فبينا أنا عنده، إذْ قَدِمَ عليه ابنُ عمٍّ له من بني قُرَيْظَةَ من المدينة، فابتاعني منه، فحملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرفتُها بصفة صاحبي، فأقمتُ بها.
وبُعِثَ رسولُ الله ﷺ ، فأقام بمكةَ ما أقام، لا أسمع له بذِكْرٍ، مع ما أنا فيه من شغل الرِّقِّ، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إنّي لفي رأس عَذْقٍ لسيِّدي أعمل فيه بعض العمل، وسيّدي جالس تحتي، إذْ أقبل ابنُ عمٍّ له حتى وقف عليه، فقال: يا فلان، قاتل الله بني قَيْلَةَ (١) والله إنهم الآن لمجتمعون معنا (٢) على رجلٍ قَدِم عليهم من مكةَ اليومَ، يزعمون أنّه نبيٌّ. فلما سمعتُها أخذتني العُرَوَاءُ (٣) حتى ظننتُ أنِّي ساقطٌ على سيِّدي، فنزلت عن النخلة فجعلت أقولُ لابنِ عمِّه ذلك: ما تقول؟ فغضب سيِّدي فلَكَمَنِي لكمةً شديدةً، ثمَّ قال: مالَكَ ولهذا؟ أقْبِلْ على عَمَلِكَ! فقلت: لا شيء، إنما أردتُ أن أستثبته عمَّا قال.
وقد كان عندي شيءٌ جمعته، فلما أمْسَيْتُ أخذتُه ثم ذهبت به إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو بقُبَا، فدخلتُ عليه، فقلت له: إنَّه قد بلغني أنِّك رجل صالح ومعك أَصحابٌ لك غُرَبَاء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحقَّ به من غيركم، فقرَّبْتُهُ إليه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "كُلُوا"، وأمسك فلم يأكل. فقلت في نفسي: هذه واحدة.
стр. 142
ثم انصرفتُ عنه فجمعتُ شيئًا، وتحوَّل رسولُ الله ﷺ إلى المدينة ثم جئتُه به، فقلت: إني قد رأيتك لا تأكلُ الصَّدقة، وهذه هديةٌ أكرمْتُك بها. فأكلَ رسولُ الله ﷺ ، وأمَرَ أصحابَه فأكلُوا معه. فقلت في نفسي: هاتان اثنتان.
ثم جئت رسول الله وهو بِبَقِيْع الغَرْقَد، قد تَبعَ جنازةَ رجلٍ من أصحابه، وعليَّ شَمْلَتَانِ لي، وهو جاَلس في أصحابه، فسلَّمْتُ عليه، ثم استَدَرْتُ أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتَم الذي وصف لي صاحبي؛ فلما رآني ﷺ اسْتَدْبَرْتُه (١) عرف أنِّي أستَثْبِتُ في شيءٍ وُصِفَ لي، فألقى الرِّدَاء عن ظهره، فنظرتُ إلى الخاتَم فعرفتُه، فأكْبَبْتُ عليه أُقبِّله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ : "تحوَّلْ"، فتحوَّلتُ فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدَّثْتُك يا ابْنَ عبَّاس، فأعجبَ رسولَ الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابُه.
ثم شغل سلمانَ الرقُّ حتى فاته مع رسول الله ﷺ بَدْرٌ وأُحُدٌ، قال سلمان: ثم قال لي رسولُ الله ﷺ : "كاتِبْ يا سَلْمَانُ" فكاتبتُ صاحبي على ثلاثمائةِ نخلةٍ أحْيِيْها له بالفَقِير، وأربعينَ أوقيَّةً، فقال رسول الله ﷺ : "أعِيْنُوا أخاكم" فأَعانُونِي بالنَّخْل؛ الرجل بثلاثين وَدِيَّة (٢)، والرجل بعشرين وَدِيَّة، والرجل بخمسة عشر، والرجل بعشر، يعينني الرجل بِقَدْر ما عنده، حتى اجتمعتْ لي ثلاثُمائة وَدِيَّة، فقال لي رسول الله ﷺ :
стр. 143
"اذهبْ يا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لها (١)، (فإذا فرغتَ فَأْتِنِي أكنْ أنا أضعها بيدي". فَفَقَّرْتُ) (٢)، وأعانني أصحابي حتى إذا فرغتُ جئتُه فأخبرتُه، فخرج معي إليها، فجَعَلْنا نقرِّب إليه الوَدِيَّ ويضعُه رسولُ الله ﷺ بيده حتى فرغت، فوالذي نَفْسُ سلمانَ بيده ما ماتت منها وَدِيَّة واحدة، فأدَّيت النخل وبقي عليَّ المال، فأُتِيَ رسولُ الله ﷺ بمثل بيضة الدَّجَاجة من ذهبٍ، من بعض المعادن، فقال: "ما فعل الفارسيُّ المكاتَب" فدُعِيْتُ له، فقال: "خُذْ هذه فَأدِّها (٣) ممَّا عليك يا سَلْمَانُ" فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليَّ؟! قال: "خذها فإنَّ الله سيؤدِّي بها" فأخذتُها فوزنت منها لهم، والذي (نفسي بيده) (٤)، أربعينَ أوقيَّةً فأوفيتُهم (٥) حقَّهم، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخَنْدَقَ، ثم لم يَفُتْنِي معه مَشْهَدٌ (٦).
стр. 144
فصل
وكان مَلِكُ الشَّام أحد أكابر علمائهم بالنصرانية (هِرَقْل)، قد عرف أنَّه رسولُ الله ﷺ حقًّا، وعزم على الإسلام، فأبى عليه عُبَّادُ الصَّليب، فخافهم (١) على نفسه، وضنَّ بِمُلْكِهِ مع علمه بأنَّه سَيُنْقَلُ عنه إلى رسول الله ﷺ وأمَّتِهِ. ونحن نسوقُ قِصَّتَه.
ففي "الصحيحين" من حديث عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ، أنَّ أبا سفيان أخبره مِنْ فِيْه إلى فِيْهِ، قال: انطلقتُ في المُدَّةِ التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ قال: فَبَيْنَا أنا بالشَّام إذْ جِيءَ بكتاب رسولِ الله ﷺ إلى هِرَقْلَ، وقد كان دِحْيَةُ بنُ خَلِيفَةَ جاء به، فدفعه إلى عظيم بُصْرَى (٢)، فدفعه عظيم بُصْرى إلى هِرَقْلَ، فقال هِرَقْلُ: هل هاهُنَا أحدٌ مِنْ قومِ هذا الرَّجُل الذي يزعُم أنَّه نبيٌّ؟ قالوا: نعم. قال: فدُعِيْتُ في نَفَرٍ من قريشٍ، فدخلنا على هِرَقْل، فأجْلَسَنَا بين يديه، وأجلسوا أصحابي خَلْفِي، فدعا بِتَرْجُمَانِهِ فقال: قلْ لهم: إني سائلٌ هذا عن الرَّجل الذي يَزْعُمُ أنَّه نبيُّ، فإَنْ كَذَبَنِي فكذِّبوه، فقال أبو سفيان: وَايْمُ اللهِ! لولا مَخَافَةُ أنْ يُؤْثَرَ عليَّ الكَذِبُ لَكَذَبْتُ (٣).
ثم قال لتَرْجُمَانِه: سَلْهُ كيف حَسَبُه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حَسَبٍ. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتَّهمونه بالكَذِب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: ومَنِ اتَّبعَه؟
стр. 145
أشرافُ الناس أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: لا، بل يزيدون، قال: فهل يرتدُّ أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سَخْطَةً له؟ قال: قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه؟ قلتُ: نعم، قال: فكيف كان قتالُكم إيَّاهُ؟ قال: قلت: تكونُ الحربُ بيننا وبينه سِجَالًا، يُصِيب منَّا ونُصِيب منه، قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلت: لا، ونحن منه في مُدَّةٍ ما ندري ما هو صانِعٌ فيها.
قال: فوالله! ما أمْكَنَنِي من كلمةٍ أُدْخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه.
قال: فهل قال هذا القولَ أحدٌ قَبْلَه؟ قلت: لا. قال لترجمانه: قل له: إنِّي سألتُك عن حَسَبهِ، فزعمتَ أنِّه فيكم ذو حَسَبٍ، وكذلك الرُّسُل تُبْعَثُ في أحساب قومها.
وسألتك: هل كان في آبائه مَلِكٌ؟ فزعمتَ أنْ لا، فقلتُ: لو كانَ في آبائه مَلِكٌ لقلتُ: رجلٌ يطلب مُلْكَ آبائه.
وسألتُك عن أتْبَاعه أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرُّسل.
وسألتُك: هل كنتم تَتَّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فقد عرفتُ أنَّه لم يكن لِيَدَعَ الكَذِبَ على النَّاس ثم يذهبَ فيكذبَ على الله .
وسألتُك: هل يرتدُّ أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخله سَخْطَةً له؟ فزعمتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ إذا خالطتْ بشاشَتُه القلوبَ.
وسألتُك هل يزيدونَ أم ينقصونَ؟ فزعمتَ أنَّهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يَتِمَّ.
стр. 146
وسألتُك: هل قَاتَلْتُمُوه؟ فزعمتَ أَنكم قاتلتموه فتكون الحربُ بينكم وبينه سِجَالًا، ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرُّسل تُبْتَلَى، ثم تكونُ لها العاقبةُ. وسأَلتُك: هل يَغْدِرُ؟ فزعمتَ أنه لا يَغْدِر، وكذلك الرُّسل لا تَغْدِرُ.
وسألتُك هل قال هذا القولَ أحدٌ (قبله؟ فزعمت أنْ لا، فقلتُ: لو قال هذا القولَ أحدٌ مِنْ) (١) قبله قلتُ: رجل ائتمَّ بقولٍ قيل قَبْلَه. ثم قال: فَبِمَ يأمرُكم؟ قلتُ: يأمرنا بالصَّلاةِ والزكاةِ والصِّلَة والعَفافِ. قال: إنْ يكَن ما تقولُ حَقًّا إنَّه لنبيٌّ، وقد كنتُ أعلم أنَّه خارجٌ، ولكن لم أكنْ أظنُّه منكم، ولو أعلم أنّي أخْلُصُ إليه لأَحْبَبْتُ لقاءَه (٢)، ولو كنتُ عنده لغَسَلْتُ عن قَدَمَيْهِ، ولَيَبْلُغَنَّ مُلْكُه ما تحتَ قَدَمَيَّ.
ثم دعا بكتاب رسولِ الله ﷺ فقرأه، فإذا فيه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمدٍ (رسول الله) (٣) إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّوم، سلامٌ على من اتَّبَعَ الهدى. أما بعد؛ فإنِّي أدعوك بدِعَايةِ الإسلام، أسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسلمْ يُؤْتِك الله أجرَك مرَّتَيْنِ، وإن تولَّيْتَ فإنَّ عليك إثم الأَرِيْسِيِّيْنَ" (٤)
стр. 147
و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
فلما فَرَغَ (١) من قراءة الكتاب ارتفعتِ الأصواتُ عنده، وكَثُرَ اللَّغَطُ، وأُمِرَ بنا فَأُخْرِجْنَا (٢) … ثمِ أَذِن هِرَقْلُ لعظماء الرُّوم في دَسْكَرَةٍ (٣) له بحِمْصَ، ثم أمر بأبوابها فَغُلِّقت، ثم اطَّلعَ فقال: يا مَعْشَرَ الرُّوم! هل لكم في الفلاح والرُّشْد وأنْ تَثْبُتَ مملكتكم (٤) فتُبَايعُوا هذا النبيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرٍ الوَحْشِ إلى الأبواب، فوجدوهاَ قد غُلِّقَتْ، فلما رأى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وأيِسَ من الإيمان قال: رُدُّوهم عليَّ، فقال: إنِّي قلتُ مقالتي آنِفًا أختبرُ بها شِدَّتكم على دينكم، فقد رأيتُ، فسجدوا له ورَضُوا عنه (٥).
فهذا ملك الروم، وكان من علمائهم أيضًا، عرف وأقرَّ أنَّه نبيٌّ، وأنَّه سيملك ما تحت قدميه، وأحبَّ الدُّخِولَ في الإسلام فدعَا قومَه إليه، فولَّوا عنه معرضين كأنهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فرَّتْ من قَسْوَرَةٍ، فمنعه من الإسلام الخوفُ على مُلْكِه ورياسته، ومَنَعَ أشْبَاهَ (٦) الحمير ما منع الأُممَ قبلَهم.
стр. 148
فصل
ولما عرف "النَّجاشِيُّ"، ملكُ الحبشة، أنَّ عُبَّاد الصليب لا يخرجون (عن عبادة) (١) الصليب إلى عبادة الله وحده: أسلَمَ سِرًّا، وكان يكتم إسلامه بينهم، هو وأهل بيته، ولا يمكنُه مجاهرتُهم.
ذكر ابنُ إسحاقَ أنَّ رسول الله ﷺ أرسل إليه عَمْرو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ (٢) ﵁ بكتابه (٣) يدعوه إلى الإسلام، فقال له عمرو: يا أصْحَمَةُ! عليَّ (٤) القولُ وعليك الاستماع؛ إنَّك كأنك في الرِّقةِ علينا منّا، وكأنَّا في الثِّقة بك منك، لأنَّا لم نظنَّ بك خيرًا قط إلا نِلْنَاهُ، ولم نَخَفْكَ على شيءٍ قطُّ إلا أمِنَّاه، وقد أَخَذْنَا الحُجَّةَ عليك مِنْ فِيْك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يُرَدُّ، وقاضٍ لا يجور، وفي ذلك موقع الحزِّ وإصابة المَفْصِل، وإلا فأنت في هذا النبيِّ الأُميِّ كاليهود في عيسى ابنِ مريمَ، وقد فرَّق النبيُّ ﷺ رُسُلَه إلى الناس، فرَجَاك لِمَا لم يَرْجُهُمْ له، وأمنك على ما خافهمِ عليه؛ لخيرٍ (٥) سالف وأجير مُنْتَظَرٍ، فقال النجاشي: أشهدُ بالله إنّه للنَّبِيّ الأميّ الذي ينتظره أَهْلُ الكتاب، وأنَّ بشارة موسى براكب الحمار كبشارةِ عيسى براكب الجَمَلِ، وإن العِيَانَ ليس بأشْفَى من الخَبَرِ (٦).
стр. 149
قال الوَاقِديُّ: وكتبَ (رسولُ الله ﷺ ) (١): "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمدٍ رسولِ الله إلى النَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ: سَلْمٌ أنت؛ فإني أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو، المَلِكُ القُدُّوس، السَّلامُ المؤمنُ المُهَيْمِنُ، وأشهدُ أنَّ عِيْسَى ابنَ مَرْيَمَ روحُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ البَتُول الطيِّبةِ الحَصِيْنَةِ، حملتْ بعيسى، فخلقه من رُوحه ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وَحْدَه لا شريكَ له، والموالاةِ على طاعتِه، وأَنْ تَتَّبعَنِي وتُؤْمنَ بالذي جاءني؛ فإنّي رسولُ الله إليك، وإنّي أدعوكَ وجنودَكَ إلى الله وقد بلَّغْتُ ونصحتُ، فاقْبَلوا نصيحتي، والسَّلامُ على من اتَّبعَ الهدى" (٢).
فكتب إليه النَّجَاشيُّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلى محمدٍ رسول الله، من النَّجاشيِّ أصحمة، سلامٌ عليك يا نبيَّ الله من الله وبركاتُ، الله الذي لا إله إلا هو، أمَّا بعد: فلقد بَلَغَنِي كتابُك فيما ذكرتَ مِنْ أَمْرِ عيسى، فوربِّ السماء والأرض إنَّ عيسى لا يزيد على ما ذكرتَ ثُفْرُوقًا، إنِّه كما ذكرتَ، وقد عَرَفْنَا ما بعثتَ به إلينا، وقد قَرَّبْنَا ابنَ عمِّك وأصحابَهُ، فأشهدُ أنِّك رسولُ الله صادقًا مصدَّقًا، وقد بايعتُك وبايعتُ ابنَ عمِّك، وأسْلَمْتُ على يديهِ للهِ ربِّ العالمينَ (٣).
"والثُّفْروقُ" عِلاقة تكون بين النواة والتمرة.
стр. 150
فصل
وكذلك مَلِكُ دين النَّصرانيَّة بمصرَ؛ عَرَفَ أنَّه نبيٌّ صادقٌ، ولكنْ مَنَعَهُ مِن اتِّباعه مُلْكُه وأنَّ عُبَّاد الصَّليبِ (لا يتركون عبادةَ الصَّليب) (١).
ونحن نسوق حديثَه وقِصَّتَه. قال الوَاقِدِيُّ: كتب إليه رسولُ الله ﷺ : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمَّدٍ بن عبد الله، إلى المُقَوْقِس عظيمِ القِبْطِ، سلامٌ على من اتَّبع الهدى، أما بعد: فإنّي أدعوكَ بداعيةِ (٢) الإسلام، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أسْلِمْ يُؤْتكَ اللهُ أجْرَك مَرَّتين، فإنْ تولَّيْتَ (فإنَّ عليك) (٣) إِثْمَ القِبْطِ ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ " [آل عمران/٦٤] وختم الكتاب.
فخرج به حَاطِبٌ، حتى قَدِمَ عليه الإسْكَنْدَرِيَّة، فانتهى إلى حاجبهِ، فلم يلبث (٤) أنْ أوصل (٥) إليه كتابَ رسولِ الله ﷺ .
وقال حاطبٌ للمُقَوْقِس لمَّا لَقِيَهُ: إنَّه قد كان قِبَلَكَ رجلٌ يزعُم أنّه الرَّبُّ الأعلى فَأخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى، فانتقَمَ به، ثم انتقم منه، فاعتبِرْ بغيرِكَ، ولا يعتبر بك غيرُك.
стр. 151
قال: هاتِ، قال: إنَّ لنا دينًا لن نَدَعَه إلا لِمَا هو خيرٌ منه وهو الإسلام الكافي به اللهُ فَقْدَ ما سِواه، إنَّ هذا النبيَّ دَعَا النَّاسَ فكان أشدَّهم عليه قريشٌ وأعْدَاهُمْ له يهودُ، وأقْرَبَهُمْ منه النَّصارى، ولَعَمْرِي ما بشارةُ موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمَّدٍ، عليهم أفضل الصلاة والسلام، وما دعاؤنا إيَّاك إلى القرآنِ إلا كدعائِكَ أهْلَ التوراةِ إلى الإنجيل، وكلُّ نبيٍّ أدرك قومًا فهم من أُمَّتِه، فالحقُّ عليهم أنْ يُطيعوه، فأنتَ مِمَّنْ أدرك هذا النبيَّ، (ولسنا ننهاك) (١) عن دين المسيحِ، ولكنَّنا نأمُرُك به.
فقال المُقَوْقِسُ: إنِّي قد نظرتُ في أمر هذا النبيِّ، فرأيتُه لا يأمر بمَزْهُودٍ به، ولا ينهى عن مرغوبٍ عنه، ولم أجِدْه بالسَّاحر الضَّالِّ، ولا اَلكاهنِ الكاذب، ووجدتُ معه آلة (٢) النُّبوَّةِ؛ من إخْراج (٣) الخَبءِ والإخبار بالنَّجْوَى، ووَصَفَ لحاطب أَشياء من صفة النبيِّ ﷺ .
وقال: القِبْطُ لا يُطَاوعُونَنِي في اتَّباعهِ، ولا أُحبُّ أنْ تعلمَ بمُحَاوَرتِي إيَّاك، وأنا أَضِنُّ (٤) بمُلْكِي أنْ أفارِقَهُ (٥)، وسيظهرُ على بلادي (٦)، وينزل بساحتي (٧) هذه أصحَابُه من بعده، فارجع إلى صاحبك.
وأخذ كتابَ النبيِّ ﷺ فجعله في حُقٍّ من عاجٍ، وختم عليه، ودفَعَهُ
стр. 152
إلى جاريةٍ له، ثم دعا كاتبًا له يكتب بالعربية، فكتبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لمحمدِ بنِ عبدِ الله، مِنَ المقوقسِ عظيمِ القِبْطِ، سلامٌ عليك، أمَّا بعد: فقد قرأتُ كتابك وفهمتُ ما ذكرتَ فيه، وما تدعو إليه، وقد علمتُ أنَّ نبيًّا بقي، وكنت أظنُّ أنه يخرج بالشام، وقد أكرمتُ رسولَك وبعثتُ إليك بجَارِيَتَيْنِ لهما مكانٌ في القِبْط عظيمٌ، وبكسوةٍ، وأهديتُ إليك بَغْلَةً لتركَبها. والسلام عليك. (ولم يَزِدْ) (١).
والجاريتان: مَارِيَةُ، وسِيْرِيْن. والبغلة: دُلْدُل، وبقيَتْ إلى زمن معاوية.
قال حاطب: فذكرتُ قولَه لرسول الله ﷺ ، فقال: "ضَنَّ الخبيثُ بملكه، ولا بقاء لملكه" (٢).
فصل
وكذلك ابنا الجُلَنْدَى، مَلِكَا عُمَانَ وما حولَها، مِنْ ملوك النَّصَارى، أسْلَمَا طوعًا واختيارًا، ونحن نذكر قصَّتَهما وكتابَ رسولِ الله ﷺ إليهما، وهذا لفظه:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمَّدِ بنِ عبد الله إلى جَيْفَرٍ وعَبْدٍ ابْنَي الجُلَنْدَى، سلام على مَنِ اتَّبع الهدى، أمَّا بعد: فإنّي أدعوكما بدَاعيةِ الإسلام، أسْلِمَا تَسْلَما، فإني رسولُ الله إلى الناسِ كافةً لأنْذِرَ مَنْ كانَ حيًّا
стр. 153
ويَحِقَّ القولُ على الكافرين، وإنَّكما إنْ أَقْرَرْتُما بالإسلام وَلَّيْتُكُما مَكَانَكُما (١)، وإنْ أَبَيْتُمَا أنْ تُقِرَّا بالإسلام فإنَّ مُلْكَكُما زائلٌ عنكما، وخَيْلِي تَحُلُّ بسَاحَتِكُما، وتَظْهَرُ نُبُوَّتي على مُلْكِكُمَا".
وختم الكتابَ وبعث به مع عَمْرو بنِ العاص.
قال عمرو: فخرجت حتى انتهيتُ إلى عُمَان، فلما قَدِمْتُها انتهيتُ إلى عَبْدٍ (٢) -وكان أحلم الرَّجُلَيْن وأسْهَلَهُما خُلُقًا- فقلتُ: إنّي رسولُ رسولِ الله إليك وإلى أخيك. فقال: أخي المُقَدَّمُ عليَّ بالسِّنِّ والمُلْك، وأنا أُوْصِلُك إليه حتى يقرأَ (٣) كتابَك. ثم قال لي: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وحدَه لا شريكَ له، وتخلعَ ما عُبِدَ من دونه، وتشهدَ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
قال: يا عَمْرو! إنَّك سيِّدُ قومِكَ، فكيف صَنَعَ أبوك فإنَّ لنا فيه قدوةً؟ قلتُ: مات ولم يؤمن بمحمَّدٍ، ووَدِدْتُ أنَّه كان أسْلَمَ وصدَّقَ به. وكنتُ أنا على مِثْل رأيه حتى هدانِي اللهُ للإسلام.
قال: فمتى تَبعْتَه؟ قلت: قريبًا، فسألني أين كانَ إسلامي؟ فقلتُ: عند النَّجاشيِّ، وأخَبرته أنَّ النجاشيَّ قد أسْلَمَ.
قال: فكيف صنع قومه بِمُلْكِه؟ قلت: أقرُّوه.
قال: والأساقِفَةُ والرُّهْبَانُ؟ قلت: نعم.
стр. 154
قال: انظُرْ يا عَمرو ما تقولُ، إنِّه ليس خصلةٌ في رجل أفْضَحَ له من كَذِبٍ، قلتُ: ما كذبتُ، وما نَسْتَحِلُّه في ديننا.
ثم قال: ما أرى هِرَقْلَ عَلِمَ بإسلام النَّجاشيَ! قلتُ: بلى، قال: بأيِّ شيءٍ علمتَ ذلك؟ قلت: كان النّجاشيُّ يُخْرِج له خَرَاجًا، فلمّا أسْلَمَ وصدَّق بمحمَّدٍ قال: لا والله، لو سألني درهمًا واحدًا ما أعطيتُهُ، فبلغ هِرَقْلَ قولُه، فقال له نياق (١) أخوه: أتَدَعُ عبدك لا يُخْرِجُ لك خراجًا ويدينُ دينًا مُحْدَثًا؟ قال هرقل: رجلٌ رغب في دينٍ، واختاره لنفسه، ما أصنع به، والله لولا الضَّنُّ (٢) بملكي لصنعتُ كما صَنَعَ. قال: انظر ما تقول يا عَمْرو؟ قلت: والله لقد صَدَقْتُكَ.
قال عَبْدٌ (٣): فأخْبِرْني ما الذي يأمرُ به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله وينهى عن معصيته، ويأمر بالبِرِّ وصلةِ الرَّحِم، وينهى عن الظُّلم والعُدْوانِ، وعن الزِّنا وشُرْبِ الخمر، وعن عبادةِ الحَجَر والوَثَنِ والصَّليب.
فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه! لو كان أخي يُتَابعُني لركبنا حتى نؤمنَ بمحمّدٍ ونصدِّقَ به، ولكنّ أخي أضنُّ بملكه مِنْ أَنْ يَدَعَه (٤) ويصير دينًا (٥).
قلت: إنَّه إنْ أسْلَمَ ملَّكَهُ رسولُ الله ﷺ على قومِه؛ فأخذ الصدقة من
стр. 155
غنيِّهم فردَّها على فقيرهم.
قال: إنَّ هذا لَخُلُقٌ حَسَنٌ، وما الصَّدَقَةُ؟ فأخبرتُه بما فَرَضَ رسولُ الله من الصَّدَقاتِ في الأموال حتى انتهيتُ إلى الإبل، فقال: يا عمرو، ويُؤخَذُ من سَوَائِمِ مواشينا التي ترعى الشَّجر وتَرِدُ المياه؟
فقلت: نعم، فقال: والله ما أرى (قومي في) (١) بُعْدِ دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا، قال: فمكثتُ ببابه أيامًا وهو يَصِلُ إلى أخيه فيخبره كلَّ خبري.
ثم إنه دعاني يومًا، فدخلتُ عليه، فأخذ أعوانُه بِضَبُعيَّ، فقال: دَعُوه فأرسلْتُ، فذهبتُ لأجلِسَ فأبَوا أنْ يَدَعُوني أجلسُ، فنظرتُ إليه، فقال: تكلَّمْ بحاجتِكَ، فدفعتُ إليه الكتابَ مختومًا، ففضَّ خَاتَمَهُ، فقرأه (حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه) (٢) مِثْلَ قراءتِهِ إلا أنّي رأيتُ أخاه أرقَّ منه، ثم قال: ألَا تخبرني عن قريشٍ كيف صنعتْ؟ فقلتُ: اتَّبعوه؛ إمَّا راغِبٌ في الإسلام، وإما مقهور بالسيف، قال: ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام، واختاروه على غيره، وعَرَفوا بعقولهم -مع هدي الله إيَّاهم- أنَّهم كانوا في ضلالٍ، فما أعْلَمُ أحدًا بقي غَيْرَك في هذه الحَرَجَةِ، وإِنْ أنت لم تُسْلِمْ اليومَ وتَتَّبعْه يُوطِئْك الخيلَ، ويبيد خَضْرَاءَكَ، فأسْلِمْ تَسْلَمْ، ويَسْتَعْمِلْك على قومك ولا تدخلُ عليك الخيلُ والرِّجال. قال: دَعْنِي يومي هذا، وارجعْ إليَّ غدًا، فرجعتُ إلى أخيه فقال: يا عمرو، إنّي لأرجو أن يُسْلِمَ إن لم يضنَّ (٣) بملكه.
стр. 156
حتى إذا كان الغدُ أتيتُ إليه، فأبى أن يأذنَ لي، فانصرفتُ إلى أخيه، فأخبرتُه أنّي لم أَصِلْ إليه، فأوصلني إليه، فقال: إني فكَّرتُ فيما دعوتَنِي إليه، فإذا أنا أضْعَفُ العرب إنْ ملُّكْتُ رجلًا ما في يدي، وهو لا تَبْلغ خيلُه هاهنا، وإنْ بلغتْ خيلُه ألْفَتْ قتالًا ليس كقتال مَنْ لَاقى، قلتُ: وأنا خارجٌ غدًا.
فلما أيقن بمخرجي (١) خَلا به أخُوه فقال: ما نحنُ فيما قد ظهر عليه، وكلُّ مَنْ أرسل إليه قد أجابه، فأصبحَ فأرسلَ إليَّ فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعًا، وصدَّقا النبي ﷺ ، وخلَّيا بيني وبين الصَّدقة وبين الحُكْمِ فيما بينَهم، وكانا لي عَوْنًا على من خَالَفَنِي (٢).
وكتب النبيُّ ﷺ إلى هَوْذَةَ بنِ عليّ الحَنَفِيّ، صاحب اليَمَامَة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمدٍ رسولِ الله إلى هَوْذَةَ بن عليٍّ، سلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهدى، واعلَمْ أنَّ ديني سيظهرُ إلى مُنْتَهَى الخُفِّ والحافِرِ، فأسْلِمْ تَسْلَمْ أجعلْ (٣) لك ما تحتَ يَدِك".
وكان عنده أرْكُون دمشقَ -عظيمٌ من عظماء النَّصارى- فسأله عن النبي ﷺ ؟ وقال: قد جاءني كتابه يدعوني إلى الإسلام. فقال له الأركون: لِمَ لا تجيبُهُ؟ فقال: ضَنِنْتُ بديني، وأنا مَلِكُ قومي، إن اتَّبعْتُهُ لم أَمْلِك، قال: بلى والله، لئن اتَّبعتَه (٤) لَيُمَلَكَنَّك، وإنَّ الخِيْرَةَ لك في
стр. 157
اتَباعِهِ، وإنه لَلنَّبِيّ العربيُّ الذي (١) بَشَّرَ به عيسى ابنُ مريم، واللهِ إنَّه لمكتوبٌ عندنا في الإنجيل (٢).
فصل
وذكر الواقديُّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ شُجَاعَ بنَ وَهْب إلى الحارث بنِ أبي شَمِر، وهو بغوطةِ دمشقَ، فكتب إليه مَرْجعَهُ من الحُدَيْبيَة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمَّدٍ رسولِ الله، إلى اَلحارث ابن أبي شمر، سلامٌ على من اتَّبع الهدى واَمن به وصدَّقَ، وإني أدعوكَ إلى أنْ تؤمنَ بالله وحدَهُ، لا شريك له، يَبْقَى لك مُلْكُكَ" وختم الكتاب.
فخرج به شُجَاعُ بنُ وَهْب، قال: فانتهيتُ إلى حاجبه، فوجدتُه (٣) يومئذٍ وهو مشغولٌ بتهيئة الأنْزَالِ والألْطاف لقيصر، وهو جاءِ من حِفصَ إلى إيليا -حيث كشف الله عنه جنود فارس- شكرا لله قال: فأقمتُ على بابه يومين أو ثلاثةً، فقلت لحاجبه: إنّي رسولُ رسولِ الله إليه، فقال حاجبه: لا تصلُ إليه حتى يخرجَ يومَ كذا وكذا، وجعل (٤) حاجبُهُ -وكان روميًّا اسمه مُري- يسألني عن رسولِ الله ﷺ وما يدعو إليه، فكنت أحدِّثُه فيرقُّ حتى يَغْلِبَهُ البكاء، ويقول: إنّي قرأتُ في الإِنجيل، وأجدُ صفةَ هذا النبيِّ بعينه. فكنتُ أُراه يخرج بالشَّام، فأراه قد (٢)
стр. 158
خرج بأرض العرب (١)، فأنا أُومِنُ به وأصدِّقُه، وأنا أخاف (٢) من الحارث بن أبي شمر أنْ يقتلني.
وقال شُجَاعٌ: فكان هذا الحاجب يُكْرِمُني ويُحْسِنُ ضيافتي، ويُخْبِرُني عن الحارث باليأس منه، ويقول: هو يخاف قيصر، قال: فخرج الحارث يومًا وجلس، فوضع التَّاج على رأسه، فأذِنَ لي عليه، فدفعتُ إليه كتاب رسولِ الله ﷺ فقرأه، وقال: مَنْ يَنْتَزِعُ منِّي مُلْكِي؟! أنا سائرٌ إليه ولو كان باليمين جئتُه، عليَّ بالناس! فلم يزل جالسًا يعرض حتى الليل، وأمر بالخيل (أن تُنْعَلَ) (٣)، ثم قال: أخْبِرْ صاحبك ما ترى.
وكتب إلى قيصر يخبره خَبَري فصادفَ قيصر بإيليا، وعنده دِحْيَةُ الكَلْبيُّ، قد بعثه إليه رسولُ الله ﷺ ، فلما قرأ قيصر كتابَ الحارثِ، كتب إليه أَنْ لا تَسِرْ (٤) إليه، وتَلَهَّ عنه، ووَافِني (٥) بإيلياء.
قال: ورجع الكتاب وأنا مقيمٌ، فدعاني، وقال: متى تريدُ أن تخرجَ إلى صاحبكَ؟ قلت: غدًا، (فأمر لي) (٦) بمائةِ مثقالٍ ذهبًا، ووصلني مُري بنفقةَ وكسوة، وقال: اقرأْ على رسول الله ﷺ مِنّي السلامَ وأخْبِرْه أنّي مُتَّبِعٌ دِيْنَهُ.
стр. 159
قال شُجاعٌ: فقدمتُ على رسولِ الله ﷺ . فأخبرتُه فقال: "بَادَ مُلْكُهُ" وأقْرَأْتُه من مُري السَّلامَ، وأخبرتُه بما قال. فقال رسولُ الله ﷺ : "صَدَق" (١).
فصل
ونحن إنما ذكرْنَا بعضَ ملوكِ الطَّوائفِ الذين آمنوا به، وأكابر علمائهم وعظمائهم، ولا يمكننا حَصْرُ مَنْ عداهم (٢)، وهم (جمهورُ أهل الأرض، ولم يتخلَّفْ عن متابعته إلا الأقَلُّون) (٣)، وهم: إمَّا مُسالِمٌ له قد رَضِي بالذلَّة والجزية والهوان، وإمَّا خائفٌ منه؛ فأهْلُ الأرض معه ثلاثةُ أقسامٍ: مسلمون (٤) ومُسَالِمُونَ له، وخَائِفُونَ مِنْه.
ولو لم يسلم من اليهود في زمنه إلا سَيِّدُهم على الإطلاق وابنُ سيِّدِهم، وعالمُهم وابنُ عالمهم باعترافهم له بذلك وشهادتهم: عَبْدُ اللهِ ابنُ سَلَامٍ، لكان في مقابلة كلِّ يهوديً على وجه الأرض. فكيف وقد تابعه على الإسلام من الأحبار والرهبان مَنْ لا يُحْصي عدَدَهُمْ إلا الله؟!
ونحن نذكر قصة عبد الله بن سلام:
فروى البخاريُّ في "صحيحه" من حديث عبدِ العزيز بنِ صُهَيْبٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: أقْبَلَ رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، فقالوا: جاء نبيُّ الله، فَاسْتَشْرَفُوا ينظرون، إذْ سمع به عبدُ الله بنُ سَلَامٍ، وهو في نخلٍ لأهله يَخْتَرِفُ لهم منه، فَعَجِلَ أنْ يضع الذي يَخْتَرِفُ لهم فيها، فجاء
стр. 160
وهي معه، فسمع من نبيِّ الله ﷺ ، ثم رجع إلى أهله، فلما خَلَا نبيُّ الله ﷺ جاء عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ، فقال: أشهد أنَّك نبيُّ الله حقًّا، وأنَّك جئتَ بالحقِّ، ولقد عَلِمَتِ اليهودُ أنِّي سَيِّدُهُم وابنُ سيِّدِهم وأعْلَمُهُمْ وابنُ أعْلَمِهِمْ (١)، فَادْعُهُمْ فاسألْهُمْ عنِّي قَبْلَ أن يعلموا أنّي قد أسلمتُ، فإنهم إنْ يعلمُوا أنِّي قد أسلمتُ قالوا فيَّ ما ليس فيَّ.
فأرسل نبيُّ الله ﷺ إليهم فدخلوا عليه، فقال لهم نبي الله ﷺ : "يا مَعْشَرَ اليهود ويلكم! اتَّقُوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنَّكم لتعلمونَ أنّي رسولُ الله حقًّا، وأنّي جِئْتُكُم بحقٍّ، أسلمُوا".
قالوا: ما نعلمه، فأعادها عليهم ثلاثًا وهم يُجِيْبُونَه كذلك.
قال: "أيُّ (٢) رجلٍ فيكمِ عبدُ الله بنُ سلام؟ " قالوا: ذاك سَيِّدُنا وابنُ سيِّدِنا، وأعْلَمُنَا وابنُ أعْلَمِنَا. قال: "أفرأَيْتُم إنْ أسْلَم؟ " قالوا: حاشى لله، ما كان لِيُسْلِم.
فقال: "يا ابنَ سلامٍ اخْرُجْ عليهم" فخرج إليهمِ فقال: يا مَعْشَرَ اليهود، ويلكم، اتَّقُوا الله! فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتَعْلَمُون أنِّه رسولُ الله حقًّا، وأنَّه جاء بالحقِّ، فقالوا: كَذَبْتَ، فَأخرَجَهُمُ النبيُّ ﷺ (٣).
وفي "صحيح البخاريِّ" أيضًا من حديث حُمَيْدٍ، عن أنسٍ، قال: سمع عبدُ الله بنُ سلامٍ بقدوم رسولِ الله ﷺ وهو في أرضٍ له، فأتى النبيَّ ﷺ فقال: إنّي سائِلُك عن ثلاثٍ، لا يعلمُهُنَّ إلا نبيٌّ، ما أولُ أشراطِ
стр. 161
الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما يَنْزِعُ الولدُ إلى أبيهِ أو إلى أمِّهِ؟ قال: "أخْبَرَنِي بهنَّ جبريلُ آنفًا" قال: جبريل؟ قال: "نعم" قال (١): ذاك عدو اليهود من الملائكة، قال: ثم قرأ هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧].
أما أول أشراطِ الساعة فنارٌ تخرج على النَّاس من المشرِق إلى المغربِ، وأمَّا أول طعام يأكلُه أهلُ الجنة فزِيَادَةُ كَبِدِ الحُوْتِ، وإذا سَبَقَ ماءُ الرجَلِ ماءَ المرأةِ نَزَعَ (الولدُ إلى أبيه) (٢)، وإذَا سبقَ ماءُ المرأة ماءَ الرَّجل نَزَعَ الولدُ إلى أمِّه.
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنِّك رسولُ الله، إنَّ اليهود قومٌ بُهُتٌ، وإنَّهم إنْ يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بَهَتُوني (٣)، فجاءتِ اليهودُ إليه، فقال: "أيُّ رجلٍ فيكم عبدُ الله بنُ سلام؟ " قالوا: خيرُنَا (٤) وابنُ خيرِنَا، وسيِّدُنا وابنُ سيِّدِنا، قال: "أرأيتم إِنْ أسْلَمَ عبد الله بنُ سلامٍ؟ " قالوا (٥): أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، قالوا: شَرُّنا وابنُ شَرِّنا، وانتقصوه، قال: هذا الذي كنتُ أخاف يا رسولَ الله (٦).
وقال ابن إسحاقَ: حدَّثني عبدُ الله بن أبي بكرٍ، عن يحيى بن
стр. 162
عبد الله، عن رجلٍ من آل عبد الله بن سلامٍ، قال: كان من حديث عبد الله بن سلام حين أسلم وكان حَبْرًا (١) عالمًا فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ وعَرَفْتُ صفتَهُ واسْمَه وهيئته والذي كنا نَتَوَكَّف له، فكنت مُسِرًّا لذلك صامتًا عليه، حتى قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ، فلما قدم نزل معنا في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجلٌ حتى أخبر بقُدُومِهِ، وأنا في رأس نخلةٍ لي أعمل فيها، وعمتي خالدةُ بنتُ الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبَّرت، فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنتَ سمعت بموسى بنِ عِمْرانَ ما زدتَ (٢). قال: قلت لها: أيْ عَمَّة، هو والله أخو مُوسى بنِ عِمْرَانَ، وعلى دينِه، بُعِث بما بُعِث به، فقالت: يا ابن أخي أهو النبيُّ الذي كنا نُبَشَّر به أنه يُبْعث مع نَفْسِ السَّاعة؟ قال: قلت لها: نعم، قالت: فذاك إذًا.
قال: ثم خرجتُ إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمَرْتُهُمْ فأسلَمُوا، وكتمتُ إسلامي من اليهود.
ثم جئتُ رسولَ الله ﷺ فقلت: إنَّ اليهود قوم بُهُتٌ وإنِّي أُحبُّ أن تُدْخِلَني في بعض بيوتك تُغَيِّبَنِي عنهم، ثم تسألهم عنِّي كيف أنا فيهم، قبل أن يعلموا بإسْلامي، فإنَّهم إنْ عَلِمُوا بذلك بَهتُوني وعَابُوني، قال: فأدْخَلَني بعضَ بيوته، فدخلوا عليه فكلَّموه وسألوه، فقال لهم: "أيُّ رجل عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ فيكم؟ " قالوا: سيِّدُنا وابنُ سيِّدِنا، وحَبْرُنا وعَالِمُنَا.
قال: فلما فرغوا من قولهم خرجتُ عليهم، فقلتُ لهم: يا معشر اليهود! اتَّقُوا الله، واقْبَلُوا ما جاءكم به، فوالله إنَّكم لتعلمون أنِّه رسولُ
стр. 163
الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة باسمه (١) وصفته، فإنّي أشهد أنَّه رسول الله، وأُوْمِنُ به وأصدِّقُه وأعرفه. قالوا: كذبتَ، ثم وقعوا فيَّ، فقلتُ: يارسولَ الله أَلمْ أُخْبِرْك أنِّهم قومٌ بهتٌ أهلُ غدرٍ وكذبٍ وفجورٍ؟! قال: فأظهرتُ إسلامي، وأسلمَ أهلُ بيتي، وأسلمتْ عَمَّتي، ابنةُ الحارث، فَحَسُنَ إسلامها (٢).
وفي "مسند الإمام أحمد" وغيره، عنه قال: لما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ وانجَفَلَ النَّاس قِبَلَهُ، فقالوا: قَدِمَ رسول الله ﷺ قال: فجئت في النَّاس لأنظر إلى وجهه، فلما رأيتُ وجهه عرفت أنَّ وجهه ليس بوجه كذّاب، فكان أول شيءٍ سمعته منه أن قال: "يا أيُّها الناس أطْعِمُوا الطعام، وأفْشُوا السَّلامَ، وصِلُوا الأَرْحَامَ، وصَلُّوا والناسُ نِيَامٌ، تدخلوا الجنَّة بسلامٍ" (٣).
فعلماء القوم وأحبارهم، كلُّهم كانوا كما قال الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة/ ١٤٦، الأنعام/ ٢٠] فمنهم من آثر الله ورسولَه والدارَ الآخرة، ومنهم من آثر الدنيا وأطاعَ داعِيَ الحسد والكِبْر.
стр. 164
وفي "مغازي موسى بن عقبة" عن الزُّهْرِيِّ، قال: كان بالمدينة مَقْدَمَ رسولِ الله ﷺ أوثانٌ تعبدها (١) رجال من أهل المدينة، لا يتركونها، فأقْبَلَ عليهم قومُهم وعلى تلك الأوثان فهدموها.
وعَمَدَ أبو ياسر بنُ أخطب، أخو حُيَيّ بنِ أخطب، وهو أبو صفيةَ زوج النبيِّ ﷺ ، فجلس إلى النبيِّ ﷺ ، فسمع منه وحادثه ثم رجع إلى قومه، وذلك قبل أن تُصْرَفَ القِبْلَةُ نحو المسجد الحرام، فقال أبو ياسر: يا قوم (٢)، أطِيْعُوني، فإنَّ الله قد جاءكم بالذي كنتم (٣) تنتظرونَ، فاتَّبِعُوه ولا تُخالِفُوه (٤).
فانطلقَ أخوه حُيَيّ حين سمع ذلك -وهو سيد اليهود يومئذ وهما من بني النَّضِيْر- فأتى النبيَّ ﷺ فجلس إليه -وسمع منه، فرجع إلى قومه وكان فيهم مطاعًا- فقال: أتيتُ مِنْ عند رجل -والله- لا أزال له عدوًّا أبدًا. فقال له أخوه أبو ياسر: يا ابنَ أمي، أطِعْنِي في هذا الأمر، ثمِ اعْصِنِي فيما شئتَ بعده، لا تَهْلِك! قال: لا والله، لا أطيعك. واسْتَحْوذَ عليه الشَّيطانُ، فاتَّبَعَهُ قومُه على رأيه (٥).
وذكر ابن إسحاقَ، عن عبد الله بنِ أبي بكرٍ، عمَّن حدَّثه عن صفيةَ بنتِ حُيَيّ أنها قالت: لم يكن من ولد أبي وعمي أحدٌ أحبَّ إليهما مِنّي، لم ألقَهُمَا في ولدٍ قطُّ إلا أخذاني دونَه، فلما قدم رسول الله ﷺ قُبَاء نزل
стр. 165
في بني عَمْرو بنِ عوف، فغدا إليه أبي وعَمِّي أبو ياسر بنُ أخْطَب مُغَلِّسِيْنَ، فوالله ما جاءا إلا مع مغيب الشمس، فجاءا فَاتِرَيْن كَسِلَيْنِ (١) ساقِطَيْن، يمشيانِ الهُوَيْنَا، فَهَشِشْتُ إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما نظر إليَّ واحدٌ منهما، فسمعتُ عمِّي أبا ياسرٍ يقول لأبي: أهُوَ هوَ؟ قال: نعم والله، قال: تعرفه بِنَعْتِهِ وصفتِه؟ قال: نعم والله. قال: فماذا في نفسك منه؟ قال: عَدَاوَتُه -واللهِ- ما بَقِيْتُ (٢).
قال ابن إسحاق: وحدَّثني محمدُ بنُ أبي (٣) محمَّدٍ، مولى زيد بن ثابت، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرمَةُ عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن شعية (٤)، وأسد بن شعية، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من اليهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام، قال مَنْ كَفَرَ من اليهود: ما آمن بمحمَّدٍ، ولا اتَّبعه إلا شِرَارُنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركُوا دينَ آبائهم وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله في ذلك (٥): ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣، ١١٤].
стр. 166
فصل
قال السائل (١): مشهورٌ عندكم (في الكتاب والسنة أنَّ نبيَّكم كان مكتوبًا عندهم) (٢) في التوراة والإنجيل، لكنَّهم مَحَوْهُ عنهما لسبب الرِّياسةِ والمأْكلَةِ. والعقلُ يستشكل ذلك، أفكُلُّهم اتَّفقُوا على مَحْوِ اسمهِ من الكتب المنزَّلة من ربِّهم، شرْقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا؟! هذا أمرٌ يستشكله (٣) العقلُ أعْظَمَ مِنْ نَفْيِهِمْ بألسنتهم؛ لأنَّه يمكن الرجوعُ عمَّا قالوا بألسنتهم. والرجوعُ عمَّا مَحَوا أبْعَدُ!
والجواب: أنَّ هذا السؤال مبنيٌّ على فَهْمٍ فاسد، وهو أنَّ المسلمين يعتقدون (أنَّ اسم النبيِّ ﷺ الصريحَ، وهو محمد بالعربية، مذكورٌ في التوراة والإنجيل -وهما الكتابان المتضمِّنان لشريعتين، وأنَّ المسلمين يعتقدون) (٤) أنَّ اليهود والنصارى في جميع أقطار الأرض محوا ذلك الاسمَ، وأسْقَطُوه جملةً من الكتابَيْن وتَواصَوا بذلك بُعْدًا وقُرْبًا وشرقًا وغربًا.
وهذا لم يَقُلْه عالمٌ من علماء المسلمين، ولا أخبر اللهُ -سبحانه- به في كتابه عنهم، ولا رسولُه ولا بَكَّتَهُمْ (٥) به يومًا من الدَّهر، ولا قاله أحدٌ من الصَّحابة ولا الأئمة بَعْدَهُمْ، ولا علماءُ التفسير، ولا المُعْتَنُونَ بأخبار الأُمم وتواريخِهِمْ.
стр. 167
وإنْ قُدِّرَ (١) أنِّه قاله بعض عوامِّ المسلمين؛ يقصد به نَصْرَ الرَّسول، فقد قيل: الصَّدِيْق الجاهلُ يضرُّ أكثر مما يضرُّ العدوُّ العاقل.
وإنما أُتِيَ هؤلاء من قلَّة فَهْمِ القرآن، وظنُّوا أنَّ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. = دلَّ على الاسم الخاص بالعربية في التوراة والإنجيل المخصُوصَيْن، وأنّ ذلك لم يوجد البَتَّة. فهذه ثلاث مقامات (٢):
أما المقام الأول: فالربُّ سبحانه إنما أخبر عن كَوْنِ رسولهِ مكتوبًا عندهم -أي الإخبار عنه وصفته ومخرجه ونعته- ولم يُخْبِرْ بأنَّ صريح اسمِه العربيّ مذكورٌ عندهم في التوراة والإنجيل.
وهذا واقعٌ في الكتابَيْن -كما سنذكر ألفاظهما (٣) إن شاء الله- وهذا أبْلَغُ مِنْ ذِكْره بمجرد اسمهِ، فإنَّ الاشتراك قد يقع في الاسم فلا يحصل التعريف والتمييز، ولا يشاء أحدٌ، يُسمَّى بهذا الاسم، أنْ يَدَّعي أنه هو: إلا فَعَلَ، إذِ الحوالةُ إنما وقعتْ على مجرَّد الاسم، وهذا لا يحصل به بيانٌ ولا تعريفٌ ولا هدًى، بخلاف ذِكْرِه بنعتِه وصفتِه وعلاماتِه ودعوته، وصفةِ أمَّتِه، ووقت مخرجه، ونحو ذلك، فإنَّ هذا يعيِّنُه ويُمَيِّزُه ويحصر نَوْعَه في شخصِهِ.
وهذا القدر مذكورٌ في التوراة والإنجيل وغيرهما من النبوءات التي
стр. 168
بأيدي أهل الكتاب -كما سنذكرها- ويدلُّ عليه وجوه:
(الوجه الأول): أنَّ رسول الله ﷺ كان أحرص الناس على تصديقه، واتِّباعِهِ، وإقامة الحجة على مَنْ خالفه وجَحَدَ نبوَّته، ولاسيما أهل العلم والكتاب، فإنَّ (١) الاستدلال عليهم بما يعلمون بطلانه قطعًا لا يفعله عاقل، وهو بمنزلة مَنْ يقول لرجلٍ (٢): علامةُ صِدْقي أنَّك فلانُ بن فلانٍ وصَنْعَتُك (٣) كيتَ وكيتَ، وتُعْرَفُ بِكَيْتَ وكيتَ، ولم يكن الأمر كذلك، بل بضدِّه.
فهذا لا يصدُر ممَّنْ له مُسْكَةُ عقلٍ، ولا يصدِّقه أحدٌ على ذلك، ولا يَتَّبعُه أحدٌ على ذلك، بل يَنْفِرُ العقلاء كلُّهم عن تصديقه واتِّباعِهِ. والعادةُ تُحِيْلُ سكوتَهم عن الطَّعن عليه والردِّ والتهجين لقوله.
ومن المعلوم بالضَّرورةِ: أنَّ محمدَ بنَ عبدِ الله -صلوات الله وسلامه عليه- نادى مُعْلِنًا في هاتين الأمَّتين اللَّتين هما أعلم الأمم في الأرض قبل مبعثه، بأنَّ ذِكْره ونَعْتَه وصفَته بعيِبه، عندهم في كتبهم، وهو يتلو ذلك عليهم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا في كلِّ مجمع، وفي كلِّ نادٍ، يدعوهم بذلك إلى تصديقه والإيمانِ به؛ فمنهم من يصدِّق (٤) ويؤمن به، ويخبر بما في كتبهم من نعته وصفته وذكره كما سيمر بك إن شاء الله.
وغايةُ المكذِّب الجاحدِ أنْ يقولَ: هذا النَّعْتُ والوصفُ حقٌّ، ولكن لستَ أنت المراد به بل نبيٌّ آخر!
стр. 169
وهذا غاية ما يمكنه من المكابرة، ولم تُجْدِ عليه هذه المكابرة إلا كشفه عورته وإبداءه الفضيحة بالكذب والبُهْتَان. فالصفات (١) والنعوت والعلامات المذكورة عندهم منطبقة عليه حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، بحيث لا يشكُّ من عرفها ورآه أنَّه هو، كما عرفه قَيْصَرُ وسَلْمَانُ بتلك العلامات المذكورات التي كانت عنده من بعض علمائه، وكذلك هِرَقْلُ عَرَفَ نُبوَّتَه بما وُصِفَ له من العلامات التي سألَ عنها أبا سفيان، فطابقت ما عنده، فقال: إنْ يَكُنْ ما تقولُ حقًّا فإنَّه نبيٌّ، وسيملك ما تحت قدميَّ هاتين.
وكذلك مَنْ قدَّمْنَا ذكرهم من الأحبار والرُّهبان الذين عرفوه بنعته وصفته كما يعرفون أبناءهم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقال في موضع آخر: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠].
ومعلومٌ أنَّ هذه المعرفة إنما هي بالنَّعتِ والصِّفَةِ المكتوبةِ عندهم التي هي (٢) منطبقة عليه، كما قال بعض المؤمنين منهم: والله لأَحَدُنا أعرفُ به من ابنه، إنَّ أحدنا لَيَخْرجُ من عند امرأته، وما يدري ما يحدثُ بعده. ولهذا أثنى الله سبحانه على من عَرَفَ الحقَّ منهم، ولم يستكبر عن اتِّباعه، فقال:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ
стр. 170
مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٦].
قال ابنُ عبَّاسٍ: لما حضرَ أصحابُ النبيِّ ﷺ بين يدي النَّجاشيِّ وقرأوا القرآن، سمع ذلك القِسِّيْسُونَ والرُّهبان فانحدرتْ دموعهم مما عَرَفُوا من الحق فقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الآيات (١).
وقال سعيد بن جبير: بعث النَّجاشيُّ من خيار أصحابه ثمانين رجلًا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقرأ عليهم القرآن، فَبَكَوا ورَقُّوا، وقالوا نعرفُ -والله-، فأسلموا وذهبوا إلى النَّجاشيِّ فأخْبَرُوه فأسْلمَ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ الآيات (٢).
وقال السُّدِّيُّ: كانوا اثني عَشَرَ رجلًا؛ سبعةً من القسيسين وخمسةً من الرُّهبان، فلما قرأ عليهم رسولُ الله ﷺ القرآنَ بَكَوا وقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
قال ابن عباس: هم محمدٌ وأمَّتُه، وهم القوم الصالحون الذين
стр. 171
طمعوا أن يُدْخِلَهم الله فيهم (١).
والمقصود: أنَّ هؤلاء الذين عرفوا أنه رسول الله بالنَّعت الذي عندهم، فلم يملكوا أعينَهُم من البكاء وقلوبَهُم من المبادرة إلى الإيمان.
ونظيرُ هذا: قولُه -سبحانه-: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا* (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
قال إمامُ التفسير مُجَاهِدٌ: هم قومٌ من أهل الكتاب، لما سمعوا القرآنَ خَرُّوا سُجَّدَا وقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (٢).
كان الله وعد على ألسنة أنبيائه ورسله أَنْ يبعثَ في آخر الزمان نبيًّا عظيمَ الشأن، يَظْهرُ دِيْنُه على الدِّين كلِّه، وتنتشرُ دعوتُه في أقطار الأرض، وعلى رأسِ أمته تقومُ الساعةُ. وأهْلُ الكتابَيْنِ مجمعون على أنَّ الله وَعَدَهُم بهذا النبيِّ، فالسُّعداء منهم عرفوا الحقَّ فآمنوا به واتَّبعوه، والأشقياء قالوا: نحن ننتظره ولم يبعث بعد (رسولًا، فالسُّعداء) (٣) لَمَّا سمعوا القرآنَ من الرسولِ عَرَفُوا أنَّه النبي الموعودُ به، فخرُّوا سُجَّدًا لله، إِيمانًا به وبرسوله، وتصديقًا بوعده الذي أنجزه، فرأوه عِيَانًا فقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.
وذكر يونُسُ بنُ بُكَيْر، عن سَلَمَةَ بن عبد يَسُوع، عن أبيه، عن جدِّه
стр. 172
-قال يونس: وكان نصرانيًّا فأسْلَمَ- أنَّ رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نَجْرَانَ: "بسم إله إِبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، من محمَّدٍ النبيِّ رسولِ الله إلى أُسقفِّ نَجْرَانَ وأهلِ نجرانَ؛ سِلْمٌ أنتم، إنِّي أحمدُ إليكم إله إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ.
أما بعد: فإني أدعوكم إلى عِبَادةِ اللهِ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ، وأدْعُوكم إلى ولايةِ الله من ولايةِ العباد، فإنْ أَبَيْتُمْ فالجزيةُ، فإن أبيتم فقد آذَنْتُكُمْ بحربٍ من الله (١)، والسلام".
فلما أتى الأُسْقُفَّ الكتابُ فقرأه فَظِعَ به (٢)، وذعره ذُعْرًا شديدًا، فبعث إلى رجلٍ من أهل عُمَان (٣) يقال له: شُرَحْبِيْلُ بنُ وَدَاعَة، وكان من همدان، ولم يكن أحدٌ يُدعَى إلى مُغضِلَةٍ قَبْلَه؛ فدفع الأسقفُّ كتابَ رسولِ الله ﷺ إلى شُرَحْبيْل فقرأه، فقال الأسقفُّ: ما رأيك يا أبا مريم، فقال شُرَحْبيْل (٤): قد عَلمتَ ما وعد الله إبراهيمَ في ذريَّة إسماعيل من النبوَّة، فماَ نأمن من أن يكون هذا هو ذاك الرَّجل، ليس لي في النبوة رأيٌ، لو كان أمرًا من الدنيا أشرتُ عليك فيه برأي، وجهدت لك. فقال الأسْقُف: تنحَّ فَاجْلِسْ، فتنحَّى فجلسَ ناحيةً.
فبعث الأسقف إلى رجلٍ من أهل نجران، يقال له: (عبد الله بنُ شُرَحْبِيل، وهو من ذي أَصْبَح من حِمْيَر، فأقرأه الكتابَ وسأله الرأيَ فيه، فقالَ لَه مِثْلَ قولِ شُرَحْبيل، فأمره الأُسقف فتنحَّى.
стр. 173
ثم بعث إلى رجلٍ من أهل نجرانَ) (١)، يقال له: جبار بن فيض، من بني الحارث بن كعب، فأقرأه الكتابَ وسأله عن الرأي فيه، فقال له مِثْلَ قولِ شرحبيل وعبدِ الله، فأمره الأُسقف فتنحَّى ناحيةً.
فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعًا أمر الأُسقفُّ بالنَّاقوس فَضُرِب به، ورُفِعَتِ المسُوحُ (٢) بالصَّوامع -وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلًا ضرب بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع- فاجتمع أهل الوادي، أعلاه وأسفله وطوله مسيرةَ يومٍ للراكب السريع، وفيه ثلاثة وسبعون قريةً، وعشرون ومائة ألف مقاتل؛ فقرأ عليهم كتاب رسولِ الله ﷺ ، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأيُ أهلِ الرّأي منهم على أنْ يبعثوا شُرَحْبِيْلَ بن وداعةَ الهَمْدَانيّ، وعبدَ الله بنَ شرحبيل، وجبارَ بنَ فيضٍ، فيأتونه بخبرِ رسولِ الله ﷺ .
فانطلق الوفد حتى إذا كانوا (٣) بالمدينة وضعوا ثياب السَّفر عنهم، ولبسوا حُلَلًا لهم يجرُّونها، مِنْ حِبَرَةٍ، وخواتيمَ الذهبِ، ثم انطلقوا حتى أتَوا رسول الله ﷺ ، فسلَّموا عليه، فلم يردَّ عليهم¬ السلام، وتصدَّوا لكلامه نهارًا طويلًا فلم يكلِّمهم وعليهم تلك الحُلَلُ والخواتيمُ الذهبُ فانطلقوا يبتغون عثمانَ بن عفَّان، وعبدَ الرَّحمنِ بن عوف، وكانا معرفةً لهم، كانا يبعثان العِيْرَ إلى نَجْرَانَ في الجاهليَّة فيشترى لهما من بُرِّها وتمرِها، فوجدوهما في ناسٍ من المهاجرين والأنصار في مجلسٍ، فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن، إنَّ نبيَّكم كتب إلينا بكتابٍ فأقْبَلْنا
стр. 174
مجيبينَ له، فأتيناه فسلَّمنا عليه فلم يردَّ سلامَنَا، فتصدَّيْنَا لكلامه نهارًا طويلًا، فأعيانا أن يكلِّمنا، فما الرأيُ منكما: أنعودُ، أم نَرْجعُ إليه؟ فقالا لعليِّ بنِ أبي طالبٍ، وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحَسَنِ في هؤلاء القوم؟ فقال عليٌّ لعثمان وعبد الرحمن: أرى أنْ يضعوا حُلَلَهم هذه وخواتِيْمَهم، ويلبسوا ثيابَ سَفَرِهم، ثم يعودون إليه.
ففعل وفد نجرانَ ذلك، ووضعوا حُلَلَهم وخواتيمَهم، ثم عادوا إلى رسول الله ﷺ فسلَّموا عليه فردَّ عليهم سلامهم، ثم قال: "والذي بعثني بالحقِّ لقد أتَوْني المرةَ (١) الأولى وإنَّ إبليس لَمَعَهُمْ". ثم سألهم وسألوه، فلمِ تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقولُ في عيسى، فإنَّا نحبُّ أن نَعْلَمَ ما تقول فيه؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦١]. فأبوا أن يُقِرُّوا بذلك.
فلما أصبحَ رسول الله ﷺ الغد، بعد ما أخبرَهم الخبرَ، أقبل مشتملًا على الحَسَنِ والحُسَيْن في خميلةٍ له، وفاطمةُ تمشي عند ظهره، إلى الملاعَنَةِ، وله يومئذ عِدَّة نسوةٍ، فقال شُرَحْبِيْل لصاحبه: يا عبد الله بن شرجبيل ويا جبار بن فيض، لقد علمتما أنًّ الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يَرِدُوا ولم يَصْدُرُوا إلا عن رأيى، وإنّي -والله- أرى أمرًا مُقْبِلًا، والله لئن كان هذا الرجل ملِكًا مبعوثًا فكنا أولَ العرب طعن في
стр. 175
عينه وردَّ عليه أمرَه: لا يذهبُ لنا من صدره ولا من صدور قومه حتى يصيبنا (١) بجائحةٍ، وإنَّا لأدْنَى العرب منهم جوارًا، ولئن كان هذا الرجل نبيًّا مرسلًا فَلَاعَنَّاهُ = لا يبقى على وجه الأرض منَّا شعرةٌ ولا ظُفُر إلا هلَكَ.
فقال له صاحباه: فما الرأيُ يا أبا مريم؟ فقد وَضَعَتْكَ الأمور على ذراِع فهاتِ رأيك. فقال: رأي أنْ أُحَكِّمَهُ، فإِنّي أرى الرَّجلَ لا يحكم شَططا أبدًا، فقالا له: أنت وذاك، فَلَقِيَ شرحبيلُ رسولَ الله ﷺ ، فقال: إنِّي قد رأيتُ خيرًا من مُلاعَنَتِكَ. فقال (٢): "ما هو"؟ قال شرحبيل: حَكَّمْتُك اليومَ إلى الليل، وليلتك إلى الصباح؛ فمهما حَكَمْتَ فينا فهو جائز، فقال رسول الله ﷺ : "لعلَّ وراءك أحدًا يُثَرِّبُ عليك"؟ فقال له شرحبيل: سَلْ صَاحِبَيَّ فسألهما، فقالا: ما نَرِدُ الموارد، ولا نَصْدُرُ المصادِرَ إلا عن رأي شُرَحْبِيْل.
فرجعَ رسولُ الله ﷺ ولم يُلَاعِنْهم، حتى إذا كان الغد أتَوْه، (فكتب لهم كتابَ صلحٍ ومُوَادَعَةٍ، فقبضوا كتابهم وانصرفُوا) (٣) إلى نجرانَ، فتلقَّاهم الأُسْقُفُّ ووجوه نجران على مسيرةِ ليلةٍ من نجران (٤)، ومع الأُسقف أخٌ له من أمه وهو ابن عمه من النسب، يقال له: أبو علقمة، فدفع الوَفْدُ كتابَ رسولِ الله ﷺ إلى الأُسقف، فبينا هو يقرؤه وأبو علقمة معه وهما يسيران، إذْ كَبَتْ بأبي علقمةَ ناقَتُه، فَتَعَّسَ، غير أنَّه لا يَكْنِي عن
стр. 176
رسول الله ﷺ ، فقال له الأُسقفُّ عند ذلك: قد -واللهِ- تَعَّسْتَ نبيًّا مُرْسَلًا، فقال له أبو علقمة: لا جَرَمَ -والله- لا أحُلُّ عنها عَقْدًا حتى آتِيَهُ، فضرب وجه ناقته نحو المدينة وثنَى الأسقفُ ناقته عليه، فقال له: افهف عنِّي، إنما قلتُ هذا (مخافةَ أن يبلغِ) (١) عني العربَ أنَّا (٢) أُخِذْنَا حُمْقةً أو نَخَعْنا لهذا الرَّجل بما لم تنخعْ به العربُ، ونحن أعزُّهم وأجمعهم دارًا، فقال له أبو علقمة: والله لا أُقيلك ما خرج (٣) من رأسك أبدًا، ثم ضرب ناقته يقول:
إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِيْنُهَا … مُعْتَرِضًا في بَطْنِهَا جَنِيْنُهَا
مُخَالِفًا دِيْنَ النَّصارَى دِيْنُهَا
حتى أتى النبيَّ ﷺ فلم يزل معه حتى اسْتُشْهِدَ بعد ذلك (٤).
وإذا عُرِفَ هذا؛ ف العلم (٥) بأنَّه ﷺ مذكورٌ في الكتب المتقدِّمة، يُعْرَفُ من وجوهٍ متعدِّدَةٍ:
(أحدها): إِخبارُ مَنْ قد ثبتت نبوَتُه قطعًا بأنَّه مذكورٌ عندهم في كتبهم؛ فقد أخبر به مَنْ قام الدليلُ القطعيُّ على صِدْقِه، فيجب تصديقُه فيه؛ إذْ تكذيبه -والحالة هذه- ممتنعٌ لذاته. هذا لو لم يُعْلَمْ ذلك إلا من
стр. 177
مُجَرَّدِ خَبَرِهِ، فكيف إذا تطابقت الأدلة على صحة ما أخبر به؟
(الوجه الثاني): أنِّه جعل الإخبارَ به مِنْ أعظم أدلَّ صِدْقِه وصِحَّةِ نبوَّته. وهذا يستحيلُ أن يَصْدُرَ إلا مِنْ واثقٍ كلَّ الوثوق بذلك، وأنِّه على يقينٍ جازمٍ به.
(الثالث): أنَّ المؤمنين به من الأحبار والرُّهْبَانِ الذين آثَرُوا الحقَّ على الباطل صدَّقوه في ذلك وشَهِدُوا له بما قالَ.
(الرابع): أنَّ المكذِّبين والجَاحِدِيْنَ لنبوَّته، لم يُمْكِنْهُم إنكارُ البِشَارةِ والإخبار بنبوَّة نبيٍّ عظيمِ الشَّأنِ، صفتُه كذا وكذا، وصفةُ أمَّتِهِ ومخرجه وشأنه، لكن جحدوا أنْ يكونَ هو الذي وقعتْ به البشارةُ وأنه نبيٌّ آخر غيره، وعَلِمُوا -هم والمؤمنون به من قومهم- أنَّهم ركبوا مَتْنَ المكابَرَةِ وامْتَطَوا غَارِبَ البَهْتِ.
(الخامس): أنَّ كثيرًا منهم صرَّح لخاصَّتِهِ وبِطَانَتِه بأنِّه هُوَ هُوَ بعيِنهِ، وأنَّه عازمٌ على عَدَاوَته ما بَقِيَ -كما تقدم-.
(السادس): أنَّ إخْبارَ النبيّ ﷺ بأنَّه مذكورٌ في كتبهم، هو فَرْدٌ من أفراد إخباراته بما عِنْدَهُم في كتبهم من شأن أنبيائهم وقومهم، وما جرى لهم، وقَصَصِ الأنبياء المتقدِّمين وأُممهم، وشأنِ المبدأ والمعاد، وغيرِ ذلك مما أخبرتْ به الأنبياءُ.
وكل ذلك مما يعلمونَ صِدْقَه فيه ومُطابَقَتَهُ لِمَا عندهم، وتلك الإخباراتُ أكثر من أن تُحْصَى، ولم يكذِّبوه يومًا واحدًا في شيء منها، وكانوا أحْرَصَ شيءٍ على أن يظفروا منه بكَذْبةٍ واحدةٍ، أو غلطةٍ، أو سهوٍ، فينادون بها عليه، ويجدونَ بها السبيلَ إلى تنفيرِ النَّاس عنه. فلم
стр. 178
يقلْ أحدٌ منهم يومًا من الدهر: إنه أخبر بكذا وكذا في كتبنا وهو كاذبٌ فيه، بل كانوا يصدِّقونه في ذلك، وهم مصرُّون على عدم اتِّباعِهِ. وهذا من أعظمِ الأدلَّةِ على صدقه فيما أخبرَ بهِ لو لم يعلم إلا بمجرَّدِ خبرِهِ.
(السابع): أنِّه أخبر بهذا لأعدائه من المشركين الذين لا كتاب عندهم، وأخبر به لأعدائه من أهل الكتاب، وأخبر به لأتْبَاعِه؛ فلو كان هذا باطلًا لا صِحَّةَ له = لكانَ ذلك تسليطًا للمشركين أنْ يسألوا أهلَ الكتاب فيُنْكِرُونَ ذلك، وتسليطًا لأهل الكتابِ على الإنكار، وتسليطًا لأتْبَاعهِ على الرُّجوع عنه والتكذيبِ له بعد تصديقِه. وذلك ينقض الغَرَضَ المقصودَ بإخباره من كلِّ وجهٍ، وهو بمنزلة رجلٍ يُخْبِر بما يَشْهَدُ بكَذِبهِ ويجعلُ إخبارَه دليلًا على صِدْقه، وهذا لا يصدر من عاقلٍ ولا مجنون.
فهذه الوجوه يُعْلَمُ بها صدق ما أخبر به وإن لم يعلم وجوده من غير جهة أخباره، فكيف وقد عُلِمَ وجود ما أخبر به؟!
(الثامن): أنَّه لو قُدِّر أنهم لم يَعْلَمُوا بشارةَ الأنبياءِ به وإخْبَارَهُمْ بنعتِهِ وصفَتِهِ = لم يلزم أنْ لا يكونوا ذَكَرُوه وأخْبَرُوا به وبشَّروا بنبوته؛ إذْ ليس كلُّ ما قاله الأنبياءُ المتقدِّمونَ وَصَلَ إلى المتأخرين وأحاطُوا (١) به عِلْمًا. وهذا مما يُعْلَمُ بالاضْطِرارِ، فكم من قولٍ قد قاله موسى وعيسى، ولا عِلْمَ لليهود (٢) والنَّصارى به، فإذا أخْبَرَ به مَنْ قام الدليلُ القطعيُّ على صدقه، لم يكن جهلُهم به مُوجِبًا لردِّه وتكذيبِهِ.
стр. 179
(التاسع): أنَّه يمكن أن يكون (١) في نُسَخٍ غيرِ هذه النُّسَخِ التي بأيديهم فأزُيْلَ من بعضها، ونُسِخَتْ هذه مِمَّا أُزِيْلَ منه.
وقولهم: "إنَّ نسخ التوراة متفقة في شرق الأرض وغربها" = كَذِبٌ ظاهرٌ؛ فهذه التوراة التي بأيدي النَّصارى تُخالِفُ التوراةَ التي بأيدي اليهود، والتي بأيدي السامرةِ تُخالِفُ هذه وهذه. وهذه نُسَخُ الإنجيلِ يخالفُ بعضُها بعضًا ويناقِضُه.
فدعواهم: أنَّ نُسَخَ التوراةِ والإنجيلِ متَّفِقَةٌ شرقًا وغربًا = من البَهْتِ والكَذِب الذي يروِّجونه على أشباه الأنْعَامِ، حتى إن هذه التوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والتَّحريف والنُّقصان ما لا يخفى على الرَّاسخين في العِلْم، وهم يعلمون قطعًا أنَّ ذلك ليس في التوراةِ التي أنزلَها اللهُ على موسى، ولا في الإنجيل الذي أنزَلَهُ على المسيح.
وكيف يكون في الإنجيل -الذي أُنزل على المسيح- قِصَّةُ صَلْبِه، وما جرى له، وأنه أصابه كذا وكذا، وصُلِبَ يومَ كذا وكذا، وأنه قام من القبر بعد ثلاث، وغير ذلك ممَّا هو من كلام شيوخ النَّصارى، وغايته أن يكونَ من كلام الحَوَاريِّيْنَ خلطوه بالإنجيل، وسَمَّوا الجميعَ إنجيلًا؟.
وكذلك (٢) كانت الأناجيلُ -عندهم- أربعةً، يخالف بعضها بعضًا.
ومِنْ بَهْتِهِم وكَذِبِهمْ قولُهم: إنَّ التوراة التي بأيديهم وأيدي اليهود والسامرة سواءٌ.
стр. 180
والنصارى لا يُقِرُّون أنَّ الإنجيل مُنَزَّل من عند الله على المسيح، وأنَّه كلام الله، بل كلُّ فِرَقِهِمْ مجمعون (على أنَّ أربعة تواريخ ألَّفَها أربعةُ رجالِ معروفون) (١) في أزمانٍ مختلفةٍ، ولا يعرفون الإنجيلَ غير هذا.
إنجيلٌ ألَّفهُ مَتَّى تلميذ المسيح، بعد تسع سنين من رفع المسيح، وكُتِبَ بالعبرانيَّةِ في بلد "يهوذا" بالشام.
وإنجيل ألَّفهُ مَرْقُس الهارُونِيُّ، تلميذ شَمْعُون، بعد ثلاثٍ وعشرين سنة من رفع المسيح، وكَتبَهُ باليونانيَّة في بلاد أنطاكِيَة من بلاد الرُّوم، ويقولون: إن شمعون المذكور هو ألَّفه ثم مُحِيَ اسمُه من أوله، ونُسِبَ إلى تلميذه مَرْقُس.
وإنجيلٌ ألَّفَهُ لُوْقَا الطبيب الأنطاكيُّ، تلميذ شمعون، بعد تأليف مَرْقُس.
وإنجيل ألَّفَهُ يُوحَنّا (٢) تلميذ المسيح، بعد ما رُفِعَ المسيح ببضعٍ وستين سنة، كتبه باليُونَانِيَّة.
وكلُّ واحدِ من هذه الأربعة يسمُّونه: الإنجيل، وبينها من التَّفاوُتِ والزيادة والنقصانِ ما يعلَمُه الواقفُ عليها.
وبين توراةِ السَّامِرَةِ واليهود والنَّصارى من ذلك ما يعلمه من وَقَفَ عليها.
فدعوى الكاذبِ الباهتِ: أنَّ نُسَخَ التوراة والإنجيل متفقةٌ شرقًا