← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن عَليّ بن الْحُسَيْن الدرهمي عَن أُميَّة بن خَالِد، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: (إِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (فَإِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع فَقَالَ: سمع الله لمن حَمده لم نزل قيَاما) . قَوْله: (لم يحن) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة، من: حنيت الْعود عطفته وحنوت لُغَة، قَالَه الْجَوْهَرِي، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يحنو أحد، وَلَا يحني) ، رِوَايَتَانِ أَي: لَا يقوس ظَهره. قَوْله: (حَتَّى يَقع سَاجِدا) أَي: حَال كَونه سَاجِدا، وَفِي رِوَايَة الإسرائيلي عَن أبي إِسْحَاق: (حَتَّى يضع جَبهته على الأَرْض) ، وَنَحْوه وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة زُهَيْر عَن أبي إِسْحَاق، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن غنْدر عَن شُعْبَة: (حَتَّى يسْجد ثمَّ يَسْجُدُونَ) . قَوْله: (ثمَّ نقع) بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر. قَوْله: (سجودا) حَال، وَهُوَ جمع: ساجد، ونقع، مَرْفُوع لَا غير، و: يَقع، الأول الَّذِي هُوَ مَنْصُوب فَاعله النَّبِي ﷺ ، يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ: الرّفْع وَالنّصب. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: وجوب مُتَابعَة الإِمَام فِي أَفعاله، وَاسْتدلَّ بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ على أَن الْمَأْمُوم لَا يشرع فِي الرُّكْن حَتَّى يتمه الإِمَام، وَفِيه نظر، لِأَن الإِمَام إِذا أتم الرُّكْن ثمَّ شرع الْمَأْمُوم فِيهِ لَا يكون مُتَابعًا للْإِمَام وَلَا يعْتد بِمَا فعله، وَمعنى الحَدِيث أَن الْمَأْمُوم يشرع بعد شُرُوع الإِمَام فِي الرُّكْن وَقبل فَرَاغه مِنْهُ حَتَّى تُوجد الْمُتَابَعَة، وَوَقع فِي حَدِيث عَمْرو بن سليم أخرجه مُسلم: (فَكَانَ لَا يحني أحد منا ظَهره حَتَّى يَسْتَقِيم سَاجِدا) . وروى أَبُو يعلى من حَدِيث أنس: (حَتَّى يتَمَكَّن النَّبِي ﷺ من السُّجُود) ، وَمعنى هَذَا كُله ظَاهر فِي أَن الْمَأْمُوم يشرع فِي الرُّكْن بعد شُرُوع الإِمَام فِيهِ، وَقبل فَرَاغه مِنْهُ. وَاسْتدلَّ بِهِ قوم على طول الطُّمَأْنِينَة، وَفِيه نظر، لِأَن الحَدِيث لَا يدل على هَذَا. وَفِيه: جَوَاز النّظر إِلَى الْأَمَام لأجل اتِّبَاعه فِي انتقالاته فِي الْأَركان. حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ عنْ سُفْيَانَ عنْ أبي أسْحَاقَ نَحْوَهُ بِهَذَا أَبُو نعيم هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السبيعِي الْمَذْكُور، وَهَذَا السَّنَد وَقع فِي البُخَارِيّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وكريمة، وَلَيْسَ بموجود فِي رِوَايَة البَاقِينَ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا السَّنَد مَذْكُور فِي نُسْخَة سَمَاعنَا، وَفِي بعض النّسخ عَلَيْهِ ضرب، وَلم يذكرهُ أَصْحَاب الْأَطْرَاف: أَبُو الْعَبَّاس الطرقي وَخلف وَأَبُو مَسْعُود فَمن بعدهمْ، وَلم يذكرهُ أَيْضا أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) قلت: أخرجه أَبُو عوَانَة عَن الصَّاغَانِي وَغَيره عَن أبي نعيم، وَلَفظه: (كُنَّا إِذا صلينَا خلف النَّبِي ﷺ لم يحن أحد منا ظَهره حَتَّى يضع النَّبِي ﷺ جَبهته) . ٥٣ - (بابُ إثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من رفع رَأسه فِي الصَّلَاة قبل رفع الإِمَام رَأسه. قَالَ بَعضهم: أَي: من السُّجُود. قلت: وَمن الرُّكُوع أَيْضا، فَلَا وَجه لتخصيص السُّجُود لِأَن الحَدِيث أَيْضا يَشْمَل الْإِثْنَيْنِ بِحَسب الظَّاهِر كَمَا يَجِيء. فَإِن قلت: لهَذَا الْقَائِل أَن يَقُول: إِنَّمَا قلت: أَي من السُّجُود، لِأَنَّهُ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن حَفْص بن عَمْرو عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أما يخْشَى أَو ألَا يخْشَى أحدكُم إِذا رفع رَأسه وَالْإِمَام ساجد) الحَدِيث فَتبين أَن المُرَاد الرّفْع من السُّجُود. قلت: رِوَايَة البُخَارِيّ تتَنَاوَل الْمَنْع من تقدم الْمَأْمُوم على الإِمَام فِي الرّفْع من الرُّكُوع وَالسُّجُود مَعًا، وَلَا يجوز أَن تخصص رِوَايَة البُخَارِيّ بِرِوَايَة أبي دَاوُد، لِأَن الحكم فيهمَا سَوَاء، وَلَو كَانَ الحكم مَقْصُورا على الرّفْع من السُّجُود لَكَانَ لدعوى التَّخْصِيص وَجه، وَمَعَ هَذَا فالقائل الْمَذْكُور ذكر الحَدِيث عَن الْبَراء من رِوَايَة مليح ابْن عبد الله السَّعْدِيّ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (الَّذِي يخْفض وَيرْفَع قبل الإِمَام إِنَّمَا ناصيته بيد الشَّيْطَان) . وَهَذَا ينْقض عَلَيْهِ مَا قَالَه، وَيَردهُ عَلَيْهِ. وأعجب من هَذَا أَنه رد على ابْن دَقِيق الْعِيد حَيْثُ قَالَ: إِن الحَدِيث نَص فِي الْمَنْع من تقدم الْمَأْمُوم على الإِمَام فِي الرّفْع من الرُّكُوع وَالسُّجُود مَعًا، فَهَذَا دَقِيق الْكَلَام الَّذِي قَالَه ابْن الدَّقِيق، ومستنده فِي الرَّد عَلَيْهِ هُوَ قَوْله: وَإِنَّمَا هُوَ نَص فِي السُّجُود، ويلتحق بِهِ الرُّكُوع لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَهَذَا كَلَام سَاقِط جدا، لِأَن الْكَلَام هَهُنَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَلَيْسَ فِيهَا نَص فِي السُّجُود، بل هُوَ نَص عَام فِي السُّجُود وَالرُّكُوع. وَدَعوى

стр. 1472

التَّخْصِيص لَا تصح كَمَا ذكرنَا، نعم لَو ذكر النُّكْتَة فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِي تَخْصِيص السَّجْدَة بِالذكر لَكَانَ لَهُ وَجه، وَهِي أَن رِوَايَة أبي دَاوُد من بَاب الِاكْتِفَاء، فَاكْتفى بِذكر حكم السَّجْدَة عَن ذكر حكم الرُّكُوع لكَون الْعلَّة وَاحِدَة وَهِي السَّبق على الإِمَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سرابيل تقيكم الْحر﴾ (النَّحْل: ٨١) . أَي: وَالْبرد أَيْضا، وَإِنَّمَا لم يعكس الْأَمر لِأَن السَّجْدَة أعظم من الرُّكُوع فِي إِظْهَار التَّوَاضُع والتذلل، وَالْعَبْد أقرب مَا يكون إِلَى الرب وَهُوَ ساجد. ٦٩١ - ح دَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ أمَا يَخْشَى أحَدُكُمْ أوْ ألَا يَخْشَى أحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ أنْ يَجْعَلَ الله رَأسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أوْ يَجْعَلَ الله صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ ان فِيهِ وعيدا شَدِيدا وتهديدا، ومرتكب الشَّيْء الَّذِي فِيهِ الْوَعيد آثم بِلَا نزاع. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: حجاج بن منهال السّلمِيّ الْأنمَاطِي الْبَصْرِيّ أَبُو مُحَمَّد، وَقد مر ذكره فِي: بَاب مَا جَاءَ إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، فِي آخر كتاب الْإِيمَان. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: مُحَمَّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: الجُمَحِي الْمدنِي سكن الْبَصْرَة. الرَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي ومدني. وَفِيه: أَنه من رباعيات البُخَارِيّ. ذكر من أخرجه غَيره: هَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة وَلَكِن بِهَذَا الْإِسْنَاد أخرجه مُسلم عَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن حَفْص بن عَمْرو عَن شُعْبَة، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد زِيَاد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن حميد بن مسْعدَة وسُويد بن سعيد عَن حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن زِيَاد، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْكَبِير) من حَدِيث مُوسَى بن عبد الله بن يزِيد عَن أَبِيه: (أَنه كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ هَهُنَا وَكَانَ النَّاس يضعون رؤوسهم قبل أَن يضع رَأسه ويرفعون رؤوسهم قبل أَن يرفع راسه، فَلَمَّا انْصَرف الْتفت إِلَيْهِم فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس لِمَ تأثمون وتؤثمون، صليت بكم صَلَاة رَسُول الله، ﷺ ، لَا أخرم عَنْهَا) . وروى أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (مَا يَأْمَن الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يعود رَأسه رَأس كلب، ولينتهين أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء، أَو لتخطفن أَبْصَارهم) . وروى أَيْضا فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ: (صلى رجل خلف النَّبِي، ﷺ ، فَجعل يرْكَع قبل أَن يرْكَع، وَيرْفَع قبل أَن يرفع، فَلَمَّا قضى النَّبِي ﷺ ، صلَاته قَالَ: من الْفَاعِل هَذَا؟ قَالَ: أَنا يَا رَسُول الله. قَالَ: اتَّقوا خداج الصَّلَاة، إِذا ركع الإِمَام فاركعوا وَإِذا رفع فارفعوا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أما يخْشَى أحدكُم) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أوَ لَا يخْشَى) . قلت: اخْتلفت أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث، فرواية مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه: (أما يخْشَى الَّذِي يرفع رَأسه) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (ألَا يخْشَى) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَأبي دَاوُد من رِوَايَة شُعْبَة: (أمَا يخْشَى أَو أَلا يخْشَى) بِالشَّكِّ، قَالَ الْكرْمَانِي: الشَّك من أبي هُرَيْرَة، وَكلمَة: أما، بتَخْفِيف الْمِيم: حرف استفتاح مثل أَلَا. وَأَصلهَا: مَا، النافية دخلت عَلَيْهَا همزَة الِاسْتِفْهَام، وَهُوَ هَهُنَا اسْتِفْهَام توبيخ وإنكار. قَوْله: (إِذا رفع رَأسه قبل الإِمَام) ، زَاد ابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن زِيَاد: (فِي صلَاته) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن حَفْص بن عمر: (الَّذِي يرفع رَأسه وَالْإِمَام ساجد) . قَوْله: (أَن يَجْعَل الله رَأسه رَأس حمَار؟) وَهَهُنَا أَيْضا اخْتلفت أَلْفَاظ الحَدِيث، فَفِي رِوَايَة يُونُس بن عبيد عِنْد مُسلم: (مَا يَأْمَن الَّذِي يرفع رَأسه فِي صلَاته أَن يحول الله صورته فِي صُورَة حمَار؟) . وَفِي رِوَايَة الرّبيع بن مُسلم عِنْد مُسلم: (أَن يَجْعَل الله وَجهه وَجه حمَار؟) وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان، من رِوَايَة مُحَمَّد بن ميسرَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد: (أَن يحول الله رَأسه رَأس كلب) وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة

стр. 1473

عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (مَا يُؤمن من يرفع رَأسه قبل الإِمَام ويضعه) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة مليح السَّعْدِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام وَيخْفِضهُ قبل الإِمَام فَإِنَّمَا ناصيته بيد شَيْطَان) . وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا، كَمَا ذكرنَا وَذكرنَا الْآن أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود: (أَن يعود رَأسه رَأس كلب؟) وَهُوَ مَوْقُوف، وَلكنه لَا يدْرك بِالرَّأْيِ، فَحكمه حكم الْمَرْفُوع. قَوْله: (أَو يَجْعَل صورته صُورَة حمَار؟) قَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: الشَّك فِيهِ من أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ بَعضهم: الشَّك من شُعْبَة ثمَّ أكد هَذَا بقوله، فقد رَوَاهُ الطَّيَالِسِيّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة وَابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد وَمُسلم من رِوَايَة يُونُس بن عبيد وَالربيع بن مُسلم، كلهم عَن مُحَمَّد بن زِيَاد بِغَيْر تردد. قلت: لَا يلْزم من إخراجهم بِغَيْر تردد أَن لَا يخرج غَيرهم بِغَيْر تردد، وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك يحْتَمل أَن يكون التَّرَدُّد من شُعْبَة أَو من مُحَمَّد بن زِيَاد أَو من أبي هُرَيْرَة، فَمن ادّعى تعْيين وَاحِد مِنْهُم فَعَلَيهِ الْبَيَان، وَأما اخْتلَافهمْ فِي الرَّأْس أَو الصُّورَة فَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة: رَأس، وَفِي رِوَايَة يُونُس: صُورَة وَفِي رِوَايَة الرّبيع، وَجه. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَنه من تصرف الروَاة. قلت: كَيفَ يكون من تصرفهم وَلكُل وَاحِد من هَذِه الْأَلْفَاظ معنى فِي اللُّغَة يغاير معنى الآخر؟ أما الرَّأْس فَإِنَّهُ اسْم لعضو يشْتَمل على الناصية والقفاء والفودين. وَالصُّورَة: الْهَيْئَة، وَيُقَال: صورته حَسَنَة أَي: هَيئته وشكله، وَيُطلق على الصّفة أَيْضا يُقَال: صُورَة الْأَمر كَذَا وَكَذَا أَي: صفته، وَيُطلق على الْوَجْه أَيْضا يُقَال: صورته حَسَنَة أَي: وَجهه، وَيُطلق على شكل الشَّيْء وعَلى الْخلقَة. وَالْوَجْه اسْم لما يواجهه الْإِنْسَان، وَهُوَ من منبت الناصية إِلَى أَسْفَل الذقن طولا وَمن شحمة الْأذن إِلَى شحمة الْأذن عرضا. وَالظَّاهِر أَن هَذَا الِاخْتِلَاف من اخْتِلَاف تعدد الْقَضِيَّة، ورواة الرَّأْس أَكثر، وَعَلِيهِ الْعُمْدَة. وَقَالَ عِيَاض: هَذِه الرِّوَايَات متفقة لِأَن الْوَجْه فِي الرَّأْس، ومعظم الصُّورَة فِيهِ، وَفِيه نظر، لِأَن الْوَجْه خلاف الرَّأْس لُغَة وَشرعا. ثمَّ الْعلمَاء تكلمُوا فِي معنى: (أَن يَجْعَل رَأسه رَأس حمَار أَو صورته صُورَة حمَار؟) قَالَ الْكرْمَانِي: قيل هَذَا مجَاز عَن البلادة، لِأَن المسخ لَا يجوز فِي هَذِه الْأمة. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: لَيْسَ قَوْله: (أَن يحول الله رَأسه راس حمَار) فِي هَذِه الْأمة بموجود، فَإِن المسخ فِيهَا مَأْمُون، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ معنى الْحمار من قلَّة البصيرة وَكَثْرَة العناد، فَإِن من شَأْنه إِذا قيد حزن وَإِذا حبس طفر لَا يُطِيع قائدا وَلَا يعين حابسا. قلت: فِي كَلَامهمَا: إِن المسخ لَا يجوز فِي هَذِه الْأمة، وَإِن المسخ فِيهَا مَأْمُون، نظر، وَقد رُوِيَ وُقُوع ذَلِك فِي آخر الزَّمَان عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يكون فِي آخر هَذِه الْأمة خسف ومسخ وَقذف. .) الحَدِيث، وَرُوِيَ أَيْضا عَن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة وَعمْرَان بن حُصَيْن، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَعبد الله بن عَمْرو وَسَهل بن سعد وروى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي امامة وروى عبد الله بن أَحْمد فِي (زَوَائِد الْمسند) من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت وَابْن عَبَّاس وروى أَبُو يعلى وَالْبَزَّار من حَدِيث أنس وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن بشر وَسَعِيد بن أبي رَاشد وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الصَّغِير) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَابْن عَبَّاس أَيْضا، وَلَكِن أسانيدها لَا تَخْلُو من مقَال. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: إِن الحَدِيث يَقْتَضِي تَغْيِير الصُّورَة الظَّاهِرَة، وَيحْتَمل أَن يرجع إِلَى أَمر معنوي مجَازًا، فَإِن الْحمار مَوْصُوف بالبلادة. قَالَ: ويستعار هَذَا الْمَعْنى للجاهل بِمَا يجب عَلَيْهِ من فروض الصَّلَاة ومتابعة الإِمَام، وَرُبمَا يرجح هَذَا الْمجَاز بِأَن التَّحْوِيل فِي الصُّورَة الظَّاهِرَة لم يَقع من كَثْرَة رفع الْمَأْمُومين قبل الإِمَام، وَقد بَينا أَن الحَدِيث لَا يدل على وُقُوع ذَلِك، وَإِنَّمَا يدل على كَون فَاعله متعرضا لذَلِك بِكَوْن فعله صَالحا لِأَن يَقع ذَلِك الْوَعيد، وَلَا يلْزم من التَّعَرُّض للشَّيْء وُقُوع ذَلِك الشَّيْء. قلت: وَإِن سلمنَا ذَلِك فلِمَ لَا يجوز أَن يُؤَخر الْعقَاب إِلَى وَقت يُريدهُ الله تَعَالَى؟ كَمَا وقفنا فِي بعض الْكتب وَسَمعنَا من الثِّقَات أَن جمَاعَة من الشِّيعَة الَّذين يسبون الصَّحَابَة قد تحولت صورتهم إِلَى صُورَة حمَار وخنزير عِنْد مَوْتهمْ، وَكَذَلِكَ جرى على من عق وَالِديهِ، وخاطبهما باسم الْحمار أَو الْخِنْزِير أَو الْكَلْب؟ ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: كَمَال شفقته ﷺ بأمته وَبَيَانه لَهُم الْأَحْكَام وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من الثَّوَاب وَالْعِقَاب. وَفِيه: الْوَعيد الْمَذْكُور لمن رفع رَأسه قبل الإِمَام، وَنظر ابْن مَسْعُود إِلَى من سبق إِمَامه فَقَالَ: لَا وَحدك صليت وَلَا بإمامك اقتديت. وَعَن ابْن عمر نَحوه، وَأمره بِالْإِعَادَةِ. وَالْجُمْهُور على عدم الْإِعَادَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: من خَالف الإِمَام فقد خَالف

стр. 1474

سنة الْمَأْمُوم وأجزأته صلَاته عِنْد جَمِيع الْعلمَاء. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة: وَإِن سبق إِمَامه فَعَلَيهِ أَن يرفع ليَأْتِي بذلك مؤتما بِالْإِمَامِ فَإِن لم يفعل حَتَّى لحقه الإِمَام سَهوا أَو جهلا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَإِن سبقه عَالما بِتَحْرِيمِهِ. فَقَالَ أَحْمد فِي رسَالَته: لَيْسَ لمن سبق الإِمَام صَلَاة، لقَوْله: (أما يخْشَى الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام ... ؟) الحَدِيث، وَلَو كَانَ لَهُ صَلَاة لرجى لَهُ الثَّوَاب، وَلم يخْش عَلَيْهِ الْعقَاب، وَقَالَ ابْن بزيزة: اسْتدلَّ بِظَاهِرِهِ قوم لَا يعْقلُونَ على جَوَاز التناسخ. قلت: هَذَا مَذْهَب مَرْدُود، وَقد بنوه على دعاوى بَاطِلَة بِغَيْر دَلِيل وبرهان. ٥٤ - (بابُ إمامَةِ العَبْدِ والمَوْلَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم إِمَامَة العَبْد وَالْمولى، وَأَرَادَ بِهِ الْمولى الْأَسْفَل، وَهُوَ المعتوق، وللفظ الْمولى معانٍ مُتعَدِّدَة، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا: المعتوق، قيل: لم يفصح بِالْجَوَازِ،، لَكِن لوح بِهِ لإيراده أدلته. وكانَتْ عَائِشَةُ يِؤُمُّهِا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ المُصْحَفِ إِيرَاد هَذَا الْأَثر يدل على أَن مُرَاده من التَّرْجَمَة الْجَوَاز، وَإِن كَانَت التَّرْجَمَة مُطلقَة، وَوصل هَذَا ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أبي بكر بن أبي مليكَة: أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أعتقت غُلَاما عَن دبر، فَكَانَ يؤمها فِي رَمَضَان فِي الْمُصحف. وروى أَيْضا عَن ابْن علية: عَن أَيُّوب سَمِعت الْقَاسِم يَقُول: كَانَ يؤم عَائِشَة عبد يقْرَأ فِي الْمُصحف، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة أَنهم كَانُوا يأْتونَ عَائِشَة بِأَعْلَى الْوَادي هُوَ وَعبيد بن عُمَيْر والمسور بن مخرمَة وناس كثير، فيؤمهم أَبُو عمر وَمولى عَائِشَة، وَهُوَ يَوْمئِذٍ غُلَام لم يعْتق. وَكَانَ إِمَام بني مُحَمَّد بن أبي بكر وَعُرْوَة. وَعند الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي عتبَة أَحْمد بن الْفرج الْحِمصِي: حَدثنَا مُحَمَّد بن حمير حَدثنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن هِشَام عَن أَبِيه أَن أَبَا عَمْرو ذكْوَان كَانَ عبدا لعَائِشَة، فأعتقته وَكَانَ يقوم بهَا شهر رَمَضَان يؤمها، وَهُوَ عبد. وروى ابْن أبي دَاوُد فِي (كتاب الْمَصَاحِف) من طَرِيق أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة: أَن عَائِشَة كَانَ يؤمها غلامها ذكْوَان فِي الْمُصحف. وذكوان: بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وكنيته أَبُو عَمْرو، مَاتَ فِي أَيَّام الْحرَّة أَو قتل بهَا. قَوْله: (وَهُوَ يَوْمئِذٍ غُلَام) ، الْغُلَام هُوَ الَّذِي لم يَحْتَلِم، وَلَكِن الظَّاهِر أَن المُرَاد مِنْهُ الْمُرَاهق، وَهُوَ كَالْبَالِغِ. قَوْله: (من الْمُصحف) ، ظَاهره يدل على جَوَاز الْقِرَاءَة من الْمُصحف فِي الصَّلَاة، وَبِه قَالَ ابْن سِيرِين وَالْحسن وَالْحكم وَعَطَاء، وَكَانَ أنس يُصَلِّي وَغُلَام خَلفه يمسك لَهُ الْمُصحف، وَإِذا تعايا فِي آيَة فتح لَهُ الْمُصحف. وَأَجَازَهُ مَالك فِي قيام رَمَضَان، وَكَرِهَهُ النَّخعِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ، وَهُوَ رِوَايَة عَن الْحسن. وَقَالَ: هَكَذَا يفعل النَّصَارَى، وَفِي مُصَنف ابْن أبي شيبَة وَسليمَان بن حَنْظَلَة وَمُجاهد بن جُبَير وَحَمَّاد وَقَتَادَة، وَقَالَ ابْن حزم: لَا تجوز الْقِرَاءَة من الْمُصحف وَلَا من غَيره لمصل إِمَامًا كَانَ أَو غَيره، فَإِن تعمد ذَلِك بطلت صلَاته، وَبِه قَالَ ابْن الْمسيب وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهُوَ غَرِيب لم أره عَنهُ. قلت: الْقِرَاءَة من مصحف فِي الصَّلَاة مفْسدَة عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهُ عمل كثير، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد يجوز، لِأَن النّظر فِي الْمُصحف عبَادَة، وَلكنه يكره لما فِيهِ من التَّشَبُّه بِأَهْل الْكتاب فِي هَذِه الْحَالة، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَعند مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة. لَا تفْسد فِي النَّفْل فَقَط. وَأما إِمَامَة العَبْد، فقد قَالَ أَصْحَابنَا: تكره إِمَامَة العَبْد لاشتغاله بِخِدْمَة مَوْلَاهُ، وأجازها أَبُو ذَر وَحُذَيْفَة وَابْن مَسْعُود، ذكره ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح، وَعَن أبي سُفْيَان أَنه كَانَ يؤم بني عبد الْأَشْهَل وَهُوَ مكَاتب وَخَلفه صحابة مُحَمَّد بن مسلمة وَسَلَمَة بن سَلام، وَصلى سَالم خلف زِيَاد مولى ابْن الْحسن وَهُوَ عبد، وَمن التَّابِعين ابْن سِيرِين وَالْحسن وَشُرَيْح وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالْحكم، وَمن الْفُقَهَاء الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَالك: تصح إِمَامَته فِي غير االجمعة، وَفِي رِوَايَة: لَا يؤم إلاّ إِذا كَانَ قَارِئًا وَمن خَلفه الْأَحْرَار لَا يقرأون، وَلَا يؤم فِي جُمُعَة وَلَا عيد. وَعَن الْأَوْزَاعِيّ: لَا يؤم إلاْ أَهله. وَمِمَّنْ كره الصَّلَاة خَلفه: أَبُو مجلز، فِيمَا ذكره ابْن أبي شيبَة، وَالضَّحَّاك بِزِيَادَة: وَلَا يؤم من لم يحجّ قوما فيهم من قد حج. وَفِي (الْمَبْسُوط) : إِن إِمَامَته جَائِزَة وَغَيره أحب. قلت: وَلَا شكّ أَن الْحر أولى مِنْهُ لِأَنَّهُ منصب جليل، فالحر أليق بهَا، وَقَالَ ابْن خيران من أَصْحَاب الشَّافِعِيَّة: تكره إِمَامَته للْحرّ، وَخَالف سليم الرَّازِيّ، وَلَو اجْتمع عبد فَقِيه وحر غير فَقِيه فَثَلَاثَة أوجه: أَصَحهَا أَنَّهُمَا

стр. 1475

سَوَاء، ويترجح قَول من قَالَ: العَبْد الْفَقِيه أولى لما أَن سالما مولى أبي حُذَيْفَة كَانَ يؤم الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين فِي مَسْجِد قبَاء فيهم عمر وَغَيره، لِأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرهم قُرْآنًا. وَلَدِ البَغِيِّ عطف على قَوْله: وَالْمولى، وَلَكِن فصل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ بأثر عَائِشَة، و: الْبَغي، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وتشديدها: وَهِي الزَّانِيَة، وَنقل ابْن التِّين أَنه رَوَاهُ بِفَتْح الْبَاء وَسُكُون الْغَيْن، وَقَالَ بَعضهم: وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَالتَّخْفِيف. قلت: قَوْله: وَالتَّخْفِيف، غلط لِأَن السّكُون يُغني عَن ذكره، وَأما إِمَامَة ولد الزِّنَا فجائزة عِنْد الْجُمْهُور، وَأَجَازَ النَّخعِيّ إِمَامَته، وَقَالَ: رب عبدٍ خير من مَوْلَاهُ، وَالشعْبِيّ وَعَطَاء وَالْحسن، وَقَالَت عَائِشَة: لَيْسَ عَلَيْهِ من وزر أَبَوَيْهِ شَيْء، ذكره ابْن أبي شيبَة، وَإِلَيْهِ ذهب الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَمُحَمّد بن عبد الحكم، وكرهها عمر بن عبد الْعَزِيز وَمُجاهد وَمَالك إِذا كَانَ راتبا. وَقَالَ صَاحب؛ التَّوْضِيح) : وَلَا تكره إِمَامَته عندنَا خلافًا للشَّيْخ أبي حَامِد والعبدري، وَقَالَ الشَّافِعِي: وأكره أَن أنصب من لَا يعرف أَبوهُ إِمَامًا، وَتَابعه الْبَنْدَنِيجِيّ، وَغَيره صرح بعدمها، وَقَالَ ابْن حزم: الْأَعْمَى والخصي وَالْعَبْد وَولد الزِّنَا وأضدادهم، والقرشي سَوَاء، لَا تفاضل بَينهم إلاّ بِالْقِرَاءَةِ، وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: تكره إِمَامَة العَبْد وَولد الزِّنَا لِأَنَّهُ يستخف بِهِ، فَإِن تقدما جَازَت الصَّلَاة. والأَعْرَابِيِّ بِالْجَرِّ عطف على: ولد الْبَغي، وَهُوَ بِفَتْح الْهمزَة، وَقد نصب إِلَى الْجمع لِأَنَّهُ صَار علما لَهُم، فَهُوَ فِي حكم الْمُفْرد، والأعراب: سكان الْبَادِيَة من الْعَرَب. وَقَالَ صَاحب (الْمُنْتَهى) خَاصَّة: وَالْجمع أعاريب، وَلَيْسَ الْأَعْرَاب جمعا لعرب، كَمَا أَن الأنباط جمع للنبط، وَذكر النَّضر وَغَيره أَن الْأَعْرَاب جمع عرب، مثل: غنم وأغنام، وَإِنَّمَا سموا أعرابا لأَنهم عرب تجمعت من هَهُنَا وَهَهُنَا، وَأَجَازَ أَبُو حنيفَة إِمَامَته مَعَ الْكَرَاهَة لغَلَبَة الْجَهْل عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق، وَصلى ابْن مَسْعُود خلف أَعْرَابِي، وَلم ير بهَا بَأْسا إِبْرَاهِيم وَالْحسن وَسَالم. وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (لَا يتَقَدَّم الصَّفّ الأول أَعْرَابِي وَلَا عجمي وَلَا غُلَام لم يَحْتَلِم) . والغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَحْتلِمْ بِالْجَرِّ أَيْضا عطف على مَا قبله، وَظَاهره مُطلق يتَنَاوَل الْمُرَاهق وَغَيره، وَلَكِن يخرج مِنْهُ من كَانَ دون سنّ التَّمْيِيز بِدَلِيل آخر، وَيفهم أَن البُخَارِيّ يجوز إِمَامَته، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي أَيْضا، وَمذهب أبي حنيفَة: أَن الْمَكْتُوبَة لَا تصح خَلفه، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ دَاوُد: فِي النَّفْل رِوَايَتَانِ عَن أبي حنيفَة، وبالجواز فِي النَّفْل قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ دَاوُد: لَا تصح فِيمَا حَكَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن الشّعبِيّ وَمُجاهد وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَعَطَاء، وَأما نَقله: ابْن الْمُنْذر عَن أبي حنيفَة وصاحبيه أَنَّهَا مَكْرُوهَة فَلَا يَصح هَذَا النَّقْل، وَعند الشَّافِعِي فِي الْجُمُعَة قَولَانِ، وَفِي غَيرهَا يجوز لحَدِيث عَمْرو بن سَلمَة الَّذِي فِيهِ: أؤمهم وَأَنا ابْن سبع أَو ثَمَان سِنِين، وَعَن الْخطابِيّ أَن أَحْمد كَانَ يضعف هَذَا الحَدِيث، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَا يؤم الْغُلَام حَتَّى يَحْتَلِم، وَذكر الْأَثْرَم بِسَنَد لَهُ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: لَا يؤم الْغُلَام حَتَّى تجب عَلَيْهِ الْحُدُود، وَعَن إِبْرَاهِيم: لَا بَأْس أَن يؤم الْغُلَام قبل أَن يَحْتَلِم فِي رَمَضَان، وَعَن الْحسن مثله وَلم يُقَيِّدهُ. لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : يَؤُمُّهُمْ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله هَذَا تَعْلِيل لجمع مَا ذكر قبله من: العَبْد وَولد الْبَغي والأعرابي والغلام الَّذِي لم يَحْتَلِم، معنى الحَدِيث: لم يفرق بَين الْمَذْكُورين وَغَيرهم، وَلَكِن الَّذِي يظْهر من هَذَا أَن إِمَامَة أحد من هَؤُلَاءِ إِنَّمَا تجوز إِذا كَانَ أَقرَأ الْقَوْم. ألَا ترى أَن الْأَشْعَث بن قيس قدم غُلَاما، فعابوا ذَلِك عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا قَدمته. وَلَكِن قدمه الْقُرْآن الْعَظِيم، وَقَوله ﷺ : (يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله) ، تَعْلِيق، وَهُوَ طرف من حَدِيث أبي مَسْعُود، أخرجه مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن بِلَفْظ: (يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله تَعَالَى) ، وروى أَبُو سعيد عِنْده أَيْضا مَرْفُوعا: (أَحَق بِالْإِمَامَةِ أقرؤهم) ، وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود: (وليؤمهم أقرؤهم) . وَلَا يُمْنَعُ العَبْدُ مِنَ الجَمَاعَةِ بَغَيْرِ عِلَّةٍ هَذِه الْجُمْلَة معطوفة على التَّرْجَمَة، وَهِي من كَلَام البُخَارِيّ وَلَيْسَت من الحَدِيث الْمُعَلق، وَوجه عدم مَنعه من حُضُور الْجَمَاعَة لِأَن حق الله مقدم على حق الْمولى فِي بَاب الْعِبَادَة، وَقد ورد وَعِيد شَدِيد فِي ترك حُضُور الْجَمَاعَة بِغَيْر ضَرُورَة، أَشَارَ إِلَيْهَا

стр. 1476

بقوله: بِغَيْر عِلّة، أَي: بِغَيْر ضَرُورَة. وَقَالَ بَعضهم: بِغَيْر ضَرُورَة لسَيِّده. قلت: قيد السَّيِّد لَا طائل تَحْتَهُ، لِأَن عِنْد الضَّرُورَة الشَّرْعِيَّة لَيْسَ عَلَيْهِ الْحُضُور مُطلقًا، كَمَا فِي حق الْحر. ٦٩٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنْ ابنِ عُمَرَ قَالَ لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأوَّلُونَ العُصْبَةَ مَوْضِعٌ بِقُبَاءَ قَبْلَ مَقْدَمِ رسولِ الله ﷺ كانَ يَؤُمُّهُمْ سالِمٌ مَوْلَى أبي حُذَيْفَةَ وكانَ أكْثَرَهُمْ قُرْآنا (الحَدِيث ٦٩٢ طرفه فِي: ٧١٧٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ دلَالَة على جَوَاز إِمَامَة الْمولى. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمدنِي، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: أُنس بن عِيَاض، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، مر فِي: بَاب التبرز فِي الْبيُوت. الثَّالِث: عبيد الله بتصغير العَبْد الْعمريّ، وَقد مر غير مرّة. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن القعْنبِي عَن أنس بن عِيَاض، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَزَاد: وَفِيهِمْ أَبُو بكر وَعمر وَأَبُو سَلمَة وَزيد بن حَارِثَة وعامر بن ربيعَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: وإمامته لأبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يحْتَمل أَن تكون بعد قدومه مَعَ النَّبِي ﷺ . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما قدم الْمُهَاجِرُونَ) أَي: من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ. قَوْله: (الْأَولونَ) ، أَي: الَّذين قدمُوا أَولا قبل قدوم النَّبِي ﷺ . قَوْله: (الْعصبَة) ، بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة لِأَنَّهُ اسْم مَوضِع. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي كتاب (أَسمَاء الْبلدَانِ) : الْعصبَة مَوضِع بَقَاء، قَالَ الشَّاعِر: (بنيته بعصبة من ماليا ... أخْشَى ركيبا أَو رجيلاً عاديا) وَفِي (التَّوْضِيح) ضَبطه شَيخنَا عَلَاء الدّين فِي (شَرحه) : بِفَتْح الْعين وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة، وَضَبطه الْحَافِظ شرف الدّين الدمياطي: بِضَم الْعين، وَكَذَا ضَبطه الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي فِي (شَرحه) وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: مَوضِع بقباء. روى البُخَارِيّ عَن ابْن عمر: لما قدم الْمُهَاجِرُونَ الْأَولونَ المعصب كَانَ يؤمهم سَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَكَانَ أَكْثَرهم قُرْآنًا، كَذَا ثَبت فِي متن الْكتاب، وَكتب عبد الله بن إِبْرَاهِيم الْأصيلِيّ عَلَيْهِ الْعصبَة مهملاً غير مضبوط. قَوْله: موضعا) ، يجوز فِيهِ النصب، وَالرَّفْع، أما النصب فعلى أَنه بدل من الْعصبَة، أَو بَيَان لَهُ، وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ مَوضِع. قَوْله: (بقباء) فِي مَحل النصب على الوصفية أَي: موضعا كَائِنا بقباء، وقباء يمد وَيقصر، وَيصرف وَيمْنَع، وَيذكر وَيُؤَنث. قَوْله: (سَالم) ، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ اسْم: كَانَ. (وَكَانَ) أَي: سَالم (أَكْثَرهم) ، أَي: أَكثر الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين قُرْآنًا، وَهُوَ نصب على التَّمْيِيز، وَكَانَ سَالم مولى امْرَأَة من الْأَنْصَار فاعتقته، وَإِنَّمَا قيل لَهُ مولى أبي حُذَيْفَة لِأَنَّهُ لَازم أبي حُذَيْفَة بعد أَن أعتق فَتَبَنَّاهُ، فَلَمَّا نهوا عَن ذَلِك قيل لَهُ: مَوْلَاهُ، وَاسْتشْهدَ سَالم بِالْيَمَامَةِ فِي خلَافَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَيُقَال: قتل شَهِيدا هُوَ وَأَبُو حُذَيْفَة فَوجدَ رَأس سَالم عِنْد رجل أبي حُذَيْفَة وَرَأس أبي حُذَيْفَة عِنْد رجل سَالم، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: سَالم مولى أبي حُذَيْفَة من كبار الْبَدْرِيِّينَ، مَشْهُور كَبِير الْقدر، يُقَال لَهُ: سَالم بن معقل، وَكَانَ من أهل فَارس من اصطخر، وَقيل: إِنَّه من الْعَجم من سبي كرمان، وَكَانَ يعد فِي قُرَيْش لتبني أبي حُذَيْفَة لَهُ، ويعد فِي الْعَجم لأصله، ويعد فِي الْمُهَاجِرين لهجرته، ويعد فِي الْأَنْصَار لِأَن معتقته أنصارية، ويعد من الْقُرَّاء، لِأَنَّهُ كَانَ أقرؤهم أَي: أَكْثَرهم قُرْآنًا، وَأَبُو حُذَيْفَة بن عتبَة ب ربيعَة بن عبد شمس بن عبد منَاف العبشمي أحد السَّابِقين. قَوْله: (وَكَانَ أَكْثَرهم قُرْآنًا) ، إِشَارَة إِلَى سَبَب تقديمهم لَهُ مَعَ كَونه أشرف مِنْهُ وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: (لِأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرهم قُرْآنًا) . وَكَانَت إِمَامَته بهم قبل أَن يعْتق لِأَن المبحث فِيهِ. ٦٩٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشارٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيى قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثني أبُو التَّيَّاحِ عنْ أنَسٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ اسْمَعُوا وأطِيعُوا وإنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِي كأنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ

стр. 1477

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أَمر بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة للْعَبد إِذا اسْتعْمل وَلَو كَانَ عبدا حَبَشِيًّا، فأذا أَمر بِطَاعَتِهِ فقد أَمر بِالصَّلَاةِ خَلفه، أَو إِن الْمُسْتَعْمل هُوَ الَّذِي فوض إِلَيْهِ الْعَمَل، يَعْنِي: جعل أَمِيرا أَو واليا، وَالسّنة أَن يتَقَدَّم فِي الصَّلَاة الوالى. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: أَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف حاء مُهْملَة، واسْمه يزِيد بن حميد الضبعِي، مر فِي: بَاب رفع الْعلم فِيمَا مضى. الْخَامِس: ابْن مَالك. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رواتهما بَين بَصرِي وواسطي، وَهُوَ شُعْبَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن أبان عَن غنْدر، وَفِي الْأَحْكَام عَن مُسَدّد عَن يحيى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجِهَاد عَن بنْدَار وَأبي بكر بن خلف، كِلَاهُمَا عَن يحيى بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (اسمعوا وَأَطيعُوا) ، يَعْنِي: فِي الْمَعْرُوف لَا فِي الْمُنكر. قَوْله: (وَإِن اسْتعْمل) أَي: وَإِن جعل عَاملا، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام: عَن مُسَدّد عَن يحيى: (وَإِن اسْتعْمل عَلَيْكُم عبد حبشِي) . قَوْله: (كَأَن راسه زبيبة) ، يُرِيد سوادها، وَقيل يُرِيد قصر شعرهَا واجتماع بعضه وتفرقه حَتَّى يصير كالزبيب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَأَن رَأسه زبيبة أَي: حَبَّة من الْعِنَب يابسة سَوْدَاء، وَهَذَا تَمْثِيل فِي الحقارة وسماجة الصُّورَة وَعدم الِاعْتِدَاد بهَا، وَقيل: مَعْنَاهُ صَغِيرَة، وَذَلِكَ مَعْرُوف فِي الْحَبَشَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الدّلَالَة على صِحَة إِمَامَة العَبْد لِأَنَّهُ إِذا أَمر بِطَاعَتِهِ فقد أَمر بِالصَّلَاةِ خَلفه، كَمَا ذَكرْنَاهُ الأن، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا فِي الْأُمَرَاء والعمال لَا الْأَئِمَّة وَالْخُلَفَاء، فَإِن الْخلَافَة فِي قُرَيْش لَا مدْخل فِيهَا لغَيرهم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يكون العَبْد واليا وَشرط الْولَايَة الْحُرِّيَّة؟ قلت: بِأَن يوليه بعض الْأَئِمَّة أَو يتغلب على الْبِلَاد بِالشَّوْكَةِ. وَفِيه: النَّهْي عَن الْقيام على السلاطين وَإِن جاروا، لِأَن فِيهِ تهييج فتْنَة تذْهب بهَا الْأَنْفس وَالْحرم وَالْأَمْوَال، وَقد مثله بَعضهم بِالَّذِي يَبْنِي قصرا ويهدم مصرا. وَفِيه: دلَالَة على وجوب طَاعَة الْخَارِجِي لِأَنَّهُ قَالَ: حبشِي، والخلافة فِي قُرَيْش، فَدلَّ على أَن الحبشي إِنَّمَا يكون متغلبا، وَالْفُقَهَاء على أَنه يطاع مَا أَقَامَ الْجمع وَالْجَمَاعَات والعيد وَالْجهَاد. ٥٥ - (بابٌ إذَا لَمْ يُتِمَّ الإمَامُ وَأَتَم مَنْ خَلْفَهُ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته إِذا لم يتم الإِمَام بِأَن قصر فِي الصَّلَاة وَأتم من خَلفه أَي: الْمُقْتَدِي، وَجَوَاب: إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يضر من خَلفه، وَلَكِن هَذَا لَا يمشي إلَاّ عِنْد من زعم أَن صَلَاة الإِمَام إِذا فَسدتْ لَا تفْسد صَلَاة الْمُقْتَدِي، وَإِذا قَدرنَا الْجَواب: يضر، لَا يمشي إلَاّ عِنْد من زعم أَن صَلَاة الإِمَام إِذا فَسدتْ تفْسد صَلَاة الْمُقْتَدِي، وَهَذَا مَذْهَب الْحَنَفِيَّة، لِأَن صَلَاة الإِمَام متضمنة صَلَاة الْمُقْتَدِي صِحَة وَفَسَادًا وَالْأول مَذْهَب الشَّافِعِيَّة. لِأَن الِاقْتِدَاء عِنْدهم بِالْإِمَامِ فِي مُجَرّد الْمُتَابَعَة فَقَط، وَترك البُخَارِيّ الْجَواب ليشْمل المذهبين إلَاّ أَن حَدِيث الْبَاب يدل على أَن جَوَابه: لَا يضر. ٦٩٤ - حدَّثنا الفَضْلُ بنُ سَهْلٍ قَالَ حدَّثنا الحَسَنُ بنُ مُوسَى الأشْيَبُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قالَ يُصَلُّونَ لَكُمْ فإنْ أصَابُوا فَلَكُمْ وإنْ أخْطَؤُا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الإِمَام إِذا لم يتم الصَّلَاة وأتمها الْمُقْتَدِي فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء، وَهُوَ معنى قَوْله: (فَإِن أَصَابُوا) يَعْنِي فَإِن أَتموا، وَبِه صرح ابْن حبَان فِي رِوَايَة من وَجه آخر عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَفظه: (يكون أَقوام يصلونَ الصَّلَاة فَإِن أَتموا فلكم وَلَهُم) ، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: الْفضل بن سهل بن إِبْرَاهِيم الْأَعْرَج الْبَغْدَادِيّ، من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ، مَاتَ قبل البُخَارِيّ لَيْلَة عيد الْفطر سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَمَات الْفضل بن سهل

стр. 1478

بِبَغْدَاد يَوْم الْإِثْنَيْنِ لثلاث لَيَال بَقينَ من صفر سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: الْحسن بن مُوسَى الأشيب أَبُو عَليّ الْكُوفِي، سكن بَغْدَاد وَأَصله من خُرَاسَان، ولي قَضَاء حمص والموصل ثمَّ قَضَاء طبرستان، وَمَات بِالريِّ سنة تسع وَمِائَتَيْنِ، والإشيب بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عبد الله ابْن دِينَار، مولى عبد الله بن عمر الْمدنِي. الرَّابِع: زيد بن أسلم أَبُو أُسَامَة، مولى عمر بن الْخطاب. الْخَامِس: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة: أَبُو مُحَمَّد مولى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي ﷺ . السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وكوفي ومدني. وَفِيه: أَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَهَذَا الحَدِيث انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ. وَأخرجه ابْن حبَان عَن أبي هُرَيْرَة من وَجه آخر، وَقد ذَكرْنَاهُ. وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي هُرَيْرَة: (سيليكم بعدِي وُلَاة فَاسْمَعُوا وَأَطيعُوا فِيمَا وَافق الْحق، وصلوا وَرَاءَهُمْ فَإِن أَحْسنُوا فَلهم، وَإِن أساؤا فَعَلَيْهِم) . وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) بِإِسْنَاد حسن، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (يكون عَلَيْكُم أُمَرَاء من بعدِي يؤخرون الصَّلَاة، فَهِيَ لكم وَهِي عَلَيْهِم، فصلوا مَعَهم مَا صلوا الْقبْلَة) . وَرَوَاهُ أَبُو ذَر وثوبان أَيْضا مَرْفُوعا، وروى الْحَاكِم مصححا عَن سهل بن سعد: (الإِمَام ضَامِن فَإِن أحسن فَلهُ وَلَهُم، وَإِن أَسَاءَ فَعَلَيهِ لَا عَلَيْهِم) . وَأخرجه على شَرط مُسلم. وَأخرج أَيْضا على شَرط البُخَارِيّ عَن عقبَة بن عَامر: (من أم النَّاس فَأَتمَّ) ، وَفِي نُسْخَة: (فَأصَاب فَالصَّلَاة لَهُ وَلَهُم، وَمن انْتقصَ من ذَلِك شَيْئا فَعَلَيهِ وَلَا عَلَيْهِم) . وَأعله الطَّحَاوِيّ بِانْقِطَاع مَا بَين عبد الرَّحْمَن بن حَرْمَلَة وَأبي عَليّ الْهَمدَانِي الرَّاوِي عَن عقبَة، وَفِي مُسْند عبد الله ابْن وهب: عَن أبي شُرَيْح الْعَدوي: (الإِمَام جنَّة فَإِن أتم فلكم وَله، وَإِن نقص فَعَلَيهِ النُّقْصَان وَلكم التَّمام) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يصلونَ) أَي: الْأَئِمَّة. قَوْله: (لكم) أَي: لأجلكم، فَاللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (فَإِن أَصَابُوا) يَعْنِي: فَإِن أَتموا، يدل عَلَيْهِ حَدِيث عقبَة بن عَامر الْمَذْكُور، آنِفا. وَقَالَ ابْن بطال: (إِن أَصَابُوا) يَعْنِي: الْوَقْت، فَإِن بني أُميَّة كَانُوا يؤخرون الصَّلَاة تَأْخِيرا شَدِيدا. قلت: يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَد جيد: عَن قبيصَة بن وَقاص، قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يكون عَلَيْكُم أُمَرَاء من بعدِي يؤخرون الصَّلَاة، فَهِيَ لكم وَهِي عَلَيْهِم، فصلوا مَعَهم مَا صلوا الْقبْلَة) ، وَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ ﷺ : (ستدركون أَقْوَامًا يصلونَ الصَّلَاة لغير وَقتهَا، فَإِن أدركتموهم فصلوا فِي بُيُوتكُمْ للْوَقْت الَّذِي تعرفُون، ثمَّ صلوا مَعَهم واجعلوها سبْحَة) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن أَصَابُوا فِي الْأَركان والشرائط وَالسّنَن فلكم. قَوْله: (وان أخطأوا) أَي: وَإِن لم يُصِيبُوا. قَوْله: (فلكم) أَي: ثَوَابهَا، (وَعَلَيْهِم) أَي: عقابها، لِأَن: على تسْتَعْمل فِي الشَّرّ، و: اللَّام، فِي الْخَيْر. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك قَوْله: (فلكم) يُرِيد ثَوَاب الطَّاعَة والسمع، (وَعَلَيْهِم) إِثْم مَا صَنَعُوا واخطأوا، وَقيل: إِن صليتم أفذاذا فِي الْوَقْت فصلاتكم تَامَّة إِن أخطأوا فِي صلَاتهم وائتممتم بهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْخَطَأ عِقَابه مَرْفُوع عَن الْمُكَلّفين، فَكيف يكون عَلَيْهِم؟ وَأجَاب بِأَن الأخطاء هَهُنَا فِي مُقَابلَة الْإِصَابَة لَا فِي مُقَابلَة الْعمد، وَهَذَا الَّذِي فِي مُقَابلَة الْعمد هُوَ الْمَرْفُوع لَا ذَاك، وَسَأَلَ أَيْضا مَا معنى كَون غير الصَّوَاب لَهُم إِذْ لَا خير فِيهِ حَتَّى يكون لَهُم؟ وَأجَاب بقوله: مَعْنَاهُ صَلَاتكُمْ لكم وَكَذَا ثَوَاب الْجَمَاعَة لكم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْمُهلب: وَفِيه: جَوَاز الصَّلَاة خلف الْبر والفاجر إِذا خيف مِنْهُ، يعنيوفيه: إِذا كَانَ صَاحب شَوْكَة. وَفِي (شرح السّنة) فِيهِ: دَلِيل على أَنه إِذا صلى بِقوم مُحدثا أَنه تصح صَلَاة الْمَأْمُومين خَلفه وَعَلِيهِ الْإِعَادَة قلت: هَذَا على مَذْهَب الشَّافِعِي كَمَا ذكرنَا أَن الْمُؤْتَم عِنْده تبع للْإِمَام فِي مُجَرّد الْمُوَافقَة لَا فِي الصِّحَّة وَالْفساد، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَعِنْدنَا يتبع لَهُ مُطلقًا، يَعْنِي: فِي الصِّحَّة وَالْفساد، وَثَمَرَة الْخلاف تظهر فِي مسَائِل: مِنْهَا: أَن الإِمَام إِذا ظهر مُحدثا أَو جنبا لَا يُعِيد الْمُؤْتَم صلَاته عِنْدهم. وَمِنْهَا: أَنه يجوز اقْتِدَاء الْقَائِم بالمومى. وَمِنْهَا: قِرَاءَة الإِمَام لَا تنوب عَن قِرَاءَة الْمُقْتَدِي. وَمِنْهَا: أَنه يجوز اقْتِدَاء المفترض بالمتنفل، وبمن يُصَلِّي فرضا آخر. وَمِنْهَا: أَن الْمُقْتَدِي يَقُول: سمع الله لمن حَمده. وَعِنْدنَا: الحكم بِالْعَكْسِ فِي كلهَا، وَدَلِيلنَا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم مصححا عَن سهل بن سعد: (الإِمَام ضَامِن) ، يَعْنِي: صلَاتهم فِي ضمن صلَاته صِحَة وَفَسَادًا. وَقد اسْتدلَّ بِهِ قوم: أَن الائتمام بِمن يحل بِشَيْء من الصَّلَاة ركنا كَانَ أَو غَيره صَحِيح إِذا أتم الْمَأْمُوم، قيل: هَذَا وَجه عِنْد الشَّافِعِيَّة بِشَرْط

стр. 1479

أَن يكون الإِمَام هُوَ الْخَلِيفَة أَو نَائِبه. وَقَالَ قوم المُرَاد: بقوله: (فَإِن اخطأوا فلكم) يَعْنِي: صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ فِي الْوَقْت، وَكَذَلِكَ كَانَ جمَاعَة من السّلف يَفْعَلُونَ، رُوِيَ عَن ابْن عمر أَن الْحجَّاج لما أخر الصَّلَاة بِعَرَفَة صلى ابْن عمر فِي رَحْله ووقف فَأمر بِهِ الْحجَّاج فحبس، وَكَانَ الْحجَّاج يُؤَخر الصَّلَاة يَوْم الْجُمُعَة، وَكَانَ أَبُو وَائِل يَأْمُرنَا أَن نصلي فِي بُيُوتنَا ثمَّ نأتي الْحجَّاج فنصلي مَعَه، وَفعله مَسْرُوق مَعَ زِيَاد، وَكَانَ عَطاء وَسَعِيد بن جُبَير فِي زمن الْوَلِيد إِذا أخر الصَّلَاة صليا فِي مَحلهمَا ثمَّ صليا مَعَه، وَفعله مَكْحُول مَعَ الْوَلِيد أَيْضا، وَهُوَ مَذْهَب مَالك. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَكَانَ جمَاعَة من السّلف يصلونَ فِي بُيُوتهم فِي الْوَقْت ثمَّ يعيدون مَعَهم، وَهُوَ مَذْهَب مَالك، وَعَن بعض السّلف: لَا يعيدون. وَقَالَ النَّخعِيّ: كَانَ عبد الله يُصَلِّي مَعَهم إِذا أخروا عَن الْوَقْت قَلِيلا، وروى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع: حَدثنَا قسام قَالَ: سَأَلت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ عَن الصَّلَاة خلف الْأُمَرَاء قَالَ: صلِّ مَعَهم وَقيل لجَعْفَر ابْن مُحَمَّد: كَانَ أَبوك يُصَلِّي إِذا رَجَعَ إِلَى الْبَيْت؟ فَقَالَ: لَا وَالله مَا كَانَ يزِيد على صَلَاة الْأَئِمَّة، وَالله أعلم. ٥٦ - (بابُ إمَامَةِ المَفْتُونِ والمُبْتَدِعِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم إِمَامَة الْمفْتُون، وَهُوَ من فتن الرجل فَهُوَ مفتون إِذا ذهب مَاله وعقله، والفاتن: المضل عَن الْحق، والمفتون المضل، بِفَتْح الضَّاد، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي. وَقَالَ بَعضهم: أَي الَّذِي دخل فِي الْفِتْنَة فَخرج على الإِمَام. قلت: هَذَا التَّفْسِير لَا ينطبق إلاّ على الفاتن، لِأَن الَّذِي يدْخل فِي الْفِتْنَة وَيخرج على الإِمَام هُوَ الْفَاعِل، وَكَانَ يَنْبَغِي للْبُخَارِيّ أَيْضا أَن يَقُول: بَاب إِمَامَة الفاتن. قَوْله: (والمبتدع) وَهُوَ الَّذِي يرتكب الْبِدْعَة، والبدعة لُغَة: كل شَيْء عمل عَليّ غير مِثَال سَابق، وَشرعا إِحْدَاث مَا لم يكن لَهُ أصل فِي عهد رَسُول الله ﷺ ، وَهِي عل قسمَيْنِ: بِدعَة ضَلَالَة، وَهِي الَّتِي ذكرنَا، وبدعة حَسَنَة: وَهِي مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حسنا وَلَا يكون مُخَالفا للْكتاب أَو السّنة أَو الْأَثر أَو الْإِجْمَاع، وَالْمرَاد هُنَا الْبِدْعَة: الضَّلَالَة. وَقَالَ الحسَنُ صَلِّ وعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ كَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ سُئِلَ عَن الصَّلَاة خلف المبتدع، فَقَالَ: صل وَعَلِيهِ إِثْم بدعته، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن الْمُبَارك عَن هِشَام بن حسان: أَن الْحسن سُئِلَ عَن الصَّلَاة خلف صَاحب بِدعَة فَقَالَ: صل خَلفه وَعَلِيهِ بدعته. (قَالَ أَبُو عبد الله وَقَالَ لنا مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ قَالَ حَدثنَا الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن عبيد الله بن عدي بن خِيَار أَنه دخل على عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَهُوَ مَحْصُور فَقَالَ إِنَّك إِمَام عَامَّة وَنزل بك مَا ترى وَيُصلي لنا إِمَام فتْنَة ونتحرج فَقَالَ الصَّلَاة أحسن مَا يعْمل النَّاس فَإِذا أحسن النَّاس فَأحْسن مَعَهم وَإِذا أساؤا فاجتنب إساءتهم) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَيُصلي لنا إِمَام فتْنَة " إِلَى آخِره. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ. الثَّانِي عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الثَّالِث مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف مر فِي أَوَائِل كتاب الْإِيمَان. الْخَامِس عبيد الله بتصغير العَبْد ابْن عدي بِفَتْح الْعين وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن خِيَار بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وخفة الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء النَّوْفَلِي الْمدنِي التَّابِعِيّ أدْرك زمن النَّبِي ﷺ َ - وَلم تثبت رُؤْيَته وَكَانَ من فُقَهَاء قُرَيْش وثقاتهم مَاتَ زمن الْوَلِيد بن عبد الْملك (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ أَولا قَالَ البُخَارِيّ قَالَ لنا مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ صَاحب التَّلْوِيح كَأَنَّهُ أَخذ هَذَا الحَدِيث مذاكرة فَلهَذَا لم يقل فِيهِ حَدثنَا وَقيل أَنه مِمَّا تحمله بِالْإِجَازَةِ أَو المناولة أَو الْعرض وَقيل أَنه مُتَّصِل من حَيْثُ اللَّفْظ مُنْقَطع من حَيْثُ الْمَعْنى وَقَالَ بَعضهم هُوَ مُتَّصِل لَكِن لَا يعبر بِهَذِهِ الصِّيغَة إِلَّا إِذا كَانَ الْمَتْن مَوْقُوفا أَو كَانَ فِيهِ راو لَيْسَ على شَرطه وَالَّذِي هُنَا من قبيل الأول (قلت) إِذا كَانَ الرَّاوِي على غير شَرطه كَيفَ يذكرهُ فِي كِتَابه. وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه رِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض وهم الزُّهْرِيّ عَن حميد عَن عبيد الله وَفِيه الزُّهْرِيّ عَن حميد وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أَخْبرنِي حميد وَفِيه حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ وَفِي رِوَايَة ابْن

стр. 1480

الْمُبَارك عَن الْأَوْزَاعِيّ وَفِيه عَن حميد عَن عبيد الله وَفِي رِوَايَة أبي نعيم والإسماعيلي حَدثنِي عبيد الله بن عدي. (ذكر من وَصله) وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ حَدثنَا عبد الله بن يحيى السَّرخسِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا أَحْمد بن يُوسُف حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ حَدثنَا الزُّهْرِيّ فَذكره وَقَالَ أَيْضا حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن هَانِيء حَدثنَا الزيَادي حَدثنَا أَحْمد بن صَالح حَدثنَا عَنْبَسَة حَدثنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عبيد الله بن عدي بِهِ وَمن طَرِيق هِقْل بن زِيَاد سَمِعت الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ حَدثنِي حميد وَمن طَرِيق عِيسَى عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد حَدثنِي عبيد الله بن عدي وَرَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ من طَرِيق الْحسن بن سُفْيَان عَن حبَان عَن عبد الله بن الْمُبَارك أخبرنَا الْأَوْزَاعِيّ فَذكره (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " وَهُوَ مَحْصُور " جملَة اسمية وَقعت حَالا على الأَصْل بِالْوَاو أَي مَحْبُوس فِي الدَّار مَمْنُوع عَن الْأُمُور قَوْله " إِمَام عَامَّة " بِالْإِضَافَة أَي إِمَام جمَاعَة وَفِي رِوَايَة يُونُس " وَأَنت الإِمَام " أَي الإِمَام الْأَعْظَم قَوْله " مَا نرى " بنُون الْمُتَكَلّم ويروى " مَا ترى " بتاء الْمُخَاطب أَي مَا ترى من الْحصار وَخُرُوج الْخَوَارِج عَلَيْهِ قَوْله " وَيُصلي لنا إِمَام فتْنَة " أَي رَئِيس فتْنَة وَقَالَ الدَّاودِيّ أَي فِي وَقت فتْنَة وَقَالَ ابْن وضاح إِمَام الْفِتْنَة هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عديس البلوي وَهُوَ الَّذِي جلب على عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أهل مصر وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَقد صلى كنَانَة بن بشر أحد رُؤْس الْخَوَارِج بِالنَّاسِ أَيْضا وَكَانَ هَؤُلَاءِ لما هجموا على الْمَدِينَة كَانَ عُثْمَان يخرج فَيصَلي بِالنَّاسِ شهرا ثمَّ خرج يَوْمًا فحصبوه حَتَّى وَقع على الْمِنْبَر وَلم يسْتَطع الصَّلَاة يَوْمئِذٍ فصلى بهم أَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف فمنعوه فصلى بهم عبد الرَّحْمَن بن عديس تَارَة وكنانة بن بشر تَارَة فبقيا على ذَلِك عشرَة أَيَّام (فَإِن قلت) صلى بهم أَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف وَعلي بن أبي طَالب وَسَهل بن حنيف وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَطَلْحَة بن عبيد الله فَكيف يُقَال فِي حَقهم إِمَام فتْنَة (قلت) وَلَيْسَ وَاحِد من هَؤُلَاءِ مُرَاد بقوله " إِمَام فتْنَة " دلّ على ذَلِك تَفْسِير الدَّاودِيّ بقوله أَي فِي وَقت فتْنَة أَو يَقُول أَنهم استأذنوه فِي الصَّلَاة فَأذن لَهُم لعلمه أَن المصريين لَا يصلونَ إِلَيْهِم بشر (فَإِن قلت) هَل ثَبت صَلَاة هَؤُلَاءِ (قلت) أما صَلَاة أبي أُمَامَة فقد رَوَاهُ عمر بن شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح وَرَوَاهُ المدايني من طَرِيق أبي هُرَيْرَة وَأما صَلَاة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي تَارِيخ بَغْدَاد من رِوَايَة ثَعْلَبَة بن يزِيد الجماني قَالَ فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْعِيد عيد الْأَضْحَى جَاءَ عَليّ فصلى بِالنَّاسِ وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك فِيمَا رَوَاهُ الْحسن الْحلْوانِي لم يصل بهم غير صَلَاة الْعِيد وَفعل ذَلِك عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لِئَلَّا تضاع السّنة وَقَالَ غَيره صلى بهم عدَّة صلوَات وَأما صَلَاة سهل بن حنيف فَرَوَاهُ عمر بن شيبَة أَيْضا بِإِسْنَاد قوي قَوْله " ونتحرج " بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالجيم من التحرج أَي نَخَاف الْوُقُوع فِي الاثم وأصل الْحَرج الضّيق ثمَّ اسْتعْمل للاثم لِأَنَّهُ يضيق على صَاحبه وَفِي رِوَايَة ابْن الْمُبَارك " وَإِنَّا لنتحرج من الصَّلَاة مَعَهم " وَهَذَا القَوْل ينْصَرف إِلَى صَلَاة من صلى من رُؤَسَاء الْخَوَارِج فِي وَقت الْفِتْنَة وَلَا يدْخل فِيهِ من ذَكَرْنَاهُمْ من الصَّحَابَة قَوْله " فَقَالَ الصَّلَاة أحسن " أَي قَالَ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الصَّلَاة أحسن فَقَوله الصَّلَاة مُبْتَدأ وَقَوله أحسن مُضَاف إِلَى مَا بعده خَبره وَفِي رِوَايَة ابْن الْمُبَارك " أَن الصَّلَاة أحسن " وَفِي رِوَايَة هِقْل بن زِيَاد عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الْإِسْمَاعِيلِيّ " الصَّلَاة أحسن مَا يعْمل النَّاس " (فَإِن قلت) هَذَا يدل على أَن عُثْمَان لم يذكر الَّذِي أمّهم من رُؤَسَاء الْخَوَارِج بمكروه وَتَفْسِير الدَّاودِيّ على هَذَا لَا اخْتِصَاص لَهُ بالخارجي (قلت) لَا يلْزم من كَون الصَّلَاة أحسن مَا يعْمل النَّاس أَو من أحسن مَا عمل النَّاس أَن لَا يسْتَحق فاعلها ذما عِنْد وجود مَا يَقْتَضِيهِ قَوْله " فَإِذا أحسن النَّاس فَأحْسن مَعَهم " ظَاهره أَن عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ رخص لَهُ فِي الصَّلَاة مَعَهم كَأَنَّهُ يَقُول لَا يَضرك كَونه مفتونا إِذا أحسن فوافقه على إحسانه وأترك مَا افْتتن بِهِ وَبِهَذَا تُوجد الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة وَقَالَ ابْن الْمُنِير يحْتَمل أَن يكون رأى أَن الصَّلَاة خَلفه لَا تصح فحاد عَن الْجَواب بقوله " الصَّلَاة أحسن مَا يعْمل النَّاس " لِأَن الصَّلَاة الَّتِي هِيَ أحسن هِيَ الصَّلَاة الصَّحِيحَة وَصَلَاة الْخَارِجِي غير صَحِيحَة لِأَنَّهُ إِمَّا كَافِر أَو فَاسق انْتهى (وَأجِيب) بِأَن هَذَا الَّذِي قَالَه إِنَّمَا هُوَ نصْرَة لمذهبه فِي عدم صِحَة الصَّلَاة خلف الْفَاسِق وَهَذَا مَرْدُود لما روى سيف بن عمر فِي الْفتُوح عَن سهل بن يُوسُف الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه قَالَ كره النَّاس الصَّلَاة خلف الَّذين حصروا عُثْمَان إِلَّا عُثْمَان فَإِنَّهُ قَالَ من دَعَا إِلَى الصَّلَاة فأجيبوه

стр. 1481

(ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ تحذير من الْفِتْنَة وَالدُّخُول فِيهَا وَمن جَمِيع مَا يُنكر من قَول أَو فعل أَو اعْتِقَاد يدل عَلَيْهِ قَوْله " وَإِذا أساؤا فاجتنب " وَفِيه أَن الصَّلَاة خلف من تكره الصَّلَاة خَلفه أولى من تَعْطِيل الْجَمَاعَة وَقَالَ بَعضهم وَفِيه رد على من زعم أَن الْجُمُعَة لَا تجزيء أَن تُقَام بِغَيْر إِذن الإِمَام (قلت) لَيْسَ فِيهِ رد بل دَعْوَى الرَّد على ذَلِك مَرْدُودَة لِأَن عليا صلى يَوْم عيد الْأَضْحَى الَّذِي شَرطهَا أَن يُصَلِّي من يُصَلِّي الْجُمُعَة فَمن أَيْن ثَبت أَنه صلى بِغَيْر إِذن عُثْمَان وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنهُ أَنه صلى عدَّة صلوَات وفيهَا الْجُمُعَة فَمن ادّعى أَنه صلى بِغَيْر اسْتِئْذَان فَعَلَيهِ الْبَيَان وَلَئِن سلمنَا أَنه صلى بِغَيْر اسْتِئْذَان وَلَكِن كَانَ ذَلِك بسب تخلف الإِمَام عَن الْحُضُور وَإِذا تعذر حُضُور الإِمَام فعلى الْمُسلمين إِقَامَة رجل مِنْهُم يقوم بِهِ وَهَذَا كَمَا فعل الْمُسلمُونَ بِمَوْتِهِ لما قتل الْأُمَرَاء اجْتَمعُوا على خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَو نقُول أَن عليا لم يتَوَصَّل إِلَيْهِ فَعَن هَذَا قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن لَو غلب على مصر متغلب وَصلى بهم الْجُمُعَة جَازَ وَنقل ذَلِك عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَكَانَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أولى بذلك لِأَن الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم رَضوا بِهِ وصلوا وَرَاءه وَسَوَاء كَانَ بِإِذن أَو لَا بِإِذن فَلَا نرى جَوَازهَا بِغَيْر إِذن الإِمَام وَكَيف وَقد روى ابْن ماجة عَن جَابر بن عبد الله قَالَ " خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ َ - " الحَدِيث وَفِيه " فَمن تَركهَا " أَي الْجُمُعَة " فِي حَياتِي أَو بعدِي وَله إِمَام عَادل أَو جَائِر اسْتِخْفَافًا بهَا وجحودا لَهَا فَلَا جمع الله شَمله وَلَا بَارك لَهُ فِي أمره أَلا وَلَا صَلَاة لَهُ وَلَا زَكَاة لَهُ وَلَا حج لَهُ وَلَا صَوْم لَهُ وَلَا بر لَهُ حَتَّى يَتُوب " الحَدِيث وَمن هَذَا أَخذ أَصْحَابنَا وَقَالُوا لَا تجوز إِقَامَتهَا إِلَّا للسُّلْطَان وَهُوَ الإِمَام الْأَعْظَم أَو لمن أمره كالنائب وَالْقَاضِي والخطيب (فَإِن قلت) هَذَا الحَدِيث ضَعِيف وَفِي سَنَده عبد الله بن مُحَمَّد وَهُوَ تكلم فِيهِ (قلت) هَذَا رُوِيَ من طرق كَثِيرَة ووجوه مُخْتَلفَة فَحصل لَهُ بذلك قُوَّة فَلَا يمْنَع من الِاحْتِجَاج بِهِ وَأما الصَّلَاة خلف الْخَوَارِج وَأهل الْبدع فَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فأجازت طَائِفَة مِنْهُم ابْن عمر إِذا صلى خلف الْحجَّاج وَكَذَلِكَ ابْن أبي ليلى وَسَعِيد بن جُبَير ثمَّ خرجا عَلَيْهِ وَقَالَ النَّخعِيّ كَانُوا يصلونَ وَرَاء الْأُمَرَاء مَا كَانُوا وَكَانَ أَبُو وَائِل يجمع مَعَ المختارين عبيد وَسُئِلَ مَيْمُون بن مهْرَان عَن الصَّلَاة خلف رجل يذكر أَنه من الْخَوَارِج فَقَالَ أَنْت لَا تصلي لَهُ إِنَّمَا تصلي لله وَقد كُنَّا نصلي خلف الْحجَّاج وَكَانَ حروريا أزرقيا وروى أَشهب عَن مَالك لَا أحب الصَّلَاة خلف الأباضية والواصلية وَلَا السُّكْنَى مَعَهم فِي بلد وَقَالَ ابْن الْقَاسِم أرى الْإِعَادَة فِي الْوَقْت على من صلى خلف أهل الْبدع وَقَالَ أصبغ يُعِيد أبدا وَقَالَ الثَّوْريّ فِي القدري لَا تقدموه وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل لَا يصلى خلف أحد من أهل الْأَهْوَاء إِذا كَانَ دَاعيا إِلَى هَوَاهُ وَمن صلى خلف الْجَهْمِية والرافضية والقدرية يُعِيد وَقَالَ أَصْحَابنَا تكره الصَّلَاة خلف صَاحب هوى وبدعة وَلَا تجوز خلف الرافضي والجهمي والقدري لأَنهم يَعْتَقِدُونَ أَن الله لَا يعلم الشَّيْء قبل حُدُوثه وَهُوَ كفر والمشبهة وَمن يَقُول بِخلق الْقُرْآن وَكَانَ أَبُو حنيفَة لَا يرى الصَّلَاة خلف المبتدع وَمثله عَن أبي يُوسُف وَأما الْفَاسِق بجوارحه كالزاني وشارب الْخمر فَزعم ابْن حبيب أَن من صلى خلف من شرب الْخمر يُعِيد أبدا إِلَّا أَن يكون واليا وَقيل فِي رِوَايَة يَصح وَفِي الْمُحِيط لَو صلى خلف فَاسق أَو مُبْتَدع يكون مُحرز لثواب الْجَمَاعَة وَلَا ينَال ثَوَاب من صلى خلف المتقي وَفِي الْمَبْسُوط يكره الِاقْتِدَاء بِصَاحِب الْبِدْعَة (وَقَالَ الزبيدِيّ قَالَ لزهري لَا نرى أَن يُصَلِّي خلف المخنث إِلَّا من ضَرُورَة لَا بُد مِنْهَا) الزبيدِيّ بِضَم الزَّاي وَفتح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمَكْسُورَة وَهِي نِسْبَة إِلَى زبيدى وَهُوَ بطن فِي مذْحج وَفِي الأزد وَفِي خولان القضاعية وَهُوَ صَاحب الزُّهْرِيّ واسْمه مُحَمَّد بن الْوَلِيد أَبُو الْهُذيْل الشَّامي الْحِمصِي قَالَ ابْن سعد مَاتَ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة وَهُوَ ابْن سبعين سنة وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب قَوْله " أَن يُصَلِّي " على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " المخنث " بِكَسْر النُّون وَفتحهَا وَالْكَسْر أفْصح وَالْفَتْح أشهر وَهُوَ الَّذِي خلقه خلق النِّسَاء وَهُوَ نَوْعَانِ من يكون ذَلِك خلقَة لَهُ لَا صنع لَهُ فِيهِ وَهَذَا لَا إِثْم عَلَيْهِ وَلَا ذمّ وَمن تكلّف ذَلِك وَلَيْسَ لَهُ خلقيا وَهَذَا هُوَ المذموم وَقيل بِكَسْر النُّون من فِيهِ تكسر وتثن وتشبه بِالنسَاء وبالفتح من يُؤْتى فِي دبره وَقَالَ أَبُو عبد الْملك أَرَادَ الزُّهْرِيّ الَّذِي يُؤْتى فِي دبره وَأما من يتكسر فِي كَلَامه ومشيه فَلَا بَأْس بِالصَّلَاةِ خَلفه وَقَالَ الدَّاودِيّ أرادهما لِأَنَّهُمَا بِدعَة وجرحة وَذَلِكَ لِأَن الْإِمَامَة مَوضِع كَمَال وَاخْتِيَار أهل الْفضل وكما أَن إِمَام الْفِتْنَة والمبتدع كل مِنْهُمَا مفتون فِي طَرِيقَته فَلَمَّا شملهم معنى الْفِتْنَة

стр. 1482

ذهبت إمامتهم إِلَّا من ضَرُورَة وَلِهَذَا أَدخل البُخَارِيّ هَذِه الْمَسْأَلَة هُنَا وَقَالَ ابْن بطال ذكر هَذِه الْمَسْأَلَة هُنَا لِأَن المخنث مفتتن فِي طَرِيقَته قَوْله " إِلَّا من ضَرُورَة " أَي إِلَّا أَن يكون ذَا شَوْكَة فَلَا تعطل الْجَمَاعَة بِسَبَبِهِ وَقد رَوَاهُ معمر عَن الزُّهْرِيّ بِغَيْر قيد أخرجه عبد الرَّزَّاق عَنهُ وَلَفظه " قلت فالمخنث قَالَا وَلَا كَرَامَة لَا تأتم بِهِ " وَهُوَ مَحْمُول على حَالَة الِاخْتِيَار - ٦٩٦ - مُ حَمَّدُ بنُ أبانَ قَالَ حدَّثنا غُنَّدَرٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ أبي التَّيَّاحِ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكٍ قَالَ النبيُّ ﷺ لاِبِي ذَرٍّ اسْمَعْ وَأَطِعْ ولَوْ لِحَبَشِيٍّ كأنَّ رَأسَهُ زَبِيبَةٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه الصِّفَات لَا تُوجد غَالِبا إلاّ فِيمَن هُوَ غَايَة الْجَهْل، ومفتون بِنَفسِهِ. وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب إِمَامَة العَبْد، غير أَن هُنَاكَ: مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى عَن شُعْبَة، وَهَهُنَا: مُحَمَّد بن أبان الْبَلْخِي مستملي وَكِيع، وَقيل: هُوَ واسطي، وَهُوَ يحْتَمل، وَلَكِن لَيْسَ للواسطي رِوَايَة عَن غنْدر، والبلخي يروي عَنهُ، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال: وَهُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر ابْن امْرَأَة شُعْبَة عَن أبي التياح يزِيد بن حميد، وَهُنَاكَ الْخطاب للْجَمَاعَة وَهنا الْخطاب لأبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَلَو لحبشي) أَي: وَلَو كَانَ الطَّاعَة أَو الْأَمر لحبشي، سَوَاء كَانَ ذَلِك الحبشي مفتونا أَو مبتدعا. ٥٧ - (بابٌ يَقُومُ عنْ يَمِينِ الإمَامِ بِحِذَائِهِ سَوَاءً إذَا كانَا اثْنَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته يقوم إِلَى آخِره، وَالضَّمِير فِي: يقوم، يرجع إِلَى الْمَأْمُوم بِقَرِينَة ذكر الإِمَام. قَوْله: (بحذائه) ، الْحذاء ممدودا الإزاء وَالْجنب. قَوْله: (سَوَاء) أَي: مُسَاوِيا، وانتصابه على الْحَال. قَوْله: (إِذا كَانَا) أَي: الإِمَام وَالْمَأْمُوم، وَقيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مأمومان مَعَ إِمَام فَالْحكم أَن يتَقَدَّم الإِمَام عَلَيْهِمَا، وَهَكَذَا نسخ البُخَارِيّ بَاب يقوم. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: النُّسْخَة بَاب من يقوم بِإِضَافَة الْبَاب إِلَى: من، ثمَّ تردد بَين كَون: من، مَوْصُولَة أَو استفهامية لكَون الْمَسْأَلَة مُخْتَلفا فِيهَا. وَقَالَ بَعضهم: الْوَاقِع أَن: من، محذوفة، والسياق ظَاهر فِي أَن المُصَنّف جازم بِحكم الْمَسْأَلَة لَا مُتَرَدّد. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن الْوَاقِع أَن: من، محذوفة، فَكيف يجوز حذف: من، سَوَاء كَانَت استفهامية أَو مَوْصُولَة؟ وَالنُّسْخَة الْمَشْهُورَة صَحِيحَة فَلَا تحْتَاج إِلَى تَقْدِير وارتكاب تعسف، بل الصَّوَاب مَا قُلْنَا، وَهُوَ: أَن لَفْظَة: بَاب، مَرْفُوع على أَنه خبر مبتدإ مَحْذُوف أَي: هَذَا بَاب، وَقَوله: يقوم، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: تَرْجَمته يقوم الْمَأْمُوم ... إِلَى آخِره، كَمَا ذكرنَا. ٦٩٧ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ بِتُّ فِي بَيْتِ خالَتِي مَيْمُونَةَ فَصَلَّى رسولُ الله ﷺ العِشَاءَ ثُأ جاءَ فَصَلَّى أرْبَعَ رَكْعَاتٍ ثُمَّ قامَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُأ نامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أوْ قَالَ خَطِيطَهُ ثُمَّ خرَجَ إلَى الصَّلَاةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فجعلني عَن يَمِينه) ، وَهَذَا الحَدِيث قد ذكره فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، بأطول مِنْهُ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن الحكم بن عتيبة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد تكلمنا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأُمُور مُسْتَوفى. قَوْله: (جَاءَ) أَي: من الْمَسْجِد إِلَى منزله. قَوْله: (فَجئْت) الْفَاء،، فِيهِ فصيحة أَي: قَامَ من النّوم فَتَوَضَّأ فَأحْرم بِالصَّلَاةِ فَجئْت، وَيحْتَمل أَن لَا تكون فصيحة بِأَن يكون المُرَاد: ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة، وَالْقِيَام على الْوَجْه الأول، بِمَعْنى النهوض. وعَلى الثَّانِي بِمَعْنى المنهوض وَالْمرَاد من الصَّلَاة: صَلَاة الصُّبْح. ٥٨ - (بابٌ إذَا قامَ الرَّجُلُ عنْ يَسارِ الإمَامِ فَحَوَّلَهُ الإمَامُ إلَى يَمِينِهِ لَمْ تَفْسُدْ صلَاتُهُمَا) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا قَامَ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (الرجل) ، وَفِي بعض النّسخ: (إِذا قَامَ رجل) قَوْله: (لم تفْسد صلاتهما) ، جَوَاب:

стр. 1483

إِذا، أَي: صَلَاة الرجل وَالْإِمَام، وَفِي بعض النّسخ: لم تفْسد صلَاته، أَي: صَلَاة الرجل. ٦٩٨ - حدَّثنا أحْمَدُ قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهَبٍ قَالَ حدَّثنا عَمْرٌ وعنْ عَبْدِ رَبّهِ بنِ سَعِيدٍ عنْ مَخْرَمَةَ بنَ سُلَيْمَانَ عنْ كُرَيْبٍ مَوْلى ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ والنبيُّ ﷺ عنْدَها تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَتَوَضَّأ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ فَأخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَن يَمِينِهِ فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ نامَ حَتَّى نَفَخَ وكانَ إذَا نَامَ نَفَخَ ثُمَّ أتَاهُ المُؤَذِّنُ فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ. قَالَ عَمْرٌ وفَحَدَّثْتُ بِهِ بَكِيرا فَقَالَ حدَّثني كُرَيْبٌ بِذَلِكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأخذني فجعلني عَن يَمِينه) . ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَحْمد، ذكر كَذَا غير مَنْسُوب فِي النّسخ المتداولة، وَقَالَ ابْن السكن فِي نسخته، وَابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : هُوَ أَحْمد بن صَالح. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ أَحْمد بن عِيسَى، وَقيل: ابْن أخي ابْن وهب، وَقَالَ ابْن مندة: لم يخرج البُخَارِيّ عَن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أخي ابْن وهب فِي (الصَّحِيح) شَيْئا، وَإِذا حدث عَن أَحْمد بن عِيسَى نسبه. الثَّانِي: عبد الله بن وهب. الثَّالِث: عَمْرو بن الْحَارِث الْمصْرِيّ. الرَّابِع: عبد ربه، بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ أَخُو يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الْخَامِس: مخرمَة، بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة ابْن سُلَيْمَان قد مر فِي: بَاب قِرَاءَة الْقُرْآن بعد الْحَدث. السَّادِس: كريب، بِضَم الْكَاف: مولى ابْن عَبَّاس، السَّابِع: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بصريين وَثَلَاثَة مدنيين. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذكرنَا فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب القرآة بعد الْحَدث، أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك عَن مخرمَة فِي سِتَّة مَوَاضِع، وَهَهُنَا عَن عبد ربه عَن مخرمَة، وَذكرنَا هُنَاكَ أَيْضا من أخرجه غَيره وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء مُسْتَوفى. قَوْله: (نمت) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (بت) ، من البيتوتة. قَوْله: (قَالَ عَمْرو) أَي: ابْن الْحَارِث الْمَذْكُور. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (قَالَ عَمْرو) ، وَالظَّاهِر أَنه مقول ابْن وهب، وَيحْتَمل التَّعْلِيق. وَقَالَ بَعضهم: وَوهم من زعم أَنه من تَعْلِيق البُخَارِيّ، فقد سَاقه أَبُو نعيم مثل سِيَاقه قلت: أَرَادَ بقوله: وهم من زعم أَنه تَعْلِيق، الْكرْمَانِي، والكرماني لم يهم فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ: يحْتَمل التَّعْلِيق، وَبَين الْوَهم وَالِاحْتِمَال فرق كَبِير، لِأَن الْوَهم غلط، ومدعي الِاحْتِمَال لَيْسَ بغالط، وَكَون سِيَاق أبي نعيم نَحْو سِيَاق عَمْرو لَا يسْتَلْزم نفي احْتِمَال التَّعْلِيق فِي سِيَاق البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَعَ أَن الْكرْمَانِي قَالَ أَولا: الظَّاهِر أَنه مقول ابْن وهب أَي: عبد الله بن وهب الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث. قَوْله: (فَحدثت بِهِ بكيرا) ، هُوَ بكير بن عبد الله بن الْأَشَج، وَنبهَ عَمْرو بذلك على أَن سَنَد رِوَايَته عَن بكير أَعلَى من رِوَايَته الْمَذْكُورَة أَولا. ٥٩ - (بابٌ إذَا لَمْ يَنْوِ الإمَامْ أَن يَؤُمَّ ثُمَّ جاءَ قَوْمٌ فَأَمَّهُمْ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا لم ينْو الإِمَام أَن يؤم، فَأن: مَصْدَرِيَّة: أَي: الْإِمَامَة، وَلم يذكر جَوَاب: إِذا، لِأَن فِي هَذِه الْمَسْأَلَة اخْتِلَافا فِي أَنه: هَل يشْتَرط للْإِمَام أَن يَنْوِي الْإِمَامَة أم لَا؟ وَحَدِيث الْبَاب لَا يدل على النَّفْي، وَلَا على الْإِثْبَات، وَلَا على أَنه نوى فِي ابْتِدَاء صلَاته، وَلَا بعد أَن أَقَامَ ابْن عَبَّاس فصلى مَعَه؟ وَلَكِن فِي إيقاف النَّبِي ﷺ ابْن عَبَّاس مِنْهُ موقف الْمَأْمُوم مَا يشْعر بِالثَّانِي، وَالْمذهب عندنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة نِيَّة الإِمَام الْإِمَامَة فِي حق الرِّجَال لَيست بِشَرْط، لِأَنَّهُ لَا يلْزمه باقتداء الْمَأْمُوم حكم، وَفِي حق النِّسَاء شَرط عندنَا لاحْتِمَال فَسَاد صلَاته بمحاذاتها إِيَّاه، وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ وَمَالك: لَيست بِشَرْط، كَمَا فِي الرِّجَال. وَقَالَ السفاقسي وَقَالَ الثَّوْريّ، وَرِوَايَة عَن أَحْمد وَإِسْحَاق: على الْمَأْمُوم الْإِعَادَة إِذا لم ينْو الإِمَام الْإِمَامَة، وَعَن ابْن الْقَاسِم مثل مَذْهَب أبي حنيفَة، وَعَن أَحْمد: أَنه شَرط أَن يَنْوِي فِي الْفَرِيضَة دون النَّافِلَة.

стр. 1484

٦٩٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ أيُّوبَ عنْ عَبْدِ الله بنِ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فقَامَ النبيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِرَأسِي فَأقَامَنِي عنْ يَمِينِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الحَدِيث يتَضَمَّن أَن ابْن عَبَّاس اقْتدى بِالنَّبِيِّ ﷺ وَصلى مَعَه وَأقرهُ على ذَلِك كَمَا فِي حَدِيث انس صلى فِي رَمَضَان، قَالَ: فَجئْت فَقُمْت إِلَى جنبه وَجَاء آخر فَقَامَ إِلَى جَنْبي حَتَّى كُنَّا رهطا، فَلَمَّا أحس بِنَا النَّبِي ﷺ تجوز فِي صلَاته) . وَهَذَا ظَاهر فِي أَنه لم ينْو الْإِمَامَة ابْتِدَاء، وهم ائتموا بِهِ وأقرهم عَلَيْهِ. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن مقسم الْأَسدي الْبَصْرِيّ، وَأمه علية مولاة لبني أَسد. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: عبد الله بن سعيد بن جُبَير. الْخَامِس: أَبوهُ سعيد بن جُبَير. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن عبد الله بن سعيد من أَقْرَان أَيُّوب الرَّاوِي عَنهُ. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون،. وَأخرجه النَّسَائِيّ إيضا فِي الصَّلَاة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ. قَوْله: (بت) من البيوتة. قَوْله: (فَقُمْت عَن يسَاره) وَهُوَ عطف على: قُمْت، الأول وَلَيْسَ بعطف الشَّيْء على نَفسه، لِأَن الْقيام الأول بِمَعْنى النهوض، وَالثَّانِي بِمَعْنى الْوُقُوف، أَو أَن: قُمْت، الأول بِمَعْنى أردْت. قَوْله: (أُصَلِّي) جملَة وَقعت حَالا. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن موقف الْمَأْمُوم إِذا كَانَ بحذاء الإِمَام على يَمِينه مُسَاوِيا لَهُ، وَهُوَ قَول عمر وَابْنه وَأنس وَابْن عَبَّاس وَالثَّوْري وَإِبْرَاهِيم وَمَكْحُول وَالشعْبِيّ وَعُرْوَة وَأبي حنيفَة وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق، وَعَن مُحَمَّد بن الْحسن: يضع أَصَابِع رجلَيْهِ عِنْد عقب الإِمَام، وَقَالَ الشَّافِعِي: يسْتَحبّ أَن يتَأَخَّر عَن مُسَاوَاة الإِمَام قَلِيلا. وَعَن النَّخعِيّ: يقف خَلفه إِلَى أَن يرْكَع فَإِذا جَاءَ أحد وإلَاّ قَامَ عَن يَمِينه. وَقَالَ أَحْمد: إِن وقف عَن يسَاره تبطل صلَاته. وَفِيه: أَن الْعَمَل الْقَلِيل، وَهِي إدارته إِلَى يَمِينه من شِمَاله، لَا يبطل الصَّلَاة. ٦٠ - (بابٌ إذَا طَوَّلَ الإمامُ وكانَ لِلرَّجُلِ حاجَةٌ فَخَرَجَ فَصَلَّى) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا طول الإِمَام ... إِلَى آخِره. قَوْله: (طول الإِمَام) ، يَعْنِي: صلَاته. قَوْله: (وَكَانَ الرجل) أَرَادَ بِهِ الْمَأْمُوم. قَوْله: (فَخرج) يحْتَمل الْخُرُوج من اقتدائه أَو من صلَاته بِالْكُلِّيَّةِ أَو الْخُرُوج من الْمَسْجِد، لَكِن فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ مَا يَنْفِي خُرُوجه من الْمَسْجِد، وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: (فَانْصَرف الرجل فصلى فِي نَاحيَة الْمَسْجِد) . وَفِي رِوَايَة مُسلم مَا يدل على أَنه خرج من الِاقْتِدَاء، أَو من الصَّلَاة أَيْضا بِالْكُلِّيَّةِ حَيْثُ قَالَ: (فانحرف رجل فَسلم ثمَّ صلى وَحده) ، وَبِهَذَا يرد على ابْن رشيد قَوْله: الظَّاهِر أَنه خرج إِلَى منزله فصلى فِيهِ، وَهُوَ ظَاهر قَوْله فِي الحَدِيث: (فَانْصَرف الرجل وَصلى) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (فصلى) ، بِالْفَاءِ، وَجَوَاب، إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: وَصلى صحت صلَاته، وَالْحَاصِل أَن للْمَأْمُوم أَن يقطع الِاقْتِدَاء وَيتم صلَاته مُنْفَردا، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي، وَمَال إِلَيْهِ البُخَارِيّ، ونذكره عَن قريب مفصلا. ٧٠٠ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وعنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله أنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذَا بعض الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي عَقِيبه، وَالْكل حَدِيث وَاحِد. وَفِيه: (فَانْصَرف الرجل) ، على مَا يَأْتِي. وَفِيه الْمُطَابقَة. فَإِن قلت: فَإِذا كَانَ كَذَلِك، فلِمَ قطعه؟ قلت: للتّنْبِيه على فائدتين: الأولى: أَنه أَشَارَ بِالطَّرِيقِ الأولى إِلَى علو الْإِسْنَاد. الثَّانِيَة: أَنه أَشَارَ بِالثَّانِيَةِ إِلَى التَّصْرِيح بِسَمَاع عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن عبد الله. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَشعْبَة بن الْحجَّاج، وَعَمْرو بن دِينَار، وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن بنْدَار عَن غنْدر على مَا يَأْتِي الْآن، وَنَذْكُر عَن قريب متعلقات الحَدِيث، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

стр. 1485

٧٠١ - قَالَ وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله قَالَ كانَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ فَصَلَّى العِشَاءَ فقَرَأَ بِالبَقَرَةِ فانْصَرَفَ الرَّجُلُ فَكَأنَّ مُعَاذا تَنَاوَلَ مِنْهُ فَبَلَغَ النبيَّ ﷺ فَقَالَ فَتَّانٌ فَتَّانُ فَتَّانٌ ثَلاثَ مِرَارٍ أوْ قالَ فاتِنا فاتِنا فاتِنا وأمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أوْسَطِ المُفَصَّلِ قَالَ عَمْرٌ ولَا أحْفَظهُمَا. هَذِه الطَّرِيقَة الَّتِي رَوَاهَا عَن بنْدَار عَن غنْدر وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره، تَتِمَّة الحَدِيث الَّذِي أخرجه قبله عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة، وَقد ذكرنَا وَجه تقطيعه إِيَّاه وَوجه مطابقته للتَّرْجَمَة. ذكر الطّرق الْمُخْتَلفَة فِي هَذَا الحَدِيث إِلَى جَابر بن عبد الله وَغَيره: وروى البُخَارِيّ أَيْضا لحَدِيث جَابر هَذَا فِي: بَاب، من شكا إِمَامه إِذا طول، من حَدِيث محَارب ابْن دثار عَن جَابر: (أقبل رجلَيْنِ بناضحين وَقد جنح اللَّيْل فَوَافَقَ معَاذًا يُصَلِّي) الحَدِيث، وَسَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فِي بَابه. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي الزبير: عَن جَابر عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن أبي الزبير عَنهُ، وَعَن مُحَمَّد بن رمح عَن اللَّيْث بِلَفْظ: (قَرَأَ معَاذ فِي الْعشَاء بالبقرة) . وَأخرجه مُسلم وَلَفظه: (فَافْتتحَ سُورَة الْبَقَرَة) . وَفِي رِوَايَة: (بِسُورَة الْبَقَرَة أَو النِّسَاء) على الشَّك، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رمح. وَأخرجه السراج عَن محَارب بِلَفْظ: (فَقَرَأَ بالبقرة وَالنِّسَاء) . بِالْوَاو، بِلَا شكّ. (فَقَالَ ﷺ : أما يَكْفِيك أَن تقْرَأ: وَالسَّمَاء والطارق، وَالشَّمْس وَضُحَاهَا، وَنَحْو هَذَا؟) وَأخرجه عبد الله بن وهب فِي مُسْنده: أخبرنَا ابْن لَهِيعَة وَاللَّيْث عَن أبي الزبير، فَذكره وَفِيه: (طوَّل على أَصْحَابه فَأخْبر النَّبِي ﷺ فَقَالَ: أفتَّان أَنْت؟ خفف على النَّاس واقرأ: سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَالشَّمْس وَضُحَاهَا، وَنَحْو ذَلِك وَلَا تشق على النَّاس) . وَعند أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث بُرَيْدَة بِإِسْنَاد قوي: (فَقَرَأَ: اقْتَرَبت السَّاعَة) ، وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) من حَدِيث سُفْيَان: عَن عَمْرو عَن جَابر: (أخر النَّبِي ﷺ الْعشَاء ذَات لَيْلَة فصلى مَعَه معَاذ ثمَّ رَجَعَ إِلَيْنَا فَتقدم ليؤمنا فَافْتتحَ بِسُورَة الْبَقَرَة، فَلَمَّا رأى ذَلِك رجل من الْقَوْم تنحى فصلى وَحده) ، وَفِيه: (فَأمر بسور قصار لَا أحفظها، فَقُلْنَا لعَمْرو: إِن أَبَا الزبير قَالَ لَهُم: إِن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ: إقرأ بالسماء والطارق، وَالسَّمَاء ذَات البروج، وَالشَّمْس وَضُحَاهَا، وَاللَّيْل إِذا يغشى) . قَالَ عَمْرو بِنَحْوِ هَذَا. وَفِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) : عَن بنْدَار عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَن أبي الزبير عَن جَابر بِلَفْظ: (فَقَالَ معَاذ: إِن هَذَا يَعْنِي: الْفَتى يتناولني ولأخبرن النَّبِي ﷺ ، فَلَمَّا أخبرهُ قَالَ الْفَتى: يَا رَسُول الله نطيل الْمكْث عنْدك ثمَّ نرْجِع فَيطول علينا. فَقَالَ أفتان أَنْت يَا معَاذ؟ كَيفَ تصنع يَابْنَ أخي إِذا صليت؟ قَالَ: أَقرَأ الْفَاتِحَة وأسأل الله الْجنَّة وَأَعُوذ بِهِ من النَّار، أَي: لَا أَدْرِي مَا دندنتك ودندنة معَاذ. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أَنا ومعاذ حولهَا ندندن) الحَدِيث. وَفِي (مُسْند أَحْمد) من حَدِيث معَاذ بن رِفَاعَة: (عَن رجل من بني سَلمَة يُقَال لَهُ سليم أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِي الله إِنَّا نظل فِي أَعمالنَا فنأتي حِين نمسي فنصلي، فَيَأْتِي معَاذ بن جبل فينادي بِالصَّلَاةِ فنأتيه فَيطول علينا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : يَا معَاذ لَا تكن فاتنا) وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ من هَذَا الْوَجْه: عَن معَاذ بن رِفَاعَة (أَن رجلا من بني سَلمَة) ، فَذكره مُرْسلا. وَرَوَاهُ الْبَزَّار من وَجه آخر: عَن جَابر وَسَماهُ سليما أَيْضا، وَوَقع عِنْد ابْن حزم من هَذَا الْوَجْه: أَن اسْمه: سلم، بِفَتْح أَوله وَسُكُون اللَّام، فَكَأَنَّهُ تَصْحِيف. وَالله أعلم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يُصَلِّي مَعَ النَّبِي، ﷺ وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة مَنْصُور عَن عَمْرو: (عشَاء اآخرة) ، فَكَأَن معَاذًا كَانَ يواظب فِيهَا على الصَّلَاة مرَّتَيْنِ. قَوْله: (ثمَّ يرجع فيؤم قومه) وَفِي رِوَايَة مَنْصُور: (فَيصَلي بهم تِلْكَ الصَّلَاة) . قَالَ بَعضهم: وَفِي هَذَا رد على من زعم أَن المُرَاد: إِن الصَّلَاة الَّتِي كَانَ يُصليهَا مَعَ النَّبِي، ﷺ ، غير الصَّلَاة الَّتِي كَانَ يُصليهَا بقَوْمه، قلت: الْجَواب عَنهُ من وُجُوه: (الأول: أَن الِاحْتِجَاج بِهِ من بَاب ترك الْإِنْكَار من النَّبِي ﷺ ، وَشرط ذَلِك علمه بالواقعة، وَجَاز أَن لَا يكون علم بهَا. الثَّانِي: أَن النِّيَّة أَمر مبطن لَا يطلع عَلَيْهِ إلَاّ بِإِخْبَار الناوي، وَمن الْجَائِز أَن يكون معَاذ كَانَ يَجْعَل صلَاته مَعَه، ﷺ ، بنية النَّفْل ليتعلم سنة الْقِرَاءَة

стр. 1486

مِنْهُ، وأفعال الصَّلَاة، ثمَّ تَأتي قومه فَيصَلي بهم صَلَاة الْفَرْض. فَإِن قلت: يستبعد من معَاذ أَن يتْرك فَضِيلَة الْفَرْض خلف النَّبِي، ﷺ ، وَيَأْتِي بِهِ مَعَ قومه، وَكَيف يظنّ بمعاذ بعد سَمَاعه قَول النَّبِي، ﷺ : (إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إلاّ الْمَكْتُوبَة) . وَلَعَلَّ صَلَاة وَاحِدَة مَعَ النَّبِي، ﷺ ، خير لَهُ من كل صَلَاة صلاهَا فِي عمره، وَلَا سِيمَا فِي مَسْجده الَّتِي هِيَ خير من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ قلت: أَلَيْسَ تفوت الْفَضِيلَة مَعَه، ﷺ ، فِي سَائِر أَئِمَّة مَسَاجِد الْمَدِينَة، وفضيلة النَّافِلَة خَلفه من أَدَاء الْفَرْض مَعَ قومه يقوم مقَام أَدَاء الْفَرِيضَة خَلفه، وامتثال أَمر النَّبِي، ﷺ ، فِي إِمَامَة قومه زِيَادَة طَاعَة. الثَّالِث: قَالَ الْمُهلب: يحْتَمل أَن يكون حَدِيث معَاذ كَانَ أول الْإِسْلَام وَقت عدم الْقُرَّاء، أَو وَقت لَا عوض للْقَوْم من معَاذ، فَكَانَت حَالَة ضَرُورَة فَلَا تجْعَل أصلا يُقَاس عَلَيْهِ. قلت: هَذَا كَانَ قبل أحد، فَلَا حَاجَة إِلَى ذكر الِاحْتِمَال. الرَّابِع: أَنه يحْتَمل أَن يكون كَانَ معَاذ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي، ﷺ ، صَلَاة النَّهَار، وَمَعَ قومه صَلَاة اللَّيْل، لأَنهم كَانُوا أهل خدمَة لَا يحْضرُون صَلَاة النَّهَار فِي مَنَازِلهمْ، فَأخْبر الرَّاوِي عَن حَال معَاذ فِي وَقْتَيْنِ لَا فِي وَقت وَاحِد. الْخَامِس: أَنه حَدِيث مَنْسُوخ على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (فصلى الْعشَاء) ، كَذَا فِي مُعظم الرِّوَايَات، وَوَقع فِي رِوَايَة لأبي عوَانَة والطَّحَاوِي من طَرِيق محَارب: (صلى بِأَصْحَابِهِ الْمغرب) وَكَذَا فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق من رِوَايَة أبي الزبير. وَقَالَ بَعضهم: فَإِن حمل على تعدد الْقَضِيَّة أَو على أَن الْمغرب أُرِيد بِهِ الْعشَاء مجَازًا وإلاّ فَمَا فِي الصَّحِيح أصح؟ قلت: رجال الطَّحَاوِيّ فِي رِوَايَته رجال الصَّحِيح، فَمن أَيْن يَأْتِي الأصحية فِي رِوَايَة الْعشَاء؟ قَوْله: (فَقَرَأَ بالبقرة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن ابْن عُيَيْنَة: (فَقَرَأَ بِسُورَة الْبَقَرَة) . وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَقَالَ بَعضهم: فَالظَّاهِر أَن ذَلِك من تصرف الروَاة. قلت: لَيْسَ ذَلِك من تصرف الروَاة، بل من تعدد الْقَضِيَّة. قَوْله: (فَانْصَرف الرجل) ، إماأن يُرَاد بِهِ الْجِنْس، والمعرف تَعْرِيف الْجِنْس كالنكرة فِي مؤداه، فَكَأَنَّهُ قَالَ: رجل أَو يُرَاد الْمَعْهُود من رجل معِين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فَقَامَ رجل وَانْصَرف) ، وَفِي رِوَايَة سليم بن حبَان: (فتحول رجل فصلى صَلَاة خَفِيفَة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن ابْن عُيَيْنَة: (فانحرف رجل فَسلم ثمَّ صلى وَحده) ، قَالَ بَعضهم: هُوَ ظَاهر فِي أَنه قطع الصَّلَاة. وَنقل عَن النَّوَوِيّ أَنه قَالَ: قَوْله: (فَسلم) ، دَلِيل على أَنه قطع الصَّلَاة من أَصْلهَا ثمَّ استأنفها، فَيدل على جَوَاز قطع الصَّلَاة وإبطالها لعذر، قلت: ذكر الْبَيْهَقِيّ أَن مُحَمَّد بن عباد شيخ مُسلم تفرد بِهِ بقوله: (ثمَّ سلم) وَأَن الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن عُيَيْنَة وَمن أَصْحَاب شَيْخه عَمْرو بن دِينَار وَأَصْحَاب جَابر لم يذكرُوا السَّلَام، وَكَأَنَّهُ فهم أَن هَذِه اللَّفْظَة تدل على أَن الرجل قطع الصَّلَاة لِأَن السَّلَام يتَحَلَّل بِهِ من الصَّلَاة، وَسَائِر الرِّوَايَات تدل على أَنه قطع الصَّلَاة فَقَط وَلم يخرج من الصَّلَاة، بل اسْتمرّ فِيهَا مُنْفَردا. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث على صِحَة اقْتِدَاء المفترض بالمتنفل، وَذَلِكَ لِأَن ابْن جريج روى عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر فِي حَدِيث الْبَاب: (هِيَ لَهُ تطوع وَلَهُم فَرِيضَة) . قلت: هَذِه زِيَادَة، وَقد تكلمُوا فِيهَا، فَزعم أَبُو البركات ابْن تَيْمِية: أَن الإِمَام أَحْمد ضعف هَذِه الزِّيَادَة، وَقَالَ: أخْشَى أَن لَا تكون مَحْفُوظَة، لِأَن ابْن عُيَيْنَة يزِيد فِيهَا كلَاما لَا يَقُوله أحد، وَقَالَ ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) : وروى الحَدِيث مَنْصُور بن زَاذَان وَشعْبَة فَلم يَقُولَا مَا قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذِه الزِّيَادَة لَا تصح، وَلَو صحت لكَانَتْ ظنا من جَابر، وبنحوه ذكره ابْن الْعَرَبِيّ فِي (الْعَارِضَة) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: أخبرنَا ابْن عُيَيْنَة روى عَن عَمْرو حَدِيث جَابر أتم من سِيَاق ابْن جريج، وَلم يذكر هَذِه الزِّيَادَة. وَقَالَ بَعضهم: وتعليل الطَّحَاوِيّ بِهَذَا لَيْسَ بقادح فِي صِحَّته، لِأَن ابْن جريج أسن وَأجل من ابْن عُيَيْنَة وأقدم أخذا عَن عَمْرو بن دِينَار مِنْهُ، وَلَو لم يكن كَذَلِك فَهِيَ زِيَادَة ثِقَة حَافظ لَيست مُنَافِيَة لرِوَايَة من هُوَ أحفظ مِنْهُ قلت: هَذِه مُكَابَرَة لتمشية كَلَامه فِي حق الطَّحَاوِيّ، فَهَل ذكر هَذَا عِنْد قَول أَحْمد، وَهُوَ أجل من ابْن جريج وَابْن عُيَيْنَة: هَذِه الزياة ضَعِيفَة، أَو عِنْد كَلَام ابْن الْجَوْزِيّ: إِن هَذِه الزِّيَادَة لَا تصح، أَو عِنْد كَلَام ابْن الْعَرَبِيّ على مَا ذكرنَا؟ وَهَذَا الرَّافِعِيّ الَّذِي هُوَ من أكَابِر أئمتهم، وَمِمَّنْ يعْتَمد عَلَيْهِم وَيُؤْخَذ عَلَيْهِم، قَالَ فِي شرح هَذَا الحَدِيث: هَذَا غير مَحْمُول على مَا قَالُوا، لِأَن الْفَرْض لَا يقطع بعد الشُّرُوع فِيهِ، وَكَون ابْن جريج أسن من ابْن عُيَيْنَة وأقدم أخذا عَن عَمْرو بن دِينَار مِنْهُ بعد التَّسْلِيم لَا يسْتَلْزم نفي مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ، وَقد قَالَ الطَّحَاوِيّ: يحْتَمل أَن تكون هَذِه الزِّيَادَة مدرجة، ورده بَعضهم بِأَن الأَصْل عدم الإدراج حَتَّى يثبت التَّفْصِيل، فمهما كَانَ مضموما إِلَى الحَدِيث

стр. 1487

فَهُوَ مِنْهُ قلت: لَا دَلِيل على كَونهَا مدرجة لجَوَاز أَن تكون من ابْن جريج، وَجَوَاز أَن تكون من عَمْرو بن دِينَار، وَيجوز أَن تكون من قَول جَابر، فَمن أَي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كَانَ هَذَا القَوْل؟ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل على حَقِيقَة مَا كَانَ يفعل معَاذ، وَلَو ثَبت أَنه عَن معَاذ لم يكن فِيهِ دَلِيل أَنه كَانَ بِأَمْر رَسُول الله ﷺ . وَقَوله: فمهما كَانَ مضموما إِلَى الحَدِيث فَهُوَ مِنْهُ، غير صَحِيح، لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن لَا يُوجد مدرج أصلا، وَسَنذكر مزِيد الْكَلَام فِيهِ فِي ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت: هَل علم اسْم هَذَا الرجل؟ قلت: هُنَا لم يسم، وَلَكِن روى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) وَالْبَزَّار من طَرِيقه: عَن طَالب بن حبيب عَن عبد الرَّحْمَن بن جَابر عَن أَبِيه قَالَ: (مر حزم بن أبي كَعْب بمعاذ بن جبل وَهُوَ يُصَلِّي بقَوْمه صَلَاة الْعَتَمَة، فَافْتتحَ بِسُورَة طَوِيلَة وَمَعَ حزم نَاضِح لَهُ) الحَدِيث. قَالَ الْبَزَّار: لَا نعلم أحدا سَمَّاهُ عَن جَابر إلاّ ابْن جَابر. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : حزم ابْن أبي كَعْب، قيل: هُوَ الَّذِي طول عَلَيْهِ معَاذ فِي الْعشَاء ففارقه مِنْهَا، وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا طَالب بن حبيب، قَالَ: سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن جَابر يحدث عَن حزم بن أبي كَعْب أَنه أَتَى معَاذًا وَهُوَ يُصَلِّي بِقوم صَلَاة الْمغرب، فِي هَذَا الْخَبَر قَالَ: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (يَا معَاذ لَا تكن فتانا، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَك الْكَبِير والضعيف وَذُو الْحَاجة وَالْمُسَافر) . قَوْله: فِي هَذَا الْخَبَر، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ عَمْرو عَن جَابر: (كَانَ معَاذ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي، ﷺ ، ثمَّ يرجع فيؤمنا) الحَدِيث. وَقيل: اسْم الرجل حرَام، روى أَحْمد فِي (مُسْنده) بِإِسْنَاد صَحِيح: عَن أنس قَالَ: (كَانَ معَاذ يؤم قومه فَدخل حرَام وَهُوَ يُرِيد أَن يسْقِي نخله) الحَدِيث، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: حرَام ضد الْحَلَال ابْن ملْحَان، بِكَسْر الْمِيم: خَال أنس بن مَالك. وَقَالَ بَعضهم: وَظن بَعضهم أَنه حرَام ابْن ملْحَان، خَال أنس بن مَالك، لَكِن لم أره مَنْسُوبا فِي الرِّوَايَة، وَيحْتَمل أَن يكون مُصحفا من حزم. قلت: عدم رُؤْيَته مَنْسُوبا فِي الرِّوَايَة لَا يدل على أَنه مصحف من حزم. وَقَالَ فِي (التَّلْوِيح) : وَهُوَ فِي (مُسْند أَحْمد) : بِسَنَد صَحِيح: عَن أنس (كَانَ معَاذ يؤم قومه، فَدخل حرَام يَعْنِي: ابْن ملْحَان وَهُوَ يُرِيد أَن يسْقِي نخله، فَلَمَّا رأى معَاذًا طول، تحول وَلحق بنخله يسْقِيه) . وَقيل: إسمه سليم، رجل من بني سَلمَة، وروى أَحْمد أَيْضا فِي (مُسْنده) من حَدِيث معَاذ بن رِفَاعَة: عَن سليم رجل من بني سَلمَة أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن معَاذًا) الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ مُسْتَوفى عَن قريب. قَوْله: (فَكَانَ معَاذ ينَال مِنْهُ) أَي: من الرجل الْمَذْكُور، وَمعنى: ينَال مِنْهُ أَي: يُصِيب مِنْهُ، أَي: يعِيبهُ ويتعرض بِهِ بالإيذاء. وَقَوله: (كَانَ) ، فعل مَاض، ومعاذ بِالرَّفْع اسْمه. وَقَوله: (ينَال مِنْهُ) جملَة فِي مَحل النصب على أَنه خبر: لَكَانَ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (يتَنَاوَل مِنْهُ) من بَاب التفاعل، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَكَأَن معَاذًا) بِالْهَمْزَةِ وَالنُّون الْمُشَدّدَة. وَقَوله: (معَاذًا) بِالنّصب اسْم: كَأَن، وَقد فسر ذَلِك فِي رِوَايَة سليم بن حبَان. وَلَفظه: (فَبلغ ذَلِك معَاذًا فَقَالَ: إِنَّه مُنَافِق) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي الزبير وَابْن عُيَيْنَة: (فَقَالُوا لَهُ: أنافقت يَا فلَان؟ قَالَ: لَا وَالله، لَآتِيَن رَسُول الله ﷺ فلأخبرنه) . فَكَأَن معَاذًا قَالَ ذَلِك فِي غيبَة الرجل، وبلّغه إِلَى الرجل أَصْحَابه. قَوْله: (فَبلغ النَّبِي ﷺ أَي: فَبلغ ذَلِك الْأَمر إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَقد بَين ابْن عُيَيْنَة ومحارب بن دثار فِي روايتهما أَنه الَّذِي جَاءَ فاشتكى من معَاذ، وَفِي رِوَايَة للنسائي: (فَقَالَ معَاذ: لَئِن أَصبَحت لأذكرنّ ذَلِك للنَّبِي، ﷺ ، فَذكر ذَلِك لَهُ، فَأرْسل إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا حملك على الَّذِي صنعت؟ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، عملت على نَاضِح لي بِالنَّهَارِ، فَجئْت وَقد أُقِيمَت الصَّلَاة فَدخلت الْمَسْجِد، فَدخلت مَعَه فِي الصَّلَاة فَقَرَأَ بِسُورَة كَذَا وَكَذَا، فَانْصَرَفت فَصليت فِي نَاحيَة الْمَسْجِد. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أَفتانا يَا معَاذ؟ أَفتانا يَا معَاذ؟ قَوْله: (فتان فتان فتان ثَلَاث مرار) ، ويروى: (ثَلَاث مَرَّات و: فتان، مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: أَنْت فتان، والتكرار للتَّأْكِيد، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (أفتان أَنْت) ؟ بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار، وَمَعْنَاهُ: أَنْت منفر، لِأَن التَّطْوِيل سَبَب لخروجهم من الصَّلَاة، وللتكره للصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يحْتَمل أَن يُرِيد بقوله: (فتان) أَي: معذب، لِأَنَّهُ عذبهم بالتطويل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ (البروج: ١٠) . عذبوهم. قَوْله: ((أَو قَالَ: فاتنا فاتنا فاتنا؟) هَذَا شكّ من الرَّاوِي، ونصبه على أَنه خبر: يكون، مُقَدرا أَي: يكون فاتنا. وَفِي رِوَايَة أبي الزبير: أَتُرِيدُ أَن تكون فاتنا؟ وَفِي رِوَايَة أَحْمد فِي حَدِيث معَاذ بن رِفَاعَة الْمُتَقَدّم ذكره: (يَا معَاذ لَا تكن فاتنا) . وَزَاد فِي حَدِيث أنس: (لَا تطول بهم) . قَوْله: (من أَوسط الْمفصل) أَوسط الْمفصل من: كورت إِلَى الضُّحَى، وطوال الْمفصل من سُورَة: الحجرات إِلَى: وَالسَّمَاء ذَات البروج، وقصار الْمفصل من:

стр. 1488

الضُّحَى إِلَى آخر الْقُرْآن. وَقيل: أول الطوَال من: قَاف، وَقَالَ الْخطابِيّ: رُوِيَ هَذَا فِي حَدِيث مَرْفُوع، وَحكى القَاضِي عِيَاض أَنه من: الجاثية، وسمى الْمفصل لِكَثْرَة الْفُصُول فِيهِ. وَقيل: لقلَّة الْمَنْسُوخ فِيهِ. قَوْله: (قَالَ عَمْرو: لَا أحفظهما) أَي: قَالَ عَمْرو ابْن دِينَار: لَا أحفظ الصُّورَتَيْنِ الْمَأْمُور بهما، وَكَانَ عمرا ذال ذَلِك فِي حَال تحديثه لشعبة، وإلاّ فَفِي رِوَايَة سليم بن حبَان عَن عَمْرو: إقرأ: وَالشَّمْس وَضُحَاهَا، وَسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى وَنَحْوهَا. وَذكرنَا شَيْئا من هَذَا فِيمَا رَوَاهُ عبد الله بن وهب فِي (مُسْنده) وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) [/ ح. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ الشَّافِعِي بِهَذَا الحَدِيث على صِحَة اقْتِدَاء المفترض بالمتنفل على أَن معَاذًا كَانَ يَنْوِي بِالْأولَى الْفَرْض، وبالثانية النَّفْل. وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر، وَهُوَ قَول عَطاء وَطَاوُس وَسليمَان بن حَرْب وَدَاوُد، وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يُصَلِّي المفترض خلف المتنفل، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة، وَأحمد فِي رِوَايَة أبي الْحَارِث عَنهُ، وَقَالَ ابْن قدامَة: اخْتَار هَذِه الرِّوَايَة أَكثر أَصْحَابنَا، وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ وَأبي قلَابَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَبِه قَالَ مُجَاهِد وطاووس، وَقَالَ بَعضهم: وَيدل عَلَيْهِ أَي: على صِحَة اقْتِدَاء المفترض بالمتنفل، مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق وَالشَّافِعِيّ والطَّحَاوِي وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهم من طَرِيق ابْن جريج: عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر فِي حَدِيث الْبَاب زَاد: (هِيَ لَهُ تطوع وَلَهُم فَرِيضَة) ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح، وَرِجَاله رجال الصَّحِيح، وَالْجَوَاب عَن هَذَا: أَن هَذِه زِيَادَة قد ذكرنَا مَا قَالُوا فِيهَا، ونقول أَيْضا: إِن معَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي ﷺ صَلَاة النَّهَار وَمَعَ قومه صَلَاة اللَّيْل، فَأخْبر الرَّاوِي فِي قَوْله: (فَهِيَ لَهُم فَرِيضَة وَله نَافِلَة) بِحَال معَاذ فِي وَقْتَيْنِ لَا فِي وَقت وَاحِد، أَو نقُول: هِيَ حِكَايَة حَال لم نعلم كيفيتها فَلَا نعمل بهَا، ونستدل بِمَا فِي (صَحِيح ابْن حبَان) : (الإِمَام ضَامِن) ، بِمَعْنى: يضمنهَا صِحَة وَفَسَادًا، وَالْفَرْض لَيْسَ مَضْمُونا فِي النَّفْل. وَقَالَ ابْن بطال: وَلَا اخْتِلَاف أعظم من اخْتِلَاف النيات، وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ بِنَاء المفترض على صَلَاة المتنفل لما شرعت صَلَاة الْخَوْف مَعَ كل طَائِفَة، بَعْضهَا، وارتكاب الْأَعْمَال الَّتِي لَا تصح الصَّلَاة مَعهَا فِي غير الْخَوْف، لِأَنَّهُ كَانَ يُمكنهُ ﷺ أَن يُصَلِّي مَعَ كل طَائِفَة جَمِيع صلَاته وَتَكون الثَّانِيَة لَهُ نَافِلَة وللطائفة الثَّانِيَة فَرِيضَة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لَا حجَّة فِيهَا لِأَنَّهَا لم تكن بِأَمْر النَّبِي ﷺ وَلَا تَقْرِيره، ورده بَعضهم بقوله: فَجَوَابه أَنهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن رَأْي الصَّحَابِيّ إِذا لم يُخَالِفهُ غَيره حجَّة، وَالْوَاقِع هُنَاكَ كَذَلِك، فَإِن الَّذين كَانَ يُصَلِّي بهم معَاذ كلهم صحابة، وَفِيهِمْ ثَلَاثُونَ عقبيا، وَأَرْبَعُونَ بَدْرِيًّا، قَالَه ابْن حزم. قَالَ: وَلَا يحفظ عَن غَيرهم من الصَّحَابَة امْتنَاع ذَلِك، بل قَالَ بَعضهم بِالْجَوَازِ عمر وَابْنه وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأنس وَغَيرهم. قلت: يحْتَمل أَن يكون عدم مُخَالفَة غَيره لَهُ بِنَاء على ظنهم أَن فعله كَانَ بِأَمْر النَّبِي، ﷺ ، وَيكون من هَذَا الْوَجْه أَيْضا عدم امْتنَاع غَيره من ذَلِك. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ أَيْضا: لَو سلمنَا جَمِيع ذَلِك لم يكن فِيهِ حجَّة لاحْتِمَال أَن ذَلِك كَانَ فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَت الْفَرِيضَة تصلى فِيهِ مرَّتَيْنِ، فَيكون مَنْسُوخا. قَالَ بَعضهم: فقد تعقبه ابْن دَقِيق الْعِيد بِأَنَّهُ يتَضَمَّن إِثْبَات النّسخ بِالِاحْتِمَالِ، وَهُوَ لَا يسوغ قلت: يسْتَدلّ على ذَلِك بِوَجْه حسن، وَذَلِكَ إِن إِسْلَام معَاذ مُتَقَدم، وَقد صلى النَّبِي، ﷺ ، بعد سِنِين من الْهِجْرَة صَلَاة الْخَوْف غير مرّة من وَجه وَقع فِيهِ مُخَالفَة ظَاهِرَة بالأفعال المناقضة للصَّلَاة، فَيُقَال: لَو جَازَت صَلَاة المفترض خلف المتنفل لأمكن إِيقَاع الصَّلَاة مرَّتَيْنِ على وَجه لاتقع فِيهَا الْمُنَافَاة، والمفسدات فِي غير هَذِه الْحَالة، وَحَيْثُ صليت على هَذَا الْوَجْه مَعَ إِمْكَان دفع المفسدات على تَقْدِير جَوَاز اقْتِدَاء المفترض بالمتنفل دلّ على أَنه لَا يجوز ذَلِك. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: يلْزم الطَّحَاوِيّ إِقَامَة الدَّلِيل على مَا ادَّعَاهُ من إِعَادَة الْفَرِيضَة. قلت: كَأَنَّهُ لم يقف على كِتَابه، فَإِنَّهُ قد سَاق فِيهِ دَلِيل ذَلِك، وَهُوَ حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، رَفعه: (لَا تصلوا الصَّلَاة فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ) . وَمن وَجه آخر مُرْسل: إِن أهل الْعَالِيَة كَانُوا يصلونَ فِي بُيُوتهم ثمَّ يصلونَ مَعَ النَّبِي، ﷺ ، فَبَلغهُ ذَلِك فنهاهم. وَقَالَ بَعضهم: وَفِي الِاسْتِدْلَال بذلك على تَقْدِير صِحَّته نظر، لاحْتِمَال أَن يكون النَّهْي عَن أَن يصلوها مرَّتَيْنِ على أَنَّهَا فَرِيضَة، وَبِذَلِك جزم الْبَيْهَقِيّ جمعا بَين الْحَدِيثين قلت: إِن كَانَ الرَّد بِالِاحْتِمَالِ، وَنحن أَيْضا نقُول: يحْتَمل أَن يكون النَّهْي فِي ذَلِك لأجل أَن أحدا يَقْتَدِي بِهِ فِي وَاحِدَة من الصَّلَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ صلاهما على أَنَّهُمَا فرض، وَفِي نفس الْأَمر فَرْضه إِحْدَاهمَا

стр. 1489

من غير تعْيين، فَيكون الِاقْتِدَاء بِهِ فِي صَلَاة مَجْهُولَة، فَلَا يَصح. وَقَالَ بَعضهم: وَأما اسْتِدْلَال الطَّحَاوِيّ على أَنه ﷺ نهى معَاذًا عَن ذَلِك بقوله فِي حَدِيث سليم بن الْحَارِث: إِمَّا أَن تصلي معي، وَإِمَّا أَن تخفف عَن قَوْمك. ودعواه أَن مَعْنَاهُ: إِمَّا أَن تصلي معي وَلَا تصلي بقومك، وَإِمَّا أَن تخفف عَن قَوْمك وَلَا تصلي معي، فِيهِ نظر، لِأَن للمخالف أَن يَقُول: بل التَّقْدِير إِمَّا أَن تصلي معي فَقَط، إِذا لم تخفف، وَإِمَّا أَن تخفف بقومك فَتُصَلِّي معي، وَهُوَ أولى من تَقْدِيره لما فِيهِ من مُقَابلَة التَّخْفِيف بترك التَّخْفِيف، لِأَنَّهُ هُوَ المسؤول عَنهُ الْمُتَنَازع فِيهِ. قلت: الَّذِي قدره الْمُخَالف بَاطِل، لِأَن لفظ الحَدِيث: لَا تكن فتانا، إِمَّا أَن تصلي معي وَإِمَّا أَن تخفف عَن قَوْمك، فَهَذَا يدل على أَنه يفعل أحد الْأَمريْنِ: إِمَّا الصَّلَاة مَعَه أَو بقَوْمه وَلَا يجمعهما، فَدلَّ على أَن المُرَاد عدم الْجمع وَالْمَنْع، وكل أَمريْن بَينهمَا منع الْجمع كَانَ بَين نقضيهما منع الْخُلُو، كَمَا قد بَين هَكَذَا فِي مَوْضِعه. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتِحْبَاب تَخْفيف الصَّلَاة مُرَاعَاة لحَال الْمَأْمُومين لما روى البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث الْأَعْرَج: عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِذا صلى أحدكُم للنَّاس فليخفف، فَإِنَّمَا فيهم الضَّعِيف والسقيم وَالْكَبِير، وَإِذا صلى لنَفسِهِ فليطول مَا شَاءَ) . فَهَذَا يدل على أَن الإِمَام يَنْبَغِي لَهُ أَن يُرَاعِي حَال قومه، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ لأحد، وَمن ذَلِك: أَن الْحَاجة من أُمُور الدُّنْيَا عذر فِي تَخْفيف الصَّلَاة، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: جَوَاز إِعَادَة الصَّلَاة الْوَاحِدَة فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ. فَإِن قلت: لَيْسَ هَذَا بِمُطلق، لِأَن إِعَادَته على سَبِيل أَنَّهُمَا فرض مَمْنُوعَة بِالنَّصِّ، كَمَا ذكرنَا عَن قريب، وَقَالَ بَعضهم أَيْضا: وَفِيه: جَوَاز خُرُوج الْمَأْمُوم من الصَّلَاة لعذر، وَأما بِغَيْر عذر فاستدل بِهِ بَعضهم أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. قلت: فِي (شرح الْمُهَذّب) : اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن دخل مَعَ إِمَام فِي صَلَاة فصلى بَعْضهَا، هَل يجوز لَهُ أَن يخرج مِنْهَا؟ فاستدل أَصْحَابنَا بِهَذَا الحَدِيث على أَن للْمَأْمُوم أَن يقطع الْقدْوَة وَيتم صلَاته مُنْفَردا، وَإِن لم يخرج مِنْهَا. وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أوجه: أَصَحهَا: أَنه يجوز لعذر ولغير عذر، وَالثَّانِي: لَا يجوز مُطلقًا. وَالثَّالِث: يجوز لعذر وَلَا يجوز لغيره، وَتَطْوِيل الْقِرَاءَة عذر على الْأَصَح. قلت: أَصْحَابنَا لَا يجوزون شَيْئا من ذَلِك، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ لِأَن فِيهِ إبِْطَال الْعَمَل، وَالْقُرْآن قد منع عَن ذَلِك. وَمن ذَلِك: جَوَاز صَلَاة الْمُنْفَرد فِي الْمَسْجِد الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ بِالْجَمَاعَة. وَقَالَ بَعضهم: إِذا كَانَ بِعُذْر قلت: يجوز مُطلقًا. وَمن ذَلِك: جَوَاز القَوْل بالبقرة لِأَن مَعْنَاهُ: السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة، وَورد أَيْضا: بِسُورَة الْبَقَرَة، كَمَا ذكرنَا. وَمن ذَلِك: الْإِنْكَار فِي المكروهات والاكتفاء فِي التَّعْزِير بالْكلَام. ٦١ - (بابُ تَخْفِيفِ الإمَامِ فِي القِيامِ وإتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَخْفيف الإِمَام فِي الْقيام وَفِي حكم إتْمَام الرُّكُوع وَالسُّجُود. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْوَاو، فِي: وإتمام، بِمَعْنى: مَعَ، كَأَنَّهُ قَالَ: بَاب التَّخْفِيف بِحَيْثُ لَا يفوتهُ شَيْء من الْوَاجِبَات، فَهُوَ تَفْسِير لقَوْله فِي الحَدِيث: فليتجوز، لِأَنَّهُ لَا يَأْمر بالتجوز الْمُؤَدِّي إِلَى فَسَاد الصَّلَاة قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، لِأَن الْمَأْمُور بِهِ فِي نفس الْأَمر هُوَ إتْمَام جَمِيع الْأَركان، وَإِنَّمَا ذكر التَّخْفِيف فِي الْقيام لِأَنَّهُ مَظَنَّة التَّطْوِيل. ٧٠٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونسَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ سَمِعْتُ قَيْسا قَالَ أَخْبرنِي أبُو مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلاً قَالَ وَالله يَا رسولَ الله إنِّي لأَتَأخَّرُ عنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ مِنْ أجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَما رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أشَدَّ غَضَبا مِنْهُ يوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأيُّكُمْ مَا صَلَّى بالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فإنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وذَا الحَاجَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أَمر الْأَئِمَّة بتَخْفِيف الصَّلَاة على الْقَوْم. فَإِن قلت: كَيفَ الْمُطَابقَة وَالْأَمر بِالتَّخْفِيفِ فِي الحَدِيث أَعم، وَفِي التَّرْجَمَة خص التَّخْفِيف بِالْقيامِ؟ قلت: لما ذكرنَا الْآن: أَن الْقيام مَظَنَّة التَّطْوِيل فِي غَالب الْأَحْوَال، وَغير الْقيام لَا يشق إِتْمَامه على أحد، وَإِن كَانَ تطويله يشق. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَكَأن البُخَارِيّ ركب من حَدِيث معَاذ وَأبي مَسْعُود تَرْجَمَة، فَإِن فِي حَدِيث معَاذ تَخْفيف الْقيام خَاصَّة، وَبَينه بِالْقِرَاءَةِ هُنَا فِي الْقيام، وَبَقِي الرُّكُوع وَالسُّجُود

стр. 1490

على حَاله. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْكُوفِي. الثَّانِي: زُهَيْر، بِضَم الزَّاي: ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد. الرَّابِع: قيس بن أبي حَازِم. الْخَامِس: أَبُو مَسْعُود البدري الْأنْصَارِيّ، واسْمه: عقبَة ابْن عَمْرو، وَلم يشْهد بَدْرًا، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: البدري، لِأَنَّهُ من مَاء بدر سكن الْكُوفَة. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: اإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: شيخ البُخَارِيّ مَنْسُوب إِلَى جده. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْغَضَب فِي الموعظة، أخرجه عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم عَن أبي مَسْعُود، فَانْظُر إِلَى التَّفَاوُت بَينهمَا فِي الْمَتْن، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء. قَوْله: (ان رجلا لم سم من هُوَ قَوْله (إِنِّي لأتأخر عَن صَلَاة الْغَدَاة) يَعْنِي: لَا أحضرها مَعَ الْجَمَاعَة لأجل التَّطْوِيل. قَوْله: (مِمَّا يُطِيل بِنَا) ، كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: من تطويله، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن الْمُبَارك فِي الْأَحْكَام: (وَالله إِنِّي لأتأخر) بِزِيَادَة الْقسم، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان الْآتِيَة قَرِيبا عَن الصَّلَاة فِي الْفجْر، وَإِنَّمَا خصها بِالذكر لِأَنَّهَا تطول فِيهَا الْقِرَاءَة غَالِبا، وَلِأَن الِانْصِرَاف مِنْهَا وَقت التَّوَجُّه لمن لَهُ حِرْفَة إِلَيْهَا. قَوْله: (أَشد) ، بِالنّصب على الْحَال من رَسُول الله ﷺ ، وَنصب (غَضبا) على التَّمْيِيز. وَقَالَ بَعضهم: أَشد، بِالنّصب نعت لمصدر مَحْذُوف، أَي: غَضبا أَشد. قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء لفساد الْمَعْنى يذوقه من لَهُ يَد فِي الْعَرَبيَّة. قَوْله: (يَوْمئِذٍ) أَي: يَوْم أخبر بذلك. قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: سَبَب الْغَضَب: إِمَّا لمخافة الموعظة أَو للتقصير فِي تعلم مَا يَنْبَغِي تعلمه. وَقَالَ ابو الْفَتْح الْيَعْمرِي: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ يتَوَقَّف على تقدم الْإِعْلَام بذلك. قلت: يحْتَمل تقدم الْإِعْلَام بِهِ بِقصَّة معَاذ، وَلِهَذَا لم يذكر فِي حَدِيثه الْغَضَب، وواجهه وَحده بِالْخِطَابِ. وَهنا قَالَ: (إِن مِنْكُم منفرين) ، بِصِيغَة الْجمع، وَهُوَ من التنفير، وَيُقَال: نفر ينفر نفورا ونفارا إِذا فر وَذهب. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون مَا ظهر من الْغَضَب لإِرَادَة الاهتمام بِمَا يلقيه لأَصْحَابه ليكونوا من سَمَاعه على بَال. قَوْله: (فَأَيكُمْ) أَي: أَي وَاحِد مِنْكُم. قَوْله: (مَا صلى بِالنَّاسِ) ، كلمة: مَا، زَائِدَة، وزيادتها مَعَ: أَي: الشّرطِيَّة كَثِيرَة، وفائدتها التوكيد وَزِيَادَة التَّعْمِيم. قَوْله: (فليتجوز) جَوَاب الشَّرْط أَي: فليخفف. يُقَال: تجوز فِي صلَاته أَي: خفف، وأصل اللَّام فِيهِ أَن تكون مَكْسُورَة، وَجَاز فِيهَا السّكُون. وَقَالَ ابْن بطال: لما أَمر الشَّارِع بِالتَّخْفِيفِ كَانَ المطول عَاصِيا، وَمُخَالفَة العَاصِي جَائِزَة لِأَنَّهُ لَا طَاعَة إلاّ فِي الْمَعْرُوف. وَقيل: إِن التَّطْوِيل وَالتَّخْفِيف من الْأُمُور الإضافية فقد يكون الشَّيْء خَفِيفا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَادَة قوم طَويلا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَادَة آخَرين. وَقَالَ الْيَعْمرِي: الْأَحْكَام إِنَّمَا تناط بالغالب لَا بِالضَّرُورَةِ النادرة، فَيَنْبَغِي للأئمة التَّخْفِيف مُطلقًا. قَالَ: وَهَذَا كَمَا شرع الْقصر فِي الصَّلَاة فِي حق الْمُسَافِر وَعلل بالمشقة، وَهِي مَعَ ذَلِك تشرع، وَلَو لم تشق عملا بالغالب، لِأَنَّهُ لَا يدْرِي مَا يطْرَأ عَلَيْهِ، وَهنا كَذَلِك. قلت: يُؤَيّد كَلَامه صِيغَة الْأَمر بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنَّهُ أَمر بعد الْغَضَب الشَّديد، وَظَاهره يَقْتَضِي الْوُجُوب. قَوْله: (فَإِن فيهم الضَّعِيف وَالْكَبِير) وَوَقع فِي رِوَايَة سُفْيَان فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْغَضَب فِي الموعظة: (فَإِن فيهم الْمَرِيض والضعيف) ، وَالْمرَاد بالضعيف هُنَا الْمَرِيض، وَهُنَاكَ من يكون الضعْف فِي خلقته: كالنحيف والمسن، وكل مَرِيض ضَعِيف من غير عكس. ٦٢ - (بابٌ إذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شاءَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمُصَلِّي إِذا صلى، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْأَمر بِالتَّخْفِيفِ على الْإِطْلَاق إِنَّمَا هُوَ فِي حق الْأَئِمَّة لِأَن خَلفه من لَا يُطيق التَّطْوِيل، وَأما إِذا صلى وَحده فَلَا حجر عَلَيْهِ إِن شَاءَ طول، وَإِن شَاءَ خفف، وَلَكِن لَا يَنْبَغِي التَّطْوِيل إِلَى أَن يخرج الْوَقْت، أَو يدْخل فِي حد الْكَرَاهَة. ٧٠٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فإنَّ فِيهُمُ الضَّعِيفَ والسَّقِيمَ والكَبِيرَ وإذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شاءَ

стр. 1491

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهَذَا الْإِسْنَاد بهؤلاء الرِّجَال قد مر غير مرّة. وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله ابْن ذكْوَان، والأعرج: عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن قُتَيْبَة عَن مَالك. قَوْله: (للنَّاس) أَي: إِذا صلى إِمَامًا للنَّاس، أَو لأجل ثَوَاب النَّاس أَو لخيرهم الْحَاصِل من الْجَمَاعَة. قَوْله: (فَإِن فيهم) هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَإِن مِنْهُم) ، وَالْمرَاد بالضعيف هُنَا: ضَعِيف الْخلقَة، وبالسقيم: الْمَرِيض. وَزَاد مُسلم من وَجه آخر عَن أبي الزِّنَاد: (وَالصَّغِير وَالْكَبِير) . وَزَاد الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ: (وَالْحَامِل والمرضع) ، وَله من حَدِيث عدي بن حَاتِم: (والعابر السَّبِيل) ، وَحَدِيث أبي مَسْعُود الَّذِي مضى عَن قريب يَشْمَل الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة. قَوْله: (فليطول مَا شَاءَ) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَليصل كَيفَ شَاءَ) أَي: مخففا أَو مطولا. وَفِي (مُسْند السراج) : حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن ابْن عجلَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكر الحَدِيث. وَفِيه: (إِذا صلى وَحده فليطول إِن شَاءَ) . انْتهى. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يعلم من نَفسه مَا لَا يعلم من غَيره، وَقد ذكر الرب، ﷻ ، الْأَعْذَار الَّتِي من أجلهَا أسقط فرض قيام اللَّيْل عَن عباده فَقَالَ تَعَالَى: ﴿علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى﴾ (المزمل: ٢٠) الْآيَة، فَيَنْبَغِي للْإِمَام التَّخْفِيف مَعَ إِكْمَال الْأَركان، أَلَا ترى أَنه، ﷺ ، قَالَ للَّذي لم يتم رُكُوعه وَلَا سُجُوده: (إرجع فصل فَإنَّك لم تصل) ! وَقَالَ، ﷺ : (لَا تجزىء صَلَاة من لَا يُقيم ظَهره فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود) ، وَمِمَّنْ كَانَ يُخَفف الصَّلَاة من السّلف أنس بن مَالك، قَالَ ثَابت: صليت مَعَه الْعَتَمَة فَتجوز مَا شَاءَ الله، وَكَانَ سعد إِذا صلى فِي الْمَسْجِد خفف الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَتجوز، وَإِذا صلى فِي بَيته أَطَالَ الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالصَّلَاة، فَقيل لَهُ: فَقَالَ: إِنَّا أَئِمَّة يَقْتَدِي بِنَا، وَصلى الزبير بن الْعَوام صَلَاة خَفِيفَة فَقيل لَهُ: أَنْتُم أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، أخف النَّاس صَلَاة، فَقَالَ: إِنَّا نبادر هَذَا الوسواس، وَقَالَ عمار: إحذفوا هَذِه الصَّلَاة قبل وَسْوَسَة الشَّيْطَان، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود ويتجوز، فَقيل لَهُ: هَكَذَا كَانَت صَلَاة رَسُول الله، ﷺ ؟ قَالَ: نعم وأجوز. وَقَالَ عَمْرو بن مَيْمُون: لما طعن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ تقدم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَرَأَ بأخصر سورتين فِي الْقُرْآن: ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ (الْكَوْثَر: ١) و ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ (النَّصْر: ١) وَكَانَ إِبْرَاهِيم يُخَفف الصَّلَاة وَيتم الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَقَالَ أَبُو مجلز: كَانُوا يتمون ويتجوزون ويبادرون الوسوسة، ذكر هَذِه الْآثَار ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) . ٦٣ - (بابُ منْ شكا إمامَهُ إذَا طَوَّلَ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: من شكى إِمَامه إِذا طول عَلَيْهِم الصَّلَاة. وَقَالَ أبُو أُسَيْدٍ طَوَّلْتَ بِنَا يَا بُنَيَّ مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن قَول أبي أسيد لِابْنِهِ: طولت بِنَا الصَّلَاة، كالشكاية من تطويله، وَأَبُو أسيد، بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَأسيد، بِضَم الْهمزَة، كَذَا بِخَط الدمياطي. وَقَالَ الجياني فِي نُسْخَة أبي ذَر من رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده: أَبُو أسيد، بِفَتْح الْهمزَة. وَقَالَ أَبُو عبد الله: قَالَ عبد الرَّزَّاق ووكيع: أَبُو أسيد، وَهُوَ الصَّوَاب، واسْمه: مَالك بن ربيعَة الْأنْصَارِيّ السَّاعِدِيّ الْمدنِي، شهد الْمشَاهد كلهَا، وَهُوَ مَشْهُور بكنيته، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ، وَقيل: سنة سِتِّينَ، وَفِيه اخْتِلَاف كثير، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الْبَدْرِيِّينَ وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن الغسيل، قَالَ: حَدثنِي الْمُنْذر بن أبي أسيد الْأنْصَارِيّ قَالَ: كَانَ أبي يُصَلِّي خَلْفي، فَرُبمَا قَالَ لي: يَا بني طولت بِنَا الْيَوْم بالصافات. انْتهى. وَعلم من هَذَا أَن اسْم أبي أسيد: الْمُنْذر، وَقَوله: يَا بني بِالتَّصْغِيرِ لأجل الشَّفَقَة دون التحقير. وَفِي (التَّلْوِيح) قَالَ البُخَارِيّ: وَكره عَطاء أَن يؤم الرجل أَبَاهُ، هَذَا التَّعْلِيق مَذْكُور فِي بعض النّسخ، فلئن صَحَّ فقد رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: عَن وَكِيع حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن أبي يزِيد الْمَكِّيّ عَن عَطاء قَالَ: لَا يؤم الرجل أَبَاهُ. ٧٠٤ - حدَّثنا مُحَمَّد بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَن إسْمَاعِيلَ بنِ أبِي خالِدٍ عنْ قَيْسِ ابنِ أبِي حازِمٍ عنْ أبي مسْعُودٍ قَالَ قَالَ رجُلٌ يَا رسولَ الله إنِّي لَاتأخَّرُ عنِ الصَّلَاةِ فِي الفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ

стр. 1492

بِنَا فُلانٌ فِيهَا فَغَضِبَ رسولُ الله ﷺ مَا رأيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كانَ أشَدَّ غَضَبا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثمَّ قالَ يَا أيّهَا الناسُ إنَّ مِنْكُمْ منَفِّرِينَ فَمَنْ أمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإنَّ خَلْفَهُ الضَعِيفَ والكَبِيرَ وذَا الحَاجَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث قد مضى فِي الْبَاب الَّذِي سبق قبل الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُنَاكَ: عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن إِسْمَاعِيل، وَهَهُنَا: عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَقيل: مُحَمَّد بن يُوسُف: هُوَ أَبُو مُحَمَّد البُخَارِيّ البيكندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْأول أصح، نَص عَلَيْهِ أَبُو نعيم. وَأَبُو مَسْعُود: هُوَ عقبَة ابْن عَمْرو البدري. قَوْله: (فِي موعظة) ، ويروى: (فِي مَوضِع) . قَوْله: (منفرين) ، ويروى: (المنفرين) ، بلام التَّأْكِيد، وَرُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَن أبي وَاقد اللَّيْثِيّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَأنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. أما حَدِيث أبي وَاقد فَأخْرجهُ الشَّافِعِي فِي (مُسْنده) من حَدِيث عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم: عَن نَافِع بن سرجس قَالَ: عدنا أَبَا وَاقد اللَّيْثِيّ فَسَمعته يَقُول: (كَانَ رَسُول الله ﷺ أخف النَّاس صَلَاة على النَّاس، فأطول النَّاس صَلَاة لنَفسِهِ) . وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: عَن أَبِيه سَمِعت ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَيّكُم أم النَّاس فليخفف، فَإِن فيهم الضَّعِيف وَالْكَبِير وَذَا الْحَاجة) . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ بِسَنَد صَحِيح عَنهُ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْمُرنَا بِالتَّخْفِيفِ ويؤمنا) ، وَأما حَدِيث عُثْمَان فَأخْرجهُ مُسلم عَنهُ يرفعهُ: (من أم النَّاس فليخفف فَإِن فيهم الْكَبِير، وَإِن فيهم الضَّعِيف، وَإِن فيهم ذَا الْحَاجة فَإِذا صلى أحدكُم فَليصل كَيفَ شَاءَ) . وَأما حَدِيث أنس فَأخْرجهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي أَنه ﷺ فِي بعض الْمَوَاضِع عمم الْخطاب وَلم يُخَاطب معَاذًا بِخُصُوصِهِ، وَقَالَ: (إِن مِنْكُم) ، وَفِي بَعْضهَا خصصه، وَقَالَ: (أفتَّان أَنْت؟) قلت: نظرا إِلَى الْمقَام، فَحَيْثُ بلغ النَّبِي ﷺ أَن معَاذًا نَالَ مِنْهُ خاطبه بِالصَّرِيحِ، وَحَيْثُ لم يبلغهُ عممه تضعيفا للتعزير بِتَضْعِيف الجريمة. ٧٠٥ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا مُحَارِبُ بنُ دِثَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله الأنْصَارِيّ قَالَ أقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ فَوَافَقَ مُعَاذا يُصَلِّي فَتَرَكَ ناضِحَهُ وأقْبَلَ إلَيَّ مُعَاذٍ فَقَرأ بِسُورَةِ البَقَرَةِ أَو النِّساءِ فانْطَلَقَ الرّجُلْ وَبَلَغَهُ أنَّ معَاذًا نَالَ منْهُ فأتَى النبيُّ ﷺ فَشَكا إلَيْهِ مُعَاذا فَقَالَ النبيُّ ﷺ يَا مُعَاذُ أفَتَّانٌ أنْتَ أوْ أفَاتِنٌ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى والشمْسِ وضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَي فَإنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ والضَعِيفُ وَذُو الحَاجَةِ أحْسِبُ هذَا فِي الحَدِيثِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن فِيهِ شكوى صَاحب الناضح إِلَى رَسُول الله ﷺ من معَاذ حِين طول الصَّلَاة وَهُوَ إِمَام. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة، قد ذكرُوا فِيمَا مضى، ومحارب، بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء. و: دثار، بِكَسْر الدَّال: خلاف الشعار. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بناضحين) الناضح، بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة: مَا اسْتعْمل من الْإِبِل فِي سقِِي النّخل وَالزَّرْع، وَهُوَ الْبَعِير الَّذِي يستقى عَلَيْهِ. قَوْله: (وَقد جنح اللَّيْل) أَي: أقبل بظلمته، وَهُوَ بِفَتْح النُّون من بَاب: فتح يفتح. قَوْله: (فَقَرَأَ سُورَة الْبَقَرَة) ، يُقَال: قَرَأَهَا وَقَرَأَ بهَا، لُغَتَانِ. قَوْله: (أَو النِّسَاء) الشَّك من محَارب، دلّت عَلَيْهِ رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة: شكّ محَارب، وَبِهَذَا يرد على من زعم أَن الشَّك فِيهِ من جَابر. قَوْله: (وبلغه) أَي: بلغ الرجل، وَهُوَ صَاحب الناضح. قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي: إِلَى النَّبِي ﷺ . قَوْله: (أفتان أَنْت؟) فتان صفة وَاقعَة بعد ألف الِاسْتِفْهَام رَافِعَة لظَاهِر، وَيجوز أَن يكون مبتدإ و: أَنْت، سَادًّا مسد الْخَبَر، وَيجوز أَيْضا أَن تكون: أَنْت مُبْتَدأ و: هُوَ، خَبره، و: فتان، صِيغَة مُبَالغَة. فاتن. وَقَوله: (أَو فاتن) على وزن: فَاعل، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فلولا صليت) أَي: فَهَلا صليت. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ فَهَلا قَرَأت. وَقد

стр. 1493

علم أَن لَوْلَا تَأتي على أَرْبَعَة أوجه: مِنْهَا: أَن تكون للتخصيص وَالْعرض فتختص بالمضارع أَو مَا فِي تَأْوِيله. وَمِنْهَا: أَن تكون للتوبيخ والتنديم فتختص بالماضي. وَمِنْهَا: لربط امْتنَاع الثَّانِيَة بِوُجُود الأولى نَحْو: لَوْلَا زيد لأكرمتك. وَمِنْهَا: أَن تكون للاستفهام نَحْو: ﴿لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب﴾ (المُنَافِقُونَ: ١٠) . وَفِيه خلاف، وَهَهُنَا بِمَعْنى الْقسم، الثَّالِث، وَهُوَ الظَّاهِر. قَوْله: (سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى) الخ، فِيهِ دَلِيل على أَن أوساط الْمفصل إِلَى: وَالضُّحَى، لِأَن هَذِه الصَّلَاة صَلَاة الْعشَاء، وَالسّنة فِيهَا الْقِرَاءَة من أوساط الْمفصل لَا من قصاره، ثمَّ ذكر هَذِه السُّور الثَّلَاث لَيْسَ للتخصيص بِعَينهَا، لِأَن المُرَاد هَذِه الثَّلَاث أَو نَحْوهَا من الْقصار، كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات لفظ: وَنَحْوهَا. قَوْله: (أَحسب هَذَا فِي الحَدِيث) قَائِل: أَحسب، هُوَ شُعْبَة الرَّاوِي عَن محَارب، وَلَفْظَة: هَذَا، إِشَارَة إِلَى الْجُمْلَة الْأَخِيرَة. وَهِي قَوْله: (فَإِنَّهُ يُصَلِّي) إِلَى آخِره، والتذكير بِاعْتِبَار الْمَذْكُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: المحسوب هُوَ:: (فلولا صليت) إِلَى آخِره، لِأَن الحَدِيث بِرِوَايَة عَمْرو فِيمَا تقدم آنِفا انْتهى عِنْده حَيْثُ قَالَ: وَلَا أحفظهما. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: أَحسب يحْتَمل أَن يكون كَلَام محَارب أَو من بعده. قلت: قد بَين أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ أَن قَائِله شُعْبَة، كَمَا ذكرنَا، وَقد رَوَاهُ غير شُعْبَة من أَصْحَاب محَارب عَنهُ بِدُونِهَا، وَكَذَا أَصْحَاب جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: وَقيل: أَو إِنَّه من كَلَام البُخَارِيّ، وَأَن المُرَاد بِهِ لفظ: ذُو الْحَاجة، فَقَط. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه تخمين وحسبان، فَلذَلِك قَالَ: هُوَ لَكِن لم يتَحَقَّق لي ذَلِك لَا سَمَاعا وَلَا استنباطا من الْكتاب. قَالَ أبُو عَبْدِ الله وتَابَعَهُ سَعِيدُ بنُ مَسْرُوقٍ وَمِسْعَرٌ والشَّيْبَانِيُّ أَي: تَابع شُعْبَة سعيد بن مَسْرُوق وَهُوَ وَالِد سُفْيَان الثَّوْريّ، وَقد وصل رِوَايَته هَذِه أَبُو عوَانَة من طَرِيق أبي الْأَحْوَص عَنهُ. قَوْله: (ومسعر) ، بِالرَّفْع عطف على: سعيد، أَي: وتابع شُعْبَة أَيْضا مسعر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: ابْن كدام الْكُوفِي، وَقد وصل رِوَايَته السراج: عَن زِيَاد بن أَيُّوب حَدثنَا أَبُو نعيم عَنهُ عَن محَارب بِلَفْظ: (فَقَرَأَ بالبقرة وَالنِّسَاء، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أما يَكْفِيك أَن تقْرَأ بالسماء والطارق، وَالشَّمْس وَضُحَاهَا، وَنَحْو هَذَا؟) قَوْله: (والشيباني) ، بِالرَّفْع أَيْضا عطف على: مسعر، أَي: وتابع شُعْبَة أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، واسْمه: سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان، واسْمه: فَيْرُوز الْكُوفِي، وَوصل رِوَايَته الْبَزَّار عَن محَارب ومتابعة هَؤُلَاءِ فِي أصل الحَدِيث لَا فِي جَمِيع أَلْفَاظه. قَالَ عَمْرٌ ووَعُبَيْدُ الله بنُ مِقْسَمٍ وأبُو الزُّبَيْر عنّ جَابِرٍ قَرَأ مُعَاذٌ فِي العِشَاءِ بِالبَقَرَةِ عَمْرو: هُوَ ابْن دِينَار، وَإِنَّمَا قَالَ: قَالَ عَمْرو، وَلم يقل: وَتَابعه، مثل مَا قَالَ فِي سابقه ولاحقه، لِأَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة لم يتابعوا أحدا فِي ذَلِك، أما رِوَايَة عَمْرو فقد تقدّمت فِي: بَاب إِذا طول الإِمَام، وَأما رِوَايَة عبيد الله بن مقسم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف: الْمدنِي فوصلها ابْن خُزَيْمَة عَن بنْدَار عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَنهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى عَن قريب، وَأما رِوَايَة أبي الزبير مُحَمَّد بن كنَانَة فوصلها عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَنهُ، وَهِي عِنْد مُسلم من طَرِيق اللَّيْث عَنهُ، لَكِن لم يتَعَيَّن أَن السُّورَة الْبَقَرَة. وتابَعَهُ الأعْمَشُ عنْ مُحَاربٍ أَي: تَابع شُعْبَة سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن محَارب بن دثار، وَوصل رِوَايَته النَّسَائِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن الْأَعْمَش عَن محَارب وَأبي صَالح، كِلَاهُمَا عَن جَابر بِطُولِهِ. وَقَالَ فِيهِ: (فطول بهم معَاذ وَلم يعين السُّورَة) ، وَالْفرق بَين المتابعتين أَعنِي السَّابِقَة واللاحقة أَن الأولى نَاقِصَة، إِذا لم يذكر المتابع عَلَيْهِ، والأخيرة كَامِلَة إِذا ذكره حَيْثُ قَالَ: عَن محَارب، وَالله أعلم. ٦٤ - (بابُ الإيجَازِ فِي الصَّلاةِ وَإكْمَالِهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إيجاز الصَّلَاة مَعَ إكمالها، أَي: إِكْمَال أَرْكَانهَا، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الإيجاز، فَقَط. وَمَعَ هَذَا هَذِه التَّرْجَمَة إِنَّمَا ثبتَتْ عِنْد الْمُسْتَمْلِي وكريمة، وَذكرهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا، وَلَيْسَت بموجودة فِي رِوَايَة البَاقِينَ.

стр. 1494

٧٠٦ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوارِثِ قَالَ حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ عنْ أنَسٍ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلَاةَ ويُكْمِلُهَا (الحَدِيث ٧٠٧ طرفه فِي: ٨٦٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا فَإِن قلت: فعلى سُقُوط هَذِه التَّرْجَمَة، فَمَا وَجه مُنَاسبَة هَذَا الحَدِيث لترجمة الْبَاب السَّابِق؟ قلت: من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ أَمر فِي حَدِيث ذَلِك الْبَاب بالإيجاز، وَهَهُنَا فعله بِنَفسِهِ، فَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الإيجاز مَعَ الْإِكْمَال مَنْدُوب لِأَنَّهُ ثَبت بقول النَّبِي ﷺ وَفعله. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو المقعد، مر مرَارًا عديدة، وَعبد الْوَارِث بن سعيد وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب. وَفِي إِسْنَاده: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، والعنعنة فِي مَوضِع وَاحِد، وَالْقَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَابْن مَاجَه وَلَفظه: (يوجز الصَّلَاة وَيتم الصَّلَاة) ، وَعند السراج: (يوجز فِي الصَّلَاة) ، وَفِي لفظ مُسلم: (كَانَ أتم النَّاس صَلَاة فِي إيجازه) . وَفِي لفظ: (أخف النَّاس صَلَاة فِي تَمام) ، وَفِي لفظ: (من أخف) ، وَفِي لفظ: (كَانَت صلَاته مُتَقَارِبَة) . وَكَانَت صَلَاة أبي بكر مُتَقَارِبَة، فَلَمَّا كَانَ عمر مد فِي صَلَاة الْفجْر. وَفِي لفظ: (مَا صليت بعد النَّبِي ﷺ صَلَاة أخف من صلَاته فِي تَمام رُكُوع وَسُجُود) ، وَفِي لفظ: (كَانَ إِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده، قَامَ حَتَّى تَقول قد أوهم، وَكَانَ يقْعد بَين السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نقُول قد أوهم) . قَوْله: (يوجز الصَّلَاة) من الإيجاز، وَهُوَ ضد الإطناب، والإكمال ضد النَّقْص. ٦٥ - (بابُ منْ أخَفَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصّبِيِّ) يجوز أَن يُضَاف: بَاب، إِلَى: من، الموصولة، وَيجوز أَن ينون على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا بَاب. قَوْله: (من أخف) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: تَرْجَمته من أخف، وَقَوله: أخف، على وزن أفعل، من الإخفاف، وَهُوَ التَّخْفِيف. ٧٠٧ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا الولِيدُ قَالَ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ عنْ يَحْيى بنِ أبي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ أبِي قَتَادَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنِّي لأقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأسْمَعُ بكاءَ الصَّبِي فأتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أنْ أشُقَّ عَلَى أُمِّهِ (الحَدِيث ٧٠٧ طرفه فِي: ٨٦٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير، مر فِي: بَاب غسل الْحَائِض رَأس زَوجهَا. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم، مر فِي: بَاب وَقت الْمغرب. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير، وَقد مر أَيْضا. الْخَامِس: عبد الله بن أبي قَتَادَة أَبُو يحيى الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ. السَّادِس: أَبوهُ الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: عَن يحيى، وَفِي رِوَايَة بشر الْآتِيَة عَن يحيى الْأَوْزَاعِيّ حَدثنِي يحيى. وَفِيه: عَن عبد الله ابْن أبي قَتَادَة فِي رِوَايَة ابْن سَماع عَن الْأَوْزَاعِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنِي عبد الله ابْن أبي قَتَادَة. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين رازي ودمشقي ويماني ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مِسْكين عَن بشر بن بكر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن دُحَيْم عَن عمر بن عبد الْوَاحِد وَبشر بن بكر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك عَن الْأَوْزَاعِيّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن دُحَيْم بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنِّي لأَقوم فِي الصَّلَاة أُرِيد) وَفِي رِوَايَة بشر بن بكر: (لأَقوم إِلَى الصَّلَاة وَأَنا أُرِيد) ، وَالْوَاو فِي: وَأَنا أُرِيد، للْحَال. وَقَوله: أُرِيد، أَيْضا فِي مَوضِع الْحَال. قَوْله: (أَن أطول) : أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: أُرِيد التَّطْوِيل فِي الصَّلَاة. قَوْله: (بكاء الصَّبِي) الْبكاء إِذا مددت أردْت بِهِ الصَّوْت الَّذِي يكون مَعَه، وَإِذا قصرت أردْت خُرُوج الدمع، وَهَهُنَا مَمْدُود لَا محَالة بِقَرِينَة: (فَأَسْمع) ، إِذْ السماع لَا يكون إلاّ فِي الصَّوْت. قَوْله: (فأتجوز) أَي: فأخفف. وَقَالَ ابْن سابط: التَّجَوُّز هُنَا: يُرَاد بِهِ تقليل الْقِرَاءَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان

стр. 1495

عَن أبي السَّوْدَاء النَّهْدِيّ: (عَن ابْن سابط: أَن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ فِي الرَّكْعَة الأولى بِسُورَة نَحْو سِتِّينَ آيَة، فَسمع بكاء صبي فَقَرَأَ فِي الثَّانِيَة بِثَلَاث آيَات) . قلت: ابْن سابط هُوَ: عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن سابط الجُمَحِي، مَاتَ بِمَكَّة سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة. قَوْله: (كَرَاهِيَة) ، بِالنّصب على التَّعْلِيل مُضَاف إِلَى: أَن، المصدرية. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على جَوَاز إِدْخَال الصَّبِي فِي الْمَسْجِد، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر لاحْتِمَال أَن يكون الصَّبِي كَانَ مخلفا فِي بَيت يقرب من الْمَسْجِد. قلت: لَيْسَ هَذَا مَوضِع النّظر، لِأَن الظَّاهِر أَن الصَّبِي لَا يُفَارق أمه غَالِبا. وَفِيه: دلَالَة على جَوَاز صَلَاة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال. وَفِيه: دلَالَة على كَمَال شَفَقَة النَّبِي، ﷺ ، على أَصْحَابه، ومراعاة أَحْوَال الْكَبِير مِنْهُم وَالصَّغِير، وَبِه اسْتدلَّ بعض الشَّافِعِيَّة على أَن الإِمَام إِذا كَانَ رَاكِعا فأحس بداخل يُرِيد الصَّلَاة مَعَه ينتظره ليدرك مَعَه فَضِيلَة الرَّكْعَة فِي جمَاعَة، وَذَلِكَ أَنه إِذا كَانَ لَهُ أَن يحذف من طول الصَّلَاة لحَاجَة الْإِنْسَان فِي بعض أُمُور الدُّنْيَا كَانَ لَهُ أَن يزِيد فِيهَا لعبادة الله تَعَالَى، بل هَذَا أَحَق وَأولى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلَا دلَالَة فِيهِ، لِأَن هَذَا زِيَادَة عمل فِي الصَّلَاة بِخِلَاف الْحَذف. وَقَالَ ابْن بطال: وَمِمَّنْ أجَاز ذَلِك الشّعبِيّ وَالْحسن وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَقَالَ آخَرُونَ: ينْتَظر مَا لم يشق على أَصْحَابه، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَقَالَ مَالك: لَا ينْتَظر لِأَنَّهُ يضر من خَلفه، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ السفاقسي عَن سَحْنُون: صلَاتهم بَاطِلَة. قلت: وَفِي (الذَّخِيرَة) من كتب أَصْحَابنَا: سمع الإِمَام فِي الرُّكُوع خَفق النِّعَال، هَل ينْتَظر؟ قَالَ أَبُو يُوسُف: سَأَلت أَبَا حنيفَة وَابْن أبي ليلى عَن ذَلِك فكرهاه، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: أخْشَى عَلَيْهِ أمرا عَظِيما يَعْنِي الشّرك وروى هِشَام عَن مُحَمَّد أَنه كره ذَلِك، وَعَن أبي مُطِيع: أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا. وَقَالَ الشّعبِيّ: إِذا كَانَ ذَلِك مِقْدَار التسبيحة والتسبيحتين، وَقَالَ بَعضهم: يطول التسبيحات وَلَا يزِيد فِي الْعدَد، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الصفَّار: إِن كَانَ الجائي غَنِيا لَا يجوز، وَإِن كَانَ فَقِيرا يجوز انْتِظَاره. وَقَالَ أَبُو اللَّيْث: إِن كَانَ الإِمَام عرف الجائي لَا ينتظره، وَإِن لم يعرفهُ فَلَا بَأْس بِهِ، إِذْ فِيهِ إِعَانَة على الطَّاعَة. وَقيل: إِن أَطَالَ الرُّكُوع لإدراك الجائي خَاصَّة وَلَا يُرِيد إطالة الرُّكُوع للتقرب إِلَى الله تَعَالَى، فَهَذَا مَكْرُوه، وَقيل: إِن كَانَ الجائي شريرا ظَالِما لَا يكره لدفع شَره. تابَعَهُ بِشْرُ بنُ بَكْرٍ وابنُ المُبَارَكِ وَبَقِيَّةُ عنِ الأوزَاعِيِّ أَي: تَابع الْوَلِيد بن مُسلم بن بشر بن بكر الشَّامي، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة. وَبكر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة. وَذكر البُخَارِيّ فِي: بَاب خُرُوج النِّسَاء إِلَى الْمَسَاجِد، حَدِيث بشر مُسْندًا: حَدثنَا مُحَمَّد بن مِسْكين، قَالَ: حَدثنَا بشر بن بكر، قَالَ: حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِنِّي لأَقوم إِلَى الصَّلَاة) الحَدِيث. وَقَالَ بعض الشُّرَّاح فِي هَذَا الْموضع: هِيَ مَوْصُولَة عِنْد الْمُؤلف فِي كتاب الْجُمُعَة. قلت: هَذَا غَفلَة مِنْهُ وسهو، وَلَيْسَ الْأَمر إلَاّ كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (وَابْن الْمُبَارك) أَي: تَابع الْوَلِيد بن مُسلم أَيْضا عبد الله ابْن الْمُبَارك، ومتابعته هَذِه رَوَاهَا النَّسَائِيّ عَن سُوَيْد بن نصر، قَالَ: أخبرنَا عبد الله عَن الْأَوْزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنِي يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: إِنِّي لأَقوم) الحَدِيث. قَوْله: (وَبَقِيَّة) أَي: وتابع الْوَلِيد بن مُسلم بَقِيَّة أَيْضا، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن الْوَلِيد الكلَاعِي، بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام: الْحَضْرَمِيّ، سكن حمص، وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم وَالْبُخَارِيّ اسْتشْهد بِهِ، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة، وتابع مُسلم بن الْوَلِيد أَيْضا عمر بن عبد الْوَاحِد أخرجه أَبُو دَاوُد: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا عمر بن عبد الْوَاحِد وَبشر بن بكر عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِنِّي لأَقوم) الحَدِيث، وتابع الْوَلِيد أَيْضا إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن سَمَّاعَة، أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ. ٧٠٨ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ حدَّثنا شَرِيكُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ يَقُولُ مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إمَامٍ قَطُّ أخَ صَلَاةً ولَا أتَمَّ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 1496

وإنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفّفُ مَخَافَةَ أنْ تفْتَنَ أُمُّهُ (الحَدِيث ٧٠٩ طرفه فِي: ٧١٠) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم: البَجلِيّ الْكُوفِي، مر فِي أول كتاب الْعلم. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد التَّيْمِيّ. الثَّالِث: شريك بن عبد الله بن أبي نمير، أَبُو عبد الله الْقرشِي، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ من أنفسهم، مَاتَ عَام أَرْبَعِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: أنس بن مَالك. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ كُوفِي وَبَقِيَّة الروَاة مدنيون، وَقَالَ بَعضهم: والإسناد كُله مدنيون وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن خَالِد بن مخلد كُوفِي، كَمَا ذكرنَا، وَيُقَال لَهُ: الْقَطوَانِي أَيْضا، وقطوان محلّة على بَاب الْكُوفَة. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى وَيحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر، أربعتهم عَن إِسْمَاعِيل ابْن جَعْفَر عَن شريك. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أخف) صفة للْإِمَام، وَصَلَاة نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (وَإِن كَانَ) ، إِن هَذِه لَفْظَة مُخَفّفَة وَأَصلهَا: وَأَنه، وَالضَّمِير فِيهِ للشان. قَوْله: (فيخفف) ، بَين مُسلم فِي رِوَايَة ثَابت مَحل التَّخْفِيف، وَلَفظه: (فَيقْرَأ بالسورة القصيرة) . قَوْله: (مَخَافَة) ، نصب على التَّعْلِيل مُضَاف إِلَى: أَن، المصدرية. قَوْله: (أَن تفتتن أمه) ، من الافتتان، أَي: تلتهي عَن صلَاتهَا لاشتغال قَلبهَا ببكائه، زَاد عبد الرَّزَّاق من مُرْسل عَطاء: (أَو تتركه فيضيع) . وَقَالَهُ الْكرْمَانِي: ويفتن من الثلاثي، وَمن الْأَفْعَال والتفعيل. وَالثَّالِث: (قلت) اشار بِهَذَا إِلَى ثَلَاثَة أوجه مِنْهُ الاول يفتن على صِيغَة الْمَجْهُول من فتن يفتن وَالثَّانِي من افتن على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا من التفتين، وَالَّذِي ذكرته من بَاب الافتعال، فَيكون على أَرْبَعَة أوجه. ٧٠٩ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ قَالَ حدَّثنا قَتَادَةَ أنَّ أنَسَ بنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ إنِّي لأدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وأنَا أُرِيدُ إطَالَتَهَا فاسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فأتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ منْ بُكَائِهِ (الحَدِيث ٧٠٩ طرفه فِي: ٧١٠) . هَذَا طَرِيق آخر من حَدِيث أنس عَن عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر أَبُو الْحسن، يُقَال لَهُ: ابْن الْمَدِينِيّ، عَن يزِيد بن زُرَيْع، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء، عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَرُوَاته كلهم بصريون. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمنْهَال عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن نصر بن عَليّ عَن عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى. قَوْله: (مِمَّا أعلم) ، كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة وَيجوز أَن تكون مَوْصُولَة، والعائد محذوفا. قَوْله: (وجد أمه) الوجد: الْحزن. قَالَ ابْن سَيّده: وجد الرجل وجدا ووجدا، كِلَاهُمَا عَن اللحياني: حزن. وَفِي (الفصيح) : وَوجدت فِي الْحزن وجدا، ومضارعه: يجد، وَحكى الْقَزاز عَن الْفراء: يجد، يَعْنِي بِضَم الْجِيم. وَفِي (الْمطَالع) : من موجدة أمه، أَي: من حبا إِيَّاه وحزنها لبكائه. قَالَ: وَقد رُوِيَ: (من وجد أمه) ، قَالَ بَعضهم: وَكَانَ ذكر الْأُم خرج مخرج الْغَالِب، وإلَاّ فَمن كَانَ فِي مَعْنَاهَا يلْتَحق بهَا، وَفِيه نظر، لِأَن غير الْأُم لَيْسَ كالأم فِي الموجدة، وَيفهم من قَوْله: (وَأَنا أُرِيد إطالتها) ، أَن من قصد فِي الصَّلَاة الْإِتْيَان بِشَيْء لَا يجب عَلَيْهِ الْوَفَاء بِهِ، بل يسْتَحبّ، خلافًا لأَشْهَب، فَإِنَّهُ قَالَ: من نوى التَّطَوُّع قَائِما لَيْسَ لَهُ أَن يتمه جَالِسا. ٧١٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍ عنْ سَعِيدٍ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنِّي لأدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ فأُرِيدُ إطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأتَجَوَّزُ مِمَّا أعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ (أُنظر الحَدِيث ٧٠٩) . هَذَا طَرِيق آخر من حَدِيث أنس عَن مُحَمَّد بن بشار الملقب ببندار عَن مُحَمَّد بن أبي عدي وَاسم أبي عدي: إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ

стр. 1497

عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والعنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَرِجَاله كلهم بصريون. قَوْله: (مِمَّا أعلم) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (لما أعلم) ، بلام التَّعْلِيل. وَقَالَ مُوسَى حدَّثنا أبانُ قَالَ حدَّثنا قَتَادَةُ قَالَ حدَّثنا أنسٌ عنِ النبيِّ ﷺ مِثْلَهُ هَذَا تَعْلِيق، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، وَأَبَان هُوَ ابْن يزِيد الْعَطَّار. وَفَائِدَة هَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَماع قَتَادَة لَهُ من أنس، وَوَصله السراج فِي (مُسْنده) فَقَالَ: حَدثنَا عبد الله بن جرير بن جبلة حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أبان بن يزِيد حَدثنَا قَتَادَة، فَذكره بِلَفْظ: (إِنِّي أقوم فِي الصَّلَاة وَأَنا أُرِيد إطالتها، فَأَسْمع بكاء الصَّبِي فأتجوز فِي صَلَاتي مِمَّا أعلم من شدَّة وجد أمه ببكائه) . وَفِي حَدِيث حميد وَعلي بن يزِيد عَنهُ: (إِن رَسُول الله ﷺ ، جوز ذَات يَوْم فِي صَلَاة الْفجْر، فَقلت لَهُ: جوزت يَا رَسُول الله! قَالَ: سَمِعت بكاء صبي فَكرِهت أَن أشغل عَلَيْهِ أمه) . وَفِي لفظ: (سمع صَوت صبي وَهُوَ فِي الصَّلَاة، فَخفف الصَّلَاة فظننا أَنه خفف رَحْمَة للصَّبِيّ من أجل أَن أمه فِي الصَّلَاة) . وَفِي حَدِيث ثَابت عَنهُ: (إِذا سمع بكاء الصَّبِي قَرَأَ بالسورة الْخَفِيفَة، أَو السُّورَة القصيرة، شكّ جَعْفَر بن سُلَيْمَان) . ٦٦ - (بابُ إذَا صَلَّى ثُمَّ أمَّ قَوْما) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا صلى رجل مَعَ الإِمَام ثمَّ أم قوما وَلم يذكر جَوَاب: إِذا، جَريا على عَادَته فِي ترك الْجَزْم بالحكم الْمُخْتَلف فِيهِ، وَالظَّاهِر أَن ميله إِلَى جَوَاز ذَلِك، فَحِينَئِذٍ يقدر الْجَواب لفظ: يجوز أَو يجزىء. ٧١١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وأبُو النُّعْمَانِ قَالَا حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ عَمْرِو بنِ دِينَار عنْ جَابِرٍ قَالَ كانَ مُعاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثمَّ يَأتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَرِجَاله قد مروا غير مرّة، وَقد مر الْبَحْث فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ مُسْتَوفى. ٦٧ - (بابُ مَنْ أسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإمَامِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من أسمع النَّاس، وَهَذَا بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل الْمُؤَذّن وَغَيره مِمَّن يسمع النَّاس تَكْبِير الإِمَام فِي الصَّلَاة. ٧١٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ دَاوُدَ قالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا مَرِضَ النبيُّ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي ماتَ فِيهِ أتاهُ بِلَالٌ يُؤذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فقالَ مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ قُلْتُ إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ إنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي فَلَا يَقْدِرُ عَلى القِرَاءَةِ قَالَ مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ فَقُلْتُ مِثْلَهُ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَو الرَّابِعَةِ إنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ فَصَلَّى وخَرَجَ النبيُّ ﷺ يُهَادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ كأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ الأرْضَ فَلَمَّا رَآهُ أبُو بَكْرٍ ذَهَبَ يَتأخَّرُ فأشَارَ إلَيْهِ أنْ صَلِّ فَتَأخَّرَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وقَعَدَ النبيُّ ﷺ إلَى جَنْبِهِ وأبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَبُو بكر يسمع النَّاس التَّكْبِير) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي: بَاب حد الْمَرِيض أَن يشْهد الْجُمُعَة. وَفِي: بَاب أهل الْعلم وَالْفضل أَحَق بِالْإِمَامَةِ. قَوْله: (يُؤذنهُ) بِضَم الْيَاء من الإيذان، وَهُوَ الْإِعْلَام. قَوْله: (أسيف) أَي: رَقِيق الْقلب. قَوْله: (إِن يقم مقامك) ، وَقَالَ ابْن مَالك فِي بعض الرِّوَايَات: (إِن يقم مقامك يبكي) . قَوْله: (فَليصل) ، أَمر مجزوم، وَيجوز بِإِثْبَات الْيَاء فِيهِ فِي موضِعين، وَهُوَ من قبيل إِجْرَاء المعتل مجْرى الصَّحِيح، والاكتفاء بِحَذْف الْحَرَكَة.

стр. 1498

قَوْله: (يهادي) بِفَتْح الدَّال أَي: يمشي بَين اثْنَيْنِ مُعْتَمدًا عَلَيْهِمَا. قَوْله: (وَأَبُو بكر) الْوَاو فِيهِ للْحَال. تابَعَهُ مُحَاضِرٌ عنِ الأعْمَشِ أَي: تَابع عبد الله بن دَاوُد محَاضِر عَن سُلَيْمَان عَن الْأَعْمَش، و: محَاضِر، بِضَم الْمِيم وَبِالْحَاءِ وَبعد الْألف ضاد مُعْجمَة مَكْسُورَة وَفِي آخِره رَاء: ابْن الْمُوَرِّع، بِضَم الْمِيم وَفتح الْوَاو وَكسر الرَّاء: الْهَمدَانِي الْكُوفِي، مَاتَ سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ. ٦٨ - (بابٌ الرَّجُلُ يَأتَمُّ بالإمَامِ ويأتَمُّ النَّاسُ بِالمَأمُومِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الرجل الَّذِي يَقْتَدِي بِالْإِمَامِ ويقتدي النَّاس بالمأموم الَّذِي اقْتدى بِالْإِمَامِ، وَالَّذِي يظْهر من هَذِه التَّرْجَمَة أَن البُخَارِيّ يمِيل إِلَى مَذْهَب الشّعبِيّ فِي ذَلِك، لِأَن الشّعبِيّ يرى أَن الْجَمَاعَة يتحملون عَن بَعضهم بَعْضًا مَا يتحمله الإِمَام، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قَالَ، فِيمَن أحرم قبل أَن يرفع الصَّفّ الَّذِي يَلِيهِ رؤوسهم من الرَّكْعَة: إِنَّه أدْركهَا، وَلَو كَانَ الإِمَام رفع قبل ذَلِك، لِأَن بَعضهم لبَعض أَئِمَّة، فَهَذَا يدل على أَن كل وَاحِد من الْجَمَاعَة إِمَام للْآخر، مَعَ كَونهم مأمومين، وَأَنه لَيْسَ المُرَاد أَنه يأتم بِالْإِمَامِ ويأتم النَّاس بِهِ فِي التَّبْلِيغ فَقَط. فَإِن قلت: ظَاهر حَدِيث الْبَاب السَّابِق يدل على أَن النَّاس كَانُوا مَعَ أبي بكر فِي مقَام التَّبْلِيغ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: (وَأَبُو بكر يسمع النَّاس فِيهِ) . قلت: إسماع أبي بكر لَهُم التَّكْبِير جُزْء من أَجزَاء مَا يأتمون بِهِ فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ نفي لغيره، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبد الله بن دَاوُد عَن الْأَعْمَش فِي حَدِيث الْبَاب السَّابِق، وَفِيه: (وَالنَّاس يأتمون بِأبي بكر، وَأَبُو بكر يسمعهم) . وَمِمَّا يُؤَكد أَن ميل البُخَارِيّ إِلَى مَذْهَب الشّعبِيّ كَونه صدر هَذَا الْبَاب بِالْحَدِيثِ الْمُعَلق، فَإِنَّهُ صَرِيح فِي أَن الْقَوْم يأتمون بِالْإِمَامِ فِي الصَّفّ الأول، وَمن بعدهمْ يأتمون بهم، كَمَا نذكرهُ عَن قريب. ويُذْكَرُ عنِ النبيِّ ﷺ : ائْتَمُّوا بِي ولْيَأتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ هَذَا التَّعْلِيق أخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن الدَّارمِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الرقاشِي حَدثنَا بشر بن مَنْصُور عَن الْجريرِي عَن أبي نَضرة (عَن أبي سعيد: أَن رَسُول الله ﷺ رأى فِي أَصْحَابه تأخرا، فَقَالَ لَهُم: تقدمُوا فأئتموا بِي، وليأتم بكم من بعدكم، وَلَا يزَال قوم يتأخرون حَتَّى يؤخرهم الله تَعَالَى) ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَمُحَمّد بن عبد الله الْخُزَاعِيّ، قَالَا: حَدثنَا أَبُو الْأَشْهب عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ... الحَدِيث، وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. قَوْله: (ائتموا بِي) خطاب لأهل الصَّفّ الأول. قَوْله: (وليأتم بكم من بعدكم) مَعْنَاهُ عِنْد الْجُمْهُور: يستدلون بأفعالكم على أفعالي، لَا أَنهم يقتدون بهم، فَإِن الِاقْتِدَاء لَا يكون إِلَّا لإِمَام وَاحِد، وَمذهب من يَأْخُذ بِظَاهِرِهِ وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. وَفِيه: جَوَاز اعْتِمَاد الْمَأْمُوم فِي مُتَابعَة الإِمَام الَّذِي لَا يرَاهُ وَلَا يسمعهُ على مبلغ عَنهُ أَو صف قدامه يرَاهُ مُتَابعًا للْإِمَام. قَوْله: (من) ، بِفَتْح الْمِيم، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل لقَوْله: (وليأتم) ، قَوْله: (وَلَا يزَال قوم يتأخرون) أَي: عَن الصَّفّ الأول حَتَّى يؤخرهم الله عَن عَظِيم فَضله أَو رفع مَنْزِلَته أَو نَحْو ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي، وَيذكر تَعْلِيق بِلَفْظ التمريض، قَالَ بَعضهم: هَذَا عِنْدِي لَيْسَ بصواب لِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَونه على غير شَرطه أَنه لَا يصلح للاحتجاج بِهِ عِنْده، بل قد يكون صَالحا للاحتجاج بِهِ عِنْده وَلَيْسَ هُوَ على شَرط صَحِيحه الَّذِي هُوَ على شُرُوط الصِّحَّة قلت: هَذَا الَّذِي ذكره يخرم قَاعِدَته، لِأَنَّهُ إِذا لم يكن على شَرطه كَيفَ يحْتَج بِهِ؟ وإلاّ فَلَا فَائِدَة لذَلِك الشَّرْط، وَأَبُو نَضرة الَّذِي روى الحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، لَيْسَ على شَرطه، وَإِنَّمَا يصلح عِنْده للاستشهاد، وَلِهَذَا اسْتشْهد بِهِ عَن جَابر فِي كتاب الشُّرُوط على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَأَبُو نَضرة، بالنُّون الْمَفْتُوحَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء: واسْمه الْمُنْذر بن مَالك الْعَوْفِيّ الْبَصْرِيّ وَأَبُو الْأَشْهب فِي مُسْند أبي دَاوُد واسْمه: جَعْفَر بن حبَان العطاردي السَّعْدِيّ الْبَصْرِيّ الْأَعْمَى، وَثَّقَهُ يحيى وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة.

стр. 1499

٧١٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الاسْوَدِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ لَما ثَقُلَ رسولُ الله ﷺ جاءَ بِلَالٌ يُؤذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ مُرُوا أبَا بَكْرٍ أنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله إنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ وإنَّهُ مَتَى مَا يعمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ فَلَوْ أمَرْتَ عُمَرَ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ قُولِي إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ وإنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ الناسَ فَلَوْ أمَرْتَ عُمَرَ قالَ إنَّكُنَّ لأنْتُنَّ صَوَاحِبَ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رسولُ الله فِي نَفْسِهِ خِفَّةً فقامَ يُهَادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ ورِجْلَاهُ يَخُطَّانِ فِي الأرْضِ حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ فَلَمَّا سَمِعَ أبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ أبُو بَكْرٍ يَتَأخَّرُ فأوْمأ إلَيْهِ رسولُ الله ﷺ فَجَاءَ رسولُ الله ﷺ حَتَّى جَلَسَ عنْ يَسَارِ أبِي بَكْرٍ فَكَانَ أبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِما وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي قاعِدا يَقْتَدِي أبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رسولِ الله ﷺ والنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أبِي بَكْرٍ ﵁. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَقْتَدِي أَبُو بكر بِصَلَاة رَسُول الله ﷺ إِلَى آخِره، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي: بَاب حد الْمَرِيض أَن يشْهد الْجَمَاعَة، رَوَاهُ عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَفِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زَائِدَة عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن عبيد الله بن عبد الله عَن عَائِشَة، وَفِي: بَاب من أسمع النَّاس تَكْبِير الإِمَام، عَن مُسَدّد عَن عبد الله بن دَاوُد عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَقد مر الْكَلَام فِي مباحثه مُسْتَوْفِي. قَوْله: (يُؤذنهُ) أَي: يُعلمهُ. قَوْله: (مروا أَبَا بكر أَن يُصَلِّي) ، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (مروا أَبَا بكر يُصَلِّي) . قَوْله: (مَتى مَا يقوم) ، هَكَذَا بِإِثْبَات الْوَاو فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مَتى مَا يقم) ، بِالْجَزْمِ هَذَا على الأَصْل، لِأَن: مَتى، من كلم المجازاة، وَأما على رِوَايَة الْأَكْثَرين فشبهت: مَتى بإذا فأهملت كَمَا تشبه: إِذا بمتى، فتهمل كَمَا فِي قَوْله، ﷺ : (إِذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أَرْبعا وَثَلَاثِينَ. وتسبحا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وتحمدا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) . قَوْله: (فَلَو أمرت) لَو، إِمَّا للشّرط وَجَوَابه مَحْذُوف، وَإِمَّا لِلتَّمَنِّي فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب. قَوْله: (تخطان فِي الأَرْض) . هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (تخطان الأَرْض) . قَوْله: (حسه) أَي: صَوته الْخَفي. قَوْله: (يتَأَخَّر) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فَأَوْمأ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَي: أَشَارَ إِلَيْهِ أَن لَا يتَأَخَّر. قَوْله: (حَتَّى جلس عَن يسَار أبي بكر) إِنَّمَا لم يجلس عَن الْيَمين، لِأَن الْيَسَار كَانَ من جِهَة حجرته، فَكَانَ أخف عَلَيْهِ. قَوْله: (مقتدون بِصَلَاة أبي بكر) على صِيغَة الْجمع باسم الْفَاعِل، ويروى: (يقتدون) ، بِصِيغَة الْمُضَارع. ٦٩ - (بابٌ هِلْ يَأخُذُ الإمَامُ إذَا شَكَّ بِقَوْلِ الناسِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: هَل يَأْخُذ الإِمَام ... إِلَى آخِره، وَفِي بعض النّسخ: هَل يَأْخُذ الإِمَام بقول النَّاس إِذا شكّ، يَعْنِي فِي الصَّلَاة، وَإِنَّمَا لم يذكر الْجَواب لِأَنَّهُ مَشى على عَادَته أَن الحكم فِيهِ إِذا كَانَ مُخْتَلفا فِيهِ لَا يذكرهُ بِالْجَزْمِ. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَن الإِمَام إِذا شكّ فِي صلَاته فَأخْبرهُ الْمَأْمُوم بترك رَكْعَة مثلا، هَل يرجع إِلَى قَوْله أم لَا؟ وَاخْتلف عَن مَالك فِي ذَلِك فَقَالَ مرّة: يرجع إِلَى قَوْلهم: وَهُوَ قَول أبي حنيفَة: وَقَالَ مرّة: يعْمل عمل يقينه وَلَا يرجع إِلَى قَوْلهم، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابه. وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون ﷺ شكّ بِإِخْبَار ذِي الْيَدَيْنِ، فَسَأَلَهُمْ إِرَادَة تَيَقّن أحد الْأَمريْنِ، فَلَمَّا صدقُوا ذَا الْيَدَيْنِ علم صِحَة قَوْله. قَالَ: وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ البُخَارِيّ بتبويبه. ١٠٣ - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة عَن مَالك بن أنس عَن أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ)

стр. 1500

عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - انْصَرف من اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - أصدق ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ النَّاس نعم فَقَامَ رَسُول الله ﷺ َ - فصلى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ كبر فَسجدَ مثل سُجُوده أَو أطول) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه ﷺ َ - شكّ فِيمَا قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ فَرجع فِيهِ إِلَى قَول النَّاس وَهُوَ السَّبَب الظَّاهِر فِي ذَلِك وَإِن كَانَ يحْتَمل تذكره ﷺ َ - الْأَمر من تِلْقَاء نَفسه فَبنى عَلَيْهِ لَا على إِخْبَار النَّاس لِأَن هَذَا سَبَب خَفِي وَالشَّيْء إِذا كَانَ لَهُ سببان ظَاهر وخفي فيسند إِلَى السَّبَب الظَّاهِر دون الْخَفي. (ذكر رِجَاله) قد ذكرُوا غير مرّة. وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والعنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه ذكر مَالك بنسبته إِلَى أَبِيه وَكَذَلِكَ أَيُّوب ذكر مَعَ نسبته إِلَى حرفته وَاسم أبي تَمِيمَة كيسَان وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين مدنِي وبصري وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَقد ذكرنَا مبَاحث هَذَا الحَدِيث وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من كل شَيْء فِي بَاب تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَفِي بَاب التَّوَجُّه نَحْو الْقبْلَة قَوْله " انْصَرف من اثْنَتَيْنِ " أَي رَكْعَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ من الصَّلَاة الرّبَاعِيّة وَكَانَت إِحْدَى صَلَاتي الْعشَاء على مَا جَاءَ فِي لفظ البُخَارِيّ " صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ َ - إِحْدَى صَلَاتي الْعشَاء " قَالَ ابْن سِيرِين سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَة وَلَكِن نسيت أَنا. وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عَن مُحَمَّد أكبر ظَنِّي أَنَّهَا الظّهْر وَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي الْأَدَب وَفِي الْمُوَطَّأ الْعَصْر قَوْله " أصدق ذُو الْيَدَيْنِ " واسْمه الْخِرْبَاق بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة والهمزة فِي " أقصرت " للاستفهام عَن سَبَب تَغْيِير وضع الصَّلَاة وَنقص ركعاتها قَوْله " مثل سُجُوده " ظَاهره أَنه سَجْدَة وَاحِدَة وَلَكِن لفظ السُّجُود مصدر يتَنَاوَل السَّجْدَة والسجدتين والْحَدِيث الَّذِي يَأْتِي بعده يبين أَن المُرَاد سَجْدَتَانِ - ٧١٥ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى النبيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ فَقَيلَ صلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن سعد ابْن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن عَمه أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن عبد الله ابْن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن عبيد الله عَن بهز عَن شُعْبَة بِهِ، وَقَالَ: لَا أعلم أحدا ذكر فِي هَذَا الحَدِيث: ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ، غير سعد بن إِبْرَاهِيم فَإِن قلت: روى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) : أخبرنَا أَبُو يعلى حَدثنَا ابْن معِين حَدثنَا شُعَيْب بن أبي مَرْيَم حَدثنَا لَيْث وَابْن وهب عَن عبد الله الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ : لم يسْجد يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ سَجْدَتي السَّهْو، قَالَ: وَكَانَ ابْن شهَاب يَقُول: إِذا عرف الرجل مَا نسي من صلَاته فأتمها فَلَيْسَ عَلَيْهِ سجدتا السَّهْو، لهَذَا الحَدِيث قلت: قَالَ مُسلم فِي التَّمْيِيز: قَول ابْن شهَاب، إِنَّه لم يسْجد يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، خطأ وَغلط، وَقد ثَبت أَنه سجد سَجْدَتي السَّهْو من رِوَايَة الثِّقَات ابْن سِيرِين وَغَيره. ٧٠ - (بابٌ إذَا بَكَى الإمامُ فِي الصَّلاةِ أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا بَكَى الإِمَام فِي الصَّلَاة، يَعْنِي هَل تفْسد أم لَا؟ وَلم يذكر جَوَاب: إِذا، لما فِيهِ من الْخلاف وَالتَّفْصِيل على مَا نذكرهُ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ شَدَّادٍ سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ إنَّمَا أشكُو بَثِّي وحُزْنِي إِلَى الله

стр. 1501

عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد تَابِعِيّ كَبِير لَهُ رِوَايَة، ولأبيه صُحْبَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عبد الله بن شَدَّاد بن أُسَامَة بن الْهَاد الْكِنَانِي اللَّيْثِيّ العثواري، من قدماء التَّابِعين. وَقَالَ فِي بَاب الشين: شَدَّاد بن الْهَاد، وَاسم الْهَاد: أُسَامَة بن عَمْرو، وَقيل لَهُ: الْهَاد، لِأَنَّهُ كَانَ يُوقد النَّار فِي اللَّيْل ليهتدي إِلَيْهِ الأضياف. وَقيل: الْهَاد، لقب جده عَمْرو، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة عَن إِسْمَاعِيل ابْن مُحَمَّد بن سعد سمع عبد الله بن شَدَّاد بِهَذَا، وَزَاد فِي صَلَاة الصُّبْح. وَأخرجه ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عبيد بن عُمَيْر، قَالَ: صلى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْفجْر فَافْتتحَ سُورَة يُوسُف فَقَرَأَ ﴿وابيضت عَيناهُ من الْحزن فَهُوَ كظيم﴾ (يُوسُف: ٨٤) . فَبكى حَتَّى انْقَطع ثمَّ رَجَعَ) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن الْحسن وَأَبُو سعيد بن أبي عَمْرو أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق حَدثنَا حجاج، قَالَ: قَالَ ابْن جريج سَمِعت ابْن أبي مليكَة، يَقُول: أَخْبرنِي عَلْقَمَة بن وَقاص، قَالَ: كَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يقْرَأ فِي الْعَتَمَة بِسُورَة يُوسُف، ﵊، وَأَنا فِي مُؤخر الصَّفّ، حَتَّى إِذا جَاءَ ذكر يُوسُف سَمِعت نَشِيجه من مُؤخر الصَّفّ. قَوْله: (نَشِيجه) النشيج على وزن: فعيل، بِفَتْح النُّون وَكسر الشين الْمُعْجَمَة. وَفِي آخِره جِيم من: نشج الباكي ينشج نشجا: إِذا غص بالبكاء فِي حلقه، أَو تردد فِي صَدره وَلم ينتحب، وكل صَوت بَدَأَ كالنفحة فَهُوَ نشيج، ذكره أَبُو الْمَعَالِي فِي (الْمُنْتَهى) . وَفِي (الْمُحكم) : النشيج: أَشد الْبكاء، وَقيل: هِيَ فاقة يرْتَفع لَهَا النَّفس كالفواق، وَقَالَ أَبُو عبيد: النشيج هُوَ مثل بكاء الصَّبِي إِذا ردد صَوته فِي صَدره وَلم يُخرجهُ وَفِي (مجمع الغرائب) : هُوَ صَوته مَعَه توجع وتحزن. وَقَالَ السفاقسي: أجَاز الْعلمَاء الْبكاء فِي الصَّلَاة من خوف الله تَعَالَى وخشيته. وَاخْتلفُوا فِي الأنين والتأوه قَالَ ابْن الْمُبَارك: إِذا كَانَ غَالِبا فَلَا بَأْس، وَعند أبي حنيفَة إِذا ارْتَفع تأوهه أَو بكاؤه فَإِن كَانَ من ذكر الْجنَّة وَالنَّار لم يقطعهَا، وَإِن كَانَ من وجع أَو مُصِيبَة قطعهَا، وَعَن الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر: لَا بَأْس بِهِ إلاّ أَن يكون كلَاما مفهوما، وَعَن الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ: يُعِيد صلَاته. ٧١٦ - حدَّثنا إسْمَاعيلُ قَالَ حَدثنَا مالِكُ بنُ أنَسٍ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ أم المُؤْمِنِينَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ مُرُوا أبِا بَكْرٍ يُصَلِّي بالناسِ قالَتْ عَائِشَةُ قُلْتُ إنَّ أبَا بَكْرٍ إذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ فَقَالَ مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ للنَّاسِ قالَتْ عائِشَةُ لِحَفْصَةَ قُولِي لَهُ أنَّ أبَا بَكْرٍ إذَا قامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ الناسَ مِنَ البُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ مَهْ إنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبَ يُوسُفَ مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ للناسِ قالَتْ حَفْصَةُ لَعَائِشَةَ مَا كُنْتُ لأِصِيبَ مِنْكِ خَيْرا. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عَائِشَة أخْبرت فِيهِ أَن أَبَا بكر إِذا قَامَ فِي مقَام النَّبِي، ﷺ ، يبكي بكاء شَدِيدا حَتَّى لَا يسمع النَّاس قِرَاءَته من شدَّة الْبكاء. فَإِن قلت: هَذَا إِخْبَار عَمَّا سيقع وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَنه بَكَى قلت: هِيَ أخْبرت عَمَّا شاهدته من بكائه فِي صلَاته قبل ذَلِك، وقاست على هَذَا أَنه إِذا قَامَ مقَام النَّبِي، ﷺ ، يبكي أَشد من ذَلِك لرُؤْيَته خلو مَكَان النَّبِي، ﷺ ، مَعَ مَا عِنْده من الرقة وَسُرْعَة الْبكاء فَإِن قلت: مَا فِي الحَدِيث شَيْء يدل على أَن أَبَا بكر كَانَ إِمَامًا، فضلا عَن أَنه بكي وَهُوَ إِمَام؟ قلت: جَاءَ فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب عَن عَائِشَة: (قلت: يَا رَسُول الله إِن أَبَا بكر رجل رَقِيق، إِذا قَرَأَ الْقُرْآن لَا يملك دمعه) . فَثَبت بِهَذَا أَنه كَانَ يبكي إِذا قَرَأَ الْقُرْآن، وَثَبت أَنه كَانَ إِمَامًا قبل أَن يَأْتِي النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ قَرَأَ قبل ذَلِك، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِيهِ: فَاسْتَفْتَحَ النَّبِي ﷺ من حَيْثُ انْتهى أَبُو بكر من الْقِرَاءَة، فَدلَّ ذَلِك على أَنه كَانَ يبكي وَهُوَ يقْرَأ الْقُرْآن، وَأَنه كَانَ يقْرَأ وَهُوَ إِمَام إِلَى وَقت مَجِيء النَّبِي ﷺ ، فطابق الحَدِيث التَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة. فَافْهَم. فَإِن أحدا مَا نبه على ذَلِك. ذكر بَقِيَّة الْكَلَام مِمَّا لم نذكرهُ: أما رِجَاله فقد مر ذكرهم غير مرّة، وَإِسْمَاعِيل بن أويس الأصبحي الْمدنِي ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَكلهمْ

стр. 1502

مدنيون. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. قَوْله: (من الْبكاء) كلمة: من، للتَّعْلِيل أَي: لأجل الْبكاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي الْبكاء، أَي: لأجل الْبكاء، و: فِي، جَاءَ للسَّبَبِيَّة أَو هُوَ حَال، أَي: كَائِنا فِي الْبكاء، وَهُوَ من بَاب إِقَامَة بعض حُرُوف الْجَرّ مقَام بعض قلت: هَذَا إِنَّمَا يتَوَجَّه إِذا صحت رِوَايَة: فِي الْبكاء. قَوْله: (فَمر عمر فَليصل) ، ويروى: (يُصَلِّي) قَوْله: (بِالنَّاسِ) ويروى: (للنَّاس) . قَوْله: (فَفعلت) أَي: القَوْل الْمَذْكُور، وَلم تقل: فَقَالَت كَذَا وَكَذَا اختصارا. وَقَوله: (مَه) كلمة زجر، وَقد تقدم فِيمَا مضى.) ٧١٧ - حدَّثنا أبُو الوَلِيد هِشَامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي عَمْرُو بنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ سالِمَ بنَ الجَعْدِ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ النبيُّ ﷺ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أوْ لَيُخَالِفَنَّ الله بَيْنَ وُجُوهِكُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي لفظ التَّسْوِيَة ظَاهِرَة وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُطَابق. قَوْله: (عِنْد الْإِقَامَة وَبعدهَا) ، وَلكنه أَشَارَ بذلك إِلَى مَا فِي بعض طرق الحَدِيث مَا يدل على ذَلِك، وَقد روى مُسلم من حَدِيث النُّعْمَان قَالَ ذَلِك مَا كَاد أَن يكبر. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا، وَعَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: أَبُو عبد الله الجهمي، بِضَم الْجِيم: الْمرَادِي، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء: الْكُوفِي الْأَعْمَش، من الْأَئِمَّة العاملين، مَاتَ سنة عشرَة وَمِائَة. والجعد، بِفَتْح الْجِيم، وَبشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة: مر فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب فضل من اسْتَبْرَأَ. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور باسمه وكنيته صَرِيحًا. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن الْمثنى وَابْن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لتسون) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: هَذِه اللَّام هِيَ الَّتِي يتلَقَّى بهَا الْقسم، وَالْقسم هُنَا مُقَدّر، وَلِهَذَا أكده بالنُّون الْمُشَدّدَة، وَقد أبرزه أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة، حَدثنَا وَكِيع عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن أبي الْقَاسِم الجدلي، قَالَ: سَمِعت النُّعْمَان بن بشير يَقُول: (أقبل رَسُول الله ﷺ على النَّاس بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم، ثَلَاثًا، وَالله لتقيمن صفوفكم أَو ليخالفن الله فِي قُلُوبكُمْ) . الْحَدث، وأصل: لتسوون، لِأَنَّهُ من التَّسْوِيَة تَقول: تسوي تسويان تسوون، بِضَم الْوَاو الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة، وَالنُّون فِيهِ عَلامَة الْجمع، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ نون التَّأْكِيد الثَّقِيلَة حذفت نون الْجمع وَإِحْدَى الواوين لالتقاء الساكنين، فالمحذوف هُوَ: وَاو الْجمع، أَو: وَاو الْكَلِمَة؟ فِيهِ خلاف، وَقد علم فِي مَوْضِعه. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (لتسوون) ، فالنون على هَذِه الرِّوَايَة نون الْجمع. فَإِن قلت: مَا معنى تَسْوِيَة الصُّفُوف؟ قلت: اعْتِدَال القائمين بهَا على سمت وَاحِد، وَيُرَاد بهَا أَيْضا سد الْخلَل الَّذِي فِي الصَّفّ على مَا سَيَأْتِي. قَوْله: (أَو ليخالفن الله) ، بِفَتْح اللَّام الأولى لِأَنَّهَا لَام التَّأْكِيد، وبكسر اللَّام الثَّانِيَة وَفتح الْفَاء، وَلَفظ: الله، مَرْفُوع بالفاعلية، وَكلمَة: أَو، فِي الأَصْل مَوْضُوعَة لأحد الشَّيْئَيْنِ أَو الْأَشْيَاء، وَقد تخرج إِلَى معنى: بل، وَإِلَى معنى: الْوَاو، وَهِي حرف عطف ذكر المتاخرون لَهَا مَعَاني كَثِيرَة، وَهَهُنَا لأحد الْأَمريْنِ، لِأَن الْوَاقِع أحد الْأَمريْنِ إِمَّا إِقَامَة الصُّفُوف وَإِمَّا الْمُخَالفَة. وَالْمعْنَى: ليخالفن الله إِن لم تُقِيمُوا الصُّفُوف، لِأَنَّهُ قَابل بَين الْإِقَامَة وَبَينه، فَيكون الْوَاقِع أحد الْأَمريْنِ، وَهَذَا وَعِيد لمن لم يقم الصُّفُوف بِعَذَاب من جنس ذنبهم لاختلافهم فِي مقامهم، وَقيل: يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء وَاخْتِلَاف الْقُلُوب، يُقَال: تغير وَجه فلَان عَليّ، أَي: ظهر لي من وَجهه كَرَاهِيَة فيَّ وَتغَير، لِأَن مخالفتهم فِي الصُّفُوف مُخَالفَة فِي الظَّاهِر، وَاخْتِلَاف الظَّاهِر سَبَب لاخْتِلَاف الْبَاطِن. وَقيل: هُوَ على حَقِيقَته، وَالْمرَاد

стр. 1503

تَشْوِيه الْوَجْه بتحويل خلقه عَن وَضعه بجعله مَوضِع الْقَفَا، وَهَذَا نَظِير الْوَعيد فِيمَن رفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يَجْعَل الله رَأسه راس حمَار، وَيُؤَيّد حمله على ظَاهره مَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي أُمَامَة بِلَفْظ: (لتسون الصُّفُوف أَو لتطمسن الْوُجُوه) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَعْنَاهُ تَفْتَرِقُونَ فَيَأْخُذ كل وَاحِد وَجها غير الَّذِي أَخذ صَاحبه، لِأَن تقدم الشَّخْص على غَيره مَظَنَّة الْكبر الْمُفْسد للقلب الدَّاعِي إِلَى القطيعة، وَيُقَال: المُرَاد من الْوَجْه إِمَّا الذَّات فالمخالفة بِحَسب الْمَقَاصِد، وَإِمَّا الْعُضْو الْمَخْصُوص، فالمخالفة إِمَّا بِحَسب الصُّورَة الإنسانية وَغَيرهَا، وَإِمَّا بِحَسب الصّفة، وَإِمَّا بِحَسب القدام والوراء. قَوْله: (ليخالفن) ، من بَاب المفاعلة، وَلَكِن لَا يَقْتَضِي الْمُشَاركَة لِأَن مَعْنَاهُ: ليوقعن الله الْمُخَالفَة بِقَرِينَة لَفْظَة: بَين. ٧١٨ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَارِثِ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أقِيمُوا الصُّفُوفَ فإنِّي أرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْأَمر بِإِقَامَة الصُّفُوف هُوَ الْأَمر بالتسوية، وَرِجَاله قد مروا، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: هُوَ عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد، وَعبد الْوَارِث بن سعيد الْبَصْرِيّ. وَأخرجه مُسلم عَن شَيبَان عَن عبد الْوَارِث، وَعند النَّسَائِيّ: (كَانَ يَقُول: اسْتَووا اسْتَووا فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ من خَلْفي كَمَا أَرَاكُم بَين يَدي) . قَوْله: (أقِيمُوا الصُّفُوف) أَي: عدلوا، يُقَال: أَقَامَ الْعود، أَي: عدله وسواه. قَوْله: (فَإِنِّي أَرَاكُم خلف ظَهْري) الْفَاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن سَبَب الْأَمر بذلك إِنَّمَا هُوَ تَحْقِيق مِنْكُم خِلَافه، وَلَا يخفى ذَلِك على أَنِّي أرى من خلف ظَهْري، كَمَا إرى من بَين يَدي. ثمَّ إِن هَذَا يجوز أَن يكون إدراكا خَاصّا بِالنَّبِيِّ ﷺ محققا انخرقت لَهُ الْعَادة وخلقت لَهُ عين وَرَاءه فَيرى بهَا، كَمَا ذكر مُخْتَار بن مُحَمَّد فِي رسَالَته الناصرية: أَنه ﷺ كَانَ بَين كتفه عينان مثل سم الْخياط، فَكَانَ يبصر بهما، وَلَا تحجبهما الثِّيَاب. وَفِي حَدِيث: كَانَ ﷺ يرى فِي الظلام كَمَا يرى فِي الضَّوْء. وَذكر بعض أهل الْعلم أَن ذَلِك رَاجع إِلَى الْعلم، وَأَن مَعْنَاهُ: لَا علم، وَهَذَا تَأْوِيل لَا حَاجَة إِلَيْهِ، بل حمل ذَلِك على ظَاهره أولى، وَيكون ذَلِك زِيَادَة فِي كرامات الشَّارِع، قَالَه الْقُرْطُبِيّ. وَقَالَ أَحْمد وَجُمْهُور الْعلمَاء: هَذِه الرُّؤْيَة رُؤْيَة الْعين حَقِيقَة وَلَا مَانع لَهُ من جِهَة الْعقل، وَورد الشَّرْع بِهِ فَوَجَبَ القَوْل بِهِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْأَمر بتسوية الصُّفُوف، وَهِي من سنة الصَّلَاة عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك، وَزعم ابْن حزم أَنه فرض، لِأَن إِقَامَة الصَّلَاة فرض، وَمَا كَانَ من الْفَرْض فَهُوَ فرض. قَالَ ﷺ : (فَإِن تَسْوِيَة الصَّفّ من تَمام الصَّلَاة) . فَإِن قلت: الأَصْل فِي الْأَمر الْوُجُوب وَلَا سِيمَا فِيهِ الْوَعيد على ترك تَسْوِيَة الصُّفُوف، فَدلَّ على أَنَّهَا وَاجِبَة. قلت: هَذَا الْوَعيد من بَاب التَّغْلِيظ وَالتَّشْدِيد تَأْكِيدًا وتحريضا على فعلهَا، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَلَيْسَ بسديد. لِأَن الْأَمر المقرون بالوعيد يدل على الْوُجُوب، بل الصَّوَاب أَن يَقُول: فلتكن التَّسْوِيَة وَاجِبَة بِمُقْتَضى الْأَمر، وَلكنهَا لَيست من وَاجِبَات الصَّلَاة بِحَيْثُ أَنه إِذا تَركهَا فَسدتْ صلَاته أَو نقصتها. غَايَة مَا فِي الْبَاب إِذا تَركهَا يَأْثَم، وَرُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يُوكل رجَالًا بِإِقَامَة الصُّفُوف، فَلَا يكبر حَتَّى يخبر أَن الصُّفُوف قد اسْتَوَت، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا كَانَا يتعاهدان ذَلِك ويقولان: اسْتَووا، وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: تقدم يَا فلَان، وَتَأَخر يَا فلَان. وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يُسَوِّي صُفُوفنَا إِذا قمنا للصَّلَاة وَإِذا استوينا كبر للصَّلَاة) ، وَلَفظ مُسلم: (كَانَ يُسَوِّي صُفُوفنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بهَا القداح، حَتَّى رأى أَنا قد غفلنا عَنهُ، خرج يَوْمًا حَتَّى كَاد أَن يكبر، فَرَأى رجلا باديا صَدره، فَقَالَ: عباد الله لتسونَّ صفوفكم) الحَدِيث. ٧٢ - (بابُ إقْبَالِ الإمامِ النَّاسَ عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُفُوفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم إقبال الإِمَام، وَلَفظ الإقبال مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وَقَوله: النَّاس، بِالنّصب مَفْعُوله. ٧١٩ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ أبي رَجَاءِ قَالَ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا زائِدَةُ

стр. 1504

بنُ قُدَامَةَ قَالَ حدَّثنا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأقْبَلَ عَلَيْنا رسولُ الله ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَالَ أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وتَرَاصُّوا فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن أبي رَجَاء، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْجِيم، وبالمد وَاسم أبي رَجَاء: عبد الله بن أَيُّوب أَبُو الْوَلِيد الْحَنَفِيّ الْهَرَوِيّ، مَاتَ بهراة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وقبره مشْهد يزار. الثَّانِي: مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ الْبَغْدَادِيّ، وَأَصله كُوفِي. الثَّالِث: زَائِدَة بن قدامَة، بِضَم الْقَاف: مر فِي: بَاب غسل الْمَذْي. الرَّابِع: حميد الطَّوِيل، بِضَم الْحَاء. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي جَمِيع الْإِسْنَاد، وَلم يَقع مثل هَذَا إِلَى هُنَا. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين هروي وبغدادي وكوفي وبصري. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو أَيْضا من شُيُوخ البُخَارِيّ، وَهُوَ من قدماء شُيُوخه، وروى لَهُ هَهُنَا بِوَاسِطَة أَحْمد بن أبي رَجَاء، وَالظَّاهِر أَنه لم يسمع هَذَا الحَدِيث مِنْهُ. وَفِيه: تَصْرِيح حميد بِالتَّحْدِيثِ عَن أنس، فأمن بذلك تدليسه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أقِيمُوا صفوفكم) : الْخطاب للْجَمَاعَة الْحَاضِرين لأَدَاء الصَّلَاة مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَإِقَامَة الصُّفُوف: تسويتها. قَوْله: (وتراصوا) ، بِضَم الصَّاد الْمُشَدّدَة وَأَصله: تراصصوا، أدغمت الصَّاد فِي الصَّاد لِأَنَّهُمَا مثلان، فَوَجَبَ الْإِدْغَام وَمَعْنَاهُ: تضاموا وتلاصقوا حَتَّى يتَّصل مَا بَيْنكُم وَلَا يَنْقَطِع، وَأَصله من الرص، يُقَال: رص الْبناء يرصه رصا إِذا لصق بعضه بِبَعْض، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ (الصَّفّ: ٤) . وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) و (صَحِيح ابْن حبَان) : من حَدِيث أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (رصوا صفوفكم وقاربوا بَينهَا وحاذوا بالأعناق، فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ أَنِّي لأرى الشَّيْطَان يدْخل من خلل الصَّفّ، كَأَنَّهُ الْحَذف) . والحذف، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره فَاء: وَهِي غنم صغَار سود تكون بِالْيمن، وفسرها مُسلم: بِالنَّقْدِ، بِالتَّحْرِيكِ، وَهِي جنس من الْغنم قصار الأرجل قباح الْوُجُود. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أَجود الصُّوف صوفها. وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: (قيل: يَا رَسُول الله، وَمَا أَوْلَاد الْحَذف؟ قَالَ: ضَأْن جرد سود تكون بِأَرْض الْيمن) . وَقَالَ الْخطابِيّ: وَيُقَال: أَكثر مَا تكون بِأَرْض الْحجاز. قَوْله: (من وَرَاء ظَهْري) أَي: من خلف ظَهْري، وَهَهُنَا ذكر كلمة: من، بِخِلَاف الحَدِيث السَّابِق، والنكتة فِيهِ أَنه إِذا وجد من يكون صَرِيحًا فَإِن مبدأ الرُّؤْيَة ومنشأها من خلف بِأَن يخلق الله حاسة باصرة فِيهِ، وَإِذا عدم يحْتَمل أَن يكون منشؤها هَذِه الحاسة الْمَعْهُودَة، وَأَن تكون غَيرهَا مخلوقة فِي الوراء، وَلَا يلْزم رؤيتنا تِلْكَ الحاسة، إِذا الرُّؤْيَة إِنَّمَا هِيَ بِخلق الله تَعَالَى وإرادته. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز الْكَلَام بَين الْإِقَامَة وَبَين الصَّلَاة، وَوُجُوب تَسْوِيَة الصُّفُوف. وَفِيه: معْجزَة النَّبِي ﷺ . ٧٣ - (بابُ الصَّفِّ الأَوَّلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ثَوَاب الصَّفّ الأول، وَاخْتلف فِي الصَّفّ الأول فَقيل: المُرَاد بِهِ مَا يَلِي الإِمَام مُطلقًا. وَقيل: المُرَاد بِهِ من سبق إِلَى الصَّلَاة وَلَو صلى آخر الصُّفُوف، قَالَه ابْن عبد الْبر. وَقيل: المُرَاد بِهِ أول صف تَامّ مسدود لَا يتخلله شَيْء مثل مَقْصُورَة وَنَحْوهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: القَوْل الأول هُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار، وَبِه صرح الْمُحَقِّقُونَ، وَالْقَوْلَان الْآخرَانِ غلط صَرِيح. قلت: القَوْل الثَّانِي لَا وَجه لَهُ، لِأَنَّهُ ورد فِي حَدِيث أبي سعيد أخرجه أَحْمد: (وَأَن خير الصُّفُوف صُفُوف الرِّجَال الْمُقدم وشرها الْمُؤخر) الحَدِيث، وَالْقَوْل الثَّالِث لَهُ وَجه، لِأَنَّهُ ورد فِي حَدِيث أنس أخرجه أَبُو دَاوُد وَغَيره: (رصوا صفوفكم) ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَإِذا تخَلّل بَين الصَّفّ شَيْء ينْتَقض الرص، وَفِيه أَيْضا: (أَنِّي لأرى الشَّيْطَان يدْخل من خلل الصَّفّ) . وَأما كَون القَوْل الأول هُوَ الصَّحِيح فوجهه أَن الأول إسم لشَيْء لم يسْبقهُ شَيْء وَلَا يُطلق على هَذَا إلَاّ على الصَّفّ الأول الَّذِي يَلِي الإِمَام مُطلقًا. فَإِن قلت: ورد فِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب أخرجه أَحْمد: (إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول أَو الصُّفُوف الأول) . قلت: لفظ الأول من الْأُمُور النسبية، فَإِن الثَّانِي أول بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّالِث، وَالثَّالِث أول بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّابِع، وهلم جرا ... وَلَكِن الأول الْمُطلق هُوَ الَّذِي لم يسْبقهُ شَيْء، ثمَّ الْحِكْمَة فِي التحريض والحث على الصَّفّ الأول الْمُطلق على وُجُوه:

стр. 1505

المسارعة إِلَى خلاص الذِّمَّة، والسبق لدُخُول الْمَسْجِد، والقرب من الإِمَام، واستماع قِرَاءَته والتعلم مِنْهُ، وَالْفَتْح عَلَيْهِ عِنْد الْحَاجة، واحتياج الإِمَام إِلَيْهِ عِنْد الإستخلاف، والبعد مِمَّن يخترق الصُّفُوف، وسلامة الخاطر من رُؤْيَة من يكون بَين يَدَيْهِ، وخلوه مَوضِع سُجُوده من أذيال الْمُصَلِّين. ٧٢٠ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عَنْ مالِكٍ عَن سُمَيِّ عَن أبي صالحٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ الشُّهَدَاءُ الغَرِقُ والمَطْعُونُ والمْبطُونُ والهَدِمُ. قَالَ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا ولَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأتَوْهُمَا ولَوْ حَبْوا ولَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأوَّلِ لاسْتَهَمُوا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَو يعلمُونَ مَا فِي الصَّفّ الأول لاستهموا) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: كلهم قد ذكرُوا، وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل إسمه الضَّحَّاك بن مخلد، وَسمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْقرشِي المَخْزُومِي أَبُو عبد الله الْمدنِي، مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والعنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وَرُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني، فالبصري شيخ البُخَارِيّ وَالْبَاقُونَ مدنيون. وَأخرج البُخَارِيّ من هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب فضل التهجير، عَن قُتَيْبَة عَن مَالك عَن سمي عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بأتم مِنْهُ، وَلَفظه: (الشُّهَدَاء خمس: المطعون والمبطون والغريق وَصَاحب الْهدم والشهيد فِي سَبِيل الله) . وَفِيه: (والصف الأول) ، وَأخرجه فِي: بَاب الاستهام فِي الْأَذَان عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن سمي ... إِلَى آخِره، وَلَفظه: (لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء الأول والصف الأول ثمَّ لَا يَجدونَ إلاّ إِن يستهموا لاستهموا) الحَدِيث. وَلَيْسَ فِيهِ ذكر: الشُّهَدَاء، وَذكرنَا فِي الْبَابَيْنِ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء. قَوْله: (الْغَرق) ، بِكَسْر الرَّاء بِمَعْنى: الغريق، (والمبطون) : هُوَ صَاحب الإسهال، (وَالْهدم) ، بِكَسْر الدَّال، وَقيل: بسكونها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ المهدوم. قلت: المهدوم هُوَ الَّذِي يهدم، وَأما الْهدم هُوَ الَّذِي يَقع عَلَيْهِ الْهدم، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَاضِي، وَصَاحب الْهدم، (والتهجير) : التبكير إِلَى كل شَيْء،. (وَالْعَتَمَة) صَلَاة الْعشَاء، و: الحبو، الزَّحْف على الأست. و: الاستهام: الاقتراع، و: الْمُقدم: ضد الْمُؤخر، وَهُوَ أَيْضا أَمر نسبي، ويروى: الصَّفّ الأول، فَإِن أردْت الإمعان فِي الْكَلَام فَعَلَيْك بِمَا فِي الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين. ٧٤ - (بابٌ إقامةُ الصَّف مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِقَامَة الصَّفّ، وَهِي تسويته من تَمام الصَّلَاة، وَسَنذكر مَا المُرَاد من: تَمام الصَّلَاة. ٧٢٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاق قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَن أبِي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذا رَكَعَ فارْكَعُوا وإذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ وإذَا سجَدَ فاسْجُدُوا وإذَا صَلَّى جَالِسا فَصَلُّوا جُلُوسا أجْمَعُونَ وأقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصلاةِ فإنَّ إقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصلاةِ (الحَدِيث ٧٢٢ طرفه فِي: ٧٣٤) . ذكر البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة: من تَمام الصَّلَاة، وَفِي الحَدِيث: (من حسن الصَّلَاة) وَفِي حَدِيث أنس فِي الْبَاب: (فَإِن تَسْوِيَة الصُّفُوف من إِقَامَة الصَّلَاة) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ وَسليمَان بن حَرْب، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (سووا صفوفكم فَإِن تَسْوِيَة الصَّفّ من تَمام الصَّلَاة) . وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي خَليفَة وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عُثْمَان الدَّارمِيّ، كِلَاهُمَا عَنهُ، وَكَذَا مُسلم وَغَيره من طَرِيق جمَاعَة عَن شُعْبَة، ثمَّ تَوْجِيه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وحديثي الْبَاب من حَيْثُ إِن المُرَاد من الْحسن هُوَ الْكَمَال، لِأَن حسن الشَّيْء زَائِد على حَقِيقَته، فَتعين تَقْدِير هَذَا اللَّفْظ فِي التَّرْجَمَة هَكَذَا بَاب: إِقَامَة الصَّفّ من كَمَال تَمام الصَّلَاة أَو من حسن تَمام الصَّلَاة، وَلَا خَفَاء أَن تَسْوِيَة الصَّفّ لَيست من حَقِيقَة الصَّلَاة، وَإِنَّمَا هِيَ من حسنها وكمالها، وَإِن كَانَت هِيَ فِي نَفسهَا سنة أَو وَاجِبَة أَو مُسْتَحبَّة على اخْتِلَاف الْأَقْوَال.

стр. 1506

وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي حَدِيث أنس: فَإِن تَسْوِيَة الصُّفُوف لَيست من إِقَامَة الصَّلَاة؟ لِأَن الصَّلَاة تُقَام بغَيْرهَا، وَالتَّقْدِير: فَإِن تَسْوِيَة الصُّفُوف من كَمَال إِقَامَة الصَّلَاة، وَقد تكلّف بعض الشُّرَّاح هَهُنَا بِكَلَام لَا طائل تَحْتَهُ. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر البُخَارِيّ الْجعْفِيّ المسندي، مَاتَ فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام أَبُو بكر الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: همام بن مُنَبّه الْيَمَانِيّ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بخاري وبصري ويمانيين. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَقد مضى فِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ نَحْو حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا فِي موضِعين: أَحدهمَا: عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، لَكِن أَوله: (صلى رَسُول الله ﷺ فِي بَيته وَهُوَ شاكٍ فصلى وَهُوَ قَاعد وَصلى وَرَاءه قوم قيَاما، فَأَشَارَ عَلَيْهِم أَن اجلسوا، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، فَإِذا ركع فاركعوا، وَإِذا رفع فارفعوا، وَإِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده فَقولُوا: رَبنَا وَلَك الْحَمد، وَإِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ) . انْتهى. وَالْآخر: حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وأوله: (أَن رَسُول الله ﷺ ركب فرسا فصرع عَنهُ، فجحش عَن شقَّه الْأَيْمن، فصلى صَلَاة من الصَّلَوَات وَهُوَ قَاعد فصلينا وَرَاءه قعُودا، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ) ، إِلَى قَوْله: (أَجْمَعُونَ) . نَحوه مَعَ بعض تفَاوت فِي الْمَتْن يظْهر ذَلِك عِنْد الْمُقَابلَة. قَوْله: (أقِيمُوا الصَّفّ) أَي: سووا وأعدلوا. ٧٢٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فإنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة قد ذَكرْنَاهُ. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْوَلِيد هُوَ: هِشَام بن عبد الْملك. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، وَكِلَاهُمَا عَن غنْدر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد، وَفِيه: عَن أبي الْوَلِيد وَسليمَان بن حَرْب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بنْدَار عَن يحيى وَعَن نصر بن عَليّ عَن أَبِيه وَبشر بن عمر. قَوْله: (فَإِن تَسْوِيَة الصُّفُوف) وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (الصَّفّ) بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (من إِقَامَة الصَّلَاة) ، كَذَا ذكره البُخَارِيّ عَن أبي الْوَلِيد، وَذكره غَيره عَنهُ بِلَفْظ: (من تَمام الصَّلَاة) ، وَتمسك ابْن بطال بِظَاهِر لفظ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فاستدل بِهِ على أَن تَسْوِيَة الصَّفّ سنة. قَالَ: لِأَن حسن الشَّيْء زِيَادَة على تَمَامه، وَأورد عَلَيْهِ رِوَايَة: من تَمام الصَّلَاة، وَأجَاب ابْن دَقِيق الْعِيد، قَالَ: قد يُؤْخَذ من قَوْله: (تَمام الصَّلَاة) ، الِاسْتِحْبَاب. لِأَن تَمام الشَّيْء فِي الْعرف أَمر زَائِد على حَقِيقَته الَّتِي لَا يتَحَقَّق إلَاّ بهَا، وَإِن كَانَ يُطلق بِحَسب الْوَضع على بعض مَا لَا تتمّ الْحَقِيقَة إلَاّ بِهِ. قلت: وَفِيه: نظر، لِأَن أَلْفَاظ الشَّرْع لَا تسْتَعْمل بِحَسب الْعرف، بل الَّذِي يدل على الِاسْتِحْبَاب مَا ذَكرْنَاهُ، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال، وَهُوَ متصف بِصفة الْكَمَال. ٧٥ - (بابُ إثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من لَا يتم الصُّفُوف عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة. ٧٢٤ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ أسَدٍ قَالَ أخبرنَا الفَضْلُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا سَعِيدُ بنُ عُبَيْدٍ الطائيُّ عَنْ بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ الأنْصَارِيِّ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ مَا أنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يوْمِ عَهِدْتَ رسولَ الله ﷺ قَالَ مَا انْكَرْتُ شَيئا إلاّ أنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ. مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أنسا حصل مِنْهُ الْإِنْكَار على عدم إقامتهم الصُّفُوف، وإنكاره يدل على أَنه يرى تَسْوِيَة الصُّفُوف وَاجِبَة، فتارك الْوَاجِب آثم. وَظَاهر تَرْجَمَة البُخَارِيّ يدل على أَنه أَيْضا يرى وجوب التَّسْوِيَة، وَالصَّوَاب

стр. 1507

هَذَا لوُرُود الْوَعيد الشَّديد فِي ذَلِك. قيل: الْإِنْكَار قد يَقع على ترك السّنة فَلَا يدل ذَلِك على حُصُول الْإِثْم. قلت: الْإِنْكَار يسْتَلْزم الْمُنكر وفاعل الْمُنكر آثم، على أَنه ﷺ أَمر بالتسوية. وَالْأَصْل فِي الْأَمر الْوُجُوب إلَاّ إِذا دلّت قرينَة على غَيره، وَمَعَ وُرُود الْوَعيد على تَركهَا وإنكار أنس ظَاهر فِي أَنهم خالفوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زمن النَّبِي ﷺ من إِقَامَة الصُّفُوف، فعلى هَذَا تَسْتَلْزِم الْمُخَالفَة التأثيم. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنه لَا يبْقى شَيْء مسنون لِأَن التأثيم إِنَّمَا يحصل من ترك وَاجِب. قلت: قَول هَذَا الْقَائِل ضَعِيف، بل هُوَ كَلَام الْفساد لأَنا لَا نسلم إِن حُصُول التأثيم منحصر على ترك الْوَاجِب، بل التأثيم يحصل أَيْضا عَن ترك السّنة، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَت مُؤَكدَة، وَمَعَ الْقَوْم بِوُجُوب التَّسْوِيَة فَتَركهَا لَا يضر صلَاته لِأَنَّهَا خَارِجَة عَن حَقِيقَة الصَّلَاة، أَلا ترى أَن أنسا، مَعَ إِنْكَاره عَلَيْهِم، لم يَأْمُرهُم بِإِعَادَة الصَّلَاة، وَلَا يعْتَبر مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن حزم من بطلَان صلَاته مستدلاً بِمَا صَحَّ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه ضرب قدم أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ لإِقَامَة الصَّفّ، وَبِمَا صَحَّ عَن سُوَيْد ابْن غَفلَة قَالَ: كَانَ بِلَال يُسَوِّي مناكبنا وَيضْرب أقدامنا فِي الصَّلَاة، فَقَالَ ابْن حزم: مَا كَانَ عمر وبلال يضربان أحدا على ترك غير الْوَاجِب. قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر لجَوَاز أَنَّهُمَا كَانَا يريان التَّعْزِير على ترك السّنة قلت: فِي هَذَا النّظر نظر، لِأَن قَائِله قد نَاقض فِي قَوْله حَيْثُ قَالَ، فِيمَا مر عَن قريب: التأثيم إِنَّمَا يحصل عَن ترك وَاجِب، فَإِذا لم يكن تَارِك السّنة آثِما فَكيف يسْتَحق التَّعْزِير؟ بل الظَّاهِر أَن ضربهما كَانَ لترك الْأَمر الَّذِي ظَاهره الْوُجُوب، ولاستحقاق الْوَعيد الشَّديد فِي التّرْك. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: معَاذ، بِضَم الْمِيم: ابْن أَسد أَبُو عبد الله الْمروزِي نزل الْبَصْرَة. الثَّانِي: الْفضل بن مُوسَى الْمروزِي السينَانِي، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف النُّون وَبعد الْألف نون أُخْرَى: نِسْبَة إِلَى سينان، قَرْيَة من قرى مرو، مَاتَ سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: سعيد بن عبيد الطَّائِي أَبُو الْهُذيْل الْكُوفِي. الرَّابِع: بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: ابْن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة وَبعد الْألف رَاء: الْمدنِي مولى الْأَنْصَار. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: بشير الْمَذْكُور لَيْسَ لَهُ فِي الْكتب السِّتَّة عَن أنس غير هَذَا الحَدِيث. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وكوفي ومدني، وتابع الْفضل أَبُو مُعَاوِيَة وَإِسْحَاق الْأَزْرَقِيّ عَن سعيد، كَمَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُمَا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنه قدم الْمَدِينَة) ، أَي: من بصرة. قَوْله: (مَا أنْكرت) ، أَي: أَي شَيْء أنْكرت منا مُنْذُ يَوْم عهِدت؟ وَقد علمت أَن: مُنْذُ ومذ، حرفا جر، وَهُوَ الصَّحِيح. وَقيل: إسمان مضافان، فَيكون بِمَعْنى: من، إِن كَانَ الزَّمَان مَاضِيا وَبِمَعْنى: فِي، إِن كَانَ حَاضرا، وَبِمَعْنى: من وَإِلَى جَمِيعًا، إِن كَانَ معدودا نَحْو: مَا رَأَيْته مُنْذُ يَوْم الْخَمِيس أَو مُنْذُ يَوْمنَا أَو عامنا أَو مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام، وَالْمعْنَى هَهُنَا: مَا أنْكرت منا من يَوْم عهِدت رَسُول الله ﷺ ؟ وَالْمَذْكُور فِي الْمَتْن رِوَايَة الْكشميهني وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (مَا أنْكرت مُنْذُ يَوْم عهِدت؟) بِغَيْر لفظ منا. قَوْله: (مَا أنْكرت شَيْئا) إِلَى آخِره، يدل على أَن إِنْكَاره على ترك الْوَاجِب أَو السّنة الْمُؤَكّدَة، فَلذَلِك بوب البُخَارِيّ بالترجمة الْمَذْكُورَة. وَقَالَ عُقْبَةُ بنُ عُبَيْدٍ عَنْ بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ قَدِمَ عَلَيْنَا أنَسُ بنُ مالِكٍ المَدِينَةَ بِهَذَا عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف: أَخُو سعيد بن عبيد، رَاوِي الْإِسْنَاد الَّذِي قبله، وَلَيْسَ للْبُخَارِيّ عَن عقبَة إلَاّ هَذَا الْمُعَلق، ويكنى عقبَة بِأبي الرّحال، بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة، وَقد وصل هَذَا الْمُعَلق أَبُو نعيم الْحَافِظ عَن أبي بكر بن مَالك عَن عبد الله بن أَحْمد عَن أَبِيه، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة وَيحيى بن سعيد، قَالَا: حَدثنَا عقبَة بن عبيد فَذكره وَوَصله أَحْمد أَيْضا فِي مُسْنده عَن يحيى الْقطَّان عَن عقبَة بن عبيد الطَّائِي، حَدثنِي بشير بن يسَار، قَالَ: (جَاءَ أنس إِلَى الْمَدِينَة فَقُلْنَا: مَا أنْكرت منا من عهد رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: مَا أنْكرت مِنْكُم شَيْئا غير أَنكُمْ لَا تقيمون الصُّفُوف) . وَهَذِه الْمُقدمَة لأنس غير الْمُقدمَة الَّتِي تقدم ذكرهَا فِي: بَاب وَقت الْعَصْر، فَإِن ظَاهر الحَدِيث فِيهَا أَنه أنكر تَأْخِير الظّهْر إِلَى أول وَقت الْعَصْر، وَهَذَا الْإِنْكَار أَيْضا غير الْإِنْكَار الَّذِي تقدم ذكره فِي: بَاب تَضْييع الصَّلَاة عَن وَقتهَا، حَيْثُ قَالَ: لَا أعرف شَيْئا مِمَّا كَانَ

стр. 1508

على عهد النَّبِي ﷺ إِلَّا الصَّلَاة وَقد ضيعت. فَإِن ذَلِك كَانَ بِالشَّام، وَهَذَا بِالْمَدِينَةِ، فَإِن قلت: مَا فَائِدَة ذكر هَذَا الْمُعَلق وَمَا الْفرق بَين الطَّرِيقَيْنِ؟ قلت: الْجَواب عَن الأول: أَن البُخَارِيّ أَرَادَ بِذكر الطَّرِيق الثَّانِي بَيَان سَماع بشير بن يسَار لَهُ عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن الثَّانِي: أَنه فِي الأول روى عَن أنس، وَفِي الثَّانِي مَا روى عَنهُ، بل شَاهد بِنَفسِهِ الْحَال. ٧٦ - (بابُ الصَاقِ المَنْكِبِ بِالمَنْكِبِ والقَدَم بالقَدَمِ فِي الصَّفِّ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إلصاق الْمنْكب بالمنكب ... إِلَى آخِره، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْمُبَالغَة فِي تَعْدِيل الصُّفُوف وسد الْخلَل فِيهِ، وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي ذَلِك. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث مُحَمَّد بن مُسلم بن السَّائِب صَاحب (الْمَقْصُورَة) قَالَ: (صليت إِلَى جنب أنس بن مَالك يَوْمًا فَقَالَ: هَل تَدْرِي لم صنع هَذَا الْعود؟ فَقلت: لَا وَالله. قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يضع يَده عَلَيْهِ وَيَقُول: اسْتَووا وَعدلُوا صفوفكم) . ثمَّ قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا حميد الْأسود حَدثنَا مُصعب بن ثَابت عَن مُحَمَّد بن مُسلم عَن أنس بن مَالك بِهَذَا الحَدِيث قَالَ: (إِن رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة أَخذه بِيَمِينِهِ ثمَّ الْتفت فَقَالَ: اعتدلوا سووا صفوفكم، ثمَّ أَخذه بيساره، وَقَالَ اعتدلوا سووا صفوفكم) . وَفِي لفظ: (رصوا صفوفكم وقاربوا بَينهَا وحاذوا الْأَعْنَاق) ، الحَدِيث. وَفِي لفظ: (أَتموا الصَّفّ الْمُقدم ثمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ من نقص فَلْيَكُن فِي الصَّفّ الْمُؤخر) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : عَن الْبَراء بن عَازِب (كَانَ رَسُول الله ﷺ يَتَخَلَّل الصَّفّ من نَاحيَة إِلَى نَاحيَة يمسح صدورنا ومناكبنا وَيَقُول: لَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ) ، وَفِي لفظ: (فيمسح عواتقنا وصدورنا) ، وَعند السراج: (مناكبنا أَو صدورنا) ، وَفِي لفظ: (كَانَ يَأْتِي من نَاحيَة الصَّفّ إِلَى ناحيته القصوى بَين صُدُور الْقَوْم ومناكبهم) ، وَفِي لفظ: (يمسح عواتقنا أَو قَالَ: مناكبنا، أَو قَالَ صدورنا وَيَقُول: لَا تخْتَلف صدوركم فتختلف قُلُوبكُمْ) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي مَسْعُود: (كَانَ يمسح مناكبنا فِي الصَّلَاة وَيَقُول: اسْتَووا وَلَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ) الحَدِيث. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثا عيس بن ابراهيم الغافقى حَدثنَا ابْن وهب وَحدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا اللَّيْث وَحَدِيث ابْن وهب اتم من مُعَاوِيَة بن صَالح عَن ابى الزَّاهِرِيَّة عَن كثير بن مرّة عَن عبد الله بن عمر قَالَ قُتَيْبَة عَن ابى الزاهربة عَن ابى شَجَرَة لم يذكر ابْن عمر ان رسوا الله ﷺ قَالَ (اقيموا الصُّفُوف) بَين المناكب وسدوا الْخلَل، ولينوا بأيدي إخْوَانكُمْ وَلَا تذروا فرجات للشَّيْطَان، وَمن وصل صفا وَصله الله، وَمن قطع صفا قطعه الله) . قلت: ابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب وَأَبُو الزَّاهِرِيَّة: حدير بن كريب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة، وَأَبُو شَجَرَة: هُوَ كثير بن مرّة. قَوْله: (ولينوا بأيدي إخْوَانكُمْ) قَالَ أَبُو دَاوُد: مَعْنَاهُ إِذا جَاءَ رجل إِلَى الصَّفّ فَذهب يخل فِيهِ فَيَنْبَغِي أَن يلين لَهُ كل رجل مَنْكِبه حَتَّى يدْخل فِي الصَّفّ. قَوْله: (وَلَا تذروا) أَي: وَلَا تتركوا. وَقَالَ النُّعْمَانُ بنُ بَشِيرٍ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ النُّعْمَان بن بشير بن سعيد بن ثَعْلَبَة الْأنْصَارِيّ الخزرجي أَبُو عبد الله الْمدنِي صَاحب رَسُول الله ﷺ وَابْن صَاحبه، وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْأَنْصَار بعد قدوم النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ يحيى بن معِين: أهل الْمَدِينَة يَقُولُونَ: لم يسمع من رَسُول الله ﷺ ، وَأهل الْعرَاق يصححون سَمَاعه مِنْهُ، قتل فِيمَا بَين دمشق وحمص يَوْم راهط، وَكَانَ زبيريا. وَعَن أبي مسْهر: كَانَ عَاملا على حمص لِابْنِ الزبير، فَلَمَّا تمرد أهل حمص خرج هَارِبا فَاتبعهُ خَالِد بن عدي فَقتله، وَقيل: قتل فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ بسلمية، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن زَكَرِيَّا ب أبي زَائِدَة عَن أبي الْقَاسِم الجدلي، قَالَ: سَمِعت النُّعْمَان بن بشير يَقُول: (أقبل رَسُول الله ﷺ ، على النَّاس بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: (أقِيمُوا صفوفكم ثلاثاد وَالله لتقيمن صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين قُلُوبكُمْ. فَقَالَ: فَرَأَيْت الرجل يلزق مَنْكِبه بمنكب صَاحبه وركبته بركبة صَاحبه وكعبه بكعبه) . وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) وَأَبُو الْقَاسِم الجدلي: اسْمه الْحُسَيْن بن الْحَارِث الْمَنْسُوب إِلَى جديلة قيس الْكُوفِي. قَوْله: (لتقيمن) بِضَم الْمِيم لِأَن أَصله: لتقيمون، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ نون التَّأْكِيد حذفت الْوَاو لالتقاء الساكنين. قَوْله: (أَو ليخالفن الله) : اللَّام الأولى للتَّأْكِيد مَفْتُوحَة، وَالْفَاء مَفْتُوحَة. قَوْله: (يلزق) ، بِضَم الْيَاء: من الإلزاق أَي: يلصق. قَوْله: (كَعبه بكعب صَاحبه) ، أَي: يلزق كَعبه بكعب صَاحبه الَّذِي بحذائه. وَفِيه: دَلِيل على أَن الكعب

стр. 1509

هُوَ الْعظم الناتىء فِي مفصل السَّاق والقدم، وَهُوَ الَّذِي يُمكن إلزاقه، وَقَالَ بَعضهم، خلافًا لمن ذهب: إِلَى أَن المُرَاد بالكعب مُؤخر الْقدَم، وَهُوَ قَول شَاذ ينْسب إِلَى بعض الْحَنَفِيَّة. قلت: هِشَام روى عَن مُحَمَّد بن الْحسن هَذَا التَّفْسِير، وَلكنه مَا أَرَادَ بِهَذَا الَّذِي فِي بَاب الْوضُوء، وَإِنَّمَا مُرَاده الَّذِي فِي بَاب الْحَج، فنسبة هَذَا إِلَى بعض الْحَنَفِيَّة على هَذَا غير صَحِيحَة. ٧٢٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ خَالِدٍ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَن أنَسٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي وكانَ أحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكبَهُ بِمَنْكِبِ صاحِبِهِ وقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ. (أنظر الحَدِيث ٧١٨ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد مضوا غير مرّة، وَعَمْرو بن خَالِد بن فروخ الْحَرَّانِي الْجَزرِي سكن مصر، وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة، وَحميد الطَّوِيل، وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم فَصرحَ فِيهِ بتحديث أنس لحميد، وَفِيه الزِّيَادَة الَّتِي فِي آخِره، وَهِي قَوْله: وَكَانَ أَحَدنَا ... إِلَى آخِره. وَصرح بِأَنَّهَا من قَول أنس. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة معمر عَن حميد بِلَفْظ: قَالَ أنس: فَلَقَد رَأَيْت أَحَدنَا ... إِلَى آخِره، وَزَاد مُعْتَمر فِي رِوَايَته: (وَلَو فعلت ذَلِك بأحدهم الْيَوْم لنفر كَأَنَّهُ بغل شموص) . ٧٧ - (بابٌ إِذا قامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإمَامِ وَحَوَّلَهُ الإمامُ خَلْفَهُ إلَى يَمِينِهِ تَمَّتْ صلاتُهُ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا قَامَ ... إِلَى آخِره. وَقَوله: (تمت صلَاته) ، جَوَاب: إِذا، يَعْنِي: لَا يضر صلَاته. وَقَوله: (خَلفه) ، مَنْصُوب بالظرفية، أَي: فِي خَلفه، أَو بِنَزْع الْخَافِض أَي: من خَلفه، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الإِمَام. قَالَ الْكرْمَانِي: أَو إِلَى الرجل، لَا يُقَال: الإِمَام أقرب، فَهُوَ أولى، لِأَن الْفَاعِل، وَإِن تَأَخّر لفظا، لكنه مقدم رُتْبَة، فَلِكُل مِنْهُمَا قرب من وَجه، فهما متساويان قلت: الأولى أَن يكون الضَّمِير للْإِمَام، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يحوله من خَلفه، ويحترز بِهِ من أَن يحوله من بَين يَدَيْهِ، وَلَا معنى لتحويله من خلف الرجل. وَقَوله: (تمت صلَاته) أَي: صَلَاة الْمَأْمُوم، لِأَنَّهُ كَانَ مَعْذُورًا حَيْثُ لم يكن يعلم فِي ذَلِك الْوَقْت موقفه، وَيحْتَمل أَن يكون الضَّمِير للْإِمَام فَلَا تفْسد صلَاته، لِأَن تحويله إِيَّاه لم يكن عملا كثيرا مَعَ أَنه كَانَ فِي مقَام التَّعْلِيم والإرشاد، وَقد مر قبل هَذَا الْبَاب بِعشْرين بَابا: بَاب إِذا قَامَ الرجل عَن يسَار الإِمَام فحوله الإِمَام إِلَى يَمِينه، لم تفْسد صلاتهما، وَهَذِه التَّرْجَمَة مثل تَرْجَمَة هَذَا الْبَاب الَّذِي هُنَا، غير أَنه لم يذكر لفظ: خَلفه، هُنَاكَ وفيهَا قَالَ: لم تفْسد صلاتهما، وَهَذَا يدل على جَوَاز رُجُوع الضَّمِير فِي قَوْله: (تمت صلَاته) إِلَى الْمَأْمُوم وَإِلَى الإِمَام، كَمَا ذكرنَا. ٧٢٦ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا دَاوُدُ عَنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عَن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عباسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأخَذَ رسولُ الله ﷺ مِنْ ورَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى وَرَقَدَ فَجَاءَهُ المُؤَذِّنُ فقَامَ وصَلَّى ولَمْ يَتَوضَّأْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقُمْت عَن يسَاره) إِلَى آخِره، وَقد تكَرر هَذَا الحَدِيث فِيمَا مضى وَهَهُنَا فِي عدَّة مَوَاضِع، أَولهَا: فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، ومباحث هَذَا الحَدِيث قد مر فِي الْأَبْوَاب الَّتِي تقدّمت، وأكثرها فِي كتاب الْعلم وَفِي: بَاب تَخْفيف الْوضُوء، وَدَاوُد الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن الْعَطَّار، وَيُقَال: دَاوُد بن عبد الله، يكنى أَبَا سُلَيْمَان، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة. ٧٨ - (بابٌ المَرْأةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفّا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْمَرْأَة تكون صفا، اعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: الْوَاحِد والواحدة لَا تسمى صفا إِذا انْفَرد، وَإِن جَازَت صلَاته مُنْفَردا خلف الصَّفّ، وَأَقل مَا يُسمى إِذا جمع بَين اثْنَيْنِ على طَريقَة وَاحِدَة، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قيل فِي قَوْله تَعَالَى:

стр. 1510

﴿يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا﴾ (النبإ: ٣٨) . أَن الرّوح وَحده صف، وَالْمَلَائِكَة صف، وَأجَاب الْكرْمَانِي: بِأَن المُرَاد أَنَّهَا لَا تقف فِي صف الرِّجَال، بل تقف وَحدهَا، وَيكون فِي حكم صف. أَو أَن جنس الْمَرْأَة غير مختلطة بِالرِّجَالِ تكون صفا. ٧٢٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ إسْحَاقَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ صَلَّيْتُ أَنا ويَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النبيِّ ﷺ وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأمي أم سليم خلفنا) ، لِأَنَّهَا وقفت خَلفهم وَحدهَا، فَصَارَت فِي حكم الصَّفّ. وَعبد الله بن أبي مُحَمَّد هُوَ الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَإِسْحَاق ابْن عبد الله بن أبي طَلْحَة. وَفِي رِوَايَة الْحميدِي عِنْد أبي نعيم وَعلي بن الْمدنِي عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان حَدثنَا إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة: أَنه سمع أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ. وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مطولا فِي: بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن إِسْحَاق بن عبد الله، وَقد ذكرنَا مباحثه هُنَاكَ مستوفاة. قَوْله: (صليت أَنا ويتيم) ، ذكر لَفْظَة: أَنا، ليَصِح الْعَطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع، وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين، والكوفيون لم يشترطوا ذَلِك، واليتيم هُوَ: ضميرَة بن أبي ضميرَة، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة، لَهُ ولابنه صُحْبَة. قَوْله: (وَأمي أم سليم) وَأمي، عطف على: يَتِيم، و: أم سليم، عطف بَيَان، وَكَانَت مشتهرة بِهَذِهِ الكنية، وَاسْمهَا: سهلة، وَقيل: رميلة أَو رميثة أَو الرميصاء أَو الغميضاء، زَوْجَة أبي طَلْحَة، وَكَانَت فاضلة دينة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: من ذَلِك: أَن النِّسَاء إِذا صلين مَعَ الرِّجَال يجوز، وَلَكِن يَقِفن فِي آخر الصُّفُوف، لما رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أخروهن من حَيْثُ أخرهن الله) . أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن أبي معمر عَن ابْن مَسْعُود، وَمن طَرِيقه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) . وَكلمَة: حَيْثُ، عبارَة عَن الْمَكَان، وَلَا مَكَان يجب تأخيرهن فِيهِ إلاّ مَكَان الصَّلَاة، فالمأمور بِالتَّأْخِيرِ الرِّجَال، فَإِذا حاذت الرجل امْرَأَة فَسدتْ صلَاته دون صلَاتهَا، لِأَنَّهُ ترك مَا هُوَ مُخَاطب بِهِ. وَقَالَ بَعضهم: الْمَرْأَة لَا تصف مَعَ الرِّجَال، فَلَو خَالَفت أَجْزَأت صلَاتهَا عِنْد الْجُمْهُور، وَعند الْحَنَفِيَّة تفْسد صَلَاة الرجل دون الْمَرْأَة، وَهُوَ عَجِيب، وَفِي تَوْجِيهه تعسف. قلت: هَذَا الْقَائِل لَو أدْرك دقة مَا قَالَه الْحَنَفِيَّة هَهُنَا مَا قَالَ: وَهُوَ عَجِيب، وتوجيهه مَا ذكرنَا، وَلَيْسَ فِيهِ تعسف، والتعسف على الَّذِي لَا يفهم كَلَام القَوْل. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَاسْتدلَّ بقوله: (فصففت أَنا واليتيم وَرَاءه) ، على أَن السّنة فِي موقف الْإِثْنَيْنِ أَن يصفا خلف الإِمَام، لمن قَالَ من الْكُوفِيّين: أَحدهمَا يقف عَن يَمِينه وَالْآخر عَن يسَاره. قلت: الْقَائِل بذلك من الْكُوفِيّين هُوَ أَبُو يُوسُف، فَإِنَّهُ قَالَ: الإِمَام يقف بَينهمَا، لما روى التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه) : عَن ابْن مَسْعُود أَنه صلى بعلقمة وَالْأسود فَقَامَ بَينهمَا. وَأما عِنْد أبي حنيفَة فَإِنَّهُ يتَقَدَّم على الْإِثْنَيْنِ لما فِي حَدِيث أنس الْمَذْكُور، وَأجِيب عَن حَدِيث ابْن مَسْعُود بِثَلَاثَة أجوبة: الأول: ان ابْن مَسْعُود لم يبلغهمينه، وكل وَاحِد يُصَلِّي لنَفسِهِ، فَقَامَ ابْن مَسْعُود خلفهمَا فَأَوْمأ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ بِشمَالِهِ، فَظن ابْن مَسْعُود أَن ذَلِك سنة الْموقف. وَلم يعلم أَنه لَا يؤمهما. وَعلمه أَبُو ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى قَالَ: يُصَلِّي كل رجل منّا لنَفسِهِ، وَاسْتدلَّ بِهِ ابْن بطال على صِحَة صَلَاة الْمُنْفَرد خلف الصَّفّ، لِأَنَّهُ لما ثَبت ذَلِك للْمَرْأَة كَانَ للرجل أولى. وَقَالَ الْخطابِيّ: اخْتلف أهل الْعلم فِيمَن صلى خلف الصَّفّ وَحده، فَقَالَت طَائِفَة: صلَاته فَاسِدَة على ظَاهر حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) : (أَن النَّبِي ﷺ رأى رجلا يُصَلِّي خلف الصَّفّ وَحده فَقَالَ: أعد الصَّلَاة) . هَذَا قَول النَّخعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن حزم: صَلَاة الْمُنْفَرد خلف الصَّفّ وَحده بَاطِلَة، لما فِي حَدِيث وابصة بن معبد، أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : (صلى رجل خلف الصَّفّ فَقَالَ لَهُ ﷺ : أعد صَلَاتك فَإِنَّهُ لَا صَلَاة لَك) . وَفِي حَدِيث عَليّ بن شَيبَان: (اسْتقْبل صَلَاتك) ، وَفِي لفظ: (أعد صَلَاتك فَإِنَّهُ لَا صَلَاة لمنفرد خلف الصَّفّ وَحده) . وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: صَلَاة الْمُنْفَرد خلف الإِمَام جَائِزَة.
следующие страницы →