← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 5748

تنوير الغبش في فضل السودان والحبش

ابن الجوزي

Полный текст (233 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

[٥٩] قَالَ ابْن سعد: وَأخْبرنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم قَالَ ثَنَا قُرَّة بن خَالِد قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن سِيرِين قَالَ: بلغت النَّخْلَة على عهد عُثْمَان بن عَفَّان [﵁] ألف دِرْهَم، قَالَ: فَعمد أُسَامَة إِلَى نَخْلَة فنقرها، فَأخْرج جمارها فأطعمه أمه، فَقَالُوا لَهُ: مَا يحملك على هَذَا وَأَنت ترى النَّخْلَة قد بلغت ألف دِرْهَم؟ قَالَ: إِن أُمِّي سألتنيه وَلَا تَسْأَلنِي شَيْئا أقدر عَلَيْهِ إِلَّا أعطيتهَا. قَالَ الْوَاقِدِيّ: قبض النَّبِي ﷺ َ - وَأُسَامَة ابْن عشْرين سنة، وَكَانَ قد سكن بعد النَّبِي ﷺ َ - وَادي الْقرى ثمَّ نزل الْمَدِينَة، فَمَاتَ بالجرف فِي آخر خلَافَة مُعَاوِيَة. قَالَ الزُّهْرِيّ: حمل أُسَامَة حِين مَاتَ من الجرف إِلَى الْمَدِينَة. (أَبُو بكرَة واسْمه: نفيع) لما حاصر رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - الطَّائِف نَادَى مناديه: أَيّمَا عبد نزل من الْحصن وَخرج إِلَيْنَا فَهُوَ حر، فَخرج جمَاعَة مِنْهُم أَبُو بكرَة، نزل فِي بكرَة، فَقيل: أَبُو بكرَة. فَهُوَ يعد من موَالِي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -

стр. 107

(أسلم الْأسود) كَانَ غُلَاما لرجل من بني نَبهَان من طَيئ، بَعثه طَيئ ربية، فَلَمَّا ورد عَليّ بن أبي طَالب بِلَادهمْ أَخذ أَصْحَابه هَذَا العَبْد وأوثقوه وخوفوه الْقَتْل، فَأسلم وَشهد مَعَ خَالِد الْيَمَامَة. (مغيث زوج بَرِيرَة) [٦٠] روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ زوج بَرِيرَة عبدا أسود يُقَال لَهُ: مغيث عبدا لبني فلَان كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ يطوف وَرَاءَهَا فِي سِكَك الْمَدِينَة، ودموعه تسيل على لحيته، فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - للْعَبَّاس: " يَا عَبَّاس، أَلا تعجب من حب مغيث بَرِيرَة وَمن بغض بَرِيرَة مغيثا ". فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " أَو راجعتيه ". فَقَالَت: يَا رَسُول اللَّهِ، تَأْمُرنِي؟ قَالَ: " إِنَّمَا أشفع ". قَالَت: فَلَا حَاجَة لي فِيهِ.

стр. 108

[٦١] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا أَبُو عمر بن حيوية قَالَ أنبأ أَبُو بكر مُحَمَّد بن خلف بن الْمَرْزُبَان قَالَ نَا مُحَمَّد بن الْهَيْثَم قَالَ ثَنَا يُوسُف بن عدي عَن سعيد وَأَيوب عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا أسود [مولى] لبني الْمُغيرَة، وَالله لكَأَنِّي بِهِ فِي أَطْرَاف الْمَدِينَة ونواحيها وَإِن دُمُوعه لتجري على لحيته يتبعهَا يَتَرَضَّاهَا لتختاره، فَلم تفعل.

стр. 109

(سعد الْأسود) [٦٢] أخبرنَا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الْملك قَالَ أَنا إِسْمَاعِيل ابْن مسْعدَة قَالَ أَنا حَمْزَة بن يُوسُف قَالَ أَنا أَبُو أَحْمد بن عدي قَالَ أَنا بهْلُول بن إِسْحَاق عَن بهْلُول الْأَنْبَارِي وَعبد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَالَا ثَنَا سُوَيْد بن سعيد (ح) وأنبأنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي طَاهِر الْبَزَّاز قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن المحسن التنوخي قَالَ أَنا أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْعَبَّاس قَالَ نَا عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَالَ نَا سُوَيْد بن سعيد قَالَ نَا مُحَمَّد بن عمر بن صَالح بن مَسْعُود الكلَاعِي قَالَ حَدثنِي الْحسن وَقَتَادَة عَن أنس بن مَالك قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله فَقَالَ: يمْنَع سوَادِي ودمامتي دُخُول الْجنَّة؟ قَالَ: " لَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا اتَّقَيْت اللَّهِ وَآمَنت بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُوله " قَالَ: فوالذي أكرمك بِالنُّبُوَّةِ لقد شهِدت أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَالْإِقْرَار بِمَا جَاءَ بِهِ من قبل أَن أَجْلِس مِنْك هَذَا

стр. 110

الْمجْلس بِثمَانِيَة أشهر، فَمَا لي يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَالَ: " لَك مَا للْقَوْم وَعَلَيْك مَا عَلَيْهِم، وَأَنت أخوهم ". قَالَ: فَلَقَد خطبت إِلَى عَامَّة من بحضرتك وَمن لَيْسَ مَعَك فردوني لسوادي ودمامة وَجْهي، وَإِنِّي لفي حسب من قومِي من بني سليم مَعْرُوف الْآبَاء، وَلَكِن غلب عَليّ سَواد أخوالي. قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " هَل شهد الْمجْلس الْيَوْم عَمْرو بن وهيب؟ " وَكَانَ رجلا من ثَقِيف قريب الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ - قَالُوا: لَا، قَالَ: " تعرف منزله؟ " قَالَ: نعم، قَالَ: " فَاذْهَبْ واقرع الْبَاب قرعا رَفِيقًا، ثمَّ سلم، فَإِذا دخلت عَلَيْهِ فَقل: زَوجنِي رَسُول الله ﷺ َ - فتاتكم. " وَكَانَت لَهُ ابْنة عاتق، وَكَانَ لَهَا حَظّ من جمال وعقل، فَلَمَّا أَتَى

стр. 111

الْبَاب قرع وَسلم، فرحبوا بِهِ وسمعوا لُغَة عَرَبِيَّة ففتحوا الْبَاب، فَلَمَّا رَأَوْا سوَاده ودمامة وَجهه انقبضوا عَنهُ، قَالَ: إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - زَوجنِي فتاتكم، فَردُّوا عَلَيْهِ ردا قبيحا، فَخرج الرجل، وَخرجت الْجَارِيَة من خدرها، وَقَالَت: يَا عبد اللَّهِ، ارْجع، فَإِن يَك رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - زوجنيك، فقد رضيت لنَفْسي مَا رَضِي اللَّهِ لي وَرَسُوله. فَأتى رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَأخْبرهُ، وَقَالَت لأَبِيهَا: يَا أبتاه، النجا النجا قبل أَن يفضحك الْوَحْي، فَإِن يَك رَسُول الله ﷺ َ - زوجنيه فقد رضيت مَا رَضِي لي رَسُول اللَّهِ، فَخرج الشَّيْخ حَتَّى أَتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَهُوَ فِي أدنى الْقَوْم مَجْلِسا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " أَنْت الَّذِي رددت على رَسُول اللَّهِ مَا رددت؟ " قَالَ: قد فعلت ذَلِك، وَأَسْتَغْفِر اللَّهِ، فظننا أَنه كَاذِب، فقد زوجناها إِيَّاه فنعوذ بِاللَّه من سخط اللَّهِ وَسخط رَسُول اللَّهِ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " اذْهَبْ إِلَى صَاحبَتك فَادْخُلْ بهَا ". قَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا آخذ شَيْئا حَتَّى أسأَل إخْوَانِي فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " مهر امْرَأَتك على ثَلَاثَة من الْمُؤمنِينَ، اذْهَبْ إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان فَخذ مِنْهُ مِائَتي دِرْهَم، فَأعْطَاهُ وزاده، واذهب إِلَى عَليّ بن أبي طَالب

стр. 112

فَخذ مِنْهُ مائَة دِرْهَم، فَأعْطَاهُ وزاده، واذهب إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَخذ مائَة دِرْهَم، فَأعْطَاهُ وزاده. وَاعْلَم أَنَّهَا لَيست بِسنة جَارِيَة وَلَا بفريضة فَمن شَاءَ فليتزوج على الْقَلِيل وَالْكثير، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي السُّوق مَعَه مَا يَشْتَرِي لزوجته ينظر مَا يجهزها بِهِ إِذْ سمع صَوتا يُنَادي: يَا خيل اللَّهِ ارْكَبِي وَأَبْشِرِي، فَنظر نظرة إِلَى السَّمَاء ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِلَه السَّمَاء وإله الأَرْض وَرب مُحَمَّد لأجعلن هَذِه الدَّرَاهِم الْيَوْم فِيمَا يحب اللَّهِ وَرَسُوله والمؤمنون، وانتفض انتفاضة الْفرس الْعرق فَاشْترى سَيْفا ورمحا وفرسا، وَاشْترى جُبَّة وَشد عمَامَته على بَطْنه، واعتجر بِالْأُخْرَى، فَلم تَرَ مِنْهُ إِلَّا حماليق عَيْنَيْهِ حَتَّى وقف على الْمُهَاجِرين فَقَالُوا: من هَذَا الْفَارِس الَّذِي لَا نعرفه؟ فَقَالَ لَهُم عَليّ بن أبي طَالب: كفوا عَن الرجل فَلَعَلَّهُ مِمَّن طَرَأَ عَلَيْكُم من قبل الْبَحْرين أَو من قبل الشَّام حَتَّى يسألكم عَن معالم دينه فَأحب أَن يواسيكم الْيَوْم بِنَفسِهِ، إِذْ رَآهُ رَسُول اللَّهِ فَقَالَ ": من هَذَا الْفَارِس الَّذِي لم يأتنا؟ " فرغبن فِي الْجِهَاد إِذا اقتحمت الكتيبتان فَجعل يضْرب بِسَيْفِهِ، ويطعن برمحه قدما قدما، إِذْ قَامَ بِهِ فرسه، فَنزل عَنهُ وحسر عَن ذِرَاعَيْهِ، فَلَمَّا رأى رَسُول اللَّهِ سَواد ذِرَاعَيْهِ عرفه، فَقَالَ: " أسعد "؟

стр. 113

قَالَ: سعد: فدَاك أبي وَأمي يَا رَسُول اللَّهِ. قَالَ: " سعد جدك "، فَمَا زَالَ يضْرب بِسَيْفِهِ ويطعن برمحه، إِذْ قَالُوا: صرع سعد، فَخرج رَسُول اللَّهِ نَحوه، فَرفع رَأسه فَوَضعه فِي حجره فَأخذ يمسح عَن وَجهه التُّرَاب بِثَوْبِهِ. وَقَالَ: " مَا أطيب رِيحك، وَأحسن وَجهك، وَأَحَبَّك إِلَى اللَّهِ [ ] وَإِلَى رَسُوله " وَبكى رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - ثمَّ ضحك، ثمَّ أعرض عَنهُ بِوَجْهِهِ، ثمَّ قَالَ: " ورد الْحَوْض وَرب الْكَعْبَة " فَقَالَ أَبُو لبَابَة: " بِأبي أَنْت وَأمي، مَا الْحَوْض؟ قَالَ: " حَوْض أعطانيه رَبِّي [ ] مَا بَين صنعاء إِلَى بصرى، حافتاه مكلل بالدر والياقوت، آنيته كعدد نُجُوم السَّمَاء مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل، من شرب مِنْهُ شربة لم يظمأ بعْدهَا أبدا " قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، رَأَيْنَاك بَكَيْت وضحكت ورأيناك أَعرَضت بِوَجْهِك، فَقَالَ: " أما بُكَائِي فشوقا إِلَى سعد، وَأما ضحكي فَفَرِحت لَهُ بِمَنْزِلَتِهِ من اللَّهِ وكرامته عَلَيْهِ. وَأما إعراضي فَإِنِّي رَأَيْت أَزوَاجه من الْحور الْعين يتبادرون كاشفات

стр. 114

سوقهن بارزات خلاخيلهن، فَأَعْرَضت حَيَاء مِنْهُنَّ ". قَالَ: وَأمر بسلاحه وَمَا كَانَ لَهُ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى زَوجته وَقُولُوا لَهَا: " إِن اللَّهِ قد زوجه خيرا من فتاتكم، وَهَذَا مِيرَاثه، " وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِنِّي لأذب عَن الْحَوْض كَمَا يذب الْبَعِير الأجرب عَن الْإِبِل أَن تخالطها، إِنَّه لَا يرد على حَوْضِي إِلَّا التقي ". قَالَ أَبُو عبد اللَّهِ الصُّورِي: هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث الْحسن وَقَتَادَة، وَلَا أعلم حدث بِهِ عَنْهُمَا غير مُحَمَّد بن عمر الكلَاعِي وَلَا رَأَيْته عَنهُ إِلَّا من حَدِيث سُوَيْد بن سعيد.

стр. 115

(يسَار الْأسود) [٦٣] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أَنا الْحسن ابْن مُحَمَّد الْخلال قَالَ: كتب إِلَيّ أَحْمد بن عَليّ بن هِشَام يذكر أَن عبد اللَّهِ بن زَيْدَانَ حَدثهمْ قَالَ نَا أَحْمد بن حَازِم قَالَ نَا الحكم بن سُلَيْمَان الْجبلي قَالَ ثَنَا سيف بن عمر عَن مُوسَى بن عقيل الْبَصْرِيّ عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: دخلت على النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ لي: " يَا أَبَا هُرَيْرَة، يدْخل عَليّ من هَذَا الْبَاب السَّاعَة رجل من أحد السَّبْعَة الَّذين يدْفع اللَّهِ [ ] عَن أهل الأَرْض بهم ". فَإِذا حبشِي قد طلع من ذَلِك الْبَاب، أجدع على رَأسه جرة من مَاء فَقَالَ رَسُول الله: " هُوَ هَذَا ". قَالَ: وَقَالَ رَسُول الله - ثَلَاث مَرَّات -: " مرْحَبًا بيسار " قَالَ: وَكَانَ يرش الْمَسْجِد ويكنسه.

стр. 116

(جُلَيْبِيب) قَالَ المُصَنّف: ذكر أَنه كَانَ أسود. [٦٤] أخبرنَا أَبُو بكر بن أبي طَاهِر الْبَزَّار قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا أَبُو عَمْرو بني حيوية قَالَ أَنا أَحْمد بن مَعْرُوف قَالَ نَا الْحُسَيْن بن الْفَهم قَالَ نَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ أَنا عَارِم قَالَ ثَنَا حَمَّاد بن سَلمَة قَالَ نَا ثَابت عَن كنَانَة بن نعيم الْعَدوي عَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ أَن جليبيباكان امْرأ من الْأَنْصَار، وَكَانَ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - إِذا كَانَ لأَحَدهم أيم لم يُزَوّجهَا حَتَّى يعلم ألرسول اللَّهِ فِيهَا حَاجَة أم لَا، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ذَات يَوْم لرجل من الْأَنْصَار: " يَا فلَان، زَوجنِي ابْنَتك ". قَالَ: نعَم ونعُم عين، قَالَ: " إِنِّي لست لنَفْسي أريدها ". قَالَ: فَلِمَنْ؟ قَالَ: " لجليبيب ". قَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ، حَتَّى أَستَأْمر أمهَا، فَأَتَاهَا فَقَالَ: إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - يخْطب ابْنَتك، قَالَت: نعَم ونعُم عين، زوج رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -، قَالَ: إِنَّه

стр. 117

لَيْسَ لنَفسِهِ يريدها، قَالَت: فَلِمَنْ؟ قَالَ: لجليبيب، قَالَت: حلقي ألجليبيب ﴿لَا، لعمر اللَّهِ لَا أزوج جليبيبا. فَلَمَّا قَامَ أَبوهَا ليَأْتِي النَّبِي ﷺ َ - قَالَت الفتاة من خدرها لأبويها: من خطبني إلَيْكُمَا؟ قَالَا: رَسُول اللَّهِ، قَالَت: أفتردون على رَسُول الله أمره﴾ ادفعوني إِلَى رَسُول اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ لن يضيعني، فَذهب أَبوهَا إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ: " شَأْنك بهَا فَزَوجهَا جليبيبا ". قَالَ إِسْحَاق بن عبد اللَّهِ بن أبي طَلْحَة لِثَابِت: أَتَدْرِي مَا دَعَا لَهَا بِهِ النَّبِي؟ قَالَ: " اللَّهُمَّ صب عَلَيْهَا الْخَيْر صبا صبا، وَلَا تجْعَل عيشها كدا " قَالَ ثَابت: فَزَوجهَا إِيَّاه فَبينا رَسُول اللَّهِ فِي مغزى لَهُ قَالَ: هَل تَفْقِدُونَ من أحد؟ " قَالُوا: نفقد فلَانا ونفقد فلَانا، ثمَّ قَالَ: " هَل تَفْقِدُونَ من أحد؟ " قَالُوا: نفقد فلَانا ونفقد فلَانا، ثمَّ قَالَ: " هَل تَفْقِدُونَ من أحد؟ " قَالُوا: لَا قَالَ: " لكني أفقد جليبيبا، فاطلبوه فِي الْقَتْلَى " فنظروا فوجدوه إِلَى جنب سَبْعَة قد قَتلهمْ ثمَّ قَتَلُوهُ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " هَذَا مني وَأَنا مِنْهُ، قتل سَبْعَة ثمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مني وَأَنا مِنْهُ ".

стр. 118

فَوَضعه رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - على ساعديه، ثمَّ حفروا لَهُ، مَا لَهُ سَرِير إِلَّا ساعدي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - حَتَّى وَضعه فِي قَبره. قَالَ ثَابت: فَمَا فِي الْأَنْصَار أيم أنْفق مِنْهَا. قَالَ ابْن سعد: وَسمعت من يذكر أَن جليبيبا كَانَ رجلا من بني ثَعْلَبَة حليفا فِي الْأَنْصَار، وَالْمَرْأَة الَّتِي زَوجهَا النَّبِي إِيَّاه من بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج. (صَحَابِيّ حبشِي) [٦٥] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك قَالَ أَنبأَنَا الْجَوْهَرِي عَن الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي حَاتِم التنيسِي قَالَ أَنا الْحسن بن سُفْيَان قَالَ نَا مُحَمَّد ابْن عبد اللَّهِ بن عمار قَالَ نَا عفيف بن سَالم عَن أَيُّوب عَن عتبَة عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: جَاءَ رجل من الْحَبَشَة إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ -: " سل واستفهم ". فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ، فضلْتُمْ علينا بالصورة والألوان والنبوة، أَفَرَأَيْت إِن آمَنت بِمثل مَا آمَنت بِهِ وعملت بِمثل مَا عملت بِهِ أَنِّي كَائِن مَعَك فِي الْجنَّة؟ قَالَ:

стр. 119

" نعم " ثمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّه ليرى بَيَاض الْأسود فِي الْجنَّة مسيرَة ألف عَام ". ثمَّ قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " وَمن قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ كَانَ لَهُ بهَا عِنْد اللَّهِ عهد، وَمن قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ كتب لَهُ مائَة ألف حَسَنَة وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف حَسَنَة ". فَقَالَ رجل: كَيفَ نهلك بعد هَذَا يَا رَسُول اللَّهِ؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - " إِن الرجل ليَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِالْعَمَلِ لَو وضع على جبل لأثقله " قَالَ: " فتقوم النِّعْمَة من نعم اللَّهِ فيكاد يستفذه ذَلِك إِلَّا أَن ينْطق اللَّهِ برحمته ". قَالَ: ثمَّ نزلت هَذِه السُّورَة ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر﴾ إِلَى قَوْله : ﴿وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت نعيما وملكا كَبِيرا﴾ ، قَالَ الحبشي: وَإِن عَيْني لتريان مَا ترى عَيْنَاك فِي الْجنَّة؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " نعم ". فاستبكى الحبشي حَتَّى فاضت نَفسه، قَالَ: فَلَقَد رَأَيْت رَسُول اللَّهِ

стр. 120

- ﷺ َ - يدليه فِي حفرته بِيَدِهِ. (صَحَابِيّ أسود) روى أَبُو طَاهِر بن العلاف فِي كِتَابه الْمُسَمّى بِكِتَاب [زهر] الرياض أَن حَبَشِيًّا أَتَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي كنت أعمل الْفَوَاحِش، فَهَل لي من تَوْبَة؟ قَالَ: " نعم ". فولى ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَكَانَ اللَّهِ يراني وَأَنا أعملها؟ قَالَ: " نعم، يَا حبشِي ". فصاح الحبشي صَيْحَة خرجت مِنْهَا نَفسه.

стр. 121

(الْبَاب الثَّامِن عشر) (فِي ذكر أَشْرَاف السوداوات من الصحابيات أم أَيمن مولاة رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وحاضنته) وَاسْمهَا بركَة ورثهَا من أَبِيه، وَكَانَت سَوْدَاء فَأعْتقهَا حِين تزوج خَدِيجَة، فَتَزَوجهَا عبد اللَّهِ بن زيد فَولدت لَهُ أَيمن، وَتَزَوَّجت بعده زيد بن حَارِثَة، فَولدت لَهُ أُسَامَة. [٦٦] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر قَالَ أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا ابْن حيوية قَالَ ثَنَا أَحْمد بن مَعْرُوف قَالَ أَنا الْحُسَيْن بن الْفَهم قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ أَنا ابْن أُسَامَة - يَعْنِي حَمَّاد بن أُسَامَة - عَن جرير بن حَازِم قَالَ: سَمِعت عُثْمَان بن الْقَاسِم يحدث قَالَ: لما هَاجَرت أم أَيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء، فعطشت فدلي عَلَيْهَا من السَّمَاء دلو من مَاء برشاء أَبيض، فَأَخَذته فَشَربته حَتَّى رويت، وَكَانَت تَقول: مَا أصابني بعد ذَلِك عَطش، وَلَقَد تعرضت للعطش بِالصَّوْمِ فِي الهواجر فَمَا

стр. 122

عطشت بعد تِلْكَ الشربة. قَالَ المُصَنّف: وَكَانَ النَّبِي ﷺ َ - يكرمها ويمازحها، قَالَت لَهُ يَوْمًا: احملني، قَالَ: " أحملك على ولد النَّاقة ". قَالَت: لَا يطيقني. قَالَ: " لَا أحملك إِلَّا على ولد النَّاقة ". وَكَانَت تدل على رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وتخاصمه فيحتملها. وَكَانَ أَبُو بكر وَعمر يزورانها بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -، وَكَانَت تبْكي وَتقول: إِنَّمَا أبْكِي لخَبر السَّمَاء كَيفَ انْقَطع عَنَّا. وَحَضَرت أحدا وَكَانَت تَسْقِي المَاء وتداوي الْجَرْحى، وَشهِدت حنينا، وَتوفيت فِي خلَافَة عُثْمَان، وَقيل فِي خلَافَة أبي بكر [﵂]

стр. 123

(أم زفر) [٦٧] روى البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: قَالَ لي ابْن عَبَّاس: أَلا أريك امْرَأَة من أهل الْجنَّة؟ قلت: بلَى، قَالَ: هَذِه الْمَرْأَة السَّوْدَاء أَتَت النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَت: إِنِّي أصرع وَإِنِّي أتكشف فَادع اللَّهِ لي قَالَ: " إِن شِئْت صبرت وَلَك الْجنَّة، وَإِن شِئْت دَعَوْت اللَّهِ أَن يعافيك ". قَالَت: أَصْبِر، وَقَالَت: فَإِنِّي أتكشف، فَادع الله أَن لَا أنكشف. فَدَعَا لَهَا. (جَارِيَة من الصحابيات) [٦٨] أخبرنَا عبد الأول قَالَ أَنا ابْن المظفر الدَّاودِيّ قَالَ ثَنَا ابْن أعين قَالَ نَا الْفربرِي قَالَ نَا البُخَارِيّ قَالَ نَا فَرْوَة بن أبي المغراء قَالَ ثَنَا عَليّ بن مسْهر عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة [﵂] قَالَت: أسلمت

стр. 124

امْرَأَة سَوْدَاء لبَعض الْعَرَب، وَكَانَ لَهَا حفش فِي الْمَسْجِد قَالَت: فَكَانَت تَأْتِينَا فتتحدث عندنَا، فَإِذا فرغت من حَدِيثهَا قَالَت: (وَيَوْم الوشاح من تعاجيب رَبنَا ... أَلا إِنَّه من بَلْدَة الْكفْر أنجاني) فَلَمَّا أكثرت قلت لَهَا: وَمَا يَوْم الوشاح؟ قَالَت: خرجت جوَيْرِية لبَعض أَهلِي وَعَلَيْهَا وشاح من أَدَم فَيسْقط مِنْهَا، فانحطت عَلَيْهِ الحدياء وَهِي تحسبه لَحْمًا فَأَخَذته فاتهموني بِهِ فعذبوني حَتَّى بلغ من أَمْرِي أَنهم طلبوه فِي قبلي، فَبَيْنَمَا هم حَولي وَأَنا فِي كربي إِذا أَقبلت الحديا حَتَّى وازت رؤوسنا ثمَّ ألقته فَأَخَذُوهُ، فَقلت لَهُم: هَذَا الَّذِي اتهمتموني بِهِ وَأَنا مِنْهُ بريئة. (ذكر صحابية سَوْدَاء) [٦٩] أَنبأَنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أَنا جَعْفَر بن مُحَمَّد قَالَ: ثَنَا عبد الْعَزِيز بن عَليّ بن حمدَان أخْبرهُم إجَازَة قَالَ: أَنا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن

стр. 125

الْحسن بن هَارُون بن بدينا قَالَ: أمْلى علينا مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ ابْن عمار الْموصِلِي قَالَ: ثَنَا الْمعَافى عَن عبد الحميد بن بهْرَام قَالَ: ثَنَا شهر عَن عبد اللَّهِ بن شَدَّاد أَن النَّبِي ﷺ َ - خرج إِلَى بطحاء من الْمَدِينَة فَإِذا النَّاس ينطلقون إِلَى رجل من كبراء الْمَدِينَة يعودونه من مرض، فَانْطَلق وَأَصْحَابه حَتَّى مروا ببطحاء، فَإِذا هم بزنجية قد علق ولدان الْمَدِينَة فِي رجلهَا حبلا فهم يسحبونها فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - لأَصْحَابه: " أَتَرَوْنَ هَذِه الزنجية؟ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لهي خير من ملْء الأَرْض مثل صَاحبكُم الَّذِي تساقون إِلَيْهِ ".

стр. 126

(الْبَاب التَّاسِع عشر) (فِي ذكر المبرزين فِي الْعلم من السودَان فَمن أهل مَكَّة:) (عَطاء بن أبي رَبَاح) وَاسم أبي رَبَاح أسلم، أَخذ الْعلم عَن ابْن عمر وَأبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَغَيرهم، وفَاق فِي الْعلم والنسك. [٧٠] أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن أَحْمد السَّمرقَنْدِي قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ الطَّبَرِيّ قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْفضل قَالَ: أَنا عبد اللَّهِ ابْن جَعْفَر قَالَ: أَنا يَعْقُوب بن سُفْيَان قَالَ: نَا الْفضل بن زِيَاد قَالَ: سَمِعت أَبَا عبد اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمد بن حَنْبَل - يَقُول: الْعلم خَزَائِن يقسم اللَّهِ [تَعَالَى] لمن أحب، كَانَ عَطاء بن أبي رَبَاح حَبَشِيًّا. [٧١] أخبرنَا عبد الْحق بن عبد الْخَالِق قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن مَرْزُوق

стр. 127

قَالَ: أَنا أَحْمد بن عَليّ [ثَابت] الْخَطِيب قَالَ: أَنا أَحْمد بن أبي جَعْفَر الْقطيعِي قَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الخراز قَالَ: ثَنَا أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان ابْن إِسْحَاق الْجلاب قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: كَانَ عَطاء بن أبي رَبَاح عبدا أسود لأمرأة من أهل مَكَّة، وَكَانَ أَنفه كَأَنَّهُ باقلاة، وَجَاء سُلَيْمَان بن عبد الْملك إِلَى عَطاء هُوَ وابناه فجلسوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا صلى انْفَتَلَ إِلَيْهِم، فَمَا زَالُوا يسألونه عَن مَنَاسِك الْحَج، قد حول قَفاهُ إِلَيْهِم، ثمَّ قَالَ سُلَيْمَان لابْنَيْهِ: قوما، فقاما، فَقَالَ: يَا بني لَا تنيا فِي طلب الْعلم، فَإِنِّي لَا أنسى ذلنا بَين يَدي هَذَا العَبْد الْأسود. [٧٢] سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي يَقُول: سَمِعت حمد بن أَحْمد يَقُول: سَمِعت أَحْمد بن عبد اللَّهِ الْحَافِظ يَقُول: سَمِعت سُلَيْمَان بن أَحْمد يَقُول: سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد الشَّافِعِي يَقُول: كَانَت الْحلقَة فِي الْفتيا بِمَكَّة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام لِابْنِ عَبَّاس، وَبعد ابْن عَبَّاس لعطاء ابْن أبي رَبَاح. [٧٣] أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر قَالَ: أَنا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ: نَا أَبُو عمر بن حيوية قَالَ ثَنَا أَحْمد بن مَعْرُوف قَالَ: أَنا الْحُسَيْن بن الْفَهم قَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ: أَنا الْفضل بن دُكَيْن قَالَ: نَا سُفْيَان عَن سَلمَة بن كهيل قَالَ: مَا رَأَيْت أحدا يُرِيد بِهَذَا الْعلم وَجه اللَّهِ غير هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة عَطاء وَطَاوُس، وَمُجاهد.

стр. 128

[٧٤] أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن أَحْمد قَالَ: أَنا عمر بن عبيد اللَّهِ الْبَقَّال قَالَ: أَنا أَبُو الْحُسَيْن بن بَشرَان قَالَ: ثَنَا عُثْمَان بن أَحْمد الدقاق قَالَ: نَا حَنْبَل قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد اللَّهِ قَالَ: ثَنَا سُفْيَان قَالَ: قَالَ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة: كَانَ عَطاء طَوِيل الصمت، فَإِذا تكلم يخيل إِلَيْنَا أَنه يُؤَيّد. [٧٥] أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن حسنون قَالَ: أَنا أَبُو مُحَمَّد بن أبي عُثْمَان قَالَ: أَنا القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن الْمُنْذر قَالَ: أَنا الْحُسَيْن بن صَفْوَان قَالَ: ثَنَا أَبُو بكر بن عبيد قَالَ: ثَنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ: أَنا يعلى بن عبيد قَالَ: دَخَلنَا على مُحَمَّد بن سوقة فَقَالَ: أحدثكُم بِحَدِيث لَعَلَّ اللَّهِ [تَعَالَى] ينفعكم بِهِ؛ فَإِنَّهُ قد نَفَعَنِي ثمَّ قَالَ: قَالَ لنا عَطاء ابْن أبي رَبَاح: يَا بني أخي، إِن من كَانَ قبلكُمْ كَانُوا يكْرهُونَ فضول الْكَلَام، وَكَانُوا يعدون فضوله مَا عدا كتاب اللَّهِ أَن يقرأه وَيَأْمُر بِمَعْرُوف أَو يُنْهِي عَن مُنكر أَو تنطق بحاجتك فِي معيشتك الَّتِي لَا بُد لَك مِنْهَا، أتنكرون أَن عَلَيْكُم حافظين، كراما كاتبين عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد، مَا يلفظ من قَول إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عتيد، أما يستحي أحدكُم أَن لَو نشرت صَحِيفَته الَّتِي أمل صدر نَهَاره، كَانَ أَكثر مَا فِيهَا لَيْسَ من أَمر دينه وَلَا دُنْيَاهُ؟ ﴿﴾

стр. 129

(موعظة عَطاء بن أبي رَبَاح هِشَام بن عبد الْمطلب) [٧٦] أَنبأَنَا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الْملك قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ أَخْبرنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن أَيُّوب القمي قَالَ أَنا أَبُو عبيد مُحَمَّد بن عمر المرزباني قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد الْكَاتِب قَالَ: ثَنَا عبد الله بن أبي سعيد الْوراق قَالَ نَا عمر بن شبة قَالَ: حَدثنِي سعيد بن مَنْصُور الرقي قَالَ: حَدثنِي عُثْمَان بن عَطاء الْخُرَاسَانِي قَالَ: انْطَلَقت مَعَ أبي وَهُوَ يُرِيد هشاما، فَلَمَّا قربنا مِنْهُ إِذا بشيخ أسود على حمَار عَلَيْهِ قَمِيص دنس، وجبة دنسة، وقلنسوة لاطية دنسة، وركاباه من خشب، فَضَحكت وَقلت لأبي: من هَذَا الْأَعرَابِي؟ قَالَ: اسْكُتْ، هَذَا سيد فُقَهَاء أهل الْحجاز، هَذَا عَطاء بن أبي رَبَاح، فَلَمَّا قرب نزل أبي عَن بغلته، وَنزل هُوَ عَن حِمَاره، فاعتنقا وتساءلا، ثمَّ عادا فركبا، وانطلقا حَتَّى وَقفا بِبَاب هِشَام، فَلَمَّا رَجَعَ أبي سَأَلته فَقلت: حَدثنِي مَا كَانَ مِنْكُمَا قَالَ: لما قيل لهشام: عَطاء بن أبي رَبَاح، أذن لَهُ، فوَاللَّه مَا دخلت إِلَّا لسببه، فَلَمَّا رَآهُ هِشَام قَالَ: مرْحَبًا مرْحَبًا، هَا هُنَا، فرفعه حَتَّى مست ركبته ركبته وَعِنْده أَشْرَاف النَّاس

стр. 130

يتحدثون، فَسَكَتُوا، فَقَالَ هِشَام: مَا حَاجَتك يَا أَبَا مُحَمَّد؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أهل الْحَرَمَيْنِ أهل الْحَرَمَيْنِ، أهل اللَّهِ وجيران رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - يقسم فيهم أعطياتهم وأرزاقهم، قَالَ: نعم، يَا غُلَام، اكْتُبْ لأهل الْمَدِينَة وَأهل مَكَّة بعطاءين وأرزاقهم لسنة، ثمَّ قَالَ: هَل من حَاجَة غَيرهَا يَا أَبَا مُحَمَّد؟ قَالَ: نعم: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أهل الْحجاز وَأهل نجد أصل الْعَرَب، وقادة الْعَرَب ترد فيهم فضول صَدَقَاتهمْ، قَالَ: نعم، يَا غُلَام، اكْتُبْ بِأَن ترد فيهم صَدَقَاتهمْ. ثمَّ قَالَ: هَل من حَاجَة غَيرهَا يَا أَبَا مُحَمَّد؟ قَالَ: نعم، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أهل الثغور يرْمونَ من وَرَاء بيضتكم ويقاتلون عَدوكُمْ، وَقد أجريتم لَهُم أرزاقا تدرها عَلَيْهِم؛ فَإِنَّهُم إِن هَلَكُوا غزيتم، قَالَ: نعم، اكْتُبْ بِحمْل أَرْزَاقهم إِلَيْهِم يَا غُلَام، هَل من حَاجَة غَيرهَا يَا أَبَا مُحَمَّد؟ قَالَ: نعم، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أهل ذمتكم لَا تجبى صغارهم، وَلَا تتعتع كبارهم، وَلَا يكلفون مَا لَا يُطِيقُونَ فَإِن مَا تجبونه مَعُونَة لكم على عَدوكُمْ، قَالَ: نعم، اكْتُبْ يَا غُلَام، لَا يحملون مَالا يُطِيقُونَ، هَل من حَاجَة غَيرهَا؟ قَالَ: نعم أَمِير الْمُؤمنِينَ، اتَّقِ اللَّهِ [ ] فِي نَفسك فَإنَّك خلقت وَحدك،

стр. 131

وَتَمُوت وَحدك، وتحشر وَحدك، وتحاسب وَحدك، وَلَا وَالله مَا مَعَك مِمَّن ترى أحدا، قَالَ: فأكب هِشَام، وَقَامَ عَطاء، فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْبَاب إِذا رجل قد تبعه بكيس مَا أَدْرِي مَا فِيهِ أدراهم أم دَنَانِير، وَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمر لَك بِهَذَا، قَالَ: لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِن أجري إِلَّا على رب الْعَالمين، قَالَ: ثمَّ خرج عَطاء، وَلَا وَالله مَا شرب عِنْده حسوة من مَاء فَمَا فَوْقه. [٧٧] أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن أَحْمد قَالَ: أَنا عمر بن عبيد اللَّهِ الْبَقَّال قَالَ: أَنا أَبُو الْحُسَيْن بن بَشرَان قَالَ: ثَنَا عُثْمَان بن أَحْمد الدقاق قَالَ: نَا حَنْبَل بن إِسْحَاق قَالَ نَا يحيى بن معِين قَالَ: قَالَ ابْن أبي ليلى: حَنْبَل بن إِسْحَاق قَالَ نَا يحيى بن معِين قَالَ: قَالَ ابْن أبي ليلى: حج عَطاء سبعين حجَّة وعاش مائَة سنة. (حبيب بن أبي ثَابت) وَاسم أبي ثَابت: قيس بن دِينَار، أَبُو يحيى، مولى لبني أَسد كُوفِي كَانَ عَالما كَبِيرا، سمع ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَسمع مِنْهُ الْأَعْمَش وَالثَّوْري، وَكَانَ كثير التَّعَبُّد كَرِيمًا، أنْفق على الْفُقَرَاء مائَة ألف، وَكَانَ أسود اللَّوْن.

стр. 132

(يزِيد بن أبي حبيب) كَانَ عَالما كَبِيرا. [٧٨] أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن أَحْمد قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن هبة اللَّهِ الطَّبَرِيّ قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْفضل قَالَ: أَنا عبد اللَّهِ بن جَعْفَر قَالَ أَنا يَعْقُوب بن سُفْيَان قَالَ ثَنَا الْفضل بن زِيَاد قَالَ: سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول: الْعلم خَزَائِن يقسم اللَّهِ [ ] لمن أحب، كَانَ يزِيد بن أبي حبيب نوبيا أسود. (مَكْحُول الشَّامي) أَبُو عبد اللَّهِ، كَانَ عَالما فَقِيها، وَكَانَ مَمْلُوكا لعَمْرو بن سعيد بن العَاصِي، فوهبه لرجل من هُذَيْل بِمصْر، وأنعم عَلَيْهِ بهَا، قَالَ: فَمَا خرجت من مصر حَتَّى ظَنَنْت أَنه لَيْسَ بهَا علم إِلَّا وَقد سمعته، ثمَّ قدمت الْمَدِينَة، فَمَا خرجت مِنْهَا حَتَّى ظَنَنْت أَنه لَيْسَ بهَا علم إِلَّا وَقد سمعته. وَرَأى أنس بن مَالك وواثلة بن الْأَسْقَع وَأَبا أُمَامَة وَغَيرهم. وَتُوفِّي سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة.

стр. 133

(إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور) يكنى أَبَا إِسْحَاق، كَانَ شَدِيد سَواد اللَّوْن، وَكَانَ فَاضلا فصيحا، مليح الشّعْر، بُويِعَ لَهُ بالخلافة؛ وَكَانَ السَّبَب أَن الْمَأْمُون بَايع لعَلي بن مُوسَى الرِّضَا بِولَايَة الْعَهْد، فَغَضب بَنو الْعَبَّاس، وَقَالُوا: لَا يخرج الْأَمر من بَين أَيْدِينَا، فَبَايعُوا إِبْرَاهِيم، فَخَطب لَهُ على المنابر، وَغلب على الْكُوفَة والسواد فَتوفي عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا، وَقدم الْمَأْمُون فضعف أَمر إِبْرَاهِيم، وتفرق النَّاس عَنهُ، فاستتر فَأَقَامَ كَذَلِك سِتّ سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام، فَلَمَّا ضجر من الاستتار كتب إِلَى الْمَأْمُون: ولي الثأر مُحكم فِي الْقصاص، وَالْعَفو أقرب للتقوى، وَمن تنَاوله الاغترار بِمَا مد لَهُ من أَسبَاب الرَّجَاء أَمن عَادِية الدَّهْر، وَقد جعل اللَّهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَوق كل ذِي عَفْو، كَمَا جعل كل ذِي ذَنْب دونه، فَإِن عَفا فبفضله، وَإِن عاقب فبحقه. فَوَقع الْمَأْمُون على قصَّته أَمَانه، وَقَالَ فِيهَا: الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة، وَكفى بالندم إنابة. فَدخل عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم فَقَالَ: (إِن أكن مذنبا فحظي أَخْطَأت ... فدع عَنْك كَثْرَة التأنيب) (قل كَمَا قَالَ يُوسُف لبني يَعْقُوب ... لما أَتَوْهُ لَا تَثْرِيب)

стр. 134

[٧٩] أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد قَالَ: أَنا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَنا الْجَوْهَرِي قَالَ: أنبأ مُحَمَّد بن الْعَبَّاس قَالَ: أَنْشدني عبيد اللَّهِ بن أَحْمد المرورذي قَالَ: أنْشد لإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي: (قد شَاب رَأْسِي وَرَأس الْحِرْص لم يشب ... إِن الْحَرِيص على الدُّنْيَا لفي تَعب) (قد يَنْبَغِي لي مَعَ مَا حزت من أدب ... أَن لَا أخوض فِي أَمر ينقص بِي) (لَو كَانَ يصدقني ذهني بفكرته ... مَا اشْتَدَّ غمي على الدُّنْيَا وَلَا نصبي) (أسعى فأجهد فِيمَا لست أدْركهُ ... وَالْمَوْت يقْدَح فِي زندي وَفِي عصبي) (بِاللَّه كم بَيت مَرَرْت بِهِ ... قد كَانَ يعمر باللذات والطرب) (طارت عِقَاب المنايا فِي جوانبه ... فَصَارَ من بعْدهَا للويل والحزب) (فامسك عنانك لَا تجمع بِهِ طلع ... فَلَا وعيشك مَا الأرزاق بِالطَّلَبِ) (مَعَ أنني وَاجِد فِي النَّاس وَاحِدَة ... الرزق والنوك مقرونان فِي سَبَب) (وخصلة لَيْسَ فِيهَا من يُنَازعنِي ... الرزق أروغ شَيْء عَن ذَوي الْأَدَب)

стр. 135

(يَا ثقب الْفَهم كم أَبْصرت ذَا حمق ... الرزق أعزى بِهِ من لَازم الجرب) توفّي إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فِي سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَصلى عَلَيْهِ المعتصم. (عبد اللَّهِ بن حَازِم السّلمِيّ) كَانَ أَمِيرا كَبِيرا على خُرَاسَان، وَجَرت لَهُ حروب كَثِيرَة، وَكَانَ ذَا علم.

стр. 136

(الْبَاب الْعشْرُونَ) (فِي ذكر شعرائهم وَمن تمثل مِنْهُم بِشعر من كبار شعرائهم: عنترة بن شَدَّاد) كَانَت أمه زنجية، أسود، وَله الْأَشْعَار الفائقة من مستحسنها قَوْله فِي قصيدته الْمَشْهُورَة: (هَل غادر الشُّعَرَاء من متردم ... أم هَل عرفت الدَّار بعد توهم) ويروى: من مترنم، قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال: ردم ثَوْبك، أَي رقعه، يَقُول: هَل ترك الشُّعَرَاء شَيْئا يرقع أَي هَل تركُوا لقَائِل شَيْئا. (يَا دَار عبلة بالجوى تكلمي ... وَعمي صباحا دَار عبلة واسلمي) (حييت من طلل تقادم عَهده ... أقوى وأقفر بعد أم الْهَيْثَم) (هلا سَأَلت الْخَيل يَا ابْنة مَالك ... إِن كنت جاهلة بِمَا لم تعلمي) (يُخْبِرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عِنْد الْمغنم)

стр. 137

(وَمن شعرائهم: سحيم عبد بني الحسحاس) اشْتَرَاهُ عبد اللَّهِ بن عَامر وأهداه إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان [﵁] فَرده عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا حَاجَة لي فِيهِ، وَله أشعار كَثِيرَة وأخبار. [٨٠] أَنبأَنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أنبأ أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أنبأ الْجَوْهَرِي قَالَ أنبأ ابْن حيوية قَالَ نَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: كَانَ سحيم حَبَشِيًّا، وَقد أدْرك الْجَاهِلِيَّة. [٨١] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر الْبَزَّاز قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ أنبا أَبُو عمر مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد قَالَ أَنا أَبُو عبد اللَّهِ أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ قَالَ: ثَنَا الزبير بن بكار قَالَ: حَدثنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز عَن خَالِد بن يُوسُف بن الْمَاجشون قَالَ: اشْترى عبد اللَّهِ بن أبي عبد اللَّهِ سحيما عبد بني الحسحاس وَكتب إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان: إِنِّي ابتعت لَك غُلَاما حَبَشِيًّا شَاعِرًا، فَكتب إِلَيْهِ عُثْمَان: لَا حَاجَة لي بِهِ فاردده، فَإِنَّمَا قصارى هَذَا العَبْد الشَّاعِر إِن شبع أَن يتشبب بنسائهم،

стр. 138

وَإِن جَاع أَن يهجوهم، فَرده عبد اللَّهِ فَاشْتَرَاهُ رجل من بني الحسحاس من بني أَسد بن خُزَيْمَة، وَكَانَ حَبَشِيًّا مغلظا، أعجمي اللِّسَان، ينشد الشّعْر. قَالَ الزبير: وحَدثني عمر بن أبي بكر عَن أبي صَالح الفقعسي قَالَ: كَانَ سحيم عبد بني الحسحاس، وَكَانَ حَبَشِيًّا شَاعِرًا. قَالَ الزبير: وحَدثني موهوب بن رشيد الْكلابِي عَن أبي صَالح الفقعسي قَالَ: كَانَ عبد بني الحساس حَبَشِيًّا شَاعِرًا وَكَانَ يهوى ابْنة مَوْلَاهُ عميرَة بنت أبي معبد ويكنى عَن حبها إِلَى أَن خرج مَوْلَاهُ أَبُو معبد سفرا وَخرج بِهِ مَعَه، وَكَانَ أَبُو معبد يتشوق إِلَى ابْنَته يَقُول: (عميرَة ودع إِن تجهزت غاديا ... ... ... ... ... ) فردد الصَّوْت وَلَا يزِيد عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: انقذنا يَا سحيم، فهيج مِنْهُ مَا كَانَ بَاطِنا فَقَالَ: (عميرَة ودع إِن تجهزت غاديا ... كفى الشيب وَالْإِسْلَام للمرء ناهيا) ثمَّ بنى عَلَيْهَا فأتمها قصيدة، وانْتهى بهما فِيهَا وفحش عَلَيْهَا

стр. 139

فَقَالَ: (وبتنا وسادانا إِلَى علجانة ... وحقف تهاداه الرِّيَاح تهاديا) (توسدني كفا وَتثني بمعصم عَليّ ... وتحني رجلهَا من ورائيا) (وهبت شمالا آخر اللَّيْل قُرَّة ... وَلَا ثوب إِلَّا درعها وردائيا) (فمازال ثوبي طيبا من نسيمها ... إِلَى الْحول حَتَّى أنهى الثَّوْب بَالِيًا) قَالَ: فَذهب بِهِ جندل أَبُو معبد إِلَى الْمَدِينَة ليَبِيعهُ بهَا فَقَالَ بعد أَن أخرجه يَوْمًا: (وَمَا كنت أخْشَى جندلا أَن يبيعني ... بِشَيْء وَلَو أمست أنامله صفرا) (أخوكم وَمولى مالكم وربيبكم ... وَمن قد ثوى فِيكُم وعاشركم دهرا) (أشوقا وَلما يمض لي غير لَيْلَة ... فَكيف إِذا سَارَتْ الْمطِي بِنَا عشرا) قَالَ: فرق عَلَيْهِ جندل فَرده مَخَافَة قومه فلاموه وَأَرَادُوا قتل العَبْد، وَكَانَ جندل يضن بِهِ فَخرج بِهِ إِلَى السُّلْطَان بِالْمَدِينَةِ فسجنه وضربه ثَمَانِينَ سَوْطًا ثمَّ خرج بِهِ رَاجعا إِلَى بِلَاده فتغنى بِهِ سحيم وَقَالَ: (أَبَا معبد بئس العريضة للفتى ... ثَمَانُون لم تتْرك لحلفكم عبدا)

стр. 140

(كسوني غَدَاة الدَّار سمراء كَأَنَّهَا ... شياطين لم تتْرك فؤادا وَلَا عهدا) (فَمَا السجْن إِلَّا ظلّ بَيت دَخلته ... وَمَا السَّوْط إِلَّا جلدَة خالطت جلدا) (أَبَا معبد وَالله مَا حل حبها ... ثَمَانُون سَوْطًا بل يزِيد بهَا وجدا) (فَإِن تقتلوني تقتلُوا ابْن وليدة ... وَإِن تتركوني تتكروا أسدا وردا) (غَدا يكثر الباكون منا ومنكم ... وتزداد دَاري من دِيَاركُمْ بعدا) قَالَ: فَأَخْبرنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز أَن هَذَا الْبَيْت الْأَخير للعرجي. قَالَ المُصَنّف: وَكَانَ آخر أَمر سحيم أَنه أحب امراة من أهل بَيت مَوْلَاهُ فَأَخَذُوهُ وأحرقوه. (وَمِنْهُم نصيب بن محجن) أَبُو محجن الشَّاعِر، مولى عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان، وَكَانَ أسود. [٨٦] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ: أنبأ الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أَنا إِبْرَاهِيم بن عمر الْبَرْمَكِي قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو الْحُسَيْن الزَّيْنَبِي قَالَ نَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن عَمْرو وَأحمد بن حَرْب قَالَا: نَا زبير بن أبي

стр. 141

بكر قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن المؤمل بن طالوت قَالَ: حَدثنِي أبي عَن الضَّحَّاك ابْن عُثْمَان الْحزَامِي قَالَ: خرجت فِي آخر أَيَّام الْحَج فَنزلت بالأبواء على امْرَأَة فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْت من حسنها وأطربني فتمثلت بقول نصيب. . (بِزَيْنَب ألمم قبل أَن يرحل الركب ... وَقل إِن تملينا فَمَا مل الْقلب) (خليلي من كَعْب ألما هديتما بِزَيْنَب ... لَا يفقد كَمَا أبدا كَعْب) (وقولا لَهَا مَا فِي البعاد لذِي الْهوى ... يُعَاد وَمَا فِيهِ لصدع النَّوَى شعب) (فَمن شان أم الصرم أَو قَالَ ظَالِما ... لصَاحبه ذَنْب وَلَيْسَ لَهُ ذَنْب) فَلَمَّا سمعتني أتمثل الأبيات قَالَت لي: يَا فَتى، أتعرف قَائِل هَذَا الشّعْر؟ قلت: ذَاك نصيب، قَالَت: نعم، هُوَ ذَاك. فتعرف زَيْنَب؟ قلت: لَا. قَالَت: أَنا وَالله زَيْنَب. قلت: فحياك اللَّهِ. قَالَت: أما إِن الْيَوْم موعده من عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ، خرج إِلَيْهِ عَام أول، وَعَدَني هَذَا الْيَوْم، ولعلك لَا تَبْرَح حَتَّى ترَاهُ. قَالَ: فَمَا بَرحت من مجلسي حَتَّى إِذا أَنا بِرَاكِب يَزُول مَعَ السراب، فَقَالَت: ترى حث ذَلِك الرَّاكِب؟ إِنِّي لأحسبه إِيَّاه. قَالَ: وَأَقْبل الرَّاكِب فأمنا حَتَّى أَنَاخَ قَرِيبا من الْخَيْمَة فَإِذا هُوَ نصيب، ثمَّ ثنى

стр. 142

رجله عَن رَاحِلَته فَنزل، ثمَّ أقبل فَسلم عَليّ وَجلسَ فِيهَا نَاحيَة، وَسلم عَلَيْهَا وسألها وَسَأَلته فاحتفا، ثمَّ إِنَّهَا سَأَلته أَن ينشدها مَا أحدث من الشّعْر بعْدهَا، فَجعل ينشدها، فَقلت فِي نَفسِي: عاشقان أطالا التنائي لَا بُد أَن يكون لأَحَدهمَا إِلَى صَاحبه حَاجَة، فَقُمْت إِلَى رَاحِلَتي أَشد عَلَيْهَا، فَقَالَ لي: على رسلك، أَنا مَعَك. فَجَلَست حَتَّى نَهَضَ، ونهضت مَعَه، فتسايرنا سَاعَة ثمَّ الْتفت فَقَالَ: فَقلت: قلت فِي نَفسك: محبان التقيا بعد طول ثَنَاء، لَا بُد أَن يكون لأَحَدهمَا إِلَى صَاحبه حَاجَة؟ قلت: نعم، قد كَانَ ذَلِك. قَالَ: لَا وَرب هَذِه البنية الَّتِي إِلَيْهَا نعمد مَا جَلَست إِلَيْهَا مَجْلِسا قطّ أقرب من مجلسي الَّذِي رَأَيْت، وَلَا كَانَ بَيْننَا مَكْرُوه قطّ. قَالَ المُصَنّف: قلت: وَقد روى لنا أَن زَيْنَب كَانَت سَوْدَاء أَيْضا. [٨٣] وأنبأنا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أَنا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أَنا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا ابْن حيوية قَالَ: نَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن معَاذ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدثنِي رجل من قُرَيْش عَمَّن حَدثهُ قَالَ: كنت حَاجا وَمَعِي رجل من الْقَافِلَة لَا أعرفهُ وَلم أره قبل ذَلِك وَمَعَهُ هوداج وأثقال وصبية وَعبيد ومتاع فنزلنا منزلا فَإِذا فرش ممهدة

стр. 143

وَبسط قد بسطت فَخرج من بَعْضهَا هودج امْرَأَة زنجية، فَجَلَست على تِلْكَ الْفرش الممهدة، ثمَّ جَاءَ زنجي فَجَلَسَ [إِلَى جنبها، فَبَقيت مُتَعَجِّبا مِنْهُمَا فَبينا أَنا أنظر إِلَيْهَا] إِذْ مر بِنَا مار وَهُوَ يَقُود إبِلا فَجعل يتَغَنَّى وَيَقُول: (بِزَيْنَب ألمم قبل أَن يرحل الركب ... وَقل إِن تملينا فَمَا مل الْقلب) قَالَ: فَوَثَبت الزنجية إِلَى الزنْجِي فخبطته وضربته وَهِي تَقول: شهرتني بَين النَّاس شهرك اللَّهِ. فَقلت: من هَذَا؟ فَقَالُوا لي: نصيب الشَّاعِر وَهَذِه زَيْنَب. [٨٤] أخبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أنبأ مَحْفُوظ بن أَحْمد قَالَ: أنبأ أَبُو عَليّ مُحَمَّد ابْن الْحُسَيْن الحارذي قَالَ: ثَنَا الْمعَافى بن زَكَرِيَّا قَالَ: نَا إِبْرَاهِيم ابْن مُحَمَّد بن عَرَفَة قَالَ: ثَنَا أَحْمد بن يحيى قَالَ: ثَنَا الزبير قَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ عَن معَاذ صَاحب الْهَرَوِيّ، قَالَ: دخلت مَسْجِد الْكُوفَة فَرَأَيْت رجلا لم أر قطّ أنقى ثيابًا مِنْهُ، وَلَا أَشد سوادا فَقلت لَهُ: من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا نصيب. فَقلت: أَخْبرنِي عَنْك وَعَن أَصْحَابك. فَقَالَ: جميل إمامنا، وَعمر أوصفنا لربات الحجال، وَكثير أبكانا على الأطلال والدمن، وَقد قلت مَا سَمِعت، قلت: فَإِن النَّاس يَزْعمُونَ أَنَّك لَا تحسن أَن تهجو. قَالَ:

стр. 144

وأقروا لي أَنِّي أحسن أمدح؟ قلت: نعم، قَالَ: فترى لَا أحسن أَن أجعَل مَكَان عافاك اللَّهِ أخزاك اللَّهِ؟ قلت: بلَى، قَالَ: وَلَكِنِّي رَأَيْت النَّاس رجلَيْنِ: رجلا لم أسأله وَلَا يَنْبَغِي لي أَن أهجوه فأظلمه، ورجلا سَأَلته فَمَنَعَنِي، فَكَانَت نَفسِي أَحَق بالهجاء، إِذْ سَوَّلت لي أَن أطلب مِنْهُ. [٨٥] أَنبأَنَا أَبُو بكر بن أبي طَاهِر الْبَزَّاز قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو إِسْحَاق الْبَرْمَكِي قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو عَمْرو بن حيوية قَالَ: أَنا أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ قَالَ: ثَنَا الزبير بن بكار قَالَ: حَدثنِي عمي حَدثنِي أَيُّوب بن عَبَايَة قَالَ: حَدثنِي رجل من بني نَوْفَل بن عبد منَاف قَالَ: لما أصَاب نصيب من المَال مَا أصَاب - وَكَانَت عِنْده أم محجن، وَكَانَت سَوْدَاء - تزوج امْرَأَة بَيْضَاء، فَغضِبت أم محجن وَغَارَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أم محجن، وَالله مَا مثلي يغار عَلَيْهِ إِنِّي لشيخ كَبِير، وَمَا مثلك يغار، إِنَّك لعجوز كَبِيرَة، وَمَا أحد أكْرم عَليّ مِنْك وَلَا أوجب حَقًا، فحوزك هَذَا الْأَمر وَلَا تكذب بِهِ عَليّ، فرضيت وقرت، ثمَّ قَالَ لَهَا بعد ذَلِك: هَل لَك أَن أجمع إِلَيْك زَوْجَتي الجديدة، فَهُوَ أصلح لذات الْبَين وألم للشعث وَأبْعد للشماتة، فَقَالَت: افْعَل. فَأَعْطَاهَا دِينَارا وَقَالَ لَهَا: إِنِّي أكره أَن ترى بك خصَاصَة أَن تفضل عَلَيْك، فاعملي لَهَا إِذا أَصبَحت عنْدك غَدا نزلا بِهَذَا الدِّينَار، ثمَّ أَتَى زَوجته الجديدة فَقَالَ لَهَا: إِنِّي قد أردْت أَن أجمعك إِلَى أم محجن غَدا وَهِي مكرمتك، وأكره أَن تفضل عَلَيْك

стр. 145

، فَخذي هَذَا الدِّينَار فأهدي لَهَا بِهِ إِذا أَصبَحت عِنْدهَا غَدا لِئَلَّا ترى بك خصَاصَة وَلَا تذكرين الدِّينَار لَهَا. ثمَّ أَتَى صاحبا لَهُ ليستنصحه، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أجمع زَوْجَتي الجديدة إِلَى أم محجن غَدا فأتني مُسلما، فَإِنِّي سأستجلسك للغداء، فَإِذا تغديت فسلني عَن أحبهما إِلَيّ، فَإِنِّي سأنفر وَأعظم ذَلِك وَأبي أَن أخْبرك، فَإِذا أَبيت ذَلِك فاحلف عَليّ، فَلَمَّا كَانَ الْغَد زارت زَوجته الجديدة أم محجن وَمر بِهِ صديقه فاستجلسه فَلَمَّا تغديا أقبل الرجل عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا محجن، أحب أَن تُخبرنِي عَن أحب زوجتيك إِلَيْك. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ﴿أتسألني عَن هَذَا وهما يسمعان﴾ مَا سَأَلَ عَن هَذَا أحد قبلك. قَالَ: وَإِنِّي أقسم عَلَيْك لتخبرني، فوَاللَّه لَا أعذرك، وَلَا أقبل إِلَّا ذَاك، قَالَ: أما إِذْ فعلت فأحبهما إِلَيّ صَاحِبَة الدِّينَار، وَالله لَا أزيدك على هَذَا شَيْئا، وأعرضت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تضحك، ونفسها مسرورة وَهِي تظن أَنه عناها بذلك القَوْل. [٨٦] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أَنا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا أَبُو عمر بن حيوية قَالَ: أنبأ أَبُو بكر مُحَمَّد بن خلف قَالَ: أَخْبرنِي يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ:
следующие страницы →