← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 5705

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (517 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقال محمد بن سعد: أخْبَرَنا علي بن محمد، عن أبي عُبَيْدةَ بن عبد الله، وعبد الله بن محمد بن عمار بن ياسر وغيره، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: سكن يهوديٌّ بمكة يبيع بها تجارات، فلما كانت ليلة ولد رسول الله ﷺ قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه. قال: انظروا يا معشر قريش وأحصوا ما أقول لكم، ولد هذه الليلة نبيُّ هذه الأمة أحمد، وبه شامة بين كتفيه فيها شعرات. فتصدع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا في منازلهم ذكروه لأهاليهم، فقيل لبعضهم: ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلةَ غلامٌ وسمَّاه محمدًا. فأتوا اليهوديَّ في منزله فقالوا: علمتَ أنه ولد فينا غلام؟ فقال: أبعد خبري أم قبله؟ فقالوا: قبله، واسمه أحمد. قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرجوا حتى أتوا أُمَّه فأخرجَتْه إليهم فرأى الشامة في ظهره، فَغُشِيَ على اليهودي ثم أفاق، وقالوا: ما لك؟ ويلك! فقال: ذهبت النبوةُ من بني إسرائيل، وخرج الكتابُ من أيديهم، فازتِ العربُ بالنبوَّة، أفَرِحْتُمْ يا معشر قريش؟! أما والله ليسطونَّ بكم سطوة يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب (١).

стр. 282

قال ابن سعد: وأخبرَنَا علي بن محمد بن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن سالم (مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة، قال: "أتى رسولُ الله ﷺ بيت المِدْرَاس، فقال: أخْرِجوا إليَّ أعلمَكم. فقالوا) (١): عبد الله بن صوريا، فخلا به رسولُ الله ﷺ فناشده بدينه وبما أنعم الله عليهم وأطعمهم من المَنِّ والسَّلْوى وظلَّلهم من الغمام أتعلم أني رسول الله؟ قال: اللهمَّ نعم، وإنَّ القوم ليعرفون ما أعرفُ، وإن صفَتَك ونَعْتَكَ لمبيَّنٌ في التوراة، ولكن حسدوك. قال: فما يمنعك أنت؟ قال: أكرهُ خلاف قومي عسى أن يَتَّبِعُوك ويُسْلِموا فأُسْلِمَ" (٢). وقال أبو الشيخ الأصْبَهَانِيُّ: حدَثنا أبو يحيى الرَّازي، حدَّثنا سهل بن عثمان، حدَّثنا علي بن مُسهِر، عن داود، عن الشعبيِّ، قال: قال عمر بن الخطاب: كنت آتي اليهود عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة التوراة للقرآن وموافقة القرآن للتوراة، فقالوا: يا عمر ما أحدٌ أحبُّ إلينا منك لأنك تَغْشَانَا، قلتُ: إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضًا، فبينا أنا عندهم ذاتَ يومٍ إذ مرَّ رسول الله ﷺ فقالوا: هذا صاحبك، فقلت: أنشدكم الله وما أنزل عليكم من الكتاب أتَعْلَمون أنَّه رسول الله؟ فقال سيدهم: قد نشدكم الله فأخْبِرُوه.

стр. 283

فقالوا: أنت سيدنا فأخْبِرْه. فقال: إنَّا نعلم أنه رسول الله. قلت: فأنَّى أهلككم إنْ كنتم تعلمون أنه رسول الله لِمَ لَمْ تَتَّبِعُوه؟! قالوا: إنَّ لنا عدوًّا من الملائكة، وسِلْمًا من الملائكة؛ عدوُّنا جبريل وهو مَلَكُ الفَظَاظَة والغِلْظَة، وسِلْمُنا ميكائيل وهو ملك الرأفة واللِّين. قلت: فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعاديَ سِلْم ميكائيل، ولا لميكائيل أن يعاديَ سِلْمَ جبريل، ولا أن يسلم عدوه، ثم قمت فاستقبلني رسولُ الله ﷺ فقال: "ألا أقرئك آيات نزلت عليَّ قَبْلُ، فتلا: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٧]. فقلت: والذي بعثك بالحقِّ ما جئتُ إلا لأخبرك يقول اليهود. قال عمر: فلقد رأيتُنِي أشدَّ في دين الله من حَجَر (١). وذكر أبو نعيم من حديث عَمْرو بن عَبَسَةَ قال: رغبتُ عن آلهة قومي في الجاهلية، وعرفت أنها على الباطل، يعبدون الحجارة وهي لا تضرُّ ولا تنفع، فلقيت رجلًا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدِّين؟ فقال: يخرج رجل من مكةَ ويرغب عن آلهة قومه، يأتي بأفضل الدين، فإذا

стр. 284

سمعتَ به فاتبعه، فلم يكن لي همٌّ إلا مكة آتيها فأسأل: هل حَدَثَ فيها خبر؟ فيقولون: لا، (فأنصرف إلى أهلي وأعترض الرُّكْبَان فأسألهم فيقولون: لا) (١)، فإني لقاعدٌ إذْ مرَّ بي راكب فقلت: من أين جئتَ؟ قال: من مكة، قلتُ: هل حدث حَدَثٌ فيها؟ قال: نعم، رجلٌ رغب عن آلهة قومه ودعا إلى غيرها، قلت: صاحبي الذي أريد! فشددت راحلتي وجئتُ فأسلمتُ (٢). وقال عبد الغني بن سعيد: حدَّثَنا موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس، وعن مقاتل عن الضحاك، عن ابن عباس: أنَّ ثمانية من أساقفة نجران قَدِمُوا على رسول الله ﷺ منهم "العاقب" "والسيد" فأنزل الله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦١]. فقالوا: أخّرْنا ثلاثةَ أيام، فذهبوا إلى بني قريظةَ والنَّضِير وبني قَيْنُقَاع فاستشاروهم، فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وهو النبيُّ الذي نجده في التوراة والإنجيل، فصالحوا النبي ﷺ على ألف حُلةٍ في صفر، وألف حُلة في رجب ودراهم (٣). وقال يونس بن بُكَيْر: عن قيس بن الربيع، عن يونس بن أبي سالم، عن عِكْرمةَ: أنَّ ناسًا من أهل الكتاب آمنوا بمحمد ﷺ قبل أن يُبْعَثَ فلما

стр. 285

بُعِثَ كفروا به (١). فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وقال ابن سعد: حدثنا محمد بنُ (سعد بنِ) (٢) إسماعيل بنِ أبي فُدَيْك، عن موسى بن يعقوب الزَمَعِيّ، عن سهل مولى عُتَيْبَةَ أنَّه كان نصرانيًّا وكان يتيمًا في حِجْر عمِّه وكان يقرأ الإنجيل، قال: فأخذت مصحفًا لعمِّي فقرأته حتى مرَّتْ بي ورقة أنكرتُ كثافتها (٣)، فإذا هي ملصقة ففتقتُها فوجدت فيها نَعْتَ محمد ﷺ ، أنه لا قصير ولا طويل، أبيض، بين كتفيه خاتَمُ النبوة، يكثر الاحتبَاءَ، ولا يقبلُ الصدقةَ، ويركبُ الحمارَ والبعيرَ، ويَحْتَلِبُ الشاةَ، ويلبس قميصًا مُرَقَّعًا، وهو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد. قال: فجاء عمي فرأى الورقة (فضربني، وقال: ما لك وفتح هذه الورقة؟) (٤) فقلت: فيها نعت النبيِّ أحمد، فقال: إنه لم يأتِ بعدُ (٥). وقال وهب: أوحى الله إلى إشَعْيَا أني مبتعثٌ نبيًّا أفتح به آذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلْفًا، أجعل السكينةَ لباسَهُ، والبِرَّ شعارَهُ، والتقوى ضميرَهُ، والحكمةَ معقولَه، والوفاءَ والصِّدْق طبيعتَه، والعفو والمغفرة والمعروف خُلُقَه، والعدلَ سيرته، والحقَّ شريعتَه، والهدى إمامَه والإِسلامَ ملَّتَه،

стр. 286

وأحمدَ اسمَه، أَهدي به بعد الضلالة، وأُعْلِم به بعد الجهالة، وأكثر به بعد القِلَّة، وأجمع به بعد الفُرْقة، وأؤلف به بين قلوبٍ مختلفة وأهواء متشتِّتة وأممٍ مختلفة، وأجعل أمته خير أمة، وهم رعاة الشمس، طوبى لتلك القلوب (١). وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عثمان بن عبد الرحمن: أنَّ رجلًا من أهل الشام من النصارى قَدِمَ مكة، فأتى على نسوةٍ قد اجتمعن في يوم عيد من أعيادهم وقد غاب أزواجهن في بعض أمورهم، فقال: يا نساء تَيْماء: إنه سيكون فيكم نبيٌّ يقال له: أحمد، أيما امرأة منكن استطاعتْ أن تكون له فراشًا فلتفعل، فحفظت خديجة حديثه. وقال عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وَهْب، قال في قصة داود، ومما أوحى الله إليه في الزبور: "يا داود إنه سيأتي من بعدك نبيٌّ يسمى أحمد ومحمد، صادقًا سيدًا، لا أغضب عليه أبدًا، ولا يغضبني أبدًا، قد غفرت له -قبل أن يغضبني (٢) - ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، وأمتُه مرحومةٌ، أعطيتهم من النوافل مِثْلَ ما أعطيتُ الأنبياء، وافترضتُ عليهم الفرائض التي افترضتُ على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورُهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضتُ عليهم أن يتطهروا لكل صلاة، كما افترضت على الأنبياء قَبْلَهم، وأمرتهم بالغُسْل من الجنابة كما أمرتُ الأنبياءَ قبلهم، وأمرتُهم بالحج كما أمرتُ الأنبياء قبلهم، وأمرتُهم بالجهاد كما أمرتُ الرسل قبلهم. يا داود إني فضَّلْتُ محمدًا وأمته على الأمم (كلها: أعطيتهم ست

стр. 287

خصال لم أُعطِها غيرهم من الأمم) (١)، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكلُّ ذنب ركبوه على غير عَمْدٍ إذا استغفروني منه غفرته لهم، وما قدَّموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسُهم عجَّلْتُه لهم أضعافا مضاعفة أفضل من ذلك، ولهم في المدخور عندي أضعافًا مضاعفة أفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب -إذا صبروا واسترجعوا- الصلاةَ والرحمةَ والهدى، فإن دَعَوْني استجبتُ لهم. يا داود من لَقِيَني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقًا بها فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذَّب محمدًا أو كذَّب بما جاء به واستهزأ بكتابي صَبَبْتُ عليه في قبره العذابَ صَبًّا وضربتِ الملائكةُ وجهَه ودبرَه عند منشره في قبره، ثم أدخله في الدَّرْك الأسفل من النار" (٢). وقال عفان: حدَّثَنا همَّام عن قتادةَ، عن زُرَارةَ بن أبي أَوْفى، عن مطرِّف بن مالك: أنه قال: شهدت فتح تُسْتَر مع الأشعريِّ فأصبنا قبر دَانِيَال بالسُّوس (٣) -وكانوا إذا أجدبوا خرجوا فاستسقوا به- فوجدوا معه رقعة فطلبها نَصْرانيٌّ من الحيرة، يسمى نُعَيْمًا، فقرأها وفي أسفلها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. فأسلم مَنهم يومئذ اثنان وأربعون حَبْرًا، وذلك في خلافة معاوية، فأتحفهم معاويةُ وأعطاهم.

стр. 288

قال هَمَّام: فأخبرني بسْطَامُ بنُ مسلم: أنَّ معاويةَ بن قُرَّة قال: تذاكَرْنَا الكتاب إلى ما صار، فمرَّ علينا شَهْرُ بن حَوْشَب فدعوناه، فقال: على الخبير سقطتم: إن الكتاب كان عند كعب فلما احْتُضِرَ قال: ألا رَجُلٌ ائتمنه على أمانةٍ يؤدِّيها؟ قال شهر: فقال ابنُ عمٍّ لي يكنى أبا لبيد: أنا، فدفع إليه الكتاب، فقال: إذا بلغْتَ موضع كذا فاركب قُرْقُورًا ثم اقذف به في البحر، ففعل، فانفرج الماء فقذفه فيه ورجع إلى كعبٍ فأخبره، فقال: صدقتَ، إنَّه من التوراة التي أنزلها الله (١). ومن ذلك أخبار أُميَّةَ بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيِّ، ونحن نذكر بعضها. قال الزُّبير بن بَكَّار: حدثني عمي مُصْعَبٌ، عن مصعب بن عثمان، قال: كان أُمية قد نظر في الكتب وقرأها ولبس المُسُوحَ تعبُّدًا، وكان ممن ذكر إبراهيمَ وإسماعيلَ والحنيفيَّةَ، وحرَّم الخمر والأوثان، والتَمَسَ الدِّين، وطمع في النبوة؛ لأنه قرأ في الكتب أنَّ نبيًّا يُبْعَث مِنَ العرب فكان يرجو أن يكون هو، فلما بعث الله محمدًا ﷺ قيل له: هذا الذي كنت تبشِّر به وتقول فيه، فحسده عدوُّ الله وقال: أنا كنت أرجو أنْ أكونَ هو. فأنزل الله فيه (٢): ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾ [الأعراف: ١٧٥]. وهو الذي يقول: كل دِيْنٍ يومَ القيامةِ عِنْدَ اللهِ … -إلَّا دِيْنَ الحَنيفة- زُوْرُ

стр. 289

قال الزُّبير: وحدَّثني عمر بن أبي بكر المُؤمِّليّ، قال: كان أمية بن أبي الصلت يلتمس الدين ويطمع في النبوة، فخرج إلى الشام (فمرَّ بكنيسة) (١)، وكان معه جماعة من العرب من قريش وغيرهم، فقال أمية: إنَّ لي حاجةً في هذه الكنيسة فانتظروني. فدخل الكنيسةَ ثم خرج إليهم كَاسِفًا متغيِّرًا، فرمى بنفسه، فأقاموا (٢) عليه حتى سُرِّي عنه، ثم مضوا فقضوا حوائجهم، ثم رجعوا فلما صاروا إلى الكنيسة قال لهم: انتظروني، ودخل الكنيسة فأبطأَ، ثم خرج أسوأ مِنْ حاله الأول. فقال له أبو سفيان بن حرب: قد شققت على رفقتك. فقال: خَلُّوني، فإني أرتاد لنفسي وأطلب (٣) لِمَعَادي، وإِنَّ هاهنا راهبًا عالمًا أخبرني أنَّه سيكون بعد عيسى ست رجفات، وقد مَضتْ منها خمسٌ وبقيتْ واحدةٌ، فخرجت وأنا أطمع أن أكون نبيًّا وأخاف أن يُخْطِئَني فأصابني ما رأيتَ، فلما رجعتُ أتيته فقال: قد كانت الرَّجفة وقد بُعِثَ نبيّ من العرب فَأَيِسْتُ من النبوة فأصابني ما رأيتَ إذْ فاتني ما كنتُ أطمع فيه (٤). قال: وقال الزُّهْرِيُّ: خرج أمية في سفر فنزلوا منزلًا، فأمَّ أميةُ وجهًا وصعد في كثيب، فرُفِعَتْ (٥) له كنيسة فانتهى إليها؛ فإذا شيخ جالس،

стр. 290

فقال لأمية حين رآه: إنَّك لمتبوع فمن أين يأتيكَ رئيُّكَ؟ قال: من شِقِّي الأيسر، قال: فأيُّ الثياب أحب إليه أن تلقاه فيها؟ قال: السواد، قال: كدتَ تكون نبيَّ العرب ولستَ به، هذا خاطِرٌ من الجنِّ وليس بِمَلَكٍ، وإنَّ نبيَّ العرب صاحبُ هذا الأمر يأتيه المَلَكُ من شِقِّه الأيمن، وأَحَبُّ الثياب إليه أن يلقاه فيها: البَيَاضُ. قال الزهري: وأتى أميةُ أبا بكرِ فقال له: يا أبا بكر عَمِيَ الخَبَرُ، فهل أحسَسْتَ شيئًا؟ قال: لا والله. قال: قد وجدتُه يخرج في هذا العام. وقال عمر بن شَبَّة: سمعت خالد بن يزيدَ يقول: إنَّ أُمية وأبا سفيان ابن حرب صحباني في تجارة إلى الشام، فذكر نحو الحديث الأول، وزاد فيه: فخرج من عند الرَّاهب وهو ثقيل (١)، فقال له أبو سفيان: إنَّ بك لَشَرًّا فما قضيتك؟ قال خير، أخبِرْني عن عتبة بن ربيعة كم سِنُّهُ؟ فذكر سِنًّا، قال: أخْبِرْني عن ماله، فذكر مالًا، (فقال له: وَضَعْتَه) (٢)، قال أبو سفيان: بل رفعتُه، فقال: إنَّ صاحب هذا الأمر ليس بشيخٍ ولا ذي مال. قال: وكان الراهب أيأسه، وأخبره أنَّ الأمر لرجلٍ من قريش. قال الزبير: وحدَّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي، قال: حدّثني رجل من أهل الكوفة، قال: كان أمية نائمًا فجاءه طائران، فوقع أحدهما على باب البيت، ودخل الآخر فشق عن قلبه ثم رده الطائر، فقال له الطائر الآخر: أَوَعى؟ قال: نعم. قال: أزَكا؟ قال: أبَى. وقال الزهري: دخل يومًا أمية بن أبي الصلت على أخته (٣) وهي تهنأ

стр. 291

أُدْمًا لها، فأدركه النوم فنام على سرير في ناحية البيت. قالت: (فانشقَّ جانبٌ من السقف في البيت) (١) وإذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره ووقف الآخر مكانه، فشقَّ الواقعُ صَدْرَه فأخرج قلبه فشقَّه، فقال الطائر الآخر للذي على صدره: أوعى؟ قال: وَعَى؟ قال: أَقَبِلَ؟ قال: أبى، قال: فردَّ قلبه في موضعه ثم مضى، فأتْبَعَهُما أميةُ طَرْفَهُ وقال: لبَّيْكُما لبيكما ها أنذا لديكما، لا بريء فأعتذر، ولا ذو عشيرة فأنتصر. فرجع الطائر فوقع على صدره فشقَّه حتى أخرج قلبه فشقَّه، فقال الطائر الأعلى للواقع: أَوَعَى؟ قال: وَعَى، قال: أَقَبِلَ؟ قال: أَبى. ونهض فأتْبَعَهما أميةُ بصرَه فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا مال لي يغنيني، ولا عشيرة تحميني. فرجع الطائر فوقع على صدره فشقَّه ثم أخرج قلبه فشقَّه، فقال الطائر الأعلى: أوعى؟ قال: وعى، قال: أَقَبِلَ؟ قال: أبى، ونهض فأتبعه أمية بصره، فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، محفوف بالنعم محوط بالذنب. قال فرجع الطائر فوقع على صدره فشقَّه فأَخْرَجَ قلبه فشقَّه، فقال الأعلى: أَوَعَى؟ قال: وَعَى. قال: أَقَبِلَ؟ قال: أبَى. قال: ونهض فأتبعهما طَرْفَهُ قال: لبيكما لبيكما (٢) ها أنا ذا لديكما. إنْ تَغْفرِ اللهمَّ تغفر جَمَّا … وأيّ عبدٍ لك لا أَلَمَّا ثم انطبق السقف (٣) وجلس أمية يمسح صدره، فقلت: يا أخي! هل

стр. 292

تجد شيئا؟ قال: لا، ولكني أجد حرًّا في صدري، ثم أنشأ يقول: لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ ما قَدْ بَدَا لِي … فِي قلَالِ الجبالِ أرعى الوُعُولًا اجْعَلِ الموتَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ واحْذَرْ … غَولَةَ الدَّهْرِ إنَّ للدَّهْرِ غُولًا (١) وقال مروان بن الحكم، عن معاوية بن أبي سفيان، (عن أبي سفيان) (٢) بن حرب، قال: خرجت أنا وأُميَّة بن أبي الصَّلْت تجارًا إلى الشام، فكان كلَّما نزلنا منزلًا (٣) أخرج منه سِفْرًا يقرؤه، فكنا كذلك حتى نزلنا بقرية من قرى النصارى فرأوه فعرفوه وأهدَوا له، وذهب معهم إلى بيعتهم، ثم رجع في وسط النهار فطرح نفسه، واستخرج ثوبين أسودين فلبسهما، ثم قال: يا أبا سفيان: هل لك في عالِمٍ من علماء النصارى، إليه تَنَاهى عِلْمُ الكتب تسأله عما بدا لك؟ قلت: لا، فمضى هو وحده وجاءنا بعد هَدْأة من الليل فطرح ثوبيه ثم انجدل على فراشه، فوالله ما نام ولا قام حتى أصبح، وأصبح كئيبًا حزينًا ما يكلِّمنا ولا نكلِّمه، فَسَرَيْنَا ليلتين على ما به من الهمِّ. فقلت له: ما رأيتُ مثل الذي رجعتَ به من عند صاحبك! قال: لمنقلبي. قلت: وهل لك من منقلب؟ قال: إي والله لأموتنَّ ولأُحاسبنَّ. قلت: فهل أنت قابل أماني؟ قال: على ماذا؟ قلت: على أنك لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَب، فضحك وقال: بلى والله لتبعَثُنَّ ولتُحَاسَبُنَّ، ولتدخُلُنَّ: فريقٌ في الجنة وفريق في السعير. قلت: ففي أيِّهما أنتَ أأخبرَكَ صاحبُك؟ قال: لا علم لصاحبي بذلك فيّ ولا في نفسه. فكنا في ذلك ليلتنا يعجب منا ونضحك منه حتى قَدِمْنا غوطة

стр. 293

دمشق، فبعْنَا متاعنا وأقمنا شهرين ثم ارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى، فلما رأوه جاؤوه وأهدَوْا له وذهب معهم إلى بيعتهم، حتى جاءنا مع نصف النهار فلبس ثوبيه الأسودين وذهب حتى جاءنا بعد هَدْأة من الليل فطرح ثوبيه ثم رمى بنفسه على فراشه، فوالله ما نام ولا قام حتى أصبح مبثوثًا (١) حزينًا لا يكلِّمنا ولا نكلِّمه، فرحلنا فسِرْنَا لياليَ، ثم قال: يا صخر حدِّثني عن عتبةَ بنِ ربيعةَ: أيجتنب المحارم والمظالم؟ قلت: إي والله. قال: أَوَ يصل الرَّحِمَ ويأمر بِصِلَتِهَا؟ قلت: نعم. قال: فكريمُ الطَّرَفيْن وسيط في العشيرة؟ قلت: نعم، قال: فهل تعلم قرشيًّا أشرفَ منه؟ قلت: لا والله. قال: أَمُحْوِجٌ هو؟ قلت: لا، بل هو ذو مال كثير. قال: كم أتى له من السنين؟ قلت: هو ابن سبعين أو قد قاربها. قال: فالسنُّ والشَّرَف أزْرَيًا به، قلت: والله بل زاده خيرًا. قال: هو ذاك، ثم إنَّ الذي رأيتَ بي أَنّي جئت هذا العَالِمَ فسألته عن هذا الذي يُنْتَظَرُ، فقال: رجل من العرب من أهل بيتٍ تحجُّه العرب. فقلت: فينا بيت تحجه العرب. قال: هو من إخوانكم وجيرانكم من قريش، فأصابني شيءٌ ما أصابني مثله إذْ خرج من يدي فَوْزُ الدنيا والآخرة، وكنت أرجو أن أكون أنا هو. فقلتُ: فصِفْهُ لي؟ فقال: رجل شاب حين (٢) دخل في الكهولة، بَدْءُ أمره أنه يجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرَّحِم ويأمر بصلتها، وهو كريم الطرفين (٣)، متوسط في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة. قلت: وما آية ذلك؟ قال: رجفت الشام منذ هلك عيسى بنُ مريم عدَّة رجفات كلُّها فيها مصيبة، وبَقِيَتْ رجفةٌ عامة فيها مصيبة،

стр. 294

يخرج على أثرها. فقلت: هذا هو الباطل، لئن بعث الله رسولًا لا يأخذه إلا مُسِنًّا شريفًا، قال أمية: والذي يُحْلَفُ به إنه لهكذا. فخرجنا حتى إذا كان بيننا وبين مكةَ ليلتان أدْرَكَنَا راكبٌ مِنْ خَلْفِنا فإذا هو يقول: أصابت الشام (من بعدكم) (١) رجفة دثر أهلها فيها أصابتهم مصائب عظيمة. فقال أمية: كيف ترى يا أبا سفيان؟ فقلت: والله ما أظنُّ صاحبك إلا صادقًا، وقَدِمْنَا مكةَ، ثم انطلقت حتى أتيتُ أرضَ الحبشة تاجرًا ومكثت فيها خمسة أشهر، ثم قدمت مكةَ فجاءني الناس يسلِّمون عليَّ، وفي آخرهم محمدٌ، وهندٌ تلاعب صبيانها، فسلم عليَّ ورحَّب بي، وسألني عن سفري ومقدمي، ثم انطلق. فقلت: والله إنَّ هذا الفتى لعجب ما جاءني من قريش أحدٌ له معي بضاعة إلا سألني عنها وما بلَغَتْ، والله إن له معي لبضاعةً ما هو بأغناهم عنها ثم ما سألني عنها. فقالت: أَوَ ما علمتَ بشأنه؟ فقلت -وفزعت-: وما شأنه؟ قالت: يزعمُ أنه رسول الله. فذكرتُ قَوْلَ النَّصراني فَوَجَمْتُ. ثم قَدِمْتُ الطائف فنزلت على أميَّةَ، فقلت: هل تذكر حديث النَّصراني؟ قال: نعم. فقلت: قد كان. قال: ومَنْ؟ قلت: محمد بن عبد الله، فتصبَّب عَرَقًا. فقلت: قد كان من أمر الرجل ما كان فاين أنت منه؟ فقال: والله لا أو من (٢) بنبيٍّ من غير ثقيف أبدًا (٣).

стр. 295

فهذا حديث أبي سفيان عن أميَّة، وذلك حديثه عن هِرَقْل وهو في "صحيح البخاري" (١)، وكلاهما من أعلام النُّبُوة المأخوذة عن علماء أهل الكتاب. وذكر التِّرمِذِيُّ وغيره من حديث عبدِ الرَّحمنِ بن غَزْوَانَ -وهو ثقة-: أخْبَرَنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، قال: خرج أَبو طالب إلى الشام وخرج معه النبيُّ ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب حَطُّوا عن رحالهم، فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلُّون رحالهم فجعل يتخلَّلُهم الراهب حتى إذا جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسولُ ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمةً للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما عِلْمُك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العَقَبَةِ لم يَبْقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبيٍّ، وإني أعرفه بخَاتَمِ النبوة أسْفَلَ من غضروف كَتِفَيْه مثل التفاحة. ثم رجع فصنع لهم طعامًا فلما أتاهم به -وكان هو في رعية الإبل- قال: أرْسِلوا إليه. فأقبلَ وعليه غَمَامَةٌ تُظِلُّه (٢)، فلما دَنَا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلمَّا جلس مَالَ فَيْءُ الشجرة عليه.

стр. 296

فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. قال: فبينا هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم؛ فإنَّ الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، وإذا بسبعةٍ قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم، وقال: ما جاء بكم؟ قالوا: بلَغَنَا أن هذا النبيَّ خارج في هذا الشهر فلم يَبْقَ طريق إلا بُعِثَ إليه بأناس، وإنا قد أُخْبِرنا خَبَرَه، فَبُعِثْنَا إلى طريقك هذا. فقال هل خلفكم أحدٌ هو خيرٌ منكم؟ قالوا: إنا قد أُخْبِرْنا خَبَرَه بطريقِكَ هذا. قال: أفرأيتم أمرًا أراد اللهُ أنْ يَقْضِيَهُ فهل يستطِيعُ أحدٌ من الناس ردَّه؟ قالوا: لا، قال: فَبَايَعُوه وأقاموا معه. قال: أنْشُدُكم باللهِ أيُّكم وليُّه؟ قالوا: أَبو طالب، فلم يزل يناشده حتى ردَّه (١). وقد روى محمَّدُ بنُ سعدٍ هذه القصة مطوَّلة. قال ابن سعد: حدَّثَنَا محمد بن عُمرَ بنِ واقد، حدثنا محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر الزُّبَيْرِيّ، قال محمد بن عمر: وحدّثَنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين، قال: لما خرج أَبو طالب إلى الشام وخرج معه رسول الله في ﷺ المرة الأولى -وهو ابن ثنتي عشرة سنة-. فلما نزل الركب بُصْرَى من أرض الشام، وبها راهب يقال له بَحِيْرًا في صومعة له، وكان علماء النَّصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه، فلما نزلوا على بَحِيْرًا، وكانوا كثيرًا ما يمرون به ولا يكلِّمهم، حتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلًا قريبًا من

стр. 297

صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك (كلَّما مَرُّوا) (١)، فصنع لهمِ طعامًا ثم دعاهم، وإنما حمله على دعائهم أنه رآهم حين طلعوا وغمَامَة تُظِلُّ رسولَ الله ﷺ مِنْ دونهم حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلَّت تلك الشجرة فأخضلت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظلَّ تحتها، فلما رأى بحيرًا ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام (٢) فأُتي به وأرْسَل إليهم، وقال: إني قد صنعت لكم طعامًا يا معشر قريش، وأنا أُحبُّ أن تحضروه كلُّكم، ولا تُخَلِّفوا أحدًا منكم، كبيرًا ولا صغيرًا، حرًّا ولا عبدًا، فإن هذا شيء تكرموني به. فقال رجل: إنَّ لك لشأنًا يا بحيرا ما كُنْتَ تصنعُ هذا فما شأنك اليوم؟ قال: إني أُحبُّ أن أُكْرمَكم ولكم حقٌّ. (فاجتمع القوم) (٣) إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنِّه في رحالهم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرَا إلى القوم فلم يَرَ الصفةَ التي يعرفها ويجدها عنده، وجعل ينظر فلا يرى الغَمَامَة على أحد من القوم، ويراها على رسول الله ﷺ ، فقال بحيرا: يا معشر قريش لا يَتَخَلَّفنَّ منكم أحد عن طعامي؟ قالوا: ما تخلَّف أحدٌ إلا غلام هو أحدث القوم سِنًّا في رحالهم، فقال: ادعوه ليحضر طعامي، فما أقْبَحَ أن تحضروا ويتخلَّفَ رجلٌ واحد مع أني أراه من أَنْفَسِكُم! فقال القوم: هو والله أوسَطُنا نسبًا، وهو ابن أخي هذا الرجل -يعنون أبا طالب- وهو من ولد عبد المطَّلِب، فقال الحارث بن عبد المطَّلب: والله إن كان بنا لَلُؤْمٌ أن

стр. 298

يتخلَّف ابنُ عبد المطَّلِب من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام، والغَمَامة تسير على رأسه، وجعل بَحِيْرًا يلحظُه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياءَ في جسدِه قد كان يجدها عنده في صفته. فلما تفرَّقوا عن الطعام قام إليه الراهب فقال: يا غلام أسألك بحق اللَّات والعُزَّى إلا ما أخْبَرْتَنِي عمَّا أسألك؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "لا تسألني باللَّات والعُزى، فواللهِ ما أبغضتُ شيئًا بعضَهُما" قال: فبالله إلا أخبرتني عمَّا أسألك عنه، قال: "سَلْنِي عما بَدَا لك". فجعل رسولُ الله ﷺ يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثم جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره فرأى خَاتَمَ النبوة بين كتفيه على الصفة التي عنده، فقبَّل موضع الخاتم. وقالت قريش: إنَّ لمحمدٍ عند هذا الرَّاهب لقَدْرًا. وجعل أبو طالب -لما يرى من الراهب- يخاف على ابن أخيه. فقال الرَّاهب لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: هو ابني. قال: ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أَبوه حيًّا، قال: فابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: هَلَكَ وأمُّه حُبْلى به. قال: فما فعلتْ أمُّه؟ قال: تُوُفِّيَتْ قريبًا، قال: صدقتَ، ارجعْ بابن أخيك إلى بلده، واحْذَرْ عليه اليهودَ، فوالله لئن عَرَفُوا منه ما أعرَف ليَبْغُنَّه عَنَتًا، فإنه كائنٌ لابن أخيك هذا شأنٌ عظيم نجده في كتابنا، واعلمْ أنِّي قد أدَّيتُ إليك النصيحةَ. فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعًا، وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله ﷺ وعرفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه، فذهبوا إلى بَحِيْرًا فذكروا له أمره. فنهاهم أشدَّ النهي، وقال لهم: أتجِدُونَ صفته؟ قالوا: نعم. قال: فما لكم إليه سبيل. فصدَّقوه وتركوه، ورجع أبو طالب فما

стр. 299

خرج به سفرًا بعد ذلك خوفًا عليه (١). وذكر الحَاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وغيرهما (٢) من حديث عبد الله بن إدريس، عن شُرَحْبيْل بن مسلم، عن أبي أُمامةَ، عن هشام بن العاص، قال: ذهبت أنا ورجل آخر من قريش إلى هِرَقْل -صاحب الروم- ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا غوطةَ دِمَشْقَ، فنزلنا على جَبَلَةَ بنِ الأَيْهَم الغَسَّاني، فدخلنا عليه فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسول نكلِّمه، فقلنا: لا والله لا نكلِّم رسولًا، إنا بُعِثنا إلى الملك، فإن أذِنَ لنا كلَّمناه وإلا لم نكلِّم الرسول، فرجع إليه الرسولُ فأخبره بذلك، قال: فأذِنَ لنا، فقال: تكلَّمُوا، فكلَّمه هشام بن العاص ودعاه إلى الإسلام، وإذا عليه ثياب سوداء (٣)، فقال له هشام: وما هذه التي عليك؟ فقال: لبستُها وحلفتُ أن لا أنزعها حتى أُخْرِجَكم من الشام. قلنا: ومجلسك هذا فواللهِ لنأخذنَّه منك، ولنأخذنَّ مُلكَ المَلِك الأعظم، أخْبَرَنا بذلك نبيُّنا. فقال: لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار ويفطرون (٤) بالليل، فكيف صومُكم؟ فأخْبَرْنَاه، فَمُلِئ (٥) وجهه سوادًا، فقال: قوموا.

стр. 300

وبعث معنا رسولًا إلى الملك، فخرجْنَا حتى إذا كنا قريبًا من المدينة قال لنا الذي معنا: إنَّ دوابَّكم هذه لا تدخل مدينة المَلِك، فإن (١) شئتم حملناكم على بَرَاذِيْنَ وبِغَالٍ، قلنا: والله لا ندخل إلا عليها، فأرسَلُوا إلى الملك أنهم يأْبَوْنَ (٢). فدخلنا على رواحلنا متقلِّدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفةٍ له، فأَنَخنَا في أصلها، وهو ينظر إلينا، فقلنا: "لا إله إلا الله، والله أكبر". والله يعلم لقد انتفضت (٣) الغرفة حتى (صارت كأنها) (٤) عِذْقٌ تَصْفِقُه الرياح، فأرسل إلينا: ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم. وأرسل إلينا أنِ ادخلوا، فدخلنا عليه وهو على فراشٍ له، وعنده بطارقته (٥) من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة. فدنونا منه فضحك، وقال: ما كان عليكم لو حَيَّيْتُموني بتحيتكم فيما بينكم؟ وإذا رجل فصيح بالعربية كثير الكلام. فقلنا: إنَّ تحيتنا فيما بيننا لا تحلُّ لك، وتحيتك التي تُحَيَّا بها لا يحلُّ لنا أن نحيِّيك بها. قال: كيف تحيتكم فيما بينكم؟ فقلنا: السلام عليكم. قال: كيف تحيُّون مَلِكَكم؟ قلنا: بها. قال: كيف يردُّ عليكم؟ قلنا: بها، قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: "لا إله إلا الله والله أكبر" فلما تكلمنا بها -والله يعلم- لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها. قال: فهذه الكلمة التي قلتموها حيث انتفضتِ الغرفةُ، كلَّما قلتموها في بيوتكم تنتفض عليكم بيوتكم؟ قلنا: لا، ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك.

стр. 301

قال: وددت أنكم كلَّما قلتموها ينتفض كل شيء عليكم وإني خرجت من نصف ملكي. قلنا: لِمَ؟ قال: لأنه يكون أيْسَرَ لشأنها وأجدر (١) أن لا تكونَ من أمر النبوة، وأن تكون من حِيَل النَّاس. ثم سَأَلنا عما أراد فأخبرناه. ثم قال: كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخْبَرْنَاه، فقال: قوموا، فقمنا، فأمر لنا بمنزلٍ حسن ونُزُلٍ كثير) (٢)، فأقمنا ثلاثًا. فأرسل إلينا ليلًا، فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا فأَعَدْناه، ثم دعا بشيء كهيئة الرَّبْعَةِ (٣) العظيمة مذهَّبة، فيها بيوت صغار، عليها أبواب، ففتح (٤) بيتًا وقُفْلًا واستخرج منه حريرة سوداء فنشرها، فماذا فيها صورةٌ حمراءُ، وإذا فيها رجلٌ ضخم العينين، عظيم الأليتين لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذاله ضفيرتان أحسن ما خلق الله. قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا آدم ﵇، وإذا هو أكثر الناس شَعْرًا. ثم فتح بابًا آخر واستخرج منه حريرة (٥) سوداء، وإذا فيها صورةٌ بيضاءُ، وإذا له شعر (٦) قَطَطٌ، أحمر العينين، ضخم الهامة حَسَنُ اللحية (٧)، قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح عليه

стр. 302

السلام. ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرةً سوداء، وإذا فيها صورة رجل شديد البياض، حَسَنُ العينين، صَلْتُ الجبين، طويل الخدِّ أبيض اللحية كأنه يبتسم. فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال هذا إبراهيم ﵊. ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة فإذا صورةٌ بيضاء، وإذا -والله- رسول الله ﷺ ، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله وبَكَيْنًا. قال: والله يعلم أنه قام قائمًا، ثم جلس فقال: والله (١) إنه لهو؟ قلنا: نعم، إنَّه لَهُوَ، كأنما ننظر (٢) إليه، فأمْسَك ساعةً ينظر إليها ثم قال: أَمَّا إنَّه كان آخر البيوت ولكن عجَّلْتُه لكم لأنظر ما عندكم. ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرةً سوداء، فإذا فيها صورةٌ أدْمَاء سمحاء (٣)، وإذا رجل جَعْدٌ قَطَط، غائر العينين، حديد النظر، عابس متراكب الأسنان، مُقَلِّص الشفة، كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون من هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسى بن عمران. وإلى جنبه صورةٌ تشبهه إلا أنه مُدْهَانُ الرأس عريض الجبين في عينيه قبلة (٤)، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا هارون. ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فإذا (فيها صورة) (٥) رجل

стр. 303

آدم سَبْط ربعة كأنّه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا لوط. (ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل أبيض مُشْرَب حُمْرةً، أقنى، خفيف العارضين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسحاق. ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة رجل تشبه إسحاق إلا أنه على شفته السفلى خَال، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يعقوب. ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة سوداء فيها صورة رجل) (١) أبيض حسن الوجه، أقنى الأنف، حسن القامة، يعلو وجهه نور (٢)، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحُمْرة فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيِّكم. ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة كأنها صورة آدم، كأنَّ وجهه الشمس، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يوسف. ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة رجل أحمر حَمْش (٣) الساقين، أخفش العينين، ضخم البطن ربعة متقلد سيفًا، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا داود.

стр. 304

ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكبًا (١) فرسًا، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان بن داود. ثم فتح بابًا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء وإذا رجل شابٌّ شديد سواد اللحية، ليِّن الشعر، حسن الوجه، حسن العينين، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا عيسى. قلنا: من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها (على ما) (٢) صُوِّرتْ عليه الأنبياء؛ لأنا رأينا صورة نبينا مثله؟ قال: إن آدم سأل ربَّه أن يُرِيَه الأنبياءَ من ولده، فأنزل عليه صورهم، وكانوا (٣) في خزانة آدم عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين فصارت إلى دانيال. ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من مُلْكي وأني كنت عبدًا لأشرّكم (٤) ملكةً حتى أموت. ثم أجازنا وأحسن جائزتنا، وسرَّحَنَا (٥). فلما أتينا أبا بكر الصدِّيق فأخبرناه بما رأينا وما قال لنا وما أجازنا، فبكى أبو بكر، وقال: لو أراد الله به خيرًا لفعل. فصل فهذا في الإخبار بنبوته مما تلقَّاه المسلمون من أفواه علماء أهل

стр. 305

الكتاب والمؤمنين منهم. والأول فيما نقلوه (١) من كتبهم. وعلماؤهم يُقرُّون أنه في كتبهم. فالدليل بالوجه الأول يقام عليهم من كتبهم، وبهذا الوجه يقام بشهادة مَنْ لا يُتَّهم عليهم، لأنه إما من عظمائهم، وإما ممن رغب عن رياسته وماله ووجاهته فيهم، وآثر الإيمان على الكفر، والهدى على الضلال، وهو في هذا مُدَّعٍ أن علماءهم يعرفون ذلك ويُقِرُّون به، ولكن لا يُطْلِعُون جهالهم عليه. فصل فالأخبار والبشارة بنبوته ﷺ في الكتب المتقدِّمة عُرِفَت من عدة طرق: (أحدها) ما ذكرناه. وهو قليلٌ من كثير وغَيْضٌ من فَيْض. (الثاني) إخبارُه ﷺ لهم أنه مذكورٌ عندهم، وأنهم وُعِدُوا به، وأنَّ الأنبياء بشَّرت به، واحتجاجُه عليهم بذلك، ولو كان هذا الأمر لا وجود له البتَّة لكان مغريًا لهم بتكذيبه منفِّرًا لأتباعه، محتجًّا على دعواه بما يشهد ببطلانها. (الثالث) أنَّ هاتين الأُمَّتَيْن معترفون (٢) بأنَّ الكتب القديمة بشَّرت بنبي عظيم الشأن، يخرج في آخر الزمان، نعتُه كيت وكيت، وهذا مما اتفق عليه المسلمون واليهود والنصارى. فأمَّا المسلمون؛ فلما جاءهم آمنوا به وصدَّقوه، وعرفوا أنه الحق

стр. 306

من ربهم. وأمَّا اليهود؛ فعلماؤهم عرفوه وتيقَّنوا (١) أنه محمد بن عبد الله، فمنهم من آمن به، ومنهم من جحد (نبوته، وقالوا لأتباعه) (٢): إنه لم يخرج بعد. وأمَّا النَّصارى؛ فوضعوا بشاراتِ التوراة والنبوات التي بعدها على المسيح. ولا ريب أنَّ بعضها صريحٌ فيه، وبعضُها ممتنعٌ حمله عليه، وبعضها مُحْتَمِلٌ. وأمَّا بشارات المسيح فحملوها كلها على الحواريين، وإذا جاءهم ما يستحيل انطباقه عليهم حرَّفوه، أو سكتوا عنه وقالوا: لا ندري مَنِ المراد به؟ (الرابع) اعتراف من أسلم منهم بذلك وأنه صريح في كتبهم. وعن المسلمين الصادقين منهم تلقَّى (٣) المسلمون هذه البشارات وتيقنوا صِدْقَها وصحتَها بشهادة المسلمين منهم بها -مع تباين أعصارهم وأمصارهم وكثرتهم واتفاقهم على لفظها- وهذا يفيد القطع بصحتها ولو لم يقرَّ بها أهل الكتاب، فكيف وهم مُقِرُّونَ بها، لا يجحدونها، وإنما يغالطون في تأويلها والمراد بها؟! وكلُّ واحدٍ من هذه الطرق الأربعة كافٍ في العلم بصحة هذه البشارات، وقد قدمنا أنَّ إقدامه ﷺ على إخبارِ أصحابه وأعدائه بأنه مذكور في كتبهم بنَعْتِه وصفته، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم

стр. 307

وتَكْرَاره ذلك عليهم مرةً بعد مرة في كل مجمع، وتعريفهم (١) بذلك وتوبيخهم والنداء عليهم به = من أقوى الأدلة القطعيَّة على وجوده من وجهين: "أحدهما": قيام الدليل القطعيِّ على صدقه. "الثاني": دعوته لهم بذلك إلى تصديقه، ولو لم يكن له وجود لكان ذلك من أعظم دواعي تكذيبه والتنفير عنه. فصل وهذه الطرق يسلكها من يساعدهم على أنهم لم يحرفوا ألفاظ التوراة والإنجيل، (ولم يبدِّلوا شيئا منها) (٢)، فيسلكها بعض نُظَّار المسلمين معهم من غير تعرُّضٍ إلى التبديل والتحريف. وطائفة أخرى تزعُم أنهم بدَّلوا وحرَّفوا كثيرًا من ألفاظ الكتابين، مع أنَّ الغرض (٣) الحامل لهم على ذلك دون الغرض الحامل لهم على تبديل البشارة برسولِ الله ﷺ بكثير، وأن البشارات لكثرتها لم يمكنهم إخفاؤها كلِّها وتبديلها، ففَضَحَهم ما عجزوا عن كتمانه أو تبديله. وكيف يُنْكَرُ (٤) من الأمة الغضبيَّة -قَتَلَةِ الأنبياء الذين رموهم بالعظائم- أنْ يكتموا (٥) نَعْتَ رسولِ الله ﷺ وصِفَتَه، وقد جحدوا نبوة المسيح ورموه وأمَّه بالعظائم، ونعتُه بالبشارة به موجودٌ في كتبهم، ومع

стр. 308

هذا أطبقوا على جحد نبوته وإنكارِ بشارة الأنبياء به، ولم يفعل بهم ما فعلَه بهم محمد ﷺ من القتل والسَّبْي، وغنيمة الأموال، وتخريب الديار، وإجلائهم منها، فكيف لا تتواصى هذه الأمةُ بكتمان نَعْتِه وصفتِه وتُبَدِّله مِنْ كتبها؟ وقد عاب (١) الله سبحانه عليهم ذلك في غير موضع من كتابه ولعنهم عليه. ومن العجب أنهم والنصارى يقرُّون أن التوراة كانت طول مملكة بني إسرائيل عند الكاهن الأكبر الهاروني وحْدَه، واليهود تقرُّ أن السبعين كاهنًا اجتمعوا على اتِّفاقٍ من جميعهم على تبديل ثلاثةَ عَشَر حرفًا من التوراة، وذلك بعد المسيح في عهد القياصرة الذين كانوا تحت قَهْرِهِم حيث زال المُلْك عنهم، ولم (يَبْقَ لهم) (٢) مَلِكٌ يخافونه ويأخذ على أيديهم (٣). ومَنْ رضي بتبديل موضع واحد من كتاب الله فلا يُؤْمَن منه تحريفُ غيره، واليهود تقرُّ أيضًا أنَّ السامرة حرَّفوا مواضع من التوراة وبدَّلوها تبديلًا ظاهرًا وزادوا ونقصوا. والسَّامرةُ تدَّعي ذلك عليهم. وأما الإنجيل؛ فقد تقدَّم أن الذي بأيدي النصارى منه أربع كتب مختلفة من تأليف أربعة رجال: يُوحَنَّا (٤)، ومَتَّى، ومَرْقُسْ، ولُوقًا، فكيف يُنْكَر تطرُّق التبديل والتحريف إليها، وعلى ما فيها من ذلك؛ فقد

стр. 309

صرفهم الله عن تبديل ما ذَكَرْنا من البشارات بمحمد بن عبد الله ﷺ وإزالتِهِ، وإن قدروا على كتمانه عن أتباعهم وجُهَّالهم. وفي التوراة التي بأيديهم من التحريف والتبديل وما لا يجوز نسبته إلى الأنبياء؛ مما لا يشكُّ (١) فيه ذو بصيرة. والتوراةُ التي أنزلها الله على موسى بريئةٌ من ذلك (٢)، ففيها عن لوطٍ -رسولِ الله- أنَّه خرج من المدينة وسكن في كهف الجبل، ومعه ابنتاه، فقالتِ الصغرى للكبرى: قد شاخ أَبونا فَارْقُدي بنا معه لنأخذ منه نسلًا، فرقدتْ معه الكبرى ثم الصغرى، ثم فَعَلَتا ذلك في الليلة الثانية وحَمَلَتَا منه بولدين: مواب (٣) وعمون (٤). فهل يحسن أن يكون نبيٌّ رسولٌ كريمٌ على الله يوقعُه الله -سبحانه- في مثل هذه الفاحشة العظيمة في آخر عمره، ثم يذيعها (٥) عنه ويحكيها للأمم؟! وفيها: "أنَّ الله تجلَّى لموسى في طورِ سيناء" وقال له بعد كلام كثير: "أدخل يدك في حِجرك وأخْرِجْها مبروصةً كالثلج" (٦). وهذا من النمط الأول، والله سبحانه لم يتجلَّ لموسى، وإنما أمره

стр. 310

أن يُدْخِل يده في جيبه، وأخبره أنَّها تخرج بيضاءَ من غير سُوءٍ. أي من غير بَرَصٍ. وفيها: أنَّ هارون هو الذي صاغ لهم العجل (١). وهذا -إن لم يكن من زياداتهم وافترائهم فهارون اسم السامري الذي صاغه- ليس هو بهارون أخي موسى. وفيها: أنَّ الله قال لإبراهيم: "اذبح ابنَك بِكْرَك إسحاقَ" (٢). وهذا من بَهْتِهم وزيادتهم في (كلام الله) (٣)، فقد جمعوا بين النقيضين، فإنَّ بكرَه هو إسماعيل؛ فإنه بِكْرُ أولاده، وإسحاق إنما بُشِّر به على الكِبَر بعد قصة الذبح. وفيها: "ورأى الله أن قد كثر فساد الآدميين في الأرض فنَدِم علىِ خلقهم، وقال سأُذهِبُ الآدميَّ الذي خلقتُ على الأرض والخشاش وطيورَ السماء؛ لأني نادم على خلقها (٤) جدًّا" (٥)! تعالى الله عن إفك المفترين وعمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. وفيها: أن الله علوًّا كبيرًا- تَصَارعَ مع يعقوب فضرب به يعقوبُ الأرضَ (٦).

стр. 311

وفيها: أنَّ يهوذَا بن يعقوب النبيِّ زوَّج ولدَه الأكبرَ من امرأةٍ يقال لها: تامار، فكان يأتيها مستدبرًا، فغضب اللهُ من فِعْله فأماته، فزوَّج يهوذا ولده الآخر بها، فكان إذا دخل بها أمْنَى على الأرض، عِلْمًا بأنَّه إنْ أولدها كان أولُ الأولاد مدعوًّا باسم أخيه ومنسوبًا إلى أخيه. فكره اللهُ ذلك من فعله فأماته، فأمَرَها (١) يهوذا باللِّحاق ببيت أبيها إلى أن يَكْبر ولدُه شيلا ويَتمَّ عقله. ثم ماتت زوجة يهوذا وذهب إلى منزله (٢) ليَجُزَّ غنَمَه، فلما أُخبرت تامار لبست زِيَّ الزَّواني وَجَلَّست على طريقه، فلما مرَّ بها خالها (٣) زانيةً، فراودها فطالبته بالأجرة، فوعدها بجَدْيٍ ورمى عندها عصاه وخاتَمَهُ، فدخل بها فعلقت منه بولد. ومن هَذا الولد كان داود النبيّ (٤). فقد جعلوه ولد زنا، كما جعلوا المسيح ولد زنا، ولمِ يَكْفِهِمْ ذلك حتى نسبوا ذلك إلى التوراة، وكما جعلوا وَلَدَي لوط وَلدَي زنا، ثم نسبوا داود وغيره من أنبيائهم إلى ذينك الولدين. وأما فِرْيَتُهم على الله ورسله وأنبيائه، ورَمْيُهم لربِّ العالمين ورسله بالعظائم: فكثيرٌ جدًّا، كقولهم: إن الله استراح في اليوم السابع من خلق السموات والأرض (٥)، فأنزل الله على رسوله تَكذِيْبَهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ

стр. 312

لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. أي تعب (١). وقولهِمِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقولهِم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وقولهِم: إنَّ الله تعالى بكى على الطوفان حتى رَمِدَتْ عيناه وعادَتْهُ الملائكة. وقولهم الذي حكيناه آنفًا: إنَّ الله ندم على خلق بني آدم. وأدخَلُوا هذه الفريةَ في التوراة. وقولهم عن لوط: إنَّه وَطِئَ ابنتيه، وأولدهما وَلَدَيْن نسبوا إليهما جماعة من الأنبياء. وقولهم في بعض دعاء صلواتهم: انتبه كم تنامُ يا ربّ، استيقِظْ من رقدتك (٢). فتجرَّؤوا على ربِّ العالمين بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم يَنْخُونَه (٣) بذلك لِيَنْتَخِيَ لهم ويحتمي، كأنهم يخبرونه أنه قد اختار الخمول لنفسه وأحبابه، فيهزُّونه بهذا الخطاب للنَّباهة واشتهار الصِّيْت. قال بعض أكابرهم بعد إسلامه (٤): فترى أحدَهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يَقْشَعِرُّ جِلْدُه، ولا يشكُّ أنَّ كلامه يقع عند الله بموقعٍ عظيم، وأئَه يؤثر في ربِّه ويحرِّكُه ويهزُّه ويُنْخِيْهِ.

стр. 313

وعندهم في توراتهم: "إن موسى صَعِدَ الجبلَ مع مشايخ أمته فأبْصَرُوا اللهَ جهرة، وتحتَ (١) رِجْلَيه كرسيٌّ منظرُه كمنظر البلَّوْر" (٢). وهذا من كذبهم وافترائهم على الله وعلى التوراة. وعندهم في توراتهم: أنَّ الله -سبحانه- لما رأى فسادَ قومِ نوحٍ وأنَّ شرَّهم (قد عَظُم: نَدِمَ) (٣) على خلق البشر في الأرض وشقَّ عليه (٤). وعندهم في توراتهم أيضا: أنَّ الله ندم على تمليكه شاؤول على إسرائيل (٥). وعندهم فيها: أنَّ نوحًا لما خرج من السفينة بنى بيتًا (٦) مذبحًا وقرَّب عليه قَرَابيْنَ، واستنشق الله رائحة (٧) القتار فقال في ذاته: لن أعاود لعنة الأرض بسَبب الناس؛ لأن خاطر البشر مطبوعٌ على الرَّدَاءة، ولن أهلك جميعَ الحيوانِ كما صنعتُ (٨). قال بعض علمائهم الراسخين في العلم ممن هداه الله إلى الإسلام (٩): "لسنا نرى أنَّ هذه الكفريات كانت في التوراة المنزَّلة على

стр. 314

موسى. ولا نقول أيضا: إنَّ اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها، بل الحقُّ أولى ما اتُّبع" (١). وقال (٢): "ونحن نذكر حقيقة سبب تبديل التوراة، فإنَّ علماء القوم وأحبارهم يعلمون أنَّ هذه التوراة التي بأيديهم لا يَعْتقِدُ أحدٌ من علمائهم وأحبارهم أنَّها عَيْنُ التوراة المنزَّلة على موسى بنِ عِمْرَانَ البتَّةَ؛ لأن موسى صان التوراةَ عن بني إسرائيل، ولم يبثَّها فيهم خوفًا من اختلافهم من بعده في تأويل التوراة المؤدِّي إلى انقسامهم أحزابًا، وإنما سلَّمها إلى عشيرته أولاد لاوِي. قال: ودليل ذلك: قَوْلُ التوراة ما هذه ترجمته: "وكتب موسى هذه التوراةَ ودفَعَها إلى أئمة بني لَاوِي" (٣). وكان بنو هارون قضاةَ اليهود وحُكَامَهُم، لأنَّ الإمامة وخِدْمةَ القَرَابِيْن والبيت المقدَّس كانت فيهم، ولم يُبْدِ (٤) موسى لبني إسرائيل من التوراة إلا نِصفَ سورةٍ … " (٥). وقال الله لموسى عن هذه السورة: "وتكونُ لي هذه السورة شاهدة على بني إسرائيل، ولا تُنْسَى (٦) هذه السورةُ من أفواه أولادهم" (٧). وأما بقية التوراة فدفعها إلى أولاد هارون وجعلها فيهم وصانها عمَّن

стр. 315

سواهم، فالأئمة الهارونيون هم الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها فقتلهم بُخْتَنَصَّر على دم واحد، وأحرق هيكلهم يوم استولى على بيت المقدس، ولم تكن التوراةُ محفوظةً على ألسنتهم، بل كان كلُّ واحدٍ من الهارونيين يحفظ (فصلًا من) (١) التوراة. فلما رأى عُزَيْرٌ أنَّ القوم قد أُحْرِق هيكلُهم وزالتْ دولتُهم وتفرَّق جَمْعُهم ورُفِع كتابُهم، جَمَعَ من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظُها الكهنةُ ما لفَّق منه هذه التوراة التي بأيديهم، ولذلك بالغوا في تعظيم عُزَيْر (٢) غايةَ المبالغة، وقالوا فيه ما حكاه الله عنهم في كتابه، وزعموا أنَّ النور على الأرض إلى الآن يظهر على قبره عند بطائح العراق، لأنه عَمِلَ لهم كتابًا يحفظ دينهم. فهذه التوراة التي بأيديهم -على الحقيقة- كتابُ عُزَيْر، وإن كان فيها أو أكثرها من التوراة التي أنزلها الله على موسى. قال: وهذا يدل على أنَّ الذي جمع هذه الفصول التي بأيديهم رجلٌ جاهل بصفات الربِّ تعالى، وما ينبغي له، وما لا يجوز عليه؛ فلذلك نسب إلى الربِّ تعالى ما يتقدّس ويتنزَّه عنه (٣). وهذا الرجل يُعْرَفُ عند اليهود والنصاري بعَازَر الورَّاق، ويظنُّ بعض الناس أنه الذي: ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي

стр. 316

هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ويقول: إنه نبي. ولا دليل على هاتين المقدمتين، ويجب التَّثَبُّت في ذلك نفيًا وإثباتًا، فإن كان هذا نبيًّا واسمه عُزَير: فقد وافق صاحبَ التوراةِ في الاسم. وبالجملة: فنحن، وكلُّ عاقلٍ، نقطع ببراءة التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى من هذه الأكاذيب والمستحيلات والتُّرَّهَات، كما نقطع ببراءة صلاة موسى وبني إسرائيل معه من هذا الذي يقولونه في صلاتهم اليوم (١)، (فإنهم في العشر الأول من المحرَّم في كلِّ سنةٍ يقولون في صلاتهم) (٢) ما ترجمته: "يا أبانا املك على جميع أهل الأرض؛ ليقول كل ذي نسمة؛ الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكل متسلطة" (٣). ويقولون فيها أيضا: وسيكون لله الملك، وفي ذلك اليوم يكون الله واحدًا، واسمه واحد (٤). ويعنون بذلك أنه لا يظهر كون الملك له وكونه واحدًا إلا إذا صارت الدولة لهم، فأما مادامت الدولة لغيرهم فإنه تعالى خامل الذكر عند الأمم، مشكوك في وحدانيته، مطعون في ملكه. ومعلوم قطعًا: أنَّ موسى وربَّ موسى بريءٌ من هذه الصلاة بَرَاءتَهُ

стр. 317

من تلك التُّرَّهات (١). وجَحْدُهُم نبوةَ محمدٍ من الكتب التي بأيديهم نَظِيْرُ جَحْدِهم نبوة المسيح، وقد صرَّحت باسمه. ففي نصِّ التوراة: "لا يزول الملك من (آل يهوذا) (٢) والرَّاسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح" (٣). وكانوا أصحاب دولة حتى ظهر المسيح فكذَّبوه ورَمَوْه (٤) بالعظائم وبَهَتُوه وبهتوا أمَّه فدمَّر الله عليهم وأزال مُلْكَهم. وكذلك قوله: "جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن (٥) من جبال فاران" (٦). فأيُّ نبوةٍ أشرقت من ساعير غير نبوة المسيح. وهم لا ينكرون ذلك، ويزعمون أنَّ قائمًا يقوم فيهم من ولد داود النبيِّ؛ إذا حرَّك شفتيه بالدعاء ماتَ جميعُ الأُمم ولا يبقى إلا اليهود. وهذا المنتظر (٧) -بزعمهم- هو المسيح الذي وُعِدُوا به. قالوا: ومن علامة مجيئه أنَّ الذِّئْبَ والتَيْسَ يربضان معًا، وأنَّ البقرة والذئب يرعيان معًا (٨)، وأنَّ الأسد يأكل التِّبْنَ كالبقر. فلما بعث الله

стр. 318

المسيحَ كفرُوا به عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون متى يأكل الأسدُ التِّبْنَ حتى تصحَّ لهم علامةُ مبعثِ المسيح. ويعتقدون أنَّ هذا المنتظر متى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى القدس، وتصير لهم الدولة، ويخلو العالَم من غيرهم، ويحجم الموتُ عن جنابهم المنيع مدةً طويلة. وقد عوضوا من الإيمان بالمسيح ابن مريم بانتظار مسيح الضلالة الدجَّال، فإنه هو الذي ينتظرونه حقًا، وهم عَسْكَرُهُ وأتْبَعُ الناس له، ويكون لهم في زمانه شوكةٌ ودولة إلى أن ينزل مسيح الهدى ابنُ مريمَ، فيقتل مُنْتَظَرَهُم، ويضع -هو وأصحابه- فيهم السيوفَ حتى يختبئ اليهوديُّ وراء الحجر والشجر، فيقولان: يا مسلم هذا يهوديٌّ ورائي تَعَالَ فَاقْتُلْه (١). فإذا نظف الأرض منهم ومن عُبَّاد الصليب فحينئذ يرعى الذئب والكبش معًا، ويربضان (٢) معًا، وترعى البقرة والذئب معًا، ويأكل الأسد التِّبْن، ويلقى الأمْنُ في الأرض (٣).

стр. 319

هكذا أخبر به إشَعْيًا في نبوته وطابق (١) خَبَرُه ما أخبرَ به النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح في خروجِ الدجَّال وقَتْلِ المسيح ابن مريم له، وخروج يأجوج ومأجوج في أثره ومحقهم من الأرض، وإرسالِ البركة والأَمْن في الأرض حتى ترعى الشاة والذئب، وحتى إنَّ الحيَّاتِ والسِّبَاعَ لا تَضُرُّ الناس (٢). فصلوات الله وسلامه على مَنْ جاء بالهدى والنُّورِ وتَفْصيْلِ كل شيء وبيانِهِ. فأهلُ الكتاب عندهم عن أنبيائهم حقٌّ كثير، لا يعرفونه ولا يحسنون أن يضعوه مواضعه. ولقد أكمل الله سبحانه بمحمدٍ -صلوات الله وسلامه عليه- ما أنزله على الأنبياء ﵈ من الحقِّ وبيَّنه وأَظْهَرَه لأمته، وفَصَّل على لسانه ما أجمله لهم، وشرح ما رَمَزُوا إليه، فجاء بالحقِّ وصدَّق المرسلين، وتمت به نعمة الله على عباده المؤمنين. فالمسلمون واليهود والنصارى تنتظر مسيحًا يجيء في آخر الزمان، فمسيح اليهود هو الدجال، ومسيح النصارى لا حقيقة له، فإنه عندهم إله وابن إله وخالق ومميت ومحيي، فمسيحهم الذي ينتظرونه: هو المصلوبُ المسمَّرُ (٣) المكلَّل بالشوك بين اللصوص (٤)، المصفوعُ الذي

стр. 320

هو مصفعة (١) اليهود، وهو عندهم ربُّ العالمين وخالق السماوات والأرضين. ومسيحُ المسلمينَ الذي ينتظرونه: هو عبد الله ورسولُه ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول، عيسى ابنُ مريم، أخو عبدِ الله ورسولِه محمدِ بن عبد الله، فيظهر دين الله وتوحيده، ويقتل أعداءَه عبَّاد الصليب الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، وأعداءَه (٢) اليهودَ الذين رموه وأُمَّه بالعظائم. فهذا هو الذي ينتظره المسلمون، وهو نازل على المنارة الشرقيَّة بدمشق، واضعًا يديه على منكبي مَلَكَيْن، يراه الناس عِيَانًا بأبصارهم نازلًا من السماء، فيحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وينفذ ما أضاعه الظَّلَمَةُ والفجرة والخَوَنَةُ من دين رسول الله ﷺ ، ويحيي ما أماتوه. وتَعُود الملل كلُّها في زمانه ملةً واحدةً، وهي مِلَّتُه ومِلَّة أخيه محمد ومِلَّة أبيهما إبراهيم ومِلَّة سائر الأنبياء، وهي الإسلام الذي من يبتغي غيره دينًا فلن يُقْبَلَ منه وهو في الآخرة من الخاسرين. وقد حَمَّل رسولُ الله ﷺ مَنْ أدركه من أمته السَّلامَ، وأمره أن يقرئه إيَّاه منه، فأخبر عن موضع نزوله بأيِّ بلدٍ وبأي مكانٍ منه، وبحالِهِ وقتَ نزوله، ومَلْبَسِه الذي كان عليه، وأنه ممصَّرتان. أي: ثوبان. وأخبر بما يفعل عند نزوله مفصَّلًا حتى كأنَّ المسلمين يشاهدونه عيانًا قبل أن يروه (٣).
следующие страницы →