← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وبه يقوم العدل مقام الظلم، والإحسان مقام الإجرام، والرحمة مقام القسوة، والإنصاف مقام الإجحاف، والأمانة مقام الخيانة، والإنفاق مقام الإقتار، والبر مقام الضر، والتعاون مقام التواكل، والتناصر مقام التناحر والتواضع مقام الكبر، والجود مقام البخل، وحسن الظن مقام سوء الظن وحسن الأخلاق مقام سوء الأخلاق، والحلم مقام الغضب، والحياء مقام انعدامه، والصبر مقام التسخط، والرضا مقام الجزع، والرفق مقام الشدة والعفة مقام الرذيلة، والعزة مقام الخنوع والضعف، والعفو مقام الانتقام والقناعة مقام الطمع، والمحبة مقام البغض، والستر مقام الفضيحة، وصفاء القلب مقام الغل والحقد والحسد، والرجولة مقام الخنوثة، والصدق مقام الكذب. إن الثراء المعرفي يمتد في إيجابياته إلى ما لا نهاية؛ لأنه قائم على بناء الأخلاق، وتشييد الآداب، ولذا فأفراده لا تنحصر، والعاقبة في الآخرة لمن صبر وظفر المطلب الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية التعبدية استشعار اليوم الآخر، له أثر كبير في حياة الفرد، ومن آثاره الإيجابية من الناحية التعبدية ما يلي: ١ - الإخلاص لله تعالى: فمن علم أنه موقوف بين يدي الله تعالى، ومسؤول ومحاسب، هانت عليه الدنيا، وما عليها، وما فيها، وكان هذا داعياً للإخلاص؛ لأن المرء إنما يرائي لدنيا يحصلها، أو سمعة يؤمل فيها، وكلها لا تغني من الله تعالى شيئاً. فأثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد في إخلاصه، يظهر في تعبده وتعامله، فلا يرائي أحداً في عبادة؛ لأنه يعلم أن الله قد أمر بالإخلاص فيها فقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة:٥].

стр. 632

فيظهر أثر الإخلاص في صلاته، وزكاته، وصومه، وحجه، وسمته وخلقه، وفي جميع تعاملاته، فيؤدي ما اؤتمن عليه على أكمل وجه؛ لأن هذا مقتضى الإخلاص، الذي يدعو صاحبه إلى الأمانة والنزاهة. فالإخلاص هو حقيقة الإسلام، يقول شيخ الإسلام:" وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا لغيره" (١). ولما كان الإخلاص من أجل أعمال القلوب، وأعلاها منزلة ومقاماً، به تزكو النفس ولا تستغني عنه، أوجبه الله تعالى في كتابه، ولذا قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة:" وددت أنه لو كان من الفقهاء، من ليس له شغل، إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد إلى التدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع النيات" (٢)، وكانت تقول رقية الموصلية العابدة:" تفقهوا في مذاهب الإخلاص، ولا تفقهوا فيما يؤديكم إلى الركوب على القلاص" (٣). وقد ذكر أرباب المعارف، أن الإخلاص أصل كل حال، فعنه يتشعب اليقين والخوف، والمحبة والإجلال، والحياء والتعظيم، وهذه كلها معانٍ قلبية لا تكون إلا لله جل وعلا، فمن هنا لا يسمى المخلص مخلصاً، حتى يفرد الله عن الأشباه والأنداد، والصاحبة والولد، ثم إقامة التوحيد، وجمع الهم له وبه، في النفل والفرض (٤)، ولذا قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في وصيته:" والزم الإخلاص في جميع أفعالك، وطاعتك وتصرفاتك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة:٥] " (٥).

стр. 633

والإخلاص لا يحصل إلى بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي (١)، ولذا كان الإخلاص عزيزاً، قال بعضهم: "في إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكن الإخلاص عزيز " (٢). والإخلاص مضاد لمحبة المدح والثناء، وقد سئل بعض العارفين عن الإخلاص، فقال: الخالص من الأعمال: ما لا يحب أن يحمد عليه إلا لله (٣)، وقال الإمام العز بن عبد السلام:" الإخلاص أن يريد الله بطاعته ولا يريد به سواه " (٤). ولذا كان من دواعي التزام الإخلاص:" علمه بأن الله تعالى يعلم السر والجهر، وأنه يعلم ما هو أخفى من السر، يعلم مكنونات الضمائر وما تخفي الصدور، وأن السر والجهر عنده سواء ... ، علمه بأن الناس ليس لهم من الأمر شيء، ولا يستطيعون النفع والضر إلا بإذن الله تعالى .. ، علمه بأن الإنسان سيواجه جزاءه ولا بد، وأنه سيحاسب على حقيقة أعماله، لا على دعواه، ولا بما أظهره " (٥). ومن هنا قال الإمام ابن القيم:" لا يجتمع الإخلاص في القلب، ومحبة المدح والثناء، والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع، والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص" (٦).

стр. 634

٢ - الرغبة في الآخرة، وإيثارها على الدنيا: وهذه نتيجة طبيعية لمن عرف الإيمان في الدنيا، وذاق طعمه، وعاش حياة الآخرة في الدنيا قبل الآخرة، فحينها سيكون أشد رغبة في الآخرة، التي حتوت كل المتع والملذات، يقول الحارث المحاسبي:" ومن علامة معرفة الآخرة: هيجان الرغبة فيها، وشدة الشوق إليها، والأنس بكثرة ذكرها، ومؤانسة من صدق في العمل لها" (١). ولو تفكر العاقل في أمر الآخرة، لعلم أن الآخرة أولى بالإيثار من الدنيا، وهذا يعلمه كل إنسان علماً حقيقياً، "ولو سئل عن سبب معرفته لم، يقدر على إيراده والتعبير عنه، مع أنه لم تحصل معرفته إلا عن المعرفتين السابقتين وهو أن الأبقى أولى بالإيثار، وأن الآخرة أبقى من الدنيا، فتحصل له معرفة ثالثة، وهو أن الآخرة أولى بالإيثار" (٢). وهذه حقيقة مُسَلَّمة؛ لأن المرء إذا "فكر في الآخرة، وشرفها، ودوامها، وفي الدنيا، وخستها، وفنائها، أثمر له ذلك: الرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا" (٣)، فالزهد في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة (٤). وعلى هذا كان فهم السلف، قال عمران المِنْقَري: قلت للحسن يوماً في شيء، يا أبا سعيد، ليس هكذا يقول الفقهاء، قال: ويحك، أَوَ رأيت أنت فقيهاً قط! إنما الفقيه، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير في أمر دينه، المداوم على عبادة الله (٥).

стр. 635

وهنا لا بد من تصحيح مفهوم الزهد في الدنيا، فليس المراد منه: الانقطاع التام عن الدنيا وملاذها، فهذا مخالف لحقيقة الشريعة المطهرة، فكيف يكون الزهد بالانقطاع عن الدنيا، والله جل وعلا أمر بعمارة الأرض حيث جعلها لنا، وكيف يكون الزهد بالانقطاع عن الدنيا، والله جل وعلا أمر بالسعي في مناكبها لكسب الرزق، فالشريعة تكاملية تعطي كل ذي حق حقه، مشفوعة بقوله جل في علاه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]. أما المراد بالزهد عند السلف: فهو ما قاله ابن عباس ﵄: "الزهد أن لا يسكن قلبك إلى موجود في الدنيا، ولا يرغب في مفقود منها" (١)، وهذا سفيان الثوري يعطينا حقيقة الزاهد في الدنيا فيقول:" من زهد في الدنيا ملكها، ومن رغب فيها عبدها، فمن شاء فيعش فيها ملكاً، ومن شاء فليعش فيها عبداً " (٢). وقد ذكر أبو سعيد ابن الأعرابي، مقالات الأئمة في الزهد، ونقل ما يربوا عن ست وأربعين مقالة، كلها تبين حقيقة الزهد والزاهد (٣). وخلاصة القول: ما ذكره الإمام ابن تيمية في حقيقة الزهد المشروع: بأنه ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخرة، وثقة القلب بما عند الله تعالى (٤). وفسرها: بفضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله تعالى (٥)، أما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله تعالى، فليس تركه من الزهد المشروع (٦).

стр. 636

٣ - أن ذكر الآخرة سبب من أسباب نجاة العبد: يقول الإمام ابن القيم: "فمن استقر في قلبه ذكر الآخرة وجزائها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح، هاج في قلبه من الخوف مالا يملكه، لا يفارقه حتى ينجو " (١). ويروى عن بعض الحكماء أنه كتب إلى أخ له:" سلام عليك، أما بعد: فاذكر ما أنت عنه زائل، وعليه قادم، وإليه صائر، كذكر من نظر فاعتبر، وأخذ حذره فازدجر، وتعوذ بالله من موت القلب، عن شدة العناية للسداد والرشاد، وحسن الاستعداد للمعاد" (٢). فالعاقل لا يغفل في دنياه عن ذكر الآخرة؛ لأنها مآله ومصيره ومستقره، فيكون له في كل ما يراه من ماء، أو نار، أو غيرهما، عبرة وموعظة، فإن المرء ينظر بحسب همته (٣). ٤ - الخوف من الله تعالى: من علم أن الله ﷻ ، مالك يوم الدين، وأن الملك بيده، والكل تحت قبضته وتصرفه، أورثه ذلك خوفاً من الله تعالى، ففر إليه. ومعلوم أن كل من خاف من شيء فر منه، إلا الله تعالى، فإن من خافه فر منه إليه، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [الذاريات:٥٠]. الخوف من الله من المقامات العلية، ومن لوازم الإيمان (٤). قال أبو سليمان الداراني:" وأصل كل خير في الدنيا والآخرة: الخوف من الله " (٥)، وكان أبو عثمان الحيري يقول: "الخوف من الله يوصلك إليه والعجب يقطعك عنه، واحتقار الناس في نفسك مرض لا يداوى " (٦).

стр. 637

وموجبات الخوف من الله ﷻ أمور: فتارة "يكون لمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته، وأنه لو أهلك العالمين لم يُبال، لو يمنعه مانع، وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي، وتارة يكون بهما جميعاً، وبحسب معرفته بعيوب نفسه، ومعرفته بجلال الله واستغنائه، وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فتكون قوة خوفه، فأخوف الناس لربه، أعرفهم بنفسه وبربه " (١). يقول شيخ الإسلام: "إن الخوف من الله يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم المشيئة، وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من الله، ممثل لأوامره مجتنب لنواهيه " (٢). وكلما نقص مقدار الخوف من الله تعالى، حصل الاجتراء على محارم الله. "ونقصان الخوف من الله، إنما هو لنقصان معرفة العبد به، فأعرف الناس أخشاهم لله، ومن عرف الله اشتد حياؤه منه، وخوفه له، وحبه له، وكلما ازداد معرفة، ازداد حياء، وخوفاً، وحبا، فالخوف من أجل منازل الطريق" (٣). وعلامة الخوف من الله تعالى: ترك جميع ما كره الله تعالى (٤)، ولذا كان الخوف من الله تعالى على مقامين: "أحدهما: الخوف من عذابه، والثاني: الخوف منه. فأما الخوف منه: فهو خوف العلماء وأرباب القلوب، العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة والخوف والحذر، المطلعين على سر قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]. وأما الأول: فهو خوف عموم الخلق، وهو حاصل بأصل الإيمان بالجنة والنار، وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية" (٥).

стр. 638

والقدر الواجب من الخوف: ما حمل على أداء الفرائض، واجتناب المحارم فإن زاد على ذلك، بحيث صار باعثاً للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات كان ذلك خوفاً محموداً، فإن تزايد على ذلك، بأن أورث مرضاً، أو موتاً، أو هماً لازماً، بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله ، لم يكن محموداً (١). ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" الخوف المحمود: ما حجزك عن محارم الله " (٢). ٥ - رجاء ما عند الله : هذا أثر عظيم من آثار الإيمان باليوم الآخر؛ لأن المرء إذا علم ما أعد الله جل وعلا، من المكرمات والفضائل لأوليائه وعباده المؤمنين، زاده ذلك شوقاً ورغبة لما عند الله تعالى من ذلك الخير، فيعيش مع خوفه، راجياً ما عند الله من الفضل والمثوبة، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)﴾ [الحجر:٤٩]، يقول الإمام ابن كثير:" وهي دالة على مقامي الخوف والرجاء" (٣). وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣]، يقول الإمام ابن كثير:" وقد اجتمع في هذه الآية الرجاء والخوف .. يقرن هذين الوصفين كثيراً، في مواضع متعددة من القرآن؛ ليبقى العبد بين الرجاء والخوف" (٤).

стр. 639

والرجاء والخوف مستلزمان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" وكل من الرجاء والخوف مستلزم للآخر " (١). وبيّنه بقوله:" والخشية أبداً متضمنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطاً، كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمناً، فأهل الخوف من الله والرجاء له، هم أهل العلم الذين مدحهم الله " (٢). ولذا ينبغي للعبد، أن يكون بين الرجاء والخوف، بمطالعة صفات الجمال تارة، وبملاحظة نعوت الجلال أخرى (٣)، قال أبو علي الروذباري:" الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت " (٤). واختلفت أنظار العلماء بعد ذلك في مسألتين: ١ - في التفضيل بين جانبي الرجاء والخوف. ٢ - في تقديم أي المقامين منهما. أما فيما يتعلق في التفضيل بين هذين المقامين: أولاً: الاتفاق حاصل على علوهما وشرفهما، وعليه يفهم أن كلام صاحب المنازل حين قال: "الرجاء أضعف منازل المريد"، أن فيه نظر (٥). ثانياً: اختلفت وجهات العلماء في ترجيح أي الجانبين أقوى وأفضل؟ فقال بعضهم: جانب الرجاء أقوى، وذهب إليه جماعة من العلماء، منهم الإمام النووي، والرازي، وجماعة. قال الإمام النووي:" قد تتبعت الأحاديث الصحيحة في الخوف والرجاء، فوجدت أحاديث الرجاء أضعاف أحاديث الخوف، مع ظهور الرجاء فيها " (٦).

стр. 640

وقال العلامة القاري معلقاً على كلام النووي:" قلت: لو لم يكن إلا حديث واحد، وهو (سبقت أو غلبت رحمتي على غضبي) لكفى دليلاً على ترجيح الرجاء، ويعضده آية ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، بل هو أمر مشاهد في عالم الوجود، من غلبة آثار الرجاء على آثار الخوف " (١). وقال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف:٢٠٥]: "إلا أن هنا دقيقة: وهي أن سماع لفظ الرب يوجب الرجاء، وسماع لفظ التضرع والخيفة يوجب الخوف، فلما وضع الابتداء بما يوجب الرجاء، علمنا أن جانب الرجاء أقوى" (٢). وقال العلامة الكرماني في شرحه لحديث البخاري: (أنا عند ظن عبدي بي) (٣): "وفي السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف "، قال الحافظ ابن حجر تعليقاً:" وكأنه أخذه من جهة التسوية، فإن العاقل إذا سمع ذلك لا يعدل إلى ظن إيقاع الوعيد، وهو جانب الخوف؛ لأنه لا يختاره لنفسه، بل يعدل إلى ظن وقوع الوعد، وهو جانب الرجاء، وهو كما قال أهل التحقيق: مقيد بالمحتضر" (٤). وذهب الفضيل بن عياض وجماعة، إلى أن الخوف أفضل، قال الفضيل:" الخوف أفضل من الرجاء، ما كان الرجل صحيحاً، فإذا نزل الموت فالرجاء أفضل" (٥). ومن كلام الفضيل ننتقل للمسألة الثانية: وهي أي المقامين أحق بالتقديم؟ والعلماء مختلفون في هذه المسألة على أقوال: فقيل: بأن مقام الخوف أفضل في حال الصحة والحياة، فإذا حضر الموت فالرجاء أفضل (٦).

стр. 641

وقيل: بأن مقام الخوف والرجاء في حال الصحة مستويان، فيكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء، واختاره الإمام النووي (١). وقال في سبب تغليب جانب الرجاء، متى دنت أمارات الموت: "لأن مقصود الخوف؛ الإنكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له" (٢). واستدل الإمام العراقي بحديث الرجل الذي قال لأهله: (إذا أنا مت فأحرقوني .. ثم قال: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك يارب وأنت أعلم قال فغفر له) , على أنه لا ضرر في غلبة الخوف , وإن كانت بقرب الوفاة، ثم قال: "إن كان العلماء رجحوا في تلك الحالة، تغليب جانب الرجاء، على جانب الخوف" (٣). وقال إمام ابن الوزير: " والجمع بين الخوف والرجاء سنة الله، وسنة رسله ﵈، وسنة دين الإسلام، والأولى للإنسان تغليب الخوف في حق نفسه، إلا عند اقتراب الأجل الاقتراب الخاص، أعني عند ظهور أمارات الموت في المرض الشديد، وإلا فالموت قريب غير بعيد، وذلك لما صح أن الله تعالى يقول: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاء»، ولهذا الحديث لم يكن تقديم عمومات الوعيد، أولى من تقديم خصوص آيات الرجاء وأحاديثه " (٤).

стр. 642

وذهب البعض: إلى أنه لا يُهمل جانب الخوف، حين ظهور أمارات الموت بحيث يجزم بأنه آمن، ويؤيده ما أخرج الإمام الترمذي عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟» قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» (١) (٢). وقيل: إذا كان في طاعة، فليغلب الرجاء، وأن الله يقبل منه، وإذا كان في المعصية، فليغلب الخوف؛ لئلا يقدم على المعصية (٣). وقيل: أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد والخوف سائق، والله الموصّل بمنه وكرمه (٤). وبعد هذا النقل عن العلماء، يتبين لنا فضل هذين المقامين، وعلو منزلتهما وأن المرء لا غنى له عنهما، فالرجاء مقصوده: إحسان الظن بالله عند حصول التقصير والخطأ، مع رجاء محو الذنب والخطأ، مع التنبه إلى أنه ليس المقصود بالرجاء: هو الأمان والتفريط، وتضييع الأعمال، واطراح التقوى فهذا من عمل الجهال البطالين (٥).

стр. 643

وقد ذكر الإمام ابن القيم فوائد الرجاء وأطنب فيها، وذكر منها:" إظهار العبودية، والفاقة، والحاجة، إلى ما يرجوه من ربه، ويستشرفه من إحسانه وأنه لا يستغني عن فضله، وإحسانه طرفة عين " (١). ٦ - محبة الله تعالى ورسوله ﵊: إذا علم المرء بما أعده الله تعالى للطائعين، من أنواع النعيم، وصنوف التكريم، ثم بينت له الطرق الموصولة إليها، وسبل الشيطان المانعة منها تعلق قلبه بالله وحده، فأحبه وأثنى عليه بما هو أهله؛ لأنه الجواد الكريم وأحب رسوله عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه السبب في وصول هذا الخير إلينا، وهذا النور الذي بين يدينا، فكان هذا موجباً لشكر الله تعالى والاستقامة على دينه. ومعلوم أن محبة الله تعالى، ومحبة رسوله ﵊، "من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الدين والإيمان" (٢). "وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني، فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع، إنما يطمع فيما يحبه، لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف؛ لينال المحبوب" (٣). وهذه الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، هي محركات القلوب إلى الله تعالى وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف، فإنه يزول في الآخرة (٤). إن الإيمان باليوم الآخر، له أثر على زيادة مقامات الإيمان وشعبه العلية كالخوف، والرجاء، والمحبة، ولذا تجد المرء المتيقظ الذي لا يفارقه ذكر الآخرة، يعيش دائماً في ثنايا هذه المقامات وغيرها.

стр. 644

وقد أوجد الإيمان بالآخرة، نماذج حية شاهدة على أثره في الخائفين الوجلين الراجين المحبين، فكم من خائف أقلقه ذكر الآخرة، وكم من راج يرجو مكرمات الرب في الآخرة، وكم من محب زادته آثار الآخرة شوقاً ومحبة لها، فلا عجب أن ترى رجالاً ونساءً على مدى الحياة، سطر التاريخ سيرهم، وخط الزمان أخبارهم، فتعلقت في قلوب الأجيال مآثرهم، لا تقلب طرفك في مجال خير إلا وجدتهم، فهم السابقون للخيرات، الراعون للحرمات. ولذا فلا عجب أن تقرأ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه مرّ يوماً بدار إنسان وهو يصلى ويقرأ سورة (والطور) فوقف يستمع فلما بلغ قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور:٧ - ٨] نزل عن حماره، واستند إلى حائط، ومكث زماناً، ورجع إلى منزله فمرض شهراً يعوده الناس، ولا يدرون ما مرضه (١). إن المرض الذي أمرض أمير المؤمنين، هو قلق يسري في قلوب المؤمنين حين تمر سحائب الآخرة إلى أسماعهم، فنستقر في وجدانهم وصدورهم فيستولي على جوارحهم، فلا يطيقون له دفعاً، ولا يجدون عنه محيصاً، إنه أثر الإيمان باليوم الآخر في قلوب المؤمنين الموقنين الصادقين. نعم، لقد "أزعج ذكر القيامة قلوب الخائفين، وقلقل خوف العقاب أفئدة العارفين" (٢)، وقد سئل ابن عباس ﵄، عن الخائفين فقال: "قلوبهم بالخوف قرحة، وأعينهم باكية، يقولون: كيف نفرح والموت من ورائنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي الله موقفنا" (٣).

стр. 645

إن التربية النافعة لأفراد الأسرة المسلمة، يجب أن تقوم على ميزان المراقبة واستشعار الخوف من الله تعالى، حينها ستجد ثماراً يانعة، وأشجاراً باسقة من فلذات الأكباد، وثمرات الفؤاد، وحينها لن تعجب حين تسمع أو تقرأ عن مثل عمر بن عبد العزيز ﵀، لما كان غلاماً صغيراً فبكى، فبلغ ذلك البكاء أمه! أرادت أن تعرف سر بكائه، فقالت له: ما يبكيك؟، هنا الخاطر يجول فيقول: لعله بكى لفقدان شيء ثمين؛ لأنه كان ثرياً، أو لأنه يريد النزهة فمنع، أو غيرها من التخمينات التي تجول في الخاطر، تبحث عن سر بكاء هذا الغلام! ولكن تفاجأ أشد المفاجأة، حين تعلم أن سر هذا البكاء، هو قوله: (ذكرت الموت) (١)، وما الذي يعني ذكر الموت لغلام! ولكنها التربية القائمة على الخوف والمراقبة، والجزاء والمحاسبة، تورث هذا الغلام وأمثاله. يقول أبو عياش القطان: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها منيبة وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها، وتعجب من عبادتها على حداثتها، فبينا الحسن ذات يوم جالس، إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت، فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت الجارية إليه بكت، فقال لها: يا حبيبتي ما يبكيك؟ قالت له: يا أبا سعيد التراب يحثى على شبابي، ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي قبراً واسعاً، وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أجهز إلى مكة، لطال بكائي، كيف وأنا أجهز إلى ظلمة القبور، ووحشتها وبيت الظلمة والدود (٢). لا يمكن التغلب على أفراد مجتمع، تفشت فيه أدواء الشهوة بجميع أشكالها وصورها، وألوانها، حتى أصبحت أمراً معتاداً، إلا بالتربية على الإيمان باليوم الآخر، ومتى خفي هذا المعنى من معاني التربية الإسلامية، فقل على الدنيا السلام.

стр. 646

فأين لنا في مجتمعنا مثل عمر بن عبد العزيز، مزج الدنيا بالآخرة فحصلهما وأين لنا مثل صفوان بن سليم الزهري، حوى بين جنباته كل معاني الخير حتى لو قيل له: غداً القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة (١). وأين لنا مثل علي بن الفضيل بن عياض، حين بكى فقال له والده: ما يبكيك؟ قال: يا أبه أخاف ألاّ تجمعنا القيامة (٢). إنها آثار التربية على الإيمان باليوم الآخر. ٧ - حفظ الجوارح والأعضاء عن المحارم: إن من أعظم الأسباب المعينة على حفظ الجوارح عن المحارم، هو تذكر الآخرة، واستشعار الوقوف بين الله يدي الله تعالى , وأن هذه الأعضاء هي أحد الشهود، التي ستشهد على الإنسان، بما عمل في دنياه، من خير وشر. فمتى استقر ذكر الآخرة في القلب، انتهت الجوارح عن المحارم، ولذا كان حفظ الجوارح عن المحارم فريضة (٣)، وهي "رأس المال والربح بعد ذلك فمن ليس له رأس مال، كيف يطمع في الربح؟ وهذه الجوارح السبعة هي: العين، والأذن، والفم، واللسان، والفرج واليد، والرجل، هي مركب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها وعدم حفظها، ونجا من نجا، بحفظها ومراعاتها، فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر" (٤). وحفظ هذه الجوارح منبعه القلب، كما قال النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) (٥).

стр. 647

يقول الإمام الغزالي في قاعدة حفظ الجوارح الظاهرة:" وأعمال الجوارح إنما تترشح من صفات القلب، فإذا أردت حفظ الجوارح، فعليك بتطهير القلب، فهو تقوى الباطن، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد، فاشتغل بإصلاحه؛ لتصلح به جوارحك، وصلاحه يكون بملازمة المراقبة" (١). إن حفظ الجوارح عن المحارم، سبب لحفظ الله تعالى للعبد، يقول ابن عباس ﵄: كنت خلف النبي ﷺ يوماً فقال: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ تجده تجاهك ... ) (٢). إن الجزاء من جنس العمل، فمن حفظ الله في أوامره ونواهيه، حفظه الله تعالى في نفسه، وأهله، وماله، ودينه، وإيمانه. يقول الإمام ابن دقيق العيد:" (احفظ الله يحفظك)، ومعناه: كن مطيعاً لربك، مؤتمراً بأوامره، منتهياً عن نواهيه" (٣). أي: كن حافظاً لحدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه. يقول الإمام ابن رجب:" وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به، وأذن فيه إلى ما ينهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله، الذين مدحهم الله في كتابه، وقال : ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ [ص:٥٣]، وفُسِّر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه؛ ليتوب منها" (٤). ومما يجب حفظه هذه الجوارح، فيحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى فيحفظ سمعه، وبصره، ولسانه، وبقية جوارحه عن المحارم، ومن حفظها في الصغر، حفظها الله له في الكبر.

стр. 648

يقول الإمام ابن رجب:" ومن حفظ الله في صباه وقوته، حفظه الله في حال كبره، وضعف قوته، ومتعه بسمعه، وبصره، وحوله، وقوته، وعقله. كان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة، وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يوماً وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر ... فحفظها الله علينا في الكبر، وعكس هذا: أن بعض السلف رأي شيخاً يسأل الناس فقال: إن هذا ضعيف ضيع الله في صغره، فضيعه الله في كبره " (١). ومن حفظ الله في صحته حفظه الله في مرضه، يقول العلامة شمس الدين المنبجي:" فمن خاف الله وحفظه في صحته، حفظه الله في مرضه، ومن راقب الله في خطر، حرسه الله في حركاته وسكناته، وفي حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»، وفي قصة يونس ﵇: لما تقدم له عمل صالح، قال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤]. ولما لم يكن لفرعون عمل خير قط، لم يجد وقت الشدة متعلقاً، فقيل له: ... ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس:٩١]، فمن ضيع الله في صحته، فإنه يضيع في مرضه" (٢). فالإيمان باليوم الآخر، "هو صمام الأمان في هذه الأرض، وهو الضابط الوثيق الذي يحرس الأخلاق، والحارس الأمين الذي يضمن تنفيذ الشريعة في هذه الدنيا، فهو الذي يمنع لحظة العين أن تمتد إلى محرم، ويمنع النفس أن تهجس بهواجس الشر، ويردع الفم أن يهمس ولو بكلمة واحدة لا يرضاها ربه؛ لأنها كلها مسجلة معروضة محصية عليه، أنفاسه وكلماته وحركاته " (٣).

стр. 649

٨ - يورث مراقبة الله جل وعلا: إذا علم المرء بأن الله تعالى مطلع عليه محص عليه كل ما يعمل، موكل به ملكين يكتبان أعماله ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق:١٨]، أورثه ذلك خوفاً وذلاً، ومراقبة لله ، ولذا يقول الإمام أبو الوليد الباجي في نصيحته لولديه:" وإياكما ومواقف الخزي وكل ما كرهتما أن يظهر عليكما فاجتنباه، وما علمتما أن الناس يعيبونه في الملأ فلا تأتياه في الخلاء " (١). فهي تربية على مراقبة الله جل وعلا، في السر والعلن. وينبغي أن تستولي مراقبة الله تعالى، على جميع حركات المرء وسكناته وخطراته ولحظاته، وأقواله وأفعاله، فمن راقب الله تعالى، كان في حرز منيع من خطوات الشياطين، وسبل المضيعين. والمراقبة من أشرف المقامات وأفضلها (٢)، وتكون في ثلاثة أشياء: مراقبة الله تعالى في طاعته بالعمل، ومراقبة الله تعالى في معصيته بالترك ومراقبة الله في الهم والخواطر (٣)، ومراقبة الله في الخواطر، سبب لحفظها في حركات الظواهر، فمن راقب الله في سره، حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته (٤). يقول الإمام ابن القيم:" والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب، الحفيظ العليم، السميع، البصير، فمن عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة " (٥).

стр. 650

ومن تدبر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق:١٤]، استحيا من ربه حق الحياء، يقول الإمام ابن القيم:" أن العبد متى علم أن الرب تعالى ناظر إليه أورثه هذا العلم حياءً منه، يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة" (١)، ومتى قل نظره إلى ربه، أورثه هذا اجتراء على المعصية، وانغماس في الذنب. ولذا كان الأئمة يتمثلون هذه الأبيات (٢): إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب ولا تحسبن الله يغفل ما مضى ولا أن ما تخفي عليه يغيب لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ينهى في خلافته عن مذق اللبن بالماء، فخرج ذات ليلة في حواشي المدينة، فإذا بامرأة تقول لابنة لها: ألا تمذقين لبنك فقد أصبحت؟ فقالت الجارية: كيف أمذق وقد نهى أمير المؤمنين عن المذق، فقالت: قد مذق الناس فامذقي فما يدري أمير المؤمنين، فقالت: إن كان لا يعلم فإله عمر يعلم، ما كنت لأفعله وقد نهى عنه، فوقعت مقالتها من عمر، فلما أصبح دعا ابنه عاصماً فقال: يا بني اذهب موضع كذا وكذا، فاسأل عن الجارية ووصفها له، فذهب عاصم فإذا هي جارية من بني هلال، فقال له عمر: اذهب يا بني فتزوجها، فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب، فتزوجها عاصم بن عمر، فولدت له أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فتزجها عبد العزيز بن مروان بن الحكم، فأتت بعمر بن عبد العزيز (٣). وروي أن عمر بن الخطاب ﵁، كان يطوف ليلة في المدينة فسمع امرأ تقول: ألا طال هذا الليل وازور جانبه ... وليس إلى جنبي خليل ألاعبه فو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لزعزع من هذا السرير جوانبه

стр. 651

مخافة ربي والحياء يعفني ... وأكرم بعلي أن تنال مراتبه ولكنني أخشى رقيباً موكلا ... بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه فسأل عمر نساء: كم تصبر المرأة عن الرجل؟ فقلن: شهرين، وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفد الصبر، فكتب إلى أمراء الأجناد: ألا تحبسوا رجلاً عن امرأته أكثر من أربعة أشهر (١). وعن عبد الله بن دينار قال: خرجت مع ابن عمر ﵄ إلى مكة فعرسنا، فانحدر علينا راع من جبل، فقال له ابن عمر: أراع؟ قال: نعم قال: بعني شاة من الغنم؟ قال: إني مملوك، قال: قل لسيدك أكلها الذئب قال: فأين الله ؟ قال ابن عمر: فأين الله، ثم بكى، ثم اشتراه بعد فأعتقه (٢). فمن أعظم ثمرات الإيمان باليوم الآخر، شعور المرء بمراقبة الله فلولا خوف الصالحين من مغبة الوقوع في المعصية في الآخرة، لربما تجرؤوا عليها، ولكن حجبهم عنها خوف الله تعالى ومراقبته، وأنه سبحانه مطلع عليهم، عليم بأعمالهم، بصير بحركاتهم، سميع بما تكنه صدورهم، يخافون من مغبة ذلك اليوم، كما قال تعالى على لسان نبيه: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [الأنعام:١٥]. ٩ - سبب لصلاح القلب: هذه المضغة الصافية التي خلقها الله ، قابلة لملئها بالخير أو الشر إلا أنها لمكامن الخير أكثر استعداداً، وأشد قبولاً، فمتى قوي في القلب وازع الآخرة، وشاهد القيامة، امتلأ هذا القلب بما فيه صلاحه، من محبة الله تعالى ومحبة رسوله ﷺ -ومحبة المؤمنين، ونزع عنه كل ما يشينه، من سيئ الأخلاق ورديء الآداب.

стр. 652

والشريعة جاءت بالحض والتأكيد على صلاح القلب، يقول النبي ﷺ : ... «وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (١). يقول الإمام النووي:" وفي هذا الحديث التأكيد على السعي في صلاح القلب، وحمايته من الفساد" (٢).

стр. 653

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه على الحديث:" فبيّن أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد، فإذا كان الجسد غير صالح، دل على أن القلب غير صالح، والقلب المؤمن صالح" (١)، فمتى رُمت صلاح القلب ... مع سوء القصد والعمل، فقد رمت الممتنع، فالعمل " له أثر في القلب، من نفع، وضر، وصلاح، قبل أثره في الخارج، فصلاحها عدل لها، وفسادها ظلم لها" (٢). وأصل صلاح القلب هو حياته واستنارته (٣)، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام:١٢٢]. يقول الإمام ابن تيمية:" وأصل صلاح القلب، صلاح إرادته ونيته، فإن لم يصلح ذلك، لم يصلح القلب" (٤). وقد ذكر الله جل وعلا في قوله: ﴿أَوَمَنْ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ أصلين بهما صلاح القلب، يقول الإمام ابن القيم:" إن صلاح القلب، وسعادته، وفلاحه، موقوف على هذين الأصلين" (٥).

стр. 654

وهذان الأصلان هما: الحياة والنور، "فبالحياة تكون قوته، وسمعه وبصره، وحياؤه، وعفته، وشجاعته، وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة ... ومحبته للحسن، وبغضه للقبيح، فكلما قويت حياته، قويت فيه هذه الصفات وإذا ضعفت حياته، ضعفت فيه هذه الصفات ... وإذا قوي نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه، فاستبان حسن الحسن بنوره، وأثره بحياته، وكذلك قبح القبيح" (١). فصلاح القلب هدف وغاية، فإن "المقصود بالأعمال كلها، ظاهرها وباطنها؛ إنما هو صلاح القلب وكماله، وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه ... وإلهه" (٢). "وفي القلب بروج، وهي برج الإيمان، وبرج المعرفة، وبرج العقل، وبرج اليقين، وبرج الإسلام، وبرج الإحسان، وبرج التوكل، وبرج الخوف وبرج الرجاء، وبرج المحبة، وبرج الشوق، وبرج الوله، فهذه اثنا عشر برجاً بها دوام صلاح القلب" (٣). وكذا من موجبات صلاح القلب: - قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر فيه. - إطعام المسكين، ومسح رأس اليتيم. - قيام الليل وإحياؤه بالعبادة. - التضرع عند السحر. - مجالسة الصالحين. - ترك الخوض مع الناس فيما لا يعني. - أكل الحلال، ومحاسبة النفس. يقول أبو عثمان الحيري:" صلاح القلب في أربعة خصال: في التواضع لله والفقر إلى الله، والخوف من الله، والرجاء في الله" (٤). فالإيمان باليوم الآخر له أثره على قلب الفرد، فإنه يوجب صلاح القلب وسعادته، وذلك بغرس القيم، وتأله القلب لله تعالى، ويوجب تطهيره من دنس الأعمال الرذيلة، والعقائد الفاسدة، والظنون السيئة الخبيثة والعواطف الشهوانية الفاسدة المنحرفة، ومن جملة المعاصي والسيئات، فيعيش المرء هادئ البال، مطمئناً سعيداً.

стр. 655

١٠ - أنه يوجب تعزيز التقوى في نفس الفرد: إذا كانت التقوى "ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله" (١)، أو "ترك حظوظ النفس، ومباينة النهي" (٢) فإن أولى ما يعزز هذه المعاني، ويعين النفس على اتقاء المحارم، وفعل الفضائل، هو استشعار اليوم الآخر، ومشاهدة أهواله وأحواله، فمن خاف وعيد الله تعالى، انتهى عن المحرمات، ولذا لا ينتفع بمواعظ القرآن، إلا من وقرت الآخرة في قلبه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق:٤٥]، يقول الإمام الرازي:" وقوله (وعيد) إشارة إلى اليوم الآخر" (٣)، وهذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات:٤٥]، تدل على أن الانتفاع محصور في المؤمنين بالآخرة. يقول الإمام أبو حيان:" والتقوى في عرف الشرع والقرآن، عبارة عما يُتقى به من النار " (٤)، وأخرج الإمام ابن أبي حام في تفسيره عن طلق بن حبيب أنه قال:" التقوى: أن يعمل بطاعة الله، رجاء رحمة الله، على نور من الله، والتقوى: أن يترك معصية الله، مخافة عذاب الله، على نور من الله" (٥).

стр. 656

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "التقوى: ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة" (١)، فالتقوى "جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان، كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إن أصحابك يقولون الشعر، وأنت ما حُفظ عنك شيء، فقال: يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبي الله إلا ما أراد يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا" (٢) ويشير الإمام ابن رجب ﵀ إلى أعلى درجات التقوى فيقول:" ويدخل في التقوى الكاملة، فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك، فعل المندوبات، وترك المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى" (٣). وقد ذكر ابن مسعود ﵁، التقوى: فأحسن في ذكره، وأوجز في عبارته فقال في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]: "أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر" (٤)، فملاك الأمر:"تقوى الله ، التي من تمسك بها فاز قدحه، وأمن سرحه، وتعيّن ربحه وتبين نجحه" (٥). قال العلامة فخر الدين عثمان بن علي ابن خطيب جبرين: (٦) ملاك الأمر تقوى الله ... في الإسرار والعلن فلازمها تصب خيراً وتكفى سائر المحن تمسك بالذي يروى ... من الآثار والسنن من المختار كي تُحمي ... من الأهواء والفتن

стр. 657

والذي كان عليه أصحاب القرون المفضلة، تمام التواصي بالتقوى، يقول الإمام ابن رجب:" ولم يزل السلف يتواصون بها " (١). فلا "شيء يزين الإنسان، مثل تقوى الله تعالى، فإنه واسطة العقود في الصفات المحمودة، وزينة الوجوه في السمات المشهودة، تصدق يوم القيامة، إذ كذبت الظنون وتنفع ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ [الشعراء:٨٨] " (٢). وكن دائماً على نصيحه أحد أمراء دمشق (طرنطاي) حين قال:" .. فليكن تقوى الله ، ركنه السديد، وذخره العتيد، وكنزه الذي ينمي على الإنفاق، وكل كنز على طول المدى يبيد .... " (٣). المطلب الثالث أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية النفسية مع اضطراب الحياة التي يعيشها الفرد، أصبح البعض منهم رهين القلق والحيرة والاضطراب، وهنا يأتي هذا الركن العظيم ركن الإيمان باليوم الآخر ليعمل في نفوس أولئك العجائب، فيحي تلك النفوس من غفلتها ويستنقذها من أوحال القلق والأوهام، التي كادوا يغرقون فيها، فيسطع أثر الإيمان باليوم الآخر على هذه النفوس؛ لتعيش حياة غير تلك الحياة، حياة مليئة بالطمأنينة، تغمرها أودية السعادة، بعد أن كانت مليئة بالشقاء والعناء فكادت أن تهلك في أودية الدنيا وأوحالها. ومن الآثار التي يُحدثها الإيمان باليوم الآخر ما يلي:

стр. 658

١ - قبول الحق وعدم رده: متى استقر الإيمان باليوم الآخر في قلب المرء وسكن فؤاده، وعلم علم اليقين أنه يوم يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين، فيسألهم ربهم ويحاسبهم يقول الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦]، فيسألهم: هل قبلوا دعوة الرسل، واستجابوا لها، وانقادوا وأطاعوا، أم قابلوها بالعناد، والاستكبار، واتباع الهوى، وتقليد الآباء، ثم طفقوا لمحاربتهم عليهم الصلاة والسلام، فمن استقرت في نفسه هذه المعاني وشعُر بعظم المسؤولية، وهول الموقف، واطمأن لحكم الله تعالى العدل، قبل كل ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من الشرائع والأحكام. إن المحل المهيأ للقبول، الذي هو محل الرضا والسخط، هو قلب العبد المتقي المنيب إلى ربه، الخائف منه، الذي يبتغي رضاه، ويُومل في كرمه وجوده وسخاه، وهذه الصفات إنما هي نتاج الإيمان باليوم الآخر. أما من خلا قلبه من الإيمان بالآخرة، وسكن فؤاده حب الدنيا، عَسُرَ عليه قبول الحق، وربما قُطعت عنه مادة الاهتداء، وهي إسماع قلوب وإفهامه ما ينفعه؛ وذلك لعدم قبوله وانقياده، "فإن الرجل إنما ينقاد للحق، بالخير الذي فيه، والميل إليه، والطلب له، ومحبته، والحرص عليه، والفرح بالظفر به، وهؤلاء ليس قلوبهم شيء من ذلك" (١). فالإيمان باليوم الآخر أثره في القلب، كأثر الغيث النازل من السماء، الواقع في أرض طيبة قابلة، فأمسكت الماء وانبتت الكلأ والعشب، فالماء في نفسه رحمة وحياة، ووافق أرضاً قابلة له، فأصابها من هذه الرحمة والحياة، وهكذا أثر الإيمان بالآخرة، يقع على القلب المريض، فيفيض عليه من الأنوار، ما يكون سبباً في حياته واستقامته. ولذا فلا بدّ من أمرين للعبد في هذا المقام: ١) التذلل للأمر، وذلك بتلقيه بذلة القبول والانقياد والامتثال، ومواطأة الظاهر الباطن، مع إظهار الضعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل، والإعانة عليه حال الفعل، وقبوله بعد الفعل.

стр. 659

٢) الاستسلام للحكمين: الشرعي، بعدم معارضته برأي، أو شهوة والقدري: بعدم تلقيه بالسخط، والكراهة، والاعتراض (١). ٢ - عدم الخوف من المستقبل: إن أكثر ما يُشعر المرء بالحزن واليأس، هو خوفه من المستقبل الأخروي قبل الدنيوي، فالخوف من المستقبل الدنيوي منوط بأسباب ومسببات وكلها بمشيئة الله تعالى، ومع سؤال الله تعالى التوفيق، والأخذ بالأسباب قد يحصل للمرء نوع أمان واطمئنان لمستقبله، إلا أنه لا يزال هذا المستقبل مشوباً بالمنغصات، فإن سلم من الفقر لم يسلم من العطب، وإن سلم من العطب لم يسلم من حوادث الدهر، فهنا يعيش المرء بين إحجام وإقبال محاط بأوهام وخيالات، ربما أهلكته قبل أن يصل إلى الحلم المنشود. ومع تلاطم هذه الأفكار المظلمة، والأوهام المحزنة، يسطع نور الإيمان وشعاع الأمان والاطمئنان، فيضيء له الطريق، وينير له الدروب، وحين يتغلغل حب الآخرة في قلب المسلم، يسلم من كل هذه الأوهام التي أقلقته والمخاوف التي أزعجته؛ لأنه يعلم أنه بتوكله على الله تعالى، واعتماده عليه وصدق الالتجاء إليه، واحتسابه الأجر لديه، تتبدد كل هذه المخاوف والأوهام، فلا تبقى حينئذ أي مخاوف تصيب المؤمن، الذي أيقن أن الدنيا معبر للآخرة، وأن ما عند الله خير وأبقى. إن الإيمان باليوم الآخر يورث القلب ثباتاً، والنفس طمأنينة، تمكنه من مواجهة ما يدهمه من القلق والأوهام، بل وتوطن نفسه لمدافعة هذا الألم المزعج. أما من خلا فكر الآخرة عن قلبه، فسرعان ما تتكالب عليه المخاوف وتتمكن منه المزعجات، فتنهار قواه، وتتشتت أفكاره، ويجتمع عليه من الخوف الخارجي، والقلق الباطني، ما يفقده توازنه وصبره، خصوصاً في المحال الحرجة، والأحوال المحزنة المزعجة.

стр. 660

ومع أن الجميع قد يشترك في جلب الشجاعة الاكتسابية، والغريزة التي تلطف المخاوف وتهونها، إلا أن المؤمن يتميز بأمور تزداد بها شجاعته وتقوى بها هيبته، وذلك بقوة إيمانه، وصبره وتوكله على الله، واعتماده عليه واحتسابه لثوابه، مما يخفف عنه وطأة الخوف، وتهون عليه المصائب ويحصل له بسببها من معونة الله تعالى ومدده، ما يبدد هذه المخاوف، ويبعثر هذه الأوهام (١). وأما مخاوف المرء من المصير الأخروي، فهو خوف محمود متى حمل صاحبه على اغتنام الحياة الدنيا، وجعلها مزرعة للآخرة، حيث يحصد فيها ما جنت يداه من خير وشر. ومع ذلك فضمانات الأمان والاطمئنان، تسبق المسلم المستقيم على شرع الله تعالى، وتبشره بكل حسن، يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١]. فما أحلاها من بشارة، وما أغلاها من مكرمة، قال زيد بن أسلم: "يبشرونه عند موته، وفي قبره، وحين يبعث". يقول الإمام ابن كثير:" وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جداً وهو الواقع" (٢). فحين تشعر النفس بهذه الضمانات، فستهرع لما يوجبها، ويحقق مقصودها، وهي ثمرة أخرى من ثمرات الإيمان باليوم الآخر من الناحية النفسية وتتمثل في:

стр. 661

٣ - الاستقامة على شرع الله تعالى: إن الاستقامة على شرع الله تعالى، مقتضاها القيام بالأمر والنهي، وحين تعلم النفس ما أُعد للمستقيمين على شرع الله من الخير والمكرمات، فلن يحول بينها وبين الوصول إليها، والقيام بحقوقها، أي عائق. قال الأستاذ القشيري: "واعلم أن الاستقامة توجب إدامة الكرامة، قال الله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ [الجن:١٦]. لم يقل: سقيناهم، بل قال (أسقيناهم) يقال: أسقيته إذا جعلت له سقيا، فهو يشير إلى الدوام" (١). وفي هذا المقام يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" وأن الكرامة لزوم الاستقامة وأن الله لم يكرم عبده بكرامة، أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله " (٢). والاستقامة كما قال العلماء: هي المداومة على موجب الأمر والنهي (٣). يقول الإمام ابن رجب:" والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك: فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك " (٤). ويقول الإمام النووي:" قال العلماء: معنى الاستقامة: لزوم طاعة الله تعالى قالوا: وهي جوامع الكلم وهي نظام الأمور" (٥).

стр. 662

إن الاستقامة على الشرع من الأمور العظيمة، يقول الأستاذ القشيري:" الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيماً في حالته، ضاع سعيه وخاب جهده" (١)، وقال الواسطي عن هذه الخصلة الكريمة:"الخصلة التي بها كملت المحاسن ويفقدها قبحت المحاسن" (٢). والاستقامة تشمل عدة أمور: الاستقامة على أن الله جل وعلا ربهم وخالقهم، والمتصرف في أمورهم، ثم الاستقامة على طاعته سبحانه، وأداء فرائضه، واجتناب نهيه، والاستقامة في الأفعال والأقوال، والاستقامة في السر والجهر. يقول الأستاذ أبو علي الدقاق:" الاستقامة لها ثلاثة مدارج: أولها التقويم ثم الإقامة، ثم الاستقامة، فالتقويم من حيث تأديب النفوس، والإقامة من حيث تهذيب القلوب، والاستقامة من حيث تقريب الأسرار" (٣). إن سلوك طريق الاستقامة أمر عسير، "ولأجل عسر الاستقامة، وجب على كل عبد أن يدعو الله تعالى في كل يوم سبع عشرة مرة في قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة:٦] " (٤)، ولذا أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ -بالدوام على الاستقامة، فقال سبحانه ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]. عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ قَالَ: " قُلْ: «آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ «(٥).

стр. 663

وعن ثوبان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «اسْتَقِيمُوا، وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» (١). وللاستقامة أصل، وأول، وطرق: فأصل الاستقامة في ثلاثة: إتباع الكتاب والسنة، ولزوم الجماعة (٢)، وأول الاستقامة: صحبة العلماء بالله (٣)، وأساس طرق الاستقامة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية (٤). يقول الإمام ابن القيم في بيان الطريق الموصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال:" وهي شيئان: أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها، والحذر من إهمالها، والاسترسال معها ... والثاني: ألاّ يجعل مجرد حفظها هو المقصود، بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان، والمحبة، والإنابة، والتوكل، والخشية، فيفرغ قلبه من تلك الخواطر، ويعمره بأضدادها" (٥). إذن: فيكف لا تطمئن النفوس وترتاح، حين تعلم بهذا التثبيت لحال المستقيمين على شرع الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت:٣٠]، ولذا كان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: "اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة " (٦).

стр. 664

كيف لا تطمئن نفوسهم وقد قالوا "ربنا الله ثم استقاموا بالوفاء على ترك الجفاء، تتنزل عليهم الملائكة بالرضا ألاّ تخافوا من العناء، ولا تحزنوا على الفناء، وأبشروا بالبقاء مع الذين كنتم توعدون من اللقاء، لا تخافوا، فلا خوف على أهل الاستقامة، ولا تحزنوا فإن لكم أنواع الكرامة، وأبشروا بالجنة التي هي دار السلامة، لا تخافوا فعلى دين الله استقمتم، ولا تحزنوا فبحبل الله اعتصمتم، وأبشروا بالجنة وإن ارتبتم وأحزنتم، لا تحزنوا فطالما رهبتم، ولا تحزنوا فقد نلتم ما طلبتم، وأبشروا بالجنة التي فيها رغبتم، لا تخافوا فأنتم أهل الإيمان، ولا تحزنوا فأنتم أهل الغفران، وأبشروا بالجنة التي هي دار الرضوان، لا تخافوا فأنتم أهل الشهادة، ولا تحزنوا فأنتم أهل السعادة، وأبشروا بالجنة التي هي دار الزيارة، لا تخافوا فأنتم أهل النوال ولا تحزنوا فأنتم أهل الوصال، وأبشروا الجنة التي هي دار الجلال" (١). ٤ - تعلق القلب بالله وحده سبحانه: إن تعلق القلب بما لا مطمع في حصوله نوع من الجنون (٢) فإذا كانت الدنيا والآخرة، ملك لله جل وعلا، وأنه هو المتصرف فيهما، والقائم بأمرهما والمدبر شأنهما، وأن أمر الخلائق فيهما قائم على إرادته ومشيئته، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك:١]؛ استراحت النفس واطمأن الفؤاد، وسكنت الروح، وتعلق القلب بالله تعالى، وقطع كل العلائق بغيره.

стр. 665

فإن كل ما يؤمله المرء، من خير يرجوه، أو نعيم تهفو النفس إليه، لا يحصله إلا بتمام التعلق بالله تعالى والافتقار إليه، "فإن علامة الخير، وزوال الشدة، إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقاً تاماً، وانقطع عن المخلوقين" (١)، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة:١١٨]. فحين يوقن المرء، بألاّ مفزع، ولا مهرب، ولا منجا من الله إليه، يأتي الفرج القريب، والنصر العجيب، فهؤلاء المخلفون، "لما صدق منهم اللجاء، تداركهم بالشفاء، وأسقط عنهم البلاء، وكذلك الحق يكور نهار اليسر، على ليالي العسر، ويطلع شموس المحنة، على نحوس الفتنة، ويدير فلك السعادة، فيمحق تأثير طوارق النكاية، سنة منه تعالى لا يبدلها، وعادة منه في الكرم، يجريها ولا يحولها" (٢).

стр. 666

٥ - تماسك المسلم عن السقوط والانهيار: كم هي الأمور المؤلمة التي تمر على الإنسان، فتغير مسار حياته، فيسير في أودية الدنيا حيران، تتخطفه الأحزان والأوهام، وتخط جسده الهموم والأسقام. وفي ساعة الانكسار والهزيمة، التي يرى أن حياته لم يبق لها معنى، وأن وجوده أصبح سدى دون مغزى، في هذه الساعة فقط، يسري في فؤاده أمل كبير، يخيم على حياته، فيُحي فيها الإيمان المغمور، ويُوقظ فيها الخير المبرور، ويُخرج منها الكنز المستور. إنه الأمل المنشود في الحياة الآخرة التي جعلها الرب جل وعلا، كمال نعيم للمؤمنين، ووسام عز للمتقين، وتاج شرف للمصدقين، فيسري هذا الأمل في نفسه، فيغذيه بمعاني الثبات، ويفجّر في داخله روح الحياة، فتحول بينه وبين تلك المزعجات المؤلمات، فيبقى ثابتاً صابراً محتسباً، يعلم أن ما عند الله خير وأبقى ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾ [الأعراف:١٦٩]. وهذا التماسك المبني على التعلق بالله جل وعلا، يورث أثراً نفسياً آخر من آثار الإيمان باليوم الآخر، وهو: ٦ - التسليم والرضا بكل ما يجري من المقادير: حين يصبح الإنسان ويمسي، ولسانه يلهج بالرضا عن الله تعالى يقول: «رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً»، فهو يقر ويعترف بأن كل ما يجري في هذا الكون، إنما هو بقضاء من الله وقدره فيقابله بالرضا والتسليم، فالرضا عن الله تعالى من المقامات العلية، وهي من أعلى مقامات اليقين بالله تعالى (١)، حتى قال بعضهم: "الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا، وسراج العابدين" (٢)، فطوبى لرجل عاش راضياً عن الله تعالى مُسَلّماً له بكل ما جرى به القلم. إن الرضا مقام كبير، ومنزلة عزيزة، وهو مقام أعلى من مقام الصبر، "أجمع العلماء على أنه مستحب مؤكد استحبابه" (٣).

стр. 667

ذكر الحافظ أبو نعيم، أن ذر بن عمر بن ذر، مات فجأة، وكان من حاله أنه كان باراً بأبيه، فلما مات ذر، قال أصحابه: الآن يضيع الشيخ، فإنه كان بارا به، فسمعها الشيخ فبقي متعجباً، ثم التفت إليهم وقال: أضيع والله حي لا يموت! ثم سكت حتى دفن، فلما واروه التراب، وقف على قبره ليسمعهم، فقال: رحمك الله يا ذر، ما علينا بعدك من خصاصة، وما بنا إلى أحد مع الله حاجة، وما يسرني أن أكون المقدم قبلك، ولولا هول المطلع لتمنيت أن أكون مكانك، ثم رفع رأسه وقال: (اللهم قد وهبت حقي فيما بيني وبينه له، اللهم فهب حقك فيما بينك وبينه له)، فبقي القوم متعجبين مما جاء منهم، ومما جاء منه من الرضا والتسليم (١). وقال أهل العلم: الرضا ثمرة من ثمرات المحبة (٢)، له تعلق بالقلب، كماله الحمد. والحمد على الرضا له مشهدان: أحدهما: علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك، مستحق له لنفسه أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء، هو العليم الحكيم. الثاني: أن يعلم أن اختيار الله لعبده المؤمن، خير من اختياره لنفسه (٣). إن علامة الرضا عن الله تعالى: الرضا بقضاء الله، وهو سكون القلب إلى ... أحكام الله، والتفويض إلى الله قبل الرضا، والرضا بعد التفويض (٤). أخرج مسلم في صحيحه، عن العباس بن عبد المطلب ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا» (٥).

стр. 668

يقول الإمام ابن رجب:" والرضا بربوبية الله تتضمن: الرضا بعبادته وحده لا شريك له، وبالرضا بتدبيره للعبد، واختياره له" (١). ويقول الإمام ابن القيم:" فالرضا بإلهيته يتضمن: الرضا بمحبته وحده وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه، فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا، وذلك يتضمن: عبادته والإخلاص له، والرضا بربوبيته يتضمن: الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضياً بكل ما يفعل به" (٢). وهذا الرضا والتسليم الناشئ عن الإيمان باليوم الآخر، له أثر آخر على النفس البشرية وهو: ٧ - الشعور بالراحة والطمأنينة: فمن علم أن الأمور كلها من الله جل وعلا، خيرها وشرها، حلوها ومرّها وإنما هي ابتلاءات في الدنيا؛ ليعلم الصابر من الساخط، والراضي من الجاحد، والشاكر من الكافر، عاش مطمئنا راضياً؛ لعلمه بالخلف من الله جل وعلا في الآخرة، فتستوي عنده الأحوال، وتستقر الأمور، فيعلم أن فقره خير له من غناه عند الله، وسقمه خير له من صحته، فإن من عباد الله من لا يصلح حاله إلا الفقر، فإن أغناه الله طغى، ومنهم من لا يصلح حاله إلا السقم، فلو أصحَّه لطغى، هم في ذلك يسيرون تحت المشيئة والحكمة الإلهية، مع مشروعة أخذهم بأسباب الصحة والغنى، ولكن حين يستقر في قلب المرء، كمال الحكمة الإلهية، يعيش مطمئن البال، مرتاح الحال، مع أن الراحة الحقيقية، إنما تكون حين يضع المؤمن أول قدم في الجنة. جاء رجل من أهل خراسان إلى الإمام أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد الله قصدتك من خراسان أسألك عن مسألة، قال له سل: قال: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة (٣).

стр. 669

ولذا كان عامر بن عبد الله بن عبد قيس يقول:" في الدنيا الغموم والأحزان، وفي الآخرة النار والحساب، فأين الراحة والفرج؟ " (١)، فكانوا يعلمون أن الراحة في الجنة، ولما قيل لأبي حازم: ما الراحة؟ قال: دخول الجنة (٢). ومع ذلك فالوصول للراحة الحقيقية لا تكون بالراحة، قال محمد الكتاني: "من طلب الراحة بالراحة عدم الراحة" (٣)، وقال الإمام إبراهيم الحربي:" أجمع عقلاء كل أمة، أن النعيم لا يدرك بالنعيم، ومن آثر الراحة فاتته الراحة" (٤). فالوصول إلى الراحة واللذة , لا يكون إلا على جسر التعب والألم , ولذا فالمصائب والآلام حشوها نعيمٌ ولذات ومسرات (٥)، فبحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشاق، تكون الفرحة واللذة، "فلا فرحة لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلاً، استراح طويلاً، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة، قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم، فهو صبر ساعة" (٦).

стр. 670

وكان السلف ﵏، على هذا الفقه، فكان علقمة يقول للأسود بن يزيد، وكان من العباد الزهاد، ما تُعذب هذا الجسد، فيقول: إنما أريد له الراحة (١)، ولذا قال مالك بن دينار: إنما طلب العابدون بطول النصب دوام الراحة (٢)، فالجنة لا تنال براحة الجسد، وجزاء الإحسان الإحسان، يقول أبو سعيد الخراز: "وهل جزاء التعب في الدنيا والنصب فيها إلا الراحة في الآخرة " (٣). فلا راحة للعبد في دنياه، إلا بالرضا والتسليم لأمر الله جل وعلا، قال النباجي: "ما التنعم إلا في الإخلاص، ولا قرة العين إلى التقوى، ولا الراحة إلا في التسليم " (٤). ولما سئل ابن الحواري عن دواء الراحة قال: "وأما دواء الراحة، فالرضا عن الله في جميع الأمور كلها" (٥). وهذا الشعور بالراحة والاطمئنان الذي يطغى على المؤمن، حقيق بإظهار أثر آخر على الفرد من الناحية النفسية؛ نتيجة إيمانه باليوم الآخر، وهو:
следующие страницы →