهم الفاسدة، وأخذهم بالمتشابه من القرآن وتركهم الأخبار المروية الثابتة في الصحاح" (٥). وقال الإمام العراقي:" ومنع منها الخوارج وبعض المعتزلة، على مذهبهم الفاسد في تخليد أهل الكبائر في النار". (٦)

стр. 541

ويقول الإمام ابن تيمية: "والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر من أمته" (١). ويقول الإمام ابن القيم:" كما رد الخوارج والمعتزلة النصوص المتواترة الدالة على خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة، فكذبوا بها، وقالوا: لا سبيل لمن دخل النار إلى الخروج منها بشفاعة ولا غيرها" (٢). ويقول في موضع آخر:" وردت الخوارج ما شاء الله من الأحاديث الدالة على الشفاعة، وخروج أهل الكبائر من الموحدين من النار، بما فهموه من ظاهر القرآن" (٣). ويقول أيضاً:" المثال الخامس: رد الخوارج والمعتزلة النصوص الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت الشفاعة للعصاة، وخروجهم من النار بالمتشابه" (٤). فالنقول عن الأئمة كثيرة جداً، في حكاية أقوال المخالفين من المعتزلة والخوارج، ومن نحا نحوهم في إنكار الشفاعة في أهل الكبائر، بناء ًعلى أصلهم الفاسد وهو:" أنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق، وهم في ذلك مخالفون للكتاب والسنة، أثار الصحابة والتابعين لهم بإحسان مع مخالفة صريح المعقول. ثم طرد الخوارج والمعتزلة هذا الأصل الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد، طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية يستحق بها العقاب ولا يكون الشخص الواحد محموداً من وجه، مذموماً من وجه، ولا محبوباً مدعوا من وجه، مسخوطاً ملعوناً من وجه، ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعاً عندهم، بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار، أو الشفاعة في أحد من أهل النار" (٥).

стр. 542

ونشأ عن قولهم هذا القول: بوجوب الثواب، ولزوم العقاب على الله تعالى (١). فالعجب من هؤلاء وأمثالهم، أنهم قدموا عقولهم على النصوص الشرعية ثم احتجوا على باطلهم بنصوص من المتشابه، ولو أحسنوا لأخذوا بالمحكم البيّن الواضح، وأعرضوا عن المتشابه، ومما استدلوا به (٢): ١ - قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر:١٨]، قالوا: نفى الشفاعة عن الظالمين، والعاصي ظالم. وأجيب: بأن المراد بالظالمين هنا: الكفار، وهؤلاء لا تلحقهم الشفاعة والله جل وعلا قد يسمي الكافر ظالماً كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة:٤٥]، وكذا احتجوا بالنصوص التي اشتملت على نفي الشفاعة، ويجاب عنها: إما بأنها لا تنفع المشركين، أو المقصود نفي الشفاعة التي أثبتها أهل الشرك ومن شابههم. ٢ - واحتجوا بما أخرجه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا «(٣). قالوا: هذا ذنب من فروع الإيمان وهو مخلد به، فلو كانت الشفاعة جائزة لكانت في حق هذا. وأجيب عنه: بأن هذا محمول على من قتل نفسه مستحلاً لذلك، ومن استحل قتل نفسه، كفر بذلك، وخُلد في النار، ولا تنفعه الشفاعة. وقيل: المراد بالخلود: طول المدة والإقامة المتطاولة، لا حقيقة الدوام، كما يقال: خلد الله ملك السلطان، وقيل: إن هذا جزاؤه، ولكن الله جل وعز أخبر أنه لا يخلد في النار من مات مسلماً.

стр. 543

٣ - قالوا: معلوم أن الدار الآخرة دار العدل والجزاء واستيفاء الحقوق فإذا أسقطت الذنوب، وأزيلت العقوبات بالشفاعات كان في ذلك استمرار لأهل الباطل في ذنوبهم، ثم يتكلون على الشفاعة، فيؤدي ذلك إلى فساد عظيم، مع الخروج عن حقيقة الجزاء والعدل، ورد المظالم، وهذا غير جائز. أجيب: بأن الآخرة كما هي دار عدل وجزاء، فهي دار فضل وإنعام، ومن الإنعام أن تقبل شفاعة الشافعين في المذنبين، والعفو والمغفرة لا ينافي العدل من جهة أنه إسقاط حق. وإذا كان العفو محموداً في حق العباد، وفيه الفضل والإحسان في كونه فقيراً إلى عوضه، فالله تعالى الغني، أولى بالمحامد والمدائح، مع غنائه وفضله. والخلاصة: أن الذي عليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة إثبات ما جاءت به السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ من شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعة غيره من النبيين، والملائكة (١). وقال الإمام القرطبي: "وأما مذهب أهل السنة الذين جمعوا بين الكتاب والسنة، فإن الشفاعة تنفع العصاة من أهل الملة، حتى لا يبقى منهم أحد إلا دخل الجنة" (٢). المسألة الخامسة: بيان فضل الله تعالى، وكمال عدله: وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:" ويخرج الله من النار أقواماً بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ لها أقواماً فيدخلهم الجنة" (٣). اشتمل كلام الإمام ابن تيمية على قضيتين:

стр. 544

١ - إخراج قوم من النار دون شفاعة، بل بفضل الله ورحمته، وذلك: أنه لا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان، بل كلهم يخرجون منها ويدخلون الجنة، وقد ثبت هذا في حديث الصحيحين، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : أن الله تعالى يقول: «شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (١). وقد نص على هذا جماعة من أهل العلم: يقول الإمام ابن أبي زمنين:" باب في الإيمان بإخراج قوم من النار، وأهل السنة يؤمنون بأن الله ، يدخل ناساً الجنة من أهل التوحيد، بعدما مستهم النار، برحمته ﵎ اسمه " (٢). ومعلوم أن أحاديث الشفاعة، قد استفاضت وبلغت حد التواتر، ومن أعظمها شفاعة أرحم الراحمين ، في المستغرقين في الخطايا والذنوب، الذين لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٣).

стр. 545

عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مَا زِلْتُ أَشْفَعُ إِلَى رَبِّي وَيُشَفِّعُنِي حَتَّى أَقُولَ: رَبِّ شَفِّعْنِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: فَيَقُولُ: لَيْسَتْ هَذِهِ لَكَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّمَا هِيَ لِي، أَمَا وَعِزَّتِي وَحِلْمِي وَرَحْمَتِي لَا أَدَعُ فِي النَّارِ أَحَدًا - أَوْ قَالَ: عَبْدًا - قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (١). وعنه ﵁ قال: حدثنا محمد ﷺ قال: « ... يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ لَكَ - أَوْ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ - وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي، لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (٢).

стр. 546

وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : « ... فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالمَلَائِكَةُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدْ امْتُحِشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ، وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِيمُ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ أَهْلُ الجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (١). يقول الإمام ابن رجب:"والمراد بقوله: «لم يعملوا خيراً قط»: من أعمال الجوارح، وإن كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار، إنه لم يعمل خيراً قط غير التوحيد، ويشهد لهذا ما في حديث أنس عن النبي ﷺ -في حديث الشفاعة، قال: «فأقول: يارب ائذن لي فيمن يقول: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي: لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله». خرجاه في الصحيحين وعند مسلم: فيقول: «ليس ذلك لك أو ليس ذلك إليك» وهذا يدل على أن الذين يخرجهم الله برحمته من غير شفاعة مخلوق، هم أهل كلمة التوحيد، الذين لم يعملوا معها خيراً قط بجوارحهم" (٢).

стр. 547

استدل البعض بالزيادة الواردة في الحديث: «أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه»، بتجويز إخراج غير المؤمنين من النار. ورد هذا بوجهين، ذكرها الحافظ ابن حجر عن بعض أهل العلم: ١ - أن هذه الزيادة ضعيفة؛ لأنها غير متصلة، كما قاله الإمام عبد الحق الإشبيلي في الجمع. ورد الحافظ هذا الجواب وقال عنه:" والوجه الأول غلط، فإن الرواية متصلة هنا، وأما نسبة ذلك لبعد الحق فغلط على غلط؛ لأنه لم يقله إلا في طريق أخرى، وقع فيها: «أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من خير»، قال: هذه الرواية غير متصلة. ٢ - أن المراد بالخير المنفي: ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين، كما تدل عليه بقية الأحاديث" (١). ومما ينبه إليه في هذا المقام: أن البعض استدل بحديث الجهنميين، واعتمد على كلام الإمام ابن رجب السابق في أنهم لم يعملوا خيراً قط بجوارحهم على أن تارك العمل الظاهر بالكلية تحت المشيئة مستوجب للنجاة عند الله تعالى، وهؤلاء لهم استدلالات هي في حقيقتها شبه مخالفة لمقالات علماء السلف، وقد رد الأئمة على هذه الشبه، ومن تلك الشبه: حديث الجهنميين الذي معنا. فذهب الإمام ابن رجب، إلى أنهم لم يعملوا شيئاً من أعمال الجوارح، وأنهم من أهل التوحيد دون تفصيل، في حين ذهب في أحاديث النطق بالشهادة وجعلها شرطاً لدخول الجنة، وترتيب النجاة على قولها، إلى أنها نصوص مطلقة، مقيدة بأحاديث أخرى، مما يدل على أن كلام الإمام ابن رجب ينبغي أن يُحمل على حالات خاصة، كبعض شرار الخلق في آخر الزمان حين يفشوا الجهل، ويندرس الدين.

стр. 548

وعلى هذا جاء حديث حذيفة ﵁ مرفوعاً: «يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ، حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا نُسُكٌ، وَيُسَرَّى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَيَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ، يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُهَا» قَالَ صِلَةُ بْنُ زُفَرَ لِحُذَيْفَةَ: فَمَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صِيَامٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا نُسُكٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ فَرَدَّدَهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: "يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ" (١). وبالجمع بين روايات هذا الحديث، يتبيّن أن الجهنميين من أهل الصلاة (٢) فلا يصح أن يُقال: إنهم تركوا العمل الظاهر بالكلية، فيكون الحديث خارجاً عن موضع النزاع. إذن: فالواجب الجمع بين الروايات، ليُعلم العام من الخاص، والمطلق المقيد فتبقى النصوص على عمومها وإطلاقها، ويخصص أو يقيد ما عداها.

стр. 549

وكذلك مما يقال في توجيه الحديث: أن اللفظ الوارد فيه: «لم يعملوا خيراً قط»، قد ورد في بعض الآثار الصحيحة، ولم يكن المراد منه، نفس المراد في حديثنا من نفي العمل الظاهر بالكلية، كما في حديث قاتل المائة، وفيه: «أنه لم يعمل خيراً قط» (١). وقد جاء في وصف ملائكة الرحمة لهذا الرجل: «جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله»، وهذا عمل صالح، وعليه: يمكن توجيه معنى النفي في الحديث بمعنى: النقص عن التمام والكمال، فيصير معنى هذه الكلمة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه، وأمر به، أفاده الإمام ابن خزيمة (٢). وفي حين ذهب البعض، إلى أن هذا الحديث من المتشابه، الذي يجب رده للمحكم (٣). وذكر العلماء في تفسير قوله في الحديث: «فيقول الجبار: بقيت شفاعتي»: أنها من باب المطابقة لمن تقدمه من الشفاعات؛ لأن الله تعالى يخرجهم تفضلاً منه، من غير أن يشفع إلى أحد (٤). وذكر الإمام القرطبي بعض السؤالات المفيدة، وأجاب عنها في كتابه التذكرة منها: ١ - ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال: «فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم» (٥)، وفي حديث أبي هريرة ﵁: «يكتب على جباههم عتقاء الرحمن» (٦)، وهذا تعارض!

стр. 550

ووجه الجمع: أن يكون بعضهم سيماهم في وجوههم، وبعضهم سيماهم في رقابهم، وقد جاء في حديث جابر، وفيه بعد إخراج الشافعين، ثم يقول الله ﵎: «أنا الله أخرج بعلمي ورحمتي، فيخرج أضعاف ما خرجوا وأضعافهم، ويكتب في رقابهم عتقاء الله ، فيدخلون الجنة، فيسمون فيها بالجهنميين» (١)، فيحتمل أن يكون المعنى في حديث أبي سعيد وجابر ﵄، فيخرجون كاللؤلؤ، يعرف أهل الجنة أشخاصهم بالخواتيم المكتوبة على جباههم، كما في حديث أبي هريرة ﵁، ولا تعارض على هذا. ٢ - إن قال قائل: لم سألوا محو ذلك الاسم عنهم «الجهنميون» وهو اسم شريف؛ لأنه سبحانه أضافه إليه، كما أضاف الأسماء الشريفة فقال: نبيي، وبيتي، وعرشي، وملائكتي، بخلاف المتحابين في الله، فقد جاء في الخبر: «إن المتحابين في الله مكتوب على جباههم، هؤلاء المتحابون في الله» (٢)، ولم يسألوه محوه. والجواب: إنما سألوا ذلك بخلاف المتحابين في الله؛ لأنهم أنفوا أن ينسبوا إلى جهنم، التي هي دار الأعداء، واستحيوا من إخوانهم لأجل ذلك، فلما منّ الله عليهم بدخول الجنة، أرادوا إكمال الامتنان، بزوال هذه النسبة عنهم وأما سيما المتحابين، فعلامة شريفة، ونسبة رفيعة، فلذلك لم يسألوا محوها ٣ - فإن قيل: ففي هذا ما يدل على أن بعض من يدخل الجنة، قد يلحقه تنغيص ما، والجنة لا تنغيص فيها ولا نكد! قيل له: هذه الأحاديث تدل على ذلك، وأن ذلك يلحقهم عند دخول الجنة ثم يزول ذلك الاسم عنهم. وقد مثل بعض علمائنا هذا الذي أصاب هؤلاء بالبحر تقع فهي النجاسات، أنه لا حكم لها، كذلك ما أصاب هؤلاء بالنسبة إلى أهل الجنة، وهو تشبيه حسن (٣).

стр. 551

والخلاصة: أن الله جل وعلا يتفضل على بعض أهل النار فيخرجهم منها فضلاً، وكرماً، ووعداً منه حقاً، وكلمة صدقاً ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فسبحان الرؤوف بعباده (١). يقول الإمام أبو طالب المكي:" ويعتقد إخراج الموحدين من النار بعد الانتقام، حتى لا يبقى في جهنم موحد، بفضل الله بشفاعة الشافعين من النبيين والصديقين، وأن لكل مؤمن شفاعة بإذن الله، فيشفع النبيون والصديقون، والعلماء، والشهداء، وسائر المؤمنين، كل واحد وسع جاهه وقد منزلته. أجمعت الرواة بذلك عن رسول الله ﷺ في إثبات الشفاعة، وفي إخراج الموحدين من النار، وهم الجهنميون من أهل الطبقة العليا من النار وهو معنى قول الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ ... [الحجر: ٢]، قال أهل التفسير: ذلك عند إخراج الموحدين من النار، ويبقى الباقي لرحمة أرحم الراحمين، فيخرج من النار بمشيئته، وسعة رحمته وفضل فضله من لم يشفع لهم الشافعون، ولم يقدم في الشفاعة لهم المرسلون، هكذا روينا معناه عن رسول الله ﷺ . فهذه عقود السنة الهادية، وطريقة الأمة الراضية وقد أجمع السلف من المؤمنين على ما ذكرناه من قبل، أنه لم ينقل عن أحد منهم خلافه، ولا روي عن رسول الله ﷺ ضده، بل قد روي في كل ما ذكرناه أخبار توجب إيجابه، ومعاني تشهد لإثباته، وتولى الله تعالى إجماعهم على سنة رسول الله ﷺ كما تولى إظهار دينه على الدين كله " (٢). ... وقال بعضهم: وقل يخرج الله العظيم بفضله من النار أجساداً من الفحم تُطرح

стр. 552

على النهر في الفردوس تحيا بمائه كحب حميل السيل إذا جاء يطفح (١) والقضية الثانية التي اشتمل عليها كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية، قوله: "ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ لها أقواماً فيدخلهم الجنة" (٢). ما ذكره الإمام ابن تيمية حق، دلت عليه نصوص السنة المطهرة، وهذا الكرم من الرب المنصوص عليه في الأحاديث الشريفة، في خلق أقوام ليدخلهم جنته ، مداره أمران: (أ) ما وعد به جل وعلا الجنة والنار من ملئهما، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ: فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الجَنَّةُ: فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا «(٣).

стр. 553

يقول الإمام ابن تيمية: " فإن الله جل وعلا، يُضيق النار على من فيها لسعتها، فإنه قد وعدها ليملأنها من الجِنّة والناس أجمعين، وهي واسعة فلا تمتلئ حتى يضيقها على من فيها، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً، فيدخلهم الجنة، فلا يضيقها سبحانه، بل ينشئ لها خلقاً فيدخلهم الجنة، لأن الله يدخل الجنة من لم يعمل خيراً؛ لأن ذلك من باب الإحسان، وأما العذاب بالنار فلا يكون إلا من عصى، فلا يعذب أحداً بغير ذنب" (١). (٢) كمال الكرم والرحمة الإلهية: يقول الإمام ابن القيم: "والرب جل وعلا، وسع كل شيء رحمة وعلماً فوصلت رحمته إلى حيث انتهى علمه، فليس موجود سوى الله تعالى، إلا وقد وسعته رحمته وشملته، وناله منها حظ ونصيب، ولكن المؤمنين اكتسبوا أسباباً استوجبوا بها تكميل الرحمة ودوامها، والكفار اكتسبوا أسباباً استوجبوا بها صرف الرحمة إلى غيرهم ... كتب على نفسه الرحمة، ولم يكتب عليها الغضب، وسبقت رحمته غضبه وغلبته، ولم يسبقها الغضب ولا غلبها ووسعت رحمته كل شيء، ولم يسع غضبه وعقابه كل شيء، وخلق الخلق ليرحمهم لا ليعاقبهم، والعفو أحب إليه من الانتقام، والفضل أحب إليه من العدل، والرحمة آثر عنده من العقوبة، لهذا لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من خير" (٢). ومن مقتضى هذه الرحمة، وكمال العدل للرب جل وعز، أنه حين يبقى فضل في الجنة بعد أنه ينزل أهل الجنة منازلهم، ينشئ الرب جل في علاه أقواماً فيدخلهم الجنة؛ كرماً منه وفضلاً، وهذا هو ملؤها، فإن الله سبحانه لا يظلم أحداً من خلقه.

стр. 554

وهذا فيه إشارة كما يقول الحافظ ابن حجر:" إلى أن الجنة يقع امتلاؤها بمن ينشئهم الله لأجل ملئها، وأما النار فلا ينشئ لها خلقاً، بل يفعل فيها شيئاً عبر عنه بما ذُكر، يقتضي لها أن ينضم بعضها إلى بعض، فتصير ملأى، ولا تحتمل مزيداً" (١). وهذا هو الوارد الصحيح في السنة، وهو دال على كرم الله وفضله وعدله بخلاف ما رواه الإمام البخاري في صحيحه من رواية انقلبت على راويها يقول فيها: «وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، ثَلَاثًا، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ، وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ «(٢). وقد نص الأئمة على انقلاب الحديث على الراوي، وأن الصحيح العكس ولذا قال الإمام ابن تيمية:" ووقع في بعض طرق البخاري غلط قال فيه: «وأما النار فيبقى فيها فضل»، والبخاري رواه في سائر المواضع على الصواب ليبيّن غلط هذا الراوي" (٣). وقال الإمام أبو الحسن القابسي:" المعروف في هذا الموضع أن الله ينشئ للجنة خلقاً، وأما النار فيضع فيها قدمه، ولا أعلم في شيء من الأحاديث: «أنه ينشئ للنار خلقاً «إلا هذا " (٤). وقال الإمام ابن القيم:" وأما الحديث الذي قد ورد في صحيح البخاري من قوله: «وأما النار فينشئ الله لها خلقاً آخرين»، فغلط وقع من بعض الرواة انقلب عليه الحديث، وإنما هو ما ساقه البخاري في الباب نفسه: «وأما الجنة فينشئ الله لها خلقاً آخرين»، ذكره البخاري ﵀ مبيناً أن الحديث انقلب لفظه على من رواه، بخلاف هذا" (٥).

стр. 555

وقال:" وأما اللفظ الذي وقع في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة ... فغلط من بعض الرواة، انقلب عليه لفظه، والروايات الصحيحة، ونص القرآن يرده، فإن الله سبحانه أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه، فإنه لا يعذب إلا من قامت عليه حجته، وكذب رسله، قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ [الملك:٨ - ٩]، ولا يظلم الله أحداً من خلقه" (١). وقال الإمام ابن الوزير عن هذا الحديث:" فهذا حديث مقلوب، انقلب على بعض رواته" (٢)، وقال الحافظ ابن حجر: "وقال جماعة من الأئمة: إن هذا الموضع مقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط، واحتج بأن الله تعالى أخبر بأن جهنم تمتلئ من إبليس وأتباعه، وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني واحتج بقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩] (٣). وقد ذهب بعض العلماء إلى تأويل اللفظ المذكور في الحديث، مع معارضته في الظاهر لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩]؛ تخلصاً من نسبة الغلط إلى الراوي. ومن تأويلاتهم (٤): قالوا: المراد بالخلق: ما يكون من غير ذوي الأرواح، وذلك كأحجار تلقي في النار، وذلك لئلا يلزم أن يعذب أحد بغير ذنب. وقال بعضهم: لا مانع أن يكون المنشأ للنار من ذوي الأرواح، غير أنهم لا يعذبون بها، وذلك كما في خزنتها من الملائكة. وقال بعضهم: ينشئ الله تعالى لها خلقاً لم يكن في الدنيا.

стр. 556

وقال بعضهم: ينشئ للنار خلقاً، يريد من قد شاء أن يلقى فيها، ممن قد سبق له الشقاء، ممن عصاه وكفر به. والصحيح ما ذُكر من انقلاب الحديث على الراوي، حتى يوافق ما ثبت في النصوص الشرعية، من كمال عدل الله ورحمته، وأنه سبحانه جل في علاه لا يظلم أحداً. والعجيب أن الإمام ابن بطال نقل عن المهلب احتجاجه بهذا الأثر على: أن لله جل وعلا، أن يعذب من لم يكلفه عبادته في الدنيا، ولا يخرجه إليها لقوله: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم:٢٧]، قال: بخلاف من يقول: إن الله لو عذب من لم يكلفه لكان ظالماً، وهذا الحديث حجة عليهم (١). ورد عليه الحافظ ابن حجر فقال:" وهو عندهم من جهة الجواز، وأما الوقوع ففيه نظر، وليس في الحديث حجة؛ للاختلاف في لفظه ولقبوله التأويل" (٢). والصحيح الموافق لصحيح المنقول والمعقول ما ذكره الإمام ابن تيمية:" أنه لم يثبت بدليل يعتمد عليه، أن الله يعذب في الآخرة من لم يذنب، ودلائل القرآن والسنة يدلان على نقيض هذا القول، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لكن هذا مما عُلم أنه لا يشاؤه بالأخبار الصادقة، وبموجب كلمته وبمقتضى أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، كما أنه قد علم أنه لا يخرج أهل الجنة منها، بل خالدون فيها أبداً، وأنها لا تفنى أبداً، وعُلم أنه لا يخلّد في النار من في قلبه ذرة من إيمان، كما أخبرت بذلك النصوص، وهو سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، لكن قد علم أنه لا يعذب المتقين، ولا يسويهم بالفجار المذنبين" (٣).

стр. 557

المبحث الثالث: تفاصيل أخبار اليوم الآخر ، وفيه ثلاثة مطالب: ١ - اتفاق السلف على مسائل الآخرة. ٢ - أن إثبات المعاد من المشتركات بين الأمم والشرائع. ٣ - صفة العلم الموروث عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. تمهيد: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:" وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتاب المنزلة من السماء , و الآثار من العلم المأثورة عن الأنبياء , و في العلم الموروث عن محمد من ذلك ما يشفي و يكفي، فمن ابتغاه وجده " (١). بعد أن أشار شيخ الإسلام ابن تيمية , إلى أهم المسائل , وأخص الجمل في أمر اليوم الأخر والمعاد - وهو لم يقصد استيعاب أخبار اليوم الآخر في هذا المختصر - أشار إلى أن التفاصيل وأخبار المعاد و اليوم الآخر , مبثوثة في الكتب السماوية , والآثار المأثورة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , وأن أخصها ذكراً وتفصيلاً , هو العلم الموروث عن نبينا محمد ﷺ فمن رامه وجد بغيته , ومن التمسه نال غايته , ففيه ما يشفي ويكفي. وهذه العبارات من شيخ الإسلام تتضمن جملة من المطالب: ١ - المطلب الأول: اتفاق السلف على مسائل الآخرة: أن ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، من هذه المسائل، كله متفق عليه قد حُكى الإجماع عليه , ودلت عليه دلائل الكتاب والسنة: (أ) فأجمعوا على الحساب عند الله تعالى يوم القيامة , يقول الإمام ابن القطان الفاسي:"وأجمعوا على أن الخلق يؤتون بصحف أعمالهم , فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حساباً يسيراً , ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيراً " (٢). (ب) وأجمعوا كذلك على الثواب والعقاب , يقول الإمام ابن القطان الفاسي:" وأجمعوا أن كفة السيئات تهوي إلى جهنم , وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادها إلى الجنة" (٣). (ج) وأن الجنة حق، والنار حق. وقد حكى العلماء الاتفاق على بعض المسائل المتعلقة بالجنة والنار:

стр. 558

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة , على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة ... " (١). وقد نص الأئمة على: ١ - أن الجنة والنار مخلوقتان. ٢ - وأنهما باقيتان أبداً لا تفنيان. ٣ - وأن أهلها خالدون فيها أبداً. ٤ - وأن ما وصف الله جل وعلا به الجنة والنار حق لا شك فيه. ٥ - وأن نفس الأجساد هي التي تدخل مع أنفسها، إن كانت فاضلة للجنة، وإن كانت عاصية إلى النار. وقد نقل الاتفاق على جملة هذه الأمور، جماعات أهل العلم والفضل، ولم يحصل فيها بينهم نزاع ولا اختلاف (٢). ٢ - المطلب الثاني: أن إثبات المعاد من المشتركات بين الأمم والشرائع: أن مسائل المعاد، وتفاصيل أخبار اليوم الآخر، من المشتركات التي اتفقت عليها الشرائع السماوية، "فجميع الرسل أخبرت بيوم القيامة، خلاف ما تزعم طوائف من الفلاسفة وأهل الكلام: أن المعاد الجسماني لم يخبر به إلا محمد وعيسى" (٣). ومع هذا الاشتراك في الشرائع السماوية، في بيان تفاصيل القيامة إلا أن نبينا ﷺ -بيّن من تفاصيل الآخرة، ما لم يبينه من قبله من الأنبياء والرسل ﵊، "ففي القرآن من ذكر المعاد وتفصيله، وصفة الجنة والنار والنعيم والعذاب، ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل" (٤).

стр. 559

والقرآن ذكر كثيرا من حجج الكفار وأقوالهم، وخاصة فيما يتعلق بأمر المعاد وجادلهم فيها بأحسن الحجج وأكملها (١)، وأبان نقصها وتهافتها. ولذا يقول الإمام ابن تيمية:" وأما العلوم الإلهية، والمعارف الربانية، وما أخبرت به الأنبياء من الغيب، كالعرش، والملائكة، والجن، والجنة والنار وتفاصيل المعاد، فكل من نظر في كلام المسلمين فيها، وكلام علماء اليهود والنصارى، وجد كلام المسلمين فيها أكمل وأتم" (٢). ومعلوم أن أصول الدين من التوحيد، وتصديق الرسل، وإمكان المعاد كل ذلك مذكور في القرآن على أكمل وجه. وإن عامة ما يثبته النظار من المتكلمين والفلاسفة في هذا الباب، يأتي القرآن بخلاصته، وبما هو أحسن منه، على أتم الوجوه، بل لا نسبة بينهما؛ لعظم التفاوت (٣). فالقرآن الكريم جاء بما يشفي ويكفي في أمر الآخرة، والنبي ﷺ بيّن للأمة كل ما هو كائن إلى قيام الساعة. يقول الإمام ابن تيمية:" إن الله تعالى في كتابه، ذكر من دلائل المعاد وبراهينه، ما لا يقدر أحد على أن يأتي بقريب منه، وذكر فيه من أصناف الحجج، ما ينتفع به عامة الخلق " (٤). فالتمايز بين الشرائع السماوية في مقدار البيان والتفصيل، ولذا جاء القرآن ببيان أدلة المعاد، وأحوال اليوم الآخر، بكل الصور البيانية، والأساليب البلاغية، والأوجه الإعجازية. فقد أشار إلى الحوار المباشر وغير المباشر، وحرّك العقل، والوجدان والحس، والفطرة، بالأدلة القياسية التي تثبت إمكان المعاد ووقوعه. يقول الإمام ابن القيم: "والقرآن مملوء منه " (٥).

стр. 560

ولذا قرر الله ، أدلة المعاد في كتابه، أحسن تقرير، وأبينه وأبلغه، وأوصله إلى العقول والفطر (١). ٣ - المطلب الثالث: صفة العلم الموروث عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام: أشار شيخ الإسلام في ختام حديثه عن الإيمان باليوم الآخر، إلى أن تفاصيل القيامة، مبثوثة في المأثور عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا يشمل كل الكتب التي أنزلت على الأنبياء، قبل أن تصلها أيدي التبديل والتحريف، دون القرآن الكريم. فالأنبياء كلهم متفقون على أساس الدين وأصل المعتقد. وعليه: يجب الإيمان بكل ما ورد في شرائع الأمم السابقة، في الكتب المنزلة على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، مما جاء في تفاصيل وأخبار اليوم الآخر قبل حصول التحريف والتبديل، أما بعد دخول العبث في هذه الكتب حيث نالتها أيدي المغيرين والمبدلين، فلا يُقبل منها ما خالف شرعنا المطهر، فما ثبت عن طريق الوحي، فهذا له حق التسليم، والانقياد، والقبول، وما داخلته أيدي العابثين، فلا يلتفت إليه، ولا عبرة بما فيه. ومسألة شرع من قبلنا، فإنها وإن كانت من مسائل النزاع عند العلماء، إلا أن الذي عليه مذهب جماهير السلف والأئمة: أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه (٢).

стр. 561

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: "والنزاع فيها مشهور لكن الذي عليه الأئمة وأكثر العلماء: أنه شرع لنا مالم يرد شرعنا بخلافه، وهذا إنما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا، من نقل ثابت عن نبينا ﷺ أو بما تواتر عنهم" (١). وعليه فالمأثور عن السابقين له أحوال: ١ - أن يشهد شرعنا بصدقه، فيجب تصديقه. ٢ - أن يشهد شرعنا بكذبه، فيجب رده. ٣ - أن لا يشهد شرعنا بصدقه ولا كذبه، فهذا الذي يتوقف فيه ويجوز التحديث به، لكن لا يصدق ولا يكذب (٢). وأما قول شيخ الإسلام في الواسطية:" وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده ": يؤكد ما قررناه من أن شريعة النبي ﷺ خاتمة الشرائع والمهيمنة على ما سبقها، ففيها الغنية والكفاية، لكنها تحتاج لمن ينقب عن الحق، ويبحث عنه وفي الحديث: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ «(٣). والنبي ﷺ ما ترك شيئاً من أمور الدنيا والآخرة، يحتاج إلى بيان إلا بينه. يقول حذيفة ﵁: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلَّا حَدَّثَ بِهِ» (٤).

стр. 562

ويقول عمر ﵁: «قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ، حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ «(١).

стр. 563

الباب الثالث: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع ، وفيه فصلان: الفصل الأول: اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ببيان أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع، وفيه مبحثان: المبحث الأول: الإنسان سيد هذا الكون. المبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن والسنة. الفصل الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع، وفيه مبحثان: المبحث الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد. المبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع.

стр. 564

الفصل الأول: اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ببيان أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع ، وفيه مبحثان: المبحث الأول: الإنسان سيد هذا الكون، وفيه مطلبان: المطلب الأول: مظاهر تكريم الإنسان. المطلب الثاني: علاقة الإنسان بغيره، وفيه خمس مسائل: ١ - علاقة الإنسان بالخالق. ٢ - علاقة الإنسان بالكون. ٣ - علاقة الإنسان بالإنسان. ٤ - علاقة الإنسان بالحياة الدنيا. ٥ - علاقة الإنسان بالحياة الآخرة. المبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن والسنة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن الكريم. المطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص السنة النبوية المطهرة.

стр. 565

المبحث الأول: الإنسان سيد هذا الكون ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: مظاهر تكريم الإنسان. المطلب الثاني: علاقة الإنسان بغيره، وفيه خمس مسائل: ١ - علاقة الإنسان بالخالق. ٢ - علاقة الإنسان بالكون. ٣ - علاقة الإنسان بالإنسان. ٤ - علاقة الإنسان بالحياة الدنيا. ٥ - علاقة الإنسان بالحياة الآخرة.
следующие страницы →