Полный текст (233 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
عَليّ فاقات لَا أتناولهما، فأجهدتني الْفَاقَة، فأخرجت وَاحِدَة فَأَكَلتهَا، وأدخلت يَدي لأخرج الثَّانِيَة، فَإِذا التفحاحتان مكانهما فَمَا زلت آكل مِنْهُمَا حَتَّى دخلت الْموصل، فجزت على خراب، فَإِذا بعليل يُنَادي من الخراب: يَا نَاس، أشتهي تفاحة، وَلم يكن وَقت التفاح، فأخرجت التفاحتين، فناولتهما إِيَّاه فَأكل، وَخرجت روحه، فَعلمت أَن الشَّيْخ أَعْطَانِي من أجل ذَلِك العليل
[١٢٢] أَنبأَنَا ابْن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبأ عبد الْعَزِيز بن عَليّ قَالَ أَنا ابْن جَهْضَم قَالَ: ثَنَا بكير بن مُحَمَّد قَالَ: كنت عِنْد أبي الْخَيْر فِي جمَاعَة فتذاكروا الكرامات، فَقَالَ: كم تَقولُونَ فلَان مَشى إِلَى مَكَّة فِي لَيْلَة، أَنا أعرف عبدا حَبَشِيًّا كَانَ جَالِسا فِي جَامع أطرابلس وَرَأسه فِي جنب مرقعته فخطر لَهُ ظَبْيَة الْحرم، فَقَالَ فِي سره: يَا لَيْتَني كنت بِالْحرم، ثمَّ أمسك، فتغامز الْجَمَاعَة، وَأَجْمعُوا على أَنه ذَلِك الرجل.
توفّي أَبُو الْخَيْر بعد الْأَرْبَعين وثلاثمائة.
(مقبل الْأسود)
[١٢٣] أَنبأَنَا يحيى بن الْحسن بن الْبَنَّا قَالَ أَنبأَنَا القَاضِي أَبُو يعلى
стр. 177
مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ: حكى لنا أَبُو بكر أَحْمد بن إِسْحَاق بن سكينَة الْأَزجيّ عَن أبي الْحسن بن خيرون صَاحب أبي بكر عبد الْعَزِيز قَالَ: قَالَ لي أَبُو بكر عبد الْعَزِيز: كنت مَعَ أستاذي يَعْنِي أَبَا بكر الْخلال وَأَنا غُلَام مشتد فَاجْتمع جمَاعَة يتذاكرون بعد عشَاء الْآخِرَة، فَقَالَ بَعضهم لبَعض: أَلَيْسَ مقبل - يعنون رجلا أسود كَانَ ناظورا بِبَاب حَرْب - لنا مُدَّة مَا رَأَيْنَاهُ؟ فَقَامُوا يقصدونه، وَقَالَ لي أستاذي - يَعْنِي الْخلال -: لَا تَبْرَح، احفظ الْبَاب. فتركتهم حَتَّى مضوا وأغلقت الْبَاب وتبعتهم. فَلَمَّا بلغنَا بعض الطَّرِيق، قَالَ: هُوَ ذَا أرى وَرَاءَنَا شخصا، فوقفوا، فَقَالُوا لي: من أَنْت؟ فَأَمْسَكت فَزعًا من أستاذي، فَقَالَ أحدهم لأستاذي: بِاللَّه عَلَيْك إِلَّا تركته فتركني ومضيت مَعَهم، فَدَخَلْنَا إِلَى قراح فِيهِ باذنجان، وَالْأسود قَائِم يُصَلِّي، فَسَلمُوا وجلسوا إِلَى أَن سلم، وَأخرج كيسا فِيهِ كسر يابسة وملح جريش، وَقَالَ: كلوا، فَأَكَلُوا وتحدثوا وَأخذُوا يذكرُونَ كرامات الْأَوْلِيَاء وَهُوَ سَاكِت، فَقَالَ وَاحِد من الْجَمَاعَة: يَا مقبل، قد زرناك فَمَا حَدَّثتنَا بِشَيْء فَقَالَ: أَي شَيْء أَنا، وَأي شَيْء عِنْدِي أحَدثك، أَنا أعرف رجلا لَو سَأَلَ اللَّهِ تَعَالَى أَن يَجْعَل هَذَا القراح الباذنجان ذَهَبا لفعل، فوَاللَّه مَا استتم الْكَلَام حَتَّى رَأَيْت القراح يتقد ذَهَبا، فَقَالَ لَهُ أستاذي - يَعْنِي الْخلال -: يَا مقبل: هَل لأحد سَبِيل أَن يَأْخُذ من هَذَا القراح أصلا وَاحِدًا؟ فَقَالَ: خُذ، وَكَانَ القراح مستنبتا، فَأخذ أستاذي الأَصْل فقلعه بعروقه وَجَمِيع مَا فِيهِ ذهب فَوَقَعت من الأَصْل باذنجانة صَغِيرَة وَشَيْء من الْوَرق فَأَخَذته، وبقاياه معي إِلَى يومي. قَالَ: ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ وَسَأَلَ اللَّهِ تَعَالَى فَعَاد القراح
стр. 178
كَمَا كَانَ، وَعَاد مَكَانَهُ ذَلِك الأَصْل أصل باذنجان آخر.
(حَامِد الْأسود)
كَانَ زوج أُخْت إِبْرَاهِيم الْخَواص، وَكَانَ صَالحا، وَكَانَ سَافر مَعَ الْخَواص على التَّوَكُّل.
(أَبُو حَمَّاد الْأسود)
[١٢٤] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ أَبُو حَمَّاد الْأسود وَيعرف بالزنجي من أستاذي أبي الْحُسَيْن الرُّوذَبَارِي ذكر عَنهُ عَليّ بن مُحَمَّد المزين أَنه جلس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بحذاء الْكَعْبَة ثَلَاثِينَ سنة لَا يخرج إِلَّا لطهارة الصَّلَاة وَمَا رُؤِيَ أكل وَلَا شرب.
وَقَالَ أَبُو الْحسن المزين: كَانَ أَبُو حَمَّاد إِذا تُوجد يبيض، وَإِذا ذهب، وَجهه يسود.
(صُهَيْب الْأسود)
[١٢٥] أَنبأَنَا عَليّ بن عبيد اللَّهِ عَن أبي الْحُسَيْن بن الْمُهْتَدي عَن أبي حَفْص ابْن شاهين قَالَ: نَا عمر بن الْحسن قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن سيف قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ حَدثنِي ابْن أبي بكر الْمقدمِي قَالَ نَا جَعْفَر الضبعِي عتن مَالك بن دِينَار قَالَ: كَانَ بِمَكَّة عبد أسود يُقَال لَهُ صُهَيْب فَكَانَت مولاته تَقول
стр. 179
لَهُ: يَا صُهَيْب قد أفسدت نَفسك عَليّ؛ أما النَّهَار فصائم، وَأما اللَّيْل فَأَنت قَائِم.
قَالَ: يَقُول: يَا مولاتي إِذا ذكرت النَّار طَار نومي، وَإِذا ذكرت الْجنَّة اشْتَدَّ شوقي.
стр. 180
(فصل)
(فَأَما من لم نَعْرِف اسْمه من عباد الْقَوْم وزهادهم فَمنهمْ: عَابِد من أهل الْمَدِينَة)
[١٢٦] أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم هبة اللَّهِ بن أَحْمد الحريري قَالَ أَنبأَنَا أَبُو طَالب مُحَمَّد بن عَليّ العشاري قَالَ أَنبأَنَا يُوسُف بن عمر القواس إجَازَة قَالَ أنبأ أَبُو الْفضل الْخُرَاسَانِي قَالَ نَا سعيد بن عُثْمَان قَالَ نَا مُحَمَّد بن يحيى الْكِنْدِيّ قَالَ نَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الْمروزِي عَن أبي عبد ربه عَن مُوسَى بن جَابَان عَن أنس ابْن مَالك قَالَ: شهِدت عمر بن الْخطاب وجاءه مَمْلُوك أسود فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَلَيْسَ اللَّهِ يَقُول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾ ، قَالَ: بلَى. قَالَ: فَإِنِّي أَخُوك، فَقُمْ معي لحَاجَة لتعينني عَلَيْهَا، فَوَثَبَ عمر فَوضع يَده فِي يَد الْأسود، فَانْطَلق بِهِ إِلَى خص لَهُ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أما خشيت اللَّهِ أَن تأوي إِلَى ظلّ، وَأَنا فِي سملة بالية قذرة أتزر بِبَعْضِهَا وأفترش بَعْضهَا، وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَا أحللتك حَتَّى أتعلق بك يَوْم الْقِيَامَة، فَيَأْخُذ لي مِنْك الْحق بِمَا أغفلتني فَصَرَخَ عمر، وَوضع التُّرَاب على رَأسه، وَجعل يَقُول: واعمراه، ثكلت عمر أمه، يَا أسود الْعَفو. فَبكى الْأسود وَقَالَ: قد غفرت لَك فَأمر لَهُ عمر بكسوة وَنَفَقَة، فَقَالَ: أما الْكسْوَة فأقبلها مِنْك، وَأما النَّفَقَة فَلَا حَاجَة لي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عمر: وَلم؟ قَالَ: أَخَاف
стр. 181
إِن أَمْسَكت الدَّرَاهِم أَن أفتتن بحبها، فودعه عمر، ثمَّ جهد بعد ذَلِك فِي طلبه وَسَأَلَ عَنهُ، فَلم يدر أَيْن سلك.
(عَابِد آخر مدنِي)
[١٢٧] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر الْحَافِظ قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد بن السراج قَالَ أنبأ أَبُو الْقَاسِم عبيد اللَّهِ بن عمر بن شاهين قَالَ نَا أبي قَالَ ثَنَا أَحْمد بن سعد بن إِبْرَاهِيم الزُّهْرِيّ قَالَ نَا عبيد اللَّهِ بن عمر قَالَ نَا صَالح بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ: كَانَت لي سَارِيَة فِي مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -، ثمَّ جِئْت فتساندت إِلَى ساريتي فجَاء رجل أسود تعلوه صفرَة متزر بكساء وعَلى رقبته كسَاء أَصْغَر مِنْهُ، فَتقدم إِلَى السارية الَّتِي بَين يَدي. فَكنت خَلفه، فَقَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ جلس فَقَالَ: أَي رب خرج أهل حرم بَيْتك يستسقون فَلم تسقهم، فَأَنا أقسم عَلَيْك لما سقيتهم. قَالَ ابْن الْمُنْكَدر: فَمَا وضع يَده حَتَّى سَمِعت الرَّعْد، ثمَّ جَاءَت السَّمَاء بِشَيْء من الْمَطَر أهمني الرُّجُوع إِلَى أَهلِي، فَلَمَّا سمع الْمَطَر حمد اللَّهِ محامدا لم أسمع بِمِثْلِهَا قطّ. قَالَ: ثمَّ قَالَ: وَمن أَنا؟ وَمَا أَنا حَيْثُ اسْتُجِيبَ لي، وَلَكِن عذت بحَمْدك وعذت بطولك، ثمَّ قَامَ فتوشح بكسائه الَّذِي كَانَ متزرا بِهِ، وَألقى الكساء الآخر الَّذِي كَانَ على ظَهره فِي رجلَيْهِ، ثمَّ قَامَ فَلم يزل قَائِما يُصَلِّي حَتَّى إِذا أحس الصُّبْح سجد وأوتر، وَصلى رَكْعَتي الصُّبْح، ثمَّ أُقِيمَت صَلَاة الصُّبْح، فَدخل مَعَ النَّاس فِي الصَّلَاة وَدخلت مَعَه، فَلَمَّا سلم الإِمَام قَامَ فَخرج، وَخرجت خَلفه حَتَّى انْتهى إِلَى بَاب الْمَسْجِد، فَخرج يرفع ثَوْبه يَخُوض المَاء، فَخرجت خَلفه رَافعا ثوبي أخوض
стр. 182
المَاء، فَلم أدر أَيْن ذهب، فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الثَّانِيَة صليت الْعشَاء فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ َ - وَجئْت إِلَى ساريتي فتوسدت إِلَيْهَا، وَجَاء فَقَامَ فتوشح بكسائه وَألقى الكساء الآخر الَّذِي كَانَ على ظَهره فِي رجلَيْهِ وَقَامَ يُصَلِّي، فَلم يزل قَائِما حَتَّى إِذا خشِي الصُّبْح، سجد، ثمَّ أوتر، ثمَّ صلى رَكْعَتي الْفجْر، وأقيمت الصَّلَاة، فَدخل مَعَ النَّاس فِي الصَّلَاة فَدخلت مَعَه، فَلَمَّا سلم الإِمَام خرج من الْمَسْجِد، وَخرجت خَلفه، فَجعل يمشي، وَأتبعهُ حَتَّى دخل دَارا قد عرفتها من دور الْمَدِينَة، وَرجعت إِلَى الْمَسْجِد، فَلَمَّا طلعت الشَّمْس وَصليت خرجت حَتَّى أتيت الدَّار فَإِذا أَنا بِهِ قَاعد يخرز، وَإِذا هُوَ أسكاف، فَلَمَّا رَآنِي عرفني وَقَالَ: أَبَا عبد اللَّهِ، مرْحَبًا، لَك حَاجَة؟ تُرِيدُ أَن أَن أعمل لَك خفا؟ فَجَلَست فَقلت: أَلَسْت صَاحِبي بارحة الأولى؟ فاسود وَجهه وَصَاح وَقَالَ: يَا ابْن الْمُنْكَدر، مَا أَنْت وَذَاكَ، وَغَضب فَفَزِعت وَالله مِنْهُ، وَقلت: أخرج من عِنْده الْآن. فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة صليت الْعشَاء الْآخِرَة فِي مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -، ثمَّ أتيت ساريتي فتساندت إِلَيْهَا فَلم يَجِيء. قَالَ: قلت: إِنَّا لله، مَا صنعت؟ فَقَالَ: فَلَمَّا أَصبَحت جَلَست فِي الْمَسْجِد حَتَّى طلعت الشَّمْس، ثمَّ خرجت حَتَّى أتيت الدَّار الَّتِي كَانَ فِيهَا فَإِذا بَاب الدَّار مَفْتُوح وَإِذا لَيْسَ فِي الْبَيْت شَيْء، فَقَالَ لي أهل الدَّار: يَا أَبَا عبد اللَّهِ، مَا كَانَ بَيْنك وَبَين هَذَا أمس؟ قلت: مَا لَهُ؟ قَالُوا: لما خرجت من عِنْده أمس بسط كساءه فِي وسط الْبَيْت، ثمَّ لم يدع فِي بَيته جلدا وَلَا قالبا إِلَّا وَضعه فِي كسائه، ثمَّ حمله، فَلم ندر أَيْن ذهب؟ قَالَ ابْن الْمُنْكَدر: فَمَا تركت فِي الْمَدِينَة دَارا أعلمها إِلَّا وَقد طلبته فِيهَا فَلم أَجِدهُ.
стр. 183
(عَابِد آخر)
[١٢٨] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبأ أَبُو طَالب مُحَمَّد بن عَليّ بن يُوسُف الْوَاعِظ قَالَ أنبأ أَبُو الْحسن عبد السَّلَام بن عبد الْملك بن حبيب قَالَ ثَنَا جَعْفَر بن أَحْمد بن سِنَان قَالَ نَاصِر بن عَليّ قَالَ حَدثنِي الْأَصْمَعِي عَن أبي مودود عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ: أَبْطَأَ الْمَطَر سنة فَجئْت إِلَى الْمَسْجِد فَإِذا رجل أسود عِنْد الْمِنْبَر وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ اسقنا السَّاعَة، فَرعدَت وأبرقت، فَقَالَ: يَا رب لَيْسَ هَذَا أُرِيد، ثمَّ مطرَت، فَقَامَ: واتبعته حَتَّى أَتَى دَار آل حزم، فَأَتَيْته فعرضت عَلَيْهِ دَرَاهِم فأبي، فَقلت: هَذَا أَوَان الْحَج فَتخرج معي؟ فَقَالَ: هَذَا من الْخَيْر، وَلَك فِيهِ أجر، فَخرج معي.
(عَابِد أسود من أهل مَكَّة)
[١٢٩] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ ثَنَا جَعْفَر بن أَحْمد بن السراج قَالَ أنبأ عبد الْعَزِيز بن الْحسن بن إِسْمَاعِيل الضراب قَالَ ثَنَا أبي قَالَ ثَنَا أَحْمد ابْن مَرْوَان الْمَالِكِي قَالَ نَا سُلَيْمَان بن الْحسن قَالَ ثَنَا أبي قَالَ: قَالَ ابْن الْمُبَارك: قدمت مَكَّة فَإِذا النَّاس قد قحطوا من الْمَطَر وهم يستسقون فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، فَكنت فِي النَّاس مِمَّا يَلِي بَاب بني شيبَة، إِذْ أقبل غُلَام أسود
стр. 184
عَلَيْهِ قطعتا خيش قد ائتزر بِإِحْدَاهُمَا، وَألقى الْأُخْرَى على عَاتِقه، فَصَارَ فِي مَوضِع خَفِي إِلَى جَانِبي فَسَمعته يَقُول: إلهي، أخلقت الْوُجُوه كَثْرَة الذُّنُوب ومساوئ الْأَعْمَال، وَقد منتعنا غيث السَّمَاء لتؤدب الخليقة بذلك، فأسألك يَا حَلِيمًا ذَا أَنَاة، يَا من لَا يعرف عباده مِنْهُ إِلَّا الْجَمِيل، اِسْقِهِمْ السَّاعَة السَّاعَة. قَالَ: فَلم يزل يَقُول: السَّاعَة السَّاعَة حَتَّى اسْتَوَت بالغمام وَأَقْبل الْمَطَر من كل مَكَان، وَجلسَ مَكَانَهُ يسبح، وَأخذت أبْكِي، فَقَامَ فتبعته حَتَّى عرفت مَوْضِعه فَجئْت إِلَى الفضيل بن عِيَاض فَقَالَ لي: مَا لي أَرَاك باكيا؟ فَقلت: سبقنَا إِلَيْهِ غَيرنَا، فتولاه دُوننَا. قَالَ: وَمَا ذَاك؟ فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، فصاح وَسقط، وَقَالَ: وَيحك يَا ابْن الْمُبَارك، خذني إِلَيْهِ. قلت: قد ضَاقَ الْوَقْت وسأبحث عَن شَأْنه. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد صليت الْغَدَاة، وَخرجت أُرِيد الْموضع فَإِذا شيخ على الْبَاب قد بسط لَهُ وَهُوَ جَالس فَلَمَّا رَآنِي عرفني، فَقَالَ: مرْحَبًا بك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، حَاجَتك. فَقلت لَهُ: احتجت إِلَى غُلَام أسود، فَقَالَ: نعم، عِنْدِي عدَّة فاختر أَيهمْ شِئْت، فصاح: يَا غُلَام. فَخرج غُلَام جلد، فَقَالَ: هَذَا مَحْمُود الْعَاقِبَة أرضاه لَك. فَقلت: لَيْسَ هَذَا حَاجَتي، فَمَا زَالَ يخرج وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى أخرج إِلَيّ الْغُلَام، فَلَمَّا بصرت بِهِ بدرت عَيْنَايَ، فَقَالَ: هَذَا؟ قلت: نعم، فَقَالَ: لَيْسَ إِلَيّ بَيْعه سَبِيل،
стр. 185
قلت: وَلم؟ قَالَ: قد تبركت بموضعه فِي الدَّار، وَذَلِكَ أَنه لَا يرزؤني شَيْئا، قلت: وَمن أَيْن طَعَامه؟ قَالَ: يكْسب من فتل الشريط نصف دانق وَأَقل وَأكْثر فَهُوَ قوته، فَإِن بَاعه فِي يَوْمه وَإِلَّا طوى ذَلِك الْيَوْم.
وَأَخْبرنِي الغلمان عَنهُ: أَنه لَا ينَام هَذَا اللَّيْل الطَّوِيل، وَلَا يخْتَلط بِأحد مِنْهُم، مهتم بِنَفسِهِ، وَقد أحبه قلبِي، فَقلت لَهُ: انْصَرف إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ والفضيل بَين عِيَاض بِغَيْر قَضَاء حَاجَة؟ فَقَالَ: إِن ممشاك عِنْدِي كَبِير، خُذْهُ بِمَا شِئْت. قَالَ: فاشتريته، فَأَخَذته نَحْو دَار الفضيل بن عِيَاض، فمشيت سَاعَة فَقَالَ لي: يَا مولَايَ، قلت: لبيْك. قَالَ: لَا تقل لي لبيْك، فَإِنَّهُ العَبْد أولى بِأَن يُلَبِّي من الْمولى. قلت: حَاجَتك يَا حَبِيبِي؟ قَالَ: أَنا ضَعِيف الْبدن لَا أُطِيق الْخدمَة، وَقد كَانَ لَك فِي غَيْرِي سَعَة، قد أخرج إِلَيْك من هُوَ أجلد مني. فَقلت: لَا يراني اللَّهِ وَأَنا استخدمك، وَلَكِن أَشْتَرِي لَك منزلا وأزوجك وأخدمك أَنا بنفسي. قَالَ: فَبكى. فَقلت لَهُ: مَا يبكيك؟ قَالَ: أَنْت لم تفعل بِي هَذَا إِلَّا وَقد رَأَيْت بعض متصلاتي بِاللَّه ، وَإِلَّا فَلم اخترتني من بَين أُولَئِكَ الغلمان؟ فَقلت لَهُ: لَيْسَ بك حَاجَة إِلَى هَذَا. فَقَالَ: سَأَلتك بِاللَّه إِلَّا اخترتني فَقلت: بإجابة دعوتك. فَقَالَ: إِنِّي أحسبك
стр. 186
إِن شَاءَ اللَّهِ [تَعَالَى] رجلا صَالحا. إِن لله خيرة من خلقه لَا يكْشف شَأْنهمْ إِلَّا لمن أحب من عباده، وَلَا يظْهر عَلَيْهِم إِلَّا من ارتضى، ثمَّ قَالَ لي: ترى أَن تقف عَليّ قَلِيلا، فَإِنَّهُ قد بقيت عَليّ رَكْعَات من البارحة. قلت: هَذَا منزل الفضيل قريب. قَالَ: لَا، هَاهُنَا أحب إِلَيّ، أَمر اللَّهِ [ ] لَا يُؤَخر. فَدخل من بَاب الباعة إِلَى الْمَسْجِد فَمَا زَالَ يُصَلِّي حَتَّى إِذا أَتَى عَليّ مَا أَرَادَ الْتفت إِلَيّ وَقَالَ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، هَل من حَاجَة؟ قلت: وَلم؟ قَالَ: لِأَنِّي أُرِيد الإنصراف. قلت إِلَى أَيْن؟ قَالَ: إِلَى الْآخِرَة. قلت: لَا تفعل، دَعْنِي أسر بك. فَقَالَ لي: إِنَّمَا كَانَت تطيب الْحَيَاة حَيْثُ كَانَت الْمُعَامَلَة بيني وَبَينه تَعَالَى، فَأَما إِذا اطَّلَعت عَلَيْهَا أَنْت فسيطلع عَلَيْهَا غَيْرك فَلَا حَاجَة لي فِي ذَلِك. ثمَّ خر لوجهه فَجعل يَقُول: إلهي، اقبضني السَّاعَة السَّاعَة. فدنوت مِنْهُ فَإِذا هُوَ قد مَاتَ. فوَاللَّه مَا ذكرته [قطّ] إِلَّا طَال حزني [عَلَيْهِ] ، وصغرت الدُّنْيَا فِي عَيْني.
(عَابِد أسود بغدادي)
[١٣٠] أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور الْحَافِظ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن أَحْمد قَالَ أَنبأَنَا أَبُو عبد اللَّهِ بن بطة العكبري قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن
стр. 187
الْحُسَيْن قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد الطشي قَالَ: حَدثنِي أَبُو جَعْفَر السقا قَالَ: خرجت يَوْمًا من بَيْتِي فِي وَقت مطير فَإِذا أسود مطروح على مزبلة مَرِيض فجررته فأدخلته إِلَى بَيْتِي، فَلَمَّا أمسينا دَعَاني، فَقَالَ: يَا أَبَا جَعْفَر، لَا تفْسد مَا صنعت، اقعد عِنْدِي، وفاح الْبَيْت برِيح الْمسك وَصَارَ ريح جبتي وكسائي وجرتي وكوزي وكل شَيْء فِي الْبَيْت ريح الْمسك. قَالَ: فَقَالَ: اقعد عِنْدِي، ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ: هَكَذَا لَا تضيق عَليّ جلسائي. قَالَ: فَسَمعته يَقُول: أيدك اللَّهِ أيدك اللَّهِ ارْفُقْ بِي يَا مولَايَ قَالَ: ثمَّ خرجت نَفسه. قَالَ: قلت: أبيع كسائي، أبيع جبتي، وأشتري لَهُ كفنا. قَالَ: فطرق بَابي قريب من سبعين إنْسَانا كل يَقُول: يَا أَبَا جَعْفَر: مَاتَ عنْدك إِنْسَان يحْتَاج إِلَى كفن.
(عَابِد أسود بَصرِي)
[١٣١] أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أنبأ حمد بن أَحْمد قَالَ أنبأ أَبُو نعيم أَحْمد بن عبد اللَّهِ قَالَ أَنا أَبُو الْأَزْهَر ضَمرَة بن حَمْزَة الْمَقْدِسِي فِي كِتَابه. وحَدثني عَنهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: ثَنَا عبد الله بن سعيد الْهَاشِمِي قَالَ نَا أبي قَالَ نَا عبد اللَّهِ بن إِدْرِيس عَن مَالك بن دِينَار قَالَ: احْتبسَ علينا الْمَطَر بِالْبَصْرَةِ فخرجنا يَوْمًا بعد يَوْم نستسقي فَلم نر أثر الْإِجَابَة،
стр. 188
فَخرجت أَنا وَعَطَاء السّلمِيّ وثابت الْبنانِيّ وَمُحَمّد بن وَاسع وحبِيب الْفَارِسِي وَصَالح المري فِي آخَرين حَتَّى صرنا إِلَى الْمصلى بِالْبَصْرَةِ فاستسقينا، فَلم نر أثر الْإِجَابَة، وَانْصَرف النَّاس، وَبقيت أَنا وثابت [الْبنانِيّ] فِي الْمصلى، فَلَمَّا أظلم اللَّيْل بِالسَّوَادِ إِذا أَنا بأسود دَقِيق السَّاقَيْن، عَظِيم الْبَطن عَلَيْهِ مئزران من صوف، فجَاء إِلَى مَاء، فتمسح ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ خفيفتين، ثمَّ رفع طرفه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: سَيِّدي، إِلَيّ كم تردد عِبَادك فِيمَا لَا ينْقصك، أنفد مَا عنْدك؟ أَقْسَمت عَلَيْك بحبك لي إِلَّا مَا سقيتهم غيثك السَّاعَة السَّاعَة. فَمَا أتم الْكَلَام حَتَّى تغيمت السَّمَاء، وأخذتنا كأفواه الْقرب، فَمَا خرجنَا حَتَّى خضنا المَاء، فتعجبنا من الْأسود فتعرضت لَهُ فَقلت: أما تَسْتَحي مِمَّا قلت؟ قَالَ: وَمَا قلت؟ فَقلت: قَوْلك بحبك لي، وَمَا يدْريك أَنه يحبك. فَقَالَ: تَنَح عَن همتي يَا من اشْتغل عَنهُ بِنَفسِهِ، أَيْن كنت أَنا حِين خصني بتوحيده ومعرفته؟ أَتَرَى خصني بذلك إِلَّا لمحبته. ثمَّ بَادر يسْعَى، فَقلت: ارْفُقْ بِنَا فَقَالَ: أَنا مَمْلُوك عَليّ فرض من من طَاعَة مالكي الصَّغِير فَدخل دَار نخاس، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أتيت على النخاس فَقلت لَهُ: عنْدك غُلَام تبيعنيه للْخدمَة؟ قَالَ: نعم، عِنْدِي مائَة غُلَام، فَجعل يخرج إِلَيّ وَاحِدًا بعد وَاحِد،
стр. 189
وَأَنا أَقُول: غير هَذَا. إِلَى أَن قَالَ: مَا بَقِي عِنْدِي أحد فَلَمَّا خرجنَا إِذا بالأسود قَائِم فِي حجرَة خربة فَقلت: بِعني هَذَا. فَقَالَ: هَذَا غُلَام مُشَوه لَا همة لَهُ إِلَّا الْبكاء. فَقلت: وَذَلِكَ أريده، فَدَعَاهُ وَقَالَ لي: خُذْهُ بِمَا شِئْت بعد أَن تبرئني من عيوبه. فاشتريته بِعشْرين دِينَارا، فَلَمَّا خرجنَا قَالَ: يَا مولَايَ، لم اشتريتني؟ قلت: لنخدمك نَحن. قَالَ: وَلم ذَاك؟ قلت: أَلَيْسَ أَنْت صاحبنا البارحة فِي الْمصلى؟ قَالَ: وَقد اطَّلَعت على ذَلِك؟ فَجعل يمشي حَتَّى دخل مَسْجِدا فصلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ قَالَ: إلهي وسيدي سر كَانَ بيني وَبَيْنك أظهرته للمخلوقين، أَقْسَمت عَلَيْك إِلَّا قبضت روحي السَّاعَة. فَإِذا هُوَ ميت، فبقبره نستسقي ونطلب الْحَوَائِج إِلَى يَوْمنَا هَذَا.
(عَابِد آخر أسود بَصرِي)
[١٣٢] أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ أنبأ أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْفَتْح قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ الدقاق قَالَ نَا الْحُسَيْن بن صَفْوَان قَالَ نَا أَبُو بكر الْقرشِي قَالَ حَدثنَا جدي أَبُو السكن الطَّائِي قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن هَارُون بن مُسلم. قَالَ: وحَدثني عبد الْوَاحِد
стр. 190
ابْن زيد قَالَ: خرجت إِلَى نَاحيَة الخريبة فَإِذا إِنْسَان أسود مجذوم قد تقطعت كل جارحة لَهُ بالجذام وَعمي وأقعد، وَإِذا صبيان يرمونه بِالْحِجَارَةِ قد دموا وَجهه، فرأيته يُحَرك شفتين، فدنوت مِنْهُ لأسْمع مَا يَقُول: فَإِذا هُوَ يَقُول: يَا سَيِّدي، إِنَّك لتعلم أَنَّك إِن قرضت لحمي بِالْمَقَارِيضِ ونشرت عِظَامِي بالمناشير مَا ازددت لَك إِلَّا حبا، فَاصْنَعْ بِي مَا شِئْت.
(عَابِد أسود من عبادان)
[١٣٣] أخبرنَا أَبُو بكر بن حبيب قَالَ أنبأ أَبُو سعد بن أبي صَادِق قَالَ أَنا ابْن باكويه قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عبد اللَّهِ الشِّيرَازِيّ قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الْخيرَات الْمَعْرُوف بالعسقلاني قَالَ: كَانَ بعبادان رجل زنجي مفلفل الشّعْر يأوي الخرابات، فَحملت معي شَيْئا وطلبته، فَلَمَّا وَقع بَصَره عَليّ تَبَسم، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْض، فَرَأَيْت حوالي إِلَى حَيْثُ أرى دَرَاهِم ودنانير تلمع، ثمَّ قَالَ لي: هَات مَا مَعَك. فناولته، وهربت وهالني أمره.
стр. 191
(عَابِد آخر لَقِي بطرِيق مَكَّة)
[١٣٤] أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز قَالَ أنبأ أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن أَحْمد بن رزق قَالَ أنبأ أَحْمد بن سلمَان الْفَقِيه قَالَ ثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا قَالَ حَدثنِي مشرف بن أبان قَالَ: سَمِعت صَالح بن عبد الْكَرِيم قَالَ: رَأَيْت غُلَاما أسود فِي طَرِيق مَكَّة عِنْد ميل يُصَلِّي، فَقلت لَهُ: عبد أَنْت؟ قَالَ: نعم. قلت: فَعَلَيْك ضريبة؟ قَالَ: نعم. قلت: أَفلا أكلم مَوْلَاك أَن يضع عَنْك. قَالَ: وَمَا الدُّنْيَا كلهَا فأجزع من ذلها. قَالَ: فاشتريته فأعتقته فَقعدَ يبكي، وَقَالَ لي: أعتقتني؟ قلت: نعم. قَالَ: أعتقك الله يَوْم الْقِيَامَة، وَقعد يبكي وَيَقُول: اشْتَدَّ عَليّ الْأَمر، فناولته دَنَانِير فَأبى أَن يَأْخُذهَا، قَالَ: فحججت بعد ذَلِك بِأَرْبَع سِنِين. فَسَأَلت عَنهُ، فَقَالُوا: غَابَ عَنَّا، فمذ غَابَ قحطنا، وَصَارَ إِلَى جدة.
(عَابِد آخر)
[١٣٥] أخبرنَا أَحْمد بن أَحْمد المتوكلي قَالَ أنبأ أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ أنبأ عَليّ بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْبَزَّاز قَالَ أنبأ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ قَالَ نَا أَحْمد بن مُحَمَّد الطوسي قَالَ نَا دَاوُد بن رشيد قَالَ: حَدثنِي
стр. 192
الصبيح والمليح شابان كَانَا يتعبدان بِالشَّام سميا: الصبيح والمليح لحسن عبادتهما - قَالَ: جعنا يَوْمًا فَقلت لصاحبي أَو قَالَ لي: اخْرُج بِنَا إِلَى الصَّحرَاء الْعليا نرى رجلا نعلمهُ بعض دينه لَعَلَّ اللَّهِ أَن ينفعنا بِهِ، فَلَمَّا ضجرنا استقبلنا أسود على رَأسه حزمة حطب، فَدَنَوْنَا مِنْهُ، فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، من رَبك؟ فَرمى بالحزمة عَن رَأسه وَجلسَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: لَا تقولا لي من رَبك؟ - وَلَكِن قولا لي: أَيْن مَحل الْإِيمَان من قَلْبك؟ فَنَظَرت إِلَى صَاحِبي وَنظر إِلَيّ صَاحِبي، ثمَّ قَالَ: سلا، سلا؛ فَإِن المريد لَا تَنْقَطِع مسَائِله. فَلَمَّا رآنا لَا نجيز جَوَابا قَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن لَك عبادا كلما سألوك أَعطيتهم فحول حزمتي هَذِه ذَهَبا. فرأيناها قضبان ذهب يلتمع، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن لَك عبادا الخمول أحب إِلَيْهِم من الشُّهْرَة فَردهَا حطبا. فَرَجَعت وَالله حطبا. ثمَّ حملهَا على رَأسه وَمضى، فَلم نجسر أَن نمنعه.
(عَابِد آخر)
[١٣٦] أخبرنَا عبد الْوَهَّاب بن الْمُبَارك قَالَ أنبأ أَبُو الْحسن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ الْخياط قَالَ نَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ أنبا ابْن صَفْوَان قَالَ: ثَنَا أَبُو بكر الْقرشِي قَالَ نَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ:
стр. 193
حَدثنِي رجل من آل أبي بكرَة عَن مَيْمُون بن سياه قَالَ: كنت أَنا وخَالِد الربعِي وَنَفر من أَصْحَابنَا نذْكر اللَّهِ [ ] ، فَوقف علينا رجل أسود فَقَالَ: هَل ذكرْتُمْ الْمَوْت فِيمَا كُنْتُم فِيهِ؟ قَالَ: قُلْنَا: إِنَّا لنذكره كثيرا، وَمَا ذَكرْنَاهُ يَوْمنَا هَذَا. قَالَ: فَبكى، وَقَالَ: لقد غفلتم مَا لَا يغفلكم، ونسيتم مَا يحصي عَلَيْكُم الأنفاس لقدومه عَلَيْكُم. قَالَ: ثمَّ مَال ليسقط، وسانده رجل من الْقَوْم فَخرجت نَفسه، وَأَنا أنظر إِلَيْهِ. قَالَ: فَنَظَرْنَا فَلم نجد أحدا نعرفه، فغسلناه وحنطناه وكفناه ودفناه.
(عَابِد من عباد السواحل)
[١٣٧] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ نَا عبد الْعَزِيز بن الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل الضراب قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ نَا أَحْمد ابْن مَرْوَان الْمَالِكِي قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَالَ: سَمِعت أَحْمد بن مَحْبُوب يَقُول: حَدثنِي جدي قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن أدهم يَقُول: دخلت حصنا من حصون السَّاحِل وَأَنا مجتاز، وَقد أخذتني السَّمَاء فَدخلت
стр. 194
إِلَى أتون وَقلت: أقعد سَاعَة حَتَّى يهدأ الْمَطَر فَإِذا أسود يُوقد فِيهِ فَسلمت وَقلت لَهُ: تَأذن لي إِلَى أَن يسكن الْمَطَر؟ فَأَوْمأ إِلَيّ أَن ادخل، فَدخلت فَجَلَست حذاءه، فَجعلت أنظر إِلَيْهِ وَلَا ُأكَلِّمهُ، وَهُوَ يُوقد وَلَا يكلمني، ويحرك شَفَتَيْه ويلتفت يَمِينا وَشمَالًا لَا يفتر، فَلَمَّا أصبح أقبل عَليّ فَقَالَ: لَا تلمني إِن لم أحسن ضيافتك وَأَقْبل عَلَيْك؛ إِنِّي عبد مَمْلُوك، وَقد وكلت بِمَا ترى، فَكرِهت أَن أشتغل عَن مَا وكلت بِهِ. قلت: فَمَا كَانَ التفاتك يَمِينا وَشمَالًا لَا تفتر؟
قَالَ: خوفًا من الْمَوْت، وَقد علمت أَنه نَازل بِي، وَلَكِن لم أعلم من أَيْن يأتيني؟ وَلَا مَتى يأتيني؟ فَقلت: فَمَا تحرّك شفتيك؟ قَالَ: أَحْمد اللَّهِ وأهلله وأسبحه لِأَنَّهُ بَلغنِي عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ لبَعض أَصْحَابه: اعْمَلْ، لَا يَأْتِيك الْمَوْت إِلَّا وَلِسَانك رطب من ذكر اللَّهِ .
قَالَ إِبْرَاهِيم: فَبَكَيْت وَصحت صَيْحَة، وَقلت: برز عَلَيْك الْأسود يَا إِبْرَاهِيم.
стр. 195
(الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ)
(فِي ذكر المتعبدات من السوداوات فَمن المعروفات الْأَسْمَاء)
(مَيْمُونَة السَّوْدَاء)
[١٣٨] أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي بن أَحْمد قَالَ نَا حمد بن أَحْمد الْحداد قَالَ نَا أَحْمد بن عبد اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ نَا عُثْمَان بن مُحَمَّد العثماني قَالَ نَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد قَالَ ثَنَا عمر بن مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ: سَمِعت أَبَا جَعْفَر الصفار يَقُول: سَمِعت الْفَيْض بن إِسْحَاق الرقي يَقُول: سَمِعت الفضيل بن عِيَاض يَقُول: قَالَ عبد الْوَاحِد بن زيد: سَأَلت اللَّهِ ثَلَاث لَيَال أَن يريني رفيقي فِي الْجنَّة، فَرَأَيْت كَأَن قَائِلا يَقُول: يَا عبد الْوَاحِد رفيقك فِي الْجنَّة مَيْمُونَة السَّوْدَاء، فَقلت: وَأَيْنَ هِيَ؟ فَقَالَ: فِي آل بني فلَان بِالْكُوفَةِ قَالَ: فَخرجت إِلَى الْكُوفَة، وَسَأَلت عَنْهَا، فَقيل: هِيَ مجنوعة بَين ظهرانينا ترعى غنيمات لنا - فَقلت: أُرِيد أَن أَرَاهَا. قَالُوا: خرجت إِلَى الجبان. فَخرجت فَإِذا بهَا قَائِمَة تصلي، وَإِذا بَين يَديهَا عكاز لَهَا، وَعَلَيْهَا جُبَّة من صوف عَلَيْهَا مَكْتُوب: لَا تبَاع وَلَا تشترى، وَإِذا الْغنم مَعَ الذئاب.، فَلَا الذئاب
стр. 196
تَأْكُل الْغنم، وَلَا الْغنم تخَاف الذئاب، فَلَمَّا رأتني أوجزت فِي صلَاتهَا، ثمَّ قَالَت: ارْجع يَا ابْن زيد، لَيْسَ الْموعد هَاهُنَا، إِنَّمَا الْموعد ثمَّ. فَقلت: رَحِمك اللَّهِ، وَمن أعلمك أَنِّي ابْن زيد؟ فَقَالَت: أما علمت أَن الْأَرْوَاح جنود مجندة، فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف، وَمَا تناكرمنها اخْتلف. فَقلت لَهَا: عظيني؟ فَقَالَت: وَاعجَبا لواعظ يوعظ! ثمَّ قَالَت: يَا ابْن زيد، إِنَّك لَو وضعت معايير الْقسْط على جوارحك لخبرتك بمكتوم مَكْنُون مَا فِيهَا، يَا ابْن زيد، إِنَّه بَلغنِي أَنه مَا من عبد أعطي من الدُّنْيَا شَيْئا فابتغي إِلَيْهِ ثَانِيًا إِلَّا سلبه اللَّهِ [تَعَالَى] حب الْخلْوَة مَعَه، وبدله بعد الْقرب الْبعد، وَبعد الْأنس الوحشة، ثمَّ أنشأت تَقول:
(يَا واعظا قَامَ لاحتساب ... يزْجر قوما عَن الذُّنُوب)
(تنْهى وَأَنت السقيم حَقًا ... هَذَا من الْمُنكر العجيب)
(لَو كنت أصلحت قبل هَذَا ... عيبك أوتبت من قريب)
(كَانَ لما قلت يَا حَبِيبِي ... موقع صدق من الْقُلُوب)
(تنْهى عَن الغي والتمادي ... وَأَنت فِي النَّهْي كالمريب)
فَقلت لَهَا: إِنِّي أرى هَذِه الذئاب مَعَ الْغنم، فَلَا الْغنم تفزع من الذئاب وَلَا تَأْكُل الذئاب الْغنم، فَأَي شَيْء هَذَا؟ فَقَالَت: إِلَيْك، فَإِنِّي
стр. 197
أصلحت مَا بيني وَبَينه، فَأصْلح مَا بَين الذئاب وَالْغنم.
(شعوانة من أهل الأبلة)
[١٣٩] أخبرنَا المحمدان ابْن نَاصِر وَابْن عبد الْبَاقِي قَالَا أَنبأَنَا جَعْفَر ابْن أَحْمد قَالَ أنبأ أَحْمد بن عَليّ النوري قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ الدقاق قَالَ نَا أَبُو عَليّ بن صَفْوَان قَالَ نَا أَبُو بكر بن عبيد قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ: نَا معَاذ بن الْفضل قَالَ: بَكت شعوانة حَتَّى خفنا عَلَيْهَا الْعَمى، فَقُلْنَا لَهَا فِي ذَلِك، فَقَالَت: أعمى وَالله فِي الدُّنْيَا من الْبكاء، أحب إِلَيّ من أَن أعمى فِي الْآخِرَة من النَّار.
قَالَ مُحَمَّد بن الْحُسَيْن: وحَدثني مَالك بن ضيغم قَالَ: كَانَ رجل من أهل الأبلة يَأْتِي أبي كثيرا وَيذكر لَهُ شعوانة وَكَثْرَة بكائها فَقَالَ لَهُ أبي يَوْمًا: صف بكاءها. فَقَالَ: مَا أصف لَك! هِيَ وَالله تبْكي اللَّيْل وَالنَّهَار لَا تكَاد تفتر. قَالَ مَالك: وَقَالَ لي أبي: انْطلق حَتَّى تَأتي هَذِه الْمَرْأَة الصَّالِحَة فتنظر إِلَيْهَا، فَانْطَلَقت مَعَ رجل فَقَالَ لَهَا: هَذَا ابْن أَخِيك ضيغم، فرحبت بِي، وَقَالَت: مرْحَبًا يَا ابْن من لم نره، وَنحن نحبه، أما وَالله يَا بني إِنِّي لمشتاقة إِلَى
стр. 198
أَبِيك، وَمَا يَمْنعنِي من إِتْيَانه، إِلَّا أَنِّي أَخَاف أَن أشغله عَن خدمَة سَيّده، وخدمة سَيّده، أولى من محادثة شعوانة، ثمَّ قَالَت: وَمن شعوانة؟ وَمَا شعوانة؟ أمة سَوْدَاء عاصية. قَالَ: ثمَّ أخذت فِي الْبكاء، فَلم تزل تبْكي حَتَّى خرجنَا وتركناها.
قَالَ مُحَمَّد بن الْحُسَيْن: وحَدثني يحيى بن بسطَام قَالَ: استأذنا على شعوانة فَأَذنت، فَإِذا منزل رث الْهَيْئَة، أثر الخرب عَلَيْهِ بَين، فَقَالَ لَهَا صَاحب لي: لَو رفقت بِنَفْسِك فقصرت من هَذَا الْبكاء شَيْئا كَانَ أقوى لَك على مَا تريدين. ثمَّ قَالَت: وَالله لَوَدِدْت أَنِّي أبْكِي حَتَّى تنفد دموعي، ثمَّ أبْكِي الدِّمَاء حَتَّى لَا تبقى فِي جَسَدِي جارحة فِيهَا قَطْرَة من دم، وأنى لي بالبكاء.
قَالَ مُحَمَّد: وحَدثني روح بن سَلمَة قَالَ: قَالَ لي مُضر: مَا رَأَيْت أحدا أقوى على كَثْرَة الْبكاء من شعوانة، وَلَا سَمِعت صَوتا قطّ أحرق لقلوب الْخَائِفِينَ من صَوتهَا إِذا هِيَ نشجت، ثمَّ تَقول: يَا موتى وَبني الْمَوْتَى وإخوة الْمَوْتَى.
قَالَ مُحَمَّد: وَقلت لأبي عمر الضَّرِير: أتيت شعوانة؟ قَالَ: قد شهِدت مجلسها مرَارًا، مَا كنت أفهم مَا تَقول من كَثْرَة بكائها. وَسمعتهَا تَقول: من
стр. 199
اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يبكي فليبك، وَإِلَّا فَارْحَمْ الباكي، فَإِن الباكي إِنَّمَا يبكي لمعرفته بِمَا أَتَى إِلَى نَفسه.
[١٤٠] قَالَ أَبُو بكر الْقرشِي: وحَدثني الْحَارِث بن مُحَمَّد التَّمِيمِي قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن سُهَيْل عَن الْحَارِث بن الْمُغيرَة قَالَ: كَانَت شعوانة تنوح بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ:
(يؤمل دنيا لتبقى لَهُ ... فَوَافى الْمنية قبل الأمل)
(حينا يروي أصُول الفسيل ... فَعَاشَ الفسيل وَمَات الرجل)
[١٤١] أخبرتنا شهدة بنت أَحْمد قَالَت أنبأ جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ أنبأ أَحْمد بن عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ نَا مُحَمَّد بن عبيد اللَّهِ الْقطيعِي قَالَ نَا الْحُسَيْن بن صَفْوَان قَالَ نَا عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد الْقرظِيّ قَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك قَالَ: قدمت شعوانة وَزوجهَا مَكَّة فَجعلَا يطوفان ويصليان، فَإِذا كل وأعيا جلس وَجَلَست خَلفه، فَيَقُول هُوَ فِي جُلُوسه: أَنا العطشان من حبك لَا أروى، وَهِي تَقول بِالْفَارِسِيَّةِ: أنبت لكل دَاء دَوَاء فِي الْجبَال، ودواء المحبين فِي الْجبَال لم ينْبت.
(تَحِيَّة النوبية)
[١٤٢] أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أَنبأَنَا رزق اللَّهِ بن
стр. 200
عبد الْوَهَّاب عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ قَالَ: سَمِعت الْمَالِينِي الصُّوفِي يَقُول: دخلت [على] تَحِيَّة زَائِرًا فسمعتها من دَاخل الْبَيْت تَقول فِي مناجاتها: يَا من يحبني وأحبه. فَقلت: يَا تَحِيَّة، من أَيْن تعلمين أَنه يحبك؟ فَقَالَت: كنت فِي بلد النّوبَة، وأبواي كَانَا نَصْرَانِيين، وَكَانَت أُمِّي تحملنِي إِلَى الْكَنِيسَة وتجيء بِي إِلَى الصَّلِيب، وَتقول: قبلي الصَّلِيب فَإِذا هَمَمْت بذلك أرى كفا تخرج فَترد وَجْهي حَتَّى لَا أقبله، فَعلمت أَن عنايته بِي قديمَة.
стр. 201
(فصل)
فَأَما المجهولات الْأَسْمَاء من متعبداتهن فمنهن
(أم مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة)
كَانَت جَارِيَة سندية سَوْدَاء من سبي الْيَمَامَة، فَصَارَت إِلَى عَليّ بن أبي طَالب ﵁.
[١٤٣] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أنبأ الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أَنبأَنَا أَبُو عمر بن حيويه قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ أنبأ أَبُو مُحَمَّد التَّمِيمِي عَن مُحَمَّد بن سعد قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عمر قَالَ أنبأ عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر عَن أَسمَاء بنت أبي بكر قَالَت: رَأَيْت أم مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة سندية سَوْدَاء، وَكَانَت أمة لبني حنفية، وَلم تكن مِنْهُم، فَإِنَّمَا صَالحهمْ خَالِد بن الْوَلِيد على الرَّقِيق، وَلم يصالحهم على أنفسهم.
(عابدة مَكِّيَّة)
[١٤٤] أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن حبيب قَالَ أنبأ أَبُو سعد
стр. 202
ابْن أبي صَادِق قَالَ نَا مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن باكويه قَالَ نَا بشر بن أَحْمد قَالَ نَا جَعْفَر بن مُحَمَّد قَالَ أنبأ إِسْحَاق بن بشر الرَّازِيّ قَالَ: نَا الصَّباح بن محَارب قَالَ نَا الْمثنى بن الصَّباح قَالَ: كَانَ عَطاء وَمُجاهد يَخْتَلِفَانِ إِلَى جَارِيَة سَوْدَاء إِلَى نَاحيَة مَكَّة تبكيهما، ثمَّ يرجعان.
(عابدة كوفية)
[١٤٥] أخبرنَا المحمدان ابْن أبي مَنْصُور وَابْن عبد الْبَاقِي قَالَا أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ أنبأ أَبُو التوزي قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ الدقاق قَالَ أنبأ الْحُسَيْن بن صَفْوَان قَالَ نَا عبد اللَّهِ بن [مُحَمَّد الْقرشِي قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن مُوسَى الصايغ قَالَ حَدثنَا عبد اللَّهِ بن نَافِع قَالَ: أُتِي الرّبيع بن خثيم فِي مَنَامه فَقيل لَهُ: إِن فُلَانَة السَّوْدَاء زَوجتك فِي الْجنَّة، فَلَمَّا أصبح سَأَلَ عَنْهَا فَدلَّ عَلَيْهَا، فَإِذا هِيَ ترعى أَعْنُزًا، فَقَالَ: لأقيمن عِنْدهَا فَأنْظر مَا عَملهَا؟ فَأَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا لَا يَرَاهَا تزيد على الْفَرِيضَة، فَإِذا أمست جَاءَت إِلَى عنز لَهَا فحلبت ثمَّ شربت ثمَّ حلبت فسقته، فَقَالَ هلا فِي الْيَوْم الثَّالِث: يَا هَذِه، أَلا تَسْقِنِي من هَذِه العنز. قَالَت: يَا عبد اللَّهِ، إِنَّهَا لَيست لي قَالَ: فَلم تَسْقِنِي من هَذِه؟ قَالَت: إِن هَذِه منحتها أشْرب من لَبنهَا، وأسقي من
стр. 203
شِئْت، فَقَالَ: يَا هَذِه، فَلَيْسَ لَك من الْعَمَل أَكثر مِمَّا أرى؟ قَالَت لَهُ: لَا إِلَّا أَنِّي مَا أَصبَحت على حَال قطّ فتمنيت أَنِّي على حَال سواهَا، وَلَا أمسيت على حَال قطّ فتمنيت أَنِّي على حَال سواهَا رِضَاء بِمَا قسمه اللَّهِ [ ] لي، فَقَالَ: يَا هَذِه، علمت أَنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام أَنَّك زَوْجَتي فِي الْجنَّة؟ قَالَت لَهُ: فَأَنت الرّبيع بن خَيْثَم. فَقلت لعبد الله بن نَافِع: كَيفَ علمت هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّهَا أَن تكون رَأَتْ فِي منامها مثل مَا رأى.
(عابدة بصرية)
[١٤٦] وَبِالْإِسْنَادِ قَالَ الْقرشِي: وحَدثني أَبُو عبد اللَّهِ أَحْمد بن بجير عَن صَالح بن عبد الْكَرِيم قَالَ: رَأَيْت امْرَأَة سَوْدَاء بِالْبَصْرَةِ، وَالنَّاس مجتمعون عَلَيْهَا، ثمَّ قَامَت فَدخلت دَارا فَدَخَلُوا مَعهَا وَأَحْدَقُوا بهَا، فدنوت مِنْهَا فَقلت: يَا هَذِه، أما تَخَافِينَ الْعجب؟ فَرفعت رَأسهَا وَنظرت [لي ثمَّ قَالَت: كَيفَ يعجب بِعَمَلِهِ من لَا يدْرِي لَعَلَّه قد رد عَلَيْهِ؟ !
(عابدة لقِيت فِي [تيه] بني إِسْرَائِيل)
[١٤٧] أخبرنَا أَبُو بكر بن حبيب قَالَ أنبأ أَبُو سعد بن أبي صَادِق
стр. 204
قَالَ نَا أَبُو عبد الله بن باكويه قَالَ ثَنَا عَليّ بن حَفْص قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن زَنْجوَيْه قَالَ نَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن هَارُون الصُّوفِي قَالَ نَا مُحَمَّد بن الْحسن الْمصْرِيّ قَالَ: سَمِعت ذَا النُّون الْمصْرِيّ يَقُول: بَيْنَمَا أَنا أَسِير فِي تيه بني إِسْرَائِيل إِذا أَنا بِجَارِيَة سَوْدَاء قد استلبها الوله من حب الرَّحْمَن شاخصة ببصرها نَحْو السَّمَاء، فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا أختاه، فَقَالَت: وَعَلَيْكُم السَّلَام يَا ذَا النُّون، فَقلت لَهَا: من أَيْن عَرفتنِي يَا جَارِيَة؟ فَقَالَت: إِن اللَّهِ خلق الْأَرْوَاح قبل الأجساد بألفي عَام، ثمَّ أدارها حول الْعَرْش فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف، وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف، فَعرفت روحي روحك فِي ذَلِك الجولان. قلت: إِنِّي لأرَاك حكيمة، علميني شَيْئا مِمَّا علمك اللَّهِ. فَقَالَت: يَا أَبَا الْفَيْض، ضع على جوارحك ميزَان الْقسْط حَتَّى يذوب كل مَا كَانَ لغير اللَّهِ [ ] ، وَيبقى الْقلب مصفى لَيْسَ فِيهِ غير الرب جلّ وَعز فَعِنْدَ ذَلِك يقيمك على الْبَاب ويوليك ولَايَة جَدِيدَة، وَيَأْمُر الْخيرَات لَك [بِالطَّاعَةِ، فَقلت: يَا أختاه زيديني] فَقَالَت: يَا أَبَا الْفَيْض خُذ من نَفسك لنَفسك، وأطع رَبك إِذا خلوت، يجيبك إِذا دَعَوْت.
стр. 205
(عابدة أُخْرَى)
[١٤٨] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أنبأ جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن عبد الْملك بن بَشرَان قَالَ أَنا أَبُو طَالب مُحَمَّد بن عَليّ بن عَطِيَّة قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد قَالَ نَا عبد اللَّهِ بن جَعْفَر بن فَارس قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ نَا إِبْرَاهِيم بن الْجُنَيْد قَالَ نَا أَحْمد بن المؤمل قَالَ: نَا زَكَرِيَّا بن يحيى الطَّائِي قَالَ: أرِي إِبْرَاهِيم فِي مَنَامه كَأَنَّهُ يُقَال لَهُ: زَوجتك فِي الْجنَّة فُلَانَة السَّوْدَاء جَارِيَة بني فلَان من الْموصل راعية معزاهم فَمضى إِبْرَاهِيم نَحْو الْموصل، فَسَأَلَ عَن الْقَوْم فَدلَّ عَلَيْهِم، فَسَأَلَهُمْ عَن الْجَارِيَة، فَقَالُوا: هِيَ فِي المعزى ترعاها، فَخرج إِلَيْهَا فِي الصَّحرَاء وَإِذا حبشية ولهى، فَقَالَ لَهَا: السَّلَام عَلَيْك يَا هَذِه، فَقَالَت: وَعَلَيْك السَّلَام [وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته] من أَنْت؟ قَالَ لَهَا: زَوجك فِي الْجنَّة، قَالَت: إِن كنت صَادِقا، فَأَنت إِبْرَاهِيم بن أدهم.
стр. 206
(الْبَاب الرَّابِع وَالْعشْرُونَ)
(فِي ذكر من كَانَ يُؤثر الْجَوَارِي السود على الْبيض وَمن كَانَ يعشقهن وَمن مَاتَ من عشقهن)
[١٤٩] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ: أنبأ عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ: أَنا أَبُو عمر بن حيويه قَالَ أنبأ أَبُو بكر مُحَمَّد بن خلف الْمَرْزُبَان [قَالَ] ثَنَا عبد اللَّهِ بن عَمْرو الْبَلْخِي قَالَ نَا الزبير بن بكار قَالَ: حَدثنِي عمي مُصعب بن عبد اللَّهِ قَالَ: كَانَ عبد اللَّهِ بن أبي بكر الصّديق [﵁] يحب جَارِيَة لَهُ سَوْدَاء، وَكَانَت قد شغلت قلبه فَنَهَاهُ أَبُو بكر [﵁] عَنْهَا فتجافي لَهَا، فِي قلبه مِنْهَا شَيْء وَقَالَ:
(أحب لحبها السودَان حَتَّى ... أحب لحبها سود الْكلاب)
[١٥٠] [قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن حبيب قَالَ: أَخْبرنِي هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب قَالَ: كَانَ ابْن عَبَّاس يعْزل عَن جَارِيَة لَهُ سَوْدَاء] .
قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي أَحْمد بن زُهَيْر قَالَ: أَخْبرنِي مُصعب بن عبد اللَّهِ الزبيرِي قَالَ: أَخْبرنِي عبد اللَّهِ بن رَبَاح الْعجْلَاني قَالَ: إِنِّي لفي مَسْجِد
стр. 207
منى إِذْ أَبْصرت بِأبي الجليد الْفَزارِيّ وَاقِفًا على جَارِيَة سَوْدَاء كَأَنَّهَا صنم، فملت إِلَيْهِ، فَقلت: مَا لي أَرَاك هَاهُنَا. قَالَ: أصوب بَصرِي وأصاعده فِي هَذِه الْجَارِيَة وأتمناها على اللَّهِ [ ] وَأَنْشَأَ يَقُول:
(أَلا يُصِبْنِي أَجلي فأحترم ... أشتر من مَالِي ضناكا كالصنم)
(عريضة المعطس خشناء الْقدَم ... تكون أم وَلَدي وتختدم)
قَالَ مُصعب: وَكَانَ أَبُو الجليد أَعْرَابِيًا بدويا عَلامَة، فَرَأَيْت الضَّحَّاك بن عُثْمَان يروي مِنْهُ وَيَأْخُذ عَنهُ.
[١٥١] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي عبد اللَّهِ بن شبيب قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْجَعْفَرِي قَالَ حَدثنِي حَكِيم بن طَلْحَة الْفَزارِيّ قَالَ حَدثنِي سيار بن نجيح قَالَ: طلبت ابْن ميادة فَقيل لي: خرج أمس فَعرفت أَنه ذهب فِي اتِّبَاع أمة بني سهل، فغبت فِي بغائه، فَوَقَعت عَلَيْهِ فِي قرارة بَيْضَاء قد حفت بحرة سَوْدَاء، وَإِذا غنم، وَإِذا حمَار ابْن ميادة مُقَيّد، وَهُوَ مَعهَا تَحت سَمُرَة وَكَانَت الْأمة سَوْدَاء فَسلمت وَجَلَست، فَأقبل ابْن ميادة على الْأمة فَقَالَ لَهَا: أنشديهم مَا قلت فِيك فأنشدتنا:
(تمنونني مِنْك اللِّقَاء وإنني لأعْلم ... لَا أَلْقَاك من دون بابل)
стр. 208
(إِلَى ذَاك مَا جَاءَت أُمُور وَمَا انْقَضتْ ... غيابة حبيك أنجاد المخايل)
(وحالت شهور الْحَج بيني وَبَينهَا ... وَرفع الأعادي كل حق وباطل)
(أَقُول لعذالي لما تقابلا عَليّ ... بلوم مثل طعن المعايل)
(فَلَا تكثرن فِيهَا الهجا فَإِنَّهَا ... مصلصلة من بعض تِلْكَ الصلاصل)
(من الصفر لأورها سمح دلالها ... وَلَيْسَت من الْبيض الْقصار الحوائل)
(وَلكنهَا رَيْحَانَة طَابَ نشرها ... بأجرح تندي بالضحى والأصايل)
قَالَ سيار: فَقلت: مَالك لَا تشتربها؟ فَقَالَ: إِذا يقتل حبها.
[١٥٢] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وحَدثني إِسْحَاق بن أبان قَالَ، حَدثنِي مُحَمَّد بن سَلام قَالَ: عرض إِنْسَان أسود لامْرَأَة كَانَ لَهَا ابْن عَم يعشقها فأجابت الْأسود، فَقَالَ ابْن عَمها:
(شابت أعالي قروني وانجلى بَصرِي ... فَمَا أحدث عَن قمرية الْوَادي)
(نبئت أَن غرابا ظلّ محتضا قمرية ... فَوق أَغْصَان وأعواد)
قَالَ: وأنشدني بَعضهم:
(قَالُوا تعشقها سمراء قلت لَهُم ... لون الغوالي ولون الْمسك وَالْعود)
стр. 209
(إِنِّي امْرُؤ لَيْسَ شَأْن الْبيض مرتفعا ... عِنْدِي وَلَو خلت الدُّنْيَا من السود)
قَالَ: وأنشدت لأبي الشيص فِي جَارِيَة كَانَت لَهُ سَوْدَاء وَكَانَ اسْمهَا تبر:
(لم تنصفي يَا سميَّة الذَّهَب ... تتْلف نَفسِي وَأَنت فِي لعب)
(يَا بنت عَم الْمسك الذكي ... وَمن لولاه لم يجتني وَلم يطب)
(ناسبك الْمسك فِي السوَاد ... وَفِي الرّيح فَأكْرم بِذَاكَ من نسب)
قَالَ: وأنشدني أَبُو مُحَمَّد العباسي لبَعْضهِم:
(أَقُول لمن عَابَ السوَاد سفاهة ... وللسود قوم عائبون وحسد)
(وعيب سَواد اللَّوْن إِن قيل حالك ... وَهَذَا سَواد الْمسك وَالْعود أسود)
(وَهَذَا سَواد الرُّكْن يشفى بلسمه ... ويهوى إِلَيْهِ بِالرُّكُوعِ وَيسْجد)
(وَلَوْلَا سَواد الْعين لم يكن طرفها ... صَحِيحا وذمت طرفها حِين ترقد)
(وَلَو علم الْمهْدي لونا يفوق ... لألوى بِهِ راياته حِين تعقد)
[١٥٣] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن بن الْعَبَّاس بن أبي حَاتِم قَالَ قَالَ لي أبي: كَانَ عندنَا بِالْبَصْرَةِ رجل من المهالبة يعشق زنجية كَانَت لبَعض جيراننا، فَلم يزل يدس إِلَى مولاتها حَتَّى اشْتَرَاهَا، وَكَانَت قد شغلت قلبه عَن أَهله فَعَاتَبَهُ فِي أمرهَا جمَاعَة من أَهله وإخوانه فَلم يلْتَفت إِلَى قَوْلهم.
стр. 210
[١٥٤] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي إِسْحَاق بن أبان عَن الْعُتْبِي أَنه قَالَ فِي جَارِيَة سَوْدَاء كَانَت لَهُ:
(ثكلتها أَن لم يكن وَجههَا ... أحسن عِنْدِي من رُجُوع الشَّبَاب)
قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأنْشد لأبي عَليّ الْبَصِير:
(أسكرتني سكرا بِغَيْر شراب ... وَأَتَتْ إِذْ أَتَت بِأَمْر عُجاب)
(لم ترجع بِآيَة من كتاب اللَّهِ ... حَتَّى نسيت أم الْكتاب)
(لم يعبها اسْتِحَالَة اللَّوْن عِنْدِي ... إِنَّهَا صبغة كلون الشَّبَاب)
قَالَ: وأنشدني بعض أهل الْأَدَب:
(أَهْدَت لقلبك صبوة وَفَسَادًا ... ولجفن عَيْنك عِبْرَة وسهادا)
(من كَانَ يرغب فِي الْبيَاض ... لحسنه فَأَنا الْمعَارض بالبياض سوادا)
(لَا ينفذ القرطاس فِي حاجاته ... حَتَّى تنمق ساحتيه مدادا)
(نَفسِي الْفِدَاء لَك خود طفلة ... سَوْدَاء أقربت الْفُؤَاد بعادا)
[١٥٥] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي الْحَارِث قَالَ: قَالَ الْمَدَائِنِي: اتخذ الفرزدق على النوار جَارِيَة زنجية فأحبها فَولدت لَهُ جَارِيَة، وَكَانَ يُحِبهَا
стр. 211
ويمدح الزنج.
[١٥٦] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وحَدثني مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ حَدثنِي بعض الشاميين عَن أبي زيد الدِّمَشْقِي قَالَ: حَدثنِي جَعْفَر بن زِيَاد الشَّامي قَالَ: هوى رجل منا جَارِيَة سَوْدَاء فلامه أَهله على ذَلِك، وَقَالُوا: عشقت سَوْدَاء! فَأَنْشَأَ يَقُول:
(يكون الْخَال فِي خد قَبِيح ... فيكسره الملاحة والجمالا)
(فَكيف يلام إِنْسَان على من يرَاهُ ... كُله فِي الْعين خالا)
[١٥٧] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وأنشدني أَحْمد بن حبيب [لأبي حَفْص] الشطرنجي فِي دَنَانِير جَارِيَة يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي وَكَانَت سَوْدَاء:
(أشبهك الْمسك وأشبهته ... قَائِما فِي لَونه قَاعِدَة)
(لاشك إِذْ لونكما وَاحِد ... أنكما من طِينَة وَاحِدَة)
[١٥٨] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَحدثنَا مُحَمَّد التَّمِيمِي عَن أبي الْحسن الْمَدِينِيّ قَالَ: كَانَ ليزِيد بن مُعَاوِيَة جَارِيَة سَوْدَاء وَكَانَ يُحِبهَا، فَخَلا بهَا يَوْمًا وَعلمت امْرَأَته، فَأَتَت الْموضع فَمَال إِلَيْهَا وَترك السَّوْدَاء واستحى مِنْهَا.
стр. 212
قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَسمعت بعض أهل الْأَدَب يَقُول: بَلغنِي أَن رجلا عوتب فِي سَوْدَاء كَانَ يُحِبهَا فَقَالَ: وَالله مَا صلحت إِلَّا أَن تقطع خيلانا فِي خدود القيان.
[١٥٩] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأخْبرنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي عَن أَبِيه قَالَ: اعْترض الْفضل بن الرّبيع جواري، وَكَانَ فِيهِنَّ جَارِيَة سَوْدَاء، وَكَانَ لَهَا لِسَان وبنان وحلاوة وشكل، فَوَقَعت بِقَلْبِه فكلمها، فَرَأى سرعَة جوابها، فَزَاد إعجابا، فاشتراها.
قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وأنشدني أَحْمد بن جَعْفَر الْكَاتِب لبَعْضهِم:
(أحب الْجَوَارِي الْأدم من أجل تكْتم ... وَمن أجلهَا أَحْبَبْت من كَانَ أسودا)
(فجئني بِمثل الْمسك أطيب رَاحَة ... وجئني بِمثل اللَّيْل أطيب مرقدا)
قَالَ: وأنشدني أَبُو عبد الله الأسباطي:
(ألم تَرَ أَن الْمسك مِنْهُ حصية بِمَال ... وَأَن الْملح وقر بدرهم)
(وَأَن سَواد الْعين فِي الْعين نورها ... وَمَا لبياض الْعين نور فيفهم)
قَالَ: وأنشدت لإسماعيل بن أبي هَاشم مولى آل الزبير:
(جَارِيَة مجدولة من الْحَبَش ... فِي وَجههَا آثَار كي ونمش)
(كَأَنَّهَا غُصْن تثنى يَوْم طش ... )
стр. 213
وَله أَيْضا:
(نوبية طيبَة الأردان ... تخطر فِي حلَّة أرجوان)
(كَأَنَّهَا غُصْن من الأغصان ... )
قَالَ: وأنشدت لِابْنِ الجهم حب أَدَم النِّسَاء من سنة الظّرْف على أَنه جمال الْقُلُوب:
(كَيفَ يهوى الْفَتى الظريف ... وصال الْبيض شُبُهَات المشيب)
(وأصل الْأدم مشبهات سَواد الْعين ... والمسك فِي نعيم وَطيب)
(مشبهات السوَاد والمسك تفديكن ... نَفسِي من نائبات الخطوب)
[١٦٠] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: كَانَ لمُحَمد بن عبد الْملك الْأَسدي جَارِيَة سَوْدَاء فأحبها وَولدت لَهُ.
قَالَ: وَأخْبرنَا أَبُو الْفضل الأيادي قَالَ: وحَدثني الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل الْعَتكِي قَالَ أنبأ الصَّقْر بن عبد اللَّهِ الْمَكِّيّ قَالَ: كَانَ عندنَا بِمَكَّة رجل يُقَال لَهُ: الحسام بن قدامَة مشتهرا بحب السود، وَكَانَ إخوانه يلومونه على ذَلِك وَلَا يرجع، وَكَانَت لَهُ فِيهِنَّ أشعار كَثِيرَة فَمِنْهَا:
(لَا تلوما فلات حِين ملامة ... أزهق الْحبّ نَفسه والمستهامة)
(فتنته بشكلهن الْجَوَارِي ... والجواري فِي شكلهن غَرَامَة)
стр. 214
(يَا جواري حَدثنِي بحياتي ... هَل عليكن فِي هلاكي قسَامَة)
(صَاح إِن القيان غير امتراء ... سَوف يقتلنني وَرب الْقِيَامَة)
(فَإِذا مت فاجمعوا الحرميات ... وصفراء مولدات الْيَمَامَة)
(والثقال الحقائب الْمَدَنِيَّات ... ذَوَات المضاحك البسامة)
(ثمَّ قومُوا على الْحجُون فصيحوا ... يَا قَتِيل القيان يَا بن قدامَة)
[١٦١] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي أَبُو الْفضل الأيادي عَن أبي دَاوُد المصاحفي قَالَ: كَانَت للنضر بن شُمَيْل جَارِيَة سَوْدَاء قد أدبها وخرجها وفرحها، وَكَانَت فصيحة، وَكَانَ يمِيل إِلَيْهَا ويحبها، قَالَ: فَقَالَت لي يَوْمًا - وَقد ذاكرتها بالشعر -: الغ عَن هَذَا، فَإِنَّهُ حرفه كُله، وَالله مَا زَالَ بيتنا قفرا مَا كَانَ فِيهِ:
(عفت الديار محلهَا فمقامها ... وآذنتنا بَينهَا أَسمَاء)
وأشباههما حَتَّى أبدلنا اللَّهِ [ ] بذلك فخصبت رحلنا وَأمن بيتنا فَجعلت أعجب من تَخْلِيصهَا وجودة تمييزها.
[١٦٢] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أنبأ الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ
стр. 215
أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أنبأ ابْن حيويه قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن خلف قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر الْقرشِي قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بكير عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: كَانَ أَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج يتَمَثَّل بِهَذَا الْبَيْت:
(فَمن يَك معجبا ببنات كسْرَى ... فَإِنِّي معجب ببنات حام)
قَالَ مُحَمَّد بن خلف: وَأَخْبرنِي بعض أهل الْأَدَب قَالَ: كَانَ إِسْمَاعِيل بن جَامع قد تزوج بالحجاز جَارِيَة سَوْدَاء مولاة لقوم يُقَال لَهَا مَرْيَم، فَلَمَّا صَار من الرشيد بالموضع الَّذِي صَار بِهِ اشتاق إِلَى السَّوْدَاء، فَقَالَ يذكرهَا، وَيذكر الْموضع الَّذِي كَانَ يألفها بِهِ، ويجتمعان فِيهِ -:
(هَل لَيْلَتي بفضاء الحصحاص عايدة ... فِي قبَّة ذَات أشراج وأزرار)
(تسمو مجامرهما بالمندلي كَمَا ... تسمو بجنابه أَفْوَاج إعصار)
(الْمسك يَبْدُو إِلَيْنَا من غلائلها ... والعنبر الْورْد تذكيه على النَّار)
(وَمَرْيَم بَين أتراب منعمة طورا ... وطورا تغنيني بأوتار)
فَقَالَ لَهُ الرشيد - وَقد سمع شعره -: وَيلك، من مريمك هَذِه الَّتِي قد وصفتها صفة الْحور الْعين؟ قَالَ: زَوْجَتي، فوصفها كلَاما أَضْعَاف مَا وصفهَا شعرًا. فَأرْسل الرشيد إِلَى الْحجاز فَإِذا هِيَ سَوْدَاء طمطانية ذَات مشافر فَقَالَ لَهُ: وَيلك، هَذِه مَرْيَم الَّتِي مَلَأت الدُّنْيَا بذكرها؟ قَالَ: يَا
следующие страницы →