← Тараджим

Тараджим · id 5742

جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس

أبو عبد الله الحميدي

Полный текст (408 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

رأيت إذ لم تكن حليما ... في سورة الغيظ أن أكونه أحمد بن محمد بن عبد الوراث، كان من أهل الأدب والفضل. أخبرني أبو محمد علي بن أحمد: أنه كان معلمه، قال: وأخبرني أنه رأى يحيى بن مالك بن عائذ، وهو شيخ كبير يهادى إلى المسجد، وقد دخل والصلاة تقام، قال: فسمعته ينشد بأعلى صوته: يا رب لا تسلبني حبها أبداً ... ويرحم الله عبداً قال آميناً قال: فلم أشك أنه يريد الصلاة. أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد أبو عمر، يعرف بابن الجسور الأموي، مولى لهم محدث مكثر؛ سمع أبا علي الحسن بن سلمة بن سلمون صاحب أبي عبد الرحمن النسائى، وأبا بكر أحمد بن الفضل بن العباس الدينوري؛ حدث عنه بكتاب التاريخ لمحمد بن جرير الطبري، حدثه به عن الطبري؛ وأخبرنا به أبو عمر ابن عبد البر، قال حدثني بالتاريخ المعروف بذيل المذيل أبو عمر أحمد ابن محمد بن الجسور، عن أبي بكر أحمد بن الفضل الدينوري، عن الطبري. وسمع من الأندلسيين وهب بن مسرة، ومحمد بن معاوية القرشي، وقاسم بن أصبغ، وابن أبي دليم، وطبقتهم؛ وسمع منه جماعة، منهم: أبو عمر بن عبد البر النمري، وأبو محمد على بن أحمد، وأخبرني عنه أبو محمد بكتاب التاريخ أيضا، وقال لي: إنه أول شيخ سمع منه قبل الأربع مائة، وأنه مات في منزله ببلاط مغيث بقرطبة في يوم الأربعاء أول ليلة الخميس لأربع بقين من ذي القعدة سنة إحدى وأربع مائة. أحمد بن محمد بن عافية الرباحى، أبو القاسم. ذكره أبو محمد عبد الغني ابن سعيد الحافظ المصري، وقال: سمع منا، وسمعنا منه.

стр. 107

أحمد بن محمد الإشبيلي أبو عمر يعرف بابن الحرار، رجل صالح محدث، روى عن أبي عمر أحمد بن سعيد ابن حزم الصدفي كتابه الكبير في التريخ. ذكره أبو عمر النمري. أحمد بن محمد بن الحاج بن يحيى، أبو العباس الإشبيلي، سكن مصر وحدث بها؛ وكان مكثراً، خرج عليه أبو نصر السجستانى الحافظ عبيد الله بن سعيد أجزاء كثيرة عن عدة مشايخ، منهم: أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي الموت، ومحمد ابن جعفر بن دران المعروف بغندر، وغيرهما. حدثنا عنه بمصر القاضي أبو الحسن علي بن الحسن، بن الحسين الفقيه المصري المعروف بابن الخلعي، وأبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله الحبال، وأثنى عليه وقال لي: مات في اليوم الثالث عشر من صفر سنة خمس عشرة وأربع مائة بالفسطاط. أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن القاضي، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد ابن الحاج بن يحيى، قال: حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر بن دران غندر، قال حدثنا إسماعيل بن علي بن علي الشافعي، قال: نا محمد بن إبراهيم بن كثير الصيرفي، قال: حدثنا أبو نواس الحسن بن هاني، قال: نا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله عليه وسلم: لا يموتن أحدكم حتى يحسن الظن بالله، فإن حسن الظن بالله ثمن الجنة. وأخبرنا أبو إسحاق الحبال، قال: أخبرنا أبو العباس الإشبيلي، قال: نا غندر، قال: أنشدنا محمد بن أيوب بن حبيب بن يحيى، لهلال بن العلاء بن هلال: أحن إلى لقائك غير أني ... أجلك عن عتاب في كتاب

стр. 108

ونحن إذا التقينا قبل موت ... شفيت غليل صدري من عتاب وإن سبقت بنا أيدي الليالي ... فكم من عاتب تحت التراب أحمد بن محمد بن سعدى، أبو عمر، فقيه، فاضل، محدث، رحل قبل الأربع مائة بمدة، فلقى أبا محمد بن أبي زيد بالقيروان، وأبا بكر محمد بن عبد الله الأبهرى بالعراق، وغيرهما، ورجع إلى الأندلس وحدث؛ فسمعت أبا عبد الله محمد بن الفرج ابن عبد الله الولي الأنصاري يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن أبي زيد يسئل أبا عمر أحمد بن محمد بن سعدي المالكي عند وصوله إلى القيروان من ديار المشرق، وكان أبو عمر دخل ببغداذ في حياة أبي بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري، فقال له يوماً: هل حضرت مجالس أهل الكلام؟ فقال بلى. حضرتهم مرتين، ثم تركت مجالسهم ولم أعد إليها. فقال له أبو محمد: ولم؟ فقال: أما أول مجلس حضرته فرأيت مجلساً قد جمع الفرق كلها؛ المسلمين من أهل السنة والبدعة، والكفار من المجوس، والدهرية، والزنادقة، واليهود، والنصارى، وسائر أجناس الكفر، ولكل فرقة رئيس يتكلم على مذهبه، ويجادل عنه، فإذا جاء رئيس من أي فرقه كان، قامت الجماعة إليه قياماً على أقدامهم حتى يجلس فيجلسون بجلوسه، فإذا غص المجلس بأهله، ورأو أنه لم يبق لهم أحد ينتظرونه، قال قائل من الكفار: قد اجتمعتم للمناظرة، فلا يحتج علينا المسلمون بكتابهم، ولا يقول نبيهم، فإنا لا نصدق بذلك ولا نقر به، وإنما نتناظر بحجج العقل، وما يحتمله النظر والقياس، فيقولون: نعم لك ذلك. قال أبو عمر: فلما سمعت ذلك لم أعد إلى ذلك المجلس، ثم قيل لي ثم مجلس آخر للكلام، فذهبت إليه، فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم سواء،

стр. 109

فقطعت مجالس أهل الكلام، فلم أعد إليها. فقال أبو محمد بن أبي زيد: ورضى المسلمون بهذا من الفعل والقول؟ قال أبو عمر: هذا الذي شاهدت منهم، فجعل أبو محمد يتعجب من ذلك، وقال: ذهب العلماء، وذهبت حرمة الإسلام وحقوقه، وكيف يبيح المسلمون المناظرة بين المسلمين وبين الكفار؟ وهذا لا يجوز أن يفعل لأهل البدع الذين هم مسلمون ويقرون بالإسلام، وبمحمد ﵇، وإنما يدعى من كان على بدعة من منتحلى الإسلام إلى الرجوع إلى السنة والجماعة، فإن رجع قبل منه، وإن أبى ضربت عنقه؛ وأما الكفار فإنما يدعون إلى الإسلام، فإن قبلوا كف عنهم، وإن أبو وبذلوا الجزية في موضع يجوز قبولها كف عنهم، وقبل منهم، وأما أن يناظروا على أن لا يحتج عليهم بكتابنا، ولا بنبينا، فهذا لا يجوز؛ ف " إنا لله وإنا إليه راجعون ". وبقى أبو عمر بن سعدى بعد الأربع مائة بمدة؛ فحدثنا عنه أبو محمد عبد الله بن عثمان ابن مروان العمري، وقد رأيت أنا سماعه في بعض الكتب المصرية من أبي محمد عبد الرحمن بن عمر ابن النحاس المصري سنة تسع وأربع مائة، بخط أبي محمد بن النحاس، فدل على أنه عاد إلى مصر بعد تلك الرحلة القديمة أيام الفتن الكائنة بالمغرب. أحمد بن محمد بن دراج أبو عمر الكاتب المعروف بالقسطلي، نسب إلى موضع هناك يعرف بقسطلة دراج، كان كاتباً من كتاب الإنشاء في أيام المنصور أبي عامر، وهو معدود في جملة العلماء والمقدمين من الشعراء، والمذكورين من البلغاء، وشعره كثير مجموع يدل على علمه؛ وله طريقة في البلاغة والرسائل، تدل على اتساعه وقوته، وأول من مدح من الملوك فالمنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر مدبر دولة هشام المؤيد، وأول شعر مدحه به بقوله

стр. 110

يعارض أبا العلاء صاعد بن الحسن اللغوي بقصيدة أولها: أضاء لها فجر النهى فنهاها ... عن الدنف المضني بحر هواها وضللها صبح جلا ليلة الدجى ... وقد كان يهديها إلى دجاها وهي طويلة مستحسنة، فساء الظن بجودة ما أتى به من الشعر واتهم فيه؛ وكان للشعراء في أيام المنصور أبي عامر ديوان يرزقون منه على مراتبهم، ولا يخلون بالخدمة بالشعر في مظانها، فسعى به إلى المنصور، وأنه منتحل سارق لا يستحق أن يثبت في ديوان العطاء، فاستحضره المنصور عشى يوم الخميس لثلاث خلون من شوال سنة اثنتين وثمانين وثلاث مائة، واقترح عليه، فبرز وسبق، وزالت التهمة عنه، فوصله بمائة دينار، وأجرى عليه الرزق، وأثبته في جملة الشعراء؛ ثم لم يزل يسهر ويجود شعره فيما بعد؛ وفي ذلك المجلس بين يدي المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر قال القصيدة المشهورة التي أولها: حسبي رضاك من الدهر الذي عتبا ... وعطف نعماك للحظ الذي انقلبا وهي طويلة حسنة عدد فيها المعنى الذي استحضر من أجله، وتكذيب الدعوى التي قذف بها؛ ومنها: ولست أول من أعيت بدائعه ... فاستدعيت القول ممن ظن أو حسبا إن امرأ القيس في بعض لمتهم ... وفي يديه لواء الشعر إن ركبا والشعر قد أسر الأعشى وقيده ... دهراً، وقد قيل: والأعشى إذا شربا وكيف أظما وبحرى زاخر مطناً ... إلى خيال من الضحضاح قد نضبا فإن نأى الشك عني أوفها أنذا ... مهيأ لجلي الخبر مرتقبا

стр. 111

عبد لنعماك في فكيه نجم هدى ... سار لمدحك يجلو الشك والريبا إن شئت أملي بديع الشعر أو كتبا ... أو شئت خاطب بالمنثور أو خطبا كروضة الحزن أهدى الوشى منظرها ... والماء والزهر والأنوار والعشبا أو سابق الخيل أعطى الحضر متئداً ... والشد والكر والتقريب والخببا وأكثر ما حكينا من هذا، فعن أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد الفقيه؛ وأخبرني أن المنصور أبا عامر لما فتح شنت ياقب أو غيرها من القلاع الحصينة التي يقال إن أحداً لم يصل إليها قبله، استدعى أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج، وأبو مروان عبد الملك بن إدريس المعروف بابن الجزيري، وأمرا بإنشاء كتب الفتح إلى الحضرة، وإلى سائر الأعمال، فأما ابن الجزيرى فقال: سمعاً وطاعة، وأما ابن دراج فقال: لا يتم لي ذلك في أقل من يومين أو ثلاثة، وكان معروفاً بالتنقيح، والتجويد، والتؤدة، فخرج الأمر إلى ابن الجزيري بالشروع في ذلك، فجلس في ظل السرادق ولم يبرح حتى أكمل الكتب في ذلك، وقيل لابن دراج افعل ذلك على اختيارك، فقد فسح لك فيه، ثم جاء بعد ذلك بنسخة الفتح، وقد وصف الغزاة من أولها إلى آخرها، ومشاهد القتال، وكيفية الحال، بأحسن وصف، وأبدع رصف، فاستحسنت ووقع الإعجاب بها، ولم تزل منقولة متداولة وإلى الآن، وما بقي من نسخ ابن الجزيري في ذلك الفتح على كثرتها عين ولا أثر. ومن مذهبات أشعاره في ذي الرياستين منذر بن يحيى صاحب سرقسطة: قصيدة طويلة أولها: قل للربيع اسحب ملاء سحائبي ... واجرر ذيولك في مجر ذوائبي

стр. 112

لا تكذبن ومن ورائك أدمعي ... مدداً إليك بفيض دمع ساكب وامزج بطيب تحيتي غدق الحيا ... فاجعله سقى أحبتي وحبائبي واجنح لقرطبة فعانق تربها ... عني بمثل جوانحي وترائبي وانشر على تلك الأباطح والربا ... زهراً يخبر عنك أنك كاتبي وله من أخرى: ويالك من ذكرى سناء ورفعة ... إذا وضعوا في الترب أيمن شقيا وفاحت ليالي الدهر مني ميتاً ... فأخرين أياماً دفنت بها حياً وكان ضياعي حسرة وتندماً ... إذا لم يفد شيئاً ولم يغنني شيا وأصبحت في دار الغنا عن ذوي الغنا ... وعوضت فاستقبلت أسعد يوميا أخبرني أبو عبد الله مالك بن محمد بن عمروس التجيبي: أن بعض الأدباء أرسل إلى أبي عمر القسطلي بأبيات لغز، وسأله أن يفسرها فلم يتعب خاطره فيها، وكتب على ظهر الرقعة بديهة: إذا شذر عن العرب المعاني ... فليس إلى تعرفها سبيل وما يحيوه هذا الدهر أنأى ... وأبعد من شبا فكر يجول وربتما بطول الفكر يدري ... ولكن عاجل الفكر الرسول وأنشدني له أبو جعفر بن البين بالمرية في الأمير منذر بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة: يا عاكفين على المدام تنبهوا ... وسلوا لساني عن مكارم منذر ملك لو استوهبت حبة قلبه ... كرماً لجاد بها ولم يتعذر سمعت أبا محمد علي بن أحمد، وكان عالماً بنقد الشعر يقول: لو قلت إنه لم يكن بالأندلس أشعر من ابن دراج لم أبعد وقال مرة أخرى: لو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج لما تأخر عن

стр. 113

شأو حبيب والمتنبي مات أبو عمر ابن دراج قريباً من العشرين وأربع مائة. أحمد بن محمد بن عبد الله المقرئ الطلمنكي أبو عمر، محدث منسوب إلى بلده، وكان إماماً في القراآت مذكوراً، وثقة في الرواية مشهوراً، رحل فسمع أبا بكر محمد ابن يحيى بن عمار الدمياطي، صاحب أبي بكر بن المنذر، وأبا الطيب عبد المنعم بن عبيد الله ابن غلبون، وأبا بكر محمد بن علي بن أحمد المعروف بابن الأذفوي، وغيرهم، وسمع بالأندلس محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج القاضي، وأبا جعفر أحمد بن عون الله، وطبقتهما. مات بعد العشرين وأربع مائة. روى عنه أبو محمد بن حزم، وأبو عمر بن عبد البر، وجماعة. أحمد بن محمد بن عيسى البلوى أبو بكر المعروف بابن الميراثي، يلقب غندراً، محدث حافظ حدث بالأندلس عن أبي عثمان سعيد بن نصر المعروف بابن أبي الفتح مولى الأمير عبد الرحمن بن محمد، وعن أبي الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن التاهرني البزاز، سمع منه بالأندلس أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذرى، وحدث عنه. أحمد بن محمد أبو العباس المهدوي المغربي أصله من المهدية من بلاد القيروان، ودخل الأندلس في حدود الثلاثين وأربع مائة أو نحوها، وكان عالماً بالقراآت والأدب متقدماً، ذكره لي بعض أهل العلم بالقراآت، وأثنى عليه؛ وأنشدني له في ظاآت القرآن: ظنت عظيمة ظلمنا من حظها ... فظللت أوقظها لكاظم غيظها

стр. 114

وظعنت أنظر في الظلام وظله ... ظمئان أنتظر الظهور لوعظها ظهري وظفرى ثم عظمى في لظى ... لأظاهرن لحظها ولحفظها لفظي شواظ أو كشمس ظهيرة ... ظفر لدى غلظ القلوب وفظها أحمد بن محمد الخولاني المعروف بابن الأبار، أبو جعفر، شاعر من شعراء إشبيلية، كثير الشعر؛ أنشدني له أبو محمد علي بن أحمد من قصيدة في الرئيس أبي الوليد إسماعيل بن حبيب يعزيه عن جارية ماتت عنده، ويهنئه بمولود ولد له: أو ما رأيت الدهر أقبل معتبا ... متفصلا بالعذر لما أذنبا بالأمس أذوى في رياضك أيكة ... واليوم أطلع في سمائك كوكبا كان حيا في حدود الثلاثين وأربع مائة. أحمد بن محمد الجياني المعروف بتيس الجن، شاعر خليع، يجرى في وصف الخمر مجرى أبي علي الحسن بن هاني، لم أجد من شعره شيئاً إلا فيها؛ ومنه قوله: امزجي يا مدام كأس المدام ... قد مضى وانقضى ذمام الصيام وأبي العيد أن ندين بدين ... غير دين الصبا ودين المدام حبذا ميتة تعود حياة ... بين غض البهار والنمام أحمد بن محمد بن أحمد بن برد، مولى أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد ابن شهيد، أبو حفص الكاتب، مليح الشعر، بليغ الكتابة، من أهل بيت أدب ورياسة له: رسالة في السيف والقلم، والمفاخرة بينهما، وهو أول من سبق إلى القول في ذلك بالأندلس، وقد رأيته بالمرية بعد الأربعين وأربع مائة، زائراً لأبي محمد علي ابن أحمد غير مرة؛ ومن شعره:

стр. 115

تأمل فقد شق البهار مغلساً ... كما ميه عن نواره المخضل الندى مداهن تبر في أنامل فضة ... على أذرع مخروطة من زبرجد ومنه: لما بدا في لازور ... دى الحرير وقد بهر كبرت من فرط الجما ... ل وقلت ما هذا بشر فأجابني: لا تنكرن ... ثوب السماء على القمر ومن شعره: قلبي وقلبك لا محالة واحد ... شهدت بذلك بيننا الألحاظ فتعال فلنغظ الحسود بوصلنا ... إن الحسود بمثل ذاك يغاظ آخر الجزء الثالث من الأصل

стр. 116

الجزء الرابع من تجزئة الأصل

стр. 117

أحمد بن إبراهيم بن عجنس بن أسباط الزبادي بالباء المعجمة بواحدة، محدث أندلسي، يكنى أبا الفضل والزباد: ولد كعب بن حجير بن الأسود ابن الكلاع؛ مات سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة، وله أخ اسمه عبد الرحمن ذكرهما أبو سعيد المصري. أحمد بن إسماعيل بن دليم، أبو عمر القاضي الجزيري، سمع محمد بن أحمد ابن الخلاص وغيره. سمعنا منه، مات قبل الأربعين وأربع مائة. أحمد بن أفلح، أبو عمر مولى حبيب؛ قال لي أبو محمد علي بن أحمد: وقد رأيته، وكان محدثاً، أديباً، شاعراً، مقبولاً في الشهادة عند الحكام؛ وأنشدني من شعره: يا من شقيت على بعد الديار به ... كما شقيت به إذ كان مقتربا ما أستريح إلى حال فأحمدها ... بالبين قلبي، وقبل البين، قد ذهبا إن كان لي أرب في العيش بعدكم ... فلا قضيب إذاً من حبكم أربا أحمد بن أبان بن سيد اللغوي، روى عن أبي علي إسماعيل بن القاسم القالي؛ روى عنه أبو عمر يوسف بن عبد الله بن خيرون الأديب النحوي. قاله لي أبو الحسن العابدي. أحمد بن بقي بن مخلد، يكنى أبا عمر، وقيل: أبو عبد الله، قاضي الجماعة بالأندلس، محدث؛ مات بها سنة أربع وعشرين وثلاث مائة، في أيام الأمير عبد الرحمن الناصر. أحمد بن بشر، بن محمد، بن إسماعيل بن بشر التجيبي أبو عمر يعرف بابن الأغبس محدث أندلسي، مات بها سنة سبع وعشرين وثلاث مائة.

стр. 118

أحمد بن برد أبو حفص الوزير، جد أحمد بن محمد الكاتب الذي أكردناه وقد ذكرناه؛ كان ذا حظ وافر من الأدب والبلاغة والشعر، رئيساً مقدماً في الدولة العامرية وبعدها؛ قال لي أبو محمد علي بن أحمد: مات سنة ثمان عشرة وأربع مائة. أحمد بن تليد الكاتب أندلسي شاعر أديب، ذكره أبو محمد علي ابن أحمد؛ ومن شعره: لم أرض بالذل وإن قلا ... والحر لا يحتمل الذلا يا رب خل كان لي خامل ... صار إلى العزة فاحولا حرمت إلمامتي على بابه ... ووصله لم أره حلا تأبى على النفس من أن أرى ... يوماً على مستثقل كلا أحمد بن جهور، شاعر أديب في الدولة العامرية، كتبت من شعره أبياتاً إلى الحاكم الخطيب أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الشرفي مع هدية ألغز بذكرها وهي: عذراء حبلى من بنات عدد ... متى أردت الوضع منها تلد يشق عن أولادها جلدها ... وهي على ذلك تبدي الجلد دم التقى يخرج من بطنها ... حل به يشفى غليل الكمد ما إن رأينا قلبها مثلها ... أم حلال قتلها والولد أرسلت منها عدداً فاستجز ... قليلة من شاكر لو وجد لأرسل الدنيا وقلت لما ... أوليته من نعم لا تحد أحمد بن الحباب أبو عمر قرطبي من أهل العربية والأدب، كان أستاذاً مقدماً؛ أخبرني أبو محمد علي بن أحمد وغيره: أنه كان مع حذقه بالأدب، وتصرفه في العربية، شديد الغفلة

стр. 119

في غير ذلك من أموره، وكان يحاً في الدولة العامرية وقد رأيت له رواية عن يحيى بن مالك بن عائد. أحمد بن حبرون بالحاء المهملة، والباء المعجمة بواحدة، من أهل العلم، والأدب، والجلالة، كان في أيام الدولة العامرية، ذكره أبو محمد علي بن أحمد، وقد تقدم له ذكر أبيات عن محمد بن عبد الله بن مسرة. أحمد بن خازم المعافري، بالخاء المعجمة، مصري انتقل إلى الأندلس ومات بها، حدث عن محمد بن المنكدر، وعمو بن دينار، وعبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر، وعطاء، وصفوان بن سليم، وصالح مولى التوءمة، وعمرو بن شراحيل الغفاري، وقيل المعافري. روى عنه عبد الله بن لهيعة نسخة يرويها عن صالح مولى التوؤمة، ومحمد بن عمر الواقدي. ذكره أبو سعيد بن يونس وصدر به في المصريين، ثم قال: توفي بالأندلس، وفيها ولده. وقال أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، فيما أخبرنا به أبو الحسن علي بن بقاء الوراق المصري، وأبو زكرياء عبد الرحيم بن أحمد البخاري عنه: أحمد بن خازم، مذكور في المصريين وفي أهل الأندلس؛ وأخرج له أبو الحسن الدارقطني حديثاً في السنن نسبه فيه إلى الأندلس، أخبرنا به القاضي أبو الغنائم، علي بن محمد، عن أبي الحسن الدارقطني في الإجازة، وحدثناه الخطيب أبو بكر أحمد بن علي قراءة، قال: أخبرني عمر بن إبراهيم، قال: أخبرنا علي بن عمر، قال: حدثنا محمد بن الفتح القلانسي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد هو ابن ناصح، قال: حدثنا محمد بن عمر الواقدي، قال: حدثنا أحمد بن خازم

стр. 120

الأندلسي، عن عمرو بن شراحيل الغفاري، عن أبي عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو، قال: سئل النبي ﷺ عن قضاء رمضان، فقال: يقضيه تباعاً، وإن فرقه أجرأه. وذكر أبو أحمد عبد الله ابن عدي الجرجاني مؤلف كتاب الكامل في رجال الحديث أحمد بن خازم فقال: أظنه مدينياً، قال: ويقال معافري، مصري ليس بالمعروف، يحدث بأحاديث عامتها مستقيمة؛ قال لي بعض الحفاظ، وقد ذكر كلام ابن عدي هذا متعجباً منه: ما أدري من أين وقع له الظن بأنه مدني، ولعله لما رآه يروي عن هؤلاء المذكورين، ظنه كذلك وليس كما ظن، وقد عرفه ابن يونس، وعبد الغني وغيرهما، أو كما قال. أحمد بن خالد بن يزيد يعرف بابن الجباب، كنينه أبو عمر، جياني الأصل، سكن قرطبة، كان حافظاً متقنا، وراوية للحديث مكثرا، ورحل فسمع بن عبد العزيز صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام؛ ومن أهل الأندلس محخمد بن وضاح، وإبراهيم بن محمد بن القزاز، ويحيى بن عمر بن يوسف، وبقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وقاسم بن محمد، وغيرهم؛ وقال أبو عمر بن عبد البر: إنه سمع من عبيد بن محمد الكشورى شيئاص فاته من مصنف عبد الرحمن واستدركه منه، عن الحذاقي، عن عبد الرزاق وحدث بالأندلس دهراً، وألف في مسند حديث مالك بن أنس وغيره، قال أبو محمد علي بن أحمد مولده سنة ست وأربعين ومائتين،

стр. 121

ومات بقرطبة سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة. روى عنه جماعة منهم: ابنه محمد وأبو محمد عبد الله بن محمد بن علي الباجي، ومحمد بن محمد بن أبي دليم، وخالد ابن سعد، وعبد الله بن محمد بن عثمان، وغيرهم. أخبرنا أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سلمة، قال: أخبرني أحمد بن خليل، قال: نا خالد بن سعد، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: أخبرنا يحيى بن عمر، قال: أخبرنا الحارث بن مسكين، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال لي مالك: " كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين يسأل عن الشئ فلا يجيب حتى يأتي الوحي من السماء ". أحمد بن خليل، من رواة الحديث، حدث عن خالد بن سعد؛ روى عنه عبد الرحمن بن سلمة الكناني، وأنا أظنه أحمد بن دحيم بن خليل الذي يروي عن إبراهيم بن حماد بن أخي إسماعيل بن إسحاق القاضي، نسب إلى جده والله أعلم. أخبرنا أبو محمد بن حزم الفقيه، قال: حدثنا الكناني، قال: أخبرني أحمد ابن خليل، قال: حدثنا خالد بن سعد، قال: قلت لأحمد بن خالد: من أثبت الناس عندك في مالك؟ قال: ابن وهب. أحمد بن دحيم بن خليل، أبو عمر، سمع إبراهيم بن حماد بن إسحاق بن أخي إسماعيل بن إسحاق بالقاضي، وأبا عبد الله الزبير بن أحمد، بن سليمان بن عبد الله، ابن عاصم بن المنذر، بن الزبير بن العوام. روى عنه أبو عثمان سعيد بن نصر، وأبو عثمان سعيد بن عثمان النحوي. أخبرنا أبو عمر بن عبد البر، قال: حدثني سعيد بن نصر، وسعيد بن عثمان النحوي بكتاب السنة لأبي عبد الله الزبير بن أحمد بن سليمان الزبيري، عن أحمد بن دحين بن خليل، عن الزبير بن أحمد؛ وقد قلنا إنا نظنه والذي قبله واحداً وهو الأظهر والأغلب في ظني والله أعلم. أحمد بن رشيق الكاتب

стр. 122

أبو العباس، كان أبوه من موالي بني شهيد، ونشأ هو بمرسية، وانتقل إلى قرطبة، وطلب الأدب فبرز فيه، وبسق في صناعة الرسائل مع حسن الخط المتفق على نهايته، وتقدم فيهما، وشارك في سائر العلوم، ومال إلى الفقه والحديث، وبلغ من رياسة الدنيا أرفع منزلة، وقدمه الأمير الموفق أبو الجيش مجاهد بن عبد الله العامري علاى كل من في دولته، لأسباب أكدت له ذلكعنده؛ من المودة، والثقة، والنصحية، والصحبة في النشأة؛ فكان ينظر في أمور الجهة التي كان فيها نظر العدل والسياسة، ويشتغل بالفقه والحديث، ويجمع العلماء والصالحين، ويؤثرهم، ويصلح الأمور جهده؛ وما رأينا من أهل الرياسة من يجرى مجراه، مع هيبة مفرطة، وتواضع وحلم عرف به، مع القدرة. مات بعد الأربعين وأربع مائة عن سن عالية، وله رسائل مجموعة متداولة منها: الرسالة إلى أبي عمران موسى بن عيسى بن أبي حاج نجح الفاسي، وأبي بكر بن عبد الرحمن ففيهى القيروان في الإصلاح بينهما، وله كلام مدون على تراجم كتاب الصحيح لأبي عبد الله البخاري، ومعاني ما أشكل من ذلك. وقد رأيته غير مرة إذا غضب في مجلس الحكم، أطرف ثم قام، ولم يتكلم بين اثنين، فظنته كان يذهب إلى حديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ : " لا يحكم حاكم بين اثنين وهو غضبان ". حدثنا الرئيس أبو العباس أحمد بن رشيف الكاتب، قال: كنت في سن المراهقة بتدمير أول طلبي للنحو، إذ دخل علينا على البحر رجل أسمر، ذكر أنه من بني شيبة حجبة البيت، وأنه

стр. 123

يقول الشعر على طبعه، ولا يقرأ ولا يكتب، وكان يقول: إنه دخل عليه الحن بدخول الحضر، وكان يسأل أديبنا أن يصلح له اللحن، ويسألني كثيراً أن أكتب أشعاره بمدائح القائد، ووجوه البلد؛ فمما بقي في حفظي من شعره: يا خليلي من دون كل خليل ... لا تلمني على البكا والعويل إن لي مهجة تكنفها الشوق ... وعيناً قد وكلت بالهمول كلما غردت هتوف العشايا ... والضحى هيجت كمين غليلي ذات فرخين في ذرى أثلاث ... هدلات غضف الذواءب ميل لم يغيباعن عينها، وهي تبكي ... حذر البين والفراق المديل أنا أولى لغربتي وانتزاحي ... واشتياقي منها بطول العويل حل أهلي بالأبطحين وأصبح ... ت مع الشمس ند وقت الأفول أحمد بن زكرياء، بن يحيى، بن عبد الملك بن عبيد الله، بن عبد الرحمن، أندلسي محدث، سمع، وعني، وحمل عنه، ولم تطل حياته. مات بالأندلس سنة ثمان وستين ومائتين. أحمد بن زياد، بن محمد بن زياد، بن عبد الرحمن اللخمي القاضي أندلسي، روى عن ابن وضاح وغيره؛ ومات سنة عشرين وثلاثمائة؛ روى عنه خالد بن سعد وقد ذكرنا له زوائد في اسم محمد بن وضاح، وجدأبيه، زياد بن عبد الرحمن، هو الذي يقال له زياد شبطون الفقيه، صاحب مالك بن أنس. أحمد بن سليمان بن نصر المري محدث أندلسي؛ مات بها سنة عشر وثلاث مائة.

стр. 124

أحمد بن سليمان، بن أحمد، بن عبد الرحمن، بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر أبو بكر المرواني، من أهل الأدب. أنشدني لنفسه في أبي محمد علي بن أحمد؛ علي طريقة البستي: لما تحل بخلق ... كالمسك أو نشر عود نجل الكرام ابن حزم ... وفات في العلم عودي فتواه جدد ديني ... جدواه أورق عودي أقول إذا غبت عنه ... يا ساعة السعد عودي أحمد بن سعيد بن مسعدة الحجاري من أهل وادي الحجارة؛ محدث مات بالأندلس في ذي الحجة سنة سبع وعشرين وثلاث مائة. أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي المنتجيلي أبو عمر؛ سمع بالأندلس جماعة؛ منهم محمد بن أحمد بن الزراد، وأبو عثمان سعيد بن عثمان بن سعيد الأعناقي، ومحمد ابن قاسم؛ ورحل فيمع إسحاق، بن إبراهيم، بن النعمان، وأبا جعفر محمد بن عمرو بن مسوى العقيلي، وأبا بكر أحمد بن عيسى بن موسى الحضري المصري المعروف بابن أبي عجينة، صاحب عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن محمد بن بدر، وغيرهم؛ وألف في تاريخ الرجال كتاباً كبيراً جمع فيه جميع ما أمكنه من أقوال الناس في أهل العدالة والتجريح، سمعه منه خلف بن أحمد المعروف بابن أبي جعفر، وأحمد بن محمد الإشبيلي المعروف بابن الحرار قال أبو عمر بن عبد البر: يقال إلنه لم يكمل إلا لهما سماعة عنه؛ وممن روى عنه فأكثر: أبو زيد عبد الرحمن بن يحيى العطار، هكذا قال أبو عمر بن عبد

стр. 125

البر في اسم الحضرمي الذي روى عنه أحمد بن سعيد كما أوردنا آنفا. ورأيت في موضع آخر أنه أبو بكر محمد بن موسى بن عيسى الحضرمي، وأنه يروى عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي فالله أعلم. وكانت وفاة أبي عمر الصدفي، فيما قاله أبو محمد علي بن أحمد، سنة خمسين وثلاث مائة. أحمد بن سعيد، بن حزم، بن غالب أبو عمر الوزير، والد الفقيه أبي محمد، كان وزيراً في الدولة العامرية، ومن أهل العلم والأدب والخير، وكان له في البلاغة يد قوية؛ سمعت أبا العباس أحمد بن رشيق الكاتب يقول: كان الوزير أبو عمر بن حزم يقول: إني لأعجب ممن يلحن في مخاطبة، أو يجىء بلفظة قلقة في مكاتبة، لأنه ينبغي له إذا شك في شيء أن يتركه ويطلب غيره، فالكلام أوسع من هذا، أو كما قال؛ وهذا لا يقوله إلا المتبحر الواسع العلم. أنشدني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أنشدني الوزير أبي في بعض وصاياه لي: إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن ... على حالة إلا رضيت بدونها وحدثني أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد، قال: أخبرني هشام بن محمد ابن هشام بن محمد بن عثمان المعروف بابن البشتنى من آل الوزير أبي الحسن جعفر بن عثمان المصحفى، عن الوزير أبي ﵀: أنه كان بين يدي المنصور أبي عامر، محمد بن أبي عامر في بعض مجالسه للعامة، فرفعت إليه رقعة استعطاف لأم رجل مسجون كان ابن أبي عامر حنقاً عليه لجرم استعظمه منه، فلما قرأها اشتد غضبه، وقال: ذكرتنى والله به! وأخذ القلم يوقع، وأراد أن يكتب: يصلب، فكتب: يطلق،

стр. 126

ورمي الكتاب إلى الوزير، قال: فأخذ أبوك القلم، وتناول رقعة وجعل يكتب بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرط، فقال له ابن أبي عامر ما هذا الذي تكتب؟ قال: بإطلاق فلان، قال: فحرد وقال: من أمر بهذا؟ فناوله التوقيع، فلما رآه قال: وهمت، والله ليصلبن، ثم خط على ما كتب، وأراد أن يكتب: يصلب، فكتب: يطلق، قال: فأخذ والدك الرقعة، فلما رأى التوقيع تمادى على ما بدأ به من الأمر بإطلاقه، ونظر إليه المنصور متمادياً على الكتاب، فقال: ما تكتب؟ قال: بإطلاق الرجل، فغضب غضباً أشد من الأول، وقال: من أمر بهذا؟ فناوله الرقعة، فرأى خطه، فخط على ما كتب، وأراد أن يكتب: يصلب، فكتب: يطلق، فأخذ والدك الكتاب، فنظر ما وقع به، ثم تمادى فيما كان بدأ به، فقال له: ماذا تكتب؟ فقال: بإطلاق الرجل، وهذا الخط ثالثاً بذلك، فلما رآه عجب، وقال: نعم يطلق على رغمى، فمن أراد الله إطلاقه، لا أقدر أنا على منعه، أو كما قال. مات الوزير أبو عمر ابن حزم قريباً من الأربع مائة. أحمد بن صفوان المرواني، أديب شاعر؛ ذكره أحمد بن فرج وأنشد له: لهذا الياسمين علي حق ... أنا لشبيهه في الحسن رق فلا زالت عرائشه تحيا ... بغادية لها طل وودق غمام كالعريش أحم غض ... ينور منه في الجنبات برق ولو سقيته من ماء وجهي ... لما وفيته ما يستحق أحمد بن عبد الله بن الفرج النميري أندلسي، سمع من ابن وضاح وغيره، ومات بالأندلس سنة ثلاث وثلاث مائة.

стр. 127

أحمد بن عبد الله بن الحجاف الأنصاري، محدث مات بالأندلس. أحمد بن عبد الله الأنصاري صاحب الصلاة بالأندلس، ذكره ابن يونس بعد الذي قبله، ولعله هو. أحمد بن عبيد الله بن أبي طالب الأصبحي، قاضي الجماعة بالأندلس، بكنى أبا عمر، محدث مات بها سنة سبع وعشرين وثلاث مائة. أحمد بن عبد الله، بن محمد بن المبارك، بن حبيب، بن عبد الملك، بن عمر، ابن الوليد بن عبد الملك، بن مروان، بن الحكم؛ روى عن بقي بن مخلد وغيره؛ مات بالأندلس سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة. أحمد بن عبد الله اللؤلؤي، روى عن أبي صالح أيوب بن سليمان، ومحمد ابن عمر بن لبابة؛ مات سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة. ذكره أبو محمد علي بن أحمد. أحمد بن عبد الله، بن علي، أبو عمر الفقيه، يعرف بابن الباجي، سمع أباه وجماعة، وسكن هو وأبوه إشبيلية؛ روى عنه جماعة أكابر، أدركنا منهم الفقيه أبا عمر يوسف بن عبد الله، بن محمد، بن عبد البر الحافظ؛ فأخبرنا أبو عمر بن عبد البر، قال: كان أبو عمر الباجي إمام عصره، وفقيه زمانه، جمع الحديث والرأى، والبيت الحسن، والهدى والفضل، ولم أر بقرطبة ولا بغيرها من كور الأندلس رجلاً يقاس به في علمه بأصول الدين وفروعه؛ كان يذاكر بالفقه ويذاكر بالحديث والرجال، ويحفظ غريبى الحديث لأبي عبيد، وأبي محمد بن قتيبة، حفظاً حسناً، وشاوره القاضي ابن أبي الفوارس وهو ابن ثمان عشرة بإشبيلية، وهي موضع

стр. 128

مولده، وجمع له أبوه علوم الأرض فلم يحتج إلى أحد، إلا أنه رحل متأخراً للحج، فكتب بمصر عن أبي بكر أحمد بن محمد ابن إسماعيل المعروف بابن المهندس، وعن الميمون بن حمزة بن الحسين الحسينى، وأبي الحسن أحمد بن عبد الله بن حميد بن رزيق الحريثي البغداذي، من ولد عمر ابن حريث، وأبي محمد الحسن بن إسماعيل بن الضراب، وأبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى ابن ماهان، وغيرهم؛ وكتب عنه. وكان من أضبط الناس لكتبه، وأعلمهم بما فيها من روايته. هذا آخر كلام ابن عبد البر فيه. وقال أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ في المؤتلف: أبو عمر أحمد بن عبد الله الباجي الأندلسي، من أهل العلم، كتبت عنه، وكتب عني؛ ووالد أبي عمر هذا من جلة المحدثين، وكان يسكن إشبيلية. هكذا قال عبد الغني: أخبرنا أبو عمر بن عبد البر، قال: قرأت على أبي عمر أحمد بن عبد الله الباجي كتاب المنتقى لأبي محمد بن الجارود، أخبرني به عن أبيه، عن الحسن بن عبد الله الزبيدي، عن ابن الجارود، وكتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجارود، وكتاب أبي حنيفة لابن الجارود، وكتاب الآحاد لابن الجارود، وكلها بهذا الإسناد. مات أبو عمر الباجي قريباً من الأربع مائة. أحمد بن عبد الله بن ذكوان، أبو العباس قاضي الجماعة بالأندلس، من شيوخ أهل العلم، مذكور بالفضل ومن أهل بيت فيهم علم ورياسة، والقضاء يتردد فيهم. أخبرني أبو محمد علي بن محمد، قال: حدثني الوزير أبو عبدة حسان بن مالك، ابن أبي عبدة اللغوي، قال: حدثني القاضي

стр. 129

أبو العباس أحمد بن عبد الله بن ذكوان، قال: حدثني أبي عن بعض إخوانه، أو عن نفسه: أنه حج فنزل بمصر في حجرة اكتراها، قال: فإبى قاعد يوماً إذ نظرت إلى كتابة على الحائط، فتأملت ذلك فإذا هو: قم حي بالراح قوماً ... ماتوا صلاة وصوماً لم يطعموا لذة العي ... ش مذ ثلاثون يوماً فذكرت ذلك لبعض من كنت أجالسه بمصر، فقال: ذلك خط الحسن بن هانىء وهي من قوله، وفي تلك الحجرة كان نازلا أيام كونه بمصر. ؟ أحمد بن عبد الله بن زيدون أبو الوليد من أهل قرطبة، شاعر مقدم، وبليغ مجود، كثير الشعر، قبيح الهجاء؛ أدركنا زمانه وأنشدنا له غير واحد من أهل المغرب أبياته السائرة: بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع يا بائعاً حظه مني ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع حسبي بأنك إن حملت قلبي ما ... لا تستطيع قلوب الناس يستطع ته أحتمل، واستطل أصبر، وعزأهن ... وول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع وله من قصيدة طويلة: بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا كنا نرى اليأس تسلينا عوارضه ... وقد يئسنا فما لليأس يغرينا نكاد حين تناجينا ضمائرنا ... يقضى علينا الأسى لولا تأسينا

стр. 130

حارت لفقدكم أيامنا فغدت ... سوداً وكانت بكم بيضا ليالينا إذ جانب العيش طلق من تألفنا ... ومورد اللهو صاف من تصافينا وإذ هصرنا فنون اللهو دانية ... قطوفه فجنينا منه ماشينا ليسق عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينا ؟ أحمد بن عبيد الله بن إسماعيل بن بدر أبو مروان، من شيوخ الأدب المشهورين، عاش إلى أيام الفتنة بعد الأربع مائة، وكان حياً في سنة ست بعدها. ذكره أبو محمد علي بن أحمد. ؟ أحمد بن عبد الرحمن قرطبي سمع من ابن وضاح، وسمع منه. مات بالأندلس. قاله أبو سعيد بن يونس. ؟ أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن حزم، كان من أهل الفضل والعلم، تولى الحكم بالجانب الغربي من قرطبة، للمهدي محمد بن هشام، بن الجبار، ابن الناصر ذكره أبو محمد علي بن أحمد، وهو من بني عمه. ؟ أحمد بن عبد البصير روى عن قاسم بن أصبغ، روى عنه أبو عبد الله محمد بن سعيد بن نبات. ؟ أحمد بن عبد الملك، بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد ذو الوزارتين، من أهل الأدب البارع، له قوة في البديهة، كان في أيام عبد الرحمن الناصر. أخبرني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد بن جهور: أن ذا الوزارتين، أحمد بن عبد الملك بن عمر بن شهيد زار جده عبد الملك بن جهور، فوافقه محجوباً، فلم يصل إليه، فكتب إليه:

стр. 131

أتيناك لا عن حاجة عرضت لنا ... إليك ولا قلب إليك مشوق ولكننا زرنا بضعف عقولنا ... حماراً تولى برنا بعقوق فأجابه عبد الملك: حجبناك لما زرتنا غير تائق ... بقلب عدو في ثياب صديق وما كان بيطار الشآم لموضع ... يباشر فيه برنا بخليق ؟ أحمد بن عبد الملك بن مروان، أديب شاعر، ذكره أبو محمد علي ابن أحمد في المتقدمين من الشعراء، فأثنى عليه، وأورد له أحمد بن فرج الجياني في الحدائق أشعارا، ومنها: حلفت لمن رمى فأصاب قلبي ... وقلبه على جمر الصدود لقد أودى تذكره بجسمى ... ولست أشك أن النفس تودى تولى الصبر عني مذ تولى ... وعاودني من الأحزان عيدى فقيد وهو موجود بقلبي ... فواعجباً لموجود فقيد ؟ أحمد بن عبد الملك بن هاشم أبو عمر المعروف بابن المكوى الإشبيلي، كان فقيهاً معظماً، ومفتياً مقدماً، على جميع من إليه الفتوى بقرطبة، وانتهت إليه الرياسة في ذلك في وقته، وقد جمع هو وأبو مروان المعيطى الفقيه كتاباً في أقاويل مالك ﵀، على نحو الكتاب الباهر الذي جمع فيه أبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد القاضي المصري أقاويل أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ﵁، أمرهما بالاجتماع على جمع ذلك وترتيبه، المنصور أبو عامر محمد ابن أبي عامر، وهو كان المتغلب عل الأمور بالأندلس كلها في ذلك

стр. 132

الوقت، وكانت له همة رفيعة في العلوم. ؟ أحمد بن عبد الملك، بن أحمد بن عبد الملك، بن عمر بن محمد بن عيسى ابن شهيد، أبو عامر أشجعي النسب، من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك يوم المرج؛ من العلماء بالأدب ومعاني الشعر وأقسام البلاغة، وله حظ من ذلك بسق فيه، ولم ير لنفسه في البلاغة أحداً يجاريه، وله كتاب حانوت عطار في نحو من ذلك، وسائر رسائله وكتبه نافعة الجد، كثيرة الهزل، وشعره كثير مشهور؛ وقد ذكره أبو محمد علي بن أحمد مفتخراً به، فقال: ولنا من البلغاء أحمد بن عبد الملك بن شهيد، وله من التصرف في وجوه البلاغة وشعابها مقدار ينطق فيه بلسان مركب من لساني عمرو، وسهل. أخبرني أبو محمد علي بن أحمد قال: كتب إلي أبو عامر بن شهيد في علته بهذه الأبيات: ولما رأيت العيش لوى برأسه ... وأيقنت أن الموت لاشك لاحقي تمنيت أني ساكن في عباءة ... بأعلى مهب الريح في رأس شاهق أرد سقيط الحب في فضل عيشتى ... وحيداً وأحسوا الماء بين المفالق خليلي من ذاق المنية مرة ... فقد ذقتها خمسين قولة صادق كأني وقد حان ارتحالي لم أفز ... قديماً من الدنيا بلمحة بارق فمن مبلغ عني ابن حزم، وكان لي ... يداً في ملماتى وعند مضايقى عليك سلام الله إني مفارق ... وحسبك زاداً من حبيب مفارق فلا تنس تأتينى إذا ما فقدتنى ... وتذكار أيامى وفضل خلائقى وحرك له بالله من أهل فننا ... إذا جئتموني كل شهم غرانق

стр. 133

عسى هامتى في القبر تسمع بعضه ... بترجيع سار أو بتطريب طارق فلى في اد كارى بعد موتى راحة ... فلا تمنعونيها علالة زاهق وإني لأرجو الله فيما تقدمت ... ذنوبي به مما درى من حقائق فأجابه أبو محمد: أبا عامر ناديت خلاً مصافياً ... يفديك من دهم الخطوب الطوارق وألمت قلباً مخلصاً لك ممحضا ... بودك موصول العرى والعلائق شدائد يجلوها الإله بلطفه ... فلا تأس إن الدهر جم المضايق فمعقب سوء الحال حسنى وفرحة ... وتالى رخاء العيش " إحدى البوائق سفينة نوح لم تضق بحلوها ... وضاق بهم رحب الملا والسمالق ورب أسير في يد الهول مطلق ... ومنطلق والدهر أسوق سائق فإن تنج قلت الحمد لله مخلصاً ... فمن أعظم النعمى بقاء المصادق وإن تكن الأخرى فأقرب بلاحق ... تأخر منا من تقدم سابق فقربك لي أنس وبعدك موحشى ... ولقياك مسلاتي وفقدك شائقي ومن أبيات أبي عامر المختارة قوله: وما ألان قناتى غمز حادثة ... ولا استخف بحلمى قط إنسان أمضى على الهول قدماً لا ينهنهنى ... وأنثنى لسفيهى وهو حردان ولا أقارض جهالاً بجهلهم ... والأمر أمرى والأيام أعوان أهيب بالصبر والشحناء ثائرة ... وأكظم الغيظ والأحقاد نيران وقوله: إن الفتوة فاعلم حد مطلبها ... عرض نقي ونطق فيه تبيان بالعلم يفخر يوم الحفل حامله ... وبالعفاف غداة الجمع يزدان وما لساني عند القوم ذو ملق ... ولا مقالي إذ ما قلت إدهان ولا أفوه بغير الحق خوف أخي ... وإن تأخر عني وهو غضبان

стр. 134

ولا أميل على خلي فآكله ... إذا غرثت وبعض الناس ذؤبان ود الفتى منهم لو مت من يده ... وأنه منك ضخم الجوف ملآن وقوله: ألمت بالحب حتى لو دنا أجلى ... لما وجدت لطعم الموت من ألم وذادني في كرمي عمن ولهت به ... ويلي من الحب أو ويلى من الكرم وقوله: إن الكريم إذا نالته مخمصة ... أبدى إلى الناس شبعاً وهو طيان يحنى الضلوع على مثل اللظى حرقا ... والوجه غمر بماء البشر ملآن وقوله: كتبت لها إنني عاشق ... على مهرق الكتم بالناظر فردت على جواب الهوى ... بأحور في مائه حائر منعمة نطقت بالجفو ... ن فدلت على دقة الخاطر كأن فؤادى إذا أعرضت ... تعلق في مخلبي طائر وقوله: أقل كل قليل جل ذي أدب ... بين الورى وأقل الناس إخوان وما وجدت أخافي الدهر يذكرني ... إذا سما وعلا يوماً به الشان قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: توفي أبو عامر بن شهيد ضحى يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى، سنة ست وعشرين وأربع مائة بقرطبة، ودفن يوم السبت ثاني يوم وفاته في مقبرة أم سلمة، وصلى عليه جهور بن محمد بن جهور أبو الحزم، وكان حين وفاته حامل لواء الشعر والبلاغة، لم يخلف لنفسه نظيراً في هذين

стр. 135

العلمين جملة، مولده سنة اثنتين وثمانين وثلاث مائة، ولم يعقب وانقرض عقب الوزير أبيه بموته؛ وكان جواداً لا يليق شيئا، ولا يأسى على فائت، عزيز النفس، مائلا إلى الهزل، وكان له من علم الطب نصيب وافر، وكانت علة أبي عامر ضيق النفس، والنفخ، ومات في ذهنه وهو يدعو الله ، ويشهد شهادة التوحيد والإسلام، وكان أوصى أن يصلي عليه أبو عمر الحصار الرجل الصالح، فتغيب إذ دعى، وأوصى أن يسن عليه التراب دون لبن ولا خشب فأغفل ذلك. ؟ أحمد بن عيسى أندلسي محدث، روى عن يحيى بن إبراهيم بن مزين، روى عنه عيسى بن محمد الأندلسي، وذكرنا له حديثاً في اسم يحيى بن مضر. ؟ أحمد بن عمر بن أسامة محدث أندلسي مات بها سنة ثمانين ومائة. أحمد بن عمر بن عبد الله بن عصفور، من شيوخ أبي عمر بن عبد البر، ذكره أبو عمر، وأثنى عليه وقال: كان رجلاً صالحاً فاضلاً فقيهاً أديبا، حدث عن أبي محمد عبد الله بن محمد الباجى وغيره، وكان كثير الشعر في الزهد والحكم والمواعظ. أحمد بن عمر بن أنس العذري أبو العباس المري، من المريه؛ مدينة على ساحل من سواحل الأندلسي، ويعرف بابن الدلائى، رحل مع والده بعيد الأربع مائة إلى مكة، فسمع الكثير من شيوخها، ومن القادمين إليها؛ من أبي القاسم أحمد ابن محمد بن عثمان بن محمد بن عبد الله، بن عبد العزيز بن عبد الله بن سعيد بن المغيرة ابن عمرو بن عثمان بن عفان العثماني، ومن أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن، بن محمد ابن أحمد، بن إبراهيم بن العباس بن عبد الله الشافعي، ومن أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد البزاز المكي، ومن أبي العباس أحمد بن الحسن

стр. 136

بن بندار بن عبد الرحمن ابن جبريل الرازي، ومن أبي العباس أحمد بن علي بن الحسن بن إسحاق بن جعفر ابن الحسن الكسائي، كذا قال في نسبه، وعن أبي حفص عمر بن الخضر الثمانيني، وأبي بكر محمد بن علي بن محمد الغازي النيسابوري، وأبي بكر محمد بن أحمد بن نوح الأصبهاني، وعن محمد بن أبي سعيد بن سختويه الإسفراينى، وعن جماعة كثيرة من طبقتهم؛ وكتب هناك قطعة كبيرة من المصنفات، والتواريخ، وسمعنا منه بالأندلس وكان حياً بها وقت خروجي منها في سنة ثمان وأربعين وأربع مائة. قرأت على أبي العباس أحمد بن عمر بن أنس بالأندلس، أخبركم أبو العباس أحمد ابن الحسن الرازي بمكة، قال: سمعت أبا أحمد عبد الله بن عدي يقول: سمعت عدة مشايخ يحكون: أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداذ فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث؛ فقبلوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس؛ إلى كلرجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها، ومن البغداذيين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه؛ فما زال يلقى عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم غير ذلك يقضى على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه،

стр. 137

فلم يزل يلقى عليه واحداً بعد آخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب له الثالث، والرابع، إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه؛ فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث، والرابع، على الولاء حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل. وأخبرني أبو العباس العذري، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن ابن محمد الشافعي، قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: أنشدني ابن عائشة: لأشكرنك معروفاً هممت به ... لأن همك بالمعروف معروف ولا أذم وإن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف كذا وقع؛ وأنا أظن أن في الإسناد نقصاناً. وأخبرنا أبو العباس العذري، قال: حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيدى، قال: حدثنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافى، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: لما وصل المأمون إلى بغداذ وقر بها، قال ليحيى ابن أكثم: وددت أنى وجدت رجلاً مثل الأصمعي ممن عرف أخبار العرب وأيامها وأشعارها، فيصحبنى كما صحب الأصمعي الرشيد؛ فقال له يحيى: ها هنا شيخ يعرف هذه الأخبار، يقال له عتاب بن ورقاء من بني شيبان، قال: فابعث لنا فيه يجئنى، فبعث فحضر فقال له يحيى: إن أمير المؤمنين يرغب في حضورك مجلسه ومحادثته، فقال: أنا شيخ كبير، ولا طاقة

стр. 138

لي لأنه قد ذهب مني الأطيبان، فقال له المأمون: لابد من ذلك، فقال الشيخ: فاسمع ما حضرني، فقال اقتضاباً: أبعد ستين أصبوا ... والشيب للمرء حرب شيب وسن وإثم ... أمر لعمرك صعب يابن الإمام فهلا ... أيام عودى رطب وإذا شفاء الغواني ... مني حديث وقرب وإذ مشيبى قليل ... ومنهل العيش عذب فالآن لما رأى بي ... عواذلي ما أحبوا آليت أشرب راحاً ... ما حج لله ركب فقال المأمون: ينبغي أن تكتب بالذهب، وأمر له بجائزة وتركه. أحمد بن عمرو بن منصور الإلبيري صاحب صلاة إلبيرة وخطيبها، فقيه، محدث، عالم، صالح يفهم الحديث، ويعرف الرجال، ويحفظ، وهو من موالى بنى أمية، وله رحلة لقى فيها محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني بمصر، وروى عنه مسنده، وسمع يونس بن عبد الأعلى، وغيره. مات بالأندلس سنة اثنتى عشرة وثلاث مائة. روى عنه خالد بن سعد وغيره. أخبرنا أبو محمد على بن أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سلمة، قال: أخبرني أحمد بن خليل، قال: حدثنا خالد بن سعد، قال: أخبرني أحمد بن عمرو بن منصور صاحب صلاة إلبيرة، وكان من الصالحين، قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سئل مالك عن الإمام هل يرفع يديه عند الركوع؟ فقال: نعم! قيل له: وبعد ما يرفع رأسه من الركوع؟ قال: إنه ليومر بذلك. قال خالد: وصلى بنا أحمد بن عمر وبحاضرة مدينة إلبيرة، وكان من

стр. 139

الخطباء، فرأيته يرفع يديه عند كل خفض ورفع؛ وأخبرني أنه رأى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم بمصر يرفع يديه عند كل خفض ورفع؛ وكان أخوه محمد يصلي إلى جنبه فكان ربما رفع، وربما لم يرفع، فكلم في ذلك فقال: إني أنسى. أحمد بن عبادة بن علكدة بن نوح بن اليسع الرعيني، أبو عمر، محدث أندلسي، مات بها ليلة الجمعة لست بقين من رجب سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة. روى عن محمد بن وضاح، ومحمد بن عبد السلام الخشني، كان صاحب الصلاة بقرطبة. أحمد بن الفضل بن العباس الدينوري، أبو بكر المطوعى، سمع من جعفر بن محمد الفريابى، ومن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري كتابه في التاريخ المعروف بذيل المذيل، وكتاب صريح السنة له، وفضائل الجهاد، له ورسالته إلى أهل طبرستان المعروفة بالتبصير، وسمع من أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله ابن إسماعيل البغداذي يعرف بابن أبي الثلج، كتابه في الحول، وسمع من أبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا بن يحيى بن صالح بن عاصم بن زفر بن العلاء بن أسلم العدوي البصري أحاديثه عن خراش مولى أنس بن مالك، وهي أربعة عشر أحاديثاً، ودخل الأندلس قبل الخمسين وثلاث مائة، وحدث بهذه الكتب، ومن آخر من حدث عنه هنالك: أبو الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن التاهرتى، وأبو عمر أحمد ابن محمد بن الجسور. أخبرنا أبو عمر بن عبد البر، قال: حدثانى بأحاديث خراش، عن الدينوي، عن العدوى، عن خراش، وقد حدث عنه أبو القاسم خلف بن هانى الأندلسى، في سنة اثنين وأربع مائة، ورأيت سماعه عليه سنة ست وأربعين وثلاث مائة في جامع

стр. 140

قرطبة، وهو يومئذ ابن ثمان وسبعين سنة. أحمد بن فتح بن عبد الله التاجر، رحل فسمع بمصر من حمزة بن محمد الكناني، وأبي العباس أحمد بن الحسن بن عتبة المزازي، وأبي الحسن محمد ابن عبد الله بن زكريا بن حيويه النيسابوري، وأبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان، وأبي الفضل صالح بن عبد الصمد بن معروف الصواف، وأبي محمد جعفر ابن أحمد بن عبد بن سليمان البزاز، وأبي الحسن علي بن محمد بن مسرور، وأبي محمد عبد الله بن أحمد بن حامد البغداذي نزيل مصر، وإبراهيم بن علي بن غالب؛ وسمع من أبي محمد عبد الله بن أبي زيد بالقيروان، وحدث بالأندلس، فروى عنه جماعة من أهلها؛ منهم الفقيه أبو عمر بن عبد البر توفى قريباً من الأربع مائة. أخبرنا أبو عمر بن عبد البر بكتاب الدار ومقتل عثمان لعمر بن شبة النميري في سبعة أجزاء، قال: حدثني به أحمد بن؟ فتح التاجر، عن أبي محمد عبد الله ابن أحمد بن حامد البغداذي بمصر، عن محمد بن سهل بن الفضل الكاتب، عن عمر بن شبة. أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن التاهرتى البزاز، أبو الفضل ولد بتاهرت، وأتى مع أبيه صغيراً إلى الأندلس، وكان أبوه من جلساء أبي بكر بن حماد التاهرتى وممن أخذ عنه. قاله أبو محمد علي بن أحمد؛ وقد روى عنه أبو عمران الفاسى موسى ابن عيسى بن أبي حاج، فقيه القيروان؛ وقال أبو عمر بن عبد البر سمع أبو الفضل التاهرتى من ابن أبي دليم، وقاسم بن أصبغ، ووهب

стр. 141

بن مسرة، ومحمد بن معاوية القرشى، وأبي بكر الدينوري؛ وكان ثقة فاضلاً اختص بالقاضى منذر بن سعيد، وسمع منه تواليفه كلها. قال أبو عمر: وقد لقيته وسمعت كثيراً منه. أخبرنا أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري، قال: حدثني أحمد بن قاسم التاهرتى بكتاب صريح السنة لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وبكتاب فضائل الجهاد له، وبرسالته إلى أهل طبرستان المعروفة بالتبصير عن أبي بكر أحمد ابن الفضل الدينوري، عن الطبري. أحمد بن قاسم بن عيسى أبو العباس المقرى، قال لي أبو محمد على ابن أحمد: هو المعروف بأبى العباس الاقليشى، منسوب إلى أقليش بلدة من أعمال طليطلة، كان يختلف معنا إلى ابن الجسور، له رحلة دخل فيها بغداذ وغيرها؛ وهو ثقة فاضل. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد سمع من أبي القاسم عبيد الله بن محمد ابن حبابة حديث علي بن الجعد، وسمعناه منه، وكتبت عنه منثوراً كثيراً، وكتب عنى ﵀. أحمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ البياني أبو عمرو محدث من أهل بيت حديث، يروى عن أبيه عن جده قاسم بن أصبغ، روى عنه أبو محمد علي بن أحمد. أخبرنا أبو محمد، قال: أخبرنا أبو عمر وأحمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ قال: حدثني أبي، قال: حدثني جدي قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا مضر بن محمد، قال: سألت يحيى بن معين: أي شيء يصح في إفطار الحاجم والمحجوم؟ فقال: ما يصح فيه شيء. أنشدني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أنشدني أبو عمرو البياني:

стр. 142

إذا القرشى لم يشبة قريشاً ... بفعلهم الذي بذ الفعالا فتيس من تيوس بني تميم ... بذي العبلات أحسن منه حالا أحمد بن كليب النحوي، أديب شاعر مشهور الشعر، ولا سيما شعره في أسلم وكان قد أفرط في حبه حتى أداه ذلك إلى موته، وخبره في ذلك طريف. حدثني أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجي، قال: كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحوي في جماعة، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد بن قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز، صاحب المزني والربيع، قال محمد بن الحسن: وكان من أجمل من رأته العيون، وكان يجىء معنا إلى محمد بن خطاب أحمد بن كليب، وكان من أهل الأدب البارع، والشعر الرائق، فاشتد كلفه بأسلم، وفارق صبره، وصرف فيه القول متستراً بذلك إلى أن فشت اشعاره فيه وجرت على الألسنة، وتنوشدت في المحافل؛ فلعهدى بعرس في بعض الشوارع بقرطبة، والنكوري الزامر قاعد في وسط الحفل، وفي رأسه قلنسوة وشى وعليه ثوب خز عبيدى، وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه. وكان فيما مضى يزمر لعبد الرحمن الناصر، وهو يزمر في البوق بقول أحمد بن كليب في أسلم: أسلمنى في هوا ... هـ أسلم هذا الرشا غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد ... سيسأل عما وشى ولو شاء أن يرتشى ... على الوصل روحى ارتشى

стр. 143

ومغن محسن يسايره فيها؛ قال: فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب، ولزم بيته والجلوس على بابه، فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائراً، ومقبلا نهاره كله فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهاراً، فإذا صلى المغرب واختلط الظلام، خرج مستروحاً، وجلس على باب داره، فعيل صبر أحمد بن كليب، فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة من جباب أهل البادية، واعتم بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى يديه دجاجاً، وبالأخرى قفصاً فيه بيض، وتحين جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه، فتقدم إليه وقبل يده، وقال يأمر مولاى بأخذ هذا، فقال له أسلم: ومن أنت؟ فقال: صاحبك في الضيعة الفلانية، وقد كان تعرف أسماء ضياعه، وأصحابه فيها، فأمر أسلم بأخذ ذلك منه، ثم جعل أسلم يسأله عن الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام وتأمله فعرفه، فقال له: يا أخي! وهنا بلغت بنفسك، وإلى ها هنا تبعتنى، أما كفاك انقطاعى عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملة، وعن القعود على بابى نهاراً؟ حتى قطعت علي جميع ما لي فيه راحة، فقد صرت من سجنك. والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي، ولا قعدت ليلاً ولا نهاراً على بابي؛ ثم قام، وانصرف أحمد بن كليب كئيباً حزيناً؛ قال محمد بن الحسن: واتصل ذلك بنا، فقلنا لأحمد بن كليب، وخسرت دجاجك وبيضك؟ فقال: هات كل ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك؛ قال: فلما يئس من رؤيته ألبتة نهكته العلة، وأضجعه المرض؛ قال محمد بن الحسن: فأخبرني أبو عبد الله محمد بن خطاب شيخنا، قال: فعدته فوجدته بأسوأ حال، فقلت له: ولم لا تتداوى؟ فقال: دوائى معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم في ألبتة، فقلت له: وما دواؤك؟ فقال: نظرة من أسلم، فلو سعيت في أن يزورني

стр. 144

لأعظم الله أجرك بذلك، وكان هو والله أيضا يؤجر، قال: فرحمته وتقطعت نفسي له، ونهضت إلى أسلم، فاستأذنت عليه، فأذن لي وتلقاني بما يجب، فقلت له: لي حاجة، قال: وما هي؟ قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي، فقال: نعم، ولكن قد تعلم أنه برح بي، وشهر اسمى، وآذاني، فقلت له كل ذلك يغتفر في مثل الحال التي هو فيها، والرجل يموت، فتفضل بعيادته، فقال: والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلفنى هذا، فقلت له: لابد، فليس عليك في ذلك شيء وإنما هي عيادة مريض، قال: ولم أزل به حتى أجاب، فقلت: فقم الآن، فقال لي: لست والله أفعل، ولكن غداً، فقلت له: ولا خلف، قال نعم: فانصرفت إلى أحمد بن كليب، وأخبرته بموعده بعد تأبيه، فسر بذلك، وارتاحت نفسه، قال: فلما كان الغد بكرت إلى أسلم وقلت له: الوعد، قال: فوجم وقال: والله لقد تحملنى على خطة صعبة علي، وما أدرى كيف أطيق ذلك؟ قال: فقلت له لابد من أن تفى بوعدك لي، قال: فأخذ رداءه ونهض معي راجلا، قال: فلما أتينا منزل أحمد بن كليب، وكان يسكن في آخر درب طويل، وتوسط الدرب، وقف واحمر وخجل، وقال لي: الساعة والله أموت، وما أستطيع أن أنقل قدمى، ولا أن أعرض هذا على نفسى، فقلت: لا تفعل، بعد أن بلغت المنزل تنصرف؟ قال: لا سبيل والله إلى ذلك ألبتة، قال: ورجع مسرعاً فاتبعته، وأخذت بردائه، فتمادى وتمزق الرداء، وبقيت قطعة منه في يدي لسرعته وإمساكى له، ومضى ولم أدركه، فرجعت ودخلت إلى أحمد بن كليب، وقد كان غلامه دخل عليه إذ رآنا من أول الدرب مبشراً، فلما رآني تغير وقال: وأين أبو الحسن؟ فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط، وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الترجع، فاستشنعت الحال، وجعلت أترجع وقمت،

стр. 145

فثاب إليه ذهنه وقال لي: أبا عبد الله! قلت: نعم. قال: اسمع مني واحفظ عني، ثم أنشأ يقول: أسلم يا راحة العليل ... رفقاً على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادى ... من رحمة الخالق الجليل قال: فقلت له: اتق الله! ما هذه العظيمة، فقال لي قد كان؛ قال: فخرجت عنه، فو الله ما توسطت الدرب حتى سمعت الصراخ عليه، وقد فارق الدنيا. قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وهذه قصة مشهورة عندنا، ومحمد بن الحسن ثقة ومحمد بن خطاب ثقة. وأسلم هذا من بيت جليل، وهو صاحب الكتاب المشهور في أغاني زرياب، وكان شاعراً أديباً؛ وقد رأيت ابنه أبا الجعد. قال أبو محمد: لقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد الله محمد بن سعيد الخولاني الكاتب، فعرفها، وقال لي: لقد أخبرني الثقة أنه رأى أسلم هذا في يوم شديد المطر، لا يكاد أحد يمشى في طريق، وهو قاعد على قبر أحمد بن كليب زائراً له، وقد تحين غفلة الناس في مثل ذلك الوقت. وقال لنا أبو محمد: وحدثني أبو محمد قاسم بن محمد القرشي، قال: كتب ابن كليب محمد إلى ابن خطاب شعراً يتغزل فيه بأسلم فعرضه ابن خطاب على أسلم، فقال: هذا ملحون وكان ابن كليب قد أسقط التنوين في لفظة في بيت من الشعر، قال: فكتب ابن خطاب بذلك إلى ابن كليب، فكتب إليه ابن كليب مسرعاً: ألحق لي التنوين في مطمع ... فإنني أنسيت إلحاقه
следующие страницы →