← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

أَي: قَالَ ﷺ ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: قَالَه، يرجع إِلَى الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (مَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فَأتمُّوا) ، وَالْمعْنَى: قَالَه عَن النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْبَاب السَّابِق. ٦٣٦ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ وعنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إذَا سَمِعْتُمُ الإقَامَةَ فَامْشُوا إلَى الصَّلَاةِ وعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ والوَقَارِ ولَا تُسْرِعُوا فَما أدرَكْتُمْ فَصَلوا ومَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا. (الحَدِيث ٦٣٦ طرفه فِي: ٩٠٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة قد ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه من طَرِيقين. الأول: عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة. الثَّانِي: عَن آدم أَيْضا عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن الزُّهْرِيّ حدث عَن شيخين عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة، وَقد جمع البُخَارِيّ بَينهمَا فِي: بَاب الْمَشْي إِلَى الْجُمُعَة عَن آدم، فَقَالَ فِيهِ: عَن سعيد وَأبي سَلمَة، كِلَاهُمَا عَن أبي هُرَيْرَة، وَكَذَلِكَ أخرجه مُسلم من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ، عَنْهُمَا. وَالتِّرْمِذِيّ أخرجه من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع: عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن أبي سَلمَة وَحده، وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد وَحده، وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ عسقلاني. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَة) أَي: إِقَامَة الصَّلَاة، إِنَّمَا ذكر الْإِقَامَة تَنْبِيها على مَا سواهَا لِأَنَّهُ إِذا نهى عَن إتيانها مسرعا فِي حَال الْإِقَامَة مَعَ خوف فَوت بَعْضهَا، فَقبل الْإِقَامَة أولى. وَيُقَال: الْحِكْمَة فِي التَّقْيِيد بِالْإِقَامَةِ أَن المسرع إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة يصل إِلَيْهَا وَقد انبهر، فَيقْرَأ فِي تِلْكَ الْحَالة فَلَا يحصل لَهُ تَمام الْخُشُوع فِي الترتيل، وَغَيره، بِخِلَاف من جَاءَ قبل ذَلِك، فَإِن الصَّلَاة قد لَا تُقَام حَتَّى يستريح. قَوْله: فَعَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: (وَعَلَيْكُم السكينَة) ، بِالنّصب بِلَا: بَاء، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق يُونُس، وضبطها الْقُرْطُبِيّ الشَّارِح بِالنّصب على الإغراء، وضبطها النَّوَوِيّ بِالرَّفْع على أَنَّهَا جملَة فِي مَوضِع الْحَال. وَقيل: دُخُول الْبَاء لَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلَيْكُم أَنفسكُم﴾ (الْمَائِدَة: ١٠٥) ورد بِأَنَّهَا زَائِدَة للتَّأْكِيد، وَلم تدخل للتعدية. وَجَاء فِي الْأَحَادِيث كثير من ذَلِك نَحْو: (عَلَيْكُم بِرُخْصَة الله تَعَالَى) ، (فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاء) ، (وَعَلَيْكُم بِقِيَام اللَّيْل) . وَنَحْو ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: ثمَّ إِن الَّذِي علل بقوله لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ غير موف بمقصوده، إِذْ لَا يلْزم من كَونه يتَعَدَّى بِنَفسِهِ امْتنَاع تعديته بِالْبَاء. انْتهى. قلت: هَذَا الْقَائِل لم يشم شَيْئا من علم التصريف، وَنفى الْمُلَازمَة غير صَحِيح. قَوْله: (وَالْوَقار) قَالَ عِيَاض والقرطبي: وَهُوَ بِمَعْنى السكينَة، وَذكر على سَبِيل التَّأْكِيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ: السكينَة: التأني فِي الحركات وَاجْتنَاب الْعَبَث وَالْوَقار فِي الْهَيْئَة، كغض الْبَصَر وخفض الصَّوْت وَعدم الِالْتِفَات. قَوْله: (وَلَا تسرعوا) ، فِيهِ زِيَادَة تَأْكِيد، وَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله﴾ (الْجُمُعَة: ٩) وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ يشْعر بالإسراع، لِأَن المُرَاد بالسعي الذّهاب، يُقَال: سعيت إِلَى كَذَا أَي: ذهبت إِلَيْهِ، وَالسَّعْي أَيْضا جَاءَ بِمَعْنى: الْعَمَل، وَبِمَعْنى: الْقَصْد. وَالْحكمَة فِي منع الْإِسْرَاع أَنه يُنَافِي الْخُشُوع، وَتَركه أَيْضا يسْتَلْزم كَثْرَة الخطى، وَهُوَ أَمر مَنْدُوب مَطْلُوب، وَردت فِيهِ أَحَادِيث: مِنْهَا حَدِيث مُسلم رَوَاهُ عَن جَابر: (إِن بِكُل خطْوَة دَرَجَة) . قَوْله: (فَمَا أدركتم) : الْفَاء، فِيهِ جَزَاء شَرط مَحْذُوف، أَي: إِذا بيّنت لكم مَا هُوَ أولى بكم فَمَا أدركتم فصلوا. قَوْله: (وَمَا فاتكم فَأتمُّوا) أَي: أكملوا، وَقد بَينا اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِيهِ فِي الْبَاب السَّابِق. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الدّلَالَة على حُصُول فَضِيلَة الْجَمَاعَة بِإِدْرَاك جُزْء من الصَّلَاة. لقَوْله: (فَمَا أدركتم فصلوا) ، وَلم يفصل بَين الْقَلِيل وَالْكثير. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الدُّخُول مَعَ الإِمَام فِي أَي: حَالَة وجده عَلَيْهَا. وَفِيه: الْحَث على التأني وَالْوَقار عِنْد الذّهاب إِلَى الصَّلَاة، وَمِنْه اسْتدلَّ قوم على أَن من أدْرك الإِمَام رَاكِعا لم تحسب لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَة لِلْأَمْرِ بإتمام مَا فَاتَهُ، وَقد فَاتَهُ الْقيام وَالْقِرَاءَة فِيهِ، وَهُوَ أَيْضا مَذْهَب من ذهب إِلَى وجوب الْقِرَاءَة خلف الإِمَام، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة أَيْضا. وَاخْتَارَهُ ابْن

стр. 1402

خُزَيْمَة. وَعند أَصْحَابنَا، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور: أَنه يكون مدْركا لتِلْك الرَّكْعَة لحَدِيث أبي بكرَة حَيْثُ ركع دون الصَّفّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي، ﷺ : (زادك الله حرصا وَلَا تعد) . وَلم يَأْمُرهُ بِإِعَادَة تِلْكَ الرَّكْعَة، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث مُعَاوِيَة ابْن ابي سُفْيَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تبادروني بركوع وَلَا سُجُود، فَإِنَّهُ مهما أسبقكم بِهِ إِذا ركعت تدركوني بِهِ إِذا رفعت، وَإِنِّي قد بدنت) . وَهَذَا يدل على أَن الْمُقْتَدِي إِذا لحق الإِمَام وَهُوَ فِي الرُّكُوع فَلَو شرع مَعَه مَا لم يرفع رَأسه يصير مدْركا لتِلْك الرَّكْعَة، فَإِذا شرع وَقد رفع رَأسه لَا يكون مدْركا لتِلْك الرَّكْعَة، وَلَو ركع الْمُقْتَدِي قبل الإِمَام فَلحقه الإِمَام قبل قِيَامه يجوز عندنَا خلافًا لزفَر، ﵀. ٢٢ - (بابٌ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إذَا رَأوُا الإِمامَ عِنْدَ الإِقَامَةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَتى تقوم الْجَمَاعَة إِذا رَأَوْا الإِمَام عِنْد إِقَامَة الصَّلَاة، وَحَدِيث الْبَاب يبين ذَلِك. ٦٣٧ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ كَتَبَ إلَيَّ يَحْيَى عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ إِذا أُقِيمَتِ االصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي ي: ٦٣٨، ٩٠٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن معنى الحَدِيث أَن الْجَمَاعَة لَا يقومُونَ عِنْد الْإِقَامَة إلَاّ حِين يرَوْنَ أَن الإِمَام قَامَ، وَقد بَين ذَلِك معنى التَّرْجَمَة الَّتِي فِيهَا الِاسْتِفْهَام عَن وَقت قيام النَّاس إِلَى الصَّلَاة، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي وَقت قيام النَّاس إِلَى الصَّلَاة على مَا نبينه عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، قد ذكرُوا. و: هِشَام هُوَ الدستوَائي، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: الْكِتَابَة وَهِي طَرِيق من طرق الحَدِيث، وَهُوَ أَن يكْتب مسموعه لغَائِب أَو حَاضر إِمَّا أَن تكون مقرونة بِالْإِجَازَةِ أَو لَا، وَذَلِكَ عِنْدهم مَعْدُود فِي الْمسند الْمَوْصُول، وَظَاهر قَوْله: (كتب إِلَيّ يحيى) أَنه لم يسمعهُ مِنْهُ، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق هشيم عَن هِشَام وحجاج الصَّواف، وَكِلَاهُمَا عَن يحيى، وَهُوَ من تَدْلِيس الصِّيَغ، وَصرح أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من وَجه آخر: عَن هِشَام أَن يحيى كتب إِلَيْهِ أَن عبد الله بن أبي قَتَادَة حَدثهُ، فأمن من تَدْلِيس يحيى. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي نعيم عَن شَيبَان عَن يحيى بِهِ، وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن ابْن أبي شيبَة عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعبيد الله بن سعيد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى وَعَن أَحْمد بن صَالح. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن مُحَمَّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحُسَيْن ابْن حُرَيْث وَعَن عَليّ بن حجر. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَوْله: (أُقِيمَت الصَّلَاة) أَي: ذكرت أَلْفَاظ الْإِقَامَة وَنُودِيَ بهَا. قَوْله: (حَتَّى تروني) أَي: تبصروني خرجت، وَبِه صرح ابْن حبَان من طَرِيق عبد الرَّزَّاق وَحده: (حَتَّى تروني خرجت) ، وَلَا بُد فِيهِ من التَّقْدِير، تَقْدِيره: لَا تقوموا حَتَّى تروني خرجت فَإِذا رَأَيْتُمُونِي خرجت فَقومُوا. وَقد اخْتلف السّلف مَتى يقوم النَّاس إِلَى الصَّلَاة؟ فَذهب مَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء إِلَى أَنه لَيْسَ لقيامهم حد، وَلَكِن اسْتحبَّ عامتهم الْقيام إِذا أَخذ الْمُؤَذّن فِي الْإِقَامَة، وَكَانَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يقوم إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: قد قَامَت الصَّلَاة وَكبر الإِمَام، وَحَكَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن سُوَيْد بن غَفلَة، وَكَذَا قيس بن أبي حَازِم وَحَمَّاد، وَعَن سعيد بن الْمسيب وَعمر بن عبد الْعَزِيز: إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: الله إكبر، وَجب الْقيام، وَإِذا قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، اعتدلت الصُّفُوف، وَإِذا قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، كبر الإِمَام. وَذَهَبت عَامَّة الْعلمَاء إِلَى أَنه: لَا يكبر حَتَّى يفرغ الْمُؤَذّن من الْإِقَامَة. وَفِي (المُصَنّف) : كره هِشَام يَعْنِي ابْن عُرْوَة أَن يقوم حَتَّى يَقُول الْمُؤَذّن: قد قَامَت الصَّلَاة، وَعَن يحيى بن وثاب: إِذا فرغ الْمُؤَذّن كبر، وَكَانَ إِبْرَاهِيم يَقُول: إِذا قَامَت الصَّلَاة كبر، وَمذهب الشَّافِعِي وَطَائِفَة أَنه يسْتَحبّ أَن لَا يقوم حَتَّى يفرغ الْمُؤَذّن من الْإِقَامَة، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف، وَعَن

стр. 1403

مَالك رَحمَه الله تَعَالَى: السّنة فِي الشُّرُوع فِي الصَّلَاة بعد الْإِقَامَة وبداية اسْتِوَاء الصَّفّ. وَقَالَ أَحْمد: إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: قد قَامَت الصَّلَاة، يقوم. وَقَالَ زفر: إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: قد قَامَت الصَّلَاة، مرّة قَامُوا، وَإِذا قَالَ ثَانِيًا افتتحوا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد: يقومُونَ فِي الصَّفّ إِذا قَالَ: حَيّ على الصَّلَاة، فَإِذا قَالَ: قد قَامَت الصَّلَاة كبر الإِمَام، لِأَنَّهُ أَمِين الشَّرْع، وَقد أخبر بقيامها فَيجب تَصْدِيقه وَإِذا لم يكن الإِمَام فِي الْمَسْجِد فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنهم لَا يقومُونَ حَتَّى يروه. فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (أُقِيمَت الصَّلَاة فقمنا فعدلنا الصُّفُوف قبل أَن يخرج إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ . وَفِي رِوَايَة: (إِن الصَّلَاة كَانَت تُقَام لرَسُول الله ﷺ ، فَيَأْخُذ النَّاس مَصَافهمْ قبل أَن يقوم النَّبِي ﷺ مقَامه) . وَفِي رِوَايَة جَابر بن سَمُرَة: (كَانَ بِلَال يُؤذن، إِذا دحضت الشَّمْس، فَلَا يُقيم حَتَّى يخرج النَّبِي ﷺ ، فَإِذا خرج الإِمَام أَقَامَ الصَّلَاة حِين يرَاهُ) وَبَين هَذِه الرِّوَايَات مُعَارضَة. قلت: وَجه الْجمع بَينهمَا: أَن بِلَالًا كَانَ يراقب خُرُوج النَّبِي ﷺ من حَيْثُ لَا يرَاهُ غَيره، أَو إلَاّ الْقَلِيل، فَعِنْدَ أول خُرُوجه يُقيم، وَلَا يقوم النَّاس حَتَّى يروه، ثمَّ لَا يقوم مقَامه حَتَّى بِعدْل الصُّفُوف. وَقَوله فِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: (فَيَأْخُذ النَّاس مَصَافهمْ قبل خُرُوجه) ، لَعَلَّه كَانَ مرّة أَو مرَّتَيْنِ أَو نَحْوهمَا، لبَيَان الْجَوَاز؛ أَو لعذر. وَلَعَلَّ قَوْله، ﷺ : (فَلَا تقوموا حَتَّى تروني) كَانَ بعد ذَلِك. قَالَ الْعلمَاء: وَالنَّهْي عَن الْقيام قبل أَن يروه لِئَلَّا يطول عَلَيْهِم الْقيام، لِأَنَّهُ قد يعرض لَهُ عَارض فَيتَأَخَّر بِسَبَبِهِ. ٢٣ - (بابٌ لَا يَسْعَى إلَى الصَّلَاةِ مُسْتَعْجِلاً وَلْيُقِمْ بِالسَّكِينَةِ والوَقَارِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يقوم الشَّخْص إِلَى الصَّلَاة حَال كَونه مستعجلاً، وليقم إِلَى الصَّلَاة متلبسا بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار، وَقد مر مَعْنَاهُ، وَالْفرق بَينهمَا، وَهَذَا هَكَذَا هُوَ رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بَاب لَا يسْعَى إِلَى الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: بَاب لَا يسْعَى إِلَى الصَّلَاة وَلَا يقوم إِلَيْهَا مستعجلاً. ٦٣٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عنْ عبْدِ الله ابنِ أبي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قالَ رسُولُ الله ﷺ إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ (انْظُر الحَدِيث ٦٣٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَيحيى بن أبي كثير، وَهَذَا الحَدِيث قد مر عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام عَن يحيى عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه، وَفِي هَذَا زِيَادَة على ذَلِك وَهُوَ قَوْله: (وَعَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) ، وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي الْوَقْت: (وَعَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) بِحَذْف: الْبَاء، وَكَذَا أخرجه أَبُو عوَانَة من طَرِيق شَيبَان، وَقد ذكرنَا إِعْرَاب الْوَجْهَيْنِ عَن قريب. تَابَعَهُ عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ أَي: تَابع عَليّ بن الْمُبَارك الْبَصْرِيّ شَيبَان عَن يحيى بن أبي كثير، وَقد وصل البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي كتاب الْجُمُعَة، وَلَفظه: (وَعَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) بِغَيْر: بَاء. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الطرقي: تفرد شَيبَان وَعلي بن الْمُبَارك عَن يحيى بِهَذِهِ الزِّيَادَة، ورد عَلَيْهِ ذَلِك، لِأَن مُعَاوِيَة بن سَلام تابعهما عَن يحيى، ذكره أَبُو دَاوُد عقيب رِوَايَة أبان عَن يحيى، فَقَالَ: رَوَاهُ مُعَاوِيَة بن سَلام وَعلي بن الْمُبَارك عَن يحيى وَقَالا فِيهِ: (حَتَّى تروني وَعَلَيْكُم السكينَة) . ٢٤ - (بابٌ هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ ؟) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يخرج الرجل من الْمَسْجِد بعد إِقَامَة الصَّلَاة لأجل عِلّة؟ أَي: ضَرُورَة؟ وَذَلِكَ مثل أَن يكون مُحدثا أَو جنبا أَو كَانَ حاقنا أَو حصل بِهِ رُعَاف أَو نَحْو ذَلِك، أَو كَانَ إِمَامًا بِمَسْجِد آخر؟ فَإِن قلت: رُوِيَ (عَن أبي هُرَيْرَة أَنه رأى رجلا يخرج من الْمَسْجِد بعد أَن أذن الْمُؤَذّن بالعصر، فَقَالَ: أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم) . رَوَاهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة. قلت: هَذَا مَحْمُول على من خرج بِغَيْر ضَرُورَة، وَقد أوضح ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) : من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَلَفظه: (لَا يسمع النداء فِي مَسْجِدي ثمَّ يخرج مِنْهُ إِلَّا لحَاجَة ثمَّ لَا يرجع إِلَيْهِ إلَاّ مُنَافِق.

стр. 1404

٦٣٩ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحِ بنِ كَيْسَان عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ خَرَجَ وقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَعُدِّلَتِ الصُفُوفُ حَتَّى إذَا قامَ فِي مُصَلَاّهُ انْتَظَرْنا أنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ قالَ عَلَى مَكَانِكُمْ فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا حَتَّى خَرَجَ إلَيْنَا يَنْطُفُ رأسُهُ مَاء وقَدِ اغْتَسَلَ (انْظُر الحَدِيث ٢٧٥ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم القريشي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وهم صَالح بن كيسَان فَإِنَّهُ رأى عبد الله بن عمر، وَالزهْرِيّ وَأَبُو سَلمَة. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَأخرج البُخَارِيّ فِي كتاب الْغسْل فِي: بَاب إِذا ذكر فِي الْمَسْجِد أَنه جنب يخرج كَمَا هُوَ وَلَا يتَيَمَّم: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن عمر، قَالَ: حَدثنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (أُقِيمَت الصَّلَاة وَعدلت الصُّفُوف قيَاما، فَخرج إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذكر أَنه جنب، فَقَالَ لنا: مَكَانكُمْ، ثمَّ رَجَعَ فاغتسل ثمَّ خرج إِلَيْنَا وَرَأسه يقطر، فَكبر وصلينا مَعَه) . وَقد قُلْنَا هُنَاكَ: إِنَّه أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وتكلمنا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة، ولنتكلم هُنَا بِمَا يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. فَقَوله: (خرج) أَي: من الْحُجْرَة، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون خُرُوجه فِي حَال الْإِقَامَة، وَيحْتَمل أَن تكون الْإِقَامَة تقدّمت خُرُوجه، وَهُوَ ظَاهر فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب الَّذِي بعده لتعقيب الْإِقَامَة بالتسوية، وتعقيب التَّسْوِيَة بِخُرُوجِهِ جَمِيعًا بِالْفَاءِ. قلت: لَيْسَ فِيهِ الاحتمالان اللَّذَان ذكرهمَا، بل معنى الْحَدِيثين سَوَاء، لِأَن الجملتين أَعنِي قَوْله: (وَقد أُقِيمَت الصَّلَاة وَعدلت الصُّفُوف) . وقعتا حَالين، وَالْمعْنَى أَنه خرج وَالْحَال أَنهم أَقَامُوا الصَّلَاة وَعدلُوا الصُّفُوف، وَكَذَلِكَ معنى الحَدِيث الثَّانِي، لِأَن الْفَاء فِيهِ لَيست للتعقيب كَمَا ظَنّه هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا هَذِه: الْفَاء، تسمى: فَاء الْحَال، وَالْمعْنَى: حَال إِقَامَة الصَّلَاة وتعديل الصُّفُوف خرج النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: السّنة أَن تكون الْإِقَامَة بِنَظَر الإِمَام، فَلم أُقِيمَت قبل خُرُوجه؟ وَتقدم حَدِيث: (لَا تقوموا حَتَّى تروني) فلِمَ عدلت الصُّفُوف قبل ذَلِك؟ قلت: لفظ: قد، يقرب الْمَاضِي من الْحَال، فَمَعْنَاه خرج فِي حَال الْإِقَامَة، وَفِي حَال التَّعْدِيل فَلَا يلْزم المحذوران الْمَذْكُورَان أَو علمُوا بالقرائن خُرُوجه، أَو أذن لَهُ فِي الْإِقَامَة وَلَهُم فِي الْقيام. انْتهى. قلت: لَا حَاجَة إِلَى قَوْله: بِأَن لفظ: قد، يقرب الْمَاضِي من الْحَال، لِأَن الْجُمْلَة الَّتِي دخلت عَلَيْهَا لَفْظَة: قد، حَالية كَمَا ذكرنَا، وَالْأَصْل أَن الْجُمْلَة الفعلية الْمَاضِيَة إِذا وَقعت حَالا تدخل عَلَيْهَا: قد، كَمَا تدخل: الْوَاو، على الْجُمْلَة الإسمية إِذا وَقعت حَالا، وَإِذا دخلت الْجُمْلَة الفعلية الْوَاقِعَة حَالا عَن لَفْظَة: قد، ظَاهرا تقدر فِيهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أوجاؤكم حصرت صُدُورهمْ﴾ (النِّسَاء: ٩٠) . أَي: قد حصرت. قَوْله: (وَعدلت) أَي: سويت. قَوْله: (حَتَّى إِذا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ انتظرناه أَن يكبر انْصَرف) . وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق يُونُس عَن الزُّهْرِيّ: (قبل أَن يكبر فَانْصَرف) . وَفِيه: دَلِيل على أَنه انْصَرف قبل أَن يدْخل فِي الصَّلَاة. فَإِن قلت: يُعَارضهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان: (عَن أبي بكرَة ان النَّبِي ﷺ دخل فِي صَلَاة الْفجْر فَكبر ثمَّ أَوْمَأ إِلَيْهِم) ، وَمَا رَوَاهُ مَالك من طَرِيق عَطاء بن يسَار مُرْسلا أَنه ﷺ كبر فِي صَلَاة من الصَّلَوَات ثمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ، أَن: امكثوا قلت: إِذا قُلْنَا إنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ فَلَا تعَارض، وإلَاّ فَالَّذِي فِي الصَّحِيح أصح. قَوْله: (انتظرنا) ، جملَة حَالية عَامل فِي الظّرْف. قَوْله: (أَن يكبر) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: انتظرنا تكبيره. قَوْله: (انْصَرف) أَي: إِلَى الْحُجْرَة، وَهُوَ جَوَاب: إِذا. قَوْله: (قَالَ) ، اسْتِئْنَاف. قَوْله: (على مَكَانكُمْ) ، أَي: توقفوا على مَكَانكُمْ والزموا موضعكم. قَوْله: (فَمَكثْنَا) ، من: الْمكْث، وَهُوَ: اللّّبْث. قَوْله: (على هيئتنا) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْهمزَة بعْدهَا التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: أَي: على الْهَيْئَة وَالصُّورَة الَّتِي كُنَّا عَلَيْهَا، وَهِي: قيامهم فِي الصُّفُوف المعدلة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (على هينتنا) بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، والهينة: الرِّفْق والتأني، وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أصوب وأوجه. قَوْله: (ينطف) ، بِكَسْر الطَّاء وَضمّهَا أَي: يقطر، كَمَا صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَأتي بعْدهَا هَذِه، وَهَذِه الْجُمْلَة حَال، وَكَذَا

стр. 1405

قَوْله: (وَقد اغْتسل) ، و: مَاء، نصب على التَّمْيِيز، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر: عَن ابي هُرَيْرَة فَقَالَ: (إِنِّي كنت جنبا فنسيت أَن أَغْتَسِل) . وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث: جَوَاز النسْيَان على الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي أَمر الْعِبَادَة للتشريع. وطهارة المَاء الْمُسْتَعْمل. وانتظار الْجَمَاعَة لإمامهم مَا دَامَ فِي سَعَة من الْوَقْت. وَجَوَاز الْفَصْل بَين الْإِقَامَة وَالصَّلَاة لِأَن قَوْله: (فصلى) ، ظَاهر فِي أَن الْإِقَامَة لم تعد، وَالظَّاهِر أَنه مُقَيّد بِالضَّرُورَةِ، وَعَن مَالك: إِذا بَعدت الْإِقَامَة من الْإِحْرَام تُعَاد. قلت: الظَّاهِر أَنه إِذا لم يكن لَهُ عذر، وَفِيه: أَنه لَا حَيَاء فِي أَمر الدّين. وَفِيه: جَوَاز الْكَلَام بَين الْإِقَامَة وَالصَّلَاة. وَجَوَاز تَأْخِير الْجنب الْغسْل عَن وَقت الْحَدث. وَفِيه: أَنه لَا يجب على من احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِد فَأَرَادَ الْخُرُوج مِنْهُ أَن يتَيَمَّم. ٢٥ - (بابٌ إذَا قالَ الإمامُ مكانَكُمْ حَتَّى نَرْجِعَ انْتَظِرُوه) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ الإِمَام للْجَمَاعَة: إلزموا مَكَانكُمْ حَتَّى نرْجِع. قَوْله: (انتظروه) على صِيغَة الْمَاضِي جَوَاب إِذا، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا اللَّفْظ فِي رِوَايَة يُونُس عَن الزُّهْرِيّ كَمَا مضى فِي الْغسْل. قلت: لَيْسَ هَذَا اللَّفْظ فِي رِوَايَة يُونُس، فَإِن لَفظه: (فَقَالَ لنا: مَكَانكُمْ، ثمَّ رَجَعَ) . وَلَو قَالَ: هَذَا اللَّفْظ أَخذه من معنى رِوَايَة يُونُس لَكَانَ أصوب. قَوْله: (حَتَّى نرْجِع) ، بالنُّون فِي رِوَايَة الْكشميهني، وبالهمزة: (أرجع) للأصيلي، (وَيرجع) ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، لبَقيَّة الروَاة، وعل كل حَال: هُوَ مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة. ٦٤٠ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا الأوزاعيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ أقِيمَتِ الصَّلاةُ فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ فَخَرَجَ رسولُ الله ﷺ فَتَقَدَّمَ وَهْوَ جنُبٌ ثُمَّ قَالَ عَلَى مكانِكُمْ فاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقطُرُ مَاء فَصَلَّى بِهِمْ. (انْظُر الحَدِيث ٢٧٥ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق هَذَا وَقع غير مَنْسُوب فِي جَمِيع الرِّوَايَات، قَالَ الغساني: لَعَلَّه إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَجوزهُ ابْن طَاهِر، وَجزم بِهِ الْمزي. وَمُحَمّد بن يُوسُف: هُوَ الْفرْيَابِيّ وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، وَأكْثر الرِّوَايَة عَنهُ بِغَيْر وَاسِطَة، وَهَهُنَا روى عَنهُ بِوَاسِطَة، وَالْأَوْزَاعِيّ: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وَالزهْرِيّ: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ. نَحوه: (أُقِيمَت الصَّلَاة وصف النَّاس صفوفهم وَخرج رَسُول الله ﷺ فَقَامَ مقَامه، فَأَوْمأ إِلَيْهِم بِيَدِهِ أَن: مَكَانكُمْ، فَخرج وَقد اغْتسل وَرَأسه يقطر المَاء، فصلى بهم) . وَعَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن الْوَلِيد بن مُسلم مُخْتَصرا، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن مُؤَمل بن الْفضل عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحْو حَدِيث زُهَيْر بن حَرْب، وَفِي الصَّلَاة عَن مَحْمُود بن خَالِد وَدَاوُد بن رشيد، وَكِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحْو حَدِيث إِبْرَاهِيم ابْن مُوسَى، قَوْله: (فَتقدم وَهُوَ جنب) ، يَعْنِي: فِي نفس الْأَمر، لَا أَنهم اطلعوا على ذَلِك مِنْهُ، قبل أَن يعلمهُمْ، وَقد مضى فِي رِوَايَة يُونُس فِي الْغسْل: (فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذكر أَنه جنب) ، وَفِي رِوَايَة أبي نعيمٍ: (ذكر أَنه لم يغْتَسل) . قَوْله: (على مَكَانكُمْ) ، أَي: اثبتوا فِي مَكَانكُمْ وَلَا تفَرقُوا. قَوْله: (فَرجع) أَي: إِلَى الْحُجْرَة. قَوْله: (وَرَأسه) مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (يقطر) ، وَالْجُمْلَة حَال، و: مَا، نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (فصلى بهم) ، ظَاهره أَنه لم يَأْمُرهُم بِإِعَادَة الْإِقَامَة، وَفِي بعض النّسخ بعده، قيل لأبي عبد الله: إِن بدا لِأَحَدِنَا مثل هَذَا يفعل كَمَا فعل النَّبِي ﷺ ؟ قَالَ: فَأَي شَيْء يصنع؟ فَقيل: ينتظرونه قيَاما وقعودا، قَالَ: إِن كَانَ قبل التَّكْبِير فَلَا بَأْس، أَن يقعدوا، وَإِن كَانَ بعد التَّكْبِير ينتظرونه قيَاما. ٢٦ - (بابُ قَوْلِ الرَّجلِ مَا صَلَّيْنا) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول الرجل: مَا صلينَا، وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَول الرجل للنَّبِي ﷺ : مَا صلينَا. وَقَالَ ابْن بطال:

стр. 1406

فِيهِ رد لقَوْل إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: يكره أَن يَقُول الرجل: لم نصل، وَكَرَاهَة النَّخعِيّ لَيست على إِطْلَاقهَا، بل إِنَّمَا هِيَ فِي حق منتظر الصَّلَاة، ومنتظر الصَّلَاة فِي الصَّلَاة، فَقَوْل المنتظر: مَا صلينَا يَقْتَضِي نفي مَا أثْبته الشَّارِع، فَلذَلِك كرهه، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن البُخَارِيّ لَو أَرَادَ الرَّد عَلَيْهِ مُطلقًا لصرح بذلك كَمَا صرح بِالرَّدِّ على ابْن سِيرِين فِي تَرْجَمَة: فاتتنا الصَّلَاة. ٦٤١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ أخبرنَا جابِرُ بنُ عَبْدِ الله أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جاءَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَقَالَ يَا رسولَ الله وَالله مَا كِدْتُ أنْ أصَلِّيَ حَتَّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ وذَلِكَ بَعْدَ مَا أفْطَرَ الصَّائِمُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ وَالله مَا صَلَّيْتُها فَنَزَلَ النبيُّ ألَى بُطْحَانَ وأنَا مَعَهُ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى يَعْنِي العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ. . قَالَ الْكرْمَانِي: مَا يظْهر من كَلَامه أَن مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا كدت أَن أُصَلِّي) ، وَهُوَ معنى: مَا صليت، بِحَسب عرف الِاسْتِعْمَال، فَهَذَا قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، للنَّبِي ﷺ ، وَقَالَ بَعضهم: ثمَّ إِن اللَّفْظ الَّذِي أوردهُ الْمُؤلف وَقع النَّفْي فِيهِ من قَول النَّبِي ﷺ لَا من قَول الرجل، لَكِن فِي بعض طرقه وُقُوع ذَلِك من الرجل أَيْضا، وَهُوَ عمر كَمَا أوردهُ فِي الْمَغَازِي، وَهَذِه عَادَة مَعْرُوفَة للمؤلف، يترجم بِبَعْض مَا وَقع فِي طرق الحَدِيث الَّذِي يَسُوقهُ، وَلَو لم يَقع فِي الطَّرِيق الَّتِي يوردها فِي تِلْكَ التَّرْجَمَة. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ الْأَوْجه لِأَنَّهُ لَا يحسن أَن يترجم بِبَعْض مَا فِي حَدِيث أورد فِي غير الْبَاب الَّذِي ترْجم بِهِ، وَالْأَحْسَن أَن تقع الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي ذكره. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو نعيم: الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ وَيحيى ابْن أبي كثير. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي: بَاب من صلى بِالنَّاسِ جمَاعَة بعد ذهَاب الْوَقْت، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (مَا كدت أَن أُصَلِّي) خبر: كَاد، قد يسْتَعْمل: بِأَن اسْتِعْمَال: عَسى، وَالْأَصْل عدمهَا، وَقد اسْتعْمل هَهُنَا على الْوَجْهَيْنِ حَيْثُ قَالَ: (ان اصلي وتغرب) . قَوْله: (وَذَلِكَ) أَي: القَوْل. قَوْله: (بَعْدَمَا أفطر الصَّائِم) أَي: بعد الْغُرُوب، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يكون الْمَجِيء بعد الْغُرُوب، وَقد صرح بِأَنَّهُ جَاءَ يَوْم الخَنْدَق؟ قلت: أَرَادَ بِالْيَوْمِ الزَّمَان، كَمَا يُقَال رَأَيْته يَوْم ولادَة فلَان، وَإِن كَانَت بِاللَّيْلِ، وَالْغَرَض مِنْهُ بَيَان التَّارِيخ لَا خُصُوصِيَّة الْوَقْت. قَوْله: (بطحان) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الطَّاء، وَهُوَ وَاد بِالْمَدِينَةِ، غير منصرف. ٢٧ - (بابُ الإمامِ تَعْرِضُ لَهُ الحاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الإِمَام تعرض ... إِلَى آخِره، و: تعرض، بِكَسْر الرَّاء: أَي، تظهر، وَبعده مُقَدّر، تَقْدِيره: هَل يُبَاح لَهُ التشاغل بِالْحَاجةِ قبل الدُّخُول فِي الصَّلَاة أم لَا؟ وَالْحَاصِل: أَنه يجوز. وَقيد بقوله: (بعد الْإِقَامَة) ، لِأَن قبل الْإِقَامَة الْجَوَاز بِالطَّرِيقِ الأولى ٦٤٢ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرِ عَبْدُ الله بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ ابنُ صُهَيْبٍ عَنْ أنَسٍ قَالَ أقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلاً فِي جانِبِ المَسْجِدِ فَما قامَ إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ ﷺ ناجى ذَلِك الرجل وَالصَّلَاة قد أُقِيمَت، وَأطَال الْمُنَاجَاة فَهَذَا هُوَ عرُوض الْحَاجة لَهُ، فَلذَلِك قيد فِي التَّرْجَمَة بِالْإِمَامِ. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: خص الإِمَام بِالذكر يَعْنِي فِي التَّرْجَمَة مَعَ أَن الحكم عَام. قلت: إِنَّمَا قيدها بِالْإِمَامِ لتَعلق هَذَا الحكم بِهِ، لِأَن الْمَأْمُوم إِذا عرضت لَهُ حَاجَة لَا يتَقَيَّد بِهِ غَيره من الْقَوْم، بِخِلَاف الإِمَام، فَإِنَّهُ إِذا

стр. 1407

عرضت لَهُ حَاجَة يتَقَيَّد بِهِ الْقَوْم جَمِيعًا، وَمَعَ هَذَا فقد أَشَارَ إِلَى بَيَان عُمُوم الحكم بِالْبَابِ الَّذِي بعده، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة قد ذكرُوا، وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. قَوْله: (عَن أنس) وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (سمع أنسا) . والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن شَيبَان بن فروخ، وَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أُقِيمَت الصَّلَاة) ، وَكَانَت صَلَاة الْعشَاء، بَينه حَمَّاد بن ثَابت عَن أنس عَن مُسلم، ودلت الْقَرِينَة أَيْضا أَنَّهَا كَانَت صَلَاة الْعشَاء، وَهِي قَوْله: (حَتَّى نَام الْقَوْم) قَوْله (وَالنَّبِيّ) ، مُبْتَدأ وَخَبره، قَوْله: (يُنَاجِي) ، وَالْجُمْلَة حَال، وَالْمعْنَى: يُنَاجِي رجلا يحادثه. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلمنجي فِي جَانب الْمَسْجِد) ، يَعْنِي: مناج، كنديم، بِمَعْنى: منادم، ووزير بِمَعْنى موازر، وَإِنَّمَا ذكر من بَاب المفاعلة ليدل على أَن الرجل أَيْضا يُشَارِكهُ فِي الحَدِيث. قيل: لم يعرف اسْم الرجل مَا هُوَ؟ وَقيل: كَانَ كَبِيرا فِي قومه فَأَرَادَ أَن يتألفه، ﷺ ، على الْإِسْلَام، وَلَيْسَ لهَذَا دَلِيل. قلت: لَا يبعد أَن يكون هَذَا ملكا، وَأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَآهُ فِي صُورَة رجل. قَوْله: (حَتَّى نَام الْقَوْم) ، وَزَاد شُعْبَة عَن عبد الْعَزِيز: (ثمَّ قَامَ فصلى) ، وَهَذِه الزِّيَادَة عِنْد البُخَارِيّ فِي الاسْتِئْذَان، وَلمُسلم أَيْضا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ونام الْقَوْم، أَي: نعس بعض الْقَوْم. قلت: الظَّاهِر أَنه فسر هَذَا هَكَذَا من عِنْده، وَلكنه وَقع هَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن حبَان من وَجه آخر: عَن أنس، وَوَقع فِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: عَن ابْن علية عَن عبد الْعَزِيز فِيهِ: حَتَّى نعس بعض الْقَوْم، وَلَو كَانَ وَقت الْكرْمَانِي على هَذَا لَكَانَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِوَجْه مَا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز مُنَاجَاة الِاثْنَيْنِ بِحُضُور الْجَمَاعَة، وَقَالَ بَعضهم: وَفِي الحَدِيث جَوَاز مُنَاجَاة الْوَاحِد بِحَضْرَة الْجَمَاعَة. قلت: بَاب المفاعلة لَا يسند إِلَى الْوَاحِد، وَلَو كَانَ هَذَا الْقَائِل وقف على مَعَاني الْأَفْعَال لقَالَ مثل مَا قُلْنَا. وَفِيه: جَوَاز الْفَصْل بَين الْإِقَامَة وَالْإِحْرَام للضَّرُورَة، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَفِيه: جَوَاز الْكَلَام بعد الْإِقَامَة، وَإِن كَانَ إِبْرَاهِيم وَالزهْرِيّ وتبعهما الحنفيون: كَرهُوا ذَلِك، حَتَّى قَالَ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة: إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: قد قَامَت الصَّلَاة وَجب على الإِمَام التَّكْبِير. وَقَالَ مَالك: إِذا بَعدت الْإِقَامَة رَأَيْت أَن تُعَاد الْإِقَامَة اسْتِحْبَابا. قلت: إِنَّمَا كره الْحَنَفِيَّة الْكَلَام بَين الْإِقَامَة وَالْإِحْرَام إِذا كَانَ لغير ضَرُورَة، وَأما إِذا كَانَ لأمر من أُمُور الدّين فَلَا يكره. وَفِيه: جَوَاز تَأْخِير الصَّلَاة عَن أول وَقتهَا. ٢٨ - بابُ الكَلَامِ إذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ أَي: هَذَا بَاب جَوَاز الْكَلَام لأجل مُهِمّ من الْأُمُور عِنْد إِقَامَة الصَّلَاة، وَكَأن البُخَارِيّ أَرَادَ بذلك الرَّد على من كرهه مُطلقًا. ٦٤٣ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ قالَ حدَّثنا عَبْدُ الأعْلى قَالَ حدَّثنا حُمَيْدٌ قالَ سألْتُ ثابِتا البُنَانِيَّ عنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلَاةُ فَحَدَّثَنِي عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَعَرَضَ للنبيِّ ﷺ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بَعْدَ مَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فحبسه بَعْدَمَا أُقِيمَت الصَّلَاة) ، لِأَن مَعْنَاهُ: حَبسه عَن الصَّلَاة بِسَبَب التَّكَلُّم مَعَه. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: ابْن الْوَلِيد، بِفَتْح الْوَاو وَكسر اللَّام، وَقد تقدم فِي: بَاب الْجنب يخرج. الثَّانِي: عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة، مر فِي: بَاب الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء: الطَّوِيل، وَقد تقدم. الرَّابِع: ثَابت، بالثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن أسلم الْبنانِيّ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف النُّون وَبعد الْألف نون أُخْرَى مَكْسُورَة، وَهِي نِسْبَة إِلَى: بنانة، زَوْجَة سعد بن لؤَي بن غَالب ابْن فهر. وَقيل: كَانَت حاضنة لِبَنِيهِ فَقَط، وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي (الوشاح) : فِي: بَاب من دخل فِي قبائل قُرَيْش وهم فيهم إِلَى الْيَوْم؛

стр. 1408

وهم الَّذين يُقَال لَهُم: بَنو بنانة، وبنانة حاضنتهم، وَلَيْسَ بِنسَب. الْخَامِس: أنس بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَقَوله: عَن الرجل، لَيْسَ لَهُ تعلق فِي الْإِسْنَاد. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن حميدا روى هَهُنَا عَن أنس بِوَاسِطَة، وَهُوَ يروي عَنهُ كثيرا بِلَا وَاسِطَة. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن حُسَيْن بن معَاذ عَن عبد الْأَعْلَى. قَوْله: (فحبسه) أَي: مَنعه من الدُّخُول فِي الصَّلَاة، وَزَاد هشيم فِي رِوَايَته: (حَتَّى نعس بعض الْقَوْم) . وَقَالَ التَّيْمِيّ: هَذَا رد على من قَالَ: إِذا قَالَ الْمُؤَذّن: قد قَامَت الصَّلَاة، وَجب على الإِمَام تَكْبِيرَة الْإِحْرَام. وَفِيه: دَلِيل على ان اتِّصَال الْإِقَامَة بِالصَّلَاةِ لَيْسَ من وَكيد السّنَن، وَإِنَّمَا هُوَ مستحبها. ٢٩ - (بابُ وُجُوبِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة، وَقَالَ بَعضهم: هَكَذَا بت الحكم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَكَانَ ذَلِك لقُوَّة دليلها عِنْده، لَكِن أطلق الْوُجُوب وَهُوَ أَعم من كَونه وجوب عين أَو كِفَايَة، إلَاّ أَن الْأَثر الَّذِي ذكره عَن الْحسن يشْعر بِأَنَّهُ يُرِيد وجوب عين. قلت: لَا يُقَال: هَذِه الْقِسْمَة إلَاّ فِي الْفَرْض، فَيُقَال: فرض عين وَفرض كِفَايَة، أللهم إلَاّ أَن يكون عِنْد من لم يفرق بَين الْوَاجِب وَالْفَرْض، وَمن أَيْن علم أَن البُخَارِيّ أَرَادَ وجوب الْعين؟ وَمن أَيْن يدل عَلَيْهِ أثر الْحسن؟ وَكَيف يجوز الِاسْتِدْلَال على وجوب الْعين بالأثر الْمَرْوِيّ عَن التَّابِعِيّ وَهَذَا مَحل نظر. وقالَ الحَسَنُ إنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي الجَماعَةِ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، يَعْنِي إِن منعت الرجل أمه عَن الْحُضُور إِلَى صَلَاة الْعشَاء مَعَ الْجَمَاعَة شَفَقَة عَلَيْهِ أَي: لأجل الشَّفَقَة لم يطع أمه فِيهِ، فَهَذَا يدل على أَن الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة فرض عِنْده، وَلِهَذَا قَالَ: لم يطع أمه، مَعَ أَن طَاعَة الْوَالِدين فرض فِي غير الْمعْصِيَة، وَإِنَّمَا عين الْعشَاء، مَعَ أَن الحكم فِي كل الصَّلَوَات سَوَاء لكَونهَا من أثقل الصَّلَاة على الْمُنَافِقين. فَإِن قلت: الْفجْر كَذَلِك. قلت: ذكر أَحدهمَا يُغني عَن الآخر، وَإِنَّمَا عين الْأُم مَعَ أَن الْأَب كَذَلِك فِي وجوب طاعتهما، لِأَن الْأُم أَكثر شَفَقَة من الْأَب على الْأَوْلَاد، وَلم يذكر صَاحب (التَّلْوِيح) وَلَا صَاحب (التَّوْضِيح) وصل هَذَا الْأَثر مَعَ كَثْرَة تتبع صَاحب (التَّلْوِيح) لمثل هَذَا، واتساع اطِّلَاعه فِي هَذَا الْبَاب، وَذكر بَعضهم أَنه وجد مَعْنَاهُ، بل أتم مِنْهُ، وأصرح، فِي كتاب (الصّيام) للحسين بن الْحسن الْمروزِي بِإِسْنَاد صَحِيح: عَن الْحسن فِي رجل يَصُوم، يَعْنِي تَطَوّعا فتأمره أمه أَن يفْطر. قَالَ: فليفطر، وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَله أجر الصَّوْم وَأجر الْبر. قيل: فتنهاه أَن يُصَلِّي الْعشَاء بِجَمَاعَة. قَالَ: لَيْسَ ذَاك لَهَا، هَذِه فَرِيضَة. ٤٠ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد هَمَمْت أَن آمُر بحطب فيحطب ثمَّ آمُر بِالصَّلَاةِ فَيُؤذن لَهَا ثمَّ آمُر رجلا فيؤم النَّاس ثمَّ أُخَالِف إِلَى رجال فَأحرق عَلَيْهِم بُيُوتهم وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو يعلم أحدهم أَنه يجد عرقا سمينا أَو مرماتين حسنتين لشهد الْعشَاء) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يدل على وجوب الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة لما فِيهِ من وَعِيد شَدِيد يدل على أَن تاركها يدْخل فِيهِ (ذكر رِجَاله ولطائف إِسْنَاده) أما رِجَاله فقد ذكرُوا غير مرّة وَأَبُو زناد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. وَأما لطائف إِسْنَاده فَفِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَالْأَخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه اثْنَان لم يذكرَا باسمهما فأحدهما ذكر بالكنية وَالْآخر باللقب وَفِيه عَن الْأَعْرَج وَفِي رِوَايَة السراج من طَرِيق شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد سمع الْأَعْرَج. وَفِيه أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن إِسْمَاعِيل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة

стр. 1409

أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن مَالك. (ذكر اخْتِلَاف أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث) وَعند البُخَارِيّ فِي بَاب فضل صَلَاة الْعشَاء فِي الْجَمَاعَة لَيْسَ صَلَاة أثقل على الْمُنَافِقين من الْفجْر وَالْعشَاء " الحَدِيث وَفِي لفظ لَهُ " لقد هَمَمْت أَن آمُر الْمُؤَذّن فيقيم " وَفِيه " ثمَّ آخذ شعلا من نَار فَأحرق على من لَا يخرج إِلَى الصَّلَاة بِغَيْر عذر " وَفِي لفظ " ثمَّ أُخَالِف إِلَى أَقوام لَا يشْهدُونَ الصَّلَاة فَأحرق عَلَيْهِم " وَعند أَحْمد بن حَنْبَل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " لَوْلَا مَا فِي الْبيُوت من النِّسَاء والذرية أَقمت صَلَاة الْعشَاء وَأمرت فتياني يحرقون مَا فِي الْبيُوت بالنَّار " وَعند أبي دَاوُد " ثمَّ آتِي قوما يصلونَ فِي بُيُوتهم لَيست بهم عِلّة فأحرقها عَلَيْهِم " وَفِي مُسْند السراج " آمُر فتيتي إِذا سمعُوا الْإِقَامَة من تخلف أَن يحرقوا عَلَيْهِم أَنكُمْ لَو تعلمُونَ مَا فيهمَا لأتيتموهما وَلَو حبوا " وَفِي لفظ آخر " أخر النَّبِي ﷺ َ - صَلَاة الْعشَاء حَتَّى تهور اللَّيْل وَذهب ثلثه أَو نَحوه ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد فَإِذا النَّاس عزون وَإِذا هم قَلِيلُونَ فَغَضب غَضبا شَدِيدا لَا أعلم أَنِّي رَأَيْته غضب غَضبا أَشد مِنْهُ ثمَّ قَالَ لقد هَمَمْت أَن آمُر رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثمَّ أتتبع هَذِه الدّور الَّتِي تخلف أهلوها عَن هَذِه الصَّلَاة فأضرمها عَلَيْهِم بالنيران " وَفِي كتاب الطوسي مصححا " ثمَّ آتِي قوما يتخلفون عَن هَذِه الصَّلَاة فَأحرق عَلَيْهِم " يَعْنِي صَلَاة الْعشَاء وَفِي مُسْند عبد الله بن وهب حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب حَدثنَا عجلَان عَنهُ " لينتهين رجال من حول الْمَسْجِد لَا يشْهدُونَ الْعشَاء أَو لأحرقن بُيُوتهم " وَفِي كتاب الثَّوَاب لحميد بن زَنْجوَيْه " آمُر رجَالًا فِي أَيْديهم حزم حطب لَا يُؤْتى رجل فِي بَيته سمع الْأَذَان إِلَّا أضرم عَلَيْهِ بَيته " وَفِي الْأَوْسَط للطبراني " آمُر رجَالًا إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة أَن يتخلفوا دون من لَا يشْهد الصَّلَاة فيضرموا عَلَيْهِم بُيُوتهم " قَالَ " وَلَو أَن رجلا أذن النَّاس إِلَى طَعَام لأتوه وَالصَّلَاة يُنَادى بهَا فَلَا يأتونها " وَفِي مُعْجمَة الصَّغِير " ثمَّ أنظر فَمن لم يشْهد الْمَسْجِد فَأحرق عَلَيْهِ بَيته " وَفِي كتاب التَّرْغِيب والترهيب لأبي مُوسَى الْمَدِينِيّ الْأَصْبَهَانِيّ " خرج بَعْدَمَا تهور اللَّيْل فَذهب ثلثه ثمَّ قَالَ لَو أَن رجلا نَادَى النَّاس إِلَى عرق أَو مرماتين أَتَوْهُ لذَلِك وهم يتخلفون عَن هَذِه الصَّلَاة " وَعند الدَّارَقُطْنِيّ فِي مُسْنده " لَو كَانَ عرقا سمينا أَو مغرفتين لشهدوها " وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق بِسَنَد صَحِيح " لقد هَمَمْت أَن آمُر فتياني أَن يجمعوا إِلَيّ حزما من حطب ثمَّ أَنطلق فَأحرق على قوم بُيُوتهم لَا يشْهدُونَ الْجُمُعَة " رَوَاهُ عَن جَعْفَر بن برْقَان عَن يزِيد بن الْأَصَم عَن أبي هُرَيْرَة وَلما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أَحْمد بن مَنْصُور الرَّمَادِي عَن عبد الرَّزَّاق كَذَا قَالَ كَذَا الْجُمُعَة وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن أبي الْأَحْوَص عَن ابْن مَسْعُود وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ سَائِر الرِّوَايَات أَنه عبر بِالْجمعَةِ عَن الْجَمَاعَات وَرُوِيَ فِي المعجم الْأَوْسَط عَن ابْن مَسْعُود بِالْإِطْلَاقِ من غير تَقْيِيد بِالْجمعَةِ وَالَّذِي فِيهِ التَّقْيِيد بِالْجمعَةِ رَوَاهُ السراج عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ " أَي وَالله الَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ وَهُوَ قسم كَانَ النَّبِي ﷺ َ - كثيرا مَا كَانَ يقسم بِهِ قَوْله " لقد هَمَمْت " جَوَاب الْقسم أكده بِاللَّامِ وَكلمَة قد وَمعنى هَمَمْت أَي قصدت من الْهم وَهُوَ الْعَزْم وَقيل دونه قَوْله " فيحطب " بِالْفَاءِ وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي " ليحطب " بِاللَّامِ وَرِوَايَة الْكشميهني هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين وَرِوَايَة الْمُوَطَّأ أَيْضا وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض الرِّوَايَات " ليحطب " بِالنّصب وَلَام كي وبالجزم وَلَام الْأَمر وَقَالَ أَيْضا ليحتطب أَي ليجمع يُقَال حطبت واحتطبت إِذا جمعت الْحَطب وَقَالَ بَعضهم وَمعنى يحطب يكسر ليسهل إشعال النَّار بِهِ (قلت) لَيْسَ الْمَعْنى كَذَلِك وَالْمعْنَى أَن آمُر بحطب فيحطب أَي فَيجمع وَكَذَلِكَ معنى يحتطب كَمَا ذَكرْنَاهُ وَلم يقل أحد من أهل اللُّغَة أَن معنى يحطب يكسر قَوْله " ثمَّ آمُر بِالصَّلَاةِ " الْألف وَاللَّام فِيهَا إِن كَانَت للْجِنْس فَهُوَ عَام وَإِن كَانَت للْعهد فَفِي رِوَايَة أَنَّهَا الْعشَاء وَفِي أُخْرَى الْفجْر وَفِي أُخْرَى الْجُمُعَة وَفِي أُخْرَى يتخلفون عَن الصَّلَاة مُطلقًا وَلَا تضَاد بَينهَا لجَوَاز تعدد الْوَاقِعَة نعم إِذا كَانَ المُرَاد الْجُمُعَة فالجماعة شَرط فِيهَا وَمحل الْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِي غَيرهَا وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ سَائِر الرِّوَايَات أَنه عبر بِالْجمعَةِ عَن الْجَمَاعَة ونوزع فِيهِ لِأَن أَبَا دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ رويا من طَرِيق يزِيد بن جَابر عَن يزِيد بن الْأَصَم فَذكر الحَدِيث قَالَ يزِيد قلت ليزِيد بن الْأَصَم يَا أَبَا عَوْف الْجُمُعَة أَو غَيرهَا قَالَ صمت أذناي إِن لم أكن سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يؤثره عَن رَسُول الله ﷺ َ - مَا ذكر جُمُعَة وَلَا غَيرهَا فَظهر من ذَلِك أَن الرَّاجِح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنَّهَا غير الْجُمُعَة وَظهر من هَذَا أَن الْبَيْهَقِيّ وهم فِي هَذَا نعم جَاءَ فِي حَدِيث ابْن

стр. 1410

مَسْعُود أخرجه مُسلم وَفِيه الْجَزْم بِالْجمعَةِ وَهُوَ حَدِيث مُسْتَقل بِرَأْسِهِ ومخرجه مُغَاير لحَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا يقْدَح أَحدهمَا فِي الآخر لِإِمْكَان كَونهمَا وَاقِعَتَيْنِ كَمَا أَشَرنَا إِلَى ذَلِك عَن قريب قَوْله " فَيُؤذن لَهَا " كَذَا هُوَ بِاللَّامِ أَي أعلم النَّاس لأَجلهَا ويروى بِالْبَاء أَي أعلمت بهَا وَالْهَاء مفعول ثَان قَوْله " ثمَّ أُخَالِف " من بَاب المفاعلة قَالَ الْجَوْهَرِي قَوْلهم هُوَ يُخَالف إِلَى فلَان أَي يَأْتِيهِ إِلَى غَابَ عَنهُ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ يُقَال خالفني إِلَى كَذَا إِذا قَصده وَأَنت مولى عَنهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ﴾ وَالْمعْنَى أُخَالِف المشتغلين بِالصَّلَاةِ قَاصِدا إِلَى بيُوت الَّذين لم يخرجُوا عَنْهَا إِلَى الصَّلَاة فأحرقها عَلَيْهِم وَيُقَال معنى أُخَالِف إِلَى رجال أذهب إِلَيْهِم وَالتَّقْيِيد بِالرِّجَالِ يخرج الصّبيان وَالنِّسَاء قَوْله " فَأحرق " بِالتَّشْدِيدِ من التحريق وَالْمرَاد بِهِ التكثير يُقَال حرقه بِالتَّشْدِيدِ إِذا بَالغ فِي تحريقه ويروى " فَأحرق من الإحراق " وَرِوَايَة التَّشْدِيد أَكثر وَأشهر قَوْله " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ " أعَاد يَمِينه لأجل الْمُبَالغَة فِي التهديد قَوْله " عرقا " بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء جمعه عراق قَالَ الْأَزْهَرِي فِي التَّهْذِيب هِيَ الْعِظَام الَّتِي يُؤْخَذ مِنْهَا هبر اللَّحْم وَيبقى عَلَيْهَا لُحُوم رقيقَة طيبَة فتكسر وتطبخ وَتُؤْخَذ إهالتها من طفاختها ويؤكل مَا على الْعِظَام من لحم رَقِيق وتشمس الْعِظَام ولحمها من أطيب اللحوم عِنْدهم يُقَال عرقت اللَّحْم وتعرقته وأعرقته إِذا أخذت اللَّحْم مِنْهُ نهشا بأسنانك وَعظم معروق إِذا ألقِي عَنهُ لَحْمه أَي قشر والعرام مثل الْعرَاق قَالَه الرياشي وَقَالَ القتيبي سَمِعت الرياشي يروي عَن أبي زيد أَنه قَالَ قَول النَّاس ثريدة كَثِيرَة الْعرَاق خطأ لِأَن الْعرَاق الْعِظَام وَفِي الموعب لِابْنِ التياني عَن ابْن قُتَيْبَة تسمى عراقا إِذا كَانَت جرداء لَا لحم عَلَيْهَا وَتسَمى عراقا وَعَلَيْهَا اللَّحْم وَزعم الْكَلْبِيّ أَن الْعرَاق الْعظم الَّذِي أَخذ أَكثر مِمَّا بَقِي عَلَيْهِ وَبَقِي عَلَيْهِ شَيْء يسير وَعَن الْأَصْمَعِي الْعرق بجزم الرَّاء الفدرة من اللَّحْم وَفِي الْمُحكم الْعرَاق الْعظم بِغَيْر لحم فَإِن كَانَ عَلَيْهِ لحم فَهُوَ عرق والعرق الفدرة من اللَّحْم وَجَمعهَا عراق وَهُوَ من الْجمع الْعَزِيز وَحكى ابْن الْأَعرَابِي فِي جمعه عراق بِالْكَسْرِ وَهُوَ أَقيس وَفِي الْمغرب الْعرق الْعظم قَوْله " أَو مرماتين " بِكَسْر الْمِيم وَفتحهَا وَهِي تَثْنِيَة مرماة وَقَالَ الْخَلِيل هِيَ مَا بَين ظلفي الشَّاة وَحَكَاهُ أَبُو عبيد وَقَالَ لَا أَدْرِي مَا وَجهه وَنَقله الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَته فِي كتاب الْأَحْكَام عَن الْفربرِي عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان عَن البُخَارِيّ قَالَ المرماة بِكَسْر الْمِيم مثل منساة وميضاة مَا بَين ظلفي الشَّاة من اللَّحْم قَالَ عِيَاض فالميم على هَذَا أَصْلِيَّة وَقَالَ الْأَخْفَش المرماة لعبة كَانُوا يلعبونها بنصال محددة يَرْمُونَهَا فِي كوم من تُرَاب فَأَيهمْ أثبتها فِي الكوم غلب وَهِي المرماة والمدحاة وَحكى الْحَرْبِيّ عَن الْأَصْمَعِي أَن المرماة سهم الهدف وَقَالَ وَيُؤَيِّدهُ مَا حَدثنِي ثمَّ سَاق من طَرِيق أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ " لَو أَن أحدهم إِذا شهد الصَّلَاة معي كَانَ لَهُ عظم من شَاة سَمِينَة أَو سَهْمَان لفعل " وَقيل المرماة سهم يتَعَلَّم عَلَيْهِ الرَّمْي وَهُوَ سهم دَقِيق مستو غير محدد وَقَالَ أَبُو سعيد المرماتان فِي الحَدِيث سَهْمَان يَرْمِي بهما الرجل فيحرز سبقه يَقُول يسابق إِلَى إِحْرَاز الدُّنْيَا وسبقها ويدع سبق الْآخِرَة (فَإِن قلت) لم وصف الْعرق بالسمن والمرماة بالْحسنِ (قلت) ليَكُون الْبَاعِث النفساني فِي تحصيلهما وَقَالَ الطَّيِّبِيّ الحسنتين بدل المرماتين إِذا أُرِيد بهَا الْعظم الَّذِي لَا لحم عَلَيْهِ وَإِن أُرِيد بهما السهْمَان الصغيران فالحسنتان بِمَعْنى الجيدتان صفة للمرماتين قَالَ والمضاف مَحْذُوف يَعْنِي فِي قَوْله " لشهد الْعشَاء " أَي صَلَاة الْعشَاء فَالْمَعْنى لَو علم أَنه لَو حضر الصَّلَاة لوجد نفعا دنيويا وَإِن كَانَ خسيسا حَقِيرًا لحضرها لقُصُور همته على الدُّنْيَا وَلَا يحضرها لما لَهَا من مثوبات العقبى وَنَعِيمهَا (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ أَن جمَاعَة استدلوا بِهِ على أَن الْجَمَاعَة فرض عين وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح اخْتلف فِي صَلَاة الْجَمَاعَة هَل هِيَ شَرط فِي صِحَة الصَّلَاة كَمَا قَالَ دَاوُد بن عَليّ وَأحمد بن حَنْبَل أَو فرض على الْأَعْيَان كَمَا قَالَه جمَاعَة من الْعلمَاء ابْن خُزَيْمَة وَابْن الْمُنْذر وَهُوَ قَول عَطاء وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي ثَوْر وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد أَحْمد وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب وَقيل أَنه قَول للشَّافِعِيّ وَعَن أَحْمد وَاجِبَة لَيست بِشَرْط وَقيل سنة مُؤَكدَة كَمَا قَالَه الْقَدُورِيّ وَفِي شرح الْهِدَايَة عَامَّة مَشَايِخنَا أَنَّهَا وَاجِبَة وَقد سَمَّاهَا بعض أَصْحَابنَا سنة مُؤَكدَة وَفِي الْمُفِيد الْجَمَاعَة وَاجِبَة وتسميتها سنة لوُجُوبهَا بِالسنةِ وَفِي الْبَدَائِع إِذا فَاتَتْهُ الْجَمَاعَة لَا يجب عَلَيْهِ الطّلب فِي مَسْجِد آخر بِلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا لَكِن إِن أَتَى مَسْجِدا يَرْجُو إِدْرَاك الْجَمَاعَة فِيهِ فَحسن وَإِن صلى فِي مَسْجِد حيه فَحسن وَعَن الْقَدُورِيّ يجمع بأَهْله وَفِي التُّحْفَة إِنَّمَا تجب على من قدر عَلَيْهَا من غير

стр. 1411

حرج وَتسقط بالعذر فَلَا تجب على الْمَرِيض وَلَا على الْأَعْمَى والزمن وَنَحْوهم هَذَا إِذا لم يجد الْأَعْمَى والزمن من يحملهُ وَكَذَا إِذا وجدا عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يجب وَعَن شرف الْأَئِمَّة وَغَيره تَركهَا بِغَيْر عذر يُوجب التعذير وَيَأْثَم الْجِيرَان بِالسُّكُوتِ عَن تاركها وَعَن بَعضهم لَا تقبل شَهَادَته فَإِن اشْتغل بتكرار اللُّغَة لَا يعْذر فِي ترك الْجَمَاعَة وبتكرار الْفِقْه أَو مطالعته يعْذر فَإِن تَركهَا أهل نَاحيَة قوتلوا بِالسِّلَاحِ وَفِي الْقنية يشْتَغل بكرار الْفِقْه لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَا يحضر الْجَمَاعَة لَا يعْذر وَلَا نقبل شَهَادَته وَقَالَ أَبُو حنيفَة سَهَا أَو نَام أَو شغله عَن الْجَمَاعَة شغل جمع بأَهْله فِي منزله وَإِن صلى وَحده يجوز وَاخْتلف الْعلمَاء فِي إِقَامَتهَا فِي الْبَيْت وَالأَصَح أَنَّهَا كإقامتها فِي الْمَسْجِد وَفِي شرح خُوَاهَر زَاده هِيَ سنة مُؤَكدَة غَايَة التَّأْكِيد وَقيل فرض كِفَايَة وَهُوَ اخْتِيَار الطَّحَاوِيّ والكرخي وَغَيرهمَا وَهُوَ قَول الشَّافِعِي الْمُخْتَار وَقيل سنة وَفِي الْجَوَاهِر عَن مَالك هِيَ سنة مُؤَكدَة وَقيل فرض كِفَايَة وَاسْتدلَّ من قَالَ بفرضية عينهَا بِحَدِيث الْبَاب وَقَالَ لَو كَانَت فرض كِفَايَة لَكَانَ قيام النَّبِي ﷺ َ - وَأَصْحَابه بهَا كَافِيا وَلَو كَانَت سنة فتارك السّنة لَا يحرق عَلَيْهِ بَيته إِذْ سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - لَا يهم إِلَّا بِحَق وَيدل على وُجُوبهَا صَلَاة الْخَوْف إِذْ فِيهَا أَعمال مُنَافِيَة للصَّلَاة وَلَا يعْمل ذَلِك لأجل فرض كِفَايَة وَلَا سنة وَبِمَا فِي صَحِيح مُسلم " أَن أعمى قَالَ يَا رَسُول الله لَيْسَ لي قَائِد يقودني إِلَى الْمَسْجِد قَالَ هَل تسمع النداء قَالَ نعم قَالَ فأجب " وخرجه أَبُو عبد الله فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَبَّاس عَن ابْن أم مَكْتُوم " قلت يَا رَسُول الله إِن الْمَدِينَة كَثِيرَة الْهَوَام وَالسِّبَاع قَالَ تسمع حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح قَالَ نعم قَالَ فَحَيَّهَلا " وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد إِن كَانَ سمع عَن ابْن أم مَكْتُوم وَأخرجه من حَدِيث زَائِدَة عَن عَاصِم عَن أبي رزين عَن ابْن أم مَكْتُوم بِلَفْظ " إِنِّي كَبِير شاسع الدَّار لَيْسَ لي قَائِد يلازمني فَهَل تَجِد لي من رخصَة قَالَ تسمع النداء قلت نعم قَالَ مَا أجد لَك رخصَة " قَالَ الْحَاكِم وَله شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح فَذكر حَدِيث أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن عَن عبد الله بن شَدَّاد عَنهُ " أَن النَّبِي ﷺ َ - اسْتقْبل النَّاس فِي صَلَاة الْعشَاء فَقَالَ " يَعْنِي ابْن أم مَكْتُوم " فَقَالَ لقد هَمَمْت أَن آتِي هَؤُلَاءِ الَّذين يتخلفون عَن هَذِه الصَّلَاة فَأحرق عَلَيْهِم بُيُوتهم قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله لقد علمت مَا بِي " الحَدِيث وَعند أَحْمد " أَتَى النَّبِي ﷺ َ - الْمَسْجِد فَوجدَ فِي الْقَوْم رقة فَقَالَ إِنِّي لأهم أَن أجعَل للنَّاس إِمَامًا ثمَّ أخرج فَلَا أقدر على إِنْسَان يتَخَلَّف عَن الصَّلَاة فِي بَيته إِلَّا أحرقته عَلَيْهِ فَقَالَ ابْن أم مَكْتُوم يَا رَسُول الله إِن بيني وَبَين الْمَسْجِد نخلا وشجرا وَلَا أقدر على قَائِد كل سَاعَة أيسعني أَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي فَقَالَ أتسمع إِقَامَة الصَّلَاة قَالَ نعم قَالَ فَأْتِهَا " وأعل ابْن الْقطَّان حَدِيث ابْن أم مَكْتُوم فَقَالَ لِأَن الرَّاوِي عَنهُ أَبُو رزين وَابْن أبي ليلى فَأَما أَبُو رزين فَإنَّا لَا نعلم سنه وَلَكِن أكبر مَا عِنْده من الصَّحَابَة عَليّ ﵁ وَابْن أم مَكْتُوم قتل بالقادسية زمن عمر ﵁ وَابْن أبي ليلى مولده لست بَقينَ من خلَافَة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ انْتهى قَالَ صَاحب التَّلْوِيح فِيهِ نظر من وُجُوه الأول أَن قَوْله أَبُو رزين لَا نعلم مولده غير جيد لِأَن ابْن حبَان ذكر أَنه كَانَ أكبر سنا من أبي وَائِل وَأَبُو وَائِل قد علم إِدْرَاكه لسيدنا رَسُول الله ﷺ َ - فعلى هَذَا لَا تنكر رِوَايَته عَن ابْن أم مَكْتُوم الثَّانِي قَوْله أَعلَى مَا لَهُ الرِّوَايَة عَن عَليّ مَرْدُود بروايته الصَّحِيحَة عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الثَّالِث قَوْله مَاتَ ابْن أم مَكْتُوم بالقادسية مَرْدُود بقول ابْن حبَان فِي كتاب الصَّحَابَة شهد الْقَادِسِيَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة فَمَاتَ بهَا فِي خلَافَة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الرَّابِع قَوْله أَن سنّ ابْن أبي ليلى لَا يَقْتَضِي لَهُ السماع من عمر مَرْدُود بقول أبي حَاتِم الرَّازِيّ وَسَأَلَهُ ابْنه هَل يسمع عبد الرَّحْمَن من بِلَال فَقَالَ بِلَال خرج إِلَى الشَّام قَدِيما فِي خلَافَة عمر فَإِن كَانَ رَآهُ صَغِيرا فَهَذَا أَبُو حَاتِم لم يُنكر سَمَاعه من بِلَال الْمُتَوفَّى سنة سبع عشرَة أَو ثَمَان عشرَة بل جوزه فَكيف يُنكر من عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن شهَاب الْخياط عَن الْعَلَاء بن الْمسيب عَن ابْن أم مَكْتُوم " قلت يَا رَسُول الله إِن لي قائدا لَا يلازمني فِي هَاتين الصَّلَاتَيْنِ الْعشَاء وَالصُّبْح فَقَالَ لَو يعلم الْقَاعِدُونَ عَنْهُمَا مَا فيهمَا لأتوهما وَلَو حبوا " وَفِي الْأَوْسَط من حَدِيث الْبَزَّار " أَن ابْن أم مَكْتُوم شكى إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَسَأَلَهُ أَن يرخص لَهُ فِي صَلَاة الْعشَاء وَالْفَجْر وَقَالَ أَن بيني وَبَيْنك أشب " بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَهُوَ كَثِيرَة الشّجر يُقَال بَلْدَة أشبة إِذا كَانَت ذَات شجر وَأَرَادَ هَهُنَا النّخل فَقَالَ هَل تسمع الْأَذَان قَالَ نعم مرّة أَو مرَّتَيْنِ فَلم يرخص لَهُ فِي ذَلِك وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث

стр. 1412

عدي بن ثَابت عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن كَعْب بن عجْرَة " جَاءَ رجل ضَرِير إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ إِنِّي أسمع النداء فلعلي لَا أجد قائدا ويشق عَليّ أَن أَتَّخِذ مَسْجِدا فِي بَيْتِي فَقَالَ ﷺ َ - أيبلغك النداء قَالَ فَإِذا سَمِعت فأجب " وَقَالَ تفرد بِهِ زيد بن أبي أنيسَة عَن عبد الله بن مُغفل وَعند مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة " أَتَى النَّبِي ﷺ َ - رجل أعمى فَقَالَ يَا رَسُول الله لَيْسَ لي قَائِد يقودني إِلَى الْمَسْجِد فَسَأَلَ النَّبِي ﷺ َ - أَن يرخص لَهُ فَيصَلي فِي بَيته فَرخص لَهُ فَلَمَّا ولى دَعَاهُ فَقَالَ هَل تسمع النداء بِالصَّلَاةِ قَالَ نعم قَالَ فأجب " وَأخرجه السراج فِي مُسْنده من حَدِيث عَاصِم عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ أَتَى ابْن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى الحَدِيث وَبِمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - " من يسمع النداء فَلم يجب فَلَا صَلَاة لَهُ إِلَّا من عذر " خرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث سعيد بن جُبَير عَنهُ وَفسّر الْعذر فِي حَدِيث سلمَان بن قرم بِلَفْظ " من سمع النداء يُنَادى بِهِ صَحِيحا فَلم يَأْته من غير عذر لم يقبل الله لَهُ صَلَاة غَيرهَا قيل وَمَا الْعذر قَالَ الْمَرَض وَالْخَوْف " وَبِمَا رَوَاهُ ابْن ماجة من حَدِيث الدستوَائي عَن يحيى بن أبي كثير عَن الحكم بن مينا أَخْبرنِي ابْن عَبَّاس وَابْن عمر ﵃ سمعا النَّبِي ﷺ َ - يَقُول على أعواده " لينتهين أَقوام عَن ودعهم الْجَمَاعَة أَو ليختمن الله على قُلُوبهم " وَبِمَا رَوَاهُ ابْن ماجة أَيْضا من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم عَن الزبْرِقَان بن عَمْرو الضمرِي عَن أُسَامَة بن زيد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " لينتهين رجال على ترك الْجَمَاعَة أَو لأحرقن بُيُوتهم " وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد بن يُونُس فِي تَارِيخه من حَدِيث واهب بن عبد الله المغافري عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعا " لأَنا على أمتِي فِي غير الْخمر أخوف عَلَيْهِم من الْخمر سُكْنى الْبَادِيَة وَترك الْمَسَاجِد " وَبِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِسَنَد جيد عَن أنس ﵁ " لَو أَن رجلا دَعَا النَّاس إِلَى عرق أَو مرماتين لأجابوه وهم يدعونَ إِلَى هَذِه الصَّلَاة فِي جمَاعَة فَلَا يؤتونها لقد هَمَمْت أَن آمُر رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي جمَاعَة فأضرمها عَلَيْهِم نَارا فَإِنَّهُ لَا يتَخَلَّف إِلَّا مُنَافِق " وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا " مَا من ثَلَاثَة فِي قَرْيَة وَلَا بَدو لَا تُقَام فيهم الصَّلَاة إِلَّا قد استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان فَعَلَيْك بِالْجَمَاعَة فَإِنَّمَا يَأْكُل الذِّئْب القاصية " وَبِمَا رَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَرْفُوعا " من سمع النداء فَلم يجب فَلَا صَلَاة لَهُ إِلَّا من عذر " وَضَعفه وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو نعيم الدكيني بِسَنَد صَحِيح يرفعهُ " من سمع النداء فَلم يجب من غير عذر فَلَا صَلَاة لَهُ " وَبِمَا رَوَاهُ الْكَجِّي فِي سنَنه عَن حَارِثَة بن النُّعْمَان يرفعهُ " يخرج الرجل فِي غنيمته فَلَا يشْهد الصَّلَاة حَتَّى يطبع على قلبه " فِي إِسْنَاده عمر مولى عفرَة وَعَن أبي زُرَارَة الْأنْصَارِيّ قَالَ قَالَ ﷺ َ - " من سمع النداء فَلم يجب كتب من الْمُنَافِقين " ذكره أَبُو يعلى أَحْمد بن عَليّ الْمثنى فِي مُسْنده بِسَنَد فِيهِ ضعف. وَبِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي شرح مُشكل الْآثَار عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ ﷺ َ - " لَوْلَا شَيْء لأمرت رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثمَّ لحرقت بُيُوتًا على مَا فِيهَا ". وَأما اسْتِدْلَال من قَالَ بِأَنَّهَا سنة أَو فرض كِفَايَة فِيمَا تقدم فِي هَذَا الْكتاب من الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا صَلَاة الْجَمَاعَة تفضل على صَلَاة الْفَذ لِأَن صِيغَة أفعل تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك فِي الْفضل وترجيح أحد الْجَانِبَيْنِ وَمَا لَا يَصح لَا فضل فِيهِ وَلَا يجوز أَن يُقَال أَن أفضل قد يسْتَعْمل بِمَعْنى الْفَاضِل وَلَا يُقَال أَن ذَلِك مَحْمُول على صَلَاة الْمَعْذُور فَذا لِأَن الْفَذ مَعْرُوف بِالْألف وَاللَّام فَيُفِيد الْعُمُوم وَيدخل تَحْتَهُ كل فذ من مَعْذُور وَغَيره وَيدل أَيْضا أَنه أَرَادَ غير الْمَعْذُور بقوله " أَو فِي سوقه " لِأَن الْمَعْذُور لَا يروح إِلَى السُّوق وَأَيْضًا فَلَا يجوز أَن يحمل على الْمَعْذُور لِأَن الْمَعْذُور فِي أجر الصَّلَاة كَالصَّحِيحِ وَاسْتَدَلُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي بن كَعْب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " صَلَاة الرجل مَعَ الرجل أزكى من صلَاته وَحده وَصلَاته مَعَ رجلَيْنِ أزكى من صلَاته مَعَ رجل وَمَا كثر فَهُوَ أحب إِلَى الله " وَبِقَوْلِهِ ﷺ َ - للَّذين صليا فِي رحالهما من غير جمَاعَة " إِذا صليتما فِي رحالكما ثمَّ أتيتما الْمَسْجِد فَصَليَا فَإِنَّهَا لَكمَا نَافِلَة " فَلَو كَانَت الْجَمَاعَة فرضا لأمرهما بِالْإِعَادَةِ وَمثل هَذَا جرى لمحجن الديلِي ذكره فِي الْمُوَطَّأ وَأما الْجَواب عَن حَدِيث الْبَاب فعلى أوجه. أَحدهمَا مَا قَالَه ابْن بطال وَهُوَ أَن الْجَمَاعَة لَو كَانَت فرضا لقَالَ حِين توعد بالإحراق من تخلف عَن الْجَمَاعَة لم تجزيه صلَاته لِأَنَّهُ وَقت الْبَيَان وَنظر فِيهِ ابْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّهُ الْبَيَان قد يكون بالتنصيص وَقد يكون بِالدّلَالَةِ فَلَمَّا قَالَ ﷺ َ - " لقد هَمَمْت " الخ دلّ على وجوب الْحُضُور وَهُوَ كَاف فِي الْبَيَان (قلت) لَيست فِيهِ دلَالَة

стр. 1413

من الدلالات الثَّلَاث الْمُطَابقَة والتضمن والالتزام وَلَا فِيهِ دلَالَة أصولية ففهم. الثَّانِي مَا قَالَه الْبَاجِيّ وَهُوَ أَن الْخَبَر ورد مورد الزّجر وَحَقِيقَته غير مُرَادة إِنَّمَا المُرَاد الْمُبَالغَة لِأَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على منع عُقُوبَة الْمُسلمين بذلك قيل أَن الْمَنْع وَقع بعد نسخ التعذيب بالنَّار وَكَانَ قبل ذَلِك جَائِزا فَحمل التهديد على حَقِيقَته غير مُمْتَنع. الثَّالِث مَا قَالَه ابْن بزيزة عَن بَعضهم أَنه استنبط من نفس الحَدِيث عدم الْوُجُوب لكَونه ﷺ َ - هم بالتوجه إِلَى المتخلفين فَلَو كَانَت الْجَمَاعَة فرض عين مَا هم بِتَرْكِهَا إِذا توجه ثمَّ نظر فِيهِ ابْن بزيرة بِأَن الْوَاجِب يجوز تَركه لما هُوَ أوجب مِنْهُ. الرَّابِع مَا قيل أَن تَركه ﷺ َ - تحريقهم بعد التهديد يدل على عدم الْفَرْضِيَّة. الْخَامِس مَا قَالَه عِيَاض وَهُوَ أَنه ﷺ َ - هم وَلم يفعل. السَّادِس مَا قَالَه النَّوَوِيّ وَهُوَ أَنَّهَا لَو كَانَت فرض عين لما تَركهم وَهَذَا أقرب من الأول. السَّابِع مَا قيل أَن المُرَاد بالتهديد قوم تركُوا الصَّلَاة رَأْسا لَا مُجَرّد الْجَمَاعَة ورد بِمَا رَوَاهُ مُسلم " لَا يشْهدُونَ الصَّلَاة " أَي لَا يحْضرُون وَفِي رِوَايَة عجلَان عَن أبي هُرَيْرَة " لَا يشْهدُونَ الْعشَاء فِي الْجَمِيع " أَي فِي الْجَمَاعَة وَفِي حَدِيث أُسَامَة بن زيد عِنْد ابْن ماجة مَرْفُوعا " لينتهين رجال عَن تَركهم الْجَمَاعَات أَو لأحرقن بُيُوتهم ". الثَّامِن مَا قيل أَن الحَدِيث ورد فِي الْحَقِيقَة على مُخَالفَة أهل النِّفَاق والتحذير من التَّشَبُّه بهم. التَّاسِع أَنه ورد فِي حق الْمُنَافِقين فَلَيْسَ التهديد لترك الْجَمَاعَة بخصوصهم فَلَا يتم الدَّلِيل ورده بَعضهم بِأَنَّهُ يستبعد الاعتناء بتأديب الْمُنَافِقين على تَركهم الْجَمَاعَة مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لَا صَلَاة لَهُم وَبِأَنَّهُ كَانَ معرضًا عَنْهُم وَعَن عقوبتهم مَعَ علمه بطويتهم " وَقد قَالَ لَا يتحدث النَّاس بِأَن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه " ورده ابْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّهُ لَا يتم إِلَّا أَن ادّعى أَن ترك معاقبة الْمُنَافِقين كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ وَلَا دَلِيل على ذَلِك فَإِذا ثَبت أَنه كَانَ مخبرا فَلَيْسَ فِي إعراضه عَنْهُم مَا يدل على وجوب ترك عقوبتهم (قلت) قَوْله ﷺ َ - " لَيْسَ صَلَاة أثقل على الْمُنَافِقين من الْعشَاء وَالْفَجْر " يُوضح بِأَنَّهُ ورد فِي الْمُنَافِقين وَلَكِن المُرَاد بِهِ نفاق الْمعْصِيَة لَا نفاق الْكفْر بِدَلِيل قَوْله فِي رِوَايَة عجلَان " لَا يشْهدُونَ الْعشَاء فِي الْجَمِيع " وأوضح من ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد " وَيصلونَ فِي بُيُوتهم وَلَيْسَ بهم عِلّة " فَهَذَا يدل على أَن نفاقهم نفاق مَعْصِيّة لَا نفاق كفر لِأَن الْكَافِر لَا يُصَلِّي فِي بَيته وَإِنَّمَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد رِيَاء وَسُمْعَة فَإِذا خلا فِي بَيته كَانَ كَمَا وَصفه الله تَعَالَى بِهِ من الْكفْر والاستهزاء نبه عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيّ وَقَالَ الطَّيِّبِيّ خُرُوج الْمُؤمن من هَذَا الْوَعيد لَيْسَ من جِهَة أَنهم إِذا سمعُوا النداء جَازَ لَهُم التَّخَلُّف عَن الْجَمَاعَة بل إِن التَّخَلُّف لَيْسَ من شَأْنهمْ بل هُوَ من صِفَات الْمُنَافِقين وَيدل عَلَيْهِ قَول ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لقد رَأَيْتنَا وَمَا يتَخَلَّف عَن الْجَمَاعَة إِلَّا مُنَافِق. الْعَاشِر مَا قيل أَن فَرضِيَّة الْجَمَاعَة كَانَ فِي أول الْإِسْلَام لأجل سد بَاب التَّخَلُّف عَن الصَّلَوَات على الْمُنَافِقين ثمَّ نسخ حَكَاهُ عِيَاض. الْحَادِي عشر مَا قيل أَن المُرَاد بِالصَّلَاةِ الْجُمُعَة لَا بَاقِي الصَّلَوَات وَحسنه الْقُرْطُبِيّ ورد بالأحاديث الْوَارِدَة المصرحة بالعشاء. وَفِيه من الْفَوَائِد تَقْدِيم الْوَعيد والتهديد على الْعقُوبَة لِأَن الْمفْسدَة إِذا ارْتَفَعت بالأهون من الزّجر اكْتفى بِهِ عَن الْأَعْلَى بالعقوبة (قلت) يكون هَذَا من بَاب الدّفع بالأخف. وَفِيه جَوَاز الْعقُوبَة بِالْمَالِ بِحَسب الظَّاهِر وَاسْتدلَّ بِهِ قوم من الْقَائِلين بذلك من الْمَالِكِيَّة وعزى ذَلِك أَيْضا إِلَى مَالك وَأجَاب الْجُمْهُور عَنهُ بِأَنَّهُ كَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخ. وَفِيه جَوَاز إِخْرَاج من طلب بِحَق من بَيته إِذا اختفى فِيهِ وَامْتنع بِكُل طَرِيق يتَوَصَّل إِلَيْهِ كَمَا أَرَادَ ﷺ َ - إِخْرَاج المتخلفين عَن الصَّلَاة بإلقاء النَّار عَلَيْهِم فِي بُيُوتهم وَحكى الطَّحَاوِيّ فِي أدب القَاضِي الصَّغِير لَهُ أَن بَعضهم كَانَ يرى الهجوم على الْغَائِب وَبَعْضهمْ لَا يرى وَبَعْضهمْ يرى التسمير على الْأَبْوَاب وَبَعْضهمْ لَا يرَاهُ وَقَالَ بعض الْحُكَّام أَجْلِس رجلا على بَابه وَيمْنَع من الدُّخُول وَالْخُرُوج من منزله إِلَّا الطَّعَام وَالشرَاب فَإِنَّهُ لَا يمْنَع عَنْهُمَا ويضيق حَتَّى يخرج فَيحكم عَلَيْهِ قَالَ الْخصاف وَمن رأى الهجوم من أَصْحَابنَا على الْخصم فِي منزله إِذا تبين ذَلِك فَيكون ذَلِك بِالنسَاء والخدم وَالرِّجَال فَيقدم النِّسَاء فِي الدُّخُول ويفتش الدَّار ثمَّ يدْخل الْبَيْت الَّذِي فِيهِ النِّسَاء خَاصَّة فَإِذا وجد أخرج وَلَا يكون الهجم إِلَّا على غَفلَة من غير استئمار يدْخل النِّسَاء أَولا كَمَا قُلْنَا آنِفا. وَفِيه جَوَاز أَخذ أهل الجرائم على غرَّة. وَفِيه جَوَاز الْحلف من غير استحلاف كَمَا فِي حلف النَّبِي ﷺ َ - وَفِيه جَوَاز التَّخَلُّف عَن الْجَمَاعَة لعذر كالمرض وَالْخَوْف من ظَالِم أَو حَيَوَان وَمِنْه خوف فَوَات الْغَرِيم. وَفِيه جَوَاز إِمَامَة الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل إِذا كَانَت فِيهِ مصلحَة وَاسْتدلَّ ابْن الْعَرَبِيّ مِنْهُ فِي شَيْئَيْنِ أَحدهمَا على جَوَاز اعدام مَحل الْمعْصِيَة كَمَا هُوَ

стр. 1414

مَذْهَب مَالك (قلت) وَبِذَلِك رُوِيَ عَن بعض أَصْحَابنَا وَادّعى الْجُمْهُور النّسخ فِيهِ كَمَا فِي الْعقُوبَة بِالْمَالِ وَالثَّانِي اسْتدلَّ بِهِ على مَشْرُوعِيَّة قتل تَارِك الصَّلَاة تهاونا بهَا وَفِيه نظر لَا يخفى وَالله تَعَالَى أعلم ٣٠ - (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب فضل صَلَاة الْجَمَاعَة، لَا يُقَال: إِن بَين هَذِه التَّرْجَمَة وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله مُنَافَاة، لِأَن هَذِه فِي بَيَان الْفَضِيلَة وَتلك فِي بَيَان الْوُجُوب، لأَنا نقُول: كَون الشَّيْء متصفا بِالْوُجُوب لَا يُنَافِي اتصافه بالفضيلة. وكانَ الأَسْوَدُ إذَا فاتَتْهُ الجَمَاعَةُ ذَهَبَ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَن الْأسود بن يزِيد، التَّابِعِيّ الْكَبِير، كَانَ إِذا تفوته الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة فِي مَسْجِد يذهب إِلَى مَسْجِد آخر ليُصَلِّي فِيهِ بِالْجَمَاعَة، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق أَبُو بكر بن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح، وَلَفظه: (إِذا فَاتَتْهُ الْجَمَاعَة فِي مَسْجِد قومه ذهب إِلَى مَسْجِد آخر) . وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن حُذَيْفَة وَسَعِيد بن جُبَير، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن الْكُوفِيّين وَمَالك إِن شَاءَ صلى فِي مَسْجده وَحده، وَإِن شَاءَ أَتَى مَسْجِدا آخر تطلب فِيهِ الْجَمَاعَة، إلَاّ أَن مَالِكًا قَالَ: إلَاّ أَن يكون فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَو فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَلَا يخرج مِنْهُ وَيُصلي فِيهِ وَحده، لِأَن الصَّلَاة فِي هذَيْن المسجدين أعظم أجرا مِمَّن صلى فِي جمَاعَة. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: مَا رَأينَا الْمُهَاجِرين يَبْتَغُونَ الْمَسَاجِد. وَفِي (مُخْتَصر ابْن شعْبَان) عَن مَالك: من صلى فِي جمَاعَة فَلَا يُعِيد فِي جمَاعَة إلَاّ فِي مَسْجِد مَكَّة وَالْمَدينَة. وجاءَ أنَسٌ إلَى مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ فَأَذَّنَ وأقَامَ وصَلَّى جَمَاعةً مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة كَالَّتِي قبلهَا، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن علية عَن الْجَعْد أبي عُثْمَان عَنهُ وَعَن هشيم أخبرنَا يُونُس بن عبيد حَدثنِي أَبُو عُثْمَان فَذكره، وَوَصله أَيْضا أَبُو يعلى فِي مُسْنده من طَرِيق الْجَعْد، قَالَ: مر بِنَا أنس بن مَالك ... فَذكر نَحوه، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي عبد الصَّمد الْعمي نَحوه، وَقَالَ: مَسْجِد بني رِفَاعَة. وَقَالَ: فجَاء أنس فِي نَحْو عشْرين من فتيانه. انْتهى. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْجَمَاعَة بعد الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد، فَروِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه صلى بعلقمة وَالْأسود فِي مَسْجِد قد جمع فِيهِ، وَهُوَ قَول عَطاء وَالْحسن فِي رِوَايَة، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَشْهَب عملا بِظَاهِر قَوْله ﷺ : (صَلَاة الْجَمَاعَة تفضل على صَلَاة الْفَذ) الحَدِيث. وَقَالَت طَائِفَة: لَا يجمع فِي مَسْجِد جمع فِيهِ مرَّتَيْنِ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن سَالم وَالقَاسِم وَأبي قلَابَة، وَهُوَ قَول مَالك وَاللَّيْث وَابْن الْمُبَارك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا كره ذَلِك خشيَة افْتِرَاق الْكَلِمَة وَأَن أهل الْبدع يتطرقون إِلَى مُخَالفَة الْجَمَاعَة. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: إِذا كَانَ الْمَسْجِد على طَرِيق الإِمَام لَهُ أَن يجمع فِيهِ قوم بعد قوم، وَحَاصِل مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه: لَا يكره فِي الْمَسْجِد المطروق، وَكَذَا غَيره إِن بعد مَكَان الإِمَام وَلم يخف فِيهِ. ٦٤٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً. (الحَدِيث ٦٤٥ طرفه فِي: ٦٤٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَفِيه: بَين مَالك وَالنَّبِيّ ﷺ اثْنَان. وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة، وَلَفظ مُسلم: (صَلَاة الرجل فِي الْجَمَاعَة تزيد على صلَاته وَحده) ، رَوَاهُ من رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن نَافِع. قَوْله: (صَلَاة الْفَرد) وَالرِّوَايَة الْمَشْهُورَة، (صَلَاة الْفَذ) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة، وَمَعْنَاهُ: الْمُنْفَرد. يُقَال: فذ الرجل من أَصْحَابه إِذا بَقِي وَحده، وَقد استقصينا الْكَلَام فِي لفظ: سبع وَعشْرين دَرَجَة، فِي: بَاب الصَّلَاة فِي مَسْجِد السُّوق فِيمَا مضى.

стр. 1415

٦٤٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني ابنُ الهادِ عنْ عَبْدِ الله بنِ خَبَّابٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدَرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقُولُ صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي، وَاللَّيْث بن سعد، وَيزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد اللَّيْثِيّ، وَعبد الله بن خباب، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى: الْأنْصَارِيّ التَّابِعِيّ، وَلَيْسَ هُوَ بِابْن الْخَبَّاب بن الْأَرَت صَاحب رَسُول الله، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مصري ومدني، وَهَذَا الحَدِيث سَاقِط فِي بعض النّسخ ثَابت فِي الْأَطْرَاف لأبي مَسْعُود وَخلف. قلت: هُوَ سَاقِط فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وثابت فِي رِوَايَة البَاقِينَ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَذكره أَبُو نعيم هُنَا بعد حَدِيث ابْن عمر، وَذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي أول الْبَاب الَّذِي قبله. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تفضل صَلَاة الْفَذ) كَذَا هُوَ فِي عَامَّة نسخ البُخَارِيّ، وَعَزاهُ ابْن الْأَثِير إِلَيْهِ فِي (شرح الْمسند) بِلَفْظ: (على صَلَاة الْفَذ) ، ثمَّ أَولهَا: بِأَن تفضل لما كَانَت بِمَعْنى: تزيد، وَهِي تتعدى: بعلى، أَعْطَاهَا مَعْنَاهَا فعداها بهَا، وإلَاّ فَهِيَ متعدية بِنَفسِهَا. قَالَ: وَأما الَّذِي فِي مُسلم: أفضل من صَلَاة الْفَذ، فجَاء بهَا بِلَفْظ: أفعل، الَّتِي هِيَ للتفضيل، والتكثير فِي الْمَعْنى الْمُشْتَرك، وَهِي أبلغ من: تفضل، على مَا لَا يخفى. وَقد ذكرنَا أَن: الْفَذ، هُوَ: الْمُنْفَرد، ولغة عبد الْقَيْس: الفنذ، بالنُّون وَهِي: غنة، لَا نون حَقِيقَة. قَوْله: (بِخمْس وَعشْرين) ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (خمْسا وَعشْرين) ، زَاد ابْن حبَان وَأَبُو دَاوُد من وَجه آخر عَن أبي سعيد: (فَإِذا صلاهَا فِي فلاة فَأَتمَّ ركوعها وسجودها بلغت خمسين صَلَاة) . أَي: بلغت صلَاته خمسين صَلَاة. وَالْمعْنَى: يحصل لَهُ أجر خمسين صَلَاة، وَذَلِكَ يحصل لَهُ فِي الصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة، لِأَن الْجَمَاعَة لَا تتأكد فِي حق الْمُسَافِر لوُجُود الْمَشَقَّة، فَإِذا صلاهَا مُنْفَردا لَا يحصل لَهُ هَذَا التَّضْعِيف، وَإِنَّمَا يحصل لَهُ إِذا صلاهَا مَعَ الْجَمَاعَة خَمْسَة وَعِشْرُونَ لأجل أَنه صلاهَا مَعَ الْجَمَاعَة، وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ أُخْرَى للَّتِي هِيَ ضعف تِلْكَ لأجل أَنه أتم رُكُوع صلَاته وسجودها، وَهُوَ فِي السّفر الَّذِي هُوَ مَظَنَّة التَّخْفِيف، فَمن أمعن نظره فِيهِ علم أَن الْإِشْكَال الَّذِي أوردهُ بَعضهم فِيهِ من لُزُوم زِيَادَة ثَوَاب الْمَنْدُوب على الْوَاجِب غير وَارِد. ٦٤٧ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الواحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صالِحٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقولُ قَالَ رَسُول الله ﷺ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الجَماعَةِ تُضَعِّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسا وعِشْرِينَ ضَعْفا وذَلِكَ أنَّهُ إذَا تَوَضَّأ فأحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى المَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إلَاّ الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَاّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةَ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ فإذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دامَ فِي مُصَلَاّهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَلَا يَزَالُ أحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ. هَذَا الحَدِيث عَن أبي مَسْعُود، مضى فِي بَاب الصَّلَاة فِي مَسْجِد السُّوق، غير أَن هُنَاكَ أخرجه: عَن مُسَدّد عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَهَهُنَا: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْعَبْدي عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان، وَاللَّفْظ: هُنَاكَ: (صَلَاة الْجمع تزيد على صلَاته فِي بَيته وَصلَاته فِي سوقه خمْسا وَعشْرين دَرَجَة، فَإِن أحدكُم إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن وأتى الْمَسْجِد لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة لم يخط خطْوَة إلَاّ رَفعه الله بهَا دَرَجَة، أَو حط عَنهُ بهَا

стр. 1416

خَطِيئَة حَتَّى دخل الْمَسْجِد، وَإِذا دخل الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة مَا كَانَت الصَّلَاة تحبسه، وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَجْلِسه الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ؛ اللَّهُمَّ ارحمه مَا لم يؤذ يحدث فِيهِ) . وَقد ذكرنَا هُنَاكَ من أخرجه غَيره، وَمَعْنَاهُ وَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مستقصىً، وَذكرنَا أَيْضا اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ، والتوفيق بَينهَا، فَلَا يحْتَاج إِلَى الْإِعَادَة إلَاّ فِي بعض الْمَوَاضِع، كَمَا نذكرهُ الأن. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع، وَقَوله: يَقُول: فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي مَحل النصب على الْحَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي الْجَمَاعَة) وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني: (فِي جمَاعَة) ، بِدُونِ الْألف وَاللَّام. قَوْله: (تضعف) أَي: تزداد، والتضعيف أَن يُزَاد على أصل الشَّيْء فَيجْعَل بمثلين أَو أَكثر، والضعف بِالْكَسْرِ الْمثل قَوْله: (خَمْسَة وَعشْرين ضعفا) ، كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات، ويروى (خمْسا وَعشْرين) ، ووجهها أَن يؤول الضعْف بالدرجة أَو بِالصَّلَاةِ، تَوْضِيحه أَن: ضعفا، مُمَيّز مُذَكّر فَتجب التَّاء فَقيل بالتأويل الْمَذْكُور، وَالْأَحْسَن أَن يَقُول: إِن وجوب التَّاء فِيمَا إِذا كَانَ الْمُمَيز مَذْكُورا، وَإِذا لم يكن مَذْكُورا يَسْتَوِي فِيهِ التَّاء وَعدمهَا، وَهَهُنَا مُمَيّز الْخمس غير مَذْكُور فَجَاز الْأَمْرَانِ فَإِن قلت: يَقْتَضِي قَوْله: (فِي بَيته وَفِي سوقه) أَن الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد جمَاعَة تزيد على الصَّلَاة فِي الْبَيْت، وَفِي السُّوق، سَوَاء كَانَت جمَاعَة أَو فُرَادَى، وَلَيْسَ كَذَلِك. قلت: هَذَا خَارج مخرج الْغَالِب، لِأَن من لم يحضر الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد يُصَلِّي مُنْفَردا فِي بَيته أَو سوقه، وَأما الَّذِي يُصَلِّي فِي بَيته جمَاعَة فَلهُ الْفضل فِيهَا على صلَاته مُنْفَردا بِلَا نزاع. قَوْله: (وَذَلِكَ) ، إِشَارَة إِلَى التَّضْعِيف الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (تضعف) : يَعْنِي: التَّضْعِيف الْمَذْكُور سَببه أَنه إِذا تَوَضَّأ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (لَا يُخرجهُ) من الْإِخْرَاج. قَوْله: (إلَاّ الصَّلَاة) أَي: قصد الصَّلَاة فِي جمَاعَة. قَوْله: (لم يخط) ، بِفَتْح الْيَاء وَضم الطَّاء. قَوْله: (خطْوَة) ، يجوز فِيهِ ضم الْخَاء وَفتحهَا، وَجزم الْيَعْمرِي بِأَنَّهَا هَهُنَا بِالْفَتْح. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّهَا فِي رِوَايَات مُسلم بِالضَّمِّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الخطوة، بِالضَّمِّ: مَا بَين الْقَدَمَيْنِ. وبالفتح: الْمرة الْوَاحِدَة. قَوْله: (فَإِذا صلى) المُرَاد بِهِ: فَإِذا صلى الصَّلَاة التَّامَّة ليستحق هَذِه الْفَضَائِل. قَوْله: (مُصَلَّاهُ) ، بِضَم الْمِيم: الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ. وَهَذَا خرج مخرج الْغَالِب، وإلَاّ فَلَو قَامَ فِي بقْعَة أُخْرَى من الْمَسْجِد مستمرا على نِيَّة انْتِظَار الصَّلَاة كَانَ كَذَلِك. قَوْله: (اللَّهُمَّ ارحمه) ، أَي: لم تزل الْمَلَائِكَة يصلونَ عَلَيْهِ حَال كَونهم قائلين: يَا الله إرحمه. وَزَاد ابْن مَاجَه: (اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من ذَلِك: الدّلَالَة على أَفضَلِيَّة الصَّلَاة على غَيرهَا من الْأَعْمَال، لِأَن فِيهَا صَلَاة الْمَلَائِكَة على فاعلها ودعاءهم لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة وَالتَّوْبَة. وَمِنْه: الدّلَالَة على تَفْضِيل صالحي النَّاس على الْمَلَائِكَة لأَنهم يكونُونَ فِي تَحْصِيل الدَّرَجَات بعبادتهم، وَالْمَلَائِكَة يشتغلون بالاستغفار وَالدُّعَاء لَهُم. كَذَا قيل قلت: هَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه، فَإِن خَواص بني آدم، وهم الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، أفضل من الْمَلَائِكَة، وعوامهم أفضل من عوام الْمَلَائِكَة، وخواص الْمَلَائِكَة أفضل من عوام بني آدم. وَفِيه: الدّلَالَة على أَن الْجَمَاعَة لَيست شرطا لصِحَّة الصَّلَاة، لِأَن قَوْله على صلَاته وَحده، يدل على صِحَة صلَاته مُنْفَردا لاقْتِضَاء صِيغَة: أفعل التَّفْضِيل، الِاشْتِرَاك فِي أصل التَّفَاضُل، فَذَلِك يَقْتَضِي وجود الْفَضِيلَة فِي صَلَاة الْمُنْفَرد، لِأَن مَا لَا يَصح من الصَّلَاة لَا فَضِيلَة فِيهِ. وَفِيه: رد على دَاوُد وَمن تبعه فِي اشتراطهم الْجَمَاعَة فِي صِحَة الصَّلَاة. ٣١ - (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعةٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَلَاة الْفجْر مَعَ الْجَمَاعَة، إِنَّمَا ذكر هَذِه التَّرْجَمَة مُقَيّدَة وَذكر التَّرْجَمَة الَّتِي قبلهَا مُطلقَة إِشَارَة إِلَى زِيَادَة خُصُوصِيَّة الْفجْر بالفضيلة. ٦٤٨ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمِيعِ صَلَاةَ أحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءا وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ الليْلِ

стр. 1417

وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ فاقْرَؤُا إنْ شِئْتُمْ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودا. . قَالَ شُعَيْبٌ وحدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قَالَ تَفْضُلُهَا تَكْمِلَة الحَدِيث بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً (انْظُر الحَدِيث ٦٤٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار) ، فَإِنَّهُ يدل على مزية لصَلَاة الْفجْر على غَيرهَا. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة، قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. ذكر لطائف أسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدني. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تفضل) أَي: تزيد صَلَاة الْجَمِيع الْإِضَافَة فِيهِ بِمَعْنى فِي: لَا، بِمَعْنى اللَّام. فَافْهَم. قَوْله: (بِخَمْسَة وَعشْرين جزأ) ، كَذَا هُوَ فِي عَامَّة نسخ البُخَارِيّ. وَقيل: وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ: (خمس وَعشْرين) ، بِدُونِ الْبَاء الْمُوَحدَة وَبِدُون الْهَاء فِي آخِره، وَأول بِأَن لفظ: خمس، مجرور بِنَزْع الْخَافِض وَهُوَ: الْبَاء، كَمَا وَقع فِي نَظِيره فِي قَول الشَّاعِر: (أشارت كُلَيْب بالأكف الْأَصَابِع) وَتَقْدِيره: إِلَى كُلَيْب. وَأما حذف الْهَاء فعلى تَأْوِيل الْجُزْء بالدرجة. قلت: وَأما لِأَن الْمُمَيز غير مَذْكُور، وَهَهُنَا مُمَيّز: خمس، غير مَذْكُور. قَوْله: (وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل) إِلَى آخِره، وَهُوَ الْمُوجب لتفضيل صَلَاة الْفجْر مَعَ الْجَمَاعَة، وَكَذَا فِي صَلَاة الْعَصْر أَيْضا،، فَلذَلِك حث الشَّارِع على الْمُحَافظَة عَلَيْهِمَا ليَكُون من حضرهما ترفع الْمَلَائِكَة عمله وَتشفع لَهُ. وَقَالَ ابْن بطال: وَيُمكن أَن يكون اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة فيهمَا هما الدرجتان الزائدتان على الْخَمْسَة وَالْعِشْرين جزأ فِي سَائِر الصَّلَوَات الَّتِي لَا تَجْتَمِع الْمَلَائِكَة فِيهَا. قَوْله: (قُرْآن الْفجْر) ، كِنَايَة عَن صَلَاة الْفجْر، لِأَن الصَّلَاة مستلزمة لِلْقُرْآنِ. قَوْله: (مشهودا) أَي: محضورا فِيهِ. قَوْله: (قَالَ شُعَيْب) ، هُوَ شُعَيْب، الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، وَقَالَ: يحْتَمل أَن يكون دَاخِلا تَحت الْإِسْنَاد الأول فتقديره: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ شُعَيْب، وَأَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: وحَدثني نَافِع، أَي: بِالْحَدِيثِ مَرْفُوعا نَحوه إلَاّ أَنه قَالَ: (بِسبع وَعشْرين دَرَجَة) ، وَهُوَ مُوَافق لرِوَايَة مَالك وَغَيره من نَافِع، وَطَرِيق شُعَيْب هَذِه مَوْصُولَة، وَجوز الْكرْمَانِي أَن تكون معلقَة وَهُوَ بعيد، بل هِيَ معطوفة على الاسناد الاول وَالتَّقْدِير حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ شُعَيْب انْتهى (قلت) استبعاده قَول الْكرْمَانِي بعيد لِأَنَّهُ مَا حكم بِالْجَزْمِ بل بِالِاحْتِمَالِ، وَذَلِكَ بِحَسب الظَّاهِر، بل الْقَرِيب مَا ذكره ويقويه أَن طَرِيق شُعَيْب هَذِه لم تَرَ إلَاّ عِنْد البُخَارِيّ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا قَالَه هَذَا الْقَائِل: لم يستخرجها الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أَبُو نعيم وَلَا أوردهَا الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند الشاميين فِي تَرْجَمَة شُعَيْب. ٦٥٠ - حدَّثنا حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأَعْمشُ قَالَ سَمِعْتُ سالِما قَالَ سَمِعْتُ أم الدَّرْدَاءِ تَقُولُ دَخَلَ عَلَيَّ أبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ فَقلْتُ مَا أغْضَبَكَ فَقَالَ وَالله مَا أعْرِفُ مِنْ أمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئا إلَاّ أنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعا. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَعمال الَّذين يصلونَ بِالْجَمَاعَة قد وَقع فِيهَا النَّقْص والتغيير مَا خلا صلَاتهم بِالْجَمَاعَة، وَلم يَقع فِيهَا شَيْء من ذَلِك، فَدلَّ ذَلِك على أَن فضل الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة فِي الْفجْر، وَالَّذِي يفهم من هَذَا الحَدِيث أَعم من ذَلِك، فَكيف يكون التطابق؟ قلت: إِذا طابق جُزْء من الحَدِيث التَّرْجَمَة يَكْفِي، وَمثل هَذَا وَقع لَهُ كثيرا فِي هَذَا الْكتاب. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عمر بن حَفْص النَّخعِيّ الْكُوفِي. الثَّانِي: أَبوهُ حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: سَالم بن أبي الْجَعْد. الْخَامِس: أم الدَّرْدَاء، الَّتِي اسْمهَا: هجيمة، وَهِي أم الدَّرْدَاء الصُّغْرَى التابعية، لَا الْكُبْرَى الَّتِي اسْمهَا: خيرة، وَهِي الصحابية. وَإِنَّمَا قُلْنَا كَذَلِك لِأَن الْكُبْرَى مَاتَت فِي حَيَاة أبي الدَّرْدَاء، وَعَاشَتْ الصُّغْرَى بعده بِزَمَان طَوِيل، وَقد جزم أَبُو حَاتِم بِأَن سَالم بن أبي الْجَعْد لم يدْرك أَبَا الدَّرْدَاء، فعلى هَذَا لم يدْرك أم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أم الدَّرْدَاء هِيَ: خيرة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: بنت أبي حَدْرَد الأسْلَمِيَّة، من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن، مَاتَت بِالشَّام فِي خلَافَة عُثْمَان.

стр. 1418

قلت: هَذَا سَهْو مِنْهُ، وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ. السَّادِس: أَبُو الدَّرْدَاء، واسْمه: عُوَيْمِر بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: التَّابِعِيّ عَن التابعية. وَفِيه: أَن رُوَاته الْأَرْبَعَة كوفيون. وَهَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مغضب) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (مَا أعرف من أمة مُحَمَّد، ﷺ ، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (من مُحَمَّد) بِدُونِ لَفْظَة: أمة، وَعَلِيهِ شرح ابْن بطال وَمن تبعه، فَقَالَ: يُرِيد من شَرِيعَة مُحَمَّد ﷺ شَيْئا لم يتَغَيَّر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ إلَاّ الصَّلَاة فِي جمَاعَة، فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: (من أَمر مُحَمَّد) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره رَاء، وَكَذَا سَاقه الْحميدِي فِي (جمعه) ، وَكَذَا هُوَ فِي (مُسْند أَحْمد) و (مستخرجي الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم) : من طرق عَن الْأَعْمَش، وَعِنْدهم بِلَفْظ: (مَا أعرف فيهم) ، أَي: فِي أهل الْبَلَد الَّذِي كَانَ فِيهِ أَبُو الدَّرْدَاء قيل: كَانَ لفظ: فيهم، لما حذف من رِوَايَة البُخَارِيّ صحف بعض النقلَة لفظ: أَمر، بِلَفْظَة: أمة، ليعود الضَّمِير فِي: أَنهم، على الْأمة. قلت: لَا مَحْذُور فِي كَون لَفْظَة: امة، بل الظَّاهِر هَذَا على مَا لَا يخفى. قَوْله: (يصلونَ جَمِيعًا) ، أَي: مُجْتَمعين، وانتصابه على الْحَال، ومفعول: يصلونَ، مَحْذُوف تَقْدِيره، يصلونَ الصَّلَاة أَو الصَّلَوَات. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز الْغَضَب عِنْد تغير شَيْء من أُمُور الدّين، وَجَوَاز إِنْكَار الْمُنكر بِالْغَضَبِ إِذا لم يسْتَطع أَكثر من ذَلِك. ٦٥١ - حدَّثنا مُحَمَّد بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أسامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بنِ عبْدِ الله عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ أعْظَمُ النَّاسِ أجْرا فِي الصَّلاةِ أبْعَدُهُمْ فأبْعَدُهُمْ مَمْشًى والَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيهَا مَعَ الإِمَام أعْظَمُ أجْرا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (أعظم النَّاس أجرا فِي الصَّلَاة أبعدهم، فأبعدهم ممشى) ، بَيَان ذَلِك أَنه بَين فِيهِ أَن سَبَب أعظمية الْأجر فِي الصَّلَاة هُوَ: بعد الممشى، وَهُوَ الْمسَافَة، وَذَلِكَ لوُجُود الْمَشَقَّة فِيهِ. وَقد علم أَن أفضل الْأَعْمَال أحمزها، فَكل صَلَاة تُوجد فِيهَا الْمَشَقَّة من حَيْثُ بعد الممشى فَهِيَ أعظم أجرا وَأفضل من الصَّلَاة الَّتِي لَا يُوجد فِيهَا ذَلِك، فينتج من ذَلِك أَن صَلَاة الْفجْر إِذا كَانَ فِيهَا بُعْد الممشى مَعَ كَونه عقيب النّوم الَّذِي فِيهِ رَاحَة للبدن، مَعَ مصادفة الظلمَة أَحْيَانًا تكون أعظم أجرا وَأفضل من غَيرهَا، فبهذه الْحَيْثِيَّة طابق هَذَا الحَدِيث التَّرْجَمَة. فَإِن قلت: تشاركها الْعشَاء فِي ذَلِك مَعَ دلَالَة آخر الحَدِيث على ذَلِك؟ قلت: نعم تشاركها فِي وجود تِلْكَ الْمَشَقَّة، وَلَا تشاركها فِي الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة، وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا تشاركها مُطلقًا فَلَا يضر ذَلِك، لِأَن الْمَقْصُود هُوَ مُطَابقَة مَا بَين الحَدِيث والترجمة، وَهِي مَوْجُودَة بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَهَذَا الْقدر فِيهِ الْكِفَايَة، وَلَا يحْتَاج إِلَى مَا أَكْثَره بعض الشُّرَّاح من كَلَام فِيهِ مَا فِيهِ من حرارة فِي الْقلب من الْحَسَد. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فيي: بَاب من علم، لَكِن ذكر أَبُو أُسَامَة ثمَّة باسمه حَمَّاد، وَهَهُنَا بكنيته، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَبُو بردة اسْمه: عَامر، وَقيل: الْحَارِث، يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى واسْمه: عبد الله بن قيس. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أجرا) نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (أبعدهم) بِالرَّفْع خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي. قَوْله: (أعظم النَّاس) . قَوْله: (فأبعدهم) ، الْفَاء فِيهِ للاستمرار، كَمَا فِي قَوْلهم الأمثل فالأمثل، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت: لم يذكر أحد من النُّحَاة أَن الْفَاء تَجِيء بِمَعْنى الِاسْتِمْرَار، وَلَكِن يُمكن أَن تكون الْفَاء هَهُنَا للتَّرْتِيب مَعَ تفَاوت من بعض الْوُجُوه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: للفاء مَعَ الصِّفَات ثَلَاثَة أَحْوَال: أَحدهَا: أَن تدل على تَرْتِيب مَعَانِيهَا فِي الْوُجُود كَقَوْلِه: (يَا لهف زيابة لِلْحَارِثِ الصابح ... فالغانم فالآيب) أَي: الَّذِي صبح فغنم فآب. وَالثَّانِي: تدل على ترتيبها فِي التَّفَاوُت من بعض الْوُجُوه، نَحْو قَوْلك: خُذ الْأَكْمَل فَالْأَفْضَل، واعمل الْأَحْسَن فالأجمل. وَالثَّالِث: أَن تدل على تَرْتِيب موصوفاتها فِي ذَلِك، نَحْو: رحم الله المحلقين

стр. 1419

فالمقصرين. وَقيل: تقع الْفَاء تَارَة بِمَعْنى: ثمَّ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا الْعِظَام لَحْمًا﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١٤٠) . فالفا آتٍ فِيهَا بِمَعْنى: ثمَّ، لتراخي معطوفاتها، فعلى هَذَا يجوز أَن تكون الْفَاء هَهُنَا بِمَعْنى: ثمَّ، بِمَعْنى أبعدهم ثمَّ أبعدهم. قَوْله: (ممشى) ، بِفَتْح الْمِيم الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة اسْم مَكَان، وَهُوَ مَنْصُوب على التَّمْيِيز، وَالْمعْنَى: أبعدهم مَسَافَة إِلَى الْمَسْجِد. قَوْله: (من الَّذِي يُصَلِّي) أَعم من أَن يكون مَعَ جمَاعَة أَو وَحده. قَوْله: (ثمَّ ينَام) قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت: هَذَا التَّفْضِيل أَمر ظَاهر ضَرُورِيّ، فَمَا الْفَائِدَة فِي ذكره؟ قلت: مَعْنَاهُ أَن الَّذِي ينتظرها حَتَّى يُصليهَا مَعَ الإِمَام آخر الْوَقْت أعظم أجرا من الَّذِي يُصليهَا فِي وَقت الِاخْتِيَار وَحده، أَو: الَّذِي ينتظرها حَتَّى يُصليهَا مَعَ الإِمَام أعظم أجرا من الَّذِي يُصليهَا أَيْضا مَعَ الإِمَام بِدُونِ انْتِظَار، أَي: كَمَا أَن بعد الْمَكَان مُؤثر فِي زِيَادَة الْأجر كَذَلِك طول الزَّمَان، لِأَنَّهُمَا يتضمنان لزِيَادَة الْمَشَقَّة الْوَاقِعَة مُقَدّمَة للْجَمَاعَة قلت: قد علم أَن السَّبَب فِي تَحْصِيل هَذَا الْأجر الْعَظِيم انْتِظَار الصَّلَاة وإقامتها مَعَ الإِمَام، فَإِن وجد أَحدهمَا دون الْأُخَر فَلَا يحصل لَهُ ذَلِك، وَيعلم من هَذَا أَيْضا أَن تَأْخِير الصَّلَاة عَن وَقت الِاخْتِيَار لَا يَخْلُو عَن أجر كَمَا فِي تَأْخِير الظّهْر إِلَى أَن) يبرد الْوَقْت عِنْد اشتداد الْحر، وَتَأْخِير الْعَصْر إِلَى مَا قبل تغير قرص الشَّمْس، وَتَأْخِير الْعشَاء إِلَى مَا قبل ثلث اللَّيْل، وَتَأْخِير الصُّبْح إِلَى وَقت الْإِسْفَار. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا. فَإِن قلت: فَمَا فَائِدَة: ثمَّ ينَام؟ قلت: أَشَارَ إِلَى الاسْتِرَاحَة الْمُقَابلَة للْمَشَقَّة الَّتِي فِي ضمن الِانْتِظَار. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: الدّلَالَة على فضل الْمَسْجِد الْبعيد لأجل كَثْرَة الخطا، وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب، إِن شَاءَ الله. ٣٢ - (بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إلَى الظُّهْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل التهجير إِلَى صَلَاة الظّهْر. التهجير: التبكير إِلَى كل شَيْء والمبادرة إِلَيْهِ، يُقَال: هجر يهجر تهجيرا فَهُوَ مهجر، وَهِي لُغَة قَليلَة حجازية، أَرَادَ الْمُبَادرَة إِلَى أول وَقت الصَّلَاة، وَإِنَّمَا قَالَ: إِلَى الظّهْر مَعَ أَن لفظ التهجير يُغني عَنهُ لزِيَادَة التَّأْكِيد، وَعَامة نسخ البُخَارِيّ: بَاب فضل التهجير إِلَى الظّهْر. وَعَلِيهِ شرح ابْن التِّين وَغَيره، وَفِي بَعْضهَا: بَاب فضل التهجير إِلَى الصَّلَاة، وَعَلِيهِ شرح ابْن بطال، وَهَذِه النُّسْخَة أَعم وأشمل. ٦٥٢ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مالكٍ عنْ سُمَيّ مَوْلَى أبي بَكْرٍ عنْ أبي صالْحٍ السَّمَّانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسْولَ الله ﷺ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. ثمَّ قَالَ الشُّهَدَاءُ خَمْسٌ المَطْعُونُ والمَبْطُونُ والغَرِيقُ وصَاحِبُ الهدْمِ والشَّهِيدُ فِي سبِيلِ الله. وَقَالَ لَوْ يَعْلَمُ االنَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ والصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَاّ أنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ. وَلَوْ يَعْلَمُون مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إلَيْهِ. ولَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأتَوْهُمَا حَبْوا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو يعلمُونَ مَا فِي التهجير لاستبقوا إِلَيْهِ) وَهَذَا الْمَتْن، الَّذِي ذكره مُشْتَمل على خَمْسَة أَحَادِيث: الأول: الَّذِي أَخذ الْغُصْن. الثَّانِي: الشُّهَدَاء، الثَّالِث: الاستهام. الرَّابِع: التهجير. الْخَامِس: الحبو، وَلم يفرق البُخَارِيّ بَينهَا كعادته لأجل التراجم، لِأَن قُتَيْبَة حدث بِهِ عَن مَالك هَكَذَا مجموعا. ذكر رجال: وهم خَمْسَة، قد ذكرُوا غير مرّة، وَسُمَيّ، بِضَم السِّين مُهْملَة وَفتح الْمِيم: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة القريشي المَخْزُومِي الْمدنِي، وَأَبُو صَالح اسْمه: ذكْوَان، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَكَانَ يجلب السّمن وَالزَّيْت إِلَى الْكُوفَة. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد، وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا قُتَيْبَة بن سعيد، فَإِنَّهُ بغلاني، بغلان بَلخ من خُرَاسَان.

стр. 1420

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرج البُخَارِيّ قَوْله: (لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء) إِلَى آخِره فِي الصَّلَاة عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الشَّهَادَات عَن إِسْمَاعِيل، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عتبَة بن عبد الله وقتيبة فرقهما، وَعَن الْحَارِث ابْن مِسْكين عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، سبعتهم عَن مَالك بِهِ، وَأخرج قَوْله: (بَيْنَمَا رجل يمشي فِي طَرِيق) الحَدِيث فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب وَفِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى، كِلَاهُمَا عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَيْنَمَا رجل) ، قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن أصل: بَيْنَمَا، بَين، فاشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا، وزيدت فِيهِ الْمِيم، فَصَارَت: بَيْنَمَا. وَيُقَال: بَينا، بِدُونِ الْمِيم، أَيْضا، وهما ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة، ويضافان إِلَى جملَة من فعل وفاعل ومبتدأ وَخبر، ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، والمبتدأ هُنَا قَوْله: (رجل) خصص بِالصّفةِ وَهِي قَوْله: (يمشي) وَخَبره قَوْله (وجد) قَوْله (فَأَخذه) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (فَأَخَّرَهُ) عَن طَرِيق قَوْله (فَشكر الله لَهُ) ، مَعْنَاهُ: تقبل الله مِنْهُ وَأثْنى عَلَيْهِ، يُقَال: شكرته وشكرت لَهُ بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (الشُّهَدَاء) جمع: شَهِيد، سمي بِهِ لِأَن الْمَلَائِكَة يشْهدُونَ مَوته، فَكَانَ مشهودا. وَقيل: مشهود لَهُ بِالْجنَّةِ، فعلى هَذَا يكون الشَّهِيد على وزن: فعيل، بِمَعْنى: مفعول، وَقيل: لِأَنَّهُ حَيّ عِنْد الله حَاضر يشْهد حَضْرَة الْقُدس ويحضرها، وَقيل: لِأَنَّهُ شهد مَا أعد الله لَهُ من الكرامات. وَقيل: لِأَنَّهُ مِمَّن يستشهد مَعَ النَّبِي ﷺ يَوْم الْقِيَامَة على سَائِر الْأُمَم المكذبين، فعلى هَذِه الْمعَانِي يكون: الشَّهِيد، بِمَعْنى: شَاهد. قَوْله: (خمس) ، بِدُونِ التَّاء، هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: خَمْسَة، بِالتَّاءِ، وَهَذَا هُوَ الأَصْل. وَلَكِن إِذا كَانَ الْمُمَيز غير مَذْكُور جَازَ الْأَمْرَانِ، وَفِي رِوَايَة مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : (الشُّهَدَاء سَبْعَة) ، وَنقص: الشَّهِيد فِي سَبِيل الله، وَزَاد: صَاحب ذَات الْجنب والحريق، وَالْمَرْأَة تَمُوت بِجمع، أَي: الَّتِي تَمُوت وَوَلدهَا فِي بَطنهَا. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم، من حَدِيث جَابر بن عتِيك مَرْفُوعا: (الشَّهَادَة سَبْعَة سوى الْقَتْل فِي سَبِيل الله: المطعون والغريق وَصَاحب الْجنب والمبطون وَصَاحب الْحَرِيق وَالَّذِي يَمُوت تَحت الْهدم وَالْمَرْأَة تَمُوت بِجمع) . وَفِي حَدِيث ابْن مَاجَه، من حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (موت الْغَرِيب شَهَادَة) ، وَإِسْنَاده ضَعِيف. وروى سُوَيْد بن سعيد الحدثاني عَن عَليّ بن مسْهر عَن أبي يحيى القَتَّات، عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من عشق فعف وكتمه ثمَّ مَاتَ مَاتَ شَهِيدا) . وَقد أنكرهُ على سُوَيْد الْأَئِمَّة، قَالَه ابْن عدي فِي كَامِله، وَكَذَا أنكرهُ الْبَيْهَقِيّ وَابْن طَاهِر، وَقَالَ ابْن حبَان: من روى مثل هَذَا عَن عَليّ بن مسْهر تجب مجانبة رِوَايَته، وسُويد بن سعيد هَذَا وَإِن كَانَ مُسلم أخرج لَهُ فِي صَحِيحه فقد اعتذر مُسلم عَن ذَلِك، وَقَالَ: إِنَّه لم يَأْخُذ عَنهُ إلَاّ مَا كَانَ عَالِيا وتوبع عَلَيْهِ، وَلأَجل هَذَا أعرض عَن مثل هَذَا الحَدِيث، وَذكر ابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس فِي تعداد الشُّهَدَاء: الشريق وَمَا أكله السَّبع. فَإِن قلت: الشُّهَدَاء فِي الصَّحِيح: خَمْسَة، وَفِي رِوَايَة مَالك: سَبْعَة، وَمَعَ رِوَايَة ابْن مَاجَه عَن ابْن عَبَّاس تكون: ثَمَانِيَة، وَمَعَ رِوَايَة سُوَيْد بن غَفلَة عَن بن عَبَّاس: تِسْعَة، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر عَنهُ يكون أحد عشر؟ قلت: لَا تنَاقض بَينهَا لِأَن الِاخْتِلَاف فِي الْعدَد بِحَسب اخْتِلَاف الْوَحْي على النَّبِي، ﷺ ، قَوْله: (المطعون) : هُوَ، الَّذِي يَمُوت فِي الطَّاعُون، أَي: الوباء، وَلم يرد المطعون بِالسِّنَانِ، لِأَنَّهُ الشَّهِيد فِي سَبِيل الله، والطاعون مرض عَام فَيفْسد لَهُ الْهَوَاء فتفسد الأمزجة والأبدان. قَوْله: (والمبطون) ، هُوَ صَاحب الإسهال، وَقيل: هُوَ الَّذِي بِهِ الاسْتِسْقَاء، وَقيل: هُوَ الَّذِي يشتكي بَطْنه. وَقيل: من مَاتَ بداء بَطْنه مُطلقًا. قَوْله: (وَصَاحب الْهدم) ، هُوَ الَّذِي يَمُوت تَحت الْهدم، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة، وَهُوَ اسْم مَا يَقع، وَأما بتسكين الدَّال فَهُوَ الْفِعْل، وَالَّذِي يَقع هُوَ الَّذِي يقتل، وَيجوز أَن ينْسب الْقَتْل إِلَى الْفِعْل. قَوْله: (والشهيد فِي سَبِيل الله) هَذَا هُوَ الْخَامِس من الشُّهَدَاء. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ فَإِن قلت: خَمْسَة، خبر الْمُبْتَدَأ والمعدود هَذَا بَيَان لَهُ، فَكيف يَصح لَهُ فِي الْخَامِس، فَإِنَّهُ حمل الشَّيْء على نَفسه فَكَأَنَّهُ قَالَ: الشَّهِيد هُوَ الشَّهِيد؟ قلت: هُوَ من بَاب. (أَنا أَبُو النَّجْم وشعري شعري) وَقَالَ الْكرْمَانِي: الأولى أَن يُقَال: المُرَاد بالشهيد: الْقَتِيل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الشُّهَدَاء كَذَا وَكَذَا والقتيل فِي سَبِيل الله. قَوْله: (إلَاّ أَن يستهموا) أَي: إلَاّ أَن يقترعوا، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الاستهام فِي الْأَذَان. قَوْله: (وَلَو حبوا) ، الحبو: حبو الصَّغِير على يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْحَيَوَان يمشي على يَدَيْهِ وركبتيه أَو استه، وحبا الْبَعِير، إِذا برك ثمَّ زحف من الإعياء، وحبا الصَّغِير إِذا زحف على أسته

стр. 1421

فَإِن قلت: بِمَا انتصب حبوا؟ قلت: على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف، أَي: لأتوهما وَلَو كَانَ إتيانا حبوا. وَيجوز أَن يكون خبر: كَانَ، الْمُقدر وَالتَّقْدِير، وَلَو كَانَ إتيانكم حبوا. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ: فَضِيلَة إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، وَهِي أدنى شعب الْإِيمَان، فَإِذا كَانَ الله يشْكر عَبده وَيغْفر لَهُ على إِزَالَة غُصْن شوك من الطَّرِيق، فَلَا يدْرِي مَا لَهُ من الْفضل وَالثَّوَاب إِذا فعل مَا فَوق ذَلِك. الثَّانِي: فِيهِ: بَيَان الشُّهَدَاء، والشهيد عندنَا من قَتله الْمُشْركُونَ أَو وجد فِي المعركة وَبِه أثر لجراحه، أَو قَتله الْمُسلمُونَ ظلما وَلم يجب بقتْله دِيَة، وَعند [قعمالك [/ قع و [قعالشافعي [/ قع و [قعأحمد [/ قع: الشَّهِيد هُوَ الَّذِي قَتله الْعَدو غازيا فِي المعركة، ثمَّ الشَّهِيد يُكفن بِلَا خلاف وَلَا يغسل، وَفِي (الْمُغنِي) : إِذا مَاتَ فِي المعترك: فَإِنَّهُ لَا يغسل، رِوَايَة وَاحِدَة، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم، وَلَا نعلم فِيهِ خلافًا إلَاّ عَن [قعالحسن [/ قع و [قعابن الْمسيب [/ قع فَإِنَّهُمَا قَالَا: يغسل الشَّهِيد وَلَا يعْمل بِهِ، وَيصلى عَلَيْهِ عندنَا، وَهُوَ قَول بن عَبَّاس وَابْن الزبير وَعتبَة ابْن عَامر وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمَكْحُول وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ والمزني وَأحمد فِي رِوَايَة، واختارها الْخلال، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق: لَا يصلى عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول أهل الْمَدِينَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : الْجَزْم بِتَحْرِيم الصَّلَاة عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن حزم: إِن شاؤا صلوا عَلَيْهِ وَإِن شاؤا تركوها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الشَّهِيد حكمه أَن لَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ، وَهَذَا الحكم غير ثَابت فِي الْأَرْبَعَة الأول بالِاتِّفَاقِ؟ قلت: مَعْنَاهُ أَنه يكون لَهُم فِي الْآخِرَة مثل ثَوَاب الشُّهَدَاء، قَالُوا: الشُّهَدَاء على ثَلَاثَة أَقسَام: شَهِيد الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَهُوَ من مَاتَ فِي قتال الْكفَّار بِسَبَبِهِ. وشهيد الْآخِرَة دون أَحْكَام الدُّنْيَا، وهم هَؤُلَاءِ المذكورون. وشهيد الدُّنْيَا دون الْآخِرَة، وَهُوَ من قتل مُدبرا أَو غل فِي الْغَنِيمَة أَو قَاتل لغَرَض دنياوي لَا لإعلاء كلمة الله تَعَالَى. فَإِن قلت: فإطلاق الشَّهِيد على الْأَرْبَعَة الأول مجَاز، وعَلى الْخَامِس حَقِيقَة، وَلَا يجوز إِرَادَة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز بِاسْتِعْمَال وَاحِد قلت: جوزه الشَّافِعِي، وَأما غَيره فَمنهمْ من جوزه فِي لفظ الْجمع، وَمن مَنعه مُطلقًا حمل مثله على عُمُوم الْمجَاز، يَعْنِي: حمل على معنى مجازي أَعم من ذَلِك الْمجَاز والحقيقة قلت: الْعَمَل بِعُمُوم الْمجَاز هُوَ قَول أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة. الثَّالِث فِيهِ: فَضِيلَة السَّبق إِلَى الصَّفّ الأول والاستهام عَلَيْهِ. الرَّابِع فِيهِ: فَضِيلَة التهجير إِلَى الظّهْر، وَعَلِيهِ ترْجم البُخَارِيّ، وَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين حَدِيث الْإِبْرَاد لِأَنَّهُ عِنْد اشتداد الْحر والتهجير هُوَ الأَصْل، وَهُوَ عَزِيمَة وَذَاكَ رخصَة. الْخَامِس: فِيهِ: فَضِيلَة الْعشَاء وَالصُّبْح لِأَنَّهُمَا ثقيلان على الْمُنَافِقين. ٣٣ - (بابُ احْتِسَابِ الآثَارِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان احتساب الْآثَار، أَي: فِي عد الخطوات إِلَى الْمَسْجِد، والْآثَار جمع أثر، وَأَصله من أثر الْمَشْي فِي الأَرْض، وَالْمرَاد بهَا هَهُنَا: الخطوات، كَمَا فسره مُجَاهِد على مَا يَجِيء. ٤٨ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب قَالَ حَدثنَا عبد الْوَهَّاب قَالَ حَدثنَا حميد عَن أنس قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - يَا بني سَلمَة أَلا تحتسبون آثَاركُم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا وحوشب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة. وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ وَحميد ابْن أبي حميد الطَّوِيل. (وَمن لطائف إِسْنَاده) أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع والعنعنة فِي مَوضِع وَفِيه أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين طائفي وبصري وَفِيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع قَوْله " يَا بني سَلمَة " بِفَتْح السِّين وَكسر اللَّام وهم بطن كَبِير من الْأَنْصَار ثمَّ من الْخَزْرَج وَقَالَ الْقَزاز والجوهري وَلَيْسَ فِي الْعَرَب سَلمَة غَيرهم (قلت) لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن ابْن مَاكُولَا والرشاطي وَابْن حبيب ذكرُوا جماعات غَيرهم قَوْله " أَلا تحتسبون " كلمة أَلا للتّنْبِيه والتحضيض وَمَعْنَاهُ أَلا تَعدونَ خطاكم عِنْد مشيكم إِلَى الْمَسْجِد إِنَّمَا خاطبهم النَّبِي ﷺ َ - بذلك حِين أَرَادوا النقلَة إِلَى قرب مَسْجِد النَّبِي ﷺ َ - وَعند مُسلم من حَدِيث جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " خلت الْبِقَاع حول الْمَسْجِد فَأَرَادَ بَنو سَلمَة أَن يَنْتَقِلُوا إِلَى قرب الْمَسْجِد فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ

стр. 1422

لَهُم أَنه بَلغنِي أَنكُمْ تُرِيدُونَ أَن تنتقلوا إِلَى قرب الْمَسْجِد قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قد أردنَا ذَلِك فَقَالَ يَا بني سَلمَة دِيَاركُمْ تكْتب آثَاركُم دِيَاركُمْ تكْتب آثَاركُم " وَفِي لفظ " كَانَت دِيَارنَا نائية من الْمَسْجِد فأردنا أَن نبيع بُيُوتنَا فنقرب من الْمَسْجِد فنهانا رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ إِن لكم بِكُل خطْوَة دَرَجَة " وَعند ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس " كَانَت الْأَنْصَار بعيدَة مَنَازِلهمْ من الْمَسْجِد فأرادوا أَن يتقربوا فَنزلت ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم قَالَ فثبتوا " زَاد عبد بن حميد فِي تَفْسِيره " فَقَالُوا بل نثبت مَكَاننَا " وَقَوله " تحتسبون " بنُون الْجمع على الأَصْل فِي عَامَّة النّسخ وَشَرحه الْكرْمَانِي بِحَذْف النُّون فَقَالَ (فَإِن قلت) مَا وَجه سُقُوط النُّون (قلت) جوز النُّحَاة إِسْقَاط النُّون بِدُونِ ناصب وجازم (وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله ﴿ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم﴾ قَالَ خطاهم) فسر مُجَاهِد الْآثَار بالخطا وَعَن مُجَاهِد خطاهم آثَارهم أَي مَشوا فِي الأَرْض بأرجلهم وَفِي تَفْسِير عبد بن حميد عَن أبي سعيد مَوْقُوفا " نكتب مَا قدمُوا وآثارهم " قَالَ الخطا وَعند الْبَزَّار " فَقَالَ لَهُم النَّبِي ﷺ َ - مَنَازِلكُمْ مِنْهَا تكْتب آثَاركُم " وَعند التِّرْمِذِيّ عَن أبي سعيد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " شكت بَنو سَلمَة إِلَى النَّبِي ﷺ َ - بعد مَنَازِلهمْ من الْمَسْجِد فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم﴾ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - مَنَازِلكُمْ فَإِنَّهَا تكْتب آثَاركُم " وَقَالَ حسن غَرِيب (وَقَالَ ابْن أبي مَرْيَم قَالَ أخبرنَا يحيى بن أَيُّوب قَالَ حَدثنِي حميد قَالَ حَدثنِي أنس أَن بني سَلمَة أَرَادوا أَن يَتَحَوَّلُوا عَن مَنَازِلهمْ فينزلوا قَرِيبا من النَّبِي ﷺ َ - قَالَ فكره رَسُول الله ﷺ َ - أَن يعروا الْمَدِينَة فَقَالَ أَلا تحتسبون آثَاركُم. قَالَ مُجَاهِد خطاهم آثَارهم أَن يمشى فِي الأَرْض بأرجلهم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله تقدمُوا وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الْمصْرِيّ وَيحيى بن أَيُّوب الغافقي الْمصْرِيّ قَوْله " وَحدثنَا ابْن أبي مَرْيَم " هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ وَقَالَ ابْن أبي مَرْيَم وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح وَقَالَ ابْن أبي مَرْيَم ثمَّ قَالَ هَكَذَا ذكر هَذَا الحَدِيث مُعَلّقا وَكَذَا ذكره أَيْضا صَاحب الْأَطْرَاف قَالَ وَالَّذِي رَأَيْت فِي كثير من نسخ البُخَارِيّ وَحدثنَا ابْن أبي مَرْيَم وَقَالَ أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج كَذَا ذكره البُخَارِيّ بِلَا رِوَايَة يَعْنِي مُعَلّقا وَقَالَ بَعضهم هَذَا هُوَ الصَّوَاب (قلت) هَذِه دَعْوَى بِلَا دَلِيل قَوْله " عَن أنس " هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ حَدثنَا أنس وَكَذَا ذكره أَبُو نعيم أَيْضا قَوْله " فينزلوا قَرِيبا " أَي منزلا قَرِيبا من مَسْجِد النَّبِي ﷺ َ - لِأَن دِيَارهمْ كَانَت بعيدَة عَن الْمَسْجِد وَقد صرح بذلك فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث جَابر بن عبد الله يَقُول " كَانَت دِيَارنَا بعيدَة من الْمَسْجِد فأردنا أَن نبتاع بُيُوتنَا فنتقرب من الْمَسْجِد فنهانا رَسُول الله ﷺ َ - وَقَالَ إِن لكم بِكُل خطْوَة دَرَجَة " وَفِي مُسْند السراج من طَرِيق أبي نَضرة عَن جَابر " أَرَادوا أَن يتقربوا من أجل الصَّلَاة " وَفِي رِوَايَة ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق أُخْرَى عَن أبي نَضرة عَنهُ قَالَ " كَانَت مَنَازلنَا بسلع " (فَإِن قلت) فِي الاسْتِسْقَاء من حَدِيث أنس " وَمَا بَيْننَا وَبَين سلع من دَار " فَهَذَا يُعَارضهُ (قلت) لَا تعَارض لاحْتِمَال أَن تكون دِيَارهمْ كَانَت من وَرَاء سلع وَبَين سلع وَالْمَسْجِد قدر ميل قَوْله " أَن يعروا الْمَدِينَة " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " أَن يعروا مَنَازِلهمْ " وَهُوَ بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة أَي يتركوها عراء أَي فضاء خَالِيَة قَالَ ﴿فنبذناه بالعراء﴾ أَي بِموضع خَال قَالَ ابْن سَيّده هُوَ الْمَكَان الَّذِي لَا يسْتَتر فِيهِ شَيْء وَقيل الأَرْض الواسعة وَجمعه أعراء وَفِي الغريبين الْمَمْدُود المتسع من الأَرْض قيل لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لَا شجر فِيهِ وَلَا شَيْء يغطيه والعرا مَقْصُورا النَّاحِيَة وَوجه كَرَاهَة النَّبِي ﷺ َ - فِي مَنعهم من الْقرب من الْمَسْجِد هُوَ أَنه أَرَادَ أَن تبقى جِهَات الْمَدِينَة عامرة بساكنيها قَوْله " وَقَالَ مُجَاهِد خطاهم آثَار الْمَشْي فِي الأَرْض بأرجلهم " كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ وَقَالَ مُجَاهِد ﴿ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم﴾ قَالَ خطاهم وَهَكَذَا وَصله عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ قَالَ فِي قَوْله ﴿ونكتب مَا قدمُوا﴾ قَالَ أَعْمَالهم وَفِي قَوْله ﴿وآثارهم﴾ قَالَ خطاهم وَأَشَارَ البُخَارِيّ

стр. 1423

بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن قصَّة بني سَلمَة كَانَت سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة وَقد ورد مُصَرحًا بِهِ من طَرِيق سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أخرجه ابْن مَاجَه وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ الدّلَالَة على كَثْرَة الْأجر لِكَثْرَة الخطا فِي الْمَشْي إِلَى الْمَسْجِد وَسُئِلَ أَبُو عبد الله بن لبَابَة عَن الَّذِي يدع مَسْجده وَيُصلي فِي الْمَسْجِد الْجَامِع للفضل فِي كَثْرَة النَّاس قَالَ لَا يدع مَسْجده وَإِنَّمَا فضل الْمَسْجِد الْجَامِع للْجُمُعَة فَقَط وَعَن أنس بن مَالك أَنه كَانَ يُجَاوز الْمَسَاجِد المحدثة إِلَى الْمَسَاجِد الْقَدِيمَة وَفعله مُجَاهِد وَأَبُو وَائِل وَأما الْحسن فَسئلَ أيدع الرجل مَسْجِد قومه وَيَأْتِي غَيره فَقَالَ كَانُوا يحبونَ أَن يكثر الرجل قومه بِنَفسِهِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهَذِه الْأَحَادِيث تدل على أَن الْبعد من الْمَسْجِد أفضل فَلَو كَانَ بجوار الْمَسْجِد فَهَل لَهُ أَن يُجَاوِزهُ للأبعد فكرهه الْحسن قَالَ وَهُوَ مَذْهَبنَا وَفِي تخطي مَسْجده إِلَى الْمَسْجِد الْأَعْظَم قَولَانِ وَاخْتلف فِيمَن كَانَت دَاره قريبَة من الْمَسْجِد وقارب الخطا بِحَيْثُ يُسَاوِي خطاه من دَاره بعيدَة هَل يُسَاوِيه فِي الْفضل أَو لَا وَإِلَى الْمُسَاوَاة مَال الطَّبَرِيّ (فَإِن قلت) روى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أنس قَالَ " مشيت مَعَ زيد بن ثَابت إِلَى الْمَسْجِد فقارب بَين الخطا وَقَالَ أردْت أَن تكْثر خطانا إِلَى الْمَسْجِد " (قلت) لَا يلْزم مِنْهُ الْمُسَاوَاة فِي الْفضل وَإِن دلّ على أَن فِي كَثْرَة الخطا فَضِيلَة لِأَن ثَوَاب الخطى الشاقة لَيست كثواب الخطى السهلة واستنبط بَعضهم من الحَدِيث اسْتِحْبَاب قصد الْمَسْجِد الْبعيد وَلَو كَانَ بجنبه مَسْجِد قريب فَقيل هَذَا إِذا لم يلْزم من ذَهَابه إِلَى الْبعيد هجر الْقَرِيب وَإِلَّا فإحياؤه بِذكر الله أولى ثمَّ إِذا كَانَ إِمَام الْقَرِيب مبتدعا أَو لحانا فِي الْقِرَاءَة أَو قومه يكرهونه فَلهُ أَن يتْركهُ وَيذْهب إِلَى الْبعيد وَكَذَا إِذا كَانَ إِمَام الْبعيد بِهَذِهِ الصّفة وَفِي رَوَاحه إِلَيْهِ لَيْسَ هجر الْقَرِيب لَهُ أَن يتْرك الْبعيد وَيُصلي فِي الْقَرِيب. وَفِيه أَن أَعمال الْبر إِذا كَانَت خَالِصَة تكْتب آثارها حَسَنَات. وَفِيه اسْتِحْبَاب السُّكْنَى بِقرب الْمَسْجِد إِلَّا لمن حصلت مِنْهُ مَنْفَعَة أُخْرَى أَو أَرَادَ تَكْثِير الْأجر بِكَثْرَة الْمَشْي مَا لم يُكَلف نَفسه وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنهم طلبُوا السُّكْنَى بِقرب الْمَسْجِد للفضل الَّذِي علموه مِنْهُ فَمَا أنكر النَّبِي ﷺ َ - عَلَيْهِم ذَلِك وَإِنَّمَا كره ذَلِك لدرء الْمفْسدَة لإخلائهم جَوَانِب الْمَدِينَة كَمَا ذَكرْنَاهُ - ٣٤ - (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة حَال كَونهَا فِي الْجَمَاعَة. ٤٩ - (حَدثنَا عمر بن حَفْص قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش قَالَ حَدثنِي أَبُو صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - لَيْسَ صَلَاة أثقل على الْمُنَافِقين من الْفجْر وَالْعشَاء وَلَو يعلمُونَ مَا فيهمَا لأتوهما وَلَو حبوا لقد هَمَمْت أَن آمُر الْمُؤَذّن فيقيم ثمَّ آمُر رجلا يؤم النَّاس ثمَّ آخذ شعلا من نَار فَأحرق على من لَا يخرج إِلَى الصَّلَاة بعد) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الْجُزْء الثَّانِي لِأَنَّهُ يدل على زِيَادَة فَضِيلَة الْعشَاء وَالْفَجْر على غَيرهمَا من الصَّلَوَات فَوضع التَّرْجَمَة لبَيَان فَضِيلَة صَلَاة الْعشَاء. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. فالثلاثة الأول مَضَت متناسقة فِي سَنَد حَدِيث أبي الدَّرْدَاء فِي بَاب فضل صَلَاة الْفجْر فِي الْجَمَاعَة وهم عمر بن حَفْص بن غياث النَّخعِيّ الْكُوفِي وَهُوَ يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث وَهُوَ يروي عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَسليمَان يروي هُنَاكَ عَن سَالم بن أبي الْجَعْد وَهَهُنَا يروي عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان وَقد مضى هَذَا مفرقا قَوْله " لَيْسَ صَلَاة أثقل " هَكَذَا هُوَ رِوَايَة الْكشميهني فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة عَنهُ وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين " لَيْسَ أثقل على الْمُنَافِقين " بِحَذْف اسْم لَيْسَ وَأما وَجه تذكير لَيْسَ فلَان الْفِعْل إِذا أسْند إِلَى الْمُؤَنَّث غير الْحَقِيقِيّ يجوز فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث وَقَوله أثقل أفعل التَّفْضِيل فَيدل على أَن الصَّلَوَات كلهَا ثَقيلَة على الْمُنَافِقين وَالْفَجْر وَالْعشَاء أثقل من غَيرهمَا أما الْفجْر فَلِأَنَّهُ وَقت لَذَّة النّوم وَأما الْعشَاء فَلِأَنَّهُ وَقت السّكُون والراحة.

стр. 1424

وَقد قَالَ الله تَعَالَى فِي حق الْمُنَافِقين ﴿وَلَا يأْتونَ الصَّلَاة إِلَّا وهم كسَالَى﴾ وَقيل وَجه ذَلِك هُوَ كَون الْمُؤمنِينَ يفوزون بِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا من الْفضل لقيامهم بحقهما دون الْمُنَافِقين قَوْله " مَا فيهمَا " أَي فِي الْفجْر وَالْعشَاء من الثَّوَاب وَالْفضل قَوْله " لأتوهما " أَي لأتوا الْفجْر وَالْعشَاء وَلَو كَانَ إتيانهم حبوا لأتوهما حابين من حبا الصَّبِي إِذا زحف على إسته وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَقَالَ الْكرْمَانِي لَو يعلمُونَ مَا فيهمَا من الْفضل وَالْخَيْر ثمَّ لم يستطيعوا الْإِتْيَان إِلَيْهِمَا إِلَّا حبوا لحبوا إِلَيْهِمَا وَلم يفوتوا جماعتهما وَقَالَ بَعضهم لأتوهما أَي لأتوا إِلَى الْمحل الَّذِي تصليان فِيهِ جمَاعَة وَهُوَ الْمَسْجِد (قلت) هَذَا تَفْسِير لَا يُطَابق التَّرْكِيب أصلا وَالصَّحِيح الَّذِي ذَكرْنَاهُ قَوْله " يؤم النَّاس " بِالرَّفْع فِي يؤم وَالنّصب فِي النَّاس وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لقَوْله " رجلا " وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله " ثمَّ آمُر " وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ عطف على آمُر الأول الْمَنْصُوب بِأَن قَوْله " فيقيم " أَيْضا مَنْصُوب عطفا على مَا قبله قَوْله " ثمَّ آخذ " بِالنّصب لِأَنَّهُ عطف على قَوْله " ثمَّ آمُر " قَوْله " شعلا " بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَضم الْعين الْمُهْملَة جمع شعيلة وَهُوَ الفتيلة فِيهَا نَار نَحْو صحيفَة وصحف وبفتح الْعين جمع الشعلة من النَّار قَوْله " فَأحرق " بِالنّصب عطفا على " ثمَّ آخذ " قَوْله " بعد " نقيض قبل مَبْنِيّ على الضَّم فَلَمَّا حذف مِنْهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ بني على الضَّم وَسمي غَايَة لانْتِهَاء الْكَلَام إِلَيْهَا وَالْمعْنَى بعد أَن يسمع النداء إِلَى الصَّلَاة وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني لَفْظَة يقدر بدل بعد وَمَعْنَاهُ لَا يخرج إِلَى الصَّلَاة حَال كَونه يقدر وَقد علم أَن الْجُمْلَة الفعلية المضارعية إِذا وَقعت حَالا يجوز فِيهَا ترك الْوَاو وَوَقع عِنْد الدَّاودِيّ لَا لعذر عوض اللَّفْظَيْنِ الْمَذْكُورين أَي يقدر وَبعد وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي حَدِيث أبي دَاوُد الَّذِي رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة من حَدِيث يزِيد بن الْأَصَم قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " لقد هَمَمْت أَن آمُر فتيتي فيجمعوا حزما من حطب ثمَّ آتِي قوما يصلونَ فِي بُيُوتهم لَيست بهم عِلّة فأحرقها عَلَيْهِم " الحَدِيث وَلَكِن مَا روى هَذَا غير الدَّاودِيّ وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَنه ﷺ َ - أطلق على الْمُؤمنِينَ الَّذين لَا يحْضرُون الْجَمَاعَة وَيصلونَ فِي بُيُوتهم من غير عذر وَلَا عِلّة تمنع عَن الْإِتْيَان اسْم الْمُنَافِقين على سَبِيل الْمُبَالغَة فِي التهديد فَافْهَم - ٣٥ - (بابٌ اثْنان فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ) أَي: هَذَا بَاب مترجم بِلَفْظ: إثنان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة. وَهُوَ لفظ حَدِيث ورد من طرق ضَعِيفَة، مِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث الرّبيع بن بدر عَن أَبِيه عَن جده عَن عَمْرو بن جَراد عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (اثْنَان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة) ، وَقَالَ ابْن حزم فِي (كتاب الْأَحْكَام) : هَذَا خبر سَاقِط. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سعيد بن أبي زَرْبِي، وَهُوَ ضَعِيف، قَالَ: حَدثنَا ثَابت عَن أنس ... فَذكره بِمثلِهِ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده ... مثله، قَالَ ابْن حزم: لَا يَصح. وَمِنْهَا مَا رُوِيَ فِي (الْكَامِل) للجرجاني من حَدِيث الحكم بن عُمَيْر مَرْفُوعا مثله ... ، وَفِي سَنَده: عِيسَى بن طهْمَان، وَهُوَ مُنكر الحَدِيث. ٦٥٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ أبِي قِلَابَةَ عنْ مالِكٍ بنِ الحُوَيْرِثِ عنِ النَّبِيِّ قَالَ إذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَأَذِّنا وَأَقِيما ثُمَّ لِيَؤُمُّكُمَا أكْبَرُكُمَا. . تَوْجِيه مطابقته حَدِيث االباب للتَّرْجَمَة مُشكل، فَقَالَ بَعضهم: ذَلِك مَأْخُوذ بالاستنباط من لَازم الْأَمر بِالْإِمَامَةِ، لِأَنَّهُ لَو اسْتَوَت صلاتهما مَعًا مَعَ صلاتهما منفردين لاكتفى بأمرهما بِالصَّلَاةِ، كَأَن يَقُول: أذنا وأقيما وصليا قلت: هَذَا اللَّازِم لَا يسْتَلْزم كَون الِاثْنَيْنِ جمَاعَة، على مَا لَا يخفى، فَكيف يستنبط مِنْهُ مطابقته للتَّرْجَمَة؟ وَيُمكن أَن يذكر لَهُ وَجه، وَإِن كَانَ لَا يَخْلُو عَن تكلّف، وَهُوَ أَنه ﷺ إِنَّمَا أَمرهمَا بإمامة أَحدهمَا الَّذِي هُوَ أكبرهما ليحصل لَهما فَضِيلَة الْجَمَاعَة، فكأنهما لما صليا واحدهما إِمَام صَارا كَأَنَّهُمَا صليا مَعَ جمَاعَة، إِذْ حصل لَهما مَا يحصل لمن يُصَلِّي بِالْجَمَاعَة، فَصَارَ الِاثْنَان هَهُنَا كَأَنَّهُمَا جمَاعَة بِهَذَا الِاعْتِبَار

стр. 1425

لَا بِاعْتِبَار الْحَقِيقَة فَافْهَم. وَتقدم حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث، فِي: بَاب الْأَذَان للمسافرين: عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن خَالِد الْحذاء عَن أبي قلَابَة عَن مَالك بن الْحُوَيْرِث، قَالَ: (أَتَى رجلَانِ النَّبِي ﷺ يُريدَان السّفر، فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : إِذا أَنْتُمَا خرجتما فأذنا ثمَّ أقيما ثمَّ ليؤمكما أكبركما) . وَهَهُنَا خَالِد هُوَ الْحذاء أَيْضا، وَأَبُو قلَابَة: بِكَسْر الْقَاف، عبد الله بن زيد، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٣٦ - (بابُ مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِد يَنْتَظَرُ الصَّلاةَ وفَضْلِ المسَاجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من جلس فِي الْمَسْجِد حَال كَونه ينْتَظر الصَّلَاة ليصليها بِالْجَمَاعَة وَفِي بَيَان فضل الْمَسَاجِد. ٦٥٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أَن رسولَ الله ﷺ قَالَ المَلَائِكَةُ تُصعلِّي على أحَدِكُمْ مَا دامَ فِي مُصَلَاّهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ لَا يَزَالُ أحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أنْ يَنْقَلِبَ إلَى أهْلِهِ إلَاّ الصَّلاةُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. هَذَا الحَدِيث إِلَى قَوْله. .: (لَا يزَال أحدكُم) ، ذكره البُخَارِيّ فِي: بَاب الْحَدث فِي الْمَسْجِد، أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، نَحوه، غير أَن هُنَاكَ: (إِن الْمَلَائِكَة تصلي) وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. وَقَوله: (لَا يزَال أحدكُم) إِلَى آخِره، أفرده مَالك فِي (موطئِهِ) عَمَّا قبله، وَأكْثر الروَاة ضموه إِلَى الأول وجعلوه حَدِيثا وَاحِدًا. وَذكر البُخَارِيّ: فِي: بَاب فضل الْجَمَاعَة، حَدِيث أبي هُرَيْرَة مطولا، وَفِيه: (لَا يزَال أحدكُم فِي صَلَاة مَا انْتظر الصَّلَاة) . قَوْله: (تصلي على أحدكُم) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن الصَّلَاة من الْمَلَائِكَة الاسْتِغْفَار. فَإِن قلت: مَا النُّكْتَة فِي لفظ الصَّلَاة دون لفظ الاسْتِغْفَار؟ قلت: لتقع الْمُنَاسبَة بَين الْعَمَل وَالْجَزَاء. قَوْله: (مَا دَامَ) كلمة: مَا، للمدة فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَمَعْنَاهُ: مَا دَامَ فِي مَوْضِعه الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ منتظرا للصَّلَاة، كَمَا صرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الطَّهَارَة من وَجه آخر. قَوْله: (اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ) ، بَيَان لقَوْله: (تصلي) ، وَفِيه مُقَدّر، وَهُوَ إِمَّا لفظ: تَقول الْمَلَائِكَة: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ، وَإِمَّا: قائلين: اللَّهُمَّ ... ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ كِلَاهُمَا بِالنّصب على الْحَال. قَوْله: (فِي صَلَاة) أَي: فِي ثَوَاب صَلَاة، لَا فِي حكم الصَّلَاة، أَلَا ترى أَنه يحل لَهُ الْكَلَام وَغَيره مِمَّا يمْنَع الصَّلَاة؟ قَوْله: (مَا دَامَت) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مَا كَانَت) ، قَوْله: (لَا يمنعهُ) ، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول. قَوْله: (أَن يَنْقَلِب) ، فَإِن مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على الفاعلية تَقْدِيره: لَا يمنعهُ الانقلاب، أَي: الرواح إِلَى أَهله إِلَّا الصَّلَاة، وَكلمَة: إلَاّ، بِمَعْنى: غير، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه صرف نِيَّته عَن ذَلِك صَارف آخر انْقَطع عَنهُ الثَّوَاب الْمَذْكُور، وَكَذَلِكَ إِذا شَارك نِيَّة الِانْتِظَار أَمر آخر، وَيدخل فِي ذَلِك من أشبههم فِي الْمَعْنى مِمَّن حبس نَفسه على أَفعَال الْبر كلهَا. ٦٦٠ - حدَّثنا مْحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني خبَيْبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ حفْصِ بنِ عاصِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةِ عنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَاّ ظِلُّهُ الإمامُ العادِلُ وشابُّ نَشأ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ ورَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وتفرقا عَلَيْهِ ورَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إنِّي أخَافُ الله ورَجُلٌ تَصَدَّقَ أخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ورَجُلٌ ذَكَرَ الله خالِيا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَرجل قلبه مُعَلّق فِي الْمَسَاجِد) ، أَي: مُتَعَلق، وَلَو لم يكن للمساجد فضل لم يكن لمن قلبه مُعَلّق فِيهَا هَذَا الْفضل الْعَظِيم، وَهَذَا للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (وَفضل الْمَسَاجِد) ، وَيدل على هَذَا الْجُزْء أَيْضا قَوْله:

стр. 1426

(وشاب نَشأ فِي عبَادَة ربه) ، لِأَن من هَذِه صفته يكون لَهُ مُلَازمَة للمساجد بقالبه، وَأما عَن قلبه فَلَا يَخْلُو، وَإِن عرض لقالبه عَارض، وَهَذَا أَيْضا يدل على فضل الْمَسَاجِد. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: عبيد الله، بتصغير العَبْد، ابْن عمر الْعمريّ. الرَّابِع: خبيب، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، ابْن عبد الرَّحْمَن بن خبيب بن يسَاف، أَبُو الْحَارِث الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَهُوَ خَال عبيد الله بن عمر الْمَذْكُور، الْخَامِس: حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، وَهُوَ جد عبيد الله الْمَذْكُور لِأَبِيهِ. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن خَاله وجده. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بصريين وهما: مُحَمَّد بن بشار وَيحيى، والبقية مدنيون. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ مَشْهُورا ببندار، وَيحيى مَشْهُور بالقطان. وَفِيه: عَن حَفْص ابْن عَاصِم عَن أبي هُرَيْرَة من حَدِيث يحيى بن يحيى وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث معن، قَالَا: حَدثنَا مَالك عَن خبيب عَن حَفْص ابْن عَاصِم عَن أبي هُرَيْرَة أَو أبي سعيد قَالَ التِّرْمِذِيّ كَذَا روى غير وَاحِد عَن مَالك وَشك فِيهِ وَقَالَ ابْن عبد الْبر كل من رَوَاهُ عَن مَالك قَالَ فِيهِ أَو أبي سعيد، إلَاّ أَبَا قُرَّة ومصعبا، فَإِنَّهُمَا قَالَا: عَن مَالك عَن خبيب عَن حَفْص بن عَاصِم عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد جَمِيعًا، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو معَاذ الْبَلْخِي عَن مَالك وَرَوَاهُ الْوَقار زَكَرِيَّا بن يحيى عَن ثَلَاثَة من أَصْحَاب مَالك عَن أبي سعيد وَحده وَلم يُتَابع. قلت: الثَّلَاثَة هم: عبد الله بن وهب، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، ويوسف بن عَمْرو بن يزِيد. وَفِي (غرائب) مَالك) للدارقطني: رَوَاهُ أَبُو معَاذ عَن أبي سعيد أَو عَن أبي هُرَيْرَة أَو عَنْهُمَا جَمِيعًا أَنَّهُمَا قَالَا ... فَذكره. قلت: وَفِيه رد لما ذكره ابْن عبد الْبر. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن مُسَدّد، وَفِي الرقَاق عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي الْمُحَاربين عَن مُحَمَّد بن سَلام. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى وَعَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن سوار بن عبد الله الْعَنْبَري وَمُحَمّد بن الْمثنى وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء وَفِي الرقَاق عَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد الله بن الْمُبَارك بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَبْعَة) أَي: سَبْعَة أشخاص، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا ليدْخل فِيهِ النِّسَاء، فالأصوليون ذكرُوا أَن إحكام الشَّرْع عَامَّة لجَمِيع الْمُكَلّفين، وَحكمه على الْوَاحِد حكم على الْجَمَاعَة إلَاّ مَا دلّ الدَّلِيل على خُصُوص الْبَعْض فَإِن قلت: مَا وَجه التَّخْصِيص بِذكر هَذِه السَّبْعَة؟ قلت: التَّنْصِيص بِالْعدَدِ فِي شَيْء لَا يَنْفِي الحكم عَمَّا عداهُ، وَقد روى مُسلم من حَدِيث أبي الْيُسْر مَرْفُوعا: (من أنظر مُعسرا أَو وضع لَهُ، أظلهُ الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله) . وَهَاتَانِ الخصلتان غير الْخِصَال السَّبْعَة الْمَذْكُورَة، فَدلَّ على مَا قُلْنَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأما التَّخْصِيص بِذكر هَذِه السَّبْعَة فَيحْتَمل أَن يُقَال فِيهِ: ذَلِك لِأَن الطَّاعَة إِمَّا تكون بَين العَبْد وَبَين الله أَو بَينه وَبَين الْخلق، وَالْأول: إِمَّا أَن يكون بِاللِّسَانِ أَو بِالْقَلْبِ أَو بِجَمِيعِ الْبدن، وَالثَّانِي: إِمَّا أَن يكون عَاما وَهُوَ الْعدْل، أَو خَاصّا وَهُوَ إِمَّا من جِهَة النَّفس وَهُوَ التحاب أَو من جِهَة الْبدن، أَو من جِهَة المَال. انْتهى. قلت: أَرَادَ كَونه بِاللِّسَانِ هُوَ الذّكر، وَأَرَادَ كَونه بِالْقَلْبِ هُوَ الْمُعَلق بِالْمَسْجِدِ، وَأَرَادَ بِجِهَة جَمِيع الْبدن الناشيء بِالْعبَادَة، وبجهة المَال: الصَّدَقَة، وَمن جِهَة الْبدن فِي الصُّورَة الْخَاصَّة هِيَ: الْعِفَّة. قَوْله: (يظلهم الله) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر للمبتدأ أَعنِي قَوْله: (سَبْعَة) . وَقَالَ عِيَاض: إِضَافَة الظل إِلَى الله إِضَافَة ملك، وكل ظله فَهُوَ ملكه قلت: إِضَافَة الظل إِلَيْهِ إِضَافَة تشريف ليحصل امتياز هَذَا عَن غَيره، كَمَا يُقَال للكعبة: بَيت الله، مَعَ أَن الْمَسَاجِد كلهَا ملكه. وَأما الظل الْحَقِيقِيّ فَالله تَعَالَى منزه عَنهُ، لِأَنَّهُ من خَواص الْأَجْسَام، وَيُقَال: المُرَاد ظلّ الْعَرْش، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (سَبْعَة يظلهم الله فِي ظلّ عَرْشه) فَذكر الحَدِيث، ثمَّ كَونهم فِي ظلّ عَرْشه يسْتَلْزم مَا ذكره بَعضهم من أَن معنى: (يظلهم الله) ، يسترهم فِي ستره وَرَحمته. تَقول الْعَرَب: أَنا فِي ظلّ فلَان، أَي: فِي ستره وكنفه، وتسمي الْعَرَب اللَّيْل: ظلاً، لبرده، وَيُقَال المُرَاد من الظل: ظلّ طُوبَى أَو ظلّ الْجنَّة، وَيرد هَذَا قَوْله: (يَوْم لَا ظلّ إلَاّ ظله) ، لِأَن المُرَاد

стр. 1427

من الْيَوْم الْمَذْكُور يَوْم الْقِيَامَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن عبد الله بن الْمُبَارك صرح بِهِ فِي رِوَايَته عَن عبد الله بن عمر على مَا يَجِيء فِي كتاب الْحُدُود، وظل طُوبَى أَو ظلّ الْجنَّة إِنَّمَا يكون بعد استقرارهم فِي الْجنَّة، وَهَذَا عَام فِي حق كل من يدخلهَا، والْحَدِيث يدل على امتياز هَؤُلَاءِ السَّبْعَة من بَين الْخلق، وَلَا يكون ذَلِك إلَاّ يَوْم الْقِيَامَة يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين، وَدنت مِنْهُم الشَّمْس، ويشتد عَلَيْهِم حرهَا ويأخذهم الْغَرق وَلَا ظلّ هُنَاكَ لشَيْء إِلَّا ظلّ الْعَرْش. قَوْله: (الْأَمَام الْعَادِل) ، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أحد السَّبْعَة: الْأَمَام الْعَادِل. وَالْكَلَام فِيهِ من وُجُوه: الأول: إِن قَوْله: (الْعَادِل) اسْم فَاعل من الْعدْل، وَقَالَ أَبُو عمر: أَكثر رُوَاة (الْمُوَطَّأ) رَوَوْهُ ... عَادل، وَقد رَوَاهُ بَعضهم؛ عدل، وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْد أهل اللُّغَة. يُقَال: رجل عدل. وَرِجَال عدل، وَامْرَأَة عدل. وَيجوز أَمَام عَادل على اسْم الْفَاعِل، يُقَال: عدل فَهُوَ عَادل، كَمَا يُقَال: ضرب فَهُوَ ضَارب. وَقَالَ ابْن الاثير: الْعدْل فِي الأَصْل مصدر سمي بِهِ فَوضع مَوضِع الْعَادِل، وَهُوَ أبلغ مِنْهُ لِأَنَّهُ جعل الْمُسَمّى نَفسه عدلا. الثَّانِي: مَعْنَاهُ: الْوَاضِع كل شَيْء فِي مَوْضِعه. وَقيل: الْمُتَوَسّط بَين طرفِي الإفراط والتفريط، سَوَاء كَانَ فِي العقائد أَو فِي الْأَعْمَال أَو فِي الْأَخْلَاق. وَقيل: الْجَامِع بَين أُمَّهَات كمالات الْإِنْسَان الثَّلَاث، وَهِي: الْحِكْمَة والشجاعة والعفة الَّتِي هِيَ أوساط القوى الثَّلَاث، أَعنِي: الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة والغضبية والشهوانية. وَقيل: الْمُطِيع لأحكام الله تَعَالَى. وَقيل المراعي لحقوق الرّعية وَهُوَ عَام فِي كل من أليه نظر فِي شَيْء من أُمُور الْمُسلمين من الْوُلَاة والحكام. الثَّالِث: قدم الإِمَام الْعَادِل فِي ذكر السَّبْعَة لِكَثْرَة مَصَالِحه وَعُمُوم نَفعه، فالإمام الْعَادِل يصلح الله بِهِ أمورا عَظِيمَة، وَيُقَال: لَيْسَ أحد أقرب منزلَة من الله تَعَالَى بعد الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، من إِمَام عَادل. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. مَا حَكَمَ قوم بِغَيْر حق إلَاّ سلط الله عَلَيْهِم إِمَامًا جائرا. قَوْله: (وشاب) أَي: وَالثَّانِي: من السَّبْعَة شَاب نَشأ فِي عبَادَة ربه، يُقَال: نَشأ الصَّبِي ينشأ نَشأ فَهُوَ ناشيء إِذا كبر وشب. يُقَال: نَشأ وَأَنْشَأَ إِذا خرج وابتدا، وَأَنْشَأَ يفعل كَذَا أَي: ابتدا يفعل، وَفِي رِوَايَة الإِمَام أَحْمد عَن يحيى الْقطَّان: (شَاب نَشأ بِعبَادة الله) ، وَهِي رِوَايَة مُسلم أَيْضا، وَزَاد حَمَّاد بن زيد من عبيد الله بن عمر: (حَتَّى توفّي على ذَلِك) ، أخرجه الجوزقي. وَفِي حَدِيث سلمَان: (أفنى شبابه ونشاطه فِي عبَادَة الله) . فَإِن قلت: لِمَ خص الثَّانِي من السَّبْعَة بالشباب، وَلم يقل: رجل نَشأ؟ قلت: لِأَن الْعِبَادَة فِي الشَّبَاب أَشد وأشق لِكَثْرَة الدَّوَاعِي وَغَلَبَة الشَّهَوَات، وَقُوَّة البواعث على اتِّبَاع الْهوى. قَوْله: (وَرجل قلبه) أَي: الثَّالِث: رجل قلبه مُعَلّق فِي الْمَسَاجِد، بِفَتْح اللَّام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي: بالمساجد، وحروف الْجَرّ بَعْضهَا يقوم مقَام بعض، وَمَعْنَاهُ: شَدِيد الْحبّ لَهَا والملازمة للْجَمَاعَة فِيهَا. قلت: رِوَايَة أَحْمد: (مُعَلّق بالمساجد) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (مُتَعَلق) ، بِزِيَادَة التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعد الْمِيم، وَمَعْنَاهُ: شدَّة تعلق قلبه بالمساجد، وَإِن كَانَ خَارِجا عَنهُ، وَتعلق قلبه بالمساجد كِنَايَة عَن انْتِظَاره أَوْقَات الصَّلَوَات فَلَا يُصَلِّي صَلَاة وَيخرج مِنْهُ إلَاّ وَهُوَ منتظر وَقت صَلَاة أُخْرَى حَتَّى يُصَلِّي فِيهِ، وَهَذَا يسْتَلْزم صلَاته أَيْضا بِالْجَمَاعَة. قَوْله: (ورجلان تحابا) أَي: الرَّابِع: رجلَانِ تحابا، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَصله تحاببا، فَلَمَّا اجْتمع الحرفان المتماثلان أسكن الأول مِنْهُمَا وأدرج فِي الثَّانِي وَهُوَ حد الْإِدْغَام، وَهُوَ من بَاب: التفاعل، وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت: التفاعل هُوَ الْإِظْهَار إِذْ أصل الْفِعْل حَاصِل لَهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ وَلَا يُرِيد حُصُوله نَحْو تجاهلت؟ قلت: قد يَجِيء لغير ذَلِك نَحْو: باعدته فتباعد. انْتهى. قلت: التَّحْقِيق فِي هَذَا أَن: تفَاعل، لمشاركة أَمريْن أَو أَكثر فِي أَصله يَعْنِي فِي مصدر فعله الثلاثي صَرِيحًا، نَحْو: تضارب زيد وَعَمْرو، فَلذَلِك نقص مَفْعُولا عَن فَاعل، وَحَاصِله أَن وضع فَاعل لنسبة الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل مُتَعَلقا بِغَيْرِهِ، مَعَ أَن الْغَيْر فعل مثل ذَلِك وَوضع: تفَاعل، لنسبته إِلَى المشتركين فِي شَيْء من غير قصد إِلَى تعلق لَهُ، فَلذَلِك جَاءَ الأول زَائِدا على الثَّانِي بمفعول أبدا، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك كَانَ الْمقَام يَقْتَضِي أَن يُقَال: ورجلان تحاببا، من بَاب: المفاعلة، لَا من بَاب: التفاعل، ليدل على أَن الْغَيْر فعل مثل مَا فعل هُوَ، وَالْجَوَاب: عَنهُ أَن تفَاعل، قد يَجِيء للمطاوعة وَهِي كَونهَا دَالَّة على معنى حصل عَن تعلق فعل آخر مُتَعَدٍّ كَقَوْلِك: باعدته فتباعد، فقولك: تبَاعد، عبارَة عَن معنى حصل عَن تعلق فعل مُتَعَدٍّ، وَهَهُنَا كَذَلِك، فَإِن تحابا عبارَة عَن معنى حصل عَن تعلق حابب، وَالْجَوَاب الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي غير مُسْتَقِيم، لِأَن معنى ذَلِك هُوَ الدّلَالَة على أَن الْفَاعِل أظهر أَن الْمَعْنى الَّذِي اشتق مِنْهُ: تفَاعل، حصل لَهُ، مَعَ أَنه لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة كَذَلِك. فَمَعْنَى: تجاهل زيد أَنه أظهر الْجَهْل من نَفسه، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَة، وَلَيْسَ الْمَعْنى هَهُنَا أَنه أظهر الْمحبَّة من نَفسه، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَة. فَافْهَم، فَإِنَّهُ مَوضِع دَقِيق. فَإِن قلت: قَالَ: رجلَانِ، فَيكون الْمَذْكُور ثَمَانِيَة لَا سَبْعَة؟

стр. 1428

قلت: مَعْنَاهُ: وَرجل يحب غَيره فِي الله، والمحبة أَمر نسبي فَلَا بُد لَهَا من المنتسبين، فَلذَلِك قَالَ: رجلَانِ. قَوْله: (فِي الله) أَي: لأجل الله لَا لغَرَض دنياوي، وَكلمَة: فِي، قد تَجِيء للسَّبَبِيَّة، كَمَا فِي قَوْله، ﷺ : (فِي النَّفس المؤمنة مائَة إبل) ، أَي: بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة، وَوَقع فِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد: (ورجلان قَالَ كل مِنْهُمَا للْآخر: إِنِّي أحبك فِي الله، فصدرا على ذَلِك) . قَوْله: (اجْتمعَا على ذَلِك) أَي: على الْحبّ فِي الله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (اجْتمعَا عَلَيْهِ) أَي: على الْحبّ الْمَذْكُور، وَكَذَلِكَ الضَّمِير فِي عَلَيْهِ، يَعْنِي: كَانَ سَبَب اجْتِمَاعهمَا حب الله والاستمرار عَلَيْهِ حَتَّى تفَرقا من مجلسهما، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَلَا يحْتَاج إِلَى قَوْله: حَتَّى تفَرقا من مجلسهما، بل الْمَعْنى: أَنَّهُمَا داما على الْمحبَّة الدِّينِيَّة وَلم يقطعاها بِعَارِض دُنْيَوِيّ، سَوَاء اجْتمعَا حَقِيقَة أَو لَا، حَتَّى فرق بَينهمَا الْمَوْت. قَوْله: (وَرجل طلبته) أَي: وَالْخَامِس: رجل طلبته امْرَأَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن يحيى الْقطَّان: (دَعَتْهُ امْرَأَة) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَلمُسلم وللبخاري أَيْضا فِي الْحُدُود: عَن ابْن الْمُبَارك، وَزَاد ابْن الْمُبَارك: (إِلَى نَفسهَا) ، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ فِي (شعب الْإِيمَان) ، من طَرِيق أبي صَالح: عَن أبي هُرَيْرَة: (فعرضت نَفسهَا عَلَيْهِ) ، وَظَاهر الْكَلَام أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَى الْفَاحِشَة، وَبِه جزم الْقُرْطُبِيّ. وَقيل: يحْتَمل أَن تكون طلبته إِلَى التَّزْوِيج بهَا فخاف أَن يشْتَغل عَن الْعِبَادَة بالافتتان بهَا، أَو خَافَ أَن لَا يقوم بِحَقِّهَا لشغله بِالْعبَادَة عَن التكسب بِمَا يَلِيق بهَا، وَالْأول أظهر لوُجُود قَرَائِن عَلَيْهِ. قَوْله: (ذَات منصب) المنصب، بِكَسْر الصَّاد: الْحسب وَالنّسب الشريف. قَالَ الْجَوْهَرِي: المنصب الأَصْل، وَكَذَلِكَ النّصاب، وَإِنَّمَا خصصها بِالذكر لِكَثْرَة الرَّغْبَة فِيهَا وعسر حُصُولهَا، وَهِي طالبة لذَلِك وَقد أغنت عَن مراودته. قَوْله: (فَقَالَ: إِنِّي أَخَاف الله) ، زَاد فِي رِوَايَة كَرِيمَة: (رب الْعَالمين) ، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: يحْتَمل أَن يَقُول ذَلِك بِلِسَانِهِ زجرا لَهَا عَن الْفَاحِشَة، وَيحْتَمل أَن يَقُول بِقَلْبِه لزجر نَفسه. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّمَا يصدر ذَلِك عَن شدَّة الْخَوْف من الله وَالصَّبْر عَنْهَا لخوف الله من أكمل الْمَرَاتِب وَأعظم الطَّاعَات. قَوْله: (وَرجل تصدق) أَي: وَالسَّادِس: رجل تصدق أخْفى، بِلَفْظ الْمَاضِي، وَهُوَ جملَة وَقعت حَالا بِتَقْدِير: قد، ومفعول: أخْفى، مَحْذُوف أَي: أخْفى الصَّدَقَة، وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد: (تصدق فأخفى) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الزَّكَاة: عَن مُسَدّد عَن يحيى (تصدق بِصَدقَة فأخفاها) ، وَمثله لمَالِك فِي (الْمُوَطَّأ) . وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (تصدق إخفاء) ، بِكَسْر الْهمزَة ممدودا على أَنه مصدر مَنْصُوب، على أَنه حَال بِمَعْنى مخفيا. قَوْله: (حَتَّى لَا تعلم) ، بِضَم الْمِيم وَفتحهَا، نَحْو: مرض حَتَّى لَا يرجونه، وسرت حَتَّى تغيب الشَّمْس. قَوْله: (شِمَاله) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل لقَوْله: (لَا تعلم) . قَوْله: (مَا تنْفق يَمِينه) ، جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول، وَإِنَّمَا ذكر الْيَمين وَالشمَال للْمُبَالَغَة فِي الْإخْفَاء والإسرار بِالصَّدَقَةِ، وَضرب الْمثل بهما لقرب الْيَمين من الشمَال ولملازمتهما، وَمَعْنَاهُ: لَو قدرت الشمَال رجلا متيقظا لما علم صَدَقَة الْيَمين لمبالغته فِي الْإخْفَاء. وَقيل: المُرَاد مَنْ على شِمَاله من النَّاس. ثمَّ إعلم أَن أَكثر الرِّوَايَات فِي هَذَا الحَدِيث فِي البُخَارِيّ وَغَيره: (حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه) ، وَوَقع فِي (صَحِيح مُسلم) مقلوبا، وَهُوَ: حَتَّى لَا تعلم يَمِينه مَا تنْفق شِمَاله. وَقَالَ عِيَاض: هَكَذَا فِي جَمِيع النّسخ الَّتِي وصلت إِلَيْنَا من (صَحِيح مُسلم) مقلوبا، وَالصَّوَاب الأول قلت: لِأَن السُّنَّة الْمَعْهُودَة إِعْطَاء الصَّدَقَة بِالْيَمِينِ، وَقد ترْجم عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي الزَّكَاة: بَاب الصَّدَقَة بِالْيَمِينِ، قَالَ: وَيُشبه أَن يكون الْوَهم فِيهِ مِمَّن دون مُسلم، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ الْوَهم فِيهِ مِمَّن دون مُسلم وَلَا مِنْهُ، بل هُوَ من شَيْخه أَو شيخ شَيْخه: يحيى الْقطَّان، وَقد طول الْكَلَام فِيهِ، وَلَا يُنكر الْوَهم من مُسلم وَلَا مِمَّن هُوَ دونه أَو فَوْقه، وَيُمكن أَن يكون هَذَا الْقلب من الْكَاتِب واستمرت الروَاة عَلَيْهِ. قَوْله: (وَرجل) أَي: وَالسَّابِع: رجل ذكر الله خَالِيا، أَي: من الْخلق، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون أبعد من الرِّيَاء، وَقيل: خَالِيا من الِالْتِفَات إِلَى غَيره تَعَالَى، وَلَو كَانَ فِي الْمَلأ، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ (ذكر الله بَين يَدَيْهِ) ، وَيُؤَيّد الأول رِوَايَة ابْن الْمُبَارك وَحَمَّاد بن زيد: (ذكر الله فِي خلاء) ، أَي: فِي مَوضِع خَال، وَقَالَ بَعضهم: (ذكر الله) أَي: بِقَلْبِه من التَّذَكُّر أَو بِلِسَانِهِ من الذّكر قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن الذّكر بِالْقَلْبِ من: الذّكر، بِضَم الذَّال، وباللسان من: الذّكر، بِكَسْر الذَّال، وَأَيْضًا لفظ: ذكر بِلَا قيد، وَلَا يكون مشتقا من التَّذَكُّر، فَمن لَهُ يَد فِي علم التصريف يفهم هَذَا. قَوْله: (فَفَاضَتْ عَيناهُ) ، وَإِنَّمَا أسْند الْفَيْض إِلَى الْعين مَعَ أَن الْعين لَا تفيض، لِأَن الفائض هُوَ الدمع، مُبَالغَة كَأَنَّهَا هِيَ الفائض، وَذَلِكَ كَقَوْلِه: ﴿وَترى أَعينهم تفيض من الدمع﴾ (الْمَائِدَة: ٨٣) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وفيض الْعين بِحَسب حَال الذاكر وبحسب مَا ينْكَشف لَهُ، فَفِي حَال أَوْصَاف الْجلَال يكون الْبكاء من خشيَة الله، وَفِي حَال أَوْصَاف الْجمال يكون الْبكاء من الشوق إِلَيْهِ، وَيشْهد للْأولِ مَا رَوَاهُ الجوزقي من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد: (فَفَاضَتْ عَيناهُ من خشيَة الله) .

стр. 1429

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فَضِيلَة الإِمَام الْعَادِل، وَقد روى مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عمر رَفعه: (إِن المقسطين عِنْد الله على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهليهم وَمَا ولوا) ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَا أَخْفَر قوم الْعَهْد إلَاّ سلط الله عَلَيْهِم الْعَذَاب، وَمَا نقص قوم الميكال إلَاّ منعُوا الْقطر، وَلَا كثر الرب فِي قوم إلَاّ سلط الله عَلَيْهِم الوباء، وَمَا حكم قوم بِغَيْر حق إلَاّ سلط عَلَيْهِم إِمَام جَائِر) . فالإمام الْعَادِل يصلح الله بِهِ. وَفِيه: فَضِيلَة الشَّاب الَّذِي نَشأ فِي عبَادَة ربه، وَفِي الحَدِيث: (تعجب رَبك من شَاب لَيست لَهُ ضبوة) . وَفِيه: فضل من سلم من الذُّنُوب واشتغل بِطَاعَة ربه طول عمره، وَقد يحْتَج بِهِ من قَالَ: إِن الْملك أفضل من الْبشر لأَنهم: ﴿يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٢٠) . وَقيل لِابْنِ عَبَّاس: رجل كثير الصَّلَاة كثير الْقيام يقارف بعض الْأَشْيَاء، وَرجل يُصَلِّي الْمَكْتُوبَة ويصوم مَعَ السَّلامَة. قَالَ: لَا أعدل بالسلامة شَيْئا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إلَاّ اللمم﴾ (النَّجْم: ٣٢) . وَفِيه: فَضِيلَة من يلازم الْمَسْجِد للصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة، لِأَن الْمَسْجِد بَيت الله وَبَيت كل تَقِيّ، وحقيق على المزور إكرام الزائر، فَكيف بأكرام الكرماء؟ وَفِيه: فَضِيلَة التحاب فِي الله تَعَالَى، فَإِن الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله من الْإِيمَان، وَعند مَالك من الْفَرَائِض، وروى ابْن مَسْعُود والبراء بن عَازِب مَرْفُوعا: إِن ذَلِك من أوثق عرى الْإِيمَان، وروى ثَابت عَن أنس رَفعه: (مَا تحاب رجلَانِ فِي الله إلَاّ كَانَ أفضلهما أشدهما حبا لصَاحبه) ، وروى أَبُو رزين، قَالَ: (قَالَ لي النَّبِي ﷺ : يَا أَبَا رزين إِذا خلوت حرك لسَانك بِذكر الله، وَحب فِي الله وَأبْغض فِي الله، فَإِن الْمُسلم إِذا زار فِي الله شيعه سَبْعُونَ ألف ملك يَقُولُونَ: أللهم وَصله فِيك فَصله وَمن فضل المتحابين فِي الله أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا دَعَا لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب أَمن الْملك على دُعَائِهِ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعا. وَفِيه: فَضِيلَة من يخَاف الله قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى﴾ (النازعات: ٤٠، ٤١) . وَقَالَ: ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ (الرَّحْمَن: ٤٦) . وروى أَبُو معمر عَن سَلمَة بن نبيط عَن عبيد بن أبي الْجَعْد عَن كَعْب الْأَحْبَار، قَالَ: إِن فِي الْجنَّة، لدارا، درة فَوق درة، ولؤلؤة فَوق لؤلؤة، فِيهَا سَبْعُونَ ألف قصر، فِي كل قصر سَبْعُونَ ألف دَار، فِي كل دَار سَبْعُونَ ألف بَيت، لَا ينزلها إلَاّ نَبِي أَو صديق أَو شَهِيد أَو مُحكم فِي نَفسه أَو إِمَام عَادل. قَالَ سَلمَة: فَسَأَلت عبيدا عَن: الْمُحكم فِي نَفسه: قَالَ: هُوَ الرجل يطْلب الْحَرَام من النِّسَاء أَو من المَال فيتعرض لَهُ، فَإِذا ظفر بِهِ تَركه مَخَافَة الله تَعَالَى، فَذَلِك الْمُحكم فِي نَفسه. وَفِيه: فَضِيلَة المخفي صدقته ومصداق هَذَا الحَدِيث فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء فَهُوَ خير لكم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧١) . وَقَالَت الْعلمَاء: هَذَا فِي صَدَقَة التَّطَوُّع، فالسر فِيهَا أفضل لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْإِخْلَاص، وَأبْعد من الرِّيَاء. وَأما الوجبة فإعلانها أفضل ليقتدي بِهِ فِي ذَلِك. وَيظْهر دعائم الْإِسْلَام، وَهَكَذَا حكم الصَّوْم فإعلان فرائضها أفضل. وَاخْتلف فِي السّنَن: كالوتر وركعتي الْفجْر، هَل إعلانهما أفضل أم كتمانهما؟ حَكَاهُ ابْن التِّين، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَقد سمعنَا من بعض الْمَشَايِخ: إِن ذَلِك الْإخْفَاء أَن يتَصَدَّق على الضَّعِيف فِي صُورَة الْمُشْتَرى مِنْهُ، فيدفه لَهُ مثلا درهما فِي شَيْء يُسَاوِي نصف دِرْهَم، فالصورة مبايعة والحقيقة صَدَقَة، وَهُوَ اعْتِبَار حسن قيل: إِن أَرَادَ أَن المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث هَذِه الصُّورَة خَاصَّة، فَفِيهِ نظر. وَإِن أَرَادَ أَن هَذَا أَيْضا من صُورَة الصَّدَقَة المخفية فَمُسلم، وَفِي (مُسْند أَحْمد) ﵀، من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِإِسْنَاد حسن مَرْفُوعا: (إِن الْمَلَائِكَة قَالَت: يَا رب! هَل من خلقك شَيْء أَشد من الْجبَال؟ قَالَ: نعم، الْحَدِيد. قَالَت: فَهَل أَشد من الْحَدِيد؟ قَالَ: نعم، النَّار، قَالَت: فَهَل أَشد من النَّار؟ قَالَ: نعم، المَاء. قَالَت: فَهَل أَشد من المَاء؟ قَالَ: نعم، الرّيح. قَالَت: فَهَل أَشد من الرّيح؟ قَالَ: نعم، ابْن آدم، يتَصَدَّق بِيَمِينِهِ فيخفيها عَن شِمَاله) . وَفِيه: فَضِيلَة ذكر الله فِي الخلوات مَعَ فيضان الدمع من عَيْنَيْهِ، وروى أَبُو هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (لَا يلج النَّار أحد بَكَى من خشيَة الله حَتَّى يعود اللَّبن فِي الضَّرع) . وروى أَبُو عمرَان: (عَن أبي الْخلد، قَالَ: قَرَأت فِي مَسْأَلَة دَاوُد، ﵊، ربه تَعَالَى: إلهي مَا جَزَاء من بَكَى من خشيتك حَتَّى تسيل دُمُوعه على وَجهه؟ قَالَ: أسلم وَجهه من لفح النَّار) . وروى الْحَاكِم من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: (من ذكر الله فَفَاضَتْ عَيناهُ من خشيَة الله حَتَّى يُصِيب الأَرْض من دُمُوعه لم يعذب يَوْم الْقِيَامَة) . ٦٦١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ سُئِلَ أنَسٌ هِلِ اتَّخَذَ رسولُ الله ﷺ خاتَما فَقَالَ نَعَمْ أخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ

стр. 1430

بَعْدَ مَا صَلَّى فقالَ صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا قَالَ فَكَأنِّي أنْظُرُ إلَى وَبِيصِ خاتَمِهِ. مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (من جلس فِي الْمَسْجِد ينْتَظر الصَّلَاة) ، وَفِي الحَدِيث هُوَ قَوْله: (وَلم تزالوا فِي صَلَاة مُنْذُ انتظرتموها) . وَرِجَاله: قُتَيْبَة بن سعيد، وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَحميد هُوَ الطَّوِيل. وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي: بَاب وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل، عَن عبد الرَّحِيم الْمحَاربي عَن زَائِدَة عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس قَالَ: (أخر النَّبِي ﷺ صَلَاة الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل ثمَّ صلى، ثمَّ قَالَ: قد صلوا النَّاس وناموا، أما إِنَّكُم فِي صَلَاة مَا انتظرتموها) . وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (إِلَى شطر اللَّيْل) أَي: نصفه، على مَا صرح بِهِ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (وبيص خَاتمه) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالصاد الْمُهْملَة، وَهُوَ: بريق الْخَاتم ولمعانه. ٣٧ - (بابُ فَضْل منْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ ومنْ راحَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من يخرج إِلَى الْمَسْجِد، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (من خرج) ، بِلَفْظ الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب فضل من غَدا إِلَى الْمَسْجِد، مُوَافقا للفظ الحَدِيث. وَقَالَ ابْن سَيّده: الغدوة: البكرة علم للْوَقْت، والغداة كالغدوة وَجَمعهَا غدوات. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: غدية لُغَة فِي غدْوَة، كضحية لُغَة فِي ضحوة. والغد وَجمع غَدَاة نادرة، وَغدا عَلَيْهِ غدوا وغدوا، واغتدى: بكر، وغاداه: باكره. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الغدوة إسم سمي بِهِ الْوَقْت فَجعل معرفَة لذَلِك وَصَارَ إسما لشَيْء بِعَيْنِه. وَقَالَ الْخَلِيل: الغدو الْجمع مثل الغدوات، وَجمع غدْوَة غداو، وَفِي (الصِّحَاح) : الغدوة مَا بَين صَلَاة الْغَدَاة وَبَين طُلُوع الشَّمْس، والغدو نقيض الرواح، وَزعم ابْن قرقول أَنه قد اسْتعْمل الغدوة والرواح فِي جَمِيع النَّهَار. وَفِي (الْمُحكم) : الرواح: الْعشي. وَقيل: من لدن زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل، ورحنا رواحا وتروَّحنا: سرنا فِي ذَلِك الْوَقْت، أَو: عَملنَا. وَفِي (الصِّحَاح) : الرواح نقيض الصَّباح، وَهُوَ اسْم للْوَقْت. وَيُقَال: الغدو: السّير فِي أول النَّهَار إِلَى زَوَال الشَّمْس، والرواح من الزَّوَال إِلَى آخر النَّهَار، وَيُقَال: غَدا: خرج مبكرا، وَرَاح: رَجَعَ. وَقد يستعملان فِي الْخُرُوج وَالرُّجُوع مُطلقًا توسعا. ٦٦٢ - حدَّثنا عليُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ قَالَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ مُطَرِّفٍ عنْ زَيْدٍ بنِ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ منْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ ورَاحَ أعَدَّ الله لَهُ نُزُلاً منَ الجَنَّةِ كُلَّما غَدَا أَو راحَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر أَبُو الْحسن، يُقَال لَهُ: ابْن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّانِي: يزِيد بن هَارُون بن زَاذَان الوَاسِطِيّ، تقدم. الثَّالِث: مُحَمَّد بن الْمطرف، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء وَكسر الرَّاء وبالفاء: أَبُو غَسَّان اللَّيْثِيّ الْمدنِي. الرَّابِع: زيد بن أسلم، بِلَفْظ الْمَاضِي، مولى عمر بن الْخطاب الْمدنِي. الْخَامِس: عَطاء ابْن يسَار، ضد الْيَمين. أَبُو مُحَمَّد الْهِلَالِي، مولى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي، ﷺ ، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي ومدني. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (أعد) من الإعداد وَهُوَ التهيئة. قَوْله: (نزلا) ، بِضَم النُّون وَسُكُون الزَّاي وَضمّهَا وَهِي: مَا يهيأ من الْأَشْيَاء للقادم، وَنزلا بالتنكير رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: نزله، بِالْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَابْن خُزَيْمَة وَأحمد مثل رِوَايَة الْكشميهني. قَوْله: (كلما غَدا أَو رَاح) أَي: بِكُل غدْوَة وروحة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي بعض الرِّوَايَات: وَرَاح، بواو الْعَطف، وَالْفرق بَين الرِّوَايَتَيْنِ أَنه على: الْوَاو، لَا بُد لَهُ من الْأَمريْنِ حَتَّى يعد لَهُ

стр. 1431

النزل، وعَلى كلمة: أَو، يَكْفِي أَحدهمَا فِي الإعداد. وَقَالَ بَعضهم: الغدو والرواح فِي الحَدِيث كالبكرة والعشي. فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم رزقهم فِيهَا بكرَة وعشيا﴾ (مَرْيَم: ٦٢) . يُرَاد بهَا: الديمومة، لَا الوقتان المعينان. وَالله تَعَالَى أعلم. ٣٨ - (بابٌ إذَا أُقِيمَتِ الصلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَاّ المَكْتُوبَةُ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا أُقِيمَت ... إِلَى آخِره، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا لفظ حَدِيث أخرجه مُسلم فِي: كتاب الصَّلَاة، من طرق كَثِيرَة عَن عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن عبد الله بن الحكم. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بشر بن خلف. فَإِن قلت: مَا كَانَ الْمَانِع للْبُخَارِيّ جعل هَذَا تَرْجَمَة وَلم يُخرجهُ؟ قلت: اخْتلف هَذَا على عَمْرو بن دِينَار فِي رَفعه وَوَقفه، فَلذَلِك لم يُخرجهُ، وَلَكِن الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي الْبَاب يُغني عَن ذَلِك، كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٥٥ - (حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن عبد الله قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن حَفْص بن عَاصِم عَن عبد الله بن مَالك بن بُحَيْنَة قَالَ مر النَّبِي ﷺ َ - بِرَجُل. قَالَ وحَدثني عبد الرَّحْمَن قَالَ حَدثنَا بهز بن أَسد قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ أَخْبرنِي سعد بن إِبْرَاهِيم قَالَ سَمِعت حَفْص بن عَاصِم قَالَ سَمِعت رجلا من الأزد يُقَال لَهُ مَالك بن بُحَيْنَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - رأى رجلا وَقد أُقِيمَت الصَّلَاة يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرف رَسُول الله ﷺ َ - لاث بِهِ النَّاس فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ َ - آلصبح أَرْبعا آلصبح أَرْبعا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " آلصبح أَرْبعا " حَيْثُ أنكر ﷺ َ - على الرجل الَّذِي كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بعد أَن أُقِيمَت صَلَاة الصُّبْح فَقَالَ " آلصبح أَرْبعا " أَي الصُّبْح تصلى أَرْبعا لِأَنَّهُ إِذا صلى رَكْعَتَيْنِ بعد أَن أُقِيمَت الصَّلَاة ثمَّ يُصَلِّي مَعَ الإِمَام رَكْعَتَيْنِ صَلَاة الصُّبْح فَيكون فِي معنى من صلى الصُّبْح أَرْبعا فَدلَّ هَذَا على أَن لَا صَلَاة بعد الْإِقَامَة إِلَّا الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة (فَإِن قلت) حَدِيث التَّرْجَمَة أَعم لِأَنَّهُ يَشْمَل سَائِر الصَّلَوَات وَحَدِيث الْبَاب فِي صَلَاة الصُّبْح (قلت) كِلَاهُمَا فِي الْمَعْنى وَاحِد لِأَن الحكم فِي الْإِنْكَار فِيهِ أَن يتفرغ الْمُصَلِّي للفريضة من أَولهَا حَتَّى لَا تفوته فَضِيلَة الْإِحْرَام مَعَ الإِمَام فَهَذَا يعم الْكل فِي الْحَقِيقَة وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن تكون اللَّام فِي حَدِيث التَّرْجَمَة عهدية فيتفقان (قلت) لَا حَاجَة إِلَى ذكر الِاحْتِمَال لِأَن الأَصْل فِي اللَّام أَن تكون للْعهد فِي الأَصْل فحين قَالَ ﷺ َ - " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة " لَا نزاع أَنه كَانَ ذَلِك فِي وَقت صَلَاة من الصَّلَوَات (ذكر رِجَاله) وهم تِسْعَة. الأول عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأوسي الْمدنِي. الثَّانِي إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو اسحق الزُّهْرِيّ الْمدنِي. الثَّالِث أَبوهُ سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الرَّابِع حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب. الْخَامِس عبد الله بن مَالك بن بُحَيْنَة وبحينة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَفِي آخِره هَاء وَهِي بنت الْحَارِث بن عبد الْمطلب بن عبد منَاف وَهُوَ اسْم أم عبد الله وَقَالَ أَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي بُحَيْنَة أم أَبِيه مَالك ابْن القشب بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَهُوَ لقب واسْمه جُنْدُب بن نَضْلَة بن عبد الله بن رَافع الْأَزْدِيّ وَقَالَ ابْن سعد بُحَيْنَة عَبدة بنت الْحَارِث لَهَا صُحْبَة وَقَالَ قدم مَالك بن القشب مَكَّة فِي الْجَاهِلِيَّة فحالف بني الْمطلب بن عبد منَاف وَتزَوج بُحَيْنَة بنت الْحَارِث بن الْمطلب وَأدْركت بُحَيْنَة الْإِسْلَام فَأسْلمت وصحبت وَأسلم ابْنهَا عبد الله قَدِيما وَحكى ابْن عبد الْبر خلافًا لبحينة هَل هِيَ أم عبد الله أَو أم مَالك وَالصَّوَاب أَنَّهَا أم عبد الله كَمَا قُلْنَا. السَّادِس عبد الرَّحْمَن بن بشر بن الحكم بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي مَاتَ فِي سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ. السَّابِع بهز بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء وَفِي

стр. 1432

آخِره زَاي بن أَسد الْعمي أَبُو الْأسود الْبَصْرِيّ. الثَّامِن شُعْبَة بن الْحجَّاج. التَّاسِع مَالك بن بُحَيْنَة قَالَ ابْن الْأَثِير لَهُ صُحْبَة وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَجْرِيد الصَّحَابَة مَالك بن بُحَيْنَة وَالِد عبد الله ورد عَنهُ حَدِيث وَصَوَابه لعبد الله وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمته مَالك بن بُحَيْنَة عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنَّهَا وهم وَقَالَ ابْن معِين عبد الله هُوَ الَّذِي روى عَن النَّبِي ﷺ َ - وَلَيْسَ يروي أَبوهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - شَيْئا نَقله عَنهُ الغسائي (ذكر لطائف إِسْنَاده) هُنَا إسنادان الأول عَن عبد الْعَزِيز عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن حَفْص بن عَاصِم عَن عَمْرو بن مَالك. الْإِسْنَاد الثَّانِي عَن عبد الرَّحْمَن عَن بهز عَن شُعْبَة عَن سعد عَن حَفْص عَن مَالك بن بُحَيْنَة هَكَذَا يَقُول شُعْبَة فِي هَذَا الصَّحَابِيّ وَتَابعه على ذَلِك أَبُو عوَانَة وَحَمَّاد بن سَلمَة وَحكم الْحفاظ يحيى بن معِين وَأحمد وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ والإسماعيلي وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو مَسْعُود وَآخَرُونَ عَلَيْهِم بالوهم فِي موضِعين أَحدهمَا أَن بُحَيْنَة وَالِدَة عبد الله لَا وَالِدَة مَالك. والآخران الصُّحْبَة وَالرِّوَايَة لعبد الله لَا لمَالِك وجنح الدَّاودِيّ إِلَى أَن مَالِكًا لَهُ صُحْبَة حَيْثُ قَالَ وَهَذَا الِاخْتِلَاف لَا يضر فَأَي الرجلَيْن كَانَ فَهُوَ صَاحب (فَإِن قلت) لم لم يسق البُخَارِيّ لفظ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد وتحول إِلَى رِوَايَة شُعْبَة (قلت) كَأَنَّهُ أوهم أَنَّهُمَا متوافقتان وَلَيْسَ كَذَلِك وَقد سَاق مُسلم رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد بالسند الْمَذْكُور وَلَفظه " مر بِرَجُل يُصَلِّي وَقد أُقِيمَت صَلَاة الصُّبْح فكلمة بِشَيْء لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَلَمَّا انصرفنا أحطنا نقُول مَاذَا قَالَ لَك رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ قَالَ لي يُوشك أحدكُم أَن يُصَلِّي الصُّبْح أَرْبعا " فَفِي هَذَا السِّيَاق مُخَالفَة لسياق شُعْبَة فِي كَونه ﷺ َ - كلم الرجل وَهُوَ يُصَلِّي وَرِوَايَة شُعْبَة تَقْتَضِي أَنه كَلمه بَعْدَمَا فرغ (قلت) يُمكن الْجمع بَينهمَا أَنه كَلمه أَولا سرا وَلِهَذَا احتاجوا أَن يسألوه ثمَّ كَلمه ثَانِيًا جَهرا فسمعوه وَفَائِدَة التّكْرَار تَقْرِير الْإِنْكَار وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه السماع فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي سَبْعَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين نيسابوري وبصري ومدني وواسطي وَفِيه أَن شَيْخه عبد الْعَزِيز من أَفْرَاده وَفِيه اثْنَان من الصَّحَابَة على قَول من يَقُول مَالك بن بُحَيْنَة من الصَّحَابَة وَفِيه اثْنَان من التَّابِعين أَحدهمَا سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف كَانَ من أجلة التَّابِعين وَالْآخر حَفْص بن عَاصِم (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه وَعَن قُتَيْبَة عَن أبي عوَانَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن حَفْص بن عَاصِم عَن ابْن بُحَيْنَة بِهِ قَالَ وَقَوله عَن أَبِيه خطأ بُحَيْنَة هِيَ أم عبد الله قَالَ أَبُو مَسْعُود وَهَذَا يخطيء فِيهِ القعْنبِي بقوله عَن أَبِيه وَأسْقط مُسلم من أَوله عَن أَبِيه ثمَّ قَالَ فِي عقبه وَقَالَ القعْنبِي عَن أَبِيه وَأهل الْعرَاق مِنْهُم شُعْبَة وَحَمَّاد بن سَلمَة وَأَبُو عوَانَة يَقُولُونَ عَن سعد عَن حَفْص عَن مَالك بن بُحَيْنَة وَأهل الْحجاز قَالُوا فِي نِسْبَة عبد الله بن مَالك بن بُحَيْنَة وَهُوَ الْأَصَح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن مَحْمُود بن غيلَان عَن وهب بن جرير عَن شُعْبَة بِإِسْنَاد نَحوه وَقَالَ هَذَا خطأ وَالصَّوَاب عبد الله بن بُحَيْنَة وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " من الأزد " بِسُكُون الزَّاي وَيُقَال لَهُ الْأسد أَيْضا وهم أَزْد شنُوءَة وبالسين رِوَايَة الْأصيلِيّ قَوْله " رأى رجلا " هُوَ عبد الله الرَّاوِي كَمَا رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان عَنهُ " أَن النَّبِي ﷺ َ - مر بِهِ وَهُوَ يُصَلِّي " وَفِي رِوَايَة " خرج وَابْن القشب يُصَلِّي " وَأخرج ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَغَيرهم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ " كنت أُصَلِّي وَأخذ الْمُؤَذّن بِالْإِقَامَةِ فجذبني النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ أَتُصَلِّي الصُّبْح أَرْبعا " (فَإِن قلت) يحْتَمل أَن يكون الرجل هُوَ ابْن عَبَّاس (قلت) لَا بل هما قضيتان قَوْله " وَقد أُقِيمَت " هُوَ ملتقى الإسنادين وَالْقدر الْمُشْتَرك بَين الطَّرِيقَيْنِ إِذْ تَقْدِيره مر النَّبِي ﷺ َ - بِرَجُل وَقد أُقِيمَت وَمَعْنَاهُ وَقد نُودي للصَّلَاة بالألفاظ الْمَخْصُوصَة قَوْله " فَلَمَّا انْصَرف " أَي من الصَّلَاة قَوْله " لاث بِهِ النَّاس " بالثاء الْمُثَلَّثَة الْخَفِيفَة أَي دَار وأحاط وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة أصل اللوث الطي وَيُقَال لاث عمَامَته أَي أدارها وَيُقَال فلَان يلوث بِي أَي يلوذ بِي وَالْمَقْصُود أَن النَّاس أحاطوا بِهِ والتفوا حوله وَالضَّمِير فِي بِهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَلَكِن طَرِيق إِبْرَاهِيم بن سعد الْمُتَقَدّمَة تَقْتَضِي أَنه يرجع إِلَى الرجل قَوْله " آلصبح أَرْبعا " بِهَمْزَة ممدودة فِي أَوله وَيجوز قصرهَا وَهُوَ اسْتِفْهَام للإنكار التوبيخي وَالصُّبْح مَنْصُوب بإضمار فعل

стр. 1433

مُقَدّر تَقْدِيره أَتُصَلِّي الصُّبْح وَقَالَ الْكرْمَانِي وَيجوز الصُّبْح بِالرَّفْع أَي الصُّبْح تصلى أَرْبعا (قلت) يكون الصُّبْح على هَذَا التَّقْدِير مُبْتَدأ وَقَوله تصلي أَرْبعا جملَة وَقعت خَبرا وَالضَّمِير مَحْذُوف لِأَن تَقْدِيره تصليه أَرْبعا وَالضَّمِير الَّذِي يَقع مَفْعُولا حذفه شَائِع ذائع وانتصاب أَرْبعا على الْحَال قَالَه ابْن مَالك وَقَالَ الْكرْمَانِي على الْبَدَلِيَّة (قلت) يكون بدل الْكل من الْكل لِأَن الصُّبْح صَار فِي معنى الْأَرْبَع وَيجوز أَن يكون بدل الْكل من الْبَعْض لِأَن الْأَرْبَع ضعف صَلَاة الصُّبْح وَيجوز أَن يكون بدل الاشتمال لِأَن الَّذِي صلاهَا الرجل أَربع رَكْعَات فِي الْمَعْنى (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) وَهُوَ على وُجُوه. الأول اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن دخل الْمَسْجِد لصَلَاة الصُّبْح فأقيمت الصَّلَاة هَل يُصَلِّي رَكْعَتي الْفجْر أم لَا فَكرِهت طَائِفَة أَن يرْكَع رَكْعَتي الْفجْر فِي الْمَسْجِد وَالْإِمَام فِي صَلَاة الْفجْر محتجين بِهَذَا الحَدِيث وروى ذَلِك عَن ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَسَعِيد بن جُبَير وَعُرْوَة وَابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم وَعَطَاء وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَقَالَت طَائِفَة لَا بَأْس أَن يُصَلِّيهمَا خَارج الْمَسْجِد إِذا تَيَقّن أَنه يدْرك الرَّكْعَة الْأَخِيرَة مَعَ الإِمَام وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَالْأَوْزَاعِيّ إِلَّا أَن الْأَوْزَاعِيّ أجَاز أَن يركعهما فِي الْمَسْجِد وَقَالَ الثَّوْريّ إِن خشِي فَوت رَكْعَة دخل مَعَه وَلم يصلهمَا وَإِلَّا صلاهما فِي الْمَسْجِد وَقَالَ صَاحب الْهِدَايَة وَمن انْتهى إِلَى الإِمَام فِي صَلَاة الْفجْر وَهُوَ لم يصل رَكْعَتي الْفجْر إِن خشِي أَن تفوته رَكْعَة يَعْنِي من صَلَاة الْفجْر لاشتغاله بِالسنةِ وَيدْرك الرَّكْعَة الْأُخْرَى وَهِي الثَّانِيَة يُصَلِّي رَكْعَتي الْفجْر عِنْد بَاب الْمَسْجِد ثمَّ يدْخل الْمَسْجِد لِأَنَّهُ أمكنه الْجمع بَين الفضيلتين يَعْنِي فَضِيلَة السّنة وفضيلة الْجَمَاعَة وَإِنَّمَا قيد بقوله عِنْد بَاب الْمَسْجِد لِأَنَّهُ لَو صلاهما فِي الْمَسْجِد كَانَ متنفلا فِيهِ مَعَ اشْتِغَال الإِمَام بِالْفَرْضِ وَإنَّهُ مَكْرُوه لقَوْله ﷺ َ - " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة " وخصت سنة الْفجْر بقوله ﷺ َ - " لَا تدعوهما وَإِن طردتكم الْخَيل " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أبي هُرَيْرَة هَذَا إِذا كَانَ عِنْد بَاب الْمَسْجِد مَوضِع لذَلِك وَإِن لم يكن يُصَلِّيهمَا فِي الْمَسْجِد خلف سَارِيَة من سواريه خلف الصُّفُوف وَذكر فَخر الْإِسْلَام وأشدها كَرَاهَة أَن يُصَلِّي مخالطا للصف مُخَالفا للْجَمَاعَة وَالَّذِي يَلِي ذَلِك خلف الصَّفّ من غير حَائِل بَينه وَبَين الصَّفّ وَفِي الذَّخِيرَة السّنة فِي سنة الْفجْر يَعْنِي رَكْعَتي الْفجْر أَن يَأْتِي بهما فِي بَيته فَإِن لم يفعل فَعِنْدَ بَاب الْمَسْجِد إِذا كَانَ الإِمَام يُصَلِّي فِيهِ فَإِن لم يُمكنهُ فَفِي الْمَسْجِد الْخَارِج إِذا كَانَ الإِمَام فِي الْمَسْجِد الدَّاخِل وَفِي الدَّاخِل إِذا كَانَ الإِمَام فِي الْخَارِج وَفِي الْمُحِيط وَقيل يكره ذَلِك كُله لِأَن ذَلِك بِمَنْزِلَة مَسْجِد وَاحِد وَعند الظَّاهِرِيَّة أَنه يقطع الصَّلَاة إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة وَفِي الْجلاب يُصَلِّيهمَا وَإِن فَاتَتْهُ الصَّلَاة مَعَ الإِمَام إِذا كَانَ الْوَقْت وَاسِعًا وَاسْتدلَّ من كره صلاتهما بِحَدِيث الْبَاب وَبِمَا فِي مُسلم من حَدِيث عبد الله بن سرجس " جَاءَ رجل وَالنَّبِيّ ﷺ َ - يُصَلِّي الصُّبْح فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ دخل مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي الصَّلَاة فَلَمَّا انْصَرف قَالَ لَهُ يَا فلَان أَيَّتهمَا صَلَاتك الَّتِي صليتها وَحدك أَو الَّتِي صليت مَعنا " وَبِمَا ذكره ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ " كنت أُصَلِّي " الحَدِيث وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَعند ابْن خُزَيْمَة عَن أنس " خرج النَّبِي ﷺ َ - حِين أُقِيمَت الصَّلَاة فَرَأى نَاسا يصلونَ رَكْعَتَيْنِ بالعجلة فَقَالَ صلاتان مَعًا فَنهى أَن تصليا فِي الْمَسْجِد إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة (فَإِن قلت) قد روى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يُصَلِّي عِنْد الْإِقَامَة فِي بَيت مَيْمُونَة (قلت) هَذَا الحَدِيث وهاه ابْن الْقطَّان وَغَيره فِي كتاب الصَّلَاة للدكيني عَن سُوَيْد بن غَفلَة كَانَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يضْرب على الصَّلَاة قبل الْإِقَامَة وَرَأى ابْن جُبَير رجلا يُصَلِّي حِين أُقِيمَت الصَّلَاة فَقَالَ لَيست هَذِه سَاعَة صَلَاة وَعَن صَفْوَان بن موهب أَنه سمع مُسلم بن عقيل يَقُول للنَّاس وهم يصلونَ وَقد أُقِيمَت الصَّلَاة وَيْلكُمْ إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة وَعند الْبَيْهَقِيّ رأى ابْن عمر رجلا يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ والمؤذن يُقيم فَحَصَبه وَقَالَ أَتُصَلِّي الصُّبْح أَرْبعا وَذكر أَبُو أُميَّة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الطرسوسي فِي كِتَابه مُسْند ابْن عمر رَفعه من حَدِيث قدامَة بن مُوسَى عَن رجل من بني حَنْظَلَة عَن أبي عَلْقَمَة عَن يسَار بن نمير مولى ابْن عمر قَالَ " رَآنِي ابْن عمر وَأَنا أُصَلِّي الْفجْر فَقَالَ يَا يسَار إِن النَّبِي ﷺ َ - خرج علينا وَنحن نصلي هَذِه الصَّلَاة فتغيظ علينا وَقَالَ ليبلغ شاهدكم غائبكم لَا صَلَاة بعد الْفجْر إِلَّا رَكْعَتَيْنِ " وَذكر ابْن حزم نَحوه عَن ابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم وَعند أبي نعيم الْفضل عَن طَاوس " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة وَأَنت فِي الصَّلَاة فدعها " وَعند عبد الرَّزَّاق

стр. 1434

قَالَ سعيد بن جُبَير " إقطع صَلَاتك عِنْد الْإِقَامَة " وَعند ابْن أبي شيبَة قَالَ سُفْيَان كَانَ قيس بن أبي حَازِم يأمنا فَأَقَامَ الْمُؤَذّن الصَّلَاة وَقد صلى رَكْعَة فَتَركهَا ثمَّ تقدم فصلى بِنَا وَكَذَا قَالَه الشّعبِيّ وَاسْتدلَّ من أجَاز ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ وَبِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق حجاج بن نصير عَن عباد بن كثير عَن لَيْث عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر " قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذِه الزِّيَادَة لَا أصل لَهَا وحجاج وَعباد ضعيفان (قلت) قَالَ يَعْقُوب بن شيبَة سَأَلت ابْن معِين عَن حجاج بن نصير الفساطيطي الْبَصْرِيّ فَقَالَ صَدُوق وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَعباد بن كثير كَانَ من الصَّالِحين وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه دخل الْمَسْجِد وَقد أُقِيمَت صَلَاة الصُّبْح فَرَكَعَ رَكْعَتي الْفجْر إِلَى أسطوانة بِمحضر حُذَيْفَة وَأبي مُوسَى قَالَ ابْن بطال وروى مثله عَن عمر بن الْخطاب وَأبي الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَعَن ابْن عمر أَنه أَتَى الْمَسْجِد لصَلَاة الصُّبْح فَوجدَ الإِمَام يُصَلِّي فَدخل بَيت حَفْصَة فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ دخل فِي صَلَاة الإِمَام وَعند ابْن أبي شيبَة عَن إِبْرَاهِيم كَانَ يَقُول إِن بَقِي من صَلَاتك شَيْء فأتممه وَعنهُ إِذا افتتحت الصَّلَاة تَطَوّعا وأقيمت الصَّلَاة فَأَتمَّ الثَّانِي من الْوُجُوه فِي حِكْمَة إِنْكَار النَّبِي ﷺ َ - الصَّلَاة عِنْد إِقَامَة الْفَرْض فَقَالَ عِيَاض لِئَلَّا يَتَطَاوَل الزَّمَان فيظن وُجُوبهَا وَيُؤَيِّدهُ قَوْله ﷺ َ - فِيمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن سعد " يُوشك أحدكُم أَن يُصَلِّي الصُّبْح أَرْبعا " وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب وعَلى هَذَا إِذا حصل الْأَمْن لَا يكره ذَلِك وَقَالَ بَعضهم وَهُوَ متعقب بِعُمُوم حَدِيث التَّرْجَمَة (قلت) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ يخص هَذَا الْعَام مَعَ مَا روى عَن هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة الْمَذْكُورين آنِفا وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا وَقيل لِئَلَّا تَلْتَبِس صَلَاة الْفَرْض بالنفل وَإِلَى هَذَا جنح الطَّحَاوِيّ وَاحْتج لَهُ وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَو كَانَ خَارج الْمَسْجِد أَو فِي زَاوِيَة مِنْهُ لم يكره وَهُوَ متعقب أَيْضا بِمَا ذكر انْتهى (قلت) دَعْوَاهُ التعقب متعقبة لِأَن الأَصْل فِي النُّصُوص التَّعْلِيل وَهُوَ وَجه الْحِكْمَة فالعلة فِي حَدِيث التَّرْجَمَة هِيَ كَونه جَامعا بَين الْفَرْض وَالنَّفْل فِي مَكَان وَاحِد فَإِذا صلى خَارج الْمَسْجِد أَو فِي زَاوِيَة مِنْهُ لَا يلْزم ذَلِك وَهُوَ كنهيه ﷺ َ - من صلى الْجُمُعَة أَن يُصَلِّي بعْدهَا تَطَوّعا فِي مَكَان وَاحِد كَمَا نهى من صلى الْجُمُعَة أَن يتَكَلَّم أَو يتَقَدَّم وَقَالَ هَذَا الْقَائِل هَذَا أَيْضا وَذهب بَعضهم إِلَى أَن سَبَب الْإِنْكَار عدم الْفَصْل بَين الْفَرْض وَالنَّفْل لِئَلَّا يلتبسا وَإِلَى هَذَا جنح الطَّحَاوِيّ وَاحْتج لَهُ بالأحاديث الْوَارِدَة بِالْأَمر بذلك وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَو كَانَ فِي زَاوِيَة من الْمَسْجِد لم يكره وَهُوَ متعقب بِمَا ذكره. إِذْ لَو كَانَ المُرَاد مُجَرّد الْفَصْل بَين الْفَرْض وَالنَّفْل لم يحصل إِنْكَار أصلا لِأَن ابْن بُحَيْنَة سلم من صلَاته قطعا ثمَّ دخل فِي الْفَرْض انْتهى (قلت) ذكر شَيْئا لَا يجدي لرده مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ فَلَو نقل مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا لَكَانَ علم أَن رده لَيْسَ بِشَيْء وَهُوَ أَنه روى بِسَنَدِهِ " أَن رَسُول الله ﷺ َ - مر بِابْن بُحَيْنَة وَهُوَ يُصَلِّي بَين يَدي نِدَاء الصُّبْح فَقَالَ لَا تجْعَلُوا هَذِه الصَّلَاة كَصَلَاة الظّهْر وَاجْعَلُوا بَينهمَا فصلا " فَبَان بِهَذَا أَن الَّذِي كرهه النَّبِي ﷺ َ - لِابْنِ بُحَيْنَة وَصله إِيَّاهَا بالفريضة فِي مَكَان وَاحِد دون أَن يفصل بَينهمَا بِشَيْء يسير (قلت) فَعلم بذلك أَنه مَا اعْتبر الْفَصْل الْيَسِير وَالسَّلَام مِنْهُ وَكَانَ سَبَب الْكَرَاهَة الْوَصْل بَين الْفَرْض وَالنَّفْل فِي مَكَان وَاحِد وَلَا اعْتِبَار بِالْفَصْلِ بِالسَّلَامِ فَمُقْتَضى ذَلِك أَن لَا يكره خَارج الْمَسْجِد وَلَا فِي زَاوِيَة مِنْهُ وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي استنباط الْأَحْكَام من النُّصُوص وَلَيْسَ ذَلِك بالتحسيس من الْخَارِج وَقَالَ النَّوَوِيّ الْحِكْمَة فِي الْإِنْكَار الْمَذْكُور أَن يتفرغ للفضيلة من أَولهَا فيشرع فِيهَا عقيب شُرُوع الإِمَام والمحافظة على مكملات الْفَرِيضَة أولى من التشاغل بالنافلة (قلت) الِاشْتِغَال بِسنة الْفجْر الَّذِي ورد فِيهِ التَّأْكِيد بالمحافظة عَلَيْهَا مَعَ الْعلم بإدراكه الْفَرِيضَة أولى (فَإِن قلت) فِي حَدِيث التَّرْجَمَة منع عَن التَّنَفُّل بعد الشُّرُوع فِي إِقَامَة الصَّلَاة سَوَاء كَانَ من الرَّوَاتِب أَو لَا لما روى مُسلم بن خَالِد عَن عَمْرو بن دِينَار فِي هَذَا الحَدِيث " قيل يَا رَسُول الله وَلَا رَكْعَتي الْفجْر قَالَ وَلَا رَكْعَتي الْفجْر " أخرجه ابْن عدي فِي تَرْجَمَة يحيى بن نصر ابْن حَاجِب (قلت) روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت " أَن رَسُول الله ﷺ َ - لم يكن على شَيْء من النَّوَافِل أَشد تعاهدا مِنْهُ على رَكْعَتَيْنِ قبل الصُّبْح " وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " لَا تدعوهما وَإِن طردتكم الْخَيل " أَي لَا تتركوهما وَإِن طردتكم الفرسان فَهَذَا كِنَايَة عَن الْمُبَالغَة وحث عَظِيم على مواظبتهما وَعَن هَذَا أَصْحَابنَا ذَهَبُوا فِيهِ إِلَى مَا ذكرنَا عَنْهُم على أَن فِيهِ الْجمع بَين الْأَمريْنِ

стр. 1435

فَافْهَم. الْوَجْه الثَّالِث أَن قَوْله فِي التَّرْجَمَة إِلَّا الْمَكْتُوبَة أَي الْمَفْرُوضَة يَشْمَل الْحَاضِرَة والفائتة وَلَكِن المُرَاد الْحَاضِرَة وَصرح بذلك أَحْمد والطَّحَاوِي من طَرِيق أُخْرَى عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الَّتِي أُقِيمَت " وَقد مر وَجه الْإِنْكَار فِيهِ مستقصى (تَابعه غنْدر ومعاذ عَن شُعْبَة عَن مَالك) أَي تَابع بِهَذَا غنْدر وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر أَبُو عبد الله بن امْرَأَة شُعْبَة وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَقد تقدم غير مرّة وَقد وصل أَحْمد طَرِيق غنْدر عَنهُ كَذَلِك قَوْله " ومعاذ " أَي وَتَابعه معَاذ أَيْضا وَهُوَ معَاذ ابْن معَاذ أَبُو الْمثنى الْبَصْرِيّ قاضيها وَوصل طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه قَوْله " فِي مَالك " أَي فِي الرِّوَايَة عَن مَالك بن بُحَيْنَة. ويروى عَن مَالك وَهِي أوضح وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (وَقَالَ ابْن إِسْحَاق عَن سعد عَن حَفْص عَن عبد الله بن بُحَيْنَة) ابْن إِسْحَاق هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن حَفْص بن عَاصِم وَهَذِه الرِّوَايَة مُوَافقَة لرِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه وَهِي الراجحة وَقَالَ أَبُو مَسْعُود أهل الْمَدِينَة يَقُولُونَ عبد الله بن بُحَيْنَة وَأهل الْعرَاق يَقُولُونَ مَالك بن بُحَيْنَة وَالْأول هُوَ الصَّوَاب وَرَوَاهُ القعْنبِي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن عبد الله بن مَالك بن بُحَيْنَة عَن أَبِيه قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه قَوْله عَن أَبِيه خطأ وَأسْقط مُسلم فِي كِتَابه من هَذَا الْإِسْنَاد قَوْله عَن أَبِيه من رِوَايَة القعْنبِي وَلم يذكرهُ لكنه نبه عَلَيْهِ وَقَالَ يحيى بن معِين ذكر أَبِيه خطأ لَيْسَ يروي أَبوهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - شَيْئا (وَقَالَ حَمَّاد أخبرنَا سعد عَن حَفْص عَن مَالك) حَمَّاد هُوَ ابْن سَلمَة جزم بِهِ الْمزي وَجَمَاعَة آخَرُونَ وَكَذَا أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن مندة مَوْصُولا من طَرِيقه. وَقَالَ الْكرْمَانِي حَمَّاد أَي ابْن زيد وَهُوَ وهم مِنْهُ وَالْمرَاد أَن حَمَّاد بن سَلمَة وَافق شُعْبَة فِي قَوْله عَن مَالك بن بُحَيْنَة فَافْهَم - ٣٩ - (بابُ حَدِّ المَرِيضِ أنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حد الْمَرِيض، لِأَن يشْهد الْجَمَاعَة، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: لشهود الْجَمَاعَة، وَحَاصِل الْمَعْنى: بَاب فِي بَيَان مَا يحد للْمَرِيض أَن يشْهد الْجَمَاعَة، حَتَّى إِذا جَاوز ذَلِك الْحَد لم يسْتَحبّ لَهُ شهودها، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْن رشيد، وَقد تكلّف الشُّرَّاح فِيهِ بِالتَّصَرُّفِ العسف مِنْهُم ابْن بطال، فَقَالَ: معنى الْحَد هُنَا: الحدة، كَمَا قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كنت أداري مِنْهُ بعض الْحَد، أَي: الحدة. وَتَبعهُ على ذَلِك ابْن التِّين، وَالْمعْنَى على هَذَا: الحض على شُهُود الْجَمَاعَة، وَقَالَ ابْن التِّين أَيْضا: وَيصِح أَن يُقَال أَيْضا: فِي بَاب جد الْمَرِيض، بِالْجِيم الْمَكْسُورَة، بِمَعْنى: بَاب اجْتِهَاد الْمَرِيض لشهود الْجَمَاعَة. ثمَّ قَالَ: لَكِن لم أسمع أحدا رَوَاهُ بِالْجِيم. قلت: روى ابْن قرقول رِوَايَة الْجِيم وَعَزاهَا للقابسي. ٦٦٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ الأَسْوَدُ كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَذَكَرْنَا المُوَاظَبَةَ عَلى الصَّلَاةِ والتَّعْظِيمَ لَهَا قالَتْ لمَّا مَرضَ رسولُ الله ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي ماتَ فِيهِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فأذَّنَ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقِيلَ لَهُ إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ إذَا قامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّي بالنَّاسِ وَأَعَادَ فَأعَادُوا لَهُ فَأعَادَ الثَّالِثَةَ فقالَ إنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَصَلَّى فَوَجَدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وسلممِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأنِّي أنْظُرُ رجْلَيْهِ تَخُطَّانِ الأَرْضَ مِنَ الوَجَعِ فأرَادَ أبُو بَكْرٍ أنْ يَتأخَّرَ فَأوْمَأ إلَيْهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ

стр. 1436

وَسلم أنْ مَكَانَكَ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إلَى جَنْبِه قيلَ لِلأعْمَشِ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وأبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ والنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أبي بَكْرٍ فَقَالَ بِرَأسِهِ نَعَمْ. . مناسبته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ خرج إِلَى الْجَمَاعَة وَهُوَ مَرِيض يهادي بَين اثْنَيْنِ، فَكَانَ هَذَا الْمِقْدَار هُوَ الْحَد لحضور الْجَمَاعَة، حَتَّى لَو زَاد على ذَلِك أَو لم يجد من يحملهُ إِلَيْهَا لَا يسْتَحبّ لَهُ الْحُضُور، فَلَمَّا تحامل النَّبِي ﷺ ذَلِك وَخرج بَين اثْنَيْنِ دلّ على تَعْظِيم أَمر الْجَمَاعَة، وَدلّ على فضل الشدَّة على الرُّخْصَة، وَفِيه ترغيب لأمته فِي شُهُود الْجَمَاعَة لما لَهُم فِيهِ من عَظِيم الْأجر، وَلِئَلَّا يعْذر أحد مِنْهُم نَفسه فِي التَّخَلُّف عَن الْجَمَاعَة مَا أمكنه وَقدر عَلَيْهَا. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَالْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: التَّصْرِيح باسم الْجد. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: ة أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن أبي مُعَاوِيَة وَعَن مُسَدّد عَن عبد الله بن دَاوُد. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن منْجَاب ابْن الْحَارِث وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي كريب عَن أبي مُعَاوِيَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد. ذكر اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي هَذِه الْقِصَّة: عِنْد مُسلم فِي لفظ: (أول مَا اشْتَكَى، ﷺ ، فِي بَيت مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَاسْتَأْذَنَ أَزوَاجه أَن يمرض فِي بَيْتِي فأذنَّ لَهُ. قَالَت: فَخرج وَيَده على الْفضل بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَالْأُخْرَى على رجل آخر، وَهُوَ يخط برجليه فِي الأَرْض. قَالَت: فَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِ وَجَعه قَالَ: أهريقوا عَليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعَلي أَعهد إِلَى النَّاس، فأجلسناه فِي مخضب لحفصة، ثمَّ طفقنا نصب عَلَيْهِ من تِلْكَ الْقرب حَتَّى طفق يُشِير إِلَيْنَا أَن قد فعلتن. ثمَّ خرج إِلَى النَّاس فصلى بهم وخطبهم) (قَالَت عَائِشَة: إِن أَبَا بكر إِذا قَامَ مقامك لم يُسمع النَّاس من الْبكاء، فَمر عمر فليصلِّ بِالنَّاسِ. فَفعلت حَفْصَة، فَقَالَ: مَه، إنكن لأنتن صَوَاحِب يُوسُف، مروا أَبَا بكر فليصلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَت لعَائِشَة: مَا كنت لأصيب مِنْك خيرا) وَفِي (فَضَائِل الصَّحَابَة) لأسد بن مُوسَى: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة فِي حَدِيث طَوِيل فِي مرض النَّبِي ﷺ : (وَرَأى رَسُول الله ﷺ من نَفسه خفَّة، فَانْطَلق يهادي بَين رجلَيْنِ، فَذهب أَبُو بكر يسْتَأْخر فَأَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ: مَكَانك، فَاسْتَفْتَحَ النَّبِي ﷺ من حَيْثُ انْتهى أَبُو بكر من الْقِرَاءَة) ، وَفِي حَدِيثه عَن الْمُبَارك بن فضَالة عَن الْحسن مُرْسلا: (فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد ذهب أَبُو بكر يجلس، فَأَوْمأ إِلَيْهِ، أَن: كَمَا كنت، فصلى النَّبِي ﷺ خلف أبي بكر لِيُرِيَهُمْ أَنه صَاحب صلَاتهم من بعده، وَتُوفِّي رَسُول الله ﷺ من يَوْمه ذَلِك يَوْم الِاثْنَيْنِ) . وَعند ابْن حبَان: (فأجلسناه فِي مخضب لحفصة من نُحَاس، ثمَّ خرج فَحَمدَ الله تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْهِ واستغفر للشهداء الَّذين قتلوا يَوْم أحد) ، وعنها: (رَجَعَ ﷺ من جَنَازَة بِالبَقِيعِ وَأَنا أجد صداعا فِي رَأْسِي، وَأَنا أَقُول: وَا رأساه، فَقَالَ: بل أَنا يَا عَائِشَة وارأساه. ثمَّ قَالَ: وَمَا ضرك لَو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وَصليت عَلَيْك ثمَّ دفنتك؟ فَقلت: لكَأَنِّي بك لَو فعلت ذَلِك رجعت إِلَى بَيْتِي فأعرست فِيهِ بِبَعْض نِسَائِك، فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ بدا فِي وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ) . وعنها: (أُغمي عَلَيْهِ وَرَأسه فِي حجري، فَجعلت أمسحه وأدعو لَهُ بالشفاء، فَلَمَّا أَفَاق قَالَ: لَا، بل اسْأَل الله الرفيق الْأَعْلَى مَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل ﵈ . وَفِي لفظ: (سمعته، وَأَنا مسندته إِلَى صَدْرِي يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الْأَعْلَى) . وَفِي لفظ: (إِن أَبَا بكر صلى بِالنَّاسِ وَرَسُول الله ﷺ فِي الصَّفّ خَلفه) . وَلَفظه: عِنْد التِّرْمِذِيّ: (صلى خلف أبي بكر فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدا) . وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب، وَعِنْده من حَدِيث أنس: (صلى فِي مَرضه خلف أبي بكر قَاعِدا فِي ثوب متوشحا بِهِ) . وَقَالَ: حسن صَحِيح. زَاد النَّسَائِيّ: وَهِي آخر صَلَاة صلاهَا مَعَ الْقَوْم. قَالَ ابْن حبَان: خَالف شُعْبَة زَائِدَة بن قدامَة فِي متن هَذَا الْخَبَر عَن مُوسَى، فَجعل شُعْبَة النَّبِي ﷺ مَأْمُوما حَيْثُ صلى قَاعِدا، وَالْقَوْم قيام، وَجعله زَائِدَة إِمَامًا حَيْثُ صلى قَاعِدا وَالْقَوْم قيام، وهما متقنان حَافِظَانِ

стр. 1437

وَلَيْسَ بَين حديثيهما تضَاد وَلَا تهاتر وَلَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ، بل مُجمل مُفَسّر. وَإِذا ضم بَعْضهَا إِلَى بعض بَطل التضاد بَينهمَا، وَاسْتعْمل كل خبر فِي مَوْضِعه. بَيَان ذَلِك أَنه ﷺ صلى فِي علته صَلَاتَيْنِ فِي الْمَسْجِد جمَاعَة لَا صَلَاة وَاحِدَة، فِي إِحْدَاهمَا: كَانَ إِمَامًا، وَفِي الْأُخْرَى كَانَ مَأْمُوما، وَالدَّلِيل على أَن ذَلِك فِي خبر عبد الله بن جريج: بَين رجلَيْنِ أَحدهمَا الْعَبَّاس وَالْآخر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِي خبر مَسْرُوق: خرج بَين بَرِيرَة ونوبة، فَهَذَا يدلك على أَنَّهَا كَانَت صَلَاتَيْنِ لَا صَلَاة وَاحِدَة، وَكَذَلِكَ التَّوْفِيق بَين كَلَام نعيم بن أبي هِنْد، وَبَين كَلَام عَاصِم بن أبي النجُود فِي متن خبر أبي وَائِل، فَإِن فِيهِ: (وَجِيء بِنَبِي لله ﷺ فَوضع بحذاء أبي بكر فِي الصَّفّ) قَالَ أَبُو حَاتِم: فِي هَذِه الصَّلَاة كَانَ النَّبِي ﷺ مَأْمُوما وَصلى قَاعِدا خلف أبي بكر، فَإِن عَاصِمًا جعل أَبَا بكر مَأْمُوما وَجعل نعيم أَبَا بكر إِمَامًا، وهما ثقتان حَافِظَانِ متقنان. وَذكر أَبُو حَاتِم أَنه ﷺ خرج بَين الجاريتين إِلَى الْبَاب، وَمن الْبَاب أَخذه الْعَبَّاس وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، حَتَّى دخلا بِهِ الْمَسْجِد، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) : (خرج رَسُول الله ﷺ يهادي بَين الرجلَيْن: أُسَامَة وَالْفضل، حَتَّى صلى خلف أبي بكر) ، فِيمَا ذكره السُّهيْلي، وَزعم بعض النَّاس أَن طَرِيق الْجمع أَنهم كَانُوا يتناوبون الْأَخْذ بِيَدِهِ ﷺ ، وَكَانَ الْعَبَّاس ألزمهم بِيَدِهِ، وَأُولَئِكَ يتناوبونها، فَذكرت عَائِشَة أَكْثَرهم مُلَازمَة ليده وَهُوَ: الْعَبَّاس، وعبرت عَن أحد المتناوبين بِرَجُل آخر. فَإِن قلت: لَيْسَ بَين الْمَسْجِد وبيته ﷺ مَسَافَة تَقْتَضِي التناوب. قلت: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لزِيَادَة فِي إكرامه ﷺ ، أَو لالتماس الْبركَة من يَده وَفِي حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ وجعا، فَأمر أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَوجدَ رَسُول الله ﷺ خفَّة فجَاء فَقعدَ إِلَى جنب أبي بكر، فَأم رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر وَهُوَ قَاعد، وَأم أَبُو بكر النَّاس وَهُوَ قَائِم) . وَفِي حَدِيث قيس عَن عبد الله ابْن أبي السّفر عَن الأرقم بن شُرَحْبِيل عَن ابْن عَبَّاس عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب: (أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي مَرضه: مروا أَبَا بكر فليصلِّ بِالنَّاسِ، وَوجد النَّبِي، ﷺ ، فِي نَفسه خفَّة، فَخرج يهادي بَين رجلَيْنِ، فَتَأَخر أَبُو بكر فَجَلَسَ إِلَى جنب أبي بكر، فَقَرَأَ من الْمَكَان الَّذِي انْتهى إِلَيْهِ أَبُو بكر من السُّورَة) ، وَفِي حَدِيث ابْن خُزَيْمَة أخرجه عَن سَالم بن عبيد قَالَ: (مرض رَسُول الله ﷺ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثمَّ أَفَاق فَقَالَ: أحضرت الصَّلَاة؟ قُلْنَ: نعم. قَالَ: مروا بِلَالًا فليؤذن، ومروا أَبَا بكر فليصلِّ بِالنَّاسِ، ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ) . فَذكر الحَدِيث. وَفِيه: (أُقِيمَت الصَّلَاة؟) قُلْنَ: نعم. قَالَ: جيئوني بِإِنْسَان فأعتمد عَلَيْهِ، فجاؤا ببريرة وَرجل آخر فاعتمد عَلَيْهِمَا. ثمَّ خرج إِلَى الصَّلَاة، فأجلس إِلَى جنب أبي بكر فَذهب أَبُو بكر يتَنَحَّى، فأمسكه حَتَّى فرغ من الصَّلَاة) . وَفِي كتاب عبد الرَّزَّاق: أَخْبرنِي ابْن جريج، أَخْبرنِي عَطاء قَالَ: (اشْتَكَى رَسُول الله ﷺ فَأمر أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فصلى النَّبِي ﷺ للنَّاس يَوْمًا قَاعِدا وَجعل أَبَا بكر وَرَاءه بَينه وَبَين النَّاس، قَالَ: فصلى النَّاس وَرَاءه قيَاما، وَإِن صلى قَاعِدا فصلوا قعُودا) . وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن زَمعَة، لما قَالَ ﷺ : (مروا أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ) ، خرج عبد الله ابْن زَمعَة، فَإِذا عمر فِي النَّاس، وَكَانَ أَبُو بكر غَائِبا، فَقَالَ: قُم يَا عمر فصلِّ بِالنَّاسِ، فَتقدم، فَلَمَّا سمع رَسُول الله ﷺ صَوته قَالَ: أَيْن أَبُو بكر؟ يَأْبَى الله ذَلِك والمسلمون. فَبعث إِلَى أبي بكر فجَاء بعد أَن صلي عمر تِلْكَ الصَّلَاة، فصلى أَبُو بكر بِالنَّاسِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (والتعظيم لَهَا) ، بِالنّصب عطفا على: الْمُوَاظبَة، قَوْله: (مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ) ، قد بيَّن الزُّهْرِيّ فِي رِوَايَته كَمَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من هَذَا الْبَاب، أَن ذَلِك كَانَ بعد أَن اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض وَاسْتقر فِي بَيت عَائِشَة. قَوْله: (فَأذن) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، من: التأذين. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: وَأذن بِالْوَاو، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ أوجه قلت: لم يبين مَا وَجه الأوجهية، بل الْفَاء أوجه على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَإِذن) أَي: بِالصَّلَاةِ كَمَا فِي رِوَايَة أُخْرَى جَاءَ كَذَلِك، وَفِي أُخْرَى: وَجَاء بِلَال يُؤذنهُ بِالصَّلَاةِ، وَفِي أُخْرَى: إِن هَذِه الصَّلَاة صَلَاة الظّهْر. وَفِي مُسلم: خرج لصَلَاة الْعَصْر. قَوْله: (مروا) أَصله: أؤمروا، لِأَنَّهُ من: أَمر، فحذفت الْهمزَة للاستثقال، واستغني عَن الْألف فحذفت، فَبَقيَ: مروا، على وزن: علو، لِأَن الْمَحْذُوف فَاء الْفِعْل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا أَمر من رَسُول الله ﷺ لأبي بكر، وَلَفظ: مروا، يدل على أَنهم الأمرون لَا رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ أجَاب بقوله: الْأَصَح عِنْد الأصولي أَن الْمَأْمُور بِالْأَمر بالشَّيْء لَيْسَ أمرا بِهِ، سِيمَا وَقد صرح النَّبِي بقوله هَهُنَا بِلَفْظ الْأَمر، حَيْثُ قَالَ: فَليصل. انْتهى. هَذِه مَسْأَلَة مَعْرُوفَة فِي الْأُصُول، وفيهَا خلاف. قَالَ بَعضهم: إِن الْأَمر بِالْأَمر بالشَّيْء يكون أمرا بِهِ، وَمِنْهُم من منع

стр. 1438

ذَلِك، وَقَالُوا: مَعْنَاهُ: بلغُوا فلَانا أَنِّي أَمرته. قَوْله: (فَليصل بِالنَّاسِ) الْفَاء فِيهِ للْعَطْف، تَقْدِيره: فَقولُوا لَهُ قولي: فَليصل. قَوْله: (فَقيل لَهُ) ، قَائِل ذَلِك عَائِشَة، كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات. قَوْله: (أسيف) على وزن: فعيل، بِمَعْنى: فَاعل، من الأسف وَهُوَ شدَّة الْحزن، وَالْمرَاد: أَنه رَقِيق الْقلب سريع الْبكاء وَلَا يَسْتَطِيع لغَلَبَة الْبكاء وَشدَّة الْحزن، والأسف عِنْد الْعَرَب شدَّة الْحزن والندم. يُقَال مِنْهُ: أَسف فلَان على كَذَا يأسف، إِذا اشْتَدَّ حزنه، وَهُوَ رجل أسيف وأسوف، وَمِنْه قَول يَعْقُوب، ﵊: ﴿يَا أسفي على يُوسُف﴾ (يُوسُف: ٨٤) يَعْنِي: واحزناه واجزعاه تأسفا وتوجعا لفقده. وَقيل: الأسيف: الضَّعِيف من الرِّجَال فِي بطشه. وَأما الأسف فَهُوَ: الغضبان المتلهف. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَرجع مُوسَى إِلَى قومه غَضْبَان أسفا﴾ (الْأَعْرَاف: ١٥٠) . وَسَيَأْتِي بعد سِتَّة أَبْوَاب من حَدِيث ابْن عمر فِي هَذِه الْقِصَّة، (فَقَالَت لَهُ عَائِشَة: إِنَّه رجل رَقِيق الْقلب إِذا قَرَأَ غَلبه الْبكاء) . وَمن رِوَايَة مَالك عَن هِشَام عَن أَبِيه عَنْهَا، بِلَفْظ، قَالَت عَائِشَة: (قلت: إِن أَبَا بكر إِذا قَامَ فِي مقامك لم يسمع النَّاس من الْبكاء، فَمر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) ، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (وَأعَاد) أَي: رَسُول الله ﷺ ، مقَالَته فِي أبي بكر بِالصَّلَاةِ. قَوْله: (فَأَعَادُوا لَهُ) أَي: من كَانَ فِي الْبَيْت، يَعْنِي: الْحَاضِرُونَ لَهُ مقالتهم فِي كَون أبي بكر أسيفا. فَإِن قلت: الْخطاب لعَائِشَة كَمَا ترى، فَمَا وَجه الْجمع؟ قلت: جمع لأَنهم كَانُوا فِي مقَام الموافقين لَهَا على ذَلِك، وَوَقع فِي حَدِيث أبي مُوسَى بِالْإِفْرَادِ، وَلَفظه: فَعَادَت، وَفِي رِوَايَة ابْن عمر: فعاودته. قَوْله: (فَأَعَادَ الثَّالِثَة) ، أَي: فَأَعَادَ، ﷺ ، الْمرة الثَّالِثَة فِي مقَالَته تِلْكَ. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (فراجعته مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَفِي اجْتِهَاد عَائِشَة فِي أَن لَا يتَقَدَّم والدها وَجْهَان: أَحدهمَا: مَا هُوَ مَذْكُور فِي بعض طرقه. (قَالَت) (وَمَا حَملَنِي على كَثْرَة مُرَاجعَته إلَاّ أَنه لم يَقع فِي قلبِي أَن يحب النَّاس من بعده رجلا قَامَ مقَامه أبدا، وَكنت أرى أَنه لن يقوم أحد مقَامه إلَاّ تشاءم النَّاس بِهِ، فَأَرَدْت أَن يعدل ذَلِك رَسُول الله ﷺ عَن أبي بكر) . الْوَجْه الثَّانِي: أَنَّهَا علمت أَن النَّاس علمُوا أَن أَبَاهَا يصلح للخلافة، فَإِذا رَأَوْهُ استشعروا بِمَوْت رَسُول الله ﷺ بِخِلَاف غَيره. قَوْله: (إنكن صَوَاحِب يُوسُف) أَي: مثل صواحبه فِي التظاهر على مَا يردن من كَثْرَة الإلحاح فِيمَا يُمكن إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَن عَائِشَة وَحَفْصَة بالغتا فِي المعاودة إِلَيْهِ فِي كَونه أسيفا لَا يَسْتَطِيع ذَلِك. والصواحب جمع: صَاحِبَة، على خلاف الْقيَاس، وَهُوَ شَاذ. وَقيل: يُرَاد بهَا امْرَأَة الْعَزِيز وَحدهَا، وَإِنَّمَا جمعهَا كَمَا يُقَال: فلَان يمِيل إِلَى النِّسَاء وَإِن كَانَ مَال إِلَى وَاحِدَة، وَعَن هَذَا قيل: إِن المُرَاد بِهَذَا الْخطاب عَائِشَة وَحدهَا، كَمَا أَن المُرَاد زليخا وَحدهَا فِي قصَّة يُوسُف. قَوْله: (فَليصل بِالنَّاسِ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (للنَّاس) . قَوْله: (فَخرج أَبُو بكر يُصَلِّي) فَإِن قلت: كَيفَ تتَصَوَّر الصَّلَاة وَقت الْخُرُوج؟ قلت: لفط: يُصَلِّي، وَقع حَالا من الْأَحْوَال المنتظرة. وَفِي رِوَايَة: فصلى، بفاء الْعَطف، وَهِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، وَرِوَايَة غَيرهمَا: يُصَلِّي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف. وَظَاهره أَنه شرع فِي الصَّلَاة، وَيحْتَمل أَنه تهَيَّأ لَهَا، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْأَكْثَرين لِأَنَّهُ حَال، فَفِي حَالَة الْخُرُوج كَانَ متهيأ للصَّلَاة وَلم يكن مُصَليا. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش: فَلَمَّا دخل فِي الصَّلَاة. قلت: يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: فَلَمَّا أَرَادَ الدُّخُول فِي الصَّلَاة، أَو: فَلَمَّا دخل فِي مَكَان الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن أبي عَائِشَة: فَأَتَاهُ الرَّسُول، أَي: بِلَال لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أعلم بِحُضُور الصَّلَاة. وَفِي رِوَايَة: فَقَالَ لَهُ: إِن رَسُول الله ﷺ يَأْمُرك أَن تصلي بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بكر، وَكَانَ رجلا رَقِيقا، يَا عمر! صل بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عمر: أَنْت أَحَق بذلك) . وَقَول أبي بكر هَذَا لم يرد بِهِ مَا أَرَادَت عَائِشَة. قَالَ النَّوَوِيّ: تَأَوَّلَه بَعضهم على أَنه قَالَه تواضعا وَلَيْسَ كَذَلِك، بل قَالَه للْعُذْر الْمَذْكُور، وَهُوَ أَنه رَقِيق الْقلب كثير الْبكاء، فخشي أَن لَا يسمع النَّاس. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فهم من الْإِمَامَة الصُّغْرَى الْإِمَامَة الْكُبْرَى، وَعلم مَا فِي تحملهَا من الْخطر، وَعلم قُوَّة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على ذَلِك فاختاره. وَيُؤَيِّدهُ أَنه عِنْد الْبيعَة أَشَارَ عَلَيْهِم أَن يبايعوه أَو يبايعوا أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح. قَوْله: (فَوجدَ النَّبِي ﷺ من نَفسه خفَّة) ظَاهره: أَنه ﷺ وجدهَا فِي تِلْكَ الصَّلَاة بِعَينهَا، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك بعْدهَا. وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن أبي عَائِشَة: فصلى أَبُو بكر تِلْكَ الْأَيَّام، ثمَّ إِن رَسُول الله ﷺ وجد من نَفسه خفَّة، فعلى هَذَا لَا يتَعَيَّن أَن تكون الصَّلَاة الْمَذْكُورَة هِيَ الْعشَاء، قَوْله: (يهادي بَين رجلَيْنِ) ، بِلَفْظ: الْمَجْهُول من المفاعلة، يُقَال: جَاءَ فلَان يهادي بَين اثْنَيْنِ، إِذا كَانَ يمشي بَينهمَا مُعْتَمدًا عَلَيْهِمَا من ضعفه، متمايلاً، إِلَيْهِمَا فِي مَشْيه من شدَّة الضعْف، وَالرجلَانِ هما: الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، على مَا يَأْتِي فِي الحَدِيث الثَّانِي من حَدِيثي الْبَاب، وَقد مر فِي بَيَان اخْتِلَاف

стр. 1439

الرِّوَايَات: فَخرج بَين بَرِيرَة ونوبة، بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة؛ وَكَانَ عبدا أسود، وَيدل عَلَيْهِ حَدِيث سَالم بن عبيد فِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة بِلَفْظ: فَخرج بَين بَرِيرَة وَرجل آخر، وَقَالَ بَعضهم: وَذكره بَعضهم فِي النِّسَاء الصحابيات، وَهُوَ وهم، قلت: أَرَادَ بِالْبَعْضِ الذَّهَبِيّ، فَإِنَّهُ ذكر: نوبَة، فِي بَاب النُّون فِي الصحابيات، وَقَالَ: خرج رَسُول الله ﷺ ، فِي مَرضه بَين بَرِيرَة ونوبة، وَإِسْنَاده جيد، وَقد علمت أَن الذَّهَبِيّ من جهابذة الْمُتَأَخِّرين لَا يجاري فِي فنه. قَوْله: (يخطان الأَرْض) أَي: لم يكن يقدر على رفعهما من الأَرْض. قَوْله: (أَن مَكَانك) ، كلمة: أَن، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون، ومكانك، مَنْصُوب على معنى: إلزم مَكَانك، وَفِي رِوَايَة عَاصِم: أَن اثْبتْ مَكَانك، وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن أبي عَائِشَة. فَأَوْمأ إِلَيْهِ بِأَن لَا يتَأَخَّر. قَوْله: (ثمَّ أُتِي بِهِ) بِضَم الْهمزَة أَي: أُتِي برَسُول الله ﷺ حَتَّى جلس إِلَى جنبه، وَبَين ذَلِك فِي رِوَايَة الْأَعْمَش: حَتَّى جلس عَن يسَار أبي بكر، على مَا سَيَأْتِي فِي: بَاب مَكَان الْجُلُوس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي (شرح مُسلم) : لم يَقع فِي الصَّحِيح بَيَان جُلُوسه ﷺ هَل كَانَ عَن يَمِين أبي بكر أَو عَن يسَاره؟ قلت: هَذَا غَفلَة مِنْهُ، وَقد بيّن ذَلِك فِي (الصَّحِيح) كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (فَقيل للأعمش) ، هُوَ سُلَيْمَان، ويروى: قيل، بِدُونِ الْفَاء، وَظَاهر هَذَا أَنه مُنْقَطع لِأَن الْأَعْمَش لم يسْندهُ، لَكِن فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَنهُ ذكر ذَلِك مُتَّصِلا بِالْحَدِيثِ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُوسَى بن أبي عَائِشَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد من هَذِه الْقِصَّة: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى تَعْظِيم الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة. الثَّانِي: فِيهِ تَقْدِيم أبي بكر وترجيحه على جَمِيع الصَّحَابَة. الثَّالِث: فِيهِ فَضِيلَة عمر بن الْخطاب بعده. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز الثَّنَاء فِي الْوَجْه لمن أَمن عَلَيْهِ الْإِعْجَاب. الْخَامِس: فِيهِ ملاطفة النَّبِي ﷺ لأزواجه وخصوصا لعَائِشَة. السَّادِس: فِي هَذِه الْقِصَّة وجوب الْقسم على النَّبِي ﷺ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: فأذنِّ لَهُ، أَي: فَأَذنت لَهُ نساؤه ﷺ ، بالتمريض فِي بَيت عَائِشَة، على مَا سَيَأْتِي. السَّابِع: فِيهِ جَوَاز مُرَاجعَة الصَّغِير للكبير. الثَّامِن: فِيهِ الْمُشَاورَة فِي الْأَمر الْعَام. التَّاسِع: فِيهِ الْأَدَب مَعَ الْكَبِير حَيْثُ أَرَادَ أَبُو بكر التَّأَخُّر عَن الصَّفّ. الْعَاشِر: الْبكاء فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا وَإِن كثر، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ علم حَال أبي بكر فِي رقة الْقلب وَكَثْرَة الْبكاء وَلم يعدل عَنهُ، وَلَا نَهَاهُ عَن الْبكاء. وَأما فِي هَذَا الزَّمَان فقد قَالَ أَصْحَابنَا: إِذا بَكَى فِي الصَّلَاة فارتفع بكاؤه، فَإِن كَانَ من ذكر الْجنَّة أَو النَّار لم يقطع صلَاته، وَإِن كَانَ من وجع فِي بدنه أَو مُصِيبَة فِي مَاله أَو أَهله قطعهَا، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَقَالَ الشَّافِعِي: الْبكاء والأنين والتأوه يبطل الصَّلَاة إِذا كَانَت حرفين، سَوَاء بَكَى للدنيا أَو للآخرة. الْحَادِي عشر: أَن الْإِيمَاء يقوم مقَام النُّطْق، لَكِن يحْتَمل أَن اقْتِصَار النَّبِي ﷺ على الْإِشَارَة أَن يكون لضعف صَوته، وَيحْتَمل أَن يكون للإعلام، بِأَن مُخَاطبَة من يكون فِي الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ أولى من النُّطْق. الثَّانِي عشر: فِيهِ تَأْكِيد أَمر الْجَمَاعَة وَالْأَخْذ فِيهَا بالأشد، وَإِن كَانَ الْمَرَض يرخص فِي تَركهَا، وَيحْتَمل أَن يكون فعل ذَلِك لبَيَان جَوَاز الْأَخْذ بالأمثل، وَإِن كَانَت الرُّخْصَة أولى. الثَّالِث عشر: اسْتدلَّ بِهِ الشّعبِيّ على جَوَاز ائتمام بعض الْمَأْمُومين بِبَعْض، وَهُوَ مُخْتَار الطَّبَرِيّ أَيْضا، وَأَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ورد بِأَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ مبلغا، وعَلى هَذَا فَمَعْنَى الِاقْتِدَاء اقْتِدَاؤُهُ بِصَوْتِهِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه ﷺ كَانَ جَالِسا، وَأَبُو بكر كَانَ قَائِما، فَكَانَت بعض أَفعاله تخفى على بعض الْمَأْمُومين، فلأجل ذَلِك كَانَ أَبُو بكر كَالْإِمَامِ فِي حَقهم. الرَّابِع عشر: اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على جَوَاز اسْتِخْلَاف الإِمَام لغير ضَرُورَة، لصنيع أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس عشر: اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على جَوَاز مُخَالفَة موقف الإِمَام للضَّرُورَة، كمن قصد أَن يبلغ عَنهُ، ويلتحق بِهِ من زحم عَن الصَّفّ. السَّادِس عشر: فِيهِ إتباع صَوت المكبر وَصِحَّة صَلَاة المستمع وَالسَّامِع، وَمِنْهُم من شَرط فِي صِحَّته تقدم إِذن الإِمَام. السَّابِع عشر: اسْتدلَّ بِهِ الطَّبَرِيّ على أَن للْإِمَام أَن يقطع الِاقْتِدَاء بِهِ، ويقتدي هُوَ بِغَيْرِهِ من غير أَن يقطع الصَّلَاة. الثَّامِن عشر: فِيهِ جَوَاز إنْشَاء الْقدْوَة فِي أثْنَاء الصَّلَاة. التَّاسِع عشر: اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على جَوَاز تقدم إِحْرَام الْمَأْمُوم على الإِمَام، بِنَاء على أَن أَبَا بكر كَانَ دخل فِي الصَّلَاة ثمَّ قطع الْقدْوَة وائتم برَسُول الله ﷺ ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَرقم بن شُرَحْبِيل عَن ابْن عَبَّاس: فابتدأ النَّبِي ﷺ الْقِرَاءَة من حَيْثُ انْتهى أَبُو بكر، كَمَا قدمْنَاهُ. الْعشْرُونَ: اسْتدلَّ بِهِ على صِحَة صَلَاة الْقَادِر على الْقيام قَائِما خلف الْقَاعِد، خلافًا للمالكية وَأحمد حَيْثُ أوجب الْقعُود على من يُصَلِّي خلف الْقَاعِد. قلت: يُصَلِّي الْقَائِم خلف

стр. 1440

الْقَاعِد عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك فِي رِوَايَة. وَقَالَ أَحْمد وَالْأَوْزَاعِيّ: يصلونَ خَلفه قعُودا، وَبِه قَالَ حَمَّاد بن زيد وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن أَرْبَعَة من الصَّحَابَة وهم: جَابر بن عبد الله، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَأسيد ابْن حضير، وَقيس بن فَهد حَتَّى لَو صلوا قيَاما لَا يجزيهم، وَعند مُحَمَّد بن الْحسن: لَا تجوز صَلَاة الْقَائِم خلف الْقَاعِد، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَنهُ وَزفر. الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: اسْتدلَّ لَهُ ابْن الْمسيب على أَن مقَام الْمَأْمُوم يكون عَن يسَار الإِمَام، لِأَنَّهُ ﷺ جلس على يسَار أبي بكر، وَالْجَمَاعَة على خِلَافه، ويتمشى قَوْله على أَن الإِمَام هُوَ أَبُو بكر، وَأما من قَالَ: الإِمَام هُوَ النَّبِي ﷺ فَلَا يتمشى. قَوْله: قلت: اخْتلفت الرِّوَايَات: هَل كَانَ النَّبِي ﷺ الإِمَام أَو أَبُو بكر الصّديق؟ فجماعة قَالُوا: الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث عَائِشَة صَرِيح فِي أَن النَّبِي ﷺ كَانَ الإِمَام إِذا جلس عَن يسَار أبي بكر، وَلقَوْله: (فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسا وَأَبُو بكر قَائِما يَقْتَدِي بِهِ) ، وَكَانَ أَبُو بكر مبلغا لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون للنَّاس إمامان. وَجَمَاعَة قَالُوا: كَانَ أَبُو بكر هُوَ الإِمَام، لما رَوَاهُ شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة: (أَن النَّبِي ﷺ صلى خلف أبي بكر) وَفِي رِوَايَة مَسْرُوق عَنْهَا: (أَنه ﷺ صلى خلف أبي بكر جَالِسا فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ، وَرُوِيَ حَدِيث عَائِشَة بطرق كَثِيرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا، وَفِيه اضْطِرَاب غير قَادِح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا تعَارض فِي أحاديثها، فَإِن الصَّلَاة الَّتِي كَانَ فِيهَا النَّبِي ﷺ إِمَامًا هِيَ صَلَاة الظّهْر يَوْم السبت أَو يَوْم الْأَحَد، وَالَّتِي كَانَ فِيهَا مَأْمُوما هِيَ صَلَاة الصُّبْح من يَوْم الْإِثْنَيْنِ. وَهِي آخر صَلَاة صلاهَا ﷺ حَتَّى خرج من الدُّنْيَا. وَقَالَ نعيم بن أبي هِنْد: الْأَخْبَار الَّتِي وَردت فِي هَذِه الْقِصَّة كلهَا صَحِيحَة، وَلَيْسَ فِيهَا تعَارض، فَإِن النَّبِي ﷺ صلى فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ صَلَاتَيْنِ فِي الْمَسْجِد، فِي إِحْدَاهمَا كَانَ إِمَامًا، وَفِي الْأُخْرَى كَانَ مَأْمُوما. وَقَالَ الضياء الْمَقْدِسِي وَابْن نَاصِر: صَحَّ وَثَبت أَنه ﷺ صلى خَلفه مقتديا بِهِ فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ ثَلَاث مَرَّات، وَلَا يُنكر ذَلِك إلَاّ جَاهِل لَا علم لَهُ بالرواية. وَقيل: إِن ذَلِك كَانَ مرَّتَيْنِ جمعا بَين الْأَحَادِيث، وَبِه جزم ابْن حبَان. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: الْآثَار الصِّحَاح على أَن النَّبِي ﷺ هُوَ الإِمَام. الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: فِيهِ تَقْدِيم الأفقه الأقرأ، وَقد جمع الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بَين الْفِقْه وَالْقُرْآن فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، كَمَا ذكره أَبُو بكر بن الطّيب وَأَبُو عَمْرو الدواني. الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: فِيهِ جَوَاز تَشْبِيه أحد بِأحد فِي وصف مَشْهُور بَين النَّاس. الرَّابِع وَالْعشْرُونَ: فِيهِ أَن للمستخلف أَن يسْتَخْلف فِي الصَّلَاة وَلَا يتَوَقَّف على أذن خَاص لَهُ بذلك. رواهُ أبُو داوُدَ عنْ شُعْبَةَ عنِ الأعْمَشِ بعْضَهُ أَي: رُوِيَ الحَدِيث الْمَذْكُور أَبُو دَاوُد وَسليمَان الطَّيَالِسِيّ. قَوْله: (بعضه) ، بِالنّصب بدل: من الضَّمِير الَّذِي فِي: رَوَاهُ، وَرِوَايَته هَذِه وَصلهَا الْبَزَّار، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا أَبُو دَاوُد بِهِ. وَلَفظه: (كَانَ رَسُول الله ﷺ الْمُقدم بَين يَدي أبي بكر) ، هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصرا، يَعْنِي: يَوْم صلى بِالنَّاسِ وَأَبُو بكر إِلَى جنبه. وَزَادَ أبُو مُعَاوِيَةَ جَلَسَ عنْ يَسَارِ أبِي بَكرٍ فَكانَ أبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِما يَعْنِي: زَاد أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِير فِي رِوَايَته عَن الْأَعْمَش بِإِسْنَادِهِ، وَهَذِه الزِّيَادَة أسندها البُخَارِيّ فِي: بَاب الرجل يأتم بِالْإِمَامِ ويأتم النَّاس بالمأموم، عَن قُتَيْبَة عَنهُ، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَرَوَاهُ ابْن حبَان عَن الْحسن بن شعْبَان عَن ابْن نمير عَنهُ، بِلَفْظ: (فَكَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَاعِدا وَأَبُو بكر قَائِما) . ٦٦٥ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله قَالَ قالَتْ عائِشَةُ لَمَّا ثَقُلَ النبيُّ ﷺ واشْتَدَّ وجَعُهُ اسْتَأذَنَ أزْوَاجَهُ أنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذَنَّ لَهُ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأرْضِ وكانَ بَيْنَ العَبَّاسِ ورَجلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لابنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عائِشَةُ فقالَ لِي وهَلْ تَدْرِي
следующие страницы →