وَفِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ: الحَوْضُ المَوْرُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، طُولُهُ شَهْرٌ، وَعَرْضُهُ شَهْرٌ، مَنْ يَشْرَبُ مِنْهُ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.
الشرح
ذلك عدم وجود حسنات حتى توزن، وإنما الذي توزن حسناته وسيئاته مَنْ كانت له حسنات، أما هؤلاء فلا حسنات عندهم، وليس المراد أن الكفار لا توزن أعمالهم مطلقًا؛ لأن القرآن أثبت أن الكفار توزن أعمالهم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٤].
ونظائر ذلك في القرآن كثير، وإنما أراد المُصَنِّف ﵀ أن حسابهم ليس كحساب المؤمنين الذين لهم حسنات وسيئات تحتاج إلى ميزان قد ترجح فيه الحسنات فينجو، وقد ترجح السيئات فيستوجب العذاب.
وقوله: «وَفِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ الحَوْضُ الموْرُودُ» (العَرَصات): جمع: عَرْصة، وهي في اللغة: المكان الكبير المتسع، والمراد به هنا: موقف القيامة، وفيه أمور كثيرة ثبتت بالنصوص ويجب الإيمان بها وَفْق ما جاءت به النصوصُ، ومن ذلك حوض النبي ﷺ .
وقد وصفه المُصَنِّف بأنه مورود، فمَنِ الذي يَرِدُهُ؟
الجواب: يَرِدُهُ أتباعُ النبي ﷺ ، وأما مَن كان مِن أمَّته وبَدَّل وغيَّر؛ فإنه كما
стр. 177
وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْفَرَسِ الجَوَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَرِكَابِ الْإِبِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْدُو عَدْوًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي مَشْيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْحَفُ زَحْفًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْطَفُ خَطْفًا وَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ؛ فَإِنَّ الْجِسْرَ عَلَيْهِ كَلَالِيبُ تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ،
الشرح
أخبر النبي ﷺ يُذادُ عنه كما يُذاد البعيرُ الضال (١).
و هل الحوض موجود الآن، أو لا يوجد إِلَّا يوم القيامة ؟
الجواب: الحوض موجود الآن، والدليل حديث عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنِّي وَالله لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ» (٢)، ودلالة الحديث على وجود الحوض الآن من وجهين هما:
١ - من قوله: «لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي».
٢ - ومن قوله: «الْآنَ».
قوله: «وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ» فيه إثبات الصراط في الآخرة،
стр. 178
فَمَنْ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ؛ دَخَلَ الجنَّةَ. فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لهمْ فِي دُخُولِ الجنَّةِ.
الشرح
وأنه الجسر الممدود على متن جهنم، وهو بين الجنة والنار، وهو حق لا مِرْيَةَ فيه، ومَن استقام على الصراط في الدنيا، استقام عليه في الآخرة، أما مَن خالف صراط الله في الدنيا فإنه لا يستقيم عليه في الآخرة، وقد أفادت النصوصُ أن المرور على الصراط بحسَب الأعمال، فمَن عمِل صالحًا في الدنيا، فإنه ينجو بإذن الله في الآخرة، ويمُرُّ على الصراط بقدر هذا العمل الذي عمِلَه، فمِن هؤلاء من يمر كلمح البصر، ومنهم كالبرق، ومنهم كركاب الخيل، وهكذا؛ فالمقصود أنه بقدر الأعمال التي عملها الإنسان في الدنيا يكون مرورُه على الصراط فيتفاوت المرور بتفاوت الأعمال.
قوله: «فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجنَّةِ وَالنَّارِ» القنطرة: هي جسر صغير بعد الصراط.
قوله: «فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لهمْ فِي دُخُولِ الجنَّةِ» هذه هي الحكمة من الوقوف على القنطرة؛ وهي التهذيب والتنقية، وذلك بعد ما يَقتصُّ الناسُ بعضُهم من بعض، وبعد هذه التنقية يذهب ما في قلوب المؤمنين من غل وحسد وبغضاء.
وهل يوجد في قلوب المؤمنين غِلٌّ؟
الجواب: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
стр. 179
وَأَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الجنَّةِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ الْأُمَمِ أُمَّتُهُ،
الشرح
والفرق بين المؤمن وغيرِه هو:
١ - أن الغل والحسد لا يملأ قلبَه.
٢ - أنه لا يستقر في قلبه الغل، بل يعالجه ويزكي قلبه بالإيمان والقرآن ومجاهدة النفس.
أما غير المؤمن فيتمكن منه الغل، فيسيطر على قلبه، فيضل والعياذ بالله، لذلك جاء في «الصحيح» قوله ﷺ : «حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لهمْ بِدُخُولِ الجنَّةِ» (١).
قوله: «وَأَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الجنَّةِ مُحَمَّدٌ ﷺ »؛ لقوله ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ» (٢)، وفي رواية: «وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجنَّةِ» (٣)، وفي لفظ عند «مسلم»: «آتِي بَابَ الجنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ» (٤).
قوله: «وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجنَّةَ مِنَ الْأُمَمِ أُمَّتُهُ» كما في قوله ﷺ من حديث
стр. 180
وَلَهُ ﷺ فِي الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ: أَمَّا الشَّفَاعَةُ الْأُولَى: فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الموْقِفِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَرَاجَعَ الْأَنْبِيَاءُ -آدَمُ, وَنُوحٌ, وَإِبْرَاهِيمُ, وَمُوسَى, وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ- عَنِ الشَّفَاعَةِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّانِيَةُ: فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الجنَّةِ أَنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، وَهَاتَانِ الشفاعتان خَاصَّتَانِ لَهُ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ: فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ, وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ لَهُ وَلِسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ, فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا, وَيَشْفَعُ فِيمَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا.
الشرح
أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين»: «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١) الآخِرون: أي: في الدنيا، الأولون: في دخول الجنة.
قوله: «وَلَهُ ﷺ فِي الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ» أشار المُصَنِّف إلى الشفاعات يوم القيامة، وأوصلها إلى ثلاث شفاعات، وأوصلها بعضُهم إلى ثماني شفاعات، وقد سبق ذكرُها في شرح حائية ابن أبي داود.
كيف نجمع بين هذه الشفاعات؟
الجواب: هنا شيخ الإسلام ﵀ ذكر الشفاعات إجمالًا، وأما مَن زاد على هذا العدد فقد أراد التفصيل، وقد انقسم الناس في الشفاعة إلى ثلاثة أقسام طرفين ووسط:
١ - قسم نَفَوُا الشفاعة ولم يثبتوها؛ وهم الخوارج والمعتزلة.
стр. 181
وَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ أَقْوَامًا بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ, بَلْ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ, وَيَبْقَى فِي الجَنَّةِ فَضْلٌ عَمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا, فَيُنْشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا, فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ،
الشرح
٢ - قسم أثبت الشفاعة لكل أحد حتى للأصنام، وأثبتوها أيضًا لمعبودِيهم من دون الله التي قالوا عنها: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨].
٣ - القسم الوسط؛ القائل بما دلت عليه النصوص، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، إثبات الشفاعة حسَب ما أفادته النصوص؛ ولكن بشرطين هما:
أ- إذن الله للشافع بالشفاعة.
ب- رضى الله عن المشفوع له.
ودليلهما: قولُ الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].
قوله: «وَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ أَقْوَامًا بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ» ثبت في النصوص أن الله سبحانه تكفل للجنة والنار بملئهما، فأما النار فكما قال سبحانه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، وأما الجنة فدلت النصوص أن الله يُنشئ لها خلقًا بعد أن يبقى فيها فضلٌ، كما عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وَأَمَّا الجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا» (١).
стр. 182
وَأَصْنَافُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّارُ الْآخِرَةُ؛ مِنَ الْحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالجنَّةِ وَالنَّارِ، وَتَفَاصِيلِ ذَلِكَ؛ مَذْكُورَةٌ فِي الْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ , وَالْآثَارِ مِنَ الْعِلْمِ المَاثُورِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ , وَفِي الْعِلْمِ المَوْرُوثِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْفِي وَيَكْفِي, فَمَنِ ابْتَغَاهُ وَجَدَهُ.
وَتُؤْمِنُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.
الشرح
قوله: «وَأَصْنَافُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّارُ الْآخِرَةِ» هذا كلام جامع نافع، فالمُصَنِّف في هذا الكلام كأنه يقول: ما ذكرتُه في هذه الرسالة أمثلةٌ لما سيجري في الدار الآخرة، وما لم أذكُرْه -وهو الأكثر- فالمرجعُ فيه الكتاب والسنة؛ لأن فيهما ما يكفي ويشفي، ولا حاجة إلى الرجوع في ذلك إلى التوراة أو الإنجيل أو أخبار بني إسرائيل، ولا يجوز الاحتكام في ذلك إلى العقل، بل المرجع في هذا الباب كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
قوله: «وَتُؤْمِنُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» هنا ابتدأ المُصَنِّف موضوعًا جديدًا، ويمكنُ أن نضع له العنوانَ التالي: «اعتقاد الفرقة الناجية في باب القدر»، وموضوع القدر من الموضوعات الدقيقة التي حارت فيه العقول وضل فيه من ضل، منذ عهد التابعين إلى زمننا هذا.
والمنهج الصحيح في هذا الباب هو: الالتزام بما جاء في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا إيغال في مسائله الدقيقة التي لم ترد في الكتاب والسنة، وهو من أركان الإيمان الستة، ولا يتم إيمانُ المرء حتى يؤمن بالقدر خيره وشره.
стр. 183
وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ, كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ:
الدَّرَجَةُ الْأُولَى: الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِيمٌ بِالخَلْقِ، وَهُمْ عَامِلُونَ بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا, وَعَلِمَ جَمِيعَ أَحْوَالِهمْ؛ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالمعَاصِي وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ, ثُمَّ كَتَبَ اللَّهُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الخَلْقِ؛ فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ; قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ, وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ, جَفَّتِ الْأَقْلَامُ, وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠].
وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
الشرح
قوله: «وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ, كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ» وعلى هذا تكون المراتبُ أربعًا هي:
١ - الإيمان بعلم الله الأزلي، وأن الله سبحانه قد علِم كل شيء، وعلِم أفعال العباد قبل أن يعملوها، وعلم بالأشياء قبل وقوعها، وقد دلت على ذلك نصوصُ الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة؛ ولهذا اتفق العلماء على أن من أنكر علم الله الأزلي فهو كافر.
٢ - كتابة ذلك العلم في اللوح المحفوظ، وسمي باللوح المحفوظ؛ لأنه محفوظ عن المشاهدة والاطلاع عليه من قِبَل الخلق، ومحفوظ أيضًا عن
стр. 184
وَهَذَا التَّقْدِيرُ التَّابِعُ لِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا؛ فَقَدْ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَا شَاءَ، وَإِذَا خَلَقَ جَسَدَ الجَنِينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا, فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ, فَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ رِزْقَهُ, وَأَجَلَهُ, وَعَمَلَهُ, وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا التَّقْدِيرُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلَاةُ الْقَدَرِيَّةِ قَدِيمًا, وَمُنْكِرُوهُ الْيَوْمَ قَلِيلٌ.
وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَهِيَ مَشِيئَةُ اللهِ النَّافِذَةُ, وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ, وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ مَا شَاءَ الله كَانَ, وَمَا لَمْ يَشَا لَمْ يَكُنْ, وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَرَكَةٍ وَلَا سُكُونٍ؛ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ, لَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ, وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، مَا مِنْ مَخْلُوقٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ إلَّا اللهُ خَالِقُهُ سُبْحَانَهُ، لا خَالِقَ غَيْرُهُ
الشرح
التغيير والتبديل والزيادة والنقص.
٣ - مشيئته الشاملة لكل ما يحدث، فلا يخرج عنها شيء، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، يعني: كل موجود وجد بمشيئته، وكل معدوم فُقِد بمشيئته جل وعلا، هذا عموم لا يخرج عنه شيء.
٤ - إيجاده لكل المخلوقات، وأنه الخالق سبحانه وما سواه مخلوق.
وهناك تقسيم للقدر من حيث الزمن، وأنه على أربعة تقديرات هي:
الأول: التقدير العام: وهو تقدير الله لجميع الأشياء، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠].
стр. 185
وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْمُقْسِطِينَ، وَيَرْضَى عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَلا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، وَلَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، وَلَا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَلَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَالْعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً, وَاللهُ خَالِقُ أَفْعَالِهم، وَالْعَبْدُ هُوَ المُؤْمِنُ, وَالْكَافِرُ, وَالْبَرُّ, وَالْفَاجِرُ, وَالمُصَلِّي, وَالصَّائِمُ، وَلِلْعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ, وَلهمْ إِرَادَةٌ, وَاللهُ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ قُدْرَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ؛ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٨ - ٢٩].
وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الْقَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ
الشرح
الثاني: التقدير العمري: وهو تقدير الله تعالى لكل ما يجري على العبد، من أول حياته إلى آخرها، وكتابة شقاوته أو سعادته.
الثالث: التقدير السنوي: وهو ما يقدره الله سبحانه في ليلة القدر، كما في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤].
الرابع: التقدير اليومي، كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].
قوله: «وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الْقَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ الْقَدَرِيَّةِ ... » إلخ.
ضلت في هذه الدرجة من القدر - المتضمِّنة للمشيئة والخلق - طائفتان متقابلتان:
стр. 186
مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ, وَيَغْلُو فِيهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ, حَتَّى سَلَبُوا الْعَبْدَ قَدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ, وَيُخْرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ الله وَأَحْكَامِهِ حِكَمَهَا وَمَصَالِحَهَا.
الشرح
الطائفة الأولى: القدرية من المعتزلة وغيرهم: وهؤلاء ضلوا بالتفريط، إذ أنكروا مشيئةَ الله وخلقَه للأقدار، فجعلوا العبد هو الذي يُحدِث، ويَخلُق أفعاله بغير مشيئة الله وخلقه لها.
والعصاة -على قولهم- خرجوا عن مشيئة وقدرته وحكمه وسلطانه وخلقه؛ فليسوا خاضعين: لا لأمره الشرعي، ولا لأمره القدري الكوني (١).
الطائفة الثانية: الجبرية من الجهمية ونحوهم: فهؤلاء ضلوا بالغلو في إثبات القدر، فأثبتوا المشيئة والخلق لله تعالى، ولكن سلبوها عن العبد بالكلية؛ حتى أنكروا أن يكون للعبد فعلٌ حقيقةً، بل هو في زعمهم لا حرية له، ولا اختيار، ولا فعل؛ كالريشة في مهب الرياح، وإنما تُسند الأفعال إليه مجازاً، فيقال: صلى، وصام، وقتل، وسرق؛ فاتهموا ربَّهم بالظلم وتكليفِ العباد ما لا قدرة لهم عليه، ومجازاتهم على ما ليس من فعلهم، واتهموه بالعبث في تكليف العباد، وأبطلوا الحكمةَ من الأمر والنهي، ألا ساء ما يحكمون.
وهدى الله أهلَ السنة للمنهج الحق الوسطي، فأثبتوا لله تعالى مشيئةً وخلقاً، وأثبتوا للعبد مشيئة وإرادة واختيارًا، ولكنها تحت مشيئة الله تعالى (٢).
стр. 187
وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: أَنَّ الدِّينَ وَالْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ, قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ, وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ،
الشرح
قوله: «أَنَّ الدِّينَ وَالْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ, قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ, وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ».
الفرق بين أقوال القلوب وأعمالها هو: أن أقوال القلوب هي العقائد التي يعتقدها المرءُ في قلبه.
أما أعمال القلوب: فهي ثمرة هذه العقائد، وما ينتج منها؛ من محبة الله ورسوله، ومحبة الخير، وبغض الشر، ونحو ذلك من أعمال القلوب.
قال ابن القيم ﵀: «الإيمان له ظاهر وباطن، فظاهرُه قول اللسان وعمل الجوارح، وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته، فلا ينفع ظاهرٌ لا باطنَ له، ولا يُجزي باطن لا ظاهر له» (١).
وقال شيخ الإسلام ﵀ في مجموع الفتاوى: «المراد بقول القلب: تصديق القلب وإقراره ومعرفته ... وأما عمله فهو الانقياد» (٢).
ثم قال: «ويدخل في هذا: أعمالُ القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان؛ مثل: حب الله ورسوله، وخشية الله ... » (٣).
стр. 188
وَأَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ, وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِيَة، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ المَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ؛ كَمَا يَفْعَلُهُ الخَوَارِجُ, بَلِ الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ المَعَاصِي؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨].
وَقَالَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠].
وَلَا يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ اسمَ الإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ,
الشرح
وقوله: «وَأَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ, وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِيَة» قد مر هذا في «شرح الحائية» تحت قول الناظم:
وَقُلْ: إِنَّمَا الإِيمَانُ: قَوْلٌ وَنِيَّةٌ ... وَفِعْلٌ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ مُصَرَّحُ
وَيَنْقُصُ طَوْرًا بِالمَعَاصِي وتَارَةً ... بِطَاعَتِهِ يَنْمِي وَفِي الْوَزْنِ يَرْجَحُ
وعلى هذا فالإيمان يتفاضل عند أهل السنة، خلافًا للمرجئة الذين يقولون: إن الإيمان إذا ثبت في قلب المسلم فلا يزيد ولا ينقص.
وقوله: «وَلَا يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ اسمَ الإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ» لا يسلبون: لا يَنفُون، والفاسق: الخارج عن طاعة الله، والمراد به هنا: مرتكب الكبيرة، كالزنا وشرب الخمر ونحوهما، وموقف أهل السنة منه: أنهم لا يسلبون منه اسمَ الإيمان بالكلية، ولا يُخرجونه من دائرة الإسلام.
стр. 189
وَلَا يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّار؛ كَمَا تَقُولُ المُعْتَزِلَةُ
الشرح
وقوله: «الْمِلِّيَّ» أي مَن كان من أهل مِلَّةِ النبي ﷺ ، والذي على الملة يُبقُونه على هذا الأصل إلا بمكفر يدل عليه الكتاب و السنة، فمتى ما وقع منه كفرٌ يخرج من الملة، كالاستهزاء بالقرآن مثلًا، فيخرجونه من الملة استدلالًا بقول الله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥، ٦٦]. فالله هو الذي حكم بكفره، وأهل السنة لا يتجاوزون القرآن وسنةَ النبي الكريم ﷺ .
لكن هناك فرقٌ بين التكفير المطلق، وتكفير المعين ؛ فالتكفير المطلق: أن يُقال: مَن قال كذا فهو كافرٌ، مَن فعل كذا فهو كافرٌ، من اعتقد كذا فهو كافرٌ.
أما تكفير المعين: فالمراد به إطلاق الكفر على شخص بعينه، وهذا يجب فيه استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، وإقامة الحجة، وإزالة الشبهة.
هذا ما قرره العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وسليمان بن سحمان، وغيرهم (١)، وقد سبق التفصيل في هذه المسألة في شرح الحائية.
قوله: «وَلَا يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّار» أي لا يخلدونه التخليدَ الأبدي، بل يردون أمره إلى الله سبحانه؛ لأن التخليد الأبدي في النار جاء في حق الكفار
стр. 190
بَلِ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ المُطلَقِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]. وَقَدْ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ المطْلَقِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [لأنفال:٢]، وَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ, وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ, وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ, وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ».
الشرح
والمشركين في مواضعَ ثلاثةٍ من القرآن هي:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:١٦٨،١٦٩].
٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٥].
٣ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣].
قوله: «بَلِ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ المُطلَقِ» أي أنه باقٍ على إسلامه، حتى ولو كان فاسقًا قد ارتكب الكبائر، فلا يجوز أن يُسلبَ اسمَ الإسلام، بل هو باقٍ على إسلامه مهما كان مسرفًا على نفسه بالمعاصي، ما دام موحِّدًا لم يشرك بالله.
стр. 191
وَنَقُولُ: هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ, أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ, فَلَا يُعْطَى الِاسْمَ المُطْلَقَ, وَلَا يُسْلَبُ مُطْلَقَ الِاسْمِ.
وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: سَلَامَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهمْ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , كَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
الشرح
قوله: «وَنَقُولُ: هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ, أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ» وهذا هو الحكم الشرعي على الفاسق ؛ فيعبر عنه بأنه: ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بعصيانه، وهو خلاصة هذا الفصل، ومقتضى العدل، الذي دلت نصوصُ الكتاب والسنة عليه.
قوله: «فَلَا يُعْطَى الاسْمَ المُطْلَقَ, وَلَا يُسْلَبُ مُطْلَقَ الِاسْمِ» فلا يعطى الاسم المطلق؛ وهو: اسم الإيمان الكامل، ولا يسلب مطلقَ الاسم؛ وهو: اسم الإيمان الناقص، وهنا منفي ومثبت، فالمنفي: الإيمان الكامل، والمثبت: الإيمان الناقص فلا يجوز تكفير الفاسق ولا يجوز أن يوصف بالإيمان الكامل.
قوله: «وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ سَلَامَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهمْ لِأَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ » هذا الفصل متعلق بالصحابة وفضائلهم، وخلاصةُ مذهب أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم من النيل منهم، ووجوب محبتهم والترضي عنهم، وذكر محاسنهم والإمساك عمَّا شجر بينهم، والاعتقاد بأن ما جاء عنهم في ذلك أكثرُه كذب، وما صح عنهم في ذلك هم فيه بين أمرين:
стр. 192
وَطَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهُمْ وَلَا نَصِيفَهُ»، وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَيُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ -وَهُوَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَّةِ- وَقَاتَلَ، عَلَى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلَ، وَيُقَدِّمُونَ المُهَاجِرِينَ عَلَى الْأَنْصَارِ. وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ - وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَر:
الشرح
١ - مجتهدون مصيبون.
٢ - ومجتهدون مخطئون.
فالمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وخطؤه مغفور باجتهاده، ومما يعتقده أهل السنة أيضًا: الشهادة لمن شهِد له النبي ﷺ منهم بالجنة.
مسألة: هل يُشهد لأحد بالجنة ممن لم يَشهد له النبي ﷺ بذلك ؟
في هذه المسألة خلاف مشهور على رأيين:
الرأي الأول: قول جمهور أهل العلم أنه لا يُشهد لأحد لم يَشهد له النبي ﷺ بالجنة.
الرأي الثاني: قول شيخ الإسلام أنه تجوز الشهادة لمن استفاض في الأمة الثناء عليه، قال شيخ الإسلام: «ولا يُشهد لأحد بالجنة إلا لمن شهد له الرسول ﷺ أو اتفقت الأمةُ على الثناء عليه» (١).
стр. 193
«اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، وَبِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ؛ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، بَلْ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ, وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَة، وَيَشْهَدُونَ بِالجنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ الله ? كَالْعَشَرَةِ, وَثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاس, وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ? وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ,
الشرح
وأوسع كتاب تحدث فيه شيخ الإسلام عن ذلك هو: «كتاب النبوات»، فقد عدد الأقوال في هذه المسألة وقال: «قيل: يُشهد لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح؛ كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيرهم، وكان أبو ثور يشهد لأحمد بن حنبل بالجنة ... وفي «الصحيحين»: «أن النبي ﷺ مُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال: وجبت وجبت، ومُر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًّا فقال: وجبت وجبت، فقيل: يا رسول الله ما قولك: وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها الخير فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًّا فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (١)» (٢).
قوله: «مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ» وقد جمع أبو بكر ﵁ من الفضائل والمحاسن ما لم يجمعه أحد من الصحابة ﵃ جميعًا.
قال شيخ الإسلام في «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية»:
стр. 194
ثُمَّ عُمَرُ، وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانَ, وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ ﵃؛ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ، وَكَمَا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ فِي الْبَيْعَةِ مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵄ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ وَسَكَتُوا, وَرَبَّعُوا بِعَلِيٍّ, وَقَدَّمَ قَوْمٌ عَلِيًّا, وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا، لَكِنِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ, ثُمَّ عَلِيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ المسْأَلَةُ -مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ- لَيْسَتْ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي يُضَلَّلُ المُخَالِفُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، لَكِنَّ الَّتِي يُضْلَّلُ فِيهَا مَسْأَلَةُ الْخِلَافَةِ, وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ الخلِيفَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ, وَعُمَرُ, ثُمَّ عُثْمَانُ, ثُمَّ عَلِيٌّ، وَمَنْ طَعَنَ فِي خِلَافَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ.
الشرح
«حكى غيرُ واحد من العلماء إجماعَ أهل السنة والجماعة على أنه - يعني أبا بكر - أعلم الصحابة، فهو أعلمهم وأشجعهم وأجودهم وأديَنُهم باتفاق أهل المعرفة من المسلمين» (١).
قوله: «ثُمَّ عُمَرُ، وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانَ, وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ- ﵃ ... » إلخ. خلاصة هذه المسألة: أن أمر أهل السنة استقرَّ على تقديم عثمانَ على عَلِيٍّ في الفضل، ومن خالف في ذلك فلا يُضَلَّل؛ لكنه خالف ما استقر عليه أهلُ السنة في أمر لا ينبغي له المخالفة فيه.
وأما مَن قدَّم عليًّا على عثمان ﵄ في الخلافة فإنه ضال، بل يقول المُصَنِّف هنا: هو أضل من حمار أهله.
стр. 195
وَيُحِبُّونَ آلَ بَيْتِ رَسُولِ الله ﷺ وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ, وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةَ رَسُولِ الله ﷺ حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي».
وَقَالَ أَيْضًا لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ، وَقَدِ اشْتَكَى إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ؛ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ؛ للهِ وَلِقَرَابَتِي».
وَقَالَ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ, وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ, وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ, وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».
وَيَتَوَلَّوْنَ أَزْوَاجَ رَسُولِ الله ﷺ أُمَّهَاتِ المؤْمِنِينَ، وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الْآخِرَةِ؛ خُصُوصًا خَدِيجَةَ ? أُمَّ أَكْثَرِ أَوْلَادِهِ, وَأَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَاضِدَه عَلَى أَمْرِهِ, وَكَانَ لَهَا مِنْهُ المَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ، وَالصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ ﵂ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ : «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».
الشرح
قوله: «وَيُحِبُّونَ آلَ بَيْتِ رَسُولِ الله ﷺ وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ ... » إلخ. لحثِّ النبي ﷺ على ذلك وترغيبه الأكيد في ذلك؛ إذ قال ﷺ : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» كما في حديث زيد ﵁ في «مسلم» (١).
و يدخل في أهل بيته أزواجُه الطاهرات المطهرات ﵅ ؛ ولهذا خصهن المُصَنِّف بالذكر والتأكيد، وقد خص المُصَنِّف اثنتين هما: خديجة وعائشة ﵂، وخديجة ﵂ كانت لها مزية؛ لسابقتها في الإسلام ومساندتِها النبيَّ ﷺ
وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ: التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ, وَمَا يُجْرِي اللهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ, فِي أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَالمُكَاشَفَاتِ وَأَنْوَاعِ الْقُدْرَةِ وَالتَّاثِيرَاتِ, وَالمَاثُورِ عَنْ سَالِفِ الْأُمَمِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهَا, وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ قُرونِ الْأُمَّةِ, وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
الشرح
د) شفاعة الحبيب ﷺ والصحابة هم أحق الناس بشفاعته.
هـ) الابتلاء الذي يَبتلي الله تعالى به عبادَه المؤمنين، فهذه الأسباب ماحية للذنوب الصادرة من آحادهم.
قوله: «وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ... » قال ابن سعدي: «تواترت نصوصُ الكتاب والسنة، والوقائعُ قديمًا وحديثًا؛ على وقوع كرامات الأولياء ... » (١) ثم ذكر ﵀ أن كرامات الأولياء تفيد ثلاث قضايا:
أ) الدلالة على كمال قدرة الله تعالى.
ب) أن وقوع الكرامة للأولياء هي معجزة للأنبياء؛ لأن تلك الكرامات لم تحصل للأولياء إلا ببركة متابعتِهم نبيَّهم.
ج) أن كرامات الأولياء من البشرى المعجلة في الحياة الدنيا، والله تعالى يقول: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٦٣].
стр. 199
مسألة: الفرق بين المعجزة والكرامة والأحوال الشيطانية:
قال ابن باز ﵀: «الفرق بين المعجزة والكرامةِ والأحوالِ الشيطانية: أن المعجزة هي ما يُجري اللهُ على أيدي الرسل والأنبياء من خوارقِ العادات؛ من انشقاق القمر، ونزول القرآن، فإن القرآن هو أعظم معجزة على الإطلاق، وحنينِ الجذع ونبوعِ الماء من بين أصابعه، وأما الكرامةُ فهي ما يُجري الله على أيدي أوليائه المؤمنين من خوارقِ العادات، وشرطُ كونها كرامة: أن يكون مَن جرت على يديه مستقيمًا على الإيمان، ومتابعةِ الشريعة، فإن كان خلافَ ذلك، فالجاري على يده من الخوارق هو من الأحوال الشيطانية».
ثم ذكر ﵀ فائدة جليلة تتعلق بهذا الموضوع، فقال: «لِيُعْلمْ أن عدم حصول الكرامة لبعض المسلمين لا يدل على نقص إيمانهم؛ لأن الكرامة إنما تقع لأسباب؛ منها: تقوية إيمان العبد وتثبيته، ولهذا لم يَر كثير من الصحابة شيئًا من الكرامات لقوة إيمانهم وقوة يقينهم، ومنها: لإقامة الحجة على العدو كما حصل لخالد لما أكل السم، وكان قد حاصر حصنًا فامتنعوا عليه حتى يأكله، فأكله وفتح الحصن، ومثل ذلك ما جرى لأبي مسلم الخَوْلاني لما ألقاه الأسودُ العَنْسي في النار، فأنجاه الله من ذلك لحاجته لتلك الكرامة، وكقصة أم أيمن لما خرجت مهاجرةً واشتد بها العطشُ سمعت حِسًّا من فوقها فرفعت رأسَها فإذا بدلوٍ من الماء فشربت منه» (١).
стр. 200
وبين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية: فروقٌ متعددة، منها: أن كرامات الأولياء سببُها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله.
فالقول على الله بغير علم، والشرك والظلم والفواحش؛ قد حرَّمها الله تعالى ورسوله، فلا تكون سببًا لكرامة الله تعالى، ولا يستعان بالكرامات عليها.
ومن أهل الأحوال من إذا حضر سماعَ المكاء والتصدية يتنزلُ عليه شيطانُه حتى يحمله في الهواء، ويخرجه من تلك الدار، فإذا حضر رجل من أولياء الله تعالى، طرد شيطانه فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد.
ومن هؤلاء مَن يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت، سواءٌ كان ذلك المخلوق مسلمًا أو نصرانيًا أو مشركًا، فيتصور الشيطانُ بصورة ذلك المستغاث به، ويقضي بعضَ حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص، أو هو ملَك تصور على صورته، وإنما هو شيطان أضلَّه لما أشرك بالله، كما كانت الشياطين تَدخل في الأصنام وتكلم المشركين.
ومن هؤلاء مَن يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر، وربما أخبره ببعض الأمور، وأعانه على بعض مطالبه.
وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب، يموتُ لهم الميتُ، فيأتي الشيطانُ بعد موته على صورته، وهم يعتقدون أنه ذلك الميت، ويقضي
стр. 201
الديون، ويرد الودائع (١).
ومن هؤلاء شيخٌ كان بمصر أوصى خادمَه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدًا يغسلني، فأنا أجيء وأغسل نفسي، فلما مات رأى خادمُه شخصًا في صورته، فاعتقد أنه جاء ليغسل نفسه، فتأمل كيف جاء الشيطان في صورته ليغوي الأحياء، كما أغوى الميتَ قبل ذلك.
ومنهم من يرى عرشًا في الهواء، وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربُّك، فإن كان من أهل المعرفة، علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه، فيزول ذلك.
ومنهم من يرى أشخاصًا في اليَقَظَة يَدَّعي أحدُهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين، ويكون من الشياطين، وقد جرى هذا لغير واحد.
ومنهم مَن يرى ذلك عند قبر الذي يزوره، فيرى القبرَ قد انشق وخرج إليه صورة، فيعتقدها الميتَ، وإنما هو جني تصور بتلك الصورة.
وكل من قال: إنه رأى نبيًّا بعين رأسه فما رأى إلا خيالًا.
وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة.
ومِن أعظم ما يقوِّي الأحوالَ الشيطانية: سماعُ الغناء والملاهي وهو سماع المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥].
стр. 202
قال ابن عباس وابن عمر ﵄ وغيرُهما من السلف: «التصدية: التصفيق باليد، والمكاء: مثل الصفير». فكان المشركون يتخذون هذا عبادةً (١).
وكان أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ، والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي موسى الأشعري ﵁: «ذكِّرْنا ربَّنا، فيقرأ وهم يستمعون» (٢).
فأولياء الله الذين تجري على أيديهم الكرامات: هم المؤمنون المتقون، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٢٦،٦٣].
وفي الحديث الصحيح الذي رواه «البخاري» (٣) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ»، فهذا أصح حديث يُروى في الأولياء، فبيَّن النبي ﷺ أن من عادى وليًّا لله، فقد بارز الله بالمحاربة.
وكل حديث يروى عن النبي ﷺ في عِدَّةِ الأولياء، والأبدال، والنقباء،
стр. 203
والنجباء، والأوتاد، والأقطاب، أو القُطب الواحد، فليس بصحيح عنه ﷺ ، ولم ينطق السلف بشيء من هذه الألفاظ، إلا بلفظ (الأبدال)، وقد جاء في الحديث: أنهم أربعون رجلًا، يكونون بالشام، والحديث منقطع ليس بثابت، أخرجه أحمد في مسنده (١) من حديث علي ﵁.
وليس لأولياء الله شيء يتميَّزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس، ولا بحَلْق شعر أو تقصيره أو ظفره، إذا كان مباحًا، كما قيل: كم مِن صدِّيقٍ في قَباء، وكم من زنديقٍ في عَباء، بل يوجد في جميع أصناف أمة محمد ﷺ ؛ فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجد في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار والصُّنَّاع والزُّرَّاع (٢).
ما ا لفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ؟
«جِماعُ الفرق بينهما: اعتبارُهم بموافقة رسول الله ﷺ ، فإنه هو الذي فرق الله به بين أوليائه وأعدائه، بين أوليائه السعداء، وأعدائه الأشقياء، وبين أوليائه أهل الجنة، وأعدائه أهل النار» (٣).
стр. 204
ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ: اتِّبَاعُ آثَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَاطِنًا وَظَاهِرًا, وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَاتِّبَاعُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا, وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ, وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنْ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
الشرح
وأخيرًا بعد ما فرغ المُصَنِّف من بيان منهج أهل السنة في مسائل العقيدة، ناسب أن يذكر منهجَهم في عموم الدين وأصوله وما يتفرع من ذلك، وذكر جملة من صفاتهم التي ترسم منهجهم وهي:
١ - اتباع آثار الرسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا.
٢ - اتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
٣ - اتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا ... » (١)، والفرق بين اتباع سبيل السابقين الأولين واتباعِ وصيةِ رسول الله ﷺ كما في هذا الحديث هو: أن اتباع سبيل السابقين الأولين اتباعٌ عامٌّ للصحابة جميعًا، أما اتباع الوصية الواردة في الحديث فهو: اتباع خاص للخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين.
٤ - أنهم يعظمون كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 205
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الْكَلَامِ كَلَامُ الله, وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيُؤْثِرُونَ كَلَامَ الله عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ أَصْنَافِ النَّاسِ, وَيُقَدِّمُونَ هَدْيَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ، وَلِهَذَا سُمُّوا (أَهْلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) , وَسُمُّوا (أَهْلَ الجَمَاعَةِ)؛ لِأَنَّ الجَمَاعَةَ هِيَ الِاجْتِمَاعُ، وَضِدُّهَا الْفُرْقَةُ, وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الجَمَاعَةِ قَدْ صَارَ اسْمًا لِنَفْسِ الْقَوْمِ المُجْتَمِعِينَ.
وَالْإِجْمَاعُ هُوَ الْأَصْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَهُمْ يَزِنُونَ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ، وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي يَنْضَبِطُ: هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ إِذْ بَعْدَهُمْ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ, وَانْتَشَرَ فِي الْأُمَّةِ.
الشرح
٥ - الاجتماع على الكتاب والسنة، والتعاونُ على البر والتقوى.
٦ - أنهم يَزِنون الناس بالأصول الثلاثة؛ وهي الكتاب والسنة والإجماع الذي كان عليه السلف الصالح.
أما إجماع مَن بعدهم، فلم يصح كثيرٌ منه لسببين هما:
أ- كثرة الاختلاف.
ب- انتشار المسلمين في أقطار الأرض مما يشق معه نقل الإجماع؛ قال الإمام أحمد ﵀: «مَنِ ادَّعى الإجماعَ فقد كذب» (١).
стр. 206
ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الْأُصُولِ يَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ, وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ؛ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ.
الشرح
قوله: «ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الْأُصُولِ يَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ, وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ... ».
هذا فصل جديد عقَدَه المُصَنِّف لبيان صفات أهل السنة والجماعة؛ فبعدما ذكر أصول عقيدتهم ناسَبَ أن يذكر صفاتهم؛ ولهذا قال: «ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الْأُصُولِ»؛ إذ انتهى الكلام عن الأصول، فانتقل المصنف لذكر صفات أهل السنة، فأول صفة من صفاتهم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لكنه كان موفَّقًا ﵀ حيث قيد هذه الصفة بقيد مهم وهو قوله: «عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ» يعني أن قيامَهم بهذا هو على وَفْق ما جاء في الشريعة، وقد بين ذلك بيانًا أوسع في عددٍ من مؤلفاته؛ ومن ذلك قوله: «لا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور وحال المَنهيِّ، ثم قال: ولا بد في ذلك من الرفق، ولا بد أن يكون حليمًا صبورًا على الأذى؛ فإنه لا بد أن يحصُل له أذًى، ثم قال: فإن لم يحلُم ويصبِرْ كان ما يفسدُ أكثرَ مما يصلحُ، فلا بد من العلم والرفق والصبر والعلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده» (١).
ونستفيد من هذا الكلام أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدةَ شروط:
١ - العلم بحال المأمور وحال المنهي.
стр. 207
وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ مَعَ الْأُمَرَاءِ؛ أَبْرَارًا كَانُوا أَوْ فُجَّارًا, وَيُحَافِظُونَ عَلَى الجَمَاعَاتِ،
الشرح
٢ - العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، فقد يظن الظان أن هذا منكر وليس بمنكر، أو هو معروف وليس كذلك، ولهذا أمثلة منها:
المثال الأول: مَن ينكر على من يجلس جلسة الاستراحة ظنًّا منه أنها غيرُ مشروعة.
المثال الثاني: مَن ينكر على من يصلي تحية المسجد بعد صلاة العصر بناءً على أنها وقت نهي، مع أنَّ الذي يصليها يحتجُّ بكونها من ذوات الأسباب.
المثال الثالث: مَن ينكر في الحج على من يرمي قبل الزوال، باعتبار أنه خلافُ السُّنة، مع أن الذي يعمل بذلك يحتج بقولِ مَن أجازه.
٣ - الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٤ - الحِلم والصبر على الأذى في ذلك، ومتى ما التزم الداعيةُ بهذه الشرائط كان ذلك طريقًا إلى قبوله في النفوس.
قوله: «وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ مَعَ الْأُمَرَاءِ ... » هذا من أصول أهل السنة: إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الولاة المسلمين ؛ أبرارًا كانوا أو فجارًا. ودليله قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].
стр. 208
وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ لِلْأُمَّةِ،
الشرح
وقد كان الصحابة ﵃ يصلون مع مَنْ يعرفون فِسقَهم؛ كصلاة ابن عمر خلف الحجاج، وصلاة ابن مسعود خلف الوليد بن عقبة.
وقد جاء عن الوليد بن عقبة أنه صلى مرة الفجر أربع ركعات بسبب شرب الخمر (١)، ومع ذلك لم يَمنع ذلك الصحابةَ أن يصلوا خلفه، لكنهم أنكروا عليه.
قوله: «وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ لِلْأُمَّةِ» دليلُ هذا حديثُ تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (٢).
- المراد بالنصيحة لله: الإيمان به وبربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
- المراد بالنصيحة للرسول: تصديقه واتباعه.
- المراد بالنصيحة للكتاب: الإيمان به وتدبره والعمل به.
- المراد بالنصيحة لأئمة المسلمين: أمرهم بالمعروف، ونهيُهم عن المنكر، ودلالتُهم على الحق، وطاعتهم بالمعروف، وتبصيرهم بالحق إذا انحرفوا عنه.
- المراد بالنصيحة للعامة: أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وكفُّ الأذى عنهم، والسعي في مصالحهم الدنيوية والأخروية.
стр. 209
وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ, يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَقَوْلِهِ ﷺ : «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ».
الشرح
قوله: «وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ, يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» (١)» هذا مَثَلٌ مثَّل به النبي ﷺ لبيان وجوب وحدة المسلمين وتعاوُنهم فيما بينهم؛ حيث شبه ذلك بتشبيك الأصابع، وفي هذا دليل على وجوب الترابط بين المسلمين.
وقوله: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجسَدِ ... » (٢)؛ يؤخذ من هذا الحديث أن الأخوة الإيمانية سببٌ للتعاطف والتراحم، وفيه الحث على جمع الكلمة، والتحذيرُ من الاختلاف، ومشروعية تفقد أحوال المسلمين.
وقد اشتهر على ألسنة الناس حديثُ: «مَنْ لا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ»، ومعناه صحيح، لكن سنده ضعيف (٣).
стр. 210
وَيَامُرُونَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ, وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ, وَالرِّضَى بِمُرِّ الْقَضَاءِ.
الشرح
قوله: «وَيَامُرُونَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ, وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ, وَالرِّضَى بِمُرِّ الْقَضَاءِ» ذكر المُصَنِّف هنا عددًا من صفات أهل السنة المتعلقة بأقدار الله التي يقدرها على عباده:
الصفة الأولى: أنهم يأمرون بالصبر على البلاءِ، والبلاءُ على نوعين:
الأول: بلاء في الدنيا. والثاني: بلاء في الدين. أما البلاء في الدنيا فالواجب نحوَه احتسابُ الأجر بالصبر، أما البلاء في الدين فالواجب فيه الثبات على الحق، والأخذ بوسائل الوقاية من الفتن والمغريات.
الصفة الثانية: الشكر عند الرخاء، كما بين ذلك النبي ﷺ في قوله: «عَجَبًا لِأَمْرِ المؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (١).
وأيهما أفضل: الصبر على البلاء أو الشكر عند الرخاء؟
الجواب: هذه مسألة: طويلة كتب فيها ابن تيمية وألف فيها ابن القيم (عُدة الصابرين)، وملخص هذه المسألة أن فيها أقوالًا:
الأول: أَنَّ الصبر أفضل.
الثاني: أَنَّ الشكر أفضل.
الثالث: أَنَّ الصبر والشكر بمنزلةٍ واحدةٍ.
стр. 211
وَيَدْعُونَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ, وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ, وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا».
الشرح
والقول الذي انتصر له ابنُ القيم وشيخه ابن تيمية (١) أن لا يُقال بتفضيل أحدهما على الآخر, بل هذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون الشكرُ في حق شخص أفضلَ من الصبر، وقد يكون الصبرُ في حق شخصٍ آخرَ أفضلَ من الشكر، فالغني يكون الشكر في حقه أفضل، والفقير يكون الصبر في حقه أفضل، وهكذا.
الصفة الثالثة: الرضى بمر القضاء ، وصفة الرضى أعلى من صفة الصبر وهي من أعلى المنازل، وقد تحدث عنها ابن القيم في كتابه (مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين)، وبين ﵀ عظم فضلها، وعلو مرتبتها.
قوله: «وَيَدْعُونَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ, وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ» هذه وصية من المُصَنِّف تتعلق بأهمية الأخلاق وحسن التعامل مع المسلمين، وأن هذا هو ما يدعو إليه أهل السنة، قال الشاعر:
وَإِنَّما الأُمَمُ الأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ ... فَإِنْ هُمُو ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا
وقال آخر:
صَلَاحُ أَمْرِكَ لِلْأَخْلَاقِ مَرْجِعُهُ ... فَقَوِّمِ النَّفْسَ بِالأَخْلَاقِ تَسْتَقِمِ ذهبوا
قال ابن القيم ﵀: حسن الخلق يقوم على أربعة أركان: