← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 5705

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (517 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

عيصاه") (١) معناه: أنتم عابرون (٢) في تخم إخوتكم بني العيص. ونظائرُ ذلك أكثرُ مِنْ أن تُذْكَر، فإذا أخذتَ لفظة "مُؤَد مُؤد" وجدتَها أقربَ شيء إلي لفظة محمد، وإذا أردتَ تحقيقَ ذلك فطابِقْ بين ألفاظ العبرانيَّة والعربيَّة. وكذلك يقولون: "اصبوع او لو هم هوم" أي: اصبع الله كتب له بها التوراة. ويدلُّ علي ذلك أداةُ الباء في قوله: "بمأذ مأذ" ولا يقال: أعظِّمه بِجِدًّا جِدًّا، بخلاف أعظِّمه بمحمدٍ. وكذلك هو؛ فإنه عُظِّم به وازداد به شرفًا إلى شرفه، بل تعظيمُه بمحمدٍ ﷺ فوقَ تعظيمِ كلِّ والد بولده العظيمِ القَدْر، فاللهُ -سبحانه- كبَّره بمحمدٍ ﷺ . وعلي التقديرين: فالنصُّ من أظهر البشَاراتِ به؛ أمَّا علي هذا التفسير: فظاهرٌ جدًّا (٣)، وأمَّا علي التفسير الأول: فإنَّما كُبِّر إسماعيل وعُظِّم علي إسحاق جدًّا جدًّا بابنه محمدٍ ﷺ . فإذا طابَقْتَ بين معني "الفارقليط" ومعني "مُوَذ مُوَذ" ومعني "محمد وأحمد" ونظرت إلي خصال الحَمْد التي فيه، وتسميةِ أمَّته بالحمَّادين، وافتتاحِ كتابه بالحمد، وافتتاحِ الصَّلاة بالحمد، (وخَتْمِ الرَّكعة بالحمد) (٤)، وكَثْرةِ خصال الحمد التي فيه، وفي أمته وفي دينه، وفي كتابه، وعرفت ما خَلَّص به العالَم من أنواع الشرك والكفر والخطايا والبدع والقول علي الله بلا علم، وما أعزَّ اللهُ به الحقَّ وأهلَه، وقمع به الباطلَ وحِزْبَه: تيقنت أنَّه الفارقليط

стр. 212

بالاعتبارات كلها. فَمَنْ هذا الذي هو روحُ الحقِّ الذي لا يتكلَّم إلا بما يُوحَي إليه؟!. ومَنْ هو العاقبُ للمسيح، والشَّاهد لما جاء به، والمصدَّق له بمجيئه؟! ومَنِ الذي أخْبَرَنا بالحوادث في الأزمنة المُسْتَقْبَلَةِ كخروج الدَّجَّال، وظهورِ الدابَّة، وطلوع الشمس من مَغْرِبها، وخروجِ يأجوج ومأجوج، ونزولِ المسيح ابن مريم، وظهورِ النَّار التي تحشُر النَّاس، وأضعاف أضعاف ذلك من الغيوب التي قبل يوم القيامة، والغيوب الواقعة (١)؛ مِن الصّراطِ، والميزانِ، والحساب، وأخْذِ الكتب بالأيمان والشمائل، وتفاصيل ما في الجنَّة والنَّار ممَّا لم يذكر في التوراة والإنجيل = غير محمد ﷺ (٢)؟!. ومَنِ الذي وبَّخ العالَم علي الخطايا سواه؟! ومَنِ الذي عرَّفَ الأمة ما ينبغي للهِ حقَّ التعريف غيرُه؟!. ومَنِ الذي تكلَّم في هذا الباب بما لم يُطِقْ أكثر العالَم أن يقبلوه غيره؟ حتي عَجَزَتْ عنه عقولُ كثيرٍ ممَّن صدَّقه وآمن به، فَسَامُوه أنواعَ التَّحريف والتأويل؛ لعجز عقولهم عن حَمْله -كما قال أخوه المسيح صلوات الله عليهما وسلامه-؟! ومَنِ الذي أُرسل إلي جميع الخلق بالحقِّ قولًا وعملًا واعتقادًا في

стр. 213

معرفة الله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله وقضائه وقدره = غيرُه؟! ومَنْ هو أُرْكون العالَم الذي أتي بعد المسيح = غيرُه؟! "وأُركون العالم" هو عظيم العالَم، وكبير العالَم. وتأمَّلْ قَوْلَ المسيح في هذه البشارة التي لا ينكرونها: "إن أُركون العالم سيأتي وليس لي من الأمر شيء" = كيف هي شاهدة بنبوَّةٍ المسيح ونبوَّةِ محمد معًا؛ فإنّه لمَّا جاءَ صارَ الأمر له دون المسيح. فوَجَبَ علي العالَم كلِّهم طاعتُه والانقيادُ لأمره، وصار الأمرُ له حقيقةً. ولم يَبْقَ بأيدي النَّصاري إلا دينٌ باطِلُه أضعافُ أضعافِ حقِّه، وحقُّه منسوخٌ بما بَعَثَ اللهُ به محمدًا ﷺ . فطابقَ قولُ المسيح قولَ أخيه محمدٍ ﷺ : "ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا فيحكم بكتاب ربِّكم" (١)، وقوله في اللفظ الآخر: "فأمَّكم (٢) بكتاب ربِّكم". فتَطابَقَ (٣) قَوْلُ الرَّسولين الكريمين، وبشَّر الأولُ بالثَّاني، وصدَّق الثاني بالأول. وتأمَّلْ قولَه في البشارة الأخري: "ألَمْ تَرَ إلي الحجر الذي أخَّره البنَّاؤون صار أُسًّا للزاوية"، كيف تجده مطابِقًا لقول النبيِّ ﷺ : "مَثَلِي

стр. 214

ومَثَلُ الأنبياء قبلي كمثل رجلٍ بني دارًا فأكلمَلَها وأتمَّها إلا مَوْضِعَ لَبِنةٍ منها فجعل النَّاس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: هلّا وُضِعَتْ تلك اللَّبِنهٌ؟! فكنتُ أنا تلك اللبنة" (١)! وتأمَّل قولَ المسيح في هذه البشارة: "إن ذلك عجيبٌ في أعيننا". وتأمل قولَه فيها: "إن ملكوت الله سَيُؤخَذُ منكم ويُدْفَع إلي أمة أخري" كيف تجده مطابقًا لقوله تعالي: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. وقولهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥]. وتأمَّلْ قولَه في الفارقليط المبشَّر به: "يفشي لكم الأسرار، ويفسِّر لكم كل شيء، فإني أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل" كيف تجده مطابقًا للواقع من كل وجه ولقوله تعالي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. ولقوله تعالي: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]. وإذا تأملتَ التوراةَ والإنجيلَ والكتبَ، وتأملت القرآنَ وَجَدْتَه كالتفصيل لِمُجْمَلِهَا، والتأويلِ لأمثالها، والشَّرح لرمُوزِها. وهذا

стр. 215

حقيقةُ (١) قولِ المسيح: "أجيئكم بالأمثال ويجيئكم بالتأويل، ويفسِّر لكم كلَّ شيءٍ". وإذا تأملتَ قولَه: "وكل شيء أعدَّه الله لكم يخبركم به"، وتفاصيل ما أخبر به من الجنَّة والنار، والثواب والعقاب = تَيَقَّنْتَ صِدْقَ الرَّسولين الكريمين، ومُطابقةَ (الأَخبارِ المفصَّلَةِ) (٢) من محمدٍ ﷺ للخَبَرِ المُجْمَل من أخيه المسيح. وتأمَّلْ قولَه في الفارقليط: "وهو يشهدُ لي كما شهدتُ له" (٣) كيف تجده منطبقًا علي محمد بن عبد الله، وكيف تجده شاهدًا بصدق الرَّسولين، وكيف تجده صريحًا في رجل يأتي بعد المسيح يشهد له بأنَّه عبدُ اللهِ ورسولُه كما شهد له المسيح؟! فلقد أذَّن المسيحُ بنبوةِ محمد -صلوات الله وسلامه عليهما- أذانًا لم يُؤَذِّنْهُ نبيٌّ قَبْلَه، وأعلنَ بتكبير ربِّه أن يكون له صاحبةٌ أو ولد، ثم رفع صوتَه بشهادةِ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا، فردًا صمدًا، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم أعلن بشهادة أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الشاهدُ له بنبوَّتِه، المؤيَّدُ بروحِ الحقِّ الذي لا يقول من تلقاء نفسه، بل يتكلم بما يُوحَي إليه، ويعلِّمهم كلَّ شيء ويخبرهم ما أعدَّ الله لهم. ثم رفع صوته بحيَّ علي الفلاح؛ باتباعه والإيمان به وتصديقه، وأنه

стр. 216

ليس له من الأمر معه شيء، وختم التأذين بأنَّ ملكوتَ اللهِ سيؤخذ ممَّن كذَّبه ويُدْفَع إلي أتباعه والمؤمنين به، فهَلَكَ من هَلَكَ عن بيِّنة، وعاش من عاش عن بيِّنة، فاستجاب أتباع المسيح حقًّا لهذا التأذين، وأباهُ الكافرونَ والجاحدونَ، فقال تعالي: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥]. وهذه بشارةٌ بأنَّ المسلمين لا يزالونَ فوق النَّصاري إلي يوم القيامة؛ فإن المسلمين هم أتباعُ المرسلين في الحقيقة، وأتباعُ جميع الأنبياء، لا أعداؤه. وأعداؤه عُبَّادُ الصليب الذين رَضُوا أنْ يكونَ إلَهًا مصفوعًا مصلُوبًا مقتولًا، ولم يَرْضَوا أن يكونَ نبيًّا عبدًا لله، وجيها عنده، مقرَّبًا لديه. فهؤلاء أعداؤه حقًّا، والمسلمون أتباعُه حقًّا. والمقصود: أنَّ بشارة المسيح بالنبيِّ ﷺ فوقَ كلِّ بشارةٍ، لمَّا كان أقربَ الأنبياءِ إليه، وأَوْلاهُمْ به، وليس بينه وبينه نبيٌّ (مرسل صاحب شريعة وكتاب) (١). فصل وتأمَّلْ قول المسيح: "إن أُرْكُون العالَم سيأتي"، وأُركون العالم: هو سيِّد العالم وعظيمه، ومَنِ الذي سادَ العالَم، وأطاعه العالَمُ بعد المسيح = غيرُ النبيِّ ﷺ ؟!. وتأمل قولَ النبيِّ ﷺ -وقد سئل ما أول أمرك؟ قال-: "أنا دعوة أبي

стр. 217

إبراهيم، وبُشْري (١) عيسي" (٢). وطابِقْ بين هذا وبين هذه البشارات التي ذكرها المسيح. فمن الذي ساد العالَم باطنًا وظاهرًا، وانقادت له القلوب والأجساد، وأُطِيْع في السرِّ والعلانية، في محياه وبعد مماته في جميع الأعصار، وأفضلِ الأقاليم والأمصار، وسارت دعوته مَسِيرَ الشَّمس، وبلغٍ دينُه ما بلغ الليلُ والنَّهار، وخَرَّتْ لمجيئه الأُمم علي الأذقان، وبَطلتْ به عبادةُ الأوثان، وقامت به دعوةُ الرحمن، واضمحلَّت به دعوة الشيطان، وأذلَّ الكافرين والجاحدين، وأعزَّ المؤمنين وجاء بالحقِّ وصدَّق المرسلين، حتي أعلن بالتوحيد علي رؤوس الأشهاد، وعُبدَ اللهُ وحدَه لا شريك له، في كلِّ حاضرٍ وباد، وامتلأتْ به الأرضُ تحَميدًا وتكبيرًا (٣) لله وتهليلًا، وتسبيحًا، واكتستْ به -بعد الظُّلْمِ والظَّلامِ- عَدْلًا ونُورًا. وطابقْ بين قولِ المسيح: "إن أُركون العالم سيأتيكم"، وقولِ أخيه محمَّدٍ ﷺ : "أنا سيِّدُ وَلَدِ آدم ولا فَخر، آدم فمن دونه تحت لوائي، وأنا خطيبُ الأنبياء إذا وَفَدُوا، وإمامُهُم إذا اجتمعوا، ومبشِّرُهم إذا أَيِسُوا، لواءُ الحمدِ بيدي، وأنا أكرمُ ولدِ آدمَ علي ربيِّ" (٤).

стр. 218

فصل وفي قَوْلِ المسيح في هذه البشارة: "وليس لي من الأمر شيء" إشارةٌ إلي التوحيد وأن الأمر كلَّه لله، فتضمنت هذه البشارة أَصْلَي (١) الدِّين: إثباتُ التوحيد، وإثباتُ النبوَّة، وهذا الذي قاله المسيح مطابقٌ لِمَا جاء به أخوه محمدُ بنُ عبد الله عن ربِّه من قوله له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. فمَنْ تأمَّلَ حال الرَّسولين الكريمين ودَعْولهما وجدَهما متوافِقَيْن متطابقين حَذْوَ القُذَّة بالقذة، وأنه لا يمكن التصديق بأحدهما مع التكذيب بالآخر البتَّة، وأن المكذِّب بمحمد ﷺ أشدُّ تكذيبًا للمسيح، الذي هو المسيح ابن مريم عبد الله ورسوله، وإن آمن بمسيحٍ لا حقيقةَ له ولا وجود، وهو أبطل الباطل. وقد قال يوحنا في كتاب "أخبار الحواريين" وهو يسمونه "أفركسيس" (٢): "يا أحبابي إيَّاكم أن تؤمنوا بكل روح، لكن مَيِّزوا الأرواح التي مِنْ عند الله من غيرها، واعلموا أنَّ كلَّ روح تؤمن بأن يسوع (٣) المسيح قد جاء وكان جسدانيًّا فهي من عند الله، وكل روح لا تؤمن بأن المسيح قد جاء وكان جسدانيّا فليست من عند الله، بل من المسيح الكذَّاب، الذي هو الآن في العالم" (٤). فالمسلمون يؤمنون بالمسيح الصَّادق الذي جاء من عند الله بالهدي ودينِ الحقِّ الذي هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلي مريم العذراء البَتُول. والنَّصاري إنما تؤمن بمسيحٍ دعا إلي عبادة نفسه وأمِّه وأنه ثالث

стр. 219

ثلاثة، وأنه الله وابن الله، وهذا هو أخو المسيح الكذَّاب (١) -لو كان له وجود- فإنَّ المسيح الكذاب يزعم أنه الله. والنصاري في الحقيقة أتباع هذا المسيح، كما أن اليهود إنما ينتظرون خُروجَه، وهم يزعمون أنهم ينتظرون النبيَّ الذي بُشِّروا به، فعوَّضهم الشيطان بعد مجيئه من الإيمان به انتظارًا للمسيح الدجَّال. وهكذا كلُّ مَنْ أعرض عن الحقِّ يُعَوَّض عنه بالباطل. وأصل هذا: أنَّ إبليس لما أعرض عن السجود لآدم كِبْرًا أن يخضع له تعوض بذلك ذُلَّ القيادة لكلِّ فاسق ومجرم من بنيه، فلا بتلك النخوة ولا بهذه الحرفة. والنَّصاري لما أَنِفُوا أنْ يكون المسيح عبدًا لله تعوَّضوا من هذه الأنفة بأن رضُوا بجعلِه (٢) مَصْفَعَةَ اليهود، ومصلوبَهم الذي يسخرون منه ويهزؤون به، ثم عقدوا له تاجًا من الشَّوك بدل تاج الملك، وساقوه في حبل إلي خشبة الصَّلْب يصفقون حوله ويرقصون. فلا بتلك الأنفة له من عبودية الله ولا بهذه النسبة له إلي أعظم الذلِّ والضيق والقهر. وكذلك أنِفُوا أن يكون للبترك والراهب زوجةٌ أو ولد وجعلوا لله ربِّ العالمين الوَلَدَ، وكذلك أنِفُوا أن يعبدوا الله وحْدَه لا شريك له ويطيعُوا عبدَه ورسولَه، ثم رضوا بعبادةِ الصليب والصُّوَر المصنوعة بالأيدي في الحيطان، وطاعةِ كلِّ مَنْ يحرِّم عليهم ما شاء ويحلِّل لهم ما شاء، ويشرع لهم من الدِّين ما شاء من تلقاء نفسه.

стр. 220

ونظيرُ هذا التَّعويضِ: أَنَفَةُ الجَهْمِيَّة (١) أن يكون الله -سبحانه- فوق سماواته علي عرشه بائنًا من خلقه حتي لا يكون محصورًا -بزعمهم- في جهة معيَّنة، ثم قالوا: هو في كلِّ مكان بذاته. فحصروه في الآبار والسجونِ والأنجاسِ والأخباثِ، وعوَّضوه بهذه الأمكنةِ عن عرشه المجيد. فليتأملِ العاقلُ لَعِبَ الشيطان بعقول هذا الخلق، وضَحِكَه عليهم، واستهزاءه بهم؟!. فصل وقولُ المسيحِ: "إذا انطلقتُ أرسلته إليكم" معناه أني أُرسلُه بدعاء ربي وطلبي منه أن يرسله. كما يطلب الطالب من وليِّ الأمر أن يُرْسلَ رسولًا أو يولِّي نائبًا أو يعطيَ أحدًا، فيقول: أنا أرسلتُ هذا وولَّيتُه وأعطيتُه. يعني أنّي كنت سببًا في ذلك، فإنَّ الله سبحانه إذا قضي أن يكون الشيء فإنه يقدر له أسبابًا يكون بها. ومن تلك الأسباب: دعاءُ بعضِ عباده بأن يفعل ذلك، فيكون في ذلك من النِّعمة إجابةُ دعائه مضافًا إلي نعمته بإيجاد ما قضي كونه. ومحمدٌ قد دعا به الخليل أبوه فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]. مع أنَّ الله -سبحانه- قد قضي بإرساله وأعلن باسمه قبل ذلك، كما قيل له: يا رسول الله: متي كنتَ نبيًّا؟ قال: "وآدمُ بينَ الرُّوحِ والجسد" (٢). وقال: "إني عند الله

стр. 221

لمكتوبٌ خَاتَمُ النبيِّيْن وإِنَّ آدم لَمُنْجَدِلٌ في طِيْنَتِهِ" (١). وهذا كما قضي الله -سبحانه- نَصْرَه يومَ بدرٍ. ومن أسباب ذلك استعانتُه بربِّه ودعاؤه وابتهالُه بالنَّصر. وكذلك ما يقضيه من إنزال الغيث قد يجعله بسبب ابتهال عبادِه ودعائِهم وتضرُّعِهِمْ إليه، وكذلك ما يقضيه من مغفرة ورحمةٍ وهدايةٍ ونصرٍ؛ قد يسبب له أدعية يحصل بها ممن ينال ذلك أو من غيره، فلا يمتنع أن يكونَ المسيح سأل ربَّه -بعد صعوده- أنْ يُرْسِلَ أخاه محمدًا إلي العالم، ويكون ذلك من أسباب الرسالة المضافةِ إلي دعوة أبيه إبراهيم، لكنَّ إبراهيم سأل ربَّه أن يُرْسلَه في الدنيا، فلذلك ذكره الله -سبحانه-، وأما المسيح فإنما سأله بعد رَفْعِه وصعودِه إلي السماء. فصل وتأمَّلْ قَوْلَ المسيح: "إني لستُ أدَعُكم أيتامًا لأني سآتيكم عن قريب" كيف هو مطابقٌ لقول أخيه محمدِ بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليهما-: "ينزل فيكم ابنُ مريمَ حَكَمًا عَدْلًا، وإمامًا مُقْسِطًا، فيقتلُ

стр. 222

الخِنزيْرَ، ويكسرُ الصَّليبَ، ويَضَعُ الجِزْيةَ" (١)، وأوصي أمَّته بأن "يقرئه السلام منه من لقيه منهم" (٢)، وفي حديث آخر: "كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسي في آخرها" (٣)؟ فصل وقد تقدَّم نصُّ التوراة "تجلَّي الله من طور سينا، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران" (٤)، قال علماء الإسلام -وهذا لفظ أبي محمد بن قتيبة (٥) -: ليس بهذا خفاء علي من تدبَّره ولا غموض؛ لأن مجيء الله من طور سينا: إنزاله التوراة علي موسي من طور سينا، كالذي هو عند أهل الكتاب وعندنا. وكذلك يجب أن يكون "إشراقه من ساعير": إنزاله الإنجيل علي المسيح، وكان المسيح من "ساعير" أرض الخليل بقرية تدعي "ناصرة"، وباسمها تسمَّي من اتَّبعه (٦) "نصاري".

стр. 223

وكما وجب أن يكون إشراقه من "ساعير" بالمسيح فكذلك يجب أن يكون "استعلانه من جبال فاران": إنزالُه القرآنَ علي محمد ﷺ ، وجبالُ فارانَ هي جبالُ مكةَ. قال (١): وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلافٌ في أنَّ فَارانَ هي مكة. فإنِ ادَّعَوا أنها غير مكةَ؛ فليس يُنْكَر ذلك من تحريفِهم وإفكهم. قلنا: ألَيْسَ في التوراة: "أن إبراهيم أسْكَنَ هاجر وإسماعيل فاران" (٢)؟! وقلنا: دلُّونا علي الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبيِّ الذي أنزل عليه كتابًا بعد المسيح؟! أَوَليس "استعلن" و"عَلَن" بمعنىً واحد، وهما ظهر وانكشف، فهل تعلمون دينًا ظهر ظهورَ دينِ الإسلام وفَشَا في مشارق الأرض ومغاربها فشوَّه؟! قال علماء الإسلام: "وساعير" جبالٌ بالشام منه ظهور نبوة المسيح، وإلي جانبه قرية بيت لحم، القرية التي ولد فيها المسيح، تسمي اليوم "ساعير" ولها جبال تسمي ساعير، وفي التوراة أنَّ نسل العيص كانوا سكانًا بساعير، وأمر الله موسي أنْ لا يؤذيهم. قال شيخ الإسلام (٣): وعلي هذا فيكون قد ذكر الجبال الثلاثة: "حراء" الذي ليس حولَ مكةَ أعلي منه، وفيه ابْتُدِيءَ رسولُ الله ﷺ بنزول الوحي عليه، وحولَه جبالٌ كثيرة، وذلك المكان يسمي فاران إلى هذا

стр. 224

اليوم. والبريَّةُ التي بين مكةَ وطورِ سينا تسمي بريَّة فَارانَ ولا يمكن أحدًا أن يدَّعي أنه بعد المسيح نزل كتابٌ في شيء من تلك الأرض ولا بُعِثَ نبيٌ. فعُلِمَ أنه ليس المراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمد ﷺ ، وهو -سبحانه- ذكر هذا في التوراة علي ترتيب الزمان (١)؛ فذكر إنزالَ التوراةِ ثم الإنجيل، ثم القرآن. وهذه الكتب نور الله وهُداه، وقال في الأول: "جاء وظهر"، وفي الثاني: "أشرق"، وفي الثالث: "استعلن"؛ فكان مجيءُ التوراة مثل طلوع الفجر، ونزولُ الإنجيل مثل إشراق الشمس، ونزولُ القرآن بمنزلة ظهور الشمس في السماء. ولهذا قال: "واستعلن من جبال فاران" فإنَّ محمدًا ﷺ ظهر به نور الله وهداه في مشرق الأرض ومغربها أعْظَمَ مما ظهر بالكتابين المتقدِّمَيْن، كما يظهر نور الشمس في مشارق الأرض ومغاربها إذا استعلنت وتوسَّطتِ السماءَ (٢)، ولهذا سمَّاه الله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]. وسمى الشمس: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣] والخَلْقُ يحتاجون إلي السراج المنير أعْظمَ من حاجتهم إلي السراج الوهَّاج، فإن هذا يحتاجون إليه في وقت دون وقت، وأمَّا السراج المنير فيحتاجون إليه كلَّ وقت، وفي كل مكان، ليلًا ونهارًا، سرًّا وعلانيةً. وقد ذكر الله تعالي هذه الأماكن الثلاثة في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣] فالتين والزيتون: هو في الأرض المقدَّسة التي بُعِثَ منها المسيح، وأُنزل عليه فيها الإنجيل، وطور سينين: وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسي تكليمًا وناداه من

стр. 225

واديه الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة التي فيه، وأقسم بالبلد الأمين: وهو مكةَ التي أسكن إبراهيم وإسماعيل وأمَّه فيه، وهو فاران كما تقدم، ولما كان ما في التوراة خبرًا عن ذلك أخبر به علي الترتيب الزمانيِّ، فقدَّم الأسبق، ثم الذي يليه. وأمَّا القرآن فإنَّه أقسم بها تعظيمًا لشأنها وإظهارًا لقدرته وآياته وكتبه ورسله، فأقسم بها علي وجه التدريج درجةً بعد درجةً، فبدأ بالعالي، ثم انتقل إلى أعلي منه، ثم أعلي منهما، فإنَّ أشرفَ الكتب القرآنُ، ثم التوراة، ثم الإنجيل. وكذلك الأنبياء الثلاثة (١). فصل وهذا الذي ذكره ابن قتيبة وغيره من علماء المسلمين، مَنْ (٢) تأمل التوراة وجدها ناطقةً به صريحةً فيه، فإنَّ فيها: "وغدا إبراهيم فأخذ الغلام وأخذ خبزًا وسقاء من ماء ودفعه إلى هاجر وحمله عليها، وقال لها: اذهبي، فانطلقتْ هاجر، ونَفِدَ الماءُ الذي كان معها، فطرحتِ الغلامَ تحت شجرة، وجلستْ مقابلته علي مقدار رَمْيَةِ الحجر، لئلا تُبْصرَ الغلامَ حين يموت، ورفعتْ صوتها بالبكاء، وسمع اللهُ صوت الغلام حيث هو، فقال لها الملك: قومي فاحملي الغلامَ وشدِّي يدك به، فإني جاعله لأمة عظيمة، وفتح الله عينيها فبصرت ببئر ماء، فسقت الغلام، وملأت سِقَاءَهَا، وكان الله مع الغلام فتربَّى وسَكَنَ في برّيَّة فارانَ" (٣). فهذا نصُّ التوراة: أن إسماعيل رُبِّي وسكن في برية "فاران" بعد أن

стр. 226

كاد يموت من العطش، وأنَّ الله سقاه من بئر ماء. وقد عُلِم بالتواتر واتفاق الأمم أن إسماعيل إنما رُبّي بمكة، وهو وأبوه إبراهيم بَنَيا البيت، فعُلِمَ قطعًا أنَّ "فاران" هي أرض مكة. ومثل هذه البشارة من كلام شمعون (١) فيما قبلوه ورضوا ترجمته: "جاء الله من جبال فاران، وامتلأتِ السمواتُ والأرض من تسبيحه وتسبيحِ أمته" (٢). ولم يَخْرج أحدٌ من جبال فاران التي امتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته سوي محمد ﷺ ، فإنَّ المسيح لم يكن بأرض فاران البتَّة، وموسي إنما كُلِّم من الطور، والطور ليس من أرض فاران، وإن كانت البرية التي بين مكة والطور تسمي برّيَّة فاران فلم يُنْزِلِ الله فيها التوراةَ، وبشارةُ التوراة قد تقدَّمت بجبل الطور، وبشارة الإنجيل بجبل ساعير. فصل ونظير هذا: ما نقلوه ورضوا ترجمته في نبوة حَبْقوق: "جاء الله من التِّيْن (٣) وظَهَرَ القُدُس علي جبال فاران، وامتلأتِ الأرض من تحميد أحمد، وملك بيمينه رقاب الأمم، وأَنارتِ الأرضُ لنوره، وحملت خيله

стр. 227

في البحر" (١). قال ابن قتيبة (٢): وزاد فيه بعض أهل الكتاب: "وستنزع في قِسِيِّك أعراقا وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواءً". وهذا إفصاحٌ باسمه وصفاته، فإنِ ادَّعوا أنه غيره، فمن أحمدُ هذا الذي امتلأت الأرض من تحميده، الذي جاء من جبال فاران فَمَلَك رقابَ الأُمم؟! (الوجه السادس) (٣): قوله في الفصل التاسعِ من السفر الأول من التوراة: "إنَّ هاجر لما فارقت سارة وخاطبها المَلك فقال: يا هاجر من أين أقْبَلْتِ؟ وإلي أين تريدينَ؟ فلما شرحت له الحال قال: ارجعي فإنّي سأكثِّر ذريتك وزرعك حتي لا يُحْصَونَ، وها أنت تحبلين وتلدين ابنًا اسمه إسماعيل، لأنَّ الله قد سمع ذلك وخُضُوعَك، وولدُك يكون وحْشَ الناس، يدُه فوقَ يدِ الجميع، ويدُ الكلِّ به، ويكون مسكنُه (٤) علي تخوم (٥) جميع إخوته" (٦). قال المستخرجون لهذه البشارة (٧): معلوم أنَّ يد بني إسماعيل قبل مبعث محمد ﷺ لم تكن فوق أيدي بني إسحاق، بل كان في أيدي بني إسحاق النبوَّة والكتاب، وقد دخلوا مصر زمنَ يوسفَ مع يعقوب، فلم

стр. 228

يكن لبني إسماعيل فوقَهم يدٌ، ثم خرجوا منها لما بُعِث موسي، وكانوا مع موسي من أعزِّ أهل الأرض، ولم يكن لأحدٍ عليهم يَدٌ، ولذلك كانوا مع يوشع إلى زمن داود ومُلْكِ سليمانَ، الملكِ الذي لم يُؤْتَ أحدٌ مِثْلَه، فلم تكن يد بني إسماعيل عليهم، ثم بَعثَ اللهُ المسيحَ فكفروا به وكذَّبوه، فدمَّر عليهم تكذيبهم إياه وزال ملكهم، ولم يقم لهم بعده قائمة، وقطَّعهم الله في الأرض أُممًا. وكانوا تحت حكم الروم والفرس وقهرهم، ولم يكن يد ولد إسماعيل عليهم في هذا الحال، ولا كانت فوق يد الجميع إلى أن بعثَ اللهُ محمدًا ﷺ برسالته وأكرمه الله بنبوَّته فصارت بمبعثه يَدُ بني إسماعيل فوقَ الجميع، فلم يَبْقَ في الأرض سلطان أعزّ من سلطانهم، بحيث قهروا سلطانَ فارس والرُّوم والترك والدَّيْلم، وقهروا اليهودَ والنصاري والمجوسَ والصابئةَ وعُبَّادَ الأصنام، فظهر بذلك تأويلُ قولِه في التوراة: "ويكون يده فوق يد الجميع، ويد الكل به" (١). وهذا أمرٌ مستمرٌّ إلى آخر الدهر. قالت اليهود: نحن لا ننكر هذا، لكن هذه بشارة بملكه وظهوره وقهره لا برسالته ونبوَّته. قال المسلمون: المُلْكُ مُلْكانِ: مُلْكٌ ليس معه نبوَّة، بل ملك (٢) جبار متسلِّط، ومُلْأ نفسُه نبوَّة. والبشارة لم تقع بالملك الأول، ولاسيما إن ادَّعي صاحبه النبوة والرسالة وهو كاذبٌ مفترٍ (٣) علي الله فهو من

стр. 229

شرِّ الخلق وأفجرهم وأكفرهم، فهذا لا تقع البشارة بِمُلْكِه وإنما يقع التحذير من فتنته كما وقع التحذير من فتنة الدجَّال، بل هذا شرٌّ من سنحاريب وبختنصر، والملوك الظَّلَمة الفجرة الذين يَكْذِبُون (١) علي الله، فالأخبار لا تكون بشارة، ولا تفرح به هاجر وإبراهيم، ولا بشَّر أحدٌ (٢) بذلك، ولا يكون ذلك إثابة لها من خضوعها وذُلّها وأن الله قد سمع ذلك ويعظِّم هذا المولود ويجعله لأمة عظيمة، وهذا عند الجاحدين بمنزلة أن يقال: إنكِ ستلدين جبارًا ظالمًا طاغيًا، يقهر الناس بالباطل، ويقتل أولياء الله، ويَسْبِي حَرِيْمَهُم، ويأخذ أموالَهم بالباطل، ويبدِّل أديانَ الأنبياء، ويكذبُ علي الله، ونحو ذلك. فمن حملَ هذه البشارةَ علي هذا فهو من أعظم الخَلْق بُهْتانًا وفِرْيةً علي الله، وليس هذا بمُسْتنكَرٍ لأمة الغضب، وقَتَلَةِ الأنبياء، وقومِ البَهْتِ (٣). (الوجه السابع): قول داود في الزبور (٤): "سَبِّحوا الله تسبيحًا جديدًا، ليفرحْ إسرائيل بخالقه، وبيوت (٥) صهيون من أجل أنّ الله اصطفي له أمته وأعطاه النصر، وسدَّد الصالحين بالكرامة يسبِّحون علي مضاجعهم، ويكبِّرون الله بأصواب مرتفعةٍ بأيديهم سيوف ذات شفرتين،

стр. 230

وينتقم (١) بهم من الأمم الذين لا يعبدونه (٢)، يُوثِقُون ملوكَهم بالقيود، وأشرافَهم بالأغلالِ" (٣). وهذه الصفات إنما تنطبق علي محمد وأمته، فهم الذين يكبِّرون الله بأصواتهم مرتفعة في أذانهم للصلوات الخمس وعلي الأماكن العالية، قال جابر: "كنَّا مع النبيِّ ﷺ إذا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، وإذا هبطنا سَبَّحْنَا" (٤). فوُضِعَتِ الصلاةُ علي ذلك. وهم (٥) يكبِّرون الله بأصواتٍ عالية مرتفعةٍ في الأذان، وفي عيد الفطر، وعيد النَّحْر، وفي عشر ذي الحجة، وعقيب الصلوات في أيام مِنًى. وذَكَر البخاريُّ عن عمر بن الخطاب أنه كان يكبِّر بمني فيسمعه أهل المسجد فيكبِّرون بتكبيره، فيسمعهم (٦) أهْلُ الأسواق فيكبِّرون، حتي ترتجَّ منى تكبيرًا (٧). وكان أبو هريرةَ وابنُ عُمر يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبِّران ويكبِّر الناسُ بتكبيرهما (٨)، ويكبِّرون أيضًا علي قَرَابِيْنهم وضحاياهم، وعند رَمْي الجِمَار، وعلي الصَّفا والمَرْوَة، وعند محاذاة الحَجَر الأسْوَد،

стр. 231

وفي أدبارِ الصَّلوات الخمس. وليس هذا لأحدٍ من الأمم -لا أهل الكتاب ولا غيرهم- سواهم، فإنَّ اليهود يَجْمعون الناس بالبُوق، والنَّصاري بالناقوس، وأما تكبيرُ الله بأصوات مرتفعة، فشعار محمدِ بنِ عبد الله وأمَّتِه. وقوله: "بأيديهم سيوف ذات شفرتين" فهي السيوف العربيةُ التي فتح الصحابةُ بها البلادَ، وهي إلى اليوم معروفة لهم. وقوله: "يسبِّحون علي مضاجعهم" هو نعت للمؤمنين ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]. ومعلوم قطعًا: أنَّ هذه البشارة لا تنطبق علي النصاري ولا تناسبهم، فإنهم لا يكبِّرون الله بأصوات مرتفعة، ولا بأيديهم سيوفٌ ذات شفرتين ينتقم الله بهم من الأمم. والنصاري تعيب مَنْ يقاتل الكفَّار بالسيف، وفيهم من يجعل هذا من أسباب التنفير عن محمد ﷺ ، ولجهلهم وضلالهم لا يعلمون أنَّ موسي قاتل الكفَّار، وبعده يوشع بن نون، وبعده داود وسليمان وغيرهم من الأنبياء، وقبلهم إبراهيم الخليل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-. (الوجه الثامن) (١): قول داود: "ومن أجل هذا باركَ اللهُ عليك إلى الأبد، فتقلَّدْ أيها الجبارُ السيفَ، لأنَّ البهاءَ لوجهك، والحمد الغالب عليك، اركب كلمة الحق، وسَمْت التألُه، فإنَّ ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك، وسهامك مسنونة، والأمم يخرُّون تحتك" (٢).

стр. 232

وليس متقلِّد السيف بعد داود من الأنبياء سوي محمد ﷺ ، وهو الذي خرَّتِ الأمم تحته، وقُرِنَتْ شرائعه بالهيبة: إمَّا القبول وإما الجزية، وإما السيف. وهذا مطابقٌ لقوله ﷺ : "نُصِرْتُ بالرُّعب مَسِيْرَةَ شهرٍ" (١). وقد أخبر داود أنَّ لهَ ناموسًا وشرائع، وخاطبه بلفظ الجبَّار إشارة إلى قوته وقهره لأعداء الله، بخلاف المستضعف المقهور. وهو ﷺ نبيُّ الرحمة، ونبيُّ الملحمة (٢)، وأمَّتُه أشدَّاءُ علي الكفَّار رحماءُ بينهم، أذلَّة علي المؤمنين أعزَّة علي الكافرين. بخلاف الأذلّاء المقهورين المستكبرين، الذين يذلون لأعداء الله ويتكبَّرون عن قَبُولِ الحقِّ. (الوجه التاسع) (٣): قول داود في مزمور آخر: "إنَّ الله سبحانه أظهرَ مِنْ صِهْيَوْنَ إكليلًا محمودًا". وضرب الإكليل مثلًا للرياسة والإمامة، ومحمود هو محمد ﷺ . وقال في صفته: "ويحوزُ من البحر إلى البحر، ومن لَدُنِ الأنهار إلى مُنقَطَع الأرض، وإنه لتَخِرُّ أهل الجزائر بين يديه علي رُكَبِهم، وتلحس أعداؤه التراب، تأتيه ملوك الفرس (٤) وتسجدُ له، وتدين له الأُمم بالطاعة والانقياد، ويخلِّص المضطهد البائس ممن هو

стр. 233

أقوي منه، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويرأَفُ بالمساكين والضعفاء، ويصلَّي عليه في كلِّ وقت ويبارك" (١). ولا يشكُّ عاقل تدبَّر أمور الممالك والنبوات وعرف سيرة محمد ﷺ وسيرة أمته من بعده: أنَّ هذه الأوصاف لا تنطبق إلا عليه وعلى أمته، لا علي المسيح ولا علي نبي غيره، فإنه جاز من البحر الرُّوميِّ إلى البحر الفارسيِّ. ومن لدن الأنهار: جَيْحُونَ وسَيْحُونَ والفُراتِ (٢) إلى منقطع الأرض بالغرب. وهذا مطابقٌ لقوله ﷺ : "زُوِيَتْ ليَ الأرضُ فأُرِيْتُ مشَارِقَها ومَغَارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أمَّتِي ما زُوِيَ لي مِنْهَا" (٣). وهو الذي يُصَلَّي عليه ويُبَارك في كل حين وفي كلِّ صلاةٍ من الصلوات الخمس وغيرها، وهو الذي خرَّت أهل الجزائر بين يديه: أهل جزيرة العرب، وأهل الجزيرة التي بين الفراتِ ودِجْلَةَ، وأهل جزيرة الأَندَلُس، وأهل جزيرة قُبْرص، وخضعت له ملوك الفرس؛ فلم يَبْقَ فيهم إلا من أَسْلَمَ أو أدَّي الجزية عن يَدٍ وهم صَاغِرونَ، بخلاف ملوك الروم؛ فإنَّ فيهم من لم يُسْلِمْ ولم يؤدِّ الجزيةَ. فلهذا ذكر في البشارة مُلوكَ الفُرْسِ خاصَّة، ودانتْ له الأُمم التي سمعت به وبأمته، (فهم بين مؤمنٍ به، ومسالمٍ له، ومنافقٍ معه، وخائفٍ منه) (٤).

стр. 234

وأنقذَ الضعفاءَ من الجبَّارين، وهذا بخلاف المسيح؛ فإنه لم يتمكَّنْ هذا التَّمَكُن في حياته (١)، ولا مَنِ اتَّبعه بعد رَفْعِه إلى السماء، ولا حَازُوا ما ذكر، ولا يُصلُّون عليه ويُبَاركونَ في اليوم والليلة، فإن القوم يَدَّعون إلاهِيَّتَهُ ويصلُّون له. (الوجه العاشر) (٢): قوله في مزمور آخر: "لترتاحَ البَوادي وقُراها ولتصير أرضُ قِيْدَار مروجًا، ولتسبِّح سكانُ الكهوف ويهتفوا من قُلَلِ الجبال بحمد الربِّ، ويذيعوا تسابيحه في الجو" (٣). فَمَنْ أهلُ البوادي من الأمم سوي أمةِ محمدٍ؟ ومَنْ "قِيْدَار" (٤) غير ولد إسماعيل أحد أجداده ﷺ ؟ ومَنْ سُكَّان الكهوف وقُلَلِ الجبال سوي العرب؟ ومَنْ هذا الذي دام ذِكْرُه إلى الأبد غيره؟!. (الوجه الحادي عشر) (٥): قوله في مزمور آخر: "إنَّ ربَّنا عظَّم محمودًا جدًّا" (٦)، وفي مكان آخر: "إلهنا قُدُّوس، ومحمد قد عمَّ الأرض كلَّها فرحًا" (٧). فقد نصَّ داود علي اسم محمد وبلده، وأنَّ كلمته قد عمَّتِ الأرض.

стр. 235

(الوجه الثاني عشر): قوله في الزَّبور لداود: "سَيُولَد لك ولدٌ أُدْعَي له أبًا ويُدْعَي لي ابنًا. اللهمَّ ابعثْ جَاعلَ السُّنَّة كي يعلِّم الناس أنه بشرٌ" (١). وهذه أخبارٌ عن المسيح ومحمد ﷺ قبل ظهورهما بزمن طويل. يريد: ابعث محمدًا حتي يعلم الناس أن المسيح بشر ليس إلهًا، وأنه ابن البشر لا ابن خالق البشر، فبعث الله هادي الأمة وكاشف الغُمَّة فبيَّن للأُمم حقيقة أمر المسيح وأنه عبدٌ كريمٌ ونبيٌّ مُرْسَل، لا كما ادَّعَتْه فيه النَّصاري، ولا كما رَمَتْه به اليهود. (الوجه الثالث عشر) (٢): قوله في نبوة إشعياء: "قيل لي: قم نظَّارًا فانظر ما ترى تخبر (٣) به، قلت: أري راكِبَيْن مُقْبِلَيْن؛ أحدهما علي حمار. والآخر علي جمل، يقول أحدهما لصاحبه: سقطتْ بابل وأصنامُها للبحر" (٤). وصاحب الحمار عندنا وعند النصارى هو (٥) المسيح، وراكب الجمل هو محمد صلوات الله وسلامه عليهما، وهو أشهر بركوب الجمل من المسيح بركوب الحمار، وبمحمد ﷺ سقطت أصنام بابل لا بالمسيح، ولم يزل في إقليم بابل من يعبد الأوثان من عهد إبراهيم

стр. 236

الخليل إلى أنْ سقطتْ بمحمد ﷺ . (الوجه الرابع عشر) (١): قوله في نبوة (٢) إشَعْيَاء أنه قال عن مكة: "ارفعي إلى ما حَوْلَك بَصَرَكِ، فستبهجين وتفرحين من أجل أنَّ الله تعالى يُصَيِّر إليك ذخائر البحر، وتحج إليك عساكر الأمم، حتي تعمَّ بك قطر الإبل المؤبَّلة (٣)، وتضيق أرضك عن المقطرات التي تجتمع إليك، وتساق إليك كباش مَدْيَنَ، ويأتيك أهل سبأ، وتسير إليك أغنام فاران، وتخدمك رجال (٤) نباوت" (٥). يريد سدنة الكعبة وهم أولاد نبت ابن إسماعيل. قالوا: فهذه الصفات كلها حصلتْ لمكة (٦)، فإنها حُمِلتْ إليها ذخائر البحر، وحج إليها عساكر الأمم وسيق إليها أغنام فاران هدايا وأضاحي وقرابين، وضاقت الأرض عن قطرات الإبل المؤبَّلة الحاملةِ للناس وأزْوَادِهِمْ، وأتاها أهلُ سبأ وهم أهل اليمن. (الوجه الخامس عشر) قول إشَعْيَا في مكة أيضًا: "وقد أقسمت بنفسي كقسمي أيام نوح أنّي أُغرِق الأرض بالطوفان أني لا أسخط (٧)

стр. 237

عليك ولا أرفضك، وأن الجبال تزول وأن التلاع (١) تنحط = ورحمتي عليك لا تزول" (٢). ثم قال: "يا مسكينة، يا مضطهدة! ها أنذا بانٍ بالجصِّ (٣) حِجارَتَكِ، ومزيِّنُكِ بالجواهر، ومكلِّل باللؤلؤ سقفك، وبالزَّبَرْجَدِ أبوابَكِ، وتبعدين من الظلم فلا تخافي، ومن الضعف فلا تضعفي، وكل سلاح يصنعه صانع فلا يعمل فيك، وكلّ لسان ولغة تقوم معك بالخصومة تفلحين معها، ويسميك الله اسمًا جديدًا -يريد أنه سماها المسجد الحرام- فقومي فأشْرِقي فإنه قد دنا نورك، ووَقَارُ الله عليك (٤) انظري بعينيك حولك، فإنهم مجتمعون يأتونك بنوك وبناتك عَدْوًا فحينئذ تشرقين وتزهرين (٥)، ويخاف عدوك، وليتسع قلبك، وكل غنم قيدار تجتمع إليك، وسادات نباوت يخدمونك" (٦). و"نباوت" (هم أولاد نبت) (٧) بن إسماعيل. و"قِيدار" جدُّ النبي ﷺ ، وهو أخو نبت (٨) بن إسماعيل. ثم قال: "وتفتح أبوابك الليل والنهار لا تغلق، ويتخذونك قبلة،

стр. 238

وتُدْعَيْن بعد ذلك: مدينة الرّبِّ" (١). (الوجه السادس عشر) (٢): قوله أيضًا في مكة: "سري واهتزِّي أيتها العاقر التي لم تلد، وانطقي بالتسبيح، وافرحي ولم تحبلي، فإنَّ أهلك يكونون أكثر من أهلي" (٣). يعني بأهله بيت المقدس، ويعني بالعاقر مكة لأنها لم تلد قبل محمد النبي ﷺ نبيًّا (٤)، ولا يجوز أن يريد بالعاقر: بيت المقدس؛ لأنه بيت الأنبياء ومعدن الوحي، وقد (ولد أنبياء كثيرًا) (٥). (الوجه السابع عشر) قول إشَعْيَا أيضًا لمكة -شرفها الله-: "إني أعطي البادية كرامة لبنان وبهاء الكنزمال" (٦). وهما الشام وبيت المقدس. يريد: أجعل الكرامة التي كانت هناك بالوحي، (في ظهور) (٧) الأنبياء للبادية بالنبي ﷺ وبالحج. ثم قال: "ويشق بالبادية مياهُ (٨) وسَوَاقٍ في الأرض الفلاة، ويكون بالفيافي والأماكن العطاش ينابيع ومياه، ويصير هناك مَحَجَّة وطريق الحَرَمِ، لا يمرُّ به أنجاس الأمم، والجاهل به لا يصل (٩) هناك، ولا

стр. 239

يكون بها سباع ولا أُسْدٌ، ويكون هناك ممرُّ المخلصين" (١). (الوجه الثامن عشر) قول إشَعْيَا أيضًا -في كتابه- عن الحَرَمِ: "إن الذئب والجمل فيه يرتعان معًا" (٢). إشارة إلى أمنه الذي خصَّه الله به دون بقاع الأرض، ولذلك سماه "البلد الأمين"، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقال -يعدِّد نعمه علي أهله-: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾. [سورة قريش]. (الوجه التاسع عشر): قول إِشَعْيَا أيضًا معلنًا باسم رسول الله ﷺ : "إني جعلت أمرك يا محمد بالحمد، يا قُدُّوسَ الربِّ اسمك موجودٌ من الأبد" (٣). فهل بقي بعد ذلك لزائغٍ مقالٌ أو لطاعنٍ مجالٌ؟!. وقوله: "يا قدوس الرب" معناه يا من طهَّره الربُّ وخلَّصه واصطفاه. وقوله: "اسمك موجود من الأبد" مطابقٌ لقول داود في مزمور له: "اسمك موجود قبل الشمس" (٤).

стр. 240

(الوجه العشرون) قول إشَعْيَا في ذكر الحَجَر الأسود: "قال الربُّ والسيد ها أنذا مؤسس بصِهْيَونَ حَجَرًا في زاوية ركن منه، فمن كان مؤمنًا فلا يستعجلنا، وأجعلُ العدل مثلَ الشَّاقول، والصدق مثل الميزان، فيهلك الذين ولعوا بالكذب" (١). فصِهْيَوْن هي مكة عند أهل الكتاب. (وكذا كلُّ بيتٍ بني للصلاة. وصهيون أيضًا: الأرض المقدسة) (٢). وهذا الحجر الأسود الذي يُقَبِّله الملوك فمن دونهم، وهو مما اختصَّ به محمد وأمته. (الوجه الحادي والعشرون) (٣): قول إشَعْيَا في موضع آخر: "إنه ستملأ البادية والمدن قصورًا إلى قيدار، ومن رؤوس الجبال، وينادونهم الذين يجعلون لله الكرامة ويثنون بتسبيحه في البر والبحر". وقال (٤): "ارفع علمًا لجميع الأمم من بعيد، فيصفر بهم من أقصى الأرض فإذا هم سراع يأتون" (٥). وبنو قيدار هم العرب؛ لأن قيدار هو ابن إسماعيل بإجماع الناس، والعَلَم الذي يرفع هو النبوَّة، الصفير بهم: دعاؤهم من أقاصي الأرض إلى الحج، فإذا هم سرَاعٌ يأتون، وهذا مطابقٌ لقوله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].

стр. 241

(الوجه الثاني والعشرون): قول إشَعْيَا في موضع آخر: "سأبعث من الصَّبا قومًا يأتون من المشرق مجيبين أفواجًا كالصعيد كثرةً، ومثل الطَيَّان الذي يَدُوسُ برِجْلِه الطِّينَ" (١). "والصَّبَا" يأتي من نحو مطلع الشمس. بعث الله سبحانه من هناك قومًا من أهل المشرق مجيبين بالتلبية كالتراب كثرةً. وقوله: "ومثل الطيَّان الذي يدوس برِجْلِه الطين" إما أنْ يراد به الهرولة بالطواف والسعي، وإما أنْ يراد به رجالٌ قد كلَّت أرجلهم من المشي. (الوجه الثالث والعشرون): في كتاب إشَعْيَا أيضًا: "عبدي وخيرتي ورضى نفسي، أفيض عليه روحي" أو قال: "أنزل عليه روحي، فيُظْهِر في الأمم عَدْلي ويُوصِي الأمم بالوصايا، لا يَضْحكُ، ولا يُسمع صوته، يَفْتَح العيونَ (٢) العُمْيَ العُوْرَ، ويُسمع الآذانَ الصُمَّ، ويحيي القلوبَ الغُلفَ، وما أعطيه لا أُعطي غيرَه، (لا يَضْعُفُ ولا يُغْلَب) (٣)، ولا يميل إلى اللهو، ولا يُسْمَع في الأسواق صوتُه، ركنٌ للمتواضعين، وهو نور الله الذي لا يُطفَأ، ولا يُخْصَمُ حتى يثبت في الأرض حجّتي، وتنقطع به المعذرة" (٤). فمن وُجِدَ بهذا الوصف غيرُ محمدِ بنِ عبد الله -صلوات الله وسلامه

стр. 242

عليه-؟ فلو اجتمع أهل الأرض لم يقدروا أن يذكروا نبيًّا جَمعَ هذه الأوصاف كلَّها -وهي باقية في أمته إلى يوم القيامة- غيره: لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا. فقوله: "عبدي" موافق لقوله في القرآن: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. وقولهِ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]. وقولهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]. وقولُه: "وخيرتي ورضى نفسي" مطابقٌ لقوله ﷺ : "إنَّ الله اصْطَفَى كنانةَ من ولدِ إسماعيلَ، واصطَفَى قريشا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريشٍ، واصْطَفَاني من بني هاشم" (١). وقوله: "لا يضحك" مطابقٌ لوصفه الذي كان عليه ﷺ قالت عائشة: "ما رأيت رسولَ الله ﷺ ضاحكًا حتى تَبْدُوَ لَهَواتُه، إنَّما كان يتبسم تبسُّمًا" (٢)؛ وهذا لأنَّ كثرة الضحك من خفة الروح ونقصان العقل، بخلاف التبسُّم فإنه من حُسْنِ الخُلُق وكمال الإدراك. وأما صفته ﷺ في بعض الكتب المتقدِّمة بأنه: "الضَّحوك القتَّال" فالمراد به: أنه لا يمنعه ضَحِكُه وحُسْنُ خلقِهِ إذا كان جدًا لله وحقًّا له، ولا يمنعه ذلك عن تبسمه في موضعه، فيعطي كلَّ حالٍ ما يليق بتلك الحال؛ فَتَرْكُ الضَّحِك بالكليّة مِنَ الكِبْر والتَّجبُّر وسُوء الخلُق. وكثرتُه مِنَ الخِفَّة

стр. 243

والطَّيْش، والاعتدالُ بين ذلك (١). وقوله: "أنزل عليه روحي" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]. وقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]. فسمَّى الوحي روحًا؛ لأن حياة القلوب والأرواح به، كما أنَّ حياة الأبدان بالأرواح. وقوله: "فيُظْهِرُ في الأُمم عَدْلي" مطابق قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، وقوله عن أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقوله: "يُوصِي الأُمم بالوصايا" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وقوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ

стр. 244

عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]. ووصاياه ﷺ هي عهودُه إلى الأمة بتقوى الله وعبادته وحده لا شريك له، والتمسُّكِ بما بعثه الله به من الهدى ودين الحق، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه. وقوله: "ولا تسمع صوته" يعني ليس بصخَّاب له فديد (١) كحال من ليس له حِلْم ولا وَقَارٌ. وقوله: "يفتح العيونَ العُمْيَ والآذان الصُّمَّ والقلوب الغُلْفَ" إشارة إلى تكميل مراتب العلم والهدى الحاصل بدعوته في القلوب والأبصار والأسماع، فباينوا بذلك أحوال الصُّمِّ البُكْمِ العُمْي الذين لهم قلوب لا يعقلون بها، فإنَّ الهدى يصل إلى العبد من هذه الأبواب الثلاثة، وهي مغلقة عن كل أحد لا تفتح إلا على أيدي الرسِل، ففتح الله بمحمد ﷺ الأعْيُنَ العُمْيَ فأبصرتْ بالله، والآذانَ الصُّمَّ فسَمِعتْ عن الله، والقلوبَ الغُلْفَ فعقلتْ عن الله، فانقادت لطاعته عقلًا وقولًا وعملًا، وسلكتْ سبل مرضاته ذُللًا. وقوله: "وما أعطيه فلا أعطي غيره" مطابق لقوله ﷺ : "أُعطِيْتُ ما لم يُعْطَ أحدٌ من الأنبياء قبلي" (٢) ويقول الملائكة لَمَّا ضربوا له المثل: "لقد أُعطي هذا النبيُّ ما لم يعط نبيٌّ قبله؛ إنَّ عَيْنَيْهِ تَنامَانِ وقَلْبُه يَقْظَانُ" (٣).

стр. 245

فمن ذلك أنه بُعث إلى الخلق عامة، وخُتم به ديوان الأنبياء، وأنزل عليه القرآن الذي لمَ ينزل من السماء كتاب يشبهه ولا يقاربه، وأنزل على قلبه محفوظًا متلوًّا، وضمن له حفظه إلى أن يأتي الله بأمره، وأُوتي جوامع الكلم، ونُصر بالرُّعْب في قلوب أعدائه وبينهما مسيرة شهر، وجُعلَت صفوف أمتَه في الصلاة على مثال صفوف الملائكة في السماء، وجُعَلَت الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا، وأسْرِي به إلى أن جاوز السمَاوات السبع ورأى ما لم يَرَهُ بشرٌ قبله، ورُفع على سائر النبيين، وجُعل سيدَ ولد آدم، وانتشرت دعوته في مشارق الأرض ومغاربها، واتَّبعَه على دينه أتباعٌ أكثر من أتباع سائر النبيِّين من عهد نوح إلى المسيح، فأمَّتُه ثلثا أهل الجنة، وخصه بالوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة، وبالمقام المحمود الذي يَغْبطه به الأولون والآخرون، وبالشفاعة العظمى التي يتأخر عنها آدم ونوح وَإبراهيم وموسى وعيسى، وأعزَّ الله به الحقَّ وأهله عزًّا لم يُعزَّه بأحدٍ قبلَه (١). وأذلَّ به الباطل وحزبه ذلاًّ لم يحصل بأحدٍ قَبله. وآتاه من العلم والشجاعة والصبر (٢)، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والعبادات القلبية والمعارف الإلهية ما لم يُؤْتَهُ نبيٌّ قبله، وجُعِلت الحسنة منه ومن أمته بعشر أمثالها (٣) إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف

стр. 246

كثيرة، وتجاوز له عن أمته الخطأ والنسيان وما استكْرِهوا عليه، وصلَّى عليه هو وجميع ملائكته -عليهم صلوات الله وسلامه- وأمر عبادَه المؤمنين كلَّهم أن يُصلُّوا عليه ويُسلِّموا تسليمًا. وقرن اسمه باسمه فإذا ذُكِر الله ذُكر معه؛ كما في الخُطبة والتشهُّد والأذان، فلا يصحُّ لأحد أذانٌ ولا خطَبة ولا صلاة حتى يشهد أنه عبده ورسوله، ولم يجعل لأحد معه أمرًا يُطاع لا ممن قبله، ولا ممن هو كائن بعده إلى أن تطوى الدنيا ومَنْ عليها، وأغلق أبوابَ الجنَّة إلا عمَّن سلك خَلفَه واقتدى به، وجعل لواء الحمد بيده؛ فآدمُ وجميع الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة، وجعله أولَ من تنشقُّ عنه الأرض، وأولَ شافع، وأول مشفع، وأول من يَقْرَعُ باب الجنَّة، وأولَ من يدخلُها، فلا يدخلها أحدٌ من الأولين والآخرين إلا بشفاعته. وأُعطي من اليقين والإيمان والصبر والثبات والقوة في أمر الله والعزيمة على تنفيذ أوامره، والرضى عنه والشكر له، والقنوع في مرضاته وطاعته ظاهرًا وباطنًا سرًّا وعلانيةً، في نفسه وفي الخلق = ما لم يُعْطه نبي قَبْله (١). ومن عرف أحوال العالم وسيَر الأنبياء وأممهم تبيَّن له أنَّ الأمر فوق ذلك، فإذا كان يومُ القيامة ظهرَ للخلائق (٢) منَ ذلك ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشرٍ أنّه يكون أبدًا. وقوله: "ولا يَضْعُف ولا يُغلب" هكذا كان حاله -صلوات الله وسلامه عليه- ما ضعف في ذات الله قط، ولا في حال انفراده وقلَّة أتباعه

стр. 247

وكثرة أعدائه واجتماع أهل الأرض على حربه، بل هو أقوى الخلق وأثبتُهِم جأشًا وأشجعُهم قلبًا، حتى إنه يوم أحد قُتِلَ أصحابُه وجُرِحوا، وما ضعُف ولا استكان، بل خرج من الغد في طلب عدوِّه -على شدة القرح- حتى أَرْعَبَ منه العدو وكرَّ خاسئًا على كثرة عَددِهم وعُدَدِهم وضَعفِ أصحابه، وكذلك يوم حُنَيْنٍ؛ أفرد عن الناس في نَفَرٍ يسير دون العشرة، والعدو قد أحاطوا به، وهم ألوف مؤلَّفة فجعل يثب (١) في العدو ويقول: أَنَا النبيُّ لا كَذِبْ … أَنَا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ ويتقدم إليهم، ثم أخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فولَّوا منهزمين (٢). ومَنْ تأمَّل سيرتَه وحروبَه عَلِمَ أنّه لم يطرق العالَمَ أشجعُ منه ولا أثبت ولا أصبر، وكان أصحابُه -مع أنَّهم أشجعُ الأمم- إذا حَمِي البَأْسُ واشتدَّ الحرب اتَّقوا به وتتَرَّسُوا به فكان أقربُهم إلى العدو، وأشجَعُهم هو الذي يكون قريبًا منه (٣). وقوله: "ولا يميل إلى اللهو"، هكذا كانت سيرته، كان أَبْعَدَ الناس من اللهو واللعب، بل أمْرُه كلّه جد وحزم وعزم، مجلسه مجلس حياءٍ وكَرَمٍ وعلمٍ وإيمان ووقار وسكينة.

стр. 248

وقوله: "ولا يسمع في الأسواق صوته" أي ليس من الصاخبين في الأسواق في طلب الدنيا والحرص عليها كحال أهلها الطالبين لها. وقوله: "ركن للمتواضعين" فإنَّ مَنْ تأمل سيرته وجده أعْظَم الناس تواضعًا للصغير والكبير والمسكين والأرملة والحر والعبد؛ يجلس معهم على التراب، ويُجيب دعوتَهم، ويَسمع كلامَهم، ويَنطلق مع أحدهمِ في حاجته، ويأخذ له حقَّه ممَّن لا يستطيع أن يُطالبه به، (ويَخْصِف نَعْله، ويَخِيط ثوبه) (١). وقوله: "وهو نور الله الذي لا يُطفأ ولا يخصم حتى يثبت في الأرض حجته وينقطع به العذر" وهذا مطابق لحاله وأمره، ولِمَا شهد به القرآن في غير موضع كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]. وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]. وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ونظائرُه في القرآن كثيرة.

стр. 249

وقوله: "حتى ينقطع به العذر وتثبت به الحجة" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ -إلى قوله- ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ١ - ٦]. وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]. وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٦، ١٥٧]. فالحجة إنما قامت على الخلق بالرسل، وبهم انقطعت المعذرة، فلا يمكن من بلغتْه دعوتُهم وخالَفَها أنْ يعتذر (١) إلى الله يوم القيامة؛ إذْ ليس له عذر يُقْبَل منه. وهذه البشارة مطابقة لما في "صحيح البخاري" أنه قيل لعبد الله بن عَمْرو: أخبِرْنا ببعض صفات رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: "إنه لموصوفٌ في التوراةِ ببعضِ صفتِه في القرآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزًا للأمّيِّيْن، أنت عَبْدِي ورَسُولي سَمَّيْتك المتوكِّلَ، ليس بِفظٍّ ولا غليظٍ ولا سَخَّابٍ بِالأسوَاقِ، ولا يَجْزِي بالسيِّئةِ السَّيئةَ ولكن يَجْزِي بالسيِّئةِ الحَسَنَةَ ويَعْفُو ويَغْفِرُ، ولَنْ أَقْبضَهُ حتى أُقِيْمَ بهِ المِلَّةَ العَوجَاءَ، فأفتحُ به أَعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلوبًا غُلْفًا = بأن

стр. 250

يقولوا: لا إله إلا الله" (١). وقوله: "إنَّ هذا في التوراة" لا يريد به التوراة المعيَّنة التي هي كتاب موسى؛ فإنَّ لفظ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور: يُرَاد به الكتب المعيَّنة تارةً، ويُراد به الجنس تارةً. فيعبَّر بلفظ القرآن عن الزبور، وبلفظ التوراة عن القرآن، وبلفظ الإنجيل عن القرآن أيضًا. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "خُفِّفَ على دَاوُدَ ﵇ القُرآنُ فكانَ مَا بينَ أنْ تُسْرَجَ دَابتُّه إلى أنْ يَرْكَبَها يقرأ القُرْآنَ" (٢) فالمراد به: قرآنه، وهو الزَّبُور. وكذلك قولُه في البشارة التي في التوراة: "نبيًّا أُقيم لبني إسرائيلَ مِنْ إخوتهم، أُنْزِل عليه توراةً مِثْلَ توراةِ موسى". وكذلك في صفة أمتِه ﷺ في الكتب المتقدِّمة "أناجيلُهم في صُدُورهم". فقوله: "أَخْبِرْني بصفة رسول الله في التوراة": إما أن يريد التوراة المعيَّنةَ أو جِنْسَ الكُتُب المتقدِّمة. وعلى التقديرين: فإجابةُ عبدِ الله بنِ عَمْرو بما هو في التوراة، أي التي هي أعمُّ من الكتاب المعين، فإن هذا الذي ذكره ليس في التوراة المعيَّنة بل هو في كتاب إِشَعْيَا كما حكيناه عنه، وقد ترجموه أيضًا بترجمةٍ أخرى فيها بعض الزيادة: "عبدي ورسولي الذي سُرَّتْ به نفسي،
следующие страницы →