← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فهذا زكريا بن يحي بن عبد الملك، كان من كبار الأخيار، يقول محمد بن جعفر بن سام: لو قيل لأبي يحي الناقد: غداً تموت ما ازداد في عمله، وقال:" اشتريت من الله تعالى حوراء، بأربعة آلاف ختمة، فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول: وفيت بعهدك، فها أنا التي قد اشتريتني، فيقال: إنه مات عن قريب" (١). وهذا صفوان بن سليم الزهري، أحد الأكابر، يقول عنه أنس بن عياض: "رأيت صفوان بن سليم لو قيل له: غداً القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة" (٢). وهذا حماد بن سلمة، الزاهد العابد، يقول عنه الإمام عبد الرحمن بن المهدي:" لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غداً ما قدر أن يزد في العمل شيئاً " (٣)، ولذا حَسُنت خاتمته، فمات في المسجد وهو يصلي. ويحكي حماد بن سلمة، عما رآه من همة أبي سليمان التيمي فيقول: "ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله ، إلا وجدناه مطيعاً، فإن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليا، فإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئاً، أو عائداً، أو مريضاً، أو مشيعاً لجنازة، أو قاعداً يسبح في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله " (٤). إن همم الصحابة ﵃ أعلى الهمم، فقد بلغوا في الطاعة غايتها إلا أن بعضهم غلا في التعبد، رغبة في الأجر، حتى حرموا أنفسهم الحلال.

стр. 702

أخرج الشيخان من حديث أنس ﵁: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (١). الهمة العالية في الطاعة، ليست مستلزمة لترك ملاذ الدنيا، وما أحل الله جل وعلا فيها، فالعبادة مع الحياة تمثل علاقة تكامل، وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه، وهذه أعمال لا يقوم بها إلا أهل الهمم الصلبة، والنفوس الزكية الأبية. يقول الإمام ابن القيم: "فالهمة العالية على الهمم، كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمة كلما علت، بعدت عن وصول الآفات إليها (٢). ويصدق عليهم قول القائل: له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر له راحة لو أن معشار جودها على البر كان البر أندى من البحر (٣)

стр. 703

٨ - يورث محاسبة النفس: كل من أيقن بموقف الحساب بين يدي الله ، وعلم أنه مسؤول عن الصغير والكبير، والجليل والحقير من أعماله، اجتهد في محاسبة نفسه في الحياة قبل الممات، وهذا شأن العاقل الحصيف، يقول ابن المقفع: "وعلى العاقل مخاصمة نفسه ومحاسبتها، والقضاء عليها، والإثابة، والتنكيل بها" (١). ... فمتى حاسب العاقل نفسه في الدنيا، شعر براحة النفس، وطرق أبواب ... السعادة، الجالبة لمحبة الله جل وعلا ورضوانه. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة:١٨] " (٢)، وقال الحسن: "المؤمن قوّام على نفسه يحاسب نفسه لله ، وإنما خف الحساب يوم القيامة، على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة، على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة " (٣). وقد أجمع العلماء على وجوب محاسبة النفس، يقول الإمام العز بن عبد السلام:" أجمع العلماء على وجوب محاسبة النفوس، فيما سلف في الأعمال وفيما يستقبل منها " (٤).

стр. 704

وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر:١٨] قال الإمام ابن القيم:" والمقصود من هذا النظر: ما يوجبه ويقتضيه، من كمال الاستعداد ليوم المعاد، وتقديم ما ينجيه من عذاب الله، ويبيض وجهه عند الله " (١)، ولذا فإن صلاح القلب، بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها ... والاسترسال معها (٢). وقد ذكر الأئمة جملة من الفوائد والمصالح المترتبة على محاسبة العبد لنفسه ومنها: ١ - اطلاع النفس على عيوبها. ٢ - وأن يعرف العبد بذلك، حق الله تعالى عليه. ٣ - وتضعف الأعمال السيئة وتوقفها. ٤ - وتحض الإنسان على أعمال الخير. ٥ - وتخلص النفس من العجب، ورؤية العمل. ٦ - وتفتح للإنسان باب الذل والانكسار، والخضوع لله تعالى. ٧ - وتوجب للإنسان أن يمقت نفسه، ويعلم أن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ورحمته (٣). وكل ما ذكر هو أثر من آثار استحضار الآخرة، ومشاهدة أحوالها وأهوالها ولذا انعكست هذه المحاسبة على نفوس المؤمنين، فأصبحوا في مخاصمة مع النفس، يسعون لأطرها على الحق أطراً، فهذا إبراهيم النخعي الإمام الزاهد العابد، يقول: ما قرأت هذه الآية قط إلا ذكرت الماء البارد: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] (٤).

стр. 705

ومقام المحاسبة في الدنيا، يقود إلى إحسان العمل، والاجتهاد في الطاعة والعبادة، يقول إبراهيم التيمي: مَثَّلثُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مَثَّلثُ نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس، أي شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قلت: فأنت في الأمنية فاعملي (١). ومن هنا قال الحسن: إن المؤمن أسير في الدنيا، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله ﵎ (٢). ويقول أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرة وأنا شاب: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبداً. قال أبو بكر: فما نسيتها بعد (٣). وهذه المحاسبة التي تقود إلى الله تعالى، والتي منبعها الخوف من يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، هي التي كان عليها السلف، وهم أحرص الناس على الآخرة، يقول أنس بن مالك ﵁، سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يوماً، وخرجت معه حتى دخل حائطاً، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط: (عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخٍ، والله لتتّقينّ الله ابن الخطاب، أو ليعذبنك) (٤).

стр. 706

ومما يُذكر في هذا المقام ما حكاه الكتاني قال: حُكي لي عن رجل من أهل الرقة، أنه كان محاسباً لنفسه، فنظر يوماً فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا في أحد وعشرين ألف يوم وخمس مائة يوم، قال: فصرخ صرخة وخر مغشيا عليه، وقال: يا ويلتاه ... ألقى ربي بأحد وعشرين ألف وخمس مائة ذنب؟ على أن يكون في اليوم ذنب واحد، فكيف ولي في كل يوم عشرة آلاف ذنب! قال: فغشي عليه ثانياً، فحركوه فإذا هو ميت (١). وهذه المحاسبة تبعث على أثر آخر، من آثار الإيمان باليوم الآخر، وهو: ٩ - التوبة إلى الله : يقول الإمام ابن القيم:" التوبة بين محاسبتين، محاسبة قبلها تقتضي وجوبها ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها، فالتوبة محفوفة بمحاسبتين " (٢). ولذا كانت منزلة التوبة من المنازل العظيمة، والمقامات الجليلة، يقول الإمام ابن القيم:" ومنزل التوبة، أول المنازل، وأوسطها، وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك، ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به، فالتوبة هي بداية العبد ونهايته" (٣). والتوبة النصوح والاستمرار عليها، أمر عزيز، يحتاج إلى صبر ومجاهدة والناس في هذا المقام على طبقات: - فمنهم من يستقيم على التوبة إلى آخر عمره. - ومنهم من يتوب، ويستمر على الاستقامة مدة، ثم تغلبه شهوته في بعض الذنوب، فيقدم عليها؛ لعجزه عن قهر الشهوة. - ومنهم من يتوب، ويجري مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى الذنوب منهمكاً، من غير أن يُحدّث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله فيخاف على هذا من سوء الخاتمة (٤).

стр. 707

إن أنجع دواء للتوبة، معرفة أسباب الداء، ثم القضاء عليه، فسبب الإصرار على الذنوب، والبعد عن علام الغيوب: الغفلة والشهوة، ولا يضاد الغفلة إلا العلم، ولا يضاد الشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة، "فلا دواء للتوبة، إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر" (١). ولذا كان مجمل ما ينبغي على العبد في التوبة، وما تعلق بها عشر خصال (٢): ١ - فرض عليه ألاّ يعصي الله تعالى. ٢ - إن ابتلى بمعصية لا يُصرُّ عليها. ٣ - التوبة إلى الله تعالى منها. ٤ - الندم على ما فرط منه. ٥ - عقد الاستقامة على الطاعة إلى الموت. ٦ - خوف العقوبة. ٧ - رجاء المغفرة. ٨ - الاعتراف بالذنب. ٩ - اعتقاد أن الله تعالى قدَّر ذلك عليه، وأنه عدل منه. ١٠ - المتابعة بالعمل الصالح؛ ليعمل في الكفارات لقوله ﷺ : «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا «(٣). وأولى ما يدفع المرء إلى التوبة، خوف خاتمة السوء، ولقاء الله تعالى بما يغضبه، ووقوفه بين يديه، فذكرى الآخرة في القلوب، حياة لها. "قيل لعمر بن عبد العزيز: ما كان بدو إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي، فقال لي: يا عمر، اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة" (٤).

стр. 708

كلمات الغلام، أقضت مضجع عمر، وحركت مكامن الخوف في داخله ولكنها انتزعت الشاب المرفه، فجعلته في قامة العباد الزاهدين. وكم أقضّت هذه الكلمات مضاجع الصالحين، وأراقت دموع الخائفين الوجلين، فهذا حرم بن حيان العبدي، يحكي عن حممة بن أبي حمية الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ فيقول: إنه بات عنده، فرآه يبكي الليل أجمع، فقال له هرم: ما يبكيك؟ قال: ذكرت ليلة صبيحتها تتناثر النجوم (١). وحكى الإمام الذهبي في السير: "أن بعض الخلفاء سأل عمر بن ذر عن القدر، فقال: هاهنا ما يُشغل عن القدر؟ قال: ما هو؟ قال: ليلة صبيحتها يوم القيامة، فبكى وبكى معه " (٢). ولذا يقول أبو نواس (٣): سبحان ذي الملكوت أيَّة ليلة ... مخضت صبيحتها بيوم الموقف لو أن عيناً وهّمتها نفسها ... ما في المعاد محصلاً لم تطرف إن ذكرى الآخرة، أقوى معين على التوبة، يقول الحماني: كان بدء توبة داود الطائي، أنه دخل المقبرة فسمع امرأة عند قبر وهي تقول: مقامي إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يُرجى وأنت قريب تزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتسلى كما تبلى وأنت حبيب (٤) خلاصة المطلب: أن الإيمان باليوم الآخر، له دور فاعل، في بناء الأخلاق الفاضلة، وردم الأخلاق السيئة المهينة. وأن الإيمان باليوم الآخر، يخلق في نفس المؤمن أملاً، بأن حقه لن يضيع وعمله لن يذهب سدى، لذا فهو يسعى بكل ما أوتي من قوة، نحو الأعمال الصالحة؛ مخافة أن يدركه الموت قبل أن يدركها. وأن الإيمان باليوم الآخر، مشعل نور وهداية للمؤمن، ينير له دروب السعادة، فيعيش هادئ البال مطمئنا، لا تزعجه حوادث الدهر، راضياً بما قضاه الله وقدر.

стр. 709

وأن الإيمان باليوم الآخر، يرقى باهتمامات الفرد المسلم، فيغرس في نفسه علو الهمة، والرقي نحو الكمال، وينقل اهتماماته من الدنيا إلى الآخرة؛ لأن الآخرة دار الجزاء، فحينها يشعر المرء بحاجته لخلق توازن بين عمل الدنيا والآخرة. وأن الإيمان باليوم الآخر، له أثره على الفرد المسلم، فيرقى بعباداته وعاداته فعبادته ترقى لدرجات الإتقان والإحسان، وعاداته ترقى لتصل لمقام العبادات بالنية الصالحة، كما قال معاذ بن جبل ﵁: "إني احتسب نومتي كما احتسب قومتي " (١). وأن الإيمان باليوم الآخر، يجعل لحياة المرء هدفاً وغاية، يسعى لتحقيقها والوصول إليها، ويبذل في سبيل تحقيق أهدافه، كل ما يملك من إمكانات ولذا فإن من أثر هذا الإيمان، أنه يرقى بحياة الفرد؛ لتصل إلى الكمال المنشود وليعيش حياة سعيدة، لها أهداف بعيده، وغايات محمودة، وبذا تختلف حياته عن حياة البهائم. وأن الإيمان باليوم الآخر، يُعين المرء على الحفاظ على وقته والضن به وعدم صرفه إلا فيما يعود عليه بالنفع، ويشعره بكمال المسؤولية عليه؛ لأنه سيسأل عنه يوم القيامة. وأن الإيمان باليوم الآخر , يُعلي الإنسان على رغبات نفسه، ويجعلها قادرة على مواجهة إغراءات النفس، فيقوى على كبح جماحها واطرها على الحق. وأن الإيمان باليوم الآخر، بوابة لاكتساب الكثير من الأخلاق الحميدة، والأعمال الفاضلة، فتجد المرء محباً للخير، ساعياً في أبواب البر، تظهر عليه آثار هذه الأخلاق الكريمة، من الرحمة، والشفقة والإحسان، والإيثار، والإنفاق، والبشاشة، والتواضع، جماع أمره ... ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢].

стр. 710

وأن الإيمان باليوم الآخر، يجعل الإنسان كثير الحيطة والحذر، يخشى من مواقعة المحارم؛ خوفاً من موافاة الأجل، وهو على هذه الحال السيئة، ولذا فإن الإيمان باليوم الآخر، يهيئ المؤمن لأن يلقى ربه بعمل صالح، يرجو به رحمته. وأن الإيمان باليوم الآخر، يكسب المؤمن العزة، فلا يخاف في مواقف الشدة أحداً إلا الله تعالى. وإن الإيمان باليوم الآخر، يؤدي إلى إفاضة السلام على روح المؤمن وعالمه، ونفي القلق، والسخط والاضطراب، والقنوط (١). ... وأن الإيمان باليوم الآخر، حاجز دون الصراع المجنون المحموم، الذي تداس فيه القيم، وتهان فيه الحرمات، بلا تحرج ولا حياء، فالآخرة فيها عطاء، وغناء، وعوض عما يفوت. "وهذا التصور من شأنه، أن يفيض السلام على مجال السباق والمنافسة وأن يخفف السعار الذي ينطلق من الشعور، بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذا العمر القصير المحدود " (٢).

стр. 711

المبحث الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع لا يخلو أي مجتمع من أفراد، والحكم على أي مجتمع بالصلاح أو الفساد منوط بأفراده، ولذا سعت الأمم لاستصلاح مجتمعاتها بشتى الوسائل فبذلت من أجل ذلك كل إمكاناتها، وسخرت كل طاقاتها؛ أملاً منها بقيام مجتمع صالح، وبيئة يمكن من خلالها، ممارسة الفرد لحقه دون ممانع. إلا أن المجتمعات التي قامت على استصلاح أفرادها، على مبدأ دنيوي بحت، ثم أتاحت له كل المغريات وأنواع المنكرات، رغبة منها لإسعاد أفرادها، قد سقطت في أوحال الرذيلة، والأخلاق المشينة , ففسد المجتمع وانحطت الأخلاق، وساءت المعاملة، ولم يبق لمعاني الرحمة، والتعاون والتكافل فيها أثر؛ لأن كل فرد في هذا المجتمع، يسعى لملء رغباته وإشباع نزواته، دون أي وازع ولا رقيب، فانهارت هذه المجتمعات أخلاقياً، وسلوكياً، ونفسياً، وإن ظهر لها نوع تقدم في النواحي الدنيوية المادية، إلا أنها في الحقيقة، دمرت أخلاقيات المجتمع، وهدمت سمعة أفراده. فهذه المجتمعات وأمثالها التي خلت عن المعاني الإنسانية السامية، هي وإن كانت تشبع رغبات أفرادها المادية، إلا أنها أعجز المجتمعات، عن إشعارهم بالطمأنينة والسعادة، وأبعدها عن جعلهم جسداً واحداً متماسكاً متوادين، متراحمين، متعاطفين. ولذا انهارت هذه المجتمعات، وانحدرت للهاوية، فلا غرابة حينها، أن تشيع في هذه المجتمعات الأنا الذاتية والأنانية، وغيرها من الأخلاق المشينة نتيجة لغياب الدين في حياتهم، وعدم الرقابة المبنية على خوف المجازاة في الآخرة. أما المجتمعات القائمة على مبدأ الرقابة الذاتية، والخوف من الجزاء الأخروي، فهي مجتمعات متماسكة متلاحمة، مترابطة، مستقرة، بعيدة كل البعد عن الأنانية المفرطة، والنزعات المغرضة. إن المجتمعات المسلمة، تُربي أفرادها على معرفة الحقوق والواجبات، فكل فرد في المجتمع المسلم، له حقوق يجب أن تستوفى له، وعليه واجبات يجب أن يقوم بها على أكمل وجه، ولذا متى قصّر في أداء هذه الواجبات، لحقه العتب وربما العقاب. ومن هنا يُلزم الأفراد في هذه المجتمعات، بتقديم كل ما فيه رُقي أخلاقي واجتماعي، وهي من الحقوق التي أناطها الإسلام بالأفراد. والإسلام يربي أفراده على الرقابة الذاتية، وعلى منهج الإحسان الذي يستشعر فيه المسلم معية الله ورقابته.

стр. 712

"وحين توجد في القلب هذه الحساسية المرهفة تجاه الله، تستقيم النفس ويستقيم المجتمع، وتستقيم جميع الأمور، ويعيش المجتمع نظيفاً من الجريمة نظيفاً من الدنس، نظيفاً من الأحقاد؛ لأنه لا يتعامل في الحقيقة بعضه مع بعض، وإنما يتعامل أولاً مع الله" (١). إن الإيمان بالآخرة، له أثره الفعال في إقامة مجتمع راقي المشاعر، راقي التفكير، طاهر في العمل والتعامل. إن الإيمان بالآخرة، جدير بتحقيق الأخلاق الفاضلة المطلقة، في السلوك والحياة، تحقيقاً فعليا مستمراً ثابتا غير متقلب، بلا نفاق، ولا رياء، وهذا لا يكون إلا نتيجة حتمية للإيمان باليوم الآخر (٢). ففرق بين المجتمعات التي قامت على أسس الأخلاق، فعاشت عيشة هنية رضية حميدة، وماتت ميتة شامخة سعيدة، وبين المجتمعات التي قامت على أنقاض الأخلاق الحميدة، وتنكرت لكل الآداب الكريمة، والعادات السليمة المستقيمة. فعاشت في ظلها، عيشة نكدة خالية عن كل معاني الإنسانية، وماتت ميتة سيئة، لم تخلف إلا الدمار الأخلاقي، والضياع الأسري، والتفكك الاجتماعي؛ لأنها لم تحفظها بسياج يحميها من الانهيار ,كما حُفظت في المجتمعات المسلمة، الموقنة المصدقة بما عند الله جل وعلا من الخير والفضل الإيمان باليوم الآخر، له آثار إيجابية على المجتمعات , تنعكس على أفراده فيعيش كل فرد من أفراده , مطمئناً على نفسه، وعرضه، وماله في ظل الإسلام، في حين ترى أن المجتمعات التي خلت قواميسها عن الإيمان بالآخرة، مجتمعات سلبية، تكثر فيها العداوة والبغضاء والحسد، وتنتشر فيها الأخلاقيات السيئة، التي تهدد بخطر اجتماعي جسيم، فلا ينعمون بأمن، ولا يحظون برغد العيش، وإن شعروا به لحظة فقدوه لحظات، ولذا حياتهم مليئة بالخوف، الذي يهدد كيانهم النفسي، والأخلاقي، والاجتماعي. وللإيمان باليوم الآخر آثار حميدة على المجتمعات وتنتظم هذه الآثار في مسألتين:

стр. 713

١) أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية التعبدية. ٢) أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية السلوكية والأخلاقية. المطلب الأول أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية التعبدية لا شك أن المجتمعات التي تعيش في ظل الإسلام، الذي من أصوله وأركانه: الإيمان باليوم الآخر، ستعيش في ظلال هذه العقيدة في أمن وأمان يرفل أفرادها برغد العيش، وطمأنينة النفس، وستنشأ في هذه المجتمعات، كثيرا من المبادئ والقيم الإنسانية؛ لأن قوام هذه المجتمعات المسلمة على الإيمان الذي يتيح للمرء الأخذ المباح، ويوجب عليه الإعطاء، يقول جل وعلا في تعداد صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]. ولذا فإن أثر الإيمان باليوم الآخر، على هذه المجتمعات من الناحية التعبدية أثر كبير، يظهر في الصور التالية: ١ - ينمي روح التآخي، ويزيد الألفة بين أفراد المجتمع: الأخوة الإسلامية ركيزة رئيسة، من مرتكزات المجتمعات المسلمة، ولذا كان هذا الرباط بين المسلمين، هو رباط تذوب فيه العصبيات، وتسقط فيه فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد، أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه (١). ولذا كانت هذه الركيزة، هي إحدى الأسس التي بُني عليها المجتمع المسلم الأول، حين هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، فقد ابتدأ النبي ﷺ عمله في المدينة النبوية، بإيجاد الروابط التي تربط آحاد الجماعة الإسلامية وتُكَوِّن وحدة تضم بها العناصر المختلفة الأنساب والأماكن، وأن يجعل من ذلك المختلف أنساباً وقبائل، مجتمعاً مؤتلفاً في شعوره، تمحى فيه الفوارق (٢).

стр. 714

وإن هذا التآخي جعل المسلمين كرجل واحد: يؤمن بعقيدة واحدة، ويعمل لهدف واحد، بإمرة قائد واحد (١). الأخوة الصادقة هي التي تؤتي ثمارها في الدنيا قبل الآخرة، بخلاف الأخوة المزيفة، التي بنيت على المصالح المادية فقط، فسرعان ما تنهار، أما في الآخرة فالقرآن أبان العلاقات الباقية والمنتهية، يقول المولى جل وعلا: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف:٦٧]، في ذلك اليوم العظيم تنقطع كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله تعالى، وتنقلب عداوة ومقتاً، إلا خلة المتصادقين في الله تعالى، فإنها الخلة الباقية (٢).يقول الإمام ابن عطية عن القيامة:" وإنها لهول مطلعها والخوف المطبق بالناس فيها، يتعادى ويتباغض كل خليل كان في الدنيا على غير تقى؛ لأنه يرى أن الضرر دخل عليه من قبل خليله، وأما المتقون فيرون أن النفع دخل بهم من بعضهم على بعض، هذا معنى كلام علي ﵁" (٣). إن الحافز لحسن الصحبة، وكمال المودة، وصفاء الأخوة، هو الإيمان بما أعده الله تعالى للمتحابين في الآخرة، من الخير العميم، والفضل الكبير: فالأخوة الصادقة، سبب من أسباب الاستظلال بظل العرش يوم القيامة: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، ....... وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ..... «(٤).

стр. 715

وهي كذلك سبب لنيل محبة الله تعالى: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ « ... (١). إن الأخوة الإسلامية الصادقة، تعني: - إزالة الفوارق الطبقية والاجتماعية، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. - القوة والاجتماع على الحق. - التعاون في مقارعة الباطل الدعي، والهوى الزائف. - تقوية أواصر المحبة. - تحقيق التكافل والعدالة الاجتماعية. - بناء مجتمع إسلامي، يعرف كل فرد ماله وما عليه. ومن مقتضيات الأخوة الإسلامية الصادقة (٢). - حسن العشرة. - وحسن الظن. - وحفظ العهد. - وإقلال العتاب. - والتواضع، والإيثار والكرم. - وحفظ الأسرار، والذب عن الأعراض. - واحتمال الأذى. - والتغافل، وقبول الاعتذار، وفي هذا يقول الأبرش: هبني أسأت كما زعمت ... فأين عاطفه الأخوة أو إن أسأت كما أسأت فأين فضلك والمروة (٣)

стр. 716

٢ - أن يأخذ الإنسان ما له، ويؤدي ما عليه: وهذا الأثر من الآثار الرئيسة للإيمان باليوم الآخر، الذي ينتج عنه طمأنينة المجتمع، والشعور بالأمن والعدالة، وذلك أن الإيمان باليوم الآخر، له أثره المباشر على الأفراد جميعاً، فمتى وقر الإيمان بالآخرة في القلوب، ورجت ما عند علام الغيوب، آثرت أن تعيش مع الآخرة، ولا تنس نصيبها من الدنيا وهذا مؤداه الطبيعي، أن يقوم كل فرد من أفراد المجتمع، بأداء واجباته تجاه بقية الأفراد، ولا يمكن حينها أن يضيع حق، أو توجد مظلمة. وبعيداً عن المثالية المجتمعية، يمكن القول بأن معدلات التظالم بين الأفراد، تقل كثيراً حين يوجد الوازع الديني، المبني على الخوف من الله تعالى، ورجاء ما عنده في الدار الآخرة؛ لأنه متى تيقن الفرد الجزاء والحساب، وأن مظالم العباد تُوفى فيها بالحسنات والسيئات، أخذ ما له، وأدى ما عليه؛ ليقدم على ربه خفيف الحمل من أعباء المظالم. أما حين يغيب زاجر الآخرة عن القلوب، فلا تسل حينها عن فقد كثير من المعاني الإنسانية، التي ينتج عن فقدها، الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل والتعدي على الحرمات. ومن هنا لا يمكن أن تعيش المجتمعات آمنة مطمئنة، ترفل بالسعادة والرفاهية، ورغد العيش، إلا في ظل الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر. وهذا الأثر ينتج أثراً آخر، من آثار الإيمان باليوم الآخر وهو: ٣ - رد الحق لأهله (رد المظالم): إن رد المظالم، من شروط قبول التوبة النصوح، وهي التي قيل عنها: "التوبة النصوح: هي رد المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان الطاعات" (١). والموفق من حاسب نفسه، وتدارك وقته، ورد المظالم، وتحلل كل من تعرض له بلسانه، ويده، وحتى سوء الظن بقلبه؛ حتى يلقى الله سبحانه ولم تبق عليه مظلمة.

стр. 717

"وإن مات قبل رد المظالم، أحاط به خصماؤه، فهذا يأخذ بيده، وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يتعلق بلببه، هذا يقول: ظلمني، وهذا يقول: شتمتني وهذا يقول: استهزأت بي، وهذا يقول: ذكرتني في الغيبة بما يسوؤني، وهذا يقول: جاورتني فأسأت جواري، وهذا يقول: عاملتني فغششتني، وهذا يقول: بعتني فغبنتني، وأخفيت عني عيب سلعتك، وهذا يقول: كذبت في سعر متاعك، وهذا يقول: رأيتني محتاجاً، وكنت غنياً فما أطعمتني، وهذا يقول: وجدتني مظلوماً، وكنت قادراً على دفع الظلم عني فداهنت الظالم وما راعيتني، فبينا أنت كذلك، وقد أنشب الخصماء فيك مخالبهم، وأحكموا في تلابيبك أيديهم، وأنت مبهوت متحير من كثرتهم وقد ضعفت عن مقاومتهم، ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك؛ لعله يخلصك من أيديهم، إذ قرع سمعك نداء الجبار ﷻ : ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر:١٧] " (١). فقه هذا الأمر عمر بن عبد العزيز فرد المظالم، يقول محمد بن قيس: "رأيت عمر بن عبد العزيز إذا صلى العشاء، دعا بشمعة من مال الله؛ ليكتب في أمر المسلمين والمظالم، فترد في كل أرض، فإذا أصبح جلس في رد المظالم، وأمر بالصدقات أن تقسم في أهلها، فلقد رأيت من يُتصدق عليه في العام القابل له إبل فيها صدقة" (٢)، هذه صورة العدل ونتيجته.

стр. 718

وذكر أهل التأريخ شيئاً من هذا، عن الملك المؤيد المظفر شمس الدين الإيلتمش التركماني، السلطان الصالح، فإنه "كان عادلاً صالحاً فاضلاً ومن مآثره: أنه اشتد في رد الظالم، وإنصاف المظلومين، وأمر أن يلبس كل مظلوم ثوباً مصبوغاً، وأهل الهند جميعاً يلبسون البياض، فكان متى قعد للناس أو ركب، فرأى أحداً عليه ثوب مصبوغ، نظر في قضيته، وإنصافه ممن ظلمه، ثم إنه أعيي في ذلك فقال: إن بعض الناس تجري عليهم المظالم بالليل، وأريد تعجيل إنصافهم، فجعل على باب قصره أسدين مصورين من الرخام، موضوعين على برجين هناك، وفي أعناقهما سلسلتان من الحديد فيهما جرس كبير، فكان المظلوم يأتي ليلاً، فيحرك الجرس فيسمعه السلطان وينظر في أمره للحين وينصفه" (١). وهذا الأثر الإيماني الناشئ من الإيمان باليوم الآخر، سبب لـ: ٤ - الشعور بالطمأنينة والأمن الدائمين: ما فشا العدل، وانتفى الظلم، في مجتمع من المجتمعات، إلا وشعر أفراده بمنتهى الطمأنينة، وتمام السكينة، وحلول الأمن. إن الحياة معادلة سهلة الحل معروفة الأبعاد: فالحياة الخالية من معاني الظلم، والأذى، والغش، هي نتاج الإيمان بالآخرة المؤدي إلى السعادة والطمأنينة، وإقامة العدل بين أفراد المجتمع. يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام:٨٢].

стр. 719

فهذه الآية الكريمة، تعكس صورة المجتمع الذي يعيش بين الاهتداء والأمن، شريطة وجود الإيمان وانتفاء الظلم بجميع أنواعه، فهم آمنون من المخاوف والعذاب والشقاء، مهتدون إلى صراط الله المستقيم، وهذا الأمن والاهتداء حاصل بقدر إيمانهم،" فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقاً لا بشرك ولا بمعاص، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة، وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل كمالها" (١). ٥ - مصدر من مصادر القوة للأفراد لمواجهة الباطل: إن الباطل بجميع صوره وأنواعه، يقف حاجزاً أمام العاجزين، الذين لم تمتد أبصارهم إلى ما وراء الماديات، فلم يعرفوا إلا الحياة الدنيا، فاشتغلوا بها وجعلوها غاية ومقصداً، ولذا فهم عاجزون عن دفع أي شبهة وشهوة بخلاف من امتدت نفوسهم إلى ما وراء الماديات، وتعلقت قلوبهم بفاطر الأرض والسماوات، تجدهم أثبت الناس عند الفتن، وأشدهم في مواجهة الباطل. فالقرآن الكريم يحكي عن سحرة فرعون، الذين أُغدق عليهم من نعيم الدنيا الموهوم، لم يشعروا بلذة السعادة والطمأنينة، إلا حين آمنوا بالله تعالى، فقالوا لفرعون بعد أن توعدهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ طه ٧٢، أي:" أمرك وسلطانك في هذه الحياة الدنيا، وسيزول عن قريب" (٢)، فإن قضاءك وحكمك إنما يكون في الدنيا، وهي كيف كانت فانية، وإنما مطلبنا سعادة الآخرة وهي باقية، والعقل يقتضي تحمّل الضرر الفاني، المتوصل به إلى السعادة الباقية، وإن الذي يذكره فرعون محض الدنيا، وإن منافع الدنيا ومضارها، لا تعارض منافع الآخرة ومضارها (٣).

стр. 720

لما وقّر الإيمان في قلوب السحرة، وعلموا ما عند الله جل وعلا من الأجر والفضل، قالوا: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾ [طه ٧٣]، أي: والله جل وعلا خير لنا منك، وأبقى وأدوم ثواباً مما كنت وعدتنا ومنيتنا (١). والعجيب أن السحرة حين آمنوا وصدقوا وأيقنوا، تحولوا في لحظة من كفر وضلال، إلى إيمان واطمئنان وإجلال، وتحولوا من كفرة صادين عن سبيل الله تعالى، إلى وعاظ هادين إلى سبيل الرحمن، فكان من تمام وعظهم، ما قالوه لفرعون يحذرونه من نقمة الله، وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه:٧٤ - ٧٦]. يقول الإمام القرطبي:" ومن قال هذا من قول السحرة قال: لعل السحرة سمعوه من موسى، أو من بني إسرائيل، إذ كان فيهم بمصر أقوام، وكان فيهم أيضاً المؤمن من آل فرعون، قلت: ويحتمل أن يكون ذلك إلهاماً من الله لهم، أنطقهم بذلك لما آمنوا" (٢). فهذا الثبات والرسوخ، أثر من آثار الإيمان بالآخرة، إذ هو المحفز للصبر والتحدي، ومواجهة الباطل بكل عدته وقوته، ولذا قُلبت راية الكفر والظلم في الصباح، إلى راية الإيمان والعدل والتضحية في المساء.

стр. 721

وهذا الثبات والصبر على الإيمان، هو الذي دفع بزوجة الطاغية فرعون أن تجهر بالإيمان، ولا تخاف أحداً سوى الرحمن، فكانت تسأل من غلب؟ موسى أم السحرة؟ فقيل لها: غلب موسى وهارون، فقالت: آمنت برب موسى وهارون، فشدّد عليها فرعون الخناق، وأجرى عليها ألواناً من العذاب، إلا أنها حين أيقنت بما عند الله من الثواب قالت: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ [التحريم:١١]، فأراها الله تعالى بيتها في الجنة، فنسيت ما هي فيه من العذاب وضحكت، فقالوا: هي مجنونة تضحك، وهي في العذاب (١)، ضحكت حين علمت أن الله تعالى حقق لها أمنيتها في القربة والكرامة، فإنها طلبت جوار القربة، ولبيت في الجوار أفضل من ألف قصر غير الجوار (٢). وهذا الإيمان بحد ذاته، يُعطي المؤمن قوة، يدفع بها كل المصاعب والمتاعب التي تواجهه، وهو باب من أبواب الثبات بكل صوره ومعانيه. ٦ - القناعة في الدنيا، والرغبة فيما عند الله تعالى: وهذا هو ما ربى عليه النبي ﷺ أصحابه، وذلك حين رأى عمر ﵁، أثر الشريط في جنب رسول الله ﷺ فبكى، فقال النبي ﷺ «مَا يُبْكِيكَ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ» قال: بلى، قال: هو كذلك (٣).

стр. 722

فكان النبي ﷺ يعلق قلوب أصحابه بالحياة الآخرة، لأنها هي الدار الباقية أما الدنيا فلا أسف على فوات بعض مصالحها، فلو كانت الدنيا بما فيها من ملاذ، تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء؛ لحقارتها وقلتها، مع أن الحكمة "في إطعامهم، وإسقائهم، وإبقائهم: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" (١)، وهذا المقصود منه: التزهيد في الدنيا، والترغيب في العقبى (٢). يقول العلامة المناوي:" وهذا أوضح دليل، وأعدل شاهد، على حقارة الدنيا " (٣). فالنبي ﷺ يشجع أصحابه ﵃، بأن يكونوا من أصحاب الآخرة: فيسمو بهممهم، ويعلو بأفئدتهم نحوها، فيقول ﵊ في يوم الخندق مجيباً لأصحابه حين قالوا: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبداً فقال النبي ﷺ : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة (٤) وقد قال ﷺ لعبد الله بن مسعود ﵁: «مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (٥). ومتى علم الإنسان أنه في الدنيا، ضيف مرتحل، وزائر منتقل، زهد فيها ورغب فيما عند الله تعالى من الفضل والكرامة.

стр. 723

وقد ذكر الإمام ابن القيم بضعاً وعشرين مثلاً للدنيا، ضمن دلائل التفضيل بين صبر الفقراء، وشكر الأغنياء، ثم قال: "وقالوا: ومن المعلوم أنه لا تجتمع الرغبة فيها، مع الرغبة في الله والدار الآخرة أبداً، ولا تسكن هاتان الرغبتان في مكان واحد، إلا وطردت إحداهما الأخرى، واستبدت بالمسكن " (١). ٧ - تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين: إن الإيمان باليوم الآخر، يحقق هذا الشعور وينميه، بل ويحض عليه ويشدد النكير على من فرط، أو تهاون فيه. إن القيام بالمسؤولية تجاه الآخرين شرف للإنسان، فهي مع دلالتها على كمال أهلية الفرد، إلا أنها تنبئ عن أخلاق رفيعة، تغلغلت في أعماقه ... انتجت برا وإحسانا، وصلة وإكراما. هذا الشعور نشأ وترعرع في ظل المراقبة والخوف من الله تعالى؛ لأن الجزاء أليم على من فرط، والعذاب كبير على من ضيع، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم:٦]. إن تقدم المجتمعات ورقيها، منوط بهذا الشعور، فمتى تنامى هذا الشعور وتربع على عروش القلوب، أدى كل فرد ما عليه، وحينها فقط يشعر أفراد المجتمع، بسعادة الحياة وتكاملها. ومتى اضمحل هذا الشعور، وتخلى كل فرد عما اؤتمن عليه من المسؤولية فماتت الضمائر بعد حياتها، وانقلبت النفوس على أحضان الخير التي تربت عليها، عاش هذا المجتمع بعيداً كل البعد، عن معاني الإسلام السامية وقيمه السامقة؛ لأنه آثر الخيانة على الأمانة، فحين يتخلى الأمام الأعظم عن مسؤوليته، ويخون أمانته، ويغش رعيته، ينتشر الظلم والفساد، وحين يتخلى الأب عن مسؤوليته، تجاه أهل بيته، يعظم الخطر، ويفشو الضرر. ولذا فإن الإيمان باليوم الآخر، هو السياج الحامي للمجتمعات، من الانزلاق في براثن الفساد، ومعاقل الرذيلة، والتي هي نتاج التهاون في المسؤولية.

стр. 724

٨ - قمع النفس عن الحرام والتزهيد فيه: إن التمادي في التعدي على محارم الله تعالى، ينشؤ من طول الأمل، ونسيان الموت، وعدم تذكر الآخرة. وإن من محاسن الشريعة الإسلامية الغراء، أنها حيث نهت عن الحرام عوضت عنه بدائل من الحلال المباح، وخاطبت النفوس بما يزجرها عن الوقوع في الحرام، فعاقبت عليه بالحرمان، وهو أسلوب تربوي رباني، له وقعه في النفوس. ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان ﵄، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ» (١). وعن أم سلمة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» وفي لفظ عند مسلم: «مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ» (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ» (٣). فهذه زواجر للنفس البشرية، تزجرها عن الوقوع في المحارم، ولذا فالعاقل لا يتعجل ما أُمر بتأخيره، ووُعد به، فيُحرمه عند ميقاته (٤).

стр. 725

وهذه أخطاء يجب على المسلم أن يتفاداها قبل موته، وإلا باء بالحرمان ... وهذا الشعور بحد ذاته، دافع للمرء بأن يسعى بجد، نحو ما ينفعه في الآخرة؛ كي يتنعم به. وخلاصة المطلب: إن الإيمان باليوم الآخر، يصنع جيلاً فريداً، ومجتمعاً صالحاً مستقيماً، وأمة مجيدة. وإن الإيمان باليوم الآخر، يرسم للمجتمعات خُطى صحيحة، ومسارات مستقيمة، نحو الأمل، والوصول إلى الغاية. وإن الإيمان باليوم الآخر، يربي جيلاً لا يقبل المساومات على الحق، ولا أنصاف الحلول، بل يدافع عن قضيته وينافح عنها، ويقاوم الظلم والباطل والجبروت، بكل ما أوتي من قوة. وإن الإيمان باليوم الآخر، يبعث على سكينة النفس واطمئنانها، لكمال عدل الله وحكمته، الداعي إلى نشر روح المحبة بين أفراد المجتمع، ونبذ كل ألوان الحسد والحقد والاعتراض، على حكمة الله وشرعه. إذن: فالإيمان باليوم الآخر، يخلق أناسا، يحملون بين جوانحهم ضمائر حية تراقب الله تعالى وتخافه، فتأخذ مالها، وتؤدي ما عليها. المطلب الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية السلوكية والأخلاقية الإيمان باليوم الآخر، يقين في نفس المؤمن لا يتزعزع، يفيض على نفسه قوة يحطم بها كل القيود، ويتخلص به من كل تعقيدات الحياة. إن الإيمان باليوم الآخر، صمام أمان للمجتمعات من أن تغرق في أرجاس المعاصي، أو تتهاوى في كهف الحزبيات والعنصريات. وإن الإيمان باليوم الآخر، له أثره الفعال في تقويم السلوك، ومعاجلة الانحرافات، والتي بدورها تسهم في تنظيم العلاقات البشرية، وتسيير الحياة الإنسانية، بأبهى صورة، وأجمل حُلّة. وللإيمان باليوم الآخر أثر على المجتمعات، من الناحية السلوكية والأخلاقية، نجملها في النقاط التالية:

стр. 726

١ - حفظ الأخلاق: كم تئن المجتمعات الغربية والشرقية، من ضياع الأخلاق، واندراس الآداب، حتى تنادى عقلاؤها إلى وجوب حفظ الأخلاق، والحد من انتشار الرذيلة والفساد، والذي أدى بدوره إلى تدهور هذه المجتمعات ... وانحطاطها أخلاقياً، وسلوكياً. فالمرأة تعتبر مثالاً حياً، وأنموذجاً مشاهداً، على الواقع المزري في تلك المجتمعات، التي أصبحت تداس فيه كرامتها، وتمتهن فيه عفتها، واستغلت بأرخص الأثمان؛ لتكون من أرخص السلع. وحين شعرت المرأة الغربية بهذا الواقع المهين، الذي يجعل من جسد المرأة سلعة تباع وتشترى، وشعرت بتلك المؤامرة التي ظهرت آثارها، بتسارع المنتجين والمخرجين في التفنن لإخراج جسد المرأة بكل الصور والألوان حينها ارتفعت بعض الأصوات الغيورة، التي تنادي بإرجاع المرأة إلى حيائها وعفافها، وسترها. هذه صورة مختصرة مختزلة، عن ذلك الواقع المرير، الذي تعيشه تلك المجتمعات، التي تحررت من كل قيود الشرف والأخلاق. أما المجتمعات التي تنادى فيها الغيورون، واجتمع فيها المخلصون فكشفوا خطط التآمر على الأخلاق، وغرسوا في نفوس الناس مخافة الرب الخلاق، فتشربتها الأجيال تلو الأجيال، فهي مجتمعات تنعم برفاهية الأخلاق، وانتشار الفضائل والآداب، حيث تقل فيها السلوكيات الخاطئة، والأعمال المشينة. فالإيمان باليوم الآخر، حارس وحافظ للأخلاق من الضياع. ٢ - ينمي في الأفراد حب البذل والعطاء: البذل من البر، والبر من الإيمان، (والإيمان في الجنة) (١)، سئل الحسن عن البر فقال: البذل واللطف (٢). والبذل مع العطاء من المروءة، والمروءة تورث مقام القرب من الله تعالى (٣). والبذل من أعظم ما يتوصل به إلى الناس، ويستجلب به محبتهم (٤). إن من أعظم ما يحفز للبذل والعطاء، هو الرغبة فيما عند الله جل وعلا ومعلوم أن الجود والكرم، كانا من خصال العرب في الجاهلية، إلا أن دافع هذا الجود، هو ما جبلت عليه بعض النفوس من السماحة حيناً، وحب الرياسة حيناً آخر.

стр. 727

أما الأجواد الأسخياء أهل الآخرة، الذين ينظرون بمنظار الإيمان، ويزنون بميزان الإحسان والإتقان، ويؤملون كرم الرحيم الرحمن، فإنهم يأخذون ويُعطون، فلا يستكثرون ولا يدخرون، فإن مُنعوا شكروا، وإن ضُيق عليم حمدوا، وإن اُعطوا بذلوا وآثروا، فهم الزاهدون في الدنيا؛ لأنهم موقنون فكفاهم اليقين غنى (١). يقول الإمام المرداوي:" والبذل على وجهين: أحدهما: ما ابتدأ به الإنسان من غير سؤال، والثاني: ما كان عن طلب وسؤال. فأما المبتدئ به، فهو أطبعهما سخاءً، وأشرفهما عطاءً " (٢). إن الإيمان باليوم الآخر، له أثر على الأفراد لا يقف عند حدود البذل والعطاء، بل يتعدى ذلك إلى تحمل مقاساة الألم، والإيثار بالخير للغير يقول تعالى عن أوليائه وأصفيائه، وخيرته من خلقه بعد نبيه ﷺ : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر:٩]. الإيمان باليوم الآخر يسلَّ سخيمة القلوب، من الغل، والحقد، والحسد وكذا البخل، ولذا قيل: إن حقيقة الجود: أن لا يصعب عليك البذل (٣). والعجب أن بعض البشر قد فُطر على حب الجود والكرم، حتى اختلف فيهم الناس، هل الباذلون دون سؤال ولا سبب، بل لسجية فُطروا عليها ... وشيمة قد طُبعوا بها، هل يكون هذا منسوباً إلى السخاء (٤)؟

стр. 728

والحق أن العدل في كل الأمور هو الوسط، يقول الإمام الغزالي عن التصرف في المال: "ويمكن التصرف فيه بالعدل، وهو أن يُحفظ حيث يجب الحفظ ويُبذل حيث يحب البذل، فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير، وبينهما وسط وهو المحمود، وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه " (١). والبذل والعطاء، هما إحدى القوى النفسية الثلاثة التي يكون بها صلاحها، وسعادتها، وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها (٢). وقد تعدى البذل والعطاء الكائن البشري، إلى الكائن البهيمي الحيواني فقد قيل لشخص: من علمك حسن الإيثار، والسماحة بالبذل؟ فقال: من علم الديك يصادف الحبة في الأرض، وهو يحتاج إليها فلا يأكلها، بل يستدعى الدجاج ويطلبهن طلباً حثيثاً، حتى تجيء الواحدة منهن فتلتقطها وهو مسرور بذلك طيب النفس به، وإذا وضع له الحب الكثير، فرقه هاهنا وهاهنا، وإن لم يكن هناك دجاج؛ لأن طبعه قد ألِف البذل والجود، فهو يرى من اللؤم، أن يستبد وحده بالطعام (٣). إن أعظم الناس جوداً وكرماً، وأنبلهم عطاءً وبذلاً، بحيث لم تر الدنيا له مثيل، ولم تعرف له نظير، هو نبينا محمد ﷺ ، فإنه " أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ (٤)، وكان يعطي العطاء الوفير، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

стр. 729

فَعُرِفَ النبي ﷺ بالجود والكرم، والعطاء والبذل، في أول حياته وآخرها وكان ما بينهما تأريخ حافل عاطر، بكل ما عرفته الإنسانية من معاني السخاء والإيثار، فتحكي أم المؤمنين خديجة ﵂ شيئاً من مفاخره ﷺ فتقول حينما جاءها يرجف فؤاده من نزول الوحي عليه قائلاً: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، (١). فالمؤمن بالآخرة، سيسخر كل ما يملك لخدمة الخلق، حتى يحظى بما عند الخالق، من العطاء والجود والكرم. ٣ - أداء الحقوق: الحقوق كثيرة متنوعة , فحق يجب القيام به , وحق يتحتم السعي إليه , يقول الله تعالى. ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء:٣٦]. إن الباعث الرئيس للقيام بأداء هذه الحقوق، هو الإيمان بالدار الآخرة , وأنها مستقر أعمال الخلائق من خير وشر. فاستشعار رهبة الموقف بين يدي الجبار ﷻ , والخوف من السؤال، والرهبة التي تغشى القلوب، من مغبة التهاون في هذه الحقوق، كلها دواع للفرد تدفعه للقيام بهذه الحقوق حق قيام.

стр. 730

وهناك بواعث أخرى تدعوا إلى أداء الحقوق، إلا أن الداعي الأكبر، هو داعي الخوف من الحساب والجزاء, والبواعث الأخرى لأداء الحقوق، لها تعلق بصفاء النفس ونقائها، بما جُبلت عليه من الكرم، والنخوة، والقيام مع الآخرين، فكل "ما يبعث على أداء الحقوق، فأجدر به حمداً , وما صدّ عنها، فأخلق به ذماً" (١) قال أبو النجيب السهروردي في أماليه لنفسه: أداء الحقوق دليل الكرم ... وفي ذلك مرضاة مولى الأمم ومن قام لله في خلقه ... بحسن الرعاية حاز النعم (٢) إن داعي الإيمان في القلوب، ورجاء فضل ما عند علام الغيوب , هو الدافع للقيام بحقوق الناس. وحقوقهم كثيرة , يصعب وصفها , ويطول رصفها في هذا المقام , إلا أن المقصود الأعظم هو الالتزام بهذه الحقوق والوصف الأكرم قوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء:٣٩] , أي: "هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس " (٣)؛ "لأنها اشتملت على محاسن الأخلاق والحكمة , وقوانين المعاني المحكمة، والأفعال الفاضلة " (٤). إن الآيات التي نزل بها جبريل ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ من سورة الإسراء من قوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ... إلى قوله ... ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء] , اشتملت على جملة من الأداب، والقصص، والأحكام , يرجع حاصلها "إلى الأمر بالتوحيد وأنواع البر والطاعات , والإعراض عن الدنيا , والإقبال على الآخرة" (٥).

стр. 731

٤ - أنه سبب لحل جميع المشكلات: كل ما يعترض المرء من مشكلات الحياة المادية، والنفسية، والاجتماعية , يجد لها حلاً في الإيمان بالله تعالى , والرضا عنه، ثم الإيمان بالآخرة , التي فيها مستقر النفوس، وذها ب الأحزان، واكتمال الأفراح. فكل ما نقص من لذائذ الدنيا عند المؤمن , يعوضه الله تعالى به نعيما يسعد به في الآخرة. إن الإيمان، والرضا، واليقين، والإرادة، مع طهارة القلب , أسباب تعين بعد الله تعالى , على تجاوز العقبات , والقفز على المشكلات. وهذا يبين بوضوح أن المنهج الإسلامي هو المنهج الواقعي، الذي يتغلغل في أعمال النفس البشرية , فيحيي فيها الأمل , ويشيع فيها أنوار العمل نحو المستقبل الباهر. لقد قفز الإسلام على جميع المناهج الأرضية , التي سعت لإسعاد البشرية وحل مشكلاتها , لكن دون جدوى , فلم تحظ البشرية في ظل النظم الأرضية , إلا بالنكبات والويلات التي انعكست فيها الصورة , فظهر الإسعاد في صورة شقاء , واللذة في صورة عناء؛ لأنها لم تحظ بما حظي به المنهج الإسلامي الرفيع , من العناية بحاجات الأفراد, والاهتمام بحاجات المجتمع , والتوفيق بين الحاجات والقيم. إن المشكلات في هذا الزمان، أصبحت أكثر تعقيداً مما كانت عليه سابقاً؛ نظراً: للتطور الباهر المذهل في التقنية الحديثة , وظهور كثير من المستجدات التي عجز البعض عن مواكبتها، والتوافق معها، فظهرت في هذه الأزمان المتأخرة مشكلات اجتماعية، وأخلاقية، ونفسية , حطمت كيان الأفراد , وهدمت أركان المجتمع؛ لأنها لم تخضع لميزان الأخلاق والأدب الإسلامية. لقد تناول المنهج الإسلامي هذه المشكلات وأوجد لها الحلول , وكان في نظرته للأمور، وحله للمشكلات , أكثر عمقاً وأدق تفصيلاً، وهذا يعطينا حكما قاطعاً، بأن هذه المشكلات وغيرها من مشكلات الحياة، من الجهل والمرض والفقر , لا يمكن أن تحل إلا في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية والعقيدة الصحيحة التي يجتمع تحت سقفها أهل الإسلام , فهي كفيلة بحل جميع هذه المشكلات، والتأريخ خير شاهد، وأصدق برهان.

стр. 732

٥ - انخفاض معدلات الجريمة: يعيش الناس في ظل المجتمعات المؤمنة , في حب ووئام , وتلاحم وسلام , يأمنون فيه على أعراضهم , وأموالهم , وممتلكاتهم , ومعتقداتهم , وحرياتهم. المجتمع المؤمن ترسو فيه سفينة الأمان , على قواعد العدل والإنصاف؛ لتنشر الفضائل , ومعاني الولاء. والمجتمع المؤمن يعيش متلاحماً متماسكاً , مهما هبت عليه عواصف التغيير. والمجتمع المؤمن يشعر باستقرار في جميع مناحي الحياة؛ لأن المرء يعيش في ظل دولة الإسلام , آمنا مطمئناً , تؤدى إليه كل الحقوق والواجبات. في المجتمع المؤمن تنشأ مبادئ، تقوم على إغاثة الملهوف، وإسعاف المكروب وكفالة اليتيم، والقيام على أمور المحتاجين. وفي المجتمع المؤمن تحفظ الحقوق , وتصان الكرامات. فهذه العوامل وغيرها، هي أثر من آثار الإيمان بالآخرة، ينشئ عنها ولا بد استقرار الأمن , وانخفاض معدلات الجريمة. وحين نرجع بالذاكرة إلى العهد النبوي , ونقلب صفحات تأريخ الدولة الإسلامية الأولى، التي نشأت على مبدأ إقامة العدل , وإعطاء الحقوق وحفظ العهود والمواثيق, نجد أنه لم يسجل لنا التاريخ عن تلك الحقبة , إلا حالات يسيرة - لا تتجاوز أصابع اليدين - عن التعدي على الأعراض والممتلكات؛ لأن كل فرد في ذلك المجتمع , عرف ما عليه فأداه، وعرف ما له فأخذه , وربما آثر به غيره. في المقابل اقرأ أو اسمع عن حجم الجرائم في المجتمعات التي انعدم فيها الإيمان , أو قل منسوبه في قلوب أفراده , فإنك لن تنتهي من سماع جريمة مروعة , إلا وتتبعها أخواتها من الجرائم الأخرى , مع قوة تحكيم القوانين التي ادعوها، والأنظمة التي اخترعوها , إلا أنهم يقفون عاجزين , عن مواجهة هذا السيل العارم من هذه الجرائم , التي لا تسلم منها مثل هذه المجتمعات.

стр. 733

فلا أمان للمجتمعات من الانحدار، ولا سبيل لها للارتقاء، إلا في ظل اليقين، وتحت سقف الإيمان بيوم الدين، فالإيمان بالآخرة، جدير بخلق مجتمع طاهر نزيه عفيف، يقوم على ساق الأخلاق التي بها يُقضى على كثير من الانحرافات، فالتربية الأخلاقية "خير وسيلة للقضاء على مشكلة ازدياد الجرائم والانحرافات، بجميع أشكالها وألوانها؛ لأن وظيفة التربية الأخلاقية , بناء جيل ملتزم بالخير , متجنب للشرور " (١). وخلاصة الأمر: أن الإيمان باليوم الآخر , يصنع مجتمعاً تكاملياً , تظهر فيه كل المعاني الجميلة , والأخلاق الحميدة , من الكرم الجود , والتعاون والإخاء , والمحبة والوفاء، فيكون المجتمع بكل أطيافه حارس أمن , وقائدا للسلامة. وأن الإيمان باليوم الآخر، له صلة وثيقة بالصحة النفسية والجسدية؛ فالمؤمن بالآخرة لا يغتم بحلول المصائب والنكبات عليه؛ لأنه يستقبل ذلك بصدر رحب، ونفس مطمئنة راضية بالقضاء والقدر , فيعيش سعيداً. وهذا بدوره ينعكس على المجتمع بالإيجابية؛ لأنه حينئذ سيقل أو يتلاشي معول فساد القلب، الذي ربما حمل في طياته معاني سيئة، من الغل والحقد والحسد , فهذا طريق من طرق سلامة المجتمع واستقراره. وأن الإيمان بالآخرة، سبب لاستقرار الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسة والاقتصادية؛ لأن المؤمن بالآخرة, يخشى مقام ربه , فلا يغش , ولا يرابي، ولا ينافق , ولا يرائي , ولا يغتاب , ولا ينم , ولا يخدع , ولا يتجبر , ولا يتكبر , وتلاشي هذه الأمور وانعدامها، كفيلة بأمان المجتمعات واستقرارها. ومتى خلا قلب المرء من الآخرة، وقع في هذه المثالب والمعايب , فأصبحت كالسوس الذي ينخر في جسد المجتمع حتى يهلكه. وأن الإيمان باليوم الآخر، سبب لحفظ الأسر المسلمة من الانهيار والسقوط , فالأسر المبنية على الإيمان , لا تؤثر فيها العواصف , ولا تهزها المواقف , فهي أسر متماسكة متلاحمة.

стр. 734

ولذا تقل في هذه الأسر، الكثير من الظواهر المؤلمة، من حالات الطلاق، والإجهاض، والأطفال غير الشرعيين , وكذا جرائم العنف ضد الزوجات والأطفال. فالإيمان باليوم الآخر يعني حصانة للمجتمع , يدفعه لاستنكار كل ما يقع فيه من انحرافات , فيبقى أثرها السام محصوراً في أضيق نطاق (١). وختاماً: فإن المجتمع الذي يُنشئه الإسلام، مجتمع فكري خلقي , يستند إلى مبدأ وغاية، ويجتمع أفراده على الإيمان بهذا المبدأ، فلا تتكون في هذا المجتمع الطبقية، القائمة على أساس النسل والسلالة وغيرها , وإنما تُبنى على عقيدة جامعة، وضابط خلقي جامع, فكل من آمن بالله ربا ومالكاً , ورضي بما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق , منهجاً عملياً لحياته , فقد أصبح جزءاً من أجزاء هذا المجتمع، وفردا من أفراده، والإسلام الحق هو السقف الذي يعيش الجميع، تحت ظله آمنين مطمئنين.

стр. 735

الخاتمة: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد له سبحانه حمداً حمداً وشكراً شكراً، على ما منّ به ووفق ويسر، وأسأله القبول. كنت في جولة ماتعة، وتطواف مبارك، مع هذا الموضوع العظيم، خلصت فيه إلى النتائج التالية: ١ - أن الإيمان باليوم الآخر ركن ركين، وأصل أصيل، لا يصح إيمان عبد إلا بالإيمان به. ٢ - أن الشرائع كلها متفقة على إثبات الدار الآخرة التي فيها الجنة والنار، يقول العلامة الألوسي:" والمسلمون متفقون على وقوعه" (١). ٣ - أن إثبات المعاد من أصول العلم والإيمان التي علقت بها السعادة والنجاة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" إثبات الصانع وتوحيده، وأسماءه وصفاته، وإثبات النبوات، وإثبات المعاد، هذه هي أصول العلم والإيمان، التي علقت بها السعادة والنجاة" (٢). ٤ - أن مدلول لفظ (اليوم الآخر) مدلول واسع، يشمل الموت وما بعده، إلى دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.

стр. 736

٥ - أن الإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور: ١ - الإيمان بالبعث. ٢ - والإيمان بالحساب والجزاء. ٣ - والإيمان بالجنة والنار (١). والمراد به: التصديق الجازم بما يقع فيه من الحساب والجزاء، والجنة والنار ٦ - أن اليوم الآخر له أسماء كثيرة وردت في نصوص الوحيين، وهذا يدل على عظم شأنها، وجليل أمرها. ٧ - أن في أسماء القيامة، دلالة على التخويف والتهديد، والزجر والوعيد، إذ غالب أسمائها تفزع القلوب، ويقع أثرها شديداً على الأسماع، ولذا وجب الاستعداد لها. ٨ - أن اليوم الآخر من أسماء القيامة، سمي بذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، وأنه لا يوم بعده. ٩ - اتفاق الأئمة على أن منكر القيامة كافر. ١٠ - أن المعاد يعلم بالعقل كما يُعلم بالسمع، وبه يُعلم خطأ المتكلمين في زعمهم: أن المعاد لا يُعلم إلا بالسمع، فما يتعلق بجانب الإمكان، فإن القرآن الكريم قد أفاض في ذكر الأدلة العقلية على جوازه، وإمكانه وعدم استحالته. وأما الجانب المتعلق بوقوعه وتفاصيل أخباره، فإن دلالة العقل الصحيحة المبنية على النظر في حكمة الله تعالى، وكمال عدله، تدل على الوقوع. وأما ما يتعلق بتفاصيل الأخبار، فهي سمعية بحتة. ١١ - تهافت نظرية الجوهر الفرد قديماً وحديثاً، وبه يُعلم خطأ المتكلمين في ظنهم الفاسد: أن القول باليوم الآخر لا يُعرف إلا بإثبات نظرية الجوهر الفرد. ١٢ - أن القدر المجزي في الإيمان باليوم الآخر: هو أن يوقن العبد ويؤمن ويصدق، بأن هناك يوماً يبعث الله تعالى فيه العباد ليحاسبهم على أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وهذا هو الإيمان الإجمالي. وأما الإيمان التفصيلي: فهو ما يتبع العلم بما جاء في نصوص الكتاب والسنة، مما يتعلق بأحوال الآخرة، فقبل علمه بهذه التفاصيل، فهو معذور بجهله بها , ولا يعذر بعد علمه بها ومعرفتها.

стр. 737

١٣ - أن الاقتران والتلازم بين الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، فيه دلالة على أهمية هذا اليوم العظيم، وأنه هو الذي يحصل به التخويف، ويحدو بالمرء لعمل الصالحات، وهذا يُبين سر هذا التلازم والاقتران. ١٤ - أن أمور الآخرة من الغيب الذي لا مدخل للقياس والنظر فيه، وإنما يؤخذ بالقبول والتسليم؛ لأن سنن الآخرة وقوانينها على خلاف سنن وقوانين الدنيا، فلا مجال للاجتهاد والمقايسة. ١٥ - أن القرآن الكريم أقام الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة، على إثبات المعاد، وسلك في سبيل إثبات ذلك جملة من الطرق، وهي: (أ) الإخبار عنه: وأخذ هذا الطريق عدة أوجه: - الإقسام به. - والإخبار المؤكد لقيام الساعة وإتيانها. - تنويع الألفاظ والأساليب في الإخبار عن القيامة وأحداثها. - ذكر شيء من تفاصيلها. (ب) الاستدلال على المعاد بخلق السموات والأرض. (ج) أن النظر في العوالم الكونية، يؤدي إلى إثبات اليوم الآخر. (د) الاستدلال بوقائع وأحداث حصل فيها إحياء الأموات، وحكاية رجوع بعض الأموات لهذا العالم المشاهد. (هـ) الاستدلال على المعاد، بالقدرة الإلهية. (و) الاستدلال بصفات الله تعالى وأسمائه على المعاد، عن طريق الالتزام. (ز) الاستدلال بخلق آدم ﵇ على المعاد. ١٦ - أن العقل دلّ على إثبات المعاد وإمكانه بوجوه عديدة منها: أ. دليل العدالة الإلهية. ب. دليل الحكمة الإلهية. ج. دليل الفطرة. ١٧ - من المميزات العامة لطريقة القرآن الكريم في البيان: أ. الشمولية في البيان. ب. اشتماله على أوجه الإعجاز الذي يظهر في أسلوبه، وبلاغته، وبيانه، وتشريعاته. ج. مخاطبته للعقل البشري، وملامسته للوجدان الإنساني، واحتواؤه على أرقى أساليب الإقناع، وأكمل أوجه مخاطبة العقل. د. اشتماله على أسلوب الحوار، وعرض الآراء. هـ. حكاية المجادلات، وإقامة الحجج والبراهين المؤيدة للحق. و. معالجته لكثير من القضايا المجتمعية، بطريقة السؤال والجواب. ١٨ - اهتم القرآن الكريم بذكر اليوم الآخر، وأولاه عناية فائقة، وهذه العناية القرآنية بهذا الركن العظيم، له صور وأسباب ونتائج.

стр. 738

١. صور اهتمام القرآن وعنايته بأمر المعاد. أ) الإكثار من ذكر أسماء القيامة وأوصافها. ب) وجود الترابط الوثيق بين الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر. ج) كثرة الآيات الدالة على المعاد تصريحاً وتلميحاً. د) الإقسام في أكثر من موضع. هـ) إقامة البراهين والدلائل على إثبات المعاد. ٢. أسباب عناية القرآن الكريم بأمر المعاد: أ) بروز راية المنكرين للبعث والمعاد. ب) الحاجة الملحة لمعرفة الأخبار المتعلقة بالمعاد. ج) الغفلة والانشغال عن الدار الآخرة. ٣. نتائج هذه العناية القرآنية بالمعاد: أ) تحقيق السعادة الدنيوية. ب) تخليص النفس من قيودها. ج) السعي لتهذيب النفس وتربيتها. ١٩ - أولت السنة النبوية المطهرة أمر المعاد اهتماماً كبيراً، وعناية فائقة، تظهر في عدة صور منها: (أ) حرص النبي ﷺ على التذكير بالآخرة في كل مناسبة ومحفل. (ب) استخدام النبي ﷺ ، أسلوب المقارنة أثناء التوجيه والتعليم ليقرب المعاني للذهن. (ج) ربط الأعمال الصالحة بثوابها وجزائها يوم القيامة. (د) ربط الأعمال السيئة والقبيحة بجزائها يوم القيامة. (هـ) ربط الإيمان بالله تعالى بالإيمان باليوم الآخر. ولهذا الاهتمام والعناية بأمر الآخرة في السنة المطهرة أسباب منها: (أ) مجادلة المنكرين والمعاندين. (ب) التشجيع على الأعمال الصالحة. (ج) بيان فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، وبنبيها على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (د) تحذير الأمة من الغفلة عن هذا اليوم العظيم. ٢٠ - اختلف الناس في المعاد، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها، وحُكي فيه إجماع أهل الملة: إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعاً. وذهب البعض إلى إثبات معاد الأبدان فقط، والبعض الآخر إلى إثبات معاد الأرواح فقط، وأنكر البعض الآخر كلا المعادين، الروحي والبدني.

стр. 739

٢١ - أن اتباع الشهوات وتقديم داعي الهوى على داعي الإيمان، والاستجابة لداعي الشيطان، والحرص على النفوذ والسلطة، كلها أسباب حالت دون الإيمان بالمعاد عند منكري البعث، ولهذا استبعدوه، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ ﴿إنهم يرونه بعيداً * ونراه قريباً﴾ المعارج ٦ - ٧ ٢٢ - تعلق منكرو البعث ببعض الشبه، فردوا بها الحق، وأنكروا بها المعاد، ومنها: (أ) أنه لا دليل على البعث والمعاد. (ب) أن البعث أسطورة تاريخية لا حقيقة له. (ج) أن أمر البعث فرية لا صحة لها. (د) الإنكار بذريعة أعادة الموتى. (هـ) شبه التضاد بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة. (و) شبه تفرق الأعضاء والأجزاء في أنحاء العالم. (ز) أن إعادة المعدوم مستحيلة. (ح) أن الإعادة أمر خارج عن أمر القدرة. (ط) أن المعاد أمر لا فائدة منه. (ي) شبهة الآكل والمأكول. (ك) أن البعث غيب غير محسوس، والإيمان لا يكون إلا بالمحسوس. (ل) شبهة حركات الفلك. ٢٣ - أن العرب الذين بعث فيهم النبي ﷺ -أنكروا البعث وجحدوه، وأنكروا بعثة الرسول ﷺ لأن العقلية الجاهلية، لا تدرك إلا القيم المادية للأشياء، ولا تتصور العاقبة السيئة إلا تصوراً مادياً. ٢٤ - آمن بعض العرب بالبعث منهم: زهير بن أبي سلمى، وقس الإيادي، وأمية بن أبي الصلت، وجماعة غيرهم. ٢٥ - أن الديانة اليهودية كانت على الإيمان بالبعث والمعاد، وذلك قبل التحريف الذي طال كتابهم، أما بعد دخول أيدي العابثين المحرفين، فقد ظهر بوضوح خلوها عن الحديث عن الآخرة، إلا إشارات يسيرة. ٢٦ - أن الديانة النصرانية كانت على الإيمان بالبعث والمعاد، ولا زالت في مجمل المعتقد على التصور الصحيح للآخرة، إلا أن بعضهم أنكر النعيم الحسي في الجنة. ٢٧ - اتفق الفلاسفة على إنكار المعاد الجسماني، وذهب طائفة منهم إلى إنكار الروحاني والجسماني، وهم الفلاسفة الدهريون، وقالوا: إن ما أخبرت به الرسل من أمر المعاد، إنما هي أمثال مضروبة؛ لتفهيم المعاد العقلي. ٢٨ - اعتمد الفلاسفة في إنكارهم لحشر الأجساد، إلى بعض الشبه العقلية المتهافتة، منها:

стр. 740

أ. استحالة إعادة المعدوم. ب. استحالة عدم تناهي الأبعاد. ٢٩ - أن فكرة الخلود، والحياة بعد الموت، تحتل مكانة عند بعض أصحاب الديانات القديمة كقدماء المصريين. ٣٠ - أن القول بتناسخ الأرواح، هو طابع وعقيدة امتازت به النِحل الهندية. ٣١ - الموت مخلوق، وهو صفة وجودية، وأنه جسم، وهو ليس بعدم محض، بل هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، وانتقال من دار إلى دار. ٣٢ - اهتم القرآن بذكر الموت، بأوجه وأساليب عدة، ومن هذه الأوجه والأساليب: أ. الإكثار من ذكره. ب. ذكره باسمه، ومشتقاته، وأوصافه، وأحواله. ج. التأكيد عليه في كل مناسبة تقتضي ذلك. ٣٣ - من أسباب اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت: أ. أن ينتبه المرء من غفلته، فيرجع إلى ربه قبل أن يفجأه الموت. ب. التنبيه للمسارعة إلى التوبة النصوح قبل فوات الأوان. ج. أن يحرص المرء على أن تأتيه منيته وهو على الإسلام. د. أن يعيش المرء بين مقامي الخوف والرجاء. ٣٤ - ومن نتائج اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت: أ. التذكير بكمال القدرية الإلهية، وأن مقادير الأمور كلها بيد الله تعالى. ب. بيان ضعف الإنسان عن مواجهة هذا المصير المحتوم. ج. تنبيه الإنسان إلى تدارك ما فات. هـ. أنه نذير شر، وتهديد للطغاة والمتجبرين، بأن يقلعوا عن غيبهم، ويعودوا لرشدهم. ٣٥ - فتنة القبور: أ. انعقد الإجماع على وقوع الفتنة في القبور. ب. تواترت النصوص والأخبار في إثبات فتنة القبور. ج. أن المراد بفتنة القبور: هي الامتحان والاختبار للميت حين يسأله الملكان. د. أن فتنة القبر عام لجميع الأمم والبشر، إلا من استثني، وأن السؤال واقع على الروح والجسد. ٣٦ - عذاب القبر ونعيمه: أ. انعقد إجماع أهل العلم على القول بعذاب القبر ونعيمه، وأنه حق يجب الإيمان به، والتسليم له. ب. تواترت النصوص الشرعية في إثبات عذاب القبر. ج. المنكرون لعذاب القبر أقسام: ١. المنكرون لعذاب القبر ونعيمه مطلقاً، وهذا القول منسوب إلى ملاحدة الفلاسفة، والخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة، وبعض المرجئة. ٢. المنكرون لوقوع عذاب القبر على البدن، وهذا قول ابن ميسرة، وابن حزم.
следующие страницы →