Полный текст (3 087 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الرِّوَايَةِ بِالتَّخْيِيرِ تَعَارُضُ مُقْتَضَيَاتِ التَّقْدِيمِ مَعَ الِاتِّفَاقِ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَى وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى التَّسْلِيمَتَيْنِ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ أَكْثَرُ مِنْ تَسْلِيمَتَيْنِ وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً وَجَبَ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِتَسْلِيمَةٍ. قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَى جَمِيعِ الْمَأْمُومِينَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الرَّدُّ، فَأَجْزَأَ فِيهِ سَلَامٌ وَاحِدٌ، كَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَجَمَعَهُمْ فِي الرَّدِّ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ هَلْ يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً؟ قِيلَ يَرُدُّ قِيَاسًا عَلَى جُمْلَةِ الْمَأْمُومِينَ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ تَسْلِيمَةً، وَقِيلَ: لَا يَجْمَعُ تَشْرِيفًا لِلْإِمَامِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مَا فَسَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى الْيَسَارِ إنْ كَانَ فِيهِ أَحَدٌ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ، وَعَدَّهُمَا الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَفِي قَوَاعِدِهِ سُنَّتَيْنِ، وَعَدَّهُمَا ابْنُ جَمَاعَةَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ فَضِيلَتَيْنِ وَعَدَّ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتُ وَالْقَرَافِيُّ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ مِنْ السُّنَنِ وَلَمْ يَذْكُرُوا مَعَهُ الرَّدَّ عَلَى الْيَسَارِ وَلَا نَبَّهُوا عَلَى حُكْمِهِ، وَقَالَ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ قَوَاعِدِ الْقَاضِي عِيَاضٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَهُ: عَدَّ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ مِنْ السُّنَنِ وَلَمْ يَعُدُّوا فِيهَا الرَّدَّ عَلَى مَنْ عَلَى الْيَسَارِ.
(الثَّانِي) قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ تَأْخِيرُ الرَّدِّ حَتَّى يُسَلِّمَ مَنْ فِي الْيَسَارِ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُؤَخِّرَ سَلَامَهُ بَلْ يَتَحَلَّلَ عَقِبَ سَلَامِ إمَامِهِ فَيُوقِعَ الرَّدَّ مَوْقِعَهُ، فَمَنْ أَخَّرَ سَلَامَهُ لَمْ يَنْتَظِرْ وَرَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سَلَامَهُ لَمَّا كَانَ لَا بُدَّ مِنْهُ كَانَ فِي حُكْمِ الْوَاقِعِ، وَتَعَلَّقَ الرَّدُّ بِمَحِلِّهِ وَقَعَ فِيهِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ فَأَسْقَطَ مِنْهُ لَفْظَ " غَيْرُ " وَقَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُشْتَرَطٌ هَكَذَا رَأَيْت فِي نُسْخَتَيْنِ مِنْهُ وَاخْتَصَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجَلَّابِ كَذَلِكَ فَقَالَ: يُسَلِّمُ عَلَى يَسَارِهِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ حَتَّى يُسَلِّمَ مَنْ عَلَى يَسَارِهِ، وَمَنْ أَخَّرَ سَلَامَهُ لَمْ يُنْتَظَرْ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فَصَارَ آخِرُ الْكَلَامِ يُدَافِعُ أَوَّلَهُ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَلَى الصَّوَابِ فَقَالَ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْيَسَارِ التَّأَخُّرُ حَتَّى يُسَلِّمَ مَنْ عَلَى الْيَسَارِ؟ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى يَسَارِ الْمَأْمُومِ أَحَدٌ فَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ يَعْنِي كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ السَّابِقَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ عَلَى يَسَارِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَنَقَلَهُ التِّلِمْسَانِيُّ وَالْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ وَالذَّخِيرَةِ.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ يُقَوِّي الْقَوْلَ الَّذِي يَقُولُ بِتَقْدِيمِ الرَّدِّ عَلَى الْيَسَارِ عَلَى الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّخْيِيرِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: إذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ: إنَّهُ لَا يُسَلِّمُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ فَلَوْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سَلَامَهُ مُتَأَخِّرٌ وَلَيْسَ هُوَ مَحِلُّهُ حَتَّى يُقَامَ مَحِلُّهُ مَقَامَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَرُدُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سَلَامَهُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِنْ تَأَخَّرَ لِعُذْرٍ فَلْيُقِمْ مَنْ يَلِيهِ السَّلَامَ عَلَى سُنَّتِهِ، وَلَيْسَ مَقْصُودُ الرَّدِّ الْجَوَابَ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ اعْتِبَارُ التَّسْلِيمِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ كَمَا يَقُولُ الْمُخَالِفُ وَإِنَّمَا التَّسْلِيمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا شُرِّعَ الرَّدُّ لِهَيْئَةِ الْمُصَلِّي وَتَشْبِيهًا بِالْمُسْلِمِينَ فَصَارَ فِي نَفْسِهِ يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِ الْمُصَلِّينَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، حَتَّى يَرُدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْصِدْ السَّلَامَ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ التِّلِمْسَانِيُّ وَالْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ وَالذَّخِيرَةِ بِاخْتِصَارٍ وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ: فَإِنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ قَالَ سَنَدٌ: يُحْتَمَلُ عَدَمُ الرَّدِّ لِتَأْخِيرِ سَلَامِهِ وَيُحْتَمَلُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ وَفِيهِ مِيلٌ إلَى تَرْجِيحِ السَّلَامِ عَلَى الْيَسَارِ إذَا كَانَ فِيهِ
стр. 527
مَسْبُوقٌ قَامَ لِلْقَضَاءِ.
(قُلْت) وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِهِ أَخَذَ وَهُوَ الظَّاهِرُ إنْ كَانَ الْمَسْبُوقُ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ لَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِمَا سَيَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسِ وَالسَّادِسِ مَا قُلْنَا: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَكِنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الرِّسَالَةِ وَيَرُدُّ أُخْرَى عَلَى مَنْ كَانَ سَلَّمَ عَلَيْهِ عَنْ يَسَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَحَدٌ لَمْ يَرُدَّ عَلَى يَسَارِهِ شَيْئًا قَالَ: وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مُخَالَفَةِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ لِقَوْلِ غَيْرِهَا: أَوَّلُ مَا سَمِعْته مِنْ شَيْخِنَا أَبِي بَكْرٍ الصَّفَاقُسِيِّ ذَكَرَهُ فِي دَرْسِ شَيْخِنَا الشَّبِيبِيِّ وَسَلَّمَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُ الرِّسَالَةِ مُفَسِّرٌ لِغَيْرِهَا، انْتَهَى. وَقَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، انْتَهَى.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنْ يُؤَوَّلَ كَلَامُ الرِّسَالَةِ وَيُوَفَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَيُقَالُ: إنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا يُعْمَلُ بِمَفْهُومِهِ وَنَبَّهَ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الرِّسَالَةِ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَى الْيَسَارِ إذَا كَانَ فِيهِ مَسْبُوقٌ وَلَمْ يَذْكُرَا خِلَافَهُ وَكَذَا الشَّيْخُ زَرُّوق وَلَكِنَّهُ أَشَارَ إلَى الْخِلَافِ فَقَالَ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ: فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ لَمْ يَرُدَّ عَلَى يَسَارِهِ شَيْئًا فَلَا يُسَلِّمُ عَلَى مُدْرِكٍ هُنَاكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ قَدْ قَامَ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَفِي كُلِّهَا اخْتِلَافٌ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذَا كَانَ عَلَى الْيَسَارِ مَسْبُوقٌ فَهَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَاحْتِمَالُ كَلَامِهِ لِهَذَا فِيهِ بُعْدٌ، انْتَهَى.
(قُلْت) ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَكَلَامِ الشَّيْخِ زَرُّوق أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَنْصُوصٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُمَا أَشَارَا بِالْخِلَافِ إلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الرِّسَالَةِ وَكَلَامِ غَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ الِاحْتِمَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي الطِّرَازِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ كَمَا ذَكَرَهُمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَقَوْلُهُ فِي الطِّرَازِ: يَمْنَةً وَيَسْرَةً، هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا.
(الْخَامِسُ) اُخْتُلِفَ فِي سَلَامِ الْمَسْبُوقِ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَقِيلَ: كَسَلَامِ الْفَذِّ، وَقِيلَ: كَسَلَامِ الْمَأْمُومِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ حَكَاهُمَا اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ انْصَرَفَ أَمْ لَا، انْتَهَى.
قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: عَلَّلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ثُبُوتَ سَلَامِ الرَّدِّ بِأَنَّ حُكْمَ الْإِمَامِ بَاقٍ عَلَيْهِ فِي فَضَائِلِهِ وَعَلَّلَ بَقِيَّةٌ بِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الرَّدِّ الِاتِّصَالَ بِسَلَامِ الِابْتِدَاءِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الِاتِّصَالُ لَمْ يَثْبُتْ الرَّدُّ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي وُجُودَ الْخِلَافِ وَإِنْ كَانَ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ حَاضِرًا، وَأَشَارَ بَعْضُ أَشْيَاخِي إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَ حُضُورِ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ مَعَ غَيْبَتِهِ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ.
(قُلْت) وَبَعْضُ أَشْيَاخِهِ هُوَ اللَّخْمِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا فَاتَ الْمَأْمُومَ بَعْضُ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَقَضَى مَا فَاتَهُ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ لَمْ يَنْصَرِفْ وَلَا مَنْ عَلَى يَسَارِ الْمَأْمُومِ رَدَّ عَلَيْهِمَا، وَاخْتُلِفَ إذَا انْصَرَفَا فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ: مَرَّةً لَا يَرُدُّ عَلَيْهِمَا، وَمَرَّةً قَالَ: يَرُدُّ وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ يَتَضَمَّنُ دُعَاءً وَهُوَ تَحِيَّةٌ تَقَدَّمَتْ مِنْهُمْ يَجِبُ رَدُّهَا، انْتَهَى. وَهَكَذَا قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: إنَّهُ إذَا قَضَى صَلَاتَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفُوا فَلَا إشْكَالَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ، انْتَهَى. وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَسْبُوقِ إذَا قَامَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ هَلْ يُسَلِّمُ سَلَامَ الْفَذِّ أَوْ سَلَامَ الْمَأْمُومِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنْ قَضَى مَا بَقِيَ قَبْلَ قِيَامِهِمْ يُسَلِّمُ سَلَامَ الْمَأْمُومِ قَوْلًا وَاحِدًا، انْتَهَى.
(قُلْت) وَذَكَرَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي اخْتَارَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ هِيَ الَّتِي رَجَعَ إلَيْهَا مَالِكٌ فَيَحْصُلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَسْبُوقَ يُسَلِّمُ سَلَامَ الْمَأْمُومِ إنْ لَمْ يَنْصَرِفْ الْإِمَامُ، وَمَنْ عَلَى يَسَارِهِ بِاتِّفَاقٍ إلَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ تَعْلِيلِ بَعْضِ الشُّيُوخِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ، وَكَذَا إذَا انْصَرَفُوا عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: وَالْمَسْبُوقُ كَغَيْرِهِ،
стр. 528
وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْإِمَامُ، وَمَنْ عَلَى يَسَارِهِ لَمْ يَذْهَبَا وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ (فَإِنْ قِيلَ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَبِهِ أَحَدٌ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ.
(قُلْت) لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا مَالِكٌ لِرُجُوعِ مَالِكٍ عَنْهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهَا وَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَيَّدَ ذَلِكَ بِمَنْ عَلَى الْيَسَارِ، وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ عَامَّةٌ فِي الْإِمَامِ وَمَنْ عَلَى الْيَسَارِ؛ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَبِهِ أَحَدٌ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَبِهِ أَحَدٌ مِنْ الْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ أَدْرَكَ مَعَهُمْ الْمَأْمُومُ جُزْءًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْجُزْءِ الَّذِي أَدْرَكَهُ مَعَهُمْ سَوَاءٌ اسْتَمَرَّ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ ذَهَبَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُهُ عَلَى يَسَارِهِ فِي الْجُزْءِ الَّذِي أَدْرَكَهُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ فِي الْجُزْءِ الَّذِي أَدْرَكَهُ ثُمَّ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ جَلَسَ فِيهِ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك كَثْرَةُ فَوَائِدِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَبِهِ أَحَدٌ، مَعَ شِدَّةِ اخْتِصَارِهِ.
(السَّادِسُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ سَحْنُونٌ: وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ إلَّا التَّشَهُّدَ فَلَا يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ. وَقَالَ سَنَدٌ: لَمَّا ذُكِرَ الْخِلَافُ فِي رَدِّ الْمَسْبُوقِ عَلَى الْإِمَامِ وَهَذَا فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ فَصَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ غَيْرَ التَّشَهُّدِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: هَذَا لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ وَهَذَا بَيِّنٌ، فَإِنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِرَدِّ الْمَأْمُومِ عَلَى إمَامِهِ فِي صَلَاتِهِ وَهَذَا لَيْسَ بِإِمَامٍ لَهُ فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَلَّاهَا فَذًّا وَلِهَذَا لَا يَسْجُدُ مَعَهُ فِي سَهْوِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَإِذَا لَمْ يَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَرُدَّ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَتَوَقَّفَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي فِي ذَلِكَ فَقَالَ: قَالَ سَحْنُونٌ: وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ إلَّا التَّشَهُّدَ فَلَا يَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ.
(قُلْت) وَانْظُرْ هَلْ يَرُدُّ عَلَى يَسَارِهِ؟ انْتَهَى وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَتُدْرِكُ فِيهِ الصُّبْحَ بِرَكْعَةٍ. عَنْ الْجُزُولِيِّ وَالشَّيْخِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ وَالشَّيْخِ زَرُّوق أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَسَلَامُهُ كَسَلَامِ الْمَأْمُومِ، وَأَنَّ مَفْهُومَ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ فَسَلَامُهُ كَسَلَامِ الْفَذِّ وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّابِعُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَالرَّدُّ عَلَى الْإِمَامِ فَرْضٌ خَارِجٌ عَنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وَقَالَهُ اللَّخْمِيُّ فِي صَلَاةِ الْجَنَائِزِ انْتَهَى.
(قُلْت) لَمْ أَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ لَا فِي النُّكَتِ وَلَا فِي التَّهْذِيبِ وَاَلَّذِي فِي اللَّخْمِيِّ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَرُدُّ تَسْلِيمَةً ثَانِيَةً عَلَى الْإِمَامِ قَالَ: وَهُوَ أَحْسَنُ أَنْ يُجْرِيَ السَّلَامَ فِي الْعَدَدِ يَعْنِي فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى مَا يَجْرِي فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ، فَيَرُدُّ الْمَأْمُومُ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى مَنْ عَلَى شِمَالِهِ بَعْدَ التَّسْلِيمَةِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا؛ لِأَنَّ رَدَّ التَّحِيَّةِ فَرْضٌ وَالْإِمَامُ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ فَيَرُدُّوا عَلَيْهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَأْمُومِينَ قَدْ سَلَّمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِاَلَّتِي خَرَجَ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ، انْتَهَى. فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَرَى تَسْلِيمَةَ الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِ الْمُصَلِّي فَرِيضَةً خَارِجَةً عَنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنْ يَخْتَارَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَمَا يُسَلِّمُ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْبُوقِ، وَنَحْوُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ والتِّلِمْسَانِيِّ فِي تَوْجِيهِ الْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ السَّلَامِ عَلَى الْيَسَارِ عَلَى السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ إنَّمَا هُوَ تَشْبِيهُ رَدِّ الْمُصَلِّي بِرَدِّ السَّلَامِ خَارِجَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّنْبِيهِ الرَّابِعِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمَوَّاقُ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ فِي هَذَا الْمَحِلِّ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَنَّ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَتَقَعُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ بِالتَّبَعِ فَلِذَلِكَ كَانَ الرَّدُّ سُنَّةً بِخِلَافِ الرَّدِّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ يُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَيْضًا فِي التَّنْبِيهِ التَّاسِعِ وَقَدْ ذَكَرَ التِّلِمْسَانِيُّ وَالْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ تَرَكَ الرَّدَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ قَدْ رَدُّوا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّفَقٍ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ سُنَّةٌ وَلَا فِيهِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ، وَإِنَّمَا هُوَ
стр. 529
عَنْ ابْنِ عُمَرَ، فَكَانَ أَمْرُهُ أَخَفَّ بِخِلَافِ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْلِمِ، انْتَهَى بِاخْتِصَارِ الْقَرَافِيُّ فَإِذَا أَطْلَقَ الْوُجُوبَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَامَحَةِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ صَاحِبِ الطِّرَازِ لِأَنَّ جَوَابَ التَّحِيَّةِ يَجِبُ اتِّصَالُهُ بِهَا فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْوُجُوبِ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّتُهَا كَمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْمَسَالِكِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُلَبِّيَ وَالْمُؤَذِّنَ يَرُدَّانِ السَّلَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ جَهِلَ تَرْكَ الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ وَسَلَّمَ الْأُولَى أَوْ جَهِلَ فَتَرَكَ الثَّانِيَةَ فَلَمْ يُسَلِّمْهَا أَنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةٌ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
(الثَّامِنُ) قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَيَرُدُّ أُخْرَى عَلَى الْإِمَامِ قُبَالَتَهُ يُشِيرُ إلَيْهِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهَا: قَالَ ابْنُ سَعْدُونٍ: لَوْ صَلَّى الْمَأْمُومُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَى الْإِمَامِ عَلَى حَالِهِ وَيَنْوِي الْإِمَامَ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، انْتَهَى وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق وَيَكُونُ سَلَامُهُ عَلَى إمَامِهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُشِيرَ إلَى نَاحِيَةِ الْإِمَامِ كَمَا أَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُشِيرَ إلَى الْمَأْمُومِينَ وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ وَجْهَهُ وَالنِّيَّةُ تُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: قَوْلُهُ: قُبَالَةَ وَجْهِهِ أَيْ قُبَالَةَ الْمَأْمُومِ وَقَوْلُهُ يُشِيرُ إلَيْهِ، قِيلَ: بِقَلْبِهِ، وَقِيلَ: بِرَأْسِهِ إذَا كَانَ أَمَامَهُ وَإِنْ كَانَ خَلْفَهُ أَوْ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ عَلَى يَسَارِهِ تَرَكَ الْإِشَارَةَ بِرَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، انْتَهَى. وَقَالَ الْجُزُولِيُّ: قَوْلُهُ: يُشِيرُ إلَيْهِ، يُرِيدُ إذَا كَانَ أَمَامَهُ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ خَلْفَهُ فَيُشِيرُ إلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ هُنَا بِالْقَصْدِ إلَى الْإِمَامِ وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ الشَّيْخُ انْتَهَى. كَأَنَّهُ يَعْنِي بِالشَّيْخِ نَفْسَهُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِشَارَةِ الْقَصْدُ لَا الْإِشَارَةُ بِالرَّأْسِ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الْمُرَادَ الْإِشَارَةُ بِالرَّأْسِ فَإِنْ كَانَ خَلْفَهُ لَمْ يُشِرْ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الْجُزُولِيُّ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّاسِعُ) قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَيَقْصِدُ الْإِمَامُ بِهَا أَيْ بِالتَّسْلِيمَةِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُقْتَدِينَ، وَيَقْصِدُ الْفَذُّ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيُسَلِّمُ أَوَّلًا تَسْلِيمَةً يُشِيرُ بِهَا إلَى يَمِينِهِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ يَبْتَدِئُ بَعْدَهَا بِالرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْمُصَلِّينَ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ فَلَا يُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ الْمُصَلِّينَ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى النَّقْلِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَالْمَأْمُومُ يُسَلِّمُ اثْنَتَيْنِ، يَنْوِي بِالْأُولَى التَّحْلِيلَ وَبِالثَّانِيَةِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ نَوَى الرَّدَّ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَعِنْدَنَا لَا يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ تَسْلِيمَةَ التَّحْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَكَلِّمِ فِي الصَّلَاةِ، انْتَهَى. وَاَلَّذِي فِي الطِّرَازِ بَعْدَ أَنْ حَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَنْوِي الْمَأْمُومُ بِالْأُولَى التَّحْلِيلَ وَالْحَفَظَةَ وَالْإِمَامَ إنْ كَانَ عَلَى يَمِينِهِ وَمَنْ عَلَى يَمِينِهِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ.
وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ سَلَامٌ يَتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ تَحِيَّةَ مَخْلُوقٍ وَلَا مُخَاطِبَهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مِنْ عَابِرِي السَّبِيلِ أَوْ التَّحِيَّةَ عَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ غَيْرِ الْمُصَلِّينَ، انْتَهَى.
(الْعَاشِرُ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْإِمَامِ وَالْفَذِّ إلَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا إلَّا تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلَ، وَلَفْظُهُ عَلَى مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَاحِدَةً كَذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ مَالِكٌ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ: وَكَمَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى ذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ فِي الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا حَدَثَ التَّسْلِيمَتَانِ مُنْذُ كَانَ بَنُو هَاشِمٍ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَأَصْلُهُ فِي آخِرِ رَسْمِ شَكٍّ فِي طَوَافِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ. قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِالْأَمْرِ الَّذِي أَدْرَكَ عَلَيْهِ النَّاسَ وَهُوَ أَقْوَى عِنْدَهُ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْرُوعَةٌ عَلَى الْجَمِيعِ مَطْلُوبَةٌ مِنْ الْكَافَّةِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا مَطْلُوبٌ إلَّا بِأَمْرٍ
стр. 530
مُسْتَفِيضٍ، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ سِيَّمَا عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَبِهَا اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ وَقُبِضَ الرَّسُولُ، وَأَقَامَتْ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ الصَّلَوَاتِ فِي الْجُمَعِ عَلَى مَا كَانَتْ تُقَامُ يَوْمَ وَفَاتِهِ وَاتَّصَلَ بِذَلِكَ عَمَلُ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ، انْتَهَى. وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُ فَقَالَ فِي الطِّرَازِ قَبْلَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَرَوَى مُطَرِّفٌ فِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْفَذَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ وَتَسْلِيمَةً عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ وَبِهَذَا كَانَ يَأْخُذُ مَالِكٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ تَخْرِيجًا عَلَى ذَلِكَ: إنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ، انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ فِيهِ إلَّا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ رِوَايَتَيْنِ كَالْفَذِّ فَقَالَ الْإِمَامُ: وَالْفَذُّ يُسَلِّمَانِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ وَلَا يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْهُمَا، انْتَهَى. وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ: الْأُولَى أَنَّهُ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً. الثَّانِيَةُ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّهُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ. قَالَ: وَلَا يُسَلِّمُ مَنْ خَلْفَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُمَا. الثَّالِثَةُ ذَكَرَهَا أَبُو الْفَرَجِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَإِنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ رَدَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمَةً ثَانِيَةً. قَالَ اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَهُ وَاحِدٌ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً وَإِنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ سَلَّمَ أُخْرَى عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فَالْإِمَامُ وَالْفَذُّ تَسْلِيمَةً اللَّخْمِيُّ وَرُوِيَتْ ثَانِيَةٌ عَنْ الْيَسَارِ. أَبُو الْفَرَجِ إنْ كَانَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ أَحَدٌ وَرَوَى الْمَازِرِيُّ يُخْفِي سَلَامَهُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ؛ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: فَفِي الْإِمَامِ ثَلَاثَةٌ عِيَاضٌ الْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ، وَمِنْ الْعَجَبِ قَوْلُ ابْنِ زَرْقُونٍ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ: الْإِمَامُ وَاحِدَةً، انْتَهَى.
(قُلْت) لَيْسَ بِعَجِيبٍ بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلْبَاجِيِّ فِي جَعْلِهِ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ تَخْرِيجًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَصَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ بِتَشْهِيرِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِمَامَ وَالْفَذَّ يُسَلِّمَانِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) كُلُّ مَنْ أَثْبَتَ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ إلَّا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَالْحَسَنَ بْنَ الصَّلَاحِ
قَالَ فِي الطِّرَازِ: لَوْ أَحْدَثَ الْمُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وِفَاقًا بَيْنَ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ، وَلَا يَشْتَرِطُ أَحَدٌ التَّسْلِيمَتَيْنِ إلَّا ابْنَ حَنْبَلٍ وَالْحَسَنَ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُمَا، وَمَنْ تَأَخَّرَ، انْتَهَى.
(الثَّانِي عَشَرَ) قَالَ فِي رَسْمِ نَذْرِ سُنَّةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ تَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ مَعَ الْإِمَامِ مَتَى يَقُومُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ وَاحِدَةً أَوْ يَنْتَظِرُهُ حَتَّى يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ انْتَظَرَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ سَلَامِهِ ثُمَّ يَقُومُ، وَقَالَ فِي آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ: إنْ قَامَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ وَاحِدَةً فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَبِئْسَ مَا صَنَعَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ السَّلَامَ الْأَوَّلَ هُوَ الْفَرْضُ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالثَّانِيَ سُنَّةٌ، فَإِذَا قَامَ بَعْدَ سَلَامِهِ الْأَوَّلِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ انْتَهَى وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُومَ لِقَضَاءِ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ قَالَ فِي الطِّرَازِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقُومُ لِلْقَضَاءِ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ تَسْلِيمِهِ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فَإِنْ قَامَ بَعْدَ تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا يُعِيدُ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: فَعَلَى هَذَا لَا يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ جَمِيعًا وَإِنْ سَلَّمَ بَعْدَ الْأُولَى أَجْزَأَهُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ وَالْقَرَافِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي سَلَامِهِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ نَصٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ لَمَّا ذَكَرَ الرِّوَايَةَ عَنْ مَالِكٍ بِأَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ وَجَعَلَاهُ مِنْ تَمَامِ الرِّوَايَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ إذَا اقْتَدَى بِمَنْ يُسَلِّمُ اثْنَتَيْنِ إلَّا بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلَا ذَكَرَهُ عَنْهُ
стр. 531
فِي النَّوَادِرِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَجَهْرٌ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ فَقَطْ)
ش: اعْلَمْ أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَجْزِمَ تَحْرِيمَهُ وَتَسْلِيمَهُ وَلَا يُمَطِّطَهُمَا؛ لِئَلَّا يَسْبِقَهُ بِهِمَا مَنْ وَرَاءَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَنَقَلَهُ عَنْ النَّوَادِرِ وَمَعْنَى الْجَزْمِ الِاخْتِصَارُ وَأَمَّا الْجَهْرُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْهَرَ بِجَمِيعِ التَّكْبِيرِ وَبِسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ لِيَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ وَرَاءَهُ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَسَلَامُ الْإِمَامِ مِنْ سُجُودِ السَّهْوِ فِي الْجَهْرِ بِهِ كَسَلَامِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فَحَسَنٌ، انْتَهَى. وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَالْمَطْلُوبُ فِي حَقِّهِ الْجَهْرُ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَدْعِي الرَّدَّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا غَيْرُ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى فَالْأَحَبُّ فِيهِ السِّرُّ. نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَانْظُرْ مَا حُكْمُ الْفَذِّ فَإِنِّي لَمْ أَجِدْهُ الْآنَ مَنْقُولًا، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ فَذًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى الْيَسَارِ ثُمَّ تَكَلَّمَ لَمْ تَبْطُلْ)
ش: يُرِيدُ إذَا سَلَّمَ قَاصِدًا بِذَلِكَ التَّحْلِيلَ فَأَمَّا إنْ قَصَدَ بِهِ الْفَضِيلَةَ فَتَبْطُلُ كَمَا صَوَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَانْظُرْ الشَّبِيبِيَّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَسُتْرَةٌ لِإِمَامٍ وَفَذٍّ)
ش: عَطَفَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا مِنْ السُّنَنِ وَهُوَ خِلَافُ مَا صَدَّرَ بِهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَابْنُ عَرَفَةَ قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَالسُّتْرَةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَقِيلَ: سُنَّةٌ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسُتْرَةُ الْمُصَلِّي غَيْرَ مَأْمُومٍ حَيْثُ تَوَقَّعَ مَارًّا، قَالَ عِيَاضٌ: مُسْتَحَبَّةٌ. الْبَاجِيُّ: مَنْدُوبَةٌ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مُتَأَكِّدَةٌ. الْكَافِي: حَسَنَةٌ. وَقِيلَ: سُنَّةٌ. انْتَهَى وَنَحْوُهُ لِلْأَبِيِّ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: اُخْتُلِفَ فِي حُكْمِ السُّتْرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ قَالَهُ عِيَاضٌ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْبَاجِيِّ: مَنْدُوبَةٌ. الثَّانِي سُنَّةٌ قَالَهُ فِي الْكَافِي. الثَّالِثُ وَاجِبَةٌ خَرَّجَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ تَأْثِيمِ الْمَارِّ وَلَهُ مَنْدُوحَةٌ وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى تَعَلُّقِ التَّأْثِيمِ بِالْمُرُورِ نَصٌّ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ وَإِلَّا لَزِمَ دُونَ مُرُورٍ وَفِي التَّوْضِيحِ الْأَمْرُ أَمْرُ نَدْبٍ كَذَا قَالَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ التُّونُسِيُّ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مَوْعِظَةِ الَّذِي يُصَلِّي إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ قَالَ: لَا أَدْرِي وَلَكِنَّهُ حَسَنٌ. وَالْعُلَمَاءُ مُخْتَلِفُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْوَى عَلَى أَنْ يَعِظَ النَّاسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ ابْنُ مَسْلَمَةَ، وَمَنْ تَرَكَ السُّتْرَةَ فَقَدْ أَخْطَأَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: السُّنَّةُ الصَّلَاةُ إلَى السُّتْرَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ التُّونُسِيُّ اُنْظُرْ قَوْلَهُ: مِنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ، وَمِنْ سُنَنِهَا وَافْهَمْ ذَلِكَ وَرَتِّبْهُ عَلَى الْحُكْمِ فِي تَارِكِ السُّنَنِ، انْتَهَى.
وَالْإِجْمَاعُ عَلَى الْأَمْرِ بِالسُّتْرَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: الْكَلَامُ هُنَا فِي السُّتْرَةِ وَهِيَ مِنْ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ: مِنْ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ الدُّنُوُّ مِنْ السُّتْرَةِ لِلْإِمَامِ وَالْفَذِّ. قَالَ الْقَبَّابُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ السُّتْرَةُ قَالَ فِي الْإِكْمَالِ وَالسُّتْرَةُ عِنْدَنَا مِنْ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ وَمُسْتَحَبَّاتهَا انْتَهَى.
ص (إنْ خَشِيَا مُرُورًا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُصَلِّي فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فِي مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ مِنْ مُرُورِ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ ابْنُ نَاجِي مَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: يُؤْمَرُ بِهَا مُطْلَقًا. وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ.
ص (بِطَاهِرٍ ثَابِتٍ غَيْرِ مُشْغِلٍ فِي غِلَظِ رُمْحٍ وَطُولِ ذِرَاعٍ)
ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَأَقَلُّهَا قَدْرُ عَظْمِ
стр. 532
الذِّرَاعِ فِي جِلَّةِ الرُّمْحِ ابْنُ حَبِيبٍ أَوْ فِي جِلَّةِ الْحَرْبَةِ وَفِيهَا بِسُتْرَةِ قَدْرِ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ وَهُوَ نَحْوٌ مِنْ عَظْمِ الذِّرَاعِ فِي جِلَّةِ الرُّمْحِ وَإِنَّمَا كُرِهَ مَا دَقَّ جِدًّا انْتَهَى وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْخَطُّ بَاطِلٌ وَلَا يُصَلِّي فِي الْحَضَرِ إلَّا إلَى السُّتْرَةِ وَيَدْنُو مِنْهَا وَبِسُتْرَةِ قَدْرِ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ هُوَ نَحْوٌ مِنْ عَظْمِ الذِّرَاعِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ فِي جِلَّةِ الرُّمْحِ وَالْحَرْبَةِ، وَلَيْسَ السَّوْطُ بِسُتْرَةٍ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي مَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْكِتَابِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَجُوزُ دُونَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ وَدُونَ جِلَّةِ الرُّمْحِ حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ. قَالَ ابْنُ هَارُونَ: وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ: يَجُوزُ ارْتِفَاعُ شِبْرٍ لَيْسَ بِخِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ نَحْوٌ مِنْ عَظْمِ الذِّرَاعِ وَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَاتٍ عَنْ مَالِكٍ قَدْرُ الذِّرَاعِ لَعَلَّهُ يُرِيدُ عَظْمَ الذِّرَاعِ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ ذَلِكَ. قُلْت: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَاتٍ فِي الْجَلَّابِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا فِيهِ لِمَالِكٍ حَتَّى يَعْزُوهُ لِغَيْرِهِ وَلَفْظُهُ وَأَقَلُّ ذَلِكَ مَا عُلُوُّهُ ذِرَاعٌ فِي غِلَظِ الرُّمْحِ انْتَهَى. وَجِلَّةُ الرُّمْحِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ غِلَظُهُ قَالَهُ عِيَاضٌ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ وَمَا اسْتَلْزَمَهُ مِنْ طَاهِرٍ ثَابِتٍ غَيْرِ مُشَوِّشٍ مِثْلُهُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ الْقَلَنْسُوَةُ وَالْوِسَادَةُ ذَوَاتَا ارْتِفَاعِ سُتْرَةٍ، وَرَوَاهُ عَلِيٌّ بِقَيْدِ إنْ لَمْ يَجِدْ، انْتَهَى.
ص (لَا دَابَّةٌ وَحَجَرٌ وَاحِدٌ وَخَطٌّ وَأَجْنَبِيَّةٌ وَفِي الْمُحْرِمِ قَوْلَانِ)
ش قَالَ فِي الزَّاهِي: وَمَنْ صَلَّى إلَى نَائِمٍ لَمْ يُعِدْ، وَمَنْ اسْتَتَرَ بِجَنْبِ رَجُلٍ فَلَا بَأْسَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ الرَّجُلُ بِقَلَنْسُوَتِهِ إذَا كَانَ بِهَا ارْتِفَاعٌ وَكَذَلِكَ الْوِسَادَةُ وَالْمِرْفَقَةُ وَلَيْسَتْ النَّارُ وَلَا الْمَاءُ وَلَا الْوَادِي سُتْرَةً وَلَا يَسْتَتِرُ الْمُصَلِّي بِرِدَائِهِ وَلَا يَسْتَتِرُ بِمُخَنَّثٍ وَلَا مَأْبُونٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ إلَى مَنْ يُوَاجِهُهُ، وَلَا يَسْتَتِرُ بِشَيْءٍ يُخَافُ زَوَالُهُ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ مُصَلٍّ وَجَاوَزَهُ فَلَا يَرُدُّهُ وَلَوْ لَمْ يُجَاوِزْهُ لَرَدَّهُ فَإِنْ جَذَبَهُ فَخَرَّ مَيِّتًا فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا يَسْتَتِرُ بِالْمُصْحَفِ وَلَا بَأْسَ بِالسُّتْرَةِ بِالصَّبِيِّ، وَإِنْ كَانَ
стр. 533
لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ الْوُضُوءِ وَلَا بَأْسَ بِالسُّتْرَةِ بِالْمُتَحَدَّثِينَ مَا لَمْ يَكُونُوا مُتَحَلِّقِينَ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَاخْتَارَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ وَشَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ أَنَّ الرِّدَاءَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَوْنِهِ يُعْمَلُ سِتْرًا لِلْبَابِ يَكْفِي فِي السُّتْرَةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْصُلُ مِنْ قَدْرِ عَظْمِ الذِّرَاعِ وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ إنْ كَانَ مُتَرَاكِمًا وَمَا قَالَهُ فِي الزَّرْعِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا الرِّدَاءُ وَشَبَهُهُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ لِرِقَّتِهِ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنُ نَاجِي.
(فَرْعٌ) لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى وَجْهِ الرَّجُلِ مُسْتَقْبِلًا لَهُ فِي صَلَاتِهِ لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ الشَّغْلِ وَاَلَّذِي يُصَلِّي إلَى جَنْبِ الرَّجُلِ قَرِيبًا مِنْهُ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَلْتَفِتَ فَيَسْتَقْبِلَهُ بِوَجْهِهِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى كُرِهَتْ الصَّلَاةُ إلَى الْمُتَحَلِّقِينَ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ.
[فَرْعٌ صَلَّى خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ جَاهِلًا بِبِدْعَتِهِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَعَادَ أَبَدًا وَإِنْ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ قَطَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَهُ سُتْرَةً فِي نَافِلَةٍ فَكَيْفَ بِأَنْ يَجْعَلَهُ إمَامًا فِي فَرِيضَةٍ انْتَهَى.
ص (وَأَثِمَ مَارٌّ لَهُ مَنْدُوحَةٌ)
ش: قَالَ فِي الْكَافِي وَالْكَرَاهَةُ شَدِيدَةٌ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَفَاعِلُ ذَلِكَ عَامِدًا آثِمٌ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَخَفَّ بِهِ كَانَتْ فِيهِ جُرْحَةٌ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ قُلْتَ: كَوْنُ الْمُصَلِّي يَأْثَمُ مُنَافٍ لِمَا قَدَّمْت أَنَّ السُّتْرَةَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا إذْ لَا يَأْثَمُ إلَّا فِي الْوَاجِبِ قِيلَ: مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْإِثْمُ غَيْرُ مَا هُوَ مَنْدُوبٌ إذْ النَّدْبُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ السُّتْرَةِ وَالْإِثْمُ بِالتَّعَرُّضِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَأَخَذَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ التَّأْثِيمِ وُجُوبُ السُّتْرَةِ يُرَدُّ بِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى تَعْلِيقِهِ بِالْمُرُورِ نَصٌّ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ وَإِلَّا لَزِمَ دُونَ مُرُورٍ انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ هَذَا فِي نَقْلِ ابْنِ نَاجِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَسُتْرَةٌ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ مَوْقِفُ الْمُصَلِّي]
(فَرْعٌ) وَأَمَّا مَوْقِفُ الْمُصَلِّي فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْنُوَ مِنْ سُتْرَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الدُّنُوِّ مِنْهَا فَقِيلَ: يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَدْرُ شِبْرٍ فَإِذَا رَكَعَ تَأَخَّرَ وَقِيلَ: قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي الْمُسْتَحَبِّ مِنْ قُرْبِهَا ثُلُثٌ، رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ مِنْ الصَّوَابِ قَدْرُ صَفَّيْنِ اللَّخْمِيُّ قَيْدَ شِبْرٍ وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو الطَّيِّبِ يَدْنُو قَائِمًا شِبْرًا فَإِذَا رَكَعَ تَأَخَّرَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الزَّاهِي: وَيُصَلِّي الْمُصَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ، انْتَهَى.
[تَنْبِيهٌ قَدْرُ حَرِيمِ الْمُصَلِّي]
(تَنْبِيهٌ) وَأَمَّا قَدْرُ حَرِيمِ الْمُصَلِّي فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: مَنْ صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ قِيلَ: لَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ بِقَدْرِ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَقِيلَ: سَهْمٌ وَقِيلَ: رُمْحٌ وَقِيلَ: قَدْرُ مُضَارَبَةِ السَّيْفِ، وَالْكُلُّ غَلَطٌ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ قَدْرُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ خِلَافُ تَلَقِّيهِمْ قَوْلَ أَشْهَبَ فِي الْإِشَارَةِ بِالْقَبُولِ انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ نَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ.
[فَرْعٌ مُدَافَعَةِ الْمَارِّ وَهُوَ يُصَلِّي]
(فَرْعٌ) وَأَمَّا حُكْمُ مُدَافَعَةِ الْمَارِّ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَدْفَعُهُ دَفْعًا خَفِيفًا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَدَرْءُ الْمَارِّ جَهْدُهُ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ بِالْمَعْرُوفِ أَشْهَبُ إنْ بَعُدَ أَشَارَ إلَيْهِ فَإِنْ مَشَى أَوْ نَازَعَهُ لَمْ تَبْطُلْ فَأَطْلَقَهُ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ إنْ كَثُرَتْ بَطَلَتْ انْتَهَى قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي فِي قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَيَدْرَأُ مَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ دَفَعَهُ فَسَقَطَ لِلْمَارِّ دِينَارٌ ضَمِنَهُ الدَّافِعُ وَلَوْ دَفَعَهُ دَفْعًا مَأْذُونًا فِيهِ كَقَوْلِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْبَابِ وَالْقِلَالِ.
(قُلْت) فِي تَعْلِيقَةِ الْقَابِسِيُّ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ لَوْ دَفَعَهُ فَخَرَقَ ثَوْبَهُ ضَمِنَهُ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إنْ لَمْ يُعَنِّفْ فِي الدَّفْعِ لَمْ يَضْمَنْ.
(قُلْت) صَوَابٌ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ جَلَسَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى طَرَفِ ثَوْبِ صَاحِبِهِ فَقَامَ فَانْخَرَقَ انْتَهَى.
وَلَفْظُ ابْنِ عَرَفَةَ فَلَوْ دَرَأَهُ فَمَاتَ فَابْنُ شَعْبَانَ خَطَأً أَبُو عُمَرَ دِيَتُهُ فِي مَالِهِ الْمَازِرِيُّ خَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي سُقُوطِ سِنِّ الْعَاضِّ وَسِنِّ الْمَعْضُوضِ أَبُو عُمَرَ وَقِيلَ: دَمُهُ هَدَرٌ. انْتَهَى وَفِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلْأَقْفَهْسِيِّ وَلَوْ دَفَعَ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَاتَ كَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَجْرَى عَبْدُ الْحَقِّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَنْ عَضَّ إنْسَانًا فَأَخْرَجَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ فَكَسَرَ سِنَّ الْعَاضِّ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ مَحِلُّ وَضْعِ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاة]
(فَرْعٌ) وَأَمَّا مَحِلُّ وَضْعِ السُّتْرَةِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ:
стр. 534
اللَّخْمِيُّ يَجْعَلُ مِثْلَ الْحَرْبَةِ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ أَبُو عُمَرَ أَوْ الْأَيْسَرِ قَالُوا: لَا يُصْمَدُ لَهُ صَمْدًا، انْتَهَى.
[فَرْعٌ مَرَّ الْهِرّ بالمصلي]
(فَرْعٌ) فَلَوْ مَرَّ بِهِ كَالْهِرِّ رَدَّهُ بِرِجْلِهِ أَوْ يَلْصَقُ بِالسُّتْرَةِ حَتَّى يَمُرَّ مِنْ خَلْفِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَزَلْ يَدْرَأُ بَهِيمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى لَصَقَ بَطْنَهُ بِالْجِدَارِ وَجَاءَ أَنَّهُ حَبَسَ هِرًّا بِرِجْلِهِ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، انْتَهَى مِنْ ابْنِ فَرْحُونٍ.
[فَرْعٌ تَشَوَّشَ الْمُصَلِّي مِنْ شَيْءٍ أَمَامَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّجُودِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا لَا يُنَاوِلُ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ مَنْ عَلَى يَسَارِهِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُكَلِّمُهُ، انْتَهَى.
وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ: وَإِذَا تَشَوَّشَ الْمُصَلِّي مِنْ شَيْءٍ أَمَامَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّجُودِ أَزَالَهُ فَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ أَبْعَدَهُ وَلَا يَرُدُّ عَنْ يَسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْمُرُورُ بَيْنَ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاة]
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْمُرُورُ بَيْنَ الصُّفُوفِ فَجَائِزٌ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَكْرَهُ الْمُرُورَ بَيْنَ الصُّفُوفِ وَالْإِمَامُ يُصَلِّي قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا وَلَا بَأْسَ بِالْمُرُورِ بَيْنَ الصُّفُوفِ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ سُتْرَةٌ لَهُمْ الْقَاضِي سُتْرَتُهُ سُتْرَةٌ لَهُمْ فَخَرَّجَ عَلَيْهَا مَنْعَ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ وَبَيْنَهُمْ وَجَوَّزَهُ ابْنُ بَشِيرٍ فَقِيلَ: مُتَرَادِفَانِ أَبُو إبْرَاهِيمَ تَعْلِيلُ مَالِكٍ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ سُتْرَةً لَهُمْ امْتَنَعَ الْمُرُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ سُتْرَةٌ لِمَنْ يَلِيهِ حِسًّا وَحُكْمًا وَلِغَيْرِهِ حُكْمًا فَقَطْ وَالْمَمْنُوعُ فِيهِ الْمُرُورُ الْأَوَّلُ فَقَطْ وَبِهِ يَتِمُّ التَّخْرِيجُ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَحَرَكَةُ مُصَلٍّ آخَرَ وَمُرُورُهُ لَا يَضُرُّ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مُرُورَ الطَّائِفِينَ لَا يُقْدَحُ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِمَدِينَةِ فَاسَ إذَا رَأَى فُرْجَةً فِي مَوْضِعِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مُصَلٍّ آخَرَ مَشَى إلَيْهِ، انْتَهَى.
[فَائِدَة الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ]
(فَائِدَةٌ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي إعْلَامِ السَّاجِدِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَقْطَعُهَا بِمَكَّةَ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَارُّ امْرَأَةً بِخِلَافِ غَيْرِهَا، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ انْتَهَى وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ فَإِنْ عَنَى بِهِ كَوْنَ الصَّلَاةِ لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ فَهُوَ مَذْهَبُهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَلْ فِي سَائِرِ الْأَمَاكِنِ، وَإِنْ عَنَى بِهِ جَوَازَ الْمُرُورِ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي آخِرِ رَسْمِ الْمُحْرِمِ يَتَّخِذُ الْخِرْقَةَ لِفَرْجِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ وَنَصُّهُ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مَكَّةَ وَالْمُرُورِ بِهَا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ أَتَرَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْهَا بِمِثْلِ مَا يَمْنَعَ مِنْ غَيْرِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ إنِّي لَأَرَى ذَلِكَ إذَا كَانَ يُصَلِّي إلَى عَمُودٍ أَوْ سُتْرَةٍ وَلَا أَدْرَى مَا الطَّوَافُ كَأَنَّهُ يُخَفِّفُهُ إنْ صَلَّى إلَى الطَّائِفِينَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ فِي قَوْلِهِ: إذَا كَانَ يُصَلِّي إلَى عَمُودٍ أَوْ سُتْرَةٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَالْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ جَائِزٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْرَأَ مَنْ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ بِخِلَافِ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَالْإِثْمُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ دُونَ الْمَارِّينَ بِخِلَافِ صَلَاتِهِ إلَى الطَّائِفِينَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الطَّائِفِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَارِّينَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي إجَازَةِ الصَّلَاةِ إلَيْهِمْ أَنَّ الطَّائِفِينَ مُصَلُّونَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ وَإِنْ جَازَ فِيهِ الْكَلَامُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ وَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى سُتْرَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنْ غَيْرِ الطَّائِفِينَ وَأَنَّ مَنْ مَرَّ كَانَ لَهُ أَنْ يَدْرَأَهُ عَنْ ذَلِكَ
وَأَمَّا الطَّائِفُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ مِنْ زِحَامٍ فَلْيَمُرَّ وَلَا يَدْرَؤُهُ الْمُصَلِّي عَنْ الْمُرُورِ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَإِنْ مَرَّ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ وَلَا إثْمَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ وَأَنَّ مَكَّةَ مَخْصُوصَةٌ بِجَوَازِ الْمُرُورِ فِيهَا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ وَقَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ سُتْرَةٌ. قَالَ فَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي مُحَاذِيًا إلَى الْكَعْبَةِ يَسْتَقْبِلُ فِي صَلَاتِهِ وُجُوهَ بَعْضِ الْمُصَلِّينَ إلَيْهَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ وُجُوهَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَمُرُّوا بَيْنَ
стр. 535
يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقْبِلُ بِذَلِكَ إلَّا خُدُودَهُمْ فَهُوَ أَخَفُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ.
ص (وَإِنْصَاتُ مُقْتَدٍ وَلَوْ سَكَتَ إمَامُهُ)
ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: لِأَنَّهَا سَاقِطَةٌ بَلْ مَكْرُوهَةٌ وَصَرَّحَ بِكَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ فِي الْجَهْرِيَّةِ فِي التَّوْضِيحِ وَانْظُرْ إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ لَا يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ هَلْ يَقْرَأُ أَوْ يُنْصِتُ؟ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ مَا نَصُّهُ: (فَإِنْ قُلْت) : هَلْ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ؟ (قُلْت) نَعَمْ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ.
فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: الصَّحِيحُ وُجُوبُهَا فِي السِّرِّيَّةِ وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ الْإِمَامَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ، وَنَقَلَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ. وَفِي فَتَاوَى ابْنِ قَدَّاحٍ أَنَّهُ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُ فِيهِ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْوَسْوَسَةَ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ انْتَهَى. وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَقِيبَ نَقْلِهِ مَسْأَلَةَ ابْنِ قَدَّاحٍ هَذِهِ مَا نَصُّهُ هَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ الْكَلَامَ حَيْثُ لَا يَسْمَعُ خُطْبَةَ الْإِمَامِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَصْمُتُ فَيُصَمِّتُ هَذَا انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَلَا يَقْرَأُ مَعَهُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ كَانَ لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْإِمَامِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إلَى أَنَّهُ يَتَخَرَّجُ فِيهِ قَوْلٌ بِأَنَّهُ يَقْرَأُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّهُ يَجُوزُ التَّكَلُّمُ لِمَنْ لَا يَسْمَعُ خُطْبَةَ الْإِمَامِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالْمَشْهُورُ لَا يَقْرَأُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: يَقْرَأُ لِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْقِرَاءَةَ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ سَكَتَ إمَامُهُ قَالَ سَنَدٌ: الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ إذَا سَكَتَ إمَامُهُ لَا يَقْرَأُ وَقِيلَ: يَقْرَأُ فَحَمَلَ رِوَايَةَ ابْنِ نَافِعٍ عَلَى الْخِلَافِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ عِبَارَةُ التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَرَفْعِ يَدَيْهِ مَعَ إحْرَامِهِ حِينَ شُرُوعِهِ)
ش: هَكَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَقْتَ الرَّفْعِ عِنْدَ الْأَخْذِ فِي التَّكْبِيرِ انْتَهَى. وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَمَوْضِعُ
стр. 536
الرَّفْعِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَأَمَّا إرْسَالُهُمَا بَعْدَ رَفْعِهِمَا. فَقَالَ سَنَدٌ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يُرْسِلَهُمَا حَالَ التَّكْبِيرِ؛ لِيَكُونَ مُقَارَنًا لِلْحَرَكَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرْسِلَهُمَا بِرِفْقٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْشِفَ يَدَيْهِ حِينَ الْإِحْرَامِ فَإِنْ رَفَعَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْكِسَاءِ فَهُوَ مَذْمُومٌ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: قَالَ سَنَدٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْشِفَ يَدَيْهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَإِنْ رَفَعَهُمَا تَحْتَ الثِّيَابِ مِنْ الْكَسَلِ أَجْزَأَهُ وَهُوَ مَذْمُومٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] انْتَهَى. وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَالَهُ فِي النَّوَادِرِ وَنَصُّهُ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يَكْشِفَ يَدَيْهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ انْتَهَى. وَفِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ مَسْأَلَةُ مَنْ صَلَّى فِي جُبَّةٍ أَكْمَامُهَا طَوِيلَةٌ لَا يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْهَا لِإِحْرَامٍ وَلَا رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ مَعَ كَرَاهَةٍ؛ لِأَجْلِ عَدَمِ مُبَاشَرَتِهِ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ مَعَ ضَرْبٍ مَنْ الْكِبْرِ، انْتَهَى.
ص (وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ صُبْحٍ)
ش: قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: بِكَالْحَوامِيمِ وَنَحْوِهَا مَا لَمْ يَخْشَ الْأَسْفَارَ انْتَهَى. وَقَالَ التَّادَلِيُّ: اُخْتُلِفَ إذَا افْتَتَحَ سُورَةً طَوِيلَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ عَنْهَا فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: إنْ نَذَرَهَا لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ ابْنُ نَاجِي وَمَا ذَكَرَهُ لَا أَعْرِفُهُ نَصًّا وَاَلَّذِي تَلَقَّيْته مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ إجْرَاءُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ افْتَتَحَ النَّافِلَةَ قَائِمًا ثُمَّ شَاءَ الْجُلُوسَ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الرِّسَالَةِ لَهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَلَامِهِ فِي فُرُوضِ الصَّلَاةِ: رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ إنْ افْتَتَحَ فِي الْعَصْرِ طَوِيلَةً تَرَكَهَا وَإِنْ قَرَأَ نِصْفَهَا رَكَعَ، وَلَوْ افْتَتَحَ قَصِيرَةً بَدَلَ طَوِيلَةٍ تَرَكَهَا فَإِنْ أَتَمَّهَا زَادَ غَيْرَهَا، وَإِنْ رَكَعَ بِهَا فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْبَاجِيُّ: إنْ كَانَ طُولُ مَا يُطَوِّلُ يُوجِبُ رُكُوعَ رَكْعَةٍ بَعْدَ وَقْتِهَا خُفِّفَتْ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِ قَوْلِهِ: ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ - وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ: مَنْ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ بِإِجْمَاعٍ انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ: يَشْتَرِكَانِ فِي قَصْرِ الْقِرَاءَةِ إلَّا أَنَّ الْعَصْرَ أَطْوَلُ قَلِيلًا وَقِيلَ: لَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ انْتَهَى. وَمَا شَهَرَهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ وَقَالَ: مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ وَالطُّورِ وَالْمُرْسَلَاتِ إنَّمَا وَرَدَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقَدْ «قَرَأَ ﷺ فِي الصُّبْحِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ» لِبَيَانِ الْجَوَازِ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ انْتَهَى.
ص (وَثَانِيَةٍ عَنْ أُولَى)
ش: قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَا تَكُونُ الْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْأُولَى فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ وَلَكِنَّهُ فَعَلَ مَكْرُوهًا وَلَمْ يَجِدْ أَحَدٌ مِنْ الشُّيُوخِ الدُّونَ هُنَا إلَّا الْفَقِيهُ رَاشِدٌ فَقَالَ: أَقَلُّ مِثْلٍ الرُّبُعُ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الرُّبُعَ انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِأَطْوَلَ مِنْ الْأُولَى وَيُكْرَهُ أَيْضًا أَنْ يَقْرَأَ فِي الثَّانِيَةِ أَقْصَرَ مِنْ الْأُولَى جِدًّا حَتَّى يَكُونَ نِصْفَهَا أَوْ دُونَ ذَلِكَ، انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا.
(فَرْعٌ) وَهَلْ الْأَفْضَلُ فِي الثَّانِيَةِ أَنْ يَقْرَأَ بِسُورَةٍ بَعْدَ السُّورَةِ الَّتِي قَرَأَهَا فِي الْأُولَى أَوْ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا؟ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ رُشْدٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْجَلَّابِ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ، انْتَهَى. وَعَدَّ فِي اللُّبَابِ الْقِرَاءَةَ عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْقِرَاءَةَ عَلَى خِلَافِ التَّرْتِيبِ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَسْأَلَةً، وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ يَقْرَأُ فِيهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَيَقْرَأُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِلَا أَقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لَمْ يَزَلْ هَذَا مِنْ عَمَلِ النَّاسِ قِيلَ لَهُ: أَفَلَا يَقْرَأُ عَلَى تَأْلِيفِهِ أَحَبُّ إلَيْك؟ قَالَ: هَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ ابْنُ رُشْدٍ.
ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى تَأْلِيفِهِ أَفْضَلُ وَحَكَى عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَمَّا أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ بِإِثْرِهَا إلَّا أَنَّهَا
стр. 537
تَحْتَهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ بِسُورَةٍ فَوْقَهَا، وَلَعَمْرِي إنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِمَا بَعْدَ السُّورَةِ الَّتِي قَرَأَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا بِمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ جُلُّ عَمَلِ النَّاسِ الَّذِي مَضَوْا عَلَيْهِ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: وَلَعَمْرِي إلَى آخِرِهِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَقَالَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْبَاجِيُّ: يُكْرَهُ فِي الثَّانِيَةِ سُورَةٌ قَبْلَ السُّورَةِ الْأُولَى عِيَاضٌ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَذَكَرَ السَّمَاعَ الْمَذْكُورَ ثُمَّ قَالَ: وَيُكْرَهُ تَكْرِيرُ السُّورَةِ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ يُتِمُّهَا وَلَوْ ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِهَا وَقِرَاءَتُهَا فِي ثَالِثَةٍ أَوْ رَابِعَةٍ وَحَسَّنَهَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيهِمَا وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيّ لِرِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ جَوَازُ ثَلَاثِ سُوَرٍ فِي كُلٍّ مِنْ الْأُولَيَيْنِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: وَقِرَاءَتُهَا، أَيْ وَيُكْرَهُ قِرَاءَتُهَا فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: تَكْرِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: الْمَشْهُورُ عَدَمُ كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ سُورَةٍ فَوْقَ السُّورَةِ الَّتِي قَرَأَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَكَرَاهَةُ تَكْرَارِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَمَنْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ؛ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ سُورَةً فَوْقَهَا وَلَا يُكَرِّرُهَا، وَقِيلَ: يُعِيدُهَا. قَالَ: وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ كَرَاهَةِ فِعْلِ ذَلِكَ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ وَالْمَشْهُورُ كَرَاهَةُ تَكْرِيرِ السُّورَةِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّأَمُّلِ: وَهَلْ الْأَفْضَلُ قِرَاءَةُ سُورَةٍ بَعْدَ الَّتِي قَرَأَ فِي الْأُولَى وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَوْ لَا؟ رِوَايَتَانِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ: ثُمَّ تَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَمَا فَعَلْت أَوَّلًا هَلْ يُطَوِّلُ السُّجُودَ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ قَالَ الْجُزُولِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَقَوْلُهُ: وَثَانِيَةٍ عَنْ أُولَى، هَذَا فِي الْفَرْضِ وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَقَدْ قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: إنَّهُ إذَا وَجَدَ الْحَلَاوَةَ فَلَهُ أَنْ يُطَوِّلَ اُنْظُرْهُ فِي آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ
ص (وَجُلُوسٌ أَوَّلٌ)
ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى فِقْهِ الْإِمَامِ، وَالثَّانِيَةُ خَطْرَفَتُهُ لِلْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ، وَالثَّالِثَةُ دُخُولُ الْمِحْرَابِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ ذَكَرَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ.
ص (وَقَوْلُ مُقْتَدٍ وَفَذٍّ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ)
ش لَيْسَ فِي كَلَامِهِ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَذَّ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ بَعْدَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَسْبِيحٌ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَذْرِ سُنَّةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَعِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُمَا قَالَا: مَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ فِي ذَلِكَ أَعَادَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْسَانِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ انْتَهَى.
ص (وَتَأْمِينُ فَذٍّ مُطْلَقًا)
ش: التَّأْمِينُ أَنْ يَقُولَ: آمِينَ، قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: بِالْمَدِّ وَبِالْقَصْرِ وَفِي مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ: وَلَمْ يَصِحَّ نَقْلُهُ. الثَّانِي مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ. الثَّالِثُ مَعْنَاهُ كَذَلِكَ يَكُونُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالْأَوْسَطُ أَصَحُّ وَأَوْسَطُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ: هَذِهِ كَلِمَةٌ لَمْ تَكُنْ لِمَنْ قَبْلَنَا خَصَّنَا اللَّهُ بِهَا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا حَسَدَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدُوكُمْ عَلَى قَوْلِكُمْ: آمِينَ انْتَهَى.
ص
стр. 538
وَقُنُوتٌ سِرًّا بِصُبْحٍ فَقَطْ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ)
ش يَعْنِي أَنَّ الْقُنُوتَ مُسْتَحَبٌّ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: سُنَّةٌ. قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ هُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَمَسْجِدُهُ بِقُرْطُبَةَ لَا يَقْنُتُ فِيهِ إلَى حِينِ أَخْذِهَا أَعَادَهَا اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ وَلِابْنِ زِيَادٍ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ مَنْ تَرَكَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ أَوْ يَكُونُ عَلَى الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ عَمْدًا، وَقَالَ أَشْهَبُ: مَنْ سَجَدَ لَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ: الْقُنُوتُ عِنْدَنَا فَضِيلَةٌ بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ فِي الْمَذْهَبِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ اللَّخْمِيّ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَقَوْلُهُ: سِرًّا، يَعْنِي أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْقُنُوتِ الْإِسْرَارُ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ: إنَّهُ يُجْهَرُ بِهِ، وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ التُّونُسِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ جَهَرَ بِالْقُنُوتِ أَوْ التَّشَهُّدِ فِي الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ فَقَالَ: الْجَهْرُ بِالْقُنُوتِ وَالتَّشَهُّدِ لَا يَجُوزُ وَيُعِيدُ مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ وَيَسْجُدُ السَّاهِي إلَّا أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ وَإِنْ كَانَ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا إذَا جَهَرَ فَعَنْ ابْنِ نَافِعٍ: لَا يُعِيدُ فَالْقُنُوتُ عَلَيْهِ أَخَفُّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا وَأَمَّا النَّافِلَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ:.
(قُلْت) أَمَّا الْجَهْرُ بِالتَّشَهُّدِ وَالْقُنُوتِ فَالْمَعْلُومُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجَهْرَ بِالذِّكْرِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بَلْ تَرَكَ مُسْتَحَبًّا خَاصَّةً عَلَى مَا حَكَى ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَوْ قَوْلِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ حَكَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَدَمَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَرْتَضِهِ وَحَكَى شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ قَالَ: وَلَا أَعْرِفُهُ إلَّا فِي صَلَاةِ الْمُسْمِعِ خَاصَّةً وَقِيَاسُهُ عَلَى جَهْرِ الْفَرِيضَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَتْ فِيهِ سُنَّةٌ انْتَهَى.
(قُلْت) حَكَى فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ بُطْلَانَ صَلَاةِ مَنْ جَهَرَ فِي السِّرِّيَّةِ أَوْ أَسَرَّ فِي الْجَهْرِيَّةِ قَوْلَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَدَّ فِي اللُّبَابِ مِنْ الْفَضَائِلِ إسْرَارَ التَّشَهُّدَيْنِ وَقَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ: وَإِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ سُنَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ وَإِعْلَانُهُ بِدْعَةٌ وَجَهْلٌ وَلَا خِلَافَ فِيهِ، انْتَهَى.
[تَنْبِيهٌ صَلَّى مَالِكِيٌّ خَلْفَ شَافِعِيٍّ جَهَرَ بِدُعَاءِ الْقُنُوتِ]
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فَإِنْ صَلَّى مَالِكِيٌّ خَلْفَ شَافِعِيٍّ جَهَرَ بِدُعَاءِ الْقُنُوتِ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ وَلَا يَقْنُتُهُ مَعَهُ وَالْقُنُوتُ مَعَهُ مِنْ فِعْلِ الْجُهَّالِ اُنْظُرْ مُخْتَصَرَ الْوَاضِحَةِ فِي الْقُنُوتِ فِي رَمَضَانَ فَلَوْ قَنَتَ الْمَالِكِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك كَانَ حَسَنًا وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا وَوَجْهُهُ أَنَّ الدُّعَاءَ الَّذِي يُؤَمِّنُ عَلَيْهِ قَدْ انْقَضَى وَلَا مَانِعَ حِينَئِذٍ مِنْ الْقُنُوتِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ بِصُبْحٍ فَقَطْ يَعْنِي أَنَّ الْقُنُوتَ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَطْ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي ثَانِيَةِ الصُّبْحِ تَنْبِيهٌ عَلَى خِلَافِ بَعْضِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي إجَازَتِهِ فِي الْوَتْرِ وَخِلَافِ مَنْ أَجَازَهُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ قَنَتَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: لَوْ قَنَتَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِهِ ذَكَرَهُ فِي بَابِ السَّهْوِ فِيمَنْ جَهَرَ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ عَمْدًا وَقَوْلُهُ: وَقَبْلَ الرُّكُوعِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَرَوَى الْبَاجِيُّ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَفْضَلُ وَعَكَسَ ابْنُ حَبِيبٍ وَفِيهَا هُمَا سَوَاءٌ وَفَعْلُ مَالِكٍ قَبْلُ وَفِيهَا بَعْدُ لَا يُكَبِّرُ لَهُ. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَبَّرَ حِينَ قَنَتَ الْجَلَّابُ لَا بَأْسَ بِرَفْعِ يَدَيْهِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ.
وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَدْرَكَ الْقُنُوتَ بَعْدَ رُكُوعِ الْإِمَامِ قَنَتَ إذَا قَضَى وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَهُ وَقَنَتَ لَمْ يَقْنُتْ فِي قَضَائِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: إنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ لَمْ يَقْنُتْ فِي قَضَائِهِ أَدْرَكَ قُنُوتَ الْإِمَامِ أَمْ لَا وَهَذَا عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ أَوَّلُهَا وَقَوْلُ أَشْهَبَ: إنَّهُ بَانَ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِعْلِ يَقْنُتُ قَنَتَ مَعَ الْإِمَامِ أَمْ لَا.
(قُلْت) مَفْهُومُ قَوْلِ مَالِكٍ: وَقَنَتَ مَعَهُ أَنَّهُ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ دُونَ الْقُنُوتِ قَنَتَ، خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ.
[فَرْعٌ نَسِيَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ]
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: إذَا نَسِيَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَلَا يَرْجِعُ مِنْ الرُّكُوعِ إذَا تَذَكَّرَهُ هُنَالِكَ فَإِذَا رَجَعَ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ مِنْ الْفَرْضِ إلَى الْمُسْتَحَبِّ انْتَهَى. أَمَّا عَدَمُ الرُّجُوعِ فَمَأْخُوذٌ مِنْ مَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْهَا مَنْ نَسِيَ الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ حَتَّى اسْتَقَلَّ قَائِمًا فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ، وَمِنْهَا مَنْ نَسِيَ السُّورَةَ أَوْ الْجَهْرَ أَوْ الْإِسْرَارَ أَوْ تَكْبِيرَ الْعِيدَيْنِ حَتَّى رَكَعَ وَأَمَّا الْبُطْلَانُ فَلَا يَأْتِي عَلَى مَا شَهَرَهُ
стр. 539
الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ الْبُطْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْجُلُوسِ وَيَأْتِي عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْفَاكِهَانِيُّ مِنْ الْبُطْلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: نَصَّ ابْنُ الْجَلَّابِ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِرَفْعِ يَدَيْهِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ.
(قُلْت) وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ. قَالَ فِيهَا وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي الِافْتِتَاحِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ انْتَهَى. وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: وَهَلْ يُكَبِّرُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ وَعَلَى الرَّفْعِ فَهَلْ رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا أَوْ يَرْهَبُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَيَرْغَبُ بِالْأُخْرَى؟ خِلَافٌ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: لَمَّا ذَكَرْت الْقُنُوتَ ثُمَّ إنْ كَانَتْ فِي نَفْسِهِ حَاجَةٌ دَعَا بِهَا حِينَئِذٍ إنْ شَاءَ، انْتَهَى.
ص (وَتَكْبِيرُهُ فِي الشُّرُوعِ إلَّا فِي قِيَامِهِ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَلِاسْتِقْلَالِهِ)
ش قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ الدَّبِّ فِي الرُّكُوعِ وَيُكَبِّرُ فِي حَالَةِ انْحِطَاطِهِ لِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فِي رَفْعِ رَأْسِهِ وَيُكَبِّرُ فِي حَالِ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ إلَّا فِي الْجَلْسَةِ الْأُولَى إذَا قَامَ مِنْهَا فَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْمُرَ الرُّكْنَ مِنْ أَوَّلِ الْحَرَكَةِ إلَى آخِرِهَا بِالتَّكْبِيرِ فَإِنْ عَجَّلَ أَوْ أَبْطَأَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا فِي الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا عَلَى الْمَشْهُورِ انْتَهَى. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَالسُّنَّةُ التَّكْبِيرُ حِينَ الشُّرُوعِ إلَّا فِي قِيَامِ الْجُلُوسِ، يَعْنِي أَنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ لِلْأَرْكَانِ فِي حَالِ الْحَرَكَةِ إلَيْهَا إلَّا فِي قِيَامِ الْجُلُوسِ مِنْ الثَّانِيَةِ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ عَنْ عِيَاضٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَقَالَ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ: ثُمَّ يَقُومُ فَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا هَذَا خِلَافُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُكَبِّرَ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي كُلِّ فِعْلٍ انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْتَدِئَ التَّكْبِيرَةَ فِي كُلِّ رُكْنٍ مَعَ أَوَّلِهِ وَلَا يَخْتِمُهُ إلَّا مَعَ آخِرِهِ وَيَجُوزُ قَصْرُهُ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَكَذَلِكَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْمُرَ بِهَا الرُّكْنَ كَالتَّكْبِيرِ، وَنَصَّ عَلَى تَعْمِيرِ الْحَرَكَةِ ابْنُ الْمُنِيرِ أَيْضًا وَقَوْلُهُ إلَّا فِي قِيَامِهِ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَلِاسْتِقْلَالِهِ أَيْ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَقِلَّ قَائِمًا عَلَى الْمَشْهُورِ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ. قَالَ الشَّبِيبِيُّ: فَإِنْ كَبَّرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَفِي إعَادَةِ التَّكْبِيرِ قَوْلَانِ وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي حَالِ قِيَامِهِ وَلَيْسَ بِالْمَشْهُورِ انْتَهَى.
ص (وَالرِّدَاءُ)
ش: قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ: الرِّدَاءُ هُوَ الثَّوْبُ أَوْ الْبُرْدُ الَّذِي يَضَعُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ فَوْقَ ثِيَابِهِ انْتَهَى مِنْ آخِرِ بَابِ الرَّاءِ مَعَ الدَّالِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: سُنَّةٌ. قَالَ فِي الْمَدْخَلِ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ وَأَمَّا قِنَاعُ الرَّجُلِ فَهُوَ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِرِدَائِهِ وَيَرُدَّ طَرَفَهُ عَلَى أَحَدِ كَتِفَيْهِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ وَالرِّدَاءُ هُوَ السُّنَّةُ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ دُونَ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ فَإِنْ غَطَّى بِهِ رَأْسَهُ صَارَ قِنَاعًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الطَّيْلَسَانُ الْمَعْهُودُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيُكْرَهُ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ
стр. 540
فَلَا بَأْسَ بِهِ لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّفَ هَذَا التَّكَلُّفَ الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ فِيهِ وَمَا لَمْ يَخْرُجْ بِهِ إلَى حَدِّ الْكِبْرِ الشَّنِيعِ انْتَهَى. مِنْ فَصْلِ اللِّبَاسِ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: وَالرِّدَاءُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ وَنَحْوُهَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْقِنَاعُ لِلْمَرْأَةِ فَعَدَّهُ فِي الْمَدْخَلِ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَعَدَّ الرِّدَاءَ فِي الْفَضَائِلِ وَانْظُرْ كَلَامَ الْفَاكِهَانِيّ
[فَائِدَةٌ إرْسَالِ عَذَبَةٍ مِنْ الْعِمَامَةِ وَهُوَ يُصَلِّي]
(فَائِدَةٌ) وَأَمَّا حُكْمُ إرْسَالِ الْعَذَبَةِ مِنْ الْعِمَامَةِ وَالتَّحْنِيكِ بِهَا فَحَاصِلُ كَلَامِهِ فِي الْمَدْخَلِ أَنَّ الْعِمَامَةَ بِغَيْرِ عَذَبَةٍ وَلَا تَحْنِيكٍ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ فَإِنْ فُعِلَا فَهُوَ الْأَكْمَلُ وَإِنْ فُعِلَ أَحَدُهُمَا فَقَدْ خَرَجَ بِهِ مِنْ الْمَكْرُوهِ وَنَقَلَ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ ضِمْنَ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ الْمَقْصِدِ الثَّالِثِ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَسُنَّةُ الْعِمَامَةِ بَعْدَ فِعْلِهَا أَنْ يُرْخِيَ طَرَفَهَا وَيَتَحَنَّكَ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ طَرَفٍ وَلَا تَحْنِيكٍ فَيُكْرَهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ الْكَرَاهَةِ فَقِيلَ: لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا عَمَائِمُ الشَّيَاطِينِ وَنُقِلَ عَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي إرْسَالِ الْعَذَبَةِ وَلَا عَدَمِ إرْسَالِهَا، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْكَمَالُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ بِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ مِنْ الْمُبَاحِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ قَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْإِرْسَالُ مُسْتَحَبٌّ وَتَرْكُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَنَحْوُهُ لِلشَّيْخِ أَبِي الْفَضْلِ ابْنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ: وَهَهُنَا تَنْبِيهٌ وَهُوَ أَنَّ الْعَذَبَةِ صَارَتْ مِنْ شِعَارِ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ وَأَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا تَلَبَّسَ بِشَعَائِرِهِمْ ظَاهِرًا مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ حَقِيقَةً لِقَصْدِ التَّعَاظُمِ عَلَى غَيْرِهِ أَثِمَ بِاِتِّخَاذِهَا بِهَذَا الْقَصْدِ مِنْ عَالِمٍ أَوْ صُوفِيٍّ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِهِ سَوَاءٌ أَرْسَلَهَا أَوْ لَمْ يُرْسِلْهَا طَالَتْ أَوْ لَمْ تَطُلْ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِاسْتِحْبَابِ إرْسَالِ الْعَذَبَةِ وَصَرَّحَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلِيُّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ فِي كِتَابِ الْغُنْيَةِ بِاسْتِحْبَابِ إرْسَالِهَا وَكَرَاهَةِ الِاتِّعَاظِ، وَذَكَرَ السَّخَاوِيُّ عَنْ مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيُّ الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّهُ ﷺ «بَعَثَ عَلِيًّا إلَى خَيْبَرَ فَعَمَّمَهُ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ ثُمَّ أَرْسَلَهَا مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ» وَتَرَدَّدَ رَاوِيهِ فِيهِ وَرُبَّمَا جَزَمَ بِالثَّانِي.
ص (وَسَدَلَ يَدَيْهِ وَهَلْ يَجُوزُ الْقَبْضُ فِي النَّفْلِ أَوْ إنْ طَوَّلَ وَهَلْ كَرَاهَتُهُ فِي الْفَرْضِ لِلِاعْتِمَادِ أَوْ خِيفَةَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ أَوْ إظْهَارِ خُشُوعٍ تَأْوِيلَاتٌ)
ش قِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ فِيهِمَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ وَيَجُوزُ فِي النَّفْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
ص (وَتَقْدِيمُ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ)
ش هَكَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَنَصُّهُ: وَتَقْدِيمُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ أَحْسَنُ، وَقَبْلَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ: وَفِي أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ عَنْهُ ﵊: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ لَكِنْ يَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» ثُمَّ قَالَ وَفِي أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ كَانَ « ﷺ إذَا سَجَدَ وَضْع يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ التَّخْيِيرَ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي اسْتِحْبَابِ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ وَالْعَكْسِ ثَالِثُ الرِّوَايَاتِ لَا تَحْدِيدَ لِابْنِ شَعْبَانَ وَالْمَبْسُوطِ وَابْنِ حَبِيبٍ انْتَهَى، فَذَكَرَ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ رِوَايَةُ الْمَبْسُوطِ وَحَكَى ابْنُ نَاجِي الثَّلَاثَةَ وَقَالَ: فَالثَّلَاثَةُ لِمَالِكٍ.
ص (وَتَأْخِيرُهُمَا عِنْدَ الْقِيَامِ)
ش: هَذِهِ نَحْوُ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: حَكَى فِيهِ فِي الْبَيَانِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ: الْأُولَى إجَازَةُ تَرْكِ الِاعْتِمَادِ وَفِعْلِهِ وَرَأَى ذَلِكَ سَوَاءً، وَهُوَ مَذْهَبُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَرَّةً اسْتَحَبَّ الِاعْتِمَادَ وَخَفَّفَ تَرْكَهُ وَمَرَّةً اسْتَحْسَنَهُ وَكَرِهَ تَرْكَهُ قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ وَلَكِنْ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» فَإِذَا أَمَرَ بِتَقْدِيمِ الْيَدَيْنِ حَتَّى لَا يُشْبِهُ الْبَعِيرَ وَجَبَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ إذَا قَامَ حَتَّى لَا يُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي قِيَامِهِ.
ص (وَعَقْدُهُ يُمْنَاهُ فِي تَشَهُّدَيْهِ الثَّلَاثِ مَادًّا السَّبَّابَةَ وَالْإِبْهَامَ)
ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنِ بُنُودِ الْوَاحِدُ
стр. 541
ضَمُّ الْخِنْصِرِ لِأَقْرَبِ بَاطِنِ الْكَفِّ مِنْهُ وَالِاثْنَانِ ضَمُّهُ مَعَ الْبِنْصِرِ كَذَلِكَ وَالثَّلَاثَةُ ضَمُّهَا مَعَ الْوُسْطَى كَذَلِكَ وَالْأَرْبَعَةُ ضَمُّهَا وَرَفْعُ الْخِنْصِرِ وَالْخَمْسَةُ ضَمُّ الْوُسْطَى فَقَطْ وَالسِّتَّةُ ضَمُّ الْبِنْصِرِ فَقَطْ وَالسَّبْعَةُ ضَمُّ الْخِنْصِرِ فَقَطْ عَلَى لَحْمَةِ أَصْلِ الْإِبْهَامِ وَالثَّمَانِيَةُ ضَمُّهَا وَالْبِنْصِرِ عَلَيْهَا وَالتِّسْعَةُ ضَمُّهُمَا وَالْوُسْطَى عَلَيْهِمَا، وَالْعَشَرَةُ جَعْلُ السَّبَّابَةِ عَلَى نِصْفِ الْإِبْهَامِ وَالْعِشْرُونَ مَدُّهُمَا مَعًا وَالثَّلَاثُونَ إلْزَاقُ طَرَفِ السَّبَّابَةِ بِطَرَفِ إبْهَامِهِ عَلَى جَانِبِ سَبَّابَتِهِ وَالْخَمْسُونَ مَدُّ السَّبَّابَةِ وَعَطْفُ إبْهَامِهِ كَأَنَّهَا رَاكِعَةٌ وَالسِّتُّونَ تَحْلِيقُ السَّبَّابَةِ عَلَى أَعْلَى أُنْمُلَةِ إبْهَامِهِ وَالسَّبْعُونَ وَضْعُ طَرَفِ إبْهَامِهِ عَلَى وُسْطَى أَنَامِلِ السَّبَّابَةِ مَعَ عَطْفِ السَّبَّابَةِ إلَيْهَا قَلِيلًا، وَالثَّمَانُونَ وَضْعُ طَرَفِ السَّبَّابَةِ - عَلَى طَرَفِ إبْهَامِهِ.
وَالتِّسْعُونَ عَطْفُ السَّبَّابَةِ حَتَّى تَلْقَى الْكَفَّ وَضَمُّ الْإِبْهَامِ إلَيْهَا، وَالْمِائَةُ فَتْحُ الْيَدِ بِهَا انْتَهَى. وَقَالَ قَبْلَهُ: وَكَفَّاهُ فِي جُلُوسِهِمَا عَلَى فَخْذَيْهِ قَابِضًا الْيُمْنَى إلَّا سَبَّابَتَهَا وَحَرْفُهَا إلَى وَجْهِهِ زَادَ ابْنُ بَشِيرٍ كَعَاقِدٍ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ ابْنِ الْحَاجِبِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَالْمَرْوِيُّ: ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيَعْقِدُ فِي التَّشَهُّدَيْنِ بِالْيُمْنَى شِبْهَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَجَانِبُ السَّبَّابَةِ مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ أَيْ يَقْبِضُ الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى وَيَمُدُّ السَّبَّابَةَ وَيَضُمُّ الْإِبْهَامَ إلَيْهَا تَحْتَهَا، قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَمَا فَعَلَهُ فِي السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ هُوَ الْعِشْرُونَ وَمَا فَعَلَهُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُخَرِ هُوَ التِّسْعَةُ وَمَا ذَكَرَهُ مُخَالِفٌ، لِمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ ابْنُ بَشِيرٍ شِبْهَ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: شِبْهَ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ وَهَذَا يُعْرَفُ عِنْد أَهْلِهِ انْتَهَى. وَلَمْ - يَزِدْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى أَوَّلِ كَلَامِ التَّوْضِيحِ شَيْئًا، وَقَوْلُهُ: وَيَضُمُّ الْإِبْهَامَ إلَيْهَا تَحْتَهَا يَعْنِي إلَى جَانِبِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُنْخَفِضٌ عَنْ السَّبَّابَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالصَّوَابُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ فِي التَّنْبِيهِ وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَمَّا فِي جُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَيَضَعُهُمَا مَبْسُوطَتَيْنِ وَأَمَّا فِي جُلُوسِهِ فِي التَّشَهُّدَيْنِ فَيَبْسُطُ الْيُسْرَى وَيَقْبِضُ الْيُمْنَى وَصُورَةُ مَا يَفْعَلُ أَنْ يَقْبِضَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ وَهِيَ الْوُسْطَى وَالْخِنْصِرُ وَمَا بَيْنَهُمَا وَيَبْسُطَ الْمُسَبِّحَةَ وَيَجْعَلَ جَانِبَهَا مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ وَيَمُدَّ الْإِبْهَامَ عَلَى الْوُسْطَى وَهُوَ كَالْعَاقِدِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ انْتَهَى. وَلَفْظُ ابْنِ شَاسٍ كَلَفْظِ ابْنِ بَشِيرٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْعَقْدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْجُلُوسِ وَكَفَّاهُ مَفْتُوحَتَانِ عَلَى فَخْذَيْهِ يَعْقِدُ فِي التَّشَهُّدِ شِبْهَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَجَانِبُ السَّبَّابَةِ يَلِي وَجْهَهُ وَيُشِيرُ بِهَا فِي التَّوْحِيدِ عِنْدَ " أَلَّا " لَا عِنْدَ " لَا " انْتَهَى.
[فَرْعٌ المصلي مَقْطُوعَ الْيَدِ الْيُمْنَى]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ الْيُمْنَى فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الْيَدِ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّ شَأْنَهَا الْبَسْطُ قَالَ التَّادَلِيُّ: وَفِيهِ مَجَالٌ؛ لِأَنَّ الْيُسْرَى قَدْ يُقَالُ: إنَّ شَأْنَهَا الْبَسْطُ مَعَ وُجُودِ الْيُمْنَى وَأَمَّا مَعَ فَقْدِهَا فَلَا. انْتَهَى.
ص (وَتَحْرِيكُهَا دَائِمًا)
ش: هَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَاَلَّذِي صَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ التَّحْرِيكَ سُنَّةً قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ ضِدُّ قَوْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ إيَّاكُمْ وَتَحْرِيكَ أَصَابِعِكُمْ فِي التَّشَهُّدِ وَلَا تَلْتَفِتُوا الرِّوَايَةُ الْعُتْبِيَّة فَإِنَّهَا بَلِيَّةٌ انْتَهَى. وَفَّقَ ابْنُ بَشِيرٍ بَيْنَ الْأَقْوَالِ فَانْظُرْهُ.
ص (وَتَيَامُنٌ بِالسَّلَامِ)
ش: قَالَ الْجُزُولِيُّ: قَالَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ يَتَيَامَنُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَلَمْ يُبَيِّنْ بِمَاذَا يَتَيَامَنُ مِنْ الْقَوْلِ وَقَالَ: غَيْرُهُ يَتَيَامَنُ بِالْمِيمِ. انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَيُسَلِّمُ الْفَذُّ وَالْإِمَامُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَيَتَيَامَنُ بِرَأْسِهِ قَلِيلًا مَعَ شَيْءٍ مِنْ لَفْظِ السَّلَامِ، فَلَوْ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَيُعِيدُ أَيْ السَّلَامَ. انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَأَمَّا صِفَتُهُ أَيْ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ السَّلَامَ إلَى الْقِبْلَةِ وَيَخْتِمُهُ مَعَ التَّيَامُنِ بِرَأْسِهِ فِي الْفَذِّ وَالْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِسَلَامِهِ أَوَّلًا قِبْلَتَهُ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَاخْتُلِفَ فِي الْمَأْمُومِ هَلْ يَبْتَدِئُهَا إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ إنَّمَا يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ؟ انْتَهَى وَقَالَ
стр. 542
ابْنُ الْمُنِيرِ: ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ بِالْتِفَاتٍ يَسِيرٍ غَيْرَ مُقَدِّمٍ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا لَا كَمَا يَفْعَلُ الْعَامِّيُّ يَنْحَنِي قُبَالَةَ وَجْهِهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ لِلسَّلَامِ فَذَلِكَ بِدْعَةٌ وَزِيَادَةُ هَيْئَةٍ جَهْلًا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ، انْتَهَى.
ص (وَدُعَاءٌ بِتَشَهُّدٍ ثَانٍ)
ش: صَرَّحَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الثَّانِي جَائِزٌ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَقَالَ فِي الْكَافِي وَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يَتْرُكَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ تَشَهُّدِهِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ وَقَبْلَ سَلَامِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَأَحْرَى أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ دُعَاؤُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ تَفْسُدْ، صَلَاتُهُ وَأَمَّا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ فَلَا يُزِيدُ فِيهِ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ دُعَاءً وَلَا غَيْرَهُ فَإِنْ دَعَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ «وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ خَفَّفَ حَتَّى كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ» انْتَهَى.
وَانْظُرْ الشِّفَاءَ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ، وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ نَاسِيًا حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ فَلْيَتَشَهَّدْ وَلَا يَدْعُو بَعْدَهُ وَلْيُسَلِّمْ، انْتَهَى.
ص (وَهَلْ لَفْظُ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ؟ خِلَافٌ)
ش قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ تَشَهُّدَ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَهَى. قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ إشَارَاتُ أَصْحَابِنَا إلَى حَقِيقَةِ اخْتِيَارِ مَالِكٍ تَشَهُّدَ عُمَرَ ﵁ فَأَشَارَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ إلَى تَأْكِيدِ هَذَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَى مَا سِوَاهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ.
وَأَشَارَ الدَّاوُدِيُّ إلَى أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْسَانِ وَإِيثَارِ هَذَا التَّشَهُّدِ عَلَى غَيْرِهِ انْتَهَى، وَمِثْلُهُ لِلْبَاجِيِّ وَنَصُّهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ تَشَهُّدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَجْرِي مَجْرَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ لِأَنَّ عُمَرَ عَلَّمَهُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا خَالَفَهُ فِيهِ وَلَا قَالَ لَهُ: إنَّ غَيْرَهُ مِنْ التَّشَهُّدِ يَجْرِي مَجْرَاهُ فَثَبَتَ بِذَلِكَ إقْرَارُهُمْ وَمُوَافَقَتُهُمْ إيَّاهُ عَلَى تَعْيِينِهِ.
وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ يَجْرِي مَجْرَاهُ، لَقَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ: إنَّك قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَى النَّاسِ وَاسِعًا وَقَصَرْتَهُمْ عَلَى مَا هُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْقُرْآنِ الْقِرَاءَةَ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْنَا مِنْ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ الْمُنَزَّلَةِ فَكَيْفَ بِالتَّشَهُّدِ لَهُ دَرَجَةُ الْقُرْآنِ أَنْ يُقْصَرَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ وَيُمْنَعَ مَا يَسُرَ مِنْ سِوَاهُ وَلَمَّا لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِذَلِكَ وَلَا بِغَيْرِهِ عُلِمَ أَنَّ التَّشَهُّدَ الْمَشْرُوعَ هَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ فِي التَّشَهُّدِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْسَانِ فَكَيْفَمَا تَشَهَّدَ الْمُصَلِّي عِنْدَهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ فِي تَعْلِيمِ عُمَرَ النَّاسَ هَذَا التَّشَهُّدَ مَنْعٌ مِنْ غَيْرِهِ، انْتَهَى مِنْ الْمُنْتَقَى. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: وَهَلْ لَفْظُ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ خِلَافٌ مَعْنَاهُ فِي اخْتِيَارِ مَالِكٍ لِلَفْظِ التَّشَهُّدِ الْمَعْهُودِ فِي الذِّهْنِ عِنْدَ كُلِّ طَالِبِ عِلْمٍ مَالِكِيٍّ، وَهُوَ تَشَهُّدُ عُمَرَ هَلْ هُوَ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ أَوْ الْفَضِيلَةِ؟ خِلَافٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ وَالْمَازِرِيُّ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي: أَقَامَ الشَّيْخُ مِنْ قَوْلِهَا: وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَنَّ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: فُلَانٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَلَا نَوَى سَلَامَهُ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّهُ غَيْرُ كَاذِبٍ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: إنَّ الْعَبْدَ إذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَتْ دَعْوَتُهُ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَزَادَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَهَذِهِ إقَامَةٌ ظَاهِرَةٌ إذَا كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ يُعْلِمُ مَا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ يُفْهِمُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي اللُّبَابِ مِنْ الْفَضَائِلِ إسْرَارُ التَّشَهُّدَيْنِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَإِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ سُنَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ وَإِعْلَانُهُ بِدْعَةٌ وَجَهْلٌ وَلَا خِلَافَ فِيهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ وَمَحِلُّهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ الدُّعَاءِ، قَالَهُ فِي الشِّفَاءِ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ:
стр. 543
وَيُدْخِلُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ أَزْوَاجَهُ وَذُرِّيَّتَهُ وَكُلَّ مَنْ تَبِعَهُ، وَقِيلَ: إنَّ آلَ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ.
ص (وَجَازَتْ كَتَعَوُّذٍ بِنَفْلٍ)
ش: وَهَلْ يُسِرُّ التَّعَوُّذَ أَوْ يَجْهَرُ بِهِ قَوْلَانِ لِسَمَاعِ أَشْهَبَ وَلَهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: سَمَاعُ أَشْهَبَ يُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهِ فِي رَمَضَانَ خِلَافُهَا.
ص (وَكُرِهَا بِفَرْضٍ)
ش: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: لَا تَسْتَفْتِحْ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَتَعَلَّقُ بِثَلَاثَةِ أَطْرَافٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ عِنْدَنَا مِنْ الْحَمْدِ وَلَا مِنْ سَائِرِ الْقُرْآنِ إلَّا مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ.
(الثَّانِي) أَنَّ قِرَاءَتَهَا فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَفْتِحَ بِالْحَمْدِ.
(الطَّرَفُ الثَّالِثِ) أَنَّهُ إنْ قَرَأَهَا لَمْ يَجْهَرْ فَإِنْ جَهَرَ بِهَا فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: كَانَ الْمَازِرِيُّ يُبَسْمِلُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ: قَالَ مَذْهَبُ مَالِكٍ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مِنْ بَسْمَلَ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مَنْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي ثَالِثِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْقَارِئِ إذَا أَخْطَأَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ يُلَقَّنُ فَلَا يُلَقَّنُ وَلَا يُفَقَّهُ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: خَفَّفَ مَالِكٌ ﵀ التَّعَوُّذَ لِلْقَارِئِ فِي الصَّلَاةِ إذَا أَخْطَأَ فِي قِرَاءَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَضَ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك» انْتَهَى.
ص (كَدُعَاءٍ قَبْلَ قِرَاءَةٍ)
ش: قَالَ فِي الْجَلَّابِ فِي بَابِ الْقُنُوتِ: وَلَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْقِيَامِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَفِي السُّجُودِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي الْجَلْسَتَيْنِ بَعْدَ التَّشَهُّدَيْنِ وَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ فِي الرُّكُوعِ، انْتَهَى. وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي بَابِ التَّشَهُّدِ: وَلَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ كُلِّهَا سِوَى الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ الدُّعَاءُ فِيهِ، انْتَهَى. وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ فَإِنَّهُ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، انْتَهَى وَلَعَلَّهُ وَبَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ.
(فَرْعٌ) قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حُكْمَ دُعَاءِ التَّوَجُّهِ وَأَنَّهُ مَكْرُوهٌ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِدُعَاءِ التَّوَجُّهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَقُولُهُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَذَلِكَ حَسَنٌ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إلَى أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ ثَلَاثَ سَكَتَاتٍ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ لِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَبَعْدَ تَمَامِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ لِيَقْرَأَ مَنْ خَلْفَهُ فِيهِمَا، وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى إنْكَارِ جَمِيعِهَا وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى إنْكَارِ الْأَخِيرَتَيْنِ انْتَهَى.
ص (وَبَعْدَ فَاتِحَةٍ)
ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَيَدْعُو بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْفَاتِحَةِ إنْ أَحَبَّ قَبْلَ السُّورَةِ وَقَدْ دَعَا الصَّالِحُونَ انْتَهَى. وَنَقَلَ كَرَاهَتَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَالظَّاهِرُ مَا فِي الطِّرَازِ، فَتَأَمَّلْهُ وَانْظُرْ التِّلِمْسَانِيَّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَقَبْلَ السُّورَةِ مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ السُّورَةِ فِي النَّافِلَةِ وَكَذَلِكَ بَعْدَ السُّورَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ وَكَذَلِكَ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ.
ص (وَأَثْنَاءَهَا وَأَثْنَاءَ سُورَةٍ)
ش: هَذَا فِي الْفَرِيضَةِ وَأَمَّا فِي النَّافِلَةِ فَجَائِزٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الطِّرَازِ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَنَحْوِهِ لِلتِّلِمْسَانِيِّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: إذَا مَرَّ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِرَاءَةِ الْإِمَامِ فَلَا بَأْسَ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إذَا مَرَّ ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَيَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ النَّارِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْمَأْمُومِ عِنْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] بَلَى إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَمِعَ الْإِمَامَ يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إلَى آخِرِهَا فَقَالَ الْمَأْمُومُ: كَذَلِكَ اللَّهُ، هَلْ هَذَا كَلَامٌ يُنَافِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: هَذَا لَيْسَ كَلَامًا يُنَافِي الصَّلَاةَ أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ انْتَهَى وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ هُوَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ
стр. 544
الْعُتْبِيَّةِ فِي أَثْنَاءِ رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَفِي أَوَاخِرِهِ وَفِي سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ.
ص (وَبَعْدَ صَلَاةِ إمَامٍ)
ش: قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بِدُعَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ.
ص (وَتَشَهُّدٍ أَوَّلٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مَكْرُوهٌ، وَصَرَّحَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّهُ جَائِزٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ: لَيْسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مَوْضِعٌ لِلدُّعَاءِ. قَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ بَعْدَهُ فِي الْجَلْسَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، انْتَهَى. فَحَكَى فِيهِ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْبَاجِيّ وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ فِيهِ لِتَشْهِيرٍ غَيْرَ أَنَّ الشَّيْخَ قَالَ: الظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ.
ص (لَا بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ)
ش: أَيْ فَلَا يُكْرَهُ قَالَ الْجُزُولِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَهُمَا: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاسْتُرْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْزُقْنِي وَاعْفُ عَنِّي وَعَافِنِي» انْتَهَى.
ص (وَلَوْ قَالَ يَا فُلَانُ فَعَلَ اللَّهُ بِك كَذَا لَمْ تَبْطُلْ)
ش أَيْ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ فِيمَا إذَا نَادَاهُ، أَمَّا لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بِفُلَانٍ، أَوْ فَعَلَ اللَّهُ بِفُلَانٍ فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ انْتَهَى. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الظَّالِمِ. قَالَ ابْنُ نَاجِي: أَرَادَ بِلَا بَأْسٍ صَرِيحَ الْإِبَاحَةِ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَظْلِمْهُ بَلْ ظَلَمَ غَيْرَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا وَكَانَ شَيْخُنَا يُعْجِبُهُ ذَلِكَ وَيُفْتِي بِهِ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي تَحْرِيمُهُ انْتَهَى. وَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَتَقُولُ فِي سُجُودِك. وَأَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِنَا غَيْرَ مَا مَرَّةٍ بِأَنَّهُ يُدْعَى عَلَى الْمُسْلِمِ الْعَاصِي بِالْمَوْتِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ، وَاحْتَجَّ بِدُعَاءِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ بِذَلِكَ. الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْكَافِرِ الْمَأْيُوسِ مِنْهُ كَفِرْعَوْنَ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ الْعَاصِي الْمَقْطُوعِ لَهُ بِالْجَنَّةِ إمَّا أَوَّلًا وَإِمَّا ثَانِيًا، وَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ فِي تَكَلُّمِهِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ» وَهُوَ حُجَّةٌ فِي لَعْنِ مَنْ لَمْ يُسَمِّ وَكَذَلِكَ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ: لِأَنَّهُ لَعْنٌ لِلْجِنْسِ لَا لِلْمُعَيَّنِ وَلَعْنُ الْجِنْسِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْعَدَهُمْ وَيُنَفِّذُ الْوَعِيدَ عَلَى كُلِّ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ وَيُنْهَى عَنْ لَعْنِ الْمُعَيَّنِ وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ بِالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ مَعْنَى اللَّعْنِ
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّعْنَ جَائِزٌ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا مَا لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا وَهَذَا الْكَلَامُ غَيْرُ سَدِيدٍ وَلَا صَحِيحٍ؛ لِنَهْيِهِ عَنْ اللَّعْنِ فِي الْجُمْلَةِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمُعَيَّنِ أَوْلَى لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَاخْتُلِفَ إنْ قَالَ: يَا فُلَانُ فَعَلَ اللَّهُ بِك كَذَا وَكَذَا، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ وَالْمَذْهَبُ عَلَى خِلَافِهِ انْتَهَى وَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الدُّعَاءَ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ اُخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِ الدَّاعِي بِهِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ اُنْظُرْ الْفَرْقَ الْحَادِيَ وَالْأَرْبَعِينَ وَالْمِائَتَيْنِ
ص (وَكُرِهَ سُجُودٌ عَلَى ثَوْبٍ لَا حَصِيرٍ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ)
ش جَعَلَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - السُّجُودَ بِاعْتِبَارِ مَحِلِّهِ
стр. 545
ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ مُبَاشَرَةُ الْأَرْضِ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَقِسْمٌ مَكْرُوهٌ وَهُوَ السُّجُودُ عَلَى الثِّيَابِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَقِسْمٌ جَائِزٌ وَهُوَ السُّجُودُ عَلَى مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتُسْتَحَبُّ الْمُبَاشَرَةُ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ تَنْبِيهٌ قَيَّدَ ابْنُ حَبِيبٍ الْحَصِيرَ الْمُرَخَّصَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ حَصِيرِ الْحَلْفَاءِ وَالْبَرْدِيِّ وَالدِّيَسِ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَفِي غَيْرِهِمَا مُخَيَّرٌ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَبِيبٍ تُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ الْأَرْضِ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَلَا بَأْسَ بِحَائِلٍ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ انْتَهَى. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ لَا يُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَتُهُ الْأَرْضَ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَ اللَّخْمِيُّ وَنَصُّهُ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُومَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَأَنْ يُبَاشِرَ بِجَبْهَتِهِ الْأَرْضَ انْتَهَى وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ الْمُتَقَدِّمِ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لَهُ أَمْ لَا وَمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا: وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الطَّنَافِسِ وَثِيَابِ الصُّوفِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَبُسُطِ الشَّعْرِ وَالْأَدَمِ وَأَحْلَاسِ الدَّوَابِّ، وَلَا يَضَعُ كَفَّيْهِ عَلَيْهَا وَلَكِنْ يَقُومُ عَلَيْهَا وَيَجْلِسُ وَيَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ، انْتَهَى.
وَإِلَى هَذَا الْقِسْمِ أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ: وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَكْرُوهُ فَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ: وَكُرِهَ سُجُودٌ عَلَى ثَوْبٍ، وَأَطْلَقَ فِي الثَّوْبِ لِيَشْمَلَ ثَوْبَ الْكَتَّانِ وَالصُّوفِ وَالْقُطْنِ وَيُرِيدُ وَكَذَلِكَ بُسُطُ الشَّعْرِ وَالْأَدَمِ وَأَحْلَاسِ الدَّوَابِّ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: كَثَوْبٍ لِيَدْخُلَهَا لَكَانَ أَحْسَنَ، وَقَالَ: سُجُودٌ، لِيَحْتَرِزَ عَنْ الْقِيَامِ أَوْ الْجُلُوسِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: إذَا كَانَ الْأَصْلُ الرَّفَاهِيَةَ فَكُلُّ مَا فِيهِ رَفَاهِيَةٌ وَلَوْ كَانَ مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ كَحُصْرِ السَّامَّانِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ وَكُلُّ مَا لَا تَرَفُّهَ فِيهِ فَلَا يُكْرَهُ وَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ كَالصُّوفِ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّرَفُّهُ، انْتَهَى. مِنْ التَّوْضِيحِ وَمَا قَالَهُ فِي الصُّوفِ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ أَحْلَاسَ الدَّوَابِّ مِمَّا يُكْرَهُ السُّجُودُ عَلَيْهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا رَفَاهِيَةَ فِيهَا فَتَأَمَّلْهُ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ تَنْبِيهٌ فِيهَا ابْنُ حَبِيبٍ الْحَصِيرُ الْمُرَخَّصُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ حَصِيرِ الْحَلْفَاءِ وَالْبَرْدِيِّ وَالدِّيَسِ، وَالْحُصْرُ الَّتِي تُعْمَلُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ فِيهَا رَفَاهِيَةٌ لِخُشُونَتِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْجَائِزُ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ لَا حَصْرَ أَيْ فَلَا يُكْرَهُ السُّجُودُ عَلَيْهَا وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْخُمْرَةِ وَالْحَصِيرِ وَمَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَيَضَعُ كَفَّيْهِ عَلَيْهَا انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَجُوزُ عَلَى حَائِلٍ مِنْ نَبَاتٍ لَا يُسْتَنْبَتُ كَحَصِيرٍ أَوْ خُمْرَةٍ اللَّخْمِيُّ وَشَبَهُهُ مِمَّا لَا يُقْصَدُ لِتَرَفُّهِهِ، انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَقْيِيدِ النَّبَاتِ بِمَا لَا يُسْتَنْبَتُ لَمْ أَرَهُ إلَّا فِي عِبَارَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِتِلْمِيذِهِ الْأَبِيِّ قَالَ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: الصَّلَاةُ عَلَى حَائِلٍ مَكْرُوهَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَائِلُ مِمَّا يُشَاكِلُ الْأَرْضَ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ التَّرَفُّهُ وَالْكِبْرُ كَحُصْرِ الْحَلْفَاءِ وَالْبَرْدِيِّ وَالدَّوْمِ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ بِطَبْعِهَا وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ مَسْلَمَةَ الصَّلَاةَ عَلَى ثِيَابِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ، وَالْأَظْهَرُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تُنْبِتُهُ بِطَبْعِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ التَّرَفُّهُ فَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي هَذَا الْقَصْدِ إلَى التَّوَاضُعِ وَتَرْكِ مَا فِيهِ التَّرَفُّهُ فَالصَّلَاةُ مَكْرُوهَةٌ عَلَى حُصْرِ السَّامَّانِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يُشْتَرَى بِالْأَثْمَانِ الْعِظَامِ وَيُقْصَدُ بِهِ الْكِبْرُ وَالتَّرَفُّهُ وَالزِّينَةُ وَالْجَمَالُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَدْ عَلِمْت أَنْ حُصْرَ السَّامَّانِ وَشَبَهَهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا حَصِير (الثَّانِي) إنَّمَا يُكْرَهُ السُّجُودُ عَلَى الثَّوْبِ إذَا كَانَ لِغَيْرِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ كَانَ حَرًّا أَوْ بَرْدًا جَازَ أَنْ يَبْسُطَ ثَوْبًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ كَفَّيْهِ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي اعْتَرَضَ بِهَا الْمُرَابِطُ عُمَرُ وَأَمَّا مَا يَقِفُ عَلَيْهِ وَيَجْلِسُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ وَكَذَا مَا بَسَطَ لِحَرِّ الْأَرْضِ
стр. 546
أَوْ بَرْدِهَا أَوْ حُزُونَتِهَا أَيْ خُشُونَتِهَا فَهُوَ جَائِزٌ وَالْمَكْرُوهُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ مَا فِيهِ رَفَاهِيَةٌ مِمَّا تُنْبِتُهُ وَمَا لَا تُنْبِتُهُ إذَا كَانَ لِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ: وَالْأَفْضَلُ لِلسَّاجِدِ أَنْ يَلِيَ الْأَرْضَ بِوَجْهِهِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ خُمْرَةً خَاصَّةً لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَذَلِكَ مُؤَكَّدٌ وَالْيَدَانِ يَلِيَانِ الْوَجْهَ فِي التَّأْكِيدِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: مِنْ نَبَاتٍ لَا يُسْتَنْبَتُ وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: مِمَّا تُنْبِتُهُ بِطَبْعِهَا يَقْتَضِي أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْخُمْرَةِ لَيْسَ مِنْ الْجَائِزِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّخْلِ وَهُوَ مِمَّا يُسْتَنْبَتُ، وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَثَّلَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَلَامِهِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُهُمَا بِمَا عَدَا مَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ النَّخْلِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ ذَكَرَ سُؤَالًا عَنْ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى السَّجَّادَةِ ثُمَّ قَالَ: قُلْت إنْ كَانَتْ السَّجَّادَةُ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضَ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تُنْبِتُهُ فَمَكْرُوهٌ لَيْسَ إلَّا، وَهَذَا فِيمَا يَضَعُ عَلَيْهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ وَأَمَّا مَا يَقِفُ عَلَيْهِ فَجَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ حَرِيرًا فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ مَنْعُهُ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ انْتَهَى. فَقَوْلُهُ: لَيْسَ إلَّا مَعْنَاهُ لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ وَقَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ مِمَّا تُنْبِتُهُ فَمَكْرُوهٌ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَالْحَصِيرِ وَالْخُمْرَةِ فَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَالْخُمْرَةُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ حَصِيرٌ مِنْ جَرِيدٍ صَغِيرَةٍ فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَمْ تُسَمَّ خُمْرَةً وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ وَجْهَ الْمُصَلِّي أَيْ تُغَطِّيهِ انْتَهَى. وَفِي الصِّحَاحِ الْخُمْرَةُ سَجَّادَةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ وَتُرْمَلُ بِالْخُيُوطِ، انْتَهَى. وَفِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ فِي تَفْسِيرِ الْخُمْرَةِ: هِيَ مِقْدَارُ مَا يَضَعُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ وَجْهَهُ فِي سُجُودِهِ مِنْ حَصِيرٍ أَوْ نَسِيجَةِ خُوصٍ وَنَحْوِهِ وَلَا تَكُونُ خُمْرَةً إلَّا فِي هَذَا الْمِقْدَارِ وَسُمِّيَتْ خُمْرَةً؛ لِأَنَّ خُيُوطَهَا مَسْتُورَةٌ بِسَعَفِهَا وَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِي الْحَدِيثِ، وَهَكَذَا فُسِّرَتْ وَقَدْ جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ دِرْهَمٍ» وَهَذَا نَصٌّ فِي إطْلَاقِ الْخُمْرَةِ عَلَى الْكَبِيرَةِ مِنْ نَوْعِهَا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْأَثِيرِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا فَرُبَّمَا تَحْضُرُ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا قَالَ: فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُنْكَسُ ثُمَّ يُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا» قَالَ: وَكَانَ بِسَاطُهُمْ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَالْأَدَمُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ الْجُلُودُ الْمَدْبُوغَةُ جَمْعُ أَدِيمٍ، وَأَحْلَاسُ الدَّوَابِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بِالْحَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَاحِدُهَا حِلْسٌ وَهُوَ مَا يَلِي ظَهْرَ الدَّوَابِّ وَمَا يُجْعَلُ تَحْتَ اللُّبُودِ وَالسُّرُوجِ وَأَصْلُهُ مِنْ اللُّزُومِ وَالطِّنْفَسَةُ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَهُوَ أَفْصَحُهَا وَبِضَمِّهِمَا وَبِكَسْرِهِمَا وَهُوَ بِسَاطٌ صَغِيرٌ كَالنُّمْرُقَةِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ فَرَشَ خُمْرَةً فَوْقَ الْبِسَاطِ وَصَلَّى عَلَيْهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: فَإِنْ فَرَشَ خُمْرَةً فَوْقَ الْبِسَاطِ لَمْ يُكْرَهْ، وَسُئِلَ عَنْ الْمِرْوَحَةِ فَقَالَ: هِيَ صَغِيرَةٌ لَا تَكْفِي إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا انْتَهَى.
ص (وَسُجُودٌ عَلَى كَوْرِ عِمَامَةٍ أَوْ طَرَفِ كُمٍّ)
ش كَوْرُ الْعِمَامَةِ بِفَتْحِ الْكَافِ قَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَحُكْمُ الثَّوْبِ جَمِيعِهِ حُكْمُ الْكُمِّ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ حَرٌّ أَوْ بَرْدٌ فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا فَلَا كَرَاهَةَ، وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ: - لَمَّا عَدَّ مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ وَإِحْرَامُهُ وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ وَسُجُودُهُ أَيْضًا فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ انْتَهَى.
وَفِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ مَسْأَلَةُ مَنْ صَلَّى فِي جُبَّةٍ أَكْمَامُهَا طَوِيلَةٌ لَا يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْهَا لِإِحْرَامٍ وَلَا رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ مَعَ كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ مُبَاشَرَتِهِ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنْ التَّكَبُّرِ انْتَهَى وَقَالَ فِي بَابِ صِفَةِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ بَشِيرٍ وَيُكْرَهُ سَتْرُ الْيَدَيْنِ بِالْكُمَّيْنِ فِي السُّجُودِ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص
стр. 547
وَقِرَاءَةٌ بِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ)
ش: وَكَذَا فِي التَّشَهُّدِ قَالَهُ فِي اللُّبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَدُعَاءٌ خَاصٌّ)
ش: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: خَاصٌّ أَنَّ الدُّعَاءَ خَاصٌّ بِنَفْسِهِ لَمْ يُشْرِكْ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمُسْتَحَبِّ وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ خَانَهُمْ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَغَيْرُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ دُعَاءً مَخْصُوصًا لِرُكُوعِهِ وَدُعَاءً مَخْصُوصًا لِسُجُودِهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَهُمَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
ص (أَوْ بِعَجَمِيَّةٍ لِقَادِرٍ)
ش: نَقَلَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ مَنْ دَعَا بِالْعَجَمِيَّةِ أَوْ سَبَّحَ أَوْ كَبَّرَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَمْ يَحْكِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَحْكِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) نَهَى مَالِكٌ عَنْ رَطَانَةِ الْأَعَاجِمِ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إنَّهَا مَكْرُوهَةٌ وَمُخَالَطَتُهُمْ مَكْرُوهَةٌ؛ لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ إلَى ذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى اسْتِقْبَالِ الْجِهَةِ مَعَ الْبُعْدِ فَانْظُرْهُ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ: عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلَيْنِ يَتَكَلَّمَانِ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الطَّوَافِ فَقَالَ: ابْتَغِيَا إلَى الْعَرَبِيَّةِ سَبِيلًا انْتَهَى.
ص (وَالْتِفَاتٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «لَا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا الْتَفَتَ أَعْرَضَ عَنْهُ» ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ هُنَا ﵀ فِي كَرَاهَةِ الِالْتِفَاتِ وَقَيَّدَ ذَلِكَ فِي فَصْلِ السَّهْوِ بِكَوْنِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ هُنَاكَ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِكَرَاهَتِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا قَرَنَهُ مَعَ الْأَشْيَاءِ الْمَكْرُوهَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مِنْهَا فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ الْمُطْلَقُ هُنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ السَّهْوِ، قَالَ الْبَرَاذِعِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: وَلَا يَلْتَفِتُ الْمُصَلِّي فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ صَلَاتَهُ.
قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: قَوْلُهُ: لَا يَلْتَفِتُ، لَمْ يَقُلْهُ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ وَلَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنَّمَا جَرَى فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مَا الْتَفَتَ عَبْدٌ فِي صَلَاتِهِ قَطُّ إلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا خَيْرٌ لَك مِمَّا الْتَفَتَّ إلَيْهِ» وَالْمَذْهَبُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَهُ وَجْهٌ وَمَعْنًى وَالِالْتِفَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ، فَمَا كَانَ لِلْحَاجَةِ فَمُبَاحٌ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ حِينَ «الْتَفَتَ فِي الصَّلَاةِ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ فَتَأَخَّرَ وَقَالَ ﷺ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ إلَّا الْتَفَتَ إلَيْهِ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ «قَالَ ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ يَعْنِي الصُّبْحَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إلَى الشِّعْبِ مِنْ اللَّيْلِ يَحْرُسُ» وَأَمَّا الِالْتِفَاتُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَمَكْرُوهٌ وَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَصَفَّحَ بِخَدِّهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﵊ «كَانَ يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى النَّسَائِيّ «أَنَّهُ كَانَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَلْوِيَ عُنُقَهُ» وَالْحَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ إلَّا أَنَّ النَّظَرَ يُصَحِّحُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ فَإِنْ لَمْ يُخِلَّ ذَلِكَ بِاسْتِقْبَالِهِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ انْتَهَى.
(قُلْت) ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ التَّصَفُّحَ جَائِزٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِلضَّرُورَةِ وَأَمَّا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَهُوَ مِنْ الِالْتِفَاتِ إلَّا أَنَّ الِالْتِفَاتَ يَتَفَاوَتُ فَالتَّصَفُّحُ بِالْخَدِّ أَقْرَبُ وَأَخَفُّ مِنْ لَيِّ الْعُنُقِ وَلَيُّ الْعُنُقِ أَخَفُّ مِنْ الِالْتِفَاتِ بِالصَّدْرِ.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ الْتَفَتَ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ قَالَ: لَمْ أَسْأَلْ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَاخْتَصَرَ ذَلِكَ الْبَرَاذِعِيُّ فَقَالَ: وَلَا
стр. 548
يَلْتَفِتُ الْمُصَلِّي فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ قَالَ الْحَسَنُ: إلَّا أَنْ يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ زَادَ فِي الْأُمَّهَاتِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَقَوْلُهُ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: إلَّا أَنْ يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ يُرِيدُ أَوْ يُشَرِّقَ أَوْ يُغَرِّبَ وَهُوَ تَفْسِيرٌ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْهُ وَعَنْ أَبِي إبْرَاهِيمَ وَقَبِلَهُ وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلَوَى عُنُقَهُ فَقَطْ فَجَمِيعُ جَسَدِهِ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ خَلَا وَجْهَهُ وَهُوَ صُورَةُ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَلَمَّا كَانَ جَسَدُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ كَانَ حَقُّ الِاسْتِقْبَالِ قَائِمًا، وَكَذَلِكَ إذَا الْتَفَتَ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ وَرِجْلَاهُ مُسْتَقْبِلَتَانِ إلَى الْقِبْلَةِ فَحَقُّ الِاسْتِقْبَالِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا قَائِمٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَسَطِهِ إلَى أَسْفَلِهِ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ وَجَسَدُهُ أَيْضًا فِي حُكْمِ الْمُسْتَقْبِلِ وَإِنَّمَا هُوَ مُنْحَرِفٌ يَسِيرًا وَإِنَّمَا الْإِخْلَالُ بِوَجْهِهِ فَوْقَ الْإِخْلَالِ بِصَدْرِهِ. أَمَّا إذَا اسْتَقْبَلَ بِرِجْلَيْهِ جِهَةً غَيْرَ جِهَةِ الْقِبْلَةِ كَانَ تَارِكًا لِلتَّوَجُّهِ مُنْصَرِفًا عَنْ جِهَةِ الْبَيْتِ وَلَوْ حَوَّلَ وَجْهَهُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ جَعَلَ نَاحِيَةَ الْقِبْلَةِ خَلْفَ عَقِبَيْهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيْهَا بِوَجْهِهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي حَدِيثِ الْبُزَاقِ فِي الصَّلَاةِ: قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ «إذَا كُنْت فِي الصَّلَاةِ فَلَا تَبْزُقْ عَنْ يَمِينِك وَلَكِنْ خَلْفَك أَوْ تِلْقَاءَ شِمَالِك وَتَحْتَ قَدَمِك الْيُسْرَى» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ مُخَالِفًا لِلْقِبْلَةِ تَيَامُنًا أَوْ تَيَاسُرًا أَوْ إدْبَارًا لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إلَّا أَنْ يُتْبِعَهُ الْبَدَنَ فِي الْإِدْبَارِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ، إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ مُعَايِنًا لِلْبَيْتِ فَإِنَّهُ إنْ تَيَاسَرَ خَرَجَ عَنْهُ وَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُتْبِعَهُ الْبَدَنَ يُرِيدُ جَمِيعَ الْبَدَنِ حَتَّى الرِّجْلَيْنِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ وَلَوْ الْتَفَتَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ: مَعَ الْإِدْبَارِ، وَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ مُعَايِنًا لِلْبَيْتِ. إلَخْ يَعْنِي فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَأَيْضًا مَعَ التَّيَاسُرِ يُرِيدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ حَتَّى الرِّجْلَيْنِ وَمِثْلُهُ التَّيَامُنُ، وَإِنَّمَا خَصَّ التَّيَاسُرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي حَدِيثِ الْبُزَاقِ وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُعَايِنَ لِلْبَيْتِ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ مَعَ التَّيَاسُرِ وَالتَّيَامُنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُهَا فِي غَيْرِ الْمُعَايَنَةِ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِالتَّشْرِيقِ وَالتَّغْرِيبِ وَالِاسْتِدْبَارِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ ثُمَّ قَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي بَابِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَوْ رَدَّ رَأْسَهُ كُلَّهُ خَلْفَهُ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ بَدَنِهِ ذَلِكَ انْتَهَى. يَعْنِي مَا لَمْ يَسْتَدْبِرْ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ: الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَكُونَ بَصَرُ الْمُصَلِّي أَمَامَ قِبْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى شَيْءٍ أَوْ يُنَكِّسَ رَأْسَهُ وَهُوَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ خَشَعَ بِبَصَرِهِ وَوَقَعَ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ عَلَى مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْحَظَ بِبَصَرِهِ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَيْهِ فَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى.
[تَنْبِيه رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يُصَلِّي]
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي اللُّبَابِ: مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ: وَأَنْ يَضَعَ بَصَرَهُ فِي جَمِيعِ مَوْضِعِ سُجُودِهِ انْتَهَى. وَفِيهِ سَقْطٌ وَلَعَلَّ أَصْلَهُ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَقَالَ فِي الزَّاهِي: وَيَجْعَلُ بَصَرَهُ أَمَامَهُ وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَلْحَظَ بِبَصَرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَفِتَ وَلَا يَنْظُرَ حَيْثُ يَسْجُدُ انْتَهَى. وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الْمُصَلِّيَ يَجْعَلُ بَصَرَهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالصُّوفِيَّةُ بِأَسْرِهِمْ فَإِنَّهُ أَحْضَرُ لِلْقَلْبِ وَأَجْمَعُ لِلْفِكْرِ وَقَالَ مَالِكٌ: يَنْظُرُ أَمَامَهُ فَإِنَّهُ إذَا حَنَى رَأْسَهُ ذَهَبَ بَعْضُ الْقِيَامِ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ فِي الرَّأْسِ وَهُوَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ وَإِنْ أَقَامَ رَأْسَهُ وَتَكَلَّفَ النَّظَرَ بِبَعْضِ بَصَرِهِ إلَى الْأَرْضِ فَتِلْكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ وَحَرَجٌ وَإِنَّمَا أَمَرَنَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ جِهَةَ الْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ إعْرَاضٌ عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ إلَى السَّمَاءِ
стр. 549
ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْعُلَمَاءُ حِينَ رَأَوْا عَامَّةَ الْخَلْقِ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ سَالِمَةٌ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْخَطْفِ أَخْذُهَا عَنْ الِاعْتِبَارِ حَتَّى تَعْتَبِرَ بِآيَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ مَعْرَضٌ وَهُوَ أَشَدُّ الْخَطْفِ. قَالَ: وَنُكْتَةُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَلِّي: اللَّهُ أَكْبَرُ تُحَرِّمُ عَلَيْهِ الْأَفْعَالُ بِالْجَوَارِحِ وَالْكَلَامُ بِاللِّسَانِ وَنِيَّةُ الصَّلَاةِ تُحَرِّمُ عَلَيْهِ الْخَوَاطِرَ الْقَلْبِيَّةَ وَالِاسْتِرْسَالَ فِي الْأَفْكَارِ إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ ضَبْطَ السِّرِّ يَفُوتُ طَوْقَ الْبَشَرِ تَسَمَّحَ فِيهِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) وَيُكْرَهُ رَفْعُ الْبَصَرِ إلَى السَّمَاءِ وَلَوْ كَانَ فِي وَقْتِ الدُّعَاءِ اُنْظُرْ الْإِكْمَالَ وَالْأَبِيَّ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ.
ص (وَتَشْبِيكُ أَصَابِعً وَفَرْقَعَتُهَا)
ش: هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ فَالتَّشْبِيكُ لَا بَأْسَ بِهِ حَتَّى فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِتَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ يَعْنِي بِهِ الْمَسْجِدَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَأَوْمَأَ دَاوُد بْنُ قَيْسٍ لِيَدِ مَالِكٍ مُشَبِّكًا أَصَابِعَهُ بِهِ لِيُطْلِقَهُ وَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ ابْنُ رُشْدٍ صَحَّ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ تَشْبِيكُهُ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى وَأَمَّا فَرْقَعَةُ الْأَصَابِعِ فَتُكْرَهُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَخَصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ الْكَرَاهَةَ بِالْمَسْجِدِ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَغَيْرُهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِقْعَاءٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِقْعَاءَ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا فِي كُلِّ جُلُوسٍ فِي التَّشَهُّدِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلِمَنْ صَلَّى جَالِسًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْجَوَاهِرِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ.
ص (وَتَخَصُّرٌ)
ش: اُنْظُرْ الْعَارِضَةَ وَالتِّرْمِذِيَّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
ص (وَتَغْمِيضُ بَصَرِهِ)
ش: هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ فَتْحُ عَيْنَيْهِ يُشَوِّشُهُ وَأَمَّا لَوْ شَوَّشَهُ فَلَا. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ فِي مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُغْلِقَ عَيْنَيْهِ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يُشَوِّشُهُ انْتَهَى.
ص (وَرَفْعُهُ رِجْلًا وَوَضْعُ قَدَمٍ عَلَى أُخْرَى)
ش قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي بَابِ السَّهْوِ: وَتَرْوِيحُ رِجْلَيْهِ مُغْتَفَرٌ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَتَرْوِيحُ الرِّجْلَيْنِ أَنْ يَرْفَعَ وَاحِدَةً وَيَعْتَمِدَ عَلَى الْأُخْرَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهَذَا إنْ كَانَ لِطُولِ قِيَامٍ وَشَبَهِهِ وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ انْتَهَى وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُهُ مُطْلَقًا، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَكَلَامُهُ هَذَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَلِمَا سَيَقُولُهُ فِي فَصْلِ السَّهْوِ مِنْ أَنَّ تَرْوِيحَ رِجْلَيْهِ مُغْتَفَرٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ هُنَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِطُولِ قِيَامٍ وَشَبَهِهِ وَمَا فِي بَابِ السَّهْوِ مِنْ أَنَّ تَرْوِيحَ رِجْلَيْهِ مُغْتَفَرٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ لِطُولِ قِيَامٍ وَشَبَهِهِ فَيَتَّفِقُ كَلَامُهُ وَيَكُونُ تَابِعًا لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، كَمَا قَالَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: هَذَا مَكْرُوهٌ إلَّا لِطُولِ الْقِيَامِ، وَتَرْوِيحُ الرِّجْلَيْنِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى وَاحِدَةٍ وَيُقَدِّمَ الْأُخْرَى غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعَهَا وَيَضَعَهَا عَلَى سَاقِهِ، انْتَهَى.
فَجَعَلَ مِنْ تَرْوِيحِ الرِّجْلَيْنِ أَنْ يَقِفَ عَلَى وَاحِدَةٍ وَيُقَدِّمَ الْأُخْرَى فَيَكُونَ مُوجِبُ الْكَرَاهَةِ فِي ذَلِكَ تَقْدِيمَهُ إيَّاهَا وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُقَدِّمْهَا فَيَكُونُ هُوَ الْمَطْلُوبُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهِمَا مَعًا بِحَيْثُ يَجْعَلُ حَظَّهُمَا مِنْ الْقِيَامِ سَوَاءً مَكْرُوهٌ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُرَوِّحَ رِجْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَأَكْرَهُ أَنْ يَقْرِنَهُمَا يَعْتَمِدَ عَلَيْهِمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ عِيَاضٌ: يَعْنِي لَا يَقْرِنُهُمَا وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِمَا مَعًا بَلْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَيَعْتَمِدُ أَحْيَانًا عَلَى هَذِهِ، وَأَحْيَانًا عَلَى هَذِهِ وَأَحْيَانًا عَلَيْهِمَا وَهُوَ مَعْنَى يُرَوِّحُ، وَيُقَالُ: يُرَاوِحُ وَلَا يَجْعَلُ قِرَانَهُمَا سُنَّةَ الصَّلَاةِ فَهُوَ الصَّفْدُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ عَيْبٌ عِنْدَهُمْ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ وَلَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ تَفْرِيقُ الْقَدَمَيْنِ مِنْ عَيْبِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي قِرَانِهِمَا وَتَفْرِيقِهِمَا: ذَلِكَ وَاسِعٌ وَعَدَّهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ خِلَافًا مِنْ قَوْلِهِ وَعِنْدِي أَنَّ كُلَّهُ بِمَعْنَى الْتِزَامِ الْقِرَانِ وَجَعْلُهُ
стр. 550
مِنْ حُدُودِ الصَّلَاةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَكَذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ التَّفْرِيقَ مِنْ سُنَّتِهَا وَأَنَّ الْأَمْرَ مُوَسَّعٌ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَجْعَلُ مِنْ ذَلِكَ سُنَّةً وَلَا يَلْتَزِمُ حَالَةً وَاحِدَةً، انْتَهَى.
ص (وَإِقْرَانُهُمَا)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: كَرِهَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَقْرِنَ رِجْلَيْهِ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِمَا وَهُوَ الصَّفْدُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَفَسَّرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ بِأَنْ يَجْعَلَ حَظَّهُمَا مِنْ الْقِيَامِ سَوَاءً رَاتِبًا دَائِمًا، قَالَ: وَأَمَّا إنْ فَعَلَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا وَكَانَ مَتَى شَاءَ رَوَّحَ وَاحِدَةً وَوَقَفَ عَلَى الْأُخْرَى فَهُوَ جَائِزٌ انْتَهَى، وَانْظُرْ قَوْلَهُ: وَهُوَ الصَّفْدُ، وَقَالَهُ فِي الزَّاهِي فِي إلْصَاقِ الْقَدَمِ بِالْقَدَمِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَاسِعٌ وَلَيْسَ مِنْ فِعْلِ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ قَائِمًا فِي الصَّلَاةِ لَا يَتَحَرَّكُ مِنْهُ شَيْءٌ انْتَهَى.
ص (وَتَفَكُّرٌ بِدُنْيَوِيٍّ)
ش: قَالَ فِي اللُّبَابِ: وَمَا كَانَ مُشْغَلًا بِحَيْثُ لَا يَدْرِي مَا صَلَّى فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا، انْتَهَى.
ص (وَحَمْلُ شَيْءٍ بِكُمٍّ أَوْ فَمٍ)
ش صَرَّحَ فِي سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ بِأَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَفِي فَمِهِ دِرْهَمٌ وَخَفَّفَ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَجْعَلَ الدِّرْهَمَ فِي أُذُنِهِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشْغَلُهُ وَأَمَّا كَرَاهِيَتُهُ لِكَوْنِهِ فِي فِيهِ فَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ عَمَّا يَلْزَمُ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَى صَلَاتِهِ انْتَهَى.
ص (وَتَزْوِيقُ قِبْلَةٍ)
ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ: وَتَحْسِينُ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَتَحْصِينُهَا مِمَّا يُسْتَحَبُّ وَإِنَّمَا الَّذِي يُكْرَهُ تَزْوِيقُهَا بِالذَّهَبِ وَشَبَهِهِ وَالْكِتَابَةُ فِي قِبْلَتِهَا، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا وَرَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَقَالَ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ الصُّمَادِحِيُّ: سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْمَسَاجِدِ هَلْ يُكْرَهُ الْكِتَابَةُ فِيهَا فِي الْقِبْلَةِ بِالصِّبْغِ شِبْهَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ بِوَارِعِ الْقُرْآنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَنَحْوِهَا؟ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي الْقِبْلَةِ فِي الْمَسْجِدِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ التَّزَاوِيقِ وَيَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ، قَالَ: وَلَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُكْتَبَ الْقُرْآنُ فِي الْقَرَاطِيسِ فَكَيْفَ فِي الْجُدُرِ؟ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ هَذَا مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ كَرَاهَةِ تَزْوِيقِ الْمَسْجِدِ وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَا يُخْشَى عَلَى الْمُصَلِّينَ مِنْ أَنْ يُلْهِيَهُمْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِمْ وَقَدْ مَضَى بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الْحَدِيثِ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا وَرَسْمِ الشَّجَرَةِ تُطْعِمُ بَطْنَيْنِ فِي السَّنَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصُّ مَا فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ تُطْعِمُ بَطْنَيْنِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَقَدْ كُرِهَ لِلنَّاسِ تَزْوِيقُ الْقِبْلَةِ لِمَسْجِدٍ حَتَّى جَعْلٌ بِالذَّهَبِ وَبِالْفُسَيْفِسَاءِ وَذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ النَّاسَ فِي صَلَاتِهِمْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كَرَاهِيَةِ تَزْوِيقِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْ هَذَا كُرْهُ تَزْيِينِ الْمَصَاحِفِ بِالْخَوَاتِمِ وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا وَكُرِهَ فِي أَوَّلِ سَمَاعٍ مُوسَى أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ بِالصِّبْغِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ وَلِابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ نَافِعٍ فِي الْمَبْسُوطَةِ إجَازَةُ تَزْوِيقِ الْمَسَاجِدِ وَتَزْوِيقِهَا بِالشَّيْءِ الْخَفِيفِ وَمِثْلُ الْكِتَابَةِ فِي قِبْلَتِهَا مَا لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ زَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ، انْتَهَى.
فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي سَمَاعِ مُوسَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى تَزْيِينِ الْمَسَاجِدِ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الَّذِي فِيهِ إنَّمَا هُوَ الْكَلَامُ عَلَى تَزْيِينِ الْمَصَاحِفِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ تُطْعِمُ بَطْنَيْنِ وَكَذَا رَأَيْته فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ التَّمَاثِيلُ فِي نَحْوِ الْأَسِرَّةِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَكُرِهَ التَّمَاثِيلُ فِي نَحْوَ الْأَسِرَّةِ بِخِلَافِ الْبُسُطِ وَالثِّيَابِ الَّتِي تُمْتَهَنُ قَالَ الشَّيْخُ: التِّمْثَالُ إنْ كَانَ لِغَيْرِ حَيَوَانٍ كَالشَّجَرَةِ جَازَ وَإِنْ كَانَ لِحَيَوَانٍ
стр. 551
وَمَا لَهُ ظِلٌّ وَيُقِيمُ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعٍ وَكَذَا إنْ لَمْ يُقِمْ كَالْعَجِينِ خِلَافًا وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَهَنٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَإِنْ كَانَ مُمْتَهَنًا فَتَرْكُهُ أَوْلَى، انْتَهَى.
ص (وَتَعَمُّدُ مُصْحَفٍ فِيهِ لِيُصَلِّيَ لَهُ)
ش: وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ فِي الْمَسْجِدِ فَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي فَصْلِ النَّفْلِ.
ص (وَعَبَثٌ بِلِحْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا)
ش: مِنْ مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ التَّرَوُّحُ بِكُمِّهِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَهُ فِي اللُّبَابِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ طَلَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ فَيُحَوِّلُ خَاتَمَهُ فِي أَصَابِعِهِ أُصْبُعٍ أُصْبُعٍ لِلرُّكُوعِ فِي سَهْوِهِ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ سَهْوٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ لِرُكُوعِهِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمِ شَكٍّ فِي الَّذِي يُحْصِي الْآيَ بِيَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ فَأَجَازَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الشَّغْلُ الْيَسِيرُ مَكْرُوهًا فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ بِهِ إصْلَاحَ صَلَاتِهِ، وَقَوْلُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ، فِيهِ سَهْوٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ فِيهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ سَاهِيًا وَإِنَّمَا فَعَلَهُ عَامِدًا لِإِصْلَاحِ صَلَاتِهِ وَلَوْ فَعَلَهُ سَاهِيًا مِثْلَ مَنْ نَسِيَ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ تَخَرَّجَ إيجَابُ السُّجُودِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
[فَائِدَةٌ يَجْعَلُ خَاتَمَهُ فِي يَمِينِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ]
(فَائِدَةٌ) ، وَمَنْ الْعُتْبِيَّةِ أَيْضًا فِي رَسْمِ، وَمِنْ كِتَابٍ أَوَّلَهُ تَأْخِيرُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَجْعَلُ خَاتَمَهُ فِي يَمِينِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَجْعَلُ فِيهِ الْخَيْطَ لِحَاجَةٍ يُرِيدُهَا قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا ابْنُ رُشْدٍ وَجْهُ إجَازَةِ هَذَا وَتَخْفِيفِهِ لَائِحٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْخَتَمَ فِي الْيَسَارِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا كَانَ هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ إنَّمَا تُتَنَاوَلُ بِالْيَمِينِ فَهُوَ يَأْخُذُ الْخَاتَمَ بِيَمِينِهِ فَيَجْعَلُهُ فِي يَسَارِهِ، فَإِذَا جَعَلَهُ بِيَمِينِهِ لِيَتَذَكَّرَ بِذَلِكَ الْحَاجَةَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا جَعْلُهُ فِيهِ الْخَيْطَ فَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ السَّمَاجَةِ عِنْدَ مَنْ يُبْصِرُهُ وَيَرَاهُ وَلَا يَعْرِفُ مَقْصِدَهُ لِذَلِكَ وَمَغْزَاهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 552
[فَصْلٌ الْعَاجِزُ عَنْ قِيَامِ السُّورَةِ لِلصَّلَاةِ]
ص (فَصْلٌ يَجِبُ بِفَرْضٍ قِيَامٌ إلَّا لِمَشَقَّةٍ)
ش: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ بِفَرْضٍ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ فِي الْفَرْضِ مِنْ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ وَسَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَأْمُومًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقِيَامُ الْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ الْفَرْضُ وَمُدَّتُهَا لِلْمَأْمُومِ فَرْضٌ قَادِرٌ فِي الْفَرْضِ، ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ: الْعَاجِزُ عَنْ قِيَامِ السُّورَةِ يَرْكَعُ إثْرَ الْفَاتِحَةِ.
(قُلْت) : لِأَنَّ قِيَامَ السُّورَةِ لِقِرَاءَتِهَا فَرْضٌ كَوُضُوءِ النَّفْلِ لَا سُنَّةٌ كَمَا أَطْلَقُوهُ وَإِلَّا جَلَسَ وَقَرَأَهَا انْتَهَى، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيَامِ لِلْفَاتِحَةِ هَلْ هُوَ لِأَجْلِهَا أَوْ فَرْضٌ مُسْتَقِلٌّ؟ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ وَقَدَرَ عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَلَا يَجِبُ الْقِيَامُ عَلَى الْمَأْمُومِ إلَّا مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ انْتَهَى، وَانْظُرْ كَلَامَ صَاحِبِ الطِّرَازِ فِي فَصْلِ الْقِيَامِ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ الْقِيَامُ وَالْمُتَعَيَّنُ مِنْهُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْفَذِّ قَدْرُ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَعَلَى الْمَأْمُومِ قَدْرُ مَا يُوقِعُ فِيهِ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ. انْتَهَى
وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَكُلُّ سَهْوٍ، قَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ الْفَخَّارِ وَغَيْرُهُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ وَقَالَ: هَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا كَبَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ لَا يَحْمِلُهُ عَنْهُ الْإِمَامُ إلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا جَلَسَ الْمَأْمُومُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ وَقَامَ هُوَ وَرَكَعَ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ لَا يَحْمِلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ.
وَهَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنْ ابْنِ الْفَخَّارِ: وَكَذَلِكَ لَوْ جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ حَتَّى اطْمَأَنَّ الْإِمَامُ رَاكِعًا فَلْيَقُمْ وَلْيَرْكَعْ فَإِنْ لَمْ يَقُمْ لَمْ يَحْمِلْ الْإِمَامُ عَنْهُ، انْتَهَى. وَحَمْلُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي أَوْلَى لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْ كَلَامِهِ الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ
стр. 553
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ قُلْت وَالْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا لِقَوْلِهَا لَا يُصَلَّيَانِ فِي الْحِجْرِ كَالْفَرْضِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى الْأَرْضِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَيُصَلِّي فِي السَّفَرِ الَّذِي يُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ عَلَى دَابَّتِهِ أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ الْوِتْرَ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالنَّافِلَةَ، انْتَهَى. ابْنُ نَاجِي أَقَامَ بَعْضُ التُّونُسِيِّينَ مِنْ هُنَا أَنَّ الْوِتْرَ يُصَلَّى جَالِسًا اخْتِيَارًا وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ عَكْسَهُ مِنْ قَوْلِهَا لَا يُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ الْفَرِيضَةَ وَلَا الْوِتْرَ وَلَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْفَجْرَ لَا يُصَلَّى جَالِسًا؛ لِأَنَّهُ قَرَنَهُ بِالْفَرِيضَةِ وَالْوِتْرِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَاخْتَلَفَتْ فَتْوَى الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَأَفْتَى الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الرَّمَّاحِ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِالْمَنْعِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِوُجُوبِهِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ يَسْقُطُ عَنْ الْمَرِيضِ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ مَا عَجَزَ عَنْهُ]
(فَرْعٌ) يَسْقُطُ عَنْ الْمَرِيضِ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ مَا أُكْرِهَ الشَّخْصُ عَلَى تَرْكِهِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ: وَتَتَغَيَّرُ أَحْكَامُ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَصُوَرُهَا بِعَشْرَةِ أَسْبَابٍ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِالْقَصْرِ وَالْجَهْرِ وَلِصَلَاةِ الْخَوْفِ فِي جَمَاعَةٍ بِتَفْرِيقِ صَلَاتِهَا وَلِصَلَاةِ الْمُسَايِفِ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ وَبِالتَّقْصِيرِ فِي السَّفَرِ وَبِعُذْرِ الْمَرَضِ الْمَانِعِ مِنْ اسْتِيفَاءِ أَرْكَانِهَا فَيَفْعَلُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَبِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ وَالْمَنْعِ فَيَفْعَلُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَبِالْجَمْعِ لِلْمُسَافِرِ يَجِدُّ بِهِ السَّيْرُ فَيَجْمَعُ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ وَسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ بِحَسْبِ سَيْرِهِ وَالْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ لِلْعِشَاءَيْنِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، وَالْجَمْعُ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَوَّلَ الزَّوَالِ وَبِمُزْدَلِفَةَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَالْجَمْعُ لِلْمَرِيضِ يَخَافُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ فَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ أَرْفَقَ بِهِ فَوَسَطُهُ، انْتَهَى.
قَالَ الْقَبَّابُ: قَوْلُهُ وَبِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ مَنَعَهُ وَقَهَرَهُ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ وَقَهْرٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا يُسْقِطُ عَنْهُ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَيَفْعَلُ سَائِرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ إحْرَامٍ وَقِرَاءَةٍ وَإِيمَاءٍ كَمَا يَفْعَلُ الْمَرِيضُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا سِوَاهُ، انْتَهَى.
(قُلْت) وَيَدُلُّ لِذَلِكَ صَلَاةُ الْمُسَايَفَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الْمُصَلِّي جَالِسًا إذَا دَنَا مِنْ رُكُوعِهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي جَالِسًا إذَا دَنَا مِنْ رُكُوعِهِ أَنْ يَقُومَ فَيَقْرَأَ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ آيَةً ثُمَّ يَرْكَعَ قَائِمًا التِّلِمْسَانِيُّ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ ﷺ «يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ قَامَ فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ» . قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فَاسْتَحَبَّ لَهُ مَالِكٌ ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِهِ ﵊ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَلِأَنَّ فِعْلَ الرُّكُوعِ مِنْ الْقِيَامِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ مِنْ الْجُلُوسِ، انْتَهَى.
ص (ثُمَّ اسْتِنَادٌ لَا لِجُنُبٍ وَحَائِضٍ وَلَهُمَا أَعَادَ بِوَقْتٍ ثُمَّ جُلُوسٌ)
ش: مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الِاسْتِنَادِ وَالْجُلُوسِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالشَّيْخُ زَرُّوق أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ ذَكَرَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ وَلَهُمَا أَعَادَ بِوَقْتٍ اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْوَقْتِ هَلْ الضَّرُورِيُّ أَوْ الْمُخْتَارُ؟ وَالظَّاهِرُ الضَّرُورِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: ذَهَبَ أَكْثَرُ شُيُوخِنَا إلَى أَنَّ عِلَّةَ الْإِعَادَةِ كَوْنُ الْمُصَلِّي بَاشَرَ نَجَاسَةً فِي أَثْوَابِهَا فَكَانَ كَالْمُصَلِّي عَلَيْهَا، انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَرَبُّعٌ كَالْمُتَنَفِّلِ)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ
стр. 554
لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ وَقَعَدَ فَلَا يَتَعَيَّنُ فِي الْقُعُودِ هَيْئَةٌ لِلصِّحَّةِ وَلَكِنَّ الْإِقْعَاءَ مَكْرُوهٌ وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى وَرِكَيْهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ وَالْمَشْهُورُ أَنْ يَتَرَبَّعَ فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ.
ص (وَلَوْ سَقَطَ قَادِرٌ بِزَوَالِ عِمَادٍ بَطَلَتْ)
ش: هَذَا إنْ فَعَلَهُ مُتَعَمِّدًا قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَوْ فَعَلَهُ سَهْوًا بَطَلَتْ رَكْعَتُهُ الَّتِي فَعَلَ فِيهَا ذَلِكَ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا حَكَى هَذَا فَانْظُرْهُ انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ أَنَّ الَّذِي أَنْكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ.
وَقَدْ يُقَالُ: يُجْزِئْهُ؛ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ هَلْ هُوَ فَرْضٌ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ: لَمْ أَقْدِرْ أَنْ أَقِفَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْقِيَامِ إلَّا مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ، انْتَهَى. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ فَظَاهِرٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَانْظُرْ الطِّرَازَ فَإِنَّهُ قَالَ: الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَأَسَاءَ.
وَظَاهِرُهُ فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ " وَلَا يَتَوَكَّأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ عَلَى عَصَى أَوْ حَائِطٍ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي النَّافِلَةِ " ابْنُ نَاجِي لَفْظُ ابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ لَا يُعْجِبُنِي وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْكَرَاهَةِ وَمَحِلُّهُ حَيْثُ يَكُونُ الِاتِّكَاءُ خَفِيفًا بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ لَمَا سَقَطَ وَإِلَّا بَطَلَتْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ وَاضِحٌ إذَا كَانَ فِي قِيَامِ الْفَاتِحَةِ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي قِيَامِ السُّورَةِ فَالْجَارِي عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَهَا سُنَّةٌ فَمَنْ تَرَكَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَا زِلْتُ أَذْكُرُهُ فِي دَرْسِ شَيْخِنَا حَفِظَهُ اللَّهُ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ وَقَوْلُ بَعْضِ شُيُوخِنَا الْأَقْرَبُ أَنَّ الْقِيَامَ لِلسُّورَةِ فَرْضٌ لِمَنْ أَرَادَهَا كَالْوُضُوءِ لِلنَّافِلَةِ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
стр. 555
ص (وَإِنْ خَفَّ مَعْذُورٌ انْتَقَلَ لِلْأَعْلَى) ش لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَ الْعُذْرُ عَنْهُ وَجَبَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَصْلِ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَخَرَجَ قَوْلٌ بِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ وَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ يُتِمُّهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ لِتَوَقُّفِ بَعْضِ النَّاسِ فِيهِ قَائِلًا: مَنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ؟ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى نَصٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَانْظُرْ الْجَوَاهِرَ فَإِنَّهُ فَرَّعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمٍ يُوصِي لِمُكَاتَبِهِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَعْرِضُ لَهُ الْمَرَضُ فَيُصَلِّي قَاعِدًا ثُمَّ يَذْهَبُ ذَلِكَ عَنْهُ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ هَلْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ ص (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ فَاتِحَةٍ قَائِمًا جَلَسَ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ قَائِمًا فَالْمَشْهُورُ الْجُلُوسُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: اُنْظُرْ كَيْفَ صُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْقِيَامِ أَتَى بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِقْدَارَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ خَاصَّةً أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إنَّمَا هُوَ الْقِيَامُ مَعَ الْقِرَاءَةِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الْقِيَامِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَتَى بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ وَسَقَطَ عَنْهُ مَا بَقِيَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ يَعْنِي إذَا عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ قَائِمًا وَلَمْ يَعْجِزْ عَنْهَا فِي حَالِ الْجُلُوسِ لِدَوْخَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَأْتِي بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقِيَامُ لِلْبَاقِي وَيَأْتِي بِهِ فِي حَالِ الْجُلُوسِ.
(تَنْبِيهٌ) وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقِيَامُ جُمْلَةً حَتَّى لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ مُقَيَّدًا بِمَا إذَا قَامَ لَمْ يَقْدِرْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْجُلُوسِ قَالَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَالْقَوْلُ الشَّاذُّ يُصَلِّي قَائِمًا، يُرِيدُ وَلَا يَقْرَؤُهَا فَإِذَا كَانَ فِي الْأَخِيرَةِ جَلَسَ لِيَقْرَأَهَا وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَالثَّانِي يُخَرَّجُ عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ فِي رَكْعَةٍ وَهُوَ غَيْرُ مَنْصُوصٍ انْتَهَى. كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْقَادِرُ عَلَى قِيَامِ الْفَاتِحَةِ دُونَ قِرَاءَتِهَا يَجْلِسُ ابْنُ بَشِيرٍ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَوْ جُلِّهَا يَقُومُ قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ سَوَاءٌ فِي رَكْعَةٍ أَوْ فِي أَقَلِّهَا، وَفِي غَيْرِهَا يَجْلِسُ لِيَقْرَأَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ قَائِمًا فَالْمَشْهُورُ الْجُلُوسُ فِي تَصَوُّرِهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي إنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الْقِيَامِ أَوْ الْقِرَاءَةِ سَقَطَ.
(قُلْت) قَدْ صَوَّرَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ قِيَامِ الْفَاتِحَةِ جَلَسَ لِتَمَامِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ، انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(قُلْت) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ عَجَزَ عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي حَالِ الْقِيَامِ أَوْ قِرَاءَةِ شَيْءٍ وَيَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ قَدْرَ قِرَاءَتِهَا وَعَلَى قِرَاءَتِهَا فِي حَالِ الْجُلُوسِ فَحُكْمُهُ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي رَكْعَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ إلَّا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجْلِسُ لِيَأْتِيَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا مَنْ قَدَرَ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ قَائِمًا ثُمَّ يُكْمِلُ بَقِيَّتَهَا فِي حَالِ الْجُلُوسِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْقِيَامِ ثُمَّ يَأْتِيَ بِالْبَاقِي جَالِسًا بَلْ إنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَنْهَضَ بَعْدَ فَرَاغِ الْفَاتِحَةِ لِلْقِيَامِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ لِيَأْتِيَ بِالرُّكُوعِ وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُتَقَدِّمِ وَكَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَمِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَمِنْ آخِرِ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَمِنْ كَلَامِهِ فِي الْجَوَاهِرِ فَإِنَّهُ قَالَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ مَا إذَا خَفَّ الْمَرِيضُ لِحَالَةٍ أَعْلَى مِنْ حَالَتِهِ الْأُولَى: فَإِذَا وَجَدَ الْقَاعِدُ خِفَّةً فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ فَلْيُبَادِرْ إلَى الْقِيَامِ وَإِنْ خَفَّ بَعْدَ فَرَاغِهَا لَزِمَهُ الْقِيَامُ لِلْهُوِيِّ إلَى الرُّكُوعِ وَلَا يَعْتَبِرُ الطُّمَأْنِينَةَ، انْتَهَى.
وَأَمَّا عِبَارَةُ ابْنِ بَشِيرٍ فَأَوَّلُهَا مُشْكِلٌ وَآخِرُهَا يَقْتَضِي مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ إنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ لَكِنْ عَجَزَ عَنْ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ فَيُصَلِّي بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَالْقِصَارِ مِنْ السُّوَرِ أَوْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ خَاصَّةً فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ لِكَمَالِ أُمِّ الْقُرْآنِ فَهَهُنَا مُقْتَضَى الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى الْجُلُوسِ وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ أُمَّ الْقُرْآنِ فَرْضٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي
стр. 556
رَكْعَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ مِقْدَارَ مَا يُمْكِنُهُ إلَّا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ لِيَأْتِيَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ لَكِنْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ هَلْ الْقِيَامُ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ أَوْ مَقْصُودٌ لِلْقِرَاءَةِ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ الْإِتْيَانُ بِهَا سَقَطَ، وَكَذَا يَجْرِي الْأَمْرُ إنْ قُلْنَا: إنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي الْجُلِّ فَيَخْتَلِفُ فِي الْأَقَلِّ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، انْتَهَى.
فَأَوَّلُ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا عَجَزَ عَنْ قِرَاءَةِ جَمِيعِ الْفَاتِحَةِ فِي حَالِ قِيَامِهِ وَيَقْدِرُ عَلَى قِرَاءَةِ بَعْضِهَا وَآخِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْهَا فِي حَالِ الْقِيَامِ وَيُرَجِّحُ هَذَا الْأَخِيرَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ دُونَ الْقِرَاءَةِ صَلَّى جَالِسًا انْتَهَى.
ص (وَجَازَ قَدْحُ عَيْنٍ أَدَّى لِجُلُوسٍ لَا اسْتِلْقَاءٍ)
ش: قَالَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَسْأَلَةٌ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إذَا كَانَ بِهِ وَجَعٌ فِي عَيْنِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَقْدَحَهُ لِيَزُولَ الْوَجَعُ وَيُصَلِّي عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ بِلَا اخْتِلَافٍ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ وَأَرَادَ قَدْحَ عَيْنَيْهِ لِيَعُودَ إلَيْهِ بَصَرُهُ لَا غَيْرُ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الِاخْتِلَافِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَوَانِينِ مَنْ بِهِ رَمَدٌ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالِاضْطِجَاعِ صَلَّى مُضْطَجِعًا وَاخْتُلِفَ فِي قَادِحِ الْمَاءِ مِنْ عَيْنَيْهِ، انْتَهَى. وَقَالَ أَشْهَبُ إنَّهُ جَائِزٌ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَالْفَتْوَى عِنْدَنَا بِإِفْرِيقِيَّةَ بِقَوْلِ أَشْهَبَ انْتَهَى.
ص (وَلِمَرِيضٍ سَتْرُ نَجَسٍ بِطَاهِرٍ)
ش: وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالْمُدَوَّنَةِ: وَنَصُّ مَا فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ " وَيُجْزِئُ عَلَيْهَا إذَا فَرَشَ ثَوْبًا عَلَى حَرِيرٍ وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَا إجْزَاءَ وَأَجْرَاهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْوَسِيطِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْإِبْيَانِيُّ وَإِنْ كَانَ أَسْفَلَ نَعْلِهِ نَجَاسَةٌ فَنَزَعَهُ وَوَقَفَ عَلَيْهِ جَازَ كَظَهْرِ حَصِيرٍ نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَبِهِ الْفَتْوَى وَلَا أَعْرِفُ غَيْرَهُ وَعَلَيْهِ صَلَاةُ النَّاسِ عَلَى الْجِنَازَةِ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْفَرْعُ لِلشَّيْخِ أَعْنِي قَوْلَهُ أَوْ كَانَتْ أَسْفَلَ نَعْلٍ فَخَلَعَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَلِمُتَنَفِّلٍ جُلُوسٌ وَلَوْ فِي أَثْنَائِهَا)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ جَالِسًا جَازَ لَهُ الْقِيَامُ فِي بَقِيَّتِهَا بِلَا خِلَافٍ ثُمَّ إنْ شَاءَ الْجُلُوسَ بَعْدَ أَنْ قَامَ جَرَى ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ مَنْ ابْتَدَأَهَا قَائِمًا وَانْظُرْ إذَا افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ شَاءَ الْجُلُوسَ وَقُلْنَا لَهُ ذَلِكَ فَجَلَسَ ثُمَّ شَاءَ الْقِيَامَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ مِنْ بَابٍ أَحْرَى فَتَأَمَّلْهُ. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَأَمَّا الْعَكْسُ وَهُوَ إذَا صَلَّى جَالِسًا ثُمَّ شَاءَ الْقِيَامَ فَلَهُ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى، انْتَهَى. وَانْظُرْ إذَا الْتَزَمَ الْجُلُوسَ هَلْ لَهُ الْقِيَامُ أَوْ لَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ افْتَتَحَ النَّافِلَةَ جَالِسًا ثُمَّ شَاءَ الْقِيَامَ أَوْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ شَاءَ الْجُلُوسَ فَذَلِكَ لَهُ ابْنُ نَاجِي. أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَالِاتِّفَاقُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَاخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ الْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَجْلِسُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَقِيلَ إنْ نَوَى الْقِيَامَ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا وَنَصَّ أَبُو عِمْرَانَ عَلَى أَنَّ
стр. 557
مَنْ افْتَتَحَ سُورَةً طَوِيلَةً فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُتِمَّهَا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي النَّافِلَةِ لِلْقَادِرِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ فِي النَّافِلَةِ وَيَسْتَلْزِمُ جَوَازَ الِاسْتِنَادِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي غَيْرِ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ كَالْوِتْرِ وَالْخُسُوفِ وَانْظُرْ إذَا أَدَّاهَا الصَّحِيحُ جَالِسًا اخْتِيَارًا، انْتَهَى. وَذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَزَادَ الْعِيدَيْنِ وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي فِي الْوِتْرِ وَالْفَجْرِ.
(قُلْت) وَقَدْ صَرَّحَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ تَرْجَمَةِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ بِجَوَازِ الِاتِّكَاءِ فِي النَّافِلَةِ عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلِلْقَادِرِ جُلُوسُهُ فِي النَّفْلِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَدُّ إحْدَى رِجْلَيْهِ إنْ عَيِيَ وَرُكُوعُهُ إيمَاءً جَالِسًا وَقَائِمًا وَاسْتِنَادُهُ قَائِمًا خَفَّفَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَرَوَى أَشْهَبُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ مِنْ ضَعْفٍ وَلِابْنِ رُشْدٍ عَنْهُ كَرَاهَتُهُ إنْ قَصُرَتْ وَفِي إيمَائِهِ بِالسُّجُودِ جَالِسًا الشَّيْخُ ثَالِثُهَا يُكْرَهُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَعِيسَى وَابْنِ الْقَاسِمِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ صَلَاةَ الْجَالِسِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ أَخْبَرَ ﷺ أَنَّ «صَلَاةَ الْجَالِسِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» لَكِنْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ هَلْ انْحِطَاطُ الْأَجْرِ يَخْتَصُّ بِالْقَادِرِ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِحَظِّهِ فِي الْقِيَامِ أَوْ يَعُمُّ الْعَاجِزَ وَالْقَادِرَ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ انْتَهَى. وَاقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كَافِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
[فَرْعٌ الْمُصَلِّي فِي الْمَحْمَلِ أَيْنَ يَضَعُ يَدَيْهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: وَسُئِلَ عَنْ الْمُصَلِّي فِي الْمَحْمَلِ أَيْنَ يَضَعُ يَدَيْهِ فَقَالَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَوْ فَخِذَيْهِ قِيلَ لَهُ: فَالْمُصَلِّي عَلَى الدَّابَّةِ، قَالَ: مِثْلُ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَوْ فَخِذَيْهِ إذَا رَكَعَ وَإِذَا تَشَهَّدَ. وَأَمَّا مَا فِي سَائِرِ الصَّلَاةِ فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ تَكُونَ يَدَاهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، انْتَهَى.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ لِي مَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَيْرَ هَذِهِ مَنْ تَنَفَّلَ فِي الْمَحْمَلِ فَقِيَامُهُ تَرَبُّعٌ وَيَرْكَعُ مُتَرَبِّعًا وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهِ قَالَ مَالِكٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عَنْ رُكْبَتَيْهِ وَلَا أَحْفَظُ رَفْعَ يَدَيْهِ عَنْ رُكْبَتَيْهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثُمَّ قَالَ إذَا هَوَى لِلسُّجُودِ ثَنَى رِجْلَيْهِ وَأَوْمَأَ بِالسُّجُودِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُثْنِيَ رِجْلَيْهِ أَوْمَأَ مُتَرَبِّعًا انْتَهَى.
ص (إنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الْإِتْمَامِ)
ش: إمَّا بِأَنْ نَوَى أَنْ يَجْلِسَ أَوْ نَوَى الْقِيَامَ وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَرَى عَلَى كَلَامِ اللَّخْمِيِّ مِنْ أَنَّهُ إذَا الْتَزَمَ الْقِيَامَ لَا يَجْلِسُ وَإِذَا نَوَى الْجُلُوسَ أَوَّلًا جَلَسَ وَإِنْ نَوَى الْقِيَامَ وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ فَقَوْلَانِ شَهَّرَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ أَعَمُّ وَضَعَّفَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ اللَّخْمِيّ وَنَصُّهُ وَفِي جَوَازِ جُلُوسِ مُبْتَدِئِهِ قَائِمًا اخْتِيَارًا قَوْلَانِ لَهَا وَلِأَشْهَبَ وَفِي بَقَاءِ خِلَافِهِمَا لَوْ ابْتَدَأَهَا نَاوِيًا قِيَامَهَا قَوْلَانِ لِابْنِ رُشْدٍ مَعَ أَبِي عِمْرَانَ وَبَعْضِ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ قَائِلًا يَصِيرُ بِالنِّيَّةِ كَنَذْرٍ كَقَوْلِهَا فِي لَغْوِ مَا نَوَى مِنْ سُورَةٍ طَوِيلَةٍ وَلُزُومِهَا اللَّخْمِيُّ، إنْ نَوَى تَمَامَهَا جَالِسًا أَوْ الْتَزَمَهُ قَائِمًا جَازَ جُلُوسُهُ وَلَزِمَ قِيَامُهُ وَإِنْ نَوَاهُ وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ فَقَوْلَاهُمَا وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يُوجِبُ لُزُومَ الْقِيَامِ إذْ لَهُ الْإِحْرَامُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي الْجُلُوسِ وَالْقِيَامِ، انْتَهَى.
(قُلْت) مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ نَوَاهُ فَقَوْلَانِ هُمَا قَصْرٌ قَوْلُ أَشْهَبَ عَلَى نَاوِي الْقِيَامِ وَهُوَ عَامٌّ فِيهِ وَفِي غَيْرِ نَاوِيهِ وَهُوَ مُقْتَضَى اسْتِدْلَالِهِ عَلَى تَصْوِيرِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ: فَأَوَّلُ قَوْلِهِ وَآخِرُهُ مُتَنَافِيَانِ وَالْخِلَافُ فِي لُزُومِ مَا نَوَى كَالْخِلَافِ فِي لُزُومِ الطَّلَاقِ بِالنِّيَّةِ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ جَيِّدٌ قَلِقٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ]
(فَصْلٌ وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقًا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ: " وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً بَقِيَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا وَلْيَبْدَأْ بِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ وَقْتِهَا " ابْنُ نَاجِي يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ قَضَاءَ الْمَنْسِيَّاتِ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ
стр. 558
إنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ وَلَا قِيَامَ رَمَضَانَ إلَّا وِتْرَ لَيْلِهِ وَفَجْرَ يَوْمِهِ.
(قُلْت) وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ وَلَا يَبْخَسَ نَفْسَهُ مِنْ الْفَضِيلَةِ، انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَنَصُّ لَفْظِهِ مِنْ الْأَجْوِبَةِ مَنْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ أُمِرَ أَنْ يُصَلِّيَ مَتَى قَدَرَ وَوَجَدَ السَّبِيلَ إلَى ذَلِكَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ دُونَ أَنْ يُضَيِّعَ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ حَوَائِجِ دُنْيَاهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ فِي أَوْقَاتِ الْفَرَاغِ بِالنَّافِلَةِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّي قَبْلَ تَمَامِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَنْسِيَّاتِ الصَّلَوَاتُ الْمَسْنُونَةُ وَمَا خَفَّ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ الشَّفْعِ الْمُتَّصِلِ بِوِتْرِهِ لِخِفَّةِ ذَلِكَ وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْوَادِي» .
قَالَ: وَأَمَّا مَا كَثُرَ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا كَقِيَامِ رَمَضَانَ فَلَا، انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَاخْتُلِفَ فِي تَنَفُّلِهِ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ وَقِيلَ هُوَ مَأْثُومٌ مِنْ وَجْهٍ مَأْجُورٌ مِنْ وَجْهٍ وَكَانَ شَيْخُنَا الْقُورِيُّ يُفْتِي بِأَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ النَّفَلَ لِلْفَرْضِ فَلَا يَتَنَفَّلُ وَإِنْ كَانَ لِلْبَطَالَةِ فَتَنَفُّلُهُ أَوْلَى وَلَمْ أَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ أَتَى بِهِ، انْتَهَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) مِنْ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ إذَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْفَوَائِتُ وَلَمْ يَحْصُرْهَا فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى قَدْرَهَا وَيَحْتَاطُ لِدِينِهِ فَيُصَلِّي مَا يَرْفَعُ الشَّكَّ عَنْهُ وَشَكٌّ بِلَا عَلَامَةٍ وَسْوَسَةٌ فَلَا يَقْضِي كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَجَائِزُ وَالْجُهَّالُ، وَقَالَ شَيْخُنَا السَّنُوسِيُّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ: إنَّهُ لَا يَقْضِي إلَّا بِغَالِبِ ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ مُؤَثِّرٍ فِي النَّفْسِ هَذَا مَعْنَى مَا سَمِعْت مِنْهُ وَرَأَيْت مَنْ يَجْعَلُ فِي مَوْضِعِ كُلِّ نَافِلَةٍ فَرِيضَةً لِاحْتِمَالِ الْخَلَلِ فِي فَرَائِضِهِ وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ، انْتَهَى.
اُنْظُرْ كَلَامَهُ فِي الْكِتَابِ الْمُسَمَّى وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلْيَتَوَقَّ أَوْقَاتَ النَّهْيِ حَيْثُ يَكُونُ إتْيَانُهُ بِهَا لِلشَّكِّ فِيهَا وَهُوَ وَاضِحٌ انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَوْلُهُ وَكَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ يَعْنِي مِنْ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ مَا لَمْ يَخْرُجْ لِحَدِّ التَّفْرِيطِ وَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ بَلْ يَجْتَهِدُ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَعَ التَّكَسُّبِ لِعِيَالِهِ وَنَحْوِهِ لَا كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ: إنْ قَضَى فِي كُلِّ يَوْمٍ يَوْمَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا وَيَذْكُرُ خَمْسًا فَأَمَّا مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَاةٌ كَمَا تَقُولُ الْعَامَّةُ: فِعْلٌ لَا يُسَاوِي بَصَلَةً وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَدَعُهُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ وَقَدْ مَنَعُوهُ مِنْ التَّنَفُّلِ مُطْلَقًا وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يُفْتِي بِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَتْرُكُ الْجَمِيعَ فَلَا يَتْرُكُ النَّافِلَةَ وَإِنْ كَانَ يَفْعَلُ الْفَرْضَ فَلَا يَتَنَفَّلُ ابْنُ الْحَاجِبِ
وَيُعْتَبَرُ فِي الْفَوَائِتِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَإِنْ شَكَّ أَوْقَعَ أَعْدَادًا تُحِيطُ بِجِهَاتِ الشُّكُوكِ خَلِيلٌ قَوْلُهُ فَإِنْ شَكَّ أَيْ فِي الْإِتْيَانِ أَوْ فِي الْأَعْيَانِ أَوْ فِي التَّرْتِيبِ وَبَيَانُ ذَلِكَ وَاسِعٌ فَانْظُرْهُ (تَنْبِيهٌ) الشَّكُّ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ لِعَلَامَةٍ لَغْوٌ؛ لِأَنَّهُ وَسْوَسَةٌ فَلَا قَضَاءَ إلَّا لِشَكٍّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَقَدْ أُولِعَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُنْتَمِينَ لِلصَّلَاحِ بِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْفَوَاتِ أَوْ ظَنِّهِ أَوْ شَكٍّ فِيهِ وَيُسَمُّونَهُ صَلَاةَ الْعُمْرِ وَيَرَوْنَهَا كَمَالًا، وَيُرِيدُ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي نَافِلَةً أَصْلًا بَلْ يَجْعَلُ فِي مَحَلِّ كُلِّ نَافِلَةٍ فَائِتَةً لِمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ نَقْصٍ أَوْ تَقْصِيرٍ أَوْ جَهْلٍ وَذَلِكَ بَعِيدٌ عَنْ حَالِ السَّلَفِ وَفِيهِ هِجْرَانُ الْمَنْدُوبَاتِ وَتَعَلُّقٌ بِمَا لَا أَجْرَ لَهُ وَقَدْ سَمِعْت شَيْخَنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ السَّنُوسِيَّ ثُمَّ التِّلِمْسَانِيَّ يَذْكُرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مَنْصُوصٌ فَحَنَقْتُهُ عَلَيْهِ فَقَالَ نَصَّ عَلَيْهِ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ نَعَمْ رَأَيْت لِسَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَلَّالِيِّ فِي اخْتِصَارِ الْإِحْيَاءِ عَكْسَهُ فَانْظُرْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَالْعَمَلُ بِالْعِلْمِ خَيْرٌ كُلُّهُ وَعَكْسُهُ عَكْسُهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ صَلَّاهَا عَلَى نَحْوِ مَا فَاتَتْهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ وَيُعْتَبَرُ طُولُ الْقِرَاءَةِ وَقِصَرُهَا كَالْحَوَاضِرِ وَكُلُّ ذَلِكَ خَفِيفٌ بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ انْتَهَى. وَفِي الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً نَسِيَهَا وَإِنْ ذَكَرَ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً صَلَّاهَا عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ كَمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَذَهَبَ فِي حَوَائِجِهِ فَإِذَا فَرَغَ صَلَّى أَيْضًا حَتَّى يُتِمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَيُصَلِّيَ صَلَاةَ اللَّيْلِ
стр. 559
فِي النَّهَارِ وَيَجْهَرُ وَصَلَاةَ النَّهَارِ فِي اللَّيْلِ وَيُسِرُّ ابْنُ نَاجِي أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَذَهَبَ فِي حَوَائِجِهِ أَيْ الضَّرُورِيَّةِ وَظَاهِرُهَا أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ عَلَى التَّرَاخِي وَقِيلَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ وَلَا يَكُونُ مُفَرِّطًا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ وَحَكَاهُ التَّادَلِيُّ وَعَوَامُّ الْقَيْرَوَانِ عِنْدَنَا بِأَجْمَعِهِمْ يَقُولُونَ مَنْ قَضَى صَلَاةً لَا يَكُونُ مُفْرِطًا فَلَعَلَّهُمْ سَمِعُوهُ مِنْ مَشْيَخَتِهِمْ وَأَفْتَى شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِتَيَمُّمِ مَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ لِعَدَمِ الْمَاءِ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي كَالْيَائِسِ مِنْ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ عِنْدَ الزَّوَالِ، انْتَهَى.
وَقَدْ نَصَّ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ عَلَى مَنْ ضَيَّعَ الصَّلَاةَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ عَلَى أَدَائِهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ أَوْ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا عَلَى حَالِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَنَصُّهُ مَنْ ضَيَّعَ صَلَاةً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ فَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَهَا حَالَ عَجْزِهِ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّيهَا جَالِسًا وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا إنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ فَرَّطَ فِي الصَّلَاةِ مَعَ إمْكَانِ أَدَائِهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ قَضَاهَا بِالتَّيَمُّمِ لِعَدَمِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا ثَانِيَةً عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، انْتَهَى. ذُكِرَ هَذَا فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَرْطُ صِحَّتِهِ بِالْعَجْزِ عَنْ الْعِتْقِ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَوْلُهُ " فَأَرَادَ " لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ وَيَكُونُ دَاخِلًا فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَعَ تَنَاوُلِهِ الْكَثِيرَةَ وَالْيَسِيرَةَ وَالْقَضَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَمَنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ وَالْمُسْتَحَاضَةَ وَالْحَرْبِيَّ.
[مَسْأَلَةٌ أَجَرَ نَفْسَهُ ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ مَنْسِيَّاتٍ يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَضَرِيَّةِ]
(مَسْأَلَةٌ) لَوْ أَجَرَ نَفْسَهُ ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ مَنْسِيَّاتٌ يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَضَرِيَّةِ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي عَنْ الْوَانُّوغِيِّ قَالَ شَيْخُنَا: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِقَوْلِهَا فِي الْغَصْبِ وَالرَّهْنِ وَاللُّقَطَةِ الْمَشَذَّالِيُّ مَسْأَلَةُ الرَّهْنِ مَنْ رَهَنَ عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ وَمَسْأَلَةُ الْغَصْبِ مَنْ بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ وَمَسْأَلَةُ اللُّقَطَةِ مَنْ بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْجَمِيعُ وَالْجَامِعُ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ فَلَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ لِلتُّهْمَةِ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
ص (وَالْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا)
ش: أَيْ وَوَجَبَ مَعَ الذِّكْرِ تَرْتِيبُ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ فَلَا يُعِيدُهَا أَصْلًا ذَاكِرًا كَانَ أَوْ نَاسِيًا عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ إذْ بِالْفَرَاغِ مِنْهَا خَرَجَ وَقْتُهَا انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي الشَّامِلِ
стр. 560
فِيهِ خِلَافًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (قَطْعُ فَذٍّ)
ش: أَيْ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْطَعْ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ نَاجِي وَذَكَرَ عَنْ الْمَغْرِبِيِّ حَمْلُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ مُسْتَحَبٌّ فَتَأَمَّلْهُ قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ وَمَعْنَى قَطْعٍ أَيْ بِغَيْرِ سَلَامٍ وَقَالَ بَعْدَهُ أَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ النِّيَّةَ كَافِيَةٌ فِي الْقَطْعِ ص (وَإِمَامٍ)
ش: قَالَ سَنَدٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ يَسْتَخْلِفُونَ يُقْطَعُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ ذَكَرُوا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ يَقْطَعُونَ مَعَهُ فَيَكُونُ حُكْمُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَذِّ فَانْظُرْهُ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ يُفَارِقُ الْإِمَامُ الْفَذَّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَقْطَعُ مُطْلَقًا وَالْفَذُّ يَجْعَلُهَا نَافِلَةً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ انْتَهَى. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ ص (وَكَمَّلَ فَذٌّ بَعْدَ شَفْعٍ مِنْ الْمَغْرِبِ كَثَلَاثٍ مِنْ غَيْرِهَا)
ش: أَيْ يُكْمِلُ بِنِيَّةِ الْفَرِيضَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَنَدٌ عَنْ صَاحِبِ النُّكَتِ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُكَمِّلُهَا يُرِيدُ وَلَا يَجْعَلُهَا نَافِلَةً قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَيَكُونُ كَمَنْ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 561
ص (وَإِنْ جَهِلَ عَيْنَ مَنْسِيَّةٍ مُطْلَقًا صَلَّى خَمْسًا وَإِنْ عَلِمَهَا دُونَ يَوْمِهَا صَلَّاهَا نَاوِيًا لَهُ وَإِنْ نَسِيَ صَلَاةً وَثَانِيَتَهَا صَلَّى سِتًّا وَنُدِبَ تَقْدِيمُ ظُهْرٍ وَفِي ثَالِثَتِهَا أَوْ رَابِعَتِهَا أَوْ خَامِسَتِهَا كَذَلِكَ يُثَنِّي بِالْمَنْسِيِّ وَصَلَّى الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ فِي سَادِسَتِهَا وَحَادِيَةَ عَشْرَتِهَا
стр. 562
وَفِي صَلَاتَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ مُعَيَّنَتَيْنِ لَا يَدْرِي السَّابِقَةَ صَلَّاهُمَا وَأَعَادَ الْمُبْتَدَأَةَ وَمَعَ الشَّكِّ فِي الْقَصْرِ أَعَادَ إثْرَ كُلِّ حَضَرِيَّةٍ سَفَرِيَّةً وَثَلَاثًا كَذَلِكَ سَبْعًا وَأَرْبَعًا وَثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسًا إحْدَى وَعِشْرِينَ وَصَلَّى فِي ثَلَاثَةٍ مُرَتَّبَةٍ مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ الْأُولَى سَبْعًا وَأَرْبَعًا ثَمَانِيًا وَخَمْسًا تِسْعًا)
ش: اعْلَمْ أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْمَنْسِيَّةَ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً أَوْ مَجْهُولَةً فَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَجْهُولَةً فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ أَوْ فِي صَلَاةِ
стр. 563
النَّهَارِ أَوْ فِيهِمَا مَعًا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ يَوْمُهَا مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا لَا فِي الْأُسْبُوعِ أَوْ مَشْكُوكًا فِي بَعْضِ الْأُسْبُوعِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي الْمَجْهُولَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ صَلَاتَيْنِ وَفِي الْمَجْهُولَةِ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ وَفِي الْمَجْهُولَةِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَلَا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُهَا لِيَوْمِهَا فِي الْأُسْبُوعِ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِي الْفَوَائِتِ تَيَقُّنُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ فَإِنْ شَكَّ أَوْقَعَ عَدَدًا يُحِيطُ بِحَالَاتِ الشُّكُوكِ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِالظَّنِّ وَهُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الذِّمَّةِ بِيَقِينٍ فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ مِنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ قَوْلُهُ: فَإِنْ شَكَّ أَيْ فِي الْإِتْيَانِ أَوْ فِي الْأَعْيَانِ أَوْ فِي التَّرْتِيبِ، انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ عَيْنٌ مَنْسِيَّةٌ مُطْلَقًا يَعْنِي سَوَاءٌ عَلِمَ يَوْمَهَا أَوْ جَهِلَهُ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثَةٍ أَوْ فِي الْأُسْبُوعِ كُلِّهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ مُطْلَقًا أَيْ جَهِلَ عَيْنَهَا فِي الْخَمْسِ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا لَوْ جَهِلَ عَيْنَهَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ أَوْ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ الشَّارِحُ سَوَاءٌ كَانَتْ صَلَاةَ حَضَرٍ أَوْ صَلَاةَ سَفَرٍ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ الْمَنْسِيَّةُ مَعْلُومَةً بِعَيْنِهَا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ يَوْمُهَا مَعْلُومًا أَيْضًا أَوْ مَجْهُولًا فَإِنْ كَانَ الْيَوْمُ مَعْلُومًا صَلَّاهَا نَاوِيًا بِهَا الْقَضَاءَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا صَلَّاهَا نَاوِيًا لَهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ عَلِمَهَا دُونَ يَوْمِهَا صَلَّاهَا نَاوِيًا لَهُ وَسَكَتَ عَنْ الْأَوَّلِ لِوُضُوحِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ صَلَاتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ كَانَ صَلَاتَيْنِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَا مُعَيَّنَتَيْنِ أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ تَكُونَا مُعَيَّنَتَيْنِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَعْرِفَ مَرْتَبَةَ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ مِنْ الْأُخْرَى أَوْ لَا يَعْرِفَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ كَانَتَا مِنْ يَوْمٍ فَهِيَ إمَّا ثَانِيَتُهَا أَوْ ثَالِثَتُهَا أَوْ رَابِعَتُهَا أَوْ خَامِسَتُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ يَوْمٍ فَالثَّانِيَةُ إمَّا مُمَاثِلَتُهَا وَهِيَ سَادِسَتُهَا وَحَادِيَةُ عَشْرَتِهَا وَسَادِسَةُ عَشْرَتِهَا وَحَادِيَةُ عِشْرِينِهَا وَسَادِسَةُ عِشْرِينِهَا وَحَادِيَةُ ثَلَاثِينِهَا وَإِلَّا فَهِيَ قَسِيمَةٌ لِثَانِيَتِهَا أَوْ ثَالِثَتِهَا أَوْ رَابِعَتِهَا أَوْ خَامِسَتِهَا، وَضَابِطُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ أَنْ تَقْسِمَ عَدَد الْمَعْطُوفِ عَلَى خَمْسٍ فَإِنْ انْقَسَمَ فَهِيَ إمَّا خَامِسَتُهَا أَوْ الْمُمَاثِلَةُ لِخَامِسَتِهَا، وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ فَهِيَ مُمَاثِلَتُهَا، وَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ فَهِيَ السَّمِيَّةُ لِلْبَقِيَّةِ يَعْنِي فَهِيَ الْمُمَاثِلَةُ لِوَاحِدٍ مِنْ الْبَقِيَّةِ وَيَعْنِي بِالْبَقِيَّةِ ثَانِيَتُهَا وَثَالِثَتُهَا وَرَابِعَتُهَا. مِثَالُ ذَلِكَ صَلَاةٌ وَسَابِعَتُهَا فَعَدَدُ الْمَعْطُوفَةِ سَبْعَةٌ اقْسِمْهُ عَلَى خَمْسَةٍ يَبْقَى اثْنَانِ فَهِيَ مُمَاثِلَةٌ لِثَانِيَتِهَا وَلَوْ قِيلَ: صَلَاةٌ وَثَامِنَتُهَا لَكَانَ عَدَدُ الْمَعْطُوفِ ثَمَانِيَةً فَفَاضِلُ الْقِسْمَةِ ثَلَاثَةٌ فَهِيَ الْمُمَاثِلَةُ لِثَالِثَتِهَا وَرَابِعَتِهَا.
وَلَوْ قِيلَ: صَلَاةٌ وَعَاشِرَتُهَا فَعَدَدُ الْمَعْطُوفَةِ وَهِيَ عَشْرَةٌ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى خَمْسَةٍ فَهِيَ الْمُمَاثِلَةُ لِخَامِسَتِهَا. وَلَوْ قِيلَ: صَلَاةٌ وَحَادِيَةَ عَشْرَتِهَا فَعَدَدُ الْمَعْطُوفَةِ أَحَدَ عَشْرَ فَفَاضِلُ قِسْمَتِهِ عَلَى خَمْسَةٍ وَاحِدٌ فَهِيَ مُمَاثِلَتُهَا فَيُصَلِّي الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ فِي الْمُمَاثِلَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيُّ: يُصَلِّي ظُهْرَيْنِ وَعَصْرَيْنِ وَمَغْرِبَيْنِ وَعِشَاءَيْنِ وَصُبْحَيْنِ وَاخْتَارَ أَنَّهُ يُصَلِّي الْخَمْسَ ثُمَّ يُعِيدُهَا قَالَ وَهَذَا أَوْلَى لِانْتِقَالِ النِّيَّةِ فِيهِ مِنْ يَوْمٍ لِآخَرَ مَرَّةً فَقَطْ وَفِي الْأُولَى تَنْتَقِلُ خَمْسًا هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَفِي غَيْرِ الْمُتَمَاثِلَتَيْنِ يُصَلِّي سِتَّ صَلَوَاتٍ يَبْدَأُ بِالظُّهْرِ اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ بَدَأَ بِهَا جِبْرِيلُ ﵊ وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ وَقِيلَ يَبْدَأُ بِالصُّبْحِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ النَّهَارِ وَأَيُّ صَلَاةٍ بَدَأَ بِهَا أَعَادَهَا، وَإِذَا بَدَأَ بِصَلَاةٍ يُثَنِّي بِالْمَنْسِيِّ فَفِي صَلَاةٍ وَثَانِيَتِهَا يُثَنِّي بِثَالِثَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي بَدَأَ بِهَا وَيُثَلِّثُ بِثَالِثَةِ الَّتِي ثَنَّى بِهَا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ نَسِيَ صَلَاةً وَثَانِيَتَهَا صَلَّى سِتًّا، وَنُدِبَ تَقْدِيمُ ظُهْرٍ وَفِي ثَالِثَتِهَا أَوْ رَابِعَتِهَا أَوْ خَامِسَتِهَا كَذَلِكَ يُثَنِّي بِالْمَنْسِيِّ وَصَلَّى الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ فِي سَادِسَتِهَا وَحَادِيَةَ عَشْرَتَهَا يُرِيدُ وَمُمَاثِلَةُ ثَانِيَتِهَا وَهِيَ سَابِعَتُهَا وَمُمَاثِلَةُ ثَالِثَتِهَا وَهِيَ ثَامِنَتُهَا وَمُمَاثِلَةُ رَابِعَتِهَا وَهِيَ تَاسِعَتُهَا وَمُمَاثِلَةُ خَامِسَتِهَا وَهِيَ عَاشِرَتُهَا يُصَلِّي فِي ذَلِكَ سِتًّا يُثَنِّي بِالْمَنْسِيَّةِ، وَكَذَا فِي ثَانِيَةِ عَشْرَتِهَا وَثَالِثِ عَشْرَتِهَا وَرَابِعِ عَشْرَتِهَا وَخَامِسَةِ عَشْرَتِهَا وَيُصَلِّي الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ فِي سَادِسَتِهَا وَحَادِيَةَ عَشْرَتَهَا وَسَادِسَةَ
стр. 564
عَشْرَتَهَا وَحَادِيَةِ عِشْرِينِهَا وَسَادِسَةِ عِشْرِينِهَا، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَصَلَّى الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ فِي سَادِسَتِهَا وَحَادِيَةَ عَشْرَتِهَا يَعْنِي أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ صَلَاةً وَسَادِسَتَهَا أَوْ سَابِعَتَهَا أَوْ ثَامِنَتَهَا أَوْ تَاسِعَتَهَا أَوْ عَاشِرَتَهَا أَوْ حَادِيَةَ عَشْرَتِهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي الْكُلِّ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ نِسْبَتَهَا لِلصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ وَلَكِنْ لَا يَدْرِي أَهِيَ صُبْحٌ وَظُهْرٌ؟ أَوْ صُبْحٌ وَمَغْرِبٌ؟ أَوْ صُبْحٌ وَعَصْرٌ؟ أَوْ صُبْحٌ وَعِشَاءٌ؟ أَوْ ظُهْرٌ وَعَصْرٌ؟ أَوْ ظُهْرٌ وَمَغْرِبٌ؟ أَوْ ظُهْرٌ وَعِشَاءٌ؟ أَوْ عَصْرٌ وَمَغْرِبٌ أَوْ عَصْرٌ وَعِشَاءٌ؟ أَوْ مَغْرِبٌ وَعِشَاءٌ؟ فَيُصَلِّي خَمْسَ صَلَوَاتٍ يَبْدَأُ بِالصُّبْحِ وَيَخْتِمُ بِالْعِشَاءِ وَإِنْ كَانَتَا مِنْ يَوْمَيْنِ أَوْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فَيُصَلِّي الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا يَدْرِي صَلَاةَ الْيَوْمِ قَبْلَ صَلَاةِ اللَّيْلِ أَوْ صَلَاةَ اللَّيْلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي سِتَّ صَلَوَاتٍ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ فَيُصَلِّي ظُهْرَيْنِ وَعَصْرَيْنِ وَمَغْرِبَيْنِ وَعِشَاءَيْنِ وَصُبْحَيْنِ؛ لِأَنَّ السَّادِسَةَ وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ هِيَ الْأُولَى بِعَيْنِهَا فَكَانَتَا صَلَاتَيْنِ مُتَمَاثِلَتَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَفِي صَلَاتَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ لَا يَدْرِي السَّابِقَةَ صَلَّاهُمَا وَأَعَادَ الْمُبْتَدَأَةَ، وَمَا ذَكَرَهُ جَارٍ عَلَى مَا صَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَسُئِلَ عَمَّنْ نَسِيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ مِنْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ لَا يَدْرِي أَيَّ الصَّلَوَاتِ هِيَ قَالَ سَحْنُونٌ وَيُصَلِّي خَمْسَةَ أَيَّامٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ اعْتِبَارِ التَّعْيِينِ فِي الْأَيَّامِ وَقَدْ مَضَى تَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ السَّهْوِ عَنْ بَعْضِ الصَّلَاةِ]
ص (فَصْلٌ سُنَّ لِسَهْوٍ وَإِنْ تَكَرَّرَ بِنَقْصٍ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَوْ مَعَ زِيَادَةٍ سَجْدَتَانِ قَبْلَ سَلَامِهِ)
ش: وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ السَّهْوِ عَنْ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ حُكْمَ السَّهْوِ عَنْ بَعْضِ الصَّلَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي أَوَائِلِ الْمُنْتَقَى وَالسَّهْوُ وَالذُّهُولُ عَنْ الشَّيْءِ تَقَدَّمَهُ ذِكْرٌ أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ ذِكْرٌ وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلِيًّا كَانَ أَوْ بَعْدِيًّا فَأَمَّا الْقَبْلِيُّ فَقِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقِيلَ وَاجِبٌ أَخَذَهُ الْمَازِرِيُّ مِنْ بُطْلَانِهَا بِتَرْكِهِ وَقِيلَ بِوُجُوبِهِ فِي ثَلَاثِ سُنَنٍ وَبِالسُّنَّةِ فِي سُنَّتَيْنِ، وَأَمَّا الْبَعْدِيُّ فَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْمَازِرِيُّ هُوَ سُنَّةٌ وَقِيلَ وَاجِبٌ حَكَاهُ فِي الطِّرَازِ هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ الْخِلَافَ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي السَّهْوِ سَجْدَتَانِ وَفِي وُجُوبِهِمَا قَوْلَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَطْلَقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْخِلَافَ فِي وُجُوبِهِمَا وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَبْلِيِّ وَأَمَّا الْبَعْدِيُّ فَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ مِثْلَ ذَلِكَ ابْنُ رَاشِدٍ وَابْنُ هَارُونَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ نَقَلَهُ عَنْهُمْ ابْنُ نَاجِي قَالَ وَقَوَّاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِمْ إذَا ذَكَرَ السُّجُودَ الْبَعْدِيَّ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ بَلْ يَأْتِي بِهِ بَعْدَهَا قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ قُصُورٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَيَرُدُّ التَّقْوِيَةَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ لَهُ إمَّا مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ أَوْ لِكَوْنِهِ مُتَعَقَّبًا فِي ذَاتِهِ لِكَوْنِهِ فِي الْأَصْلِ يُوقَعُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الْأَشْرَافِ: مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا وُجُوبُ الْقَبْلِيِّ قَالَ وَكَانَ الْأَبْهَرِيُّ يَمْتَنِعُ مِنْ إطْلَاقِ الْوُجُوبِ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَتَنَوَّعُ لِوَاجِبٍ وَسُنَّةٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْبَعْدِيَّ سُنَّةٌ وَالْقَبْلِيَّ وَاجِبٌ عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ إنْ أَخَّرَ مَا قَبْلَ السَّلَامِ بَعْدَ السَّلَامِ تَأْخِيرًا طَوِيلًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّحْقِيقُ عَدَمُ وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ: وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِوُجُوبِ الْهَدْيِ فِي الْحَجِّ عَمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
(قُلْت) وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْحَجِّ أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي كُلِّ مَا يُوجِبُ الدَّمَ أَنَّهُ وَاجِبٌ
стр. 565
وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقَوْلَ بِسُنِّيَّةِ السُّجُودِ قَبْلِيًّا أَوْ بَعْدِيًّا أَمَّا الْبَعْدِيُّ فَلَا كَلَامَ فِي رُجْحَانِهِ بَلْ الْكَلَامُ فِي إثْبَاتِ مُقَابِلِهِ وَأَمَّا الْقَبْلِيُّ فَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَرَجَّحَ الْقَوْلَ بِالسُّنِّيَّةِ وَصَرَّحَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْأَقْفَهْسِيُّ وَجَمَاعَةٌ وَاقْتَصَرَ ابْنُ الْكَرُوفِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: هَلْ سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ سُنَّةٌ؟ وَرَجَّحَ أَوْ وَاجِبٌ وَهُوَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ أَكْثَرُ نُصُوصِهِمْ عَلَى الْوُجُوبِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ الْمُرَقَّعَةِ الْمَجْبُورَةِ إذَا عَرَضَ فِيهَا الشَّكُّ أَوْلَى مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ تَرْقِيعِهَا وَالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهَا، وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا أَيْضًا بَعْدَ التَّرْقِيعِ أَوْلَى مِنْ إعَادَتِهَا فَإِنَّهُ مِنْهَاجُهُ ﵊ وَمِنْهَاجُ أَصْحَابِهِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ بَعْدَهُمْ
وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي الِابْتِدَاعِ
، وَقَدْ قَالَ «﵊ لَا صَلَاتَيْنِ فِي يَوْمٍ» فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ الِاسْتِظْهَارُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ لَنَبَّهَ عَلَيْهِ وَقَرَّرَهُ فِي الشَّرْعِ وَاَللَّهُ لَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِمُنَاسِبَاتِ الْعُقُولِ وَإِنَّمَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالشَّرْعِ الْمَنْقُولِ انْتَهَى. بِلَفْظِهِ وَنَقَلَهُ الْهَوَّارِيُّ بِلَفْظِهِ وَلَكِنَّهُ قَالَ: إذَا عَرَضَ لَهُ فِيهَا السَّهْوُ بَدَلَ الشَّكِّ وَالْكُلُّ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَوْلُهُ وَإِنْ تَكَرَّرَ يَعْنِي أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا يَتَكَرَّرُ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ وَإِنْ تَكَرَّرَ السَّهْوُ فِيهَا. أَمَّا إنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَحَكَى الْبِسَاطِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ التَّعَدُّدِ، وَأَمَّا إنْ تَكَرَّرَ بِزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بِالتَّعَدُّدِ وَأَنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلُ وَبَعْدُ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ إنْكَارُ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) يُتَصَوَّرُ تَعَدُّدُ السُّجُودِ لِتَكَرُّرِ السَّهْوِ فِي الْمَسْبُوقِ إذَا سَجَدَ لِلنَّقْصِ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ سَهَا فِيمَا يَأْتِي بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فَإِنْ كَانَ بِنَقْصٍ سَجَدَ قَبْلَ سَلَامِهِ وَإِنْ كَانَ بِزِيَادَةٍ سَجَدَ بَعْدَ سَلَامِهِ.
(قُلْت) وَيُتَصَوَّرُ تَكْرَارُ السُّجُودِ فِي غَيْرِ الْمَسْبُوقِ فِي صُورَةٍ ذَكَرَهَا فِي النَّوَادِرِ فِيمَنْ سَهَا بِنَقْصٍ وَسَجَدَ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ تَكَلَّمَ سَاهِيًا بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ وَقَبْلَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ بِنَقْصِ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ يَعْنِي أَنَّ السُّجُودَ إنَّمَا يُسَنُّ إذَا تَرَكَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً سَهْوًا. وَأَمَّا إذَا تَرَكَ فَرِيضَةً أَوْ مُسْتَحَبًّا أَوْ سُنَّةً غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ أَوْ تَرَكَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً عَمْدًا فَلَا سُجُودَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُصَنِّفُ فَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَأَمَّا السُّنَنُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ وَالْمُسْتَحَبَّات فَإِنْ سَجَدَ لَهَا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ كَمَا سَيَأْتِي وَأَمَّا السُّنَنُ الْمُؤَكَّدَةُ إذَا تَرَكَهَا عَمْدًا فَلَا سُجُودَ أَيْضًا وَاخْتُلِفَ هَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا أَمْ لَا كَمَا سَيَأْتِي وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا سَجَدَ لَهَا وَالسُّنَنُ الْمُؤَكَّدَةُ الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا ثَمَانٍ. قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَمَّا ذَكَرَ سُنَنَد الصَّلَاةِ فَمِنْ هَذِهِ السُّنَنِ ثَمَانِ سُنَنٍ مُؤَكَّدَاتٍ يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ لِلسَّهْوِ عَنْهَا وَإِعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى اخْتِلَافٍ لِتَرْكِهَا عَمْدًا وَهِيَ السُّورَةُ الَّتِي هِيَ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَالْجَهْرُ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارُ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ وَالتَّكْبِيرُ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَالْجُلُوسُ لَهُ وَالتَّشَهُّدُ الْآخِرُ وَسَائِرُهَا لَا حُكْمَ لِتَرْكِهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِاسْتِحْبَابِ إلَّا فِي تَأْكِيدِ فَضَائِلِهَا حَاشَا الْمَرْأَةَ تُصَلِّي بِغَيْرِ قِنَاعٍ فَإِنَّ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ مُسْتَحَبَّةٌ لَهَا، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى سُنَنِ الصَّلَاةِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ فَيُرِيدُ إذَا تَرَكَ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ تَحْمِيدَتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَأَمَّا التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ وَالتَّحْمِيدَةُ الْوَاحِدَةُ فَلَا يَسْجُدُ لَهَا وَإِنْ سَجَدَ لَهَا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ كَمَا سَيَأْتِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ يَسْجُدُ لِنَقْصِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ قَبْلَ السَّلَامِ الْإِسْرَارُ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوهُ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ وَقَالُوا يَسْجُدُ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي
следующие страницы →