← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 5705

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (517 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كثيرة، وتجاوز له عن أمته الخطأ والنسيان وما استكْرِهوا عليه، وصلَّى عليه هو وجميع ملائكته -عليهم صلوات الله وسلامه- وأمر عبادَه المؤمنين كلَّهم أن يُصلُّوا عليه ويُسلِّموا تسليمًا. وقرن اسمه باسمه فإذا ذُكِر الله ذُكر معه؛ كما في الخُطبة والتشهُّد والأذان، فلا يصحُّ لأحد أذانٌ ولا خطَبة ولا صلاة حتى يشهد أنه عبده ورسوله، ولم يجعل لأحد معه أمرًا يُطاع لا ممن قبله، ولا ممن هو كائن بعده إلى أن تطوى الدنيا ومَنْ عليها، وأغلق أبوابَ الجنَّة إلا عمَّن سلك خَلفَه واقتدى به، وجعل لواء الحمد بيده؛ فآدمُ وجميع الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة، وجعله أولَ من تنشقُّ عنه الأرض، وأولَ شافع، وأول مشفع، وأول من يَقْرَعُ باب الجنَّة، وأولَ من يدخلُها، فلا يدخلها أحدٌ من الأولين والآخرين إلا بشفاعته. وأُعطي من اليقين والإيمان والصبر والثبات والقوة في أمر الله والعزيمة على تنفيذ أوامره، والرضى عنه والشكر له، والقنوع في مرضاته وطاعته ظاهرًا وباطنًا سرًّا وعلانيةً، في نفسه وفي الخلق = ما لم يُعْطه نبي قَبْله (١). ومن عرف أحوال العالم وسيَر الأنبياء وأممهم تبيَّن له أنَّ الأمر فوق ذلك، فإذا كان يومُ القيامة ظهرَ للخلائق (٢) منَ ذلك ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشرٍ أنّه يكون أبدًا. وقوله: "ولا يَضْعُف ولا يُغلب" هكذا كان حاله -صلوات الله وسلامه عليه- ما ضعف في ذات الله قط، ولا في حال انفراده وقلَّة أتباعه

стр. 247

وكثرة أعدائه واجتماع أهل الأرض على حربه، بل هو أقوى الخلق وأثبتُهِم جأشًا وأشجعُهم قلبًا، حتى إنه يوم أحد قُتِلَ أصحابُه وجُرِحوا، وما ضعُف ولا استكان، بل خرج من الغد في طلب عدوِّه -على شدة القرح- حتى أَرْعَبَ منه العدو وكرَّ خاسئًا على كثرة عَددِهم وعُدَدِهم وضَعفِ أصحابه، وكذلك يوم حُنَيْنٍ؛ أفرد عن الناس في نَفَرٍ يسير دون العشرة، والعدو قد أحاطوا به، وهم ألوف مؤلَّفة فجعل يثب (١) في العدو ويقول: أَنَا النبيُّ لا كَذِبْ … أَنَا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ ويتقدم إليهم، ثم أخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فولَّوا منهزمين (٢). ومَنْ تأمَّل سيرتَه وحروبَه عَلِمَ أنّه لم يطرق العالَمَ أشجعُ منه ولا أثبت ولا أصبر، وكان أصحابُه -مع أنَّهم أشجعُ الأمم- إذا حَمِي البَأْسُ واشتدَّ الحرب اتَّقوا به وتتَرَّسُوا به فكان أقربُهم إلى العدو، وأشجَعُهم هو الذي يكون قريبًا منه (٣). وقوله: "ولا يميل إلى اللهو"، هكذا كانت سيرته، كان أَبْعَدَ الناس من اللهو واللعب، بل أمْرُه كلّه جد وحزم وعزم، مجلسه مجلس حياءٍ وكَرَمٍ وعلمٍ وإيمان ووقار وسكينة.

стр. 248

وقوله: "ولا يسمع في الأسواق صوته" أي ليس من الصاخبين في الأسواق في طلب الدنيا والحرص عليها كحال أهلها الطالبين لها. وقوله: "ركن للمتواضعين" فإنَّ مَنْ تأمل سيرته وجده أعْظَم الناس تواضعًا للصغير والكبير والمسكين والأرملة والحر والعبد؛ يجلس معهم على التراب، ويُجيب دعوتَهم، ويَسمع كلامَهم، ويَنطلق مع أحدهمِ في حاجته، ويأخذ له حقَّه ممَّن لا يستطيع أن يُطالبه به، (ويَخْصِف نَعْله، ويَخِيط ثوبه) (١). وقوله: "وهو نور الله الذي لا يُطفأ ولا يخصم حتى يثبت في الأرض حجته وينقطع به العذر" وهذا مطابق لحاله وأمره، ولِمَا شهد به القرآن في غير موضع كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]. وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]. وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ونظائرُه في القرآن كثيرة.

стр. 249

وقوله: "حتى ينقطع به العذر وتثبت به الحجة" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ -إلى قوله- ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ١ - ٦]. وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]. وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٦، ١٥٧]. فالحجة إنما قامت على الخلق بالرسل، وبهم انقطعت المعذرة، فلا يمكن من بلغتْه دعوتُهم وخالَفَها أنْ يعتذر (١) إلى الله يوم القيامة؛ إذْ ليس له عذر يُقْبَل منه. وهذه البشارة مطابقة لما في "صحيح البخاري" أنه قيل لعبد الله بن عَمْرو: أخبِرْنا ببعض صفات رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: "إنه لموصوفٌ في التوراةِ ببعضِ صفتِه في القرآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزًا للأمّيِّيْن، أنت عَبْدِي ورَسُولي سَمَّيْتك المتوكِّلَ، ليس بِفظٍّ ولا غليظٍ ولا سَخَّابٍ بِالأسوَاقِ، ولا يَجْزِي بالسيِّئةِ السَّيئةَ ولكن يَجْزِي بالسيِّئةِ الحَسَنَةَ ويَعْفُو ويَغْفِرُ، ولَنْ أَقْبضَهُ حتى أُقِيْمَ بهِ المِلَّةَ العَوجَاءَ، فأفتحُ به أَعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلوبًا غُلْفًا = بأن

стр. 250

يقولوا: لا إله إلا الله" (١). وقوله: "إنَّ هذا في التوراة" لا يريد به التوراة المعيَّنة التي هي كتاب موسى؛ فإنَّ لفظ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور: يُرَاد به الكتب المعيَّنة تارةً، ويُراد به الجنس تارةً. فيعبَّر بلفظ القرآن عن الزبور، وبلفظ التوراة عن القرآن، وبلفظ الإنجيل عن القرآن أيضًا. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "خُفِّفَ على دَاوُدَ ﵇ القُرآنُ فكانَ مَا بينَ أنْ تُسْرَجَ دَابتُّه إلى أنْ يَرْكَبَها يقرأ القُرْآنَ" (٢) فالمراد به: قرآنه، وهو الزَّبُور. وكذلك قولُه في البشارة التي في التوراة: "نبيًّا أُقيم لبني إسرائيلَ مِنْ إخوتهم، أُنْزِل عليه توراةً مِثْلَ توراةِ موسى". وكذلك في صفة أمتِه ﷺ في الكتب المتقدِّمة "أناجيلُهم في صُدُورهم". فقوله: "أَخْبِرْني بصفة رسول الله في التوراة": إما أن يريد التوراة المعيَّنةَ أو جِنْسَ الكُتُب المتقدِّمة. وعلى التقديرين: فإجابةُ عبدِ الله بنِ عَمْرو بما هو في التوراة، أي التي هي أعمُّ من الكتاب المعين، فإن هذا الذي ذكره ليس في التوراة المعيَّنة بل هو في كتاب إِشَعْيَا كما حكيناه عنه، وقد ترجموه أيضًا بترجمةٍ أخرى فيها بعض الزيادة: "عبدي ورسولي الذي سُرَّتْ به نفسي،

стр. 251

أُنْزِل عليه وحيي، فيظهرُ في الأُمم عدلي، ويُوصِيْهم بالوصايا، لا يَضْحَكُ، ولا يُسمع صوتُه في الأسواق، يفتح العيون العُورَ، والآذان الصُّمَّ، ويُحْيِي القلوبَ الغُلْفَ، وما أعطيه لا أعطيه أحدًا، يحمد الله حمدًا جديدًا يأتي به من أقطار الأرض، وتفرح البريَّة وسكانُها، يُهلِّلون الله على كلِّ شَرَفٍ، ويكبِّرونَهُ على كلِّ رابيةٍ، لا يَضْعُفُ، ولا يُغْلَبُ، ولا يميل إلى الهوى، مُشَفَّحٌ، ولا يُذِلُّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوي الصدِّيقين، وهو رُكْنُ المتواضعين، وهو نُورُ الله الذي لا يُطْفَأ، أَثَرُ سلطانِه على كتفَيْه". وقوله: "مُشَفَّح" -بالشين المعجمة والفاء المشددة بوزن مكرم- وهي لفظة عبرانية مطابقة لاسم محمَّد معنًى ولفظًا، مقاربًا (١) كمطابقة مُؤَذ مُؤَذ، بل أشدُّ مطابقةً، ولا يمكن العرب أن يتلفظوا بها بلفظ العبرانية (٢) فإنما بينَ الحاء والهاء، وفتحة الفاء بين الضمة والفتحة ولا يستريب عالِمٌ من علمائهم منصفٌ أنها مطابقة لاسم محمدٍ. قال أبو محمَّد ابن قتيبة: "مشفَّح" محمَّد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون: شفحالاها، إذا أرادوا أن يقولوا: "الحمد لله"، وإذا كان الحمد شفحا، فمشفَّح محمد بغير شك (٣). وقد قال لي ولغيري بعض من أسلم من علمائهم: إن "مَئِذ مَئِذ" هو محمَّد، وهو بكسر الميم والهمزة، وبعضهم يفتح الميم ويدنيها

стр. 252

من الضمة، قال: ولا يشك العلماءُ منهم بأنه محمد (وإن سكتنا عن إيراد ذلك) (١). وإذا ضربنا عن هذا صَفْحًا، فمن هذا الذي انطبقتْ عليه وعلى أمته هذه الصفاتُ سواه؟! ومن هذا الذي أثرُ سلطانِه -وهو خاتم النبوة- على كتفيه رآه الناس عَيانًا مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ؟! فماذا بعد الحق إلا الضلال، وبعد البصيرة إلا العمى؟! ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. فصفاتُ هذا النبيِّ ومَخْرَجُه ومبعثُه وعلاماتُه وصفاتُ أمتِه في كتبهم يقرؤونها في كنائسهم ويدرسونها في مجالسهم، لا ينكرها منهم عَالِمٌ ولا يأباها جاهل، ولكنَّهم يقولون: لم يظهر بَعْدُ، وسيظهر ونَتَّبِعُه. قال ابن إسحاق: حدَّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، وعن (٢) سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ: أنَّ يهودًا كانوا يَسْتَفْتِحُونَ على الأوْس والخَزْرجَ برسول الله ﷺ قبل مَبْعثِه، فلما بعثَه الله من العرب، كفرُوا به وجحدوا ما كانوا يقولونه فيه، فقال مُعَاذُ بن جَبَلٍ، وبشْرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ (ودَاود بنُ سَلَمَة) (٣): يا مَعْشَر يَهُود: اتقوا الله وَأسْلِموا فقد كنتم تَسْتفتحون علينا بمحمدٍ ﷺ ونحن أهلُ شركٍ، وتُخْبِرُونا بأنه نبيٌّ مبعوث، وتَصِفُونه بصفته، فقال سَلام بن مِشْكم أخو (٤) بني النَّضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم. فأنزل الله : ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا

стр. 253

عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]. وقال أبو العالية: كان اليهود إذا استنصروا بمحمد على مشركي العرب يقولون: اللهمَّ ابعثْ هذا النبيَّ الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى يعذّب المشركين ويَقْتُلهم، فلما بعثَ اللهُ محمدًا ﷺ ورأوا أنَّه مِنْ غيرهم كفروا به (حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات (١): ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة/ ٨٩] (٢). وقال ابن إسحاق: حدَّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ بنِ قتادةَ الأنصاريُّ، عن رجال من قومه، قالوا: ومما دعانا إلى الإِسلام -مع رحمة الله وهداه- ما كنّا نَسْمع من رجال اليهود -وكنا أهل شرك أصحاب أوثان- وكانوا أهلَ كتابٍ عندهمِ عِلْمٌ ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نِلْنَا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمانُ نبيٍّ يُبْعَثُ الآن نتبعه فنقتلكم معه (٣) قَتْلَ عادٍ وإِرَم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسولَه ﷺ أَجَبْنَاه حين دعانا إلى الله، وعَرَفنا ما كانوا يتوعَّدُونا به، فبادرناهم إليه فآمنَّا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآيات التي في البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] (٤).

стр. 254

(الوجه الرابع والعشرون): قوله في كتاب إِشَعْيَا: "أشكر حبيبي وابني أحمد". فلهذا جاء ذكره في نبوة إِشَعْيَا أكثر من غيرها من النبوات، وأعلن إِشَعْيَا بذِكْرِه ووَصْفِه ووَصْفِ أمته، ونادى بها في نبوَّته سرًّا وجهرًا لمعرفته بقدره ومنزلته عند الله. وقال إشَعْيَا أيضًا: "إنَّا سمعنا من أطراف الأرض صوت محمد". وهذا إفصاحٌ باسمه ﷺ فَلْيُرِنَا أهلُ الكتاب نبيًّا نَصَّتِ الأنبياءُ على اسمه وصفته ونعته وسيرته وصفة أمته وأحوالهم سوى رسول الله ﷺ ؟! (الوجه الخامس والعشرون): قَوْلُ حَبَقُّوق في كتابه: "إنَّ الله جاء من اليمن (١). والقُدُّوس من جبال فَارانَ، لقد أضاءتِ السماءُ من بهاءِ محمدٍ، وامتلأتِ الأرضُ من حَمْدِه، وشاع منظرُه مثل النُّور، يحوط بلادَه بعزَةٍ، تسيرُ المنايا أمامَه، وتصحب سِبَاعُ الطيرِ أجنادَهُ، قام يمسح (٢) الأرض فتَضَعْضَعَتْ له الجبالُ القديمةُ وانخفضتِ الرَّوابي، فتزعزعتْ (أسوارُ مَدْيَنَ) (٣)، ولقد حاز المساعي القديمة". ثم قال: "زجْرُك في الأنهار، واحتدامُ صوتك في البحار، ركبتَ الخيول، وعلوتَ مراكب الأتقياء، وستنزع في قسِيِّك أعراقًا، وترتوي السهامُ بأمرك يا محمَّد ارتواءً، ولقد رأتك الجبال فارتاعت، وانحرف

стр. 255

عنك شؤبوب (١) السيل، وتغيَّرت المهارى (٢) تغييرًا، رفعت أيديها وجلًا وخوفًا، وسارت العساكر في بريق سهامك ولمعان نيازكك، تدوِّخ الأرضَ وتدوس الأمم؛ لأنك ظهرت لخلاص أمتك، وإنقاذ تراث آبائك" (٣). فمن رام صرف هذه البشارة عن محمد فقد رام سَتْرَ الشَّمس بالنهار وتَغْطِيةَ البحار، وأنّى يقدر على ذلك وقد وصفه بصفات عيَّنت شَخْصَهُ وأزالت عَنِ الحيران لَبْسَه؟! بل قد صرَح باسمه مرتين، حتى انكشف الصبح لمن كان ذا عَيْنَيْن، وأخبر بقوة أمته وسير المنايا أمامهم واتباع جوارح الطير آثارهم. وهذه النبوة لا تليق إلا بمحمد ﷺ ولا تصلح إلا له ولا تنزل إلا عليه، فمن حاول صَرْفَها عنه فقد حاول صَرْفَ الأنهارِ العظيمة عن مجراها، وحَبْسَها عن غايتها ومنتهاها، وهيهات ما يروم المبطلون والجاحدون، ويأبى الله إلا أن يتمَّ نوره ولو كره الكافرون. فمن الذي امتلأتِ الأرضُ من حَمْدِه وحَمْدِ أمته لله في صلواتهم وخُطَبِهم وأدبار صلواتِهم وعلى السرَّاءِ والضرَّاءِ وجميع الأحوال سواء، حتى سماهم الله قبل ظهورهم الحمادين! ومن الذي كان وجهه كأن الشمس والقمر يجريان فيه في ضيائه ونوره؟! قَدْ عَوَّدَ الطيْرَ عَادَاتٍ وَثِقْنَ بِهَا … فهُنَّ يَتْبَعْنَهُ في كلِّ مُرْتَحَلِ (٤)

стр. 256

لَوْ لَمْ يَقُلْ إِنِّي رسولٌ أتى … شاهدُه في وَجْهِهِ يَنْطِقُ (١) ومن الذي سارت المنايا أمامه وصحبت سِباعُ الطير جنودَهُ لعلمها بما يقرب من ذبح الكفار لله الواحد القهار؟! يَتَطَايَرُونَ بقُرْبِهِ قربانهم … بِدماءِ مَنْ عَلِقُوا مِنَ الكفَّارِ (٢) ومن الذي تَضَعْضَعَتْ له الجبالُ وانخفضتْ له الرَّوابي، وداس الأُمم ودوَّخ العالم، وانتقضتْ بنبوته الممالِكُ، وخلَّص الأمة من الشرك والكفر والجهل والظلم سواه؟! (الوجه السادس والعشرون): قوله في كتاب حَزْقِيَل يهدِّد اليهود ويصف لهم أمة محمد ﷺ : "وأنَّ الله مُظْهِرُهُمْ عليكم، وباعثٌ فيهم نبيًّا، ويُنْزِلُ عليه كتابًا، ويملِّكُهم رقابَكم فيقهرونكم ويُذِلُّونكم بالحقِّ، ويخرج رجال بني قيدار في جماعات الشعوب معهم ملائكة على خيل بيض متسلحين يوقعون بكم، وتكون عاقبتكم إلى النار" (٣). فمن الذي أظهره الله على اليهود حتى قهرهم وأذلهم وأوقع بهم وأنزل عليه كتابًا؟ ومن هم بنو قِيْدَار غير بني إسماعيل الذين خرجوا معه ومعهم جماعات الشعوب؟! ومن الذي نزلت عليه وعلى أمته الملائكةُ

стр. 257

على خيل بِيْضٍ يومَ بدرٍ ويومَ الأحزاب ويوم حُنَيْنٍ حتى عَايَنُوها عِيَانًا تقاتل بين يديه وعن يمينه وعن شماله، حتى غلب ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر رجلًا -ليس معهم غير فرسين- ألفَ رجلٍ مُقَنَّعين في الحديد، معدودين من فرسان العرب، فأصبحوا بين قتيل وأسير ومنهزم (١)!! (الوجه السابع والعشرون): قول دَانِيَال، وَذَكَرَهُ باسمه الصَّريح، من غير تعريضٍ ولا تلويح، وقال: "ستنزع في قِسِيِّك أعراقًا، وترتوي السِّهام بأمرك يا محمد ارتواءً" (٢). وقال دَانِيَالُ النبيُّ أيضًا حين سأله بختنصَّر (٣) عن تأويل رؤيا رآها ثم أنسيها: "رأيت أيها الملك صنمًا عظيمًا قائمًا بين يديك، رأسه من ذهب، وساعداه من فضة، وبطنه وفخذاه من نحاس، وساقاه من حديد (٤)، ورجلاه من الخزف، فبينا أنت متعجب منه إذ أقبلت صخرة فدقت ذلك الصنم فتفتت وتلاشى وعاد رفاتًا ثم نسفته الرياح وذهب، وتحول ذلك الحجر إنسانًا عظيمًا ملأ الأرض، فهذا ما رأيت أيها الملك". فقال بخت نصر: صدقت فما تأويلها؟ قال: أنت الرأس الذي رأيته من الذهب، ويقوم بعدك ولدك وهو الذي رأيته من الفضة وهو دونك، وتقوم بعده مملكة أخرى (هي دونه

стр. 258

وهي تشبه النّحاس، وبعدها مملكة قوية مثل الحديد، وأما الرجلان اللذان رأيت من خزف فمملكة) (١) ضعيفة، وأما الحجر العظيم الذي رأيته دق الصنم ففتته فهو نبي يقيمه إله الأرض والسماء بشريعة قوية فيدق جميع ملوك الأرض وأممها حتى تمتلئ الأرض منه ومن أمته، ويدوم سلطان ذلك النبي إلى انقضاء الدنيا فهذا تعبير رؤياك أيها الملك (٢). ومعلومٌ أنَّ هذا منطبقٌ على محمَّدٍ بنِ عبدِ اللهِ حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة، لا على المسيح ولا على نبيٍّ سواه، فهو الذي بُعِث بشريعة قويَّة، ودقَّ جميع ملوك الأرض وأُمَمَها حتى امتلأتِ الأرضُ من أُمتِه، وسلطانُه دائمٌ إلى آخر الدهر، لا يقدر أحدٌ أن يزيله، كما أزال سلطانَ اليهود من الأرض، وأزال سلطانَ النَّصارى عن خيار الأرض ووسطها فصار في بعض أطرافها، وأزال سلطانَ المجوس وعُبَّاد الأصنام، وسلطانَ الصَّابِئِيْنَ (٣). (الوجه الثامن والعشرون): قول دَانِيَال أيضًا: "سألتُ الله وتَضرعْتُ إليه أنْ يبين لي ما يكونُ من بني إسرائيل، وهل يتوبُ عليهم ويردُ إليهم مُلْكَهُمْ ويبعثُ فيهم الأنبياء؟ أو يجعل ذلك في غيرهم؟ فظهر لي المَلَكُ في صورةِ شابٍّ حَسَنِ الوَجْهِ فقال: السَّلام عليك يا دَانِيال، إنَّ الله يقول: إنَّ بني إسرائيل أَغْضَبُوني وتمرَدُوا عليَّ، وعبدوا من دوني آلهةً أخرى، وصاروا من بعد العلم إلى الجهل، ومِنْ بعد الصِّدق إلى

стр. 259

الكذب، فسلَّطْتُ عليهم بُخْتنصَّر فقتل رجالهم وسبى ذَرَاريَهم، وهدم مَسْجدَهُم، وحرَّق كتبهم، وكذلك يفعل من بعده بهم، وأَنا غير راضٍ عنهم ولا مُقِيْلهم عَثَرَاتِهِمْ، فلا يزالون في سَخَطِي حتى أبعث مسيحي ابنَ العذراء البَتُول، فأختم عليهم عند ذلك باللَّعْن والسَّخط، فلا يزالون ملعونين، عليهم الذلة والمسكنة حتى أبعث نبي بني إسماعيلَ الذي بشّرت به هاجر، وأرسلتُ إليها مَلَاكي فبشَّرها، فَأُوْحِي إلى ذلك النبيِّ، وأعلمه الأسماءَ، وأزيِّنُه بالتقوى، وأجعل البِرَّ شعارَه، والتقوى ضَمِيرَهُ، والصدقَ قَولَه، والوفاءَ طبيعتَه، والقَصْدَ سِيرتَه، والرُّشدَ سُنَّتَه، أخصه بكتاب مصدِّقٍ لما بين يديه من الكتب، وناسخٍ لبعض ما فيها، أُسْرِي به إليَّ، وأرقِّيه من سماء إلى سماء حتى يعلو فأدْنِيه وأسلِّم عليه، وأوحي إليه وأرقيه ثم أردّه إلى عبادي بالسرور والغبطة، حافظًا لما اسْتُودِعَ، صادفا بما أمر، يدعو إلى توحيدي باللِّين من القول والموعظة الحسنة، لا فظ ولا غليظ ولا صخَّاب بالأسواق، رؤوف بمن والاه، رحيمٌ بمن آمن به، خَشِنٌ على مَنْ عاداه، فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي، ويخبرهم بما رأى من آياتي، فيكذِّبونه ويؤذونه" (١). ثم سرد دَانِيَال قضيةَ رسول الله ﷺ مما أملاه عليه المَلَكُ حتى وصل آخر أيام أمته بالنفخة وانقضاء الدنيا (٢). وهذه البشارة أيضًا عند اليهود والنصارى يقرؤونها ويُقِرُّون بها، ويقولون لم يظهر صاحبها بعد.

стр. 260

(قال أبو العالية: لما فتح المسلمون تُسْتَر وجدوا دَانِيَال ميتًا ووجدوا عنده مصحفًا) (١). قال أبو العالية: أنا قرأتُ ذلك المصحف، وفيه صفتكم وأخبارُكم وسيرتكم ولُحونُ كلامِكم، وكان أهل الناحية إذا أجْدَبُوا كشفوا عن قبره فَيُسْقون، فكتب أبو موسى الأشعريُّ في ذلك إلى عُمر بن الخطَّاب، فكتب عمر: أَنِ احفِرْ بالنهار ثلاثةَ عشر قبرًا وادْفِنْهُ بالليل في واحدٍ منها لئلا يُفْتَتَنَ الناس به (٢). (الوجه التاسع والعشرون): قال كعب -وذكر صفةَ رسول الله ﷺ في التوراة، ويريد بها التوراةَ التي هي أعمُّ من التوراة المعيَّنة-: "أَحْمَدُ عَبْدِي المختار لا فظٌّ ولا غليظٌ ولا صَخَاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئةِ السيئةَ، يعفو ويغفر، مَولدُه بكاء، وهجرتُه طَابَا، ومُلْكُه بالشَّام، وأمَّتُه الحمَّادونَ يحمدون الله على كل نجدٍ، ويسبِّحونه في كلِّ منزلة، ويُوَضِّئون أطرافَهم، ويَأْتَزِرُونَ على أَنْصَافِهم، وهم رعاةُ الشمس، ومؤذِّنُهم في جَوِّ السماء، وصَفُّهم في القتال وصَفُّهم في الصَّلاة سواءٌ، رهبانٌ بالليل، أُسْدٌ بالنهار، ولهم دويٌ كدويِّ النَّحْل، يصلُّون الصَّلاة حيثُ ما أدركَتْهُمْ ولو على كُنَاسَةٍ" (٣). (الوجه الثلاثون): قال ابن أبي الزِّنَاد: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ

стр. 261

الحارثِ، عن عُمر بنِ حفص -وكان من خيار الناس- قال: كان عند أبي وجَدِّي ورقة يتوارثونها قبل الإِسلام فيها: "اسم الله وقولُه الحقُّ، وقولُ الظالمينَ في تَبَار، هذا الذكر لأمةٍ تأتي في آخر الزمان؛ يئتزرون على أوساطهم، ويغسلون أطرافَهم، ويخوضون البحور إلى أعدائهم، فيهم صلاةٌ لو كانت في قومِ نوحٍ ما هَلَكُوا بالطوفان، وفي ثمودَ ما هلكوا بالصَّيْحَةِ" (١). (الوجه الحادي والثلاثون): قال إشَعْيَا وذكر قصة العرب فقال: "ويدوسون الأُمم دياسَ البيادر، وينزل البلاءُ بمشركي العرب، وينهزمون بين يدي سيوفٍ مسلولة وقِسِيٍّ موتورةٍ من شِدَّة المَلْحَمَةِ" (٢). وهذا إخبارٌ عمَّا حلَّ بعَبَدَةِ الأوثان من رسول الله ﷺ وأصحابه يوم بَدْرٍ ويومَ حُنَيْنٍ، وفي غيرهما من الوقائع (٣). (الوجه الثاني والثلاثون): قوله في الإنجيل الذي بأيدي النصارى عن يوحنا: "إنَّ المسيح قال للحواريِّيْنَ: مَنْ أبْغَضَنِي فقد أبغض الربَّ، ولولا أنِّي صنعتُ لهم صَنَائِعَ لم يَصْنَعْها أحدٌ لم يكن لهم ذَنْبٌ، ولكنْ مِنَ الآن بَطِرُوا فلابدَّ أن تتمَّ الكلمةُ التي في النَّاموس؛ لأنهم أبْغَضُوني مجانًا، فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يُرْسِله الله إليكم من عند الربِّ روح القسط، فهو شهيد عليَّ، وأنتم أيضًا؛ لأنكم قديمًا كنتم معي، هذا

стр. 262

قولي لكم لكيلا تَشُكُّوا إذا جاء" (١). "والمنحمنا" بالسُّريانيَّة، وتفسيره بالرومية: البارقليط، وهو بالعبرانيَّة: الحماد والمحمود والحمد، كما تقدَّم. (الوجه الثالث والثلاثون): قوله في الإنجيل أيضًا: إنَّ المسيح قال لليهود: "وتقولون لو كنَّا في أيام آبائنا لم نساعدهم على قتل الأنبياء، فَأتِمُّوا كَيْلَ آبائكم يا ثَعَابيْنَ (٢) بني الأفَاعي كيف لكم النَّجاة من عذابِ النار، وسأبعث إليكم أنَبياءَ وعلماءَ تقتلون منهم وتَصْلُبون وتَجْلِدُون، وتطلبونهم من مدينةٍ إلى أخرى، لتتكاملَ عليكم دماءُ المؤمنين المُهْرَقَةِ على الأرض من دم هابيل الصالح إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه عند المذبح، إنَّه سيأتي جميع ما وصفتُ على هذه الأمة، يا أورشلم التي تقتلُ الأنبياء وترجم من بعث إليك، قد أردتُ أن أجمع بَنيْك كجمع الدَّجاجةِ فراريخَها تحت جناحيها وكرهتِ أنتِ ذلك، سَأُقْفِرُ عليكم بيتكم، وأنا أقول: لا تَرَوْني الآن حتى يأتي من يقولون له: مبارك، يأتي على اسم الله" (٣). فأخبرهم المسيح أنهم لابد أن يستوفوا الصَّاع الذي قدر لهم، وأنه سيقفر عليهم (٤) بيتهم، أي: يُخْلِيه منهم، وأنه يذهب عنهم فلا يرونه حتى يأتي المبارك الذي يأتي على اسم الله. فهو الذي انتقم بعده لدماء المؤمنين.

стр. 263

وهذا نظير قوله في الموضع الآخر: "إن خيرًا لكم أن أذهب عنكم حتى يأتِيَكم الفارقليط فإنه لا يجيء ما لم أذهب". وقوله أيضًا: "ابن البشر ذاهبٌ، والفارقليط مِنْ بعده"، وفي موضع آخر: "أنا أذهب وسيأتيك الفارقليط". والفارقليط والمبارك الذي جاء بعد المسيح هو محمد ﷺ -كما تقدم تقريره. (الوجه الرابع والثلاثون) قوله في إنجيل متى: "إنه لما حبس يحيى بن زكريا بعث تلاميذه إلى المسيح وقال لهم: قولوا له: أنت إيل أم نتوقع غيرك؟ فقال المسيح: الحقَّ اليقينَ أقولُ لكم: إنه لم تَقُمِ النساءُ عن أفضلَ من يحيى بنِ زكريَّا، وإنَّ التوراة وكتب الأنبياء يتلو بعضُها بعضًا بالنّبوة والوحي حتى جاء يحيى، وأما الآن فإن شئتم فَاقْبلُوا (١) فإن إيل مزمع أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليستمع" (٢). وهذه بشارة بمجيء الله سبحانه الذي و"إيل" بالعبرانية. ومجيئه هو مجيء رسوله وكتابه ودينه، كما في التوراة: "جاء الله من طُورِ سَيْنَاء". قال بعض عُبَّاد الصليب: إنما بشر بإلْيَاسَ النبي، وهذا لا يُنْكَر من جهل أمة الضلال وعبَّاد خشبة الصليب التي نحتتها أيدي اليهود؛ فإنَّ إلياس قد تقدم إرساله على المسيح بدهور متطاولة.

стр. 264

(الوجه الخامس والثلاثون): قوله في نبوة إِرْمِيَا: "قبل أن أخلقك قد عظَّمتك من قبل أن أُصوِّرك في البطن، وأرسلتك وجعلتك نبيًّا للأجناس كلهم" (١). فهذه بشارة على لسان إِرْمِيَا لمن بعده، وهو إما المسيح وإما محمد -صلوات الله وسلامه عليهما- لا يعدوهما إلى غيرهما، ومحمدٌ أَوْلَى بها؛ لأن المسيح إنما كان نبيًّا لبني إسرائيل وحدهم (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩]. والنصارى تقرُّ بهذا، ولم يَدَّعِ المسيح أنه رسول إلى جميع أجناس أهل الأرض، فإن الأنبياء من عهد موسى إلى المسيح إنما كانوا يبعثون إلى قومهم، بل عندهم في الإنجيل أنَّ المسيح قال للحواريين: "لا تسلكوا إلى سبيل الأجناس، ولكن اختصروا على الغنم الرَّابضة من نسل إسرائيل" وأما محمد بن عبد الله فهو الذي بعثه الله إلى جميع أجناس الأرض وطوائف بني آدم. وهذه البشارة مطابقةٌ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ولقوله ﷺ : "بعثت إلى الأسود والأحمر" (٣) وقوله ﷺ : "وكان النبي يُبْعثُ إلى قومه خاصةً وبُعِثْتُ إلى الناس عامة" (٤). وقد اعترف النصارى بهذه البشارة ولم ينكروها، لكن قال بعض

стр. 265

زعمائهم: إنها بشارة بموسى بنِ عمرانَ وإلياس والْيَسَع، وإنهم سيأتون في آخر الزمان وهذا من أعظم البَهْتِ والجرأة على الله والافتراء عليه، فإنه لا يأتي من قد مات إلى يوم الميقات المعلوم. (الوجه السادس والثلاثون): قول المسيح في الإنجيل الذي بأيديهم وقد ضرب مثل الدنيا فقال: "كرجل اغترس (١) كَرْمًا وسيَّج (٢) حوله، وجعل فيه مَعْصَرَة، وشيَّد فيه قصرًا، ووكل به أعوانًا، وتَغَرَّب عنه، فلما دنا أَوَانُ قطافه بعث عبده إلى أعوانه الموكَّلين بالكَرْم". ثم ضرب مثلًا للأنبياء ولنفسه، ثم للنبيِّ الموكل آخرًا بالكرم، ثم أفصح عن أمته فقال: "وأقول لكم: سَيُزَاح عنكم ملك الله وتُعْطَاه الأمة المطيعة العاملة" ثم ضرب لنبيِّ هذه الأمة مثلًا بصخرة وقال: "مَنْ سقط على هذه الصخرة سينكسر، ومنْ سقطتْ عليه يَنْهَشِمُ" (٣). وهذه صفة محمّدٍ ومن ناوأه وحاربه من الناس، لا تنطبق على أحدٍ بعد المسيح سواه. (الوجه السابع والثلاثون) قول إشَعْيَاء في صحفه (٤): "لِتفرحْ أرضُ البادية العطشى ولْتبتَهِج البراري والفَلَوات لأنها ستعطى بأحمد محاسن لبنان ومثل حسن الدساكير" (٥).

стр. 266

وتالله ما بعد هذا إلا المكابرة وجحد الحق (١) بعدما تبين. (الوجه الثامن والثلاثون) قول حِزْقيل في صُحُفه التي بأيديهم يقول الله -بعد ما ذكر معاصي بني إسرائيل وشبَّههم بكرمةٍ غذاها وقال: "لم تلبث الكَرْمة أن قُلِعت بالسَّخطة وِرمي بها على الأرض وأحرقت السمائم ثمارها، فعند ذلك غُرِس غرْسٌ (٢) في البدو وفي الأرض المهملة العطشى وخرجت من أغصانها الفاضلة نار أكلت تلك الكرمة حتى لم يوجد فيها غصن قويٌّ ولا قضيب" (٣). وهذا تصريحٌ لا تلويحٌ به ﷺ وببلده وهي مكة العطشى المهملة من النبوَّة قَبْله من عهد إسماعيل. (الوجه التاسع والثلاثون) ما في صحف دَانِيَالْ وقد نعت الكَلْدَانِيِّيْنَ الكذَّابين فقال: "لا تمتدُّ دعوتهم ولا يتمُّ قربانهم، وأقْسَمَ الربُّ بساعده أن لا يظهر الباطل ولا يقوم لمدَّعٍ كاذب دعوةٌ أكثر من ثلاثين سنة" (٤). وفي التوراة ما يشبه هذا. وهذا تصريحٌ بصحة (نبوة محمد ﷺ ) (٥)؛ فإنَّ الذين اتَّبعوه بعد موته أضعاف أضعاف الذين اتبعوه في حياته، وهذه دعوته قد مرَّتْ عليها القرون من السنين، وهي باقية مستمرة وكذلك إلى آخر الدهر، ولم يقع

стр. 267

هذا لملك (١) قط فضلًا عن كذَّاب مفترٍ (٢) على الله وأنبيائه مُفْسدٍ للعالَم مُغَيِّر لدعوة الرسل، ومن ظن هذا بالله فقد ظنَّ به أسوأ الظنِّ وقَدَحَ في علمه وقدرته وحكمته. وقد جرت لي "مناظرة" بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرياسة، فقلت له في أثناء الكلام: أنتم بتكذيبكم محمدًا ﷺ قد شتمتم الله أعظم شتيمة. فعجب من ذلك، وقال: مثلك يقول هذا الكلام! فقلت له: اسْمعِ الآن تقريرَه: إذا قلتم: إنَّ محمدًا ملك ظالم (٣) قَهَر الناسَ بسيفه، وليس برسولٍ من عند الله، وقد أقام ثلاثًا وعشرين سنة يدَّعي أنه رسول الله أرسله إلى الخلق كافة، ويقول: أمرني الله بكذا ونهاني عن كذا وأوحى إليَّ كذا، ولم يكن من ذلك شيء، ويقول: إنه أباح لي سَبْيَ ذراري مَنْ كذَّبني وخالفني ونساءَهم وغنيمةَ أموالهم وقَتْلَ رجالهم، ولم يكن من ذلك شيء، وهو يدأب في تغيير دين الأنبياء ومعاداة أممهم ونسخ شرائعهم فلا يخلو: إمَّا أن تقولوا: إن الله -سبحانه- كان يطَّلع على ذلك ويشاهده ويعلمه، أو تقولوا: إنه خفي عنه ولم يعلم به. فإن قلتم: لم يعلم به، نسبتموه إلى أقبح الجهل، وكان مَنْ عَلِمَ ذلك أعْلمَ منه.

стр. 268

وإن قلتم: بل كان ذلك كلُّه بعلمه ومشاهدته واطِّلاعه عليه، فلا يخلو إمَّا أن يكون قادرًا على تغييره والأخذ على يديه ومنعه من ذلك، أو لا: فإن لم يكن قادرًا فقد نسبتموه إلى أفجع (١) العجز المنافي للربوبية، وإن كان قادرًا وهو مع ذلك يعزُّه وينصره ويؤيِّده ويُعْلِيه ويُعْلي كلمته ويجيب دعاءَه ويمكِّنه من أعدائه ويُظْهِر على يديه من أنواع المعجزات والكرامات ما يزيد على الألف، ولا يقصده أحد بسوءٍ إلا أظْفَرَه به ولا يدعوه بدعوة إلا استجابها له، فهذا من أعظم الظلم والسَّفَه الذي لا يليق نسبته إلى آحاد العقلاء فضلًا عن ربّ الأرض والسماء، فكيف وهو يشهد (٢) له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه وهذه عندكم شهادة زور وكذب! فلما سمع ذلك قال: معاذ الله أن يفعل الله هذا بكاذبٍ مفترٍ، بل هو نبيٌّ صادق، مَنِ اتَّبعه أفْلحَ وسَعِد. قلت: فمالك لا تدخل في دينه؟ قال: إنما بعث إلى الأميين الذين لا كتاب لهم، وأما نحن فعندنا كتاب نتَّبعه. قلت له: غُلِبْتَ كل الغَلَب، فإنه قد علم الخاصُّ والعام أنّه أخبر أنَّه رسول الله إلى جميع الخلق، وأنّ من لم يتَّبِعْه فهو كافرٌ من أهل الجحيم، وقاتلَ اليهودَ والنصارى وهم أهلُ كتاب، وإذا صحَّتْ رسالته وَجَبَ

стр. 269

تصديقُه في كلِّ ما أخبر به، فأمسك ولم يُحِرْ جوابًا. وقريب من هذه المناظرة ما جرى لبعض علماء المسلمين مع بعض اليهود ببلاد المغرب (١). قال له المسلم: في التوراة التي بأيديكم إلى اليوم أن الله قال لموسى: "إني أُقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيًّا مثلك أجعل كلامي على فيه، فمن عصاه انتقمت منه". قال له اليهودي: ذلك يوشع بن نون. فقال المسلم: هذا محال من وجوهٍ: (أحدها) أنه قال عندك في آخر التوراة: "إنه لا يقوم في بني إسرائيل نبيٌّ مثل موسى". (الثاني) أنه قال: "من إخوتهم". وإخوة بني إسرائيل إمَّا العربُ وإمّا الرُوم، فإنَّ العرب بنو إسماعيل، والروم بنو العيص، وهؤلاء إخوة بني إسرائيل. فأمَّا الروم فلم يقم منهم نبيٌّ سوى أيوب، وكان قبل موسى، فلا يجوز أن يكون هو الذي بشَّرت به التوراة، فلم يبق إلا العرب وهم بنو إسماعيل، وهم إخوة بني إسرائيل، وقد قال الله في التوراة حين ذكر إسماعيل جدَّ العرب: "إنه يضع فسطاطه في وسط بلاد إخوته" وهم بنو إسرائيل. وهذه بشارة بنبوة ابنه محمَّدٍ الذي نصب فسطاطه وملك أمته في وسط بلاد بني إسرائيل، وهي الشام التي هي مظهر ملكه كما تقدم من قوله: "وملكه بالشام".

стр. 270

فقال له (١) اليهودي: فعندكم في القرآن: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]. ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]. والعرب تقول: يا أخا بني تميم للواحد منهم، فهكذا قوله: "أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم". قال المسلم: الفرق بين الموضعين ظاهر، فإنه من المحال أن يقال: إن بني إسرائيل إخوة بني إسرائيل، وبني (٢) تميم إخوة بني تميم، وبني (٣) هاشم إخوة بني هاشم. هذا ما لا يُعْقَل في لغة أمةِ من الأمم، بخلاف قولك: زيدٌ أخو بني تميم، وهود أخو عاد. وصالحٌ أخو ثمود أي واحد منهم، فهو أخوهم في النّسَب. ولو قيل: عاد أخو عاد، وثمود أخو ثمود، ومدين أخو مدين = لكَان نقصًا، وكان نظير (قولك: بنو إسرائيل) (٤) إخوة بني إسرائيل، فاعتبار أحد الموضعين بالآخر خطأ صريح (٥). قال اليهوديُّ: فقد أخبر أنه سيقيم هذا النبي لبني إسرائيل، ومحمدٌ إنما أُقيم للعرب ولم يقم لبني إسرائيل. فهذا الاختصاص يُشْعِر بأنَّه مبعوث إليهم لا إلى غيرهم. قال المسلم: هذا من دلائل صدقه (٦)، فإنه ادَّعى أنّه رسول الله إلى

стр. 271

أهل الأرض، كِتابِيِّهِم وأُمّيِّهِم، ونصَّ الله في التوراة على أنّه يقيمه لهم لئلا يظنوا (١) أنَّه مرسل إلى العرب والأميِّين خاصة (٢)، والشيء يُخَصُّ بالذكر لحاجة المخاطب إلى ذِكْره لئلا يتوهم السامع أنّه غير مرادٍ باللفظ العام ولا داخلِ فيه، وللتنبيه على أنَّ ما عداه أولى بحكمه، ولغير ذلك من المقاصد، فكان في تعيين بني إسرائيل بالذكر إزالة لوهم من توهم أنه مبعوث إلى العرب خاصة، وقد قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣، القصص: ٤٦]. وهؤلاء قومه ولم يَنْفِ ذلك أن يكونَ نذيرًا لغيرهم، فلو أمكنك أن تذكر عنه أنه ادَّعى أنه رسول إلى العرب خاصة لكان ذلك حجة، فأما وقد نطق كتابُه، وعرف الخاصُّ والعامُّ بأنه ادَّعى أنه مرسل إلى بني إسرائيل وغيرهم فلا حجة لك. قال اليهوديُّ: إن أسلافنا من اليهود كلّهم على أنه ادَّعى ذلك، ولكن العيسوية منا تزعم أنه نبيُّ العرب خاصة، ولسنا نقول بقولهم. ثم التفت إلى يهوديٍّ معه فقال: نحن قد جرى شأننا على اليهودية، وتالله ما أدري كيف التخلُّص من هذا العربي، إلا أنه أقل ما يجب علينا أن نأخذ به أنفسنا النهي عن ذِكْره بسوء. وقال محمد بن سعد في "الطبقات": حدَثنا مَعْنُ بنُ عيسى، حدَّثنا معاوية (٣) بن صالح، عن أبي فَرْوَةَ، عن ابن عباس أنه سأل كَعْبَ الأحبار: كيف تجد نَعْتَ رسولِ الله ﷺ في التوراة؟ قال: نجده: "محمد بن عبد الله، مولده بمكة، ومُهَاجَره إلى طابة، ويكون مُلْكُه

стр. 272

بالشام، ليس بفحَّاش ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يكافئ السيئةَ بالسيئةِ، ولكن يعفو ويصفح" (١). وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارميُّ: حدَّثنا الحسن بن الرَّبيع، حدثنا أبو الأحْوَص، عن الأعْمَشِ، عن أبي صالحٍ قال: قال كعب: نجد مكتوبًا في التوراة (٢): "محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ، ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، وأمّتُه الحمَّادون يكبرون الله على كل نجد، ويحمدونه في كلِّ منزلة، ويأتزرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جو السماء، صفُّهم في القتال وصفُّهم في الصلاة (سواءٌ، لهم) (٣) دويٌّ كدوي النحْل، مولده بمكة، ومهاجره بطابة، وملكه بالشام" (٤). قال الدارمي: وأخبرنا زيد بن عوف، حدَّثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ذَكْوَان أبي صالحٍ، عن كعب قال: في السطر الأول: "محمد رسول الله، عبدي المختار، لا فظٌّ ولا غليظ، ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام". وفي السطر الثاني: "محمد رسول الله، أمتُه الحمَّادون، يحمدون الله في كل حال ومنزلة، ويكبِّرونه على كلِّ شَرَفٍ، رعاة الشمس،

стр. 273

يصلُّون الصلاة إذا جاء وقتها (١) ولو كانوا على رأس كناسة، يأتزرون على أوساطهم، ويوضؤون أطرافَهم، وأصواتُهم بالليل في جو السماء كأصواتِ النَّحْل" (٢). وقال عاصم بنُ عُمرَ بنِ قَتَادَةَ، عن نَمْلَةَ بن أبي نَمْلَةَ، عن أبيه قال: كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله ﷺ في كتبهم، ويُعلِّمون الولدان صفته واسمه ومهاجره، فلما ظهر حسدوا وبغوا وأنكروا (٣). وذكر أبو نُعَيْمٍ في "دلائل النبوة" من حديث سليمانَ بنِ سُحَيْمٍ ورُمَيْح بنِ عبد الرحمن، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْرِيِّ عن أبيه، قال سمعت أبي مالكَ بنَ سِنَان يقول: جئت بني عبد الأشْهل يومًا لأتحدَّث فيهم -ونحن يومئذ في هدنة من الحرب- فسمعت يُوشَعَ اليهوديَّ يقول: أظلَّ خروج نبيٍّ يقال له: أحمد، يخرج من الحرم. فقال له خليفةُ بن ثعلبةَ الأشْهَليُّ -كالمستهزئ به-: ما صفته؟ فقال: رجلٌ ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حُمْرة، يلبس الشَّمْلة، ويركب الحمار، وهذا البلد مهاجره. قال: فرجعت إلى قومي بني خُدْرَةَ وأنا يومئذٍ أتعجَّب مما يقول يُوشَع، فأسمع رجلًا منا يقول: هذا وحده يقوله؟! كلُّ يهود (٤) يثرب تقول هذا.

стр. 274

قال أبي: فخرجت حتى جئت يهود بني قريظة فتذاكروا النبيَّ ﷺ ، فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا بخروج نبيٍّ وظهوره، ولم يبقَ أحدٌ إلا أحمد (١)، هذه مهاجره. قال أبو سعيد: فلما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أَخبره أبي هذا الخبر، فقال النبيُّ ﷺ : "لو أسلم الزبير وذووه من رؤساء يهود لأسلمتْ يهودُ كلُّها إنما هم لهم تَبَعٌ" (٢). وقال النَّضْر بنُ سلمةَ: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم، عن صالح بن محمد، عن أبيه، عن عاصم بنِ عمرَ بن قتادةَ، عن محمود بن لبيد، عن محمد بن مَسْلَمةَ قال: لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد يقال له يوشع، فسمعته يقول وإني لغلام: قد أظلَّكم خروج نبيٍّ يُبْعث من نحو هذا البيت، ثم أشار بيده إلى نحو بيت الله الحرام، فمن أدركه فلْيصدِّقْه، فبُعِث رسولُ الله ﷺ فأسْلَمْنا وهو بين أظهرنا، ولم يسلم حسدًا وبغيًا (٣). قال النَّضْر: وحدثنا عبد الجبار بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الله العامريِّ، عن سليم بن يسار، عن عمارةَ (٤) بنِ خزيمةَ بن ثابت، قال: ما كان في الأوْس والخَزْرجَ رجلٌ أوْصَفَ لمحمدٍ من أبي عامر الرَّاهب،

стр. 275

كان يألف اليهود ويسائلُهم عن الدِّين (١) ويخبرونه بصفة رسول الله ﷺ ، وأنَّ هذه دار هجرته، ثم خرج إلى يهود تيماء فأخبروه بمثل ذلك، ثم خرج إلى الشام فسأل النصارى فأخبروه بصفةِ رسول الله ﷺ ، وأنَّ مهاجره يثرب، فرجع أبو عامر وهو يقول: أنا على دين الحنيفية، وأقام مترهبًا ولبس المسوح، وزعم أنه على دين إبراهيم وأنه ينتظر خروج النبيِّ. فلما ظهر رسول الله ﷺ بمكة لم يخرج إليه وأقام على ما كان عليه، فلما قدم النبي ﷺ المدينةَ حَسَدَه وبغى ونافق، وأتى النبي ﷺ فقال: يا محمد: بم بُعِثْتَ؟ قال: "بالحنيفيَّة" قال: أنت تخلطها بغيرها؟ فقال النبيُّ ﷺ : "أتيتُ بها بيضاءَ، أين ما كان يخبرك الأحبارُ من اليهود والنصارى من صفتي"؟ فقال: لستَ الذي وَصَفُوا، فقال النبيُّ ﷺ : ("كذبتَ" فقال: ما كذبتُ، فقال رسول الله ﷺ ) (٢): "الكاذبُ أماته الله وحيدًا طريدًا" قال: آمين. ثم رجع إلى مكة وكان مع قريشٍ يتبع دينهم، وترك ما كان عليه، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام فمات بها طريدًا غريبًا وحيدًا (٣). وقال الواقديُّ: حدَّثني محمد بن سَعْدِ الثقفيُّ وعبد الرحمن بن عبد العزيز في جماعةٍ، كل حدَّثني بطائفة من الحديث، عن المغيرةِ بنِ شُعْبَةَ أنه دخل على المُقَوْقِس وأنِّه قال له: إنَّ محمدًا نبيٌّ مُرْسَل، ولو أصاب القبطُ والرّومُ اتَّبَعُوه. قال المغيرة: فأقمتُ بالإسكندرية لا أدع كنيسةً إلا دخلتُها وسألت

стр. 276

أساقفتها من قبطها ورومها عمَّا يجدون من صفة محمد ﷺ ، وكان أُسقُفٌ من القبط وهو رأس كنيسة أبي محنس، كانوا يأتونه بمرضاهم (فيداويهم ويدعو) (١) لهم، لم أر أحدًا قط لا (٢) يصلي الخمس أشدَّ اجتهادًا منه. فقلت: أخبِرْني هل بقي أحدٌ من الأنبياء؟ قال: نعم، وهو آخرهم، ليس بينه وبين عيسى أحد، وهو نبيٌّ قد أمرنا عيسى- باتِّباعه، وهو النبيُّ الأميُ العربيُّ (اسمه أحمد) (٣)، ليس بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حُمْرة، وليس بالأبيض ولا بالآدَم، يعفي شعره، ويلبس ما غلظ من الثياب، ويجتزي بما لَقِي من الطعام، سيفُه على عاتقه، ولا يبالي مَنْ لَاقَى، يباشر القتال بنفسه، ومعه أصحابه يَفْدُونه بأنفسهم. هم له أشد حبًّا من أولادهم وآبائهم، يخرج من أرض القَرَظ (٤)، ومن حَرَمٍ يأتي، وإلى حَرَمٍ يهاجر، إلى أرض مسبخة ونخل، يدين بدين إبراهيم، يأتزر على وسطه، ويغسل أطرافه، ويخص بما لم يخص به الأنبياء قبله، وكان النبيُّ يبعث إلى قومه ويبعث إلى الناس كافة، وجعلت له الأرض مسجدًا وطَهُورًا أينما أدركتْه الصلاة تيمَّم، وصلى، ومن كان قبلهم مشدَّدٌ عليهم لا يصلون إلا في الكنائس والبِيَعِ (٥).

стр. 277

وقال الطبَرانِيُّ: حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا المَسْعوديُّ، عن نُفَيل بن هشام بن سعيد بن زيد، عن أبيه، عن جده سعيد بن زيد، أنَّ زيد بن عمرو وورقةَ بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالمَوْصِل، فقال لزيد: من أين أقبلتَ؟ قال من بيت إبراهيم، قال: وما تلتمس؟ قال: ألتمس الدين. قال: ارجع، فإنه يوشك أن يظهر الذي تطلبُ في أرضك. فرجع وهو يقول: "لبيك حقًّا حقًّا. تعبُّدًا ورِقًّا" (١). وقال ابن قتيبة في كتاب "الأعلام" (٢): حدَّثني يزيد بن عمرو، حدَّثنا العلاء بن الفضل، حدَّثني أبي، عن أبيه عبد الملك بن أبي سوية، عن أبي سوية، عن أبيه خليفة بن عبدة المِنْقَرِيّ، قال سألت محمد بن عَدِيٍّ: كيف سمَّاك (أبوكَ عديٌّ) (٣) محمدًا؟ قال: أَمَا إني قد سألتُ أبي عمَّا سألتَنِي عنه، فقال: خرجت رابعَ أربعةٍ من بني تميم؛ أنا أحدهم، ومجاشع بن دارم، ويزيد بن عمرو بن ربيعة، وأسامة بن مالك بن جندب، (نريد ابن جَفْنَةَ) (٤) الغَسَّاني، فلما قدمنا الشام نزلنا على غدير فيه شجراتٌ وقربه ديرانيٌّ فأشرف علينا، وقال: إن هذه اللغة ما هي لأهل هذه البلد. قلنا: نعم، نحن قوم من مُضَر.

стр. 278

قال: من أيِّ المضريِّين؟ قلنا: من خِنْدِف. قال: أمَا إنّه سيبعث فيكم وشيكًا نبيٌّ فسارِعُوا إليه، وخذوا بحظَّكم منه ترشدوا، فإنه خاتم النبيين، واسمه محمد. فلما انصرفنا من عند ابن جفنة الغسَّاني وصِرْنا إلى أهلنا وُلِد لكل رجل منا غلام فسمَّاه محمدًا. وقال الإِمام أحمد: حدَّثنا رَوْح، حدَّثنا حمَّاد بن سلمةَ، عن عطاء بن السَّائب، عن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: "دخل رسول الله ﷺ الكنيسة فإذا هو بيهود، وإذا بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فلما أتَوا على صفة النبي ﷺ أمسكوا، وفي ناحيتها رجل مريض، فقال النبي ﷺ : "ما لكم أمْسَكْتم"؟ قال المريض: إنهم أتَوا على صفة نبيٍّ فأمسكوا، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة، فقرأ حتى أتى على صفة النبيِّ ﷺ فقال: هذه صفتك وصفةُ أمتك: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسولُ الله، ثم مات. فقال النبي ﷺ لأصحابه: "خُذُوا أخاكم" (١). وقال محمد بن سعد: حدَّثنا محمد بن عمر، قال حدَّثني سليمان بن داود بن الحُصَيْن عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، عن

стр. 279

أُبَيّ بن كعب قال: لما قَدِمَ "تُبَّع" المدينةَ ونزل بقُبَاء بعث إلى أحبار اليهود فقال: إني مخرِّب هذا البلد حتى لا تقوم بها يهودية ويرجع الأمر (إلى العرب) (١)، فقال له شموال اليهوديُ -وهو يومئذ أعلمهم-: أيها الملك! إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل، مولده بمكة، اسمه أحمد. وهذه دار هجرته، وإن منزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتل والجراح كثير من أصحابه وفي عدوهم، قال تُبَّع: ومن يقاتله يومئذ وهو نبي كما تزعمون؟ قال: يسير إليه قومه فيقتتلون هاهنا. قال: فأين قَبْرُه؟ قال: بهذا البلد. قال: فإذا قوتل لمن تكون الدائرة؟ قال: تكون له مرة (٢) وعليه مرة، وبهذا المكان الذي أنت به تكون عليه، ويقتل أصحابه قتلًا لم يقتلوه في موطن، ثم تكون له العاقبة ويظهر فلا ينازعه هذا الأمر أحد. قال: وما صفته؟ قال: رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، يركب البعير ويلبس الشملة، سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى من أخ أو ابن عم أو عم حتى يَظْهَر أمرُه.

стр. 280

قال تُبَّع: ما إلى هذه البلدة من سبيل، وما يكون خرابها على يدي. فخرج تُبَّع منصرفًا إلى اليمن. قال يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه: لم يمت تُبَّع حتى صدق بالنبي ﷺ لما كان يهود يثرب يخبرونه، وإن تُبَّع مات مسلمًا" (١). وقال محمد بن سعد: حدَّثنا محمد بن عمر، حدَّثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قال كان الزبير بن بَاطَا -وكان أعلم اليهود- يقول: إني وجدت سِفْرًا كان أبي يكتمه عليَّ، فيه ذكر أحمد، نبي يخرج بأرض القَرَظ، صفتُه كذا وكذا، فتحدَّث به الزبير بعد أبيه والنبي ﷺ لم يبعث بعد، فما هو إلا أن سمع بالنبيِّ ﷺ قد خرج بمكة فَعَمَد إلى ذلك السِّفْر فمحاه وكتم شأن النبي ﷺ وصفته، وقال: ليس به (٢). قال محمد بن عمر: (وحدَّثني الضحَّاك بن عثمان، عن مَخْرَمَةَ بنِ سليمان، عن كُرَيْب عن ابن عباس) (٣)، قال: كان يهود قريظةَ والنَّضير وفَدَك وخيبر يجدون صفة النبي ﷺ عندهم قبل أن يُبْعث، وأنَّ دار هجرته المدينة، فلما ولد رسول الله ﷺ قالت أحبار يهود: ولد أحمدُ الليلةَ، هذا الكوكب قد طلع، فلما تنبأ قالوا: تنبأ أحمد قد طلع الكوكب. كانوا يعرفون ذلك ويقرُون به ويصفونه فما منعهم إلا الحسد والبغي (٤).

стр. 281

وقال محمد بن سعد: أخْبَرَنا علي بن محمد، عن أبي عُبَيْدةَ بن عبد الله، وعبد الله بن محمد بن عمار بن ياسر وغيره، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: سكن يهوديٌّ بمكة يبيع بها تجارات، فلما كانت ليلة ولد رسول الله ﷺ قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه. قال: انظروا يا معشر قريش وأحصوا ما أقول لكم، ولد هذه الليلة نبيُّ هذه الأمة أحمد، وبه شامة بين كتفيه فيها شعرات. فتصدع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا في منازلهم ذكروه لأهاليهم، فقيل لبعضهم: ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلةَ غلامٌ وسمَّاه محمدًا. فأتوا اليهوديَّ في منزله فقالوا: علمتَ أنه ولد فينا غلام؟ فقال: أبعد خبري أم قبله؟ فقالوا: قبله، واسمه أحمد. قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرجوا حتى أتوا أُمَّه فأخرجَتْه إليهم فرأى الشامة في ظهره، فَغُشِيَ على اليهودي ثم أفاق، وقالوا: ما لك؟ ويلك! فقال: ذهبت النبوةُ من بني إسرائيل، وخرج الكتابُ من أيديهم، فازتِ العربُ بالنبوَّة، أفَرِحْتُمْ يا معشر قريش؟! أما والله ليسطونَّ بكم سطوة يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب (١).

стр. 282

قال ابن سعد: وأخبرَنَا علي بن محمد بن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن سالم (مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة، قال: "أتى رسولُ الله ﷺ بيت المِدْرَاس، فقال: أخْرِجوا إليَّ أعلمَكم. فقالوا) (١): عبد الله بن صوريا، فخلا به رسولُ الله ﷺ فناشده بدينه وبما أنعم الله عليهم وأطعمهم من المَنِّ والسَّلْوى وظلَّلهم من الغمام أتعلم أني رسول الله؟ قال: اللهمَّ نعم، وإنَّ القوم ليعرفون ما أعرفُ، وإن صفَتَك ونَعْتَكَ لمبيَّنٌ في التوراة، ولكن حسدوك. قال: فما يمنعك أنت؟ قال: أكرهُ خلاف قومي عسى أن يَتَّبِعُوك ويُسْلِموا فأُسْلِمَ" (٢). وقال أبو الشيخ الأصْبَهَانِيُّ: حدَثنا أبو يحيى الرَّازي، حدَّثنا سهل بن عثمان، حدَّثنا علي بن مُسهِر، عن داود، عن الشعبيِّ، قال: قال عمر بن الخطاب: كنت آتي اليهود عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة التوراة للقرآن وموافقة القرآن للتوراة، فقالوا: يا عمر ما أحدٌ أحبُّ إلينا منك لأنك تَغْشَانَا، قلتُ: إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضًا، فبينا أنا عندهم ذاتَ يومٍ إذ مرَّ رسول الله ﷺ فقالوا: هذا صاحبك، فقلت: أنشدكم الله وما أنزل عليكم من الكتاب أتَعْلَمون أنَّه رسول الله؟ فقال سيدهم: قد نشدكم الله فأخْبِرُوه.

стр. 283

فقالوا: أنت سيدنا فأخْبِرْه. فقال: إنَّا نعلم أنه رسول الله. قلت: فأنَّى أهلككم إنْ كنتم تعلمون أنه رسول الله لِمَ لَمْ تَتَّبِعُوه؟! قالوا: إنَّ لنا عدوًّا من الملائكة، وسِلْمًا من الملائكة؛ عدوُّنا جبريل وهو مَلَكُ الفَظَاظَة والغِلْظَة، وسِلْمُنا ميكائيل وهو ملك الرأفة واللِّين. قلت: فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعاديَ سِلْم ميكائيل، ولا لميكائيل أن يعاديَ سِلْمَ جبريل، ولا أن يسلم عدوه، ثم قمت فاستقبلني رسولُ الله ﷺ فقال: "ألا أقرئك آيات نزلت عليَّ قَبْلُ، فتلا: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٧]. فقلت: والذي بعثك بالحقِّ ما جئتُ إلا لأخبرك يقول اليهود. قال عمر: فلقد رأيتُنِي أشدَّ في دين الله من حَجَر (١). وذكر أبو نعيم من حديث عَمْرو بن عَبَسَةَ قال: رغبتُ عن آلهة قومي في الجاهلية، وعرفت أنها على الباطل، يعبدون الحجارة وهي لا تضرُّ ولا تنفع، فلقيت رجلًا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدِّين؟ فقال: يخرج رجل من مكةَ ويرغب عن آلهة قومه، يأتي بأفضل الدين، فإذا

стр. 284

سمعتَ به فاتبعه، فلم يكن لي همٌّ إلا مكة آتيها فأسأل: هل حَدَثَ فيها خبر؟ فيقولون: لا، (فأنصرف إلى أهلي وأعترض الرُّكْبَان فأسألهم فيقولون: لا) (١)، فإني لقاعدٌ إذْ مرَّ بي راكب فقلت: من أين جئتَ؟ قال: من مكة، قلتُ: هل حدث حَدَثٌ فيها؟ قال: نعم، رجلٌ رغب عن آلهة قومه ودعا إلى غيرها، قلت: صاحبي الذي أريد! فشددت راحلتي وجئتُ فأسلمتُ (٢). وقال عبد الغني بن سعيد: حدَّثَنا موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس، وعن مقاتل عن الضحاك، عن ابن عباس: أنَّ ثمانية من أساقفة نجران قَدِمُوا على رسول الله ﷺ منهم "العاقب" "والسيد" فأنزل الله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦١]. فقالوا: أخّرْنا ثلاثةَ أيام، فذهبوا إلى بني قريظةَ والنَّضِير وبني قَيْنُقَاع فاستشاروهم، فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وهو النبيُّ الذي نجده في التوراة والإنجيل، فصالحوا النبي ﷺ على ألف حُلةٍ في صفر، وألف حُلة في رجب ودراهم (٣). وقال يونس بن بُكَيْر: عن قيس بن الربيع، عن يونس بن أبي سالم، عن عِكْرمةَ: أنَّ ناسًا من أهل الكتاب آمنوا بمحمد ﷺ قبل أن يُبْعَثَ فلما

стр. 285

بُعِثَ كفروا به (١). فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وقال ابن سعد: حدثنا محمد بنُ (سعد بنِ) (٢) إسماعيل بنِ أبي فُدَيْك، عن موسى بن يعقوب الزَمَعِيّ، عن سهل مولى عُتَيْبَةَ أنَّه كان نصرانيًّا وكان يتيمًا في حِجْر عمِّه وكان يقرأ الإنجيل، قال: فأخذت مصحفًا لعمِّي فقرأته حتى مرَّتْ بي ورقة أنكرتُ كثافتها (٣)، فإذا هي ملصقة ففتقتُها فوجدت فيها نَعْتَ محمد ﷺ ، أنه لا قصير ولا طويل، أبيض، بين كتفيه خاتَمُ النبوة، يكثر الاحتبَاءَ، ولا يقبلُ الصدقةَ، ويركبُ الحمارَ والبعيرَ، ويَحْتَلِبُ الشاةَ، ويلبس قميصًا مُرَقَّعًا، وهو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد. قال: فجاء عمي فرأى الورقة (فضربني، وقال: ما لك وفتح هذه الورقة؟) (٤) فقلت: فيها نعت النبيِّ أحمد، فقال: إنه لم يأتِ بعدُ (٥). وقال وهب: أوحى الله إلى إشَعْيَا أني مبتعثٌ نبيًّا أفتح به آذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلْفًا، أجعل السكينةَ لباسَهُ، والبِرَّ شعارَهُ، والتقوى ضميرَهُ، والحكمةَ معقولَه، والوفاءَ والصِّدْق طبيعتَه، والعفو والمغفرة والمعروف خُلُقَه، والعدلَ سيرته، والحقَّ شريعتَه، والهدى إمامَه والإِسلامَ ملَّتَه،
следующие страницы →