← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وَسلم أنْ مَكَانَكَ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إلَى جَنْبِه قيلَ لِلأعْمَشِ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وأبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ والنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أبي بَكْرٍ فَقَالَ بِرَأسِهِ نَعَمْ. . مناسبته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ خرج إِلَى الْجَمَاعَة وَهُوَ مَرِيض يهادي بَين اثْنَيْنِ، فَكَانَ هَذَا الْمِقْدَار هُوَ الْحَد لحضور الْجَمَاعَة، حَتَّى لَو زَاد على ذَلِك أَو لم يجد من يحملهُ إِلَيْهَا لَا يسْتَحبّ لَهُ الْحُضُور، فَلَمَّا تحامل النَّبِي ﷺ ذَلِك وَخرج بَين اثْنَيْنِ دلّ على تَعْظِيم أَمر الْجَمَاعَة، وَدلّ على فضل الشدَّة على الرُّخْصَة، وَفِيه ترغيب لأمته فِي شُهُود الْجَمَاعَة لما لَهُم فِيهِ من عَظِيم الْأجر، وَلِئَلَّا يعْذر أحد مِنْهُم نَفسه فِي التَّخَلُّف عَن الْجَمَاعَة مَا أمكنه وَقدر عَلَيْهَا. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَالْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: التَّصْرِيح باسم الْجد. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: ة أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن أبي مُعَاوِيَة وَعَن مُسَدّد عَن عبد الله بن دَاوُد. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن منْجَاب ابْن الْحَارِث وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي كريب عَن أبي مُعَاوِيَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد. ذكر اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي هَذِه الْقِصَّة: عِنْد مُسلم فِي لفظ: (أول مَا اشْتَكَى، ﷺ ، فِي بَيت مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَاسْتَأْذَنَ أَزوَاجه أَن يمرض فِي بَيْتِي فأذنَّ لَهُ. قَالَت: فَخرج وَيَده على الْفضل بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَالْأُخْرَى على رجل آخر، وَهُوَ يخط برجليه فِي الأَرْض. قَالَت: فَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِ وَجَعه قَالَ: أهريقوا عَليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعَلي أَعهد إِلَى النَّاس، فأجلسناه فِي مخضب لحفصة، ثمَّ طفقنا نصب عَلَيْهِ من تِلْكَ الْقرب حَتَّى طفق يُشِير إِلَيْنَا أَن قد فعلتن. ثمَّ خرج إِلَى النَّاس فصلى بهم وخطبهم) (قَالَت عَائِشَة: إِن أَبَا بكر إِذا قَامَ مقامك لم يُسمع النَّاس من الْبكاء، فَمر عمر فليصلِّ بِالنَّاسِ. فَفعلت حَفْصَة، فَقَالَ: مَه، إنكن لأنتن صَوَاحِب يُوسُف، مروا أَبَا بكر فليصلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَت لعَائِشَة: مَا كنت لأصيب مِنْك خيرا) وَفِي (فَضَائِل الصَّحَابَة) لأسد بن مُوسَى: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة فِي حَدِيث طَوِيل فِي مرض النَّبِي ﷺ : (وَرَأى رَسُول الله ﷺ من نَفسه خفَّة، فَانْطَلق يهادي بَين رجلَيْنِ، فَذهب أَبُو بكر يسْتَأْخر فَأَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ: مَكَانك، فَاسْتَفْتَحَ النَّبِي ﷺ من حَيْثُ انْتهى أَبُو بكر من الْقِرَاءَة) ، وَفِي حَدِيثه عَن الْمُبَارك بن فضَالة عَن الْحسن مُرْسلا: (فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد ذهب أَبُو بكر يجلس، فَأَوْمأ إِلَيْهِ، أَن: كَمَا كنت، فصلى النَّبِي ﷺ خلف أبي بكر لِيُرِيَهُمْ أَنه صَاحب صلَاتهم من بعده، وَتُوفِّي رَسُول الله ﷺ من يَوْمه ذَلِك يَوْم الِاثْنَيْنِ) . وَعند ابْن حبَان: (فأجلسناه فِي مخضب لحفصة من نُحَاس، ثمَّ خرج فَحَمدَ الله تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْهِ واستغفر للشهداء الَّذين قتلوا يَوْم أحد) ، وعنها: (رَجَعَ ﷺ من جَنَازَة بِالبَقِيعِ وَأَنا أجد صداعا فِي رَأْسِي، وَأَنا أَقُول: وَا رأساه، فَقَالَ: بل أَنا يَا عَائِشَة وارأساه. ثمَّ قَالَ: وَمَا ضرك لَو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وَصليت عَلَيْك ثمَّ دفنتك؟ فَقلت: لكَأَنِّي بك لَو فعلت ذَلِك رجعت إِلَى بَيْتِي فأعرست فِيهِ بِبَعْض نِسَائِك، فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ بدا فِي وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ) . وعنها: (أُغمي عَلَيْهِ وَرَأسه فِي حجري، فَجعلت أمسحه وأدعو لَهُ بالشفاء، فَلَمَّا أَفَاق قَالَ: لَا، بل اسْأَل الله الرفيق الْأَعْلَى مَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل ﵈ . وَفِي لفظ: (سمعته، وَأَنا مسندته إِلَى صَدْرِي يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الْأَعْلَى) . وَفِي لفظ: (إِن أَبَا بكر صلى بِالنَّاسِ وَرَسُول الله ﷺ فِي الصَّفّ خَلفه) . وَلَفظه: عِنْد التِّرْمِذِيّ: (صلى خلف أبي بكر فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدا) . وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب، وَعِنْده من حَدِيث أنس: (صلى فِي مَرضه خلف أبي بكر قَاعِدا فِي ثوب متوشحا بِهِ) . وَقَالَ: حسن صَحِيح. زَاد النَّسَائِيّ: وَهِي آخر صَلَاة صلاهَا مَعَ الْقَوْم. قَالَ ابْن حبَان: خَالف شُعْبَة زَائِدَة بن قدامَة فِي متن هَذَا الْخَبَر عَن مُوسَى، فَجعل شُعْبَة النَّبِي ﷺ مَأْمُوما حَيْثُ صلى قَاعِدا، وَالْقَوْم قيام، وَجعله زَائِدَة إِمَامًا حَيْثُ صلى قَاعِدا وَالْقَوْم قيام، وهما متقنان حَافِظَانِ

стр. 1437

وَلَيْسَ بَين حديثيهما تضَاد وَلَا تهاتر وَلَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ، بل مُجمل مُفَسّر. وَإِذا ضم بَعْضهَا إِلَى بعض بَطل التضاد بَينهمَا، وَاسْتعْمل كل خبر فِي مَوْضِعه. بَيَان ذَلِك أَنه ﷺ صلى فِي علته صَلَاتَيْنِ فِي الْمَسْجِد جمَاعَة لَا صَلَاة وَاحِدَة، فِي إِحْدَاهمَا: كَانَ إِمَامًا، وَفِي الْأُخْرَى كَانَ مَأْمُوما، وَالدَّلِيل على أَن ذَلِك فِي خبر عبد الله بن جريج: بَين رجلَيْنِ أَحدهمَا الْعَبَّاس وَالْآخر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِي خبر مَسْرُوق: خرج بَين بَرِيرَة ونوبة، فَهَذَا يدلك على أَنَّهَا كَانَت صَلَاتَيْنِ لَا صَلَاة وَاحِدَة، وَكَذَلِكَ التَّوْفِيق بَين كَلَام نعيم بن أبي هِنْد، وَبَين كَلَام عَاصِم بن أبي النجُود فِي متن خبر أبي وَائِل، فَإِن فِيهِ: (وَجِيء بِنَبِي لله ﷺ فَوضع بحذاء أبي بكر فِي الصَّفّ) قَالَ أَبُو حَاتِم: فِي هَذِه الصَّلَاة كَانَ النَّبِي ﷺ مَأْمُوما وَصلى قَاعِدا خلف أبي بكر، فَإِن عَاصِمًا جعل أَبَا بكر مَأْمُوما وَجعل نعيم أَبَا بكر إِمَامًا، وهما ثقتان حَافِظَانِ متقنان. وَذكر أَبُو حَاتِم أَنه ﷺ خرج بَين الجاريتين إِلَى الْبَاب، وَمن الْبَاب أَخذه الْعَبَّاس وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، حَتَّى دخلا بِهِ الْمَسْجِد، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) : (خرج رَسُول الله ﷺ يهادي بَين الرجلَيْن: أُسَامَة وَالْفضل، حَتَّى صلى خلف أبي بكر) ، فِيمَا ذكره السُّهيْلي، وَزعم بعض النَّاس أَن طَرِيق الْجمع أَنهم كَانُوا يتناوبون الْأَخْذ بِيَدِهِ ﷺ ، وَكَانَ الْعَبَّاس ألزمهم بِيَدِهِ، وَأُولَئِكَ يتناوبونها، فَذكرت عَائِشَة أَكْثَرهم مُلَازمَة ليده وَهُوَ: الْعَبَّاس، وعبرت عَن أحد المتناوبين بِرَجُل آخر. فَإِن قلت: لَيْسَ بَين الْمَسْجِد وبيته ﷺ مَسَافَة تَقْتَضِي التناوب. قلت: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لزِيَادَة فِي إكرامه ﷺ ، أَو لالتماس الْبركَة من يَده وَفِي حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ وجعا، فَأمر أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَوجدَ رَسُول الله ﷺ خفَّة فجَاء فَقعدَ إِلَى جنب أبي بكر، فَأم رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر وَهُوَ قَاعد، وَأم أَبُو بكر النَّاس وَهُوَ قَائِم) . وَفِي حَدِيث قيس عَن عبد الله ابْن أبي السّفر عَن الأرقم بن شُرَحْبِيل عَن ابْن عَبَّاس عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب: (أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي مَرضه: مروا أَبَا بكر فليصلِّ بِالنَّاسِ، وَوجد النَّبِي، ﷺ ، فِي نَفسه خفَّة، فَخرج يهادي بَين رجلَيْنِ، فَتَأَخر أَبُو بكر فَجَلَسَ إِلَى جنب أبي بكر، فَقَرَأَ من الْمَكَان الَّذِي انْتهى إِلَيْهِ أَبُو بكر من السُّورَة) ، وَفِي حَدِيث ابْن خُزَيْمَة أخرجه عَن سَالم بن عبيد قَالَ: (مرض رَسُول الله ﷺ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثمَّ أَفَاق فَقَالَ: أحضرت الصَّلَاة؟ قُلْنَ: نعم. قَالَ: مروا بِلَالًا فليؤذن، ومروا أَبَا بكر فليصلِّ بِالنَّاسِ، ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ) . فَذكر الحَدِيث. وَفِيه: (أُقِيمَت الصَّلَاة؟) قُلْنَ: نعم. قَالَ: جيئوني بِإِنْسَان فأعتمد عَلَيْهِ، فجاؤا ببريرة وَرجل آخر فاعتمد عَلَيْهِمَا. ثمَّ خرج إِلَى الصَّلَاة، فأجلس إِلَى جنب أبي بكر فَذهب أَبُو بكر يتَنَحَّى، فأمسكه حَتَّى فرغ من الصَّلَاة) . وَفِي كتاب عبد الرَّزَّاق: أَخْبرنِي ابْن جريج، أَخْبرنِي عَطاء قَالَ: (اشْتَكَى رَسُول الله ﷺ فَأمر أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فصلى النَّبِي ﷺ للنَّاس يَوْمًا قَاعِدا وَجعل أَبَا بكر وَرَاءه بَينه وَبَين النَّاس، قَالَ: فصلى النَّاس وَرَاءه قيَاما، وَإِن صلى قَاعِدا فصلوا قعُودا) . وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن زَمعَة، لما قَالَ ﷺ : (مروا أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ) ، خرج عبد الله ابْن زَمعَة، فَإِذا عمر فِي النَّاس، وَكَانَ أَبُو بكر غَائِبا، فَقَالَ: قُم يَا عمر فصلِّ بِالنَّاسِ، فَتقدم، فَلَمَّا سمع رَسُول الله ﷺ صَوته قَالَ: أَيْن أَبُو بكر؟ يَأْبَى الله ذَلِك والمسلمون. فَبعث إِلَى أبي بكر فجَاء بعد أَن صلي عمر تِلْكَ الصَّلَاة، فصلى أَبُو بكر بِالنَّاسِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (والتعظيم لَهَا) ، بِالنّصب عطفا على: الْمُوَاظبَة، قَوْله: (مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ) ، قد بيَّن الزُّهْرِيّ فِي رِوَايَته كَمَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من هَذَا الْبَاب، أَن ذَلِك كَانَ بعد أَن اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض وَاسْتقر فِي بَيت عَائِشَة. قَوْله: (فَأذن) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، من: التأذين. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: وَأذن بِالْوَاو، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ أوجه قلت: لم يبين مَا وَجه الأوجهية، بل الْفَاء أوجه على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَإِذن) أَي: بِالصَّلَاةِ كَمَا فِي رِوَايَة أُخْرَى جَاءَ كَذَلِك، وَفِي أُخْرَى: وَجَاء بِلَال يُؤذنهُ بِالصَّلَاةِ، وَفِي أُخْرَى: إِن هَذِه الصَّلَاة صَلَاة الظّهْر. وَفِي مُسلم: خرج لصَلَاة الْعَصْر. قَوْله: (مروا) أَصله: أؤمروا، لِأَنَّهُ من: أَمر، فحذفت الْهمزَة للاستثقال، واستغني عَن الْألف فحذفت، فَبَقيَ: مروا، على وزن: علو، لِأَن الْمَحْذُوف فَاء الْفِعْل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا أَمر من رَسُول الله ﷺ لأبي بكر، وَلَفظ: مروا، يدل على أَنهم الأمرون لَا رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ أجَاب بقوله: الْأَصَح عِنْد الأصولي أَن الْمَأْمُور بِالْأَمر بالشَّيْء لَيْسَ أمرا بِهِ، سِيمَا وَقد صرح النَّبِي بقوله هَهُنَا بِلَفْظ الْأَمر، حَيْثُ قَالَ: فَليصل. انْتهى. هَذِه مَسْأَلَة مَعْرُوفَة فِي الْأُصُول، وفيهَا خلاف. قَالَ بَعضهم: إِن الْأَمر بِالْأَمر بالشَّيْء يكون أمرا بِهِ، وَمِنْهُم من منع

стр. 1438

ذَلِك، وَقَالُوا: مَعْنَاهُ: بلغُوا فلَانا أَنِّي أَمرته. قَوْله: (فَليصل بِالنَّاسِ) الْفَاء فِيهِ للْعَطْف، تَقْدِيره: فَقولُوا لَهُ قولي: فَليصل. قَوْله: (فَقيل لَهُ) ، قَائِل ذَلِك عَائِشَة، كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات. قَوْله: (أسيف) على وزن: فعيل، بِمَعْنى: فَاعل، من الأسف وَهُوَ شدَّة الْحزن، وَالْمرَاد: أَنه رَقِيق الْقلب سريع الْبكاء وَلَا يَسْتَطِيع لغَلَبَة الْبكاء وَشدَّة الْحزن، والأسف عِنْد الْعَرَب شدَّة الْحزن والندم. يُقَال مِنْهُ: أَسف فلَان على كَذَا يأسف، إِذا اشْتَدَّ حزنه، وَهُوَ رجل أسيف وأسوف، وَمِنْه قَول يَعْقُوب، ﵊: ﴿يَا أسفي على يُوسُف﴾ (يُوسُف: ٨٤) يَعْنِي: واحزناه واجزعاه تأسفا وتوجعا لفقده. وَقيل: الأسيف: الضَّعِيف من الرِّجَال فِي بطشه. وَأما الأسف فَهُوَ: الغضبان المتلهف. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَرجع مُوسَى إِلَى قومه غَضْبَان أسفا﴾ (الْأَعْرَاف: ١٥٠) . وَسَيَأْتِي بعد سِتَّة أَبْوَاب من حَدِيث ابْن عمر فِي هَذِه الْقِصَّة، (فَقَالَت لَهُ عَائِشَة: إِنَّه رجل رَقِيق الْقلب إِذا قَرَأَ غَلبه الْبكاء) . وَمن رِوَايَة مَالك عَن هِشَام عَن أَبِيه عَنْهَا، بِلَفْظ، قَالَت عَائِشَة: (قلت: إِن أَبَا بكر إِذا قَامَ فِي مقامك لم يسمع النَّاس من الْبكاء، فَمر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) ، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (وَأعَاد) أَي: رَسُول الله ﷺ ، مقَالَته فِي أبي بكر بِالصَّلَاةِ. قَوْله: (فَأَعَادُوا لَهُ) أَي: من كَانَ فِي الْبَيْت، يَعْنِي: الْحَاضِرُونَ لَهُ مقالتهم فِي كَون أبي بكر أسيفا. فَإِن قلت: الْخطاب لعَائِشَة كَمَا ترى، فَمَا وَجه الْجمع؟ قلت: جمع لأَنهم كَانُوا فِي مقَام الموافقين لَهَا على ذَلِك، وَوَقع فِي حَدِيث أبي مُوسَى بِالْإِفْرَادِ، وَلَفظه: فَعَادَت، وَفِي رِوَايَة ابْن عمر: فعاودته. قَوْله: (فَأَعَادَ الثَّالِثَة) ، أَي: فَأَعَادَ، ﷺ ، الْمرة الثَّالِثَة فِي مقَالَته تِلْكَ. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (فراجعته مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَفِي اجْتِهَاد عَائِشَة فِي أَن لَا يتَقَدَّم والدها وَجْهَان: أَحدهمَا: مَا هُوَ مَذْكُور فِي بعض طرقه. (قَالَت) (وَمَا حَملَنِي على كَثْرَة مُرَاجعَته إلَاّ أَنه لم يَقع فِي قلبِي أَن يحب النَّاس من بعده رجلا قَامَ مقَامه أبدا، وَكنت أرى أَنه لن يقوم أحد مقَامه إلَاّ تشاءم النَّاس بِهِ، فَأَرَدْت أَن يعدل ذَلِك رَسُول الله ﷺ عَن أبي بكر) . الْوَجْه الثَّانِي: أَنَّهَا علمت أَن النَّاس علمُوا أَن أَبَاهَا يصلح للخلافة، فَإِذا رَأَوْهُ استشعروا بِمَوْت رَسُول الله ﷺ بِخِلَاف غَيره. قَوْله: (إنكن صَوَاحِب يُوسُف) أَي: مثل صواحبه فِي التظاهر على مَا يردن من كَثْرَة الإلحاح فِيمَا يُمكن إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَن عَائِشَة وَحَفْصَة بالغتا فِي المعاودة إِلَيْهِ فِي كَونه أسيفا لَا يَسْتَطِيع ذَلِك. والصواحب جمع: صَاحِبَة، على خلاف الْقيَاس، وَهُوَ شَاذ. وَقيل: يُرَاد بهَا امْرَأَة الْعَزِيز وَحدهَا، وَإِنَّمَا جمعهَا كَمَا يُقَال: فلَان يمِيل إِلَى النِّسَاء وَإِن كَانَ مَال إِلَى وَاحِدَة، وَعَن هَذَا قيل: إِن المُرَاد بِهَذَا الْخطاب عَائِشَة وَحدهَا، كَمَا أَن المُرَاد زليخا وَحدهَا فِي قصَّة يُوسُف. قَوْله: (فَليصل بِالنَّاسِ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (للنَّاس) . قَوْله: (فَخرج أَبُو بكر يُصَلِّي) فَإِن قلت: كَيفَ تتَصَوَّر الصَّلَاة وَقت الْخُرُوج؟ قلت: لفط: يُصَلِّي، وَقع حَالا من الْأَحْوَال المنتظرة. وَفِي رِوَايَة: فصلى، بفاء الْعَطف، وَهِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، وَرِوَايَة غَيرهمَا: يُصَلِّي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف. وَظَاهره أَنه شرع فِي الصَّلَاة، وَيحْتَمل أَنه تهَيَّأ لَهَا، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْأَكْثَرين لِأَنَّهُ حَال، فَفِي حَالَة الْخُرُوج كَانَ متهيأ للصَّلَاة وَلم يكن مُصَليا. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش: فَلَمَّا دخل فِي الصَّلَاة. قلت: يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: فَلَمَّا أَرَادَ الدُّخُول فِي الصَّلَاة، أَو: فَلَمَّا دخل فِي مَكَان الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن أبي عَائِشَة: فَأَتَاهُ الرَّسُول، أَي: بِلَال لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أعلم بِحُضُور الصَّلَاة. وَفِي رِوَايَة: فَقَالَ لَهُ: إِن رَسُول الله ﷺ يَأْمُرك أَن تصلي بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بكر، وَكَانَ رجلا رَقِيقا، يَا عمر! صل بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عمر: أَنْت أَحَق بذلك) . وَقَول أبي بكر هَذَا لم يرد بِهِ مَا أَرَادَت عَائِشَة. قَالَ النَّوَوِيّ: تَأَوَّلَه بَعضهم على أَنه قَالَه تواضعا وَلَيْسَ كَذَلِك، بل قَالَه للْعُذْر الْمَذْكُور، وَهُوَ أَنه رَقِيق الْقلب كثير الْبكاء، فخشي أَن لَا يسمع النَّاس. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فهم من الْإِمَامَة الصُّغْرَى الْإِمَامَة الْكُبْرَى، وَعلم مَا فِي تحملهَا من الْخطر، وَعلم قُوَّة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على ذَلِك فاختاره. وَيُؤَيِّدهُ أَنه عِنْد الْبيعَة أَشَارَ عَلَيْهِم أَن يبايعوه أَو يبايعوا أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح. قَوْله: (فَوجدَ النَّبِي ﷺ من نَفسه خفَّة) ظَاهره: أَنه ﷺ وجدهَا فِي تِلْكَ الصَّلَاة بِعَينهَا، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك بعْدهَا. وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن أبي عَائِشَة: فصلى أَبُو بكر تِلْكَ الْأَيَّام، ثمَّ إِن رَسُول الله ﷺ وجد من نَفسه خفَّة، فعلى هَذَا لَا يتَعَيَّن أَن تكون الصَّلَاة الْمَذْكُورَة هِيَ الْعشَاء، قَوْله: (يهادي بَين رجلَيْنِ) ، بِلَفْظ: الْمَجْهُول من المفاعلة، يُقَال: جَاءَ فلَان يهادي بَين اثْنَيْنِ، إِذا كَانَ يمشي بَينهمَا مُعْتَمدًا عَلَيْهِمَا من ضعفه، متمايلاً، إِلَيْهِمَا فِي مَشْيه من شدَّة الضعْف، وَالرجلَانِ هما: الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، على مَا يَأْتِي فِي الحَدِيث الثَّانِي من حَدِيثي الْبَاب، وَقد مر فِي بَيَان اخْتِلَاف

стр. 1439

الرِّوَايَات: فَخرج بَين بَرِيرَة ونوبة، بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة؛ وَكَانَ عبدا أسود، وَيدل عَلَيْهِ حَدِيث سَالم بن عبيد فِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة بِلَفْظ: فَخرج بَين بَرِيرَة وَرجل آخر، وَقَالَ بَعضهم: وَذكره بَعضهم فِي النِّسَاء الصحابيات، وَهُوَ وهم، قلت: أَرَادَ بِالْبَعْضِ الذَّهَبِيّ، فَإِنَّهُ ذكر: نوبَة، فِي بَاب النُّون فِي الصحابيات، وَقَالَ: خرج رَسُول الله ﷺ ، فِي مَرضه بَين بَرِيرَة ونوبة، وَإِسْنَاده جيد، وَقد علمت أَن الذَّهَبِيّ من جهابذة الْمُتَأَخِّرين لَا يجاري فِي فنه. قَوْله: (يخطان الأَرْض) أَي: لم يكن يقدر على رفعهما من الأَرْض. قَوْله: (أَن مَكَانك) ، كلمة: أَن، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون، ومكانك، مَنْصُوب على معنى: إلزم مَكَانك، وَفِي رِوَايَة عَاصِم: أَن اثْبتْ مَكَانك، وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن أبي عَائِشَة. فَأَوْمأ إِلَيْهِ بِأَن لَا يتَأَخَّر. قَوْله: (ثمَّ أُتِي بِهِ) بِضَم الْهمزَة أَي: أُتِي برَسُول الله ﷺ حَتَّى جلس إِلَى جنبه، وَبَين ذَلِك فِي رِوَايَة الْأَعْمَش: حَتَّى جلس عَن يسَار أبي بكر، على مَا سَيَأْتِي فِي: بَاب مَكَان الْجُلُوس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي (شرح مُسلم) : لم يَقع فِي الصَّحِيح بَيَان جُلُوسه ﷺ هَل كَانَ عَن يَمِين أبي بكر أَو عَن يسَاره؟ قلت: هَذَا غَفلَة مِنْهُ، وَقد بيّن ذَلِك فِي (الصَّحِيح) كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (فَقيل للأعمش) ، هُوَ سُلَيْمَان، ويروى: قيل، بِدُونِ الْفَاء، وَظَاهر هَذَا أَنه مُنْقَطع لِأَن الْأَعْمَش لم يسْندهُ، لَكِن فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَنهُ ذكر ذَلِك مُتَّصِلا بِالْحَدِيثِ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُوسَى بن أبي عَائِشَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد من هَذِه الْقِصَّة: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى تَعْظِيم الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة. الثَّانِي: فِيهِ تَقْدِيم أبي بكر وترجيحه على جَمِيع الصَّحَابَة. الثَّالِث: فِيهِ فَضِيلَة عمر بن الْخطاب بعده. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز الثَّنَاء فِي الْوَجْه لمن أَمن عَلَيْهِ الْإِعْجَاب. الْخَامِس: فِيهِ ملاطفة النَّبِي ﷺ لأزواجه وخصوصا لعَائِشَة. السَّادِس: فِي هَذِه الْقِصَّة وجوب الْقسم على النَّبِي ﷺ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: فأذنِّ لَهُ، أَي: فَأَذنت لَهُ نساؤه ﷺ ، بالتمريض فِي بَيت عَائِشَة، على مَا سَيَأْتِي. السَّابِع: فِيهِ جَوَاز مُرَاجعَة الصَّغِير للكبير. الثَّامِن: فِيهِ الْمُشَاورَة فِي الْأَمر الْعَام. التَّاسِع: فِيهِ الْأَدَب مَعَ الْكَبِير حَيْثُ أَرَادَ أَبُو بكر التَّأَخُّر عَن الصَّفّ. الْعَاشِر: الْبكاء فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا وَإِن كثر، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ علم حَال أبي بكر فِي رقة الْقلب وَكَثْرَة الْبكاء وَلم يعدل عَنهُ، وَلَا نَهَاهُ عَن الْبكاء. وَأما فِي هَذَا الزَّمَان فقد قَالَ أَصْحَابنَا: إِذا بَكَى فِي الصَّلَاة فارتفع بكاؤه، فَإِن كَانَ من ذكر الْجنَّة أَو النَّار لم يقطع صلَاته، وَإِن كَانَ من وجع فِي بدنه أَو مُصِيبَة فِي مَاله أَو أَهله قطعهَا، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَقَالَ الشَّافِعِي: الْبكاء والأنين والتأوه يبطل الصَّلَاة إِذا كَانَت حرفين، سَوَاء بَكَى للدنيا أَو للآخرة. الْحَادِي عشر: أَن الْإِيمَاء يقوم مقَام النُّطْق، لَكِن يحْتَمل أَن اقْتِصَار النَّبِي ﷺ على الْإِشَارَة أَن يكون لضعف صَوته، وَيحْتَمل أَن يكون للإعلام، بِأَن مُخَاطبَة من يكون فِي الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ أولى من النُّطْق. الثَّانِي عشر: فِيهِ تَأْكِيد أَمر الْجَمَاعَة وَالْأَخْذ فِيهَا بالأشد، وَإِن كَانَ الْمَرَض يرخص فِي تَركهَا، وَيحْتَمل أَن يكون فعل ذَلِك لبَيَان جَوَاز الْأَخْذ بالأمثل، وَإِن كَانَت الرُّخْصَة أولى. الثَّالِث عشر: اسْتدلَّ بِهِ الشّعبِيّ على جَوَاز ائتمام بعض الْمَأْمُومين بِبَعْض، وَهُوَ مُخْتَار الطَّبَرِيّ أَيْضا، وَأَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ورد بِأَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ مبلغا، وعَلى هَذَا فَمَعْنَى الِاقْتِدَاء اقْتِدَاؤُهُ بِصَوْتِهِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه ﷺ كَانَ جَالِسا، وَأَبُو بكر كَانَ قَائِما، فَكَانَت بعض أَفعاله تخفى على بعض الْمَأْمُومين، فلأجل ذَلِك كَانَ أَبُو بكر كَالْإِمَامِ فِي حَقهم. الرَّابِع عشر: اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على جَوَاز اسْتِخْلَاف الإِمَام لغير ضَرُورَة، لصنيع أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس عشر: اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على جَوَاز مُخَالفَة موقف الإِمَام للضَّرُورَة، كمن قصد أَن يبلغ عَنهُ، ويلتحق بِهِ من زحم عَن الصَّفّ. السَّادِس عشر: فِيهِ إتباع صَوت المكبر وَصِحَّة صَلَاة المستمع وَالسَّامِع، وَمِنْهُم من شَرط فِي صِحَّته تقدم إِذن الإِمَام. السَّابِع عشر: اسْتدلَّ بِهِ الطَّبَرِيّ على أَن للْإِمَام أَن يقطع الِاقْتِدَاء بِهِ، ويقتدي هُوَ بِغَيْرِهِ من غير أَن يقطع الصَّلَاة. الثَّامِن عشر: فِيهِ جَوَاز إنْشَاء الْقدْوَة فِي أثْنَاء الصَّلَاة. التَّاسِع عشر: اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على جَوَاز تقدم إِحْرَام الْمَأْمُوم على الإِمَام، بِنَاء على أَن أَبَا بكر كَانَ دخل فِي الصَّلَاة ثمَّ قطع الْقدْوَة وائتم برَسُول الله ﷺ ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَرقم بن شُرَحْبِيل عَن ابْن عَبَّاس: فابتدأ النَّبِي ﷺ الْقِرَاءَة من حَيْثُ انْتهى أَبُو بكر، كَمَا قدمْنَاهُ. الْعشْرُونَ: اسْتدلَّ بِهِ على صِحَة صَلَاة الْقَادِر على الْقيام قَائِما خلف الْقَاعِد، خلافًا للمالكية وَأحمد حَيْثُ أوجب الْقعُود على من يُصَلِّي خلف الْقَاعِد. قلت: يُصَلِّي الْقَائِم خلف

стр. 1440

الْقَاعِد عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك فِي رِوَايَة. وَقَالَ أَحْمد وَالْأَوْزَاعِيّ: يصلونَ خَلفه قعُودا، وَبِه قَالَ حَمَّاد بن زيد وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن أَرْبَعَة من الصَّحَابَة وهم: جَابر بن عبد الله، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَأسيد ابْن حضير، وَقيس بن فَهد حَتَّى لَو صلوا قيَاما لَا يجزيهم، وَعند مُحَمَّد بن الْحسن: لَا تجوز صَلَاة الْقَائِم خلف الْقَاعِد، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَنهُ وَزفر. الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: اسْتدلَّ لَهُ ابْن الْمسيب على أَن مقَام الْمَأْمُوم يكون عَن يسَار الإِمَام، لِأَنَّهُ ﷺ جلس على يسَار أبي بكر، وَالْجَمَاعَة على خِلَافه، ويتمشى قَوْله على أَن الإِمَام هُوَ أَبُو بكر، وَأما من قَالَ: الإِمَام هُوَ النَّبِي ﷺ فَلَا يتمشى. قَوْله: قلت: اخْتلفت الرِّوَايَات: هَل كَانَ النَّبِي ﷺ الإِمَام أَو أَبُو بكر الصّديق؟ فجماعة قَالُوا: الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث عَائِشَة صَرِيح فِي أَن النَّبِي ﷺ كَانَ الإِمَام إِذا جلس عَن يسَار أبي بكر، وَلقَوْله: (فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسا وَأَبُو بكر قَائِما يَقْتَدِي بِهِ) ، وَكَانَ أَبُو بكر مبلغا لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون للنَّاس إمامان. وَجَمَاعَة قَالُوا: كَانَ أَبُو بكر هُوَ الإِمَام، لما رَوَاهُ شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة: (أَن النَّبِي ﷺ صلى خلف أبي بكر) وَفِي رِوَايَة مَسْرُوق عَنْهَا: (أَنه ﷺ صلى خلف أبي بكر جَالِسا فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ، وَرُوِيَ حَدِيث عَائِشَة بطرق كَثِيرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا، وَفِيه اضْطِرَاب غير قَادِح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا تعَارض فِي أحاديثها، فَإِن الصَّلَاة الَّتِي كَانَ فِيهَا النَّبِي ﷺ إِمَامًا هِيَ صَلَاة الظّهْر يَوْم السبت أَو يَوْم الْأَحَد، وَالَّتِي كَانَ فِيهَا مَأْمُوما هِيَ صَلَاة الصُّبْح من يَوْم الْإِثْنَيْنِ. وَهِي آخر صَلَاة صلاهَا ﷺ حَتَّى خرج من الدُّنْيَا. وَقَالَ نعيم بن أبي هِنْد: الْأَخْبَار الَّتِي وَردت فِي هَذِه الْقِصَّة كلهَا صَحِيحَة، وَلَيْسَ فِيهَا تعَارض، فَإِن النَّبِي ﷺ صلى فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ صَلَاتَيْنِ فِي الْمَسْجِد، فِي إِحْدَاهمَا كَانَ إِمَامًا، وَفِي الْأُخْرَى كَانَ مَأْمُوما. وَقَالَ الضياء الْمَقْدِسِي وَابْن نَاصِر: صَحَّ وَثَبت أَنه ﷺ صلى خَلفه مقتديا بِهِ فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ ثَلَاث مَرَّات، وَلَا يُنكر ذَلِك إلَاّ جَاهِل لَا علم لَهُ بالرواية. وَقيل: إِن ذَلِك كَانَ مرَّتَيْنِ جمعا بَين الْأَحَادِيث، وَبِه جزم ابْن حبَان. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: الْآثَار الصِّحَاح على أَن النَّبِي ﷺ هُوَ الإِمَام. الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: فِيهِ تَقْدِيم الأفقه الأقرأ، وَقد جمع الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بَين الْفِقْه وَالْقُرْآن فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، كَمَا ذكره أَبُو بكر بن الطّيب وَأَبُو عَمْرو الدواني. الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: فِيهِ جَوَاز تَشْبِيه أحد بِأحد فِي وصف مَشْهُور بَين النَّاس. الرَّابِع وَالْعشْرُونَ: فِيهِ أَن للمستخلف أَن يسْتَخْلف فِي الصَّلَاة وَلَا يتَوَقَّف على أذن خَاص لَهُ بذلك. رواهُ أبُو داوُدَ عنْ شُعْبَةَ عنِ الأعْمَشِ بعْضَهُ أَي: رُوِيَ الحَدِيث الْمَذْكُور أَبُو دَاوُد وَسليمَان الطَّيَالِسِيّ. قَوْله: (بعضه) ، بِالنّصب بدل: من الضَّمِير الَّذِي فِي: رَوَاهُ، وَرِوَايَته هَذِه وَصلهَا الْبَزَّار، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا أَبُو دَاوُد بِهِ. وَلَفظه: (كَانَ رَسُول الله ﷺ الْمُقدم بَين يَدي أبي بكر) ، هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصرا، يَعْنِي: يَوْم صلى بِالنَّاسِ وَأَبُو بكر إِلَى جنبه. وَزَادَ أبُو مُعَاوِيَةَ جَلَسَ عنْ يَسَارِ أبِي بَكرٍ فَكانَ أبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِما يَعْنِي: زَاد أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِير فِي رِوَايَته عَن الْأَعْمَش بِإِسْنَادِهِ، وَهَذِه الزِّيَادَة أسندها البُخَارِيّ فِي: بَاب الرجل يأتم بِالْإِمَامِ ويأتم النَّاس بالمأموم، عَن قُتَيْبَة عَنهُ، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَرَوَاهُ ابْن حبَان عَن الْحسن بن شعْبَان عَن ابْن نمير عَنهُ، بِلَفْظ: (فَكَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَاعِدا وَأَبُو بكر قَائِما) . ٦٦٥ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله قَالَ قالَتْ عائِشَةُ لَمَّا ثَقُلَ النبيُّ ﷺ واشْتَدَّ وجَعُهُ اسْتَأذَنَ أزْوَاجَهُ أنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذَنَّ لَهُ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأرْضِ وكانَ بَيْنَ العَبَّاسِ ورَجلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لابنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عائِشَةُ فقالَ لِي وهَلْ تَدْرِي

стр. 1441

مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ عَلِيُّ بنُ أبِي طالِبٍ. مناسبته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد بن زَاذَان التَّمِيمِي الْفراء، أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ قاضيها، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْعين: ابْن رَاشد الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبيد الله بن عبد الله بتصغير الأول ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. السَّادِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: هِشَام بن يُوسُف من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين رازي ويماني وبصري ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب الْغسْل وَالْوُضُوء فِي المخضب والقدح والخشب وَالْحِجَارَة عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره مطولا، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَنه أخرجه أَيْضا فِي الْمَغَازِي وَفِي الطِّبّ وَفِي الصَّلَاة وَفِي الْهِبَة وَفِي الْخمس وَفِي ذكر اسْتِئْذَان أَزوَاجه. وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا وَذكرنَا أَيْضا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء، وَنَذْكُر بعض شَيْء. فقولها: (ثقل) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبضم الْقَاف: من الثّقل وَهُوَ عبارَة عَن اشتداد الْمَرَض وتناهي الضعْف وركود الْأَعْضَاء عَن خفَّة الحركات. قَوْله: (اسْتَأْذن) من الاسْتِئْذَان، وَهُوَ طلب الْإِذْن. قَوْله: (فَأذن) ، بتَشْديد نون جمَاعَة النِّسَاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: (فَأذن) بِلَفْظ الْمَجْهُول قلت: يَعْنِي بِصِيغَة الْإِفْرَاد، ثمَّ قَالَ: وَفِي بَعْضهَا بِلَفْظ الْمَعْرُوف بِصِيغَة جمع الْمُؤَنَّث، وَجعلهَا رِوَايَة. قَوْله: (لم تسم) ، قَالَ الْكرْمَانِي: لم مَا سمته ثمَّ قَالَ: مَا سمته تحقيرا أَو عَدَاوَة، حاشاها من ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ: ثَبت أَيْضا أَنه، ﷺ ، جَاءَ بَين رجلَيْنِ أَحدهمَا أُسَامَة وَأَيْضًا أَن الْفضل بن عَبَّاس كَانَ آخِذا بِيَدِهِ الْكَرِيمَة فوجهه أَن يُقَال: إِن الثَّلَاثَة كَانُوا يتناوبون فِي الْأَخْذ بِيَدِهِ الْكَرِيمَة، وَكَانَ الْعَبَّاس يلازم الْأَخْذ بِالْيَدِ الْأُخْرَى، وأكرموا الْعَبَّاس باختصاصه بِيَدِهِ واستمرارها لَهُ لما لَهُ من السن والعمومة وَغَيرهمَا، فَلذَلِك ذكرته عَائِشَة مُسَمّى صَرِيحًا وأبهمت الرجل الآخر، إِذْ لم يكن أحدهم ملازما فِي جَمِيع الطَّرِيق وَلَا معظمه، بِخِلَاف الْعَبَّاس. انْتهى. قلت: وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر: وَلَكِن عَائِشَة لَا تطيب نفسا لَهُ بِخَير، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) : عَن الزُّهْرِيّ: وَلكنهَا لَا تقدر على أَن تذكره بِخَير، وَقَالَ بَعضهم: وَفِي هَذَا رد على من زعم أَنَّهَا أبهمت الثَّانِي لكَونه لم يتَعَيَّن فِي جَمِيع الْمسَافَة وَلَا معظمها. قلت: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الرَّد على النَّوَوِيّ، وَلكنه مَا صرح باسمه لاعتنائه بِهِ ومحاماته لَهُ. ٤٠ - (بابُ الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ والعِلَّةِ أنْ يُصَلِّيَ فِي رَحْلِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرُّخْصَة عِنْد نزُول الْمَطَر وَعند حُدُوث عِلّة من الْعِلَل الْمَانِعَة من حُضُور الْجَمَاعَة، مثل: الرّيح الشَّديد والظلمة الشَّدِيدَة وَالْخَوْف فِي الطَّرِيق من الْبشر أَو الْحَيَوَان وَنَحْو ذَلِك، وَعطف الْعلَّة على الْمَطَر من عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (أَن يُصَلِّي) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة و: اللَّام، فِيهِ مقدرَة أَي: للصَّلَاة فِي رَحْله، وَهُوَ منزله ومأواه. ٦٦٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نَافِعٍ أنَّ ابنَ عُمَرَ أذَّنَ بِالصَّلاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتَ بَرْدٍ وَرِيحٍ ثمَّ قَالَ إلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ثُمَّ قَالَ إنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَأمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذَا كانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ ومَطَرٍ يَقُولُ ألَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٣٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْنَاده بِعَيْنِه مر غير مرّة، والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب الْأَذَان للْمُسَافِر: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن عبيد الله بن عمر بن نَافِع، الحَدِيث.

стр. 1442

٦٦٧ - حدَّثنا إسماعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٌ عنْ مَحْمُودِ بنِ الرَّبِيعِ الأَنصَارِيِّ أنَّ عِتْبَانَ بنَ مالِكٍ كانَ يَؤُمُّ قَومَهُ وهُوَ أعْمَى وأنَّهُ قَالَ لِرسولِ الله ﷺ يَا رسولَ الله إنَّها تكُونُ الظلمَةُ والسَّيْلُ وَأَنا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ فَصَلِّ يَا رسولَ الله فِي بَيْتِي مَكانا أتَّخِذُهُ مُصَلى فَجَاءَهُ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ أيْنَ تُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ فأشَارَ إلَى مَكانٍ مِنَ البَيْتِ فَصَلَّى فِيهِ رسولُ الله ﷺ . . مطابقته أَيْضا للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الحَدِيث قد مر مطولا فِي: بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن مَحْمُود بن الرّبيع الْأنْصَارِيّ ... الحَدِيث، وَإِسْمَاعِيل شيخ البُخَارِيّ هُنَا هُوَ ابْن أبي أُويس. قَوْله: (مَحْمُود بن الرّبيع، بِفَتْح الرَّاء، وعتبان، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة. قَوْله: (إِنَّهَا) ، أَي: أَن الْقِصَّة، أَو: أَن الْحَالة. قَوْله: (تكون) تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى الْخَبَر. قَوْله: (والسيل) سيل المَاء. قَوْله: (اتَّخذهُ) بِالرَّفْع والحزم. قَوْله: (مصلى) ، بِضَم الْمِيم أَي: موضعا للصَّلَاة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظلمَة هَل لَهَا دخل فِي الرُّخْصَة أم السَّيْل وَحده يَكْفِي فِيهَا؟ فَأجَاب: بِأَنَّهُ لَا دخل لَهَا وَكَذَا ضرارة الْبَصَر، بل كل وَاحِد من الثَّلَاثَة عذر كَاف فِي ترك الْجَمَاعَة، لَكِن عتْبَان جمع بَين الثَّلَاثَة بَيَانا لتَعَدد أعذاره ليعلم أَنه شَدِيد الْحِرْص على الْجَمَاعَة لَا يَتْرُكهَا إلَاّ عِنْد كَثْرَة الْمَوَانِع. وَفِيه من الْفَوَائِد: جَوَاز إِمَامَة الْأَعْمَى وَترك الْجَمَاعَة للْعُذْر. والتماس دُخُول الأكابر منزل الأصاغر. واتخاذ مَوضِع معِين من الْبَيْت مَسْجِدا وَغَيره. قَوْله فِي حَدِيث ابْن عمر: ثمَّ قَالَ هَذَا مشْعر بِأَنَّهُ قَالَه بعد الْأَذَان، وَتقدم فِي بَاب الْكَلَام فِي الْأَذَان أَنه كَانَ فِي اثناء الْأَذَان، فَعلم مِنْهُ جَوَاز الْأَمريْنِ. وَقَوله: (إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْمر الْمُؤَذّن) مُحْتَمل لَهما لَا تَخْصِيص لَهُ بِأَحَدِهِمَا. قَوْله: (ذَات برد) بِسُكُون الرَّاء، وَكَذَلِكَ حكمه: فِي لَيْلَة ذَات برد، بِفَتْح الرَّاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ابْن عمر أذن عِنْد الرّيح وَالْبرد، وَأمر رَسُول الله ﷺ كَانَ عِنْد الْمَطَر وَالْبرد، فَمَا وَجه استدلاله؟ فَأجَاب: بِأَنَّهُ قَاس الرّيح على الْمَطَر بِجَامِع الْمَشَقَّة، ثمَّ قَالَ: هَل يَكْفِي الْمَطَر فَقَط أَو الرّيح أَو الْبرد فِي رخصَة ترك الْجَمَاعَة أم يحْتَاج إِلَى ضم أحد الْأَمريْنِ بالمطر؟ فَأجَاب: بِأَن كل وَاحِد مِنْهَا عذر مُسْتَقل فِي ترك الْحُضُور إِلَى الْجَمَاعَة نظرا إِلَى الْعلَّة، وَهِي الْمَشَقَّة، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. ٤١ - (بابٌ هَلْ يُصَلِّي الإِمامُ بِمَنْ حَضَرَ وهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: هَل يُصَلِّي الإِمَام بِمن حضر من الَّذين لَهُم الْعلَّة المرخصة للتخلف عَن الْجَمَاعَة؟ يَعْنِي: يُصَلِّي بهم وَلَا يكره ذَلِك؟ فَإِن قلت: فَحِينَئِذٍ مَا فَائِدَة الْأَمر بِالصَّلَاةِ فِي الرّحال؟ قلت: فَائِدَته الْإِبَاحَة، لِأَن من كَانَ لَهُ الْعذر إِذا تكلّف وَحضر فَلهُ ذَلِك وَلَا حرج عَلَيْهِ. قَوْله: (وَهل يخْطب) أَي: الْخَطِيب يَوْم الْجُمُعَة فِي الْمَطَر إِذا حضر أَصْحَاب الْأَعْذَار الْمَذْكُورين، يَعْنِي: يخْطب وَلَا يتْرك وَيُصلي بهم الْجُمُعَة. ٦٦٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الحَمِيدِ صاحِبُ الزِّيَادِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنِ الحَارِثِ قَالَ خَطَبَنَا ابنُ عَبَّاس فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ فَأَمَرَ المُؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ قلِ الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَكَأَنَّهُمْ أنْكَرُوا فَقَالَ كأنَّكُمْ أنْكَرْتُمْ هَذَا إنَّ هَذا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي يَعْنِي النبيَّ ﷺ إنَّهَا عَزْمَةٌ وإنِّي كَرِهْتُ أنْ أُحْرِجَكُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٦ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (خَطَبنَا) ، لِأَن ذَلِك كَانَ يَوْم الْجُمُعَة، وَكَانَ يَوْم الْمَطَر. وَمن قَوْله أَيْضا: (إِنَّهَا عَزمَة) أَي: إِن الْجُمُعَة متحتمة، وَمَعَ هَذَا كره ابْن عَبَّاس أَن يكلفهم بهَا لأجل الْحَرج.

стр. 1443

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا، والْحَدِيث أَيْضا مضى فِي: بَاب الْكَلَام فِي الْأَذَان. وَأخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب وَعبد الحميد صَاحب الزيَادي وَعَاصِم الْأَحْوَال عَن عبد الله بن الْحَارِث. قَالَ: خَطَبنَا ابْن عَبَّاس. . الحَدِيث. وَفِي متني الحَدِيث تفَاوت يقف عَلَيْهِ المعاود، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع تعلقات الحَدِيث. وَشَيْخه هُنَا: عبد الله بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم فِي: بَاب ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب فِي كتاب الْعلم. قَوْله: (ذِي ردغ) أَي: ذِي وَحل. قَوْله: (الصَّلَاة) بِالنّصب أَي: الزموها، وَيجوز بِالرَّفْع، أَي: الصَّلَاة رخصَة فِي الرّحال. قَوْله: (كَأَنَّهُمْ) ، ويروى: فكأنهم. قَوْله: (إِن هَذَا فعله) على صِيغَة الْمَاضِي، ويروي: (هَذَا فعل رَسُول الله ت) . قَوْله: (أَن أحرجكم) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَفتح الْجِيم: وَمَعْنَاهُ أَن أؤثمكم، من الْإِثْم، وأحرجكم من الإحراج، وثلاثيه من الْحَرج، وَهُوَ الْإِثْم. ويروى: (أَن أخرجكم) من الْإِخْرَاج، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. وعنْ حَمَّادٍ عنْ عَاصِمٍ عنْ عبْدِ الله بنِ الحَارِثِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ نحْوَهُ غَيْرَ أنَّهُ قَالَ كرِهْتُ أنْ أُؤَثِّمَكُمْ فَتَجِيئُونَ وتَدُوسُونَ الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ. قَوْله: (وَعَن حَمَّاد عَن عَاصِم) عطف على قَوْله: (حَدثنَا حَمَّاد بن زيد) ، وَلَيْسَ بمعلق، وَقد ذكرنَا الْآن أَنه رَوَاهُ فِي: بَاب الْكَلَام فِي الْأَذَان، عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب وَعبد الحميد وَعَاصِم، وَهنا: عَن حَمَّاد عَن عَاصِم وَحده، وَعَاصِم هُوَ الْأَحول. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور آنِفا، وَلَكِن لما كَانَت فِيهِ زِيَادَة ذكرهَا بقوله: (غير أَنه قَالَ: كرهت أَن أؤثمكم) إِلَى آخِره، وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور آنِفا: (كرهت أَن أحرجكم) ، وَهنا: أؤثمكم، وَكِلَاهُمَا فِي الْمَعْنى قريب، والتفاوت فِي اللَّفْظ. ثمَّ هَذِه اللَّفْظَة رويت على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن أؤثمكم، من الإيثام من بَاب الإفعال، يُقَال: آثمه يؤثمه، إِذا أوقعه فِي الْإِثْم. وَالْآخر: أَن أؤثمكم من التأثيم من بَاب التفعيل. قَوْله: (فتجيئون) إِلَى آخِره، زَائِد صرف على الرِّوَايَة الأولى، وتجيئون: بالنُّون على الأَصْل فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فتجيئوا، بِحَذْف النُّون، وَهُوَ لُغَة للْعَرَب حَيْثُ يحذفون نون الْجمع بِدُونِ الْجَازِم والناصب. قَوْله: (وتدوسون الطين) من الدوس وَهُوَ الْوَطْء. ٦٦٩ - حدَّثنا مَسْلِمُ بنُ إبْرَهِيمَ قَالَ حَدثنَا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى عنْ أبي سَلَمَةَ قَالَ سألْتُ أبَا سَعِيدٍ الخدْرِيَّ فَقَالَ جاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سالَ السَّقْفُ وكانَ مَنْ جَرِيدِ النخْلِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَرَأيْتُ رسولَ الله ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ والطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الْجُزْء الأول مِنْهَا من حَيْثُ إِن الْعَادة أَن فِي يَوْم الْمَطَر يتَخَلَّف بعض النَّاس عَن الْجَمَاعَة، فَلَا شكّ أَن صَلَاة الإِمَام تكون حِينَئِذٍ مَعَ من حضر، فينطبق على قَوْله: بَاب هَل يُصَلِّي الإِمَام بِمن حضر؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَإِن صَحَّ أَن هَذَا كَانَ فِي يَوْم الْجُمُعَة فدلالته على الْجُزْء الْأَخير ظَاهِرَة. قلت: سَيَأْتِي فِي الِاعْتِكَاف أَنَّهَا كَانَت فِي صَلَاة الصُّبْح. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير الْيَمَانِيّ الطَّائِي. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الْخَامِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واسْمه: سعد بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وأهوازي ويماني ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِكَاف عَن معَاذ بن فضَالة، وَفِي الصَّلَاة فِي موضِعين عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَفِيه أَيْضا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَفِي الصَّوْم أَيْضا عَن عبد الله بن مُنِير وَفِي الِاعْتِكَاف أَيْضا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك وَعَن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة وَفِي الصَّوْم أَيْضا عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر وَعَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن قُتَيْبَة وَعَن ابْن ابي عَمْرو، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن عبد بن حميد وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن مَالك وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن يحيى

стр. 1444

وَعَن مُؤَمل بن الْفضل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الِاعْتِكَاف عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُعْتَمر بِبَعْضِه وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِبَعْضِه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَأَلت أَبَا سعيد) : المسؤول عَنهُ مَحْذُوف بيَّنه فِي الِاعْتِكَاف وَهُوَ قَوْله: إِن أَبَا سَلمَة قَالَ: (سَأَلت أَبَا سعيد، قلت: هَل سَمِعت رَسُول الله ﷺ يذكر لَيْلَة الْقدر؟ قَالَ: نعم) وسرد تَمام الحَدِيث. قَوْله: (حَتَّى سَالَ السّقف) ، هُوَ إِسْنَاد مجازي، لِأَن السّقف لَا يسيل، وَإِنَّمَا يسيل المَاء الَّذِي يُصِيبهُ، وَهَذَا من قبيل قَوْلهم: سَالَ الْوَادي، أَي: مَاء الْوَادي، وَهُوَ من قبيل ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال. قَوْله: (وَكَانَ من جريد النّخل) ، أَي: وَكَانَ سقف الْمَسْجِد من جريد النّخل، والجريد بِمَعْنى: المجرود، وَهُوَ الْقَضِيب الَّذِي يجرد عَنهُ الخوص، يَعْنِي: يقشر، وَسَيَأْتِي تَمام الْكَلَام فِي بَاب الِاعْتِكَاف. ٦٧٠ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ سِيرِينَ قَالَ سَمِعْتُ أنَسا يَقُولُ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ إنِّي لَا أسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ وَكَانَ رَجُلاً ضَخْما فَصَنَعَ للنبيّ ﷺ طَعَاما فَدَعَاهُ إلَى مَنْزِلِهِ فَبَسَطَ لَهُ حَصِيرا ونَضَحَ طَرَفَ الحَصِيرِ فَصَلَّى علَيْهِ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الجَارُودِ لأِنَسٍ أكانَ النبيُّ ﷺ يُصَلّي الضُّحَى قَالَ مَا رَأيْتُهُ صَلَاّهَا إلاّ يَوْمَئِذٍ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِسَائِر الْحَاضِرين عِنْد غيبَة الرجل الضخم، فينطبق الحَدِيث على قَوْله: بَاب هَل يُصَلِّي الإِمَام بِمن حضر؟ فَإِن قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث أنس ذكر الْخطْبَة. قلت: لَا يلْزم أَن يدل كل حَدِيث فِي الْبَاب على كل التَّرْجَمَة، بل لَو دلّ الْبَعْض على الْبَعْض لكفى. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: آدم بن أبي إِيَاس وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج كَذَلِك. الثَّالِث: أنس ابْن سِيرِين ابْن أخي مُحَمَّد بن سِيرِين، مولى أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ، مَاتَ بعد سنة عشر وَمِائَة. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين عسقلاني وواسطي وبصري. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صَلَاة الضُّحَى عَن عَليّ بن الْجَعْد عَن شُعْبَة، وَفِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن سَلام. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ رجل من الْأَنْصَار) ، قَالَ بَعضهم: قيل: إِنَّه عتْبَان بن مَالك وَهُوَ مُحْتَمل لتقارب القضيتين. قلت: هُوَ مُبْهَم لَا يُفَسر بِهَذَا الِاحْتِمَال، وَأَيْضًا من هُوَ هَذَا الْقَائِل؟ ينظر فِيهِ. قَوْله: (مَعَك) أَي: فِي الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد قَوْله: (ضخما) أَي: سمينا، والضخم الغليظ من كل شَيْء. قَوْله: (حَصِيرا) قَالَ ابْن سَيّده: الْحَصِير سَقِيفَة تصنع من بردى واسل ثمَّ تفترش، سمي بذلك لِأَنَّهُ يَلِي وَجه الأَرْض، وَوجه الأَرْض سمي حَصِيرا. وَفِي (الجمهرة) : الْحَصِير عَرَبِيّ، سمي حَصِيرا لانضمام بعضه إِلَى بعض. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْحَصِير البارية. قَوْله: (ونضح طرف الْحَصِير) ، النَّضْح بِمَعْنى: الرش إِن كَانَت النَّجَاسَة متوهمة فِي طرف الْحَصِير، وَبِمَعْنى: الْغسْل، إِن كَانَت متحققة، أَو يكون النَّضْح لأجل تليينه لأجل الصَّلَاة عَلَيْهِ. قَوْله: (رجل من آل الْجَارُود) ، وَفِي أبي دَاوُد: قَالَ فلَان بن الْجَارُود لأنس، و: الْجَارُود، بِالْجِيم وبضم الرَّاء وَبعد الرَّاء دَال مُهْملَة. قَوْله: (أَكَانَ النَّبِي ﷺ ؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ جَوَاز اتِّخَاذ الطَّعَام لأولي الْفضل ليستفيد من علمهمْ. الثَّانِي: فِيهِ اسْتِحْبَاب إِجَابَة الدعْوَة، وَقيل بِالْوُجُوب. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة على الْحَصِير من غير كَرَاهَة، وَفِي مَعْنَاهُ: كل شَيْء يعْمل من نَبَات الأَرْض، وَهَذَا إِجْمَاع إلَاّ مَا رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يعْمل لأجل التَّوَاضُع كَمَا

стр. 1445

فِي قَوْله ﷺ لِمعَاذ بن جبل: (عفر وَجهك بِالتُّرَابِ) فَإِن قلت: مَا تَقول فِي حَدِيث يزِيد بن الْمِقْدَام عِنْد ابْن أبي شيبَة: عَن الْمِقْدَام عَن أَبِيه شُرَيْح أَنه سَأَلَ عَائِشَة: أَكَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي على الْحَصِير؟ فَإِنِّي سَمِعت فِي كتاب الله ﴿وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا﴾ (الْإِسْرَاء: ٨) . فَقَالَت: لَا لم يكن يُصَلِّي عَلَيْهِ. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لضعف يزِيد، وَيَردهُ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز التَّطَوُّع بِالْجَمَاعَة. الْخَامِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب صَلَاة الضُّحَى، لِأَن أنسا أخبر أَنه ﷺ صلاهَا، وَلَكِن مَا رَآهَا إلَاّ يَوْمئِذٍ، يَعْنِي: يَوْم كَانَ فِي منزل رجل من الْأَنْصَار. وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أم هانىء بنت أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (ان رَسُول الله صلى يَوْم الْفَتْح سبْحَة الضُّحَى ثَمَان رَكْعَات يسلم فِي كل رَكْعَتَيْنِ) وَرُوِيَ ايضا عَن عَائِشَة ﵂ (أَن عبد الله بن شَقِيق سَأَلَهَا: هَل كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَت: لَا إلَاّ أَن يَجِيء من مغيبه) الحَدِيث. وَأخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مطولا ومختصرا، وَالْجمع بَين حَدِيث عَائِشَة فِي نفي صلَاته ﷺ الضُّحَى وإثباتها هُوَ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصليهَا فِي بعض الْأَوْقَات لفضلها، وَيَتْرُكهَا فِي بَعْضهَا خشيَة أَن تفرض. وَتَأْويل قَوْلهَا: لَا إلَاّ أَن يَجِيء من مغيبه، مَا رَأَيْته، كَمَا قَالَت فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي سبْحَة الضُّحَى) . وَسَببه أَنه ﷺ ، مَا كَانَ يكون عِنْد عَائِشَة فِي وَقت الضُّحَى إلاّ فِي نَادِر من الْأَوْقَات، وَقد يكون فِي ذَلِك مُسَافِرًا، وَقد يكون حَاضرا وَلكنه فِي الْمَسْجِد أَو فِي مَوضِع آخر، وَإِذا كَانَ عِنْد نِسَائِهِ فَإِنَّمَا كَانَ لَهَا يَوْم من تِسْعَة فَيصح قَوْلهَا: مَا رَأَيْته يُصليهَا، كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَكَذَا يَصح قَوْلهَا: لَا، كَمَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، أَو يكون معنى قَوْلهَا: لَا مَا رَأَيْته يُصليهَا ويداوم عَلَيْهَا، فَيكون نفيا للمداومة لَا لأصلها. فَافْهَم. فَإِن قلت: قد صَحَّ عَن ابْن عمر أَنه قَالَ فِي الضُّحَى: هِيَ بِدعَة قلت: هُوَ مَحْمُول على أَن صلَاتهَا فِي الْمَسْجِد والتظاهر بهَا، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِدعَة، لَا أَن أَصْلهَا فِي الْبيُوت وَنَحْوهَا مَذْمُوم، أَو يُقَال: قَوْله: بِدعَة أَي: الْمُوَاظبَة عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ ﷺ لم يواظب عَلَيْهَا خشيَة أَن تفرض. وَقد يُقَال: إِن ابْن عمر لم يبلغهُ فعل النَّبِي ﷺ الضُّحَى وَأمره بهَا، وَكَيف مَا كَانَ، فجمهور الْعلمَاء على اسْتِحْبَاب الضُّحَى، وَإِنَّمَا نقل التَّوَقُّف فِيهَا عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا شُعْبَة عَن تَوْبَة الْعَنْبَري عَن مُورق الْعجلِيّ، قَالَ: قلت لِابْنِ عمر: أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا. قلت: صلاهَا عمر؟ قَالَ: لَا. قلت: صلاهَا أَبُو بكر؟ قَالَ: لَا. قلت: صلاهَا النَّبِي ﷺ ؟ قَالَ: لَا أخال. حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي عُبَيْدَة، قَالَ: لم يُخْبِرنِي أحد من النَّاس أَنه رأى ابْن مَسْعُود يُصَلِّي الضُّحَى. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز ترك الْجَمَاعَة لأجل السّمن، وَزعم ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : أَنه تتبع الْأَعْذَار الْمَانِعَة من إتْيَان الْجَمَاعَة من السّنَن، فَوَجَدَهَا عشرا: الْمَرَض الْمَانِع من الْإِتْيَان إِلَيْهَا، وَحُضُور الطَّعَام عِنْد الْمغرب، وَالنِّسْيَان الْعَارِض فِي بعض الْأَحْوَال، وَالسمن المفرط، وَوُجُود الْمَرْء حَاجته فِي نَفسه، وَخَوف الْإِنْسَان على نَفسه وَمَاله فِي طَرِيقه إِلَى الْمَسْجِد، وَالْبرد الشَّديد، والمطر المؤذي، وَوُجُود الظلمَة الَّتِي يخَاف الْمَرْء على نَفسه الْمَشْي فِيهَا، وَأكل الثوم والبصل والكراث. ٤٢ - (بابٌ إذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وأُقِيمتِ الصَّلَاةُ) أَي: هَذَا بَاب ترْجم فِيهِ إِذا حضر الطَّعَام وأقيمت الصَّلَاة، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، تَقْدِيره: يقدم الطَّعَام على الصَّلَاة، وَإِنَّمَا لم يذكر الْجَواب تَنْبِيها على أَن الحكم بِالنَّفْيِ أَو بالإثبات غير مجزوم بِهِ لقُوَّة الْخلاف فِيهِ. وكانَ ابنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِالعِشَاءِ هَذَا الْأَثر يبين أَن جَوَاب: إِذا، فِي التَّرْجَمَة الْإِثْبَات، وَفِيه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة، وَهَذَا الْأَثر مَذْكُور فِي الْبَاب بِمَعْنَاهُ مُسْندًا قَرِيبا حَيْثُ قَالَ: (وَكَانَ ابْن عمر يوضع لَهُ الطَّعَام وتقام الصَّلَاة فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يفرغ وَإنَّهُ ليسمع قِرَاءَة الإِمَام) . وَفِي (سنَن ابْن مَاجَه) من طَرِيق صَحِيح: وتعشى ابْن عمر لَيْلَة وَهُوَ ليسمع الْإِقَامَة، و: الْعشَاء، بِفَتْح الْعين وبالمد: الطَّعَام بِعَيْنِه، وَهُوَ خلاف الْغَدَاء. وَقَالَ أبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إقْبَالُهُ عَلَى حاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وقَلْبُهُ فارِغٌ هَذَا الْأَثر مثل ذَلِك فِي بَيَان جَوَاب: إِذا، فِي التَّرْجَمَة. وَفِيه الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة، لِأَن معنى قَوْله: (إقباله على حَاجته) أَعم من إقباله إِلَى الطَّعَام إِذا حضر، وَمن قَضَاء حَاجَة نَفسه إِذا دَعَتْهُ إِلَيْهِ. قَوْله: (وَقَلبه فارغ) أَي: من الشواغل الدنياوية ليقف بَين يَدي الرب،

стр. 1446

عز وَجل، على أكمل حَال. وَهَذَا الْأَثر وَصله عبد الله بن الْمُبَارك فِي (كتاب الزّهْد) . وَأخرجه مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي (كتاب تَعْظِيم قدر الصَّلَاة) من طَرِيق ابْن الْمُبَارك. ٦٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ سَمِعْتُ عائِشةَ عنِ النَّبِي ﷺ أنَّهُ قَالَ إذَا وُضِعَ العَشَاءُ وأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فابْدَؤا بِالعِشَاءِ (الحَدِيث ٦٧١ طرفه فِي: ٥٤٦٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا. وَرِجَاله تقدمُوا غير مرّة، وَيحيى هُوَ: ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا وضع) وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن ابْن نمير وَحَفْص ووكيع بِلَفْظ: (إِذا حضر) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة السرّاج من طَرِيق يحيى بن سعيد الْأمَوِي عَن هِشَام بن عُرْوَة. (إِذا حضر) ، وَلَكِن الَّذين رَوَوْهُ بِلَفْظ: (إِذا وضع) أَكثر، قَالَه الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَالْفرق بَين اللَّفْظَيْنِ أَن الْحُضُور أَعم من الْوَضع، فَيحمل قَوْله: (حضر) أَي: بَين يَدَيْهِ، لتتفق الرِّوَايَتَانِ لِاتِّحَاد الْمخْرج. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أنس الْآتِي بعده بِلَفْظ: (إِذا قدم الْعشَاء) ، وَلمُسلم: (إِذا قرب) ، وعَلى هَذَا فَلَا يناط الحكم بِمَا اذا حضر الْعشَاء، لكنه لم يقرب للْأَكْل كَمَا لَو لم يفرغ، وَنَحْوه. قَوْله: (وإقيمت الصَّلَاة) ، قيل: الْألف وَاللَّام فيهمَا للْعهد، وَهِي: الْمغرب. لقَوْله: (فابدأوا بالعشاء) ، وَيُؤَيّد هَذَا مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فابدأوا بِهِ قبل أَن تصلوا الْمغرب) . والْحَدِيث يُفَسر بعضه بَعْضًا. وَقيل: الْألف وَاللَّام فِيهِ للاستغراق نظرا إِلَى الْعلَّة وَهِي التشويش المفضي إِلَى ترك الْخُشُوع، وَذكر الْمغرب لَا يَقْتَضِي الْحصْر فِيهَا، لِأَن الجائع غير الصَّائِم قد يكون أشوق إِلَى الْأكل من الصَّائِم. قَوْله: ((فابدأوا) اخْتلفُوا فِي هَذَا الْأَمر، فالجمهور على أَنه للنَّدْب. وَقيل: للْوُجُوب، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة، وَقَالُوا: لَا يجوز لأحد حضر طَعَامه بَين يَدَيْهِ وَسمع الْإِقَامَة أَن يبْدَأ بِالصَّلَاةِ قبل الْعشَاء، فَإِن فعل فَصلَاته بَاطِلَة، وَالْجُمْهُور على الصِّحَّة وعَلى عدم الْإِقَامَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ النَّوَوِيّ: فِي هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي وَردت فِي هَذَا الْبَاب كَرَاهَة للصَّلَاة بِحَضْرَة الطَّعَام الَّذِي يُرِيد أكله، لما فِيهِ من اشْتِغَال الْقلب وَذَهَاب كَمَال الْخُشُوع، وَهَذِه الْكَرَاهَة إِذا صلى كَذَلِك، وَفِي الْوَقْت سَعَة فَإِن ضَاقَ بِحَيْثُ لَو أكل خرج الْوَقْت لَا يجوز تَأْخِير الصَّلَاة. ولأصحابنا وَجه: أَنه يَأْكُل وَإِن خرج الْوَقْت، لِأَن الْمَقْصُود من الصَّلَاة الْخُشُوع فَلَا يفوتهُ. وَفِيه: دَلِيل على امتداد وق الْمغرب، وعَلى أَنه يَأْكُل حَاجته من الْأكل بِكَمَالِهِ. وَقَالَ فِي (شرح السّنة) : الِابْتِدَاء بِالطَّعَامِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا كَانَت نَفسه شَدِيدَة التوقان إِلَى الْأكل، وَكَانَ فِي الْوَقْت سَعَة، وإلاّ فَيبْدَأ بِالصَّلَاةِ لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يحتز من كتف شَاة، فدعي إِلَى الصَّلَاة فألقاها وَقَامَ يُصَلِّي. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: يؤول هَذَا الحَدِيث أَعنِي حَدِيث الحز من كتف شَاة بِأَن من شرع فِي الْأكل ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة أَنه يقوم إِلَى الصَّلَاة وَلَا يتمادى فِي الْأكل، لِأَنَّهُ قد أَخذ مِنْهُ مَا يمنعهُ من شغل البال، وَإِنَّمَا الَّذِي أَمر بِالْأَكْلِ قبل الصَّلَاة من لم يكن بَدَأَ بِهِ لِئَلَّا يشْتَغل باله بِهِ. وَقَالَ ابْن بطال: وَيرد هَذَا التَّأْوِيل حَدِيث ابْن عَمْرو: لَا يعجل حَتَّى يقْضِي حَاجته. انْتهى. قيل لَا رد عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَقُول: أَنه قد قضى حَاجته، كَمَا فِي الحَدِيث، إِذْ لَيْسَ من شَرطه أَنه يَسْتَوْفِي أكل الْكَتف لَا سِيمَا قلَّة أكله، ﷺ ، وَأَنه يَكْتَفِي بحزة وَاحِدَة، وَلَكِن لقَائِل أَن يَقُول: لَيست الصَّلَاة الَّتِي دعِي إِلَيْهَا فِي حَدِيث عَمْرو بن أُميَّة، وَهُوَ حَدِيث الحز من كتف الشَّاة، أَنَّهَا الْمغرب، وَإِذا ثَبت ذَلِك زَالَ مَا يؤول بِهِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل هَذِه الْأَحَادِيث، فَذكر ابْن الْمُنْذر أَنه قَالَ بظاهرها عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَأَصله: شغل الْقلب وَذَهَاب كَمَال الْخُشُوع. وَقَالَ الشَّافِعِي: يبْدَأ بالعشاء إِذا كَانَت نَفسه شَدِيدَة التوقان إِلَيْهِ، فَإِن لم يكن كَذَلِك ترك الْعشَاء، وإتيان الصَّلَاة أحب إِلَيّ. وَذكر ابْن حبيب مثل مَعْنَاهُ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر، عَن مَالك: يبْدَأ بِالصَّلَاةِ إلاّ أَن يكون طَعَاما خَفِيفا. وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ، قَالَ حميد: كُنَّا عِنْد أنس، فَأذن بالمغرب، فَقَالَ أنس: ابدأوا بالعشاء، وَكَانَ عشاؤه خَفِيفا. وَقَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي: لَا يُصَلِّي بِحَال، بل يَأْكُل وَإِن خرج الْوَقْت، وَالصَّوَاب خِلَافه، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقد ظن قوم أَن هَذَا من بَاب تَقْدِيم حَظّ العَبْد على حق الْحق، ، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانة لحق الْحق ليدْخل الْعِبَادَة بقلوب غير مَشْغُولَة. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تُؤخر الصَّلَاة لطعام وَلَا لغيره) . قلت: هَذَا حَدِيث ضَعِيف، فبالضعيف لَا يعْتَرض على الصَّحِيح، وَلَئِن سلمنَا صِحَّته فَلهُ معنى غير معنى الآخر، بِمَعْنى إِذا وَجَبت

стр. 1447

لَا تُؤخر، وَإِذا كَانَ الْوَقْت بَاقِيا يبْدَأ بالعشاء فَاجْتمع مَعْنَاهُمَا وَلم يتهاترا. ٦٧٢ - حدَّثنا يحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أنَس بنِ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فَابْدَؤوا بِهِ قَبْلَ أنْ تُصَلوا صَلَاةَ المَغْرِبِ وَلَا تَعْجَلُوا عنْ عَشَائِكُمْ. (الحَدِيث ٦٧٢ طرفه فِي: ٥٤٦٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لَكِن التَّرْجَمَة أَعم مِنْهُ وَهُوَ يَشْمَل الْمغرب وَغَيرهَا. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة تكَرر ذكرهم، وَاللَّيْث: هُوَ ابْن سعد، وَعقيل، بِضَم الْعين: هُوَ ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: عَن عقيل، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنِي عقيل وَفِيه.: ابْن شهَاب عَن أنس، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَخْبرنِي أنس. وَفِيه: شيخ البُخَارِيّ مَنْسُوب إِلَى جده وَهُوَ: يحيى بن عبد الله ابْن بكير. وَفِيه: الِاثْنَان الْأَوَّلَانِ مصريان، وَالثَّالِث إيلي، وَابْن شهَاب مدنِي. وَأخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع أخر، وَلمُسلم: (إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة وَالْعشَاء فابدأوا بالعشاء) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا قدم الْعشَاء) ، زَاد ابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة مُوسَى بن أعين: عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن ابْن شهَاب: (وأحدكم صَائِم) . وَقد أخرج مُسلم من طَرِيق ابْن وهب عَن عَمْرو بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة، وَذكر الطَّبَرَانِيّ أَن مُوسَى بن أعين تفرد بهَا. قلت: مُوسَى ثِقَة مُتَّفق عَلَيْهِ، وَلما ذكر الدَّارَقُطْنِيّ هَذِه الزِّيَادَة قَالَ: وَلَو لم تصح هَذِه الزِّيَادَة لَكَانَ مَعْلُوما من قَاعِدَة الشَّرْع الْأَمر بِحُضُور الْقلب فِي الصَّلَاة والإقبال عَلَيْهَا. قَوْله: (وَلَا تعجلوا) ، بِفَتْح التَّاء وَالْجِيم، من الثلاثي، ويروى: بِضَم التَّاء وَكسر الْجِيم، من الْأَفْعَال. ٦٧٣ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أبِي أُسَامَةَ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رسولْ الله ﷺ إذَا وُضِعَ عَشَاءُ أحَدِكُمْ وأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فابْدَؤا بالعَشَاءِ ولَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْهُ. وكانَ ابنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأتِيهَا حَتَّى يَفْرَغَ وإنَّهُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإمَام. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد بن إِسْمَاعِيل الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله بتصغير العَبْد ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وَالْبَاقِي عنعنة. وَأخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (وَلَا يعجل) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْأَحَد فِي: أحدكُم، قَالَ الطَّيِّبِيّ: الْأَحَد إِذا كَانَ فِي سِيَاق النَّفْي يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع، وَفِي الحَدِيث فِي سِيَاق الْإِثْبَات، فَكيف وَجه الْأَمر إِلَيْهِ تَارَة بِالْجمعِ وَأُخْرَى بِالْإِفْرَادِ؟ فَأجَاب: بِأَنَّهُ جمع نظرا إِلَى لفظ: كم، وأفرد نظرا إِلَى لفظ الْأَحَد، وَالْمعْنَى: إِذا وضع عشَاء أحدكُم فابدأوا انتم بالعشاء، وَلَا يعجل هُوَ حَتَّى يفرغ مَعكُمْ مِنْهُ. قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر) ، هُوَ مَوْصُول عطفا على الْمَرْفُوع، وَقد رَوَاهُ السراج من طَرِيق يحيى بن سعيد عَن عبد الله عَن نَافِع فَذكر الْمَرْفُوع، ثمَّ قَالَ: قَالَ نَافِع: وَكَانَ ابْن عمر إِذا حضر عشاؤه وَسمع الْإِقَامَة وَقِرَاءَة الإِمَام لم يقم حَتَّى يفرغ. قَوْله: (وَإنَّهُ يسمع) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (ليسمع) ، بلام التَّأْكِيد فِي أَوله. ٦٧٤ - حدَّثنا وقالَ زُهَيْرٌ ووَهَبُ بنُ عُثْمَانَ عَن مُوسَى بنِ عُقْبَةِ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ : إِذا كانَ أحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِي حاجَتَهُ مِنْهُ وإنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٧٣ وطرفه) . زُهَيْر، بِضَم الزَّاي: هُوَ ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، ووهب عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (عَن مُوسَى بن عقبَة) يَعْنِي: يرويان عَن مُوسَى عَن نَافِع إِلَى آخِره، وَهَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَزعم الْحميدِي فِي كِتَابه (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : أَن الشَّيْخَيْنِ خرجاه من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة غير صَوَاب، لِأَن البُخَارِيّ علقه كَمَا ترى. وَأما مُسلم فَإِنَّهُ خرجه فِي (صَحِيحه) عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن

стр. 1448

أنس بن عِيَاض عَن مُوسَى، وَطَرِيق زُهَيْر الْمَذْكُورَة وَصلهَا أَبُو عوَانَة فِي (مستخرجه) . قالَ أبُو عَبْدِ الله رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ عنْ وَهَبِ بنِ عُثْمَانَ وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن وهب بن عُثْمَان، وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر من شُيُوخ البُخَارِيّ، وَمن أَفْرَاده، ووهب بن عُثْمَان اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ هَهُنَا، وَرَوَاهُ عَن مُوسَى بن عقبَة أَيْضا حَفْص بن ميسرَة وَأَيْضًا أخرجه الْبَيْهَقِيّ. قَوْله: (ووهب مديني) ، بِكَسْر الدَّال، ويروى: مدنِي، بِفَتْحِهَا، وَكِلَاهُمَا نِسْبَة إِلَى مَدِينَة رَسُول الله ﷺ ، غير أَن الْقيَاس فتح الدَّال كَمَا يُقَال فِي النِّسْبَة إِلَى ربيعَة: ربعي، وَإِلَى جذيمة: جذمي. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة ذكر البُخَارِيّ نِسْبَة وهب بقوله مديني أَو مدنِي؟ قلت: لم يظْهر لي شَيْء يجدي إلَاّ أَنه أَشَارَ إِلَى أَنه مديني، كَمَا أَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الَّذِي روى عَنهُ مدنِي أَيْضا. ٤٣ - (بابُ إذَا دُعِيَ الإمامُ إلَى الصَّلَاةِ وَبِيَدِهِ مَا يأكُلُ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته إِذا دعى الإِمَام إِلَى آخِره، وَالْوَاو فِي: (وَبِيَدِهِ) ، للْحَال. قَوْله: (مَا يَأْكُل) : مَا، مَوْصُولَة: وَيَأْكُل، صلتها، والعائد مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: مَا يَأْكُلهُ، ومحلها مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره هُوَ قَوْله: (بِيَدِهِ) ، وَيجوز أَن تكون: مَا، مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير: وَبِيَدِهِ الْأكل، أَي: الْمَأْكُول، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْبَاب السَّابِق، تَنْبِيها على أَن الْأَمر فِيهِ للنَّدْب لَا للْإِيجَاب، إِذْ لَو كَانَ تَقْدِيم الْعشَاء على الصَّلَاة الَّتِي أُقِيمَت وَاجِبا، لَكَانَ النَّبِي ﷺ كمل أكله وَلَا ألْقى السكين فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي فِي الْبَاب، وَلَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة. فَإِن قلت: الْعلَّة فِي تَقْدِيم الْعشَاء إخلاء الْقلب عَن الشواغل الَّتِي أكبرها ميل النَّفس إِلَى الطَّعَام الَّذِي حضر، وَالنَّبِيّ ﷺ كَانَ قَوِيا على مدافعة قُوَّة الشَّهْوَة: (وَأَيكُمْ يملك أربه) قلت: لَعَلَّه ﷺ أَخذ فِي خَاصَّة نَفسه بالعزيمة فَقدم الصَّلَاة على الطَّعَام، وَأمر غَيره بِالرُّخْصَةِ. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة تَقْيِيد التَّرْجَمَة بِالْإِمَامِ؟ قلت: تَقْيِيده بِهِ يحْتَمل أَنه يرى التَّفْصِيل بَين مَا إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة قبل الشُّرُوع فِي الْأكل أَو بعده، كَمَا ذهب إِلَيْهِ قوم كَمَا ذَكرْنَاهُ، ثمَّ إِنَّه يرى بِأَن يكون الإِمَام مَخْصُوصًا بِهِ، وَغَيره من الْمَأْمُومين يكون الْأَمر مُتَوَجها إِلَيْهِم على الْإِطْلَاق. ٦٧٥ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ عَنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي جَعْفَرُ بنُ عَمْرو بنِ أُمَيَّةَ أنَّ أبَاهُ قَالَ رأيْتُ رسولَ الله ﷺ يَأكُلُ ذِرَاعا يَحْتَزُّ مِنْهَا فَدُعِيَ إلَى الصَّلَاةِ فقامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ فَصَلَّى ولَمْ يَتَوَضَّأ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ مَا تضمنه معنى الحَدِيث وَهُوَ ظَاهر. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد الله ابْن يحيى بن عَمْرو أَبُو الْقَاسِم الأويسي الْمدنِي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ الْقرشِي الْمدنِي. الثَّالِث: صَالح بن كيسَان أَبُو مُحَمَّد مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: جَعْفَر بن عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي الْمدنِي. السَّادِس: أَبوهُ عَمْرو بن أُميَّة بن خويلد، أَبُو أُميَّة الضمرِي شهد بَدْرًا وأحدا مُشْركًا، وَأسلم بعد، وَعَمْرو قَالَ الْوَاقِدِيّ: بَقِي إِلَى دهر مُعَاوِيَة بِالْمَدِينَةِ، وَمَات بهَا. وَقد مر فِي: بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْمَاضِي فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب من لم يتَوَضَّأ من لحم الشَّاة، وتكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء، وَالله تَعَالَى أعلم. ٤٤ - (بابُ منْ كانَ فِي حاجَةِ أهْلِهِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من كَانَ ... إِلَى آخِره، وَأَشَارَ بِهَذَا الْبَاب إِلَى أَن حكم هَذَا خلاف حكم الْبَاب السَّابِق، إِذْ لَو قيس عَلَيْهِ

стр. 1449

كل أَمر تتشوق النَّفس إِلَيْهِ لم يبْق للصَّلَاة وَقت، وَإِنَّمَا حكم هَذَا أَن من كَانَ فِي حَاجَة بَيته فأقيمت الصَّلَاة يخرج إِلَيْهَا وَيتْرك تِلْكَ الْحَاجة، بِخِلَاف مَا إِذا حضر الْعشَاء، وأقيمت الصَّلَاة، فَإِنَّهُ يقدم الْعشَاء على الصَّلَاة إلَاّ إِذا خَافَ فَوتهَا. ٦٧٦ - حدَّثنا ادَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حَدثنَا الحَكَمُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ قَالَ سَألْتُ عائِشَةَ مَا كانَ النبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قالَتْ كانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أهْلِهِ فإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله تقدمُوا غير مرّة، وآدَم ابْن إِيَاس، وَالْحكم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف: ابْن عُيَيْنَة، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ؛ وَالْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع والعنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن خَاله، وَهُوَ إِبْرَاهِيم يروي عَن خَاله الْأسود. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن حَفْص بن عمر، وَفِي النَّفَقَات عَن مُحَمَّد بن عرْعرة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن هناد عَن وَكِيع، وَقَالَ: صَحِيح. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا كَانَ) ، كلمة: مَا، للاستفهام. قَوْله: (كَانَ يكون) فَائِدَة تَكْرِير: الْكَوْن، الِاسْتِمْرَار وَبَيَان أَنه ﷺ كَانَ يداوم عَلَيْهَا. وَاسم: كَانَ، ضمير الشان. قَوْله: (فِي مهنة أَهله) ، بِكَسْر الْمِيم وَفتحهَا وَسُكُون الْهَاء، وَقد فَسرهَا آدم شيخ البُخَارِيّ فِي نفس الحَدِيث، بقوله: (تَعْنِي: خدمَة أَهله) . وَقَالَ الْجَوْهَرِي: المهنة، بِالْفَتْح: الْخدمَة. وَقَالَ ابْن سَيّده: المهنة: الحذق بِالْخدمَةِ، وَالْعَمَل، وَقَالَ بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا، وَفتح الْهَاء أَيْضا. وَأنكر الْأَصْمَعِي الْكسر، فَقَالَ: مهنهم يمهنهم مهنا، ومهنة، من بَاب: نصر ينصر، والماهن الْخَادِم، وَجمعه: مهان ومهنة، بِفَتْح الْمِيم وَالْهَاء. وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده: فِي مهنة بَيت أَهله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْبَيْت تَارَة يُضَاف إِلَى الرَّسُول ﷺ وَتارَة إِلَى أَهله، وَهُوَ فِي الْوَاقِع إِمَّا لَهُ أَو لَهُم. ثمَّ أجَاب بقوله: فِيمَا أَثْبَتَت الملكية فالإضافة حَقِيقِيَّة، وَفِيمَا لم تثبت فالإضافة فِيهِ بِأَدْنَى مُلَابسَة، وَهُوَ نَحْو كَونه مسكنا لَهُ. وَقد وَقع المهنة مفسرة فِي (الشَّمَائِل) لِلتِّرْمِذِي، من طَرِيق عمْرَة عَن عَائِشَة بِلَفْظ: (مَا كَانَ إلَاّ بشرا من الْبشر يفلي ثَوْبه ويحلب شاته ويخدم نَفسه) . وَلأَحْمَد وَابْن حبَان من رِوَايَة عُرْوَة عَنْهَا: (يخيط ثَوْبه ويخصف نَعله) . وَزَاد ابْن حبَان: (ويرقع دلوه) ، وَزَاد الْحَاكِم فِي الإكليل) : (وَمَا رَأَيْته ضرب بِيَدِهِ امْرَأَة وَلَا خَادِمًا) . ٤٥ - (بابُ مَنْ صَلَّى بالنَّاسِ وَهْوَ لَا يُرِيدُ إلَاّ أنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلَاةَ النبيِّ ﷺ وسُنَّتَهْ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمَة: من صلى بِالنَّاسِ ... إِلَى آخِره. و: الْوَاو، فِي قَوْله: وَهُوَ، للْحَال. قَوْله: (وَسنة) . وَهُوَ بِالنّصب عطف على صَلَاة النَّبِي، ﷺ . ٦٧٧ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أيوبُ عنْ أبي قِلَابَةَ قَالَ جاءَنا مالِكُ بنُ الحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا فقالَ أنِّي لأصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ أُصَلِّي كَيْفَ رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يُصَلِّي فَقُلْتُ لأبِي قِلَابَةَ كَيْفَ كانَ يُصَلِّي قَالَ مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا وكانَ شَيْخا يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأولَى. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: وهيب تَصْغِير وهب بن خَالِد صَاحب الْكَرَابِيسِي. الثَّالِث: أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد الْجرْمِي. الْخَامِس: مَالك بن الْحُوَيْرِث اللَّيْثِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ لِأَن أَيُّوب رأى أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون، وَمَالك بن الْحُوَيْرِث سكن الْبَصْرَة. ذكر تعدد مَوْضِعه

стр. 1450

وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُعلى بن أَسد، وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَأبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد وَزِيَاد بن أَيُّوب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن زِيَاد بن أَيُّوب وَعَن مُحَمَّد بن بشار. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي مَسْجِدنَا هَذَا) ، الظَّاهِر أَنه مَسْجِد الْبَصْرَة. قَوْله: (إِنِّي لأصلي) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وَهِي مَفْتُوحَة. قَوْله: (وَمَا أُرِيد الصَّلَاة) : الْوَاو، فِيهِ للْحَال أَي: لَيْسَ مَقْصُود أَدَاء فرض الصَّلَاة، لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقت الْفَرْض، أَو لِأَنِّي صليته، بل الْمَقْصُود أَن أعلمكُم صَلَاة رَسُول الله ﷺ وكيفيتها. فَإِن قلت: فِي هَذَا النَّفْي يلْزم وجود الصَّلَاة بِغَيْر قربَة، وَهَذَا لَا يَصح؟ قلت: أوضحت لَك مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ مُرَاده نفي الْقرْبَة، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان أَن السَّبَب الْبَاعِث لَهُ على ذَلِك قصد التَّعْلِيم. فَإِن قلت: هَل تعين التَّعْلِيم عَلَيْهِ حَتَّى فعل ذَلِك؟ قلت: يحْتَمل ذَلِك لِأَنَّهُ أحد من خُوطِبَ بذلك فِي قَوْله: (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) . فَإِن قلت: فِيهِ نوع التَّشْرِيك فِي الْعِبَادَة قلت: لَا، لِأَن قَصده كَانَ التَّعْلِيم وَلَيْسَ للتشريك فِيهِ دخل. قَوْله: (أُصَلِّي كَيفَ رَأَيْت) أَي: أُصَلِّي هَذِه الصَّلَاة على الْكَيْفِيَّة الَّتِي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي، وَفِي الْحَقِيقَة، كَيفَ، مفعول فعل مُقَدّر، تَقْدِيره: أريكم كَيفَ رَأَيْت، وَالْمرَاد من الرُّؤْيَة لازمها، وَهِي كَيْفيَّة صلَاته ﷺ ، لِأَن كَيْفيَّة الرُّؤْيَة لَا يُمكن أَن يُرِيهم إِيَّاهَا. قَوْله: (فَقلت لأبي قلَابَة) الْقَائِل هُوَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. قَوْله: (مثل شَيخنَا) ، هَذَا هُوَ عَمْرو بن سَلمَة، كَمَا سَيَأْتِي فِي: بَاب اللّّبْث بَين السَّجْدَتَيْنِ. قَالَ أَيُّوب: وَكَانَ ذَلِك الشَّيْخ يتم الرُّكُوع، وَإِذا رفع رَأسه من السَّجْدَة الثَّانِيَة جلس وَاعْتمد على الأَرْض ثمَّ قَامَ. قَوْله: (فِي الرَّكْعَة الأولى) يتَعَلَّق بقوله: (من السُّجُود) أَي: السُّجُود الَّذِي فِي الرَّكْعَة الأولى، لَا بقوله: قبل أَن ينْهض، لِأَن النهوض يكون مِنْهَا لَا فِيهَا، وَيجوز أَن يكون فِي الرَّكْعَة الأولى خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا الْجُلُوس أَو هَذَا الحكم بِهِ كَانَ فِي الرَّكْعَة الأولى، وَيجوز أَن تكون كلمة: فِي، بِمَعْنى: من فَإِن قلت: هَل جَاءَ: فِي، بِمَعْنى: من؟ قلت: نعم، كَمَا فِي قَول امرىء الْقَيْس: (وَهل يعمن من كَانَ أحدث عَهده ... ثَلَاثِينَ شهرا فِي ثَلَاث أَحْوَال) أَي: من ثَلَاثَة أَحْوَال. فَإِن قلت: هَذِه ضَرُورَة الشَّاعِر قلت: لَا ضَرُورَة هُنَا لِأَن هَذَا من الطَّوِيل فَلَو قَالَ: من، لَا يخْتل الْوَزْن. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: من ذَلِك: احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَقَالَ: إِذا رفع رَأسه من السَّجْدَة الثَّانِيَة يجلس جلْسَة خَفِيفَة ثمَّ ينْهض مُعْتَمدًا يَدَيْهِ على الأَرْض. وَفِي (التَّلْوِيح) : اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذِه الجلسة الَّتِي تسمى: جلْسَة الاسْتِرَاحَة، عقيب الْفَرَاغ من الرَّكْعَة الأولى وَالثَّالِثَة، فَقَالَ بهَا الشَّافِعِي فِي قَول: وَزعم ابْن الْأَثِير أَنَّهَا مُسْتَحبَّة. وَقَالَ فِي (الام) : يقوم من السَّجْدَة الثَّانِيَة، وَلم يَأْمر بِالْجُلُوسِ. فَقَالَ بعض أَصْحَابه: إِن ذَلِك على اخْتِلَاف حَالين إِن كَانَ كَبِيرا أَو ضَعِيفا جلس، وإلَاّ لم يجلس. وَقَالَ بعض أَصْحَابه: فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ: أَحدهمَا: لَا يجلس، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَاق، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَعمر وَعلي وَأبي الزِّنَاد وَالنَّخَعِيّ. وَقَالَ ابْن قدامَة: وَعَن أَحْمد قَول: إِنَّه يجلس، وَهُوَ اخْتِيَار الْخلال. وَقيل: إِنَّه فصل بَين الضَّعِيف وَغَيره. وَقَالَ أَحْمد: وَترك الْجُلُوس عَلَيْهِ أَكثر الْأَحَادِيث. وَقَالَ النُّعْمَان بن أبي عَيَّاش: أدْركْت غير وَاحِد من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لَا يجلس. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَعَلِيهِ الْعَمَل عِنْد أهل الْعلم. وَقَالَ أَبُو (الزِّنَاد: تِلْكَ السّنة، وَأَجَابُوا عَن حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث بِأَنَّهُ: يحْتَمل ذَلِك أَن يكون بِسَبَب ضعف كَانَ بِهِ ﷺ ، وَقَالَ السفاقسي: قَالَ أَبُو عبد الْملك: كَيفَ ذهب هَذَا الَّذِي أَخذ بِهِ الشَّافِعِي على أهل الْمَدِينَة وَالنَّبِيّ ﷺ ، يُصَلِّي بهم عشر سِنِين، وَصلى بهم أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَالصَّحَابَة والتابعون؟ فَأَيْنَ كَانَ يذهب عَلَيْهِم هَذَا الْمَذْهَب؟ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَالنَّظَر يُوجب أَنه لَيْسَ بَين السُّجُود وَالْقِيَام جُلُوس، لِأَن من شَأْن الصَّلَاة التَّكْبِير فِيهَا والتحميد عِنْد كل خفض وَرفع وانتقال من حَال إِلَى حَال، فَلَو كَانَ بَينهمَا جُلُوس لاحتاج أَن يكبر عِنْد قِيَامه من ذَلِك الْجُلُوس تَكْبِيرَة، كَمَا يكبر عِنْد قِيَامه من الْجُلُوس فِي صلَاته إِذا أَرَادَ الْقيام إِلَى الرَّكْعَة الَّتِي بعد الْجُلُوس. وَرُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يعْتَمد عِنْد قِيَامه، وَفعله مَسْرُوق وَمَكْحُول وَعَطَاء وَالْحسن، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد محتجين بِهَذَا الحَدِيث. وَأَجَازَهُ مَالك فِي (الْعُتْبِيَّة) ثمَّ كرهه، وَرَأَتْ طَائِفَة أَن لَا يعْتَمد على يَدَيْهِ إلَاّ أَن يكون شَيخا أَو مَرِيضا، وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري، وَكره الِاعْتِمَاد ابْن سِيرِين وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) . وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي، وَهُوَ حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث، مَحْمُول على فعله، ﷺ ، بعد

стр. 1451

مَا كبر وأسن. قلت: فِيهِ تَأمل، لِأَن إنهاء مَا عمر، ﷺ ، ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة، وَفِي هَذَا الْقدر لَا يعجز الرجل عَن النهوض، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا كَانَ لعذر مرض أَو جِرَاحَة وَنَحْوهمَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَحمل مَالك هَذَا الحَدِيث على حَالَة الضعْف بعيد، وَكَذَا قَول من قَالَ أَن مَالك بن الْحُوَيْرِث رجل من أهل الْبَادِيَة أَقَامَ عِنْد رَسُول الله عشْرين لَيْلَة وَلَعَلَّه رَآهُ فعل ذَلِك فِي صَلَاة وَاحِدَة لعذر فَظن أَنه من سنة الصَّلَاة أبعد، وَأبْعد لَا يُقَال ذَلِك فِيهِ. وجلسة الاسْتِرَاحَة ثَابِتَة فِي حَدِيث أبي حميد الساعدة، لَا كَمَا نفاها الطَّحَاوِيّ، بل هِيَ ثَابِتَة فِي حَدِيث الْمُسِيء فِي صلَاته فِي البُخَارِيّ. انْتهى. قلت: مَا نفى الطَّحَاوِيّ إلَاّ كَونهَا سنة، وَكَيف وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ ينْهض فِي الصَّلَاة مُعْتَمدًا على صُدُور قَدَمَيْهِ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث عَلَيْهِ الْعَمَل عِنْد أهل الْعلم. فَإِن قلت: فِي سَنَده خَالِد بن إِيَاس، وَقيل: خَالِد بن إِيَاس ضعفه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأحمد وَابْن معِين؟ قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه، ويقويه مَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة فِي ذَلِك على مَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: دَلِيل على أَنه يجوز للرجل أَن يعلم غَيره الصَّلَاة وَالْوُضُوء، عملا وعيانا، كَمَا فعل جِبْرِيل، ﵊، بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَفِيه: أَن التَّعْلِيم بِالْفِعْلِ أوضح من القَوْل. ٤٦ - (بابٌ أهْلُ العِلْمِ والفَضْلِ أحَقُّ بِالإمَامةِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته أهل الْعلم وَالْفضل أَحَق بِالْإِمَامَةِ من غَيرهم مِمَّن لَيْسَ من أهل الْعلم، وَقَالَ بَعضهم: وَمُقْتَضَاهُ أَن الأعلم وَالْأَفْضَل أَحَق من الْعَالم والفاضل. قلت: هَذَا التَّرْكِيب لَا يَقْتَضِي أصلا هَذَا الْمَعْنى، بل مُقْتَضَاهُ أَن الْعَالم أَحَق من الْجَاهِل، والفاضل أَحَق من غَيره الْفَاضِل. ثمَّ قَالَ: وَذكر الْفضل بعد الْعلم من ذكر الْعَام بعد الْخَاص. قلت: هَذَا إِنَّمَا يتمشى إِذا أُرِيد من لفظ الْفضل معنى الْعُمُوم، وَأما إِذا أُرِيد مِنْهُ معنى خَاص لَا يتمشى هَذَا على مَا لَا يخفى. ٦٧٨ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قَالَ حدَّثنا حُسَيْنٌ عَن زَائِدَةَ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ قَالَ حدَّثني أبُو بُرْدَةَ عَن أبي مُوسَى قَالَ مَرِضَ النبيُّ ﷺ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ قالِتْ عَائِشَةُ إنَّهُ رجُلٌ رَقِيقٌ إذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ قالَ مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ فأَتَاهُ الرَّسُولُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَياةِ النبيِّ ﷺ (الحَدِيث ٦٧٨ طرفه فِي: ٣٣٨٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن أَبَا بكر أفضل الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق ابْن نصر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة: وَهُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع من كِتَابه، مرّة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، وَمرَّة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن نصر، فينسبه إِلَى جده. الثَّانِي: حُسَيْن ابْن عَليّ بن الْوَلِيد الْجعْفِيّ الكُوفي. الثَّالِث: زَائِدَة بن قدامَة. الرَّابِع: عبد الْملك بن عُمَيْر بتصغير عمر وبن سُوَيْد الْكُوفِي كَانَ مَعْرُوفا: بِعَبْد الْملك القبطي، لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فرس سَابق يعرف بالقبطي، فنسب إِلَيْهِ. وَكَانَ على قَضَاء الْكُوفَة بعد الشّعبِيّ وَهُوَ أول من عبر نهر جيحون نهر بَلخ من طَرِيق سَمَرْقَنْد، مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وعمره مائَة سنة وَثَلَاث سِنِين. الْخَامِس: أَبُو بردة بن أبي مُوسَى واسْمه: عَامر. السَّادِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين، وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: نِسْبَة الرَّاوِي إِلَى جده وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون سوى شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈، عَن الرّبيع عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

стр. 1452

ذكر مَعْنَاهُ: وَقد ذكرنَا أَكثر مَعَانِيه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ فِي: بَاب حد الْمَرِيض أَن يشْهد الْجَمَاعَة، فَإِنَّهُ روى هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ من حَدِيث الْأسود عَن عَائِشَة، وبيَّنا هُنَاكَ مَا ذكر فِيهِ من اخْتِلَاف الرِّوَايَات. قَوْله: (رَقِيق) أَي: رَقِيق الْقلب. قَوْله: (لم يسْتَطع) أَي: من الْبكاء لِكَثْرَة الْحزن ورقة الْقلب. قَوْله: (فَعَادَت) أَي: عَائِشَة إِلَى مقالتها الأولى. قَوْله: (فَإِنَّكُنَّ) ، الْخطاب لجنس عَائِشَة، وإلَاّ فَالْقِيَاس أَن يُقَال: فَإنَّك، بِلَفْظ الْمُفْرد. قَوْله: (فَأَتَاهُ الرَّسُول) ، أَي: فَأتى أَبَا بكر رَسُول النَّبِي ﷺ بتبليغ الْأَمر بِصَلَاتِهِ بِالنَّاسِ، وَكَانَ الرَّسُول هُوَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فصلى بِالنَّاسِ فِي حَيَاة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وسلمفإن قلت: أَي: إِلَى أَن مَاتَ، وَكَذَا صرح بِهِ مُوسَى بن عقبَة فِي (الْمَغَازِي) [/ ح. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ دلَالَة على فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الثَّانِي: فِيهِ أَن أَبَا بكر صلى بِالنَّاسِ فِي حَيَاة النَّبِي، ﷺ ، وَكَانَت فِي هَذِه الْإِمَامَة الَّتِي هِيَ الصُّغْرَى دلَالَة على الْإِمَامَة الْكُبْرَى. الثَّالِث: فِيهِ أَن الأحق بِالْإِمَامَةِ هُوَ الأعلم، وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَن هُوَ أولى بِالْإِمَامَةِ. فَقَالَت طَائِفَة: الأفقه، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالْجُمْهُور. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَأحمد وَإِسْحَاق: الأقرأ، وَهُوَ قَول ابْن سِيرِين وَبَعض الشَّافِعِيَّة، وَلَا شكّ فِي اجْتِمَاع هذَيْن الوصفين فِي حق الصّديق، أَلا ترى إِلَى قَول أبي سعيد: وَكَانَ أَبُو بكر أعلمنَا، ومراجعة الشَّارِع بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي تدل على تَرْجِيحه على جَمِيع الصَّحَابَة وتفضيله. فَإِن قلت: فِي حَدِيث أبي مَسْعُود البدري الثَّابِت فِي مُسلم: (ليؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله تَعَالَى) ، يُعَارض هَذَا؟ قلت: لَا، لِأَنَّهُ لَا يكَاد يُوجد إِذْ ذَاك قارىء إلاّ وَهُوَ فَقِيه، وَأجَاب بَعضهم: بِأَن تَقْدِيم الأقرأ كَانَ فِي أول الْإِسْلَام حِين كَانَ حفاظ الْإِسْلَام قَلِيلا، وَقد قدم عَمْرو بن سَلمَة وَهُوَ صَغِير على الشُّيُوخ لذَلِك، وَكَانَ سَالم يؤم الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فِي مَسْجِد قبَاء حِين أَقبلُوا من مَكَّة لعدم الْحفاظ حِينَئِذٍ، وَقَالَ أَصْحَابنَا: أولى النَّاس بِالْإِمَامَةِ أعلمهم بِالسنةِ، أَي: بالفقه وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِذا كَانَ يحسن من الْقِرَاءَة مَا تجوز بِهِ الصَّلَاة، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَإِلَيْهِ ذهب عَطاء وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ. وَعَن أبي يُوسُف: أَقرَأ النَّاس أولى بِالْإِمَامَةِ، يَعْنِي: أعلمهم بِالْقِرَاءَةِ وَكَيْفِيَّة أَدَاء حروفها ووقوفها وَمَا يتَعَلَّق بِالْقِرَاءَةِ، وَهُوَ أحد الْوُجُود عِنْد الشَّافِعِيَّة. وَفِي (الْمَبْسُوط) وَغَيره: أَنما قدم الأقرأ فِي الحَدِيث لأَنهم كَانُوا فِي ذَلِك الْوَقْت يتلقونه بأحكامه، حَتَّى رُوِيَ أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حفظ سُورَة الْبَقَرَة فِي اثْنَتَيْ عشرَة سنة، فَكَانَ الأقرأ فيهم هُوَ الأعلم بِالسنةِ وَالْأَحْكَام، وَعَن ابْن عمر أَنه قَالَ: مَا كَانَت تنزل السُّورَة على رَسُول الله ﷺ إلاّ ونعلم أمرهَا ونهيها وزجرها وحلالها وحرامها، وَالرجل الْيَوْم يقْرَأ السُّورَة وَلَا يعرف من أَحْكَامهَا شَيْئا. فَإِن قلت: لما كَانَ أقرؤهم أعلمهم فَمَا معنى قَوْله، ﷺ : (فَإِن كَانُوا فِي الْقِرَاءَة سَوَاء فأعلمهم بِالسنةِ؟) وأقرؤهم هُوَ: أعلمهم بِالسنةِ فِي ذَلِك الْوَقْت لَا محَالة على مَا قَالُوا؟ قلت: الْمُسَاوَاة فِي الْقِرَاءَة توجيهها فِي الْعلم فِي ذَلِك الزَّمَان ظَاهرا لَا قطعا، فَجَاز تصور مُسَاوَاة الْإِثْنَيْنِ فِي الْقِرَاءَة مَعَ التَّفَاوُت فِي الْأَحْكَام، ألَا ترى أَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ أَقرَأ وَابْن مَسْعُود كَانَ أعلم وأفقه. وَفِي (النِّهَايَة) : اسْتَقل بِحِفْظ الْقُرْآن سِتَّة: أَبُو بكر وَعُثْمَان وَعلي وَزيد وَأبي وَابْن مَسْعُود. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ أعلم وأفقه من عُثْمَان، وَلَكِن كَانَ يعسر عَلَيْهِ حفظ الْقُرْآن، فَجرى كَلَامه، ﷺ ، على الْأَعَمّ الْأَغْلَب. فَإِن قلت: الْكَلَام فِي الْأَفْضَلِيَّة مَعَ الِاتِّفَاق على الْجَوَاز على أَي وَجه كَانَ، وَقَوله، ﷺ : (فَإِن كَانُوا فِي الْقِرَاءَة سَوَاء فأعلمهم بِالسنةِ) ، بِصِيغَة تدل على عدم جَوَاز إِمَامَة الثَّانِي عِنْد وجود الأول، لِأَن صيغته صِيغَة إِخْبَار، وَهُوَ فِي اقْتِضَاء الْوُجُوب آكِد من الْأَمر، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ذكره بِالشّرطِ وَالْجَزَاء فَكَانَ اعْتِبَار الثَّانِي إِنَّمَا كَانَ بعد وجود الأول لَا قبله قلت: صِيغَة الْإِخْبَار لبَيَان الشَّرْعِيَّة لَا أَنه لَا يجوز غَيره، كَقَوْلِه ﷺ : (يمسح الْمُقِيم يَوْمًا وَلَيْلَة) . وَلَئِن سلمنَا أَن صِيغَة الْإِخْبَار مَحْمُولَة على معنى الْأَمر، وَلَكِن الْأَمر يحمل على الِاسْتِحْبَاب لوُجُود الْجَوَاز بِدُونِ الِاقْتِدَاء بِالْإِجْمَاع. فَإِن قلت: لَو كَانَ المُرَاد فِي الحَدِيث من قَوْله: (يؤم الْقَوْم أقرؤهم) هُوَ الأعلم لَكَانَ يلْزم تكْرَار الأعلم فِي الحَدِيث، وَيكون التَّقْدِير: يؤم الْقَوْم أعلمهم، فَإِن تساووا فأعلمهم؟ قلت: المُرَاد من قَوْله: كَانَ أقرؤهم أعلمهم، يَعْنِي: أعلمهم بِكِتَاب الله دون السّنة. وَمن قَوْله: أعلمهم بِالسنةِ أعلمهم بِأَحْكَام الْكتاب وَالسّنة جَمِيعًا. فَكَانَ الأعلم الثَّانِي غير الأعلم الأول. فَإِن قلت: حَدِيث أبي مَسْعُود الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم: (يؤم الْقَوْم أقرؤهم) ، الحَدِيث يُعَارضهُ قَوْله، ﷺ : (مروا أَبَا بكر يُصَلِّي

стр. 1453

بِالنَّاسِ) ، إِذْ كَانَ فيهم من هُوَ أَقرَأ مِنْهُ لِلْقُرْآنِ مثل: أبي، وَغَيره وَهُوَ أولى قلت: حَدِيث أبي مَسْعُود كَانَ فِي أول الْهِجْرَة وَحَدِيث أبي بكر فِي آخر الْأَمر، وَقد تفقهوا فِي الْقُرْآن، وَكَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أعلمهم وأفقههم فِي كل أمره، وَقَالَ أَصْحَابنَا: فَإِن تساووا فِي الْعلم وَالْقِرَاءَة فأولاهم أورعهم. وَفِي (البدرية) : الْوَرع الاجتناب عَن الشُّبُهَات، وَالتَّقوى الاجتناب عَن الْمُحرمَات، فَإِن تساووا فِي الْقِرَاءَة وَالْعلم والورع فأسنهم أولى بِالْإِمَامَةِ لقَوْله ﷺ : (وليؤمكما أكبركما) ، وَفِي (الْمُحِيط) : الأسن أولى من الأورع إِذا لم يكن فِيهِ فسق ظَاهر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالسِّنِّ سنّ مضى فِي الْإِسْلَام، فَلَا يقدم شيخ أسلم قَرِيبا على شَاب نَشأ فِي الْإِسْلَام، أَو أسلم قبله. قَالَ أَصْحَابنَا: فَإِن تساووا فِي السن فأحسنهم خلقا، وَزَاد بَعضهم: فَإِن تساووا فأحسنهم وَجها. وَفِي (مُخْتَصر الْجَوَاهِر) : يرجح بالفضائل الشَّرْعِيَّة والخلقية والمكانية وَكَمَال الصُّورَة، كالشرف فِي النّسَب وَالسّن، ويلتحق بذلك حسن اللبَاس. وَقيل: وبصباحة الْوَجْه وَحسن الْخلق وبملك رَقَبَة الْمَكَان أَو منفعَته. قَالَ المرغيناني: الْمُسْتَأْجر أولى من الْمَالِك، وَفِي (الْخُلَاصَة) : فَإِن تساووا فِي هَذِه الْخِصَال يقرع، أَو الْخِيَار إِلَى الْقَوْم. وَقيل: إِمَامَة الْمُقِيم أولى من الْعَكْس، وَقَالَ أَبُو الْفضل الْكرْمَانِي: هما سَوَاء، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ فِي الْقَدِيم: تَقْدِيم الْأَشْرَف ثمَّ الأقدم هِجْرَة ثمَّ الأسن، وَهُوَ الْأَصَح. وَالْقَوْل الثَّانِي: يقدم الأسن ثمَّ الْأَشْرَف ثمَّ الأقدم هِجْرَة، وَفِي تتمتهم: ثمَّ بعد الْكبر والشرف تقدم نظافة الثَّوْب، وَالْمرَاد بِهِ النَّظَافَة عَن الْوَسخ لَا عَن النَّجَاسَات، لِأَن الصَّلَاة مَعَ النَّجَاسَات لَا تصح، ثمَّ بعد ذَلِك حسن الصَّوْت، لِأَنَّهُ بِهِ تميل النَّاس إِلَى الصَّلَاة خَلفه فتكثر الْجَمَاعَة، ثمَّ حسن الصُّورَة. ٦٧٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ أُمّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ الله تَعَالى عَنْهَا أنَّهَا قَالَتْ إنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّي بِالنَّاسِ قالَتْ عائِشَةُ قُلْتُ إنَّ أبَا بَكْرٍ إذَا قامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ فقالَتْ عائِشَةُ فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ قُولِي لَهُ إنَّ أبَا بَكْرٍ إذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ فَفَعلَتْ حَفْصَةُ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ مَهْ إنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ للنَّاسِ فَقَالَتْ حَفْصَةُ لَعَائِشَةَ مَا كُنْتُ لأصِيبَ مِنْكِ خَيْرا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد مروا غير مرّة. قَوْله: (عَن عَائِشَة) ، رَوَاهُ حَمَّاد عَن مَالك مَوْصُولا، وَهُوَ فِي أَكثر نسخ (الْمُوَطَّأ) مُرْسلا لَيْسَ فِيهِ عَائِشَة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن إِسْحَاق ابْن مُوسَى عَن معن. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم. قَوْله: (فَليصل بِالنَّاسِ) ، ويروى: (للنَّاس) ، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، ويروى: (فليصلي) ، بِالْيَاءِ. قَوْله: (إنكن) ويروى: (فَإِنَّكُنَّ) ، أَي: إِن هَذَا الْجِنْس هن اللَّاتِي شوشن على يُوسُف، ﵊، وكدرنه وأوقعنه فِي الْمَلَامَة: فَجمع بِاعْتِبَار الْجِنْس، أَو لِأَن أقل الْجمع عِنْد طَائِفَة اثْنَان. ٧١ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَكَانَ تبع النَّبِي ﷺ َ - وخدمه وَصَحبه أَن أَبَا بكر كَانَ يُصَلِّي بهم فِي وجع النَّبِي ﷺ َ - الَّذِي توفّي فِيهِ حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ وهم صُفُوف فِي الصَّلَاة فكشف النَّبِي ﷺ َ - ستر الْحُجْرَة ينظر إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِم كَأَن وَجهه ورقة مصحف ثمَّ تَبَسم يضْحك فهممنا أَن نفتتن من الْفَرح بِرُؤْيَة النَّبِي ﷺ َ - فنكص أَبُو بكر على عَقِبَيْهِ

стр. 1454

ليصل الصَّفّ وَظن أَن النَّبِي ﷺ َ - خَارج إِلَى الصَّلَاة فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِي ﷺ َ - أَن أَتموا صَلَاتكُمْ وأرخى السّتْر فَتوفي من يَوْمه ﷺ َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله " إِن أَبَا بكر كَانَ يُصَلِّي بهم " وَرِجَاله تقدمُوا وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب قَوْله " تبع النَّبِي ﷺ َ - " مَا ذكر الْمَتْبُوع فِيهِ ليشعر بِالْعُمُومِ أَي تبعه فِي العقائد والأقوال وَالْأَفْعَال والأخلاق قَوْله " وخدمه " أَي وخدم النَّبِي ﷺ َ - إِنَّمَا ذكر خدمته لبَيَان زِيَادَة شرفه وَهُوَ كَانَ خَادِمًا لَهُ عشر سِنِين لَيْلًا وَنَهَارًا وَذكر صحبته مَعَه ﷺ َ - لِأَن الصُّحْبَة مَعَه ﷺ َ - أفضل أَحْوَال الْمُؤمنِينَ وَأَعْلَى مقاماتهم قَوْله " يَوْم الِاثْنَيْنِ " بِالنّصب أَي كَانَ الزَّمَان يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيجوز أَن تكون كَانَ تَامَّة وَيكون يَوْم الِاثْنَيْنِ مَرْفُوعا قَوْله " وهم صُفُوف " جملَة اسمية وَقعت حَالا وَكَذَا قَوْله " ينظر " جملَة وَقعت حَالا ويروى " فَنظر " قَوْله " كَأَن وَجهه ورقة مصحف " الورقة بِفَتْح الرَّاء والمصحف مُثَلّثَة الْمِيم وَوجه التَّشْبِيه عبارَة عَن الْجمال البارع وَحسن الْوَجْه وصفاء الْبشرَة قَوْله " يضْحك " جملَة وَقعت حَالا تَقْدِيره فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا وَسبب تبسمه فرحه بِمَا رأى من اجْتِمَاعهم على الصَّلَاة واتفاق كلمتهم وإقامتهم شَرِيعَته وَلِهَذَا استنار وَجهه ويروى " فَضَحِك " بفاء الْعَطف قَوْله " فهممنا " أَي قصدنا قَوْله " فنكص أَبُو بكر " أَي رَجَعَ قَوْله " ليصل الصَّفّ " من الْوُصُول لَا من الْوَصْل قَوْله " الصَّفّ " مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي إِلَى الصَّفّ قَوْله " فَتوفي من يَوْمه " ويروى " وَتُوفِّي " بِالْوَاو - ٦٨١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أنَسٍ قَالَ لَمْ يَخْرُجِ النبيُّ ﷺ ثَلَاثا فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ فَقَالَ نَبِيُّ الله ﷺ بِالحِجَابِ فَرَفَعَهُ فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وسلمما نَظرنَا منْظرًا كَانَ أعجب إِلَيْنَا من وَجه النَّبِي ﷺ حِينَ وَضَحَ لَنا فَأَوْمَأ النبيُّ ﷺ بِيَدِهِ إلَى أبِي بَكْرٍ أنْ يَتَقَدَّمَ وأرْخَى النَّبيُّ ﷺ الحِجَابَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى ماتَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَوْمأ النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أبي بكر) لِأَن إِشَارَته إِلَيْهِ بالتقدم أَمر لَهُ بِالصَّلَاةِ للْقَوْم على سَبِيل الْخلَافَة، وَلم يومِ إِلَيْهِ إلاّ لكَونه أعلمهم وأفضلهم. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، والرواة كلهم بصريون. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي مُوسَى وَهَارُون الْجمال، كِلَاهُمَا عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن أَبِيه بِهِ. قَوْله: (ثَلَاثًا) ، أَي: ثَلَاثَة أَيَّام، وَقد قُلْنَا غير مرّة: إِن الْمُمَيز إِذا لم يكن مَذْكُورا جَازَ فِي لفظ الْعدَد التَّاء وَعَدَمه، وَكَانَ ابْتِدَاء الثَّلَاث من حِين خرج، ﷺ ، فصلى بهم قَاعِدا. قَوْله: (فَذهب أَبُو بكر فَتقدم) ، ويروى: (يتَقَدَّم) ، بياء المضارعة وموقعها حَال، أَي: فَذهب مُتَقَدما. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: نَبِي الله ﷺ بالحجاب، أَي: أَخذ الْحجاب فرفعه. وإجراء لفظ: قَالَ، بِمَعْنى: فعل، شَائِع فِي كَلَام الْعَرَب. قَوْله: (فَلَمَّا وضح) أَي: فَلَمَّا ظهر وَجه النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ ابْن التِّين: أَي: ظهر لنا بياضه وَحسنه، لِأَن الوضاح، عِنْد الْعَرَب هُوَ: الْأَبْيَض اللَّوْن لحسنه. قَوْله: (مَا رَأينَا) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مَا نَظرنَا) . قَوْله: (أَن يتَقَدَّم) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: فَأَوْمأ النَّبِي ﷺ إِلَى أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بالتقدم إِلَى الصَّلَاة ليُصَلِّي بهم. (فَلم يقدر عَلَيْهِ) ، أَي: على الْمَشْي، وَيقدر بِضَم الْيَاء وَفتح الدَّال بِلَفْظ الْمُفْرد الْغَائِب على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى: (فَلم نقدر) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الدَّال: بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، قَالَه الْكرْمَانِي. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ خَلِيفَته فِي الصَّلَاة، إِلَى مَوته، ﷺ ،

стр. 1455

وَلم يعزله عَنْهَا، كَمَا زعمت الشِّيعَة، أَنه عزل بِخُرُوج النَّبِي ﷺ وتخلفه وَتقدم النَّبِي ﷺ . وَأَن الْإِشَارَة بِالْيَدِ تقوم مقَام الْأَمر فِي مثل هَذَا الْموضع. ٦٨٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهَبٍ قَالَ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَاب عنْ حَمْزَةَ بنِ عَبْدِ الله أنَّهُ أخْبَرَهُ عنْ أبِيهِ قالَ لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ الله ﷺ وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالناس قالَتْ عائِشَةُ إنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذا قَرَأ غَلَبَهُ البُكَاءُ قَالَ مُرُوهُ فَيُصَلِّي فَعَاوَدَتْهُ قَالَ مُرُوهُ فَيُصَلِّي إنَّكُنَّ صَوَاحِبَ يُوسُفَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن سُلَيْمَان بن يحيى أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن مصر وَمَات بهَا سنة ثَمَان، وَيُقَال: سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ. الثَّالِث: يُونُس ابْن يزِيد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: حَمْزَة بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَبُو عمَارَة أَخُو سَالم. السَّادِس: أَبوهُ عبد الله بن عمر. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وأيلي ومصري ومدني. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي: عشرَة النِّسَاء، عَن صَفْوَان بن عَمْرو عَن بشر بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن الزُّهْرِيّ. بِهِ قَوْله: (فِي الصَّلَاة) أَي: فِي شَأْن الصَّلَاة وَتَعْيِين الإِمَام. قَوْله: (فَليصل) ويروى: (فليصلي) بِالْيَاءِ. قَوْله: (فعاودته) ، بِفَتْح الدَّال وَسُكُون التَّاء أَي: فعاودته عَائِشَة، ويروى: (فعاودنه) ، بِسُكُون الدَّال بعْدهَا نون الْجمع، وَهِي: عَائِشَة وَمن مَعهَا من النِّسَاء. قَوْله: (فَقَالَ) ويروى: (قَالَ) ، بِدُونِ الْفَاء. قَوْله: (فَليصل) ، ويروى (فليصلي) بِالْيَاءِ. تابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ أَي: تَابع يُونُس بن يزِيد الزبيدِيّ، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: وَهُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد الْحِمصِي أَبُو الْهُذيْل. قَالَ: أَقمت مَعَ الزُّهْرِيّ عشر سِنِين بالرصافة، مَاتَ بِالشَّام سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَوصل الطَّبَرَانِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي مُسْند الشاميين من طَرِيق عبد الله بن سَالم الْحِمصِي عَنهُ مَوْصُولا مَرْفُوعا. وابْنُ أخِي الزُّهْرِيِّ أَي: تَابع يُونُس أَيْضا ابْن أخي الزُّهْرِيّ، وَهُوَ: مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم، قَتله غلمانه بِأَمْر وَلَده فِي خلَافَة أبي جَعْفَر، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَكَانَ وَلَده سَفِيها شاطرا، قَتله للميراث، فَوَثَبَ غلمانه بعد سنتَيْن فَقَتَلُوهُ. وَوصل مُتَابَعَته ابْن أخي الزُّهْرِيّ ابْن عدي من رِوَايَة الدَّرَاورْدِي عَنهُ. وإسْحَاقُ بنُ يَحْيَى الكَلْبِيُّ أَي: تَابع يُونُس أَيْضا إِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ الْحِمصِي، وَوصل مُتَابَعَته هَذِه أَبُو بكر بن شَاذان الْبَغْدَادِيّ. عنِ الزُّهْرِيِّ يتَعَلَّق بِالثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورين، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْفرق بَين المتابعتين أَن الثَّانِيَة كَامِلَة من حَيْثُ رفع إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَالْأولَى نَاقِصَة حَيْثُ صَار مَوْقُوفا على الزُّهْرِيّ، وَيحْتَمل أَن يفرق بَينهمَا، بِأَن الأولى: هِيَ الْمُتَابَعَة فَقَط، وَالثَّانيَِة: مقاولة لَا مُتَابعَة، وفيهَا إرْسَال أَيْضا. قلت: الثَّانِيَة مُرْسلَة لَا غير. وَقَالَ عُقَيْلٌ وَمَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن عقيلاً ومعمرا خالفا يُونُس وَمن تَابعه فأرسلا الحَدِيث، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد، وَقد تكَرر ذكرهمَا، وَقد وصل الذهلي رِوَايَة عقيل فِي الزهريات، وَأما معمر فَاخْتلف عَلَيْهِ، فَرَوَاهُ عبد الله ابْن الْمُبَارك عَنهُ مُرْسلا كَذَلِك أخرجه ابْن سعد وَأَبُو يعلى من طَرِيقه، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر مَوْصُولا، لَكِن قَالَ: عَن عَائِشَة، بدل قَوْله: عَن أَبِيه، كَذَلِك أخرجه مُسلم.

стр. 1456

٤٧ - (بابُ منْ قامَ إلَى جَنْبِ الإمَامِ لِعِلَّةٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من قَامَ من الْمُصَلِّين إِلَى جنب الإِمَام لأجل عِلّة، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن الأَصْل أَن يتَقَدَّم الإِمَام على الْمَأْمُوم، وَلَكِن للْمَأْمُوم أَن يقف بِجنب الإِمَام عِنْد وجود أَسبَاب تَقْتَضِي ذَلِك: أَحدهَا: هُوَ الْعلَّة الَّتِي ذكرهَا. وَالثَّانِي: ضيق الْموضع، فَلَا يقدر الإِمَام على التَّقَدُّم فَيكون مَعَ الْقَوْم فِي الصَّفّ. وَالثَّالِث: جمَاعَة العراة فَإِن إمَامهمْ يقف مَعَهم فِي الصَّفّ. وَالرَّابِع: أَن يكون مَعَ الإِمَام وَاحِد فَقَط يقف عَن يَمِينه، كَمَا فعل النَّبِي، ﷺ ، بِابْن عَبَّاس إِذْ أداره من خَلفه إِلَى يَمِينه، وَبِهَذَا يرد على التَّمِيمِي حَيْثُ حصر الْجَوَاز الْمَذْكُور على صُورَتَيْنِ، فَقَالَ: لَا يجوز أَن يكون أحد مَعَ الإِمَام فِي صف إلاّ فِي موضِعين: أَحدهمَا: مثل مَا فِي الحَدِيث من ضيق الْموضع وَعدم الْقُدْرَة على التَّقَدُّم. وَالثَّانِي: أَن يكون رجل وَاحِد مَعَ الإِمَام، كَمَا فعل النَّبِي، ﷺ ، بِابْن عَبَّاس حَيْثُ أداره من خَلفه إِلَى يَمِينه. ٦٨٣ - حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحْيَى قَالَ حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ قَالَ أخبرنَا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ أمَرَ رسولُ الله ﷺ أَبَا بَكْرٍ أنْ يُصلِّي بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ فَكانَ يُصَلِّي بِهمْ، قَالَ عُرْوَةُ فَوجَدَ رسولُ الله ﷺ فِي نفسِهِ خِفَّةً فَخرَجَ فإذَا أبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ فَلَمَّا رَآهُ أبْو بكْرٍ اسْتَأخَرَ فَأشَارَ إليْهِ كَمَا أنْتَ فَجلَسَ رسولُ الله ﷺ حِذَاءَ أبِي بَكْرٍ إلَى جَنْبِهِ فكانَ أَبُو بكْرٍ يُصلِّي بِصلاةِ رسولِ الله ﷺ والناسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أبِي بَكْرٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن نمير هُوَ عبد الله بن نمير. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع، والعنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة) إِلَى آخِره، قَالَ الْكرْمَانِي: من هَهُنَا إِلَى آخِره مَوْقُوف عَلَيْهِ، وَهُوَ من مَرَاسِيل التَّابِعين وَمن تعليقات البُخَارِيّ، وَيحْتَمل دُخُوله تَحت الْإِسْنَاد الأول. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَوهم من جعله مُعَلّقا قلت: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَول الْكرْمَانِي، وَمَعَ هَذَا إِن الْكرْمَانِي مَا جزم بِأَنَّهُ مُرْسل، بل قَالَ: يحْتَمل دُخُوله تَحت الْإِسْنَاد الأول. وَأخرجه ابْن مَاجَه بِهَذَا الْإِسْنَاد مُتَّصِلا بِمَا قبله، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا عبد الله بن نمير عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَ: (أَمر رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي مَرضه فَكَانَ يُصَلِّي بهم، فَوجدَ رَسُول الله ﷺ خفَّة فَخرج، فَإِذا أَبُو بكر يؤم النَّاس، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بكر اسْتَأْخَرَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَن: كَمَا أَنْت، فَجَلَسَ رَسُول الله ﷺ حذاء أبي بكر إِلَى جنبه، فَكَانَ أَبُو بكر يُصَلِّي بِصَلَاة رَسُول الله ﷺ وَالنَّاس يصلونَ بِصَلَاة أبي بكر) ، فَإِن قلت: إِذا كَانَ الحَدِيث مُتَّصِلا فَلِمَ قطعه عُرْوَة عَن الْقدر الأول الَّذِي أَخذه عَن عَائِشَة؟ قلت: لاحْتِمَال أَن يكون عُرْوَة أَخذه عَن غير عَائِشَة، فَقطع الثَّانِي عَن الْقدر الأول لذَلِك. قَوْله: (اسْتَأْخَرَ) أَي: تَأَخّر. قَوْله: (أَن: كَمَا أَنْت) كلمة: مَا، مَوْصُولَة. وَأَنت، مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، أَي: كَمَا أَنْت عَلَيْهِ أَو فِيهِ، و: الْكَاف، للتشبيه. أَي: كن مشابها لما أَنْت عَلَيْهِ، أَي: يكون حالك فِي الْمُسْتَقْبل مشابها بحالك فِي الْمَاضِي. وَيجوز أَن تكون الْكَاف زَائِدَة، أَي: الْتزم الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ، وَهُوَ الْإِمَامَة. قَوْله: (حذاء أبي بكر) أَي: محاذيا من جِهَة الْجنب لَا من جِهَة القدام وَالْخلف، وَلَا مُنَافَاة بَين قَوْله فِي التَّرْجَمَة: قَامَ إِلَى جنب الإِمَام، وَهنا قَالَ: جلس إِلَى جنبه، لِأَن الْقيام إِلَى جنب الإِمَام قد يكون انتهاؤه بِالْجُلُوسِ فِي جنبه، وَلَا شكّ أَنه كَانَ قَائِما فِي الِابْتِدَاء ثمَّ صَار جَالِسا، أَو قَاس الْقيام على الْجُلُوس فِي جَوَاز كَونه فِي الْجنب، أَو المُرَاد: قيام أبي بكر لَا قيام رَسُول الله ﷺ ، وَالْمعْنَى: قَامَ أَبُو بكر بِجنب رَسُول الله ﷺ محاذيا لَهُ لَا مُتَخَلِّفًا عَنهُ، لغَرَض مُشَاهدَة أَحْوَال رَسُول الله ﷺ .

стр. 1457

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز الْإِشَارَة المفهمة عِنْد الْحَاجة، وَجَوَاز جُلُوس الْمَأْمُوم بِجنب الإِمَام عِنْد الضَّرُورَة أَو الْحَاجة، وَفِي قَوْله: اسْتَأْخَرَ، دَلِيل وَاضح أَنه لم يكن عِنْده مستنكرا أَن يتَقَدَّم الرجل عَن مقَامه الَّذِي قَامَ فِيهِ فِي صلَاته ويتأخر، وَذَلِكَ عمل فِي الصَّلَاة من غَيرهَا، فَكل مَا كَانَ نَظِير ذَلِك وَفعله فَاعل فِي صلَاته لأمر دَعَاهُ إِلَيْهِ فَذَلِك جَائِز. قيل: فِي الحَدِيث إِشْعَار بِصِحَّة صَلَاة الْمَأْمُوم وَإِن لم يتَقَدَّم الإِمَام عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَب الْمَالِكِيَّة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ قد يكون بَينهمَا الْمُحَاذَاة مَعَ تقدم الْعقب على عقب الْمَأْمُوم، أَو جَازَ محاذاة العقبين لَا سِيمَا عِنْد الضَّرُورَة أَو الْحَاجة. وَفِيه: دلَالَة أَن الْأَئِمَّة إِذا كَانُوا بِحَيْثُ لَا يراهم من يأتم بهم جَازَ أَن يرْكَع الْمَأْمُوم بركوع المكبر. وَفِيه: أَن الْعَمَل الْقَلِيل لَا يفْسد الصَّلَاة. ٤٨ - (بابُ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ الناسَ فَجَاءَ الإمامُ الأوَّلُ فَتَأخَّرَ الأوَّلُ أوْ لَمْ يَتَأخَّرْ جازَتْ صَلَاتُهُ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته من دخل ... إِلَى آخِره. قَوْله: (الإِمَام) الأول أَي: الإِمَام الرَّاتِب. قَوْله: (فَتَأَخر الأول) أَي: الَّذِي أَرَادَ أَن يَنُوب عَن الرَّاتِب، والمعرة إِذا أُعِيدَت إِنَّمَا تكون عين الأول عِنْد عدم الْقَرِينَة الدَّالَّة على الْمُغَايرَة، ويروي: (فَتَأَخر الآخر) ، وَالْمرَاد مِنْهُ: الدَّاخِل. وكل مِنْهُمَا أول بِاعْتِبَار. فِيهِ عنْ عَائِشَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: فِي الْمَذْكُور من قَوْله: (فجَاء الامام الاول فَتَأَخر الأول) إِلَى آخِره، رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثهَا الَّذِي روى عَنْهَا عُرْوَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق، وَهُوَ قَوْله: (فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بكر اسْتَأْخَرَ) ، أَي: فَلَمَّا رأى النَّبِي، ﷺ ، أَبُو بكر فالنبي ﷺ ، هُوَ الأول لِأَنَّهُ الإِمَام الرَّاتِب، وَأَبُو بكر هُوَ الدَّاخِل وَيُطلق عَلَيْهِ الأول بِاعْتِبَار أَنه تقدم أَولا، وَيُطلق عَلَيْهِ الآخر لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأول آخر. فَافْهَم. ٦٨٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي حازِمِ بنِ دِينَارٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَجَاءَ المُؤَذَّنُ إلَى أبِي بَكْرٍ فَقَالَ أتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ قَالَ نَعَمْ فَصَلَّى أبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رسولُ الله ﷺ والنَّاسُ فِي الصَّلاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وكانَ أبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا أكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأى رسولَ الله ﷺ فَأشَارَ إلَيْهِ رسولُ الله ﷺ أنِ امْكُثْ مَكانَكَ فَرَفَعَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَدَيْهِ فَحَمِدَ الله عَلَى مَا أمَرَهُ بِهِ رسولُ الله ﷺ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوى فِي الصَّفِّ وتَقَدَّمَ رسولُ الله ﷺ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصرَفَ قَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أنْ تَثْبُتَ إذْ أمَرْتُكَ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ مَا كانَ لابنِ أبي قحَافَةَ أنْ يصلّي بَيْنَ يَدَيْ رَسولِ الله ﷺ فَقَالَ رسولُ الله ت مَا لِي رَأيْتُكُمْ أكْثَرْتُمُ التَّصفِيقَ منْ رَابَهُ شَيءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإنَّهُ إذَا سَبَّحَ الْتفت إلَيْهِ وإنَّما التصْفِيقُ لَلنِّساءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بكر حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفّ وَتقدم رَسُول الله ﷺ فصلى) . ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي. القاني: مَالك بن أنس. الثَّالِث: أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه سَلمَة بن دِينَار وَقد تقدم. الرَّابِع: سهل بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَن سهل، وَفِي رِوَايَة

стр. 1458

النَّسَائِيّ من طَرِيق سُفْيَان: عَن أبي حَازِم، سَمِعت سهلاً. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين تنسي ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي سَبْعَة مَوَاضِع هُنَا، وَفِي الصَّلَاة فِيمَا يجوز من التَّسْبِيح وَالْحَمْد للرِّجَال، وَرفع الْأَيْدِي فِيهَا لأمر ينزل بِهِ، وَالْإِشَارَة فِيهَا، والسهو، وَالصُّلْح وَالْأَحْكَام. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن بزيع وَعَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دواد عَن القعْنبِي وَعَن عَمْرو بن عَوْف. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن أَحْمد بن عَبدة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف) هم: من ولد مَالك بن الْأَوْس، وَكَانُوا بقباء، والأوس أحد قبيلتي الْأَنْصَار، وهما: الْأَوْس والخزرج، وَبَنُو عَمْرو بن عَوْف بطن كثير من الْأَوْس فِيهِ عدَّة أَحيَاء مِنْهُم: بَنو أُميَّة بن زيد، وَبَنُو ضبيعة بن زيد، وَبَنُو ثَعْلَبَة ابْن عَمْرو بن عَوْف، وَالسَّبَب فِي ذَهَابه ﷺ إِلَيْهِم مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الصُّلْح من طَرِيق مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن أبي حَازِم: (أَن أهل قبَاء اقْتَتَلُوا حَتَّى تراموا بِالْحِجَارَةِ، فَأخْبر رَسُول الله ﷺ بذلك، فَقَالَ إذهبوا بِنَا نصلح بَينهم) . وَرُوِيَ فِي الْأَحْكَام من طَرِيق حَمَّاد بن زيد: أَن توجهه كَانَ بعد أَن صلى الظّهْر، وروى الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عَمْرو بن عَليّ عَن أبي حَازِم: أَن الْخَبَر جَاءَ بذلك، وَقد أذن بِلَال لصَلَاة الظّهْر. قَوْله: (فحانت الصَّلَاة) ، أَي: صَلَاة الْعَصْر، وَصرح بِهِ فِي الْأَحْكَام. وَلَفظه: فَلَمَّا حضرت صَلَاة الْعَصْر أذن بِلَال ثمَّ أَقَامَ ثمَّ أَمر أَبَا بكر فَتقدم) . وَلم يبين فَاعل ذَلِك، وَقد بَين ذَلِك أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) بِسَنَد صَحِيح، وَلَفظه: (كَانَ قتال بَين بني عَمْرو بن عَوْف فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَأَتَاهُم ليصلح بَينهم بعد الظّهْر، فَقَالَ لِبلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِن حضرت صَلَاة الْعَصْر وَلم آتِك فَمر أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ، فَلَمَّا حضرت صَلَاة الْعَصْر أذن بِلَال ثمَّ أَقَامَ ثمَّ أَمر أَبَا بكر فَتقدم) . وَعلم من ذَلِك أَن المُرَاد من قَوْله: (فجَاء الْمُؤَذّن) هُوَ: بِلَال. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: الْمُؤَذّن الَّذِي هُوَ بِلَال. قَوْله: (أَتُصَلِّي للنَّاس؟) الْهمزَة فِيهَا للاستفهام على سَبِيل التَّقْرِير، وَبِهَذَا ينْدَفع إِشْكَال من يَقُول: هَذَا يُخَالف مَا ذكر فِي رِوَايَة أبي دَاوُد من قَوْله: (ثمَّ أَمر أَبَا بكر فَتقدم) ، ويروى: (أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ؟) بِالْبَاء الْمُوَحدَة عوض عَن اللَّام. قَوْله: (فأقيم) ، قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع وَالنّصب، وَسكت على ذَلِك. قلت: وَجه الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: فَأَنا أقيم، وَوجه النصب على أَنه جَوَاب الِاسْتِفْهَام، وَالتَّقْدِير: فَإِن أقيم. قَوْله: (قَالَ نعم) أَي: قَالَ أَبُو بكر: نعم أقِم الصَّلَاة، وَزَاد فِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم عَن أَبِيه لَفْظَة: (إِن شِئْت) . وَأخرج البُخَارِيّ هَذِه الزِّيَادَة فِي: بَاب رفع الْأَيْدِي، وَوجه هَذَا التَّفْوِيض إِلَيْهِ لاحْتِمَال أَن يكون عِنْده زِيَادَة علم من النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك. قَوْله: (فصلى أَبُو بكر) ، لَيْسَ على حَقِيقَته، بل مَعْنَاهُ: دخل فِي الصَّلَاة، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة عبد الْعَزِيز: (وَتقدم أَبُو بكر فَكبر) وَرِوَايَة المَسْعُودِيّ عَن أبي حَازِم: (فَاسْتَفْتَحَ أَبُو بكر الصَّلَاة) ، وَهِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ أَيْضا. قَوْله: (وَالنَّاس فِي الصَّلَاة) جملَة حَالية يَعْنِي: شرعوا فِيهَا مَعَ شُرُوع أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فتخلص) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: صَار خَالِصا من الاشغال قلت: لَيْسَ المُرَاد هَذَا الْمَعْنى هَهُنَا، بل مَعْنَاهُ: فتخلص من شقّ الصُّفُوف حَتَّى وصل إِلَى الصَّفّ الأول، وَهُوَ معنى قَوْله: (حَتَّى وقف فِي الصَّفّ) أَي: فِي الصَّفّ الأول، وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَا رِوَايَة عبد الْعَزِيز، عِنْد مُسلم: (فجَاء النَّبِي، ﷺ ، فخرق الصُّفُوف حَتَّى قَامَ عِنْد الصَّفّ الْمُقدم) . قَوْله: (فَصَفَّقَ النَّاس) ، بتَشْديد الْفَاء، من: التصفيق. قَالَ الْكرْمَانِي: التصفيق الضَّرْب الَّذِي يسمع لَهُ صَوت، والتصفيق بِالْيَدِ التصويت بهَا. انْتهى. التصفيق: هُوَ التصفيح بِالْحَاء، سَوَاء صفق بِيَدِهِ أَو صفح. وَقيل: هُوَ بِالْحَاء: الضَّرْب بِظَاهِر الْيَد إِحْدَاهمَا على صفحة الْأُخْرَى، وَهُوَ الْإِنْذَار والتنبيه. وبالقاف: ضرب إِحْدَى الصفحتين على الْأُخْرَى، وَهُوَ اللَّهْو واللعب. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قَالَ عِيسَى بن أَيُّوب: التصفيح للنِّسَاء ضرب بإصبعين من يَمِينهَا على كفها الْيُسْرَى. وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِي بعض الرِّوَايَات: (فصفح الْقَوْم، وَإِنَّمَا التصفيح للنِّسَاء) . فَيحمل أَنهم ضربوا أكفهم على أَفْخَاذهم قلت: رِوَايَة عبد الْعَزِيز: (فَأخذ النَّاس فِي التصفيح، قَالَ سهل: أَتَدْرُونَ مَا التصفيح؟ هُوَ التصفيق) . قَوْله: (وَكَانَ أَبُو بكر لَا يلْتَفت فِي صلَاته) وَذَلِكَ لعلمه بِالنَّهْي عَن ذَلِك، وَفِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) : سَأَلت عَائِشَة النَّبِي ﷺ عَن الْتِفَات الرجل فِي الصَّلَاة، فَقَالَ: هُوَ اختلاس يختلسه الشَّيْطَان من صَلَاة الرجل. قَوْله: (فَلَمَّا أَكثر النَّاس التصفيق) ، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد: (فَلَمَّا رأى التصفيح لَا يمسك عَنهُ الْتفت) ، قَوْله: (أَن أمكث مَكَانك) . كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالْمعْنَى: فَأَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ بالمكث

стр. 1459

فِي مَكَانَهُ. وَفِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز: (فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بِأَن يُصَلِّي) ، وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن عَليّ: (فَدفع فِي صَدره لِيَتَقَدَّم فَأبى) . قَوْله: (فَرفع أَبُو بكر يَدَيْهِ فَحَمدَ الله) ظَاهره أَنه حمد الله تَعَالَى بِلَفْظِهِ صَرِيحًا، لَكِن فِي رِوَايَة الْحميدِي عَن سُفْيَان: (فَرفع أَبُو بكر رَأسه إِلَى السَّمَاء شكرا لله وَرجع الْقَهْقَرِي) ، وَادّعى ابْن الْجَوْزِيّ أَنه أَشَارَ إِلَى الشُّكْر وَالْحَمْد بِيَدِهِ وَلم يتَكَلَّم، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْحميدِي مَا يمْنَع أَن يكون بِلَفْظِهِ، وَيُقَوِّي ذَلِك مَا رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون عَن أبي حَازِم: (يَا أَبَا بكر لم رفعت يَديك؟ وَمَا مَنعك أَن تثبت حِين أَشرت إِلَيْك؟ قَالَ: رفعت يَدي لِأَنِّي حمدت الله على مَا رَأَيْت مِنْك) . وَزَاد المَسْعُودِيّ: (فَلَمَّا تنحى تقدم النَّبِي، ﷺ وَنَحْوه فِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد. قَوْله: (ثمَّ اسْتَأْخَرَ) أَي: تَأَخّر. قَوْله: (فَلَمَّا انْصَرف) أَي: رَسُول الله ﷺ من الصَّلَاة، قَوْله: (إِذْ أَمرتك) أَي: حِين أَمرتك. قَوْله: (لِابْنِ أبي قُحَافَة) بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وَبعد الْألف فَاء: واسْمه عُثْمَان بن عَامر الْقرشِي، أسلم عَام الْفَتْح، وعاش إِلَى خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَات سنة أَربع عشرَة، وَإِنَّمَا لم يقل أَبُو بكر: مَا لي، أَو: مَا لأبي بكر، تحقيرا لنَفسِهِ واستصغارا لمرتبته عِنْد رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وَالْمرَاد من بَين يَدي: القدام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو لفظ يَدي مقحم؟ قلت: إِذا كَانَ لفظ: يَدي مقحما لَا يَنْتَظِم الْمَعْنى على مَا لَا يخفى. قَوْله: (مَا لي رأيتكم) تَعْرِيض، وَالْغَرَض: مَا لكم. قَوْله: (من نابه) أَي: من أَصَابَهُ. قَوْله: (فليسبح) ، أَي: فَلْيقل: سُبْحَانَ الله، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي حَازِم، (فَلْيقل: سُبْحَانَ الله) . قَوْله: (الْتفت إِلَيْهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله: (وَإِنَّمَا التصفيق للنِّسَاء) ، وَفِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز: (وَإِنَّمَا التصفيح للنِّسَاء) . وَوَقع فِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد بِصِيغَة الْأَمر، وَلَفظه: (إِذا نابكم أَمر فليسبح الرِّجَال وليصفح النِّسَاء) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ فضل الْإِصْلَاح بَين النَّاس وحسم مَادَّة الْفِتْنَة بَينهم وجمعهم على كلمة وَاحِدَة. الثَّانِي: فِيهِ توجه الإِمَام بِنَفسِهِ إِلَى بعض رَعيته للإصلاح، وَتَقْدِيم ذَلِك على مصلحَة الْإِمَامَة بِنَفسِهِ، لِأَن فِي ذَلِك دفع الْمفْسدَة وَهُوَ أولى من الْإِمَامَة بِنَفسِهِ، ويلتحق بذلك توجه الْحَاكِم لسَمَاع دَعْوَى بعض الْخُصُوم إِذا علم أَن فِيهِ مصلحَة. الثَّالِث: قيل فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة الْوَاحِدَة بإمامين: أَحدهمَا بعد الآخر، وَأَن الإِمَام الرَّاتِب إِذا غَابَ يسْتَخْلف غَيره، وَإنَّهُ إِذا حضر بعد أَن دخل نَائِبه فِي الصَّلَاة يتَخَيَّر بَين أَن يأتم بِهِ أَو يؤم هُوَ وَيصير النَّائِب مَأْمُوما من غير أَن يقطع الصَّلَاة، وَلَا يبطل شَيْء من ذَلِك صَلَاة أحد الْمَأْمُومين. انْتهى. قلت: جَوَاز الصَّلَاة الْوَاحِدَة بإمامين: أَحدهمَا بعد الآخر مُسلم، لِأَن الإِمَام إِذا أحدث واستخلف خَليفَة فَأَتمَّ الْخَلِيفَة صلَاته صَحَّ ذَلِك وَيُطلق عَلَيْهِ أَنه صَلَاة وَاحِدَة بإمامين، وَقَوله أَيْضا: إِن الإِمَام الرَّاتِب إِذا غَابَ يسْتَخْلف غَيره مُسلم أَيْضا. قَوْله: وَإنَّهُ إِذا حضر ... إِلَى آخِره، غير مُسلم. واحتجاج من يذهب إِلَى هَذَا بِهَذَا الحَدِيث غير صَحِيح، لِأَن ذَلِك من خَصَائِص النَّبِي، ﷺ ، ذكر ذَلِك ابْن عبد الْبر، وَادّعى الْإِجْمَاع على عدم جَوَاز ذَلِك لغيره. قلت: لِأَنَّهُ لَا يجوز التَّقَدُّم بَين يَدي النَّبِي، ﷺ ، وَلَيْسَ لسَائِر النَّاس الْيَوْم من الْفضل من يجب أَن يتَأَخَّر لَهُ، وَكَانَ جَائِزا لأبي بكر أَن لَا يتَأَخَّر لإشارة النَّبِي، ﷺ : (أَن امْكُث مَكَانك) : وَقَالَ بعض الْمَالِكِيَّة أَيْضا: تَأَخّر أبي بكر وتقدمه، ﷺ من خواصه ﷺ وَلَا يفعل ذَلِك بعد النَّبِي ﷺ وَقَالَ بَعضهم: ونوقض يَعْنِي: دَعْوَى ابْن عبد الْبر الْإِجْمَاع الْمَذْكُور، بِأَن الْخلاف ثَابت، فَالصَّحِيح الْمَشْهُور عِنْد الشَّافِعِيَّة الْجَوَاز. انْتهى. قلت: هَذَا خرق للْإِجْمَاع السَّابِق قبل هَؤُلَاءِ الشَّافِعِيَّة، وخرق الْإِجْمَاع بَاطِل. الرَّابِع: قيل فِيهِ جَوَاز إِحْرَام الْمَأْمُوم قبل الإِمَام، وَأَن الْمَرْء قد يكون فِي بعض صلَاته إِمَامًا وَفِي بَعْضهَا مَأْمُوما انْتهى. قلت: قَوْله: فِيهِ جَوَاز إِحْرَام الْمَأْمُوم قبل الإِمَام، قَول غير صَحِيح يردهُ قَوْله ﷺ : (إِذا كبر الإِمَام فكبروا) . وَلَفظ البُخَارِيّ: (فَإِذا كبر فكبروا) ، وَقد رتب تَكْبِير الْمَأْمُوم على تَكْبِير الإِمَام فَلَا يَصح أَن يسْبقهُ. وَقَالَ ابْن بطال: لَا أعلم من يَقُول: إِن من كبر قبل إِمَامه فَصلَاته تَامَّة إلَاّ الشَّافِعِي بِنَاء على مذْهبه، وَهُوَ أَن صَلَاة الْمَأْمُوم غير مرتبطة بِصَلَاة الإِمَام، وَسَائِر الْفُقَهَاء لَا يجيزون ذَلِك. الْخَامِس: استنبط الطَّبَرِيّ مِنْهُ، وَقَالَ: فِي هَذَا الْخَبَر دَلِيل على خطأ من زعم أَنه لَا يجوز لمن أحرم بفريضة وَصلى بَعْضهَا ثمَّ أُقِيمَت عَلَيْهِ تِلْكَ الصَّلَاة أَنه لَا يجوز لَهُ أَن يدْخل مَعَ الْجَمَاعَة

стр. 1460

فِي بَقِيَّة صلَاته حَتَّى يخرج مِنْهَا وَيسلم، ثمَّ يدْخل مَعَهم، فَإِن دخل مَعَهم دون سَلام فَسدتْ صلَاته وَلَزِمَه قَضَاؤُهَا. انْتهى. قلت: الحَدِيث يبين خطأه هُوَ، وَذَلِكَ أَنه ﷺ ، ابتدا صَلَاة كَانَ أَبُو بكر صلى بَعْضهَا وائتم بِهِ أَصْحَابه فِيهَا، فَكَانَ النَّبِي، ﷺ ، مبتدئا وَالْقَوْم متممين. السَّادِس: فِيهِ فضل أبي بكر على جَمِيع الصَّحَابَة. السَّابِع: فِيهِ أَن إِقَامَة الصَّلَاة واستدعاء الإِمَام من وَظِيفَة الْمُؤَذّن، وَأَن الْمُؤَذّن هُوَ الَّذِي يُقيم وَهَذَا هُوَ السّنة، فَإِن أَقَامَ غَيره كَانَ خلاف السّنة. قيل: يعْتد بِإِذْنِهِ عِنْد الْجُمْهُور. قلت: وَبِغير إِذْنه أَيْضا يعْتد، وَإِذا أَقَامَ غير الْمُؤَذّن أَيْضا يعْتد عندنَا، لقَوْله ﷺ لعبد الله بن زيد حِين رأى الْأَذَان: (ألقها على بِلَال فَإِنَّهُ أمد صَوتا مِنْك، وأقم أَنْت) . وَقَوله، ﷺ : (من أذن فَهُوَ يُقيم) ، كَانَ فِي حق زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي، وَكَانَ حَدِيث الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ، وَأمره بِهِ كَيْلا تدخله الوحشة. الثَّامِن: فِيهِ جَوَاز التَّسْبِيح وَالْحَمْد فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ من ذكر الله تَعَالَى، وَأما إِذا قَالَ: الْحَمد لله، وَأَرَادَ بِهِ الْجَواب اخْتلف الْمَشَايِخ فِي فَسَاد صلَاته. وَفِي (الْمُحِيط) : لَو حمد الله الْعَاطِس فِي نَفسه وَلَا يُحَرك لِسَانه، عَن أبي حنيفَة، لَا تفْسد وَلَو حرك تفْسد. وَفِي (فَتَاوَى العتابي) : لَو قَالَ السَّامع: الْحَمد على رَجَاء الثَّوَاب من غير إِرَادَة الْجَواب لَا تفْسد، وَإِذا فتح على إِمَامه لَا تفْسد، وعَلى غَيره تفْسد. وَقَالَ ابْن قدامَة: قَالَ أَبُو حنيفَة: إِن فتح على الإِمَام بطلت صلَاته قلت: هَذَا غير صَحِيح. وَقَالَ السفاقسي: احْتج بِالْحَدِيثِ جمَاعَة من الحذاق على أبي حنيفَة فِي قَوْله: إِن فتح الرجل لغير إِمَامه لم تجز صلَاته. قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث دلَالَة على هَذَا، وَالَّذِي لَيْسَ فِي صلَاته لَا يدْخل تَحت قَوْله: (من نابه شَيْء فِي صلَاته) ، وَلِأَنَّهُ يكون تَعْلِيما وتلقينا. وَقَالَ السفاقسي: قَالَ مَالك: من أخبر فِي صلَاته بسرور فَحَمدَ الله تَعَالَى لَا تضر صلَاته. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: من أخبر بمصيبة فَاسْتَرْجع، أَو أخبر بِشَيْء فَقَالَ: الْحَمد لله على كل حَال، أَو قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي بنعمته تتمّ الصَّالِحَات، لَا يُعجبنِي، وَصلَاته مجزية. وَقَالَ أَشهب: إلاّ أَن يُرِيد بذلك قطع الصَّلَاة. وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ: إِذا سبح لأعمى خوف أَن يَقع فِي بِئْر أَو دَابَّة أَو فِي حَيَّة إِنَّه جَائِز. التَّاسِع: فِيهِ جَوَاز الِالْتِفَات للْحَاجة، قَالَه ابْن عبد الْبر، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء على أَن الِالْتِفَات لَا يفْسد الصَّلَاة إِذا كَانَ يَسِيرا قلت: هَذَا إِذا كَانَ لحَاجَة، لما روى سهل بن الحنظلية من حَدِيث فِيهِ: (فَجعل رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يلْتَفت إِلَى الشّعب) . وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ أرسل فَارِسًا إِلَى الشّعب يحرس، وَقَالَ الْحَاكِم: سَنَده صَحِيح، وَأما إِذا كَانَ لَا لحَاجَة فَإِنَّهُ يكره، لما رُوِيَ عَن أبي ذَر قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا يزَال الله تَعَالَى مُقبلا على العَبْد وَهُوَ فِي صلَاته مَا لم يلْتَفت، فَإِذا الْتفت انْصَرف عَنهُ) . وَعند ابْن خُزَيْمَة عَن ابْن عَبَّاس: (كَانَ، ﷺ يلْتَفت يَمِينا وَشمَالًا وَلَا يلوي عُنُقه خلف ظَهره) . وَعند التِّرْمِذِيّ، واستغر بِهِ: (يلحظني يَمِينا وَشمَالًا) . وَقَالَ ابْن الْقطَّان: صَحِيح، وَعند ابْن خُزَيْمَة عَن عَليّ بن شَيبَان، وَكَانَ أحد الْوَفْد قَالَ: (صليت خلف النَّبِي ﷺ فلمح بمؤخر عَيْنَيْهِ إِلَى رجل لَا يُقيم صلبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود) . وَعَن جَابر ﷺ ، وَهُوَ شَاك، فصلينا وَرَاءه قعُودا فَالْتَفت إِلَيْنَا فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد: لَا صَلَاة لملتفت قلت: ضعفه ابْن الْقطَّان وَغَيره. الْعَاشِر: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز اسْتِخْلَاف الإِمَام إِذا أَصَابَهُ مَا يُوجب ذَلِك، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَأحد قولي الشَّافِعِي، وَهُوَ قَول عمر وَعلي وَالْحسن وعلقمة وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري، وَعَن الشَّافِعِي وَأهل الظَّاهِر: لَا يسْتَخْلف الإِمَام. الْحَادِي عشر: فِيهِ جَوَاز شقّ الصُّفُوف وَالْمَشْي بَين الْمُصَلِّين لقصد الْوُصُول إِلَى الصَّفّ الأول، لَكِن هَذَا فِي حق الإِمَام وَيكرهُ فِي حق غَيره. الثَّانِي عشر: فِيهِ جَوَاز إِمَامَة الْمَفْضُول للفاضل. الثَّالِث عشر: فِيهِ سُؤال الرئيس عَن سَبَب مُخَالفَة أمره قبل الزّجر عَن ذَلِك. الرَّابِع عشر: فِيهِ إكرام الْكَبِير بمخاطبته بالكنية. الْخَامِس عشر: فِيهِ أَن الْعَمَل الْقَلِيل فِي الصَّلَاة لَا يُفْسِدهَا، لتأخر أبي بكر عَن مقَامه إِلَى الصَّفّ الَّذِي يَلِيهِ. السَّادِس عشر: فِيهِ تَقْدِيم الْأَصْلَح وَالْأَفْضَل. السَّابِع عشر: فِيهِ تَقْدِيم غير الإِمَام إِذا تَأَخّر، وَلم يخف فتْنَة وَلَا إِنْكَار من الإِمَام. الثَّامِن عشر: قيل فِيهِ تَفْضِيل الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت. قلت: إِنَّمَا صلوا فِي أول الْوَقْت ظنا مِنْهُم أَنه ﷺ ، لَا يَأْتِيهم فِي الْوَقْت وَالْجَمَاعَة كَانُوا حاضرين، وَفِي تأخيرهم كَانَ تشويش لَهُم من جِهَة أَن فيهم من كَانَ ذَا حَاجَة وَذَا ضعف وَنَحْو ذَلِك. التَّاسِع عشر: فِيهِ أَن رفع الْيَد فِي الصَّلَاة لَا يُفْسِدهَا. الْعشْرُونَ: فِيهِ أَن الْمُصَلِّي إِذا نابه شَيْء فليسبح، أَي فَلْيقل: سُبْحَانَ الله. وَعَن مَالك: الْمَرْأَة تسبح كَالرّجلِ لِأَن كلمة: من، فِي الحَدِيث تقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث. قَالَ: و: التصفيق

стр. 1461

مَنْسُوخ بقوله: (من نابه شَيْء فِي صلَاته فليسبح) ، وَأنْكرهُ بَعضهم، وَقَالَ: لِأَنَّهُ لَا يخْتَلف أَن أول الحَدِيث لَا ينْسَخ آخِره، وَمذهب الشَّافِعِي وَالْأَوْزَاعِيّ تَخْصِيص النِّسَاء بالتصفيق، وَهُوَ ظَاهر الحَدِيث، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : (إِذا نابكم شَيْء فِي صَلَاة فليسبح الرِّجَال وليصفق النِّسَاء. الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: فِيهِ شكر الله على الوجاهة فِي الدّين. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. ٤٩ - (بابٌ إذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أكْبَرُهُمْ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا اسْتَووا ... إِلَى آخِره، يَعْنِي إِذا اسْتَوَى الْحَاضِرُونَ للصَّلَاة فِي الْقِرَاءَة فليؤمهم من كَانَ أكبر السن مِنْهُم. ٦٨٥ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قِلَابَةَ عنْ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِث قَالَ قدِمْنا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ونَحْنُ شَبَبَة فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ نَحْوا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةٍ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ رَحِيما فَقَالَ لَوْ رَجَعْتُمْ إلَى بِلَادِكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذا وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا وإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أكْبَرُكُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة وَإِن لم تذكر فِي الحَدِيث صَرِيحًا استواؤهم فِي الْقِرَاءَة من حَيْثُ اقْتِضَاء الْقِصَّة هَذَا الْقَيْد، لأَنهم أَسْلمُوا وَهَاجرُوا مَعًا، وصحبوا رَسُول الله ﷺ ولازموه عشْرين لَيْلَة واستووا فِي الْأَخْذ عَنهُ، فَلم يبْق مِمَّا يقدم بِهِ إلاّ السن. وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التَّرْجَمَة منتزعة من حَدِيث أخرجه مُسلم من رِوَايَة أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا: يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله تَعَالَى، فَإِن كَانَت قراءتهم سَوَاء فليؤمهم أقدمهم هِجْرَة، فَإِن كَانُوا فِي الْهِجْرَة سَوَاء فليؤمهم أكبرهم سنا) . انْتهى. قلت: مَا أبعد هَذَا الْوَجْه لبَيَان التطابق بَين الحَدِيث والترجمة، فَكيف يضع تَرْجَمَة لحَدِيث أخرجه غَيره، وَالْمَطْلُوب من التطابق أَن يكون بَين التَّرْجَمَة وَحَدِيث الْبَاب؟ ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، مضى ذكرهم غير مرّة، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة هُوَ عبد الله بن زيد الْجرْمِي، وَقد مضى حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث هَذَا فِي: بَاب من قَالَ ليؤذن فِي السّفر مُؤذن وَاحِد، أخرجه عَن مُعلى بن أَسد عَن وهيب عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن مَالك بن الْحُوَيْرِث، قَالَ: (أتيت النَّبِي ﷺ فِي نفر من قومِي) الحَدِيث، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع متعلقات الحَدِيث مُسْتَوفى. قَوْله: (وَنحن شببة) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، و: الشببة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة والباءين الموحدتين: جمع شَاب وَفِي رِوَايَة فِي الْأَدَب: (شببة متقاربون) ، أَي: فِي السن. قَوْله: (نَحوا من عشْرين) ، وَفِي رِوَايَة هُنَاكَ: (عشْرين لَيْلَة) ، بِتَعْيِين الْعشْرين جزما، وَالْمرَاد بأيامها، كَمَا وَقع التَّصْرِيح بِهِ فِي خبر الْوَاحِد من طَرِيق عبد الْوَهَّاب: عَن أَيُّوب. قَوْله: (رحِيما) ، وَفِي رِوَايَة ابْن علية وَعبد الْوَهَّاب: (رحِيما رَقِيقا) . قَوْله: (لَو رجعتم) ، جَوَاب: لَو. قَوْله: (مُرُوهُمْ) ، وَقَوله: (فعلمتوهم) ، عطف على قَوْله: (رجعتم) ، وَيجوز أَن يكون جَوَاب: لَو، محذوفا تَقْدِيره: لَو رجعتم لَكَانَ خيرا لكا إِن ٤ اقال، ﷺ ، ذَلِك لِأَنَّهُ على مِنْهُم أَنهم اشتأقوا إِلَى أَهْليهمْ وأؤلادهم، وَالدَّلِيل على هَذَا رِوَايَة عبد الْوَهَّاب: (فَظن أَنا اشتقنا إِلَى أَهْلينَا) الحَدِيث. فَقَالَ ذَلِك على طَرِيق الإيناس، لِأَن فِي الْأَمر بِالرُّجُوعِ بِغَيْر هَذَا الْوَجْه تنفيرا، وَالنَّبِيّ ﷺ يتحاشى عَن ذَلِك، ثمَّ على تَقْدِير أَن يكون جَوَاب: لَو، محذوفا يكون قَوْله: (مُرُوهُمْ) استئنافا، كَأَن سَائِلًا سَأَلَ: مَاذَا نعلمهُمْ؟ فَقَالَ: مُرُوهُمْ بالطاعات كَذَا وَكَذَا، وَالْأَمر بهَا مُسْتَلْزم للتعليم. قَوْله: (وليؤمكم أكبركم) ، يَعْنِي: بِالسِّنِّ عِنْد التَّسَاوِي فِي شُرُوط الْإِمَامَة، وإلاّ فالأسن إِذا وجد وَكَانَ مِنْهُم من هُوَ أَصْغَر مِنْهُ وَلكنه أَقرَأ قدم الأقرأ، كَمَا فِي حَدِيث عَمْرو بن سَلمَة، وَكَانَ قد أم قومه فِي مَسْجِد عشيرته وَهُوَ صَغِير وَفِيهِمْ الشُّيُوخ والكهول، وَلَكِن قَالُوا: إِنَّمَا كَانَ تَقْدِيم الأقرأ فِي ذَلِك الزَّمَان لِأَن كَانَ فِي أول الْإِسْلَام حِين كَانَ الْحفاظ قَلِيلا، وَتَقْدِيم عَمْرو كَانَ لذَلِك، أَو نقُول: لَا يكَاد يُوجد قارىء، إِذْ ذَاك إلاّ وَهُوَ فَقِيه، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب أهل الْعلم وَالْفضل أَحَق بِالْإِمَامَةِ.

стр. 1462

٥٠ - (بابٌ إِذا زَارَ الإمامُ قَوْما فَأمَّهُمْ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا زار الإِمَام أَي: الإِمَام الْأَعْظَم، أَو من يجْرِي مجْرَاه، إِذا زار قوما فَأمهمْ فِي الصَّلَاة، وَلم يبين حكمه فِي التَّرْجَمَة: هَل للْإِمَام ذَلِك أم يحْتَاج إِلَى إِذن الْقَوْم؟ فَاكْتفى بِمَا ذكر فِي حَدِيث الْبَاب فَإِنَّهُ يشْعر بالاستئذان كَمَا سَنذكرُهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٦٨٦ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ أسَدٍ قَالَ أخْبَرَنَا عَبْدُ الله قَالَ أخْبرنا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي محْمُودُ بنُ الرَّبِيعَ قَالَ سَمِعْتُ عِتْبَانَ بنَ مالِكٍ الأنْصَارِيَّ قَالَ اسْتَأْذَنَ النبيُّ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ فَقَالَ أيْنَ تُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ فأشَرْتُ لَهُ إلَى المَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ فقامَ وَصَفَفْنا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلمْنا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقَالَ: أَيْن تحب أَن أُصَلِّي) إِلَى آخِره، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن أَمريْن: أَحدهمَا: قصدا، وَهُوَ تعْيين الْمَكَان من صَاحب الْمنزل. وَالْآخر: ضمنا، وَهُوَ الاسْتِئْذَان بِالْإِمَامَةِ فَإِن قلت: الإِمَام الْأَعْظَم سُلْطَان على الْمَالِك فَلَا يحْتَاج إِلَى الاسْتِئْذَان؟ قلت: فِي الاسْتِئْذَان رِعَايَة الْجَانِبَيْنِ، مَعَ أَنه ورد فِي حَدِيث أبي مَسْعُود: (لَا يؤم الرجل الرجل فِي سُلْطَانه وَلَا يجلس على تكرمته إلاّ بِإِذْنِهِ) ، فَإِن مَالك الشَّيْء سُلْطَان عَلَيْهِ، وَقد نقل بَعضهم هُنَا وَجْهَيْن فِي ذكر التَّرْجَمَة، وَفِيهِمَا عسف وَبعد، وَالْوَجْه مَا ذكرته. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: معَاذ بن أَسد أَبُو عبد الله الْمروزِي نزيل الْبَصْرَة، وَلَيْسَ هُوَ أَخا لمعلى بن أَسد أحد شُيُوخ البُخَارِيّ أَيْضا، وَكَانَ معَاذ الْمَذْكُور كَاتبا لعبد الله بن الْمُبَارك وَهُوَ شَيْخه فِي هَذَا الْإِسْنَاد، وَحكى عَنهُ البُخَارِيّ أَنه قَالَ فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. أَنا ابْن إِحْدَى وَسبعين سنة، كَأَنَّهُ ولد سنة خمسين وَمِائَة. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: معمر بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: مَحْمُود بن الرّبيع، بِفَتْح الرَّاء: أَبُو مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ. وَقَالَ أَبُو نعيم، عقل مجة مجها رَسُول الله ﷺ فِي وَجهه من دلو فِي دَارهم، ذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب (تَجْرِيد الصَّحَابَة) مِنْهُم، وَقد تقدم فِي بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت. السَّادِس: عتْبَان بن مَالك الْأنْصَارِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ والصحابي عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزيين والبصري وَالْمَدَنِي. وَقد ذكرنَا تعدد مَوْضِعه، وَمن أخرجه غَيره فِي: بَاب إِذا دخل بَيْتا يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ، وَبَقِيَّة مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي: بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت. قَوْله: (وصففنا خَلفه) ، بِفَتْح الْفَاء الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة: جمع الْمُتَكَلّم، ويروى: (وَصفنَا) ، بتَشْديد الْفَاء أَي: صففنا رَسُول الله ﷺ ، خَلفه. ٥١ - (بابٌ إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم أَي: ليقتدي بِهِ، وَهَذِه التَّرْجَمَة قِطْعَة من حَدِيث مَالك من أَحَادِيث الْبَاب على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وصَلَّى النبيُّ ﷺ فِي مَرَضِه الذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهْوَ جَالِس هَذَا التَّعْلِيق تقدم مُسْندًا من حَدِيث عَائِشَة فَإِن قلت: هَذَا لَا دخل لَهُ فِي التَّرْجَمَة، فَمَا فَائِدَة ذكره؟ قلت: إِنَّه يُشِير بِهِ إِلَى أَن التَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قِطْعَة من الحَدِيث عَام يَقْتَضِي مُتَابعَة الْمَأْمُوم الإِمَام مُطلقًا، وَقد لحقه دَلِيل الْخُصُوص، وَهُوَ حَدِيث

стр. 1463

عَائِشَة: (فَإِن النَّبِي ﷺ صلى فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ وَهُوَ جَالس وَالنَّاس خَلفه قيام، وَلم يَأْمُرهُم بِالْجُلُوسِ) ، فَدلَّ على دُخُول التَّخْصِيص فِي عُمُوم قَوْله: (إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ) . وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ إذَا رَفَعَ قَبْلَ الإمَامِ يَعُودُ فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ثُمَّ يَتْبَعُ الإمَام مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من لفظ التَّرْجَمَة على مَا لَا يخفى، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح: عَن هشيم أخبرنَا حُصَيْن عَن هِلَال بن يسَار عَن أبي حَيَّان الْأَشْجَعِيّ، وَكَانَ من أَصْحَاب عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (وَلَا تبَادرُوا أئمتكم بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُود، وَإِذا رفع أحدكُم رَأسه وَالْإِمَام ساجد فليسجد ثمَّ ليمكث قدر مَا سبقه بِهِ الإِمَام) . وروى عبد الرَّزَّاق عَن عمر نَحْو قَول ابْن مَسْعُود بِإِسْنَاد صَحِيح، وَلَفظه: (إيما رجل رفع رَأسه قبل الإِمَام فِي رُكُوع أَو سُجُود فليضع رَأسه بِقدر رَفعه إِيَّاه) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن لَهِيعَة، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: روينَاهُ عَن إِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ أَنه يعود فَيسْجد، وَحكى ابْن سَحْنُون عَن أَبِيه نَحوه، وَمذهب مَالك أَن من خفض أَو رفع قبل إِمَامه أَنه يرجع فيفعل مَا دَامَ إِمَامه لم يرفع من ذَلِك، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ، وَرُوِيَ نَحوه عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ ابْنه: من ركع أَو سجد قبل إِمَامه لَا صَلَاة لَهُ، وَهُوَ قَول أهل الظَّاهِر. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر: إِذا ركع أَو سجد قبله فَإِن إدركه الإِمَام فيهمَا أَسَاءَ، ويجزيه حَكَاهُ ابْن بطال، وَلَو أدْرك الإِمَام فِي الرُّكُوع فَكبر مقتديا بِهِ ووقف حَتَّى رفع الإِمَام رَأسه فَرَكَعَ، لَا يجْزِيه عندنَا، خلافًا لزفَر. وقالَ الحَسنُ فيمَنْ يَرْكَعُ معَ الإمَامِ ركْعَتَيْنِ ولَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا وفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةٍ حَتَّى قَامَ يَسْجُدُ أَي: الْحسن الْبَصْرِيّ، وَالَّذِي قَالَه مَسْأَلَتَانِ: الأولى: قَوْله: (فِيمَن يرْكَع) إِلَى قَوْله: (بسجودها) ، وَوَصلهَا سعيد ب) مَنْصُور عَن هشيم عَن يُونُس عَن الْحسن، وَلَفظه: (فِي الرجل يرْكَع يَوْم الْجُمُعَة فيزحمه النَّاس فَلَا يقدر على السُّجُود، قَالَ: إِذا فرغوا من صلَاتهم سجد سَجْدَتَيْنِ لركعته الأولى، ثمَّ يقوم فَيصَلي رَكْعَة وسجدتين) . قَوْله: (وَلَا يقدر على السُّجُود) أَي: لزحام وَنَحْوه على السُّجُود بَين الرَّكْعَتَيْنِ، وَقد فسره فِيمَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور بقوله: (فِي الرجل يرْكَع يَوْم الْجُمُعَة فيزاحمه النَّاس فَلَا يقدر على السُّجُود) ، وَإِنَّمَا ذكر يَوْم الْجُمُعَة فِي هَذَا، وَإِن كَانَ الحكم عَاما، لِأَن الْغَالِب فِي يَوْم الْجُمُعَة ازدحام النَّاس. قَوْله: (الْآخِرَة) ، ويروى: (الْأَخِيرَة) ، وَإِنَّمَا قَالَ: الرَّكْعَة الأولى دون الثَّانِيَة لاتصال الرُّكُوع الثَّانِي بِهِ. الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: قَوْله: (وفيمن نسي سَجْدَة) أَي: قَالَ الْحسن فِيمَن نسي سَجْدَة من أول صلَاته. قَوْله: (يسْجد) يَعْنِي: يطْرَح الْقيام الَّذِي فعله على غير نظم الصَّلَاة وَيجْعَل وجوده كَالْعدمِ، وَوَصلهَا ابْن أبي شيبَة بأتم مِنْهُ، وَلَفظه: (فِي رجل نسي سَجْدَة من أول صلَاته فَلم يذكرهَا حَتَّى كَانَ آخر رَكْعَة من صلَاته، قَالَ: يسْجد ثَلَاث سَجدَات، فَإِن ذكرهَا قبل السَّلَام يسْجد سَجْدَة وَاحِدَة، وَإِن ذكرهَا بعد انْقِضَاء الصَّلَاة يسْتَأْنف الصَّلَاة) فَإِن قلت: مَا مُطَابقَة الْمَرْوِيّ عَن الْحسن للتَّرْجَمَة؟ قلت: مطابقته لَهَا من حَيْثُ إِن فِيهِ مُتَابعَة الإِمَام بِوُجُود بعض الْمُخَالفَة فِيهِ، وَقَالَ مَالك فِي مَسْأَلَة الزحام: لَا يسْجد على ظهر أحد، فَإِن خَالف يُعِيد، وَقَالَ أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: يسْجد وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ. ٧٨ - (حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس قَالَ حَدثنَا زَائِدَة عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة قَالَ دخلت على عَائِشَة فَقلت أَلا تحدثيني عَن مرض رَسُول الله ﷺ َ - قَالَت بلَى ثقل النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ أصلى النَّاس قُلْنَا لَا هم ينتظرونك قَالَ ضَعُوا لي مَاء فِي المخضب قَالَت فَفَعَلْنَا فاغتسل فَذهب لينوء فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق فَقَالَ ﷺ َ - أصلى النَّاس قُلْنَا لَا هم ينتظرونك يَا رَسُول الله قَالَ ضَعُوا لي مَاء فِي المخضب قَالَت فَقعدَ فاغتسل ثمَّ ذهب لينوء

стр. 1464

فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق فَقَالَ أصلى النَّاس فَقُلْنَا لَا وهم ينتظرونك يَا رَسُول الله فَقَالَ ضَعُوا لي مَاء فِي المخضب فَقعدَ فاغتسل ثمَّ ذهب لينوء فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق فَقَالَ أصلى النَّاس فَقُلْنَا لَا هم ينتظرونك يَا رَسُول الله وَالنَّاس عكوف فِي الْمَسْجِد ينتظرون النَّبِي ﷺ َ - لصَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة فَأرْسل النَّبِي ﷺ َ - إِلَى أبي بكر بِأَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأَتَاهُ الرَّسُول فَقَالَ إِن رَسُول الله ﷺ َ - يَأْمُرك أَن تصلي بِالنَّاسِ فَقَالَ أَبُو بكر وَكَانَ رجلا رَقِيقا يَا عمر صل بِالنَّاسِ فَقَالَ لَهُ عمر أَنْت أَحَق بذلك فصلى أَبُو بكر تِلْكَ الْأَيَّام ثمَّ إِن النَّبِي ﷺ َ - وجد من نَفسه خفَّة فَخرج بَين رجلَيْنِ أَحدهمَا الْعَبَّاس لصَلَاة الظّهْر وَأَبُو بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بكر ذهب ليتأخر فَأَوْمأ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ - بِأَن لَا يتَأَخَّر قَالَ أجلساني إِلَى جنبه فأجلساه إِلَى جنب أبي بكر قَالَ فَجعل أَبُو بكر يُصَلِّي وَهُوَ يأتم بِصَلَاة النَّبِي ﷺ َ - وَالنَّاس بِصَلَاة أبي بكر وَالنَّبِيّ ﷺ َ - قَاعد قَالَ عبيد الله فَدخلت على عبد الله بن عَبَّاس فَقلت لَهُ أَلا أعرض عَلَيْك مَا حَدَّثتنِي عَائِشَة عَن مرض النَّبِي ﷺ َ - قَالَ هَات فعرضت عَلَيْهِ حَدِيثهَا فَمَا أنكر مِنْهُ شَيْئا غير أَنه قَالَ أسمعت لَك الرجل الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاس قلت لَا قَالَ هُوَ عَليّ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَجعل أَبُو بكر يُصَلِّي وَهُوَ يأتم بِصَلَاة النَّبِي ﷺ َ - " وَكَون الإِمَام جعل ليؤتم بِهِ ظَاهر هَهُنَا. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول أَحْمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي. الثَّانِي زَائِدَة بن قدامَة الْبكْرِيّ الْكُوفِي. الثَّالِث مُوسَى بن أبي عَائِشَة الْهَمدَانِي أَبُو بكر الْكُوفِي. الرَّابِع عبيد الله بتصغير العَبْد ابْن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود أَبُو عبد الله الْهُذلِيّ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين. الْخَامِس أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن الثَّلَاثَة الأول من الروَاة كوفيون وَفِيه شيخ البُخَارِيّ مَذْكُور باسم جده. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أما البُخَارِيّ فَإِنَّهُ أخرجه هَذَا الحَدِيث مقطعا وَمُطَولًا ومختصرا فِي مَوَاضِع عديدة قد ذكرنَا أَكْثَرهَا وَأخرجه هُنَا عَن أَحْمد بن يُونُس وَوَافَقَهُ فِي ذَلِك مُسلم وَأخرجه عَن زَائِدَة عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن ابْن عَبَّاس الْعَنْبَري عَن ابْن مهْدي عَن زَائِدَة بِهِ وَفِي الْوَفَاة عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك عَن زَائِدَة (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَلا " للعرض والاستفتاح قَوْله " بلَى " بِمَعْنى نعم أحَدثك قَوْله " لما ثقل " بِضَم الْقَاف يَعْنِي لما اشْتَدَّ مَرضه وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب الْغسْل وَالْوُضُوء فِي المخضب وَفِي حد الْمَرِيض أَن يشْهد الْجَمَاعَة وَغَيرهمَا وَنَذْكُر هَهُنَا بعض شَيْء مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ لسرعة الْوُقُوف عَلَيْهِ قَوْله " أصلى النَّاس " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام والاستخبار قَوْله " فَقُلْنَا لَا " ويروى " قُلْنَا " بِدُونِ الْفَاء قَوْله " وهم ينتظرونك " الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله " ضَعُوا لي مَاء " بِاللَّامِ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي " ضعوني " بالنُّون والكرماني ذهل عَن رِوَايَة الْجُمْهُور الَّتِي هِيَ بِاللَّامِ وَسَأَلَ على رِوَايَة النُّون فَقَالَ الْقيَاس بِاللَّامِ لَا بالنُّون لِأَن المَاء مفعول وَهُوَ لَا يتَعَدَّى إِلَى مفعولين ثمَّ أجَاب بِأَن الْوَضع ضمن معنى الإيتاء أَو لفظ المَاء تَمْيِيز عَن المخضب مقدم عَلَيْهِ أَن جَوَّزنَا التَّقْدِيم أَو هُوَ مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض (قلت) كل هَذَا تعسف إِلَّا معنى التَّضْمِين فَلهُ وَجه قَوْله " فِي المخضب " بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَهُوَ المركن أَي الاجانة قَوْله " فَفَعَلْنَا فاغتسل " ويروى " فَفَعَلْنَا فَقعدَ فاغتسل " قَوْله " فَذهب " بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " ثمَّ ذهب " قَوْله " لينوء " بِضَم النُّون بعْدهَا همزَة أَي لينهض بِجهْد وَقَالَ الْكرْمَانِي وينوء كيقوم

стр. 1465

لفظا وَمعنى قَوْله " فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ " فِيهِ أَن الْإِغْمَاء جَائِز على الْأَنْبِيَاء لِأَنَّهُ شَبيه بِالنَّوْمِ وَقَالَ النَّوَوِيّ لِأَنَّهُ مرض من الْأَمْرَاض بِخِلَاف الْجُنُون فَإِنَّهُ لم يجز عَلَيْهِم لِأَنَّهُ نقص (قلت) الْعقل فِي الْإِغْمَاء يكون مَغْلُوبًا وَفِي الْمَجْنُون يكون مسلوبا قَوْله " قُلْنَا لَا " يَعْنِي لم يصلوا قَوْله " هم ينتظرونك " جملَة اسمية وَقعت حَالا بِلَا وَاو وَهُوَ جَائِز وَقد وَقع فِي الْقُرْآن نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْنَا اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ وَكَذَلِكَ هم ينتظرونك الثَّانِي قَوْله " لصَلَاة الْعشَاء " كَذَا بِاللَّامِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني " الصَّلَاة الْعشَاء الْآخِرَة " قَوْله " عكوف " بِضَم الْعين جمع العاكف أَي مجتمعون وأصل العكف اللّّبْث وَمِنْه الِاعْتِكَاف لِأَنَّهُ لبث فِي الْمَسْجِد قَوْله " تِلْكَ الْأَيَّام " أَي الَّتِي كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - فِيهَا مَرِيضا غير قَادر على الْخُرُوج قَوْله " لصَلَاة الظّهْر " هُوَ صَرِيح فِي أَن الصَّلَاة الْمَذْكُورَة كَانَت صَلَاة الظّهْر وَزعم بَعضهم أَنَّهَا الصُّبْح قَوْله " أجلساني " من الإجلاس قَوْله " وَهُوَ يأتم بِصَلَاة النَّبِي ﷺ َ - " هَذِه رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي وَرِوَايَة الْأَكْثَرين " فَجعل أَبُو بكر يُصَلِّي وَهُوَ قَائِم " من الْقيام قَوْله " بِصَلَاة النَّبِي ﷺ َ - " ويروى " بِصَلَاة رَسُول الله ﷺ َ - " وَقد قَالَ الشَّافِعِي بِأَنَّهُ ﷺ َ - لم يصل بِالنَّاسِ فِي مرض مَوته فِي الْمَسْجِد إِلَّا مرّة وَاحِدَة وَهِي هَذِه الَّتِي صلى فِيهَا قَاعِدا وَكَانَ أَبُو بكر فِيهَا إِمَامًا ثمَّ صَار مَأْمُوما يسمع النَّاس التَّكْبِير قَوْله " أَلا أعرض " الْهمزَة للاستفهام وَلَا للنَّفْي وَلَيْسَ حرف التَّنْبِيه وَلَا حرف التحضيض بل هُوَ اسْتِفْهَام للعرض (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) وَقد ذكرنَا أَكثر فَوَائِد هَذَا الحَدِيث فِي بَاب حد الْمَرِيض أَن يشْهد الْجَمَاعَة وَنَذْكُر أَيْضا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ فِيهِ دَلِيل على أَن اسْتِخْلَاف الإِمَام الرَّاتِب إِذا اشْتَكَى أولى من صلَاته بالقوم قَاعِدا لِأَنَّهُ ﷺ َ - اسْتخْلف أَبَا بكر وَلم يصل بهم قَاعِدا غير مرّة وَاحِدَة وَفِيه صِحَة إِمَامَة الْمَعْذُور لمثله وَفِيه دَلِيل على صِحَة إِمَامَة الْقَاعِد للقائم أَيْضا خلافًا لما رُوِيَ عَن مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ ولمحمد بن الْحسن وَقَالا فِي ذَلِك أَن الَّذِي نقل عَنهُ ﷺ َ - كَانَ خَاصّا بِهِ وَاحْتج مُحَمَّد أَيْضا بِحَدِيث جَابر عَن الشّعبِيّ مَرْفُوعا " لَا يُؤمن أحد بعدِي جَالِسا " أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لم يروه عَن الشّعبِيّ غير جَابر الْجعْفِيّ وَهُوَ مَتْرُوك والْحَدِيث مُرْسل لَا تقوم بِهِ حجَّة وَقَالَ بن بزيزة لَو صَحَّ لم يكن فِيهِ حجَّة لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد مِنْهُ الصَّلَاة بالجالس (قلت) يَعْنِي يَجْعَل جَالِسا مَفْعُولا لَا حَال وَهَذَا خلاف ظَاهر التَّرْكِيب فِي زعم المحتج بِهِ وَزعم عِيَاض نَاقِلا عَن بعض الْمَالِكِيَّة أَن الحَدِيث الْمَذْكُور يدل على نسخ الْأَمر الْمُتَقَدّم لَهُم بِالْجُلُوسِ لما صلوا خَلفه قيَاما ورد بِأَن ذَلِك على تَقْدِير صِحَّته يحْتَاج إِلَى تَارِيخ ثمَّ اعْلَم أَن جَوَاز صَلَاة الْقَائِم خلف الْقَاعِد هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ وَمَالك فِي رِوَايَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور (فَإِن قلت) روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَالْأَرْبَعَة عَن أنس قَالَ " سقط رَسُول الله ﷺ َ - عَن فرس " الحَدِيث وَفِيه " إِذا صلى قَاعِدا فصلوا قعُودا " وروى البُخَارِيّ أَيْضا وَمُسلم عَن عَائِشَة قَالَت " اشْتَكَى رَسُول الله ﷺ َ - فَدخل عَلَيْهِ نَاس من أَصْحَابه " الحَدِيث وَفِيه " إِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا " (قلت) هَؤُلَاءِ يجْعَلُونَ هذَيْن الْحَدِيثين منسوخين بِحَدِيث عَائِشَة الْمُتَقَدّم أَنه صلى آخر صلَاته قَاعِدا وَالنَّاس خَلفه قيام وَأَيْضًا أَن تِلْكَ الصَّلَاة كَانَت تَطَوّعا والتطوعات يحْتَمل فِيهَا مَا لَا يحْتَمل فِي الْفَرَائِض وَقد صرح بذلك فِي بعض طرقه كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر قَالَ " ركب رَسُول الله ﷺ َ - فرسا لَهُ فِي الْمَدِينَة فصرعه على جذع نَخْلَة فانفكت قدمه فأتيناه نعوده فوجدناه فِي مشربَة لعَائِشَة يسبح جَالِسا قَالَ فقمنا خَلفه فَسكت عَنَّا ثمَّ أتيناه مرّة أُخْرَى نعوده فصلى الْمَكْتُوبَة جَالِسا فقمنا خَلفه فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا قَالَ فَلَمَّا قضى الصَّلَاة قَالَ إِذا صلى الإِمَام جَالِسا فصلوا جُلُوسًا فَإِذا صلى قَائِما فصلوا قيَاما وَلَا تَفعلُوا كَمَا يفعل أهل الْفَارِس بعظمائها " وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه كَذَلِك ثمَّ قَالَ وَفِي هَذَا الْخَبَر دَلِيل على أَن مَا فِي حَدِيث حميد عَن أنس أَنه صلى بهم قَاعِدا وهم قيام أَنه إِنَّمَا كَانَت الصَّلَاة سبْحَة فَلَمَّا حضرت الْفَرِيضَة أَمرهم بِالْجُلُوسِ فجلسوا فَكَانَ أَمر فَرِيضَة لَا فَضِيلَة (قلت) وَمِمَّا يدل على أَن التطوعات يحْتَمل فِيهَا مَا لَا يحْتَمل فِي الْفَرَائِض مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن عَليّ بن زيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أنس قَالَ " قَالَ لي رَسُول الله ﷺ َ - إياك والالتفات فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ هلكة فَإِن كَانَ لَا بُد فَفِي التَّطَوُّع لَا فِي الْفَرِيضَة " وَقَالَ حَدِيث حسن -

стр. 1466

٦٨٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَام بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أمّ المُؤْمِنِينَ أنَّها قالَتْ صلَّى رسولُ الله ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسا وصَلَّى وَرَاءهُ قَوْمٌ قِياما فَأشَارَ إلَيْهِمْ أنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فإذَا رَكَعَ فارْكَعُوا وإذَا رفَعَ فارْفَعُوا وإذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ وإذَا صَلَّى جَالِسا فَصَلُّوا جُلُوسا أجْمَعُونَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة هِيَ بِعَينهَا. قَوْله: ﷺ : (إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة، وَفِي السَّهْو عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي بَيته) أَي: فِي الْمشْربَة الَّتِي فِي حجرَة عَائِشَة، كَمَا بَينه أَبُو سُفْيَان عَن جَابر، وَهَذَا يدل على أَن تِلْكَ الصَّلَاة لم تكن فِي الْمَسْجِد، وَكَأَنَّهُ ﷺ عجز عَن الصَّلَاة بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ يُصَلِّي فِي بَيته بِمن حضر، لكنه لم ينْقل أَنه اسْتخْلف، وَمن ثمَّة قَالَ عِيَاض: إِنَّه الظَّاهِر أَنه صلى فِي حجرَة عَائِشَة وَأتم بِهِ من حضر عِنْده، وَمن كَانَ فِي الْمَسْجِد. وَهَذَا الَّذِي قَالَه يحْتَمل، وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون اسْتخْلف، وَإِن لم ينْقل. لَكِن يلْزم على الأول أَن تكون صَلَاة الإِمَام أَعلَى من صَلَاة الْمَأْمُومين، وَمذهب عِيَاض خِلَافه. قلت: لَهُ أَن يَقُول: إِنَّمَا يمْنَع كَون الإِمَام أَعلَى من الْمَأْمُوم، إِذا لم يكن مَعَه أحد، وَكَانَ مَعَه هُنَا بعض الصَّحَابَة. قَوْله: (وَهُوَ شَاك) ، بتَخْفِيف الْكَاف وَأَصله: شاكي. نَحْو: قاضٍ، وَأَصله قَاضِي، استثقلت الضمة على الْيَاء فحذفت فَصَارَت: شَاك، وَهُوَ: من الشكاية وَهِي: الْمَرَض، وَالْمعْنَى هُنَا: شَاك عَن مزاجه لانحرافه عَن الصِّحَّة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الشكو والشكوى والشكاة والشكاية: الْمَرَض. قَوْله: (فصلى جَالِسا) أَي: حَال كَونه جَالِسا. وَقَالَ عِيَاض: يحْتَمل أَن يكون أَصَابَهُ من السقطة رض فِي الْأَعْضَاء مَنعه من الْقيام، ورد هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا كَانَت قدمه منفكة، كَمَا فِي رِوَايَة بشر بن الْمفضل: عَن حميد عَن أنس عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَكَذَا لأبي دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة أبي سُفْيَان عَن جَابر قَالَ: (ركب رَسُول لله ﷺ فرسا بِالْمَدِينَةِ فصرعه على جذع نَخْلَة فانفكت قدمه، فأتيناه نعوده فوجدناه فِي مشربَة لعَائِشَة. .) الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَفِي رِوَايَة يزِيد بن حميد: (جحش سَاقه أَو كتفه) ، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أنس: (جحش شقَّه الْأَيْمن) ، وَالْحَاصِل هُنَا أَن عَائِشَة أبهمت الشكوى، وَبَين جَابر وَأنس السَّبَب وَهُوَ: السُّقُوط عَن الْفرس، وَعين جَابر الْعلَّة فِي الصَّلَاة قَاعِدا وَهِي انفكاك الْقدَم فَإِن قلت: وَقعت الْمُخَالفَة بَين هَذِه الرِّوَايَات فَمَا التَّوْفِيق بَينهَا؟ قلت: يحْتَمل وُقُوع هَذَا كُله قَوْله: (فَأَشَارَ عَلَيْهِم) ، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ بِلَفْظ: عَلَيْهِم، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (فَأَشَارَ إِلَيْهِم) ، وروى أَيُّوب عَن هِشَام بِلَفْظ: (فَأَوْمأ إِلَيْهِم) ، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن هِشَام بِلَفْظ: (فأخلف بِيَدِهِ يومي بهَا إِلَيْهِم) . قَوْله: (فَلَمَّا انْصَرف) ، أَي: رَسُول الله ﷺ من الصَّلَاة. قَوْله: (إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ) أَي: ليقتدى بِهِ وَيتبع، وَمن شَأْن التَّابِع أَن لَا يسْبق متبوعه وَلَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ فِي موقفه ويراقب أَحْوَاله. قَوْله: (فَإِذا ركع) أَي: الإِمَام (فاركعوا) ، الْفَاء فِيهِ وَفِي قَوْله: (فاسجدوا) ، للتعقيب، وَيدل على أَن الْمُقْتَدِي لَا يسْبق الإِمَام بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود حَتَّى إِذا سبق الإِمَام فيهمَا وَلم يلْحق الإِمَام فَسدتْ صلَاته، وَالدَّلِيل على أَن الْفَاء للتعقيب مَا رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة الْأَعْمَش عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَا تبَادرُوا الإِمَام إِذا كبر فكبروا) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد، من رِوَايَة مُصعب بن مُحَمَّد عَن أبي صَالح: (لَا تركعوا حَتَّى يرْكَع وَلَا تسجدوا حَتَّى يسْجد) . قَوْله: (وَإِذا رفع) أَي: الإِمَام راسه (فارفعوا) رؤسكم. فَإِن قلت: الْفَاء الَّتِي للتعقيب هِيَ الْفَاء العاطفة، وَالْفَاء الَّتِي هُنَا للربط فَقَط لِأَنَّهَا وَقعت جَوَابا للشّرط، فعلى هَذَا لَا تَقْتَضِي تَأَخّر أَفعَال الْمَأْمُوم عَن الإِمَام؟ قلت: وَظِيفَة الشَّرْط التَّقَدُّم على الْجَزَاء، مَعَ أَن رِوَايَة أبي دَاوُد تصرح بِانْتِفَاء التَّقَدُّم والمقارنة، وَلَا اعْتِبَار لقَوْل من يَقُول: إِن الْجَزَاء يكون مَعَ الشَّرْط. قَوْله: (فَإِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده) . قَوْله: سمع الله، مجَاز عَن الْإِجَابَة، والإجابة مجَاز عَن الْقبُول، فَصَارَ هَذَا مجَاز الْمجَاز، وَالْهَاء فِي: حَمده، هَاء السكتة والاستراحة لَا للكناية. قَوْله: (رَبنَا وَلَك الْحَمد) ، جَمِيع الرِّوَايَات فِي حَدِيث عَائِشَة

стр. 1467

بِإِثْبَات الْوَاو، وَكَذَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأنس إلاّ فِي رِوَايَة اللَّيْث عَن الزُّهْرِيّ فِي بَاب إِيجَاب التَّكْبِير، والكشميهني بِحَذْف الْوَاو، وَمِنْهُم من رجح إِثْبَات الْوَاو لِأَن فِيهَا معنى زَائِدا لكَونهَا عاطفة على مَحْذُوف تَقْدِيره: يَا رَبنَا استجب، أَو: يَا رَبنَا أطعناك وَلَك الْحَمد، فيشتمل على الدُّعَاء وَالثنَاء مَعًا. وَمِنْهُم من رجح حذفهَا لِأَن الأَصْل عدم التَّقْدِير فَتَصِير عاطفة على كَلَام غير تَامّ. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَالْأول أوجه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: ثبتَتْ الراوية بِإِثْبَات الْوَاو وحذفها، والوجهان جائزان بِغَيْر تَرْجِيح. قَوْله: (وَإِذا صلى جَالِسا) أَي: حَال كَونه جَالِسا. قَوْله: (فصلوا جُلُوسًا) أَي: جالسين، وَهُوَ أَيْضا حَال. قَوْله: (أَجْمَعُونَ) ، تَأْكِيد للضمير الَّذِي فِي: صلوا، كَذَا وَقع بِالْوَاو فِي جَمِيع الطّرق فِي (الصَّحِيحَيْنِ) إلاّ أَن الروَاة اخْتلفُوا فِي رِوَايَة همام عَن أبي هُرَيْرَة فَقَالَ بَعضهم: أَجْمَعِينَ، بِالْيَاءِ فوجهه أَن يكون مَنْصُوبًا على الْحَال، أَي: جُلُوسًا مُجْتَمعين، أَو يكون تَأْكِيدًا لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: يكون نصبا على التَّأْكِيد لضمير مُقَدّر مَنْصُوب، كَأَنَّهُ قَالَ: أعنيكم أَجْمَعِينَ. قلت: هَذَا تعسف جدا، لَيْسَ فِي الْكَلَام مَا يصحح هَذَا التَّقْدِير. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ جَوَاز صَلَاة القائمين وَرَاء الْجَالِس، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى عَن قريب. الثَّانِي: فِيهِ وجوب مُتَابعَة الْمَأْمُوم الإِمَام حَتَّى فِي الصِّحَّة وَالْفساد، وَقَالَ الشَّافِعِي: يتبع فِي الْمُوَافقَة لَا فِي الصِّحَّة وَالْفساد، وَقَالَ النَّوَوِيّ: مُتَابعَة الإِمَام وَاجِبَة فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة بِخِلَاف النِّيَّة؛ وَقَالَ بَعضهم: يُمكن أَن يسْتَدلّ من هَذَا الحَدِيث على عدم دُخُولهَا، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْحصْر فِي الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَفعاله لَا فِي جَمِيع أَحْوَاله، كَمَا لَو كَانَ مُحدثا أَو حَامِل نَجَاسَة، فَإِن الصَّلَاة خَلفه تصح لمن لم يعلم حَاله على الصَّحِيح. قلت: لَا دلَالَة فِيهِ على الْحصْر، بل يدل الحَدِيث على وجوب الْمُتَابَعَة مُطلقًا، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: ثمَّ مَعَ وجود الْمُتَابَعَة لَيْسَ شَيْء مِنْهَا شرطا فِي صِحَة الْقدْوَة إلَاّ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَاخْتلف فِي السَّلَام، وَالْمَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة اشْتِرَاطه مَعَ الْإِحْرَام وَالْقِيَام من التَّشَهُّد الأول. انْتهى. (قُلْنَا) : تَكْفِي الْمُقَارنَة، لِأَن معنى الائتمام: الِامْتِثَال، وَمن فعل مثل مَا فعل إِمَامه صَار ممتثلاً. الثَّالِث: اسْتدلَّ أَبُو حنيفَة بقوله: (وَإِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده، فَقولُوا: رَبنَا وَلَك الْحَمد) على أَن وَظِيفَة الإِمَام: التسميع ووظيفة الْمَأْمُوم: التَّحْمِيد، لِأَنَّهُ ﷺ قسم، وَالْقِسْمَة تنَافِي الشّركَة، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة يَأْتِي الإِمَام بهما، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم وَأما الْمُؤْتَم فَلَا يَقُول إلاّ: رَبنَا وَلَك الْحَمد، لَيْسَ إلاّ عندنَا، وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك: يجمع بَينهمَا. ٦٨٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَن انس ابْن مَالك أنَّ رسولَ الله ﷺ ركِبَ فَرَسا فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأيْمَنُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهْوَ قاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ فإذَا صَلى قائِما فَصَلُّوا قِيَاما فإذَا رَكَعَ فارْكَعْوا وإذَا رَفَعَ فارْفَعُوا وإذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فقُولُوا رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ وإذَا صَلَّى قائِما فَصَلُّوا قِياما وإذَا صَلى جالِسا فَصَلُّوا جُلُوسا أجْمَعُونَ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث الَّذِي قبله، وَابْن شهَاب هُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَهُوَ أَنه مثل الحَدِيث الأول غير أَن ذَاك عَن مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَهَذَا عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس، وَاعْتبر الِاخْتِلَاف فِي الْمَتْن من حَيْثُ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان. قَوْله: (عَن أنس) ، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي أنس قَوْله: (فصلى صَلَاة من الصَّلَوَات) ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ: (فَحَضَرت الصَّلَاة) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة حميد عَن أنس عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اللَّام للْعهد ظَاهرا، وَالْمرَاد الْفَرْض لِأَن الْمَعْهُود من عَادَتهم اجْتِمَاعهم للْفَرض بِخِلَاف النَّافِلَة، وَحكى عِيَاض عَن ابْن الْقَاسِم: أَن هَذِه الصَّلَاة كَانَت نفلا. وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب: بِأَن فِي رِوَايَة جَابر عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَأبي دَاوُد الْجَزْم بِأَنَّهَا فرض، لكني لم أَقف على تَعْيِينهَا إلاّ فِي حَدِيث أنس: (فصلى بِنَا يَوْمئِذٍ) ، وَالظَّاهِر أَنَّهَا الظّهْر أَو الْعَصْر انْتهى. قلت: لَا ظَاهر هُنَا يدل على مَا دَعَاهُ وَلما لَا يجوز أَن تكون الَّتِي صلى بهم يَوْمئِذٍ نفلا. قَوْله: (فجحش) ، بجيم مَضْمُومَة ثمَّ حاء مُهْملَة مَكْسُورَة أَي: خدش،

стр. 1468

وَهُوَ أَن يتقشر جلد الْعُضْو. قَوْله: (فصلينا وَرَاءه قعُودا) أَي: حَال كوننا قَاعِدين. فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف حَدِيث عَائِشَة لِأَن فِيهِ: (فصلى جَالِسا وَصلى وَرَاءه قوم قيَاما) . قلت: أُجِيب عَن ذَلِك بِوُجُوه: الأول: أَن فِي رِوَايَة أنس اختصارا وَكَأَنَّهُ اقْتصر على مَا آل إِلَيْهِ الْحَال بعد أمره لَهُم بِالْجُلُوسِ. الثَّانِي: مَا قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَهُوَ أَنه: يحْتَمل أَن يكون بَعضهم قعد من أول الْحَال، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ أنس، وَبَعْضهمْ قَامَ حَتَّى أَشَارَ إِلَيْهِ بِالْجُلُوسِ، وَهُوَ الَّذِي حكته عَائِشَة. الثَّالِث: مَا قَالَه قوم وَهُوَ احْتِمَال تعدد الْوَاقِعَة، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه بعد قلت: الْبعد فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين، وَالْوَجْه الثَّالِث هُوَ الْقَرِيب، وَيدل عَلَيْهِ مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنهم دخلُوا يعودونه مرَّتَيْنِ، فصلى بهما فيهمَا، وَبَين أَن الأولى كَانَت نَافِلَة وأقرهم على الْقيام وَهُوَ جَالس، وَالثَّانيَِة كَانَت فَرِيضَة وابتدأوا قيَاما فَأَشَارَ إِلَيْهِم بِالْجُلُوسِ. وَفِي رِوَايَة بشر عَن حميد عَن أنس نَحوه عِنْد الإسماعيل. قَوْله: (وَإِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا) قيل: إِن المُرَاد بِالْأَمر أَن يَقْتَدِي بِهِ فِي جُلُوسه فِي التَّشَهُّد وَبَين السَّجْدَتَيْنِ لِأَنَّهُ ذكر ذَلِك عقيب ذكر الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ، وَالسُّجُود فَيحمل على أَنه لما جلس بَين السَّجْدَتَيْنِ قَامُوا تَعْظِيمًا لَهُ فَأَمرهمْ بِالْجُلُوسِ تواضعا، وَقد نبه على ذَلِك بقوله فِي حَدِيث جَابر: (إِن كدتم آنِفا تَفْعَلُونَ فعل فَارس وَالروم، يقومُونَ على مُلُوكهمْ وهم قعُود فَلَا تَفعلُوا) . وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: هَذَا بعيد لِأَن سِيَاق طرق الحَدِيث يأباه وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ المُرَاد بِالْجُلُوسِ فِي الرُّكْن لقَالَ: وَإِذا جلس فاجلسوا ليناسب قَوْله: (فَإِذا سجدوا) فَلَمَّا عدل عَن ذَلِك إِلَى قَوْله: (وَإِذا صلى جَالِسا) كَانَ كَقَوْلِه: (وَإِذا صلى قَائِما) . وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: غير مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق، مَشْرُوعِيَّة ركُوب الْخَيل والتدرب على أخلاقها، واستحباب التأسي إِذا حصل مِنْهَا سُقُوط أَو عَثْرَة أَو غير ذَلِك بِمَا اتّفق للنَّبِي ﷺ فِي هَذِه الْوَاقِعَة، وَبِه الأسوة الْحَسَنَة، وَمن ذَلِك أَنه يجوز على النَّبِي ﷺ مَا يجوز على الْبشر من الأسقام وَنَحْوهَا من غير نقص فِي مِقْدَاره بذلك، بل لِيَزْدَادَ قدره رفْعَة ومنصبه جلالة. قَالَ أبُو عَبْدِ الله قَالَ الحُمَيْدِيُّ قَوْلهُ إذَا صَلَّى جالِسا فَصَلُّوا جُلُوسا هُوَ فِي مَرَضِهِ القَدِيمِ ثمَّ صلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النبيُّ ﷺ جالِسا والنَّاسُ خَلْفَهُ قِياما لَمْ يَأمُرْهُمْ بَالقُعودِ وإنَّمَا يُؤخَذُ بِالآخِرِ فالآخِرِ مِنْ فَعْلِ النبيِّ ﷺ أَبُو عبد الله هُوَ: البُخَارِيّ نَفسه، والْحميدِي هُوَ شيخ البُخَارِيّ وتلميذ الشَّافِعِي، واسْمه: عبد الله بن الزبير بن عِيسَى ابْن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد الْقرشِي الْأَسدي الْمَكِّيّ، ويكنى أَبَا بكر، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَيفهم من هَذَا الْكَلَام أَن ميل البُخَارِيّ إِلَى مَا قَالَه الْحميدِي، وَهُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو ثَوْر وَجُمْهُور السّلف أَن الْقَادِر على الْقيام لَا يُصَلِّي وَرَاء الْقَاعِد إلَاّ قَائِما. وَقَالَ المرغيناني: الْفَرْض وَالنَّفْل سَوَاء. وَقَوله: إِنَّمَا يُؤْخَذ) إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى أَن الَّذِي يجب بِهِ الْعَمَل هُوَ مَا اسْتَقر عَلَيْهِ آخر الْأَمر من النَّبِي ﷺ ، وَلما كَانَ آخر الْأَمريْنِ مِنْهُ ﷺ صلَاته قَاعِدا وَالنَّاس وَرَاءه قيام، دلّ على أَن مَا كَانَ قبله من ذَلِك مَرْفُوع الحكم. فَإِن قلت: ابْن حبَان لم ير النّسخ، فَإِنَّهُ قَالَ، بعد أَن روى حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور: وَفِي هَذَا الْخَبَر بَيَان وَاضح أَن الإِمَام إِذا صلى قَاعِدا كَانَ على الْمَأْمُومين أَن يصلوا قعُودا، وَأفْتى بِهِ من الصَّحَابَة جَابر بن عبد الله وَأَبُو هُرَيْرَة وَأسيد بن حضير وَقيس ابْن فَهد، وَلم يرو عَن غَيرهم من الصَّحَابَة خلاف هَذَا بِإِسْنَاد مُتَّصِل وَلَا مُنْقَطع، فَكَانَ إِجْمَاعًا وَالْإِجْمَاع عندنَا إِجْمَاع الصَّحَابَة. وَقد أفتى بِهِ أَيْضا من التَّابِعين. وَأول من أبطل ذَلِك من الْأمة الْمُغيرَة بن مقسم، وَأخذ عَنهُ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان ثمَّ أَخذه عَنهُ أَبُو حنيفَة ثمَّ عَنهُ أَصْحَابه وَأَعْلَى حَدِيث احْتَجُّوا بِهِ حَدِيث رَوَاهُ جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ، وَهُوَ قَوْله ﷺ : (لَا يؤمَّنَّ أحد بعدِي جَالِسا) ، وَهَذَا لَو صَحَّ إِسْنَاده لَكَانَ مُرْسلا، والمرسل عندنَا وَمَا لم يرو سيان، لأَنا لَو قبلنَا إرْسَال تَابِعِيّ وَأَن كَانَ ثِقَة للزمنا قبُول مثله عَن اتِّبَاع التَّابِعين، وَإِذ قبلنَا لزمنا قبُوله من أَتبَاع التَّابِعين، وَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى أَن نقبل من كل أحد إِذا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ . وَفِي هَذَا نقض الشَّرِيعَة، وَالْعجب أَن أَبَا حنيفَة يخرج عَن جَابر الْجعْفِيّ ويكذبه، ثمَّ لما اضطره الْأَمر جعل أحتج بحَديثه، وَذَلِكَ

стр. 1469

كَمَا أخبرنَا بِهِ الْحُسَيْن بن عبد الله بن يزِيد الْقطَّان بالرقة: حَدثنَا أَحْمد بن أبي الْحَوْرَاء سَمِعت أَبَا يحيى الجمان سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول: مَا رَأَيْت فِيمَن لقِيت أفضل من عَطاء، وَلَا لقِيت فِيمَن لقِيت أكذب من جَابر الْجعْفِيّ، مَا أثْبته بِشَيْء من رَأْيِي إلاّ جَاءَنِي فِيهِ بِحَدِيث. قلت: أما إِنْكَاره النّسخ فَلَيْسَ لَهُ وَجه على مَا بَيناهُ، وَأما قَوْله: أفتى بِهِ من الصَّحَابَة جَابر وَغَيره، فقد قَالَ الشَّافِعِي: إِنَّهُم لم يبلغهم النّسخ، وَعلم الْخَاصَّة يُوجد عِنْد بعض ويعزب عَن بعض. انْتهى. وَكَذَا من أفتى بِهِ من التَّابِعين لم يبلغهم خبر النّسخ، وَأفْتى بِظَاهِر الْخَبَر الْمَنْسُوخ، وَأما قَوْله: وَالْإِجْمَاع إِجْمَاع الصَّحَابَة، فَغير مُسلم، فَإِن الْأَدِلَّة غير فارقة بَين أهل عصر بل تتَنَاوَل لأهل كل عصر كتناولها لأهل عصر الصَّحَابَة إِذْ لَو كَانَ خطابا للموجودين وَقت النُّزُول فَقَط يلْزم أَن لَا ينْعَقد إِجْمَاع الصَّحَابَة بعد موت من كَانَ مَوْجُودا وَقت النُّزُول، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يكون إِجْمَاعهم أجماع جَمِيع المخاطبين وَقت النُّزُول، وَيلْزم أَن لَا يعْتد بِخِلَاف من أسلم أَو ولد من الصَّحَابَة بعد النُّزُول لكَوْنهم خَارِجين عَن الْخطاب، وَقد اتفقتم مَعنا على إِجْمَاع هَؤُلَاءِ فَلَا يخْتَص بالمخاطبين، وَالْخطاب لَا يخْتَص بالموجودين كالخطاب بِسَائِر التكاليف، وَهَذَا الَّذِي قَالَه ابْن حبَان هُوَ من مَذْهَب دَاوُد وَأَتْبَاعه، وَأما قَوْله: والمرسل عندنَا وَمَا لم يرو سيان ... إِلَى آخِره، فَغير مُسلم أَيْضا لِأَن إرْسَال الْعدْل من الْأَئِمَّة تَعْدِيل لَهُ إِذْ لَو كَانَ غير عدل لوَجَبَ عَلَيْهِ التَّنْبِيه على جرحه والإخبار عَن حَاله، فالسكوت بعد الرِّوَايَة عَنهُ يكون تلبيسا أَو تحميلاً للنَّاس على الْعَمَل بِمَا لَيْسَ بِحجَّة، وَالْعدْل لَا يتهم بِمثل ذَلِك، فَيكون إرْسَاله توثيقا لَهُ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه كَانَ مَشْهُورا عِنْده فروى عَنهُ بِنَاء على ظَاهر حَاله، وفوض تَعْرِيف حَاله إِلَى السَّامع حَيْثُ ذكر اسْمه. وَقد اسْتدلَّ بعض أَصْحَابنَا لقبُول الْمُرْسل بِاتِّفَاق الصَّحَابَة فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على قبُول رِوَايَات ابْن عَبَّاس مَعَ أَنه لم يسمع من النَّبِي ﷺ ، إلاّ أَربع أَحَادِيث لصِغَر سنه كَمَا ذكره الْغَزالِيّ، أَو بضع عشر حَدِيثا كَمَا ذكره شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ. وَقَالَ ابْن سِيرِين: مَا كُنَّا نسند الحَدِيث إِلَى أَن وَقعت الْفِتْنَة، وَقَالَ بَعضهم: رد الْمَرَاسِيل بِدعَة حَادِثَة بعد الْمِائَتَيْنِ، وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ من أهل الْكُوفَة، وَأَبُو الْعَالِيَة وَالْحسن من أهل الْبَصْرَة، وَمَكْحُول من أهل الشَّام كَانُوا يرسلون، وَلَا يظنّ بهم إلاّ الصدْق، فَدلَّ على كَون الْمُرْسل حجَّة نعم، وَقع الِاخْتِلَاف فِي مَرَاسِيل من دون الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث، فَعِنْدَ أبي الْحسن الْكُوفِي: يقبل إرْسَال كل عدل فِي كل عصر، فَإِن الْعلَّة الْمُوجبَة لقبُول الْمَرَاسِيل فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة وَهِي: الْعَدَالَة والضبط، تَشْمَل سَائِر الْقُرُون، فَبِهَذَا التَّقْدِير انْتقض قَوْله، وَفِي هَذَا نقض للشريعة. وَأما قَوْله: وَالْعجب من أبي حنيفَة ... إِلَى آخِره، كَلَام فِيهِ إساءة أدب وتشنيع بِدُونِ دَلِيل جلي: فَإِن أَبَا حنيفَة من أَيْن أحتج بِحَدِيث جَابر الْجعْفِيّ فِي كَونه نَاسِخا؟ وَمن نقل هَذَا من الثِّقَات عَن أبي حنيفَة حَتَّى يكون متناقضا فِي قَوْله وَفعله؟ بل احْتج أَبُو حنيفَة فِي نسخ هَذَا الْبَاب مثل مَا احْتج بِهِ غَيره كالثوري وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر وَجُمْهُور السّلف، كَمَا مر مُسْتَوفى. ٥٢ - (بابُ مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإمَامِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: مَتى يسْجد من خلف الإِمَام، يَعْنِي إِذا اعتدل أَو جلس بَين السَّجْدَتَيْنِ. قَوْله: (من) فَاعل قَوْله: (يسْجد) . قَالَ أنَسٌ فإذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين معنى مَتى يسْجد من خلف الإِمَام، وَهُوَ أَنه يسْجد إِذا سجد الإِمَام، بِنَاء على تقدم الشَّرْط على االجزاء، وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه مَوْصُولا فِي: بَاب إِيجَاب التَّكْبِير، فَإِن فِيهِ: وَإِذا سجد فاسجدوا. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ طرف من حَدِيثه الْمَاضِي فِي الْبَاب الَّذِي قبله قلت: لَيست هَذِه اللَّفْظَة فِي الحَدِيث الْمَاضِي، وَإِنَّمَا هِيَ فِي: بَاب إِيجَاب التَّكْبِير، كَمَا ذكرنَا وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَفِي بعض النّسخ، قَالَ أنس: إِذا سجد فاسجدوا، يَعْنِي: من غير ذكره: عَن النَّبِي ﷺ . ٦٩٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَن سُفْيَانَ قَالَ حدَّثني أَبُو إسْحَاقَ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثني البَرَاءُ وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ إذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النبيُّ ﷺ سَاجِدا ثُمَّ نَقَعُ سُجُودا بَعْدَهُ

стр. 1470

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ نقع سجودا بعده) ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَن يكون سُجُود من خلف الإِمَام إِذا شرع الإِمَام فِي السَّجْدَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: سُفْيَان الثَّوْريّ. الرَّابِع: أَبُو إِسْحَاق، واسْمه: عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى سبيع بطن من هَمدَان. الْخَامِس: عبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة الخطمي كَذَا وَقع مَنْسُوبا عِنْد الإسماععيلي فِي رِوَايَة شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق، وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى خطمي، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الطَّاء: بطن من الْأَوْس. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عبد الله بن يزِيد بن زيد ابْن حُصَيْن بن عَمْرو الأوسي الخطمي أَبُو مُوسَى، شهد الْحُدَيْبِيَة وَمَات قبل ابْن الزبير. السَّادِس: الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: عبد الله بن يزِيد الصَّحَابِيّ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ. وَذكر الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) وَالِد عبد الله ووالد الْبَراء كليهمَا من الصَّحَابَة، فَقَالَ: يزِيد بن زيد بن حُصَيْن الْأنْصَارِيّ الخطمي، وَالِد عبد الله وجد عدي بن ثَابت لأمه. وَقَالَ أَيْضا: عَازِب بن الْحَارِث وَالِد الْبَراء، قَالَ البراءوفيه: اشْترى أَبُو بكر من عَازِب رجلا. وَفِيه: أَن أَبَا إِسْحَاق كَانَ مَعْرُوفا بالرواية عَن الْبَراء بن عَازِب لكنه روى الحَدِيث الْمَذْكُور هَهُنَا بِوَاسِطَة. وَهُوَ: عبد الله بن يزِيد. وَفِيه: أَن أحد الروَاة كَانَ أَمِيرا وَهُوَ: عبد الله بن يزِيد، وَكَانَ أَمِيرا على الْكُوفَة فِي زمن عبد الله بن الزبير، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي: بَاب رفع الْبَصَر فِي الصَّلَاة: أَن أَبَا إِسْحَاق قَالَ: سَمِعت عبد الله ابْن يزِيد يخْطب. وَفِيه: قَوْله: (غير كذوب) وَهُوَ على وزن: فعول، وَهُوَ صِيغَة مُبَالغَة: كصبور وشكور، وَاخْتلفُوا فِي هَذَا قيل: فِي حق من؟ فَقَالَ يحيى بن معِين والْحميدِي وَابْن الْجَوْزِيّ: إِن الْإِشَارَة فِي قَول أبي إِسْحَاق: غير كذوب، إِلَى عبد الله بن يزِيد، لَا إِلَى الْبَراء، لِأَن الصَّحَابَة عدُول فَلَا يحْتَاج أحد مِنْهُم إِلَى تَزْكِيَة وتعديل. وَقَالَ الْخَطِيب: إِن كَانَ هَذَا القَوْل من أبي إِسْحَاق فَهُوَ فِي عبد الله بن يزِيد، وَإِن كَانَ من عبد الله فَهُوَ فِي الْبَراء. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا القَوْل لَا يُوجب تُهْمَة فِي الرَّاوِي؛ وَإِنَّمَا يُوجب حَقِيقَة الصدْق لَهُ لِأَن هَذِه عَادَتهم إِذا أَرَادوا تَأْكِيد الْعلم بالراوي وَالْعَمَل بِمَا روى، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول: سَمِعت خليلي الصَّادِق المصدوق، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: حَدثنِي الصَّادِق المصدوق، وسلك عِيَاض أَيْضا هَذَا المسلك وَقَالَ: لم يرد بِهِ التَّعْدِيل وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ تَقْوِيَة الحَدِيث إِذْ حدث بِهِ الْبَراء، وَهُوَ غير مُتَّهم: وَمثل هَذَا قَول أبي مُسلم الْخَولَانِيّ: حَدثنِي الحبيب الْأمين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى الْكَلَام: حَدثنِي الْبَراء وَهُوَ غير مُتَّهم، كَمَا علمْتُم فثقوا بِمَا أخْبركُم بِهِ عَنهُ. قلت: قد ظهر من كَلَام الْخطابِيّ وعياض وَالنَّوَوِيّ أَن هَذَا القَوْل فِي الْبَراء، ويترجح هَذَا بِوَجْهَيْنِ: الأول: أَنه رُوِيَ عَن أبي إِسْحَاق فِي بعض طرقه: سَمِعت عبد الله بن يزِيد وَهُوَ يخْطب يَقُول: حَدثنَا الْبَراء، وَكَانَ غير كذوب. قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَنه كَلَام عبد الله بن يزِيد. قلت: إِذا كَانَ هَذَا كَلَام عبد الله فَيكون ذَاك فِي الْبَراء، وأوضح من هَذَا وَأبين مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) من طَرِيق محَارب بن دثار، قَالَ: سَمِعت عبد الله بن يزِيد على الْمِنْبَر يَقُول: حَدثنِي الْبَراء وَكَانَ غير كذوب. الثَّانِي: أَن الضَّمِير أَعنِي قَوْله: وَهُوَ يرجع إِلَى أقرب الْمَذْكُورين وَهُوَ الْبَراء، فَإِن قلت: كَيفَ نزه يحيى بن معِين الْبَراء عَن التَّعْدِيل لأجل صحبته وَلم ينزه عبد الله بن يزِيد وَهُوَ أَيْضا صَحَابِيّ؟ قلت: يحيى بن معِين لَا تثبت صحبته فَلذَلِك تنْسب هَذِه اللَّفْظَة إِلَيْهِ، وَوَافَقَهُ على ذَلِك مُصعب الزبيرِي، وَتوقف فِي صحبته أَحْمد وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو دَاوُد، وأثبتها ابْن البرقي وَالدَّارَقُطْنِيّ وَآخَرُونَ. فَإِن قلت: نفي الكذوبية لَا يسْتَلْزم نفي الكاذبية، مَعَ أَنه يجب نفي مُطلق الْكَذِب عَنْهُمَا قلت: مَعْنَاهُ غير ذِي كذب، كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ (فصلت: ٤٦) . أَي: وَمَا رَبك بِذِي ظلم. فَإِن قلت: مَا سَبَب رِوَايَة عبد الله ابْن يزِيد هَذَا الحَدِيث؟ قلت: روى الطَّبَرَانِيّ من طَرِيقه أَنه كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِالْكُوفَةِ، فَكَانَ النَّاس يضعون رؤوسهم قبل أَن يضع رَأسه، ويرفعون قبل أَن يرفع رَأسه، فَذكر الحَدِيث فِي إِنْكَاره عَلَيْهِم. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي نعيم وَعَن حجاج عَن شُعْبَة وَعَن آدم عَن إِسْرَائِيل. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أَحْمد بن يُونُس وَيحيى بن يحيى كِلَاهُمَا عَن زُهَيْر وَعَن أبي بكر بن خَلاد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه

стр. 1471

التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن عَليّ بن الْحُسَيْن الدرهمي عَن أُميَّة بن خَالِد، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: (إِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (فَإِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع فَقَالَ: سمع الله لمن حَمده لم نزل قيَاما) . قَوْله: (لم يحن) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة، من: حنيت الْعود عطفته وحنوت لُغَة، قَالَه الْجَوْهَرِي، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يحنو أحد، وَلَا يحني) ، رِوَايَتَانِ أَي: لَا يقوس ظَهره. قَوْله: (حَتَّى يَقع سَاجِدا) أَي: حَال كَونه سَاجِدا، وَفِي رِوَايَة الإسرائيلي عَن أبي إِسْحَاق: (حَتَّى يضع جَبهته على الأَرْض) ، وَنَحْوه وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة زُهَيْر عَن أبي إِسْحَاق، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن غنْدر عَن شُعْبَة: (حَتَّى يسْجد ثمَّ يَسْجُدُونَ) . قَوْله: (ثمَّ نقع) بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر. قَوْله: (سجودا) حَال، وَهُوَ جمع: ساجد، ونقع، مَرْفُوع لَا غير، و: يَقع، الأول الَّذِي هُوَ مَنْصُوب فَاعله النَّبِي ﷺ ، يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ: الرّفْع وَالنّصب. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: وجوب مُتَابعَة الإِمَام فِي أَفعاله، وَاسْتدلَّ بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ على أَن الْمَأْمُوم لَا يشرع فِي الرُّكْن حَتَّى يتمه الإِمَام، وَفِيه نظر، لِأَن الإِمَام إِذا أتم الرُّكْن ثمَّ شرع الْمَأْمُوم فِيهِ لَا يكون مُتَابعًا للْإِمَام وَلَا يعْتد بِمَا فعله، وَمعنى الحَدِيث أَن الْمَأْمُوم يشرع بعد شُرُوع الإِمَام فِي الرُّكْن وَقبل فَرَاغه مِنْهُ حَتَّى تُوجد الْمُتَابَعَة، وَوَقع فِي حَدِيث عَمْرو بن سليم أخرجه مُسلم: (فَكَانَ لَا يحني أحد منا ظَهره حَتَّى يَسْتَقِيم سَاجِدا) . وروى أَبُو يعلى من حَدِيث أنس: (حَتَّى يتَمَكَّن النَّبِي ﷺ من السُّجُود) ، وَمعنى هَذَا كُله ظَاهر فِي أَن الْمَأْمُوم يشرع فِي الرُّكْن بعد شُرُوع الإِمَام فِيهِ، وَقبل فَرَاغه مِنْهُ. وَاسْتدلَّ بِهِ قوم على طول الطُّمَأْنِينَة، وَفِيه نظر، لِأَن الحَدِيث لَا يدل على هَذَا. وَفِيه: جَوَاز النّظر إِلَى الْأَمَام لأجل اتِّبَاعه فِي انتقالاته فِي الْأَركان. حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ عنْ سُفْيَانَ عنْ أبي أسْحَاقَ نَحْوَهُ بِهَذَا أَبُو نعيم هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السبيعِي الْمَذْكُور، وَهَذَا السَّنَد وَقع فِي البُخَارِيّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وكريمة، وَلَيْسَ بموجود فِي رِوَايَة البَاقِينَ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا السَّنَد مَذْكُور فِي نُسْخَة سَمَاعنَا، وَفِي بعض النّسخ عَلَيْهِ ضرب، وَلم يذكرهُ أَصْحَاب الْأَطْرَاف: أَبُو الْعَبَّاس الطرقي وَخلف وَأَبُو مَسْعُود فَمن بعدهمْ، وَلم يذكرهُ أَيْضا أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) قلت: أخرجه أَبُو عوَانَة عَن الصَّاغَانِي وَغَيره عَن أبي نعيم، وَلَفظه: (كُنَّا إِذا صلينَا خلف النَّبِي ﷺ لم يحن أحد منا ظَهره حَتَّى يضع النَّبِي ﷺ جَبهته) . ٥٣ - (بابُ إثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من رفع رَأسه فِي الصَّلَاة قبل رفع الإِمَام رَأسه. قَالَ بَعضهم: أَي: من السُّجُود. قلت: وَمن الرُّكُوع أَيْضا، فَلَا وَجه لتخصيص السُّجُود لِأَن الحَدِيث أَيْضا يَشْمَل الْإِثْنَيْنِ بِحَسب الظَّاهِر كَمَا يَجِيء. فَإِن قلت: لهَذَا الْقَائِل أَن يَقُول: إِنَّمَا قلت: أَي من السُّجُود، لِأَنَّهُ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن حَفْص بن عَمْرو عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أما يخْشَى أَو ألَا يخْشَى أحدكُم إِذا رفع رَأسه وَالْإِمَام ساجد) الحَدِيث فَتبين أَن المُرَاد الرّفْع من السُّجُود. قلت: رِوَايَة البُخَارِيّ تتَنَاوَل الْمَنْع من تقدم الْمَأْمُوم على الإِمَام فِي الرّفْع من الرُّكُوع وَالسُّجُود مَعًا، وَلَا يجوز أَن تخصص رِوَايَة البُخَارِيّ بِرِوَايَة أبي دَاوُد، لِأَن الحكم فيهمَا سَوَاء، وَلَو كَانَ الحكم مَقْصُورا على الرّفْع من السُّجُود لَكَانَ لدعوى التَّخْصِيص وَجه، وَمَعَ هَذَا فالقائل الْمَذْكُور ذكر الحَدِيث عَن الْبَراء من رِوَايَة مليح ابْن عبد الله السَّعْدِيّ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (الَّذِي يخْفض وَيرْفَع قبل الإِمَام إِنَّمَا ناصيته بيد الشَّيْطَان) . وَهَذَا ينْقض عَلَيْهِ مَا قَالَه، وَيَردهُ عَلَيْهِ. وأعجب من هَذَا أَنه رد على ابْن دَقِيق الْعِيد حَيْثُ قَالَ: إِن الحَدِيث نَص فِي الْمَنْع من تقدم الْمَأْمُوم على الإِمَام فِي الرّفْع من الرُّكُوع وَالسُّجُود مَعًا، فَهَذَا دَقِيق الْكَلَام الَّذِي قَالَه ابْن الدَّقِيق، ومستنده فِي الرَّد عَلَيْهِ هُوَ قَوْله: وَإِنَّمَا هُوَ نَص فِي السُّجُود، ويلتحق بِهِ الرُّكُوع لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَهَذَا كَلَام سَاقِط جدا، لِأَن الْكَلَام هَهُنَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَلَيْسَ فِيهَا نَص فِي السُّجُود، بل هُوَ نَص عَام فِي السُّجُود وَالرُّكُوع. وَدَعوى

стр. 1472

التَّخْصِيص لَا تصح كَمَا ذكرنَا، نعم لَو ذكر النُّكْتَة فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِي تَخْصِيص السَّجْدَة بِالذكر لَكَانَ لَهُ وَجه، وَهِي أَن رِوَايَة أبي دَاوُد من بَاب الِاكْتِفَاء، فَاكْتفى بِذكر حكم السَّجْدَة عَن ذكر حكم الرُّكُوع لكَون الْعلَّة وَاحِدَة وَهِي السَّبق على الإِمَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سرابيل تقيكم الْحر﴾ (النَّحْل: ٨١) . أَي: وَالْبرد أَيْضا، وَإِنَّمَا لم يعكس الْأَمر لِأَن السَّجْدَة أعظم من الرُّكُوع فِي إِظْهَار التَّوَاضُع والتذلل، وَالْعَبْد أقرب مَا يكون إِلَى الرب وَهُوَ ساجد. ٦٩١ - ح دَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ أمَا يَخْشَى أحَدُكُمْ أوْ ألَا يَخْشَى أحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ أنْ يَجْعَلَ الله رَأسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أوْ يَجْعَلَ الله صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ ان فِيهِ وعيدا شَدِيدا وتهديدا، ومرتكب الشَّيْء الَّذِي فِيهِ الْوَعيد آثم بِلَا نزاع. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: حجاج بن منهال السّلمِيّ الْأنمَاطِي الْبَصْرِيّ أَبُو مُحَمَّد، وَقد مر ذكره فِي: بَاب مَا جَاءَ إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، فِي آخر كتاب الْإِيمَان. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: مُحَمَّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: الجُمَحِي الْمدنِي سكن الْبَصْرَة. الرَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي ومدني. وَفِيه: أَنه من رباعيات البُخَارِيّ. ذكر من أخرجه غَيره: هَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة وَلَكِن بِهَذَا الْإِسْنَاد أخرجه مُسلم عَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن حَفْص بن عَمْرو عَن شُعْبَة، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد زِيَاد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن حميد بن مسْعدَة وسُويد بن سعيد عَن حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن زِيَاد، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْكَبِير) من حَدِيث مُوسَى بن عبد الله بن يزِيد عَن أَبِيه: (أَنه كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ هَهُنَا وَكَانَ النَّاس يضعون رؤوسهم قبل أَن يضع رَأسه ويرفعون رؤوسهم قبل أَن يرفع راسه، فَلَمَّا انْصَرف الْتفت إِلَيْهِم فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس لِمَ تأثمون وتؤثمون، صليت بكم صَلَاة رَسُول الله، ﷺ ، لَا أخرم عَنْهَا) . وروى أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (مَا يَأْمَن الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يعود رَأسه رَأس كلب، ولينتهين أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء، أَو لتخطفن أَبْصَارهم) . وروى أَيْضا فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ: (صلى رجل خلف النَّبِي، ﷺ ، فَجعل يرْكَع قبل أَن يرْكَع، وَيرْفَع قبل أَن يرفع، فَلَمَّا قضى النَّبِي ﷺ ، صلَاته قَالَ: من الْفَاعِل هَذَا؟ قَالَ: أَنا يَا رَسُول الله. قَالَ: اتَّقوا خداج الصَّلَاة، إِذا ركع الإِمَام فاركعوا وَإِذا رفع فارفعوا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أما يخْشَى أحدكُم) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أوَ لَا يخْشَى) . قلت: اخْتلفت أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث، فرواية مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه: (أما يخْشَى الَّذِي يرفع رَأسه) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (ألَا يخْشَى) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَأبي دَاوُد من رِوَايَة شُعْبَة: (أمَا يخْشَى أَو أَلا يخْشَى) بِالشَّكِّ، قَالَ الْكرْمَانِي: الشَّك من أبي هُرَيْرَة، وَكلمَة: أما، بتَخْفِيف الْمِيم: حرف استفتاح مثل أَلَا. وَأَصلهَا: مَا، النافية دخلت عَلَيْهَا همزَة الِاسْتِفْهَام، وَهُوَ هَهُنَا اسْتِفْهَام توبيخ وإنكار. قَوْله: (إِذا رفع رَأسه قبل الإِمَام) ، زَاد ابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن زِيَاد: (فِي صلَاته) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن حَفْص بن عمر: (الَّذِي يرفع رَأسه وَالْإِمَام ساجد) . قَوْله: (أَن يَجْعَل الله رَأسه رَأس حمَار؟) وَهَهُنَا أَيْضا اخْتلفت أَلْفَاظ الحَدِيث، فَفِي رِوَايَة يُونُس بن عبيد عِنْد مُسلم: (مَا يَأْمَن الَّذِي يرفع رَأسه فِي صلَاته أَن يحول الله صورته فِي صُورَة حمَار؟) . وَفِي رِوَايَة الرّبيع بن مُسلم عِنْد مُسلم: (أَن يَجْعَل الله وَجهه وَجه حمَار؟) وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان، من رِوَايَة مُحَمَّد بن ميسرَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد: (أَن يحول الله رَأسه رَأس كلب) وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة

стр. 1473

عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (مَا يُؤمن من يرفع رَأسه قبل الإِمَام ويضعه) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة مليح السَّعْدِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام وَيخْفِضهُ قبل الإِمَام فَإِنَّمَا ناصيته بيد شَيْطَان) . وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا، كَمَا ذكرنَا وَذكرنَا الْآن أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود: (أَن يعود رَأسه رَأس كلب؟) وَهُوَ مَوْقُوف، وَلكنه لَا يدْرك بِالرَّأْيِ، فَحكمه حكم الْمَرْفُوع. قَوْله: (أَو يَجْعَل صورته صُورَة حمَار؟) قَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: الشَّك فِيهِ من أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ بَعضهم: الشَّك من شُعْبَة ثمَّ أكد هَذَا بقوله، فقد رَوَاهُ الطَّيَالِسِيّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة وَابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد وَمُسلم من رِوَايَة يُونُس بن عبيد وَالربيع بن مُسلم، كلهم عَن مُحَمَّد بن زِيَاد بِغَيْر تردد. قلت: لَا يلْزم من إخراجهم بِغَيْر تردد أَن لَا يخرج غَيرهم بِغَيْر تردد، وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك يحْتَمل أَن يكون التَّرَدُّد من شُعْبَة أَو من مُحَمَّد بن زِيَاد أَو من أبي هُرَيْرَة، فَمن ادّعى تعْيين وَاحِد مِنْهُم فَعَلَيهِ الْبَيَان، وَأما اخْتلَافهمْ فِي الرَّأْس أَو الصُّورَة فَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة: رَأس، وَفِي رِوَايَة يُونُس: صُورَة وَفِي رِوَايَة الرّبيع، وَجه. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَنه من تصرف الروَاة. قلت: كَيفَ يكون من تصرفهم وَلكُل وَاحِد من هَذِه الْأَلْفَاظ معنى فِي اللُّغَة يغاير معنى الآخر؟ أما الرَّأْس فَإِنَّهُ اسْم لعضو يشْتَمل على الناصية والقفاء والفودين. وَالصُّورَة: الْهَيْئَة، وَيُقَال: صورته حَسَنَة أَي: هَيئته وشكله، وَيُطلق على الصّفة أَيْضا يُقَال: صُورَة الْأَمر كَذَا وَكَذَا أَي: صفته، وَيُطلق على الْوَجْه أَيْضا يُقَال: صورته حَسَنَة أَي: وَجهه، وَيُطلق على شكل الشَّيْء وعَلى الْخلقَة. وَالْوَجْه اسْم لما يواجهه الْإِنْسَان، وَهُوَ من منبت الناصية إِلَى أَسْفَل الذقن طولا وَمن شحمة الْأذن إِلَى شحمة الْأذن عرضا. وَالظَّاهِر أَن هَذَا الِاخْتِلَاف من اخْتِلَاف تعدد الْقَضِيَّة، ورواة الرَّأْس أَكثر، وَعَلِيهِ الْعُمْدَة. وَقَالَ عِيَاض: هَذِه الرِّوَايَات متفقة لِأَن الْوَجْه فِي الرَّأْس، ومعظم الصُّورَة فِيهِ، وَفِيه نظر، لِأَن الْوَجْه خلاف الرَّأْس لُغَة وَشرعا. ثمَّ الْعلمَاء تكلمُوا فِي معنى: (أَن يَجْعَل رَأسه رَأس حمَار أَو صورته صُورَة حمَار؟) قَالَ الْكرْمَانِي: قيل هَذَا مجَاز عَن البلادة، لِأَن المسخ لَا يجوز فِي هَذِه الْأمة. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: لَيْسَ قَوْله: (أَن يحول الله رَأسه راس حمَار) فِي هَذِه الْأمة بموجود، فَإِن المسخ فِيهَا مَأْمُون، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ معنى الْحمار من قلَّة البصيرة وَكَثْرَة العناد، فَإِن من شَأْنه إِذا قيد حزن وَإِذا حبس طفر لَا يُطِيع قائدا وَلَا يعين حابسا. قلت: فِي كَلَامهمَا: إِن المسخ لَا يجوز فِي هَذِه الْأمة، وَإِن المسخ فِيهَا مَأْمُون، نظر، وَقد رُوِيَ وُقُوع ذَلِك فِي آخر الزَّمَان عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يكون فِي آخر هَذِه الْأمة خسف ومسخ وَقذف. .) الحَدِيث، وَرُوِيَ أَيْضا عَن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة وَعمْرَان بن حُصَيْن، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَعبد الله بن عَمْرو وَسَهل بن سعد وروى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي امامة وروى عبد الله بن أَحْمد فِي (زَوَائِد الْمسند) من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت وَابْن عَبَّاس وروى أَبُو يعلى وَالْبَزَّار من حَدِيث أنس وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن بشر وَسَعِيد بن أبي رَاشد وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الصَّغِير) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَابْن عَبَّاس أَيْضا، وَلَكِن أسانيدها لَا تَخْلُو من مقَال. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: إِن الحَدِيث يَقْتَضِي تَغْيِير الصُّورَة الظَّاهِرَة، وَيحْتَمل أَن يرجع إِلَى أَمر معنوي مجَازًا، فَإِن الْحمار مَوْصُوف بالبلادة. قَالَ: ويستعار هَذَا الْمَعْنى للجاهل بِمَا يجب عَلَيْهِ من فروض الصَّلَاة ومتابعة الإِمَام، وَرُبمَا يرجح هَذَا الْمجَاز بِأَن التَّحْوِيل فِي الصُّورَة الظَّاهِرَة لم يَقع من كَثْرَة رفع الْمَأْمُومين قبل الإِمَام، وَقد بَينا أَن الحَدِيث لَا يدل على وُقُوع ذَلِك، وَإِنَّمَا يدل على كَون فَاعله متعرضا لذَلِك بِكَوْن فعله صَالحا لِأَن يَقع ذَلِك الْوَعيد، وَلَا يلْزم من التَّعَرُّض للشَّيْء وُقُوع ذَلِك الشَّيْء. قلت: وَإِن سلمنَا ذَلِك فلِمَ لَا يجوز أَن يُؤَخر الْعقَاب إِلَى وَقت يُريدهُ الله تَعَالَى؟ كَمَا وقفنا فِي بعض الْكتب وَسَمعنَا من الثِّقَات أَن جمَاعَة من الشِّيعَة الَّذين يسبون الصَّحَابَة قد تحولت صورتهم إِلَى صُورَة حمَار وخنزير عِنْد مَوْتهمْ، وَكَذَلِكَ جرى على من عق وَالِديهِ، وخاطبهما باسم الْحمار أَو الْخِنْزِير أَو الْكَلْب؟ ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: كَمَال شفقته ﷺ بأمته وَبَيَانه لَهُم الْأَحْكَام وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من الثَّوَاب وَالْعِقَاب. وَفِيه: الْوَعيد الْمَذْكُور لمن رفع رَأسه قبل الإِمَام، وَنظر ابْن مَسْعُود إِلَى من سبق إِمَامه فَقَالَ: لَا وَحدك صليت وَلَا بإمامك اقتديت. وَعَن ابْن عمر نَحوه، وَأمره بِالْإِعَادَةِ. وَالْجُمْهُور على عدم الْإِعَادَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: من خَالف الإِمَام فقد خَالف

стр. 1474

سنة الْمَأْمُوم وأجزأته صلَاته عِنْد جَمِيع الْعلمَاء. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة: وَإِن سبق إِمَامه فَعَلَيهِ أَن يرفع ليَأْتِي بذلك مؤتما بِالْإِمَامِ فَإِن لم يفعل حَتَّى لحقه الإِمَام سَهوا أَو جهلا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَإِن سبقه عَالما بِتَحْرِيمِهِ. فَقَالَ أَحْمد فِي رسَالَته: لَيْسَ لمن سبق الإِمَام صَلَاة، لقَوْله: (أما يخْشَى الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام ... ؟) الحَدِيث، وَلَو كَانَ لَهُ صَلَاة لرجى لَهُ الثَّوَاب، وَلم يخْش عَلَيْهِ الْعقَاب، وَقَالَ ابْن بزيزة: اسْتدلَّ بِظَاهِرِهِ قوم لَا يعْقلُونَ على جَوَاز التناسخ. قلت: هَذَا مَذْهَب مَرْدُود، وَقد بنوه على دعاوى بَاطِلَة بِغَيْر دَلِيل وبرهان. ٥٤ - (بابُ إمامَةِ العَبْدِ والمَوْلَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم إِمَامَة العَبْد وَالْمولى، وَأَرَادَ بِهِ الْمولى الْأَسْفَل، وَهُوَ المعتوق، وللفظ الْمولى معانٍ مُتعَدِّدَة، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا: المعتوق، قيل: لم يفصح بِالْجَوَازِ،، لَكِن لوح بِهِ لإيراده أدلته. وكانَتْ عَائِشَةُ يِؤُمُّهِا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ المُصْحَفِ إِيرَاد هَذَا الْأَثر يدل على أَن مُرَاده من التَّرْجَمَة الْجَوَاز، وَإِن كَانَت التَّرْجَمَة مُطلقَة، وَوصل هَذَا ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أبي بكر بن أبي مليكَة: أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أعتقت غُلَاما عَن دبر، فَكَانَ يؤمها فِي رَمَضَان فِي الْمُصحف. وروى أَيْضا عَن ابْن علية: عَن أَيُّوب سَمِعت الْقَاسِم يَقُول: كَانَ يؤم عَائِشَة عبد يقْرَأ فِي الْمُصحف، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة أَنهم كَانُوا يأْتونَ عَائِشَة بِأَعْلَى الْوَادي هُوَ وَعبيد بن عُمَيْر والمسور بن مخرمَة وناس كثير، فيؤمهم أَبُو عمر وَمولى عَائِشَة، وَهُوَ يَوْمئِذٍ غُلَام لم يعْتق. وَكَانَ إِمَام بني مُحَمَّد بن أبي بكر وَعُرْوَة. وَعند الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي عتبَة أَحْمد بن الْفرج الْحِمصِي: حَدثنَا مُحَمَّد بن حمير حَدثنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن هِشَام عَن أَبِيه أَن أَبَا عَمْرو ذكْوَان كَانَ عبدا لعَائِشَة، فأعتقته وَكَانَ يقوم بهَا شهر رَمَضَان يؤمها، وَهُوَ عبد. وروى ابْن أبي دَاوُد فِي (كتاب الْمَصَاحِف) من طَرِيق أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة: أَن عَائِشَة كَانَ يؤمها غلامها ذكْوَان فِي الْمُصحف. وذكوان: بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وكنيته أَبُو عَمْرو، مَاتَ فِي أَيَّام الْحرَّة أَو قتل بهَا. قَوْله: (وَهُوَ يَوْمئِذٍ غُلَام) ، الْغُلَام هُوَ الَّذِي لم يَحْتَلِم، وَلَكِن الظَّاهِر أَن المُرَاد مِنْهُ الْمُرَاهق، وَهُوَ كَالْبَالِغِ. قَوْله: (من الْمُصحف) ، ظَاهره يدل على جَوَاز الْقِرَاءَة من الْمُصحف فِي الصَّلَاة، وَبِه قَالَ ابْن سِيرِين وَالْحسن وَالْحكم وَعَطَاء، وَكَانَ أنس يُصَلِّي وَغُلَام خَلفه يمسك لَهُ الْمُصحف، وَإِذا تعايا فِي آيَة فتح لَهُ الْمُصحف. وَأَجَازَهُ مَالك فِي قيام رَمَضَان، وَكَرِهَهُ النَّخعِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ، وَهُوَ رِوَايَة عَن الْحسن. وَقَالَ: هَكَذَا يفعل النَّصَارَى، وَفِي مُصَنف ابْن أبي شيبَة وَسليمَان بن حَنْظَلَة وَمُجاهد بن جُبَير وَحَمَّاد وَقَتَادَة، وَقَالَ ابْن حزم: لَا تجوز الْقِرَاءَة من الْمُصحف وَلَا من غَيره لمصل إِمَامًا كَانَ أَو غَيره، فَإِن تعمد ذَلِك بطلت صلَاته، وَبِه قَالَ ابْن الْمسيب وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهُوَ غَرِيب لم أره عَنهُ. قلت: الْقِرَاءَة من مصحف فِي الصَّلَاة مفْسدَة عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهُ عمل كثير، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد يجوز، لِأَن النّظر فِي الْمُصحف عبَادَة، وَلكنه يكره لما فِيهِ من التَّشَبُّه بِأَهْل الْكتاب فِي هَذِه الْحَالة، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَعند مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة. لَا تفْسد فِي النَّفْل فَقَط. وَأما إِمَامَة العَبْد، فقد قَالَ أَصْحَابنَا: تكره إِمَامَة العَبْد لاشتغاله بِخِدْمَة مَوْلَاهُ، وأجازها أَبُو ذَر وَحُذَيْفَة وَابْن مَسْعُود، ذكره ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح، وَعَن أبي سُفْيَان أَنه كَانَ يؤم بني عبد الْأَشْهَل وَهُوَ مكَاتب وَخَلفه صحابة مُحَمَّد بن مسلمة وَسَلَمَة بن سَلام، وَصلى سَالم خلف زِيَاد مولى ابْن الْحسن وَهُوَ عبد، وَمن التَّابِعين ابْن سِيرِين وَالْحسن وَشُرَيْح وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالْحكم، وَمن الْفُقَهَاء الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَالك: تصح إِمَامَته فِي غير االجمعة، وَفِي رِوَايَة: لَا يؤم إلاّ إِذا كَانَ قَارِئًا وَمن خَلفه الْأَحْرَار لَا يقرأون، وَلَا يؤم فِي جُمُعَة وَلَا عيد. وَعَن الْأَوْزَاعِيّ: لَا يؤم إلاْ أَهله. وَمِمَّنْ كره الصَّلَاة خَلفه: أَبُو مجلز، فِيمَا ذكره ابْن أبي شيبَة، وَالضَّحَّاك بِزِيَادَة: وَلَا يؤم من لم يحجّ قوما فيهم من قد حج. وَفِي (الْمَبْسُوط) : إِن إِمَامَته جَائِزَة وَغَيره أحب. قلت: وَلَا شكّ أَن الْحر أولى مِنْهُ لِأَنَّهُ منصب جليل، فالحر أليق بهَا، وَقَالَ ابْن خيران من أَصْحَاب الشَّافِعِيَّة: تكره إِمَامَته للْحرّ، وَخَالف سليم الرَّازِيّ، وَلَو اجْتمع عبد فَقِيه وحر غير فَقِيه فَثَلَاثَة أوجه: أَصَحهَا أَنَّهُمَا

стр. 1475

سَوَاء، ويترجح قَول من قَالَ: العَبْد الْفَقِيه أولى لما أَن سالما مولى أبي حُذَيْفَة كَانَ يؤم الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين فِي مَسْجِد قبَاء فيهم عمر وَغَيره، لِأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرهم قُرْآنًا. وَلَدِ البَغِيِّ عطف على قَوْله: وَالْمولى، وَلَكِن فصل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ بأثر عَائِشَة، و: الْبَغي، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وتشديدها: وَهِي الزَّانِيَة، وَنقل ابْن التِّين أَنه رَوَاهُ بِفَتْح الْبَاء وَسُكُون الْغَيْن، وَقَالَ بَعضهم: وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَالتَّخْفِيف. قلت: قَوْله: وَالتَّخْفِيف، غلط لِأَن السّكُون يُغني عَن ذكره، وَأما إِمَامَة ولد الزِّنَا فجائزة عِنْد الْجُمْهُور، وَأَجَازَ النَّخعِيّ إِمَامَته، وَقَالَ: رب عبدٍ خير من مَوْلَاهُ، وَالشعْبِيّ وَعَطَاء وَالْحسن، وَقَالَت عَائِشَة: لَيْسَ عَلَيْهِ من وزر أَبَوَيْهِ شَيْء، ذكره ابْن أبي شيبَة، وَإِلَيْهِ ذهب الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَمُحَمّد بن عبد الحكم، وكرهها عمر بن عبد الْعَزِيز وَمُجاهد وَمَالك إِذا كَانَ راتبا. وَقَالَ صَاحب؛ التَّوْضِيح) : وَلَا تكره إِمَامَته عندنَا خلافًا للشَّيْخ أبي حَامِد والعبدري، وَقَالَ الشَّافِعِي: وأكره أَن أنصب من لَا يعرف أَبوهُ إِمَامًا، وَتَابعه الْبَنْدَنِيجِيّ، وَغَيره صرح بعدمها، وَقَالَ ابْن حزم: الْأَعْمَى والخصي وَالْعَبْد وَولد الزِّنَا وأضدادهم، والقرشي سَوَاء، لَا تفاضل بَينهم إلاّ بِالْقِرَاءَةِ، وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: تكره إِمَامَة العَبْد وَولد الزِّنَا لِأَنَّهُ يستخف بِهِ، فَإِن تقدما جَازَت الصَّلَاة. والأَعْرَابِيِّ بِالْجَرِّ عطف على: ولد الْبَغي، وَهُوَ بِفَتْح الْهمزَة، وَقد نصب إِلَى الْجمع لِأَنَّهُ صَار علما لَهُم، فَهُوَ فِي حكم الْمُفْرد، والأعراب: سكان الْبَادِيَة من الْعَرَب. وَقَالَ صَاحب (الْمُنْتَهى) خَاصَّة: وَالْجمع أعاريب، وَلَيْسَ الْأَعْرَاب جمعا لعرب، كَمَا أَن الأنباط جمع للنبط، وَذكر النَّضر وَغَيره أَن الْأَعْرَاب جمع عرب، مثل: غنم وأغنام، وَإِنَّمَا سموا أعرابا لأَنهم عرب تجمعت من هَهُنَا وَهَهُنَا، وَأَجَازَ أَبُو حنيفَة إِمَامَته مَعَ الْكَرَاهَة لغَلَبَة الْجَهْل عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق، وَصلى ابْن مَسْعُود خلف أَعْرَابِي، وَلم ير بهَا بَأْسا إِبْرَاهِيم وَالْحسن وَسَالم. وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (لَا يتَقَدَّم الصَّفّ الأول أَعْرَابِي وَلَا عجمي وَلَا غُلَام لم يَحْتَلِم) . والغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَحْتلِمْ بِالْجَرِّ أَيْضا عطف على مَا قبله، وَظَاهره مُطلق يتَنَاوَل الْمُرَاهق وَغَيره، وَلَكِن يخرج مِنْهُ من كَانَ دون سنّ التَّمْيِيز بِدَلِيل آخر، وَيفهم أَن البُخَارِيّ يجوز إِمَامَته، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي أَيْضا، وَمذهب أبي حنيفَة: أَن الْمَكْتُوبَة لَا تصح خَلفه، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ دَاوُد: فِي النَّفْل رِوَايَتَانِ عَن أبي حنيفَة، وبالجواز فِي النَّفْل قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ دَاوُد: لَا تصح فِيمَا حَكَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن الشّعبِيّ وَمُجاهد وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَعَطَاء، وَأما نَقله: ابْن الْمُنْذر عَن أبي حنيفَة وصاحبيه أَنَّهَا مَكْرُوهَة فَلَا يَصح هَذَا النَّقْل، وَعند الشَّافِعِي فِي الْجُمُعَة قَولَانِ، وَفِي غَيرهَا يجوز لحَدِيث عَمْرو بن سَلمَة الَّذِي فِيهِ: أؤمهم وَأَنا ابْن سبع أَو ثَمَان سِنِين، وَعَن الْخطابِيّ أَن أَحْمد كَانَ يضعف هَذَا الحَدِيث، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَا يؤم الْغُلَام حَتَّى يَحْتَلِم، وَذكر الْأَثْرَم بِسَنَد لَهُ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: لَا يؤم الْغُلَام حَتَّى تجب عَلَيْهِ الْحُدُود، وَعَن إِبْرَاهِيم: لَا بَأْس أَن يؤم الْغُلَام قبل أَن يَحْتَلِم فِي رَمَضَان، وَعَن الْحسن مثله وَلم يُقَيِّدهُ. لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : يَؤُمُّهُمْ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله هَذَا تَعْلِيل لجمع مَا ذكر قبله من: العَبْد وَولد الْبَغي والأعرابي والغلام الَّذِي لم يَحْتَلِم، معنى الحَدِيث: لم يفرق بَين الْمَذْكُورين وَغَيرهم، وَلَكِن الَّذِي يظْهر من هَذَا أَن إِمَامَة أحد من هَؤُلَاءِ إِنَّمَا تجوز إِذا كَانَ أَقرَأ الْقَوْم. ألَا ترى أَن الْأَشْعَث بن قيس قدم غُلَاما، فعابوا ذَلِك عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا قَدمته. وَلَكِن قدمه الْقُرْآن الْعَظِيم، وَقَوله ﷺ : (يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله) ، تَعْلِيق، وَهُوَ طرف من حَدِيث أبي مَسْعُود، أخرجه مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن بِلَفْظ: (يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله تَعَالَى) ، وروى أَبُو سعيد عِنْده أَيْضا مَرْفُوعا: (أَحَق بِالْإِمَامَةِ أقرؤهم) ، وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود: (وليؤمهم أقرؤهم) . وَلَا يُمْنَعُ العَبْدُ مِنَ الجَمَاعَةِ بَغَيْرِ عِلَّةٍ هَذِه الْجُمْلَة معطوفة على التَّرْجَمَة، وَهِي من كَلَام البُخَارِيّ وَلَيْسَت من الحَدِيث الْمُعَلق، وَوجه عدم مَنعه من حُضُور الْجَمَاعَة لِأَن حق الله مقدم على حق الْمولى فِي بَاب الْعِبَادَة، وَقد ورد وَعِيد شَدِيد فِي ترك حُضُور الْجَمَاعَة بِغَيْر ضَرُورَة، أَشَارَ إِلَيْهَا
следующие страницы →