عن أبي رَزِين العُقَيلي (١) وله عدة روايات.
وقد دل الحديث على إثبات صفة العَجَب لله تعالى، وهذا من آثار رحمته وكماله، وعجبُه سبحانه ليس كعجب المخلوقين؛ لأنه ليس كمثله شيء.
والحديث فيه إشارة أيضًا إلى أنه إذا تأخَّر الغيث عن العباد مع فقرهم، يستولي عليهم اليأسُ والقنوط، ويقصر نظرهم على الأسباب الظاهرة، فيستبعدون فرج الله ورحمته، وهذه الحال من العباد محلُّ عجب من الله تعالى، فيعجب الله منهم كيف يقنطون ويصابون باليأس مع أن رحمته وسِعت كل شيء؛ وهو يقول عن نفسه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].
ونستفيد من الحديث أيضًا: أنه يحرم على المؤمن القنوط واليأس ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] والآية فيها إخبار عن صفة من صفات الكافرين؛ وهي القنوط واليأس، أما المؤمن فإن ثقته بالله لا تتبدل، ولا تزيدها الابتلاءاتُ والمِحَن إلا قوةً ورسوخًا.
قال الناظم:
إذا اشتَمَلتْ على اليأسِ القُلوبُ ... وَضَاقَ بِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ
وأَوْطَنَتِ المَكارهُ واستقرَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخُطُوبُ
стр. 142
وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا رِجْلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَتَقُولُ:
الشرح
ولم تَرَ لانكشافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... ولا أغنَى بحِيلَتِه الأرِيبُ
أتاكَ على قُنوطٍ منك غَوثُ ... يمُنُّ به اللطيفُ المُستجِيبُ
و كُلُّ الحادِثاتِ إذا تناهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا فَرَجٌ قَرِيبُ
والقنوط: أشد اليأس.
وقوله: «وَقُرْبِ غِيَرِهِ» الواو هنا بمعنى (مع) أي: (مع قرب غِيَرِهِ)، والغِيَر - بكسر الغين وفتح الياء - بمعنى التغيير؛ لأن الله هو الذي بيده تدبير الأمور وتغييرها، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون.
وهذا الحديث اشتمل على ست صفات من صفات الله تعالى، وهي:
١ - العَجَب: من قوله: «عَجِبَ رَبُّنَا».
٢ - الضحك: من قوله: «فَيَظَلُّ يَضْحَكُ».
٣ - النظر: من قوله: «يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ».
٤ - العلم: من قوله: «يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ».
٥ - القدرة: من قوله: «قُرْبِ غِيَرِهِ»، والتغيير دليل القدرة، فمِن صفاته سبحانه القدرة، ومن أسمائه القادر.
٦ - الرحمة؛ لأن فرجه لعباده دليل على رحمته بهم.
قوله: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ... » الحديثَ.
стр. 143
قَطْ قَطْ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الشرح
هذا الحديثُ فيه إثبات صفة (الرِّجْل) أو (القَدَم) لله سبحانه، فنثبت هذه الصفة لله تعالى وأنها تجري مجرى بقية الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته.
والحديث فيه فوائد كثيرة؛ من أبرزها:
١ - ما أراده المُصَنِّف هنا من إثبات صفة القدم لله على ما يليق به سبحانه.
٢ - إثبات القول من الجماد؛ إذ تقول النار: «قط، قط».
وهذا دليل على قدرة الله تعالى، وهو الذي أنطق كل شيء، وقد ورد في نصوص أخرى إثباتُ إحساس الجمادات، لكن لا ندركه ولا نشاهده، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤].
وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١].
بماذا أجاب المبتدعة عن حديث الباب: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا»؟
قالوا: المراد بالرجل في الحديث جماعة من الناس أو القوم من الناس كما يقال في اللغة: «رِجْلُ جَرَاد»، فيكون المقصود جماعة من الناس، لكن في الحديث رد على هذا التأويل من وجهين:
الأول: أنه قال في الحديث: «حَتَّى يَضَعَ» ولم يقل: (حتى يُلقي)، فلا يستقيم أن يُقال: إن المعنى: فيضع رب العزة قومًا من الناس.
стр. 144
وَقَوْلُهُ: «يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إِنَّ الله يَامُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ».
الشرح
الثاني: أنه لا يصح تفسيرُ القَدَم بالقوم؛ لا حقيقة ولا مجازًا.
وصفة (القدم) صفة ذاتية كالوجه واليدين ونحو ذلك.
قوله: «يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ ... » الحديثَ، في الحديث إثباتُ صفة النداء والكلام والصوت لله تعالى، والنداءُ نداء حقيقة بصوت، قوله: «فَيُنَادِي» أي الله تعالى، «بِصَوْتٍ».
سؤال: هل يمكن أن يكون نداءٌ بلا صوت؟
الجواب: النداء لا بد أن يكون بصوت، وذكرُ الصوت هنا من باب التأكيد، والأصل أن ثبوت الصوت من إثبات النداء؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت مرتفع.
والخلاصة: إثبات صفة القول والنداء لله تعالى، وأنه بصوت مسموع.
قوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» فيه إثبات تكليمه لجميع عباده بلا واسطة؛ لقوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ».
وتكليمه لعباده على نوعين:
الأول: تكليم بلا واسطة كما في هذا الحديث، والتكليم يكون للمحاسبة ويكون مع البَرِّ والفاجر.
стр. 145
وَقَوْلُهُ ? فِي رُقْيَةِ المَرِيضِ: «رَبَّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، اجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ؛ فَيَبْرَأَ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.
الشرح
وكيف نجمع بين هذا الحديث؛ وفيه تكليم الله لكل الخلق، وبين قول الله عن الكفار: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧٧]؟
الجواب: التكليم في هذا الحديث للمحاسبة، ونفيُ التكليم في الآية للإهانة والتحقير.
الثاني: تكليم بواسطة: وهو كلامه لرسله عن طريق الملائكة أو جبريل.
قوله: «رَبَّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ... » هذا الحديث من رواية أبي الدرداء، وهو صريح في إثبات صفة العلو لله تعالى ، وذلك من قوله: «اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»، والعلو صفة ذاتية لا تنفك عنه مطلقًا.
ويدل الحديث أيضًا على صفة الرحمة من قوله: «اجْعَلْ رَحْمَتَكَ».
ونأخذ من الحديث أيضًا مشروعيةَ التوسل إلى الله تعالى بالثناء عليه بربوبيته وقدسيته وبقية صفاته، وهذا من أنواع التوسل المشروع، وسبق الكلامُ عليها في شرح لامية شيخ الإسلام.
قوله: «أَلَا تَامَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ويصح: «وأنا أمينٌ في السماء»، أمينٌ بالتنوين أي موصوف بهذه الصفة في السماء، أي: صفة الأمانة،
стр. 146
وَقَوْلُهُ ?: «أَلَا تَامَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»، حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُ: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ الماءِ، واللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.
الشرح
والنبي ﷺ موصوف بذلك في السماء، والمعنى على الوجه الثاني: «أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» يعني أمين الله تعالى على وحيه.
والصفة المثبتة من هذا الحديث صفة العلو من قوله: «مَنْ فِي السَّمَاءِ».
وقوله: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْماءِ، واللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» رواه أبو داود وغيره من حديث ابن عباس ﵁، وهذا الحديث يُسمى بحديث الأَوْعال، وكأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى تحسينَه من خلال الشواهد الصحيحة التي تشهدُ لبعض متنه، ولكن الحديث فيه ضعف، وقد أُعِلَّ بعدة علل:
الأولى: تفرد سِمَاك برواية الحديث، وسماك بن حرب لا يُحتج به إذا انفرد، قال الإمام أحمد: «مضطرب الحديث».
وقال الدارقطني: «سيء الحفظ» (١).
والثانية: أن عبد الله بن عُمَيرة مجهول (٢).
والثالثة: عدم ثبوت سماع ابن عميرة من الأحنف، قال البخاري: «ولا
стр. 147
وَقَوْلُهُ ? لِلْجَارِيَةِ: «أَيْنَ الله؟»، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ الله، قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الشرح
نعلم له سماعًا من الأحنف» (١).
والرابعة: الوقف، قال الترمذي: «وروى شَرِيك، عن سماك، بعضَ هذا الحديث، ووَقَفه ولم يرفعه» (٢). ورواية شريك عن سماك أرجحُ من رواية غيره في هذا الحديث.
والخامسة: أن متن الحديث فيه نكارة في سياقه، ويظهر ذلك من وجهين:
١ - تشبيه الملائكة بالتيوس، فالأوعال جمع وَعِل؛ وهو تيس الجبال.
٢ - أكثر الأصول تذكر الأظلاف مؤنثة، وهو معنى منكرٌ في حق الملائكة.
وفي الحديث الجمعُ بين الإيمان بعلوه على عرشه فوق مخلوقاته وإحاطته بجميع المخلوقات، فهو مع علوه يعلم ما في نفس العبد؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦].
«وَقَوْلُهُ لِلْجَارِيَةِ: أَيْنَ الله؟، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ ... » هذا الحديث رواه مسلم من طرق متعددة (٣).
ويستفاد من الحديث ما يلي:
стр. 148
أولًا: جواز الاستفهام عن الله بـ «أين»، لقوله للجارية: «أين الله؟».
قال الناظم:
وَقَدْ جَاءَ لَفْظُ الأَيْنِ مِنْ قَوْلِ صَادِقٍ ... رَسُولِ إِلَهِ الْعَالَمِين مُحَمَّد
كَمَا قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ... كَذَاكَ أَبو دَاودَ والنَّسَئِي قَد
قال ابنُ عثيمين ﵀: «واستفهام النبي بـ (أين) يدل على أن لله مكانًا» (١)، لكن لا يخفى أن الله لا يحيط به شيء سبحانه ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].
ثانيًا: إثبات صفة العلو لله تعالى؛ لإقراره ﷺ قولَها: «فِي السَّمَاءِ» والسماء إذا أطلقت في اللغة فالمراد بها العلو.
ثالثًا: تضمَّن هذا الحديثُ شهادةَ الرسول ﷺ بالإيمان للجارية لمَّا اعترفت بعلو الله على خلقه، وذلك بعدما سألها النبي ﷺ وقال: «أَيْنَ الله؟» قالت: «فِي السَّمَاءِ»، وفي هذا دليل على أن وصف الله بالعلو من أعظم أوصاف الباري جل وعز، لأن النبي ﷺ خصه بالذكر دون بقية الأوصاف، وهذا دليل على قبح رأي الحُلوليَّة.
стр. 149
وَقَوْلُهُ ﷺ : «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَوْلُهُ ﷺ : «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ؛ فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الله قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الشرح
قوله: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الله مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» هذا الحديث رواه الطبراني من حديث عبادة (١)، وهو ضعيف (٢).
ونثبت من الحديث -على فرض صحته- صفة المعية، وهذه المعية عامة من قوله: «مَعَكَ»، لكن لا يعني ذلك أنه حالٌّ في كل مكان كما قالت الحلولية.
وقوله: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ» نستفيد منه أن الإيمان يتفاوت، وفي هذا رد على المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية.
قوله: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ؛ فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الله قِبَلَ وَجْهِهِ ... » هذا الحديث متفق عليه (٣)، ونستفيد منه إثبات أن الله قِبَل وجه المصلي حين يصلي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الحموية»: «إن الحديث حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش وهو قِبلَ وجه المصلي» (٤).
стр. 150
وعلى هذا: هل بين إثبات ما سبق وإثبات العلو تعارض؟
الجواب: لا تعارض بينهما؛ فإن الله ليس كمثله شيء، فهو موصوف سبحانه بأنه قِبَل وجه المصلي، وموصوف بالعلو، فلا منافاة بينهما، وقد مثَّل شيخُ الإسلام وابنُ عثيمين بمثال يقرِّب ذلك، وهو أن الإنسان قد يتوجه جهة الشمس وتكون قِبَل وجهه وهي عالية في مكانها، فيصح أن يقال: إن الشمس قبل وجهه وهي في مكان عالٍ، والله أجل وأعظم، وليس كمثله شيء (١).
هل نستفيد من الحديث جوازَ البَصْق حال الصلاة؟
ثبت النهيُ عن البصق قِبَل الوجه، وجوازه عن اليسار وتحت القدمين، كما جاء ذلك في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ؛ فَإِنَّمَا يُنَاجِي الله مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا» (٢).
هل يجوز هذا في المسجد؟
الجواب: فيه تفصيل، فهذا الحديث أجاز البصاق، وهناك حديث آخر منع منه، وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا:
стр. 151
وَقَوْلُهُ ﷺ : «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا،
الشرح
«البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» (١).
والجمع بين الحديثين بأن يُقال: يجوز خارج المسجد، وأما في داخله فلا يجوز.
فعلى هذا يكون الجوازُ في حديث الباب إذا كان ذلك خارج المسجد.
أما إذا كان في المسجد ومعه جماعة؟ فيكون تحت قدمه فقط، ويدفنها بعد ذلك، ولا يبصق عن يمينه ولا عن يساره؛ كي لا يؤذي غيره.
وهنا مسألةٌ ينبغي التنبيه عليها: وهي أَنَّ المساجد كانت في السابق مفروشةً بالرمل والتراب، وأما الآن فهي مفروشةٌ بالمفارش و (الموكيت)؛ فلا يجوز البصقُ فيها؛ سواءٌ كان ظاهرًا أم تحت الفرش، فضلًا عن أن ذلك ينافي حرمةَ المسجد، ويدعو إلى تقزُّز العامة منه.
قوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ... » الحديث فيه إثبات جملة من الصفات وهي:
١ - صفة العلو، من قوله: «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ»؛ ولأجلها ساق المُصَنِّف هذا الحديثَ.
стр. 152
أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٍ. وَقَوْلُهُ ﷺ لَمَّا رَفَعَ الصَّحَابَةُ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ
الشرح
٢ - صفة الأولية، من قوله: «أَنْتَ الْأَوَّلُ».
٣ - الآخِرية، من قوله: «فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ».
٤ - الإحاطة الزمانية، من قوله: «أَنْتَ الْأَوَّلُ» وقولِه: «أَنْتَ الْآخِرُ»؛ لأن إثبات الأولية والآخرية متضمِّن للإحاطة الزمانية.
٥ - الظاهرية، من قوله: «أَنْتَ الظَّاهِرُ».
٦ - الباطنية، من قوله: «أَنْتَ الْبَاطِنُ».
٧ - الإحاطة المكانية، من قوله: «أَنْتَ الظَّاهِرُ» وقولِه: «أَنْتَ الْبَاطِنُ»؛ وإثبات الظاهرية والباطنية يتضمَّنُ الإحاطة المكانية.
٨ - الربوبية من قوله: «رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ».
٩ - تمام القدرة من قوله: «فَالِقَ الحبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ» وقوله: «اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ».
١٠ - كمال رحمته، من قوله: «مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ»؛ لأن إنزال الكتب دليل على رحمته بعباده.
وقوله: «لَتمَّا رَفَعَ الصَّحَابَةُ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ: أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى
стр. 153
أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الشرح
أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا ... » الصفة المثبتة من الحديث صفةُ القُرب لله تعالى، ولأجلها ساق المُصَنِّفُ الحديثَ، والله تعالى قريب من عباده وليس بحاجة إلى أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء؛ فإنه يعلم السر والجهر.
وصفة القرب تستلزمُ صفتَيِ الإحاطة والعلم.
وقوله: «ارْبَعُوا» أي: ارفُقوا بأنفسكم بخفض أصواتكم؛ فإن رفع الصوت إنما يفعله الإنسانُ إذا كان محتاجًا إلى ذلك؛ كمناداة البعيد أو ضعفِ سمع المدعو؛ ولهذا قال ﷺ : «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا».
ولهذا نص أهلُ العلم أن من آداب الدعاء خفضَ الصوت؛ قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]؛ استنبط القرطبي (١) وغيرُه من أهل العلم من هذه الآية أن رفع الصوت بالدعاء من التعدي؛ لأنه قال في آخر الآية: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
ما حكم رفع الصوت بالدعاء في قنوت التراويح ؟
المشروع في دعاء القنوت الجهرُ بالصوت بقدر إسماع المأمومين، وأما التكلفُ في الرفع، فهذا غير مشروع، بل عدَّه بعضُ أهل العلم من التعدي في الدعاء، وأما رفع الصوت بتلاوة القرآن فإن كان رياءً أو سبيلًا للرياء فهو
стр. 154
قوله ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ،
الشرح
ممنوع، وإن كان فيه إيذاء للآخرين فهذا غير مشروع، وأما إذا كان القارئ وحده فله أن يرفع صوتَه بالقرآن ما شاء.
قوله: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ ... » هذا الحديث متفق عليه من حديث جريرِ بنِ عبد الله ﵁ (١)، وفيه الإشارة إلى إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وأنهم يتنعمون بالنظر لوجهه جل وعز، ونأخذ من ذلك ما يلي:
١ - إثبات علو الله على خلقه؛ لأن الحديث صريح في أنهم يرونه من فوقهم.
٢ - دل الحديث على أن النظر لوجهه تعالى من النعيم الذي أعطاه الله المؤمنين، بل هو أعظم النعيم.
قوله: «كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» معناه تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي؛ فيكون المعنى: أن رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة تكون من الظهور والوضوح كرؤية القمر في أَبْيَنِ وأظهرِ حالاته؛ وهي ليلةُ البدر.
وقوله: «لَا تُضَامُونَ»، فيه ثلاثة أوجه من الضبط:
١ - (لا تضامُّون) بتشديد الميم؛ من الضمِّ.
٢ - (لا تُضامُون) بالتخفيف؛ من الضَّيْم.
٣ - (لا تُضارُون) بالراء؛ من الضرر.
стр. 155
إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ? عَنْ رَبِّهِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ؛
الشرح
وقوله: «فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا؛ فَافْعَلُوا».
ما مناسبته هنا؟
الجواب: في هذا إشارة إلى أن مَن حافظ على هاتين الصلاتين نال هذا النعيمَ في الآخرة.
وقد جاءت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل هاتين الصلاتين الفجرِ والعصرِ:
منها: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (١).
قوله: «إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ... »
لمَّا ذكر المُصَنِّفُ بعض الأحاديث الواردة في باب الصفات نَبَّهَ على أن الأحاديثَ الأخرى التي لم يذكرها في الباب يُقال فيها ما يقال في الأحاديث السالفة.
والقاعدة: إثبات الصفات في هذه الأحاديث من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف.
стр. 156
فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ كَمَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ؛ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ،
الشرح
قوله: «فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ» بَيَّنَ ﵀ أن الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة، ثم ذكر بعض أوصافهم.
قوله: «بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ» لا شك أن هذه الأمة هي الوسط وأهلُ السنة أعظمُ مَن يمثِّل هذا الوسطَ، ويتبين هذا من عدة أوجه:
١ - أنهم وسط في حق الله تعالى؛ خلافًا لليهود الذين وصفوا الله بالنقائص.
٢ - أنهم وسط في حق الأنبياء؛ خلافًا لليهود الذين قالوا: عزيرٌ ابنُ الله، وخلافًا للنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، وخلافًا لمَن قتل الأنبياءَ الذين قال تعالى عنهم: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة:٦١].
وهذه الأمة وسط، كما أن أهل السنة وسط في هذا الباب، فقالوا عن عيسى: عبد الله ورسوله، لم يُطْرُوه ويبالغوا في حقه، ولم يُجحفوا في حَقِّهِ، وهذا عين الاعتدال والوسط.
٣ - أنهم وسط في الأحكام والعبادات؛ فالنصارى يتدينون لله بعدم الطهارة؛ فهم لا يتطهرون من الخبث؛ فيبول الواحدُ منهم على ثوبه ولا يتطهر منه بل يصلي بهذا الثوب الذي أصابته النجاسة.
أما اليهود فعكس ذلك تمامًا؛ فإذا أصابتهم النجاسةُ ووقعت في الثوب فإنهم يَقرِضونها بالمقاريض ولا يكفيهم الغسلُ، أما هذه الأمة فهم وسط في
стр. 157
بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ؛ كَمَا أَنَّ الْأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الْأُمَمِ.
فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ الله بَيْنَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الجَهْمِيَّةِ، وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ المُشَبِّهَةِ، وَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِ الله بَيْنَ الجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
الشرح
هذا الباب؛ إذ يتطهرون بالماء كما أمر الله بذلك.
قوله: «فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ الله ... » إلخ.
ذكر المُصَنِّف خمسة أصول في وسطية أهل السنة:
الأصل الأول: وسطية أهل السنة في باب الصفات بين أهل التعطيل وأهل التمثيل ، وسبق معنا أن أهل التعطيل هم الجهمية والمعتزلة، والمُصَنِّف خص الجهمية بالذكر هنا؛ لأنهم رؤوس المعطلة، وأول مَن ابتدع تلك البدعة، وغيرُهم تبعٌ لهم.
قوله: «وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ المُشَبِّهَةِ» أي: الذين شبَّهوا اللهَ بخلقه ولكن ما الدافع للتشبيه الذي قالوا به؟
الجواب: يقولون: لا نعرف من الصفات إلا ما علمناه وشاهدناه حِسًّا من صفات المخلوقين، فالمقصود أن أهل السنة والجماعة وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل.
الأصل الثاني: أنهم وسط في أفعال الله تعالى بين الجبرية والقدرية .
الجبرية: قالوا: إن العبد مجبر على أفعاله لا اختيار له.
والقدرية: هم مَن نَفَوُا القدرَ، وقالوا: إن أفعال العباد متعلقة بهم لا علاقة لها بمشيئة الله تعالى، بل إن العبد عندهم له مطلق المشيئة والاختيار.
стр. 158
فهؤلاء طائفتان مختلفتان، وأهلُ السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء: أثبتوا للعبد الاختيارَ والمشيئة، لكنها متعلقة بمشيئة الله تعالى.
وهذه العقيدة بَيَّنَهَا الله تعالى في آية واحدة؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] هذه الآية بينت الحق وأبطلت عقيدة هؤلاء، ففيها رد على الجبرية والقدرية، وفيها بيان الحق الذي عليه أهل السنة.
وقد نظم ذلك السفَّارينيُّ فقال:
أَفْعَالُنَا مَخْلُوقَةٌ للهِ ... لَكِنَّهَا كَسْبٌ لَنَا يَا لَاهِي
فَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ العِبَادُ ... مِنْ طَاعَةٍ أَوْ ضِدِّهَا مُرَادُ
لِرَبِّنَا مِنْ غَيْرِ مَا اضْطِرَارِ ... مِنْهُ لَنَا فَافْهَمْ ولا تُمَار
الأصل الثالث: أنهم وسط في باب الوعيد بين المرجئة والوعيدية .
والمرجئة: مِن أَرْجَأَ أي أخَّر، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ﴾ [الأعراف:١١١] وفي قراءة: ﴿أَرْجِئْه﴾ أي: أَخِّرْهُ؛ وسُموا بهذا الاسم لأحد سببين:
أ- أنهم أخروا الأعمالَ عن مُسمَّى الإيمان، أي أنهم يقولون: إذا وجد الإيمان في القلب فهو كافٍ ولا تأثير للأعمال في زيادة الإيمان.
ب- أنهم سُموا بذلك لتغليبهم أدلة الرجاء على أدلة الوعيد، وأدلةُ الرجاء مثل قوله ﵁: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجنَّةَ» (١).
стр. 159
وَفِي بَابِ وَعِيدِ الله بَيْنَ المُرْجِئَةِ وَالْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ،
الشرح
وقولِه: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجنَّةَ» (١).
وعلى نقيضهم الوعيديةُ، وهم طائفتان:
١ - المعتزلة.
٢ - الخوارج.
والمُصَنِّف ﵀ يقول: «مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ»، وهذا يشمل:
١ - الخوارج؛ وهم من الوعيدية والقدرية.
٢ - والمعتزلة؛ وهم قدرية أيضًا.
وما الفرق بينهما:
المعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وفي الآخرة خالد مخلد في النار، والخوارج يقولون: صاحب الكبائر في الدنيا كافر وفي الآخرة خالد مخلد في النار.
فهم اختلفوا في حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا.
وأهل السنة وسط في هذا الباب بين المرجئة والوعيدية، فيقولون: مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فهو مؤمن ناقص الإيمان.
الأصل الرابع: أنهم وسط في باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية -أي (الخوارج) - والمعتزلةِ، وبين المرجئة والجهميةِ في الطرف الآخر.
стр. 160
وَفِي بَابِ أَسْمَاءِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ بَيْنَ الحَرُورِيَّةِ وَالمعْتَزِلَةِ، وَبَيْنَ المُرْجِئَةِ وَالجَهْمِيَّةِ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ بَيْنَ الرَّافِضَةِ وَالخوَارِجِ.
الشرح
ما المراد بأسماء الإيمان والدين؟
الجواب: المراد الأسماء التي جاءت في النصوص؛ كاسم (المؤمن)، و (المسلم)، و (الكافر)، و (الفاسق).
فأهل السنة توسَّطوا في هذا الباب.
فمذهب الحرورية تكفيرُ صاحب الكبيرة؛ يعني أطلقوا عليه لفظ الكفر، وأما المُرجئةُ فقد جعلوه مؤمنًا كاملَ الإيمان.
وأهل السنة توسطوا في هذا الباب، وقالوا: مرتكب الكبيرة مؤمن لكنه ناقص الإيمان؛ نقص من إيمانه بقدر ما ارتكب من المعصية، فلا ينفون عنه الإيمانَ كما فعلت الخوارج، ولا يقولون إنه كامل الإيمان كما فعلت المرجئة.
الأصل الخامس: أنهم وسط في أصحاب رسول الله بين الرافضة والخوارج.
فالرافضة غَلَوا في (عَليٍّ) وأوصلوه إلى الألوهية، والخوارج كفَّروه وكفروا الصحابة ﵃.
والمقصود أن أهل السنة وسط بين الرافضة والخوارج؛ لأنهم حفظوا لأصحاب الرسول حقَّهم ولم ينفوا تزكية الله لهم في كتابه.
стр. 161
وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِالله: الْإِيمَانُ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَتَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِهِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ؛ مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، عَلَى عَرْشِهِ، عَلِيٌّ عَلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا، يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُونَ؛ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤].
الشرح
قوله: «وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِالله ... » الخ، هذا الفصلُ والفصولُ التي بعده أكثرُه مرَّ معنا في «شرح الحائية»، فلا داعي للتكرار.
وهناك مسائلُ مهمة في إثبات العلو وإثبات المعية، ولكن قبل الدخول فيها أسأل: لماذا نصَّ المصَنِّف على هاتين الصفتين في هذا الفصل مع أنهما قد مرَّا معنا؟
الجواب: لأنه قد يظن ظان أن إثبات صفة العلو يعني عدمَ إثبات صفة المعية، فأراد المُصَنِّف أن يبيِّن أنه لا تنافيَ بينهما؛ فالله موصوف بالعلو وهو فوق عرشه، وموصوف بالمعية مع علوه سبحانه، واستدل المصَنِّف بدليل عقلي؛ وهو أن القمر يسير مع المسافر وهو عالٍ في مكانه، ومع ذلك يقول: هو معنا، والله أعلى وأجل.
قوله: «وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ... » لمَّا أثبت المصَنِّف ﵀ صفة المعية خشِي أن يتوهم متوهمٌ أنها تقتضي الممازجةَ، فنفى المُصَنِّف هذا وأثبت أنها معية حقيقية لا تقتضي الممازجة، وأنه يجب أن تُنفى عنه (الظنونُ
стр. 162
وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالخَلْقِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، وَخِلَافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلْقَ.
بَلِ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مَعَ المسَافِرِ وَغَيْرِ المسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ، مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ؛ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ.
وَكُلُّ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ الله -مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَأَنَّهُ مَعَنَا- حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْرِيفٍ، وَلَكِنْ يُصَانُ عَنِ الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ؛ مِثْلِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: (فِي السَّمَاءِ)؛ أَنَّ السَّمَاءَ تُظِلُّهُ أَوْ تُقِلُّهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وَهُوَ ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر:٤١]، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٢٥].
الشرح
الكاذبة)؛ كظنِّ أن السماء تُظله أو تُقله؛ تعالى الله عن هذا الظن علوًّا كبيرًا، فهو ليس بحاجة إلى شيء من ذلك؛ فهو الغني، والخلق كلهم فقراءُ إليه.
قوله: «وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ ... » إلخ؛ أي يدخل في الإيمانِ بالله الإيمانُ بأنه قريب مجيب، كما قد جمع الله بين ذلك في آية البقرة، وفي السنة أحاديثُ كثيرة في هذا الباب، وإنما ذكر ذلك المُصَنِّف ﵀ لدفع توهم معارضتها للعلو، وبيَّن أن إثبات صفة القرب لا ينافي صفةَ
стр. 163
وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ: الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ؛ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ... الْآيَةَ [البقرة:١٨٦]، وَقَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»، وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِ، وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ، قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ.
وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالله وَكُتُبِهِ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ الله، مُنَزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ كلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، لَا كلَامُ غَيْرِهِ.
الشرح
العلو، والعكس كذلك، فكلاهما مُثْبَتان لله تعالى.
ما الدليل على عدم التعارض بينهما؟
الجواب: الدليل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فعدم التعارض لأنه ليس كمثله شيء.
قوله: «وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالله وَكُتُبِهِ الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ الله ... » تكلم المُصَنِّف هنا عن القرآن، وذكر أنه موصوف بثلاثة أمور مهمة:
١ - أنه كلام الله، وهو منزل غير مخلوق.
٢ - أنه منه بدأ وإليه يعود.
٣ - أن الله تكلم به حقيقة.
قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»: «ومذهبُ سلف الأمة وأئمتِها
стр. 164
وَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ الله، أَوْ عِبَارَةٌ، بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي المَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.
وَهُوَ كَلَامُ الله؛ حُرُوفُهُ، وَمَعانِيهِ، لَيْسَ كَلَامُ الله الحُرُوفَ دُونَ المَعَانِي، وَلَا المَعَانِي دُونَ الحرُوفِ.
الشرح
من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، وهو ما دل عليه الكتابُ والسنة؛ أن القرآن كلامُ الله منزَّلٌ غيرُ مخلوق» (١).
لماذا أعاد المُصَنِّف هذه المسألةَ؟
إنما نصَّ على هذا الكلام ليدفع توهُّمين:
التوهم الأول: اعتقاد أن الكلام المكتوب في المصحف ليس كلامَ الله، وأن كلامه فقط هو المنطوق، والحق أن كلام الله هو المكتوب والمنطوق.
التوهم الثاني: أن الكلام كلام جبريل أو كلام النبي ﷺ ، والحق أنه كلام الله تعالى، وجبريل والنبي ﷺ كان لهما التبليغ، ولهذا قال المُصَنِّف: «فَإِنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا» فأراد المُصَنِّف أن يدفع هذا التوهمَ الوارد، وبين أنه لا يجوز أن يقال: القرآن عبارةٌ عن كلام الله كما قالت الأشعرية، ولا أن يقال: إنه حكايةٌ عن كلام الله كما قالت الكُلَّابية.
стр. 165
وَقَدْ دَخَلَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ؛ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَبِكُتُبهِ، وَبِمَلَائِكَتِهِ، وَبِرُسُلِهِ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ بِهَا سَحَابٌ، وَكَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ.
يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الجنَّةِ؛ كَمَا يَشَاءُ الله تَعَالَى.
الشرح
وهؤلاء جميعًا اتفقوا على أن القرآن الذي في المصحف ليس كلامَ الله، والحق أنه كلام الله؛ سواءٌ كتب في المصحف أو قرأه الناس.
قال ابن القيم ﵀:
وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ أَفْعَالٌ لَنَا ... وَكَذَا الْكِتَابَةُ فَهْيَ خَطُّ بَنَان
لَكِنَّما المَتْلُوُّ وَالمَكْتُوبُ والْـ ... مَحْفُوظُ قَوْلُ الوَاحِدِ الرَّحْمَن
قوله: «وَقَدْ دَخَلَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ؛ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَبِكُتُبِهِ، وَبِمَلَائِكَتِهِ ... ».
أشار المُصَنِّف ﵀ في هذا الفصل إلى مسألة الرؤية.
لماذا أعاد المُصَنِّف هذا الفصلَ مرة أخرى؟
الجواب: أراد المُصَنِّف ﵀ أن يبين هنا أن مسألة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة على نوعين:
١) رؤية في عرصات القيامة، وفي موقف الحساب.
٢) رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة بعد دخول الجنة، وهي رؤية لذة ونعيم، بل هي أعظم النعيم.
стр. 166
أما الكفار فلا يرون ربهم مطلقًا، وقال بعض أهل العلم: إنهم يرونه لكن رؤية غضب، لكن عموم قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] يدل على أنهم لا يرونه مطلقًا، والله أعلم بالصواب.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثلاثة أقوال في رؤية الكفار لربهم، فقال: «والأقوال الثلاثة في رؤية الكفار:
أحدها: أن الكفار لا يرون ربهم بحال؛ لا المُظهر للكفر ولا المُسِر له، وهذا قول أكثر العلماء المتأخرين، وعليه يدل عمومُ كلام المتقدمين، وعليه جمهور أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.
الثاني: أنه يراه مَن أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها وغُبَّرات من أهل الكتاب، وذلك في عرصة القيامة، ثم يحتجب عن المنافقين فلا يرونه بعد ذلك، وهذا قول أبي بكر بن خزيمة من أئمة أهل السنة، وقد ذكر القاضي أبو يَعْلَى نحوه في حديث إتيانه لهم في الموقف، في الحديث المشهور.
الثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب - كاللص إذا رأى السلطان - ثم يحتجب عنهم ليعظُم عذابُهم ويشتد عقابهم، وهذا قول أبي الحسن بن سالم وأصحابِه وقول غيرهم؛ وهم في الأصول مُنتسِبون إلى الإمام أحمد بن حنبل، وإلى سهل بن عبد الله التستري» (١).
стр. 167
وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ: الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ.
الشرح
قوله: «وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ... ».
لا يخفى أن الإنسان يمر بخمسِ مراحلَ:
١ - مرحلة العدم.
٢ - الحَمْل.
٣ - الدنيا.
٤ - البرزخ.
٥ - الآخرة، وسميت الآخرةَ لأنها آخرُ المراحل لا يوم بعد هذا اليوم.
أشار المُصَنِّف ﵀ في أول هذا الفصل إلى ضابط جامع في الإيمان باليوم الآخر، وهو الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ بعد الموت، ولا شك أن هذا هو الركن الخامس من أركان الإيمان، وهذه القاعدة يدخل تحتها أشياءُ كثيرة؛ من الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمِه والحشرِ والنشر والبعثِ والصحف والإيمان بالميزان والحساب والجزاء والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار وما أعد الله لأهلهما، فكل هذا داخلٌ تحت هذه القاعدة؛ فهي عبارة جامعة، ولو فصَّل المُصَنِّف فيها لطال المقام، ولكنه أتى بقاعدة عامة يدخل تحتها مسائل كثيرة مما يكون في الآخرة.
стр. 168
فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ، فَأَمَّا الْفِتْنَةُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يُمْتَحَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، فَيَقُولُ المُؤْمِنُ: رَبِّيَ اللهُ، وَالْإِسْلَامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ ﷺ نَبِيِّي، وَأَمَّا المُرْتَابُ؛ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ؛ لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ.
الشرح
قوله: «فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ» وهذا مما يعتقده أهلُ السنة وسلفُ الأمة، قال شيخ الإسلام: «مذهب سلف الأمة وأئمتِها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب» (١).
قوله: «فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ» ما ذكره المُصَنِّف جاء من حديث البراء ابن عازب ﵁ في «سنن أبي داود» و «أحمد» (٢)، وقد صحَّحه ابن القيم في «الرُّوح» (٣).
و (المرزبة): المطرقة، ويقال: مرزبة وإرزبة، والمعنى واحد.
وسبق في شرح «لامية ابن تيمية» ﵀ الكلام عن فتنة القبر وعذاب القبر وكل هذا الذي أخبر به النبي ﷺ واقع، وقد أخبر به الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات:٧].
стр. 169
ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الْفِتْنَةُ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ،
الشرح
قوله: «ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الْفِتْنَةُ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ» هنا إشكال: إذا مات الكافر وكان في بطن سبُع أو احترق؛ كيف يقعُ عليه عذابُ القبر؟
قال ابن القيم ﵀: «ومما ينبغي أن يُعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ؛ فكل مَن مات وهو مستحِق للعذاب ناله نصيبُه منه؛ قُبِر أو لم يُقبر، فلو أكلته السباعُ أو أحرق حتى صار رمادًا ونُسف في الهواء أو صُلب أو غرِق في البحر؛ وصَل إلى رُوحه من العذاب ما يصلُ إلى المقبورين» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن النعيم والعذاب الذي في القبر يقع على الروح والجسد» (٢).
ما الحكمة من إخفاء عذاب القبر بالنسبة للجن والإنس ؟
هناك عدة حِكَم:
١ - بقاء سنة التدافُن؛ كما قال ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِى أَسْمَعُ مِنْهُ». رواه مسلمٌ من حديث زيدِ بنِ ثابت ﵁ (٣).
стр. 170
إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ الْكُبْرَى، فَتُعَادُ الْأَرْوَاحُ إِلَى الْأَجْسَادِ.
الشرح
٢ - أن ما يجري في البرزخ هو مِن علم الغيب، وحكمةُ الله اقتضت اختبارَ الناس: هل يؤمنون بالغيب الذي أخبر الله به ورسولُه أوْ لا؟
٣ - لو سمع الناس هذه الأصواتَ لفسدت عليهم حياتُهم، وقد ذكر ابن تيمية وابن القيم أن بعض الناس إذا عرفوا أن في الخيل وسائر الحيوانات داءَ البطن (١) ذهبوا بها إلى مقابر المشركين، فتُلقي ما في بطنها، والله أعلم؛ إنه لشدة ما تسمع من صياح بعض أهل القبور، فقد أخفيت لمصالحَ كثيرةٍ.
قوله: «إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ» أشار بذلك إلى أنه هناك نوعًا آخرَ من القيامة، وهي القيامة الصغرى، وهي الخاصة بكل إنسان من خروج روحه وانقطاع عمله، والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن قومًا من الأعراب سألوا النبيَّ ﷺ عن الساعة، فنظر إلى أحدث إنسان منهم وقال: «إِنْ يَعِشْ هَذَا، لَا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ» (٢)؛ أي التي هي القيامة الخاصة بكل إنسان.
أما القيامة الكبرى: فهي شاملة لكل أحد، وحينها تُعاد الأرواح إلى الأجساد فتعود كل روح إلى جسدها التي كانت فيه في الدنيا، والله يقول: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١]
стр. 171
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
وقوله: «الْكُبْرَى» هذا احتراز عن القيامة الصغرى، وما ذكره المُصَنِّف هنا مختص بالقيامة الكبرى؛ حيث يأذن الله بانقضاء هذه الدنيا حين يأمر إسرافيلَ بنفخ الروح، فيَصعَق من في السموات والأرض إلا من شاء الله.
وتصبح الأرض صعيدًا جرزًا، وتصبح الجبال كثيبًا مهيلًا، ويتغير كل ما في العالم، كما أخبر الله في كتابه في سورتي التكوير والانفطار، والحكمة من ذلك: أن هذا التغيير هو بدء للحياة الجديدة حياةِ الآخرة، والله على كل شيء قدير.
ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ النفخة الثانية، ثم يقوم الناس من القبور وتنبت الأجساد من عَجْب الذنَب (كما مرَّ معنا سابقًا) فإنه يُعاد الخلقُ منه، وحين يقومون من قبورهم يتكلم المنافقون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]، أما المؤمنون فيقولون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢]، ثم يُحشر الناس عُراةً غُرْلًا غير مختونين، حفاةً غير مُنتعِلين، وتدنو الشمس من الخلائق ويُلجِمُهم العرق حسَب أعمالهم، ومن شدة الكرب يستشفع الناس بالأنبياء، فلا يشفع لهم إلا نبيُّنا محمد ﷺ ، وتوضع الموازين، وتُنشر الدواوين وهي التي فيها صحائف الأعمال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ
стр. 172
وَتَقُومُ الْقِيَامَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهَا المُسْلِمُونَ. فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، وَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ.
الشرح
فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٩].
قوله: «فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ»؛ تُعاد الأرواح إلى الأجساد ويُجمع شتاتُ الأبدان، يجمع ما تمزق وتفرق، ويُعاد خلقًا جديدًا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٢ - ٤].
فالأجزاء المتفرقة والأوصال المتمزقة والعظام النخرة؛ يجمعُها ربُّك ويُنشِئُها نشأةً أخرى، ويعيد الأرواح نفسَها إلى تلك الأبدان التي ينشئها الله إنشاءً جديدًا، فتتشقق عن الناس قبورهم، ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق:٤٤].
وتتشقق الأرض كما تتشقق عن النبات، يدفن البذر في الأرض فتنمو هذه البذور، فتنشق عنها الأرض، فتخضر وتخرج الأشجار والثمار، والله شبَّه إحياء الأموات وإخراجَهم من قبورهم بإحياء الأرض بعد موتها:
فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؛ كَمَا قَالَ : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣،١٤]. وَيُحَاسِبُ اللهُ الخَلَائِقَ،
الشرح
ونصيبه في عنقه ملازم له.
﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ كتابًا حقيقيًّا، اللهُ أعلم بكيفيته.
﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ أي: مفتوحًا؛ كما قال: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠].
كتاب قد أُحصي على الإنسان فيه كلُّ صغير وكبير.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]. ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣] (١).
وقوله: «وَيُحَاسِبُ اللهُ الخلَائِقَ» والحكمة من هذه المحاسبة إيقاف البشر على أعمالهم وتقريرُهم على معاصيهم؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٠٨].
قال شيخ الإسلام ﵀: «وبيان هذا أن الله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة، لا يَشغَلُه حساب هذا عن حساب هذا، وأدلة هذا كثيرة في الكتاب
стр. 175
وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلَا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا حَسَنَاتِ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ، فَتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا وَيُقَرَّرُونَ بِهَا.
الشرح
والسنة» (١).
وقوله: «وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ».
الحساب يوم القيامة على نوعين:
١ - حساب المؤمن، وإليه يشير المؤلف بقوله: «وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ»؛ لحديث ابنِ عمرَ ﵄ أن النبي ﷺ قال: «يُدْنَى المُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ» (٢)، فهذا هو النوع الأول من الحساب، ويتمثل في أمرين:
- خلو الله بعبده المؤمن.
- أن الله يقرر عبده المؤمن بذنوبه كي يعلم أن دخوله الجنة برحمة الله وعفوه.
٢ - حساب الكفار، وقد بينه المُصَنِّف ﵀ في قوله: «وَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلَا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا حَسَنَاتِ لَهُمْ» والعلة في
стр. 176
وَفِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ: الحَوْضُ المَوْرُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، طُولُهُ شَهْرٌ، وَعَرْضُهُ شَهْرٌ، مَنْ يَشْرَبُ مِنْهُ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.
الشرح
ذلك عدم وجود حسنات حتى توزن، وإنما الذي توزن حسناته وسيئاته مَنْ كانت له حسنات، أما هؤلاء فلا حسنات عندهم، وليس المراد أن الكفار لا توزن أعمالهم مطلقًا؛ لأن القرآن أثبت أن الكفار توزن أعمالهم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٤].
ونظائر ذلك في القرآن كثير، وإنما أراد المُصَنِّف ﵀ أن حسابهم ليس كحساب المؤمنين الذين لهم حسنات وسيئات تحتاج إلى ميزان قد ترجح فيه الحسنات فينجو، وقد ترجح السيئات فيستوجب العذاب.
وقوله: «وَفِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ الحَوْضُ الموْرُودُ» (العَرَصات): جمع: عَرْصة، وهي في اللغة: المكان الكبير المتسع، والمراد به هنا: موقف القيامة، وفيه أمور كثيرة ثبتت بالنصوص ويجب الإيمان بها وَفْق ما جاءت به النصوصُ، ومن ذلك حوض النبي ﷺ .
وقد وصفه المُصَنِّف بأنه مورود، فمَنِ الذي يَرِدُهُ؟
الجواب: يَرِدُهُ أتباعُ النبي ﷺ ، وأما مَن كان مِن أمَّته وبَدَّل وغيَّر؛ فإنه كما
стр. 177
وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْفَرَسِ الجَوَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَرِكَابِ الْإِبِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْدُو عَدْوًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي مَشْيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْحَفُ زَحْفًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْطَفُ خَطْفًا وَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ؛ فَإِنَّ الْجِسْرَ عَلَيْهِ كَلَالِيبُ تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ،
الشرح
أخبر النبي ﷺ يُذادُ عنه كما يُذاد البعيرُ الضال (١).
و هل الحوض موجود الآن، أو لا يوجد إِلَّا يوم القيامة ؟
الجواب: الحوض موجود الآن، والدليل حديث عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنِّي وَالله لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ» (٢)، ودلالة الحديث على وجود الحوض الآن من وجهين هما:
١ - من قوله: «لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي».
٢ - ومن قوله: «الْآنَ».
قوله: «وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ» فيه إثبات الصراط في الآخرة،
стр. 178
فَمَنْ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ؛ دَخَلَ الجنَّةَ. فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لهمْ فِي دُخُولِ الجنَّةِ.
الشرح
وأنه الجسر الممدود على متن جهنم، وهو بين الجنة والنار، وهو حق لا مِرْيَةَ فيه، ومَن استقام على الصراط في الدنيا، استقام عليه في الآخرة، أما مَن خالف صراط الله في الدنيا فإنه لا يستقيم عليه في الآخرة، وقد أفادت النصوصُ أن المرور على الصراط بحسَب الأعمال، فمَن عمِل صالحًا في الدنيا، فإنه ينجو بإذن الله في الآخرة، ويمُرُّ على الصراط بقدر هذا العمل الذي عمِلَه، فمِن هؤلاء من يمر كلمح البصر، ومنهم كالبرق، ومنهم كركاب الخيل، وهكذا؛ فالمقصود أنه بقدر الأعمال التي عملها الإنسان في الدنيا يكون مرورُه على الصراط فيتفاوت المرور بتفاوت الأعمال.
قوله: «فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجنَّةِ وَالنَّارِ» القنطرة: هي جسر صغير بعد الصراط.
قوله: «فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لهمْ فِي دُخُولِ الجنَّةِ» هذه هي الحكمة من الوقوف على القنطرة؛ وهي التهذيب والتنقية، وذلك بعد ما يَقتصُّ الناسُ بعضُهم من بعض، وبعد هذه التنقية يذهب ما في قلوب المؤمنين من غل وحسد وبغضاء.
وهل يوجد في قلوب المؤمنين غِلٌّ؟
الجواب: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
стр. 179
وَأَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الجنَّةِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ الْأُمَمِ أُمَّتُهُ،
الشرح
والفرق بين المؤمن وغيرِه هو:
١ - أن الغل والحسد لا يملأ قلبَه.
٢ - أنه لا يستقر في قلبه الغل، بل يعالجه ويزكي قلبه بالإيمان والقرآن ومجاهدة النفس.
أما غير المؤمن فيتمكن منه الغل، فيسيطر على قلبه، فيضل والعياذ بالله، لذلك جاء في «الصحيح» قوله ﷺ : «حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لهمْ بِدُخُولِ الجنَّةِ» (١).
قوله: «وَأَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الجنَّةِ مُحَمَّدٌ ﷺ »؛ لقوله ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ» (٢)، وفي رواية: «وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجنَّةِ» (٣)، وفي لفظ عند «مسلم»: «آتِي بَابَ الجنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ» (٤).
قوله: «وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجنَّةَ مِنَ الْأُمَمِ أُمَّتُهُ» كما في قوله ﷺ من حديث
стр. 180
وَلَهُ ﷺ فِي الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ: أَمَّا الشَّفَاعَةُ الْأُولَى: فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الموْقِفِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَرَاجَعَ الْأَنْبِيَاءُ -آدَمُ, وَنُوحٌ, وَإِبْرَاهِيمُ, وَمُوسَى, وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ- عَنِ الشَّفَاعَةِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّانِيَةُ: فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الجنَّةِ أَنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، وَهَاتَانِ الشفاعتان خَاصَّتَانِ لَهُ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ: فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ, وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ لَهُ وَلِسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ, فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا, وَيَشْفَعُ فِيمَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا.
الشرح
أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين»: «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١) الآخِرون: أي: في الدنيا، الأولون: في دخول الجنة.
قوله: «وَلَهُ ﷺ فِي الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ» أشار المُصَنِّف إلى الشفاعات يوم القيامة، وأوصلها إلى ثلاث شفاعات، وأوصلها بعضُهم إلى ثماني شفاعات، وقد سبق ذكرُها في شرح حائية ابن أبي داود.
كيف نجمع بين هذه الشفاعات؟
الجواب: هنا شيخ الإسلام ﵀ ذكر الشفاعات إجمالًا، وأما مَن زاد على هذا العدد فقد أراد التفصيل، وقد انقسم الناس في الشفاعة إلى ثلاثة أقسام طرفين ووسط:
١ - قسم نَفَوُا الشفاعة ولم يثبتوها؛ وهم الخوارج والمعتزلة.