٥ - تماسك المسلم عن السقوط والانهيار:
كم هي الأمور المؤلمة التي تمر على الإنسان، فتغير مسار حياته، فيسير في أودية الدنيا حيران، تتخطفه الأحزان والأوهام، وتخط جسده الهموم والأسقام. وفي ساعة الانكسار والهزيمة، التي يرى أن حياته لم يبق لها معنى، وأن وجوده أصبح سدى دون مغزى، في هذه الساعة فقط، يسري في فؤاده أمل كبير، يخيم على حياته، فيُحي فيها الإيمان المغمور، ويُوقظ فيها الخير المبرور، ويُخرج منها الكنز المستور. إنه الأمل المنشود في الحياة الآخرة التي جعلها الرب جل وعلا، كمال نعيم للمؤمنين، ووسام عز للمتقين، وتاج شرف للمصدقين، فيسري هذا الأمل في نفسه، فيغذيه بمعاني الثبات، ويفجّر في داخله روح الحياة، فتحول بينه وبين تلك المزعجات المؤلمات، فيبقى ثابتاً صابراً محتسباً، يعلم أن ما عند الله خير وأبقى ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾ [الأعراف:١٦٩].
وهذا التماسك المبني على التعلق بالله جل وعلا، يورث أثراً نفسياً آخر من آثار الإيمان باليوم الآخر، وهو:
٦ - التسليم والرضا بكل ما يجري من المقادير:
حين يصبح الإنسان ويمسي، ولسانه يلهج بالرضا عن الله تعالى يقول: «رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً»، فهو يقر ويعترف بأن كل ما يجري في هذا الكون، إنما هو بقضاء من الله وقدره فيقابله بالرضا والتسليم، فالرضا عن الله تعالى من المقامات العلية، وهي من أعلى مقامات اليقين بالله تعالى (١)، حتى قال بعضهم: "الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا، وسراج العابدين" (٢)، فطوبى لرجل عاش راضياً عن الله تعالى مُسَلّماً له بكل ما جرى به القلم.
إن الرضا مقام كبير، ومنزلة عزيزة، وهو مقام أعلى من مقام الصبر، "أجمع العلماء على أنه مستحب مؤكد استحبابه" (٣).
стр. 667
ذكر الحافظ أبو نعيم، أن ذر بن عمر بن ذر، مات فجأة، وكان من حاله أنه كان باراً بأبيه، فلما مات ذر، قال أصحابه: الآن يضيع الشيخ، فإنه كان بارا به، فسمعها الشيخ فبقي متعجباً، ثم التفت إليهم وقال: أضيع والله حي لا يموت! ثم سكت حتى دفن، فلما واروه التراب، وقف على قبره ليسمعهم، فقال: رحمك الله يا ذر، ما علينا بعدك من خصاصة، وما بنا إلى أحد مع الله حاجة، وما يسرني أن أكون المقدم قبلك، ولولا هول المطلع لتمنيت أن أكون مكانك، ثم رفع رأسه وقال: (اللهم قد وهبت حقي فيما بيني وبينه له، اللهم فهب حقك فيما بينك وبينه له)، فبقي القوم متعجبين مما جاء منهم، ومما جاء منه من الرضا والتسليم (١).
وقال أهل العلم: الرضا ثمرة من ثمرات المحبة (٢)، له تعلق بالقلب، كماله الحمد. والحمد على الرضا له مشهدان:
أحدهما: علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك، مستحق له لنفسه أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء، هو العليم الحكيم.
الثاني: أن يعلم أن اختيار الله لعبده المؤمن، خير من اختياره لنفسه (٣).
إن علامة الرضا عن الله تعالى: الرضا بقضاء الله، وهو سكون القلب إلى ... أحكام الله، والتفويض إلى الله قبل الرضا، والرضا بعد التفويض (٤).
أخرج مسلم في صحيحه، عن العباس بن عبد المطلب ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا» (٥).
стр. 668
يقول الإمام ابن رجب:" والرضا بربوبية الله تتضمن: الرضا بعبادته وحده لا شريك له، وبالرضا بتدبيره للعبد، واختياره له" (١).
ويقول الإمام ابن القيم:" فالرضا بإلهيته يتضمن: الرضا بمحبته وحده وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه، فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا، وذلك يتضمن: عبادته والإخلاص له، والرضا بربوبيته يتضمن: الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضياً بكل ما يفعل به" (٢).
وهذا الرضا والتسليم الناشئ عن الإيمان باليوم الآخر، له أثر آخر على النفس البشرية وهو:
٧ - الشعور بالراحة والطمأنينة:
فمن علم أن الأمور كلها من الله جل وعلا، خيرها وشرها، حلوها ومرّها وإنما هي ابتلاءات في الدنيا؛ ليعلم الصابر من الساخط، والراضي من الجاحد، والشاكر من الكافر، عاش مطمئنا راضياً؛ لعلمه بالخلف من الله جل وعلا في الآخرة، فتستوي عنده الأحوال، وتستقر الأمور، فيعلم أن فقره خير له من غناه عند الله، وسقمه خير له من صحته، فإن من عباد الله من لا يصلح حاله إلا الفقر، فإن أغناه الله طغى، ومنهم من لا يصلح حاله إلا السقم، فلو أصحَّه لطغى، هم في ذلك يسيرون تحت المشيئة والحكمة الإلهية، مع مشروعة أخذهم بأسباب الصحة والغنى، ولكن حين يستقر في قلب المرء، كمال الحكمة الإلهية، يعيش مطمئن البال، مرتاح الحال، مع أن الراحة الحقيقية، إنما تكون حين يضع المؤمن أول قدم في الجنة.
جاء رجل من أهل خراسان إلى الإمام أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد الله قصدتك من خراسان أسألك عن مسألة، قال له سل: قال: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة (٣).
стр. 669
ولذا كان عامر بن عبد الله بن عبد قيس يقول:" في الدنيا الغموم والأحزان، وفي الآخرة النار والحساب، فأين الراحة والفرج؟ " (١)، فكانوا يعلمون أن الراحة في الجنة، ولما قيل لأبي حازم: ما الراحة؟ قال: دخول الجنة (٢).
ومع ذلك فالوصول للراحة الحقيقية لا تكون بالراحة، قال محمد الكتاني: "من طلب الراحة بالراحة عدم الراحة" (٣)، وقال الإمام إبراهيم الحربي:" أجمع عقلاء كل أمة، أن النعيم لا يدرك بالنعيم، ومن آثر الراحة فاتته الراحة" (٤). فالوصول إلى الراحة واللذة , لا يكون إلا على جسر التعب والألم , ولذا فالمصائب والآلام حشوها نعيمٌ ولذات ومسرات (٥)، فبحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشاق، تكون الفرحة واللذة، "فلا فرحة لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلاً، استراح طويلاً، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة، قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم، فهو صبر ساعة" (٦).
стр. 670
وكان السلف ﵏، على هذا الفقه، فكان علقمة يقول للأسود بن يزيد، وكان من العباد الزهاد، ما تُعذب هذا الجسد، فيقول: إنما أريد له الراحة (١)، ولذا قال مالك بن دينار: إنما طلب العابدون بطول النصب دوام الراحة (٢)، فالجنة لا تنال براحة الجسد، وجزاء الإحسان الإحسان، يقول أبو سعيد الخراز: "وهل جزاء التعب في الدنيا والنصب فيها إلا الراحة في الآخرة " (٣).
فلا راحة للعبد في دنياه، إلا بالرضا والتسليم لأمر الله جل وعلا، قال النباجي: "ما التنعم إلا في الإخلاص، ولا قرة العين إلى التقوى، ولا الراحة إلا في التسليم " (٤).
ولما سئل ابن الحواري عن دواء الراحة قال: "وأما دواء الراحة، فالرضا عن الله في جميع الأمور كلها" (٥).
وهذا الشعور بالراحة والاطمئنان الذي يطغى على المؤمن، حقيق بإظهار أثر آخر على الفرد من الناحية النفسية؛ نتيجة إيمانه باليوم الآخر، وهو:
стр. 671
٨ - تسلية المؤمن عما يفوته من أمور الدنيا، وتخفيف الهموم والأحزان:
المؤمن بالآخرة يسترخص كل ألم يناله في الدنيا، ولا يندم على ما فاته منها لأن العوض كبير من الله الكبير المتعال. فكل من فقد شيئاً من الدنيا، متى وازن بينه، وبين ما أعده الله تعالى له في الآخرة، من الأجر والنعيم - إن صبر واحتسب -، قدم ما عند الله تعالى من الفضل والكرم، وآثر الآخرة على الدنيا؛ لأن متاع الدنيا قليل، والآخرة خير وأبقى، يقول جل وعلا: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة:٣٨]، سماه جل وعلا متاعاً، ولكنه بالنظر إلى نعيم الآخرة قليل يسير.
يقول الإمام الرازي:" والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل: أن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها، ومشوبة بالآفات والبليات، ومنقطعة عن قريب لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية، خالصة عن كل الآفات ودائمة أبدية سرمدية، وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا، قليل حقير خسيس " (١)، ويدل عليه قول النبي ﷺ «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟» (٢)، وقوله ﵊: «وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا» (٣).
إن شواهد الصبر والرضا عن الله تعالى، المورثة لطمأنينة القلب، وراحة الجسد كثيرة، وهي مصدر تسلية للمؤمن، عما يفوته من مصالح وخيرات في الدنيا، مع ما تغرس في قلبه، من ثبات يدفع به ما يدهمه من الآلام والأحزان؛ كل هذا لما يؤمله من عوض من الواحد الديان سبحانه المنان.
стр. 672
عن أنس بن مالك ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ " يُرِيدُ: عَيْنَيْهِ» أعظم العوض؛ لأن الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باق ببقائها" (١).
يقول الإمام ابن بطال:" فمن ابتلى بذهاب بصره، أو بفقد جارحة من جوارحه، فليتلق ذلك بالصبر والشكر والاحتساب، وليرض باختيار الله له ذلك؛ ليحصل على أفضل العوضين، وأعظم النعمتين، وهي الجنة التي من صار إليها، فقد ربحت تجارته، وكرمت صفقته، ولم يضره ما لقي من شدة البلاء فيما قاده إليها" (٢).
وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس ﵄: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، فقال: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ» فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا (٣).
لما كان العوض عظيماً، اختارت الصبر على البلاء، يقول الإمام ابن بطال:" ... وفيه أن اختيار البلاء، والصبر عليه يورث الجنة" (٤).
стр. 673
وعن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ» (١).
وأخرج البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلَّا الجَنَّةُ» (٢). الصفي: المصطفى كالولد، والأخ وكل محبوب مؤثر (٣).
وفي الحديثين فضل الحمد والاسترجاع عند المصيبة، وفيه دليل على أن من مات له ولد واحد فاحتسبه، أن له الجنة (٤).
يقول العلامة المناوي: "موت الأولاد فلذ الأكباد، ومصابهم من أعظم مصاب، وفراقهم يقرع القلوب والأوصال والأعصاب، يا له من صدع لا يشعب، يوهي القوي، ويقوي الوهي، ويوهن العظم، ويعظم الوهن، مر المذاق، صعب لا يطاق، يضيق عنه النطاق، شديد على الإطلاق، لا جرم أن الله تعالى حث فيه على الصبر الجميل، ووعد عليه بالأجر الجزيل، وبنى له في الجنة ذاك البناء الجليل" (٥).
"فيا أيها الوالد الجريح، والواله القريح، ماذا البكاء والصريخ، بعد هذا البر الصريح، وماذا العويل والضجيج، بعدما ثبت في الحديث الصحيح، وماذا التلهف والتأسف، بعد هذا القضاء المربح المريح.
стр. 674
فإن كنت تبكيه طلاباً لنفعه ... فقد نال جنات النعيم مسارعاً
وإن كنت تبكي أنه فات عوده ... عليك بنفع فهو قد صار شافعاً
فطب نفساً بهذا الفضل العظيم، وقر عيناً بنزول ولدك في جوار الرب الرحيم، وأنشد عن نفسك قول شاعر حكيم:
جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري" (١)
وعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» (٢).
يقول الإمام ابن الجوزي:" هذا الحديث يحث على مراعاة العواقب، فإن التعب إذا أعقب الراحة هان، والراحة إن أثمرت النصب فليست راحة فالعاقل من نظر في المآل، لا في عاجل الحال (٣) ".
" فعذاب الآخرة يُنسي نعيم الدنيا، ونعيم الآخرة يُنسي شدة الدنيا" (٤).
فكل مصيبة ولو كانت جللاً، تهون في قلب المؤمن بالآخرة، وما فيها من الثواب والأجر العظيم، وإذا كان الإيمان باليوم الآخر، سبب من أسباب تخفيف الأحزان والهموم، وطردها من حياة المؤمن، واستبدالهما بالطمأنينة والتفاؤل، وإحلال الفرح مكان الحزن، فإنه كذلك يورث أثراً نفسيا آخر للعبد المسلم وهو:
стр. 675
٩ - الشعور بالسعادة وإحياء الأمل في النفوس:
ليس بعد الاطمئنان والرضا، إلا القناعة والهدى، وهذا أمر يشعر المؤمن بسعادة غامرة، إذ هو يعيش في معية الرحمن، يرجو الخير المكنون في الجنان ولذا سيعيش بنفس عالية، تُحوِّل كل ألم إلى لذة، وكل هم وحزن إلى فرح يصدق فيه قول الشاعر:
ومن تكن العليا همة نفسه فكل الذي يلقاه فيها محبب (١)
إن الإيمان باليوم الآخر، يوم الجزاء والحساب، يحي الأمل في نفوس المؤمنين بأن الخير لا يضيع، والحق لا يُهدر، فتشعر النفس بالاطمئنان وتسكن خواطر الجَنَان، وعندها تسطع أشعة الأماني والطموح، فتمتد إلى ما وراء الماديات، فيعيش المرء بأمله سعيداً، محققا الفضائل والمكارم.
إن السعادة الحقيقية، التي تفارق السعادة الموهومة، هي التي بها تمام الخيرات، ومدارها: الاعتصام بالله تعالى وبحبله المتين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" من أراد السعادة الأبدية، فليلزم عتبة العبودية " (٢). ففيها السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة.
إن السعادة كل السعادة في طاعة الله تعالى، وكل الربح في معاملته، وبين" العبد وبين السعادة والفلاح: قوة عزيمة، وصبر ساعة، وشجاعة نفس وثبات قلب، والفضل بين الله يؤتيه من يشاء " (٣).
إن من أشرف نعم الله تعالى وأعلاها السعادة الأخروية، وإياها قصد بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود:١٠٨] إن السعادة الأخروية تعني: بقاء بلا فناء، ولذة بلا عناء، وسرور بلا حزن، وغنى بلا فقر، وكمال بلا نقصان وعز بلا ذل، وهذه السعادة لا تنال إلا بتزكية النفس وتكميلها، وذلك باكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل.
стр. 676
والعجب ممن فتر عن سلوك طريق السعادة الأبدي، كيف احتمل الذل والخسران، في مقابل لذات منصرمة، وسعادة موهومة منقضية، ولكن فتور الخلق عن ذلك الطريق، سببه ضعف الإيمان بالآخرة، وإلا فالعقل الناقص قاض بالتشمير لسلوك طريق السعادة، فضلاً عن الكامل (١).
فجملة سعادة المرء،"أن يجعل لقاء الله تعالى مقصده، والدار الآخرة مستقره والدنيا منزله، والبدن مركبه، والأعضاء خدمه " (٢).
وجملة هذه الآثار النفسية على العبد، تمنح المؤمن أثراً نفسياً آخر وهو:
١٠ - صمود الجوارح أما الرغبات النفسية:
فمع جنوح النفس إلى شهواتها وملذاتها، وميلها إلى رغباتها، يقف أمامها سلاح قوي، يمنح النفس صموداً أمام هذه الرغبات، ويكسبها حصانة تقيها من الجنوح إلى هذه الملذات، إنه سلاح الإيمان باليوم الآخر، الذي يقف حصناً منيعاً، وسداً قوياً، أمام كل مغريات النفس البشرية، التي تهوي بها إلى الرذيلة، فتستنقذها من أوحال الهوى، حتى تقيمها على عتبة العبودية لله تعالى.
إن هذه المعاني كلها جديرة بأن تهذب النفس، وتقوّم الأخلاق، وتحفظها من الانزلاق في آفات النفس، وتجنيها من المهلكات.
فمن وقرت الآخرة في قلبه، واستشعر مشاهد الآخرة أمام ناظريه، أصبح دائم الخوف، سريع الوجل، بينه وبين نفسه خصام دائم؛ مخافة أن توقعه فيما يلحقه بسببها العتب والملامة، فهو دائم المراقبة والمحاسبة لنفسه، يفتش عن أعطاب نفسه ليصلحها، شديد التنقيب عن آفات قلبه، يخشى أن يفجأه ما يعكس صفوه، ويغير طهره ونقاءه.
المؤمن بالآخرة تجده راضياً، قنوعاً، صادقاً، باراً، زاهداً، ورعاً، متوكلاً يجمع من خصال الخير والبر ما يرجو به الثواب عند الله ، حريصاً على عمل خفي، يؤمل أن يلقى به ربه.
ومن أجمل ما يحصله المؤمن باليوم الآخر، من أثر في نفسه وحياته هو:
стр. 677
١١ - أنه يرى الموت نعمة كالحياة:
ووجه كونه نعمة: أنه أحد الأسباب الموصلة إلى النعيم الأبدي، وهو الانتقال من دار إلى دار.
يقول الإمام أبو القاسم الأصفهاني:" الموت هو باب من أبواب الجنة، منه يتوصل إليها، ولو لم يكن موت لم تكن الجنة، ولذلك منّ الله تعالى به على الإنسان فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك:٢]، فقدم الموت على الحياة؛ تنبيهاً على أنه يتوصل به إلى الحياة الحقيقية وعدّه علينا في نعمه فقال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة:٢٨]، فجعل الموت أنعاماً، كما جعل الحياة أنعاماً؛ لأنه لما كانت الحياة الأخروية نعمة، لا وصول إليها إلا بالموت، فالموت نعمة؛ لأن السبب الذي يتوصل به إلى النعمة نعمة " (١).
إن المؤمن بالآخرة، يرى عالم الموت المجهول، والمخيف الموحش ... والمحاط بالكثير من الأساطير، يراه عالماً رحباً واسعاً، فهو بداية لعالم رحيب، يتحقق فيه للمؤمن ما كان يسعى لأجله.
ولذا يثبته الله جل وعلا في هذه المواضع الرهيبة، فييسر له تلقين حجته فيعصم من الكفر، ويخرج من الدنيا بشهادة التوحيد، بعد أن سعدت نفسه بالبشارات والمكرمات، فتراه ينادي بصوته المجهول وهو على سريرة محمول: (قدموني قدموني)؛ لما يرى من الخيرات والبركات، فيصبح القبر المظلم روضة غنّاء، تُذهِب عنه رهبة القبر ووحشته، بل ويفتح له باب إلى الجنة ويرى مكانه ومقعده منها، فيقول منادياً بشوق: (يارب أقم الساعة).
فلا مكان للاغتمام لأجل الموت عند هؤلاء، وإنما يكون الغم مداخلاً للمرء لأحد أربعة أوجه:
- إما لشهوة بطنه وفرجه.
- وإما على ما يخلفه من ماله.
- وإما على جهله بحاله بعد الموت ومآله.
- وإما لخوفه على قدمه من عصيانه (٢).
стр. 678
وأما المؤمنون الذين عمروا أوقاتهم بالطاعة، فإنهم لا يخافون الموت لعلمهم أنه السبيل الموصل إلى السعادة الكبرى، حتى قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "والله ما أبالي، أقع على الموت، أو يقع الموت عليّ" (١).وأثر عنه من قوله ﵁، إذا أراد المبارزة في الحرب:
أي يوميّ من الموت أفر يوم لا يقدر أم يوم قدر
يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر (٢)
وقيل لعبد الله بن عمر ﵄: أي ابني الزبير كان أشجع؟ فقال: ما منهما إلا شجاع كلاهما مشى إلى الموت وهو يراه (٣).
يقول الإمام الأصبهاني:" وكانوا يتوقعونه ويرون أنهم في حبس فينتظرون المبشر بإطلاقهم، وعلى هذا روي: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» (٤) وقيل: أنه لما مات داود الطائي سُمع هاتف يقول: اطلق داود من السجن" (٥).
والخلاصة: أن الإيمان باليوم الآخر، له أثر مباشر على النفس البشرية، فهو من أعظم أسباب تزكية النفس، والارتقاء بها، والنجاة من سلطان الوساوس والأوهام، وتسلط الشياطين.
وبه يحتفظ المرء بتوازنه في الحياة، فيعطي كل ذي حق حقه، مع ما ينميه في الضمير الإنساني، من الرقابة العامة، ويحيي فيه باستمرار الخوف والرجاء وهو أساس حركة النفس اللوامة، التي تلوم صاحبها لوقوعه في المحارم فتلومه على الخير والشر، وتندم على ما فات.
стр. 679
"وبهذا تغدو قضية الإيمان باليوم الآخر، ضرورة إنسانية؛ لحل مشكلة الجنوح الإنساني، ولمنح المجتمعات الإنسانية، أفضل صورة ممكنة من السعادة الجماعية، ولدفع الإنسان إلى فعل الخير، والارتقاء في سلم الفضائل الفردية والاجتماعية " (١).
المطلب الرابع أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية السلوكية والأخلاقية
لا تكاد تجد مجتمعاً تسود أفراده المحبة والإخاء، وتشيع فيه معاني الرحمة والوفاء، إلا وبذرة الإيمان باليوم الآخر ظاهرة في حياتهم، فتنعكس على أخلاقياتهم وسلوكياتهم.
فلا عجب حينئذ، أن ترى مظاهر الخير منتشرة بين أفراد المجتمع، فبداية القوس الذي تنطلق منه الخيرات، هو الإيمان بالله تعالى، ونهايته الإيمان باليوم الآخر، وهما متلازمان لسبب، مقترنان لأمر عجب، فإنك لن تجد بعد الإيمان بالله تعالى، عامل ضبط للسلوك والأخلاق، كالإيمان باليوم الآخر، فالإيمان بالله تعالى عقيدة، والإيمان باليوم الآخر مؤيد وقانون، تنتج عنه كل القيم، والأخلاق، والآداب الفاضلة.
فمن آثار الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية السلوكية والأخلاقية ما يلي:
١ - البعد عن سيء الأخلاق:
يورث الإيمان باليوم الآخر، جمالاً في المرء، يظهر أثره في أخلاقه وسلوكياته فتراه هيناً ليناً، يعطف على الصغير، ويوقر الكبير، ويمشي في حاجة المسكين ويمسح على رأس اليتيم، لا يحقد ولا يحسد، يعيش نفي القلب، عفيف اللسان، طاهر النفس، بعيداً عن كل سيء وقبيح، لا يغدر ولا ينتقم، ولا يبغي على أحد، ولا يتخاذل في نصرة مظلوم، ولا يتهاون في أداء الحقوق ومع ذلك فهو حليم كريم، يكظم غيظه، ويعفو عمن ظلمه.
وأما من خلا قلبه من الإيمان باليوم الآخر، فتراه يرتع في حياته كالبهائم ... فلا رادع يردعه، ولا زاجر يزجره، ولا حتى طبع سليم يدفعه.
فلا يتورع عن ظلم العباد وأذيتهم، ملأ قلبه بكل سيء وقبيح، فساء خلقه ... وأشقى نفسه، ولذا فإن سيء الخلق، يفر منه كل شيء.
стр. 680
يقول أبو حازم: "السيئ الخلق، أشقى الناس به نفسه، ثم زوجته، ثم ولده، حتى إنه ليدخل بيته وإنهم لفي سرور، فيسمعون صوته فينفرون عنه فرقاً منه، وحتى إن دابته لتحيد مما يرميها بالحجارة، وإن كلبه ليراه فينزو على الجدار، وحتى إن قطه ليفر منه" (١).
ومن هنا يقول الإمام الغزالي:" والأخلاق السيئة، هي السموم القاتلة والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، كما أن الأخلاق الجميلة، هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان، وجوار الرحمن " (٢).
وينشئ عن الإيمان اليوم الآخر جملة من الأخلاق الحسنة المحمودة، من أهمها:
أ) العفو والصفح:
يقول الإمام الأصفهاني:" وأما العفو والصفح، فهما صورتا الحلم، ومخرجاه إلى الوجود، والعفو: هو ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح: ترك التثريب" (٣).
стр. 681
ولما كان "في العفو والصفح والحلم من الحلاوة، والطمأنينة، والسكينة، وشرف النفس وعزها، ووقفها عن تشفيها بالانتقام، ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام" (١)، حثت عليه الشريعة، ورغبت فيه، وأمرت به، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود:١٠٨] ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة:١٣]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
العفو والصفح من شيم الكرام، لأن منشؤه محبة الله تعالى، وطلب مرضاته والفوز بما أعده لهم من خير في الدنيا، من معيته لهم، وفي الآخرة من الفضل العظيم، يقول جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤]، يقول الحسن: أفضل أخلاق المؤمن العفو (٢).
ولذا كان هو خلق الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، وقد أمر الله نبيه ﷺ بالصفح الجميل، فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر:٨٥].
стр. 682
قال علي بن أبي طالب ﵁: الصفح الجميل: هو الرضا بلا عتاب ... وقال سهل: بلا حقد ولا توبيخ بعد الصفح، وهو الإعراض الجميل (١).
فالعفو والصفح من مظاهر حسن الخلق، وهو دليل على صفاء النفس وطيب المعدن، ونقاء السريرة، وسعة الصدر، وحسن الظن، مع ما فيه من رفعة وعزة الإنسان، ودلالة على كمال إيمانه، وحسن إسلامه.
ولذا ينبغي على المرء، توطين نفسه على "لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة، إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهيجها أشد من الاستعمال بمثلها" (٢).
وهذه الدرجة العالية في الصفح، بل وتقريب من يُقصيك، والعفو عمن يُعاديك، لم تكن لأحد على وجه الكمال إلا لرسول الله ﷺ ثم للورثة منه قدر سهامهم من التركة.
وممن حاز هذا الإرث الكبير، الإمام ابن تيمية، يقول الإمام ابن القيم:" وما رأيت أحداً قد أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي، مثله لأعدائه وخصومه، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي، واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة، إلا وساعدتكم فيه، ونحو من هذا من الكلام، فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه" (٣).
ب) الإحسان:
стр. 683
الإحسان أعلى مراتب الدين، وهو لب الإيمان وروحه وكماله، وهو جامع لما عداه من المنازل، فجميعها منطوية فيه (١). فالمؤمن حين يُحسن إلى نفسه وإلى الآخرين، يرجو ما عند الله تعالى من الجزاء والفضل، والله جل وعلا يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن:٦٠]. قال ابن زيد في معنى الآية:" حين أحسنوا في هذا الدنيا، أحسنا إليهم أدخلناهم الجنة" (٢). وهذا في مقام الإحسان إلى النفس، بتطهيرها وتزكيتها، وأما في مقام الإحسان إلى الآخرين، فإن الله تعالى أثنى على نبي الله يوسف ﵇ في جملة من المقامات بأنه كان من المحسنين، يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ [يوسف:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [يوسف:٥٦].
стр. 684
ولما كان يوسف ﵇، قد اشتهر في السجن بالجود، والأمانة وصدق الحديث، وحسن السمت، وكثرة العبادة، ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم، والقيام بحقوقهم (١)، أثنى عليه أهل السجن حتى قالوا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [يوسف:٣٦] فيوسف ﵇، قد أحسن إلى نفسه بطاعة الله جل وعلا، وأحسن إلى غيره بمساعدتهم، ومد يد العون لهم، يقول الإمام الضحاك في تفسير إحسان يوسف ﵇:" كان يوسف إذا مرض إنسان في السجن قام عليه وإذا ضاق عليه المكان أوسع له، وإذا احتاج سأله أو جمع له". وقال قتادة: "كان إحسانه فيما ذُكر لنا: أنه كان يعزي حزينهم، ويداوي مريضهم، ورأوا منه عبادة واجتهاداً، فأحبوه على حظه" (٢)، ولذا يقول الإمام أبو حاتم بن حبان:" والناس مجبولون على محبة الإحسان، وكراهية الأذى، واتخاذ المحسن إليهم حبيباً، واتخاذ المسيء إليهم عدواً " (٣)، ومن هنا قال بعض الحكماء: الإحسان رق، والمكافأة عتق، وقيل لبعض الحكماء: أي شيء من أفعال الناس، أشبه بأفعال الإله؟ قال: الإحسان إلى الناس (٤).
стр. 685
والله جل وعلا كتب الإحسان على كل شيء، يقول الفضيل:" لو أن العبد أحسن الإحسان كله، وكانت له دجاجة فأساء إليها، لم يكن من المحسنين" (١). ويدخل في مفهوم الإحسان، التعظيم لأمر الله جل وعلا والقيام بأداء حقوقه، والشفقة على خلقه، والشفقة على الخلق أقسام كثيرة وأشرفها وأجلها صلة الرحم (٢)، ولذا فإن الله جل وعلا أفردها في الذكر في آية الإحسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل:٩٠].
ويشمل الإحسان في الآية الكريمة جملة من المعاني الصحيحة (٣):
١ - الإحسان بمعنى العفو.
٢ - الإحسان بمعنى أداء الفرائض.
٣ - الإحسان بمعنى التفضل.
٤ - الإحسان بمعنى المراقبة وهي: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ «.
٥ - الإحسان بمعنى الإخلاص، بأن تكون سريرة المرء، أفضل من علانيته.
يقول العز بن عبد السلام:" الإحسان لا يخلو عن جلب نفع، أو دفع ضرر أو عنهما، وتارة يكون في الدنيا، وتارة يكون في العقبى، أما في العقبى: فتعليم العلم، والفتيا، والإعانة على جميع الطاعات، وعلى دفع المعاصي والمخالفات، فيدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان وأما في الدنيا فبالإرفاق الدنيوية، ودفع المضار الدنيوية، وكذلك إسقاط الحقوق، والعفو عن المظالم " (٤).
стр. 686
"فأعظم الإحسان: الإيمان، والتوحيد، والإنابة إلى الله تعالى، والإقبال عليه، والتوكل عليه، وأن يعبد الله كأنه يراه؛ إجلالاً، ومهابة، وحياءً ومحبة، وخشية " (١).
يقول الإمام ابن القيم: " ومشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كلها، فإنه يوجب الحياء، والإجلال، والتعظيم، والخشية، والمحبة، والإنابة، والتوكل والخضوع لله سبحانه والذل له، ويقطع الوسواس وحديث النفس، ويجمع القلب والهم على الله، فحظ العبد من القرب من الله، على قد حظه من مقام الإحسان" (٢).
ومع أن الإحسان إلى الخلق مقامه عظيم، إلا أنه يوجب كذلك: انشراح الصدر، وطيب النفس، يقول الإمام ابن القيم:" فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً " (٣).
ويقول:" فإن الإحسان يفرح القلب، ويشرح الصدر، ويجلب النعم ويدفع النقم، وتركه يوجب الضيم والضيق، ويمنع وصول النعم إليه فالجبن ترك الإحسان بالبدن، والبخل ترك الإحسان بالمال" (٤).
وعليه: فالمحسن لا يقدم على إحسانه، من قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وأنواع الصدقات، إلا وهو يرجو إحسان الله جل وعلا له في الآخرة.
стр. 687
٢ - يورث المحبة والتواد بين المسلمين:
إن من أكبر أسباب التحاسد والتباغض بين المسلمين، هو تناسيهم الآخرة وغفلتهم عنها، وإلا فمتى كانت الدار الآخرة حاضرة أمام أعينهم، ماثلة مشاهدها بين أيديهم، أورثهم ذلك المشهد خوفاً وقلقاً، ينعكس على أفعالهم فبعد أن كانت العداوة والبغضاء، مسيطرة على المشهد الإنساني اليومي، حل مكانها التواد والتسامح، والمحبة والتصافح، فسعدت به الحياة , وأنست به الدنيا، ولذا كان علماء الآخرة بمعزل عن هذا التحاسد، يقول الإمام ابن الجوزي: "تأملت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأه من حب الدنيا، فإن علماء الآخرة يتوادون ولا يتحاسدون، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر:١٠]، وقد كان أبو الدرداء يدعو كل ليلة لجماعة من إخوانه، وقال الإمام أحمد بن حنبل لولد الشافعي: أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل ليلة وقت السحر" (١).
٣ - يمنع الظلم:
إن من أكبر زواجر منع الظلم، هو الإيمان بالآخرة، فإذا كان الله جل وعلا يقتص في القيامة للبهائم بعضها من بعض، فكيف بحقوق العباد! ولذا فإن أكثر ما يزلزل كيان الظالم، علمه بأن الله تعالى خصمه، وأنه ربما عاجله بظلمه فأهلكه، أو أخره وأمهله، حتى إذا أخذه لم يفلته، وقد قيل: (الظلم مرتعه وخيم) (٢)، وقد قال معاوية ﵁: إني لأستحي أن أظلم من لا أجد له ناصراً علي إلا الله " (٣).
стр. 688
يقول الجاحظ: "فإن الله ﵎، لم يخلق مذاقاً أحلى من العدل , ولا أروح على القلوب من الإنصاف، ولا أمرَّ من الظلم، ولا أبشع من الجور" (١).
وقال حاكياً: "إن البغي يصرع أهله، وإن الظلم مرتعه وخيم، فلا تغتر بإبطاء العقاب، من ناصرٍ من شاء أن يغيث أغاث، وقد أملى لقوم كي يزدادوا إثماً " (٢)، والظلم من أقبح ما يحمله الرجل معه إلى معاده، وقد كتب الفضل بن يحي إلى عامل له: "بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد" (٣).
وقد جرت السنن الإلهية، ببقاء دول العدل ولو كانت كافرة، وزوال دول الظلم ولو كانت مسلمة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة، وإن كان مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام " (٤). ولذا فإن الناس لم يتنازعوا، في أن عاقبة الظلم وخيمة، وأن عاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: (الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة)؛ لأن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان، ما يُجزى به في الآخرة (٥).
стр. 689
ومن هنا قال النجاشي: الملك يبقي على الكفر، ولا يبقي على الظلم (١)، ولما سأل الاسكندر حكماء أهل بابل: أيما أبلغ عندكم: الشجاعة أم العدل؟ قالوا: إذا استعملنا العدل، استغنينا عن الشجاعة (٢).
يقول العلامة ابن خلدون:" وبإقامة العدل في القضاء والعلم، تصلح أحوال الرعية، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، وتأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدى حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقيم الدين، ويجري السنن والشرائع في مجاريها" (٣). إن الظلم والجور "آفة الزمان ومحدث الحدثان، وجالب الإحن، ومسبب المحن، ومحيل الأحوال، وممحق الأموال، ومخلي الديار، ومحيي البوار " (٤).
ومن هنا نعلم يقينا، أن الإيمان باليوم الآخر والمعاد، موجب لمنع الظلم، قال بعض الحكماء: "الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدها عن ذلك أحد علتين: إما علة دينية؛ لخوف معاد، أو علة سياسية؛ لخوف سيف" (٥).
٤ - يربي المؤمن على تخطي المواقف الصعبة:
البلاء سنة ربانية، يمحص الله تعالى به المؤمن من غيره، يقول تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت:١ - ٣].
فقد تضعف النفس البشرية مع حلول البلاء، ويصيبها نوع من الوهن والضعف والخواء، وربما لجأت إلى الشكاية؛ للخلاص مما ألم بها من الداء واللأواء.
стр. 690
وفي هذه اللحظات المريرة، التي تُعبِّر عن مكامن الضعف الإنساني والخلل الوجداني، تجد هذه النفوس من يحي فيها الأمل، ويجدد لها مستقبل العمل، فيفتح لها آفاق الحياة الحقيقية، التي تهون عندها كل المصاعب.
فالصحابة الأوائل ﵃، لما لاقوا ما لاقوا من الشدائد وآلام التعذيب، جاؤوا إلى رسول الله ﷺ طالبين منه أن يدعو لهم، في أن يخلصهم الله تعالى مما حل بهم من الكرب والشدة، فإذا بكلمات من الرسول الشفيق الرحيم، تنزل على قلوب المؤمنين برداً وسلاماً، يستعذبون بعدها ما كانوا يجدونه من ألم، وما كانوا يعانونه من شدة، يقول لهم: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (١).
стр. 691
ولما عانت أسرة آل ياسر - الأسرة المباركة المرحومة - من الشدة ما عانت ولاقت من صنوف التعذيب ما لاقت، كان ولا بد من أمل يخفف عنها هذه المعاناة، وبشرى تهون عليهم هذه البلوى، ففي تلك اللحظات العصيبة التي تخالج النفس البشرية ما تخالجها، تأتي كلمات نبوية نيرة، تغير حال الضعف إلى قوة، واليأس إلى تفاؤل، واستعذاب الألم بعد شدته، كلمات تتخطى حدود هذه الحياة الفانية، لتبشر بحياة باقية، فيها يجد المؤمن جزاء صبره، وثباته، ويقينه، إنها كلمة واحدة، بحجم هذا الكون كله، دخلت مباشرة إلى شغاف قلوب هذه الأسرة المباركة، فهان عليها ما تجد، بل وقابلته بالرضا والحمد، حين لامست أسماعهم: «صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ» (١).
"إن الإنسان ليغض الطرف حياءً، ويحمر وجهه خجلاً، حينما يستعرض هذه المواقف البطولية الفذة، التي سمت بأصحابها، إلى درجات سامقة من السمو الديني، والخلقي، والنفسي" (٢).
فالإيمان باليوم الآخر، سهم يجاوز به المؤمن، كل ما يواجهه من صعوبات وابتلاءات، وحسبك ما قرأت عن هذه الأسرة المباركة، في ثباتها، وصبرها وعن أثره في بذل النفوس رخيصة؛ لقاء فضل الله الواسع.
стр. 692
٥ - بذل النفوس رخيصة في سبيل الله:
يقول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة:٢٠٧]، هذه الآية الكريمة، وإن كانت تتحدث عن شأن صهيب الرومي ﵁، وكذا أمثاله ممن بذل ماله ليصون دينه ونفسه، إلا أن هناك من بذل نفسه رخيصة في سبيل الله؛ لأجل رفعه دينه، وتخليص نفسه من رق الدنيا، وطلب مرضات الله تعالى، فيشمله ما جاء من الفضل في هذه الآية الشريفة، يقول الإمام ابن أبي زمنين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾: " أي يبيع نفسه بالجهاد " (١)، وقال الإمام ابن كثير:" وأما الأكثر، فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة:١١١]، ولما حُمل هشام بن عامر بين الصفين، أنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وغيرهما، وتلوا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧] " (٢).
стр. 693
ولما كان يوم بدر، كان النبي ﷺ في قبة فقال: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين «فقال عُمير بن الحمام: بخ بخ، فقال رسول الله ﷺ : «لم تُبخبخ؟ «قال: أرجو أن أكون من أهلها، قال: «فإنك من أهلها»، قال: فانتثل ثمرات من قرنه، فجعل يلوكهن، ثم قال: والله لئن بقين حتى ألوكهن، إنها لحياة طويلة، فنبذهن وقاتل حتى قتل (١).
إن أسرع ما يدفع النفوس للبذل والعطاء، هو التذكير بما أعد الله تعالى لهم في الآخرة، من النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، ولذا لما سمع عمير ﵁، البشرى من رسول الله ﷺ استرخص حياته، وعلم أن ما عند الله خير وأبقى، فسارع إلى مرضاة الله تعالى؛ لينتقل من الضيق إلى السعة ومن الألم إلى النعيم، فإن الدنيا بما فيها، تضييق في قلوب المؤمنين، حين تلامس أسماعهم، بشائر الخير، وفضائل البر، ومكرمات الرحمن؛ إذ تتفجر حينها داخل النفس صراعات، بين دواعي الخير والشر، فيعلو صوت الحق وتنتصر دواعي الخير؛ لقاء ما عند الله تعالى من الفضل والخير.
وحين يتخلص المرء، من قيود النفس ورغباتها، تنطلق نحو الهدف الأسمى، فلا تقف النفس حينها عند حدود، ولا تعترف بأي قيود، وحين تهفو النفوس إلى الآخرة، فإنها تحس بشيء من لذتها، وتشعر بأنفاس نعيمها ولذا قال أنس بن النصر ﵁، يوم بدر: (والذي نفسي بيده، إني لأجد ريح الجنة دون أحد، واها لريح الجنة)، فوجد ﵁ بين القتلى به بضع وثمانون من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، قد مثلوا به فما عرفته إلا أخته ببنانه (٢).
وقد عاش الصالحون جنة الدنيا، قبل جنة الآخرة، بالأنس بالله تعالى والقرب منه، فوجدوا لذة وسعادة، لا يشبهها شيء من نعيم الدنيا البتة وليس له نظير يقاس به، وهو حال من أحوال أهل الجنة، حتى قال بعض العارفين: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب.
стр. 694
وقال آخر: لتمر على القلب أوقات، يرقص فيها طرباً، وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة، إلا نعيم الإيمان والمعرفة (١).
وقد ذكر الإمام ابن القيم، من حال شيخه الإمام ابن تيمية في هذا الشأن أمراً عجباً، فقال:" وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها، لا يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فيه معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهباً، ما عدل عندي شكره هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، ما شاء الله، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه.
ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها، نظر إليه وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ [الحديد:١٣]. وعلم الله ما رأيت أحداً، أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاق الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك، من أطيب الناس عيشاَ، وأشرحهم صدراً وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً، وقوة، ويقيناً، وطمأنينة.
فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها، ونسيمها، وطيبها، ما استفرغ قواهم لطبها، والمسابقة إليها " (٢).
стр. 695
"والمقصود: أن الهدى مستلزم لسعادة الدنيا، وطيب الحياة، والنعيم العاجل، وهو أمر يشهد به الحس والوجد" (١).
٦ - يغرس في النفس الإقدام والسعي نحو أبواب البر والخير:
إن البر، والبذل، والعطاء، والجود، والكرم، والإيثار، ومد يد العون والمساعدة، وتفريج الكربات، كلها معانٍ سامية، وأعمال جليلة، منبثقة من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، وإنك لن تجد أحداً، امتلأ قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر، إلا وهو دائم السعي نحو طرق هذه الأبواب، فتجده يبذل كل ما عنده؛ رجاء ما عند الله جل وعلا من الفضل والكرم. وإن الدافع والمحرك نحو هذا الإقدام، وهذا العمل الدؤوب، هو الإيمان بالآخرة وبأنها دار المجازاة، يقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر:١٧].
стр. 696
ولما كان هذا اليوم العظيم، ماثلاً أمام أعين المؤمنين، كان له أثره المباشر في حياتهم، ومعاملاتهم، وسلوكهم، وخاصة فيما فيه نفع للمسلمين، ودفع الضر عنهم، وتفريج كرباتهم، والوقوف معهم في حوائجهم، فلا يتأخرون طرفة عين في كل ما فيه نفع للمسلمين، ولذا مما سُطر عن أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين، عمر ابن الخطاب ﵁، من كلمات سطرها التاريخ له بماء من ذهب، أصبحت مثلاً تقال في المناسبات، تُبين أثر خوف عمر بن الخطاب من مقام الوقوف بين يدي الله تعالى، الذي انعكس في شخص عمر، حتى أصبح مثلاً في كثير من القيم والمبادئ والأخلاق، يقول ﵁ وأرضاه كلاماً ينبئ عن تمام العدل، وكمال المراقبة والخوف من الله تعالى، والخوف من المسؤولية التي تحملها على عاتقه، وهو مسؤول عنها عند الله ، يقول: (لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات، لتخوفت أن يسألني الله عنها، وأيم الله، إن المسؤول عن خاصة نفسه على عمله، فيما بين الله وبينه ليعرض، أمر كبير على خطر عظيم، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمة) (١).
فإذا كان خوف عمر ﵁، من ضياع سخلة، فكيف بضياع حقوق الرعية، فالتاريخ يشهد بأن عمر ﵁، قد حفظ الوعد والعهد، وقام بالرعية حق قيام، دافعه خوف الله تعالى، وحافزه خوف الوقوف بين يديه يوم الدين، وهذا يظهر جليا في قصته مع الأعرابي الذي وقف عليه وقال:
يا عمر الخير جزيت الجنة جهز بنياتي واكسهنّه أقسم بالله لتفعلنه
قال: فإن لم أفعل ماذا يا أعرابي؟ قال: أقسم بالله لأمضينه، قال: فإن مضيت يكون ماذا يا أعرابي؟ قال:
стр. 697
والله عن حالي لتسألنه ثم تكون المسألات عنَّه
والوقف المسؤول بينهنة إما إلى نار وإما جنة
فبكى عمر حتى اخضلت لحيته بدموعه، ثم قال: يا غلام، أعطه قميصي هذا، لذلك اليوم لا لشِعْرِه، والله لا أملك قميصاً غيره (١).
إن أمير المؤمنين عمر ﵁، أفزعته امرأة فقيرة، حين قالت لعمر وهي لا تعرف أنه أمير المؤمنين عمر، قالت: (الله بيننا وبين عمر)، فقال حينها عمر: وما يدري عمر بكم؟ قالت: يتولى أمر أمرنا، ثم يغفل عنا، هنا خاف عمر، فقال لأسلم: انطلق بنا، قال: فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلاً من دقيق، وكبة شحم، فقال: احمله عليّ، فقلت: أنا أحمله عنك، فقال عمر: أنت تحمل وزري يوم القيامة، لا أم لك، فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئاً، فجعل يقول لها: ذُرّي علي، وأنا أحرك لك، وجعل ينفخ تحت القدر ثم يمرثها، فقال: أبغني شيئاً، فأتته بصحفة فأفرغها، ثم جعل يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم، فلم يزل حتى شبعوا، وترك عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيراً، كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، فيقول: قولي خيراً، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله، ثم تنحى عنها ناحية، ثم استقبلها، فربض مربضاً، فقلت: إن لك شأناً غير هذا، فلا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ثم ناموا وهدؤوا، فقال عمر: يا أسلم، إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت (٢).
فهذا شاهد من شواهد السيرة العطرة، لأولئك المؤمنين، الصادقين، المخلصين، المخبتين، الأوابين، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون:٦١].
стр. 698
٧ - يورث علو الهمة في الطاعات:
لا عجب حين يكون طموح المرء، بلوغ الغايات والأهداف، وارتقاء القمم، والوصول إلى المعالي، ومعانقة المجد؛ ليكون في الطليعة، فهذا هو ما جبلت عليه النفس، يقول الإمام ابن الجوزي: "وهذه الهمة تولد مع الطفل فتراه من زمن طفولته، يطلب معالي الأمور" (١).
وهذا الطموح الكبير، وهذه الهمة العالية، دليل شرف النفس ونبلها، فهو يكسب النفس النشاط؛ لتسمو في سماء العلياء، و قد قيل:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم (٢)
والعجيب أن كِبر الهمة من خصائص الإنسان، أما الحيوانات فكل جنس يتحرى الفعل بقدر ما في طبعه. والكبير الهمة على الإطلاق، هو من لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه، فلا يصير عبد عارية بطنه وفرجه، بل يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة، فيصير من خلفاء الله تعالى وأوليائه في الدنيا، ومن مجاوريه في الآخرة (٣).
إن علو الهمة نحو العمل الصالح، المقرب إلى الله جل وعلا، هو نتاج الإيمان بالآخرة؛ لأن الوصول إلى الجنة هدف، يحتاج إلى نفس توّاقة للمعالي يقول عمر بن عبد العزيز:" إن لي نفساً تتوق إلى معالي الأمور، تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة" (٤)، ولذا فإن كبير الهمة، لا يقنع بما دون الجنة، يقول الله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين:٢٦].
стр. 699
إذا كان علو الهمة من الإيمان، (١) وأن خير ما يطمح إليه المؤمن سكنى الجنان، كان خليقاً بالمؤمن أن يسلك سبل المعالي، وينشد طرق الكمال ويسير في ركاب أصحاب الهمم العالية؛ لأن "الهمة سلاح القلب للمعالي وعون الجسد إلى ركوب الأهوال، والحادي نحو لذائذ الآمال " (٢)، فإذا كان الطير يطير بجناحيه، فالمرء يطير بهمته (٣)،ولقاح هذه الهمة العالية، النية الصحيحة، فإذا اجتمعا، بلغ العبد غاية المراد (٤).
يقول الإمام ابن القيم:" وصاحب الهمة العلية، أمانيه حول العلم والإيمان والعمل الذي يقربه إلى الله، ويدنيه من جواره" (٥).
ومع الهمة العالية تطيب الحياة، يقول الإمام ابن القيم:" فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمة العالية، والمحبة الصادقة، والإرادة القوية، فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة، وأخس الناس حياة، أخسهم همة، وأضعفهم محبة وطلباً، وحياة البهائم خير من حياته" (٦).
стр. 700
إن الإيمان باليوم الآخر، له أكبر الأثر على النفس البشرية في تحمل أعباء الطاعة، بل والتلذذ بها، يقول الإمام ابن كثير في تاريخه في ترجمة روح بن زنباع: "وقد حج مرة، فنزل على ماء بين مكة والمدينة، فأمر فأصلحت له أطعمة مختلفة الألوان، ثم وضعت بين يديه، فبينما هو يأكل، إذ جاء راع من الرعاة يرد الماء، فدعاه روح بن زنباع إلى الأكل من ذلك الطعام، فجاء الراعي فنظر إلى طعامه، وقال: إني صائم، فقال له روح: في مثل هذا اليوم الطويل الشديد الحر تصوم يا راعي؟ فقال الراعي: أفأغبن أيامي من أجل طعامك؟ ثم إن الراعي ارتاد لنفسه مكاناً فنزله، وترك روح بن زنباع، فقال روح بن زنباع:
لقد ضننت بأيامك يا راع إذ جاد بها ورح بن زنباع
ثم إن روحاً بكى طويلاً، وأمر بتلك الأطعمة فرفعت، وقال: انظروا هل تجدون لها آكلاً من هذه الأعراب، أو الرعاة؟ ثم سار من ذلك المكان، وقد أخذ الراعي بمجامع قلبه، وصغرت إليه نفسه" (١).
ويقول الإمام ابن رجب وهو يحكي حال بعض الصالحات، من صاحبات علو الهمة في الطاعة:" كانت بعض الصالحات، تتوخى أشد الأيام حراً فتصومه، فيقال لها في ذلك، فتقول: إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد تشير إلى أنها لا تؤثر إلا العمل، الذي لا يقدر عليه إلا قليل من الناس لشدته عليهم، وهذا من علو الهمة " (٢).
وقد بلغ الحال في علو الهمة عند الأكابر أنه لو قيل لأحدهم: إنك غداً تموت، أو إن القيامة غداً ما ازداد من عمله؛ لأن حياته كلها مليئة بأنواع الخيرات، وصنوف الطاعات.
стр. 701
فهذا زكريا بن يحي بن عبد الملك، كان من كبار الأخيار، يقول محمد بن جعفر بن سام: لو قيل لأبي يحي الناقد: غداً تموت ما ازداد في عمله، وقال:" اشتريت من الله تعالى حوراء، بأربعة آلاف ختمة، فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول: وفيت بعهدك، فها أنا التي قد اشتريتني، فيقال: إنه مات عن قريب" (١).
وهذا صفوان بن سليم الزهري، أحد الأكابر، يقول عنه أنس بن عياض: "رأيت صفوان بن سليم لو قيل له: غداً القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة" (٢).
وهذا حماد بن سلمة، الزاهد العابد، يقول عنه الإمام عبد الرحمن بن المهدي:" لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غداً ما قدر أن يزد في العمل شيئاً " (٣)، ولذا حَسُنت خاتمته، فمات في المسجد وهو يصلي.
ويحكي حماد بن سلمة، عما رآه من همة أبي سليمان التيمي فيقول: "ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله ، إلا وجدناه مطيعاً، فإن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليا، فإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئاً، أو عائداً، أو مريضاً، أو مشيعاً لجنازة، أو قاعداً يسبح في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله " (٤).
إن همم الصحابة ﵃ أعلى الهمم، فقد بلغوا في الطاعة غايتها إلا أن بعضهم غلا في التعبد، رغبة في الأجر، حتى حرموا أنفسهم الحلال.
стр. 702
أخرج الشيخان من حديث أنس ﵁: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (١).
الهمة العالية في الطاعة، ليست مستلزمة لترك ملاذ الدنيا، وما أحل الله جل وعلا فيها، فالعبادة مع الحياة تمثل علاقة تكامل، وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه، وهذه أعمال لا يقوم بها إلا أهل الهمم الصلبة، والنفوس الزكية الأبية.
يقول الإمام ابن القيم: "فالهمة العالية على الهمم، كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمة كلما علت، بعدت عن وصول الآفات إليها (٢).
ويصدق عليهم قول القائل:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودها على البر كان البر أندى من البحر (٣)
стр. 703
٨ - يورث محاسبة النفس:
كل من أيقن بموقف الحساب بين يدي الله ، وعلم أنه مسؤول عن الصغير والكبير، والجليل والحقير من أعماله، اجتهد في محاسبة نفسه في الحياة قبل الممات، وهذا شأن العاقل الحصيف، يقول ابن المقفع: "وعلى العاقل مخاصمة نفسه ومحاسبتها، والقضاء عليها، والإثابة، والتنكيل بها" (١). ... فمتى حاسب العاقل نفسه في الدنيا، شعر براحة النفس، وطرق أبواب ... السعادة، الجالبة لمحبة الله جل وعلا ورضوانه.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة:١٨] " (٢)، وقال الحسن: "المؤمن قوّام على نفسه يحاسب نفسه لله ، وإنما خف الحساب يوم القيامة، على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة، على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة " (٣).
وقد أجمع العلماء على وجوب محاسبة النفس، يقول الإمام العز بن عبد السلام:" أجمع العلماء على وجوب محاسبة النفوس، فيما سلف في الأعمال وفيما يستقبل منها " (٤).
стр. 704
وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر:١٨] قال الإمام ابن القيم:" والمقصود من هذا النظر: ما يوجبه ويقتضيه، من كمال الاستعداد ليوم المعاد، وتقديم ما ينجيه من عذاب الله، ويبيض وجهه عند الله " (١)، ولذا فإن صلاح القلب، بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها ... والاسترسال معها (٢).
وقد ذكر الأئمة جملة من الفوائد والمصالح المترتبة على محاسبة العبد لنفسه ومنها:
١ - اطلاع النفس على عيوبها.
٢ - وأن يعرف العبد بذلك، حق الله تعالى عليه.
٣ - وتضعف الأعمال السيئة وتوقفها.
٤ - وتحض الإنسان على أعمال الخير.
٥ - وتخلص النفس من العجب، ورؤية العمل.
٦ - وتفتح للإنسان باب الذل والانكسار، والخضوع لله تعالى.
٧ - وتوجب للإنسان أن يمقت نفسه، ويعلم أن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ورحمته (٣).
وكل ما ذكر هو أثر من آثار استحضار الآخرة، ومشاهدة أحوالها وأهوالها ولذا انعكست هذه المحاسبة على نفوس المؤمنين، فأصبحوا في مخاصمة مع النفس، يسعون لأطرها على الحق أطراً، فهذا إبراهيم النخعي الإمام الزاهد العابد، يقول: ما قرأت هذه الآية قط إلا ذكرت الماء البارد: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] (٤).
стр. 705
ومقام المحاسبة في الدنيا، يقود إلى إحسان العمل، والاجتهاد في الطاعة والعبادة، يقول إبراهيم التيمي: مَثَّلثُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مَثَّلثُ نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس، أي شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قلت: فأنت في الأمنية فاعملي (١).
ومن هنا قال الحسن: إن المؤمن أسير في الدنيا، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله ﵎ (٢).
ويقول أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرة وأنا شاب: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبداً. قال أبو بكر: فما نسيتها بعد (٣).
وهذه المحاسبة التي تقود إلى الله تعالى، والتي منبعها الخوف من يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، هي التي كان عليها السلف، وهم أحرص الناس على الآخرة، يقول أنس بن مالك ﵁، سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يوماً، وخرجت معه حتى دخل حائطاً، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط: (عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخٍ، والله لتتّقينّ الله ابن الخطاب، أو ليعذبنك) (٤).