← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 5705

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (517 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

رسول الله ﷺ ، فقال له الأُسقفُّ عند ذلك: قد -واللهِ- تَعَّسْتَ نبيًّا مُرْسَلًا، فقال له أبو علقمة: لا جَرَمَ -والله- لا أحُلُّ عنها عَقْدًا حتى آتِيَهُ، فضرب وجه ناقته نحو المدينة وثنَى الأسقفُ ناقته عليه، فقال له: افهف عنِّي، إنما قلتُ هذا (مخافةَ أن يبلغِ) (١) عني العربَ أنَّا (٢) أُخِذْنَا حُمْقةً أو نَخَعْنا لهذا الرَّجل بما لم تنخعْ به العربُ، ونحن أعزُّهم وأجمعهم دارًا، فقال له أبو علقمة: والله لا أُقيلك ما خرج (٣) من رأسك أبدًا، ثم ضرب ناقته يقول: إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِيْنُهَا … مُعْتَرِضًا في بَطْنِهَا جَنِيْنُهَا مُخَالِفًا دِيْنَ النَّصارَى دِيْنُهَا حتى أتى النبيَّ ﷺ فلم يزل معه حتى اسْتُشْهِدَ بعد ذلك (٤). وإذا عُرِفَ هذا؛ ف العلم (٥) بأنَّه ﷺ مذكورٌ في الكتب المتقدِّمة، يُعْرَفُ من وجوهٍ متعدِّدَةٍ: (أحدها): إِخبارُ مَنْ قد ثبتت نبوَتُه قطعًا بأنَّه مذكورٌ عندهم في كتبهم؛ فقد أخبر به مَنْ قام الدليلُ القطعيُّ على صِدْقِه، فيجب تصديقُه فيه؛ إذْ تكذيبه -والحالة هذه- ممتنعٌ لذاته. هذا لو لم يُعْلَمْ ذلك إلا من

стр. 177

مُجَرَّدِ خَبَرِهِ، فكيف إذا تطابقت الأدلة على صحة ما أخبر به؟ (الوجه الثاني): أنِّه جعل الإخبارَ به مِنْ أعظم أدلَّ صِدْقِه وصِحَّةِ نبوَّته. وهذا يستحيلُ أن يَصْدُرَ إلا مِنْ واثقٍ كلَّ الوثوق بذلك، وأنِّه على يقينٍ جازمٍ به. (الثالث): أنَّ المؤمنين به من الأحبار والرُّهْبَانِ الذين آثَرُوا الحقَّ على الباطل صدَّقوه في ذلك وشَهِدُوا له بما قالَ. (الرابع): أنَّ المكذِّبين والجَاحِدِيْنَ لنبوَّته، لم يُمْكِنْهُم إنكارُ البِشَارةِ والإخبار بنبوَّة نبيٍّ عظيمِ الشَّأنِ، صفتُه كذا وكذا، وصفةُ أمَّتِهِ ومخرجه وشأنه، لكن جحدوا أنْ يكونَ هو الذي وقعتْ به البشارةُ وأنه نبيٌّ آخر غيره، وعَلِمُوا -هم والمؤمنون به من قومهم- أنَّهم ركبوا مَتْنَ المكابَرَةِ وامْتَطَوا غَارِبَ البَهْتِ. (الخامس): أنَّ كثيرًا منهم صرَّح لخاصَّتِهِ وبِطَانَتِه بأنِّه هُوَ هُوَ بعيِنهِ، وأنَّه عازمٌ على عَدَاوَته ما بَقِيَ -كما تقدم-. (السادس): أنَّ إخْبارَ النبيّ ﷺ بأنَّه مذكورٌ في كتبهم، هو فَرْدٌ من أفراد إخباراته بما عِنْدَهُم في كتبهم من شأن أنبيائهم وقومهم، وما جرى لهم، وقَصَصِ الأنبياء المتقدِّمين وأُممهم، وشأنِ المبدأ والمعاد، وغيرِ ذلك مما أخبرتْ به الأنبياءُ. وكل ذلك مما يعلمونَ صِدْقَه فيه ومُطابَقَتَهُ لِمَا عندهم، وتلك الإخباراتُ أكثر من أن تُحْصَى، ولم يكذِّبوه يومًا واحدًا في شيء منها، وكانوا أحْرَصَ شيءٍ على أن يظفروا منه بكَذْبةٍ واحدةٍ، أو غلطةٍ، أو سهوٍ، فينادون بها عليه، ويجدونَ بها السبيلَ إلى تنفيرِ النَّاس عنه. فلم

стр. 178

يقلْ أحدٌ منهم يومًا من الدهر: إنه أخبر بكذا وكذا في كتبنا وهو كاذبٌ فيه، بل كانوا يصدِّقونه في ذلك، وهم مصرُّون على عدم اتِّباعِهِ. وهذا من أعظمِ الأدلَّةِ على صدقه فيما أخبرَ بهِ لو لم يعلم إلا بمجرَّدِ خبرِهِ. (السابع): أنِّه أخبر بهذا لأعدائه من المشركين الذين لا كتاب عندهم، وأخبر به لأعدائه من أهل الكتاب، وأخبر به لأتْبَاعِه؛ فلو كان هذا باطلًا لا صِحَّةَ له = لكانَ ذلك تسليطًا للمشركين أنْ يسألوا أهلَ الكتاب فيُنْكِرُونَ ذلك، وتسليطًا لأهل الكتابِ على الإنكار، وتسليطًا لأتْبَاعهِ على الرُّجوع عنه والتكذيبِ له بعد تصديقِه. وذلك ينقض الغَرَضَ المقصودَ بإخباره من كلِّ وجهٍ، وهو بمنزلة رجلٍ يُخْبِر بما يَشْهَدُ بكَذِبهِ ويجعلُ إخبارَه دليلًا على صِدْقه، وهذا لا يصدر من عاقلٍ ولا مجنون. فهذه الوجوه يُعْلَمُ بها صدق ما أخبر به وإن لم يعلم وجوده من غير جهة أخباره، فكيف وقد عُلِمَ وجود ما أخبر به؟! (الثامن): أنَّه لو قُدِّر أنهم لم يَعْلَمُوا بشارةَ الأنبياءِ به وإخْبَارَهُمْ بنعتِهِ وصفَتِهِ = لم يلزم أنْ لا يكونوا ذَكَرُوه وأخْبَرُوا به وبشَّروا بنبوته؛ إذْ ليس كلُّ ما قاله الأنبياءُ المتقدِّمونَ وَصَلَ إلى المتأخرين وأحاطُوا (١) به عِلْمًا. وهذا مما يُعْلَمُ بالاضْطِرارِ، فكم من قولٍ قد قاله موسى وعيسى، ولا عِلْمَ لليهود (٢) والنَّصارى به، فإذا أخْبَرَ به مَنْ قام الدليلُ القطعيُّ على صدقه، لم يكن جهلُهم به مُوجِبًا لردِّه وتكذيبِهِ.

стр. 179

(التاسع): أنَّه يمكن أن يكون (١) في نُسَخٍ غيرِ هذه النُّسَخِ التي بأيديهم فأزُيْلَ من بعضها، ونُسِخَتْ هذه مِمَّا أُزِيْلَ منه. وقولهم: "إنَّ نسخ التوراة متفقة في شرق الأرض وغربها" = كَذِبٌ ظاهرٌ؛ فهذه التوراة التي بأيدي النَّصارى تُخالِفُ التوراةَ التي بأيدي اليهود، والتي بأيدي السامرةِ تُخالِفُ هذه وهذه. وهذه نُسَخُ الإنجيلِ يخالفُ بعضُها بعضًا ويناقِضُه. فدعواهم: أنَّ نُسَخَ التوراةِ والإنجيلِ متَّفِقَةٌ شرقًا وغربًا = من البَهْتِ والكَذِب الذي يروِّجونه على أشباه الأنْعَامِ، حتى إن هذه التوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والتَّحريف والنُّقصان ما لا يخفى على الرَّاسخين في العِلْم، وهم يعلمون قطعًا أنَّ ذلك ليس في التوراةِ التي أنزلَها اللهُ على موسى، ولا في الإنجيل الذي أنزَلَهُ على المسيح. وكيف يكون في الإنجيل -الذي أُنزل على المسيح- قِصَّةُ صَلْبِه، وما جرى له، وأنه أصابه كذا وكذا، وصُلِبَ يومَ كذا وكذا، وأنه قام من القبر بعد ثلاث، وغير ذلك ممَّا هو من كلام شيوخ النَّصارى، وغايته أن يكونَ من كلام الحَوَاريِّيْنَ خلطوه بالإنجيل، وسَمَّوا الجميعَ إنجيلًا؟. وكذلك (٢) كانت الأناجيلُ -عندهم- أربعةً، يخالف بعضها بعضًا. ومِنْ بَهْتِهِم وكَذِبِهمْ قولُهم: إنَّ التوراة التي بأيديهم وأيدي اليهود والسامرة سواءٌ.

стр. 180

والنصارى لا يُقِرُّون أنَّ الإنجيل مُنَزَّل من عند الله على المسيح، وأنَّه كلام الله، بل كلُّ فِرَقِهِمْ مجمعون (على أنَّ أربعة تواريخ ألَّفَها أربعةُ رجالِ معروفون) (١) في أزمانٍ مختلفةٍ، ولا يعرفون الإنجيلَ غير هذا. إنجيلٌ ألَّفهُ مَتَّى تلميذ المسيح، بعد تسع سنين من رفع المسيح، وكُتِبَ بالعبرانيَّةِ في بلد "يهوذا" بالشام. وإنجيل ألَّفهُ مَرْقُس الهارُونِيُّ، تلميذ شَمْعُون، بعد ثلاثٍ وعشرين سنة من رفع المسيح، وكَتبَهُ باليونانيَّة في بلاد أنطاكِيَة من بلاد الرُّوم، ويقولون: إن شمعون المذكور هو ألَّفه ثم مُحِيَ اسمُه من أوله، ونُسِبَ إلى تلميذه مَرْقُس. وإنجيلٌ ألَّفَهُ لُوْقَا الطبيب الأنطاكيُّ، تلميذ شمعون، بعد تأليف مَرْقُس. وإنجيل ألَّفَهُ يُوحَنّا (٢) تلميذ المسيح، بعد ما رُفِعَ المسيح ببضعٍ وستين سنة، كتبه باليُونَانِيَّة. وكلُّ واحدِ من هذه الأربعة يسمُّونه: الإنجيل، وبينها من التَّفاوُتِ والزيادة والنقصانِ ما يعلَمُه الواقفُ عليها. وبين توراةِ السَّامِرَةِ واليهود والنَّصارى من ذلك ما يعلمه من وَقَفَ عليها. فدعوى الكاذبِ الباهتِ: أنَّ نُسَخَ التوراة والإنجيل متفقةٌ شرقًا

стр. 181

وغربًا بُعْدًا وقُرْبًا = مِنْ أعْظَمِ الفِرْيَةِ والكذب. وقد ذكر غيرُ واحدٍ من علماء الإسلام ما بينها من التفاوت والزيادة والنقصان والتناقض لمن أراد الوقوف عليه (١) ولولا الإطالةُ وقَصْدُ ما هو أهمُّ منه، لذكَرْنَا منه طَرَفًا كبيرًا. وقد وبَّخَهُم اللهُ -سبحانه- وبَكَّتَهم، على لسان رسوله، بالتحريفِ والكتمان والإخفاء، فقال -تعالى-: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤]. وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. وأمَّا التَّحْريْفُ: فقد أخبر -سبحانه- عنهم في مواضِعَ متعدِّدة،

стр. 182

وكذلك لَيُّ اللِّسانِ بالكتاب ليَحْسبَهُ السَّامع منه وما هو منه. فهذه خمسة أمور: "أحدها": لَبْسُ الحقِّ بالباطل، وهو خَلْطُه به بحيث لا يتميَّزُ الحقُّ من الباطل. "الثاني": كِتْمَانُ الحقِّ. "الثالث": إخفاؤه. وهو قريبٌ من كِتْمَانِهِ. "الرَّابع": تحريفُ الكَلِمِ عن مواضعه. وهو نوعان: تحريفُ لفظِهِ، وتحريفُ مَعْنَاهُ. "الخامس": لَيُّ اللِّسان به، ليلبَّس على السَّامع اللفظ المُنَزَّل بغيره. وهذه الأمور إنما ارتكبوها لأغراضِ لهم دعتهم إلى ذلك، فإذا عَادَوا الرسولَ وجحدوا نبوَّته وكذَّبوه (١) وقاتَلُوه؛ فهم إلى أن يجحدوا نَعْتَهُ وصِفَتَهُ ويكتمُوا ذلك ويزيلوه (٢) عن مواضعه ويتأوَّلوه على غير تأويله = أقْرَبُ بكثير. وهكذا فعلوا، ولكنْ لكثرةِ البشارات وتنوُّعها غابوا (٣) عن كتمانها وإخفائها فصاروا إلى "تحريف التأويل"، وإزالة معناها عمَّن لا تصلُح لغيره، وجعلها لمعدومٍ لم يخلقه الله، ولا وجودَ له البَتَّةَ. (العاشر): أنَّه استشهد على صحة نبوَّتِه بعلماء أهل الكتاب، وقد

стр. 183

شهد له عُدُولُهُمْ، فلا يقدح جَحْدُ الكَفَرةِ الكاذبينَ المعاندينَ بعد ذلك. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤]. وإذا شَهِدَ واحدٌ من هؤلاء لم يوزن به مِلْءُ الأرض من الكَفَرَةِ، ولا تُعَارَضُ شهادتُهُ بجحود مِلْءِ الأرض من الكُفَّار، كيف والشاهد له من علماء أهل الكتاب أضعافُ أضعاف المكذِّبينَ له منهم؟!! وليس كلُّ مَنْ قال من أشباه (١) الحمير -مِنْ عُبَّاد الصليب- وأمة

стр. 184

الغضب: إنه من علمائهم = فهو كذلك. وإذا كان أكثر من يَظُنُّ عوام المسلمين أنه من علمائهم ليس كذلك، فما الظنُّ بغيرهم؟! وعلماءُ أهلِ الكتاب، إنْ لم يدخل فيهم مَنْ لم يعملْ بعِلْمه، فليس علماؤهم إلا من آمن به وصدَّقه، وإن دخل فيهم مَنْ عَلِمَ ولم يعمل (١) -كعلماء السوء- لم يكن إنكارُهم لنبوَّتِهِ قادحًا في شهادة العلماء العاملين بعلمهم. (الحادي عشر): أنِّه لو قُدِّرَ أنِّه لا ذِكْرَ لرسولِ الله ﷺ بنَعْتِه ولا صفته ولا علامته (٢) في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب اليوم: لمَ يلزَمْ من ذلك أنْ لا يكونَ مذكورًا في الكتب التي كانت بأيدي أسلافهم وَقْتَ مبعثه، ولا تكون اتَّصلتْ على وجهها إلى هؤلاء، بل حرَّفَها أولئك، وبدَّلُوا وكَتَمُوا، وتواصَوا وكَتَبُوا ما أَرادُوا، وقالوا: هذا من عند الله. ثم اشتهرت تلك الكتب وتناقلها خَلَفُهمْ عن سَلَفِهِمْ،، فصارت المُغَيَّرةُ المبدَّلة هي المشهورة، والصحيحةُ بينهم خفيَّةً جدًّا، ولا سبيل إلى العلم باستحالة ذلك، بل هو في غاية الإمكان؛ فهؤلاء السَّامرة غَيَّروا مواضع من التوراة! ثم اشتهرت النُّسَخُ المغيَّرة عند جميعهم، فلا يعرفون سواها، وهُجرَتْ بينهم النُّسَخُ الصحيحة بالكلية، وكذلك التوراة التي بأيدي النَّصارَى. وهكذا تُبَدَّلُ الأديان والكتب، ولولا أنَّ الله سبحانه تولَّى حِفْظَ

стр. 185

القرآن بنفسه وضمن للأمة أنْ لا تجتمع (١) على ضلالة = لأصابه ما أصابَ الكتبَ قَبْلَهُ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. (الثاني عشر): أنه من الممتنع أن تخلوَ الكتبُ المتقدِّمةُ عن الإخبار بهذا الأمر العظيم الذي لم يَطْرُقِ العالَمَ، من حين خلق إلى قيام الساعة، أمرٌ أعظم منه، ولا شأنٌ أكبر منه، (فإنَّ العلم به طبَّقَ) (٢) مشارق الأرض ومغاربها، واستمرَّ (على تعاقب) (٣) القرون وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومثل هذا النبأ العظيم لابُدَّ أن تتطابق الرُّسل على الإخبار به. وإذا كان الدجَّال -رجل كاذب يخرج في آخر الزمان، وبقاؤه في الأرض أربعين يومًا- قد تطابقت الرسل على الإخبار به، وأنذر به كلُّ نبيٍّ قومَه من نوح إلى خَاتَمِ الرُّسل (٤)، فكيف تتطابق (٥) الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها على السكوت عن الإخبار بهذا الأمر العظيم الذي لم يطرق العالَمَ أمرٌ أعظم منه ولا يطرقه أبدًا؟. هذا ما لا يسوَّغه عَقْلُ عاقلٍ، وتأباه حِكْمةُ أحكم الحاكمين، بل الأمر بضدِّ ذلك، وما بعث الله -سبحانه- نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق بالإيمان بمحمَّدٍ وتصديقِهِ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ

стр. 186

جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. قال ابن عباس: ما بعث الله من نبيٍّ إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعِثَ محمد وهو حيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ به، ولَيَنْصُرنَّه، وأمرَهُ أن يأخذ الميثاق على أمته؛ لئن بُعِثَ محمدٌ وهم أحياء لَيُؤْمِنُنَّ به وَلَيُتَابِعُنَّه (١). فصل فهذه الوجوه على تقدير عدم العلم بوجود نعته وصفته والخبر عنه في الكتب المتقدمة. ونحن نذكر بعضَ ما وَرَدَ فيها من البشارة به ونعته وصفته وصفة أمته، وذلك يظهر من وجوه: (الوجه الأول): قولُه تعالى في التوراة: "سأُقيم لبني إسرائيلَ نبيًّا من إخوتهم مِثْلَكَ أجعلُ كلامي في فِيْه، ويقول لهم ما آمره به. والذي لا يقبل قَولَ ذلك النبيِّ الذي يتكلم باسمي. أنا أنتقم منه ومن سِبْطِهِ" (٢). فهذا النصُّ ممَّا لا يمكن أحدًا منهم جحدُه وإنكارُه، ولكن لأهل الكتاب فيه أربعة طرق: "أحدها": حَمْلُه على المسيح، وهذه طريقة النصارى. وأمَّا اليهود فلهم فيه ثلاثة (٣) طرق:

стр. 187

"أحدها": أنه على حذف أداة الاستفهام. والتقدير: أَأُقِيم لبني إسراِئيل نبيًّا من إخوتهم؟! أي: لا أفعل هذا، فهو استفهامُ إنكارٍ (١) حُذِفَتْ منه أداة الاستفهام. "الثاني": أنه خبرٌ ووَعِيْدٌ، ولكن المراد به شَمَوِيْل النبيّ؛ فإنه من بني إسرائيل، والبشارة إنما وقعتْ بنبيٍّ من إخوتهم، وإخوةُ القومِ هم بنو أبيهم، وهم بنو إسرائيل (٢). "الثالث": أنِّه نبيٌّ يبعثه الله في آخر الزمان، يقيم به مُلْكَ اليهود، ويعلو به شأنهم، وهم ينتظرونه إلى (٣) الآن (ويسمُّونه المنتظر) (٤). وقال المسلمون: البشارةُ صريحةٌ في النبيِّ ﷺ العربي الأُمِّيِّ محمدٍ بنِ عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- لا يحتمل غيرَهُ، فإنها إنما وقعتْ بنبيٍّ من إخوة بني إسرائيل لا من بني إسرائيل أنفُسِهمْ، والمسيحُ من بني إسرائيل، فلو كان المراد بها هو المسيح لقال: أُقيمُ لهم نبيًّا من أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وإخوةُ بني إسرائيل هم بنو إسماعيل، ولا يعقل (٥) في لغةِ أمةٍ من الأُمم أنَّ بني إسرائيل هم إخوة بني إسرائيل، كما أنَّ إخوة زيدٍ لا يدخل فيهم زيدٌ نفسُهُ.

стр. 188

وأيضًا: فإنه قال: "نبيًّا مثلك"، وهذا يدلُّ على أنّه صاحبُ شريعةٍ عامةٍ مثل موسى، وهذا يُبْطِلُ حَمْلَه على شمويل من هذا الوجه أيضًا. ويبطُل حَمْلُهُ على يوشع من ثلاثةِ أوجهٍ: "أحدها": أنه من بني إسرائيل لا من إخوتهم. "الثاني": أنه لم يكن مِثْل موسى، وفي التوراة (التي بأيديهم) (١): "لا يقوم في بني إسرائيل مثل موسى" (٢). "الثالث": أن يوشع نبيٌّ في زمن موسى، وهذا الوعد إنما هو بنبيٍّ يقيمه الله بَعْد موسى. وبهذه الوجوه الثلاثة يبطُل حملُه على هارون، مع أنَّ هارون توفي قبل موسى، ونبَّأه الله مع موسى في حياته. ويبطل ذلك من وجه "رابع" أيضًا: وهو أنَّ في هذه البشارة أنه يُنْزِلُ عليه كتابًا يَظْهر للناس (٣) مِنْ فيه، وهذا لم يكن لأحدٍ بعد موسى غير النبيِّ ﷺ ، وهذا من علامات نبوته التي أَخبرتْ بها الأنبياءُ المتقدِّمون، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٧]. فالقرآنُ نَزلَ على قلب رسولِ الله ﷺ وظهر للأمة من فيه.

стр. 189

ولا يصحُّ حمل هذه البشارة على المسيح باتفاق النَّصارى، لأنها إنما جاءت بواحدٍ من إخوة بني إسرائيل، وبنو إسرائيل وإخوتُهم كلُّهم عبيد ليس فيهم إله، والمسيح عندهم إلهٌ معبود، وهو أجلُّ عندهم مِنْ أنْ يكون من إخوة العبيد. والبشارة وقعتْ بعبدٍ مخلوقٍ يقيمه الله من جملة عبيده وإخوتهم، وغايتُه: أن يكون نبيًّا لا غاية له فوقها، وهذا ليس هو المسيح عند النَّصارى. وأما قولُ المحرِّفين لكلام الله: إنَّ ذلك على حذف ألف الاستفهام، وهو استفهام إنكار، والمعنى: لا أُقيم لبني إسرائيل نبيًّا = فتلك عادةٌ لهم معروفة في تحريفِ كلام الله عن مواضعه، والكذب على الله، وقولهم لما يُبَدِّلونَه ويحرِّفونه: هذا من عند الله. وحَمْلُ هذا اَلكلام على الاستفهام والإنكار غاية ما يكون من التحريف والتبديل (١). وهذا التحريفُ والتبديلُ من معجزات النبيِّ ﷺ (التي أخبر بها عن الله؛ من تحريفهم وتبديلهم، فأظهر الله) (٢) صِدْقَه في ذلك لكل ذي لُبٍّ وعقل، فازداد إيمانًا إلى إيمانه، وازداد الكافرون رِجْسًا إلى رِجْسهم. (الوجه الثاني) (٣): قال في التوراة في السِّفْرِ الخامس: "أقْبَلَ الله من سِيْنَا، وتجلَّى من سَاعِيْر، وظهر من جبال فَارَانَ، ومعه رَبَواتُ الأطْهَارِ

стр. 190

عن يمينه" (١). وهذه متضمِّنةٌ للنبوَّات الثلاثة: نبوة موسى، ونبوة عيسى، ونبوة محمد ﷺ . فمجيئه من "سِيْنَا" -وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى ونبَّأه عليه- إخبارٌ عن نبوَّته. وتجلِّيه من ساعير هو مظهر المسيح من بيت (٢) المقدس، "وساعير" قرية معروفة هناك إلى اليوم، وهذه بشارة بنبوَّة المسيح. "وفاران" هي مكة. وشبَّه -سبحانه- نبوةَ موسى بمجيء الصُّبْح، ونبوةَ المسيح بعدها بإشراقه وضيائه، ونبوةَ خاتم الأنبياء بعدهما باستعلاء الشمس وظهور ضوئها في الآفاق. ووقع (٣) الأمر كما أخبر به سواء، فإنَّ الله -سبحانه- صَدَعَ بنبوةِ موسى لَيْلَ الكفر، فأضاء فجرُه بنبوتِه، وزاد الضياءُ والإشراقُ بنبوَّةِ المسيح، وكَمُلَ الضِّياءُ واسْتَعْلَنَ، وطبَّق الأرضَ بنبوة محمدٍ -صلوات الله وسلامه عليهم-. وذِكْرُ هذه النبوَّات الثلاثة -التي اشتملت عليها هذه البشارة- نَظِيْرُ ذِكْرهَا في أول سورة ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [سورة التين: ١ - ٣]. فذَكَر أمكنةَ هؤلاء الأنبياءِ وأرضَهم التي خرجوا منها. والتِّيْن وَالزَّيْتُوْنُ: المراد بهما منبتُهما وأرضُهما، وهي الأرض المقدَّسة التي

стр. 191

هي مَظْهَرُ المسيح. وَطُورُ سِينِيْنَ: الجبل الذي كلَّم الله عليه موسي، فهو مظهر نبوَّتِه. وهذا البَلَدُ الأَمِيْنُ: مكة (١) حَرَمُ الله وأمْنُه، التي هي مظهر نبوَّة (٢) محمدٍ -صلوات الله وسلامه عليهم-. فهذه الثلاثة نظير تلك الثلاثة سواء. قالت اليهود: "فاران" هي أرض الشام، وليست أرض الحجاز. وليس هذا ببدْعٍ من بَهْتِهم وتحريفهم، وعندهم في التوراة: إن إسماعيل لمَّا فارق أباَه سكن في بَرِّيَّةِ فَارانَ. هكذا نطقتِ التوراةُ (٣)، ولفظُها: "وأقام إسماعيلُ في بَرِّيَّةِ فَارانَ، وأنكَحَتْهُ أمُّه امرأةً من جُرْهُم" (٤). ولا يشكُّ علماء أهلِ الكتاب أنَّ فَاران مسكنٌ (٥) لآل إسماعيل. فقد تضمنت التوراةُ نبوةً تنزل بأرض فَاران، وتضمنتْ نبوةً تنزل علي عظيم من ولد إسماعيل، وتضمنتِ انتشارَ أمته وأتباعِهِ حتي يملؤوا السَّهْل والجبلَ -كما سنذكره إن شاء الله تعالي-. ولم يَبْقَ بعد هذا شبهةٌ أصلًا: أنَّ هذه نبوةُ محمدٍ ﷺ التي نزلتْ بفاران علي أشرفِ ولد إسماعيل حتي ملأتِ الأرضَ ضياءً ونورًا، وملأ

стр. 192

أتباعُه السَّهلَ والجبلَ. ولا يكثر علي الشعب الذي نطقت التوراة بأنَّهم عَادِمو الرأي والفَطَانة أَنْ ينقسموا إلي جاهلٍ بذلك، وجاحدٍ مكابِرٍ معاندٍ، ولفظُ التوراة فيهم: "إنهم لشعبٌ عادمُ الرّأي، وليس فيهم فِطَانة" (١). ويقال لهؤلاء المكابرين: أيُّ نبوةٍ خرجتْ من الشام فَاسْتَعْلَتِ (٢) استعلاءَ ضياءِ الشّمس، وظهرتْ فوقَ ظهور النبوَّتَيْن قبلها؟ وهل هذا إلا بمنزلة مكابرةِ مَنْ يري الشمس قد طلعت من المشرق فيغالط ويكابر، ويقول: بل طلعت من المغرب!!. (الوجه الثالث): قال في التوراة -في السِّفر الأول-: "إن المَلَك ظهر لِهَاجَرَ أمِّ إسماعيل، فقال: يا هاجر مِنْ أين أقبلتِ؟ وإلي أين تُرِيْدِينَ؟ فلما شرحت له الحال، قال: ارجعي، فإنّي سأكثِّر ذرِّيَّتَك وزَرْعَكِ حتي لا يُحْصَوْنَ كثرةً، وها أنتِ تَحْبَلينَ وتَلِدينَ ابنًا أسمِّيه (٣) إسماعيل، لأن الله قد سمع تذلُّلَك وخضوعَك وولدك يكون وحشيَّ الناس وتكون يده علي الكلِّ، ويَدُ الكلِّ مبسوطة إليه بالخضوع" (٤). وهذه بشارةٌ تضمنتْ أَنَّ يدَ ابنِها علي يد كل الخلائق، وأنَّ كَلِمَتَهُ العليا، وأنَّ أيدي الخَلْق تحت يده. فمَنْ هذا الذي ينطبق عليه هذا الوصف سوي محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه-؟!

стр. 193

وكذلك في السِّفْر الأول من التوراة: "إنَّ الله قال لإبراهيم: إني جاعلٌ ابنَك إسماعيلَ لأمةٍ عظيمة؛ إذْ هو مِنْ زَرْعِكَ" (١). وهذه بشارة بمن جُعِلَ مِنْ ولده لأمة عظيمةٍ، وليس هو سوي محمد بن عبد الله الذي هو من صميم ولده، فإنه جعل لأمة عظيمة، ومَنْ تدبَّر هذه البشارةَ جزم بأنَّ المراد بها رسولُ الله ﷺ ؛ لأن إسماعيل لم تكن يدُه فوق يد إسحاق قط، وكانت (٢) يَدُ إسحاق مبسوطةً إليه بالخضوع. وكيف يكون ذلك وقد كانت النبوَّة والمُلْكُ في إسرائيل (٣) والعيص، وهما ابنا إسحاق، فلما بُعِثَ رسولُ الله ﷺ وانتقلت النبوَّةُ إلي ولد إسماعيل، ودانت له الأُمم، وخضعت له الملوك، وجعل خلافة الملك إلي أهل بيته إلي آخر الدهر، وصارت أيديهم فوق أيدي الجميع مبسوطةً إليهم بالخضوع؟ وكذلك (في التوراة) (٤) -في السفر الأول-: "إنَّ الله تعالي قال لإبراهيم: إنَّ في هذا العام يولد لك وَلَدٌ اسمُه إسحاق. فقال إبراهيم: ليت إسماعيل هذا يحيا بين يديك يمجِّدك. فقال الله تعالي: قد استجبتُ لك في إسماعيل، وإنّي أباركه وأيمنه (٥) وأعظّمه جدًّا جدًّا بما قد استجبتُ فيه، وإني أُصيِّره إلي أمةٍ كثيرة، وأعطيه شعبًا جليلًا" (٦).

стр. 194

والمراد بهذا كله: الخارجُ من نسله، فإنه هو الذي عظَّمه الله جدَّا جدَّا، وصيَّره إلي أمة كثيرة، وأعطاه شعبًا جليلًا، ولم يأتِ مِنْ صُلْب إسماعيل مَنْ بُورك وعُظِّم وانطبقت عليه هذه العلامات غيرُ رسولِ الله ﷺ ، فأمَّتُهُ ملؤوا الآفاق، وأَرْبَوا في الكثرة على نسل إسحاق (١). (الوجه الرابع): قال (في التوراة) (٢) -في السفر الخامس-: "قَالَ موسي لبني إسرائيلَ: لا تُطِيعُوا العَرَّافِيْنَ ولا المُنَجِّمِينَ، فسيقيم لكم الربُّ نبيًّا من إخوتكم مِثْلي، فأطيعوا ذلك النبيَّ" (٣). ولا يجوز أنَّ يكون هذا النبيُّ الموعود به من أنْفُس بني إسرائيل، لما تقدم أنَّ إخوة (٤) القوم ليسوا أنْفُسَهم، كما تقول: بَكْرٌ وتَغْلِب (ابنا وائل، ثم تقول تغلب إخوة بكر، وبنو بكر) (٥) إخوة بني تغلب، فلو قلتَ: إخوة بني بكر بنو بكر، كان مُحَالًا، ولو قلتَ لرجلٍ: ايْتِني برجلٍ من إخوة بني بكر بن وائل، لكان الواجب أنْ يأتِيَك برجلٍ من بني تغلب بن وائل، لا بواحد من بني بكر (٦). (الوجه الخامس) (٧): ما في الإنجيل أن المسيح قال للحواريين:

стр. 195

"إنّي (١) ذاهبٌ وسيأتيكم الفَارقليط روحُ الحق، لا يتكلَّم من قِبَلِ نفسهِ، إنما هو كما يقال له، وهو يشهد عليَّ وأنتم تشهدون؛ لأنَّكُمْ معي من قبل الناس، وكلُّ شيء أعدَّه الله لكم يُخْبِرُكم به" (٢). وفي إنجيل يُوحنّا: "الفارقليط (٣) لا يَجيْئكم ما لم أذهبْ، وإذا جاء وَبَّخَ العالَم علي الخطيئةِ، ولا يقول من تلقاء نفسه، ولكنَّه ممَّا يسمع به، ويكلِّمُكم ويَسُوسُكم بالحقِّ، ويخبركُم بالحوادثِ والغُيوبِ" (٤). وفي موضعٍ آخر: "إن الفارقليط روح الحقِّ الذي يرسله أبي بِاسْمِي، وهو يعلِّمكم كلَّ شيء" (٥). وفي موضعٍ آخر: "إنّي سائلٌ له أن يبعث إليكم فارقليطًا آخر يكون معكم إلى الأبد، وهو يعلِّمكم كل شيء" (٦). وفي موضع آخر: "ابنُ البَشَرِ ذاهبٌ، والفارقليط من بعده يجيء لكم بالأسرار، ويفسِّر لكم كل شيء، وهو يشهد لي كما شهدتُ له، فإني أجيئكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل" (٧).

стр. 196

قال أبو محمد ابنُ قتيبةَ (١): وهذه الأشياء -علي اختلافها- متقاربة، وإنما اختلفت لأنَّ مَنْ نَقَلَهَا عن المسيح ﷺ في الإنجيل من الحوارِيِّيْنَ عِدَّةٌ. "والفارقليط" -بلغتهم-: لفظ من ألفاظ الحمد؛ إمَّا أحمد، أو محمد (٢)، أو محمود، أو حامد، أو نحو ذلك. وهو في الإنجيل الحبشي "بن نعطيس" (٣). وفي موضع آخر: "إنْ كنتم تُحبُّوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب أن يُعْطِيَكم فارقليطًا آخر، يثبت معكم إلي الأبد، ويتكلَّم بروح الحقِّ الذي لم يُطِقِ العالَمُ أن يقبلوه؛ لأنهم لم يعرفوه. ولستُ أدَعُكُم أيْتَامًا، إني سآتيكم عن قريب" (٤). وفي موضع آخر: "ومَنْ يُحِبُّني يحفظُ كلمتي وأَبي يُحِبُّه، وإليه يأتي وعنده يتخذ المنزل، كلَّمْتكم بهذا لأني لست عندكم مقيمًا، والفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي هو يعلِّمكم كلَّ شيء، وهو يذكركم كلما قلت لكم، استودعتكم سلامي، لا تقلقْ قلوبُكم ولا تَجْزَعْ، فإني منطلقٌ وعائد إليكم، لو كنتم تحبوني كنتم تفرحون بمعني الأب، فإنْ ثبتَ كلامي فيكم كان لكم كلُّ ما تريدون" (٥). وفي موضع آخر: "إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله، روح الحق الذي مِنْ أبي يشهد لي، قلت لكم حتي إذا كان تؤمنوا ولا

стр. 197

تَشُكُّوا (١) فيه" (٢). وفي موضع آخر: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله لكم، ولكنكم لا تستطيعون حَمْله، لكن إذا جاء روح الحقِّ ذاك يرشدكم إلي جميع الحقِّ؛ لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلَّم بما يسمع، ويخبركم بكلِّ مَا يأتي، ويعرِّفكم جميعَ مَا للأب" (٣). وقال يوحنا: قال المسيح: ("إنَّ أركون العالم سيأتي وليس لي شيء" (٤). وقال مَتّى) (٥): قال المسيح: "ألم تَرَوا أنَّ الحجر الذي أخره البنَّاؤون صار أُسًّا للزاوية من عند الله، كان هذا وهو عجيب في أعيننا، ومِنْ أجل ذلك أقولُ لكم: إن ملكوت الله سيؤخذ منكم، ويُدْفَع إلي أمة أخري تأكل ثمرتها، ومَنْ سقط علي هذا الحجر ينشدخ، وكلُّ من سقط هو عليه يمحقُهُ" (٦). وقد اختُلِفَ في "الفارقليط" في لغتهم، فذكروا فيه أقوالًا ترجع إلي ثلاثة (٧):

стр. 198

أحدها: أنَّه الحامد والحمَّاد، أو الحمد كما تقدم، ورجَّحتْ طائفةٌ هذا القولَ. وقالوا: الذي يقوم عليه البرهان في لغتهم أنه الحمد، والدليل عليه: قول يُوشع: "مَنْ عَمِل حسنةً يكون له فارقليط جيِّد"، أي: حَمْد جيِّد. والقول الثاني -وعليه أكثر النصاري-: أنَّه المخلِّص، والمسيح نفسه يسمُّونه: المخلِّص. قالوا: وهذه كلمة سريانية معناها المخلِّص (١). قالوا: وهو بالسريانية" فاروق" فَجُعِل "فارق". قالوا و"ليط" كلمة تزاد (٢)، ومعناها كمعني قول العرب: رجل هو، وحجر هو، وفرس هو. قالوا: فكذلك معني (ليط) في السريانية. وقالت طائفة أخري من النَّصاري: معناه بالسريانية: المعزِّي. قالوا: وكذلك هو في اللسان اليوناني. ويعترض علي هذين القولين بأنَّ المسيح لم تكن لغته سريانية ولا يونانية بل عبرانية. وأُجيب عن هذا بأنَّه يتكلم بالعبرانية، والإنجيل إنما نزل باللغة العبرانية وترجم عنه بلغة (٣) السِّريانية والرُّومية واليونانية وغيرهما. وأكثر النصاري علي أنه: المخلِّص، والمسيح نفسه يسمُّونه المخلِّص، وفي الإنجيل الذي بأيديهم أنه قال: "إنما أتيت لأخلِّص العالم" (٤).

стр. 199

والنصاري يقولون في صلاتهم: "لقد ولدت لنا مخلِّصًا" (١). ولما لم يمكن النصاري إنكار هذه النصوص حرَّفُوها أنواعًا من التحريف. فمنهم من قال: هو روح نزلت علي الحواريين. ومنهم من قال: هو ألسنٌ ناريَّة نزلت من السماء علي التلاميذ، ففعلوا بها الآيات والعجائب. ومنهم من يزعم أنَّه المسيح نفسه، لكونه جاء بعد الصَّلْب بأربعين يومًا، وكونِهِ قام مِنْ قبره. ومنهم من قال: لا يُعْرَف ما المراد بهذا الفارقليط ولا يتحقق لنا معناهُ. ومَنْ تأمَّل ألفاظَ الإنجيل وسياقَها: عَلِمَ أنَّ تفسيره بـ"الروح" باطلٌ. وأبْطَلُ منهُ: تفسيرُه بـ"الألسن الناريَّة"، وأبطل منهما: تفسيره بـ"المسيح"؛ فإنَّ روح القدس ما زالت تنزل علي الأنبياء والصالحين قبل المسيح وبعده، وليست موصوفة بهذه الصفات، وقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال النبيُّ ﷺ لحسان بن ثابت لَمَّا كان يهجو المشركين: "اللهمَّ

стр. 200

أيِّدْهُ برُوح القُدُسِ" (١) وقال: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ معك ما زلتَ تنافحُ عن نبيِّه" (٢). وإذا كان كذلك، ولم يسمِّ أحدٌ هذه الروحَ "فارقليطًا" عُلِمَ أنَّ الفارقليط أمرٌ غير هذا. وأيضًا: فمثل هذه الرُّوح لا زالت يؤيَّد بها الأنبياءُ والصَّالحون، وما بشَّر به المسيحُ ووعدَ به أمرٌ عظيم يأتي بعده أعظمُ من هذا. وأيضًا: فإنَّه وصف الفارقليط بصفاتٍ لا تناسِب هذا الروحَ، وإنما تناسِبُ رجلًا يأتي بعدَهُ نظيرًا له، فإنه قال: "إن كنتم تحبُّوني فاحفظوا وصايايَ وأنا أطلبُ من الأب أن يعطيَكُمْ فارقليطًا آخر يَثْبُتُ معكم إلي الأبد" (٣)، فقوله "فارقليطًا آخر" دلَّ علي أنه ثانٍ لأولٍ كان قَبْلَه، وأنه لم يكن معهم في حياة المسيح، وإنما يكون بعد ذهابِه وتولِّيه عنهم. وأيضًا: فإنَّه قال: "يثبت معكم إلي الأبد". وهذا إنما يكون لِمَا يدومُ ويبقي معهم إلي آخر الدهر. ومعلومٌ: أنه لم يُرِدْ بقاءَ ذاتِهِ، فَعُلِمَ أنه بقاء شَرْعِهِ وأمْرهِ، والفارقليط الأول لم يَثْبُتْ معهم شرعُهُ ودينُه إلي الأبد. وهذا يبيِّن أنَّ الثاني صاحبُ شرعٍ لا يُنْسخ، بل يبقي إلي الأبد (٤)، بخلاف الأول. وهذا إنما ينطبق علي محمدٍ ﷺ .

стр. 201

وأيضًا: فإنَّه أخبر أنَّ هذا الفارقليط الذي أَخبر به، يشهد له ويعلِّمهم كلَّ شيء وأنه يذكر لهم كلَّ ما قال المسيح، وأنه يوبِّخ العالَم علي خطيئته فقال: "والفارقليط الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلت لكم"، وقال: "إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله هو يشهد أني قلت لكم هذا حتي إذا كان تؤمنوا به، ولا تشكُّوا فيه". وقال: "إنَّ خيرًا لكم أنْ أنطلِقَ إلي أبي، إن لمِ أذهب لم يأتكم الفارقليط، فإن انطلقتُ أرسلتُهُ إليكم، فهو يوبِّخ العالم علي الخطيئة، فإنَّ لي كلامًا كثيرًا أُريد أنْ أقول لكم ولكنكم لا تستطيعون حَمْلَه، لكن إذا جاء روح الحقِّ ذاك الذي يرشدكم إلي جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عند نفسه بل يتكلَّم بما يسمع ويخبركم بكلِّ ما يأتي ويعرِّفكم جميعَ ما للأب" (١). فهذه الصِّفاتُ والنُّعوتُ التي تَلقَّوها عن المسيح لا تنطبق علي أمرٍ معنويٍّ في قلب بعض الناس لا يراه أحدٌ ولا يسمع كلامه، وإنما تنطبق علي مَنْ يراه الناس ويسمعون كلامه، فيشهد للمسيح، ويعلِّمهم كلَّ شيء، ويذكِّرهم كل ما قال لهم المسيح، ويوبِّخ العالَم علي الخطيئة، ويرشد الناس إلي جميع الحقِّ، ولا يَنْطِقُ مِنْ عنده، بل يتكلَّم بما يَسْمعُ، ويخبرهم بكلِّ ما يأتي، ويعرِّفهم جميعَ ما لربِّ العالمين. وهذا لا يكون مَلَكًا لا يراه أحدٌ ولا يكون هدي وعِلْمًا في قلب بعض الناس، ولا يكون إلا إنسانًا عظيم القَدْر يخاطب بما أخبر به

стр. 202

المسيح، وهذا لا يكون إلا بشرًا رسولًا، بل يكون أعظمَ مِنَ المسيح؛ فإنَّ المسيح أخبر أنه يقدر علي ما لا يقدر عليه المسيح (١)، ويعلم ما لا يعلَمُه المسيح، ويخبر بكلِّ ما يأتي وبما يستحقُّه الربُّ، حيث قال: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله، ولكنكم لا تستطيعونَ حَمْلَهُ، ولكن إذا جاء روح الحقِّ، ذاك الذي يرشدكم إلي جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلَّم بما يسمع، ويخبركم بكلِّ ما يأتي، ويعرِّفُكُمْ جميعَ ما للأب" (٢). فلا يستريبُ عاقلٌ أن هذه الصفات لا تنطبقُ إلا علي محمدٍ ﷺ ، وذلك لأنَّ الإخبار عن الله بما هو مُتَّصِفٌ به من الصفات، وعن ملائكته، وعن مَلَكُوتِه، وعمَّا أعدَّه في الجنة لأوليائه وفي النار لأعدائه: أمرٌ لا تحتمل عقولُ أكثرِ النَّاس معرفتَهُ علي التفصيل. قال عليٌّ ﵁: حَدِّثوا النَّاسَ بما يعرفون، ودَعُوا ما يُنْكِرُونَ، أتريدونَ أن يكذب اللهُ ورسولُه (٣). وقال ابن مسعود: ما مِنْ رجل يحدِّث قومًا بحديثٍ لا تبلُغُه عقولُهم إلا كان فتنةً لبعضهم (٤). وسأل رجلٌ ابنَ عباسٍ عن قوله تعالي: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ

стр. 203

الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. قال: ما يؤمنك أنْ لو أخبرتُك بها لكفرتَ (١)؟ يعني: لو أخبرتك بتفسيرها لكفرتَ بها، وكفرك بها تكذيبٌ بها. فقال لهم المسيح: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أنْ أقولَه لكم، ولكنَّكم لا تستطيعون حَمْلَه". وهو الصادق المصدوق في هذا، ولهذا ليس في الإنجيل من صفات الله تعالي وصفات مَلَكُوتِه وصفاتِ اليوم الآخر إلا أمورٌ مُجْمَلَة، وكذلك التوراة؛ ليس فيها من ذِكْر اليوم الآخر إلا أمور مجملة، مع أنَّ موسي ﷺ كان قد سهَّل الأمر للمسيح (٢). ومع هذا فقد قال لهم المسيح: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أنْ أقولَه لكم ولكنكم لا تستطيعونَ حَمْلَه". ثم قال: "ولكن إذا جاء روحُ الحقِّ فذاك الذي يُرْشِدُكم إلي جميع الحقِّ، وإنَّه يُخْبِرُكُم بكلِّ ما يأتي، وبجميع ما للربِّ" (٣). فدل هذا علي أنَّ "الفارقليط" هو الذي يفعل هذا دون المسيح، وكذلك كان؛ فإنَّ محمدًا ﷺ أرشد النَّاسَ إلي جميع الحقِّ حتي أكمل اللهُ به الدِّين وأتمَّ به النِّعمة، ولهذا كان خاتَمَ الأنبياءِ؛ فإنَّه لم يبق نبيٌّ يأتي بعده غيره، وأخبر محمد ﷺ بكلِّ ما يأتي من أَشْراط الساعة والقيامة والحساب والصِّراط ووَزْنِ الأعمال، والجنَّةِ وأنواعِ نعيمها، والنَّار وأنواعِ عذابها.

стр. 204

ولهذا كان في القرآن تفصيل أمرِ الآخرة وذِكْرِ الجنة والنار وما يأتي، أمور كثيرة لا توجد لا في التوراة ولا في الإنجيل، وذلك تصديقُ قولِ المسيح: إنَّه يُخْبِر بكلِّ ما يأتي. وذلك يتضمَّن صِدْقَ المسيح وصِدْقَ محمد ﷺ . وهذا معني قوله تعالي: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٧]. أي: مجيئه تصديقٌ للرُّسل قَبْلَه؛ فإنهم أخبروا بمجيئه، فجاء كما أخبروا به، فتضمن مجيئه (١) تصديقَهم، ثم شهد هو بِصِدْقِهِم، فصدَّقهم بقوله ومجيئه. ومحمدٌ ﷺ بَعَثَهُ الله بين يدي السَّاعة كما قال: "بُعِثْتُ أنا والسَّاعة كهاتين، وأشار بإصبَعَيهِ السبَّابة والوسْطَى" (٢). وكان إذا ذكر الساعة علا صوتُه واحمرَّ وجهه واشتدَّ غضبه. وقال: "أنا النَّذيرُ العُرْيَانُ" (٣). فأخبر من الأمور التي تأتي في المستقبل بما لم يأتِ به نبيٌّ من الأنبياء، كما نَعَتَه به المسيحُ حيث قال: "إنه يخبركم بكلِّ ما يأتي".

стр. 205

ولا يوجد مثل هذا أصلًا عن أحدٍ من الأنبياء قبل محمد ﷺ ، فضلًا عن أن يوجد عن شيء نزل علي قلب بعض الحَوارِيِّيْنَ. وأيضًا: فإنَّه قال: "ويعرِّفُكم جميعَ ما للربِّ". فبيَّن أنه يعرِّف الناس جميعَ ما لله. وذلك يتناول ما لله من الأسماء والصِّفات، وما لهُ من الحقوقِ، وما يجبُ من الإيمان به وملائكته وكتبه ورسله، بحيث يكون يأتي به جامعًا لما يستحقُّه الربُّ. وهذا لم يأتِ به غيرُ محمدٍ ﷺ ؛ فإنه تضمَّن ما جاء به من الكتابِ والحكمةِ. هذا كلُّه؛ وأيضًا: فإنَّ المسيح قال: "إذا جاء الفارقليط الذي أَرْسلَه أبي فهو يشهد لي، قلت لكم هذا حتي إذا كان تؤمنوا به" (١). فأخبر أنه شهد له، وهذه صفةُ نبيٍّ بَشَّر به المسيح، ويشهد للمسيح، كما قال تعالي: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وأخبر أنَّه يُوَبِّخُ العالَم علي الخطيئة، وهذا يستحيلُ حَمْلُه علي معنًى يقوم بقلب الحَوارِيِّيْنَ؛ فإنهم آمنوا به وشهدوا له قبل ذهابه، فكيف يقول إذا جاء فإنه يشهد لي ويوصيهم بالإيمان به؟ أَفَتَرَي الحواريين لم يكونوا مؤمنين بالمسيح!! فهذا مِنْ أعظمِ جَهْلِ النَّصاري وضَلَالِهِمْ؟!. وأيضًا: فإنَّه لم يوجد أحدٌ وَبَّخَ جميعَ العالَم (٢) (على الخطيئةِ إلا

стр. 206

محمدٌ ﷺ ، فإنَّه أنذر جميع العالَم) (١) من أصناف الناس، ووبَّخهم علي الخطيئة من الكفر والفُسوق والعِصيان، ولم يَقْتَصِرْ علي مجرَّدِ الأمرِ والنَّهي، بل وَبَّخهم وفزَّعهم وتهدَّدَهُم. وأيضًا: فإنَّه أخبر أنّه ليس يَنْطِقُ من عنده، بل يتكلَّم بكل ما يسمع. وهذا إخبارٌ بأنَّ كلَّ ما يتكلَّم به فهو وحيٌ يسمعه، ليس هو شيئًا تعلَّمه من الناس، أو عَرَفَهُ باستنباطٍ، وهذه خاصَّة محمدٍ ﷺ . وأمَّا المسيح؛ فكان عنده عِلْمٌ بما جاء به موسي قَبْلَه، يشاركه به أهلُ الكتاب، تلقَّاه عمَّن قَبْلَه، ثم جاءه وحيٌ خاصٌّ (٢) من الله فوقَ ما كان عندَه، قال تعالي: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾ [آل عمران: ٤٨]. فأخبرَ -سبحانه- أنَّه يعلِّمه التوراةَ التي تعلَّمها بنو إسرائيل، وزاده تعليمَ الإنجيل الذي اختصَّ به، والكتاب -الذي هو الكتابة- ومحمدٌ ﷺ لم يكن يَعْلَمُ قَبْلَ الوحي شيئًا البتَّة، كما قال تعالي: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقال تعالي: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣]. فلم يكن ﷺ ينطق من تِلْقَاءِ نفسه، بل إنما كان ينطق بالوحي،

стр. 207

كما قال تعالي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَي (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَي (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. أي: ما نُطْقُه إلا وحيٌ يُوحَي. وهذا مطابقٌ لقول المسيح: إنَّه لا يتكلَّم من تلقاء نفسه بِل إنما يتكلم بما يُوحي إليه. والله تعالي أمره أن يبلِّغ ما أُنزل إليه، وضمِنَ له العصمةَ في تبليغ رسالاته، فلهذا أرشد الناس إلي جميع الحقِّ وألقَي للناس ما لم يمكن (١) غيرَه من الأنبياء إلقاؤه خوفًا أن يقتله قومه، وقد أخبر المسيح بأنه لم يذكر لهم جميع ما عنده، وأنَّهم لا يُطيقون حَمْلَه، وهم معترفون بأنَّه كان يخاف منهم إذا أخبرهم بحقائق الأمور. ومحمد ﷺ أيَّده الله -سبحانه- تأييدًا لم يؤيِّده لغيره: فَعَصَمَه من الناس حتي لم يَخَفْ من شيءٍ يقوله، وأعطاه من البيان والعلم ما لم يؤتهِ غيرَه، وأيَّد أمته تأييدًا أطاقتْ به حَمْلَ ما ألقاه إليهم، فلم (٢) يكونوا كأهل التوراة الذين حُمِّلوا التوراةَ ثم لم يحملوها، ولا كأهل الإنجيل الذين قال لهم المسيح: "إن لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله لكم، ولكن لا تستطيعون حَمْلَه". ولا ريب أن أمة محمدٍ ﷺ أكْمَلُ عقولًا، وأعْظمُ إيمانًا، وأَتمُّ تصديقًا وجهادًا، ولهذا كانت علومُهم وأعمالُهم القلبية وإيمانُهم أعْظَمَ، وكانت العباداتُ البدنيَّة لغيرهم أعظم. وأيضًا: فإنَّه أخبر عن الفارقليط أنَّه شهد (٣) له، وأنَّه يعلِّمهم كلَّ

стр. 208

شيء، وأنَّه يذكرهم كلَّ ما قال المسيحُ. ومعلومٌ أنَّ هذا لا يكون إلا إذا شهد له شهادةً يسمعها الناس، لا يكون هذا في قلب طائفةٍ قليلةٍ. ولم يشهد أحدٌ للمسيِح شهادةً سمعها عامَّةُ الناس إلا محمد ﷺ ، فإنه أظْهَرَ أمْرَ المسيحِ، وشهِدَ له بالحقِّ حتي سمع شهادتَهُ له عامةُ أهلِ الأرض، وعلموا أنَّه صدَّقَ المسيح ونزَّهه عمَّا افترته عليه اليهود وما غَلَتْ فيه النصاري، فهو الذي شهد له بالحقِّ. ولهذا لمَّا سمع النَّجاشيُّ من الصحابة ما شهد به محمد ﷺ للمسيح قال لهم: ما زاد عيسي علي ما قلتُم هذا العودَ. وجعل الله أمةَ محمدٍ ﷺ شُهَدَاءَ علي النَّاسِ، شهدوا عليهم بما علموا من الحقِّ، إذْ كانوا وَسَطًا عدولًا، لا يشهدون بباطلٍ، فإن الشاهد لا يكون إلا عدلًا، بخلاف مَنْ جارَ في شهادتِه فزادَ علي الحقِّ، أو نَقَصَ منه، كشهادة اليهود للنصاري في المسيح. وأيضًا: فإنَّ معني "الفارقليط" إنْ كان هو الحامد أو الحمَّاد، أو المحمود، أو الحمد (١)، فهذا الوصفُ ظاهرٌ في محمد ﷺ ، فإنه وأمَّتَهُ الحمَّادون الذين يَحْمَدُون الله علي كلِّ حالٍ، وهو صاحبُ لواءِ الحَمْد، والحمدُ مفتاح خطبتِه ومفتاحُ صلاتِه، ولمَّا كان حمَّادًا سُمِّي بمثل وَصْفِه، فهو محمَّد -وزن مكرَّم ومعظَّم ومقدَّس- وهو الذي يُحْمَدُ أكثرَ ممَّا يحمد غيره ويستحقُّ ذلك، فلمَّا كان حَمَّادًا لله كان محمدًا. وفي شعر حَسَّان: أَغَرُّ عليه للنُّبوَّةِ خَاتَمٌ … مِنَ اللهِ مَيْمُونٌ يَلُوحُ ويَشْهَدُ

стр. 209

وضَمَّ الإلهُ اسمَ النَّبيِّ إلي اسْمِهِ … إذَا قالَ في الخمس المؤذِّنُ أشْهَدُ وشَقَّ له مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو العَرْشِ محمودٌ وهذا مُحمَّدُ (١) وأمَّا "أحمد"؛ فهو أفعل التفضيل، أي: هو أَحْمَدُ مِنْ غيرِه، أي أحق بأن يكون محمودًا أكثر من غيره، يقال: هذا أحْمدُ من هذا. أي هذا أحقُّ بأنْ يُحْمَدَ مِنْ هذا، فيكون فيه تفضيلٌ علي غيره في كونه محمودًا؛ فلفظُ "محمَّد" يقتضي زيادةً في الكميَّة، ولفظ "أحمد" يقتضي زيادةً في الكيفيَّة. ومن الناس من يقول: معناه أنَّه أكثر حَمْدًا لله من غيره. وعلي هذا: فيكون بمعني الحامد والحمَّاد، وعلي الأول: بمعني المحمود. وإنْ كان الفارقليط بمعني الحمد فهو تسمية بالمصدر، مبالغةً في كثرة الحمد، كما يقال: رجل عَدْل ورِضىً ونظائر ذلك. وبهذا يظهر سرُّ ما أخبر به القرآنُ عن المسيح من قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، فإنَّ هذا هو معني الفارقليط كما تقدَّم. وفي التوراة ما ترجمتُه بالعربيَّة: "وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك ها أنا قد باركت (فيه وأثمره وأكبره) (٢) بِمُؤَذمُؤَذ" (٣) هكذا هذه اللفظة

стр. 210

"مُؤَذ" علي وزن عُمَر، وقد اختلف فيها علماء أهل الكتاب. فطائفة يقولون: معناها جدًّا جدًّا. أي: كثيرًا كثيرًا. فإن كان هذا معناها فهو بشارة بمن عظم من بَنِيْهِ كثيرًا كثيرًا، ومعلومٌ أنَّه لم يعظم من بنيه أكثر مما عظم من محمد ﷺ . وقالتْ طائفةٌ أخري: بل هي صريحُ اسمِ محمَّدٍ. قالوا: ويدلُّ عليه أنَّ ألفاظ العبرانية قريبة من ألفاظ العربية؛ فهي أقرب اللغات إلي العربية، فإنهم يقولون لإسماعيل: (شماعيل، وسمعتُك: شمعتيني) (١)، وإياه: أوثو، وقدسك: قدشيخا، وأنت: أنا (٢)، وإسرائيل: يسرائيل، فتأمَّلْ قولَه في التوراة: "قدس لي خل بخور (٣) خل ريخم (بني إسرائيل باذام ويبيمالي") (٤). معناه: قَدِّسْ لي كلِّ بكْرٍ، كلَّ أولِ مولودِ رَحِمٍ في بني إسرائيل مِنْ إنسانٍ إلي بهيمةٍ لي (٥). وتأمل قوله: "نابي أقيم لاهيم تقارب أخيهم (كانوا أخا) (٦) ايلاؤه شماعون (٧) " فإن معناه: نبيًّا أُقيم لهم مِنْ وَسْط إخوتهم مِثْلَك به يؤمنون. وكذلك قوله: ("أنتم عابرتم بعيولي اجيخيم بنوا

стр. 211

عيصاه") (١) معناه: أنتم عابرون (٢) في تخم إخوتكم بني العيص. ونظائرُ ذلك أكثرُ مِنْ أن تُذْكَر، فإذا أخذتَ لفظة "مُؤَد مُؤد" وجدتَها أقربَ شيء إلي لفظة محمد، وإذا أردتَ تحقيقَ ذلك فطابِقْ بين ألفاظ العبرانيَّة والعربيَّة. وكذلك يقولون: "اصبوع او لو هم هوم" أي: اصبع الله كتب له بها التوراة. ويدلُّ علي ذلك أداةُ الباء في قوله: "بمأذ مأذ" ولا يقال: أعظِّمه بِجِدًّا جِدًّا، بخلاف أعظِّمه بمحمدٍ. وكذلك هو؛ فإنه عُظِّم به وازداد به شرفًا إلى شرفه، بل تعظيمُه بمحمدٍ ﷺ فوقَ تعظيمِ كلِّ والد بولده العظيمِ القَدْر، فاللهُ -سبحانه- كبَّره بمحمدٍ ﷺ . وعلي التقديرين: فالنصُّ من أظهر البشَاراتِ به؛ أمَّا علي هذا التفسير: فظاهرٌ جدًّا (٣)، وأمَّا علي التفسير الأول: فإنَّما كُبِّر إسماعيل وعُظِّم علي إسحاق جدًّا جدًّا بابنه محمدٍ ﷺ . فإذا طابَقْتَ بين معني "الفارقليط" ومعني "مُوَذ مُوَذ" ومعني "محمد وأحمد" ونظرت إلي خصال الحَمْد التي فيه، وتسميةِ أمَّته بالحمَّادين، وافتتاحِ كتابه بالحمد، وافتتاحِ الصَّلاة بالحمد، (وخَتْمِ الرَّكعة بالحمد) (٤)، وكَثْرةِ خصال الحمد التي فيه، وفي أمته وفي دينه، وفي كتابه، وعرفت ما خَلَّص به العالَم من أنواع الشرك والكفر والخطايا والبدع والقول علي الله بلا علم، وما أعزَّ اللهُ به الحقَّ وأهلَه، وقمع به الباطلَ وحِزْبَه: تيقنت أنَّه الفارقليط

стр. 212

بالاعتبارات كلها. فَمَنْ هذا الذي هو روحُ الحقِّ الذي لا يتكلَّم إلا بما يُوحَي إليه؟!. ومَنْ هو العاقبُ للمسيح، والشَّاهد لما جاء به، والمصدَّق له بمجيئه؟! ومَنِ الذي أخْبَرَنا بالحوادث في الأزمنة المُسْتَقْبَلَةِ كخروج الدَّجَّال، وظهورِ الدابَّة، وطلوع الشمس من مَغْرِبها، وخروجِ يأجوج ومأجوج، ونزولِ المسيح ابن مريم، وظهورِ النَّار التي تحشُر النَّاس، وأضعاف أضعاف ذلك من الغيوب التي قبل يوم القيامة، والغيوب الواقعة (١)؛ مِن الصّراطِ، والميزانِ، والحساب، وأخْذِ الكتب بالأيمان والشمائل، وتفاصيل ما في الجنَّة والنَّار ممَّا لم يذكر في التوراة والإنجيل = غير محمد ﷺ (٢)؟!. ومَنِ الذي وبَّخ العالَم علي الخطايا سواه؟! ومَنِ الذي عرَّفَ الأمة ما ينبغي للهِ حقَّ التعريف غيرُه؟!. ومَنِ الذي تكلَّم في هذا الباب بما لم يُطِقْ أكثر العالَم أن يقبلوه غيره؟ حتي عَجَزَتْ عنه عقولُ كثيرٍ ممَّن صدَّقه وآمن به، فَسَامُوه أنواعَ التَّحريف والتأويل؛ لعجز عقولهم عن حَمْله -كما قال أخوه المسيح صلوات الله عليهما وسلامه-؟! ومَنِ الذي أُرسل إلي جميع الخلق بالحقِّ قولًا وعملًا واعتقادًا في

стр. 213

معرفة الله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله وقضائه وقدره = غيرُه؟! ومَنْ هو أُرْكون العالَم الذي أتي بعد المسيح = غيرُه؟! "وأُركون العالم" هو عظيم العالَم، وكبير العالَم. وتأمَّلْ قَوْلَ المسيح في هذه البشارة التي لا ينكرونها: "إن أُركون العالم سيأتي وليس لي من الأمر شيء" = كيف هي شاهدة بنبوَّةٍ المسيح ونبوَّةِ محمد معًا؛ فإنّه لمَّا جاءَ صارَ الأمر له دون المسيح. فوَجَبَ علي العالَم كلِّهم طاعتُه والانقيادُ لأمره، وصار الأمرُ له حقيقةً. ولم يَبْقَ بأيدي النَّصاري إلا دينٌ باطِلُه أضعافُ أضعافِ حقِّه، وحقُّه منسوخٌ بما بَعَثَ اللهُ به محمدًا ﷺ . فطابقَ قولُ المسيح قولَ أخيه محمدٍ ﷺ : "ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا فيحكم بكتاب ربِّكم" (١)، وقوله في اللفظ الآخر: "فأمَّكم (٢) بكتاب ربِّكم". فتَطابَقَ (٣) قَوْلُ الرَّسولين الكريمين، وبشَّر الأولُ بالثَّاني، وصدَّق الثاني بالأول. وتأمَّلْ قولَه في البشارة الأخري: "ألَمْ تَرَ إلي الحجر الذي أخَّره البنَّاؤون صار أُسًّا للزاوية"، كيف تجده مطابِقًا لقول النبيِّ ﷺ : "مَثَلِي

стр. 214

ومَثَلُ الأنبياء قبلي كمثل رجلٍ بني دارًا فأكلمَلَها وأتمَّها إلا مَوْضِعَ لَبِنةٍ منها فجعل النَّاس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: هلّا وُضِعَتْ تلك اللَّبِنهٌ؟! فكنتُ أنا تلك اللبنة" (١)! وتأمَّل قولَ المسيح في هذه البشارة: "إن ذلك عجيبٌ في أعيننا". وتأمل قولَه فيها: "إن ملكوت الله سَيُؤخَذُ منكم ويُدْفَع إلي أمة أخري" كيف تجده مطابقًا لقوله تعالي: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. وقولهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥]. وتأمَّلْ قولَه في الفارقليط المبشَّر به: "يفشي لكم الأسرار، ويفسِّر لكم كل شيء، فإني أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل" كيف تجده مطابقًا للواقع من كل وجه ولقوله تعالي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. ولقوله تعالي: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]. وإذا تأملتَ التوراةَ والإنجيلَ والكتبَ، وتأملت القرآنَ وَجَدْتَه كالتفصيل لِمُجْمَلِهَا، والتأويلِ لأمثالها، والشَّرح لرمُوزِها. وهذا

стр. 215

حقيقةُ (١) قولِ المسيح: "أجيئكم بالأمثال ويجيئكم بالتأويل، ويفسِّر لكم كلَّ شيءٍ". وإذا تأملتَ قولَه: "وكل شيء أعدَّه الله لكم يخبركم به"، وتفاصيل ما أخبر به من الجنَّة والنار، والثواب والعقاب = تَيَقَّنْتَ صِدْقَ الرَّسولين الكريمين، ومُطابقةَ (الأَخبارِ المفصَّلَةِ) (٢) من محمدٍ ﷺ للخَبَرِ المُجْمَل من أخيه المسيح. وتأمَّلْ قولَه في الفارقليط: "وهو يشهدُ لي كما شهدتُ له" (٣) كيف تجده منطبقًا علي محمد بن عبد الله، وكيف تجده شاهدًا بصدق الرَّسولين، وكيف تجده صريحًا في رجل يأتي بعد المسيح يشهد له بأنَّه عبدُ اللهِ ورسولُه كما شهد له المسيح؟! فلقد أذَّن المسيحُ بنبوةِ محمد -صلوات الله وسلامه عليهما- أذانًا لم يُؤَذِّنْهُ نبيٌّ قَبْلَه، وأعلنَ بتكبير ربِّه أن يكون له صاحبةٌ أو ولد، ثم رفع صوتَه بشهادةِ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا، فردًا صمدًا، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم أعلن بشهادة أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الشاهدُ له بنبوَّتِه، المؤيَّدُ بروحِ الحقِّ الذي لا يقول من تلقاء نفسه، بل يتكلم بما يُوحَي إليه، ويعلِّمهم كلَّ شيء ويخبرهم ما أعدَّ الله لهم. ثم رفع صوته بحيَّ علي الفلاح؛ باتباعه والإيمان به وتصديقه، وأنه
следующие страницы →