يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: "والنزاع فيها مشهور لكن الذي عليه الأئمة وأكثر العلماء: أنه شرع لنا مالم يرد شرعنا بخلافه، وهذا إنما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا، من نقل ثابت عن نبينا ﷺ أو بما تواتر عنهم" (١).
وعليه فالمأثور عن السابقين له أحوال:
١ - أن يشهد شرعنا بصدقه، فيجب تصديقه.
٢ - أن يشهد شرعنا بكذبه، فيجب رده.
٣ - أن لا يشهد شرعنا بصدقه ولا كذبه، فهذا الذي يتوقف فيه ويجوز التحديث به، لكن لا يصدق ولا يكذب (٢).
وأما قول شيخ الإسلام في الواسطية:" وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده ":
يؤكد ما قررناه من أن شريعة النبي ﷺ خاتمة الشرائع والمهيمنة على ما سبقها، ففيها الغنية والكفاية، لكنها تحتاج لمن ينقب عن الحق، ويبحث عنه وفي الحديث: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ «(٣).
والنبي ﷺ ما ترك شيئاً من أمور الدنيا والآخرة، يحتاج إلى بيان إلا بينه.
يقول حذيفة ﵁: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلَّا حَدَّثَ بِهِ» (٤).
الباب الثالث: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع ،
وفيه فصلان:
الفصل الأول: اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ببيان أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الإنسان سيد هذا الكون.
المبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن والسنة.
الفصل الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد.
المبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع.
стр. 564
الفصل الأول: اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ببيان أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع ،
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الإنسان سيد هذا الكون، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مظاهر تكريم الإنسان.
المطلب الثاني: علاقة الإنسان بغيره، وفيه خمس مسائل:
١ - علاقة الإنسان بالخالق.
٢ - علاقة الإنسان بالكون.
٣ - علاقة الإنسان بالإنسان.
٤ - علاقة الإنسان بالحياة الدنيا.
٥ - علاقة الإنسان بالحياة الآخرة.
المبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن والسنة،
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن الكريم.
المطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص السنة النبوية المطهرة.
стр. 565
المبحث الأول: الإنسان سيد هذا الكون ،
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مظاهر تكريم الإنسان.
المطلب الثاني: علاقة الإنسان بغيره، وفيه خمس مسائل:
١ - علاقة الإنسان بالخالق.
٢ - علاقة الإنسان بالكون.
٣ - علاقة الإنسان بالإنسان.
٤ - علاقة الإنسان بالحياة الدنيا.
٥ - علاقة الإنسان بالحياة الآخرة.
стр. 566
المبحث الأول الإنسان سيد هذا الكون
تمهيد:
الإنسان هذا الكائن العجيب، الذي هو مدار هذا الكون وسره خُلق في أحسن تقويم، وكُرّم خير تكريم، وقد فاق جميع الكائنات الأخرى ولذا سعت كل المجتمعات، وجهدت كل العقول، لتفسير معنى هذا الكائن العجيب الذي رُكبت فيه كل هذه المعاني العظيمة، فمن قائل: إنه حيوان ناطق، ومن قائل: إنه مدني بالطبع، ومن قائل: بوصف التشريف، هو أفضل من الملائكة، ومن قائل بوصف التقبيح: هو أخبث من الشياطين ومع ذلك يظل "الإنسان غاية في نفسه، مستقلاً، مختلفاً في قيمه ومشاعره عن سائر الكائنات، منفرداً بعقله الذي حقق بواسطته، السيادة المطلقة، عن كل ما دونه من الكائنات" (١).
في حين تسري هذه النظريات في تفسير هذا الكائن العجيب، تظهر نظريات أخرى أكثر جنوحاً؛ لتظهر غير هذا الكائن العجيب، في محل الخسائس فقط دون غيرها، وهذا ما يصرح به أمثال فرويد، حيث يرى "أنه كائن أرضي بحت، لا يرتفع بمشاعره وعواطفه عن عالم الأرض، إلا في حالات الشذوذ" (٢).
لكن من خلق هذا الكائن، وصّوره في أحسن تصوير، هو أعلم بحقيقته وما الذي يُراد منه، وهو الذي ركب فيه النوازع المختلفة، التي تنازعه لسلوك طرق الخير والشر. فالإنسان في التصور الشرعي الإسلامي: هو ذاك الكائن المكلف، الذي تحمّل أمانة التكاليف الشرعية، يقول جل وعلا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب:٧٢].
فالإنسان في الإسلام: جسم، وروح، وعقل، وبالأخير حصل له التكريم والتكليف.
стр. 567
المطلب الأول مظاهر تكريم الإنسان
الإنسان هو الإنسان الأول بعينه، في خصائصه وتراكيبه وميزاته، "كائن عاقل، يدرك ويتصور، ويفهم ويستنتج ويحكم" (١).
تربع هذا الكائن على عرش الكائنات الأخرى، وعلا قمة البسيطة، فإذا ما جئت توازن بين هذه المخلوقات، وجدت هذا الإنسان أكرمها، وأفضلها، وأعلاها منزلة، ومقاماً، وشرفاً، لمِا أودعه الله تعالى من خصائص، ووهبه من صفات، ولمِا أعده من جليل الغايات، التي لا تصل إلى مثلها سائر الكائنات (٢). وقد حكى الله جل وعلا حالات هذا المخلوق والكائن العجيب، فقال : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان:١ - ٣].
стр. 568
فقد" ذكر الله في هذه السورة الكريمة، أول حالة الإنسان، ومبتدأها ومتوسطها، ومنتهاها، فذكر أنه مرّ عليه دهر طويل، وهو الذي قبل وجوده وهو معدوم، بل ليس مذكوراً، ثم لما أراد الله تعالى خلقه خلق أباه من طين ثم جعل نسله متسلسلاً (من نطفة أمشاج) أي: ماء مهين مستقذر (نبتليه) بذلك لنعلم هل يرى حاله الأولى ويتفطن لها، أم ينساها وتغره نفسه؟ فأنشأه الله، وخلق له القوى الباطنة والظاهرة، كالسمع، والبصر، وسائر الأعضاء، فأتمها له، وجعلها سالمة؛ ليتمكن بها من تحصيل مقاصده، ثم أرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وهداه الطريق الموصلة إلى الله ورغبة فيها، وأخبره بماله عند الوصول إلى الله، ثم أخبره بالطريق الموصلة إلى الهلاك ورهبه منها، وأخبره بماله إذا سلكها، وابتلاه بذلك، فانقسم ... الناس إلى شاكر لنعمة الله عليه، قائم بما حمله الله من حقوقه، وإلى كفور لنعمة الله عليه" (١).
والمتتبع لسور القرآن الكريم، وأحاديث النبي الكريم ﵊، يجد أكبر أوجه التكريم لهذا المخلوق العظيم عند الله تعالى فالإنسان مخلوق مكرّم، وقد تناول القرآن الكريم هذا التكريم في مناسبات عدة، وبأساليب متنوعة، كلها تُعطي دلالة أكيدة، لمركز هذا الكائن ومسئولية في الحياة (٢).
ومن الآيات الكريمة التي قررت مبدأ التكريم للبشرية على حد سواء قوله جل في علاه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء:٧٠].
стр. 569
ومن العجيب، أن الرب قال في مفتتح هذه الآية: (ولقد كرمنا) فنسب التكريم إليه، وهذا تشريف وتكريم من نوع خاص لهذا المخلوق العجيب، وقال: ﴿كَرَّمْنَا﴾ ولم يقل: أكرمنا؛ لأنها أشد مبالغة من الأخرى (١)، وهذه دلالة واضحة على كمال التكريم.
وقال جل وعلا في الآية: ﴿كَرَّمْنَا﴾، من الكرم الذي هو ضد اللؤم، والله جل وعلا هو الكريم، كثير الخير، الجواد المنعم المتفضل، هو اسم جامع لكل ما يحمد، فالله كريم حميد الفعال (٢). فما يُعطى لهذا المخلوق، إنما هو من كرم الكريم، ومن كرمه جل وعلا قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ فهو تكريم شامل، يقول العلامة أبو السعود في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾: ... قاطبة، تكريماً شاملاً، لبرهم وفاجرهم" (٣).
وأورد بعضهم في المقام إيراداً مفاده: كيف أطلق ذكر الكرامة على الكل، وفيهم الكافر المهان؟
واُجيب عنه من وجهين (٤):
أحدهما: أنه عامل الكل معاملة المكرم بالنعم الوافرة.
والثاني: أنه لما كان فيهم من هو بهذه الصفة، أجرى الصفة على جماعتهم، كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ويشهد للأول قول إبراهيم لما دعا للمؤمنين خاصة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة:١٢٦].
стр. 570
يقول الإمام السمعاني:" دعا إبراهيم أن يرزق من الثمرات المؤمنين خاصة ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ ... يقول الله: والكافرين أيضاً؛ وذلك أن الله وعد الرزق للخلق كافة، مؤمنهم وكافرهم" (١)، فاشتملت آية التكريم، على جملة من إفضال الباري على هذا المخلوق دون ما سواه، فكرمه على سائر المخلوقات فقال : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
فهذا اللفظ القرآني الفاضل، حمل في طياته صور التكريم، وضُمِّنَ في فحواه مدار التعظيم، لهذا الكائن الكريم. وقد أفاض العلماء في بيانها، والإشارة إليها، بأوجه متنوعة، وأحرف مختلفة، كلها تتفق على معنى التكريم والتشريف لهذا المخلوق الكريم على خالقه. وما ذُكر وأُشير إليه في بيان معنى هذا التكريم، فإنما هو على سبيل التمثيل لا الحصر، يقول الإمام أبو حيان:" وما جاء عن أهل التفسير من تكريمهم وتفضيلهم بأشياء ذكرها، هو على سبيل التمثيل لا الحصر في ذلك" (٢).
ومع أن الإمام القرطبي جزم بأن مدار التكريم هو العقل فقال: "والصحيح الذي يعول عليه، أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف الله، ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله" (٣)،إلا أنه لا يمنع حمل الآية على ما هو أعم، مما له دلالة على تكريم هذا المخلوق والكائن العجيب.
فمما قيل في معنى الإكرام ووجه التكريم (٤):
١ - كرمناهم: بأن جعلنا لهم عقولاً، وتمييزاً، ونطقا.
٢ - كرمناهم: بأن جعلنا منهم خيرا أمة أخرجت للناس.
٣ - كرمناهم: بأن يأكلوا ما يتناولونه من الطعام والشراب بأيديهم، وغيرهم يتناوله بفمه.
٤ - كرمناهم: بالأمر والنهي.
٥ - كرمناهم: بأن سخرنا جميع الخلق لهم.
стр. 571
٦ - كرمناهم: بتعديل القامة، وانتصابها، وامتدادها.
٧ - كرمناهم: بحسن الصورة.
٨ - كرمناهم: بالكلام والخط.
وجماع الأمر: أنهم كرموا على جميع المخلوقات، من البهائم، والسباع والجن، والشياطين، بما أعطوا من التمييز، وبصر من الهدى (١).
وهنا يشير الجاحظ إلى وجه من أوجه هذا التكريم، وهو ما من الله جل وعلا به لهذا الكائن من إمكان النطق، والتعبير عما تجيش به نفسه، فقال: "فاعلم أن الكلام من أسباب الخير، لا من أسباب الشر.
والكلام أبقاك الله، سبيل التمييز بين الناس والبهائم، وسبب المعرفة لفضل الآدميين على سائر الحيوان، قال الله : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠]، كرمهم باللسان وجملهم بالتدبر ولو لم يكن الكلام، لما استوجب أحد النعمة، ولا أقام على أداء ما وجب عليه من الشكر سببا للزيادة، وعلة لامتحان قلوب العباد، والشكر بالإظهار في ... القول، والإبانة باللسان، ولا يعرف الشكر إلا بهما" (٢).
فكرم الله جل وعلا الإنسان بهذه المكارم، ووهبه هذه الأعطيات والمواهب مع تفضيله على كثير ممن خلق تفضيلاً، "فعُلم بهذه الآية: أن الإنسان صفوة العالم، وخلاصته، وسلالته، وخاصته، ونخبته، وثمرته، وزبدته" (٣).
стр. 572
وفي الجمع في هذه الآية الكريمة، من التكريم في أولها، والتفضيل في آخرها وجه بديع: وذلك "أن الله تعالى كرم الإنسان على سائر الحيوان بأمور خلقية ذاتية طبيعية، مثل: العقل، والنطق، والخط، وحسن الصورة ثم إنه عرفه بواسطة ذلك العقل والفهم، اكتساب العقائد الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، فالأول هو التكريم، والثاني هو التفضيل" (١).
ومن أوجه التكريم نشأت خصائص التكليف، فخصائص الإنسان في القرآن الكريم تتمثل في جهتين:
١ - جهة التكليف والمسؤولية، وما يتبع ذلك من أخلاق.
٢ - وجهة العقل، وما يتبع ذلك من العلم.
وبالمسؤولية والعلم، يتميز الإنسان عن سائر المخلوقات (٢)، وبقدر تمسكه بالتكاليف الشرعية، يكون شعوره بالطمأنينة، والسعادة، والرضا، والقناعة ملازماً له في حياته، مع أن ملاك أمر الإنسان العاقل في هذه المسألة أمور ثلاثة (٣):
(أ) الاعتدال في الإقبال على الدنيا.
(ب) أن يدرك حقيقة رسالته في الحياة، وهي أن يُعمر الحياة بالمثل العليا من إيمان بالله تعالى، وتواصي بالحق، وتعامل بالحب والإيثار.
(ج) أن يروض نفسه على التفاؤل، والبشر، والابتسام، والتسامح.
وبعد هذا البيان، نقف على بعض مظاهر التكريم الإلهي للإنسان فيما يلي:
١/ أن الله جل وعلا خلق الإنسان الأول، آدم ﵊، بيده الشريفة، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء الأشياء فأي إكرام بعد هذا الإكرام.
٢/ أن الله جل وعلا خلقه في أحسن صورة، وأجمل منظر، يقول : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين:٤].
стр. 573
يقول ابن عباس ﵄: يعني: في أعدل خلق (١).
وقال في موضع آخر: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
يقول الإمام ابن أبي زمنين:" ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ يعني: سوى خلقك ﴿فَعَدَلَكَ﴾ يعني: اعتدال الخلق أي: جعل عينيك سواء، ويديك سواء ورجليك سواء، وجنبيك سواء" (٢).
٣/ أن الله جل وعلا، مكنه من أدوات التكليف من العقل الذي يميز به والجوارح التي يؤدي بها.
٤/ أن الله جل وعلا سخر له ما في الأرض، وهيأ له الحياة بما تناسبه ليكون خليفة في الأرض، يحكم بما أراد الله تعالى وشرع.
٥/ أن الله جل وعلا أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنزل عليهم الكتب: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ولذا قال النبي ﷺ : «وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ «(٣).
٦/ أن الله ، حرر الإنسان من رق كل العبوديات البشرية، وعلقه به ، ولم يجعل بينه وبين خلقه وسائط، قال جل وعلا: ... ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ البقرة ١٨٦.
وقال جل في علاه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر:٦٠].
стр. 574
٧/ أن الله ، حرره كذلك من الخوف من المستقبل، وعزز في نفسه أركان التوحيد، وعقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، فقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد:٢٢].
وقال النبي ﷺ : « ..... وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ «(١).
٨/ أن الله ، حرره كذلك من رق الخرافات التي تستولي على مناط التشريف والتكليف، وذلك أن ينظر، ويتدبر، ويتأمل، بما وهب له من عقل؛ ليصل إلى الحق، ويتحرر من عبودية الخلق.
٩/ أن الله ، ساوى بين أفراد الإنسان في الحقوق والواجبات، ولم يفرق بينهم على أساس الصورة الظاهرة، وإنما على أساس الصورة الباطنة ... وذلك بقدر ما في الباطن والظاهر من عمل، والتزام بالشرع المطهر، يقول جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات:١٣]، وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) (٢).
يقول الإمام ابن رجب:" يكون كثير ممن له صورة حسنة، أو مال، أو جاه أو رياسة في الدنيا، قلبه خراباً من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبه مملوء من التقوى، فيكون أكرم عند الله تعالى" (٣).
стр. 575
فنظر الرب جل وعلا يكون إلى القلوب، التي هي محل التقوى، وأوعية العلم والجواهر، وكنوز المعرفة، "فيا عجباً ممن يهتم بوجهه، الذي هو محمل نظر الخلق، فيغسله، وينظفه من ا لقذر والدنس، ويزينه بما أمكن لئلا يطلع فيه مخلوق على عيب، ولا يهتم بقلبه الذي هو محل نظر الخالق، فيظهره ويزينه؛ لئل يطلع ربه على دنس، أو غيره فيه، وعليه: فلا عبرة بحسن الظاهر، وزخرف اللسان، مع خبث الجنان" (١).
٩/ أن الله ، جعل من طبيعة تكوين هذا المخلوق، الأنس والوئام والمحبة والانسجام، والود والسلام، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (٦١)﴾ ... [الأنفال:٦١] حتى يستطيع أن يتعايش مع غيره في ود وأمان وسلام، وجعل كل ما يتجافى مع طبيعة الأنس فيه مرفوض مذموم، من العداوة والبغضاء، والحقد والحسد والجفاء، والظلم والاعتداء (٢).
١٠/ أن الله ، جعله أهلاً لحبه ورضاه، وأرشده في القرآن الكريم إلى ما يجعله خليقاً بهذا الحب.
١١/ أن الله ، جعله في معينة وقربه، وحفظه من السوء، متى كان قريباً من الله تعالى، متمسكاً بدينه (٣).
١٢/ أن الله ، أعد للمطيعين منهم من الكرامة في دار المقامة، ما لا يخطر على قلب، ولم تره عين، مع ما يحظون فيها، من التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، ويحظون بالرضوان، والفضل العظيم، والنعيم المقيم.
وبذا نعرف أنه ليست " هناك قيمة مادية في هذه الأرض، تعلو على قيمة الإنسان، أو تهدد من أجلها قيمته" (٤).
стр. 576
المطلب الثاني علاقة الإنسان بغيره: بالخالق، وبالكون، وبمثله، وبالدنيا، وبالآخرة
لم يُخلق الإنسان عبثا، ليبقى هكذا هملاً، بلا غاية ولا هدف، بل خُلق لأهداف وغايات حميدة شريفة، يسعى لتحقيقها. وجعلت له الشريعة حدوداً في تعاملاته، في هذا الكون الفسيح الذي يعيش فيه، والذي سُخر لأجله، وحدوداً في تعاملاته مع نظرائه من البشر، وحدوداً في تعاملاته مع دنياه وأخراه؛ حتى تستقيم حياته، ويهنأ في آخرته.
وهذه الحدود والعلاقات تنتظم المسائل التالية:
المسألة الأولى: علاقة الإنسان بخالقه:
لقد نظم الإسلام علاقة الإنسان بخالقه، إذ هو جل وعلا من يجب أن تُصرف له العبادة دون ما سواه.
وبينت الشريعة أن مدار العلاقة بين الخالق والمخلوق، هي علاقة خضوع واستكانة، وفقر وذلة، تورث كمال العبودية لله جل وعلا. وتتمثل هذه العلاقة المبنية على كمال التعبد، على جملة من الأمور:
١ - أن الخالق سبحانه جل في علاه، هو المتفَرِد بالعبادة وحده لا شريك له فلا يُلتجأ إلا إليه، ولا يُرجى إلا هو، ولا يُستعان إلا به، ولا يُتوكل إلا عليه وهذا يورث كمال التعبد لله تعالى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والعبد كلما كان أذل الله، وأعظم افتقاراً إليه، وخضوعاً له، كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله" (١).
٢ - إن معرفة الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، موجب لكمال التذلل والتعبد فمتى عرفت أنه الرحمن الرحيم، البر الرؤوف، الكريم العظيم، زادت رغبتك في التقرب إليه، والزلفى لديه، فباب معرفة الله بأسمائه وصفاته، من أكبر أبواب العبودية الحقة لله تعالى.
стр. 577
٣ - أن مقتضى ربوبية الله جل وعلا، أن له الملك والتدبير، "فإذا ظهر للعبد من سر الربوبية، أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى، قال تعالى: ... ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك:١]، فلا يرى نفعاً ولا ضرًا ولا حركة ولا سكوناً، ولا قبضاً ولا بسطاً، ولا خفضاً ولا رفعاً، إلا والله فاعله وخالقه، وقابضه وباسطه، ورافعه وخافضه فهذا الشهود هو سر الكلمات الكونيات، وهو علم صفة الربوبية" (١).
إن لب العلاقة بين الإنسان وخالقه، تتمثل في العبودية الحقة، والاستقامة التامة. ولذا فإن الشريعة تدعو لتوثيق هذه العلاقة بين العبد وخالقه فتُحرك الفطرة السليمة في نفسه، وتُوقظ العاطفة الدينية في فؤاده، وتزرع المفهوم الصحيح للعبادة الحقة، حتى يتعلق القلب بالله وحده لا شريك له.
وبيّنت الشريعة المطهرة، السبل المؤدية إلى تقوية العلاقة مع الرب جل في علاه، وذلك في طاعته وعبادته، وكشفت عن الآثار الحميدة لمن أطاع ربه والعواقب الوخيمة لمن عصاه.
стр. 578
وقد تنوعت صور العبادة التي توصل العبد بربه، فشملت عبادة القلب وعبادة الجوارح، وقد عرف الإمام ابن تيمية العبادة بشمولها فقال:" العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة. فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين , والإحسان للجار، واليتيم والمسكين، وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمة، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله" (١).
والعبادة التي هي مدار العلاقة بين العبد وربه، واسعة في متعلقاتها عظيمة في مشمولاتها، فمن أجل العبادات وأعظمها، عبادة التفكر، "وقد حض ... الله سبحانه عباده على التفكر في آياته، وتدبرها وتعلقها، وذم الغافل عن ذلك" (٢).
فالله جل وعز، دعا عباده إلى التفكر في آياته، "وجعلها آيات دالة على كمال قدرته، وعلمه، ومشيئته، وحكمته، وملكه، وعلى توحده بالربوبية والإلهية " (٣).
"فالقرآن كله مملوء من دعاء العباد، إلى التفكر في الآيات، والنظر في أحوال المخلوقات، ونظر الإنسان في نفسه، وتفاصيل أحواله، وأخص من ذلك نظره فيما قدم لغده، ومطالعته لنعم الله عليه، بالإيمان، والتوفيق والهداية، وتذكر ذلك والتفكر فيه، وحمد الله وشكره عليه" (٤).
стр. 579
وقد أطال العلماء الكلام في فضل هذه العبادة، وأنواعها، وكيفية تحقيقها واختصر الإمام ابن الجوزي هذا المقام فقال:" التفكر ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: يتعلق بالعبد. والثاني: بالمعبود ﷻ .
فأما ما يتعلق بالعبد: فينبغي أن يتفكر: هل هو على معصية أم لا؟
فإن رأى زلة، تداركها بالتوبة والاستغفار ثم يتفكر في نقل الأعضاء عن المعاصي إلى الطاعات، فيجعل شغل العين العبرة، وشغل اللسان الذكر وكذلك سائر الأعضاء.
ثم يتفكر في الطاعات؛ ليقوم بواجبها، ويجبر واهنها، ثم يتفكر في مبادرة الأوقات بالنوافل؛ طلباً للأرباح، ويتفكر في قصر العمر، فينتبه حذاراً أن يقول غداً: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (٥٦)﴾ [الزمر:٥٦] ثم يتفكر في خصال باطنه، فيقمع الخصال المذمومة، كالكبر والعجب، والبخل والحسد، ويتولى الخصال المحمودة، كالصدق والإخلاص، والصبر والخوف، وفي الجملة يتفكر في زوال الدنيا فيرفضها، وفي بقاء الآخرة فيعمرها.
وأما المتعلق بالمعبود ﷻ : فقد منع الشرع من التفكر في ذات الله وصفاته، فلم يبق إلا النظر في الآثار التي تدل على المؤثر، وجميع الموجودات من آثار قدرته، وأعجب آثاره الآدمي، فإنك إذا تفكرت في نفسك كفى، وإذا نظرت في خلقك شفى" (١).
وخلاصة القول: أن العلاقة التي تكون بين العبد وخالقه، يجب أن يكون دافعها: استشعار الفقر، والذل والخضوع، الذي يورث التوجه التام بالقلب، والأعضاء، والجوارح إلى الخالق .
وهذه هي العلاقة التي نبه عليها الإسلام وحثت عليها الشريعة، لا العلاقة القائمة على الدافع المصلحي أو الاضطراري، وهذا ما تعبيه الشريعة على أصحابه.
стр. 580
المسألة الثانية: علاقة الإنسان بالكون:
إن تكريم الإنسان على من عداه، من مخلوقات هذا الكون، لم يقف عند هذه الحدود، بل قرر القرآن: أن الإنسان هو سيد هذا الكون، وأن هذه الظواهر الطبيعية , التي طالما رهبها حتى عبدها، إنما هي مسخرة له , بل إنها لم تخلق إلا لتكون مسخرة لهذا الإنسان.
وفي كثير من سورة القرآن الكريم، تُلح آياته على تقرير هذا المعنى ... وتغرس في نفس الإنسان، وعقله، ووجدانه، هذا التصور الجديد، الذي يحرره من العبودية - عبودية الطبيعة وظواهرها –، إلى الحد الذي قرر فيه: أن هذه الطبيعة، وقواها، وظواهرها، إنما هي جميعاً مسخرة لهذا الإنسان (١).
وهذا التسخير الكوني لهذا الإنسان العجيب، ينبغي أن تحكمه مجموعة من العلائق، التي تكون سبباً في الإفادة من هذا التسخير، ومنها:
١) التأمل والتدبر في سير هذا الكون المطرد، التي لم تنخرم سننه منذ كان إلى أن يأذن الله بفنائه، والنظر إليه بعين البصر والبصيرة، الموصل إلى توحيد الله ، يقول الله في دعاء المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران:١٩١].
ثم ينتج عن هذا التأمل والتدبر علاقة أخرى بين الإنسان والكون وهي:
٢) إعمار هذا الكون بما أراد الله من طاعته وعبادته، وهي الغاية العظمى والقصوى في خلق هذا الإنسان، يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات:٥٦].
وهذا النظر والتأمل في زوايا هذا الكون، يعمق التوحيد في قلوب المؤمنين ويفتح آفاقاً في قلوب الجاحدين المنكرين؛ لأن هذا النظر لا بد من أن يؤدي إلى الاعتراف بخالق هذا الكون ومدبره، والمتصرف فيه.
стр. 581
ومتى أيقن الإنسان بربوبية الله تعالى له، ولهذا الكون، ولما سواه وعداه لزمه صرف العبادة له وحده دون ما سواه، وإعمار هذا الكون بطاعته؛ لأن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية، فمن اعتقده خالقاً رازقاً مدبراً لهذا الكون متصرفاً فيه، له القوة والقدر والقهر، وجب عليه أن يصرف له العبادة؛ لاستحقاقه لها .
٣) أن يكون هذا الكون ميداناً فسيحا للنشاط الإنساني، يستخدم فيه الإنسان طاقاته وإمكاناته، ويسخره لمنفعته، هذه المنفعة التي ستؤول في النهاية، إلى تحقيق عبادة الله تعالى، وقيام شريعته في المجتمع البشري (١).
٤) أن العلاقة التي تكون بين الإنسان والكون، يجب أن تكون علاقة أخذ وإعطاء، علاقة إحسان وكف، فيساهم في كل سبب فيه إعمار هذا الكون مما يرقى بمستوى هذا الإنسان، ويحمي قيم الجمال والأخلاق، التي من شأنها حماية أفراد هذا الكون من السقوط في الرذائل، فكما أن الإنسان مطالب في علاقتة بهذا الكون أن يُحسن، فكذلك هو مطالب بأن يكف عما من شأنه أن يخل بتوازن هذا الكون. والفساد الناشئ من بني الإنسان، سبب من أسباب فساد جماليات هذا الكون (٢).
فالعلاقة بين الإنسان والكون علاقة تكاملية، تنتج عنها انسجام وتوافق والانسجام بالنسبة للكون ناتج عن صفة قسرية تسخيرية، في حين يصدر من الإنسان عن إرادة حرة، فمالم تكن هذه الإرادة وفق التشريعات، لم يتحقق ذلك الانسجام والتوافق تحققاً كاملاً، وإن حصل المكلف منه ما ينتفع به في دنياه، إلا أنه لا ينتفع به أخراه.
стр. 582
المسألة الثالثة: علاقة الإنسان بالإنسان:
تجمع الإنسان بأخيه الإنسان وشائج كثيرة، وروابط عديدة، كل وشيجة لها حقوق، وعليها واجبات. فاجتماع الإنسان بالإنسان في هذا الكون العامر الفسيح، يُوجب التعايش والتعاون؛ لإبقاء النوع البشري وفق ما أراد الله تعالى وشرع. ومع تعدد الوشائج والروابط الإنسانية في هذا الكون، إلا أن أعظم الوشائج وأعلاها، وأكرم الروابط وأنداها بين البشر، وشيجة الإيمان، ورباط العقيدة والتوحيد.
فجميع هذه الوشائج والروابط، التي تنتمي إليها الإنسانية، مبناها على العدل والإحسان، واحترام حقوق الإنسان، ولو اختلفت في عقائدها وانتمائتها. فالإسلام أعطى جميع البشر حقوقهم، واحترم إنسانيتهم فالجميع يقفون أمام مبادئ الإسلام العامة في مقام واحد، فمبادئ العدالة والاستحقاق، والحرية، لا تفرق بين لون ولون، ولا بين جنس وجنس وهذا لا ينافي مبدأ الولاء والبراء في الإسلام.
وتختلف علاقة الإنسان بغيره بناء على اعتبارات:
١ - فعلاقته بأصوله: تقوم على المحبة والاحترام، والتقدير والإحسان، والبر والإجلال؛ لأنهما سبب وجوده في هذه الحياة، وبرهما والإحسان إليهما، مقترن بتوحيد الله جل وعلا.
٢ - وعلاقته بفروعه: تقوم على الحب والرحمة، والعطف والشفقة والنصح والتربية الحسنة.
٣ - وعلاقته بحواشيه: تقوم على الحب والاحترام والتقدير، والبذل والمساعدة وعدم التقتير.
٤ - وعلاقته بذوي قراباته: تقوم على المحبة والوصال، والتعاون والانتصار.
٥ - وعلاقته بالمسلمين: تقوم على المحبة والإخاء، والتواصل والوفاء
٦ - وعلاقته بغير المسلمين: تقوم على الوفاء بالعهد، والقسط في التعامل.
٧ - وعلاقته بزوجه: تقوم على المودة والرحمة، وحسن العشرة ... وأداء الحقوق.
стр. 583
المسألة الرابعة: علاقة الإنسان بالحياة الدنيا:
إن الدنيا حلوة خضرة (١)، وصف نبوي يدل على جمال الدنيا، غير أن جمالها مقرون بكدر، وحلاوتها مقرونة بمرارة ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد:٤].
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذار والأكدار
ومتكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار (٢)
ولذا فعلاقة الإنسان بالدنيا: هي علاقة ابتلاء، يشمل بعمومه كل بلاء ... إلا أن الله قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ... [الملك:٢].
إن علاقة الإنسان بالدنيا تتمثل في أمور:
١ - أنها دار الابتلاء في النفس والجسد، الذي يوجب الصبر والرضا عن الله تعالى.
٢ - أنها دار العمل والزرع، الذي يوجب الإحسان في العمل.
٣ - أنها محل اللذة العاجلة، ولكن لا ينافي عمل الآخرة، العمل في الدنيا فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] على أن لا يكون الاشتغال بها، سبباً لنسيان الدار الآخرة
٤ - أن ما يزرعه المرء في دنياه، يحصده في آخرته.
٥ - ليس مقدار فوز الإنسان في الدنيا، كثرة ماله، وجاهه، ووفرة نعمه فكم كان لقارون من الأموال ثم خسف به، ولذا فإن النعم الدنيوية لا تستوجب السعادة الأخروية، وكذا النعم الدنيوية، لا تستوجب الشقاء الأخروي: «فنعم المال الصالح للرجل الصالح «(٣).
стр. 584
وينبغي أن يُعلم: أن هذه الحياة لا تستحق اسم الحياة، قياساً بالحياة الآخرة ... فالذي وفق في حياته بإحسان العمل، وإخلاص التوحيد، وسلامة القلب، وصفاء النية، قدم على تلك الدار ناسياً بلاءه، تاركاً خلف ظهره جميع آلالمه وأحزانه، قائلاً قول المؤمنين: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر:٣٤].
ويزيد حبوره، ويشتد سروره، حين يسمع المنادي: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا «(١).
стр. 585
المسألة الخامسة: علاقة الإنسان بآخرته:
إذا كانت الدنيا وسيلة، فإن الآخرة هي الغاية، وإذا كانت الدنيا طريق فإن الآخرة هي الهدف، والعلاقة بينهما: إما بين إفراط وتفريط، أو بين سلب وإيجاب. فحين تقوم علاقة الإنسان بالآخرة على مبدأ: «إِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ» (١)، فإن العلاقة بين الدنيا والآخرة، تكون علاقة إيجاب؛ إذ نظر إلى أن الدنيا وسيلة، والآخرة غاية وهدف، وحين تقوم علاقة الإنسان بالآخرة على مبدأ «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ» (٢)،
стр. 586
فإن العلاقة بين الدنيا والآخرة، تكون علاقة سلب؛ حيث نظر إلى الدنيا أنها هدف وغاية، فصرف همته، وكل طاقته، لتحصيلها على حساب آخرته، فيصدق عليه قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] قال الإمام ابن كثير:" أي: لا تنسوا ذكر الله فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ أ ي: الخارجون عن طاعة الله، الهالكون يوم القيامة، الخاسرون يوم معادهم" (١)، ومع ذا فقد خسر دنياه، ففي الحديث: «وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ»، إن العلاقة بين الرئيسة بين الإنسان والآخرة: هي علاقة الجزاء والحساب، وفيها سيجد الإنسان كل ما عمله في دنياه، أمامه حاضراً ماثلاً، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت:٤٦]، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ [آل عمران:٣٠].
بينت نصوص الوحيين خطر المسؤولية الأخروية، وما الذي سيُسأل عنه المرء يوم القيامة:
(أ) نصوص القرآن الكريم في إثبات سؤال المحاسبة يوم القيامة، قال الله تعالى:
- ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦].
- ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر:٩٢].
- ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾ [النحل:٥٦].
- ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [النحل:٩٣].
وعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى صَلَاةِ عَبْدِي، فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا قِيلَ: يَا رَبِّ أَتَمَّهَا، وَإِنْ كَانَ نَقَصَهَا قِيلَ: يَا رَبِّ، نَقَصَهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُقَالُ نَعَمْ، كَثِيرٌ، فَيَقُولُ: فَأَتِمُّوا لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ» (١).
فهذه النصوص وغيرها، تدل على المسؤولية التامة الشاملة يوم القيامة لكل ما عمله العبد في دنياه من خير وشر " وفي ضوء نجاحه أو فشله لتحمل هذه المسؤولية، يتقرر جزاؤه ومصيره، فإما إلى جنة عرضها السموات والأرض وإما إلى جهنم وساءت مصيراً" (٢).
إن المسؤولية في الآخرة، مسؤولية فردية، فلا يتحمل أحد عن أحد، ولا يسأل أحد بدلاً عن أحد، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، أي: ليس هذا أمر تنفع فيه الكفالة ويقوم أحد مقام أحد فيه (٣).
فالعلاقة بين الإنسان والآخرة: علاقة مسؤولية وجزاء، فالإنسان مسؤول عما عمل، مجزي عليه.
стр. 589
المبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن والسنة ،
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن الكريم.
المطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص السنة النبوية المطهرة.
стр. 590
المطلب الأول أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك في ضوء القرآن الكريم
أشار القرآن الكريم في كثير من آياته، إلى أثر الإيمان باليوم الآخر، في تقويم السلوك، وتهذيب الأخلاق، وذلك بالتذكير به في التعاملات الإنسانية والتجاوزات البشرية، وهذا يدل على اهتمام القرآن الكريم بهذا الأمر ولذلك أكثر القرآن الكريم من التذكير بهذا اليوم العظيم؛ إذ به تخف سَورة النفس البشرية وطغيانها، مما يؤدي إلى الالتزام والاستقامة على شرع الله جل وعلا.
ومن النصوص الشرعية القرآنية الشريفة، الدالة على أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، وتهذيب الأخلاق، والوقوف عند حدود الشريعة ما يلي:
١ - يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٢٢٨].
يقول الإمام الطبري في بيان أثر الإيمان باليوم الآخر، في عدم كتمان المرأة المطلقة ما خلق الله رحمها:" إن كتمان المرأة المطلقة زوجها المطلقها، ما خلق الله تعالى في رحمها، من حيض وولد، في أيام عدتها من طلاقه ضراراً له ليس من فعل من يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا من أخلاقه، وإنما ذلك من فعل من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وأخلاقهن من النساء الكوافر، فلا تتخلقن أيتها المؤمنات بأخلاقهن، فإن ذلك لا يحل لكن، إن كنتن تؤمن بالله واليوم الآخر، وكنتن من المسلمات" (١).
ومع كون هذه الآية الكريمة، تدل على أن المرأة مؤتمنة على عدتها وحملها (٢) ... إلا أن الذي يحملها على عدم خيانة هذه الأمانة، ويحجزها عن ذلك، هو إيمانها بالله تعالى واليوم الآخر.
стр. 591
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: قيد كاشف لا مفهوم له، فلا يدل على أنه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم؛ لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن، إنما هو كقولك: إن كنت أخي فلا تظلمني، أي فينبغي أن يحجزك الإيمان عنه؛ لأن هذا ليس من فعل أهل الإيمان (١).
فمن آمنت بالله، وكانت الآخرة أمام ناظريها، لا يمكن أن تجترئ على الخيانة، وغيرها من العظائم، وفي الآية دلالة " على أن كل من جُعل أميناً في شيء، فخان فيه، فأمره عند الله شديد" (٢).
٢ - يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة:٢٣٢]، دلت هذه الآية: على نهي الأولياء، عن عضل مولياتهم عن النكاح، وهذا الذي نهيتكم عنه من عضلهن عن النكاح، عظة مني من كان منكم أيها الناس يؤمن بالله واليوم الآخر، يعني: يصدق بالله فيوحده ويقر بربوبيته، واليوم الآخر يعني: يصدق بالبعث للجزاء والثواب والعقاب؛ ليتقي الله في نفسه، فلا يظلمها بضرار وليته، ومنعها من نكاح من رضيته لنفسها، ممن أذنت له في نكاحه (٣).
وهذا خطاب لجميع الأولياء، أي: لمن صدق بأمر الله، ووعيده والبعث فأطاع الله في هذه الحدود، فهو أزكى له وأطهر من الريبة (٤).
стр. 592
وإنما خص الله جل وعلا، الوعظ في هذه الآية المؤمنين دون غيرهم؛ لأن الوعظ إنما يؤثر في المؤمنين، وهو إنما يريد حصول الاتعاظ وليس ذلك إلا للمؤمنين، فلما كان المؤمن هو المنتفع بالوعظ، حَسُن تخصيصه به (١).
٣ - يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة:٢٦٤]، قيل: المنّ في الصدقة بمنزلة الحدث في الصلاة، يبطلها ويحبطها. وقيل: في إحباط الفضل دون الثواب، ومثل هذا: كالذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الأخر: أي كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس؛ لأن الرياء يبطل الصدقة ويحبطها , ولذا لو كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وعرف ما عند الله من الثواب العظيم الجزيل، لما رآى بصدقته؛ لأن الصدقة مع الرياء ليست من أفعال المؤمنين، فمن كان يرجوا ثواباً، أو يخشى عقاباً، فلن يرائي (٢).
стр. 593
٤ - يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء:٥٩] , أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: الرد حين التنازع إلى الله ورسوله، في كل شيء من أصول الدين وفروعه، وهذا تحاكم إلى الله ورسول مأمور به، فيدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما، فليس مؤمناً بالله واليوم الآخر (١).والشرط في قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو شرط يراد به الحض على إتباع الحق، وفيه إشعار بوعيد من لم يرد إلى الله والرسول (٢).
ودلت الآية الكريمة: على أثر الإيمان باليوم الآخر، في الرد إلى الله والرسول حين التنازع؛ لأنه هو الموجب للرد، يقول العلامة أبو السعود:" فإن الإيمان بهما يوجب ذلك - الرد - أما الإيمان بالله فظاهر، وأما الإيمان باليوم الآخر، فلِما فيه من العقاب على المخالفة" (٣). ويقول العلامة الشوكاني: "قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فيه دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين، وإنه من شأن من يؤمن بالله واليوم الآخر " (٤).
٥ - يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة:١٨].
стр. 594
أبانت هذه الآية الكريمة من المستحق لعمارة المساجد، وهو من اتصف بجملة من الصفات، ابتدأها بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وهو شرط فيمن يعمر المسجد؛ لأن المسجد موضع يعبد الله فيه، فمن لم يكن مؤمناً بالله امتنع أن يعمر موضعاً يعبد الله فيه. ثم قال: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: يعني: وآمن باليوم الآخر، وأنه حق كائن؛ لأن عمارة المسجد لأجل عبادة الله، وجزاء أجره إنما يكون في الآخرة، فمن أنكر الآخرة لم يعبد الله، ولم يعمر له مسجداً (١). ويقول الإمام الرازي:" وإنما قلنا: إنه لا بد من أن يكون مؤمناً بالله واليوم الآخر؛ لأن الاشتغال بعبادة الله تعالى، إنما تفيد في القيامة، فمن أنكر القيامة، لم يعبد الله، ومن لم يعبد الله، لم يبن بناء لعبادة الله تعالى" (٢).
وأورد الإمام ابن الجوزي سؤالاً مفاده:" فإن قيل: قد يعمر مساجد الله من ليس فيه هذه الصفات؟
فالجواب: أن المراد أنه من كان على هذه الصفات المذكورة، كان من أهل عمارتها، وليس المراد: أن من عمرها كان بهذه الصفة" (٣).
٦ - يقول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة:٤٤ - ٤٥].
стр. 595
بينت الآية الكريمة: حال المؤمنين المصدقين الموقنين، وحال المنافقين المشككين المتحيرين، في القعود عن الغزو، فالمؤمنون الصادقون الذين يرون أن الجهاد قربة، فلإيمانهم بالله وباليوم الآخر، وما فيه من عظيم الجزاء للمجاهدين، لما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا، بخلاف حال المنافقين الذين لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة، قد ارتابت قلوبهم، حين شكت في دين الرسول ﷺ ولذا فهم ﴿فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ فيقدمون رجلاً، ويؤخرون أخرى، فليست لهم قدم ثابتة في شيء، فهم قوم حيارى هلكى (١).
٧ - يقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور:٢].
في هذه الآية الكريمة: دلالة واضحة في بيان أثر الإيمان بالله واليوم الآخر في إقامة الحدود، يقول الإمام الطبري: "وقوله (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ يقول: إن كنتم تصدقون بالله ربكم وباليوم الآخر، وأنكم فيه مبعوثون لحشر القيامة، وللثواب والعقاب، فإن من كان بذلك مصدقاً ... فإنه لا يخالف الله في أمره ونهيه؛ خوف عقابه على معاصيه" (٢).
يقول سعيد بن جبير: قوله: (إن كنتم) يعني: الحكام (تؤمنون) يعني: تصدقون، (بالله) يعني: بتوحيد الله، (واليوم الآخر) يعني وتصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، فأقيموا الحدود (وليشهد) يعني: وليحضر (عذابهما) يعني حدهما (٣).
стр. 596
وقال بعض أهل العلم: قوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هو من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه (١).
فالإيمان بالله واليوم الآخر، واستشعار عذاب الله في الآخرة لمن ضيع حدود الله تعالى، هو السبب الموجب لقيام الحكام والقضاة بإقامة الحدود فكأن المعنى: إن كنتم مؤمنين، فلا تتركوا إقامة الحدود.
٨ - يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق:٢].
يقول جل في علاه في هذه الآية: "هذا الذي أمرتكم به، وعرفتكم من أمر الطلاق، والواجب لبعضكم على بعض عند ا لفراق والإمساك؛ عظة منا لكم، نعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فيصدق به" (٢).
وإنما كان الوعظ واقع على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه هو المنتفع به، والمقصود بذكره (٣).
يقول الإمام ابن كثير:" وقوله: (ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أي: هذا الذي أمرتكم به من الإشهاد، وإقامة الشهادة، إنما يأتمر به ... من يؤمن بالله وأنه شرع هذا، ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة " (٤).
стр. 597
هذه جملة من النصوص القرآنية، تدل دلالة واضحة، على تأثير الإيمان بالله واليوم الآخر، على الالتزام بالآداب، والتمسك بالأخلاق، والحرص على تطبيق تعاليم الشريعة. ولا أدل على أهمية الإيمان باليوم الآخر واعتقاده، من التلازم بينه وبين الإيمان بالله العلي العظيم؛ "لأن الإيمان بالله، يحقق المعرفة بالمصدر الأول الذي صدر عنه الكون، والإيمان باليوم الآخر، يحقق المعرفة بالمصير الذي ينتهي إليه هذا الوجود.
وعلى ضوء المعرفة والمصير، يمكن للإنسان أن يحدد هدفه، ويرسم غايته ويتخذ من الوسائل والذرائع ما يوصله إلى الهدف، ويبلغ به الغاية.
ومتى فقد الإنسان هذه المعرفة، فإن حياته ستبقى لا هدف لها، ولا غاية منها، وحين يفقد الإنسان سموه الروحي، وفضائله العليا، ويعيش كما تعيش الأنعام، تسيرها غرائزها الطبيعية، واستعداداتها الفطرية، وهذا هو الانحطاط الروحي المدمر لشخصية الإنسان" (١).
وقد أسهب القرآن بذكر بعض الأساليب، التي تعين في القضاء على الأخلاق السيئة، والأعمال المذمومة، والأفعال القبيحة، والعادات القبيحة فجاءت هذه الأساليب، في غاية الفصاحة والبيان؛ تحرك القلب والعقل والوجدان، وتعين المرء على التخلص من هذه الآفات والقبائح، إنه أسلوب التذكير المباشر وغير المباشر بمآل الإنسان ومصيره المحتوم، ووقوفه يوم الدين بين يدي الملك العلام، وشواهده في القرآن الكريم كثيرة، يطول حصره وبيانه، ومن أمثلته:
أ) أكل مال اليتيم:
حثت الشريعة المطهرة على الاهتمام بحق اليتيم، والاهتمام بشؤونهم، فقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]، وجعلت مقابل ذلك الفضل الكبير، وذلك بصحبة النبي ﷺ في جنات النعيم.
فأخرج الإمام البخاري عن سهل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 598
«وَأَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا (١).
ونهى الرسول ﷺ عن تضيع حقوقه، وحذر منه تحذيراً بالغاً، فقال: ... «اللهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ» (٢).
وأجازت الشريعة لولي اليتيم، والناظر على ماله، أن يأكل منه بقدر حاجته قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (٦)﴾ [النساء:٦].
ولكن لما كانت نفوس بعض الأولياء، منحرفة عن حفظ الحق، خائنة للأمانة، حذرته الشريعة، وذكرته بيوم يقدم فيه على ربه؛ لعله ينزجر ويرتدع، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء:١٠]،وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء:٣٤].
ولما كان أكل مال اليتيم بهذه الخطورة، جعله النبي ﷺ من الموبقات السبع المهلكات، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، .... وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ» (٣).
стр. 599
وفي هذا النص القرآني، نلحظ جليا كيف أنه يتغلغل في أعماق النفس البشرية، فيقومها، ويربيها، ويهذبها على معالي الأمور، والبعد عن سفاسفها ويقمع هوى النفس الأمارة بالسوء، ويكبح جماحها، ولذا جاء التهديد شديداً، في مثل هذا العمل الشنيع.
ب) يقول جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء:٣٦].
اختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١):
- فقيل: المعنى: لا ترم أحداً بما ليس لّك به علم.
- وقيل: المعنى: لا تقل رأيت ولم تر , ولا سمعت ولم تسمع.
- وقيل: المعنى: لا تشهد بالزور.
- وقيل: لا تشرك بالله تعالى.
يقول الإمام الرازي:" ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ أي: ولا تتبع ولا تقتف ما لا علم لك به، من قول أو فعل، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً، وهذه قضية كلية يندرج تحتها أنواع كثيرة، وكل واحد من المفسرين حمله على واحد من تلك الأنواع، وفيه وجوه:
الوجه الأول: المراد: نهي المشركين عن المذاهب التي يعتقدونها في الإلهيات والنبوات بسبب تقليد أسلافهم.
والقول الثاني: المراد منه: شهادة الزور، قال ابن عباس: لا تشهد إلا بما رأته عيناك، وسمعته أذناك، ووعاه قلبك.
والقول الثالث: المراد منه: النهي عن القذف، ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب.
والقول الرابع: المراد منه: النهي عن الكذب، قال قتادة: لا تقل: سمعت ولم تسمع، ورأيت ولم تر، وعلمت ولم تعلم.
والقول الخامس: أن القفو أصله البهت، وهو في معنى الغيبة، وهو ذكر الرجل في غيبته بما يسوءه. واعلم أن اللفظ عام يتناول الكل " (٢).
стр. 600
فهذه جملة من الأخلاق المذمومة , والأمور المحرمة، والآفات المسمومة ... لا يمكن لأي عقوبات دنيوية صارمة أن تقف حداً مانعاً لوقاية النفس البشرية منها، مثل ما يكون لوازع القرآن في التذكير بمعاد الإنسان وسؤاله عن هذه الأعضاء التي فعل بها هذه القبائح، ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء:٣٦]، فإما أن يكون المراد: أن المرء يُسأل عن سمعه وبصره وفواده وإما أن يراد به: أن السمع والبصر والفؤاد يُسأل عما فعله المرء (١).
وعلى كلا القولين، فالأمر مخيف، والموقف فظيع، وهو أكبر زاجر للمرء من الوقوع في هذه الأعمال الشنيعة.
ج) يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣].
الظلم من أقبح الأعمال ولذا حرمه المولى جل وعلا على نفسه فقال: ﴿يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا .... ﴾ (٢).
وهذا الظلم الممقوت في الشريعة، يشمل الظلم فيما بين العبد وربه، وظلمه لعباد الله تعالى (٣).
وأعظم الظلم هو الشرك بالله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان:١٣]، وهذه الآية الكريمة فيها: تعزية للمظلوم وتسلية، ووعيد للظالم وتهديد له (٤).