← Акыда

Акыда · id 56

التحفة الندية شرح العقيدة الواسطية - عبد الرحمن العقل

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (217 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَقَوْلُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، الشرح بالخلق، فلا يدل ذلك على مذهب الحلولية، ومذهبُ أهل السنة عدم تحديد الجهة أو التجسيم أو القياس بالخلق، فالله أجل وأعظم، والقاعدة العظيمة في هذا الباب: «أنه لا مجال للعقل فيه، بل هو مقيد بالنصوص الشرعية». قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾؛ هاتان الآيتان تضمَّنتا إثباتَ اليدين لله تعالى، وهما يدان حقيقيتان على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه. ماذا قالت المعطلة عن هذه الصفة؟ قالوا: المراد النعمة أو القدرة. وسياق الآية رد على مذهبهم؛ لأنه لا يمكن حملُها على النعمة أو القدرة. لأن تأويل اليد بالقدرة فيه إبطال لما اختص الله ﵎ به بعض مخلوقاته تفضيلًا لهم على غيرهم، كما خص آدم بأن خلقه بيده، والقول بأن المقصود باليد القدرة فيه مساواة بين آدم ﵇ وإبليس؛ لأن الله تعالى خلق إبليس أيضًا بقدرته، فلا معنى حينئذ لتخصيص آدم بأن الله خلقه بيده. ولا يمكن حمل هذا على النعمة، والله تعالى لا تعد نعمه. وكذلك لفظ اليدين بالتثنية لم يأت إلا في اليد الحقيقية، ولم يأت بمعنى

стр. 107

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٣ - ١٤]، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]. الشرح القدرة أو النعمة، فإنه لا يسوغ أن يقال: خلقه الله بقدرتين أو بنعمتين؛ لأن قدرة الله مطلقة وليست قدرتين، وكذلك نِعَمه كثيرة وليست نعمتين؛ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨]. قوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ وقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾؛ هذه ثلاث آيات في صفة العين لله تعالى، ومذهب أهل السنة إثبات العينين على ما يليق بجلاله وعظمته. جاء في بعض الآيات ذكر العين بالجمع ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ وجاء بالإفراد ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ فكيف نجمع بين هذه الآيات؟ الجواب: قوله ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ جاءت بالإفراد لأن المفرد إذا أضيف يعم، وأما قوله ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ فجاءت بالجمع؛ لأن أقل الجمع اثنين، وهذا على رأي جماعة من أهل اللغة، وأما إذا قيل: إن أقل الجمع ثلاثة، فلا يستقيم هذا الجواب، ويكون الجواب الصحيح أن الجمع هنا للتعظيم. الخلاصة: أن النصوص دلت على إثبات عينين لله على ما يليق بجلاله، وهي

стр. 108

وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]، الشرح صفة ذاتية خبرية، فالله لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وسبق معنا أن الصفة الذاتية هي التي لا تنفكُّ عن الله تعالى بل لم يزل ولا يزال موصوفًا بها. ما الدليل على إثبات العينين لله تعالى ؟ الدليل قوله ﷺ عن المسيح الدجال كما في «الصحيحين»: «إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» (١). وهذا الحديث يدل على أن لله عينين اثنتين؛ لأنه لو كان لله أكثر من عينين لقال: (إن ربكم له أعيُن)، ولو كان كذلك لبينه النبي ﷺ ، ولكنه قال عن المسيح: إنه أعور، فذكر أن هذا عيبٌ فيه، ونزَّه الله عن ذلك فقال: «وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»، فمقتضى هذا إثباتُ عينين لله تعالى على ما يليق بجلاله. ثم ذكر المُصَنِّف ﵀ آيات أخرى في الصفات: قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾؛ نثبت منها صفة السمع من قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾، ونثبت أيضًا صفة البصر من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.

стр. 109

وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢٢٠]، الشرح قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الصفة المثبتة أيضًا هي: صفة السمع. وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ الصفة المثبتة أيضًا هي: صفة السمع. قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ الصفات المثبتة: ١ - صفة المعية: من قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾. ٢ - صفة السمع: من قوله: ﴿أَسْمَعُ﴾. ٣ - صفة الرؤية: من قوله: ﴿وَأَرَى﴾. قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ الصفة المثبتة: الرؤية. قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الصفات المثبتة:

стр. 110

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، الشرح ١ - صفة الرؤية. ... ٢ - صفة السمع. ... ٣ - صفة العلم. قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الصفات المثبتة: ١ - صفة السمع. ... ٢ - صفة البصر. ... ٣ - صفة المعية. ٤ - صفة العلم. ... ٥ - صفة الرؤية. السمع المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: ١ - سمع يتعلق بالمسموعات، ومعناه إدراك الصوت. ٢ - سمع بمعنى الاستجابة. وقد قسم العلماء السمع المتعلق بإدراك الأصوات إلى ثلاثة أقسام: الأول: السمع الذي يقصد به التهديد، كما في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. الثاني: السمع الذي يقصد به التأييد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. الثالث: السمع الذي يقصد به الإحاطة، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ

стр. 111

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]،وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥،١٦]. الشرح قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. بعد ذلك ذكر المُصَنِّف ﵀ جملة من الآيات المشتملة على: إثبات صفتَيِ المكر والكيد لله وهما من الصفات الاختيارية. لكن أهل العلم يذكرون أن هذه الصفات وما جاء بنحوها من باب المقابلة، فيمكر الله بمن يمكر به، ويكيد لمن أراد الكيد له ، ومن ذلك الاستهزاء؛ فالله يستهزئ بمن يستهزئ به. نلاحظ في هذه الآيات الواردة في هذا الباب أنها جاءت مقيَّدة وليست مطلَقة، أي لم يأتِ وصفُ الله بالمكر مطلقًا، بل وصف الله نفسه بهذا لمن يمكر به، وهكذا صفة الكيد والاستهزاء، وعلى هذا لا يجوز اشتقاقُ اسم الماكر والكائد والمستهزئ. وقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ معناه شديد الأَخْذ بالعقوبة، قال علي ﵁: «﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد الأخذ» (١)، وقال ابن عباس ﵄: «أي: شديد الحول» (٢). والمِحال والمُماحلة المراد بهما المماكرة والمغالبة.

стр. 112

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩]. ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] الشرح الخلاصة: في معنى هذه الآيات: أن الله تعالى شديدُ المكر والكيد والعقوبة لأعدائه؛ فهو يَفْجَؤُهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون. والكيد على نوعين: ١) كيد قبيح: وهو إيصال الكيد لمَن لا يستحقُّه. ٢) كيد حسن: وهو إيصال الكيد لمن يستحقه من باب العقوبة. فالنوع الأول كيد مذموم وينزه الله تعالى عنه، والذي يوصف بالكيد هو المخلوق، أما الله سبحانه فكيده حسن، ولا يكيد سبحانه إلا لمن يستحق الكيد. ذكر المُصَنِّف ﵀ بعد ذلك جملةً من الآيات المتعلقة ببعض الصفات: قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ الصفات المأخوذة من هذه الآية: ١) العفو: من قوله: ﴿عَفُوًّا﴾. ٢) القدرة: من قوله: ﴿قَدِيرًا﴾. قوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نثبت من الآية صفتين هما:

стр. 113

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]. وَقَوْلُهُ عَنْ إِبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]. الشرح ١) صفة المغفرة. ٢) صفة الرحمة. قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ نأخذ منها صفة العزة من قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ نأخذ منها صفة العزة. ففيها إثبات العزة لله تعالى، ومعنى هذه الصفة الكريمة دائرٌ على القوة والامتناع والغلبة؛ قال شيخ الإسلام في منهاج السنة: «فإن العرب تقولُ: عزَّ يعَزُّ بالفتح إذا قوي، وعزَّ يعِزُّ بالكسر إذا امتنع، وعزَّ يَعُزُّ بالضم إذا غلَب» (١). هذه الآيات الأربع التي ذكرها المُصَنِّف ﵀ قد تضمَّنت إثبات خمس صفات: ١ - صفة العفو. ... ٢ - صفة القدرة. ... ٣ - صفة المغفرة. ٤ - صفة الرحمة. ... ٥ - صفة العزة. وقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] في هذه الآية أخبر الله عن إبليس الرجيم أنه أقسم بعزة الله على أمرٍ كبيرٍ، وهو إغواء بني آدم وتزيين

стр. 114

وَقَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]. الشرح الشهوات لهم، لكن جاءت البشرى بعد ذلك بسلامة المُخْلَصِين الذين لا يَقدِر على إضلالهم؛ لقوة تمسكهم بدينهم واعتمادِهم على الله ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٣]. وفي هذه الآية ردٌّ على بعض الطوائف التي أنكرت الجنَّ، ويحتكمون إلى العقل وإلى الاحتجاج بعدم المشاهدة، ولا حجة في ذلك؛ لأنهم عالم غيبي بالنسبة لنا. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في بعض كتبه أنهم يتمثلون ببعض الصور؛ قال ﵀: «والجن يتصوَّرون في صور الإنس والبهائم؛ فيتصورون في صور الحيَّات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم؛ كما أتى الشيطان قريشًا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]، وكما رُوي أنه تصور في صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة» (١). قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] ذكر هذه الآية لإثبات الاسم لله تعالى، وقد دلت الآية على البركة في هذا الاسم.

стр. 115

وَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، الشرح والبركة إما أن يوصف الله بها؛ فيكون المعنى: تعالى وتعاظَم، كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]. وإما أن يوصف اسمُ الله بها كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، ويكون المعنى على هذا: أن اسم الله إذا صاحَبَ شيئًا حلَّت فيه البركة، ولذلك شُرِعَ ذكرُ اسم الله في مواطنَ كثيرةٍ: عند قراءة القرآن، وعند الذبح، وعند الجماع، وغيرها، والثمرة من ذلك حلول البركة في هذا العمل الذي يعمله الإنسان. ثم ذكر المُصَنِّف ﵀ بعضَ الآيات المتعلقة بصفات السلوب؛ أي الصفات المنفية. و الصفات على نوعين: ١) صفات مثبتة. ٢) صفات منفية. وهذه الآيات التي ذكرها المُصَنِّف ﵀ متعلقة بالصفات المنفية. قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] هذه الآية فيها نفيُ المماثل والسَّمِي عن الله تعالى.

стр. 116

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. الشرح قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] فيه نفي المكافئ لله تعالى. قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] فيه النَّهي عن اتخاذ الند مع الله، ويلزم منه نفيُ الند أو الأنداد لله تعالى. وهذا مأخوذ من الآية التي بعدها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] فهذا كذلك يستلزم نفي الند والأنداد. وقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. المحبة على أقسام خمسة: ١ - محبة الله: وهي غير كافية للنجاة من النار ودخول الجنة؛ فإن المشركين واليهود والنصارى يدَّعون ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]. ٢ - محبة ما يحبه الله. ٣ - المحبة في الله: وهي فرض على المسلم؛ كمحبة أولياء الله، وما يترتب عليها من بغض أعدائه؛ فمن أحب الله وأحب أولياءه فلا بد أن يُبغِض أعداء الله

стр. 117

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١]، الشرح وعليه: لا يمكن أن تجتمع محبةُ أولياء الله ومحبةُ أعداء الله، قال ابن القيم: أَتُحِبُّ أَعْدَاءَ الحَبِيبِ وَتَدَّعِي ... حُبًّا لَهُ مَا ذَاكَ في إِمْكَان ٤ - المحبة مع الله: وهي المحبة المستلزِمة للخوف والتعظيم، فهذه إن وُجِدَتْ في قلب عبد - أي محبة الله وتعظيم غيره - فهي محبة شركية. ٥ - المحبة الطبيعية: وهي ميل الإنسان ميلًا طبيعيًّا إلى ما يلائم طبعَه؛ كمحبة الولد ومحبة المال ومحبة الزوجة، فهذا في الأصل جائز، لكن قد يكون مذمومًا إذا شغَل عن طاعة الله. وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١] هذه الآية فيها نفي الولد، ونفي الشريك، ونفي الولي عن الله؛ أي: لا أحد يتولاه. قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١] في الآية تنزيه لله تعالى؛ فإن التسبيح معناه التنزيه. ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ نفيُ أن يكون له شريك في مُلكه، قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ ولم يقل: (المُلك له)، وتقديم الخبر هنا يفيد الحصر، وهو حصر الملك لله تعالى.

стр. 118

﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:١،٢]، ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ﴾ [المؤمنون:٩١ - ٩٢]. ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]. الشرح قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ الصفات المنفية في هذه الآية: الولد والشريك. قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ في الآيتين: نفي الولد ونفي المشاركة في الألوهية. قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] فيها نفي المماثل لله تعالى. قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فيها نفي الشريك.

стр. 119

وَقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ: فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ؛ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وَقَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣]، وَقَالَ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]، وَقَالَ فِي سُورَةِ طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وَقَالَ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩]، وَقَالَ فِي سُورَةِ الم السَّجْدَةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، وَقَالَ فِي سُورَةِ الحدِيدِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]. الشرح وفي الآيات السابقة عددٌ من الصفات المثبَتة، وهي: ١ - المُلك. ... ٢ - القدرة. ... ٣ - العلم. ٤ - العلو. ... ٥ - الخلق. ... ٦ - الحكمة. ٧ - القدرة. ... ٨ - الكبرياء. قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال أهل العلم: العرشُ معناه في اللغة سرير المُلْك، أو سرير المَلِك، المعنى واحد. والمراد بالعرش في هذه الآيات عرش الرحمن، وهو سريرٌ مخلوق، وهو أعلى المخلوقات وأعظَمُها، ولا يَقْدُرُ قدرَه إلا الله، ولا يحيط العبادُ

стр. 120

بعظمة هذا العرش، وقد وصف الله العرش بأنه: عظيم ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٦]، وكريم ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦]، ومجيد ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ﴾ [البروج:١٥] على قراءة الجر. وفي هذه الآيات التي ساقها المُصَنِّف ﵀ أخبر الله فيها عن استوائه على العرش، واستوى معناه كما جاء ذلك عن السلف: علا، وارتفع، واستقرَّ، وصعِد. قال ابن القيم ﵀: فَلَهُمْ عِبَارَاتٌ عَلَيْهَا أَرْبَعٌ ... قَدْ حُصِّلَتْ للفَارِسِ الطَّعَّان وَهِيَ اسْتَقَرَّ وَقَدْ عَلَا وَكَذَلِكَ ارْ ... تَفَعَ الَّذي مَا فِيه مِنْ نُكْرَان وَكَذَاكَ قَدْ صَعِدَ الَّذِي هَوَ رَابِعٌ ... (١) وقد استوى الله سبحانه على العرش استواءً يليقُ به ، ويخُصُّه، لا يشبه استواءَ المخلوق (٢). تضمَّنت هذه الآياتُ إثباتَ الاستواء لله، وهذه المسألة من مسائل الأصول الثابتة عند أهل السنة. قال الشيخ السعدي ﵀: «هي من أعظم الأصول التي بايَنَ بها أهلُ

стр. 121

السنة الجهميةَ والمعتزِلةَ والأشاعرةَ، فما في هذه الآيات -من ذكر علو الله، واسمه العلي الأعلى، وصعود الأشياء إليه، وعروجها، ونزولها منه- يدل على العلو» (١). ماذا يقولُ المبتدِعةُ عن هذه الآيات؟ قالوا: الاستواء بمعنى الاستيلاء. قال شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ في الرد على نفاة هذه الصفة: «وأما تفسيرُ الاستواء بالاستيلاء فهو باطل من وجوه كثيرة؛ منها: أنه يتضمن أن الله جل وعلا كان مغلوبًا على عرشه ثم غَلَب، وهذا باطل؛ لأنه تعالى لم يزل قاهرًا لجميع خلقه مستويًا على العرش مستوليًا عليه فما دونه». وأما بيت الأخطل الذي يستدلون به على أن معنى (استوى) استولى، فلا حجة فيه، والبيت هو: قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ أو دَمٍ مُهْرَاق ثم قال: «لأن استعمال (استوى) بمعنى استولى غير معروف في لغة العرب، ولأن ذلك لو وُجد في اللغة لم يجُزِ استعمالُه في حق الله، وأما المخلوق فيكون غالبًا ومغلوبًا» (٢). وخلاصة رد الشيخ ابن باز ﵀ عليهم من وجهين:

стр. 122

وَقَوْلُهُ: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران:٥٥]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٨]. الشرح ١ - أن هذا التفسير لا حظَّ له في اللغة. ٢ - أنه لو وُجد في اللغة فلا يليق استعماله في حق الله. «وهل المخلوق يوصف بالاستواء على غيره؟ الجواب: نعم. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ [الزُّخرُف:١٣]، ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٢٨]، ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]، وليس الاستواء كالاستواء؛ فاستواءُ الله على عرشه ليس كاستواء المخلوق، بل استواء يخصه ويليق به ويناسبه، ولا يَعلم العبادُ كُنْهَهُ، فيجب أن يُثْبَت ذلك لله تعالى مع نفي مماثلته لصفة المخلوق، ونفي العلم بالكيفية، لكن الاستواء معناه معلوم كما قال الأئمة، قال الإمام مالك لما قال له رجل: كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (١). ثم ذكر المُصَنِّف ﵀ عددًا من الآيات الواردة في علو الله تعالى، والمشتمِلة على إثبات عُلُوِّهِ وأنه مُستوٍ على عرشه بائنٌ من خلقه. قوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران:٥٥].

стр. 123

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦، ٣٧]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦،١٧]. الشرح ما المراد بالوفاة في هذه الآية؟ اختلف أهلُ التفسير على أقوال؛ أشهرها ثلاثة: ١ - أن المراد بالوفاة النوم. ٢ - أن المراد بالوفاة الوفاة الحقيقية؛ أي بالموت وقبض الروح. ٣ - أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، ومعنى الآية عند أصحاب هذا القول: «إني رافعُك ثم متوفيك بعد ذلك». والقول الأصوب: أن المراد بالوفاة النوم؛ إذ ثبت في القرآن تسميةُ النوم بالموت؛ وذلك في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، فالمراد بالوفاة في هذه الآية النوم. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام:٦٠] وعلى هذا الرأي يكون معنى الآية: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ أن الله ألقى عليه النوم ثم رفعه. والخلاصة من هذه الآيات التي ساقها المُصَنِّف:

стр. 124

وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]. الشرح إثبات علو الله على خلقه ؛ فقد دلت هذه الآيات على ذلك، كما دلت الآيات التي قبلها على إثبات صفة الاستواء، فهل بين الاستواء والعلو فرقٌ؟ الجواب: الفرق من وجهين: الأول: أن العلو من الصفات الذاتية، أما الاستواء فمِن الصفات الفعلية، فالعلو من صفاته اللازمة، والاستواء فعل من أفعاله . الثاني: أن العلو من الصفات الثابتة في العقل والنقل، أما الاستواء فهو ثابت بالنقل ولا مجال للعقل فيه. وبالجملة: فكل استواء علو، وليس كل علو استواء؛ فالاستواء أخص من العلو، والعلو أعم من الاستواء. ثم ذكر المُصَنِّف ﵀ سبع آيات متعلقة بصفة المعية، ونأخذ منها إثباتَ المعية؛ وهي من المسائل المُجمع عليها عند أهل السنة والجماعة.

стр. 125

والمعية قسمان: ١ - عامة. ٢ - خاصة. ذكر الإمام السعدي ﵀ فائدة جليلة في معرفة الفرق بين المعيتين، فقال: «إذا أردت أن تعرف: هل المراد المعية العامة أو الخاصة؟ فانظر إلى سياق الآيات؛ فإن كان المقام مقام تخويف ومحاسبة للعباد على أعمالهم وحث على المراقبة؛ فإنها عامة مثل: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]». ثم قال: «وإذا كان المقام مقام لُطف وعناية من الله تعالى؛ فإن المعية معية خاصة وهو أغلب إطلاقها في القرآن، مثل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤] و ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] و ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]» (١). وقد ساق المُصَنِّف ﵀ سبع آيات في المعية، كلها في المعية الخاصة إلا الآية الأولى والثانية. قال شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀: «المعية صفة من صفات الله؛ وهي قسمان: معية خاصة: لا يعلم كيفيتَها إلا الله كسائر صفاته، وتتضمَّن الإحاطة والنصرة والتوفيق والحماية من المهالك.

стр. 126

ومعية عامة: تتضمن علم الرب بأحوال عباده، واطلاعه على جميع أحوالهم وتصرفاتهم الظاهرة والباطنة، ولا يلزم منها الاختلاط والامتزاج؛ لأنه سبحانه لا يُقاس بخلقه» (١). وهل المعية حقيقية أو هي كناية عن علم الله وسمعه وقدرته؟ المعنى الذي فهمه السلف، وأجمعوا عليه، ونص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) وتلميذه ابن القيم (٣) وابن عثيمين (٤) وغيرهم: هو أن الله معنا حقيقة، كما هو مستوٍ على عرشه حقيقةً. وقالوا: لفظة «مَعَ» تأتي في اللغة لمطلق المقارنة والمصاحبة، ويختلف معناها باختلاف المقتضى. وقالوا: هنالك فرقٌ بين معنى المعية، وبين مقتضى المعية؛ فلو قال قائلٌ: «محمدٌ معي الآن في البيت»، فهذه المعية حقيقية، والمعنى أن محمدًا معه في البيت بذاته، ولو قال: «أنا مع الإمام أحمد في عدم قوله بخلق القرآن»، فهذه معيةٌ حقيقية، والمعنى أنه يوافقه في الاعتقاد والرأي، ولو قلنا: «الله معنا»، فهذه معيةٌ «في العلم والسمع والبصر»، ونحو ذلك، ولهذا ما قاله شيخ الإسلام وتلميذه وتبعهما عليه ابن عثيمين - رحم الله الجميع- هو مذهب السلف، لكن كان ما فعله هؤلاء المتأخرون هو الشرح

стр. 127

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٦]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، الشرح لكلام السلف، والتقريب لألفاظهم، وتقسيم عباراتهم. ولذلك حينما قال ابن عثيمين: إِنَّ معية الله ذاتية؛ حصل بسبب ذلك لبس، حتى تراجع عن قوله، مع أنه قصَد معيةَ العلم، ولكن عبَّر عنها بعبارةٍ فيها شيءٌ من الإشكال، ورجوعُه ﵀ دليلُ علمه وفضله، وسيأتي الكلام على ذلك. ومن هنا نعلم أَنَّ السلف ﵏ مجمعون على إثبات المعية لله تعالى معية حقيقية. قوله: «وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ... » بعد الكلام عن المعية ذكر المصَنِّف ﵀ الآيات التي تضمنت إثبات صفة الكلام لله، وأن القرآن كلامه منزل غير مخلوق. وهذه المسألة انقسم فيها الناس إلى ثلاثةِ مذاهبَ: المذهب الأول: مَن جعل كلامه سبحانه مخلوقًا منفصِلًا عنه، وأصحاب هذا القول قالوا: معنى أن الله تكلم بالقرآن يعني خلق آيات القرآن؛ ولهذا قالوا: «القرآن مخلوق وليس بمُنَزَّل» وهؤلاء هم المعتزلة.

стр. 128

﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥]، ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢]، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٣]. الشرح المذهب الثاني: مَن جعل القرآن لازمًا لذاته أزلًا وأبدًا، لا يتعلق بمشيئته، وهؤلاء نفَوْا عنه الحرفَ والصوت، وبهذا قال الكُلَّابية والأشاعرة. المذهب الثالث: أهل السنة والجماعة؛ قالوا: «القرآن منزل غير مخلوق

стр. 129

والله سبحانه لا يزال متكلمًا إذا شاء، والكلام صفة قائمة بذاته». ما الفرق بين مذهب أهل السنة ومذهبِ الكُلابية والأشاعرة؟ الجواب: الفرق من وجهين: ١) أن الكلابية والأشاعرة خالفوا المعتزلة بإثبات الكلام لله، وخالفوا أهل السنة بنفي الحروف والصوت، وأهل السنة يثبتون الحروف والصوت لله؛ كما جاء في حديث أبي سعيد قال: قال النبي ﷺ : «يَقُولُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا آدَمُ» وفيه: «فَيُنَادَى بِصَوْتٍ» (١). ٢) أن الكلابية والمعتزلة يثبتون صفة الكلام أزلًا وأبدًا باعتباره صفة ذاتية، ولا يثبتونه صفة فعلية، وأما أهل السنة فيثبتون هذا وهذا، فيقولون: صفة الكلام باعتبار أصلها هي صفة ذاتية لا تنفك عن ذات الله، وباعتبار آحاد الكلام هي متعلقة بالمشيئة، وعليه فالكلابية والأشاعرة يقولون: ليس الكلام متعلقًا بالمشيئة، بل هو لازم لذاته فقط، والصواب مذهب أهل السنة. والخلاصة في صفة الكلام: أن الله يتكلم وينادي بصوت؛ فإنه نادى موسى بصوت، ونادى آدم بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت. وهنا قيد مهم: وهو أن الحروف والأصوات التي يتكلم الله بها صفة له غير مخلوقة، ولا تشبه أصوات المخلوقين وحروفهم.

стр. 130

وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢،٢٣]، ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]. الشرح ونخلص في صفة الكلام إلى ما يلي: ١) إثبات صفة الكلام لله تعالى. ٢) أنه يتكلم بصوت وحروف لكن لا تشبه حروف وأصوات المخلوقين. ٣) أن صفة الكلام صفة ذاتية باعتبار أصلها، فعلية متعلقة بالمشيئة؛ باعتبار آحاد الكلام. ثم ساق المُصَنِّف ﵀ الآياتِ الدالةَ على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة . وقد خالف في هذه المسألة: الجهميةُ، والمعتزلة، والإباضية. فقالوا: لا نثبت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهذا النفي مبني على نفيٍ آخرَ؛ وهو نفي الجهة عن الله تعالى، فقالوا: ما دامت الجهةُ مستحيلةً، وهي شرطٌ في الرؤية، فالرؤية مستحيلة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وبقوله لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، و (لن) عندهم للتأبيد، هذا هو مذهب المعتزلة والجهمية ومن وافقهم. أما الأشاعرة فإنهم ينفون الجهة ويوافقون المعتزلة في ذلك، لكنهم يثبتون

стр. 131

الرؤية، وعلى هذا وافقوا المعتزلة في المقدمة وخالفوهم في النتيجة، ولذلك حاروا في هذه المسألة حينما تابعوا المعتزلة في هذه المقدمة، فاضطربوا اضطرابًا بيِّنًا؛ منهم مَن قال: يرونه من جميع الجهات، ومنهم مَن أثبت الرؤية وقال رؤية بصيرة لا بصر، وقال هؤلاء: إن المقصود زيادة الانكشاف والتجلي حتى كأنها رأيُ عين. أما أهل السنة والجماعة فقد عصمهم الله من هذه الافتراضات، فهم يثبتون الرؤية لله تعالى من غير ولوج في التفاصيل التي خاض فيها المعتزلة والأشاعرة. سُئِلَ الإمام مالك عن هذه الآية: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فقال: «لما حجَب أعداءه فلم يرَوْه، تجلَّى لأوليائه حتى رأوه» (١). وقال الشافعي ﵀: «في الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه عِيانًا» (٢). وقد سبق معنا في شرح «الحائية» قولُ ابن أبي داود: وَقُلْ يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ جَهْرَةً كَمَا الْبَدْرُ لَا يَخْفَى وَرَبُّكَ أَوْضَحُ

стр. 132

وَقَدْ يُنْكِرُ الجَهْمِيُّ هَذَا وَعِنْدَنَا بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَرِّحُ رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ في ذَاكَ تَنْجَحُ قال ابنُ القيم ﵀: «والناسُ في إثبات الرؤية وعدمِها طرفان ووسط: فقوم غلَوْا في إثباتها حتى أثبتوها في الدنيا والآخرة؛ وهم الصوفية وأحزابهم. وقوم نفَوْها في الدنيا والآخرة؛ وهم الجهمية والمعتزلة. والوسطُ هم أهل السنة الذين أثبتوها في الآخرة حسَبَما تواترت به الأدلةُ». وقال أيضًا في «نونيته»: وَيَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ فَوْقِهِمْ ... نَظَرَ العِيَانِ كَما يُرَى القَمَرَان هَذَا تَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَمْ ... يُنْكِرْهُ إلَّا فَاسِدُ الإِيمان وَأَتَى بِهِ القُرْآنُ تَصْرِيحًا وَتَعْـ ... رِيضًا هُمَا بِسِيَاقِهِ نَوْعَان وَهِيَ الزِّيَادَةُ قَدْ أَتَتْ فَي يُونُسٍ ... تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ جَاءَ بِالْقُرْآنِ (١) والتي في سورة يونس هي قولُ الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]؛ فقد فسرها النبي بالرؤية كما ثبت ذلك في عدة أحاديث (٢).

стр. 133

وَهَذَا الْبَابُ فِي كِتَابِ الله كَثِيرٌ، مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الحَقِّ. الشرح قوله: «وَهَذَا الْبَابُ فِي كِتَابِ الله كَثِيرٌ» أي بابُ الأسماء والصفات، ولم يستوعبِ المُصَنِّفُ ﵀ الآياتِ التي جاءت في الأسماء والصفات، إلا في بابٍ واحد؛ وهو باب الاستواء، أما باقي الأبواب فذكر بعض آياتها. والناظر في الآيات التي سردها المُصَنِّف ﵀ في هذا الباب يمكنه أن يستنبط عدةَ قواعدَ وأصولٍ: أولها: اتفاق السلف على وجوب الإيمان بجميع الأسماء وما دلت عليه من صفات. ثانيها: أن هذه الآيات دلت على أن صفات البارئ سبحانه على ثلاثة أقسام: ١ - صفات ذاتية: لا تنفك عنها الذات؛ مثل: العلو، والحياة، والسمع، والبصر، ونحو ذلك. ٢ - صفات فعلية: تتعلق بالمشيئة؛ مثل المجيء، والاستواء، والضحك، والغضب، والعجب، والنزول، والفرح، ونحو ذلك.

стр. 134

فَصْلٌ: ثُمَّ سُنَّةُ رَسُولِ الله ?، الشرح ٣ - صفات ذاتية فعلية: باعتبارين كصفة الكلام؛ فهي صفةٌ ذاتيةٌ باعتبار أصل الكلام، وفعلية باعتبار آحاد الكلام. ثالثها: إثبات تفرد الرب بكل صفات الكمال، وأنه ليس له شريك أو مثيل في شيء منها. رابعًا: إثبات جميع ما ورد في الكتاب والسنة من الصفات الذاتية والفعلية، والمخالف في هذا الأصل فريقان: ١ - المعتزلة؛ فإنهم ينفون جميع الصفات ويثبتون الأسماء. ٢ - الجهمية؛ فإنهم ينفون جميع الصفات والأسماء. لماذا لا نُلحق بهم الأشاعرة ونقول: إنهم فريق ثالث؟ الجواب: الأشاعرة وافقوا أهل السنة والجماعة في سبع صفات فقط، يدَّعون أن العقل يُثبتها، وهذه الصفات هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. قوله: «فَصْلٌ» هذا الفصل يختص بنصوص السنة الدالة على صفات الله ، لأن الفصل السابق كان يختص بنصوص القرآن الدالة على الصفات. قوله: «ثُمَّ سُنَّةُ رَسُولِ الله ﷺ » هذا عطف على قوله فيما تقدم: «وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الجمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ... ». فيكون المراد أنه دخل في ذلك أيضًا ما وصف الرسول ﷺ به ربه في

стр. 135

تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ، وَتُبَيِّنُهُ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ، وَتُعَبِّرُ عَنْهُ، الشرح الأحاديث الصحيحة، فكما نثبت من القرآن هذه الصفات، أيضًا نثبتها من السنة؛ لأنها هي الأصل الثاني في التشريع. والسنة اصطلاحًا: ما ثبت من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته. والمعتمد عند أهل العلم أن السنة إذا ثبتت عن الرسول ﷺ بالسند الصحيح فهي بمنزلة القرآن من ناحية التصديق والعمل، وهي مُنْزلة كالقرآن؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]، (والحكمة): السُّنَّة، وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩]، أي: السنة، وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]. قوله: «تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ» هذا هو مذهب أهل الحق في السنة النبوية؛ لأنها ملازِمة للقرآن مبيِّنة له. ومعنى تفسر القرآن: أي توضحه وتبيِّن المرادَ منه، والله يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] الذكر هو القرآن، ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ أي لتوضح لهم. ولهذا نلاحظ أن الأحكام في القرآن غالبًا تأتي مجملة، ويأتي تفصيلُها في السنة؛ فمثلًا الصلاة جاء الأمر في القرآن بإقامتها، أمرًا مجملًا، وجاء تفصيلها من قوله وفعله ﷺ ، وهكذا في بقية العبادات. وهناك أمثلة تدل على أنَّ السُّنَّة تفسر القرآن، منها:

стр. 136

وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ؛ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا كَذَلِكَ، الشرح قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فسَّر النبي ﷺ هذه الزيادة بأنها الرؤية كما ثبت في مسلم من حديث صُهَيب (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] القوة في الآية فسرها النبي ﷺ بقوله: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (٢)، والأمثلة على ذلك كثيرة. أما أهل البدع فهم في هذا الباب على فريقين: الفريق الأول: مَن لا يتورع عن إنكار السنة ويصرح بذلك؛ كالمعتزلة والفلاسفة الذين ردُّوا السنة مطلقًا. الفريق الثاني: مَن يثبت السنة ويعتقد بصحة النقل فيها، ولكن يحرِّفها ويشتغل بتأويل الصفات التي أثبتتها السنة، كالأشاعرة؛ فإنهم لم يردوا السنة كما فعل المعتزلة، بل أثبتوها لكن أوَّلوها. قوله: «وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ المعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ؛ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا كَذَلِكَ» أي كما وجب الإيمانُ بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كذلك يجبُ الإيمانُ بكل ما وصفه به أعلمُ الخلق به ﷺ .

стр. 137

فَمِنْ ذَلِكَ: مِثْلُ قَوْلِهِ ?: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الشرح ثم بدأ المُصَنِّف بذكر جملة من الأحاديث التي تدل على صفات الله؛ ابتدأها بحديث: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» هذا الحديث متفق عليه (١). والكلام عليه من وجهين: ١ - صحته من جهة النقل؛ فقد أشار المُصَنِّف ﵀ إلى أنه متفق عليه، ونقل الذهبي في كتابه «العلو للعلي الغفار» أن أحاديث النزول أحاديث متواترة (٢). ٢ - ما أفاده هذا الحديث من إثبات صفة النزول لله جل وعز، وهذا ثابت في كل ليلة، كما نأخذ ذلك من قوله في الحديث: «كُلَّ لَيْلَةٍ». لو قال قائل: كيف ينزل؟ أجيب بأننا نثبت النزول، ونثبت الكيفية، لكن ننفي العلم بها، وعليه فيكون السؤال عنها بدعة، فيقال في هذه الصفة مثلُ ما يقال في بقية الصفات؛ أنه نزول يليق بجلاله وعظمته. وفي هذا الحديث ردٌّ على أربعِ طوائفَ من المبتدعة:

стр. 138

وَقَوْلُهُ ﷺ : «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ التَّائِبِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الشرح ١ - رد على الجهمية، والمعتزلةِ: ووجهُ الرد قوله: «يَنْزِلُ»؛ فالنبي ﷺ أثبت النزول لله وهو نزول يليق بجلال الله، خلافًا للجهمية والمعتزلة الذين نفَوْا هذه الصفة. ٢ - رد على الجبرية، من قوله: «مَنْ يَدْعُونِي ... مَنْ يَسْأَلُنِي ... مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي ... » ووجه الرد من هذا الحديث أنه جعل للعبد اختيارًا ومشيئة؛ وهم يقولون: إن العبد مجبور. ٣ - رد على الحلولية: حيث جاء في الحديث: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» فدل ذلك على أن الله في العلو، وهذا رد عليهم؛ لأنهم يقولون: إنه حالٌّ في كل مكان. قوله: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ ... » هذا الحديث متفق عليه (١)، وفيه إثباتُ صفة الفرح لله جل وعز، والكلام في هذه الصفة كالكلام في بقية الصفات؛ وهو إثباتها على ما يليق بجلاله وعظمته، وهي صفة فعلية؛ لأنها متعلقة بالمشيئة. بمَ أَوَّلَ النُّفَاةُ صفة الفرح؟

стр. 139

وَقَوْلُهُ: ﷺ : «يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؛ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الجنَّةَ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الشرح قال بعضُهم: كناية عن رِضَى الله، وقال البعض الآخر: كناية عن الثواب، فهم مختلفون في تأويل هذه الصفة، فالمعتزلة لهم تأويل، والأشاعرة لهم تأويل، وهكذا بقية النفاة. والرد عليهم بالقاعدة الشرعية العامة؛ وهي: «أن الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات» فصفات الله ليست كصفات المخلوقين، كما أن ذاته ليست كذوات المخلوقين. قوله: «يَضْحَكُ الله إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ... » متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ (١). ونُثبت من هذا الحديث صفةَ الضحك؛ وهو على ما يليق بجلال الله وعظمته، فهو ليس كضحك المخلوقين. أما النفاة فقد فسروا الضحك بأنه كناية عن الرضى أو القبول، قالوا: ولا نثبت من ذلك ضحكًا حقيقيًّا لله. وصفة الضحك جاءت فيها أحاديثُ أخرى؛ منها ما رواه ابن ماجه من طريق وكيع بن عُدُس عن أبي رَزِين العُقَيلي أن رجلًا سأل النبي ﷺ قال: هل يضحك ربنا؟ فقال: النبي ﷺ : «نَعَمْ» فقال الرجل: لن نَعدَمَ مِن ربٍّ يضحكُ

стр. 140

وَقَوْلُهُ: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ آزِلِينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ»، حَدِيثٌ حَسَنٌ. الشرح خيرًا (١). ووكيع بن عُدُس مجهول؛ فلذلك ضعَّف بعضُ أهل العلم هذا الحديث بسببه، ومن طريق وكيع هذا جاء الحديثُ المشهور على الألسنة: «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ، فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ» (٢)، ولذلك ضعَّف هذا الحديثَ جماعةٌ من أهل العلم؛ لجهالة حال وكيع، إلا أن حديثه يتقوَّى بما يلي: ١ - أنه من التابعين الذين جرى الأئمةُ على احتمال أحاديثهم، وتلقِّيها بحسن الظن إذا لم تُخالِف شيئًا من الأصول، وذلك لتقادُم عهدهم وتعذُّر الخبرة الباطنة بأحوالهم. ٢ - قبول جمع من الأئمة لحديثه، كالترمذي، والحاكم، والذهبي، وابن دقيقِ العيد، وابن تيمية، وابن حجر، وغيرهم، وهذا من التعديل الفعلي الذي ينزل منزلة التوثيق (٣). قوله: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزِلِينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ» هذا الحديث أخرجه أحمد وابن ماجه

стр. 141

عن أبي رَزِين العُقَيلي (١) وله عدة روايات. وقد دل الحديث على إثبات صفة العَجَب لله تعالى، وهذا من آثار رحمته وكماله، وعجبُه سبحانه ليس كعجب المخلوقين؛ لأنه ليس كمثله شيء. والحديث فيه إشارة أيضًا إلى أنه إذا تأخَّر الغيث عن العباد مع فقرهم، يستولي عليهم اليأسُ والقنوط، ويقصر نظرهم على الأسباب الظاهرة، فيستبعدون فرج الله ورحمته، وهذه الحال من العباد محلُّ عجب من الله تعالى، فيعجب الله منهم كيف يقنطون ويصابون باليأس مع أن رحمته وسِعت كل شيء؛ وهو يقول عن نفسه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]. ونستفيد من الحديث أيضًا: أنه يحرم على المؤمن القنوط واليأس ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] والآية فيها إخبار عن صفة من صفات الكافرين؛ وهي القنوط واليأس، أما المؤمن فإن ثقته بالله لا تتبدل، ولا تزيدها الابتلاءاتُ والمِحَن إلا قوةً ورسوخًا. قال الناظم: إذا اشتَمَلتْ على اليأسِ القُلوبُ ... وَضَاقَ بِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ وأَوْطَنَتِ المَكارهُ واستقرَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخُطُوبُ

стр. 142

وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا رِجْلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَتَقُولُ: الشرح ولم تَرَ لانكشافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... ولا أغنَى بحِيلَتِه الأرِيبُ أتاكَ على قُنوطٍ منك غَوثُ ... يمُنُّ به اللطيفُ المُستجِيبُ و كُلُّ الحادِثاتِ إذا تناهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا فَرَجٌ قَرِيبُ والقنوط: أشد اليأس. وقوله: «وَقُرْبِ غِيَرِهِ» الواو هنا بمعنى (مع) أي: (مع قرب غِيَرِهِ)، والغِيَر - بكسر الغين وفتح الياء - بمعنى التغيير؛ لأن الله هو الذي بيده تدبير الأمور وتغييرها، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون. وهذا الحديث اشتمل على ست صفات من صفات الله تعالى، وهي: ١ - العَجَب: من قوله: «عَجِبَ رَبُّنَا». ٢ - الضحك: من قوله: «فَيَظَلُّ يَضْحَكُ». ٣ - النظر: من قوله: «يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ». ٤ - العلم: من قوله: «يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ». ٥ - القدرة: من قوله: «قُرْبِ غِيَرِهِ»، والتغيير دليل القدرة، فمِن صفاته سبحانه القدرة، ومن أسمائه القادر. ٦ - الرحمة؛ لأن فرجه لعباده دليل على رحمته بهم. قوله: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ... » الحديثَ.

стр. 143

قَطْ قَطْ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الشرح هذا الحديثُ فيه إثبات صفة (الرِّجْل) أو (القَدَم) لله سبحانه، فنثبت هذه الصفة لله تعالى وأنها تجري مجرى بقية الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته. والحديث فيه فوائد كثيرة؛ من أبرزها: ١ - ما أراده المُصَنِّف هنا من إثبات صفة القدم لله على ما يليق به سبحانه. ٢ - إثبات القول من الجماد؛ إذ تقول النار: «قط، قط». وهذا دليل على قدرة الله تعالى، وهو الذي أنطق كل شيء، وقد ورد في نصوص أخرى إثباتُ إحساس الجمادات، لكن لا ندركه ولا نشاهده، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]. وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]. بماذا أجاب المبتدعة عن حديث الباب: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا»؟ قالوا: المراد بالرجل في الحديث جماعة من الناس أو القوم من الناس كما يقال في اللغة: «رِجْلُ جَرَاد»، فيكون المقصود جماعة من الناس، لكن في الحديث رد على هذا التأويل من وجهين: الأول: أنه قال في الحديث: «حَتَّى يَضَعَ» ولم يقل: (حتى يُلقي)، فلا يستقيم أن يُقال: إن المعنى: فيضع رب العزة قومًا من الناس.

стр. 144

وَقَوْلُهُ: «يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إِنَّ الله يَامُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ». الشرح الثاني: أنه لا يصح تفسيرُ القَدَم بالقوم؛ لا حقيقة ولا مجازًا. وصفة (القدم) صفة ذاتية كالوجه واليدين ونحو ذلك. قوله: «يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ ... » الحديثَ، في الحديث إثباتُ صفة النداء والكلام والصوت لله تعالى، والنداءُ نداء حقيقة بصوت، قوله: «فَيُنَادِي» أي الله تعالى، «بِصَوْتٍ». سؤال: هل يمكن أن يكون نداءٌ بلا صوت؟ الجواب: النداء لا بد أن يكون بصوت، وذكرُ الصوت هنا من باب التأكيد، والأصل أن ثبوت الصوت من إثبات النداء؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت مرتفع. والخلاصة: إثبات صفة القول والنداء لله تعالى، وأنه بصوت مسموع. قوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» فيه إثبات تكليمه لجميع عباده بلا واسطة؛ لقوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ». وتكليمه لعباده على نوعين: الأول: تكليم بلا واسطة كما في هذا الحديث، والتكليم يكون للمحاسبة ويكون مع البَرِّ والفاجر.

стр. 145

وَقَوْلُهُ ? فِي رُقْيَةِ المَرِيضِ: «رَبَّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، اجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ؛ فَيَبْرَأَ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ. الشرح وكيف نجمع بين هذا الحديث؛ وفيه تكليم الله لكل الخلق، وبين قول الله عن الكفار: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧٧]؟ الجواب: التكليم في هذا الحديث للمحاسبة، ونفيُ التكليم في الآية للإهانة والتحقير. الثاني: تكليم بواسطة: وهو كلامه لرسله عن طريق الملائكة أو جبريل. قوله: «رَبَّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ... » هذا الحديث من رواية أبي الدرداء، وهو صريح في إثبات صفة العلو لله تعالى ، وذلك من قوله: «اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»، والعلو صفة ذاتية لا تنفك عنه مطلقًا. ويدل الحديث أيضًا على صفة الرحمة من قوله: «اجْعَلْ رَحْمَتَكَ». ونأخذ من الحديث أيضًا مشروعيةَ التوسل إلى الله تعالى بالثناء عليه بربوبيته وقدسيته وبقية صفاته، وهذا من أنواع التوسل المشروع، وسبق الكلامُ عليها في شرح لامية شيخ الإسلام. قوله: «أَلَا تَامَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ويصح: «وأنا أمينٌ في السماء»، أمينٌ بالتنوين أي موصوف بهذه الصفة في السماء، أي: صفة الأمانة،
следующие страницы →