← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 5748

تنوير الغبش في فضل السودان والحبش

ابن الجوزي

Полный текст (233 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بكر قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن المؤمل بن طالوت قَالَ: حَدثنِي أبي عَن الضَّحَّاك ابْن عُثْمَان الْحزَامِي قَالَ: خرجت فِي آخر أَيَّام الْحَج فَنزلت بالأبواء على امْرَأَة فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْت من حسنها وأطربني فتمثلت بقول نصيب. . (بِزَيْنَب ألمم قبل أَن يرحل الركب ... وَقل إِن تملينا فَمَا مل الْقلب) (خليلي من كَعْب ألما هديتما بِزَيْنَب ... لَا يفقد كَمَا أبدا كَعْب) (وقولا لَهَا مَا فِي البعاد لذِي الْهوى ... يُعَاد وَمَا فِيهِ لصدع النَّوَى شعب) (فَمن شان أم الصرم أَو قَالَ ظَالِما ... لصَاحبه ذَنْب وَلَيْسَ لَهُ ذَنْب) فَلَمَّا سمعتني أتمثل الأبيات قَالَت لي: يَا فَتى، أتعرف قَائِل هَذَا الشّعْر؟ قلت: ذَاك نصيب، قَالَت: نعم، هُوَ ذَاك. فتعرف زَيْنَب؟ قلت: لَا. قَالَت: أَنا وَالله زَيْنَب. قلت: فحياك اللَّهِ. قَالَت: أما إِن الْيَوْم موعده من عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ، خرج إِلَيْهِ عَام أول، وَعَدَني هَذَا الْيَوْم، ولعلك لَا تَبْرَح حَتَّى ترَاهُ. قَالَ: فَمَا بَرحت من مجلسي حَتَّى إِذا أَنا بِرَاكِب يَزُول مَعَ السراب، فَقَالَت: ترى حث ذَلِك الرَّاكِب؟ إِنِّي لأحسبه إِيَّاه. قَالَ: وَأَقْبل الرَّاكِب فأمنا حَتَّى أَنَاخَ قَرِيبا من الْخَيْمَة فَإِذا هُوَ نصيب، ثمَّ ثنى

стр. 142

رجله عَن رَاحِلَته فَنزل، ثمَّ أقبل فَسلم عَليّ وَجلسَ فِيهَا نَاحيَة، وَسلم عَلَيْهَا وسألها وَسَأَلته فاحتفا، ثمَّ إِنَّهَا سَأَلته أَن ينشدها مَا أحدث من الشّعْر بعْدهَا، فَجعل ينشدها، فَقلت فِي نَفسِي: عاشقان أطالا التنائي لَا بُد أَن يكون لأَحَدهمَا إِلَى صَاحبه حَاجَة، فَقُمْت إِلَى رَاحِلَتي أَشد عَلَيْهَا، فَقَالَ لي: على رسلك، أَنا مَعَك. فَجَلَست حَتَّى نَهَضَ، ونهضت مَعَه، فتسايرنا سَاعَة ثمَّ الْتفت فَقَالَ: فَقلت: قلت فِي نَفسك: محبان التقيا بعد طول ثَنَاء، لَا بُد أَن يكون لأَحَدهمَا إِلَى صَاحبه حَاجَة؟ قلت: نعم، قد كَانَ ذَلِك. قَالَ: لَا وَرب هَذِه البنية الَّتِي إِلَيْهَا نعمد مَا جَلَست إِلَيْهَا مَجْلِسا قطّ أقرب من مجلسي الَّذِي رَأَيْت، وَلَا كَانَ بَيْننَا مَكْرُوه قطّ. قَالَ المُصَنّف: قلت: وَقد روى لنا أَن زَيْنَب كَانَت سَوْدَاء أَيْضا. [٨٣] وأنبأنا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أَنا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أَنا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا ابْن حيوية قَالَ: نَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن معَاذ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدثنِي رجل من قُرَيْش عَمَّن حَدثهُ قَالَ: كنت حَاجا وَمَعِي رجل من الْقَافِلَة لَا أعرفهُ وَلم أره قبل ذَلِك وَمَعَهُ هوداج وأثقال وصبية وَعبيد ومتاع فنزلنا منزلا فَإِذا فرش ممهدة

стр. 143

وَبسط قد بسطت فَخرج من بَعْضهَا هودج امْرَأَة زنجية، فَجَلَست على تِلْكَ الْفرش الممهدة، ثمَّ جَاءَ زنجي فَجَلَسَ [إِلَى جنبها، فَبَقيت مُتَعَجِّبا مِنْهُمَا فَبينا أَنا أنظر إِلَيْهَا] إِذْ مر بِنَا مار وَهُوَ يَقُود إبِلا فَجعل يتَغَنَّى وَيَقُول: (بِزَيْنَب ألمم قبل أَن يرحل الركب ... وَقل إِن تملينا فَمَا مل الْقلب) قَالَ: فَوَثَبت الزنجية إِلَى الزنْجِي فخبطته وضربته وَهِي تَقول: شهرتني بَين النَّاس شهرك اللَّهِ. فَقلت: من هَذَا؟ فَقَالُوا لي: نصيب الشَّاعِر وَهَذِه زَيْنَب. [٨٤] أخبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أنبأ مَحْفُوظ بن أَحْمد قَالَ: أنبأ أَبُو عَليّ مُحَمَّد ابْن الْحُسَيْن الحارذي قَالَ: ثَنَا الْمعَافى بن زَكَرِيَّا قَالَ: نَا إِبْرَاهِيم ابْن مُحَمَّد بن عَرَفَة قَالَ: ثَنَا أَحْمد بن يحيى قَالَ: ثَنَا الزبير قَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ عَن معَاذ صَاحب الْهَرَوِيّ، قَالَ: دخلت مَسْجِد الْكُوفَة فَرَأَيْت رجلا لم أر قطّ أنقى ثيابًا مِنْهُ، وَلَا أَشد سوادا فَقلت لَهُ: من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا نصيب. فَقلت: أَخْبرنِي عَنْك وَعَن أَصْحَابك. فَقَالَ: جميل إمامنا، وَعمر أوصفنا لربات الحجال، وَكثير أبكانا على الأطلال والدمن، وَقد قلت مَا سَمِعت، قلت: فَإِن النَّاس يَزْعمُونَ أَنَّك لَا تحسن أَن تهجو. قَالَ:

стр. 144

وأقروا لي أَنِّي أحسن أمدح؟ قلت: نعم، قَالَ: فترى لَا أحسن أَن أجعَل مَكَان عافاك اللَّهِ أخزاك اللَّهِ؟ قلت: بلَى، قَالَ: وَلَكِنِّي رَأَيْت النَّاس رجلَيْنِ: رجلا لم أسأله وَلَا يَنْبَغِي لي أَن أهجوه فأظلمه، ورجلا سَأَلته فَمَنَعَنِي، فَكَانَت نَفسِي أَحَق بالهجاء، إِذْ سَوَّلت لي أَن أطلب مِنْهُ. [٨٥] أَنبأَنَا أَبُو بكر بن أبي طَاهِر الْبَزَّاز قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو إِسْحَاق الْبَرْمَكِي قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو عَمْرو بن حيوية قَالَ: أَنا أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ قَالَ: ثَنَا الزبير بن بكار قَالَ: حَدثنِي عمي حَدثنِي أَيُّوب بن عَبَايَة قَالَ: حَدثنِي رجل من بني نَوْفَل بن عبد منَاف قَالَ: لما أصَاب نصيب من المَال مَا أصَاب - وَكَانَت عِنْده أم محجن، وَكَانَت سَوْدَاء - تزوج امْرَأَة بَيْضَاء، فَغضِبت أم محجن وَغَارَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أم محجن، وَالله مَا مثلي يغار عَلَيْهِ إِنِّي لشيخ كَبِير، وَمَا مثلك يغار، إِنَّك لعجوز كَبِيرَة، وَمَا أحد أكْرم عَليّ مِنْك وَلَا أوجب حَقًا، فحوزك هَذَا الْأَمر وَلَا تكذب بِهِ عَليّ، فرضيت وقرت، ثمَّ قَالَ لَهَا بعد ذَلِك: هَل لَك أَن أجمع إِلَيْك زَوْجَتي الجديدة، فَهُوَ أصلح لذات الْبَين وألم للشعث وَأبْعد للشماتة، فَقَالَت: افْعَل. فَأَعْطَاهَا دِينَارا وَقَالَ لَهَا: إِنِّي أكره أَن ترى بك خصَاصَة أَن تفضل عَلَيْك، فاعملي لَهَا إِذا أَصبَحت عنْدك غَدا نزلا بِهَذَا الدِّينَار، ثمَّ أَتَى زَوجته الجديدة فَقَالَ لَهَا: إِنِّي قد أردْت أَن أجمعك إِلَى أم محجن غَدا وَهِي مكرمتك، وأكره أَن تفضل عَلَيْك

стр. 145

، فَخذي هَذَا الدِّينَار فأهدي لَهَا بِهِ إِذا أَصبَحت عِنْدهَا غَدا لِئَلَّا ترى بك خصَاصَة وَلَا تذكرين الدِّينَار لَهَا. ثمَّ أَتَى صاحبا لَهُ ليستنصحه، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أجمع زَوْجَتي الجديدة إِلَى أم محجن غَدا فأتني مُسلما، فَإِنِّي سأستجلسك للغداء، فَإِذا تغديت فسلني عَن أحبهما إِلَيّ، فَإِنِّي سأنفر وَأعظم ذَلِك وَأبي أَن أخْبرك، فَإِذا أَبيت ذَلِك فاحلف عَليّ، فَلَمَّا كَانَ الْغَد زارت زَوجته الجديدة أم محجن وَمر بِهِ صديقه فاستجلسه فَلَمَّا تغديا أقبل الرجل عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا محجن، أحب أَن تُخبرنِي عَن أحب زوجتيك إِلَيْك. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ﴿أتسألني عَن هَذَا وهما يسمعان﴾ مَا سَأَلَ عَن هَذَا أحد قبلك. قَالَ: وَإِنِّي أقسم عَلَيْك لتخبرني، فوَاللَّه لَا أعذرك، وَلَا أقبل إِلَّا ذَاك، قَالَ: أما إِذْ فعلت فأحبهما إِلَيّ صَاحِبَة الدِّينَار، وَالله لَا أزيدك على هَذَا شَيْئا، وأعرضت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تضحك، ونفسها مسرورة وَهِي تظن أَنه عناها بذلك القَوْل. [٨٦] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أَنا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا أَبُو عمر بن حيوية قَالَ: أنبأ أَبُو بكر مُحَمَّد بن خلف قَالَ: أَخْبرنِي يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ:

стр. 146

دخل نصيب على يزِيد بن عبد الْملك فَقَالَ لَهُ: حَدثنِي بِبَعْض مَا مر عَلَيْك. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ علقت جَارِيَة حَمْرَاء - يَعْنِي بَيْضَاء - فَمَكثت زَمَانا تمنيني الأباطيل فَأرْسلت إِلَيْهَا بِهَذِهِ الأبيات: (وَإِن أك حالكا فالمسك أحوى ... وبالسواد جلدي من دَوَاء) (ولي كرم عَن الْفَحْشَاء نائي ... كبعد الأَرْض من جو السَّمَاء) (ومثلي فِي رجالكم قَلِيل ... ومثلي لَا يرد عَن النِّسَاء) (فَإِن ترضي فردي قَول رَاض ... وَإِن تأبي فَنحْن على السوَاء) فَلَمَّا قَرَأت الأبيات، قَالَت: المَال وَالْعقل يعفيان على غَيرهمَا فزوجتني نَفسهَا. [٨٧] قَالَ ابْن خلف: وحَدثني أَبُو بكر بن شَدَّاد قَالَ حَدثنِي أَبُو عبد اللَّهِ ابْن أبي بكر قَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن زيد بن عبد اللَّهِ السَّعْدِيّ قَالَ: حَدَّثتنِي جدتي عَن أَبِيهَا عَن جدها قَالَ: رَأَيْت رجلا أسود وَمَعَهُ امْرَأَة بَيْضَاء فَجعلت أتعجب من سوَاده وبياضها، فدنوت مِنْهُ، فَقلت: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا الَّذِي أَقُول: (أَلا لَيْت شعري مَا الَّذِي يحدثن لي ... إِذا مَا غَدا النأي المفرق والبعد)

стр. 147

(أتصرمني عِنْد الألى فهم العدا ... فتشمتهم بِي أم تدوم على الْعَهْد) قَالَ: فصاحت: بلَى وَالله تدوم على الْعَهْد. فَسَأَلت عَنْهَا، فَقيل: هَذَا نصيب، وَهَذِه أم بكر. [٨٨] قَالَ [ابْن] خلف: وَأَخْبرنِي جَعْفَر بن عَليّ الْيَشْكُرِي قَالَ: حَدثنِي الرياشي قَالَ: أَخْبرنِي الْعُتْبِي قَالَ: دخل نصيب على عمر بن عبد الْعَزِيز ابْن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ: هَل عشقت يَا نصيب؟ قَالَ: نعم، جعلني الله فدَاك. قَالَ: وَمن؟ قَالَ: جَارِيَة لبني مُدْلِج فأحدق بهَا الواشون فَكنت لَا أقدر على كَلَامهَا إِلَّا بِعَين أَو إِشَارَة، [فَكنت] أَجْلِس إِلَيْهَا على الطَّرِيق حَتَّى تمر بِي فأراها، وَفِي ذَلِك أَقُول: (جَلَست لَهَا كَيْمَا تمر لعلني ... أخالسها التَّعْلِيم إِن لم تسلم) (فَلَمَّا رأتني والوشاة تحدرت ... مدامعها خوفًا وَلم تكلم) (مَسَاكِين أهل الْعِشْق مَا كنت مُشْتَرِي ... حَيَاة جَمِيع العاشقين بدرهم) فَقَالَ لَهُ عبد الْعَزِيز: وَمَا فعلت المدلجية؟ قَالَ: اشْتريت وأولدت. قَالَ: فَهَل فِي قَلْبك مِنْهَا شَيْء؟ قَالَ: عقابيل أوجاع.

стр. 148

(أَبُو دلامة الشَّاعِر) واسْمه زند - بالنُّون - ابْن الجون مولى لبنى أَسد كَانَ عبدا حَبَشِيًّا لرجل من أهل الْكُوفَة من بني أَسد يُقَال لَهُ فصاص بن لَاحق فَأعْتقهُ، فصحب السفاح، ثمَّ صحب الْمَنْصُور، ثمَّ صحب الْمهْدي، وَله شعر حسن ونوادر عَجِيبَة مضحكة. [٨٩] أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد قَالَ: أنبأ أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أنبأ الْحسن بن أبي بكر قَالَ: أنبأ أَبُو سهل أَحْمد بن مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ: سَمِعت ثعلبا يَقُول: لما مَاتَت حمادة بنت عِيسَى امْرَأَة الْمَنْصُور وقف الْمَنْصُور وَالنَّاس حوله على حفرتها ينتظرون مَجِيء الْجِنَازَة، وَأَبُو دلامة فيهم، فَأقبل عَلَيْهِ الْمَنْصُور فَقَالَ: يَا أَبَا دلامة، مَا أَعدَدْت لهَذَا المصرع؟ فَقَالَ: حمادة بنت عِيسَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فأضحك الْقَوْم. [٩٠] أخبرنَا عبد الرَّحْمَن قَالَ أنبأ أَحْمد بن عَليّ قَالَ أنبأ أَحْمد بن مُحَمَّد العتيقي قَالَ نَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس قَالَ نَا ابْن دُرَيْد قَالَ نَا ابْن أخي الْأَصْمَعِي قَالَ: سَمِعت الْأَصْمَعِي يَقُول: أَمر الْمَنْصُور أَبَا دلامة بِالْخرُوجِ نَحْو عبد اللَّهِ بن عَليّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة: أنشدتك بِاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تحضرني شَيْئا من عساكرك، فَإِنِّي شهِدت تِسْعَة عَسَاكِر انْهَزَمت كلهَا، وأخاف

стр. 149

أَن يكون عسكرك الْعَاشِر، فَضَحِك مِنْهُ وأعفاه. [٩١] أَنبأَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ: أنبأ أَحْمد بن أَحْمد الوَاسِطِيّ قَالَ: أنبأ أَبُو أَحْمد الفرضي قَالَ: أنبأ أَبُو عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد قَالَ: نَا ثَعْلَب عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ: لَقِي روح بن حَاتِم بعض الحروب، فَقَالَ لأبي دلامة - وَقد دَعَا رجلا مِنْهُم إِلَى البرَاز تقوم إِلَيْهِ؟ قَالَ: لست بِصَاحِب قتال. قَالَ: لتفعلن. قَالَ: إِنِّي جَائِع فأطعمني. فَدفع إِلَيْهِ خبْزًا وَلَحْمًا، وَتقدم فهم بِهِ الرجل، فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة: اصبر، مَا هَذَا؟ ثمَّ قَالَ: أتعرفني؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَل أعرفك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا فِي الدُّنْيَا أَحمَق منا وَدعَاهُ للغداء فتغديا جَمِيعًا وافترقا. فَسَأَلَ روح عَن مَا فعل، فَحدث فَضَحِك وَدعَاهُ، فَسَأَلَهُ عَن الْقِصَّة فَقَالَ: (إِنِّي أعوذ بِروح أَن يقدمني ... إِلَى الْقِتَال فَيجْرِي فيّ بَنو أَسد) (آل الْمُهلب حب الْمَوْت إرثكم ... إِذْ لَا أورث حب الْمَوْت عَن أحد) قَالَ المُصَنّف: توفّي أَبُو دلامة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة. [٩٢] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أنبأ جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ الدينَوَرِي قَالَ: سَمِعت أَبَا الْفضل عبد الْوَاحِد بن عبد الْعَزِيز الْوَاعِظ قَالَ: سَمِعت أَبَا الصَّقْر يَقُول: سَمِعت جمَاعَة من أَصْحَابنَا يَقُولُونَ:

стр. 150

سمعنَا أَبَا زيد الْمصْرِيّ يَقُول: رَأَيْت [زنجيا] مُتَعَلقا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة يَقُول كلَاما بالزنجية، فَسَأَلت زنجيا فصيحا أَن يفسره لي فَقَالَ: إِنَّه يَقُول: (مدامعي مِنْك قريحات ... وَفِي الحشا مِنْك سريرات) (طُوبَى لمن مَاتَ وأعضاؤه ... من الْمعاصِي مستريحات) [٩٣] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ: أَنا أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ: أَنبأَنَا ابْن حيوية. قَالَ: نَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن خلف قَالَ: أنبأ عبد اللَّهِ بن شبيب قَالَ: أَخْبرنِي الزبير بن بكار قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد ابْن الْحسن قَالَ: حَدثنِي فهَيْرَة بن مرّة قَالَ: كَانَ لي غُلَام أسود يَسُوق بِأَصْحَابِي وينطق بالزنجية بِشَيْء يشبه الشّعْر، فَمر بِنَا رجل يعرف لِسَانه، فاستمع لَهُ، ثمَّ قَالَ: يَقُول: (فَقلت لَهَا إِنِّي اهتديت لفتية ... أناخوا بِي عجاج قَلَائِص سَهْما) (فَقَالَت كَذَاك العاشقون وَمن يخف ... عُيُون الأعادي يَجْعَل اللَّيْل سلما) قَالَ ابْن خلف: وحَدثني عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنِي القحطبي قَالَ: أَخْبرنِي بعض الروَاة قَالَ: بَينا أَنا يَوْمًا على ركي قَاعِدا، وَذَلِكَ فِي أَشد مَا يكون من الْحر إِذا بِجَارِيَة سَوْدَاء تحمل جرا لَهَا، فَلَمَّا وصلت

стр. 151

إِلَى الركي وضعت جرها، ثمَّ تنفست الصعداء وَقَالَت: (حر هجر وحر حب وحر ... أَيْن من ذَا وَذَا وَذَاكَ المفر) وملأت الجرة وانصرفت، فَلم ألبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى جَاءَ أسود وَمَعَهُ جر فَوَضعه بِحَيْثُ وضعت السَّوْدَاء الْجَرّ فَمر بِهِ كلب أسود فَرمى إِلَيْهِ رغيفا كَانَ مَعَه وَقَالَ: (أحب لحبها السودَان حَتَّى ... أحب لحبها سود الْكلاب) [٩٤] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أنبأ جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبأ أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْكَرِيم الجواليقي قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن فَارس الْحَافِظ قَالَ: نَا عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن حَمْزَة قَالَ: ثَنَا أَبُو العيناء قَالَ ثَنَا الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء عَن السّري بن جَابر قَالَ: دخلت بِلَاد الزنج فَرَأَيْت زنجية تدق الْأرز وتبكي وَتقول كلَاما لم أَقف عَلَيْهِ، فَسَأَلت شَيخا، فَقَالَ تَقول: (رميت بطرفي يمنة ثمَّ يسرة ... فَلم أر غير اللَّهِ يألفه قلبِي) (فجئتك إدلالا بِمن قد عَرفته ... وبالفعل وَالْإِحْسَان تغْفر لي ذَنبي) (أياديك لَا تخفى وَإِن طَال عدهَا ... وإحسانك المبذول فِي الشرق والغرب)

стр. 152

بلغنَا عَن ذِي النُّون [الْمصْرِيّ] أَنه قَالَ: كنت يَوْمًا مارا فِي تيه الشَّام فَإِذا أَنا بزنجي مفلفل الشّعْر كلما ذكر اللَّهِ [تَعَالَى] حَالَتْ لبسته وتغيرت، وَصَارَ وَجهه كدارة الْقَمَر، وَزَالَ السوَاد، فَقلت لَهُ: يَا أسود، إِنِّي أرى مِنْك عجبا، قَالَ: وَمَا الَّذِي رَأَيْت؟ قلت: أَرَاك كلما ذكرت اللَّهِ حَالَتْ لبستك وَتغَير لونك فَقَالَ: وَمن هَذَا تعجب؟ أإنك لَو ذكرت اللَّهِ حَقِيقَة ذكره لحلت لبستك وَتغَير لونك، ثمَّ جعل ذَلِك الزنْجِي يخطو فِي التيه وَيَقُول: (ذكرنَا وماكنا نَسِينَا لنذكر ... وَلَكِن نسيم الْقرب يَبْدُو فيبهر) (فأحيا بِهِ عني وَأَحْيَا بِهِ لَهُ ... إِذْ الْحق عَنهُ مخبر ومعبر) وبلغنا عَن بعض السّلف أَنه قَالَ: لقِيت أسود فِي الْبَريَّة كلما ذكر اللَّهِ [ ] ابيضّ، فَقلت لَهُ: مَا هَذَا؟ فَأَنْشد: (أَمُوت إِذا ذكرتك ثمَّ أَحْيَا ... فكم أَحْيَا عَلَيْك وَكم أَمُوت) (شربت الْحبّ كأسا بعد كأس ... فَمَا نفد الشَّرَاب وَلَا رويت)

стр. 153

(الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ) (فِي ذكر طَائِفَة من فطناء السودَان والسوداوات وأذكيائهم وكرمائهم) [٩٥] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبأ أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن عَليّ العلاف قَالَ أنبأ أَبُو بكر أَحْمد بن سلم فِيمَا أجَاز لنا قَالَ نَا أَبُو دلف هَاشم بن مُحَمَّد بن هَارُون الْخُزَاعِيّ قَالَ نَا مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ عَن الْعُتْبِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: بَيْنَمَا سُلَيْمَان بن عبد الْملك يسير ذَات يَوْم فِي موكبه إِذْ عرض لَهُ رجل أسود عَلَيْهِ بردَان، مؤتزر بِأَحَدِهِمَا، مُرْتَد بِالآخِرَة، فَأخذ بلجام دَابَّة سُلَيْمَان، ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اتَّقِ اللَّهِ [ ] وَاذْكُر الْأَذَان. قَالَ: وَمَا الْأَذَان؟ قَالَ الرجل: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَأذن مُؤذن بَينهم أَن لعنة اللَّهِ على الظَّالِمين﴾ فَبكى بكاء كثيرا، ثمَّ رفع رَأسه إِلَيْهِ فَقَالَ: وَيحك، وَمَا مظلمتك؟ قَالَ: ظَلَمَنِي وكيلك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْيمن وغصبني ضيعتي وأدخلها فِي ضيعتك. قَالَ: فَدَعَا سُلَيْمَان وَهُوَ مَكَانَهُ بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس، وَكتب بِيَدِهِ إِلَى وَكيله بِالْيمن

стр. 154

أَن ادْفَعْ إِلَى فلَان ضيعته الَّتِي غصبته إِيَّاهَا وَمثلهَا من ضيعتي وَلَا تظلم أحدا. [٩٦] أَنبأَنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ: أنبأ عبد الْعَزِيز ابْن الْحسن الضراب قَالَ: أنبأ أبي قَالَ: نَا أَحْمد بن مَرْوَان الدينَوَرِي قَالَ: نَا إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ قَالَ ثَنَا عُثْمَان بن مُحَمَّد الْأنمَاطِي قَالَ نَا عَمْرو بن أبي قيس قَالَ: خرج عبد اللَّهِ بن جَعْفَر إِلَى حيطان الْمَدِينَة فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ نظر إِلَى أسود على بعض الْحِيطَان وَهُوَ يَأْكُل، وَبَين يَدَيْهِ كلب رابض، كلما أكل لقمه رمى للكلب مثلهَا، فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى فرغ من أكله، وَعبد الله بن جَعْفَر وَاقِف على رَأسه ينظر إِلَيْهِ، فَلَمَّا فرغ دنا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا غُلَام، لمن أَنْت؟ قَالَ: لوَرَثَة عُثْمَان بن عَفَّان. فَقَالَ: لقد رَأَيْت مِنْك عجبا، فَقَالَ لَهُ: وَمَا الَّذِي رَأَيْت من الْعجب يَا مولَايَ؟ قَالَ: رَأَيْتُك تَأْكُل فَكلما أكلت لقْمَة رميت للكلب مثلهَا. فَقَالَ لَهُ: يَا مولَايَ، هُوَ رفيقي مُنْذُ سِنِين، وَلَا بُد أَن أجعله كأسوتي فِي الطَّعَام. فَقَالَ لَهُ: فدون هَذَا الجزيل. فَقَالَ لَهُ: يَا مولَايَ، وَالله إِنِّي

стр. 155

لأَسْتَحي من الله [ ] أَن آكل وَعين تنظر إِلَيّ لَا تَأْكُل، ثمَّ مضى عني، فَأتى جَعْفَر وَرَثَة عُثْمَان فَنزل عِنْدهم، فَقَالَ: جِئْت فِي حَاجَة. قَالُوا: وَمَا حَاجَتك؟ قَالَ: تبيعوني الْحَائِط الْفُلَانِيّ فَقَالُوا لَهُ: قد وهبناه لَك. قَالَ: لست آخذه إِلَّا بِضعْف: فباعوه فَقَالَ لَهُم: وتبيعوني الْغُلَام الْأسود. فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا قد ربيناه وَإنَّهُ كأحدنا، فَلم يزل بهم حَتَّى باعوه، وَانْصَرف عَنْهُم. فَلَمَّا أصبح غَدا على الْغُلَام وَهُوَ فِي الْحَائِط، فَقَالَ لَهُ: أشعرت أَنِّي قد اشترتيك واشتريت الْحَائِط من مواليك؟ فَقَالَ لَهُ: بَارك الله لَك فِيمَا اشْتريت، وَلَقَد غمني مفارقتي لموَالِي أَنهم ربوني. فَقَالَ لَهُ: وَأَنت حر، والحائط ملك لَك. قَالَ: إِن كنت يَا مولَايَ صَادِقا فاشهد عَليّ أَنِّي قد أوقفته على وَرَثَة عُثْمَان بن عَفَّان، فتعجب عبد اللَّهِ بن جَعْفَر مِنْهُ وَقَالَ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ. [٩٧] أَنبأَنَا عَليّ بن عبد اللَّهِ عَن أبي الْحسن بن الْمُهْتَدي عَن أبي حَفْص ابْن شاهين قَالَ: ثَنَا أَحْمد بن إِسْحَاق بن بهْلُول قَالَ نَا عبد اللَّهِ بن الْهَيْثَم قَالَ ثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ: تبع رجل سَوْدَاء فَقَالَت: أما زاجر من عقل إِذا لم يكن ناه من دين. فَقَالَ: وَهل يَرَانَا إِلَّا الْكَوَاكِب؟ قَالَت: فَأَيْنَ مكوكبها؟ [٩٨] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أنبأ الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أنبأ أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أنبأ أَبُو عمر بن حيوية قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ نَا أَبُو سعيد الْمَدِينِيّ قَالَ نَا بعض أَصْحَابنَا قَالَ: نزل رجل من أهل الْحجاز

стр. 156

بِمَالك، فَسَأَلَ أبي: مَا هَذَا؟ فَقيل لَهُ: مَالك وَإِذا بَين يَدَيْهِ صبية سَوْدَاء تلقط النَّوَى فَقَالَ: قَاتل اللَّهِ الَّذِي يَقُول: (احذر على مَاء الْعَشِيرَة والهوى ... على مَالك يَا لهف نَفسِي على مَالك) وَأي شَيْء كَانَ يتعشق من مَالك، إِنَّمَا هِيَ جرة سَوْدَاء، قَالَ: تَقول الصبية: أَي بِأبي إِنَّه وَالله كَانَ لَهُ بهَا شجن لم يَك لَك. [١٠٠] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أنبأ أَبُو الْحسن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ: أنبأ أَبُو عمر بن حيوية قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الْفضل الْكَاتِب عَن أبي مُحَمَّد العامري قَالَ: قَالَ إِسْمَاعِيل بن جَامع، كَانَ أبي يعظني فِي الْغناء ويضيق عَليّ، فهربت مِنْهُ إِلَى أخوالي بِالْيمن، فأنزلني خَالِي غرفَة لَهُ مشرفة على نهر فِي بُسْتَان، وَإِنِّي لمشرف مِنْهَا إِذا طلعت سَوْدَاء مَعهَا قربَة فَنزلت إِلَى المشرعة فَجَلَست وَوضعت قربتها وغنت: (إِلَى اللَّهِ أَشْكُو بخلها وسماحتي ... لَهَا عسل مني وتبذل علقما) (فردي مصاب الْقلب أَنْت قتلته ... وَلَا تتركيه هائم الْقلب مغرما) وذرفت عَيناهَا وَاسْتقر بِي مَا لَا قوام لي بِهِ، ورجوت أَن ترده، فَلم تفعل

стр. 157

وملأت الْقرْبَة ونهضت، فَنزلت أعدُّوا وَرَاءَهَا، وَقلت: يَا جَارِيَة، بِأبي أَنْت وَأمي، ردي الصَّوْت. قَالَت: مَا أشغلني عَنْك. قلت: بِمَاذَا؟ قَالَت: عَليّ خراج كل يَوْم دِرْهَمَانِ. فأعطيتها دِرْهَمَيْنِ، وَجَلَست حَتَّى أَخَذته، وانصرفت ولهوت يومي ذَلِك، فَأَصْبَحت وَمَا أذكر مِنْهُ حرفا وَاحِدًا، وَإِذا أَنا بِالسَّوْدَاءِ قد طلعت، فَفعلت كفعلها الأول، إِلَّا أَنَّهَا غنت غير ذَلِك الصَّوْت ونهضت وعدوت فِي أَثَرهَا، فَقلت: الصَّوْت قد ذهب عَليّ مِنْهُ نَغمَة. قَالَت: مثلك لَا تذْهب عَلَيْهِ نَغمَة، فَتبين بعضه بِبَعْض. وأبت أَن تعيده إِلَّا بِدِرْهَمَيْنِ، فأعطيتها ذَلِك، فأعادته، فَذَكرته، فَقلت: حَسبك، قَالَت: كَأَنَّك تكاثر فِيهِ بأَرْبعَة دَرَاهِم، كَأَنِّي وَالله بك قد أصبت بِهِ أَرْبَعَة آلَاف [دِينَار] . قَالَ ابْن جَامع: فَبينا أَنا أُغني الرشيد وَبَين يَدَيْهِ أكيسة، فِي كل كيسى ألف دِينَار، إِذْ قَالَ: من أطربني فَلهُ كيس، فغن لي صَوتا. فغنيته، فَرمى إِلَيّ بكيس، ثمَّ قَالَ: أعد. فأعدته، فَرَمَانِي بكيس، وَقَالَ: أعد. فأعدته، فَرَمَانِي بكيس، فتبسمت، فَقَالَ: مِم تضحك؟ قَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، [إِن] لهَذَا الصَّوْت حَدِيث أعجب مِنْهُ، فَحَدَّثته الحَدِيث

стр. 158

فَضَحِك وَرمى إِلَيّ الْكيس الرَّابِع، وَقَالَ: لَا نكذب قَول السَّوْدَاء، فَرَجَعت بأَرْبعَة آلَاف. قَالَ ابْن خلف: وَذكر الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: أتيت جَرِيرًا فَقلت: أَخْبرنِي أَي بَيت هجيتم كَانَ أَشد عَلَيْكُم؟ قَالَ قَوْله: (أَنْت قرارة كل مدفع سوءة ... وَلَك سَائِلَة يسيل قَرَار) وعَلى رَأسه جَارِيَة سَوْدَاء حلوة فَقَالَت: كَذبك وَالله، أصعب مَا هجي بِهِ قَوْله: (لَيْسَ الْكِرَام بناحليك آبَاءَهُم ... حَتَّى يرد إِلَى عَطِيَّة نعثل) فَقَالَ جرير: صدقت الخبيثة. [١٠١] قَالَ ابْن خلف: وحَدثني حمدون بن عبد اللَّهِ قَالَ: حَدثنِي أَبُو حشيشة قَالَ: كَانَت بدل أحسن النَّاس وَجها، وَكَانَت أستاذة كل محسن ومحسنة، وَكَانَت صفراء مدينية، وَكَانَت أروى النَّاس للغناء، وَكَانَت لجَعْفَر بن مُوسَى الْهَادِي فَوضعت لمُحَمد بن زبيدة، فَبعث إِلَى جَعْفَر يسْأَله أَن يُرِيد إِيَّاهَا فأبي، فزاره مُحَمَّد فِي منزله فَسمع مَا لم يسمع مثله،

стр. 159

قَالَ: يَا أخي، بِعني هَذِه الْجَارِيَة، فَقَالَ: يَا سَيِّدي، لَيْسَ مثلي من بَاعَ جَارِيَة. قَالَ: فهبها لي. قَالَ: هِيَ مُدبرَة. قَالَ: فاحتال لَهُ مُحَمَّد حَتَّى أسكره، فَنَامَ جَعْفَر، وَأمر مُحَمَّد بِبَدَل فَحملت مَعَه فِي حراقته، فَانْصَرَفت بهَا، فَلَمَّا انتبه جَعْفَر سَأَلَ عَن بدل، فَأخْبر خَبَرهَا فَسكت، وَبعث إِلَيْهِ مُحَمَّد من الْغَد، فَجَاءَهُ وَبدل جالسة تغنيه، لم يقل شَيْئا، فَلَمَّا أَرَادَ جَعْفَر الِانْصِرَاف قَالَ مُحَمَّد: أوقروا حراقة ابْن عمي دَرَاهِم. قَالَ: فأوقرت، فَكَانَ مبلغ ذَلِك المَال عشْرين ألف ألف، وَبقيت بدل فِي دَار مُحَمَّد بن زبيدة إِلَى أَن حدث عَلَيْهِمَا حدث. [١٠٢] قَالَ ابْن خلف: وحَدثني أَبُو عبد اللَّهِ التَّمِيمِي قَالَ: حَدثنِي أَبُو الوضاح الْبَاهِلِيّ عَن أبي مُحَمَّد الربذي قَالَ: قَالَ عبد اللَّهِ ابْن عمر بن عَتيق: خرجت أَنا وَيَعْقُوب بن حمدي بن كاسب قافلين من مَكَّة، فَلَمَّا كُنَّا بودان لَقينَا جَارِيَة من أهل ودان، فَقَالَ لَهَا يَعْقُوب: يَا جَارِيَة، مَا فعلت نعم؟ فَقَالَت: سل نَصِيبا. فَقَالَ: قَاتلك اللَّهِ، مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قطّ أحد ذهنا وَلَا أحضر صَوَابا وَإِنَّمَا أَرَادَ يَعْقُوب قَول نصيب فِي نعم - وَكَانَ ينزل ودان: (أيا صَاحب الخيمات من بطن أرثد ... إِلَى النّخل من ودان مَا فعلت نعم) (أسائل عَنْهَا كل ركب لقيتهم ... وَمَالِي بهَا من بعد مكتنا علم)

стр. 160

[١٠٣] أخبرتنا شهدة بنت أَحْمد بن الْفرج قَالَ أنبأ جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ: أنبأ القاضيان أَبُو الْحُسَيْن النوري وَأَبُو الْقَاسِم التنوخي قَالَا: أَنا أَبُو عمر بن حيوية قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن الْفضل قَالَ: أَخْبرنِي أبي قَالَ أنبأ القحدمي قَالَ: دخل ذُو الرمة الْكُوفَة، فَبَيْنَمَا هُوَ يسير فِي بعض شوارعها على نجيب لَهُ إِذْ رأى جَارِيَة سَوْدَاء واقفة على بَاب دَار فأستحسنها، وَوَقعت بِقَلْبِه فَدَنَا إِلَيْهَا فَقَالَ: يَا جَارِيَة، اسْقِنِي مَاء. فأخرجت إِلَيْهِ كوزا فَشرب، وَأَرَادَ أَن يمازحها ويستدعي كَلَامهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا أحر ماؤك! فَقَالَت: لَو شِئْت لأقبلت على عنوت شعرك، وَتركت حر مائي وبرده. فَقَالَ لَهَا: وَأي شعري لَهُ عنت؟ فَقَالَت: أَلَسْت ذُو الرمة؟ قَالَ: بلَى: قَالَت: (فَأَنت الَّذِي شبهت عَنْزًا بقفرة ... لَهَا ذَنْب فَوق استها أم سَالم) (جعلت لَهَا قرنين فَوق جبينها ... وطبيين مسودين مثل المحاجم) (وساقين إِن سمكًا مِنْك تبركا ... فخدك يَا غيلَان مثل المياسم) (أيا ظَبْيَة الوعسانين جلاجل ... وَمن النقا أَأَنْت أم سَالم؟)

стр. 161

قَالَ: نشدتك بِاللَّه أَلا أخذت رَاحِلَتي هَذِه وَمَا عَلَيْهَا، وَلم تظهري هَذَا وَلَا تذكري لأحد مَا جرى. [وَنزل عَن رَاحِلَته، فَدَفعهَا إِلَيْهَا، وَذهب ليمشي فدفعتها، وضمنت أَلا تذكر لأحد مَا جرى] [١٠٤] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر قَالَ: أَنبأَنَا عَليّ بن المحسن عَن أَبِيه قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد الْكَاتِب قَالَ: حَدثنِي بعض الْأَشْرَاف بِالْكُوفَةِ أَنه كَانَ بهَا رجل جني يعرف بالأدرع شَدِيد الْقلب جدا قَالَ: وَكَانَ فِي خرابات الْكُوفَة شَيْء يظْهر للمجتازين فِيهِ نَار تطول تَارَة وتقصر أُخْرَى، يَقُولُونَ: هَذَا غولة ويفزع مِنْهُ النَّاس، فَخرج الأدرع لَيْلَة رَاكِبًا فِي بعض شَأْنه، فَقَالَ لي الأدرع: فَاعْترضَ لي السوَاد وَالنَّار فطال الشَّخْص فِي وَجْهي، فأنكرته، ثمَّ رجعت إِلَى نَفسِي، فَقلت: إِمَّا شَيْطَان أَو غولة فَهُوَ مين، وَلَيْسَ إِلَّا إِنْسَان، فَذكرت اللَّهِ [تَعَالَى] وَصليت على نبيه [ ﷺ ] ، وجمعت عنان الْفرس وقنعته وطرحته على الشَّخْص فازداد طوله وَعظم الضَّوْء فِيهِ، فنفر الْفرس فمنعته، فَطرح نَفسه عَلَيْهِ، فقصر الشَّخْص حَتَّى صَار على قدر قامة، فَلَمَّا كَاد الْفرس يخالطه ولى هَارِبا

стр. 162

فحركت خَلفه، فَانْتهى إِلَى خربة فَدَخلَهَا، فَدخلت خَلفه، فَإِذا هُوَ قد نزل سردابا فِيهَا، فَنزلت عَن فرسي وشددته، وَنزلت وسيفي مُجَرّد، فحين حصلت فِي السرداب، أحسست بحركته يُرِيد الْفِرَار مني، فطرحت نَفسِي عَلَيْهِ، فَوَقَعت يَدي على بدن إِنْسَان، فقبضت عَلَيْهِ فَأَخْرَجته فَإِذا هُوَ جَارِيَة سَوْدَاء، فَقلت: أَي شَيْء أَنْت وَإِلَّا قتلتك السَّاعَة؟ قَالَت: قبل كل شَيْء إنسي أَنْت؟ أوجني؟ فَمَا رَأَيْت أقوى قلبا مِنْك [قطّ] فَقلت: أَي شَيْء أَنْت؟ قَالَت: أمة لآل فلَان - قوم من الْكُوفَة - أبقت مِنْهُم مُنْذُ سِنِين، فتغربت فِي هَذِه الخربة، فولد لي الْفِكر أَن أحتال بِهَذِهِ الْحَال، وأوهم النَّاس أَنِّي غولة حَتَّى لَا يقرب الْموضع أحد، وأعترضه لَيْلًا للأحداث، فيفزعونه، وَرُبمَا رمى أحدهم منديلا أَو إزارا، فَآخذهُ، وأبيعه نَهَارا، فأقتاته أَيَّامًا. قلت: فَمَا هَذَا الشَّخْص الَّذِي يطول وَيقصر، وَالنَّار الَّتِي تظهر؟ قَالَت: كسَاء معي طَوِيل أسود فَأخْرجهُ من السرادب، وقصبات مهندمة أَدخل بَعْضهَا فِي بهض فِي الكساء وأرفعة فَيطول، فَإِذا أردْت تَقْصِيره رفعت من الأنابيب وَاحِدَة وَاحِدَة فتقصر، وَالنَّار فَتِيلَة شمع معي فِي يَدي، لَا

стр. 163

أخرج إِلَّا رَأسهَا مِقْدَار مَا يضيء الكساء، فأرتني الشمعة والكساء والأنابيب ثمَّ قَالَت: قد وَالله جَازَت هَذِه الْحِيلَة نيفا وَعشْرين سنة، واعترضت فرسَان الْكُوفَة وشجعانها، فَمَا أقدم عَليّ أحد غَيْرك، وَلَا رَأَيْت أَشد قلبا مِنْك. فحملها الأدرع إِلَى الْكُوفَة فَردهَا على مواليها، وَكَانَت تحدث بِهَذَا الحَدِيث، وَلم ير بعد ذَلِك أثر غولة، فَعلم أَن الحَدِيث حق.

стр. 164

(الْبَاب الثَّانِي وَالْعشْرُونَ) (فِي ذكر المتعبدين مِنْهُم والزهاد) فَمن المعروفين الْأَسْمَاء مِنْهُم غير من سبق ذكره من الصَّحَابَة [وَالتَّابِعِينَ] (أَبُو مُعَاوِيَة الْأسود) واسْمه الْيَمَان، نزل طرسوس. [١٠٥] أَنبأَنَا عَليّ بن عبيد اللَّهِ عَن الْحُسَيْن بن الْمُهْتَدي عَن أبي حَفْص ابْن شاهين قَالَ: سَمِعت عبد اللَّهِ بن سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث يَقُول: سَمِعت أَبَا حَمْزَة - يَعْنِي ابْن الْفرج الْأَسْلَمِيّ وَكَانَ خَادِم أبي مُعَاوِيَة الْأسود - قَالَ: كَانَ أَبُو مُعَاوِيَة مولى أبي جَعْفَر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ يَقُول للنَّاس: استخدموني أَنا عبدكم، إِنَّمَا اشْتريت من الْفَيْء، وَكَانَ لَهُ فرس رائع يَغْزُو عَلَيْهِ، قد أعطي بِهِ سبعين دِينَارا فَرَأى شَابًّا فِي الدَّار نزل لَيْلَة فاغتسل، ثمَّ أُخْرَى فاغتسل ثمَّ نزل فاغتسل، فَلَمَّا أصبح أَبُو مُعَاوِيَة جَاءَ فَحل فرسه وَأَعْطَاهُ الْفَتى، وَقَالَ: هاك يَا فَتى، اشْتَرِ بِهِ جَارِيَة. قَالَ: وَكَانَ قد دَعَا اللَّهِ

стр. 165

عز وَجل أَن يطيب فِي فَمه جَمِيع مَا يَأْكُلهُ، فَكَانَ يخرج إِلَى الْبَريَّة، فيجتني من بقولِهَا ويجففه فِي بَيته، وَيَطوف على الْمَزَابِل فينتقي مِنْهَا الْعِظَام الَّتِي عرق مِنْهَا اللَّحْم وطرحت، فيلطخها بذلك البقل. [١٠٦] أَنبأَنَا ابْن نَاصِر قَالَ: انبأنا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ: أنبأ أَبُو مُحَمَّد الْخلال قَالَ: نَا عبد الْوَاحِد بن عَليّ الفامي قَالَ: نَا عبد اللَّهِ بن سُلَيْمَان بن عِيسَى قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن أبي هَارُون الوارق قَالَ ثَنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنِي عَبدة الْخُرَاسَانِي قَالَ: كَانَ أَبُو مُعَاوِيَة الْأسود إِذا مرض يعمد إِلَى قَصْعَة، فَيجْعَل فِي جَانب مِنْهَا عسلا، فَإِذا دخل عَلَيْهِ رجل يسْأَل عَنهُ يَقُول: يَا أَبَا مُعَاوِيَة، تشْتَهي شَيْئا؟ فَيَقُول: رجل لَا يقدر يَأْكُل هَذَا، أَي شَيْء يشتهى يحتجز بِهِ بِهِ عَن النَّاس. [١٠٧] أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ: أنبأ حمد بن أَحْمد قَالَ أنبأ أَحْمد بن عبد اللَّهِ قَالَ نَا أَبُو مُحَمَّد بن حَيَّان قَالَ: نَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ ثَنَا أَحْمد بن أبي الْحوَاري قَالَ: سَمِعت أَحْمد بن وديع يَقُول: قَالَ أَبُو مُعَاوِيَة الْأسود: إخْوَانِي كلهم خير مني. قيل لَهُ: وَكَيف ذَاك يَا أَبَا مُعَاوِيَة؟ قَالَ: كلهم رأى الْفضل لي على نَفسه وَمن فضلني على نَفسه فَهُوَ خير مني.

стр. 166

[١٠٨] أخبرنَا أَبُو بكر بن حبيب قَالَ أنبأ عَليّ بن أبي صَادِق قَالَ أنبأ ابْن باكويه قَالَ نَا عَليّ بن الْحسن الأرجاني قَالَ ثَنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْحسن الرامَهُرْمُزِي قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: سَمِعت أَبَا مُعَاوِيَة الْأسود وَهُوَ على سور طرسوس من جَوف اللَّيْل يبكي وَيَقُول: أَلا من كَانَت الدُّنْيَا من أكبر همه طَال فِي الْقيام غَدا همه، وَمن خَافَ مَا بَين يَدَيْهِ ضَاقَ فِي الدُّنْيَا ذرعه، وَمن خَافَ الْوَعيد أَبى من الدُّنْيَا عَن مَا يُرِيد. يَا مِسْكين، إِن كنت تُرِيدُ لنَفسك الجزيل، فاقلل نومك بِاللَّيْلِ إِلَّا الْقَلِيل، اقبل من اللبيب الناصح إِذا أَتَاك بِأَمْر وَاضح. لَا تهتمن بأرزاق من تخلف، فلست بأرزاقهم تكلّف. نظف طريقك للمقال، إِذا وقفت بَين يَدي رب الْعِزَّة للسؤال. قدم صَالح الْأَعْمَال، ودع عَنْك كَثْرَة الأشغال. بَادر ثمَّ بَادر قبل نزُول مَا تحاذر. إِذا بلغ روحك التراقي، انْقَطع عَنْك من أَحْبَبْت أَن تلاقي، كَأَنِّي بهَا وَقد بلغت الْحُلْقُوم، وَأَنت فِي سَكَرَات الْمَوْت مغموم، وَقد انْقَطَعت حَاجَتك إِلَى أهلك، وَأَنت تراهم حولك، وَبقيت مرتهنا بعملك. الصَّبْر ملاك الْأَمر، وَفِيه أعظم الْأجر، فَاجْعَلْ ذكر اللَّهِ [ ] من جلّ شَأْنك، واملك فِيمَا سوى ذَلِك لسَانك.

стр. 167

ثمَّ بَكَى أَبُو مُعَاوِيَة بكاء شَدِيدا ثمَّ قَالَ: أوه، من يَوْم يتَغَيَّر فِيهِ لوني، ويتلجلج فِيهِ لساني، ويجف فِيهِ ريقي /، ويقل فِيهِ زادي. [١٠٩] أخبرنَا أَحْمد بن ظفر قَالَ: أنبأ الْحسن بن أَحْمد بن الْبَنَّا قَالَ أنبا هِلَال بن مُحَمَّد قَالَ أَنا عَليّ بن أَحْمد الْمصْرِيّ قَالَ: سَمِعت عُثْمَان بن السكن قَالَ: سَمِعت مُؤذن غَزَّة قَالَ: حدثت عَن أبي الزهراء أَنه قَالَ: قدمت طرسوس فَدخلت على أبي مُعَاوِيَة، وَهُوَ مكفوف الْبَصَر، وَفِي منزله مصحف مُعَلّق، فَقلت: رَحِمك اللَّهِ، مصحف وَأَنت لَا تبصر! قَالَ: تكْتم عَليّ يَا أخي حَتَّى أَمُوت؟ قلت: نعم، قَالَ: إِنِّي إِذا أردْت أَن أَقرَأ الْقُرْآن فتح لي بَصرِي. [١١٠] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر [الْحَافِظ] قَالَ أَنبأَنَا الْحسن بن أَحْمد قَالَ: ثَنَا ابْن أبي القواس قَالَ أَنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمُزَكي قَالَ نَا مُحَمَّد بن الْمسيب قَالَ: سَمِعت عبد اللَّهِ بن خبيق يَقُول: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن عبد اللَّهِ قَالَ: استطال رجل على أبي مُعَاوِيَة الْأسود، فَقَالَ لَهُ رجل: مَه. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُعَاوِيَة: دَعه يشتفي، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر الذَّنب الَّذِي سلطت عَليّ بِهِ هَذَا.

стр. 168

[١١١] أخبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا عَليّ بن مُحَمَّد العلاف قَالَ أنبأ عَليّ بن أَحْمد الحماس قَالَ أَنا إِسْمَاعِيل بن عَليّ الحطبي قَالَ نَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْفَهم قَالَ: سَمِعت يحيى بن معِين قَالَ: رَأَيْت أَبَا مُعَاوِيَة الْأسود وَهُوَ يلتقط الْخرق من الْمَزَابِل، فيلفقها ثمَّ يغسلهَا، فَقيل لَهُ: يَا أَبَا مُعَاوِيَة، إِنَّك تُكْسَى. فَقَالَ: مَا ضرهم مَا أَصَابَهُم فِي الدُّنْيَا، جبر اللَّهِ [ ] لَهُم بِالْجنَّةِ كل مُصِيبَة. ذُو النُّون [ثَوْبَان] بن إِبْرَاهِيم أَبُو الْفَيْض الْمصْرِيّ أَصله من النّوبَة. قَالَ أَبُو عمر فِي كتاب (أَعْيَان الموَالِي) : وَمِنْهُم ذُو النُّون بن إِبْرَاهِيم الأخميمي، كَانَ أَبوهُ إِبْرَاهِيم نوبيا. قَالَ المُصَنّف: قلت: كَانَ لإِبْرَاهِيم بنُون: ذُو النُّون، وَذُو الكفل وَعبد الْهَادِي والهميسع، وَكَانَ ذُو النُّون قد حبس، فجيء بِطَعَام، فَنَاوَلَهُ إِيَّاه السجان، فَلم يَأْكُلهُ، وَقَالَ: إِنَّه مر على يَد ظَالِم.

стр. 169

قَالَ ابْن الْجلاء: لقِيت سِتّمائَة شيخ، مَا لقِيت فيهم مثل أَرْبَعَة، أحدهم ذُو النُّون. [١١٢] أخبرنَا المحمدان: ابْن نَاصِر وَابْن عبد الْبَاقِي قَالَا: أَنا حمد ابْن أَحْمد قَالَ أَنا أَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي قَالَ ثَنَا عُثْمَان بن مُحَمَّد العثماني قَالَ قرئَ على أبي الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الرَّازِيّ سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول: سَمِعت ذَا النُّون يَقُول: بِصُحْبَة الصَّالِحين تطيب الْحَيَاة، وَالْخَيْر مَجْمُوع فِي القرين الصَّالح؛ إِن نسيت ذكرك، وَإِن ذكرت أعانك. [١١٣] أخبرنَا أَبُو بكر بن حبيب قَالَ أنبأ ابْن أبي صَادِق قَالَ أَنا ابْن باكويه قَالَ: سَمِعت فَارِسًا الْبَغْدَادِيّ يَقُول: سَمِعت يُوسُف ابْن الْحُسَيْن يَقُول: قلت لذِي النُّون وَقت مفارقتي لَهُ: من أجالس؟ قَالَ: عَلَيْك بِصُحْبَة من يذكرك اللَّهِ رُؤْيَته، وَتَقَع هيبته على باطنك، وَيزِيد فِي علمك مَنْطِقه، ويزهدك فِي الدُّنْيَا عمله، وَلَا تَعْصِي اللَّهِ [ ] مَا دمت فِي قربه، يعظك بِلِسَان فعله، وَلَا يعظك بِلِسَان قَوْله.

стр. 170

وَسمعت ذَا النُّون يَقُول: سقم الْجَسَد فِي الأوجاع، وسقم الْقُلُوب فِي الذُّنُوب، فَكَمَا لَا يجد الْجَسَد لَذَّة الطَّعَام عِنْد سقم، كَذَلِك لَا يجد الْقلب حلاوة الْعِبَادَة مَعَ الذُّنُوب. وسمعته يَقُول: من لم يعرف قدر النعم سلبها من حَيْثُ لَا يعلم. [١١٤] قَالَ ابْن باكويه: وَسمعت بكران بن أَحْمد يَقُول: سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول: سَمِعت ذَا النُّون يَقُول: مَا خلع اللَّهِ على عبد من عبيده خلعة أحسن من الْعقل، وَلَا قَلّدهُ قلادة أجمل من الْعلم، وَلَا زينه بزينة أفضل من الْحلم وَكَمَال ذَلِك كُله: التَّقْوَى. [١١٥] أخبرنَا المحمدان ابْن نَاصِر وَابْن عبد الْبَاقِي قَالَا: أَنا حمد بن أَحْمد قَالَ ثَنَا أَبُو نعيم الْحَافِظ قَالَ ثَنَا أبي قَالَ ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن مصقلة قَالَ ثَنَا سعيد بن عُثْمَان قَالَ: سَمِعت ذان النُّون يَقُول: من ذبح حنجرة الطمع بِسيف الْيَأْس، وردم خَنْدَق الْحِرْص ظفر بكيمياء الْخدمَة، وَمن استقى بِحَبل الزّهْد على دلو الْعُرُوق استقى

стр. 171

من جب الْحِكْمَة، وَمن سلك أَوديَة الكمد جنى حَيَاة الْأَبَد، وَمن حصد عشب الذُّنُوب بمنجل الْوَرع، أَضَاءَت لَهُ رَوْضَة الاسْتقَامَة، وَمن قطع لِسَانه بشفرة الصمت، وجد عذوبة الرَّاحَة، وَمن تدرع درع الصدْق، قوي على مجاهدة عَسْكَر الْبَاطِل، وَمن فَرح بمدحة الْجَاهِل ألبسهُ الشَّيْطَان ثوب الحماقة. [١١٦] أخبرنَا عمر بن ظفر قَالَ أنبأ جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ: أنبأ عبد الْعَزِيز بن عَليّ الْأَزجيّ قَالَ أَنا ابْن جَهْضَم قَالَ ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى قَالَ حَدثنِي يُوسُف بن الْحُسَيْن قَالَ: قَالَ الْفَتْح بن شحرف: دخلت على ذِي النُّون عِنْد مَوته فَقلت لَهُ: كَيفَ تجدك؟ فَقَالَ: (أَمُوت وَمَا مَاتَت إِلَيْك صبابتي ... وَلَا رويت من صدق حبك أوطاري) (مناي المنى كل المنى أَنْت لي منى ... رَأَيْت الْغنى كل الْغنى عِنْد إقتاري) (وَأَنت مدى سؤلي وَغَايَة رغبتي ... وَمَوْضِع آمالي ومكنون إضماري) (تضمن قلبِي مِنْك مَالك قد بدا ... وَإِن طَال سري فِيك أَو طَال إظهاري) (وَبَين ضلوعي مِنْك مَا لَا أبثه ... وَلم أَبَد بادية لأهل وَلَا جَار)

стр. 172

(سرائر لَا يخفى عَلَيْك خفيها ... وَإِن لم أبح حَتَّى التنادي بأسراري) (فَهَب لي نسيما مِنْك أحيى بِقُرْبِهِ ... وجد لي بيسر مِنْك يطرد إعساري) (أنرت الْهدى للمهتدين وَلم يكن ... من الْعلم فِي أَيْديهم عشر معشار) (وعلمتهم علما فبانوا بنوره ... وَبَانَتْ لَهُم مِنْهُ معالم أسرار) (مُعَاينَة للغيب حَتَّى كَأَنَّهَا لما ... غَابَ عَنْهَا مِنْهُ حَاضِرَة الدَّار) (وأخبارهم محجوبة وَقُلُوبهمْ تراك ... بأوهام حديدات أبصار) (جمعت لَهَا الْهم المفرق والتقى ... وعَلى قدر والهم يجْرِي بِمِقْدَار) (أَلَسْت دَلِيل الركب إِن هم تحيروا ... وعصمة من أَمْسَى على جرف هار) قَالَ الْفَتْح بن شحرف: فَلَمَّا ثقل قلت لَهُ: كَيفَ تجدك؟ فَقَالَ: (وَمَا لي سوى الإطراق والصمت حِيلَة ... ووضعي على خدي يَدي عِنْد تذكاري) (وَإِن طرقتني عِبْرَة بعد عِبْرَة تجرعتها ... حَتَّى إِذا عيل تصباري) (أفضت دموعا جمة مستهلة أطفي ... بهَا حرا تضمن أسراري) (فيا مُنْتَهى سؤل المحبين كلهم ... أبحني مَحل الْأنس مَعَ كل زوار) (وَلست أُبَالِي فائتا بعد فَائت ... إِذا كنت فِي الدَّاريْنِ يَا واحدي جَار) قَالَ المُصَنّف: أسْند ذُو النُّون أَحَادِيث كَثِيرَة عَن مَالك وَاللَّيْث بن

стр. 173

سعد وسُفْيَان بن عُيَيْنَة والفضيل بن عِيَاض وَغَيرهم وَتُوفِّي بالجيزة، وَحمل فِي مركب إِلَى الْفسْطَاط خوفًا من زحمة النَّاس على الجسر، وَدفن فِي مَقَابِر أهل المعافر فِي ذِي الْقعدَة من سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. (أَبُو الْخَيْر التيناتي) سكن التينات وَهِي قَرْيَة من قرى أنطاكية، وَيُقَال لَهُ: (الأقطع لِأَنَّهُ كَانَ مَقْطُوع الْيَد، وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه كَانَ فِي جبال أنطاكية يطْلب الْمُبَاح وينام فِي الْجبَال، وَأَنه عَاهَدَ اللَّهِ أَن لَا يَأْكُل من ثَمَر الْجبَال شَيْئا، إِلَّا مَا طرحته الرّيح، فَبَقيَ أَيَّامًا لم تطرح الرّيح إِلَيْهِ شَيْئا، فَرَأى يَوْمًا شَجَرَة كمثرى، فاشتهى مِنْهَا، فَلم يفعل، فأمالتها الرّيح إِلَيْهِ، فَأخذ وَاحِدَة وَاتفقَ أَن لصوصا قطعُوا هُنَالك الطَّرِيق، وجلسوا يقتسمون، فَوَقع عَلَيْهِم السُّلْطَان فَأَخذهُم وَأخذ مَعَهم فَقطعت أَيْديهم وأرجلهم، وَقطعت يَده فَلَمَّا هموا بِقطع رجله عرفه رجل فَقَالَ للأمير: أهلكت نَفسك، هَذَا أَبُو الْخَيْر، فَبكى الْأَمِير، وَسَأَلَهُ أَن يَجعله فِي حل فَفعل، وَقَالَ: أَنا أعرف ذَنبي. [١١٧] أخبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر بن خلف قَالَ أنبأ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ قَالَ: سَمِعت مَنْصُور بن عبد اللَّهِ يَقُول: قَالَ أَبُو الْخَيْر:

стр. 174

الدَّعْوَى رعونة لَا يحْتَمل الْقلب إِِمْسَاكهَا فليلقها إِلَى اللِّسَان، فَتَنْطِق بهَا أَلْسِنَة الحمقى. قَالَ: وسمعته يَقُول: دخلت مَدِينَة الرَّسُول [ ﷺ َ -] وَأَنا بفاقة فأقمت خَمْسَة أَيَّام مَا ذقت ذواقا، فتقدمت إِلَى الْقَبْر، فَسلمت على النَّبِي ﷺ َ - وعَلى أبي بكر وَعمر، وَقلت: أَنا ضيفك اللَّيْلَة يَا رَسُول اللَّهِ، وتنحيت فَنمت خلف الْمِنْبَر، فَرَأَيْت فِي الْمَنَام النَّبِي وَأَبُو بكر عَن يَمِينه وَعمر عَن شِمَاله، وَعلي بن أبي طَالب بَين يَدَيْهِ، فحركني عَليّ، وَقَالَ: قُم، قد جَاءَ رَسُول الله [ ﷺ َ -] فَقُمْت إِلَيْهِ وَقبلت بَين عَيْنَيْهِ، فَدفع إِلَيّ رغيفان فَأكلت نصفه، وانتبهت، وَإِذا فِي يَدي نصف رغيف. [١١٨] أخبرنَا أَبُو بكر العامري قَالَ أنبأ ابْن أبي صَادِق قَالَ ثَنَا ابْن باكويه قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المراغي يَقُول: سَمِعت أَبَا الْخَيْر التيناتي يَقُول: بقيت بِمَكَّة سنة فَأَصَابَنِي ضرّ وفاقة فَكلما أردْت أَن أخرج إِلَى الْمَسْأَلَة هتف بِي هَاتِف يَقُول: الْوَجْه الَّذِي تسْجد لي بِهِ تبذله لغيري؟ [١١٩] أخبرنَا المحمدان ابْن نَاصِر وَابْن عبد الْبَاقِي قَالَا أنبأ أَحْمد بن الْحسن بن خيرون قَالَ: قَرَأت على أبي الْحُسَيْن عَليّ بن مَحْمُود الصُّوفِي أخْبركُم عَليّ بن الْمثنى قَالَ: سَمِعت أَبَا الْخَيْر يَقُول:

стр. 175

مَا بلغ أحد إِلَى حَالَة شريفة إِلَّا بملازمة الْمُوَافقَة، ومعانقة الْأَدَب وَأَدَاء الْفَرَائِض، وصحبة الصَّالِحين، وخدمة الْفُقَرَاء الصَّالِحين [١٢٠] أخبرنَا ابْن حبيب قَالَ أنبأ ابْن أبي صَادِق قَالَ أنبأ أَبُو عبد الله الشِّيرَازِيّ قَالَ: سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل يَقُول: خرجت من أنطاكية، وَدخلت تينات، وَدخلت على أبي الْخَيْر الأقطع على غَفلَة مِنْهُ بِغَيْر إِذن، فَإِذا هُوَ ينسج ربيلا بيدَيْهِ، فتعجبت، فَنظر إِلَيّ وَقَالَ: يَا عَدو نَفسه، مَا الَّذِي حملك على هَذَا؟ فَقلت: هيجان الوجد لما بِي من الشوق إِلَيْك، فَضَحِك، ثمَّ قَالَ لي: اقعد، لَا تعد فِي شَيْء من هَذَا بعد الْيَوْم، ثمَّ قَالَ: اسْتُرْ عَليّ فِي حَياتِي. فَفعلت. قَالَ الشِّيرَازِيّ: وَسمعت إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد السباك يَقُول: كُنَّا نطلع على أبي الْخَيْر التيناتي من الخوخة وَهُوَ يشق الخوص بِيَدِهِ فَإِذا خرج رَأَيْنَاهُ أقطع. [١٢١] أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم الْجريرِي قَالَ أنبأ أَبُو طَالب العشاري قَالَ ثَنَا مبادر بن عبد اللَّهِ الرقي قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر الْمصْرِيّ يَقُول: سَمِعت فَقِيرا من أَصْحَابنَا يعرف بِالْأَنْصَارِيِّ يَقُول: دخلت على أبي الْخَيْر فناولني تفاحتين فجعلتها فِي جيبي، وَقلت: لَا أتناولهما وأتبرك بهما لموْضِع الشَّيْخ عِنْدِي، فَكَانَت تجْرِي

стр. 176

عَليّ فاقات لَا أتناولهما، فأجهدتني الْفَاقَة، فأخرجت وَاحِدَة فَأَكَلتهَا، وأدخلت يَدي لأخرج الثَّانِيَة، فَإِذا التفحاحتان مكانهما فَمَا زلت آكل مِنْهُمَا حَتَّى دخلت الْموصل، فجزت على خراب، فَإِذا بعليل يُنَادي من الخراب: يَا نَاس، أشتهي تفاحة، وَلم يكن وَقت التفاح، فأخرجت التفاحتين، فناولتهما إِيَّاه فَأكل، وَخرجت روحه، فَعلمت أَن الشَّيْخ أَعْطَانِي من أجل ذَلِك العليل [١٢٢] أَنبأَنَا ابْن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبأ عبد الْعَزِيز بن عَليّ قَالَ أَنا ابْن جَهْضَم قَالَ: ثَنَا بكير بن مُحَمَّد قَالَ: كنت عِنْد أبي الْخَيْر فِي جمَاعَة فتذاكروا الكرامات، فَقَالَ: كم تَقولُونَ فلَان مَشى إِلَى مَكَّة فِي لَيْلَة، أَنا أعرف عبدا حَبَشِيًّا كَانَ جَالِسا فِي جَامع أطرابلس وَرَأسه فِي جنب مرقعته فخطر لَهُ ظَبْيَة الْحرم، فَقَالَ فِي سره: يَا لَيْتَني كنت بِالْحرم، ثمَّ أمسك، فتغامز الْجَمَاعَة، وَأَجْمعُوا على أَنه ذَلِك الرجل. توفّي أَبُو الْخَيْر بعد الْأَرْبَعين وثلاثمائة. (مقبل الْأسود) [١٢٣] أَنبأَنَا يحيى بن الْحسن بن الْبَنَّا قَالَ أَنبأَنَا القَاضِي أَبُو يعلى

стр. 177

مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ: حكى لنا أَبُو بكر أَحْمد بن إِسْحَاق بن سكينَة الْأَزجيّ عَن أبي الْحسن بن خيرون صَاحب أبي بكر عبد الْعَزِيز قَالَ: قَالَ لي أَبُو بكر عبد الْعَزِيز: كنت مَعَ أستاذي يَعْنِي أَبَا بكر الْخلال وَأَنا غُلَام مشتد فَاجْتمع جمَاعَة يتذاكرون بعد عشَاء الْآخِرَة، فَقَالَ بَعضهم لبَعض: أَلَيْسَ مقبل - يعنون رجلا أسود كَانَ ناظورا بِبَاب حَرْب - لنا مُدَّة مَا رَأَيْنَاهُ؟ فَقَامُوا يقصدونه، وَقَالَ لي أستاذي - يَعْنِي الْخلال -: لَا تَبْرَح، احفظ الْبَاب. فتركتهم حَتَّى مضوا وأغلقت الْبَاب وتبعتهم. فَلَمَّا بلغنَا بعض الطَّرِيق، قَالَ: هُوَ ذَا أرى وَرَاءَنَا شخصا، فوقفوا، فَقَالُوا لي: من أَنْت؟ فَأَمْسَكت فَزعًا من أستاذي، فَقَالَ أحدهم لأستاذي: بِاللَّه عَلَيْك إِلَّا تركته فتركني ومضيت مَعَهم، فَدَخَلْنَا إِلَى قراح فِيهِ باذنجان، وَالْأسود قَائِم يُصَلِّي، فَسَلمُوا وجلسوا إِلَى أَن سلم، وَأخرج كيسا فِيهِ كسر يابسة وملح جريش، وَقَالَ: كلوا، فَأَكَلُوا وتحدثوا وَأخذُوا يذكرُونَ كرامات الْأَوْلِيَاء وَهُوَ سَاكِت، فَقَالَ وَاحِد من الْجَمَاعَة: يَا مقبل، قد زرناك فَمَا حَدَّثتنَا بِشَيْء فَقَالَ: أَي شَيْء أَنا، وَأي شَيْء عِنْدِي أحَدثك، أَنا أعرف رجلا لَو سَأَلَ اللَّهِ تَعَالَى أَن يَجْعَل هَذَا القراح الباذنجان ذَهَبا لفعل، فوَاللَّه مَا استتم الْكَلَام حَتَّى رَأَيْت القراح يتقد ذَهَبا، فَقَالَ لَهُ أستاذي - يَعْنِي الْخلال -: يَا مقبل: هَل لأحد سَبِيل أَن يَأْخُذ من هَذَا القراح أصلا وَاحِدًا؟ فَقَالَ: خُذ، وَكَانَ القراح مستنبتا، فَأخذ أستاذي الأَصْل فقلعه بعروقه وَجَمِيع مَا فِيهِ ذهب فَوَقَعت من الأَصْل باذنجانة صَغِيرَة وَشَيْء من الْوَرق فَأَخَذته، وبقاياه معي إِلَى يومي. قَالَ: ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ وَسَأَلَ اللَّهِ تَعَالَى فَعَاد القراح

стр. 178

كَمَا كَانَ، وَعَاد مَكَانَهُ ذَلِك الأَصْل أصل باذنجان آخر. (حَامِد الْأسود) كَانَ زوج أُخْت إِبْرَاهِيم الْخَواص، وَكَانَ صَالحا، وَكَانَ سَافر مَعَ الْخَواص على التَّوَكُّل. (أَبُو حَمَّاد الْأسود) [١٢٤] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ أَبُو حَمَّاد الْأسود وَيعرف بالزنجي من أستاذي أبي الْحُسَيْن الرُّوذَبَارِي ذكر عَنهُ عَليّ بن مُحَمَّد المزين أَنه جلس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بحذاء الْكَعْبَة ثَلَاثِينَ سنة لَا يخرج إِلَّا لطهارة الصَّلَاة وَمَا رُؤِيَ أكل وَلَا شرب. وَقَالَ أَبُو الْحسن المزين: كَانَ أَبُو حَمَّاد إِذا تُوجد يبيض، وَإِذا ذهب، وَجهه يسود. (صُهَيْب الْأسود) [١٢٥] أَنبأَنَا عَليّ بن عبيد اللَّهِ عَن أبي الْحُسَيْن بن الْمُهْتَدي عَن أبي حَفْص ابْن شاهين قَالَ: نَا عمر بن الْحسن قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن سيف قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ حَدثنِي ابْن أبي بكر الْمقدمِي قَالَ نَا جَعْفَر الضبعِي عتن مَالك بن دِينَار قَالَ: كَانَ بِمَكَّة عبد أسود يُقَال لَهُ صُهَيْب فَكَانَت مولاته تَقول

стр. 179

لَهُ: يَا صُهَيْب قد أفسدت نَفسك عَليّ؛ أما النَّهَار فصائم، وَأما اللَّيْل فَأَنت قَائِم. قَالَ: يَقُول: يَا مولاتي إِذا ذكرت النَّار طَار نومي، وَإِذا ذكرت الْجنَّة اشْتَدَّ شوقي.

стр. 180

(فصل) (فَأَما من لم نَعْرِف اسْمه من عباد الْقَوْم وزهادهم فَمنهمْ: عَابِد من أهل الْمَدِينَة) [١٢٦] أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم هبة اللَّهِ بن أَحْمد الحريري قَالَ أَنبأَنَا أَبُو طَالب مُحَمَّد بن عَليّ العشاري قَالَ أَنبأَنَا يُوسُف بن عمر القواس إجَازَة قَالَ أنبأ أَبُو الْفضل الْخُرَاسَانِي قَالَ نَا سعيد بن عُثْمَان قَالَ نَا مُحَمَّد بن يحيى الْكِنْدِيّ قَالَ نَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الْمروزِي عَن أبي عبد ربه عَن مُوسَى بن جَابَان عَن أنس ابْن مَالك قَالَ: شهِدت عمر بن الْخطاب وجاءه مَمْلُوك أسود فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَلَيْسَ اللَّهِ يَقُول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾ ، قَالَ: بلَى. قَالَ: فَإِنِّي أَخُوك، فَقُمْ معي لحَاجَة لتعينني عَلَيْهَا، فَوَثَبَ عمر فَوضع يَده فِي يَد الْأسود، فَانْطَلق بِهِ إِلَى خص لَهُ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أما خشيت اللَّهِ أَن تأوي إِلَى ظلّ، وَأَنا فِي سملة بالية قذرة أتزر بِبَعْضِهَا وأفترش بَعْضهَا، وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَا أحللتك حَتَّى أتعلق بك يَوْم الْقِيَامَة، فَيَأْخُذ لي مِنْك الْحق بِمَا أغفلتني فَصَرَخَ عمر، وَوضع التُّرَاب على رَأسه، وَجعل يَقُول: واعمراه، ثكلت عمر أمه، يَا أسود الْعَفو. فَبكى الْأسود وَقَالَ: قد غفرت لَك فَأمر لَهُ عمر بكسوة وَنَفَقَة، فَقَالَ: أما الْكسْوَة فأقبلها مِنْك، وَأما النَّفَقَة فَلَا حَاجَة لي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عمر: وَلم؟ قَالَ: أَخَاف
следующие страницы →