← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وقال بعض أهل العلم: قوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هو من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه (١). فالإيمان بالله واليوم الآخر، واستشعار عذاب الله في الآخرة لمن ضيع حدود الله تعالى، هو السبب الموجب لقيام الحكام والقضاة بإقامة الحدود فكأن المعنى: إن كنتم مؤمنين، فلا تتركوا إقامة الحدود. ٨ - يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق:٢]. يقول جل في علاه في هذه الآية: "هذا الذي أمرتكم به، وعرفتكم من أمر الطلاق، والواجب لبعضكم على بعض عند ا لفراق والإمساك؛ عظة منا لكم، نعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فيصدق به" (٢). وإنما كان الوعظ واقع على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه هو المنتفع به، والمقصود بذكره (٣). يقول الإمام ابن كثير:" وقوله: (ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أي: هذا الذي أمرتكم به من الإشهاد، وإقامة الشهادة، إنما يأتمر به ... من يؤمن بالله وأنه شرع هذا، ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة " (٤).

стр. 597

هذه جملة من النصوص القرآنية، تدل دلالة واضحة، على تأثير الإيمان بالله واليوم الآخر، على الالتزام بالآداب، والتمسك بالأخلاق، والحرص على تطبيق تعاليم الشريعة. ولا أدل على أهمية الإيمان باليوم الآخر واعتقاده، من التلازم بينه وبين الإيمان بالله العلي العظيم؛ "لأن الإيمان بالله، يحقق المعرفة بالمصدر الأول الذي صدر عنه الكون، والإيمان باليوم الآخر، يحقق المعرفة بالمصير الذي ينتهي إليه هذا الوجود. وعلى ضوء المعرفة والمصير، يمكن للإنسان أن يحدد هدفه، ويرسم غايته ويتخذ من الوسائل والذرائع ما يوصله إلى الهدف، ويبلغ به الغاية. ومتى فقد الإنسان هذه المعرفة، فإن حياته ستبقى لا هدف لها، ولا غاية منها، وحين يفقد الإنسان سموه الروحي، وفضائله العليا، ويعيش كما تعيش الأنعام، تسيرها غرائزها الطبيعية، واستعداداتها الفطرية، وهذا هو الانحطاط الروحي المدمر لشخصية الإنسان" (١). وقد أسهب القرآن بذكر بعض الأساليب، التي تعين في القضاء على الأخلاق السيئة، والأعمال المذمومة، والأفعال القبيحة، والعادات القبيحة فجاءت هذه الأساليب، في غاية الفصاحة والبيان؛ تحرك القلب والعقل والوجدان، وتعين المرء على التخلص من هذه الآفات والقبائح، إنه أسلوب التذكير المباشر وغير المباشر بمآل الإنسان ومصيره المحتوم، ووقوفه يوم الدين بين يدي الملك العلام، وشواهده في القرآن الكريم كثيرة، يطول حصره وبيانه، ومن أمثلته: أ) أكل مال اليتيم: حثت الشريعة المطهرة على الاهتمام بحق اليتيم، والاهتمام بشؤونهم، فقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]، وجعلت مقابل ذلك الفضل الكبير، وذلك بصحبة النبي ﷺ في جنات النعيم. فأخرج الإمام البخاري عن سهل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 598

«وَأَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا (١). ونهى الرسول ﷺ عن تضيع حقوقه، وحذر منه تحذيراً بالغاً، فقال: ... «اللهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ» (٢). وأجازت الشريعة لولي اليتيم، والناظر على ماله، أن يأكل منه بقدر حاجته قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (٦)﴾ [النساء:٦]. ولكن لما كانت نفوس بعض الأولياء، منحرفة عن حفظ الحق، خائنة للأمانة، حذرته الشريعة، وذكرته بيوم يقدم فيه على ربه؛ لعله ينزجر ويرتدع، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء:١٠]،وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء:٣٤]. ولما كان أكل مال اليتيم بهذه الخطورة، جعله النبي ﷺ من الموبقات السبع المهلكات، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، .... وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ» (٣).

стр. 599

وفي هذا النص القرآني، نلحظ جليا كيف أنه يتغلغل في أعماق النفس البشرية، فيقومها، ويربيها، ويهذبها على معالي الأمور، والبعد عن سفاسفها ويقمع هوى النفس الأمارة بالسوء، ويكبح جماحها، ولذا جاء التهديد شديداً، في مثل هذا العمل الشنيع. ب) يقول جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء:٣٦]. اختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١): - فقيل: المعنى: لا ترم أحداً بما ليس لّك به علم. - وقيل: المعنى: لا تقل رأيت ولم تر , ولا سمعت ولم تسمع. - وقيل: المعنى: لا تشهد بالزور. - وقيل: لا تشرك بالله تعالى. يقول الإمام الرازي:" ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ أي: ولا تتبع ولا تقتف ما لا علم لك به، من قول أو فعل، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً، وهذه قضية كلية يندرج تحتها أنواع كثيرة، وكل واحد من المفسرين حمله على واحد من تلك الأنواع، وفيه وجوه: الوجه الأول: المراد: نهي المشركين عن المذاهب التي يعتقدونها في الإلهيات والنبوات بسبب تقليد أسلافهم. والقول الثاني: المراد منه: شهادة الزور، قال ابن عباس: لا تشهد إلا بما رأته عيناك، وسمعته أذناك، ووعاه قلبك. والقول الثالث: المراد منه: النهي عن القذف، ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب. والقول الرابع: المراد منه: النهي عن الكذب، قال قتادة: لا تقل: سمعت ولم تسمع، ورأيت ولم تر، وعلمت ولم تعلم. والقول الخامس: أن القفو أصله البهت، وهو في معنى الغيبة، وهو ذكر الرجل في غيبته بما يسوءه. واعلم أن اللفظ عام يتناول الكل " (٢).

стр. 600

فهذه جملة من الأخلاق المذمومة , والأمور المحرمة، والآفات المسمومة ... لا يمكن لأي عقوبات دنيوية صارمة أن تقف حداً مانعاً لوقاية النفس البشرية منها، مثل ما يكون لوازع القرآن في التذكير بمعاد الإنسان وسؤاله عن هذه الأعضاء التي فعل بها هذه القبائح، ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء:٣٦]، فإما أن يكون المراد: أن المرء يُسأل عن سمعه وبصره وفواده وإما أن يراد به: أن السمع والبصر والفؤاد يُسأل عما فعله المرء (١). وعلى كلا القولين، فالأمر مخيف، والموقف فظيع، وهو أكبر زاجر للمرء من الوقوع في هذه الأعمال الشنيعة. ج) يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣]. الظلم من أقبح الأعمال ولذا حرمه المولى جل وعلا على نفسه فقال: ﴿يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا .... ﴾ (٢). وهذا الظلم الممقوت في الشريعة، يشمل الظلم فيما بين العبد وربه، وظلمه لعباد الله تعالى (٣). وأعظم الظلم هو الشرك بالله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان:١٣]، وهذه الآية الكريمة فيها: تعزية للمظلوم وتسلية، ووعيد للظالم وتهديد له (٤).

стр. 601

فكم ممن تعدى وظلم، وأسرف في الطغيان، دون رادع يردعه، ولا زاجر يزجره، وما درى هذا المسكين أن عاقبة الظلم والبغي، معجلة في الدنيا قبل الآخرة، فعن أبي بكرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» (١). ولا زاجر للظالم عن ظلمه، إلا مواعظ القرآن المذكرة بيوم الوعيد، ولذا قال المولى جل وعلا في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم:٤٢]، اليوم الذي يجازى فيه الإنسان بالجليل والحقير، وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... ﴾ [سبأ:٣١]، وقال: ... ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾ [الصافات:٢٢]، وقال: ... ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾ [سبأ:٤٢]. وقد استشعر هذا المعنى الشاعر أبو العتاهية فقال (٢): أما والله إن الظلم لؤم وما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم ستعلم في الحساب إذا التقينا غداً عند الإله من الملوم

стр. 602

ومن هنا نعلم أن زاجر القرآن، وواعظ الهداية والبيان، مهذب للنفس وزاجراً لها عن الوقوع في الظلم، "فإياك ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام" (١) قال ﷺ : «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (٢). د) يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]. فهنا تظهر لنا هذه الآيات، أسلوباً بديعاً من أساليب البيان، التي تأخذ بالقلوب والأفئدة والألباب، ففي هذه الآيات الكريمات، تحذير وتهديد شديدين، لمن انغمس في هذه القبائح والمنكرات والكبائر، ووعيد بمضاعفة العذاب في الآخرة، مما يكون له أثر في نفس السامع، وخوفه من الوقوع في هذه الكبائر، لسوء عواقبها في الآخرة، إذ يقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ إما واد في جهنم، وإما جزاء هذه الآثام، ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يستدام له العذاب؛ لقاء هذه الآثام المشينة ... ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ أي: حقيراً ذليلاً، فأي زاجر أعظم من هذا الزاجر ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق:٤٥]. فالإيمان باليوم الآخر والتذكير به، سبب من أسباب انزجار النفوس، عن الوقوع في هذا الأعمال المشينة، ولذا أكثر القرآن الكريم من التذكير به في كل مناسبة.

стр. 603

هـ) يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]. مع انغماس الناس في أوحال الدنيا، وعدم مبالاتهم بما جاءهم منها، من أبواب الحلال أو الحرام، كثر وانتشر التعامل بالربا، بصور مختلفة ... وأساليب متنوعة، حتى ربما سُوِّق له ببعض شواذ الأقوال. ومع هذا الواقع المرير، تأتي نصوص القرآن ومواعظه، في مقدمة الزواجر لبيان خطر التعامل بهذه الآفة الخطيرة على الأفراد والمجتمعات، فمَثَّلَ القرآن آكلي الربا يوم القيامة، بأنهم يقومون من قبورهم ويحشرون كمثل المصروع من المس، أو كمثل السكران، وتكون هذه علامة يعرفون بها على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، بأنهم أكلة الربا في الدنيا. وحين يجمع آكل الربا مع هذا النص الكريم، حديث الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كما في صحيح الإمام البخاري من حديث سمرة ﵁، في حديث الرؤيا الطويل، وفيه: «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا» (١).

стр. 604

فأي زاجر أعظم من زاجر القرآن، والله جل وعلا يقول: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق:٤٥] فالقرآن الكريم لما ذكر آيات الربا، وأبان خطورته، أردفه بقوله تعالى مذكراً بيوم الرجوع إلى الله، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة:٢٨١] وقال في آية أخرى محذراً من مغبة الوقوع والانغماس في الربا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣١]، يقول العلامة الخازن في تفسره:" ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ أي لكي تسعدوا بثوابه في الآخرة؛ لأن الفلاح يتوقف على التقوى , فلو أكل ولم يتق , لم يحصل الفلاح. وفيه دليل على أن أكل الربا من الكبائر , ولهذا أعقبه بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ " (١). ووصف الكفر في الآية، محمول على من استحل شيئاً مما حرمه الله جل وعلا، فإن من استحل شيئاً مما حرمه الله تعالى، فهو كافر بالإجماع ويستحق النار بذلك. قال ابن عباس: هذا تهديد للمؤمنين، أن يستحلوا ما حرم الله عليهم من الربا وغيره، مما أوجب الله فيه النار (٢). و) يقول الله : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص:٨٣]. التعاظم، والتكبر، والتجبر، والفساد في الأرض، من خصال أهل الطغيان الذين ليس لهم في الآخرة أمان، لذلك أدبهم القرآن الكريم بآدابه وزجرهم بزواجره، ووعظهم بمواعظه، فقال: يا معاشر المتكبرين المتجبرين، فقط لكم ولأمثالكم هذه الدار الفانية.

стр. 605

أما الدار الباقية في الآخرة، فالله يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾، فالجنة ليست داراً للمتكبرين المتجبرين. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اخْتَصَمَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا، فَقَالَتِ الجَنَّةُ: يَا رَبِّ، مَا لَهَا لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، وَقَالَتِ النَّارُ: - يَعْنِي - أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا» (١). فعالج القرآن الكريم داء الكبر والطغيان، بالتذكير بالوقوف بين يدي الديان، ولذا قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق:٦ - ٨]. فإذا كان المرجع والمآب في الآخرة إلى الرب ﷻ ، فلا مكان للطغيان لأن الرجعى إليه، والعتبى لديه، فيجازيك على طغيانك. وفي الآية تهديد، وزجر، ووعيد، لهذا الإنسان من عاقبة الطغيان، وهو عام لكل طاغ متكبر (٢). ز) يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾ [آل عمران:١٦١].

стр. 606

قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغيرهم في معنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: ما ينبغي لنبي أن يخون (١)، وقيل في سبب نزولها: عن ابن عباس قال: اتهم المنافقون رسول الله بشيء فُقِدَ، فأنزل الله : ... ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. يقول الإمام ابن كثير:" وقد روي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم، وهذا تبرئة له - صلوات الله وسلامة عليه - عن جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة، وقسم الغنيمة، وغير ذلك " (٢). وذهب الإمام الطبري إلى أن المراد من الآية: هو النهي عن الغلول، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (٣). فالنهي في الآية منصب على المؤمنين، وأن من غلّ من الغنائم فقد خان ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، فيفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، بأن يأتي بالشيء الذي غلّ في الدنيا (٤). فمن علم بالفضيحة على رؤوس الأشهاد، والمجازاة على فعل القبائح والمنكرات، انزجر عن فعلها، وانكف عن ممارستها. يقول الإمام الرازي في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾:"هلاّ قيل: ثم يوفى ما كسب ليتصل بما قبله؟ والجواب: الفائدة في ذكر هذا العموم، أن صاحب الغلول إذا علم أن هاهنا مجازياً يجازي كل أحد على عمله، سواء كان خيراً أو شراً، علم أنه غير متخلص من بينهم، مع عظم ما اكتسب" (٥).

стр. 607

ل) يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ [آل عمران:١٨٠]، في هذه الآية الكريمة، بيان لحال البخل وضخامة عاقبته، وتخطئة لأهله (١)، سواء كان البخل في إيتاء الزكاة المفروضة ومانعيها، أو البخل في النفقة على العيال وذوي الأرحام. وهذه الآية وعيد شديد لمن يبخل، والبخل الشرعي: عبارة عن منع بذل الواجب (٢). وهذا الخلق الذميم، نفاه الكريم الرحمن الرحيم عن نفسه المقدسة، حين قالت اليهود عليهم لعائن الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ .... ﴾ [المائدة:٦٤]. وأخبر القرآن الكريم أن الله جل في علاه، لا يحب هذا الخلق الذميم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾ [النساء:٣٦ - ٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾ [الحديد:٢٣ - ٢٤]. وأخبر القرآن الكريم أيضاً , أن النفس الطاهرة الزكية، هي النفس التي تخلصت من هذا الداء الدفين , فقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن:١٦].

стр. 608

فحين يعلم البخيل أنه سيوكل إلى بخله في دنياه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ [محمد:٣٨]. وحين يعلم أنه سيط وقون بما بخل به في أخراه ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ سيكون هذا أكبر رادع، عن التمادي في هذا الخلق الذميم، "ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم، مما آتاهم الله من فضله من المال، والجاه، والعلم، وغيره، ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خيرا لهم، بل هو شر لهم في دينهم ودنياهم وعاجلهم وآجلهم " (١). إن المتتبع لأسلوب القرآن الكريم، لمعالجة كثير من قضايا المجتمعات المؤلمة كالغل، والحقد، والحسد، والرياء، والعجب، والكبر، والغرور، وغيرها من آفات القلوب، وكثير من مآسي التعاملات اليومية المشتملة على الغش والتطفيف، وأكل أموال الناس واليتامى بالباطل، وغيرها من آفات الجوارح، وكثير من الظواهر المتفشية، كالكذب، والخيانة، والغيبة ... والنميمة، وغيرها من آفات اللسان يجده أنجع الأساليب في معالجة هذه الظواهر المؤلمة، وذلك بالتذكير باليوم الآخر، وجعله ماثلا أمام أعينهم وبهذا الأسلوب الرائع، عالج القرآن الكريم كثيراً من هذه القضايا.

стр. 609

المطلب الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك في ضوء السنة النبوية المطهرة حملت السنة النبوية لواء تقويم السلوك، وتهذيب الأخلاق؛ إتماماً لما بدأه القرآن الكريم في هذا الجانب العظيم , وكلاهما وحي من الله جل وعلا يهدفان إلى غاية واحدة، وهي تعبيد الناس لله جل وعلا، ونشر معاني الخير والصلاح والفلاح، والقضاء على كل معاني الفساد والرذيلة، والأخلاق المذمومة. وكانت بوابة هذا الإصلاح، الذي سارت عليه السنة المطهرة، في التقويم والتهذيب، والحض والتهييج، هو التذكير بالقيامة، وما فيها من الأحزان والآلام لمن خالف وعصى، وما فيها من الأفراح والإنعام لمن أطاع واستقام واتقى. وقد أولت السنة النبوية هذا الشأن اهتماماً كبيراً، ومن أوجه هذا الاهتمام: الارتباط الدائم، والتلازم القائم، بين الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر في كثير من نصوص السنة؛ لتؤكد أن الدافع والمحرك نحو العمل، هو ما يحصله المرء من الثواب، وينجو به من العقاب. ومن النصوص النبوية الدالة على أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك وتهذيب الأخلاق ما يلي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (١). الإحسان إلى الجار، وإكرام الضيف، وحفظ اللسان، من أعمال البر والخير حثت عليها الشريعة، ووعدت عليها بالأجر العظيم، وهذا هو المحفز الكبير للالتزام بهذه الآداب الشرعية. فلسائل أن يسأل: ما الداعي للالتزام بهذه الشعائر والآداب؟

стр. 610

الجواب: هو إيماني بالله واليوم الآخر، فاعتقادي بيوم يجازى فيه المحسنون بإحسانهم، هو الدافع والمحفز الرئيس، للقيام بهذه الأعمال، ولذا يقول المولى جل في علاه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم:٣١]. فقاعدة الانطلاق، ونقطة البدء في العمل الإسلامي، من فعل أو ترك، هو الإيمان باليوم الآخر. وهنا من تأمل في هذه الأعمال الشريفة، والمحاسن المنيفة، وجد أن سر الالتزام على هذه الأعمال، هو الشعور بعظيم ما ينتظرهم، وكمال ما أعد لهم عند الله ، من جزيل الثواب، وكثير العطاء، وكبير الجزاء. والناظر في الحديث، يرى جمال سر التخصيص باليوم الآخر بالذكر، دون غيره من مكملات الإيمان بالله تعالى، وذلك: أن رجاء الثواب والعقاب يرجع إلى الإيمان باليوم الآخر، فمن لا يعتقده لا يرتدع عن شر، ولا يقدم على خير، فلما كان يوم المعاد هو محل الجزاء على الأعمال، حسنها وسيئها ذكره في الحديث (١). يقول الإمام أبو الوليد الباجي عن هذا الحديث وسر هذا التخصيص:" أن هذا حكم من كان يؤمن بالله تعالى، وعَلِم أنه يجازى في الآخرة " (٢)، ويقول الحافظ ابن حجر:" وخصه بالله واليوم الآخر؛ إشارة إلى المبدأ والمعاد، أي: من آمن بالله الذي خلقه، وآمن بأنه سيجازيه بعمله، فليفعل الخصال المذكورات" (٣).

стр. 611

فالسنة النبوية المطهرة، ربطت الأعمال المطلوب إيقاعها، بالإيمان باليوم الآخر؛ لما له من أثر في القبول والاستقامة، فإن "من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده، ورجا ثوابه، ومن آمن باليوم الآخر، استعد له، واجتهد في فعل ما يدفع به أهواله ومكارهه، فيأتمر بما أمر به، وينتهي عما نهي عنه ويتقرب إلى الله بفعل ما يقرب إليه" (١). وحتى يُظهر الشارع الحكيم، الاهتمام والاعتناء بكل خصلة مستقلة عن الأخرى، كرر مقتضى الدافع للعمل وهو الإيمان بالله واليوم الآخر ثلاث مرات (٢). وفي سر اختيار هذه الأمور الثلاثة في الحديث يقول الإمام الكرماني:" فإن قلت: ما وجه ذكر هذه الأمور الثلاثة؟ قلت: هذا الكلام من جوامع الكلم؛ لأنها هي الأصول، إذ الثالث منها إشارة إلى القولية، والأولان إلى الفعلية: الأول منهما إلى التخلية عن الرذائل، والثاني إلى التحلية بالفضائل" (٣). والمعنى العام للحديث، يعني: من كان إيمانه بالله اليوم الآخر، إيماناً كاملاً فينبغي أن تكون هذه حاله وصفته (٤). وقيل: الحديث لا يختص حكمه بأهل الكمال؛ لأن الإيمان وغيره مطلوب من كل مؤمن، فلا يختص طلبه بأهل الكمال، بل كل أحد يؤمر ليصل ذلك الكمال (٥). وقد ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ «(٦).

стр. 612

في الحديث إشارة إلى أن القاطع، كأنه لم يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لعدم خوفه من شدة العقوبة المترتبة على القطيعة (١)، والمقصود بالصلة: تشريك ذوي القرابات في الخيرات (٢). وكما أن السنة المطهرة، بينت آثر الإيمان باليوم الآخر، في التحفيز على العمل، كذلك بينت أثر الإيمان باليوم الآخر، في الكف عن النواهي والزجر عن المحرمات، والنصوص الواردة في هذا الجزئية كثيرة جداً، كلها تدل على أن سبب الانزجار والانتهاء عما نهت عنه هذه الأحاديث، هو الخوف من مغبة الوقوع في هذه الأعمال، والجزاء المخيف المترتب عليها يوم القيامة. ومن النصوص الواردة في ذلك ما يلي: (أ) عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» (٣). حب الأنصار من الإيمان ودلالة عليه، فإن من عرف مرتبة الأنصار، وما كان منهم في نصرة دين الإسلام، والسعي في إظهاره، وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي ﷺ وحبه إياهم وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس؛ إيثاراً للإسلام من عرف فيهم هذه الخصال أحبهم، ولذا كان حبهم إيمان ودين وإحسان، وبغضهم نفاق. ولا يبغضهم إلا من خلا قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر، خاصة بعدما عرف ما لهم من الفضل والمكانة، والنصرة بالمال، والنفس، والولد. وهذا الحب والإجلال، والإكرام والاحترام، واجب لكل صحابة رسول الله ﷺ دون إفراط في حب أحد منهم، أو تبرئ من أحدهم، مع سلامة القلوب والألسنة تجاههم، وإحسان القول فيهم، وذكرهم بالجميل والإمساك عما شجر بينهم، والتماس أحسن الأعذار لهم.

стр. 613

(ب) عن أبي شريح العدوي، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً ... » (١). فضل مكة أمر مشهور لا يخفى على أحد، ومن مكانتها أن الله حرمها، وجعل لحرمها خصائص لا يكون لغيره، وتعظيم هذه الشعائر من تعظيم الله تعالى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]. وأن الذي يدعو إلى تعظيم شعائر الله ، هو إيمان المرء بالله واليوم الآخر، وأن من قلّ في قلبه تعظيم الله تعالى، وغابت عن ناظريه مشاهد الآخرة، هانت عليه هذه الشعائر، فوقع في الحرام، وما يغضب الرحمن سبحانه. ومقتضى الوصف في الحديث بقوله: (لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر) هو التهييج. يقول الإمام ابن دقيق العيد:" الذي أراه أن هذا الكلام من باب خطاب التهييج، فإن مقتضاه أن استحلال هذا المنهي عنه، لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه، هذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف" (٢)، ويقول الحافظ ابن حجر:" فيه تنبيه على الامتثال؛ لأن من آمن بالله، لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر، لزمه امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه؛ خوف الحساب عليه" (٣). (ج) عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ» (٤).

стр. 614

(د) وعن أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ ، يقول: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (١). لا يمنع المرأة المكلفة من مواقعة ما لا يحل لها، إلا خوفها من الله تعالى واستشعارها شدة الموقف بين يديه، ولذا يقول العلامة الطيبي في التعليق على حديث الإحداد:"الوصف بالإيمان إشعار بالتعليل، وأن من آمن بالله وبعقابه، لا يجترئ على مثله من العظام " (٢). ويقول العلامة ابن علان:" التقييد بالإيمان؛ لأن المؤمنة هي المتقيدة بأحكام الشرائع، المنقادة لها " (٣). ويقول العلامة الزرقاني:" وقيّد بذلك؛ لأن الإيمان هو الذي يستمر للمتصف به خطاب الشرع، فينتفع به، وينقاد له، أو أن الوصف ذُكر لتأكيد التحريم" (٤). فالمتتبع لنصوص السنة المطهرة، الدالة على اهتمامها ببيان أثر الإيمان باليوم الآخر على أعمال المكلفين، يجدها كثيرة متوافرة، مبثوثة في كتب السنة والأثر فكل ما ورد في أحاديث السنة المطهرة، من بيان أثر الإيمان باليوم الآخر على أعمال المكلفين سلباً أو إيجاباً، فهي من خصال الإيمان التي ينبغي فعلها إن كانت أمراً، والبعد عنها وتركها إن كانت نهياً. يقول الإمام ابن رجب مبينا، أن الخصال المبنية على وصف الإيمان بالله واليوم الآخر، من خصال الإيمان:" فقوله ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليفعل كذا وكذا: يدل على أن هذه الخصال من خصال الإيمان ... وقد سبق أن الأعمال تدخل في الإيمان" (٥).

стр. 615

إن التلازم بين الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر له شأن، والتلازم والاقتران بين الإيمان باليوم الآخر والأحكام الشرعية له شأن آخر، ففيه إلماح للمكلف إلى ضرورة استحضار الآخرة في قلبه وعدم إغفالها؛ لما فيه من محاسن كثيرة على رأسها إحسان العمل والإخلاص فيه، فحين يستحضر المكلف وقوفه غداً بين يدي ربه جل وعلا، تعلو همته، وتقوى عزيمته إلى العمل الصالح الذي يسعد به في دنياه، وينجو به - بإذن الله تعالى في أخراه، قال تعالى: ... ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف:٧٢].

стр. 616

الفصل الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع ، وفيه مبحثان: المبحث الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد، وفيه أربعة مطلب: المطلب الأول: الثراء المعرفي الموجب للأثر التعبدي. المطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية التعبدية. المطلب الثالث: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية النفسية. المطلب الرابع: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية السلوكية والأخلاقية. المبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع، وفيه مبحثان: المطلب الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع من الناحية التعبدية. المطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع من الناحية السلوكية والأخلاقية.

стр. 617

المبحث الأول أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من أقوى النزعات الفطرية التي تنتاب الإنسان، حتى ربما استولت على كل مشاعره، وأورثته خوفاً وفزعاً، هي نزعة الخلود، ولولا هذه النزعة لما وجدت عاملاً في مجال خير، ولكان عيش الإنسان منغصاً بذكر الموت؛ لأن الحياة تنتهي تماماً بالموت، والسر في ذلك: أن النفس مجبولة على حب الخلود ولما كانت سنة الله تعالى الجارية على البشرية، أن لا خلود في الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء:٣٤]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، تطلعت النفوس إلى حالة تحوز فيه هذا الخلود، والبقاء الأبدي. إنك لن تجد من يُضحي بأغلى ما يملك من حياته، إلا حين يعلم أن ما يقابله أعظم وأكرم، فالكل يسعى للخلود، فهذه النزعة تكمن في أعماق النفوس، ولو جهد المرء لإنكارها؛ ليقنع نفسه بالعدمية، ويتخلص من الخوف المستقر في أعماقه، من النهاية البائسة اليائسة. فهذا أحد أكابر المذهب الشيوعي القائم على إنكار الإله، وما يترتب عليه من عدمية الخلود، لينين كان مرتعباً جداً من الموت، حتى قال: أخاف أن أموت، وأفتح عيني هناك! يعني في دار الخلود، وهي النزعة الفطرية الكامنة في النفوس، هذا رغم أنه لا يؤمن أصلاً بوجود الله تعالى، وهذا مثير للعجب، فإذا كان الإنسان لا يؤمن بوجود الله تعالى، فما الذي يخيفه ويزعجه من الكلام عن الجحيم أو السماء؟ (١). واختلف مفهوم الخلود عند الناس وإن كان محصله النهائي هو البقاء الأبدي: فالمصريون القدماء، لم يكن يدفعهم لتزيين مقابرهم وإعدادها، إلا لاستقبال الروح عند عودتها ثانية، وهذه تعبر عن نزعة الخلود لديهم. ومن يؤمنون التناسخ، القائم على انتقالات الروح إلى ما يناسبها من خير أو شر، هي تعبير عن هذا الخلود بشكل ما.

стр. 618

أما نزعة الخلود عند المسلمين، فلا يشبعها إلا الإيمان بالآخرة؛ إذ هي امتداد لحياتهم على الأرض، غير أنها بعيدة كل البعد عن منغصات ومكدرات الحياة، فلا آلام ولا أسقام، ولا أوجاع ولا أحزان، ولا هموم ولا غموم، لا خوف من الموت ولا من المستقبل، بل حياة مليئة بكل المتع التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب، يزيد من طمأنينة هذه النزعة الخلودية لديهم حين ينادي المناد في الجنة: (إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن أتحيوا فلا تموتوا أبداً وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً)، وتكمل هذه النزعة وتستقر، حين يُؤتى بالموت الهادم للذات، المنغص للأفراح والمسرات، في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، فكم هي سعادة أهل الجنة بالخلود الدائم في النعيم، وكم هي تعاسة أهل النار وشقاؤهم بالخلود الدائم في الجحيم. ولكن هذا هو الجزاء العدل في ذلك اليوم العظيم. فالإيمان بالآخرة هو الذي يشبع هذه النزعة الخلودية، وهو محور السعادة المطلوبة، واللذة المبتغاة (١)، عندها تهون كل تضحية لقاء تحقيق هذا الخلود فيصبح عالم الموت المخيف الموحش، بداية لعالم رحيب، مليء بكل المتع والملذات، ولذا لا تقف أمام النفس البشرية، أية عوائق أو صعوبات، تحول دون الوصول لهذه المتع، ولو كانت ببذل الحياة رخيصة، مقابل الحصول على ذلك النعيم الموعود في جنات النعيم. إن الشعور بالصحة الدائمة، والشباب الخالد في الآخرة، الخالي عن كل عوامل الفناء، هو المحرك المحفز للعمل الصالح. فهل للإيمان باليوم الآخر، المشتمل على إشباع هذه النزعة الخلودية الفطرية عند الإنسان، أثر على الفرد والمجتمع؟ الجواب: نعم، بلا شك، وهذه الآثار تظهر جليا في مطالب هذا المبحث.

стр. 619

إن المراد بالأثر في هذا المقام، هو الأثر الإيجابي الذي يعمل في نفس الشخص عمله، فيصنع منه إنساناً له شخصية تكاملية في جميع النواحي ... يظهر أثرها في الناحية التعبدية، والسلوكية، والأخلاقية، والنفسية، فيرجع أثرها المبارك على نفسه، وأهله، ومجتمعه. أما ما يجنيه المنكر، أو المتناسي لليوم الآخر من الآثار السلبية، فهي مع ما تؤدي إليه من فقدان مستوى الأمان والطمأنينة والسعادة، لدى صاحبها، إلا أنه كذلك، يعايش نفسا مليئة بالقلق، والحيرة، والاضطراب. وكذا فإن الإنسان "ما دام لا يخاف أو لا يرجوا نتيجة سيئة أو حسنة، وراء هذه الحياة الدنيا، فإنه لا يطمح ببصره وراء أعماله، إلا إلى النتائج العاجلة الظاهرة في هذه الدنيا نفسها، ولذلك لا بد أن تتغير قيم الأعمال المعنوية على وجه ليس له بحال، أن يكون ملائماً لمجتمع إنساني مهذب، بل الأصح أن أي طائفة إنسانية، إذا تمنت لأخلاقها مثل هذا المستوى الدنيء، فإنها لن تنقذ نفسها من التدهور، إلى درجة أحط من درجة البهائم، والوحوش الضارية" (١). إن الغافل عن اليوم الآخر، سيعيش هملاً لا أهدافاً ينتظر تحقيها، ولا غايات يؤمل الوصول إليها، وهذا يخلق فيه اليأس نحو مستقبله؛ لأنه لا أمل لديه، فتصير حياته كأنها كابوساً مزعجاً، أو سجناً محزناً، أو ألماً موجعاً لا يدري كيف ستكون نهايتها، ولذا ربما أقدم إلى ما يشعره بالخلاص، من هذه الأوهام التي تنتابه، والأوجاع التي يشعر بها. ومن هنا كان الخلاص كل الخلاص، أن يؤمن المرء ويعتقد: بأن ثَمَّ يوم يجازى فيه المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، هذا اليوم يجد فيه المطيع لذة طاعته، ونتيجة مجاهدته، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت:٦٩]. ولذا عندما ادعى بعض الناس، أن الأجساد لا تبعث يوم القيامة، قال فيها المعري: قال المنجم والطبيب كلاهما ... لا تبعث الأموات قلت: إليكما

стр. 620

إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالخسار عليكما (١) يكفي من شدة الحسرة يوم الموقف، أن يرى الإنسان المكذب أو المتغافل ما كان ينكره ماثلاً أمام عينيه، فما مدى شعوره حينئذ، فلن يملك حينها إلا الأسى والندم، والحسرة والألم، وهل سيغني عنه البكاء، أو سيدفع عنه الرجاء، لا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ [المائدة:٣٦]. يقول أحد مشيخة الأزهر:" جاءني أحد الشباب ينكر الآخرة، فقلت له: يحتمل أن يكون كلامك صحيحاً، ففرح الشاب وشعر أنه منتصر، فقلت له: أنا رجل آمنت بالقيامة، فابتعدت عن الزنا، وعن السرقة، فعشت نظيف السيرة، مستريح النفس، فإذا مت ولم يبعثني الله - كما تقول - فما خسرت شيئاً، وإن بعثني الله، فأنا في الجنة، فأنا في الحالتين رابح، ما خسرت شيئاً بسبب إيماني، أما أنت يا ولدي: فماذا تفعل إذا فوجئت بأن القيامة حق، وأن الله يبعث من في القبور؟ عند ذلك سكت الشاب، وقال لي: لقد احتطت لنفسك عندما آمنت بالآخرة، وخير لي أن أؤمن بالآخرة " (٢). ولذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، لبعض من قَصُرَ عقله عن فهم حقائق الأمور، وكان شاكاً: "إن صح ما قلت فقد تخلصنا جميعاً وإلا فقد تخلصت وهلكت"، فالعاقل يسلك طريق الأمن في جميع الأحوال (٣).

стр. 621

أما آثار الإيمان باليوم الآخر الإيجابية المنعكسة على الفرد، فلا تكاد تُحصى لأن آثارها في الشخص الذي استقر الإيمان باليوم الآخر في قلبه، وأصبح ماثلاً أمام عينيه، يكون ظاهراً ملحوظاً ملموساً لدى العيان،، فهو يعلم أن الوصول إلى الجنة شاق، فطريقها محفوف بالمكاره، فيصبر ويصابر؛ ليظفر بالنعيم المقيم، ويعلم أن الوصول إلى النار سهل ميسر، فطريقها محفوف بالشهوات والملذات، التي تحبها النفس، ويشتهيها الطبع، ويميل إليها القلب، ولكنه يصبر عنها؛ خوفا مما سيقاسيه من المخاوف والآلام في النار. إن مشاهد الآخرة التي تحدثنا عنها، من الموت، والبعث، والحشر والحوض، والميزان، والصراط، والشفاعة، كلها تَدَعُ أثراً إيجابياً في نفس المؤمن بها، ينعكس هذا الأثر على سلوكه وأخلاقه. فحين يتأمل المرء في الموت وكربته، القبر وظلمته، ويتذكر أهل القبور الذين انقطعت عنهم الأعمال، وتوقفت بهم الآمال، حينها فقط: يشعر المرء بحقارة هذه الدنيا، وما أورثته في قلوب أهلها من غفلة، فيقوم وينفض عنه أوحال المعصية، ويستعد بالزاد الذي يقربه إلى الله زلفى. يقول العلامة القصري:" ومن حقائق الإيمان بهذا الباب: أن يعد العبد نفسه من أهل القبور، ويجعل الجسد للروح كالقبر، ويغيب فيه بالخلوة والإخلاص عن الخلق، ويعلق الروح بالعالم الأخراوي العلوي، فيسري ويطير مع النفس في الملكوت بالفكر، ويتنعم بأنواع الذكر، فيكون في روضة من رياض الجنة، تأوي إلى ربه في كل حال" (١). وحين يتأمل في الحساب وشدته، وينظر في أحوال الناس يومئذ، يورث في نفسه سعياً لأن يكون من أهل اليمين، الذين يحاسبون حساباً يسيراً. وأقل الناس يومئذ حساباً، "أهل الورع في الدنيا، فلم يبق لهم إلا العرض على الملك المحاسب فقط" (٢).

стр. 622

وحين يتأمل في الميزان الذي توزن فيه أعمال العباد، يسعى حثيثاً لملئه بكل خير، "فإذا أردت أن ترى صورة الوزن هاهنا، انظر إلى نفسك في هذا العالم ما علا فوقك نور كله، وسمو وارتفاع إلى الله، وإلى الدار الآخرة والجنة، وما سفل من الدنيا إلى أسفل سافلين، غفلة وعصيان، وجهل وظلام، إلى سجين ونار جهنم، والعبد قائم بينهما، موزون بحركاته وسكناته، في الخير والشر" (١). وحين يتأمل في الصراط وزلته، وأن النار تحته تتخطف المجرمين والظالمين، بكلاليب وخطاطيف من نار، وأن أهل الإيمان يسعون فيه قدر أعمالهم، سعى لما يخلصه من هذا الهول، ويصرف عنة هذا الخوف، فسارع إلى الخيرات، وسابق إلى الحسنات، وفر عن المعاصي والسيئات. وحين يتأمل في مكرمات الرحمن في الآخرة، وما أعده سبحانه لأهل طاعته، تتوق نفسه أن يكون من أهلها، وأن ينهل من بركتها وخيرها، فيعلم أن لا رجاء في تحصيلها، إلا لمن كان على الحق قائماً، وعلى الطاعة ملازماً، وعلى الإيمان والتوحيد محافظاً، فحينها لا يجد بُداً من أن يسير في ركابهم، ويلتحق بنجائبهم؛ لعله يفوز بأعلى المراتب، ويحظى بالمكرمات، وأفضل المكاسب. إن آثار الإيمان باليوم الآخر على الفرد، لا تنحصر في جهة دون أخرى، وإنما تشمل هذه الآثار جهات عدة من حياة الفرد، ولذا فالحديث عن هذه الآثار ... ينتظم المطالب التالية: المطلب الأول: الثراء المعرفي الموجب للأثر التعبدي وغيره: يسعى الفرد المسلم لتحقيق ذاته في هذه الحياة، وهذا منوط بالأسباب التي جعلها الله تعالى، كفيلة لتحقيق هذا الهدف، وهي بدورها تعكس آثارها النفسية، والسلوكية، والأخلاقية، والتعبدية، على هذا الفرد المسلم، وهذه الآثار الإيجابية التي يجنيها المسلم، جراء إيمانه باليوم الآخر، فتظهر آثارها في أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، هي أثر نابع عن الثراء المعرفي، الموجب لهذا الأثر التعبدي وغيره. وهذا الثراء المعرفي له مظاهر، وأسباب، ونتائج، هي موجب الأثر التعبدي وغيره.

стр. 623

إن مما يحمل الفرد المسلم على التعبد، كمال المعرفة، ولذلك كان العلماء هم خير البرية؛ لأنهم أشد الناس خشية، يقول جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر:٢٨]، ويقول جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة:٦ - ٧]. فاقتضت الآيتان أن العلماء هم الذي يخشون الله تعالى، وأن الله يخشون الله تعالى هم خير البرية، فينتج أن العلماء هم خير البرية (١). ولذا قال الإمام القرافي:" خير البرية من يخشى الله تعالى، وكل من يخشى الله فهو عالم، فخير البرية عالم" (٢). إن الحاجة الملحة للإحاطة بالثراء المعرفي، الموجب للأثر التعبدي وغيره، يعتبر من أهم الأسباب الداعية إلى معرفة مظاهر المعرفة، والبحث عن نتائجها، والتي تعبر عن الأثر التعبدي وغيره. أما مظاهر الثراء المعرفي فيقوم على: ١ - معرفة الله بأسمائه وصفاته، وظهور آثار هذه المعرفة في العالم الدنيوي والأخروي. ٢ - المعرفة بالرسول ﷺ المخبر عن الله تعالى. ٣ - معرفة دلالات النصوص الشرعية، والوقوف على مراميها، واستظهار حكمها، وأحكامها. وبعد التعرف على مظاهر المعرفة الموجبة للأثر التعبدي، يرد التساؤل المفروض: كيف يُحَصِّل المرء الثراء المعرفي؟ والجواب: أن تحصيل هذا الثراء المعرفي، يقوم على كثرة النظر والاطلاع لكلام أهل العلم والمعرفة. ١ - أما الثراء المعرفي المتعلق بمعرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، فيكون بالنظر إلى طريقين، دعا إليهما الرب في القرآن (٣):

стр. 624

(أ) النظر في مفعولاته، وهي آياته المشهودة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة:١٦٤]. "والقرآن كله مملوء من دعاء العباد إلى التفكر في الآيات، والنظر في أحوال المخلوقات" (١).يقول شيخ الإسلام:" القرآن يأمر ويمدح التفكر والتدبر والنظر، والاعتبار، والفقه، والعلم، والعقل، والسمع، والبصر والنطق ونحو ذلك من أنواع العلم وأسبابه وكماله، ويذم أضداد ذلك" (٢) والنظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية على وجه التفكر والاعتبار، مأمور به مندوب إليه (٣)؛ لأنه يوصل إلى معرفة الباري جل في علاه. يقول الإمام ابن القيم:" الفكرة في آياته المشهودة، والاعتبار بها والاستدلال بها على أسمائه وصفاته، وحكمته، وإحسانه، وبره، وجوده وقد حض الله سبحانه عباده على التفكر في آياته، وتدبرها، وتعقلها، وذم الغافل عن ذلك " (٤). (ب) النظر في آيات المسموعة كقوله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: ٢٤]، وكقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨]، وكقوله ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩].

стр. 625

والمقصود منه: التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله تعالى، ورسوله ﷺ (١)، يقول الإمام ابن القيم:" وإنما دعاهم إلى التفكر والتدبر؛ ليطلعهم ذلك على حكمته البالغة، وما فيه من الغايات والمصالح المحمودة، التي توجب لمن عرفها، إقراره بأنه تنزيل من حكيم حميد" (٢). فتكوين الثراء المعرفي في هذا الباب، يكون بالآيات المسموعة المتلوة وبالآيات المشهودة المرئية، وكلاهما أدلة، وآيات على توحيد الله تعالى وأسمائه وصفاته وكماله، وصدق ما أخبرت به الرسل عنه (٣). وكذا فإن ما أخبرت به الرسل عن الله جل في علاه، هو مصدر من مصادر تكوين الثراء المعرفي، كحديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ «(٤)، فقوله: إن الله جميل: أي في ذاته، وصفاته وفعاله، وكل جمال صوري، أو جميل معنوي، فهو أثر جماله، فلا جمال، ولا جلال، ولاكمال إلا له سبحانه (٥)، وهذا أثر معرفي كبير، إذ الله جل وعلا له الجمال المطلق، ومن أحق بالجمال، فإن كل جمال في الوجود من آثار صنعته فله جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، ولولا حجاب النور على وجهه، لأحرقت سبحات وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه (٦). وهذا أحد الوجهين الذي اشتمل عليه الحديث، فإنه اشتمل على وجهين وقاعدتين: الأولى: تتعلق بالمعرفة، ويتضمنها قوله «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ «. والثانية: تتعلق بالسلوك، ويتضمنها قوله «يُحِبُّ الْجَمَالَ «.

стр. 626

فكل ما يصدر عن الله جل وعلا، فإنه جميل وليس بقبيح، بل حسن تستحسنه العقول السليمة، وتستسيغه النفوس، وهذا الجمال لله حق، وهو إلى الله سبحانه، ليس للإنسان فيه حيلة، وليس له فيه كسب، وإنما ذكر النبي ﷺ ما للإنسان فيه كسب وهو التجمل (١). يقول الإمام ابن القيم:" وجماله سبحانه على أربع مراتب: جمال الذات وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء ... قال ابن عباس: حجب الذات بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال، وستر بنعوت العظمة والجلال. ومن هذا المعنى يفهم بعض معاني جمال ذاته، فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات، فإذا شاهد شيئاً من جمال الأفعال، استدل به على جمال الصفات، ثم استدل بجمال الصفات، على جمال الذات. ومن هنا يتبين: أنه سبحانه له الحمد كله وأن أحداً من خلقه لا يحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه " (٢). وقال في موضع آخر:" والمحبة لها داعيان: الجمال، والجلال، والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك، فإنه جميل يحب الجمال، بل الجمال كله له، والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه " (٣). وأما الجانب السلوكي في الحديث، المقصود من قوله «يُحِبُّ الْجَمَالَ «: فهذا هو مقتضى وموجب الأثر، الذي يحدثه الثراء المعرفي للأسماء والصفات.

стр. 627

يقول الإمام ابن القيم:" والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته، ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد، فإنه جميل يحب الجمال، عفو يحب أهل العفو كريم يحب أهل الكرم، عليم يحب أهل العلم، وتر يحب أهل الوتر، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، صبور يحب الصابرين، شكور يحب الشاكرين، وإذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته، فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الأصناف" (١). ويقول شيخ الإسلام في هذا المعنى:" فإن الشارع قد ذكر أنه يحب إتصاف العبد بمعاني أسماء الله تعالى، كقول النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ « ... «إِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ»، «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»، «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ»، «إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي»، «إِنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ «" (٢). ٢ - وأما الثراء المعرفي المتعلق بالنبي ﷺ والموجب للأثر التعبدي وغيره فيكون بالنظر إلى أمور: (أ) النظر إلى شرف نسبه، وطهارة منشئه، ﵊. وهذا مما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، "فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وحميها وأشرف العرب، وأعزهم نفراً من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة، ومن أكرم بلاد الله على الله، وعلى عباده" (٣). عن واثلة بن الأسقع ﵁، قال: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (٤).

стр. 628

(ب) بالنظر إلى كمال الأخلاق، وجمال الآداب، التي جُبل عليها النبي ﷺ فهو إمام في المكارم، إمام في الأخلاق، إمام في الآداب، "وليس من شك في أن النسب الزكي، إذا انضم إليه الخلق الرضي، كان خيراً وأزكى" (١). (ج) النظر إلى كماله ﷺ : فقد حاز النبي ﷺ الكمال المعتبر في البشر من أربعة أوجه: "كمال في خَلقه، وكمال في خلُقه، وفضائل الأقوال، وفضائل الأعمال " (٢). وقد عُرِفَ صدق النبي ﷺ بآية وبغير آية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" كثير من الناس يعلم صدق النبي بلا آية، وكثير من الناس يعلم صدق المخبر بلا آية البتة، بل إذا أخبره وهو خبير بحاله، أو بحال ذلك المخبر، أو بهما علم بالضرورة: إما صدقه، وإما كذبه" (٣). وهو الذي عبر عنه الإمام ابن تيمية بالمسلك الشخصي، والمسلك النوعي وهو معرفة طبيعة الشخص الذي يدعي النبوة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا المسلك الشخصي:" وكذلك أبو بكر وزيد بن حارثة وغيرهما، علموا صدقة علماً ضرورياً، لما أخبرهم بما جاء به وقرأ عليهم ما أنزل عليه، وبقي القرآن الذي قرأه آية، وما يعرفون من صدقه وأمانته، مع غير ذلك من القرائن، يوجب علماً بأنه صادق". (٤) (د) بالنظر إلى مقتضيات شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ وهي: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، والنهي عما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله تعالى إلا بما شرع. فطاعته وتصديقه، معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" ونحن نعلم يقينا بالاضطرار، أن من دين الإسلام: أن محمداً رسول الله ﷺ أوجب الله تعالى علينا طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر " (٥).

стр. 629

وهذا النظر وغيره، مقتضٍ لمحبة النبي ﷺ والمحبة الصادقة متقضية للإتباع والاستقامة والالتزام، على منهجه ﷺ وهذا هو الثراء المعرفي، الموجب للأثر التعبدي وغيره. ٣ - أما الثراء المعرفي المتعلق بمعرفة دلالات النصوص الشرعية، والوقوف على مراميها، واستظهار حكمها وأحكامها، فإنه كذلك موجب للأثر التعبدي وغيره. فإن من عرف دلالات النصوص، ووقف على دقائقها واستشف أعماقها , أوجبت له خضوعاً، وانكساراً، واعترافاً، بجلال وكمال المُرسِل والمُرسَل، وازداد يقينه، وقوي تصديقه بالنصوص الشرعية. وأما تكوين الثراء المعرفي، المتعلق بمعرفة دلالات النصوص فهو بحاجة إلى: - همة عالية، وشغف بالعلم، وسعي حثيث لطلبه. - وعالم متميز متخصص ميسر للعلوم، مقرب للمعاني. - مع كثرة النظر والطلاع. - وصحبة صالحة، تعين على مواصلة العلم. - بناء مكتبة متنوعة، تعين على تكوين الثراء المعرفي. إن تكوين الثراء المعرفي، له طرقه وسبله الوفيرة، وقد أُلفت فيها المؤلفات وأفردت فيها المصنفات، ولمبتغي الخير، والزيادة، والإفادة، التماسها والنظر فيها. لا ريب أن تكوين هذا الثراء المعرفي، يتبعه أثر معرفي موجب للأثر التعبدي وغيره. فإذا علمت أن الله ﷻ ، الملك الحق المبين، فآمنت بالملك الإلهي المطلق، والعدالة الإلهية المطلقة، التي لا يمكن أن يضيع معها حق، أو يهضم معها نصيب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء:١٢٤]. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل:٩٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء:١٩].

стр. 630

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه:١١٢]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾ [الأنبياء:٩٤]. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ [غافر:٤٠]. فحين يشعر المرء بهذه الضمانات، وذلك الأمان بحفظ عمله الصالح، وأنه منمى مدخراً له، ثم مجازاته عليه بأحسن الجزاء، لا شك أنه سيسعى مع الساعين، ويتنافس مع المتنافسين، ولن يقف عند حدود عمل بعينه، بل سيسهم في كل باب خير بسهم، وسيُبقِي له في كل عين أثر. وإذا علمت أن الله ﷻ ، الجبار المنتقم، فآمنت بالقدرة الإلهية المطلقة، والعدالة الإلهية المطلقة، التي تنتصر لكل مظلوم، وتأخذ الحق لكل مهضوم، قال ﷻ : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣]. فحينها فقط ستسعى للتخلص من كل مظلمة، تعلقت بالنفس، أو المال أو العرض. فلا شك أن الثراء المعرفي، موجب للأثر التعبدي، والسلوكي والأخلاقي والنفسي، والاجتماعي. فالثراء المعرفي بالدار الآخرة، له انعكاسات إيجابية، فبه تنشأ سلوكيات وأعمال خير وبر، لم تكن لتنشئ لولاه، وتسود معانٍ من الولاء والإخاء والوفاء، لم تكن لتسود لولاه.

стр. 631

وبه يقوم العدل مقام الظلم، والإحسان مقام الإجرام، والرحمة مقام القسوة، والإنصاف مقام الإجحاف، والأمانة مقام الخيانة، والإنفاق مقام الإقتار، والبر مقام الضر، والتعاون مقام التواكل، والتناصر مقام التناحر والتواضع مقام الكبر، والجود مقام البخل، وحسن الظن مقام سوء الظن وحسن الأخلاق مقام سوء الأخلاق، والحلم مقام الغضب، والحياء مقام انعدامه، والصبر مقام التسخط، والرضا مقام الجزع، والرفق مقام الشدة والعفة مقام الرذيلة، والعزة مقام الخنوع والضعف، والعفو مقام الانتقام والقناعة مقام الطمع، والمحبة مقام البغض، والستر مقام الفضيحة، وصفاء القلب مقام الغل والحقد والحسد، والرجولة مقام الخنوثة، والصدق مقام الكذب. إن الثراء المعرفي يمتد في إيجابياته إلى ما لا نهاية؛ لأنه قائم على بناء الأخلاق، وتشييد الآداب، ولذا فأفراده لا تنحصر، والعاقبة في الآخرة لمن صبر وظفر المطلب الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية التعبدية استشعار اليوم الآخر، له أثر كبير في حياة الفرد، ومن آثاره الإيجابية من الناحية التعبدية ما يلي: ١ - الإخلاص لله تعالى: فمن علم أنه موقوف بين يدي الله تعالى، ومسؤول ومحاسب، هانت عليه الدنيا، وما عليها، وما فيها، وكان هذا داعياً للإخلاص؛ لأن المرء إنما يرائي لدنيا يحصلها، أو سمعة يؤمل فيها، وكلها لا تغني من الله تعالى شيئاً. فأثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد في إخلاصه، يظهر في تعبده وتعامله، فلا يرائي أحداً في عبادة؛ لأنه يعلم أن الله قد أمر بالإخلاص فيها فقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة:٥].

стр. 632

فيظهر أثر الإخلاص في صلاته، وزكاته، وصومه، وحجه، وسمته وخلقه، وفي جميع تعاملاته، فيؤدي ما اؤتمن عليه على أكمل وجه؛ لأن هذا مقتضى الإخلاص، الذي يدعو صاحبه إلى الأمانة والنزاهة. فالإخلاص هو حقيقة الإسلام، يقول شيخ الإسلام:" وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا لغيره" (١). ولما كان الإخلاص من أجل أعمال القلوب، وأعلاها منزلة ومقاماً، به تزكو النفس ولا تستغني عنه، أوجبه الله تعالى في كتابه، ولذا قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة:" وددت أنه لو كان من الفقهاء، من ليس له شغل، إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد إلى التدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع النيات" (٢)، وكانت تقول رقية الموصلية العابدة:" تفقهوا في مذاهب الإخلاص، ولا تفقهوا فيما يؤديكم إلى الركوب على القلاص" (٣). وقد ذكر أرباب المعارف، أن الإخلاص أصل كل حال، فعنه يتشعب اليقين والخوف، والمحبة والإجلال، والحياء والتعظيم، وهذه كلها معانٍ قلبية لا تكون إلا لله جل وعلا، فمن هنا لا يسمى المخلص مخلصاً، حتى يفرد الله عن الأشباه والأنداد، والصاحبة والولد، ثم إقامة التوحيد، وجمع الهم له وبه، في النفل والفرض (٤)، ولذا قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في وصيته:" والزم الإخلاص في جميع أفعالك، وطاعتك وتصرفاتك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة:٥] " (٥).

стр. 633

والإخلاص لا يحصل إلى بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي (١)، ولذا كان الإخلاص عزيزاً، قال بعضهم: "في إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكن الإخلاص عزيز " (٢). والإخلاص مضاد لمحبة المدح والثناء، وقد سئل بعض العارفين عن الإخلاص، فقال: الخالص من الأعمال: ما لا يحب أن يحمد عليه إلا لله (٣)، وقال الإمام العز بن عبد السلام:" الإخلاص أن يريد الله بطاعته ولا يريد به سواه " (٤). ولذا كان من دواعي التزام الإخلاص:" علمه بأن الله تعالى يعلم السر والجهر، وأنه يعلم ما هو أخفى من السر، يعلم مكنونات الضمائر وما تخفي الصدور، وأن السر والجهر عنده سواء ... ، علمه بأن الناس ليس لهم من الأمر شيء، ولا يستطيعون النفع والضر إلا بإذن الله تعالى .. ، علمه بأن الإنسان سيواجه جزاءه ولا بد، وأنه سيحاسب على حقيقة أعماله، لا على دعواه، ولا بما أظهره " (٥). ومن هنا قال الإمام ابن القيم:" لا يجتمع الإخلاص في القلب، ومحبة المدح والثناء، والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع، والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص" (٦).

стр. 634

٢ - الرغبة في الآخرة، وإيثارها على الدنيا: وهذه نتيجة طبيعية لمن عرف الإيمان في الدنيا، وذاق طعمه، وعاش حياة الآخرة في الدنيا قبل الآخرة، فحينها سيكون أشد رغبة في الآخرة، التي حتوت كل المتع والملذات، يقول الحارث المحاسبي:" ومن علامة معرفة الآخرة: هيجان الرغبة فيها، وشدة الشوق إليها، والأنس بكثرة ذكرها، ومؤانسة من صدق في العمل لها" (١). ولو تفكر العاقل في أمر الآخرة، لعلم أن الآخرة أولى بالإيثار من الدنيا، وهذا يعلمه كل إنسان علماً حقيقياً، "ولو سئل عن سبب معرفته لم، يقدر على إيراده والتعبير عنه، مع أنه لم تحصل معرفته إلا عن المعرفتين السابقتين وهو أن الأبقى أولى بالإيثار، وأن الآخرة أبقى من الدنيا، فتحصل له معرفة ثالثة، وهو أن الآخرة أولى بالإيثار" (٢). وهذه حقيقة مُسَلَّمة؛ لأن المرء إذا "فكر في الآخرة، وشرفها، ودوامها، وفي الدنيا، وخستها، وفنائها، أثمر له ذلك: الرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا" (٣)، فالزهد في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة (٤). وعلى هذا كان فهم السلف، قال عمران المِنْقَري: قلت للحسن يوماً في شيء، يا أبا سعيد، ليس هكذا يقول الفقهاء، قال: ويحك، أَوَ رأيت أنت فقيهاً قط! إنما الفقيه، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير في أمر دينه، المداوم على عبادة الله (٥).

стр. 635

وهنا لا بد من تصحيح مفهوم الزهد في الدنيا، فليس المراد منه: الانقطاع التام عن الدنيا وملاذها، فهذا مخالف لحقيقة الشريعة المطهرة، فكيف يكون الزهد بالانقطاع عن الدنيا، والله جل وعلا أمر بعمارة الأرض حيث جعلها لنا، وكيف يكون الزهد بالانقطاع عن الدنيا، والله جل وعلا أمر بالسعي في مناكبها لكسب الرزق، فالشريعة تكاملية تعطي كل ذي حق حقه، مشفوعة بقوله جل في علاه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]. أما المراد بالزهد عند السلف: فهو ما قاله ابن عباس ﵄: "الزهد أن لا يسكن قلبك إلى موجود في الدنيا، ولا يرغب في مفقود منها" (١)، وهذا سفيان الثوري يعطينا حقيقة الزاهد في الدنيا فيقول:" من زهد في الدنيا ملكها، ومن رغب فيها عبدها، فمن شاء فيعش فيها ملكاً، ومن شاء فليعش فيها عبداً " (٢). وقد ذكر أبو سعيد ابن الأعرابي، مقالات الأئمة في الزهد، ونقل ما يربوا عن ست وأربعين مقالة، كلها تبين حقيقة الزهد والزاهد (٣). وخلاصة القول: ما ذكره الإمام ابن تيمية في حقيقة الزهد المشروع: بأنه ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخرة، وثقة القلب بما عند الله تعالى (٤). وفسرها: بفضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله تعالى (٥)، أما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله تعالى، فليس تركه من الزهد المشروع (٦).
следующие страницы →