Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي حَدِيث أنس: فَإِن تَسْوِيَة الصُّفُوف لَيست من إِقَامَة الصَّلَاة؟ لِأَن الصَّلَاة تُقَام بغَيْرهَا، وَالتَّقْدِير: فَإِن تَسْوِيَة الصُّفُوف من كَمَال إِقَامَة الصَّلَاة، وَقد تكلّف بعض الشُّرَّاح هَهُنَا بِكَلَام لَا طائل تَحْتَهُ.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر البُخَارِيّ الْجعْفِيّ المسندي، مَاتَ فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام أَبُو بكر الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: همام بن مُنَبّه الْيَمَانِيّ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بخاري وبصري ويمانيين.
وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَقد مضى فِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ نَحْو حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا فِي موضِعين: أَحدهمَا: عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، لَكِن أَوله: (صلى رَسُول الله ﷺ فِي بَيته وَهُوَ شاكٍ فصلى وَهُوَ قَاعد وَصلى وَرَاءه قوم قيَاما، فَأَشَارَ عَلَيْهِم أَن اجلسوا، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، فَإِذا ركع فاركعوا، وَإِذا رفع فارفعوا، وَإِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده فَقولُوا: رَبنَا وَلَك الْحَمد، وَإِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ) . انْتهى. وَالْآخر: حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وأوله: (أَن رَسُول الله ﷺ ركب فرسا فصرع عَنهُ، فجحش عَن شقَّه الْأَيْمن، فصلى صَلَاة من الصَّلَوَات وَهُوَ قَاعد فصلينا وَرَاءه قعُودا، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ) ، إِلَى قَوْله: (أَجْمَعُونَ) . نَحوه مَعَ بعض تفَاوت فِي الْمَتْن يظْهر ذَلِك عِنْد الْمُقَابلَة. قَوْله: (أقِيمُوا الصَّفّ) أَي: سووا وأعدلوا.
٧٢٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فإنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ
وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة قد ذَكرْنَاهُ.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْوَلِيد هُوَ: هِشَام بن عبد الْملك.
وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، وَكِلَاهُمَا عَن غنْدر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد، وَفِيه: عَن أبي الْوَلِيد وَسليمَان بن حَرْب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بنْدَار عَن يحيى وَعَن نصر بن عَليّ عَن أَبِيه وَبشر بن عمر.
قَوْله: (فَإِن تَسْوِيَة الصُّفُوف) وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (الصَّفّ) بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (من إِقَامَة الصَّلَاة) ، كَذَا ذكره البُخَارِيّ عَن أبي الْوَلِيد، وَذكره غَيره عَنهُ بِلَفْظ: (من تَمام الصَّلَاة) ، وَتمسك ابْن بطال بِظَاهِر لفظ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فاستدل بِهِ على أَن تَسْوِيَة الصَّفّ سنة. قَالَ: لِأَن حسن الشَّيْء زِيَادَة على تَمَامه، وَأورد عَلَيْهِ رِوَايَة: من تَمام الصَّلَاة، وَأجَاب ابْن دَقِيق الْعِيد، قَالَ: قد يُؤْخَذ من قَوْله: (تَمام الصَّلَاة) ، الِاسْتِحْبَاب. لِأَن تَمام الشَّيْء فِي الْعرف أَمر زَائِد على حَقِيقَته الَّتِي لَا يتَحَقَّق إلَاّ بهَا، وَإِن كَانَ يُطلق بِحَسب الْوَضع على بعض مَا لَا تتمّ الْحَقِيقَة إلَاّ بِهِ. قلت: وَفِيه: نظر، لِأَن أَلْفَاظ الشَّرْع لَا تسْتَعْمل بِحَسب الْعرف، بل الَّذِي يدل على الِاسْتِحْبَاب مَا ذَكرْنَاهُ، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال، وَهُوَ متصف بِصفة الْكَمَال.
٧٥ - (بابُ إثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من لَا يتم الصُّفُوف عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة.
٧٢٤ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ أسَدٍ قَالَ أخبرنَا الفَضْلُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا سَعِيدُ بنُ عُبَيْدٍ الطائيُّ عَنْ بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ الأنْصَارِيِّ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ مَا أنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يوْمِ عَهِدْتَ رسولَ الله ﷺ قَالَ مَا انْكَرْتُ شَيئا إلاّ أنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ.
مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أنسا حصل مِنْهُ الْإِنْكَار على عدم إقامتهم الصُّفُوف، وإنكاره يدل على أَنه يرى تَسْوِيَة الصُّفُوف وَاجِبَة، فتارك الْوَاجِب آثم. وَظَاهر تَرْجَمَة البُخَارِيّ يدل على أَنه أَيْضا يرى وجوب التَّسْوِيَة، وَالصَّوَاب
стр. 1507
هَذَا لوُرُود الْوَعيد الشَّديد فِي ذَلِك. قيل: الْإِنْكَار قد يَقع على ترك السّنة فَلَا يدل ذَلِك على حُصُول الْإِثْم. قلت: الْإِنْكَار يسْتَلْزم الْمُنكر وفاعل الْمُنكر آثم، على أَنه ﷺ أَمر بالتسوية. وَالْأَصْل فِي الْأَمر الْوُجُوب إلَاّ إِذا دلّت قرينَة على غَيره، وَمَعَ وُرُود الْوَعيد على تَركهَا وإنكار أنس ظَاهر فِي أَنهم خالفوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زمن النَّبِي ﷺ من إِقَامَة الصُّفُوف، فعلى هَذَا تَسْتَلْزِم الْمُخَالفَة التأثيم. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنه لَا يبْقى شَيْء مسنون لِأَن التأثيم إِنَّمَا يحصل من ترك وَاجِب. قلت: قَول هَذَا الْقَائِل ضَعِيف، بل هُوَ كَلَام الْفساد لأَنا لَا نسلم إِن حُصُول التأثيم منحصر على ترك الْوَاجِب، بل التأثيم يحصل أَيْضا عَن ترك السّنة، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَت مُؤَكدَة، وَمَعَ الْقَوْم بِوُجُوب التَّسْوِيَة فَتَركهَا لَا يضر صلَاته لِأَنَّهَا خَارِجَة عَن حَقِيقَة الصَّلَاة، أَلا ترى أَن أنسا، مَعَ إِنْكَاره عَلَيْهِم، لم يَأْمُرهُم بِإِعَادَة الصَّلَاة، وَلَا يعْتَبر مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن حزم من بطلَان صلَاته مستدلاً بِمَا صَحَّ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه ضرب قدم أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ لإِقَامَة الصَّفّ، وَبِمَا صَحَّ عَن سُوَيْد ابْن غَفلَة قَالَ: كَانَ بِلَال يُسَوِّي مناكبنا وَيضْرب أقدامنا فِي الصَّلَاة، فَقَالَ ابْن حزم: مَا كَانَ عمر وبلال يضربان أحدا على ترك غير الْوَاجِب. قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر لجَوَاز أَنَّهُمَا كَانَا يريان التَّعْزِير على ترك السّنة قلت: فِي هَذَا النّظر نظر، لِأَن قَائِله قد نَاقض فِي قَوْله حَيْثُ قَالَ، فِيمَا مر عَن قريب: التأثيم إِنَّمَا يحصل عَن ترك وَاجِب، فَإِذا لم يكن تَارِك السّنة آثِما فَكيف يسْتَحق التَّعْزِير؟ بل الظَّاهِر أَن ضربهما كَانَ لترك الْأَمر الَّذِي ظَاهره الْوُجُوب، ولاستحقاق الْوَعيد الشَّديد فِي التّرْك.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: معَاذ، بِضَم الْمِيم: ابْن أَسد أَبُو عبد الله الْمروزِي نزل الْبَصْرَة. الثَّانِي: الْفضل بن مُوسَى الْمروزِي السينَانِي، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف النُّون وَبعد الْألف نون أُخْرَى: نِسْبَة إِلَى سينان، قَرْيَة من قرى مرو، مَاتَ سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: سعيد بن عبيد الطَّائِي أَبُو الْهُذيْل الْكُوفِي. الرَّابِع: بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: ابْن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة وَبعد الْألف رَاء: الْمدنِي مولى الْأَنْصَار. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: بشير الْمَذْكُور لَيْسَ لَهُ فِي الْكتب السِّتَّة عَن أنس غير هَذَا الحَدِيث. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وكوفي ومدني، وتابع الْفضل أَبُو مُعَاوِيَة وَإِسْحَاق الْأَزْرَقِيّ عَن سعيد، كَمَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُمَا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنه قدم الْمَدِينَة) ، أَي: من بصرة. قَوْله: (مَا أنْكرت) ، أَي: أَي شَيْء أنْكرت منا مُنْذُ يَوْم عهِدت؟ وَقد علمت أَن: مُنْذُ ومذ، حرفا جر، وَهُوَ الصَّحِيح. وَقيل: إسمان مضافان، فَيكون بِمَعْنى: من، إِن كَانَ الزَّمَان مَاضِيا وَبِمَعْنى: فِي، إِن كَانَ حَاضرا، وَبِمَعْنى: من وَإِلَى جَمِيعًا، إِن كَانَ معدودا نَحْو: مَا رَأَيْته مُنْذُ يَوْم الْخَمِيس أَو مُنْذُ يَوْمنَا أَو عامنا أَو مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام، وَالْمعْنَى هَهُنَا: مَا أنْكرت منا من يَوْم عهِدت رَسُول الله ﷺ ؟ وَالْمَذْكُور فِي الْمَتْن رِوَايَة الْكشميهني وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (مَا أنْكرت مُنْذُ يَوْم عهِدت؟) بِغَيْر لفظ منا. قَوْله: (مَا أنْكرت شَيْئا) إِلَى آخِره، يدل على أَن إِنْكَاره على ترك الْوَاجِب أَو السّنة الْمُؤَكّدَة، فَلذَلِك بوب البُخَارِيّ بالترجمة الْمَذْكُورَة.
وَقَالَ عُقْبَةُ بنُ عُبَيْدٍ عَنْ بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ قَدِمَ عَلَيْنَا أنَسُ بنُ مالِكٍ المَدِينَةَ بِهَذَا
عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف: أَخُو سعيد بن عبيد، رَاوِي الْإِسْنَاد الَّذِي قبله، وَلَيْسَ للْبُخَارِيّ عَن عقبَة إلَاّ هَذَا الْمُعَلق، ويكنى عقبَة بِأبي الرّحال، بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة، وَقد وصل هَذَا الْمُعَلق أَبُو نعيم الْحَافِظ عَن أبي بكر بن مَالك عَن عبد الله بن أَحْمد عَن أَبِيه، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة وَيحيى بن سعيد، قَالَا: حَدثنَا عقبَة بن عبيد فَذكره وَوَصله أَحْمد أَيْضا فِي مُسْنده عَن يحيى الْقطَّان عَن عقبَة بن عبيد الطَّائِي، حَدثنِي بشير بن يسَار، قَالَ: (جَاءَ أنس إِلَى الْمَدِينَة فَقُلْنَا: مَا أنْكرت منا من عهد رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: مَا أنْكرت مِنْكُم شَيْئا غير أَنكُمْ لَا تقيمون الصُّفُوف) . وَهَذِه الْمُقدمَة لأنس غير الْمُقدمَة الَّتِي تقدم ذكرهَا فِي: بَاب وَقت الْعَصْر، فَإِن ظَاهر الحَدِيث فِيهَا أَنه أنكر تَأْخِير الظّهْر إِلَى أول وَقت الْعَصْر، وَهَذَا الْإِنْكَار أَيْضا غير الْإِنْكَار الَّذِي تقدم ذكره فِي: بَاب تَضْييع الصَّلَاة عَن وَقتهَا، حَيْثُ قَالَ: لَا أعرف شَيْئا مِمَّا كَانَ
стр. 1508
على عهد النَّبِي ﷺ إِلَّا الصَّلَاة وَقد ضيعت. فَإِن ذَلِك كَانَ بِالشَّام، وَهَذَا بِالْمَدِينَةِ، فَإِن قلت: مَا فَائِدَة ذكر هَذَا الْمُعَلق وَمَا الْفرق بَين الطَّرِيقَيْنِ؟ قلت: الْجَواب عَن الأول: أَن البُخَارِيّ أَرَادَ بِذكر الطَّرِيق الثَّانِي بَيَان سَماع بشير بن يسَار لَهُ عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن الثَّانِي: أَنه فِي الأول روى عَن أنس، وَفِي الثَّانِي مَا روى عَنهُ، بل شَاهد بِنَفسِهِ الْحَال.
٧٦ - (بابُ الصَاقِ المَنْكِبِ بِالمَنْكِبِ والقَدَم بالقَدَمِ فِي الصَّفِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إلصاق الْمنْكب بالمنكب ... إِلَى آخِره، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْمُبَالغَة فِي تَعْدِيل الصُّفُوف وسد الْخلَل فِيهِ، وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي ذَلِك. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث مُحَمَّد بن مُسلم بن السَّائِب صَاحب (الْمَقْصُورَة) قَالَ: (صليت إِلَى جنب أنس بن مَالك يَوْمًا فَقَالَ: هَل تَدْرِي لم صنع هَذَا الْعود؟ فَقلت: لَا وَالله. قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يضع يَده عَلَيْهِ وَيَقُول: اسْتَووا وَعدلُوا صفوفكم) . ثمَّ قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا حميد الْأسود حَدثنَا مُصعب بن ثَابت عَن مُحَمَّد بن مُسلم عَن أنس بن مَالك بِهَذَا الحَدِيث قَالَ: (إِن رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة أَخذه بِيَمِينِهِ ثمَّ الْتفت فَقَالَ: اعتدلوا سووا صفوفكم، ثمَّ أَخذه بيساره، وَقَالَ اعتدلوا سووا صفوفكم) . وَفِي لفظ: (رصوا صفوفكم وقاربوا بَينهَا وحاذوا الْأَعْنَاق) ، الحَدِيث. وَفِي لفظ: (أَتموا الصَّفّ الْمُقدم ثمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ من نقص فَلْيَكُن فِي الصَّفّ الْمُؤخر) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : عَن الْبَراء بن عَازِب (كَانَ رَسُول الله ﷺ يَتَخَلَّل الصَّفّ من نَاحيَة إِلَى نَاحيَة يمسح صدورنا ومناكبنا وَيَقُول: لَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ) ، وَفِي لفظ: (فيمسح عواتقنا وصدورنا) ، وَعند السراج: (مناكبنا أَو صدورنا) ، وَفِي لفظ: (كَانَ يَأْتِي من نَاحيَة الصَّفّ إِلَى ناحيته القصوى بَين صُدُور الْقَوْم ومناكبهم) ، وَفِي لفظ: (يمسح عواتقنا أَو قَالَ: مناكبنا، أَو قَالَ صدورنا وَيَقُول: لَا تخْتَلف صدوركم فتختلف قُلُوبكُمْ) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي مَسْعُود: (كَانَ يمسح مناكبنا فِي الصَّلَاة وَيَقُول: اسْتَووا وَلَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ) الحَدِيث. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثا عيس بن ابراهيم الغافقى حَدثنَا ابْن وهب وَحدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا اللَّيْث وَحَدِيث ابْن وهب اتم من مُعَاوِيَة بن صَالح عَن ابى الزَّاهِرِيَّة عَن كثير بن مرّة عَن عبد الله بن عمر قَالَ قُتَيْبَة عَن ابى الزاهربة عَن ابى شَجَرَة لم يذكر ابْن عمر ان رسوا الله ﷺ قَالَ (اقيموا الصُّفُوف) بَين المناكب وسدوا الْخلَل، ولينوا بأيدي إخْوَانكُمْ وَلَا تذروا فرجات للشَّيْطَان، وَمن وصل صفا وَصله الله، وَمن قطع صفا قطعه الله) . قلت: ابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب وَأَبُو الزَّاهِرِيَّة: حدير بن كريب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة، وَأَبُو شَجَرَة: هُوَ كثير بن مرّة. قَوْله: (ولينوا بأيدي إخْوَانكُمْ) قَالَ أَبُو دَاوُد: مَعْنَاهُ إِذا جَاءَ رجل إِلَى الصَّفّ فَذهب يخل فِيهِ فَيَنْبَغِي أَن يلين لَهُ كل رجل مَنْكِبه حَتَّى يدْخل فِي الصَّفّ. قَوْله: (وَلَا تذروا) أَي: وَلَا تتركوا.
وَقَالَ النُّعْمَانُ بنُ بَشِيرٍ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ
النُّعْمَان بن بشير بن سعيد بن ثَعْلَبَة الْأنْصَارِيّ الخزرجي أَبُو عبد الله الْمدنِي صَاحب رَسُول الله ﷺ وَابْن صَاحبه، وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْأَنْصَار بعد قدوم النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ يحيى بن معِين: أهل الْمَدِينَة يَقُولُونَ: لم يسمع من رَسُول الله ﷺ ، وَأهل الْعرَاق يصححون سَمَاعه مِنْهُ، قتل فِيمَا بَين دمشق وحمص يَوْم راهط، وَكَانَ زبيريا. وَعَن أبي مسْهر: كَانَ عَاملا على حمص لِابْنِ الزبير، فَلَمَّا تمرد أهل حمص خرج هَارِبا فَاتبعهُ خَالِد بن عدي فَقتله، وَقيل: قتل فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ بسلمية، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن زَكَرِيَّا ب أبي زَائِدَة عَن أبي الْقَاسِم الجدلي، قَالَ: سَمِعت النُّعْمَان بن بشير يَقُول: (أقبل رَسُول الله ﷺ ، على النَّاس بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: (أقِيمُوا صفوفكم ثلاثاد وَالله لتقيمن صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين قُلُوبكُمْ. فَقَالَ: فَرَأَيْت الرجل يلزق مَنْكِبه بمنكب صَاحبه وركبته بركبة صَاحبه وكعبه بكعبه) . وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) وَأَبُو الْقَاسِم الجدلي: اسْمه الْحُسَيْن بن الْحَارِث الْمَنْسُوب إِلَى جديلة قيس الْكُوفِي. قَوْله: (لتقيمن) بِضَم الْمِيم لِأَن أَصله: لتقيمون، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ نون التَّأْكِيد حذفت الْوَاو لالتقاء الساكنين. قَوْله: (أَو ليخالفن الله) : اللَّام الأولى للتَّأْكِيد مَفْتُوحَة، وَالْفَاء مَفْتُوحَة. قَوْله: (يلزق) ، بِضَم الْيَاء: من الإلزاق أَي: يلصق. قَوْله: (كَعبه بكعب صَاحبه) ، أَي: يلزق كَعبه بكعب صَاحبه الَّذِي بحذائه.
وَفِيه: دَلِيل على أَن الكعب
стр. 1509
هُوَ الْعظم الناتىء فِي مفصل السَّاق والقدم، وَهُوَ الَّذِي يُمكن إلزاقه، وَقَالَ بَعضهم، خلافًا لمن ذهب: إِلَى أَن المُرَاد بالكعب مُؤخر الْقدَم، وَهُوَ قَول شَاذ ينْسب إِلَى بعض الْحَنَفِيَّة. قلت: هِشَام روى عَن مُحَمَّد بن الْحسن هَذَا التَّفْسِير، وَلكنه مَا أَرَادَ بِهَذَا الَّذِي فِي بَاب الْوضُوء، وَإِنَّمَا مُرَاده الَّذِي فِي بَاب الْحَج، فنسبة هَذَا إِلَى بعض الْحَنَفِيَّة على هَذَا غير صَحِيحَة.
٧٢٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ خَالِدٍ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَن أنَسٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي وكانَ أحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكبَهُ بِمَنْكِبِ صاحِبِهِ وقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ. (أنظر الحَدِيث ٧١٨ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد مضوا غير مرّة، وَعَمْرو بن خَالِد بن فروخ الْحَرَّانِي الْجَزرِي سكن مصر، وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة، وَحميد الطَّوِيل، وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم فَصرحَ فِيهِ بتحديث أنس لحميد، وَفِيه الزِّيَادَة الَّتِي فِي آخِره، وَهِي قَوْله: وَكَانَ أَحَدنَا ... إِلَى آخِره. وَصرح بِأَنَّهَا من قَول أنس. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة معمر عَن حميد بِلَفْظ: قَالَ أنس: فَلَقَد رَأَيْت أَحَدنَا ... إِلَى آخِره، وَزَاد مُعْتَمر فِي رِوَايَته: (وَلَو فعلت ذَلِك بأحدهم الْيَوْم لنفر كَأَنَّهُ بغل شموص) .
٧٧ - (بابٌ إِذا قامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإمَامِ وَحَوَّلَهُ الإمامُ خَلْفَهُ إلَى يَمِينِهِ تَمَّتْ صلاتُهُ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا قَامَ ... إِلَى آخِره. وَقَوله: (تمت صلَاته) ، جَوَاب: إِذا، يَعْنِي: لَا يضر صلَاته. وَقَوله: (خَلفه) ، مَنْصُوب بالظرفية، أَي: فِي خَلفه، أَو بِنَزْع الْخَافِض أَي: من خَلفه، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الإِمَام. قَالَ الْكرْمَانِي: أَو إِلَى الرجل، لَا يُقَال: الإِمَام أقرب، فَهُوَ أولى، لِأَن الْفَاعِل، وَإِن تَأَخّر لفظا، لكنه مقدم رُتْبَة، فَلِكُل مِنْهُمَا قرب من وَجه، فهما متساويان قلت: الأولى أَن يكون الضَّمِير للْإِمَام، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يحوله من خَلفه، ويحترز بِهِ من أَن يحوله من بَين يَدَيْهِ، وَلَا معنى لتحويله من خلف الرجل. وَقَوله: (تمت صلَاته) أَي: صَلَاة الْمَأْمُوم، لِأَنَّهُ كَانَ مَعْذُورًا حَيْثُ لم يكن يعلم فِي ذَلِك الْوَقْت موقفه، وَيحْتَمل أَن يكون الضَّمِير للْإِمَام فَلَا تفْسد صلَاته، لِأَن تحويله إِيَّاه لم يكن عملا كثيرا مَعَ أَنه كَانَ فِي مقَام التَّعْلِيم والإرشاد، وَقد مر قبل هَذَا الْبَاب بِعشْرين بَابا: بَاب إِذا قَامَ الرجل عَن يسَار الإِمَام فحوله الإِمَام إِلَى يَمِينه، لم تفْسد صلاتهما، وَهَذِه التَّرْجَمَة مثل تَرْجَمَة هَذَا الْبَاب الَّذِي هُنَا، غير أَنه لم يذكر لفظ: خَلفه، هُنَاكَ وفيهَا قَالَ: لم تفْسد صلاتهما، وَهَذَا يدل على جَوَاز رُجُوع الضَّمِير فِي قَوْله: (تمت صلَاته) إِلَى الْمَأْمُوم وَإِلَى الإِمَام، كَمَا ذكرنَا.
٧٢٦ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا دَاوُدُ عَنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عَن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عباسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأخَذَ رسولُ الله ﷺ مِنْ ورَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى وَرَقَدَ فَجَاءَهُ المُؤَذِّنُ فقَامَ وصَلَّى ولَمْ يَتَوضَّأْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقُمْت عَن يسَاره) إِلَى آخِره، وَقد تكَرر هَذَا الحَدِيث فِيمَا مضى وَهَهُنَا فِي عدَّة مَوَاضِع، أَولهَا: فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب السمر بِالْعلمِ، ومباحث هَذَا الحَدِيث قد مر فِي الْأَبْوَاب الَّتِي تقدّمت، وأكثرها فِي كتاب الْعلم وَفِي: بَاب تَخْفيف الْوضُوء، وَدَاوُد الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن الْعَطَّار، وَيُقَال: دَاوُد بن عبد الله، يكنى أَبَا سُلَيْمَان، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة.
٧٨ - (بابٌ المَرْأةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفّا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْمَرْأَة تكون صفا، اعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: الْوَاحِد والواحدة لَا تسمى صفا إِذا انْفَرد، وَإِن جَازَت صلَاته مُنْفَردا خلف الصَّفّ، وَأَقل مَا يُسمى إِذا جمع بَين اثْنَيْنِ على طَريقَة وَاحِدَة، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قيل فِي قَوْله تَعَالَى:
стр. 1510
﴿يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا﴾ (النبإ: ٣٨) . أَن الرّوح وَحده صف، وَالْمَلَائِكَة صف، وَأجَاب الْكرْمَانِي: بِأَن المُرَاد أَنَّهَا لَا تقف فِي صف الرِّجَال، بل تقف وَحدهَا، وَيكون فِي حكم صف. أَو أَن جنس الْمَرْأَة غير مختلطة بِالرِّجَالِ تكون صفا.
٧٢٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ إسْحَاقَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ صَلَّيْتُ أَنا ويَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النبيِّ ﷺ وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأمي أم سليم خلفنا) ، لِأَنَّهَا وقفت خَلفهم وَحدهَا، فَصَارَت فِي حكم الصَّفّ. وَعبد الله بن أبي مُحَمَّد هُوَ الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَإِسْحَاق ابْن عبد الله بن أبي طَلْحَة. وَفِي رِوَايَة الْحميدِي عِنْد أبي نعيم وَعلي بن الْمدنِي عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان حَدثنَا إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة: أَنه سمع أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ. وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مطولا فِي: بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن إِسْحَاق بن عبد الله، وَقد ذكرنَا مباحثه هُنَاكَ مستوفاة.
قَوْله: (صليت أَنا ويتيم) ، ذكر لَفْظَة: أَنا، ليَصِح الْعَطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع، وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين، والكوفيون لم يشترطوا ذَلِك، واليتيم هُوَ: ضميرَة بن أبي ضميرَة، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة، لَهُ ولابنه صُحْبَة. قَوْله: (وَأمي أم سليم) وَأمي، عطف على: يَتِيم، و: أم سليم، عطف بَيَان، وَكَانَت مشتهرة بِهَذِهِ الكنية، وَاسْمهَا: سهلة، وَقيل: رميلة أَو رميثة أَو الرميصاء أَو الغميضاء، زَوْجَة أبي طَلْحَة، وَكَانَت فاضلة دينة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: من ذَلِك: أَن النِّسَاء إِذا صلين مَعَ الرِّجَال يجوز، وَلَكِن يَقِفن فِي آخر الصُّفُوف، لما رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أخروهن من حَيْثُ أخرهن الله) . أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن أبي معمر عَن ابْن مَسْعُود، وَمن طَرِيقه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) . وَكلمَة: حَيْثُ، عبارَة عَن الْمَكَان، وَلَا مَكَان يجب تأخيرهن فِيهِ إلاّ مَكَان الصَّلَاة، فالمأمور بِالتَّأْخِيرِ الرِّجَال، فَإِذا حاذت الرجل امْرَأَة فَسدتْ صلَاته دون صلَاتهَا، لِأَنَّهُ ترك مَا هُوَ مُخَاطب بِهِ. وَقَالَ بَعضهم: الْمَرْأَة لَا تصف مَعَ الرِّجَال، فَلَو خَالَفت أَجْزَأت صلَاتهَا عِنْد الْجُمْهُور، وَعند الْحَنَفِيَّة تفْسد صَلَاة الرجل دون الْمَرْأَة، وَهُوَ عَجِيب، وَفِي تَوْجِيهه تعسف. قلت: هَذَا الْقَائِل لَو أدْرك دقة مَا قَالَه الْحَنَفِيَّة هَهُنَا مَا قَالَ: وَهُوَ عَجِيب، وتوجيهه مَا ذكرنَا، وَلَيْسَ فِيهِ تعسف، والتعسف على الَّذِي لَا يفهم كَلَام القَوْل. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَاسْتدلَّ بقوله: (فصففت أَنا واليتيم وَرَاءه) ، على أَن السّنة فِي موقف الْإِثْنَيْنِ أَن يصفا خلف الإِمَام، لمن قَالَ من الْكُوفِيّين: أَحدهمَا يقف عَن يَمِينه وَالْآخر عَن يسَاره. قلت: الْقَائِل بذلك من الْكُوفِيّين هُوَ أَبُو يُوسُف، فَإِنَّهُ قَالَ: الإِمَام يقف بَينهمَا، لما روى التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه) : عَن ابْن مَسْعُود أَنه صلى بعلقمة وَالْأسود فَقَامَ بَينهمَا. وَأما عِنْد أبي حنيفَة فَإِنَّهُ يتَقَدَّم على الْإِثْنَيْنِ لما فِي حَدِيث أنس الْمَذْكُور، وَأجِيب عَن حَدِيث ابْن مَسْعُود بِثَلَاثَة أجوبة: الأول:
ان ابْن مَسْعُود لم يبلغهمينه، وكل وَاحِد يُصَلِّي لنَفسِهِ، فَقَامَ ابْن مَسْعُود خلفهمَا فَأَوْمأ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ بِشمَالِهِ، فَظن ابْن مَسْعُود أَن ذَلِك سنة الْموقف. وَلم يعلم أَنه لَا يؤمهما. وَعلمه أَبُو ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى قَالَ: يُصَلِّي كل رجل منّا لنَفسِهِ، وَاسْتدلَّ بِهِ ابْن بطال على صِحَة صَلَاة الْمُنْفَرد خلف الصَّفّ، لِأَنَّهُ لما ثَبت ذَلِك للْمَرْأَة كَانَ للرجل أولى. وَقَالَ الْخطابِيّ: اخْتلف أهل الْعلم فِيمَن صلى خلف الصَّفّ وَحده، فَقَالَت طَائِفَة: صلَاته فَاسِدَة على ظَاهر حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) : (أَن النَّبِي ﷺ رأى رجلا يُصَلِّي خلف الصَّفّ وَحده فَقَالَ: أعد الصَّلَاة) . هَذَا قَول النَّخعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن حزم: صَلَاة الْمُنْفَرد خلف الصَّفّ وَحده بَاطِلَة، لما فِي حَدِيث وابصة بن معبد، أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : (صلى رجل خلف الصَّفّ فَقَالَ لَهُ ﷺ : أعد صَلَاتك فَإِنَّهُ لَا صَلَاة لَك) . وَفِي حَدِيث عَليّ بن شَيبَان: (اسْتقْبل صَلَاتك) ، وَفِي لفظ: (أعد صَلَاتك فَإِنَّهُ لَا صَلَاة لمنفرد خلف الصَّفّ وَحده) . وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: صَلَاة الْمُنْفَرد خلف الإِمَام جَائِزَة.
стр. 1511
(وَأجِيب) : عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِأَن الْأَمر بِالْإِعَادَةِ على الِاسْتِحْبَاب دون الْإِيجَاب، وَعَن حَدِيث وابصة: أَنه لم يثبت عَن جمَاعَة، وَفِيه اضْطِرَاب، قَالَه أَبُو عمر. وَقَالَ الشَّافِعِي: فِي سَنَده اخْتِلَاف، وَعَن حَدِيث ابْن شَيبَان: أَن رِجَاله غير مشهورين، وَعَن الشَّافِعِي: لَو ثَبت هَذَا لَقلت بِهِ.
٧٩ - (بابُ مَيْمَنَةِ المَسْجِدِ والإمَامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن ميمنة الْمَسْجِد وَالْإِمَام هِيَ مَكَان الْمَأْمُوم إِذا كَانَ وَحده.
٨٠ - (بابٌ إذَا كانَ بَيْنَ الإمَامِ وبَيْنَ القَوْمِ حائِطٌ أوْ سُتْرَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا كَانَ ... إِلَى آخِره، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يره ذَلِك، وَالْمَسْأَلَة فِيهَا خلاف، وَلَكِن مَا فِي الْبَاب يدل على أَن ذَلِك جَائِز، وَهُوَ مَذْهَب الْمَالِكِيَّة أَيْضا، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن أنس وَأبي هُرَيْرَة وَابْن سِيرِين وَسَالم، وَكَانَ عُرْوَة يُصَلِّي بِصَلَاة الإِمَام وَهُوَ فِي دَار بَينهَا وَبَين الْمَسْجِد طَرِيق، وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يُصَلِّي وَبَينه وَبَين الإِمَام نهر صَغِير أَو طَرِيق، وَكَذَلِكَ السفن المتقاربة يكون الإِمَام فِي إِحْدَاهَا تجزيهم الصَّلَاة مَعَه، وَكره ذَلِك طَائِفَة، وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِذا كَانَ بَينه وَبَين الإِمَام طَرِيق أَو حَائِط أَو نهر فَلَيْسَ هُوَ مَعَه، وَكره الشّعبِيّ وَإِبْرَاهِيم أَن يكون بَينهمَا طَرِيق وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا يجْزِيه إِلَّا أَن تكون الصُّفُوف مُتَّصِلَة فِي الطَّرِيق، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَشْهَب.
стр. 1512
وَقَالَ الحَسَنُ لَا بَأسَ أنْ تُصَلِّي وبَيْنَكَ وبَيْنَهُ نَهْرٌ
مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْفَاصِل بَينه وَبَين الإِمَام كالحائط وَالنّهر لَا يضر. وروى سعيد بن مَنْصُور بِإِسْنَاد صَحِيح فِي الرجل يُصَلِّي خلف الإِمَام وَهُوَ فَوق سطح يأتم بِهِ لَا بَأْس بذلك، قَوْله: (وَبَيْنك) حَال، وَقَوله: (نهر) ، ويروى (نهير) مُصَغرًا، وَهُوَ يدل على أَن المُرَاد من النَّهر الصَّغِير وَالْكَبِير يمْنَع.
وقالَ أبُو مِجْلَزٍ يِأْتَمُّ بالإمامِ وإنْ كانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أوْ جِدَارٌ إذَا سَمِعَ تَكْبِيرَ الإمَامِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا، وَأَبُو مجلز، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفِي آخِره زَاي مُعْجمَة: اسْمه لَاحق بن حميد، بِضَم الْحَاء: ابْن سعيد الْبَصْرِيّ الْأَعْوَر، من التَّابِعين الْمَشْهُورين، مَاتَ بِظهْر الْكُوفَة فِي سنة مائَة أَو إِحْدَى وَمِائَة، وَأخرج أَثَره مَوْصُولا ابْن أبي شيبَة عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن لَيْث بن أبي سليم عَنهُ وَلَيْث ضَعِيف، فِي امْرَأَة تصلي وَبَينهَا وَبَين الإِمَام حَائِط، قَالَ: إِذا كَانَت تسمع تَكْبِير الإِمَام أجزأها ذَلِك.
٧٢٩ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا عَبْدَةُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ كانَ رسولُ الله ﷺ يُصلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَةٍ وَجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِير فَرَأي الناسُ شَخْصَ النبيِّ ﷺ فقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَأصْبَحُوا فتَحَدَّثُوا بذَلِكَ فقامَ لَيْلَةَ الثَانِيةِ فَقامَ معَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً حَتَّى إذَا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رسولُ الله ﷺ فَلَمْ يَخْرُجْ فلَمَّا أصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ إنِّي خَشِيتُ أنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلاةُ اللَّيْلِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَقَامَ نَاس يصلونَ بِصَلَاتِهِ) لِأَنَّهُ كَانَ بَينه وَبينهمْ جِدَار الْحُجْرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام، قَالَه أَبُو نعيم، وَبِه جزم ابْن عَسَاكِر فِي رِوَايَته. الثَّانِي: عَبدة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان الْكلابِي، من أنفسهم، وَيُقَال: العامري الْكُوفِي، وَكَانَ اسْمه: عبد الرَّحْمَن، وَعَبدَة لقبه، فغلب عَلَيْهِ ويكنى أَبَا مُحَمَّد. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن الْأَنْصَارِيَّة المدنية. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: من غلب لقبه على اسْمه، وَهُوَ: عَبدة، وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين البيكندي وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، وكوفي ومدني. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بِلَا نِسْبَة.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن أبي خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب عَن هشيم بن بشير عَن يحيى بِهِ مُخْتَصرا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي حجرته) أَي: فِي حجرَة بَيته، يدل عَلَيْهِ ذكر جِدَار الْحُجْرَة، وأوضح مِنْهُ رِوَايَة حَمَّاد بن زيد عَن يحيى عِنْد أبي نعيم، بِلَفْظ: (كَانَ يُصَلِّي فِي حجرَة من حجر أَزوَاجه) ، والحجرة الْموضع الْمُنْفَرد من الدَّار. قَوْله: (شخص النَّبِي ﷺ الشَّخْص سَواد الْإِنْسَان وَغَيره يرَاهُ من بعيد، وَإِنَّمَا قَالَ بِلَفْظ: الشَّخْص، لِأَنَّهُ كَانَ ذَلِك بِاللَّيْلِ وَلم يَكُونُوا يبصرون مِنْهُ إلاّ سوَاده. قَوْله: (فَقَامَ نَاس) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَقَامَ أنَاس) ، بِزِيَادَة همزَة فِي أَوله. قَوْله: (بِصَلَاتِهِ) ، أَي: متلبسين بِصَلَاتِهِ أَو مقتدين بهَا. قَوْله: (فَأَصْبحُوا) أَي: دخلُوا فِي الصَّباح، وَهِي تَامَّة. قَوْله: (فَقَامَ لَيْلَة الثَّانِيَة) هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فَقَامَ اللَّيْلَة الثَّانِيَة) ، وَجه الرِّوَايَة الأولى أَن فِيهِ حذفا تَقْدِيره: لَيْلَة الْغَدَاة الثَّانِيَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: اللَّيْلَة مُضَافَة إِلَى الثَّانِيَة من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته. قَوْله: (ذَلِك) أَي: الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ . قَوْله: (إِذا كَانَ) ، أَي: الْوَقْت وَالزَّمَان. قَوْله: (فَلم يخرج) ، أَي: إِلَى الْموضع الْمَعْهُود الَّذِي كَانَ صلى فِيهِ تِلْكَ اللَّيَالِي، فَلم يرَوا
стр. 1513
شخصه. قَوْله: (فَلَمَّا أصبح ذكر ذَلِك النَّاس) أَي: للنَّبِي ﷺ ، وَذكر عبد الرَّزَّاق أَن الَّذِي خاطبه بذلك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنْهَا. قَوْله: (أَن تكْتب) ، أَي: تفرض، وَقَالَ الْخطابِيّ: قد يُقَال عَلَيْهِ: كَيفَ يجوز أَن تكْتب علينا صَلَاة وَقد أكمل الله الْفَرَائِض، ورد عدد الْخمسين مِنْهَا إِلَى الْخمس؟ فَقيل: إِن صَلَاة اللَّيْل كَانَت وَاجِبَة على النَّبِي ﷺ ، وأفعاله الَّتِي تفضل بالشريعة وَاجِب على الْأمة الائتساء بِهِ فِيهَا، وَكَانَ أَصْحَابه إِذا رَأَوْهُ يواظب على فعل يقتدون بِهِ، ويرونه وَاجِبا، فَترك النَّبِي ﷺ الْخُرُوج فِي اللَّيْلَة الرَّابِعَة، وَترك الصَّلَاة فِيهَا لِئَلَّا يدْخل ذَلِك الْفِعْل فِي الْوَاجِبَات كالمكتوبة عَلَيْهِم من طَرِيق الْأَمر بالاقتداء بِهِ، فَالزِّيَادَة إِنَّمَا تجب عَلَيْهِم من جِهَة وجوب الِاقْتِدَاء بِأَفْعَال رَسُول الله ﷺ ، لَا من جِهَة إنْشَاء فرض يسْتَأْنف زَائِدا، وَهَذَا كَمَا يُوجب الرجل على نَفسه صَلَاة نذر، وَلَا يدل ذَلِك على زِيَادَة جملَة فِي الشَّرْع الْمَفْرُوض فِي الأَصْل، وَفِيه وَجه آخر، وَهُوَ أَن الله تَعَالَى فرض الصَّلَاة أَولا خمسين، ثمَّ حط بشفاعة رَسُول الله ﷺ معظمها تَخْفِيفًا عَن أمته، فَإِذا عَادَتْ الْأمة فِيمَا استوهبت وتبرعت بِالْعَمَلِ بِهِ لم يستنكر أَن يكْتب فرضا عَلَيْهِم، وَقد ذكر الله عَن النَّصَارَى أَنهم ابتدعوا رَهْبَانِيَّة مَا كتبهَا الله عَلَيْهِم، ثمَّ لما قصروا فِيهَا لحقتهم الْمَلَامَة فِي قَوْله: ﴿فَمَا رعوها حق رعايتها﴾ (الْحَدِيد: ٢٧) . فأشفق ﷺ أَن يكون سبيلهم أُولَئِكَ، فَقطع الْعَمَل بِهِ تَخْفِيفًا عَن أمته.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: مَا قَالَه الْمُهلب جَوَاز الائتمام بِمن لم ينْو أَن يكون إِمَامًا فِي تِلْكَ الصَّلَاة، لِأَن النَّاس ائتموا بِهِ ﷺ من وَرَاء الْحَائِط، وَلم يعْقد النِّيَّة مَعَهم على الْإِمَامَة، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ قلت: هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة أَيْضا إلاّ أَن أَصْحَابنَا قَالُوا: لَا بُد من نِيَّة الْإِمَامَة فِي حق النِّسَاء، خلافًا لزفَر. وَفِيه: أَن فعل النَّوَافِل فِي الْبَيْت أفضل. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: إِن التَّنَفُّل فِي الْبيُوت أفضل إِلَيّ مِنْهُ فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ إلاّ للغرباء. وَفِيه: جَوَاز النَّافِلَة فِي جمَاعَة. وَفِيه: أَيْضا شفقته ﷺ على أمته خشيَة أَن تكْتب عَلَيْهِم صَلَاة اللَّيْل فيعجزوا عَنْهَا، فَترك الْخُرُوج لِئَلَّا يخرج ذَلِك الْفِعْل مِنْهُ. وَفِيه: أَن الْجِدَار وَنَحْوه لَا يمْنَع الِاقْتِدَاء بِالْإِمَامِ، وَعَلِيهِ تَرْجَمَة الْبَاب. قلت: إِنَّمَا يجوز ذَلِك إِذا لم يلتبس عَلَيْهِ حَال الإِمَام.
٨١ - (بابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة اللَّيْل، لم تقع هَذِه التَّرْجَمَة على هَذَا الْوَجْه إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَلَا وَجه لذكرها هَهُنَا، لِأَن الْأَبْوَاب هَهُنَا فِي الصُّفُوف وإقامتها، وَلِهَذَا لَا يُوجد فِي كثير من النّسخ، وَلَا تعرض إِلَيْهِ الشُّرَّاح، ولصلاة اللَّيْل بخصوصها كتاب مُفْرد سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الصَّلَاة، وَقد تكلّف بَعضهم فَذكر مُنَاسبَة لذكر هَذِه التَّرْجَمَة هُنَا فَقَالَ: لما كَانَ الْمُصَلِّي الَّذِي بَينه وَبَين إِمَامه حَائِل من جِدَار وَنَحْوه قد يظنّ أَنه يمْنَع من إِقَامَة الصَّفّ، ذكر هَذِه التَّرْجَمَة بِمَا فِيهَا دفعا لذَلِك. وَقيل: وَجه ذَلِك أَن من صلى بِاللَّيْلِ مَأْمُوما كَانَ لَهُ فِي ذَلِك شبه بِمن صلى وَرَاء حَائِط.
٧٣٠ - حدَّثنا إبراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عَن المَقْبَرِيُّ عنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بالنَّهَارِ وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ فَثَابَ إلَيْهِ ناسٌ فَصَلُّوا وَرَاءَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصفوا وَرَاءه) ، لِأَن صفهم وَرَاء النَّبِي ﷺ كَانَ فِي صَلَاة اللَّيْل.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الْمدنِي، وَقد مر ذكره غير مرّة. الثَّانِي: ابْن أبي الفديك، بِضَم الْفَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره كَاف، وَقد يسْتَعْمل بِالْألف وَاللَّام وبدونها: من فدكت الْقطن إِذا نفشته، وَهُوَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل ابْن مُسلم بن أبي فديك، وَاسم أبي فديك: دِينَار الديلِي أَو إِسْمَاعِيل الْمدنِي. الثَّالِث: ابْن أبي ذِئْب، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذيب، وَاسم أبي ذيب هِشَام بن شُعْبَة أَبُو الْحَارِث الْمدنِي. الرَّابِع: المَقْبُري، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسرهَا، وَقيل: بِفَتْحِهَا أَيْضا، وَهِي نِسْبَة إِلَى الْمقْبرَة، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا، سعيد بن أبي سعيد، وَاسم أبي سعيد: كيسَان أَبُو سعيد الْمدنِي، وَسمي بالمقبري
стр. 1514
لِأَن سكناهُ كَانَ بجوار الْمقْبرَة. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أَرْبَعَة من الروَاة لم يسموا: أحدهم مَذْكُور بِالنِّسْبَةِ، وَالْآخرُونَ مذكورون بالكنية.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن مُحَمَّد بن أبي بكر عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن عبيد الله بن عمر عَن المَقْبُري بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن عبيد الله بن عمر بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن ابْن عجلَان عَن سعيد المَقْبُري. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِتَمَامِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن بشر عَن عبيد الله بن عمر مُخْتَصرا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَصِير) ، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْحَصِير البارية قلت: هُوَ الْمُتَّخذ من البردى وَغَيره، يبسط فِي الْبيُوت. قَوْله: (يبسطه بِالنَّهَارِ) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنه صفة لحصير. قَوْله: (ويحتجره) بالراء الْمُهْملَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَمَعْنَاهُ: يَتَّخِذهُ مثل الْحُجْرَة فَيصَلي فِيهَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (يحجزه) ، بالزاي أَي: يَجعله حاجزا بَينه وَبَين غَيره. قَوْله: (فَثَابَ إِلَيْهِ نَاس) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة من: ثاب النَّاس إِذا اجْتَمعُوا وجاؤا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ثاب الرجل يثوب ثوبا وثوبانا: رَجَعَ بعد ذَهَابه، وثاب النَّاس اجْتَمعُوا وجاؤا، وَكَذَلِكَ: ثاب المَاء إِذا اجْتمع فِي الْحَوْض، وَمِنْه المثابة وَهُوَ الْموضع الَّذِي يُثَاب إِلَيْهِ أَي: يرجع إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٥) . لِأَن أَهله يتصرفون فِي أُمُورهم ثمَّ يثوبون إِلَيْهِ أَي يرجعونن، هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والسرخسي: (فثار إِلَيْهِ نَاس) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالرَّاء من: ثار يثور ثورا وثورانا إِذا انْتَشَر وارتفع. قَالَه ابْن الْأَثِير. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا سَطَعَ، وَقَالَ غَيره: الثوران الهيجان، وَالْمعْنَى هَهُنَا ارْتَفع النَّاس إِلَيْهِ، وَيُقَال: ثار بِهِ النَّاس إِذا وَثبُوا عَلَيْهِ، وَوَقع عِنْد الْخطابِيّ: آبوا، أَي: رجعُوا يُقَال: آب يؤب أوبا وأوبة وإيابا، والأوّاب التائب، والمآب الْمرجع. قَوْله: (فصلوا وَرَاءه) أَي: وَرَاء النَّبِي ﷺ ، وَأخرج هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا، وَلَعَلَّ مُرَاده مِنْهُ بَيَان أَن الْحُجْرَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَن عمْرَة عَن عَائِشَة الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب كَانَت حَصِيرا، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وكل مَوضِع حجر عَلَيْهِ فَهُوَ حجرَة، وَفِي حَدِيث زيد بن ثَابت الْآتِي ذكره الْآن: (اتخذ حجرَة، قَالَ: حسبت أَنه قَالَ: من حَصِير) ، وَجَاء فِي رِوَايَة: (احتجر بخصفة أَو حَصِير فِي الْمَسْجِد) ، وَفِي رِوَايَة: (صلى فِي حُجْرَتي) ، رَوَاهُ عمْرَة عَن عَائِشَة، وَفِي رِوَايَة: (فَأمرنِي فَضربت لَهُ حَصِيرا يُصَلِّي عَلَيْهِ) ، وَلَعَلَّ هَذِه كَانَت فِي أَحْوَال.
٧٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الأعْلَى بنُ حَمَّادٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ سَالِمٍ أبي النضْرِ عنْ بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ اتخَذَ حُجْرَةً قَالَ حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ منْ حصِيرٍ فِي رمَضَانَ فَصلَّى فيهَا ليالِيَ فَصَلَّى بِصَلاتِهه ناسٌ مِنْ أصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ. فَقَالَ قَدْ عرَفْتُ الَّذِي رَأيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فإنَّ أفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَاّ المَكْتُوبَةَ. قالَ عفَّانُ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا مُوسَى قَالَ سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ عنْ بُسْرٍ عنْ زَيْدٍ عَن النبيِّ ﷺ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الحَدِيث فِي صَلَاة اللَّيْل.
ذكر رِجَاله: وهم: كلهم ذكرُوا، فعبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد، بتَشْديد الْمِيم: ابْن نصر أَبُو يحيى، مر فِي: بَاب الْجنب يخرج، ووهيب ابْن خَالِد مر فِي: بَاب من أجَاب الْفتيا، ومُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش الْأَسدي. وَسَالم أَبُو النَّضر، بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: وَهُوَ ابْن أبي أُميَّة، مر فِي: بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. وَبسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: ابْن سعيد، مر فِي: بَاب الخوخة فِي الْمَسْجِد. وَزيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ كَاتب الْوَحْي، مر فِي: بَاب إقبال الْحيض.
стр. 1515
ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: ثَلَاثَة مدنيون على نسق وَاحِد من التَّابِعين، أَوَّلهمْ: مُوسَى بن عقبَة ووهيب بَصرِي وَعبد الْأَعْلَى أَصله من الْبَصْرَة، سكن بَغْدَاد. وَفِيه: عَن سَالم أبي النَّضر، وروى ابْن جريج عَن مُوسَى فَلم يذكر سالما، وَأَبا النَّضر فِي هَذَا الْإِسْنَاد. أخرجه النَّسَائِيّ وَقَالَ: ذكر فِيهِ من اخْتِلَاف ابْن جريج ووهيب على مُوسَى بن عقبَة فِي خبر زيد بن ثَابت: أَخْبرنِي عبد الله بن مُحَمَّد بن تَمِيم المصِّيصِي، قَالَ: سَمِعت حجاجا قَالَ، قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي مُوسَى بن عقبَة عَن بسر بن سعيد عَن زيد بن ثَابت: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أفضل الصَّلَاة صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلاّ الْمَكْتُوبَة) . أخبرنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان، قَالَ حَدثنَا عَفَّان بن مُسلم، قَالَ: حَدثنَا وهيب، قَالَ، سَمِعت مُوسَى بن عقبَة، قَالَ: سَمِعت أَبَا النَّضر يحدث عَن بسر بن سعيد عَن زيد بن ثَابت: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (صلوا أَيهَا النَّاس فِي بُيُوتكُمْ فَإِن أفضل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلاّ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) . ثمَّ قَالَ: وَقفه مَالك. أخبرنَا قُتَيْبَة بن سعيد عَن مَالك عَن أبي النَّضر عَن بسر بن سعيد أَن زيد بن ثَابت، قَالَ: (أفضل الصَّلَاة صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ (. يَعْنِي: إلاّ صَلَاة الْجَمَاعَة. قلت: وروى عَن مَالك خَارج (الْمُوَطَّأ) مَرْفُوعا.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن إِسْحَاق عَن عَفَّان، وَفِي الْأَدَب، وَقَالَ الْمَكِّيّ: حَدثنَا عبد الله بن سعيد وَعَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد ابْن الْمثنى عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن بهز بن أَسد عَن وهيب بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن هَارُون بن عبد الله عَن مكي بن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَعَن أَحْمد بن صَالح عَن ابْن وهب، الْفَصْل الْأَخير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، الْفَصْل الْأَخير مِنْهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان بن عَفَّان بِهِ، وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد بن تَمِيم عَن حجاج عَن ابْن جريج، الْفَصْل الْأَخير مِنْهُ. وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ الْفَصْل الْأَخير قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عمر بن الْخطاب وَجَابِر وَأبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عمر وَعَائِشَة وَعبد الله بن سعيد وَزيد بن خَالِد قلت: حَدِيث عمر بن الْخطاب عِنْد ابْن مَاجَه وَلَفظه: قَالَ عمر: (سَأَلت رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: أما صَلَاة الرجل فِي بَيته فنور، فنوروا بُيُوتكُمْ) ، وَفِيه انْقِطَاع. وَحَدِيث جَابر عِنْد مُسلم فِي أَفْرَاده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا قضى أحدكُم الصَّلَاة فِي مَسْجده فليجعل فِي بَيته نَصِيبا من صلَاته) . وَحَدِيث أبي سعيد عِنْد ابْن مَاجَه عَن النَّبِي ﷺ : (إِذا قضى أحدكُم صلَاته فليجعل لبيته مِنْهَا نَصِيبا، فَإِن الله جَاعل فِي بَيته من صلَاته خيرا) . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي (الْكَبِير) وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر، إِن الشَّيْطَان يفر من الْبَيْت الَّذِي تقْرَأ فِيهِ سُورَة الْبَقَرَة) . وَحَدِيث ابْن عمر أخرجه الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه. وَحَدِيث عَائِشَة أخرجه أَحْمد: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول: صلوا فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تجعلوها عَلَيْكُم قبورا) . وَحَدِيث عبد الله بن سعيد أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل، وَابْن مَاجَه قَالَ: (سَأَلت رَسُول الله ﷺ : أَيّمَا أفضل: الصَّلَاة فِي بَيْتِي أَو الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد؟ قَالَ: أَلا ترى إِلَى بَيْتِي مَا أقربه من الْمَسْجِد؟ فَلِأَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد إلَاّ أَن تكون صَلَاة مَكْتُوبَة) . وَحَدِيث زيد بن خَالِد أخرجه أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (صلوا فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تتخذوها قبورا) . قلت: مِمَّا لم يذكرهُ عَن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وصهيب بن النُّعْمَان. أما حَدِيث الْحسن فَأخْرجهُ أَبُو يعلى. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (صلوا فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تتخذوها قبورا) الحَدِيث. وَأما حَدِيث صُهَيْب بن النُّعْمَان فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (فضل صَلَاة الرجل فِي بَيته على صلَاته حَيْثُ يرَاهُ النَّاس كفضل الْمَكْتُوبَة على النَّافِلَة) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (اتخذ حجرَة) ، بالراء عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بالزاي، أَيْضا، فَمَعْنَاه: شَيْئا حاجزا أَي: مَانِعا بَينه وَبَين النَّاس. قَوْله: (قد عرفت) ، ويروى: (قد علمت) . قَوْله: (من صنيعكم) ، بِفَتْح الصَّاد وَكسر النُّون، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (من صنعكم) ، بِضَم الصَّاد وَسُكُون النُّون أَي: حرصكم على إِقَامَة صَلَاة التَّرَاوِيح، وَهَذَا الْكَلَام لَيْسَ لأجل صلَاتهم فَقَط، بل لكَوْنهم رفعوا أَصْوَاتهم وسبحوا بِهِ ليخرج إِلَيْهِم، وحصب بَعضهم الْبَاب لظنهم أَنه نَائِم، وَسَيَأْتِي ذَلِك فِي الْأَدَب، وَزَاد فِي الِاعْتِصَام (حَتَّى خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم، وَلَو كتب عَلَيْكُم مَا قُمْتُم بِهِ) قَوْله: (فَإِن أفضل الصَّلَاة. .) آخِره، ظَاهره يَشْمَل جَمِيع النَّوَافِل. قَوْله: (إلاّ الْمَكْتُوبَة) أَي: الْفَرِيضَة.
стр. 1516
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن صَلَاة التَّطَوُّع فعلهَا فِي الْبيُوت أفضل من فعلهَا فِي الْمَسَاجِد، وَلَو كَانَت فِي الْمَسَاجِد الفاضلة الَّتِي تضعف فِيهَا الصَّلَاة على غَيرهَا، وَقد ورد التَّصْرِيح بذلك فِي إِحْدَى روايتي أبي دَاوُد لحَدِيث زيد بن ثَابت، فَقَالَ فِيهَا: (صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته أفضل من صلَاته فِي مَسْجِدي هَذَا إلاّ الْمَكْتُوبَة) ، وإسنادها صَحِيح، فعلى هَذَا: لَو صلى نَافِلَة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة كَانَت بِأَلف صَلَاة على القَوْل بِدُخُول النَّوَافِل فِي عُمُوم الحَدِيث، وَإِذا صلاهَا فِي بَيته كَانَت أفضل من ألف صَلَاة، وَهَكَذَا حكم مَسْجِد مَكَّة وَبَيت الْمُقَدّس إلاّ أَن التَّضْعِيف بِمَكَّة يحصل فِي جَمِيع مَكَّة، بل صحّح النَّوَوِيّ: أَن التَّضْعِيف يحصل فِي جَمِيع الْحرم، وَاسْتثنى من عُمُوم الحَدِيث عدَّة من النَّوَافِل، ففعلها فِي غير الْبَيْت أكمل، وَهِي: مَا تشرع فِيهَا الْجَمَاعَة: كالعيدين وَالِاسْتِسْقَاء والكسوف. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: وَكَذَلِكَ: تَحِيَّة الْمَسْجِد وركعتا الطّواف وركعتا الْإِحْرَام إِن كَانَ عِنْد الْمِيقَات مَسْجِد كذي الحليفة، وَكَذَلِكَ التَّنَفُّل فِي يَوْم الْجُمُعَة قبل الزَّوَال وَبعده. وَفِيه: حجَّة على من اسْتحبَّ النَّوَافِل فِي الْمَسْجِد ليلية كَانَت أَو نهارية حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض وَالنَّوَوِيّ عَن جمَاعَة من السّلف، وعَلى من اسْتحبَّ نوافل النَّهَار فِي الْمَسْجِد دون نوافل اللَّيْل، وَحكى ذَلِك عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك. وَفِيه: مَا يدل على أصل التَّرَاوِيح، لِأَنَّهُ ﷺ ، صلاهَا فِي رَمَضَان بعض اللَّيَالِي ثمَّ تَركهَا خشيَة أَن تكْتب علينا، ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي كَونهَا سنة أَو تَطَوّعا مُبْتَدأ، فَقَالَ الإِمَام حميد الدّين الضَّرِير: نفس التَّرَاوِيح سنة، أما أَدَاؤُهَا بِالْجَمَاعَة فمستحب، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة: أَن التَّرَاوِيح سنة لَا يجوز تَركهَا. وَقَالَ الشَّهِيد: هُوَ الصَّحِيح، وَفِي (جَوَامِع الْفِقْه) : التَّرَاوِيح سنة مُؤَكدَة، وَالْجَمَاعَة فِيهَا وَاجِبَة، وَفِي (الرَّوْضَة) لِأَصْحَابِنَا: إِن الْجَمَاعَة فَضِيلَة. وَفِي (الذَّخِيرَة) لِأَصْحَابِنَا عَن أَكثر الْمَشَايِخ: إِن إِقَامَتهَا بِالْجَمَاعَة سنة على الْكِفَايَة، وَمن صلى فِي الْبَيْت فقد ترك فَضِيلَة الْمَسْجِد. وَفِي (الْمَبْسُوط) : لَو صلى إِنْسَان فِي بَيته لَا يَأْثَم، فعلهَا ابْن عمر وَسَالم وَالقَاسِم وَنَافِع وَإِبْرَاهِيم، ثمَّ إِنَّهَا عشرُون رَكْعَة. وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَنَقله القَاضِي عَن جُمْهُور الْعلمَاء، وَحكي أَن الْأسود بن يزِيد كَانَ يقوم بِأَرْبَعِينَ رَكْعَة، ويوتر بِسبع، وَعند مَالك: تسع ترويحات بست وَثَلَاثِينَ رَكْعَة غير الْوتر، وَاحْتج على ذَلِك بِعَمَل أهل الْمَدِينَة، وَاحْتج أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيَّة والحنابلة بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن السَّائِب بن يزِيد الصَّحَابِيّ، قَالَ: كَانُوا يقومُونَ على عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِعشْرين رَكْعَة، وعَلى عهد عُثْمَان وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مثله. فَإِن قلت: قَالَ فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن يزِيد بن رُومَان قَالَ: كَانَ النَّاس فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يقومُونَ فِي رَمَضَان بِثَلَاث وَعشْرين رَكْعَة؟ قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَالثَّلَاث هُوَ الْوتر، وَيزِيد لم يدْرك عمر، فَفِيهِ انْقِطَاع.
فَائِدَة: اسْتثِْنَاء الْمَكْتُوبَة مِمَّا يصلى فِي الْبيُوت هُوَ فِي حق الرِّجَال دون النِّسَاء، فَإِن صلاتهن فِي الْبيُوت أفضل، وَإِن أذن لَهُنَّ فِي حُضُور بعض الْجَمَاعَات، وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ ، فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (إِذا استأذنكم نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِد فأذنوا لَهُنَّ وبيوتهن خير لَهُنَّ.
أُخْرَى: قَوْله: (فِي بُيُوتكُمْ) ، يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك إِخْرَاج بيُوت الله تَعَالَى، وَهِي الْمَسَاجِد، فَيدْخل فِيهِ بَيت الْمصلى وَبَيت غَيره، كمن يُرِيد أَن يزور قوما فِي بُيُوتهم وَنَحْو ذَلِك. وَيحْتَمل أَن يُرِيد بَيت الْمُصَلِّي دون بَيت غَيره، وَهُوَ ظَاهر قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (أفضل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته) ، فَيخرج بذلك أَيْضا بَيت غير الْمصلى.
أُخْرَى: اخْتلف فِي المُرَاد بقوله: فِي حَدِيث ابْن عمر: (صلوا فِي بُيُوتكُمْ) ، فَقَالَ الْجُمْهُور فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي عَنْهُم: إِن المُرَاد فِي صَلَاة النَّافِلَة اسْتِحْبَاب إخفائها. قَالَ: وَقيل هَذَا فِي الْفَرِيضَة، وَمَعْنَاهُ: اجعلوا بعض فرائضكم فِي بُيُوتكُمْ ليقتدي بكم من لَا يخرج إِلَى الْمَسْجِد من نسْوَة وَعبيد ومريض وَنَحْوهم، قَالَ النَّوَوِيّ: وَالصَّوَاب أَن المُرَاد النَّافِلَة فَلَا يجوز حمله على الْفَرِيضَة.
أُخْرَى: إِنَّمَا حث على النَّوَافِل فِي الْبيُوت لكَونهَا أخْفى وَأبْعد من الرِّيَاء، وأصون من المحبطات، وليتبرك الْبَيْت بذلك، وتنزل فِيهِ الرَّحْمَة وَالْمَلَائِكَة، وتنفر مِنْهُ الشَّيَاطِين. وَالله تَعَالَى أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧٣١ - حدَّثنا عَبْدُ الأعْلَى بنُ حَمَّادٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ سَالِمٍ أبي النضْرِ عنْ بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ اتخَذَ حُجْرَةً قَالَ حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ منْ حصِيرٍ فِي رمَضَانَ فَصلَّى فيهَا ليالِيَ فَصَلَّى بِصَلاتِهه ناسٌ مِنْ أصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ. فَقَالَ قَدْ عرَفْتُ الَّذِي رَأيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فإنَّ أفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَاّ المَكْتُوبَةَ. قالَ عفَّانُ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا مُوسَى قَالَ سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ عنْ بُسْرٍ عنْ زَيْدٍ عَن النبيِّ ﷺ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الحَدِيث فِي صَلَاة اللَّيْل.
ذكر رِجَاله: وهم: كلهم ذكرُوا، فعبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد، بتَشْديد الْمِيم: ابْن نصر أَبُو يحيى، مر فِي: بَاب الْجنب يخرج، ووهيب ابْن خَالِد مر فِي: بَاب من أجَاب الْفتيا، ومُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش الْأَسدي. وَسَالم أَبُو النَّضر، بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: وَهُوَ ابْن أبي أُميَّة، مر فِي: بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. وَبسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: ابْن سعيد، مر فِي: بَاب الخوخة فِي الْمَسْجِد. وَزيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ كَاتب الْوَحْي، مر فِي: بَاب إقبال الْحيض.
ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: ثَلَاثَة مدنيون على نسق وَاحِد من التَّابِعين، أَوَّلهمْ: مُوسَى بن عقبَة ووهيب بَصرِي وَعبد الْأَعْلَى أَصله من الْبَصْرَة، سكن بَغْدَاد. وَفِيه: عَن سَالم أبي النَّضر، وروى ابْن جريج عَن مُوسَى فَلم يذكر سالما، وَأَبا النَّضر فِي هَذَا الْإِسْنَاد. أخرجه النَّسَائِيّ وَقَالَ: ذكر فِيهِ من اخْتِلَاف ابْن جريج ووهيب على مُوسَى بن عقبَة فِي خبر زيد بن ثَابت: أَخْبرنِي عبد الله بن مُحَمَّد بن تَمِيم المصِّيصِي، قَالَ: سَمِعت حجاجا قَالَ، قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي مُوسَى بن عقبَة عَن بسر بن سعيد عَن زيد بن ثَابت: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أفضل الصَّلَاة صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلاّ الْمَكْتُوبَة) . أخبرنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان، قَالَ حَدثنَا عَفَّان بن مُسلم، قَالَ: حَدثنَا وهيب، قَالَ، سَمِعت مُوسَى بن عقبَة، قَالَ: سَمِعت أَبَا النَّضر يحدث عَن بسر بن سعيد عَن زيد بن ثَابت: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (صلوا أَيهَا النَّاس فِي بُيُوتكُمْ فَإِن أفضل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلاّ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) . ثمَّ قَالَ: وَقفه مَالك. أخبرنَا قُتَيْبَة بن سعيد عَن مَالك عَن أبي النَّضر عَن بسر بن سعيد أَن زيد بن ثَابت، قَالَ: (أفضل الصَّلَاة صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ (. يَعْنِي: إلاّ صَلَاة الْجَمَاعَة. قلت: وروى عَن مَالك خَارج (الْمُوَطَّأ) مَرْفُوعا.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن إِسْحَاق عَن عَفَّان، وَفِي الْأَدَب، وَقَالَ الْمَكِّيّ: حَدثنَا عبد الله بن سعيد وَعَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد ابْن الْمثنى عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن بهز بن أَسد عَن وهيب بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن هَارُون بن عبد الله عَن مكي بن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَعَن أَحْمد بن صَالح عَن ابْن وهب، الْفَصْل الْأَخير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، الْفَصْل الْأَخير مِنْهُ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان بن عَفَّان بِهِ، وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد بن تَمِيم عَن حجاج عَن ابْن جريج، الْفَصْل الْأَخير مِنْهُ. وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ الْفَصْل الْأَخير قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عمر بن الْخطاب وَجَابِر وَأبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عمر وَعَائِشَة وَعبد الله بن سعيد وَزيد بن خَالِد قلت: حَدِيث عمر بن الْخطاب عِنْد ابْن مَاجَه وَلَفظه: قَالَ عمر: (سَأَلت رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: أما صَلَاة الرجل فِي بَيته فنور، فنوروا بُيُوتكُمْ) ، وَفِيه انْقِطَاع. وَحَدِيث جَابر عِنْد مُسلم فِي أَفْرَاده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا قضى أحدكُم الصَّلَاة فِي مَسْجده فليجعل فِي بَيته نَصِيبا من صلَاته) . وَحَدِيث أبي سعيد عِنْد ابْن مَاجَه عَن النَّبِي ﷺ : (إِذا قضى أحدكُم صلَاته فليجعل لبيته مِنْهَا نَصِيبا، فَإِن الله جَاعل فِي بَيته من صلَاته خيرا) . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي (الْكَبِير) وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر، إِن الشَّيْطَان يفر من الْبَيْت الَّذِي تقْرَأ فِيهِ سُورَة الْبَقَرَة) . وَحَدِيث ابْن عمر أخرجه الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه. وَحَدِيث عَائِشَة أخرجه أَحْمد: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول: صلوا فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تجعلوها عَلَيْكُم قبورا) . وَحَدِيث عبد الله بن سعيد أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل، وَابْن مَاجَه قَالَ: (سَأَلت رَسُول الله ﷺ : أَيّمَا أفضل: الصَّلَاة فِي بَيْتِي أَو الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد؟ قَالَ: أَلا ترى إِلَى بَيْتِي مَا أقربه من الْمَسْجِد؟ فَلِأَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد إلَاّ أَن تكون صَلَاة مَكْتُوبَة) . وَحَدِيث زيد بن خَالِد أخرجه أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (صلوا فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تتخذوها قبورا) . قلت: مِمَّا لم يذكرهُ عَن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وصهيب بن النُّعْمَان. أما حَدِيث الْحسن فَأخْرجهُ أَبُو يعلى. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (صلوا فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تتخذوها قبورا) الحَدِيث. وَأما حَدِيث صُهَيْب بن النُّعْمَان فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (فضل صَلَاة الرجل فِي بَيته على صلَاته حَيْثُ يرَاهُ النَّاس كفضل الْمَكْتُوبَة على النَّافِلَة) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (اتخذ حجرَة) ، بالراء عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بالزاي، أَيْضا، فَمَعْنَاه: شَيْئا حاجزا أَي: مَانِعا بَينه وَبَين النَّاس. قَوْله: (قد عرفت) ، ويروى: (قد علمت) . قَوْله: (من صنيعكم) ، بِفَتْح الصَّاد وَكسر النُّون، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (من صنعكم) ، بِضَم الصَّاد وَسُكُون النُّون أَي: حرصكم على إِقَامَة صَلَاة التَّرَاوِيح، وَهَذَا الْكَلَام لَيْسَ لأجل صلَاتهم فَقَط، بل لكَوْنهم رفعوا أَصْوَاتهم وسبحوا بِهِ ليخرج إِلَيْهِم، وحصب بَعضهم الْبَاب لظنهم أَنه نَائِم، وَسَيَأْتِي ذَلِك فِي الْأَدَب، وَزَاد فِي الِاعْتِصَام (حَتَّى خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم، وَلَو كتب عَلَيْكُم مَا قُمْتُم بِهِ) قَوْله: (فَإِن أفضل الصَّلَاة. .) آخِره، ظَاهره يَشْمَل جَمِيع النَّوَافِل. قَوْله: (إلاّ الْمَكْتُوبَة) أَي: الْفَرِيضَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن صَلَاة التَّطَوُّع فعلهَا فِي الْبيُوت أفضل من فعلهَا فِي الْمَسَاجِد، وَلَو كَانَت فِي الْمَسَاجِد الفاضلة الَّتِي تضعف فِيهَا الصَّلَاة على غَيرهَا، وَقد ورد التَّصْرِيح بذلك فِي إِحْدَى روايتي أبي دَاوُد لحَدِيث زيد بن ثَابت، فَقَالَ فِيهَا: (صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته أفضل من صلَاته فِي مَسْجِدي هَذَا إلاّ الْمَكْتُوبَة) ، وإسنادها صَحِيح، فعلى هَذَا: لَو صلى نَافِلَة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة كَانَت بِأَلف صَلَاة على القَوْل بِدُخُول النَّوَافِل فِي عُمُوم الحَدِيث، وَإِذا صلاهَا فِي بَيته كَانَت أفضل من ألف صَلَاة، وَهَكَذَا حكم مَسْجِد مَكَّة وَبَيت الْمُقَدّس إلاّ أَن التَّضْعِيف بِمَكَّة يحصل فِي جَمِيع مَكَّة، بل صحّح النَّوَوِيّ: أَن التَّضْعِيف يحصل فِي جَمِيع الْحرم، وَاسْتثنى من عُمُوم الحَدِيث عدَّة من النَّوَافِل، ففعلها فِي غير الْبَيْت أكمل، وَهِي: مَا تشرع فِيهَا الْجَمَاعَة: كالعيدين وَالِاسْتِسْقَاء والكسوف. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: وَكَذَلِكَ: تَحِيَّة الْمَسْجِد وركعتا الطّواف وركعتا الْإِحْرَام إِن كَانَ عِنْد الْمِيقَات مَسْجِد كذي الحليفة، وَكَذَلِكَ التَّنَفُّل فِي يَوْم الْجُمُعَة قبل الزَّوَال وَبعده. وَفِيه: حجَّة على من اسْتحبَّ النَّوَافِل فِي الْمَسْجِد ليلية كَانَت أَو نهارية حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض وَالنَّوَوِيّ عَن جمَاعَة من السّلف، وعَلى من اسْتحبَّ نوافل النَّهَار فِي الْمَسْجِد دون نوافل اللَّيْل، وَحكى ذَلِك عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك. وَفِيه: مَا يدل على أصل التَّرَاوِيح، لِأَنَّهُ ﷺ ، صلاهَا فِي رَمَضَان بعض اللَّيَالِي ثمَّ تَركهَا خشيَة أَن تكْتب علينا، ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي كَونهَا سنة أَو تَطَوّعا مُبْتَدأ، فَقَالَ الإِمَام حميد الدّين الضَّرِير: نفس التَّرَاوِيح سنة، أما أَدَاؤُهَا بِالْجَمَاعَة فمستحب، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة: أَن التَّرَاوِيح سنة لَا يجوز تَركهَا. وَقَالَ الشَّهِيد: هُوَ الصَّحِيح، وَفِي (جَوَامِع الْفِقْه) : التَّرَاوِيح سنة مُؤَكدَة، وَالْجَمَاعَة فِيهَا وَاجِبَة، وَفِي (الرَّوْضَة) لِأَصْحَابِنَا: إِن الْجَمَاعَة فَضِيلَة. وَفِي (الذَّخِيرَة) لِأَصْحَابِنَا عَن أَكثر الْمَشَايِخ: إِن إِقَامَتهَا بِالْجَمَاعَة سنة على الْكِفَايَة، وَمن صلى فِي الْبَيْت فقد ترك فَضِيلَة الْمَسْجِد. وَفِي (الْمَبْسُوط) : لَو صلى إِنْسَان فِي بَيته لَا يَأْثَم، فعلهَا ابْن عمر وَسَالم وَالقَاسِم وَنَافِع وَإِبْرَاهِيم، ثمَّ إِنَّهَا عشرُون رَكْعَة. وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَنَقله القَاضِي عَن جُمْهُور الْعلمَاء، وَحكي أَن الْأسود بن يزِيد كَانَ يقوم بِأَرْبَعِينَ رَكْعَة، ويوتر بِسبع، وَعند مَالك: تسع ترويحات بست وَثَلَاثِينَ رَكْعَة غير الْوتر، وَاحْتج على ذَلِك بِعَمَل أهل الْمَدِينَة، وَاحْتج أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيَّة والحنابلة بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن السَّائِب بن يزِيد الصَّحَابِيّ، قَالَ: كَانُوا يقومُونَ على عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِعشْرين رَكْعَة، وعَلى عهد عُثْمَان وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مثله. فَإِن قلت: قَالَ فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن يزِيد بن رُومَان قَالَ: كَانَ النَّاس فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يقومُونَ فِي رَمَضَان بِثَلَاث وَعشْرين رَكْعَة؟ قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَالثَّلَاث هُوَ الْوتر، وَيزِيد لم يدْرك عمر، فَفِيهِ انْقِطَاع.
فَائِدَة: اسْتثِْنَاء الْمَكْتُوبَة مِمَّا يصلى فِي الْبيُوت هُوَ فِي حق الرِّجَال دون النِّسَاء، فَإِن صلاتهن فِي الْبيُوت أفضل، وَإِن أذن لَهُنَّ فِي حُضُور بعض الْجَمَاعَات، وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ ، فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (إِذا استأذنكم نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِد فأذنوا لَهُنَّ وبيوتهن خير لَهُنَّ.
أُخْرَى: قَوْله: (فِي بُيُوتكُمْ) ، يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك إِخْرَاج بيُوت الله تَعَالَى، وَهِي الْمَسَاجِد، فَيدْخل فِيهِ بَيت الْمصلى وَبَيت غَيره، كمن يُرِيد أَن يزور قوما فِي بُيُوتهم وَنَحْو ذَلِك. وَيحْتَمل أَن يُرِيد بَيت الْمُصَلِّي دون بَيت غَيره، وَهُوَ ظَاهر قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (أفضل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته) ، فَيخرج بذلك أَيْضا بَيت غير الْمصلى.
أُخْرَى: اخْتلف فِي المُرَاد بقوله: فِي حَدِيث ابْن عمر: (صلوا فِي بُيُوتكُمْ) ، فَقَالَ الْجُمْهُور فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي عَنْهُم: إِن المُرَاد فِي صَلَاة النَّافِلَة اسْتِحْبَاب إخفائها. قَالَ: وَقيل هَذَا فِي الْفَرِيضَة، وَمَعْنَاهُ: اجعلوا بعض فرائضكم فِي بُيُوتكُمْ ليقتدي بكم من لَا يخرج إِلَى الْمَسْجِد من نسْوَة وَعبيد ومريض وَنَحْوهم، قَالَ النَّوَوِيّ: وَالصَّوَاب أَن المُرَاد النَّافِلَة فَلَا يجوز حمله على الْفَرِيضَة.
أُخْرَى: إِنَّمَا حث على النَّوَافِل فِي الْبيُوت لكَونهَا أخْفى وَأبْعد من الرِّيَاء، وأصون من المحبطات، وليتبرك الْبَيْت بذلك، وتنزل فِيهِ الرَّحْمَة وَالْمَلَائِكَة، وتنفر مِنْهُ الشَّيَاطِين. وَالله تَعَالَى أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أبْوابُ صِفَةُ الصَّلَاةِ)
لما فرغ من بَيَان أَحْكَام الْجَمَاعَة وَالْإِقَامَة وتسوية الصُّفُوف الْمُشْتَملَة على مائَة واثنين وَعشْرين حَدِيثا، الْمَوْصُول من ذَلِك
стр. 1517
سِتَّة وَتسْعُونَ حَدِيثا، وَالْمُعَلّق سِتَّة وَعِشْرُونَ، وعَلى سَبْعَة عشر أثرا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، شرع فِي بَيَان صفة الصَّلَاة بأنواعها وَسَائِر مَا يتَعَلَّق بهَا بتفاصيلها، فَقَالَ:
٨٢ - (بابُ إيجَاب التَّكبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِيجَاب تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، ثمَّ: الْوَاو، فِي: وافتتاح الصَّلَاة، قَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَنَّهَا عاطفة إِمَّا على الْمُضَاف وَهُوَ إِيجَاب، وَإِمَّا على الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ التَّكْبِير، وَالْأول أولى إِن كَانَ المُرَاد بالافتتاح الدُّعَاء، لِأَنَّهُ لَا يجب. وَالَّذِي يظْهر من سِيَاقه أَن: الْوَاو، بِمَعْنى: مَعَ، وَإِن المُرَاد بالافتتاح: الشُّرُوع فِي الصَّلَاة. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن: الْوَاو، هُنَا عاطفة، فَلَا يَصح قَوْله: إِمَّا على الْمُضَاف وَإِمَّا على الْمُضَاف إِلَيْهِ، بل: الْوَاو، هُنَا إِمَّا بِمَعْنى: بَاء الْجَرّ، كَمَا فِي قَوْلهم: أَنْت أعلم وَمَالك، وَالْمعْنَى: إِيجَاب التَّكْبِير بافتتاح الصَّلَاة. وَأما بِمَعْنى: لَام التَّعْلِيل، وَالْمعْنَى: إِيجَاب التَّكْبِير لأجل افْتِتَاح الصَّلَاة. ومجيء: الْوَاو، بِمَعْنى: لَام التَّعْلِيل، ذكره الخارزنجي، وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى: مَعَ، أَي: إِيجَاب التَّكْبِير مَعَ افْتِتَاح الصَّلَاة، ومجيء: الْوَاو، بِمَعْنى: مَعَ، شَائِع ذائع.
ثمَّ إعلم أَنه كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: بَاب وجوب التَّكْبِير، لِأَن الْإِيجَاب هُوَ الْخطاب الَّذِي يعْتَبر فِيهِ جَانب الْفَاعِل، وَالْوُجُوب هُوَ الَّذِي يعْتَبر فِيهِ جَانب الْمَفْعُول، وَهُوَ فعل الْمُكَلف، وَإِطْلَاق الْإِيجَاب على الْوُجُوب تسَامح.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: هِيَ شَرط، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: ركن. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَقَالَ الزُّهْرِيّ: تَنْعَقِد الصَّلَاة بِمُجَرَّد النِّيَّة بِلَا تَكْبِير، قَالَ أَبُو بكر: وَلم يقل بِهِ غَيره. قَالَ ابْن بطال: ذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى وجوب تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنَّهَا سنة، رُوِيَ ذَلِك عَن سعيد بن الْمسيب وَالْحسن وَالْحكم وَالزهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالُوا: إِن تَكْبِير الرُّكُوع يجْزِيه عَن تَكْبِير الْإِحْرَام، وَرُوِيَ عَن مَالك فِي الْمَأْمُوم مَا يدل على أَنه سنة، وَلم يخْتَلف قَوْله فِي الْمُنْفَرد وَالْإِمَام أَنه وَاجِب على كل وَاحِد مِنْهُمَا، وَأَن من نَسيَه يسْتَأْنف الصَّلَاة. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة: التَّكْبِير ركن لَا تَنْعَقِد الصَّلَاة إِلَّا بِهِ، سَوَاء تَركه سَهوا أَو عمدا. قَالَ: وَهَذَا قَول ربيعَة وَالثَّوْري وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَحكى الثَّوْريّ وَأَبُو الْحسن الْكَرْخِي الْحَنَفِيّ عَن ابْن علية، والأصم كَقَوْل الزُّهْرِيّ فِي انْعِقَاد الصَّلَاة بِمُجَرَّد النِّيَّة بِغَيْر تَكْبِير، وَقَالَ عبد الْعَزِيز ابْن ابراهيم بن بزيزة: قَالَت طَائِفَة بِوُجُوب تَكْبِير الصَّلَاة كُله، وَعكس آخَرُونَ فَقَالُوا: كل تَكْبِيرَة فِي الصَّلَاة لَيست بواجبة مُطلقًا، مِنْهُم: ابْن شهَاب وَابْن الْمسيب، وأجازوا الْإِحْرَام بِالنِّيَّةِ لعُمُوم قَوْله ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ) ، وَالْجُمْهُور أوجبوها خَاصَّة دون مَا عَداهَا. وَاخْتلف مَذْهَب مَالك: هَل يحملهَا الإِمَام عَن الْمَأْمُوم أم لَا؟ فِيهِ قَولَانِ فِي الْمَذْهَب.
ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء: هَل يجزىء الِافْتِتَاح بالتسبيح والتهليل مَكَان التَّكْبِير؟ فَقَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: لَا يجزىء إِلَّا: الله أكبر، وَعَن الشَّافِعِي أَنه يجزىء: الله الْأَكْبَر. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد: يجوز بِكُل لفظ يقْصد بِهِ التَّعْظِيم، وَذكر فِي (الْهِدَايَة) قَالَ أَبُو يُوسُف: إِن كَانَ الْمُصَلِّي يحسن التَّكْبِير لم يجز إلاّ: الله أكبر، أَو: الله الْأَكْبَر، أَو الله الْكَبِير، وَإِن لم يحسن جَازَ. وَقَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بِحَدِيث عَائِشَة: (كَانَ النَّبِي ﷺ يفْتَتح الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ) ، وَبِحَدِيث ابْن عمر: (رَأَيْت النَّبِي ﷺ افْتتح التَّكْبِير فِي الصَّلَاة) على تعْيين لفظ: التَّكْبِير، دون لفظ غَيره من أَلْفَاظ التَّعْظِيم، وَكَذَلِكَ استدلوا بِحَدِيث رِفَاعَة فِي قصَّة الْمُسِيء صلَاته، أخرجه أَبُو دَاوُد: (لَا تتمّ صَلَاة أحد من النَّاس حَتَّى يتَوَضَّأ فَيَضَع الْوضُوء موَاضعه ثمَّ يكبر) . وَبِحَدِيث أبي حميد: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة عقد قَائِما وَرفع يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ: الله أكبر) ، أخرجه التِّرْمِذِيّ قلت: التَّكْبِير هُوَ التَّعْظِيم من حَيْثُ اللُّغَة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رأينه أكبرنه﴾ (يُوسُف: ٣١) . أَي: عظمنه. ﴿وَرَبك فَكبر﴾ (المدثر: ٣) أَي: فَعظم، فَكل لفظ دلّ على التَّعْظِيم وَجب أَن يجوز الشُّرُوع بِهِ، وَمن أَيْن قَالُوا: إِن التَّكْبِير وَجب بِعَيْنِه حَتَّى يقْتَصر على لفظ: أكبر؟ وَالْأَصْل فِي خطاب الشَّرْع أَن تكون نصوصه مَعْلُومَة معقولة، وَالتَّقْيِيد خلاف فِي الأَصْل على مَا عرف فِي الْأُصُول. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَذكر اسْم ربه فصلى﴾ (الْأَعْلَى: ١٥) وَذكر اسْمه تَعَالَى أَعم من أَن يكون: باسم الله، أَو: باسم الرَّحْمَن، فَجَاز الرَّحْمَن أعظم، كَمَا جَازَ: الله أكبر، لِأَنَّهُمَا فِي كَونهمَا ذكرا سَوَاء، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا﴾ (الْأَعْرَاف: ١٨٠) وَقَالَ ﷺ : (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إلاّ الله) ، فَمن
стр. 1518
قَالَ لَا إِلَه إلاّ الرَّحْمَن أَو الْعَزِيز كَانَ مُسلما، فَإِذا جَازَ ذَلِك فِي الْإِيمَان الَّذِي هُوَ أصل، فَفِي فروعه أولى. وَفِي (سنَن ابْن أبي شيبَة) : عَن أبي الْعَالِيَة أَنه سُئِلَ: بِأَيّ شَيْء كَانَ الْأَنْبِيَاء ﵈، يستفتحون الصَّلَاة؟ قَالَ: بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّسْبِيح والتهليل. وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: بِأَيّ شَيْء من أَسمَاء الله تَعَالَى افتتحت الصَّلَاة أجزأك، وَمثله عَن النَّخعِيّ وَعَن إِبْرَاهِيم: إِذا سبح أَو كبر أَو هلل أَجْزَأَ فِي الِافْتِتَاح، وَالْجَوَاب عَن حَدِيث رِفَاعَة: أَنه ﷺ قد أثبتها صَلَاة وَنفى قبُولهَا، وَيجوز أَن تكون جَائِزَة وَلَا تكون مَقْبُولَة، إِذْ لَا يلْزم من الْجَوَاز الْقبُول، وَعِنْدهم لَا تكون صَلَاة فَلَا حجَّة فِيهِ.
٧٣٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ الأنْصَارِيُّ أنَّ رسُولَ الله رَكِبَ فَرَسا فَجُحِشَ شِقُّهُ الأيْمَنُ قَالَ أنَسٌ ﵁ فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ هْوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودا ثُمَّ قَالَ لَمَّا سَلَّمَ إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ فَإذَا صَلَّى قائِما فَصَلُّوا قِيَاما وإذَا رَكَعَ فارْكَعُوا وإذَا رَفَعَ فارْفَعُوا وإذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا وإذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ.
هَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك ابْن شهَاب عَن أنس، وَبَينهمَا تفَاوت فِي بعض الْأَلْفَاظ، فهناك: (ركب فرسا فصرع عَنهُ فجحش) وَهُنَاكَ بعد قَوْله: (وَرَاءه قعُودا، فَلَمَّا إنصرف قَالَ: إِنَّمَا جعل الإِمَام) ، وَلَيْسَ هُنَاكَ: (وَإِذا سجد فاسجدوا) ، وَفِي آخِره هُنَاكَ: (وَإِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ) . وَفِي نفس الْأَمر هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي بعده فِي ذَلِك الْبَاب حَدِيث وَاحِد، فَالْكل من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَفِي الحَدِيث الَّذِي يتلوه: (وَإِذا كبر فكبروا) ، وَهُوَ مُقَدّر أَيْضا فِي هَذَا الحَدِيث، لِأَن قَوْله: (إِذا ركع فاركعوا) ، يَسْتَدْعِي سبق التَّكْبِير بِلَا شكّ، والمقدر كالملفوظ، فَحِينَئِذٍ يظْهر التطابق بَين تَرْجَمَة الْبَاب وَبَين هذَيْن الْحَدِيثين، لِأَن الْأَمر بِالتَّكْبِيرِ صَرِيح فِي أَحدهمَا، مُقَدّر فِي الآخر، وَالْأَمر بِهِ للْوُجُوب، فَدلَّ على الْجُزْء الأول من التَّرْجَمَة وَهُوَ قَوْله: بَاب إِيجَاب التَّكْبِير.
وَأما دلَالَته على الْجُزْء الثَّانِي وَهُوَ قَوْله: وافتتاح الصَّلَاة، فبطريق اللُّزُوم، لِأَن التَّكْبِير فِي أول الصَّلَاة لَا يكون إلاّ عِنْد افتتاحها، وافتتاحها هُوَ الشُّرُوع فِيهَا، فَإِذا أمعنت النّظر فِيمَا قلت عرفت أَن اعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ على البُخَارِيّ هَهُنَا لَيْسَ بِشَيْء، وَهُوَ قَوْله: لَيْسَ فِي حَدِيث شُعَيْب ذكر التَّكْبِير وَلَا ذكر الِافْتِتَاح، وَمَعَ هَذَا فَحَدِيث اللَّيْث الَّذِي ذكره إِنَّمَا فِيهِ: (إِذا كبر فكبروا) ، لَيْسَ فِيهِ بَيَان إِيجَاب التَّكْبِير، وَإِنَّمَا فِيهِ بَيَان إِيجَاب الَّتِي يكبرُونَ بهَا لَا يسبقون إمَامهمْ بهَا، وَلَو كَانَ ذَلِك إِيجَابا للتكبير بِهَذَا اللَّفْظ لَكَانَ قَوْله: (وَإِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده فَقولُوا: رَبنَا وَلَك الْحَمد) ، إِيجَابا لهَذَا القَوْل على الْمُؤْتَم. انْتهى.
وَقد قُلْنَا: إِن هَذِه الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة فِي حكم حَدِيث وَاحِد وَقد بَينا وَجهه، وَأَنه يدل على وجوب التَّكْبِير، وبطريق اللُّزُوم يدل على افْتِتَاح الصَّلَاة، وَقَوله: وَلَيْسَ فِيهِ بَيَان إِيجَاب التَّكْبِير، مَمْنُوع، وَكَيف لَا يدل وَقد أَمر بِهِ ﷺ ، وَعَن هَذَا قَالَ ابْن التِّين وَابْن بطال: تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَاجِبَة بِهَذَا اللَّفْظ، أَعنِي بقوله: (فكبروا) ، لِأَنَّهُ ذكر تَكْبِيرَة الْإِحْرَام دون غَيرهَا من سَائِر التَّكْبِيرَات، وَالْأَمر للْوُجُوب. وَقَوله: وَلَو كَانَ ذَلِك إِيجَابا ... إِلَى آخِره، قِيَاس غير صَحِيح، لِأَن التَّحْمِيد غير وَاجِب على الْمُؤْتَم بِالْإِجْمَاع، وَلَا يضر ذَلِك إِيجَاب الظَّاهِرِيَّة إِيَّاه على الْمُؤْتَم، لِأَن خلافهم لَا يعْتَبر، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَيمكن أَن يكون البُخَارِيّ أَيْضا قَائِلا بِوُجُوب التَّحْمِيد، كَمَا يُوجِبهُ الظَّاهِرِيَّة. فَإِن قلت: روى عَن الْحميدِي أَنه قَالَ بِوُجُوبِهِ؟ قلت: يحْتَمل أَنه لم يكن اطلع على كَون الْإِجْمَاع فِيهِ على عدم الْوُجُوب، وَعرفت أَيْضا أَن قَول صَاحب (التَّلْوِيح) : وافتتاح الصَّلَاة لَيْسَ فِي ظَاهر الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْء أَيْضا، لِأَنَّهُ نظر إِلَى الظَّاهِر، وَلَو غاص فِيمَا غصناه لم يقل بذلك. والكرماني أَيْضا تصرف وتكلف هُنَا، ثمَّ توقف فاستشكل دلَالَته على التَّرْجَمَة حَيْثُ قَالَ: أَولا: الحَدِيث دلّ على الْجُزْء الثَّانِي من التَّرْجَمَة، لِأَن لفظ: (إِذا صلى قَائِما) يتَنَاوَل لكَون الِافْتِتَاح فِي حَال الْقيام، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا افْتتح الإِمَام الصَّلَاة قَائِما فافتتحوا أَنْتُم أَيْضا قيَاما، إلاّ أَن تكون: الْوَاو، بِمَعْنى: مَعَ، وَالْغَرَض بَيَان إِيجَاب
стр. 1519
التَّكْبِير عِنْد افْتِتَاح الصَّلَاة، يَعْنِي: لَا يقوم مقَامه التَّسْبِيح والتهليل، فَحِينَئِذٍ دلَالَته على التَّرْجَمَة مُشكل. انْتهى. قلت: قَوْله: وَالْغَرَض ... إِلَى آخِره، غير صَحِيح، لِأَن الْغَرَض لَيْسَ مَا قَالَه، بل الْغَرَض بَيَان وجوب نفس تَكْبِيرَة الْإِحْرَام للْوَجْه الَّذِي ذكرنَا، خلافًا لمن نفى وُجُوبهَا، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُقَال: عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا كَانَ فِي الْبَاب حَدِيث دَال على التَّرْجَمَة يذكرهُ، وبتبعيته يذكر أَيْضا مَا يُنَاسِبه، وَإِن لم يتَعَلَّق بالترجمة. انْتهى. قلت: هَذَا جَوَاب عَاجز عَن تَوْجِيه الْكَلَام على مَا لَا يخفى.
ثمَّ إعلم أَنا قد تكلمنا على مَا يتَعَلَّق بِهَذَا الحَدِيث مستقصىً فِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، وَشَيخ البُخَارِيّ أَبُو الْيَمَان: هُوَ الحكم بن نَافِع البهراني الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. .
وَمن لطائف أسناده: إِنَّه من رباعيات البُخَارِيّ. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبلفظ الْإِخْبَار فِي مَوضِع بِصِيغَة الْجمع، وَفِي مَوضِع بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: رِوَايَة حمصيين ومدنيين.
٧٣٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا لَيْثٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أنَسِ بنِ مالَكٍ أنَّهُ قَالَ خَرَّ رسولُ الله ﷺ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ فَصَلَّى لَنَا قَاعِدا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ إنَّمَا الإمَامُ أوْ إنَّمَا جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإذَا كَبَّرَ فكَبِّرُوا وإذَا رَكَعَ فارْكَعُوا وَإِذا رفَعَ فارْفَعُوا وَإِذا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ وَإذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا.
هَذَا طَرِيق عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن اللَّيْث بن سعيد عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن أنس عَن مَالك. قَوْله: (خر) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء أَي: وَقع من الخرور، وَهُوَ السُّقُوط. قَوْله: (فجحش) بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة أَي: خدش وَهُوَ أَن يتقشر جلد الْعُضْو. قَوْله: (فَلَمَّا انْصَرف) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (ثمَّ انْصَرف) . قَوْله: (وَإِنَّمَا) شكّ من الرَّاوِي فِي زِيَادَة لفظ: (جعل) ومفعول: (فكبروا) ومفعول: (إرفعوا) محذوفان. قَوْله: (سمع الله لمن حَمده) قَالَ الْكرْمَانِي: فَلَا بُد أَن يسْتَعْمل بِمن لَا بِاللَّامِ. قلت: مَعْنَاهُ سمع الْحَمد لأجل الحامد مِنْهُ قلت: يُقَال: استمعت لَهُ وتسمعت إِلَيْهِ وَسمعت لَهُ وَسمعت عَنهُ، كُله بِمَعْنى أَي: أصيغت إِلَيْهِ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن﴾ (فصلت: ٢٦) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يسَّمعون إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى﴾ (الصافات: ٨) . وَالْمرَاد مِنْهُ فِي التسميع، مجَاز بطرِيق إِطْلَاق اسْم السَّبَب وَهُوَ الإصغاء على الْمُسَبّب وَهُوَ الْقبُول والإجابة، أَي: أجَاب لَهُ وَقَبله، بِمَعْنى: قبل الله حمد من حَمده. يُقَال: سمع الْأَمِير كَلَام فلَان، إِذا قبل، وَيُقَال: مَا سمع كَلَامه أَي: رده وَلم يقبله، وَإِن سمع حَقِيقَة. قَوْله: (وَلَك الْحَمد) قَالَ الْكرْمَانِي، بِدُونِ: الْوَاو، وَفِي الرِّوَايَة السَّابِقَة، بِالْوَاو، والأمران جائزان، وَلَا تَرْجِيح لأَحَدهمَا على الآخر فِي مُخْتَار أَصْحَابنَا قلت: رُوِيَ هُنَا أَيْضا: بِالْوَاو، فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّصَرُّف. وَقَوله: لَا تَرْجِيح لأَحَدهمَا على الآخر، غير مُسلم لِأَن بَعضهم رجح الَّذِي بِدُونِ: الْوَاو، لكَونهَا زَائِدَة. وَفِي (الْمُحِيط) : رَبنَا لَك الْحَمد أفضل لزِيَادَة: الْوَاو، وَبَعْضهمْ رجح الَّذِي بِالْوَاو لِأَن تَقْدِيره: رَبنَا حمدناك وَلَك الْحَمد، فَيكون الْحَمد مكررا، ثمَّ لفظ: رَبنَا، لَا يُمكن أَن يتَعَلَّق بِمَا قبله، لِأَنَّهُ كَلَام الْمَأْمُوم وَمَا قبله كَلَام الإِمَام، بِدَلِيل: فَقولُوا، بل هُوَ ابْتِدَاء كَلَام، وَلَك الْحَمد، حَال مِنْهُ أَي: أَدْعُوك وَالْحَال أَن الْحَمد لَك لَا لغيرك، وَلَا يجوز أَن يعْطف على: أَدْعُوك، لِأَنَّهَا إنشائية، وَتلك خبرية.
٧٣٤ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنِي أبُو الزِّنادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ ليُؤْتَمَّ بهِ فإذَا كَبَّرَ فكبِّرُوا وَإِذا ركَعَ فارْكَعُوا وإذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا ولكَ الحَمْدُ وإذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا وَإذَا صَلَّى جالِسا فصَلُّوا جُلُوسا أجْمَعُونَ. (أنظر الحَدِيث ٧٢٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة بيناها فِي حَدِيث أنس فِي أول الْبَاب: وَأخرجه عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع مثل مَا أخرج حَدِيث أنس عَن أبي الْيَمَان أَيْضا، غير أَن هُنَاكَ عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس، وَهنا عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن عبد الله بن ذكْوَان
стр. 1520
عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ.
٨٣ - (بابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأولَى مَعَ الافْتِتَاحِ سَوَاءً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الْمُصَلِّي يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام مَعَ الِافْتِتَاح، أَي: الشُّرُوع فِي الصَّلَاة. قَوْله: (سَوَاء) أَي: حَال كَون رفع الْيَدَيْنِ مَعَ الِافْتِتَاح متساويين.
٧٣٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبِيهِ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وإذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ وإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضا وَقَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ وكانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (يرفع يَدَيْهِ إِذا افْتتح الصَّلَاة) .
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعبد الله بن مسلمة هُوَ القعْنبِي، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وَالْبَاقِي عنعنة.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة، وَعَن عَمْرو بن عَليّ، وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك.
قَوْله: (حَذْو مَنْكِبَيْه) أَي ازاء مَنْكِبَيْه الحذو والحذاء الازاء والمقابل قَوْله (رفعهما) جَوَاب لقَوْله: (وَإِذا رفع) . قَوْله: (كَذَلِك) أَي: حَذْو مَنْكِبَيْه. قَوْله: (وَكَانَ لَا يفعل ذَلِك فِي السُّجُود) أَي: لَا يرفع يَدَيْهِ فِي ابْتِدَاء السُّجُود وَالرَّفْع مِنْهُ.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ رفع الْيَدَيْنِ عِنْد افْتِتَاح الصَّلَاة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَلم يَخْتَلِفُوا أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يرفع يَدَيْهِ إِذا افْتتح الصَّلَاة. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : أَجمعت الْأمة على اسْتِحْبَاب رفع الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَنقل ابْن الْمُنْذر وَغَيره الْإِجْمَاع فِيهِ، وَنقل الْعَبدَرِي عَن الزيدية، وَلَا يعْتد بهم أَنه لَا يرفع يَدَيْهِ عِنْد الْإِحْرَام، وَفِي (فتاوي الْقفال) : إِن أَبَا الْحسن أَحْمد بن سيار الْمروزِي قَالَ: إِذا لم يرفع يَدَيْهِ لم تصح صلَاته لِأَنَّهَا وَاجِبَة، فَوَجَبَ الرّفْع لَهَا، بِخِلَاف بَاقِي التَّكْبِيرَات، لَا يجب الرّفْع لَهَا، لِأَنَّهَا غير وَاجِبَة. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا مَرْدُود بِإِجْمَاع من قبله. وَقَالَ ابْن حزم: رفع الْيَدَيْنِ فِي أول الصَّلَاة فرض لَا تجزىء الصَّلَاة إلاّ بِهِ. وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن الْأَوْزَاعِيّ. قلت: وَمِمَّنْ قَالَ بِالْوُجُوب: الْحميدِي وَابْن خُزَيْمَة، نَقله عَنهُ الْحَاكِم، وَحَكَاهُ القَاضِي حُسَيْن عَن أَحْمد، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: كل من نقل عَنهُ الْإِيجَاب لَا تبطل الصَّلَاة بِتَرْكِهِ إلاّ رِوَايَة عَن الْأَوْزَاعِيّ والْحميدِي، وَنَقله الْقُرْطُبِيّ عَن بعض الْمَالِكِيَّة.
وَاخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة الرّفْع، فَقَالَ الطَّحَاوِيّ: يرفع ناشرا أَصَابِعه مُسْتَقْبلا بباطن كفيه الْقبْلَة، كَأَنَّهُ لمح مَا فِي (الْأَوْسَط) للطبراني من حَدِيثه عَن مُحَمَّد بن حزم، حَدثنَا عمر بن عمرَان عَن ابْن جريج عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: إِذا استفتح أحدكُم الصَّلَاة فَليرْفَعْ يَدَيْهِ وليستقبل بباطنهما الْقبْلَة، فَإِن الله تَعَالَى، ، أَمَامه. وَفِي (الْمُحِيط) : وَلَا يفرج بَين الْأَصَابِع تفريجا، كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سعيد بن سمْعَان: (دخل علينا أَبُو هُرَيْرَة مَسْجِد بني زُرَيْق، فَقَالَ: ثَلَاث كَانَ يعْمل بِهن فَتَرَكَهُنَّ النَّاس؛ كَانَ ﷺ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة قَالَ هَكَذَا، وَأَشَارَ أَبُو عَامر الْعَقدي بيدَيْهِ، وَلم يفرج بَين أَصَابِعه وَلم يضمها) . وَضَعفه. وَفِي (الْحَاوِي) للماوردي: يَجْعَل بَاطِن كل كف إِلَى الْأُخْرَى، وَعَن سَحْنُون: ظهورهما إِلَى السَّمَاء وبطونهما إِلَى الأَرْض. وَعَن القَاضِي: يقيمهما محنيتين شَيْئا يَسِيرا. وَنقل الْمحَامِلِي عَن أَصْحَابهم: يسْتَحبّ تَفْرِيق الْأَصَابِع. وَقَالَ الْغَزالِيّ: لَا يتَكَلَّف ضما وَلَا تفريقا، بل يتركهما على هيئتهما. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: يفرق تفريقا وسطا. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة: يسْتَحبّ أَن يمد أَصَابِعه وَيضم بَعْضهَا إِلَى بعض.
الْوَجْه الثَّانِي: فِي وَقت الرّفْع، فَظَاهر رِوَايَة البُخَارِيّ أَنه يبتدىء الرّفْع مَعَ ابْتِدَاء التَّكْبِير، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: أَنه رفعهما ثمَّ كبر، وَفِي رِوَايَة لَهُ: ثمَّ رفع يَدَيْهِ، فَهَذِهِ حالات فعلت لبَيَان جَوَاز كل مِنْهَا. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهِي أوجه لِأَصْحَابِنَا أَصَحهَا الِابْتِدَاء بِالرَّفْع مَعَ ابْتِدَاء التَّكْبِير، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك، وَنسبَة الْغَزالِيّ إِلَى الْمُحَقِّقين
стр. 1521
وَفِي (شرح الْهِدَايَة) : يرفع ثمَّ يكبر. وَقَالَ صَاحب (الْمَبْسُوط) : وَعَلِيهِ أَكثر مَشَايِخنَا. وَقَالَ خُوَاهَر زادة: يرفع مُقَارنًا للتكبير، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : الصَّحِيح أَن يكون ابْتِدَاء الرّفْع مَعَ التَّكْبِير وانتهاؤه مَعَ انتهائه، وَهُوَ الْمَنْصُوص. وَقيل: يرفع بِلَا تَكْبِير ثمَّ يبتدىء التَّكْبِير مَعَ إرْسَال الْيَدَيْنِ، وَقيل: يرفع بِلَا تَكْبِير ثمَّ يرسلهما بعد فرَاغ التَّكْبِير، وَهَذَا مصحح عِنْد الْبَغَوِيّ. وَقيل: يبتدىء بهما مَعًا وَيَنْتَهِي التَّكْبِير مَعَ انْتِهَاء الْإِرْسَال. وَقيل: يبتدىء الرّفْع مَعَ ابْتِدَاء التَّكْبِير، وَلَا اسْتِحْبَاب فِي الِانْتِهَاء، وَهَذَا مصحح عِنْد الرَّافِعِيّ. وَقَالَ ابْن بطال: ورفعهما تعبد، وَقيل: إِشَارَة إِلَى التَّوْحِيد. وَقيل: حكمته أَن يرَاهُ الْأَصَم فَيعلم دُخُوله فِي الصَّلَاة، وَالتَّكْبِير لإسماع الْأَعْمَى فَيعلم دُخُوله فِي الصَّلَاة. وَقيل: انقياد. وَقيل: إِشَارَة إِلَى طرح أُمُور الدُّنْيَا والإقبال بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى الصَّلَاة. وَقيل: استعظام مَا دخل فِيهِ. وَقيل: إِشَارَة إِلَى تَمام الْقيام. وَقيل: إِلَى رفع الْحجاب بَين العَبْد والمعبود. وَقيل: ليستقبل بِجَمِيعِ بدنه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا أنسبها. وَقَالَ الرّبيع: قلت للشَّافِعِيّ: مَا معنى رفع الْيَدَيْنِ؟ قَالَ: تَعْظِيم الله وَاتِّبَاع سنة نبيه ﷺ . وَنقل عَن عبد الْبر عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: رفع الْيَدَيْنِ من زِينَة الصَّلَاة، بِكُل رفع عشر حَسَنَات، بِكُل أصْبع حَسَنَة.
الْوَجْه الثَّالِث: إِلَى أَيْن يرفع؟ فَظَاهر الحَدِيث، يرفع حَذْو مَنْكِبَيْه، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا أصح قولي مَالك، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: إِلَى صَدره، لما روى مُسلم عَن مَالك بن الْحُوَيْرِث: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا كبر رفع يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِي بهما أُذُنَيْهِ) . وَفِي لفظ: (حَتَّى يُحَاذِي بهما فروع أُذُنَيْهِ) . وَعَن أنس مثله عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَسَنَده صَحِيح. وَعَن الْبَراء من عِنْد الطَّحَاوِيّ: (يرفع يَدَيْهِ حَتَّى يكون إبهاماه قَرِيبا من شحمتي أُذُنَيْهِ) ، وَذهب ابْن حبيب إِلَى رفعهما إِلَى حَذْو أُذُنَيْهِ. وَفِي رِوَايَة: فَوق رَأسه،. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ الرّفْع مدا مَعَ الرَّأْس، وَرُوِيَ أَنه كَانَ يرفعهما حذاء أُذُنَيْهِ، وَرُوِيَ: إِلَى صَدره، وَرُوِيَ: حَذْو مَنْكِبَيْه، وَكلهَا آثَار مَحْفُوظَة مَشْهُورَة دَالَّة على التَّوسعَة. وَعَن ابْن طَاوُوس، عَن طَاوُوس: أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ حَتَّى يُجَاوز بهما رَأسه، وَقَالَ: رَأَيْت ابْن عَبَّاس يصنعه، وَلَا أعلم إلاّ أَنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ ، يصنعه. وَصَححهُ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه (الْوَهم وَالْإِيهَام) : وَيكبر مرّة وَاحِدَة. وَعند الرافضة: ثَلَاثًا. وَأخرج ابْن مَاجَه: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يرفع يَدَيْهِ عِنْد كل تَكْبِيرَة) . وَزعم النَّوَوِيّ: أَن هَذَا الحَدِيث بَاطِل لَا أصل لَهُ.
الْوَجْه الرَّابِع فِيهِ: رفع الْيَدَيْنِ عِنْد تَكْبِير الرُّكُوع وَعند رفع رَأسه من الرُّكُوع، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَابْن جرير الطَّبَرِيّ، وَرِوَايَة عَن مَالك، وَإِلَيْهِ ذهب الْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن سِيرِين وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وطاووس وَمُجاهد وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَسَالم وَقَتَادَة وَمَكْحُول وَسَعِيد بن جُبَير وعبد الله بن الْمُبَارك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي كِتَابه (رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة) بعد أَن أخرجه من طَرِيق عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن تِسْعَة عشر رجلا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَنهم كَانُوا يرفعون أَيْديهم عِنْد الرُّكُوع، وَعدد أَكْثَرهم، وَزَاد الْبَيْهَقِيّ جماعات، وَذكر ابْن الْأَثِير فِي (شَرحه) : أَن ذَلِك رُوِيَ عَن أَكثر من عشْرين نَفرا، وَزَاد فيهم الْخُدْرِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: من جُمْلَتهمْ الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ. وَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب: قَالَ أَبُو عَليّ: روى الرّفْع عَن رَسُول الله ﷺ نَيف وَثَلَاثُونَ من الصَّحَابَة، وَفِي (التَّوْضِيح) : ثمَّ الْمَشْهُور أَنه لَا يجب شَيْء من الرّفْع، وَحكى الْإِجْمَاع عَلَيْهِ، وَحكى عَن دَاوُد إِيجَابه فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَبِه قَالَ ابْن سيار من أَصْحَابنَا، وَحكي عَن بعض الْمَالِكِيَّة، وَحكي عَن أبي حنيفَة مَا يَقْتَضِي الْإِثْم بِتَرْكِهِ. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: من ترك الرّفْع فِي الصَّلَاة فقد ترك ركنا من أَرْكَانهَا. وَفِي (قَوَاعِد) ابْن رشد: عَن بَعضهم وُجُوبه أَيْضا عِنْد السُّجُود، وَعند أبي حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا يرفع يَدَيْهِ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَة الأولى، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالنَّخَعِيّ وَابْن أبي ليلى وعلقمة بن قيس وَالْأسود بن يزِيد وعامر الشّعبِيّ وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي وخيثمة والمغيرة ووكيع وَعَاصِم بن كُلَيْب وَزفر، وَهُوَ رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك، وَهُوَ الْمَشْهُور من مذْهبه والمعمول عِنْد أَصْحَابه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَبِه يَقُول غير وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَول سُفْيَان وَأهل الْكُوفَة. وَفِي (الْبَدَائِع) : رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْعشْرَة الَّذين شهد لَهُم رَسُول الله ﷺ بِالْجنَّةِ مَا كَانُوا يرفعون أَيْديهم إلاّ فِي افْتِتَاح الصَّلَاة وَذكر غَيره عَن عبد الله بن مَسْعُود أَيْضا وَجَابِر بن سَمُرَة والبراء بن عَازِب وَعبد الله بن عمر وَأَبا
стр. 1522
سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَاحْتج أَصْحَابنَا بِحَدِيث الْبَراء بن عَازِب، قَالَ: (كَانَ النَّبِي، ﷺ ، إِذا كبر لافتتاح الصَّلَاة رفع يَدَيْهِ حَتَّى يكون إبهاماه قَرِيبا من شحمتي أُذُنَيْهِ ثمَّ لَا يعود) . أخرجه أَبُو دَاوُد والطَّحَاوِي من ثَلَاث طرق وَابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : فَإِن قَالُوا: فِي حَدِيث الْبَراء قَالَ أَبُو دَاوُد: روى هَذَا الحَدِيث هشيم وخَالِد وَابْن إِدْرِيس عَن يزِيد ابْن أبي زِيَاد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن الْبَراء، وَلم يذكرُوا: ثمَّ لَا يعود. وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يقل أحد فِي هَذَا: ثمَّ لَا يعود، غير شريك. وَقَالَ أَبُو عمر: تفرد بِهِ يزِيد، وَرَوَاهُ عَنهُ الْحفاظ فَلم يذكر وَاحِد مِنْهُم. قَوْله: (ثمَّ لَا يعود) . وَقَالَ الْبَزَّار: لَا يَصح حَدِيث يزِيد فِي رفع الْيَدَيْنِ ثمَّ لَا يعود. وَقَالَ عَبَّاس الدوري عَن يحيى بن معِين: لَيْسَ هُوَ بِصَحِيح الْإِسْنَاد وَقَالَ أَحْمد: هَذَا حَدِيث واه، قد كَانَ يزِيد يحدث بِهِ لَا يذكر: ثمَّ لَا يعود، فَلَمَّا لقن أَخذ يذكرهُ فِيهِ. وَقَالَ جمَاعَة: إِن يزِيد كَانَ يُغير بِآخِرهِ، فَصَارَ يَتَلَقَّن. قُلْنَا: يُعَارض قَول أبي دَاوُد قَول ابْن عدي فِي (الْكَامِل) رَوَاهُ هشيم وَشريك وَجَمَاعَة مَعَهُمَا: عَن يزِيد بِإِسْنَادِهِ، وَقَالُوا فِيهِ: ثمَّ لم يعد، فَظهر أَن شَرِيكا لم ينْفَرد بِرِوَايَة هَذِه الزِّيَادَة، فَسقط بذلك أَيْضا كَلَام الْخطابِيّ: لم يقل فِي هَذَا: ثمَّ لَا يعود غير شريك. فَإِن قلت: يزِيد ضَعِيف وَقد تفرد بِهِ؟ قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن رَوَاهُ أَيْضا عَن ابْن أبي ليلى، فَكَذَلِك أخرجه الطَّحَاوِيّ، إِشَارَة إِلَى أَن يزِيد قد توبع فِي هَذَا. وَأما يزِيد فِي نَفسه فَإِنَّهُ ثِقَة. فَقَالَ الْعجلِيّ: هُوَ جَائِز الحَدِيث وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان: هُوَ، وَإِن تكلم فِيهِ لتغيره، فَهُوَ مَقْبُول القَوْل عدل ثِقَة. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَا أعلم أحدا ترك حَدِيثه، وَغَيره أحب إِلَى مِنْهُ. وَقَالَ ابْن شاهين فِي كتاب (الثِّقَات) : قَالَ أَحْمد بن صَالح: يزِيد ثِقَة، وَلَا يُعجبنِي قَول من يتَكَلَّم فِيهِ. وَخرج حَدِيثه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) . وَقَالَ السَّاجِي: صَدُوق، وَكَذَا قَالَ ابْن حبَان وَخرج مُسلم حَدِيثه، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ أَن يحمل أمره على أَنه حدث بِبَعْض الحَدِيث تَارَة، وبجملته أُخْرَى، أَو يكون قد نسي أَولا ثمَّ تذكر. وَقد اتقنا الْكَلَام فِيهِ فِي (شرحنا للهداية) وَالَّذِي يحْتَج بِهِ الْخصم من الرّفْع مَحْمُول على أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، ثمَّ نسخ. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن عبد الله بن الزبير رأى رجلا يرفع يَدَيْهِ فِي الصَّلَاة عِنْد الرُّكُوع وَعند رفع رَأسه من الرُّكُوع، فَقَالَ لَهُ: لَا تفعل، فَإِن هَذَا شَيْء فعله رَسُول الله ﷺ ثمَّ تَركه، وَيُؤَيّد النّسخ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن عبد الله ابْن يُونُس، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش عَن حُصَيْن عَن مُجَاهِد، قَالَ: صليت خلف ابْن عمر فَلم يكن يرفع يَدَيْهِ إلاّ فِي التَّكْبِيرَة الأولى من الصَّلَاة. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا ابْن عمر قد رأى النَّبِي ﷺ فعله.
وَأخرجه أَيْضا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا أَبُو بكر بن عِيَاض عَن حُصَيْن عَن مُجَاهِد، قَالَ: مَا رَأَيْت ابْن عمر يرفع يَدَيْهِ إلاّ فِي أول مَا يفْتَتح، فَقَالَ الْخصم: هَذَا حَدِيث مُنكر، لِأَن طاووسا قد ذكر إِنَّه رأى ابْن عمر يفعل مَا يُوَافق مَا روى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ من ذَلِك، قُلْنَا: يجوز أَن يكون ابْن عمر فعل مَا رَوَاهُ طَاوُوس يَفْعَله قبل أَن تقوم الْحجَّة عِنْده بنسخة، ثمَّ قَامَت الْحجَّة عِنْده بنسخة فَتَركه، وَفعل مَا ذكره عَنهُ مُجَاهِد، فَإِن احْتج الْخصم بِحَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ، فَجَوَابه أَن أَبَا دَاوُد قد أخرجه من وُجُوه كَثِيرَة: أَحدهَا عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَلَيْسَ فِيهِ ذكر رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع، وَالطَّرِيق الَّذِي فِيهِ ذَلِك فَهُوَ عَن عبد الحميد بن جَعْفَر، فَهُوَ ضَعِيف. قَالُوا: إِنَّه مطعون فِي حَدِيثه فَكيف يحتجون بِهِ على الْخصم؟ فَإِن قلت: هُوَ من رجال مُسلم قلت: لَا يلْزم من ذَلِك أَن لَا يكون ضَعِيفا عِنْد غَيره، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَالْحَدِيث مَعْلُول بِجِهَة أُخْرَى، وَهُوَ أَن مُحَمَّد بن عمر وَابْن عَطاء لم يسمع هَذَا الحَدِيث من أبي حميد وَلَا مِمَّن ذكر مَعَه فِي هَذَا الحَدِيث مثل أبي قَتَادَة وَغَيره فَإِنَّهُ توفّي فِي خلَافَة الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك، وَكَانَت خِلَافَته فِي سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة، وَلِهَذَا قَالَ ابْن حزم: وَلَعَلَّ عبد الحميد ابْن جَعْفَر وهم فِيهِ، يَعْنِي فِي رِوَايَته عَن مُحَمَّد بن عمر وَابْن عَطاء. فَإِن قَالَ الْخصم: قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : حكم البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) : بِأَنَّهُ سمع أَبَا حميد، قُلْنَا: الْقَائِل بِأَنَّهُ لم يسمع من أبي حميد هُوَ الشّعبِيّ، وَهُوَ حجَّة فِي هَذَا الْبَاب، وَإِن احْتج الْخصم بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي أخرجه ابْن مَاجَه، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يرفع يَدَيْهِ فِي الصَّلَاة حَذْو مَنْكِبَيْه حِين يفْتَتح الصَّلَاة وَحين يرْكَع وَحين يسْجد) ، فَجَوَابه أَنه من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن صَالح بن كيسَان، وهم لَا يجْعَلُونَ إِسْمَاعِيل فِيمَا يرْوى عَن غير الشاميين حجَّة، فَكيف يحتجون بِمَا لَو احْتج بِمثلِهِ عَلَيْهِم لم يسوغوه إِيَّاه؟ وَقَالَ النَّسَائِيّ: إِسْمَاعِيل ضَعِيف.
стр. 1523
وَقَالَ ابْن حبَان: كثير الْخَطَأ فِي حَدِيثه، فَخرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَا يحْتَج بِهِ.
فَإِن احْتج الْخصم بِحَدِيث وَائِل بن حجر قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يرفع يَدَيْهِ حِين يكبر للصَّلَاة وَحين يرْكَع وَحين يرفع رَأسه من الرُّكُوع يرفع يَدَيْهِ حِيَال أُذُنَيْهِ) أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، فَجَوَابه أَنه ضاده مَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه لم يكن رأى النَّبِي ﷺ فعل مَا ذكر من رفع الْيَدَيْنِ فِي غير تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، فعبد الله أقدم صُحْبَة لرَسُول الله، ﷺ ، وَأفهم بأفعاله من وَائِل، وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ يحب أَن يَلِيهِ الْمُهَاجِرُونَ ليحفظوا عَنهُ، وَكَانَ عبد الله كثير الولوج على رَسُول الله ﷺ ، وَوَائِل بن حجر أسلم فِي الْمَدِينَة فِي سنة تسع من الْهِجْرَة، وَبَين إسلاميهما اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة، وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيم للْمُغِيرَة، حِين قَالَ: إِن وائلاً حدث أَنه رأى (رَسُول الله ﷺ يرفع يَدَيْهِ إِذا افْتتح الصَّلَاة وَإِذا ركع وَإِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع) : إِن كَانَ وَائِل رَآهُ مرّة يفعل ذَلِك، فقد رَآهُ عبد الله خمسين مرّة لَا يفعل ذَلِك، فَإِن قلت: خبر إِبْرَاهِيم غير مُتَّصِل لِأَنَّهُ لم يدْرك عبد الله، لِأَنَّهُ مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَقيل: بِالْكُوفَةِ، ومولد إِبْرَاهِيم سنة خمسين، كَمَا صرح بِهِ ابْن حبَان قلت: عَادَة إِبْرَاهِيم إِذا أرسل حَدِيثا عَن عبد الله لم يُرْسِلهُ ألاّ بعد صِحَّته عِنْده من الروَاة عَنهُ، وَبعد تكاثر الرِّوَايَات عَنهُ، وَلَا شكّ أَن خبر الْجَمَاعَة أقوى من خبر الْوَاحِد وَأولى.
فَإِن احْتج الْخصم بِحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْأَرْبَعَة، وَفِيه: رفع يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه، ويصنع مثل ذَلِك، إِذا قضى قِرَاءَته إِذا أَرَادَ أَن يرْكَع، ويصنعه إِذا ركع وَرفع من الرُّكُوع، فَجَوَابه أَنه رُوِيَ عَنهُ أَيْضا مَا يُنَافِيهِ ويعارضه، فَإِن عَاصِم ابْن كُلَيْب روى عَن أَبِيه أَن عليا كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي أول تَكْبِيرَة من الصَّلَاة ثمَّ لَا يرفع بعد، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) ، وَلَا يجوز لعَلي أَن يرى ذَلِك من النَّبِي، ﷺ ، ثمَّ يتْرك هُوَ ذَلِك إلاّ وَقد ثَبت نسخ الرّفْع فِي غير تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَإسْنَاد حَدِيث عَاصِم بن كُلَيْب صَحِيح على شَرط مُسلم.
الْوَجْه الْخَامِس: فِيهِ أَنه قَالَ: سمع الله لمن حَمده رَبنَا وَلَك الْحَمد، وَبِه اسْتدلَّ الشَّافِعِي أَن الإِمَام يجمع بَين التسميع والتحميد، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى عَن قريب.
الْوَجْه السَّادِس: فِيهِ أَنه لَا يرفع يَدَيْهِ فِي ابْتِدَاء السُّجُود وَلَا فِي الرّفْع مِنْهُ، كَمَا صرح بِهِ فِيمَا يَأْتِي، وَبِه قَالَ أَكثر الْفُقَهَاء، وَخَالف فِيهِ بَعضهم.
٨٤ - (بابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ إذَا كَبَّرَ وإذَا رَكَعَ وإذَا رَفَعَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الْيَدَيْنِ إِذا كبر للافتتاح. قَوْله: (وَإِذا رفع) أَي: رَأسه من الرُّكُوع.
٧٣٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ رأيْتُ رسولَ الله إذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ ويَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَيقُولُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ ولَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن الْمروزِي المجاور بِمَكَّة، مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سَالم بن عبد الله بن عمر. السَّادِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف أسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: عَن أَبِيه هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: عَن عبد الله بن عمر. وَفِيه: تَصْرِيح الزُّهْرِيّ بِإِخْبَار سَالم لَهُ بِهِ. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: من الروَاة اثْنَان مروزيان وَاثْنَانِ مدنيان وَوَاحِد أُيلي.
стр. 1524
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن قهزاد عَن سَلمَة بن سُلَيْمَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُوَيْد بن نصر، وروى هَذَا الحَدِيث أَيْضا نَافِع عَن ابْن عمر، وَزَاد فِي رِوَايَة كَمَا ستعلمه فِي: بَاب رفع الْيَدَيْنِ إِذا قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ رفع يَدَيْهِ، وَرَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ عشرَة: مَالك. وَيُونُس. وَشُعَيْب. وَابْن أبي حَمْزَة. وَابْن جريج. وَابْن عُيَيْنَة. وَعقيل. والزبيدي. وَمعمر. وَعبد الله بن عمر. وَرَوَاهُ عَن مَالك جمَاعَة مِنْهُم: القعْنبِي وَيحيى بن يحيى الأندلسي فَلم يذكر فِيهِ الرّفْع عِنْد الانحطاط إِلَى الرُّكُوع، وَتَابعه على ذَلِك جماعات، وَرَوَاهُ عشرُون نفسا بإثباته، كَمَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي (جمعه لغرائب مَالك الَّتِي لَيست فِي الْمُوَطَّأ) . وَقَالَ جمَاعَة: إِن الْإِسْقَاط إِنَّمَا أَتَى من مَالك، وَهُوَ الَّذِي كَانَ أوهم فِيهِ، وَنَقله ابْن عبد الْبر، قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث أحد الإحاديث الْأَرْبَعَة الَّتِي رَفعهَا سَالم بن عبد الله إِلَى ابْن عمر وَفعله، وَمِنْهَا مَا جعله عَن ابْن عمر عَن عمر، وَالْقَوْل فِيهَا قَول سَالم، وَلم يلْتَفت النَّاس فِيهَا إِلَى نَافِع، فَهَذَا أَحدهَا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا قَامَ فِي الصَّلَاة) أَي: إِذا شرع فِيهَا، وَهُوَ غير قَائِم إِلَيْهَا وقائم لَهَا، وَلَا يخفى الْفرق بَين الثَّلَاث. قَوْله: (حِين يكبر للرُّكُوع) أَي: عِنْد ابْتِدَاء الرُّكُوع، وَهُوَ حَاصِل رِوَايَة مَالك بن الْحُوَيْرِث الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب حَيْثُ قَالَ: (وَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع رفع يَدَيْهِ) . وَسَيَأْتِي فِي: بَاب التَّكْبِير إِذا قَامَ من السُّجُود، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (ثمَّ يكبر حِين يرْكَع) . قَوْله: (وَيفْعل ذَلِك إِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع) يَعْنِي: إِذا أَرَادَ أَن يرفع. قَوْله: (وَلَا يفعل ذَلِك فِي السُّجُود) ، يَعْنِي لَا فِي الْهَوِي إِلَيْهِ. وَلَا فِي الرّفْع، وَفِيه: اقْتصر على التسميع وَلم يذكر التَّحْمِيد، وَالظَّاهِر أَن السقط من الرَّاوِي.
٨٥ - (بابُ إلَى أيْنَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته إِلَى أَيْن يرفع الْمُصَلِّي يَدَيْهِ عِنْد افْتِتَاح الصَّلَاة وَغَيره، وَإِنَّمَا لم يُصَرح بحده لكَون الْخلاف فِيهِ، لَكِن الظَّاهِر الَّذِي يذهب إِلَيْهِ مَا هُوَ مُصَرح فِي حَدِيث الْبَاب، كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيَّة، وَأما الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهُم أخذُوا بِحَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث الَّذِي رَوَاهُ مُسلم وَلَفظه: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا كبر رفع يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِي بهما أُذُنَيْهِ) . وَعَن أنس مثله بِسَنَد صَحِيح من عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَعَن الْبَراء من عِنْد الطَّحَاوِيّ: (يرفع يَدَيْهِ حَتَّى يكون إبهاماه قَرِيبا من شحمتي
стр. 1525
أُذُنَيْهِ) . وَعَن وَائِل بن حجر: (حَتَّى حاذتا أُذُنَيْهِ) ، عِنْد أبي دَاوُد. وَقَالَ بَعضهم: وَرجح الأول يَعْنِي: مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي لكَون إِسْنَاده أصح قلت: هَذَا تحكم لكَون الإسنادين فِي الأصحية سَوَاء، فَمن أَيْن التَّرْجِيح؟
وَقَالَ أبُو حُمَيْدٍ فِي أصْحَابِهِ رَفَعَ النبيُّ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ
أَبُو حميد، بِضَم الْحَاء واسْمه: عبد الرَّحْمَن بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، مر فِي: بَاب فضل اسْتِقْبَال الْقبْلَة، هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيثه الَّذِي أخرجه فِي: بَاب سنة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد. قَوْله: (فِي أَصْحَابه) جملَة وَقعت حَالا. وَكلمَة: فِي، بِمَعْنى: بَين، أَي: حَال كَونه بَين أَصْحَابه من الصَّحَابَة. قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ أَنه قَالَ: فِي حُضُور أَصْحَابه. أَو أَنه قَالَ: فِي جملَة من قَالَه من أَصْحَابه. قلت: الْمَعْنى بِحَسب الظَّاهِر على الْوَجْه الأول.
٧٣٨ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرنَا سالِمُ بنُ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بن عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ رَأيْتُ النبيَّ ﷺ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وإذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ وإذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فعَلَ مِثْلَهُ وَقَالَ رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ ولَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ ولَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهخ مِنَ السُّجُودِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى يجعلهما حَذْو مَنْكِبَيْه) ، وَهَذَا اللَّفْظ أَيْضا يُفَسر قَوْله: (إِلَى أَن يرفع يَدَيْهِ) الَّذِي هُوَ التَّرْجَمَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مَذْكُور فِي أول: بَاب إِيجَاب التَّكْبِير، لَكِن هُنَاكَ: عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس، وَهَهُنَا: عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن عَليّ بن عَيَّاش وَعَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمُغيرَة عَن عُثْمَان بن سعيد كِلَاهُمَا عَن شُعَيْب.
قَوْله: (حَذْو) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة بِمَعْنى: إزاء مَنْكِبَيْه، والمنكب، بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْكَاف: مجمع عظم الْعَضُد والكتف. قَوْله: (مثله) أَي: مثل الْمَذْكُور من رفع الْيَدَيْنِ حَذْو الْمَنْكِبَيْنِ، وَكَذَلِكَ معنى: مثله، الثَّانِي. قَوْله: (وَلَا يفعل ذَلِك) ، أَي: رفع الْيَدَيْنِ فِي الْحَالَتَيْنِ، فِي حَالَة السَّجْدَة وَفِي حَالَة رفع رَأسه من السَّجْدَة فَإِن قلت: جَاءَ فِي حَدِيث عُمَيْر بن حبيب اللَّيْثِيّ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يرفع يَدَيْهِ مَعَ كل تَكْبِيرَة فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة،) ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه: حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا رفدة بن قضاعة الغساني عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر عَن أَبِيه عَن جده عُمَيْر بن حبيب، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ فَذكره. قلت: قَالَ ابْن حبَان: هَذَا خبر مقلوب إِسْنَاده، وَمَتنه مُنكر، مَا رفع النَّبِي ﷺ يَدَيْهِ فِي كل خفض وَرفع قطّ، وإخبار الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه مُصَرح بضده، وَأَنه لم يكن يفعل ذَلِك بَين السَّجْدَتَيْنِ. وَقَالَ ابْن عدي: خديث الرّفْع يعرف برفده، وَقد رُوِيَ عَن أَحْمد بن أبي روح الْبَغْدَادِيّ عَن مُحَمَّد بن مُصعب عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ مهنأ: سَأَلت أَحْمد وَيحيى عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيح، وَلَا يعرف عبيد بن عُمَيْر بِحَدِيث عَن أَبِيه شَيْئا، وَلَا عَن جده، وَبَقِيَّة مبَاحث الحَدِيث قد مَضَت مستوفاة فِيمَا مضى.
٨٦ - (بابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إذَا قامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الْمُصَلِّي يَدَيْهِ إِذا قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ، يَعْنِي: بعد التَّشَهُّد.
٧٣٩ - حدَّثنا عَيَّاشٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الأعْلَى قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ نَافِعٍ أنَّ ابنَ عُمَرَ كانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ ورَفَعَ يَدَيْهِ وَإذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذا قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ رفع يَدَيْهِ ورَفَعَ ذَلِكَ ابنُ عُمَرَ إلَى نَبِيِّ الله ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِذا قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ رفع يَدَيْهِ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَيَّاش، بِفَتْح
стр. 1526
الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: ابْن الْوَلِيد الرقام الْبَصْرِيّ، مر فِي: بَاب الْجنب يخرج. الثَّانِي: عبد الأعلى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة: الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب أَبُو عُثْمَان الْمدنِي. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن النّصْف الأول من الروَاة بَصرِي، وَالنّصف الثَّانِي مدنِي. وَفِيه: إِن شَيْخه من أَفْرَاده.
ذكر من أخرجه غَيره وَمَا قيل فِيهِ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) فِي الصَّلَاة عَن نصر بن عَليّ عَنهُ أتم من الأول، وَعَن القعْنبِي عَن مَالك عَن نَافِع نَحوه وَلم يرفعهُ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: الصَّحِيح قَول ابْن عمر، وَلَيْسَ بمرفوع، وَرَوَاهُ القعْنبِي يَعْنِي: عبد الْوَهَّاب عَن عبيد الله وَأَوْقفهُ. وَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْث عَن سعد وَابْن جريج عَن نَافِع مَوْقُوفا، وَحكى الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) الِاخْتِلَاف فِي رَفعه وَوَقفه، وَقَالَ: الْأَشْبَه بِالصَّوَابِ قَول عبد اذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: على، يَعْنِي حَدِيث البُخَارِيّ، وَحكى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن بعض مشايخه أَنه أَوْمَأ إِلَى أَن عبد الْأَعْلَى أَخطَأ فِي رَفعه، وميل البُخَارِيّ إِلَى رَفعه، فَلذَلِك أخرج هَذَا الحَدِيث، وَفِيه: وَرفع ذَلِك ابْن عمر، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبيد الْمحَاربي، قَالَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن محَارب بن دثار عَن ابْن عمر، قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ كبر وَرفع يَدَيْهِ) ، وَصَححهُ البُخَارِيّ فِي كتاب رفع الْيَدَيْنِ، وَيُقَوِّي ذَلِك أَيْضا حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ: أخرجه أَبُو دَاوُد مطولا، وَفِيه: (ثمَّ إِذا قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ كبر وَرفع يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِي بهما مَنْكِبَيْه، كَمَا كبر عِنْد افْتِتَاح الصَّلَاة) ، وَكَذَلِكَ أخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِيه: (إِذا قَامَ من السَّجْدَتَيْنِ رفع يَدَيْهِ كَذَلِك وَكبر) . وَأخرج الْحَدِيثين ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وصححاهما، وَالْمرَاد من السَّجْدَتَيْنِ: الركعتان، وَهُوَ الْموضع الَّذِي اشْتبهَ على الْخطابِيّ لِأَنَّهُ قَالَ: أما مَا رُوِيَ فِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ عِنْد الْقيام من السَّجْدَتَيْنِ فلست أعلم أحدا من الْفُقَهَاء ذهب إِلَيْهِ، فَإِن صَحَّ الحَدِيث فَالْقَوْل بِهِ وَاجِب قلت: اشْتبهَ عَلَيْهِ ذَلِك لكَونه لم يقف على طرق الحَدِيث. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (الْخُلَاصَة) : وَقع فِي لفظ أبي دَاوُد: (السَّجْدَتَيْنِ) ، وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ: (الرَّكْعَتَيْنِ) ، وَالْمرَاد بالسجدتين: الركعتان. كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب رفع الْيَدَيْنِ: مَا زَاده ابْن عمر وَعلي وَأَبُو حميد فِي عشرَة من الصَّحَابَة من الرّفْع عِنْد الْقيام من الرَّكْعَتَيْنِ صَحِيح، لأَنهم لم يحكوا صَلَاة وَاحِدَة، فَاخْتَلَفُوا فِيهَا، وَإِنَّمَا زَاد بَعضهم على بعض، وَالزِّيَادَة مَقْبُولَة من أهل الْعلم. وَقَالَ ابْن بطال: هَذِه زِيَادَة يجب قبُولهَا لمن يَقُول بِالرَّفْع، وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: هُوَ سنة وَإِن لم يذكرهُ الشَّافِعِي، فالإسناد صَحِيح. وَقد قَالَ: قُولُوا بِالسنةِ ودعوا قولي. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: قِيَاس نظر الشَّافِعِي أَن يسْتَحبّ الرّفْع فِيهِ لِأَنَّهُ أثبت عِنْد الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ لكَونه زَائِدا على من اقْتصر عَلَيْهِ عِنْد الِافْتِتَاح، وَالْحجّة فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَة، وَأول رَاض سيرة من يسيرها. قَالَ: وَالصَّوَاب إثْبَاته، وَأما كَونه مذهبا للشَّافِعِيّ لكَونه قَالَ: إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي فَفِيهِ نظر. انْتهى.
وَقَالَ بَعضهم وَجه النّظر أَن مَحل الْعَمَل بِهَذِهِ الْوَصِيَّة مَا إِذا عرف أَن الحَدِيث لم يطلع عَلَيْهِ الشَّافِعِي، أما إِذا عرف أَنه اطلع عَلَيْهِ ورده أَو تَأَوَّلَه بِوَجْه من الْوُجُوه، فَلَا وَالْأَمر هُنَا مُحْتَمل. انْتهى. قلت: يحْتَمل أَنه ظهر عِنْده مَنْسُوخ، فالمنسوخ لَا يعْمل بِهِ وَإِن كَانَ صَحِيحا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خلاف هَذَا، يَعْنِي: خلاف مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره عَنهُ، ثمَّ أخرج عَن أبي بكر النَّهْشَلِي: حَدثنَا عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي أول تَكْبِيرَة من الصَّلَاة ثمَّ لَا يرفع بعده، قَالَ: فَلم يكن عَليّ ليرى النَّبِي ﷺ يرفع ثمَّ يتْركهُ إلاّ وَقد ثَبت عِنْده نسخه. قَالَ: ويضعف هَذِه الرِّوَايَة أَيْضا أَنه رُوِيَ من وَجه آخر، وَلَيْسَ فِيهِ الرّفْع، ثمَّ أخرجه عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن عبد الله بن الْفضل عَن الْأَعْرَج بِهِ، وَلم يذكر فِيهِ الرّفْع فَإِن قلت: استنبط الْبَيْهَقِيّ من كَلَام الشَّافِعِي أَنه يَقُول بِهِ، لقَوْله فِي حَدِيث أبي حميد الْمُشْتَمل على هَذِه السّنة وَغَيرهَا: وَبِهَذَا نقُول. وَالنَّوَوِيّ أَيْضا أطلق فِي (الرَّوْضَة) أَنه نَص عَلَيْهِ قلت: الَّذِي فِي (الْأُم) خلاف ذَلِك، فَإِنَّهُ قَالَ فِي: بَاب رفع الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِير فِي الصَّلَاة، بعد أَن أورد حَدِيث ابْن عمر من طَرِيق سَالم وَتكلم عَلَيْهِ: وَلَا نأمره أَن يرفع يَدَيْهِ فِي شَيْء من الذّكر فِي الصَّلَاة الَّتِي لَهَا رُكُوع وَسُجُود، إلاّ فِي هَذِه الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة. فَإِن قلت: وَقع فِي آخر الْبُوَيْطِيّ: يرفع يَدَيْهِ فِي كل خفض وَرفع قلت: اجيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ يحمل
стр. 1527
الْخَفْض على الرُّكُوع، وَالرَّفْع على الِاعْتِدَال، وَإِلَّا فَحَمله على ظَاهره يَقْتَضِي اسْتِحْبَابه فِي السُّجُود أَيْضا وَهُوَ خلاف مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور قلت: فِي قَوْله: وَالرَّفْع على الِاعْتِدَال، نظر لَا يخفى، وَمَعَ هَذَا ذهب إِلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم: ابْن الْمُنْذر وَأَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَالْبَغوِيّ، وَهُوَ مَذْهَب البُخَارِيّ وَغَيره من الْمُحدثين.
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عنْ أيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ ﷺ
وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي عبد الله الْحَافِظ، حَدثنَا مُحَمَّد بن يَعْقُوب، حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغاني حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة حَدثنَا أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا دخل فِي الصَّلَاة رفع يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه، وَإِذا ركع وَإِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع) . وَصله البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب رفع الْيَدَيْنِ: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد مَرْفُوعا، وَلَفظه: (كَانَ إِذا كبر رفع يَدَيْهِ وَإِذا ركع وَإِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع) .
وَرَوَاهُ ابنُ طَهْمَانَ عَنْ أيُّوبَ وَمُوسَى بنِ عُقْبَةَ مُخْتَصَرا
يَعْنِي: رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن أَيُّوب ... إِلَى آخِره. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْعلوِي حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن الْحَافِظ حَدثنَا أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ حَدثنَا عَمْرو بن عبد الله بن رزين أَبُو الْعَبَّاس السّلمِيّ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن أَيُّوب ومُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ حِين يفْتَتح الصَّلَاة، وَإِذا ركع، وَإِذا اسْتَوَى قَائِما من رُكُوعه، حَذْو مَنْكِبَيْه. وَيَقُول: كَانَ رَسُول الله ﷺ يفعل ذَلِك. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَرَوَاهُ أَبُو صَخْرَة عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَوْقُوفا، وَاعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ وَفِيه: لَيْسَ فِي حَدِيث حَمَّاد وَلَا ابْن طهْمَان بِأَن الرّفْع من الرَّكْعَتَيْنِ الْمَعْقُود لأَجله الْبَاب، لِأَن الْبَاب فِي رفع الْيَدَيْنِ إِذا قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَا فِي حَدِيث حَمَّاد وَلَا ابْن طهْمَان، وَإِنَّمَا فِي حَدِيثهمَا: حَذْو مَنْكِبَيْه، قَالَ: فَلَعَلَّ الْمُحدث عَن أبي عبد الله يَعْنِي: البُخَارِيّ، دخل لَهُ هَذَا الْحَرْف فِي هَذِه التَّرْجَمَة، وَأجَاب بَعضهم: بِأَن البُخَارِيّ قصد الرَّد على من جزم بِأَن رِوَايَة نَافِع لأصل الحَدِيث مَوْقُوفَة، وَأَنه خَالف فِي ذَلِك سالما، كَمَا نَقله ابْن عبد الْبر وَغَيره، وَقد بَين بِهَذَا التَّعْلِيق أَنه اخْتلف على نَافِع فِي رَفعه وَوَقفه لَيْسَ إلاّ.
٨٧ - (بابُ وَضْعِ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع الْمُصَلِّي يَده الْيُمْنَى على الْيَد الْيُسْرَى فِي حَال الْقيام فِي الصَّلَاة.
١٢٨ - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد قَالَ كَانَ النَّاس يؤمرون أَن يضع الرجل الْيَد الْيُمْنَى على ذراعه الْيُسْرَى فِي الصَّلَاة قَالَ أَبُو حَازِم لَا أعلمهُ إِلَّا ينمي ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة عبد الله بن مسلمة القعْنبِي وَمَالك بن أنس وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة سَلمَة ابْن دِينَار الْأَعْرَج وَسَهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ قَوْله " كَانَ النَّاس يؤمرون " هَذَا حكمه الرّفْع لِأَنَّهُ مَحْمُول على أَن الْآمِر لَهُم بذلك هُوَ النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " أَن يضع " أَي بِأَن يضع لِأَن الْأَمر يسْتَعْمل بِالْبَاء وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال يضعون لَكِن وضع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر قَوْله " لَا أعلمهُ إِلَّا ينمي ذَلِك " أَي لَا أعلم الْأَمر إِلَّا أَن سهلا ينمي ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " ينمي " بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون النُّون وَكسر الْمِيم قَالَ الْجَوْهَرِي يُقَال نميت الْأَمر أَو الحَدِيث إِلَى غَيْرِي إِذا أسندته ورفعته وَقَالَ ابْن وهب ينمي يرفع وَمن اصْطِلَاح أهل الحَدِيث إِذا قَالَ الرَّاوِي ينميه فمراده يرفع ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَلَو لم يُقيد قَوْله " على ذراعه الْيُسْرَى " لم يبين مَوْضِعه من الذِّرَاع وَفِي حَدِيث وَائِل عِنْد أبي دَاوُد النَّسَائِيّ " ثمَّ وضع يَده الْيُمْنَى على ظهر كَفه الْيُسْرَى والرسغ من الساعد " وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره والرسغ بِضَم الرَّاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين مُعْجمَة هُوَ الْمفصل بَين الساعد والكف. ثمَّ اعْلَم أَن الْكَلَام فِي وضع الْيَد على الْيَد فِي الصَّلَاة على وُجُوه
стр. 1528
(الْوَجْه الأول) فِي أصل الْوَضع فعندنا يضع وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد واسحق وَعَامة أهل الْعلم وَهُوَ قَول عَليّ وَأبي هُرَيْرَة وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن مَالك وَفِي التَّوْضِيح وَهُوَ قَول سعيد بن جُبَير وَأبي مجلز وَأبي ثَوْر وَأبي عبيد وَابْن جرير وَدَاوُد وَهُوَ قَول أبي بكر وَعَائِشَة وَجُمْهُور الْعلمَاء قَالَ التِّرْمِذِيّ وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أهل الْعلم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ وَحكى ابْن الْمُنْذر عَن عبد الله بن الزبير وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن سِيرِين أَنه يرسلهما وَكَذَلِكَ عِنْد مَالك فِي الْمَشْهُور يرسلهما وَإِن طَال ذَلِك عَلَيْهِ وضع الْيُمْنَى على الْيُسْرَى للاستراحة قَالَه اللَّيْث بن سعد وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ هُوَ مُخَيّر بَين الْوَضع والإرسال. وَمن جملَة مَا احتججنا بِهِ فِي الْوَضع حَدِيث رَوَاهُ ابْن ماجة من حَدِيث الْأَحْوَص عَن سماك بن حَرْب عَن قبيصَة بن الْمُهلب عَن أَبِيه قَالَ " كَانَ النَّبِي ﷺ َ - يؤمنا فَيَأْخُذ شِمَاله بِيَمِينِهِ " وَحَدِيث آخر أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه عَن وَائِل بن حجر " أَن رَسُول الله ﷺ َ - رفع يَدَيْهِ " الحَدِيث وَفِيه " ثمَّ وضع يَده الْيُمْنَى على الْيُسْرَى " وَحَدِيث آخر أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة من حَدِيث الْحجَّاج بن أبي زَيْنَب سَمِعت أَبَا عُثْمَان يحدث عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه كَانَ يُصَلِّي فَوضع يَده الْيُسْرَى على الْيُمْنَى فَرَآهُ النَّبِي ﷺ َ - فَوضع يَده الْيُمْنَى على الْيُسْرَى وَحَدِيث آخر أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " إِنَّا معشر الْأَنْبِيَاء أمرنَا بِأَن نمسك بأيماننا على شمالنا فِي الصَّلَاة " وَفِي إِسْنَاد طَلْحَة بن عَمْرو مَتْرُوك وَعَن ابْن معِين لَيْسَ بِشَيْء وَحَدِيث آخر أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا نَحْو حَدِيث ابْن عَبَّاس وَفِي إِسْنَاده النَّضر بن إِسْمَاعِيل قَالَ ابْن معِين لَيْسَ بِشَيْء ضَعِيف (الْوَجْه الثَّانِي) فِي صفة الْوَضع وَهِي أَن يضع بطن كَفه الْيُمْنَى على رسغه الْيُسْرَى فَيكون الرسغ وسط الْكَفّ وَقَالَ الاسبيجابي عِنْد أبي يُوسُف يقبض بِيَدِهِ الْيُمْنَى رسغ يَده الْيُسْرَى وَقَالَ مُحَمَّد يَضَعهَا كَذَلِك وَيكون الرسغ وسط الْكَفّ وَفِي الْمُفِيد وَيَأْخُذ رسغها بالخنصر والإبهام وَهُوَ الْمُخْتَار وَفِي الدِّرَايَة يَأْخُذ كوعه الْأَيْسَر بكفه الْأَيْمن وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِي رِوَايَة يضع بَاطِن أَصَابِعه على الرسغ طولا وَلَا يقبض وَاسْتحْسن كثير من مَشَايِخنَا الْجمع بَينهمَا بِأَن يضع بَاطِن كَفه الْيُمْنَى على كَفه الْيُسْرَى ويحلق بالخنصر والإبهام على الرسغ (الْوَجْه الثَّالِث) فِي مَكَان الْوَضع فعندنا تَحت السُّرَّة وَعند الشَّافِعِي على الصَّدْر ذكره فِي الْحَاوِي وَفِي الْوَسِيط تَحت صَدره وَاحْتج الشَّافِعِي بِحَدِيث وَائِل بن حجر أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه قَالَ " صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فَوضع يَده الْيُمْنَى على يَده الْيُسْرَى على صَدره " وَلم يذكر النَّوَوِيّ غَيره فِي الْخُلَاصَة وَكَذَلِكَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الإِمَام وَاحْتج صَاحب الْهِدَايَة لِأَصْحَابِنَا فِي ذَلِك بقوله ﷺ َ - إِن من السّنة وضع الْيُمْنَى على الشمَال تَحت السُّرَّة (قلت) هَذَا قَول عَليّ بن أبي طَالب وَإِسْنَاده إِلَى النَّبِي ﷺ َ - غير صَحِيح وَإِنَّمَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَالدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من جِهَته فِي سنَنَيْهِمَا من حَدِيث أبي جُحَيْفَة عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ إِن من السّنة وضع الْكَفّ على الْكَفّ تَحت السُّرَّة وَقَول عَليّ أَن من السّنة هَذَا اللَّفْظ يدْخل فِي الْمَرْفُوع عِنْدهم. وَقَالَ أَبُو عمر فِي التفصي وَاعْلَم أَن الصَّحَابِيّ إِذا أطلق اسْم السّنة فَالْمُرَاد بِهِ سنة النَّبِي ﷺ َ - وَكَذَلِكَ إِذا أطلقها غَيره مَا لم تضف إِلَى صَاحبهَا كَقَوْلِهِم سنة العمرين وَمَا أشبه ذَلِك (فَإِن قلت) سلمنَا هَذَا وَلَكِن الَّذِي رُوِيَ عَن عَليّ فِيهِ مقَال لِأَن فِي سَنَده عبد الرَّحْمَن بن اسحق الْكُوفِي قَالَ أَحْمد لَيْسَ بِشَيْء مُنكر الحَدِيث (قلت) روى أَبُو دَاوُد وَسكت عَلَيْهِ ويعضده مَا رَوَاهُ ابْن حزم من حَدِيث أنس من أَخْلَاق النُّبُوَّة وضع الْيَمين على الشمَال تَحت السُّرَّة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْعَمَل عِنْد أهل الْعلم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ وضع الْيَمين على الشمَال فِي الصَّلَاة وَرَأى بَعضهم أَن يَضَعهَا فَوق السُّرَّة وَرَأى بَعضهم أَن يَضَعهَا تَحت السُّرَّة وكل ذَلِك وَاسع (الْوَجْه الرَّابِع) وَقت وضع الْيَدَيْنِ وَالْأَصْل فِيهِ أَن كل قيام فِيهِ ذكر مسنون يعْتَمد فِيهِ أَعنِي اعْتِمَاد يَده الْيُمْنَى على الْيُسْرَى وَمَا لَا فَلَا فيعتمد فِي حَالَة الْقُنُوت وَصَلَاة الْجِنَازَة وَلَا يعْتَمد فِي القومة عَن الرُّكُوع وَبَين تَكْبِيرَات الْعِيدَيْنِ الزَّوَائِد وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَعند أبي عَليّ النَّسَفِيّ وَالْإِمَام أبي عبد الله وَغَيرهمَا يعْتَمد فِي كل قيام سَوَاء كَانَ فِيهِ ذكر مسنون أَو لَا. (الْوَجْه الْخَامِس) فِي الْحِكْمَة فِي الْوَضع على الصَّدْر أَو السُّرَّة فَقيل الْوَضع على الصَّدْر أبلغ فِي الْخُشُوع وَفِيه حفظ نور الْإِيمَان
стр. 1529
فِي الصَّلَاة فَكَانَ أولى من إِشَارَته إِلَى الْعَوْرَة بِالْوَضْعِ تَحت السُّرَّة وَهَذَا قَول من ذهب إِلَى أَن السّنة الْوَضع على الصَّدْر وَنحن نقُول الْوَضع تَحت السُّرَّة أقرب إِلَى التَّعْظِيم وَأبْعد من التَّشَبُّه بِأَهْل الْكتاب وَأقرب إِلَى ستر الْعَوْرَة وَحفظ الْإِزَار عَن السُّقُوط وَذَلِكَ كَمَا يفعل بَين يَدي الْمُلُوك وَفِي الْوَضع على الصَّدْر تشبه بِالنسَاء فَلَا يسن
(قَالَ إِسْمَاعِيل ينمى ذَلِك وَلم يقل ينمي) قَالَ صَاحب التَّلْوِيح إِسْمَاعِيل هَذَا يشبه أَن يكون إِسْمَاعِيل بن اسحق الرَّاوِي عَن القعْنبِي هَذَا الحَدِيث فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ بَعضهم إِسْمَاعِيل هَذَا هُوَ إِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس شيخ البُخَارِيّ كَمَا جزم بِهِ الْحميدِي فِي الْجمع وَأنكر على صَاحب التَّلْوِيح فِيمَا قَالَه فَقَالَ ظن أَنه المُرَاد وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن اسحق مُوَافقَة لرِوَايَة البُخَارِيّ وَلم يذكر أحد أَن البُخَارِيّ روى عَنهُ وَهُوَ أحدث سنا من البُخَارِيّ وأحدث سَمَاعا (قلت) لَا يتَوَجَّه الرَّد على صَاحب التَّلْوِيح لِأَنَّهُ لم يجْزم بِمَا قَالَه وَلَا يلْزم من كَون إِسْمَاعِيل بن اسحق الْمَذْكُور أحدث سنا من البُخَارِيّ وأحدث سَمَاعا نفى رِوَايَة البُخَارِيّ عَنهُ قَوْله " ينمى " بِضَم الْيَاء وَفتح الْمِيم على صِيغَة الْمَجْهُول وَلم يقل ينمي بِفَتْح الْيَاء على صِيغَة الْمَعْلُوم فعلى صِيغَة الْمَجْهُول يكون الحَدِيث مُرْسلا لِأَن أَبَا حَازِم لم يعين من إنماء لَهُ وعَلى صِيغَة الْمَعْلُوم يكون الحَدِيث مُتَّصِلا لِأَن الضَّمِير فِيهِ يكون لسهل بن سعد لِأَن أَبَا حَازِم حِينَئِذٍ قد يتَعَيَّن لَهُ الْمسند وَهُوَ سهل بن سعد وَقَالَ بَعضهم فعلى الأول الْهَاء ضمير الشَّأْن فَيكون مُرْسلا (قلت) أَرَادَ بِالْأولِ صِيغَة الْمَجْهُول وَأَرَادَ بضمير الشَّأْن الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي لَا أعلمهُ وَلَيْسَ هَذَا بضمير الشَّأْن وَإِنَّمَا هُوَ يرجع إِلَى مَا ذكر من الحَدِيث -
٨٨ - (بابُ الخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخُشُوع فِي الصَّلَاة، وَلما كَانَ الْبَاب السَّابِق فِي وضع الْيُمْنَى على الْيُسْرَى، وَهُوَ صفة السَّائِل الذَّلِيل، وَأَنه أقرب إِلَى الْخُشُوع وَأَمْنَع من الْعَبَث الَّذِي يذهب بالخشوع، وَذكر هَذَا الْبَاب عقيب ذَاك حثا وتحريضا للْمُصَلِّي على مُلَازمَة الْخُشُوع ليدْخل فِي زمرة الَّذين مدحهم الله تَعَالَى فِي كِتَابه بقوله: ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١ و ٢) . قَالَ ابْن عَبَّاس: مخبتون أذلاء. وَقَالَ الْحسن: خائفون. وَقَالَ مقَاتل: متواضعون. وَقَالَ عَليّ: الْخُشُوع فِي الْقلب، وَأَن تلين للْمُسلمِ كتفك وَلَا تلْتَفت. وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ غض الْبَصَر وخفض الْجنَاح. وَقَالَ عَمْرو بن دِينَار: لَيْسَ الْخُشُوع الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَلكنه السّكُون وَحسن الْهَيْئَة فِي الصَّلَاة. وَقَالَ ابْن سِيرِين: هُوَ أَن لَا ترفع بَصرك عَن مَوضِع سجودك. وَقَالَ قَتَادَة: الْخُشُوع وضع الْيُمْنَى على الشمَال فِي الصَّلَاة. وَقيل: هُوَ جمع الهمة لَهَا والإعراض عَمَّا سواهَا. وَقَالَ أَبُو بكر الوَاسِطِيّ: هُوَ الصَّلَاة ﷺ تَعَالَى على الخلوص من غير عوض. وَعَن ابْن أبي الْورْد: يحْتَاج الْمُصَلِّي إِلَى أَربع خلال حَتَّى يكون خَاشِعًا: إعظام الْمقَام، وإخلاص الْمقَال، وَالْيَقِين التَّمام، وَجمع الْهم.
وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر ذكر الْبَاب، وَهُوَ فِي رِوَايَة غَيره، وَالأَصَح الأولى ذكره.
٧٤١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَهُنا وَالله مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعَكُمْ ولَا خُشُوعَكُمْ وإنِّي لأَرًّكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي (أنظر الحَدِيث ٤١٨) .
هَذَا الحَدِيث أخرجه فِي: بَاب عظة الإِمَام النَّاس فِي إتْمَام الصَّلَاة، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره نَحوه، وَهَهُنَا أخرجه عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، ابْن عَم مَالك بن أنس عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد تكلمنا هُنَاكَ بِمَا يتَعَلَّق بِهِ من سَائِر الْوُجُوه، وَبَقِي هُنَا ذكر وَجه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي قَوْله: (وَلَا خُشُوعكُمْ) تَنْبِيها إيَّاهُم على التَّلَبُّس بالخشوع فِي الصَّلَاة، لِأَنَّهُ لم يقل ذَلِك، إلاّ وَقد رأى أَن فيهم الِالْتِفَات وَعدم السّكُون اللَّذين ينافيان الْخُشُوع، وَالْمُصَلي لَا يدْخل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١ و ٢) .
стр. 1530
إلاّ بالخشوع، وَلَا شكّ أَن ترك الْخُشُوع يُنَافِي كَمَال الصَّلَاة، فَيكون مُسْتَحبا. وَحكى النَّوَوِيّ: أَن الْإِجْمَاع على أَن الْخُشُوع لَيْسَ بِوَاجِب، وَأورد عَلَيْهِ قَول القَاضِي حُسَيْن: إِن مدافعة الأخبثين إِذا انْتَهَت إِلَى حد يذهب مَعَه الْخُشُوع أبطلت الصَّلَاة. وَقَالَ أَيْضا أَبُو بكر الْمروزِي قلت: هَذَا لَيْسَ بوارد لاحْتِمَال كَلَامهمَا فِي مدافعة شَدِيدَة أفضت إِلَى خُرُوج شَيْء فَإِن قلت: الْبطلَان حِينَئِذٍ بِالْخرُوجِ لَا بالمدافعة قلت: المدافعة سَبَب لِلْخُرُوجِ، فَذكر السَّبَب وَأَرَادَ الْمُسَبّب للْمُبَالَغَة، وَأجَاب بَعضهم بجوابين غير طائلين: أَحدهمَا: قَوْله: لجَوَاز أَن يكون بعد الْإِجْمَاع السَّابِق. وَالثَّانِي: قَوْله: أَو المُرَاد بِالْإِجْمَاع أَنه لم يُصَرح أحد بِوُجُوبِهِ. وَقَالَ ابْن بطال: فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِن الْخُشُوع فرض فِي الصَّلَاة، قيل لَهُ: يحْسب الْإِنْسَان أَن يقبل على صلَاته بِقَلْبِه وَنِيَّته، وَيُرِيد بذلك وَجه الله، وَلَا طاقه لَهُ بِمَا اعْتَرَضَهُ من الخواطر. قلت: وَقد رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: إِنِّي لأجهز جيشي فِي الصَّلَاة. وَعنهُ: (إِنِّي لأحسب جِزْيَة الْبَحْرين وَأَنا فِي صَلَاتي) . قَوْله: (هَل ترَوْنَ؟) الِاسْتِفْهَام بِمَعْنى الْإِنْكَار، وَالْمرَاد من الْقبْلَة فَقَط، وَإِمَّا: الْمُقَابلَة وَهِي المواجهة، أَي: لَا تظنون مواجهتي هَهُنَا فَقَط، وَإِمَّا فِيهِ إِضْمَار أَي: لَا ترَوْنَ بَصرِي أَو رؤيتي فِي طرف الْقبْلَة فَقَط، وَإِمَّا أَنه من بَاب لَازم التَّرْكِيب، لِأَن كَون قبلته ثمَّة مُسْتَلْزم لكَون رُؤْيَته أَيْضا ثمَّة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَل ترَوْنَ رؤيتي هَهُنَا فَقَط؟ وَالله لأَرَاكُمْ من غَيرهَا أَيْضا. وَالْجُمْهُور على أَن المُرَاد من الرُّؤْيَة الإبصار بالحاسة، وَسبق تَحْقِيقه هُنَاكَ، وَقد يحْتَج بِهِ من يَقُول: إِن الطُّمَأْنِينَة فرض فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود، لِأَن الشَّارِع توعد على ذَلِك قلت: لَا يدل ذَلِك عَلَيْهِ، لِأَن الطُّمَأْنِينَة فِيهَا لَو كَانَت فرضا لأمرهم بِالْإِعَادَةِ، وَحَيْثُ لم يَأْمُرهُم بهَا دلّ على عدم الْفَرْضِيَّة.
٧٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ أقِيمُوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ فَوَالله إنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي ورُبَّمَا قَالَ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ. (أنظر الحَدِيث ٤١٩ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن إِقَامَة الرُّكُوع وَالسُّجُود لَا تكون إلاّ بِالسُّكُونِ والطمأنينة، وَهُوَ الْخُشُوع، فَإِن الَّذِي يستعجل وَلَا يسكن فيهمَا تَارِك الْخُشُوع. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ.
وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار كِلَاهُمَا عَن غنْدر.
قَوْله: (عَن أنس) ، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أبي مُوسَى عَن غنْدر: (سَمِعت أنس بن مَالك) . قَوْله: (أقِيمُوا) أَي: أكملوا، وَفِي رِوَايَة معَاذ عَن شُعْبَة: (أَتموا) بدل (أقِيمُوا) . قَوْله: (فوَاللَّه) فِيهِ جَوَاز الْحلف لتأكيد الْقَضِيَّة وتحقيقها. قَوْله: (لأَرَاكُمْ) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (من بعدِي) أَي: من خَلْفي. وَقَالَ الدَّاودِيّ يَعْنِي: من بعد وفاتي، يَعْنِي: إِن أَعمال الْأمة تعرض عَلَيْهِ، وَيَردهُ قَوْله: (وَرُبمَا قَالَ من بعد ظَهْري) .
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: النَّهْي عَن نُقْصَان الرُّكُوع وَالسُّجُود.
٨٩ - (بابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يقْرَأ الْمُصَلِّي بعد أَن يكبر للشروع. وَقَوله: (مَا يقْرَأ) هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب مَا يَقُول بعد التَّكْبِير.
١٣١ - (حَدثنَا حَفْص بن عمر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ َ - وَأَبا بكر وَعمر ﵄ كَانُوا يفتتحون الصَّلَاة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي سعيد الْأَشَج وَحميد الطَّوِيل وَمُحَمّد بن نوح قَوْله " يفتتحون الصَّلَاة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين " أَي بِهَذَا اللَّفْظ وَهَذَا ظَاهر فِي عدم الْجَهْر بالبسملة وتأويله على إِرَادَة اسْم السُّورَة يتَوَقَّف على أَن السُّورَة كَانَت تسمى عِنْدهم بِهَذِهِ الْجُمْلَة فَلَا يعدل عَن حَقِيقَة اللَّفْظ وَظَاهره إِلَى مجازه إِلَّا بِدَلِيل وَقَالَ بَعضهم لَا يلْزم من قَوْله " كَانُوا يفتتحون " أَنهم لم
стр. 1531
يقرؤا الْبَسْمَلَة سرا (قلت) لَا نزاع فِيهِ وَإِنَّمَا النزاع فِي جهر الْبَسْمَلَة لعدم كَونهَا آيَة من الْفَاتِحَة قَوْله " بِالْحَمْد لله " بِضَم الدَّال على سَبِيل الْحِكَايَة الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب على أنوع الأول أَنَّهَا هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم قَتَادَة وَإِسْحَق بن عبد الله وَمَنْصُور بن زَاذَان وَأَيوب على اخْتِلَاف فِيهِ وَأَبُو نعَامَة قيس بن عَبَايَة الْحَنَفِيّ وعائذ بن شُرَيْح بِخِلَاف وَالْحسن وثابت الْبنانِيّ وَحميد الطَّوِيل وَمُحَمّد بن نوح أما حَدِيث قَتَادَة عَن أنس فَأخْرجهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ كَمَا ذكرنَا الْآن وَأما حَدِيث إِسْحَق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة عَن أنس فَأخْرجهُ البُخَارِيّ وَمُسلم عَن مُحَمَّد بن مهْرَان عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن إِسْحَق بن عبد الله عَن أنس " صليت خلف النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر وَعمر فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَأما حَدِيث مَنْصُور فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ " فَلم يسمعنا قرَاءَتهَا " وَأما حَدِيث أَيُّوب فَأخْرجهُ الشَّافِعِي وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فَقَالَ النَّسَائِيّ أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن أَيُّوب عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ " صليت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - وَمَعَ أبي بكر وَمَعَ عمر فافتتحوا بِالْحَمْد " وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ اخْتلف فِيهِ عَن أَيُّوب فَقيل عَن قَتَادَة عَن أنس وَقيل عَن أبي قلَابَة عَن أنس وَقيل عَن أَيُّوب عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأما حَدِيث أبي نعَامَة فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ " لَا يقرؤن " يَعْنِي لَا يجهرون بهَا وَفِي لفظ " لَا يقرؤن " فَقَط وَأما حَدِيث عَائِذ بن شرح فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ اخْتلف عَنهُ فَقيل عَنهُ عَن أنس وَقيل عَنهُ عَن ثُمَامَة عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأما حَدِيث الْحسن عَن أنس فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ " كَانَ يسر بهَا " وَأما حَدِيث ثَابت فَذكره الْبَيْهَقِيّ والطَّحَاوِي من حَدِيث شُعْبَة عَن ثَابت عَن أنس قَالَ " لم يكن رَسُول الله ﷺ َ - وَلَا أَبُو بكر وَلَا عمر يجهرون بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَأما حَدِيث حميد عَن أنس فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن ابْن وهب عَن مَالك عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس أَنه قَالَ " قُمْت وَرَاء أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فكلهم لَا يقرؤن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِذْ افْتتح الصَّلَاة " وَقَالَ الطَّحَاوِيّ حَدثنَا فَهد قَالَ حَدثنَا أَبُو غَسَّان قَالَ حَدثنَا زُهَيْر عَن حميد عَن أنس أَن أَبَا بكر وَعمر ويروى حميد أَنه قد ذكر النَّبِي ﷺ َ - ثمَّ ذكر نَحوه وَأما حَدِيث مُحَمَّد بن نوح عَن أنس فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن منقذ عَن عبد الله بن وهب عَن أبي لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب أَن مُحَمَّد بن نوح أَخا بني سعد بن بكر حَدثهُ عَن أنس بن مَالك قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - وَأَبا بكر وَعمر يستفتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين " وروى عَن قَتَادَة جمَاعَة شُعْبَة وَهِشَام وَأَبُو عوَانَة وَأَيوب وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة وَالْأَوْزَاعِيّ وشيبان. فرواية شُعْبَة عَن قَتَادَة أخرجهَا البُخَارِيّ وَمُسلم وَرِوَايَة هِشَام عَنهُ أخرجهَا أَبُو دَاوُد حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا هِشَام عَن قَتَادَة عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ َ - وَأَبا بكر وَعمر وَعُثْمَان كَانُوا يفتتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين " وَرِوَايَة أبي عوَانَة عَن قَتَادَة أخرجهَا التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا قُتَيْبَة قَالَ حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم يفتتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين " وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَقَالَ النَّسَائِيّ أخبرنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - وَأَبُو بكر وَعمر يفتتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين " وَقَالَ ابْن مَاجَه حَدثنَا جبارَة بن الْمُفلس حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك قَالَ فَذكره نَحْو رِوَايَة النَّسَائِيّ وَرِوَايَة أَيُّوب عَن قَتَادَة أخرجهَا النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقد ذَكرنَاهَا الْآن وَرِوَايَة سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة أخرجهَا النَّسَائِيّ أخبرنَا عبد الله بن سعيد الْأَشَج أَبُو سعيد قَالَ حَدثنِي عقبَة قَالَ حَدثنَا شُعْبَة وَابْن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ " صليت خلف النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَرِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن قَتَادَة أخرجهَا مُسلم وَلَفظه " أَن قَتَادَة كتب إِلَيْهِ يُخبرهُ عَن أنس أَنه حَدثهُ قَالَ صليت خلف النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَكَانُوا يستفتحون بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين لَا يذكرُونَ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي أول قِرَاءَة وَلَا فِي آخرهَا وَلَيْسَ للأوزاعي عَن قَتَادَة عَن أنس فِي الصَّحِيح غير هَذَا وَرِوَايَة شَيبَان عَن قَتَادَة أخرجهَا الطَّحَاوِيّ عَن ابْن أبي عمرَان وَعلي بن عبد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَن عَليّ بن الْجَعْد قَالَ
стр. 1532
أخبرنَا شَيبَان عَن قَتَادَة قَالَ " سَمِعت أنسا يَقُول صليت خلف النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وروى هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة أَيْضا جمَاعَة مِنْهُم حَفْص بن عمر كَمَا سبق عَن البُخَارِيّ وَمِنْهُم غنْدر فِي مُسلم وَلَفظه " صليت مَعَ أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يقْرَأ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَمِنْهُم الْأَعْمَش أخرجهَا الطَّحَاوِيّ حَدثنَا أَبُو أُميَّة قَالَ حَدثنَا الْأَحْوَص بن جَوَاب قَالَ حَدثنَا عمار بن زُرَيْق عَن الْأَعْمَش عَن شُعْبَة عَن ثَابت عَن أنس قَالَ " لم يكن رَسُول الله ﷺ َ - وَلَا أَبُو بكر وَلَا عمر يجهرون بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَمِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد أخرجهَا الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن شُعَيْب الكيساني عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة قَالَ سَمِعت أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول " صليت خلف النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " النَّوْع الثَّانِي فِي اخْتِلَاف أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث فَلفظ البُخَارِيّ مَا مر وَلَفظ مُسلم " فَكَانُوا يستفتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين لَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي أول قِرَاءَة وَلَا فِي آخرهَا " وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأحمد وَابْن حبَان وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالُوا فِيهِ " فَكَانُوا لَا يجهرون بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَزَاد ابْن حبَان " ويجهرون بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين " وَفِي لفظ للنسائي وَابْن حبَان أَيْضا " فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَفِي لفظ أبي يعلى فِي مُسْنده " فَكَانُوا يفتتحون الْقِرَاءَة فِيمَا يجْهر بِهِ بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين " وَفِي لفظ للطبراني فِي مُعْجَمه وَأبي نعيم فِي الْحِلْية وَابْن خُزَيْمَة فِي مُخْتَصر الْمُخْتَصر " فَكَانُوا يسرون بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَرِجَال هَؤُلَاءِ الرِّوَايَات كلهم ثِقَات مخرج لَهُم فِي الصَّحِيح وروى التِّرْمِذِيّ حَدثنَا أَحْمد بن منيع قَالَ حَدثنَا سعيد الجزيري عَن قيس بن عَبَايَة " عَن عبد الله بن مُغفل قَالَ سمعني أبي وَأَنا فِي الصَّلَاة أَقُول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقَالَ أَي بني مُحدث إياك وَالْحَدَث قَالَ وَلم أر أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ أبْغض إِلَيْهِ الْحَدث فِي الْإِسْلَام يَعْنِي مِنْهُ قَالَ وَقد صليت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - وَمَعَ أبي بكر وَمَعَ عمر وَمَعَ عُثْمَان فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يَقُولهَا فَلَا تقلها إِذا أَنْت صليت فَقل الْحَمد لله رب الْعَالمين " قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - مِنْهُم أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَغَيرهم من بعدهمْ من التَّابِعين وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا وَلِحَدِيث أنس طرق أُخْرَى دون مَا أخرجه أَصْحَاب الصِّحَاح فِي الصِّحَّة وكل أَلْفَاظه ترجع إِلَى معنى وَاحِد يصدق بَعْضهَا بَعْضًا وَهِي سَبْعَة أَلْفَاظ. فَالْأول كَانُوا لَا يستفتحون الْقِرَاءَة بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَالثَّانِي فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يَقُول أَو يقْرَأ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَالثَّالِث فَلم يَكُونُوا يقرؤن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَالرَّابِع فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَالْخَامِس فَكَانُوا لَا يجهرون بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَالسَّادِس فَكَانُوا يسرون بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَالسَّابِع فَكَانُوا يستفتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَهَذَا اللَّفْظ الَّذِي صَححهُ الْخَطِيب وَضعف مَا سواهُ لرِوَايَة الْحفاظ لَهُ عَن قَتَادَة ولمتابعة غير قَتَادَة لَهُ عَن أنس فِيهِ وَجعل اللَّفْظ الْمُحكم عَن أنس وَجعل غَيره متشابها وَحمل على الِافْتِتَاح بالسورة لَا بِالْآيَةِ وَهُوَ غير مُخَالف للألفاظ الْبَاقِيَة بِوَجْه فَكيف يَجْعَل مناقضا لَهَا فَإِن حَقِيقَة هَذَا اللَّفْظ الِافْتِتَاح بِالْآيَةِ من غير ذكر التَّسْمِيَة جَهرا أَو سرا فَكيف يجوز الْعُدُول عَنهُ بِغَيْر مُوجب وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة مُسلم " لَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " فِي أول قِرَاءَة وَلَا فِي آخرهَا (فَإِن قلت) قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة وَقد ضعف الْحفاظ حَدِيث عبد الله بن مُغفل الَّذِي أخرجه التِّرْمِذِيّ وأنكروا على التِّرْمِذِيّ تحسينه كَابْن خُزَيْمَة وَابْن عبد الْبر والخطيب قَالُوا أَن مَدَاره على ابْن عبد الله بن مُغفل وَهُوَ مَجْهُول (قلت) وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أبي نعَامَة عَن ابْن عبد الله بن مُغفل قَالَ " كَانَ أَبونَا إِذا سمع أحدا منا يَقُول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم يَقُول أَي بني صليت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يَقُول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن ابْن عبد الله بن مُغفل عَن أَبِيه مثله ثمَّ أخرجه عَن أبي سُفْيَان طريف بن شهَاب عَن يزِيد بن عبد الله بن مُغفل عَن أَبِيه قَالَ " صليت خلف إِمَام فجهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَلَمَّا فرغ من صلَاته قَالَ مَا هَذَا غيب عَنَّا هَذِه الَّتِي أَرَاك تجْهر بهَا
стр. 1533
فَإِنِّي قد صليت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم يجهروا بهَا " فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة رووا هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عبد الله بن مُغفل عَن أَبِيه وَهُوَ أَبُو نعَامَة الْحَنَفِيّ قيس بن عَبَايَة وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره وَقَالَ ابْن عبد الْبر هُوَ ثِقَة عِنْد جَمِيعهم وَقَالَ الْخَطِيب لَا أعلم أحدا رَمَاه ببدعة فِي دينه وَلَا كذب فِي رِوَايَته وَعبد الله بن بُرَيْدَة وَهُوَ أشهر من أَن يثنى عَلَيْهِ وَأَبُو سُفْيَان السَّعْدِيّ وَهُوَ وَإِن تكلم فِيهِ وَلكنه يعْتَبر بِهِ فِيمَا تَابعه عَلَيْهِ غَيره من الثِّقَات وَهُوَ الَّذِي سمى ابْن عبد الله بن مُغفل يزِيد كَمَا هُوَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ فقد ارْتَفَعت الْجَهَالَة عَن ابْن عبد الله بن مُغفل بِرِوَايَة هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة عَنهُ وَقد تقدم فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد عَن أبي نعَامَة عَن بني عبد الله بن مُغفل وَبَنوهُ الَّذين يروي عَنْهُم يزِيد وَزِيَاد وَمُحَمّد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَغَيرهمَا يحتجون بِمثل هَؤُلَاءِ مَعَ أَنهم مَشْهُورُونَ بالرواية وَلم يرو أحد مِنْهُم حَدِيثا مُنْكرا لَيْسَ لَهُ شَاهد وَلَا متابع حَتَّى يخرج بِسَبَبِهِ وَإِنَّمَا رووا مَا رَوَاهُ غَيرهم من الثِّقَات فَأَما يزِيد فَهُوَ الَّذِي سمى فِي هَذَا الحَدِيث وَأما مُحَمَّد فروى لَهُ الطَّبَرَانِيّ عَنهُ عَن أَبِيه قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يَقُول " مَا من إِمَام يبيت غاشا لرعيته إِلَّا حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة " وَزِيَاد أَيْضا روى لَهُ الطَّبَرَانِيّ عَنهُ عَن أَبِيه مَرْفُوعا " لَا تخذفوا فَإِنَّهُ لَا يصاد بِهِ صيد وَلَا ينْكَأ الْعَدو وَلكنه يكسر السن ويفقأ الْعين " وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا حَدِيث صَرِيح فِي عدم الْجَهْر بالبسملة وَهُوَ وَإِن لم يكن من أَقسَام الصَّحِيح فَلَا ينزل عَن دَرَجَة الْحسن وَقد حسنه التِّرْمِذِيّ والْحَدِيث الْحسن يحْتَج بِهِ لَا سِيمَا إِذا تعدّدت شواهده وَكَثُرت متابعاته وَالَّذين تكلمُوا فِيهِ وَتركُوا الِاحْتِجَاج بِهِ بِجَهَالَة ابْن عبد الله بن مُغفل قد احْتَجُّوا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا هُوَ أَضْعَف مِنْهُ بل احْتج الْخَطِيب بِمَا يعلم أَنه مَوْضُوع فَذَلِك جرْأَة عَظِيمَة لأجل تعصبه وحميته بِمَا لَا يَنْفَعهُ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة وَلم يحسن الْبَيْهَقِيّ فِي تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث إِذْ قَالَ بعد أَن رَوَاهُ فِي كتاب الْمعرفَة فَهَذَا حَدِيث تفرد بِهِ أَبُو نعَامَة قيس بن عَبَايَة وَابْن عبد الله بن مُغفل وَأَبُو نعَامَة وَابْن عبد الله بن مُغفل لم يحْتَج بهما صاحبا الصَّحِيح فَقَوله تفرد بِهِ أَبُو نعَامَة غير صَحِيح فقد تَابعه عبد الله بن بُرَيْدَة وَأَبُو سُفْيَان كَمَا ذَكرْنَاهُ وَقَوله وَأَبُو نعَامَة وَابْن عبد الله بن مُغفل لم يحْتَج بهما صاحبا الصَّحِيح لَيْسَ هَذَا لَازِما فِي صِحَة الْإِسْنَاد وَلَئِن سلمنَا فقد قُلْنَا أَنه حسن وَالْحسن يحْتَج بِهِ وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن ترك الْجَهْر عِنْدهم كَانَ مِيرَاثا عَن نَبِيّهم يتوارثونه خَلفهم عَن سلفهم وَهَذَا وَحده كَاف فِي الْمَسْأَلَة لِأَن الصَّلَاة الجهرية دائمة صباحا وَمَسَاء فَلَو كَانَ ﷺ َ - يجْهر بهَا دَائِما لما وَقع فِيهِ الِاخْتِلَاف وَلَا الِاشْتِبَاه ولكان مَعْلُوما بالاضطرار وَلما قَالَ أنس يجْهر بهَا ﷺ َ - وَلَا خلفاؤه الراشدون وَلما قَالَ عبد الله بن مُغفل ذَلِك أَيْضا وَسَماهُ حَدثا وَلما اسْتمرّ عمل أهل الْمَدِينَة فِي محراب النَّبِي ﷺ َ - ومقامه على ترك الْجَهْر فيتوارثه آخِرهم عَن أَوَّلهمْ وَلَا يظنّ عَاقل أَن أكَابِر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَأكْثر أهل الْعلم كَانُوا يواظبون على خلاف مَا كَانَ ﷺ َ - يَفْعَله وَسَيَأْتِي الْجَواب عَن أَحَادِيث الْجَهْر إِن شَاءَ الله تَعَالَى النَّوْع الثَّالِث احْتج بِهِ مَالك وَأَصْحَابه على ترك التَّسْمِيَة فِي ابْتِدَاء الْفَاتِحَة وَأَنَّهَا لَيست مِنْهَا وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ والطبري وَقَالَ أَصْحَابنَا الْبَسْمَلَة آيَة من الْقُرْآن أنزلت للفصل بَين السُّور وَلَيْسَت من الْفَاتِحَة وَلَا من أول كل سُورَة وَلَا يجْهر بهَا بل يَقُولهَا سرا وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَقَالَ أَبُو عمر قَالَ مَالك لَا تقرؤا الْبَسْمَلَة فِي الْفَرْض سرا وَلَا جَهرا وَفِي النَّافِلَة إِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ ترك وَهُوَ قَول الطَّبَرِيّ وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَابْن أبي ليلى وَأحمد يقْرَأ مَعَ أم الْقُرْآن فِي كل رَكْعَة إِلَّا ابْن أبي ليلى فَإِنَّهُ قَالَ إِن شَاءَ جهر بهَا وَإِن شَاءَ أخفاها وَقَالَ الشَّافِعِي هِيَ آيَة من الْفَاتِحَة يخفيها إِذا أخْفى ويجهر بهَا إِذا جهر وَاخْتلف قَوْله هَل هِيَ آيَة من كل سُورَة أم لَا على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا نعم وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك وَالثَّانِي لَا النَّوْع الرَّابِع فِي أَنَّهَا يجْهر بهَا أم لَا قَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَعِنْدنَا يسْتَحبّ الْجَهْر بهَا فِيمَا يجْهر فِيهِ وَبِه قَالَ أَكثر الْعلمَاء وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْجَهْر كَثِيرَة مُتعَدِّدَة عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة يرتقي عَددهمْ إِلَى أحد وَعشْرين صحابيا رووا ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ َ - مِنْهُم من صرح بذلك وَمِنْهُم من فهم من عِبَارَته وَالْحجّة قَائِمَة بالجهر وبالصحة ثمَّ ذكر من الصَّحَابَة أَبَا هُرَيْرَة وَأم سَلمَة وَابْن عَبَّاس وأنسا وَعلي بن أبي طَالب وَسمرَة بن جُنْدُب (قلت) وَمن الَّذين عدهم عمار وَعبد الله بن عمر والنعمان بن بشير وَالْحكم بن عُمَيْر وَمُعَاوِيَة وَبُرَيْدَة بن الْحصيب وَجَابِر وَأَبُو سعيد وَطَلْحَة وَعبد الله بن أبي أوفى وَأَبُو بكر الصّديق ومجالد بن ثَوْر وَبشر بن مُعَاوِيَة وَالْحُسَيْن بن عرفطة وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَهَؤُلَاءِ أحد
стр. 1534
وَعِشْرُونَ نفسا. أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه من حَدِيث نعيم المجمر قَالَ " صليت وَرَاء أبي هُرَيْرَة فَقَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ثمَّ قَرَأَ بِأم الْقُرْآن حَتَّى قَالَ غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين قَالَ آمين فِي آخِره فَلَمَّا سلم قَالَ إِنِّي لأشبهكم صَلَاة برَسُول الله ﷺ َ - " وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ أَنه على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَقَالَ حَدِيث صَحِيح وَرُوَاته كلهم ثِقَات وأخره الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَقَالَ إِسْنَاده صَحِيح وَله شَوَاهِد وَقَالَ فِي الخلافيات رُوَاته كلهم ثِقَات مجمع على عدالتهم مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَالْجَوَاب عَنهُ من وُجُوه. الأول أَنهم مَعْلُول فَإِن ذكر الْبَسْمَلَة فِيهِ مِمَّا تفرد بِهِ نعيم المجمر من بَين أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة وهم ثَمَان مائَة مَا بَين صَاحب وتابع وَلَا يثبت عَن ثِقَة من أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة أَنه حدث عَن أبي هُرَيْرَة أَنه ﷺ َ - كَانَ يجْهر بالبسملة فِي الصَّلَاة أَلا ترى كَيفَ أعرض صَاحب الصَّحِيح عَن ذكر الْبَسْمَلَة فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَانَ يكبر فِي كل صَلَاة من الْمَكْتُوبَة وَغَيرهَا الحَدِيث (فَإِن قلت) قد رَوَاهَا نعيم المجمر وَهُوَ ثِقَة وَالزِّيَادَة عَن الثِّقَة مَقْبُولَة (قلت) فِي هَذَا خلاف مَشْهُور فَمنهمْ من لَا يقبلهَا. الثَّانِي أَن قَوْله فَقَرَأَ أَو قَالَ لَيْسَ بِصَرِيح أَنه سَمعهَا مِنْهُ إِذْ يجوز أَن يكون أَبُو هُرَيْرَة أخبر نعيما بِأَنَّهُ قَرَأَهَا سرا وَيجوز أَن يكون سَمعهَا مِنْهُ فِي مخافتته لقُرْبه مِنْهُ كَمَا روى عَنهُ من أَنْوَاع الاستفتاح وألفاظ الذّكر فِي قِيَامه وقعوده وركوعه وَسُجُوده وَلم يكن مِنْهُ ذَلِك دَلِيلا على الْجَهْر. الثَّالِث أَن التَّشْبِيه لَا يَقْتَضِي أَن يكون مثله من كل وَجه بل يَكْفِي فِي غَالب الْأَفْعَال وَذَلِكَ مُتَحَقق فِي التَّكْبِير وَغَيره دون الْبَسْمَلَة فَإِن التَّكْبِير وَغَيره من أَفعَال الصَّلَاة ثَابت صَحِيح عَن أبي هُرَيْرَة وَكَانَ مَقْصُوده الرَّد على من تَركه وَأما التَّسْمِيَة فَفِي صِحَّتهَا عَنهُ نظر فَيَنْصَرِف إِلَى الصَّحِيح الثَّابِت دون غَيره ويلزمهم على القَوْل بالتشبيه من كل وَجه أَن يَقُولُوا بالجهر بالتعوذ فَإِن الشَّافِعِي روى أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الْأَسْلَمِيّ عَن ربيعَة بن عُثْمَان عَن صَالح بن أبي صَالح أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة وَهُوَ يؤم النَّاس رَافعا صَوته فِي الْمَكْتُوبَة إِذا فرغ من أم الْقُرْآن رَبنَا إِنَّا نَعُوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم فَهَلا أخذُوا بِهَذَا كَمَا أخذُوا بجهر الْبَسْمَلَة مستدلين بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ فَمَا أسمعنا ﷺ َ - أسمعناكم وَمَا أخفانا أخفيناكم وَكَيف يظنّ بِأبي هُرَيْرَة أَنه يُرِيد التَّشْبِيه فِي الْجَهْر بالبسملة وَهُوَ الرَّاوِي عَن النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ " يَقُول الله تَعَالَى قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ فنصفها لي وَنِصْفهَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ فَإِذا قَالَ العَبْد الْحَمد لله رب الْعَالمين قَالَ الله تَعَالَى حمدني عَبدِي " الحَدِيث أخرجه مُسلم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَهَذَا ظَاهر فِي أَن الْبَسْمَلَة لَيست من الْفَاتِحَة وَإِلَّا لابتدأ بهَا وَقَالَ أَبُو عمر حَدِيث الْعَلَاء هَذَا قَاطع لقلق المنازعين وَهُوَ نصر لَا يحْتَمل التَّأْوِيل وَلَا أعلم حَدِيثا فِي سُقُوط الْبَسْمَلَة أبين مِنْهُ وَاعْترض بعض الْمُتَأَخِّرين على هَذَا الحَدِيث بأمرين. أَحدهمَا لَا يعْتَبر بِكَوْن هَذَا الحَدِيث فِي مُسلم فَإِن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن تكلم فِيهِ ابْن معِين فَقَالَ لَيْسَ حَدِيثه بِحجَّة مُضْطَرب الحَدِيث وَقَالَ ابْن عدي وَقد انْفَرد بِهَذَا الحَدِيث فَلَا يحْتَج بِهِ. الثَّانِي على تَقْدِير صِحَّته فقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات عَنهُ ذكر التَّسْمِيَة كَمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن عبد الله بن زِيَاد بن سمْعَان عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة " سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي فنصفها لَهُ يَقُول عَبدِي إِذا افْتتح الصَّلَاة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فيذكرني عَبدِي ثمَّ يَقُول الْحَمد لله رب الْعَالمين فَأَقُول حمدني عَبدِي " الحَدِيث وَهَذِه الرِّوَايَة وَإِن كَانَت ضَعِيفَة وَلكنهَا مفسرة بِحَدِيث مُسلم أَنه أَرَادَ السُّورَة لَا الْآيَة (قلت) هَذَا الْقَائِل حَملَة الْجَهْل وفرط التعصب ورداءة الرَّأْي والفكر على أَنه ترك الحَدِيث الصَّحِيح وَضَعفه لكَونه غير مُوَافق لمذهبه وَقَالَ لَا يعْتَبر بِكَوْنِهِ فِي مُسلم مَعَ أَنه قد رَوَاهُ عَن الْعَلَاء الْأَئِمَّة الثِّقَات الْأَثْبَات كمالك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَابْن جريج وَشُعَيْب وَعبد الْعَزِيز الداروردي وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَمُحَمّد بن إِسْحَاق والوليد بن كثير وَغَيرهم والْعَلَاء فِي نَفسه ثِقَة صَدُوق وَهَذِه الرِّوَايَة مِمَّا انْفَرد بهَا عَنهُ ابْن سمْعَان وَقَالَ عمر بن عبد الْوَاحِد سَأَلت مَالِكًا عَنهُ أَي ابْن سمْعَان فَقَالَ كَانَ كذابا وَكَذَا قَالَ يحيى بن معِين وَقَالَ يحيى بن بكير قَالَ هِشَام بن عُرْوَة فِيهِ لقد كذب عَليّ وَحدث عني بِأَحَادِيث لم أحدثها لَهُ وَعَن أَحْمد مَتْرُوك الحَدِيث وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد وَزَاد من الْكَذَّابين (فَإِن قلت) أخرج الْخَطِيب عَن أبي أويس
стр. 1535
واسْمه عبد الله بن أويس قَالَ أَخْبرنِي الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة " أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ إِذا أم النَّاس جهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَابْن عدي فِي الْكَامِل فَقَالَا فِيهِ قَرَأَ عوض جهر وَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى (قلت) أَبُو أويس ضعفه أَحْمد وَابْن معِين وَأَبُو حَاتِم فَلَا يحْتَج بِمَا انْفَرد بِهِ فَكيف إِذا انْفَرد بِشَيْء وَقد خَالفه فِيهِ من هُوَ أوثق مِنْهُ (فَإِن قلت) أخرج مُسلم لأبي أويس (قلت) صاحبا الصَّحِيح إِذا أخرجَا لمن تكلم فِيهِ إِنَّمَا يخرجَانِ بعد إنقائهما من حَدِيثه مَا توبع عَلَيْهِ وَظَهَرت شواهده وَعلم أَن لَهُ أصلا وَلَا يخرجَانِ مَا تفرد بِهِ سِيمَا إِذا خَالف الثِّقَات وَهَذِه الْعلَّة راجت على كثير مِمَّن استدرك على الصَّحِيحَيْنِ فتساهلوا فِي استدراكهم وَمن أَكْثَرهم تساهلا الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي كِتَابه الْمُسْتَدْرك فَإِنَّهُ يَقُول هَذَا على شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا وَفِيه هَذِه الْعلَّة إِذْ لَا يلْزم من كَون الرَّاوِي محتجا بِهِ فِي الصَّحِيح أَنه إِذا وجد فِي أَي حَدِيث كَانَ يكون ذَلِك الحَدِيث على شَرطه وَلِهَذَا قَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب الْعلم الْمَشْهُور وَيجب على أهل الحَدِيث أَن يتحفظوا من قَول الْحَاكِم أبي عبد الله فَإِنَّهُ كثير الْغَلَط ظَاهر السقط وَقد غفل عَن ذَلِك كثير مِمَّن جَاءَ بعده وقلده فِي ذَلِك (فَإِن قلت) قد جَاءَ فِي طَرِيق آخر أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن خَالِد بن الياس عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " عَلمنِي جِبْرِيل ﵊ الصَّلَاة فَقَامَ فَكبر لنا ثمَّ قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِيمَا يجْهر بِهِ فِي كل رَكْعَة " (قلت) هَذَا إِسْنَاد سَاقِط فَإِن خَالِد بن الياس مجمع على ضعفه وَعَن البُخَارِيّ عَن أَحْمد أَنه مُنكر الحَدِيث وَقَالَ ابْن معِين لَيْسَ بِشَيْء وَلَا يكْتب حَدِيثه وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ ابْن حبَان يروي الموضوعات عَن الثِّقَات وَقَالَ الْحَاكِم روى عَن المَقْبُري وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَهِشَام بن عُرْوَة أَحَادِيث مَوْضُوعَة (فَإِن قلت) روى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن جَعْفَر بن مكرم حَدثنَا أَبُو بكر الْحَنَفِيّ حَدثنَا عبد الْمجِيد عَن جَعْفَر أَخْبرنِي نوح بن أبي بِلَال عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِذا قَرَأْتُمْ الْحَمد فاقرؤا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِنَّهَا أم الْقُرْآن وَأم الْكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِحْدَى آياتها " (قلت) قَالَ أَبُو بكر الْحَنَفِيّ ثمَّ لقِيت نوحًا فَحَدثني عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة مثله وَلم يرفعهُ (فَإِن قلت) قَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه الْكُبْرَى رفع هَذَا الحَدِيث عبد الحميد بن جَعْفَر وَهُوَ ثِقَة وَثَّقَهُ ابْن معِين (قلت) كَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ يُضعفهُ وَيحمل عَلَيْهِ وَلَئِن سلمنَا رَفعه فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على الْجَهْر وَلَئِن سلم فَالصَّوَاب فِيهِ الْوَقْف قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لِأَنَّهُ رَوَاهُ الْمعَافي بن عمرَان عَن عبد الحميد عَن نوح عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا وَرَوَاهُ أُسَامَة بن زيد وَأَبُو بكر الْحَنَفِيّ عَن نوح عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا (فَإِن قلت) هَذَا مَوْقُوف فِي حكم الْمَرْفُوع إِذْ لَا يَقُول الصَّحَابِيّ أَن الْبَسْمَلَة إِحْدَى آيَات الْفَاتِحَة إِلَّا عَن تَوْقِيف أَو دَلِيل قوي ظهر لَهُ فحين إِذن يكون لَهُ حكم سَائِر آيَات الْفَاتِحَة من الْجَهْر والإسرار (قلت) لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَة سمع النَّبِي ﷺ َ - يَقْرَأها فظنها من الْفَاتِحَة فَقَالَ إِنَّهَا إِحْدَى آياتها وَنحن لَا ننكر أَنَّهَا من الْقُرْآن وَلَكِن النزاع فِي موضِعين. أَحدهمَا أَنَّهَا آيَة من الْفَاتِحَة وَالثَّانِي أَن لَهَا حكم سَائِر آيَات الْفَاتِحَة جَهرا وسرا وَنحن نقُول أَنَّهَا آيَة مُسْتَقلَّة قبل السُّورَة وَلَيْسَت مِنْهَا جمعا بَين الْأَدِلَّة وَأَبُو هُرَيْرَة لم يخبر عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ هِيَ إِحْدَى آياتها وقراءتها قبل الْفَاتِحَة لَا تدل على ذَلِك وَإِذا جَازَ أَن يكون مُسْتَند أبي هُرَيْرَة قِرَاءَة النَّبِي ﷺ َ - لَهَا وَقد ظهر أَن ذَلِك لَيْسَ بِدَلِيل على مَحل النزاع فَلَا تعَارض بِهِ أدلتنا الصَّحِيحَة الثَّابِتَة وَأَيْضًا فالمحفوظ الثَّابِت عَن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث عدم ذكر الْبَسْمَلَة كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " الْحَمد لله هِيَ أم الْقُرْآن وَهِي السَّبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح على أَن عبد الحميد بن جَعْفَر مِمَّن تكلم فِيهِ وَلَكِن وَثَّقَهُ أَكثر الْعلمَاء وَاحْتج بِهِ مُسلم فِي صَحِيحه وَلَيْسَ تَضْعِيف من ضعفه مِمَّا يُوجب رد حَدِيثه وَلَكِن الثِّقَة قد يغلط وَالظَّاهِر أَنه قد غلط فِي هَذَا الحَدِيث وَالله تَعَالَى أعلم. وَأما حَدِيث أم سَلمَة فَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك عَن عمر بن هَارُون عَن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا " أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَرَأَ فِي الصَّلَاة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَعَدهَا آيَة الْحَمد لله رب الْعَالمين آيَتَيْنِ الرَّحْمَن الرَّحِيم ثَلَاث آيَات إِلَى آخِره " وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ
стр. 1536
وَالْبَيْهَقِيّ وَالْجَوَاب عَنهُ أَن مدَار هَذِه الرِّوَايَة على عمر بن هَارُون الْبَلْخِي وَهُوَ مَجْرُوح تكلم فِيهِ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة فَعَن أَحْمد لَا أروي عَنهُ شَيْئا وَعَن يحيى لَيْسَ بِشَيْء وَعَن ابْن الْمُبَارك كَذَّاب وَعَن النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ عَن يحيى كَذَّاب خَبِيث لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء (فَإِن قلت) روى أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْحُرُوف حَدثنَا سعيد بن يحيى الْأمَوِي قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا ابْن جريج عَن عبد الله بن أبي مليكَة " عَن أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا ذكرت أَو كلمة غَيرهَا قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ َ - بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين يقطع قِرَاءَته آيَة آيَة " وَأخرجه أَحْمد حَدثنَا يحيى بن سعيد الْأمَوِي إِلَى آخِره نَحوه وَلَفظه " أَنَّهَا سُئِلت عَن قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَت كَانَ يقطع آيَة آيَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين " (قلت) لَيْسَ فِيهِ حجَّة للخصم لِأَن فِيهِ ذكرهَا قِرَاءَة النَّبِي ﷺ َ - كَيفَ كَانَت وَبَيَان ترتيله وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الصَّلَاة (فَإِن قلت) قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْمعرفَة قَالَ الْبُوَيْطِيّ فِي كِتَابه أَخْبرنِي غير وَاحِد عَن حَفْص بن غياث عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ َ - " أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ إِذا قَرَأَ بِأم الْقُرْآن بَدَأَ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم يعدها آيَة ثمَّ قَرَأَ الْحَمد لله رب الْعَالمين يعدها سِتّ آيَات " (قلت) قَالَ الطَّحَاوِيّ فِي كتاب الرَّد على الْكَرَابِيسِي لم يسمع ابْن أبي مليكَة هَذَا الحَدِيث من أم سَلمَة وَالَّذِي يروي عَن ابْن أبي مليكَة عَن يعلى بن مَالك عَن أم سَلمَة هُوَ الْأَصَح وَلِهَذَا أسْندهُ التِّرْمِذِيّ من جِهَة يعلى وَقَالَ غَرِيب حسن صَحِيح لِأَن فِيهِ ذكر قِرَاءَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من أم سَلمَة نعت مِنْهَا لقِرَاءَة رَسُول الله ﷺ َ - لسَائِر الْقُرْآن كَيفَ كَانَت وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ يقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَالْعجب من الْبَيْهَقِيّ أَنه ذكر حَدِيث يعلى فِي بَاب ترتيل الْقِرَاءَة وَتَركه فِي بَاب الدَّلِيل على أَن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم آيَة تَامَّة من الْفَاتِحَة لكَونه لَا يُوَافق مَقْصُوده وَلِأَن فِيهِ بَيَان عِلّة حَدِيثه وَالْعجب ثمَّ الْعجب مِنْهُ رُوِيَ هَذَا من عمر بن هَارُون وألان القَوْل فِيهِ وَقَالَ وَرَوَاهُ عمر بن هَارُون الْبَلْخِي وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ وَذكره فِي بَاب لَا شُفْعَة فِيمَا ينْقل أَنه ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ ثمَّ أَن كَانَ الْعد بِلِسَانِهِ فِي الصَّلَاة فَذَلِك منَاف للصَّلَاة وَإِن كَانَ بأصابعه فَلَا يدل على أَنَّهَا آيَة من الْفَاتِحَة قَالَه الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصر السّنَن وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث ابْن الْمُبَارك عَن ابْن جريج عَن أَبِيه عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي السَّبع المثاني قَالَ هِيَ فَاتِحَة الْكتاب قَرَأَهَا ابْن عَبَّاس بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم سبعا فَقلت لأبي أخْبرك سعيد عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم آيَة من كتاب الله قَالَ نعم ثمَّ قَالَ قَرَأَهَا ابْن عَبَّاس فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا وَأخرجه الطَّحَاوِيّ عَن أبي بكرَة عَن أبي عَاصِم عَن ابْن جريج عَن أَبِيه عَن سعيد بن جُبَير عَن عبد الله بن عَبَّاس " وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني قَالَ فَاتِحَة الْكتاب ثمَّ قَرَأَ ابْن عَبَّاس بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقَالَ هِيَ الْآيَة السَّابِعَة " قَالَ وَقَرَأَ على سعيد بن جُبَير كَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ ابْن عَبَّاس (قلت) الْجَواب: أَولا أَن فِي إِسْنَاده عبد الْعَزِيز بن جريج وَالِد عبد الْملك وَقد قَالَ البُخَارِيّ حَدِيثه لَا يُتَابع عَلَيْهِ. وَثَانِيا أَنه لَا يُعَارضهُ مَا يدل على خِلَافه وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا نَهَضَ من الثَّانِيَة استفتح بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين " رَوَاهُ مُسلم والطَّحَاوِي وَهَذَا دَلِيل صَرِيح على أَن الْبَسْمَلَة لَيست من الْفَاتِحَة إِذْ لَو كَانَت مِنْهَا لقرأها فِي الثَّانِيَة مَعَ الْفَاتِحَة (فَإِن قلت) روى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك عَن عبد الله بن عَمْرو بن حسان عَن شريك عَن سَالم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " قَالَ الْحَاكِم إِسْنَاده صَحِيح وَلَيْسَ لَهُ عِلّة (قلت) هَذَا غير صَرِيح وَلَا صَحِيح أما أَنه غير صَرِيح فَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنه فِي الصَّلَاة وَأما أَنه غير صَحِيح فَلِأَن عبد الله بن عَمْرو بن حسان كَانَ يضع الحَدِيث قَالَه إِمَام الصَّنْعَة عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بِشَيْء كَانَ يكذب (فَإِن قلت) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي الصَّلْت الْهَرَوِيّ واسْمه عبد السَّلَام بن صَالح حَدثنَا عباد بن الْعَوام حَدثنَا شريك عَن سَالم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يجْهر فِي الصَّلَاة بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " (قلت) هَذَا أَضْعَف من الأول فَإِن أَبَا الصَّلْت مَتْرُوك وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ عِنْدِي بصدوق وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ رَافِضِي خَبِيث روى الْبَزَّار فِي
стр. 1537
مُسْنده عَن الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان حَدثنَا إِسْمَاعِيل عَن أبي خَالِد عَن ابْن عَبَّاس " أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي الصَّلَاة " وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَالتِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بِهَذَا السَّنَد وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَكلهمْ قَالُوا فِيهِ كَانَ يفْتَتح صلَاته بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (قلت) قَالَ الْبَزَّار إِسْمَاعِيل لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث وَقَالَ التِّرْمِذِيّ لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ وَقَالَ أَبُو دَاوُد حَدِيث ضَعِيف وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي كِتَابه وَأعله بِإِسْمَاعِيل هَذَا وَقَالَ حَدِيثه غير مَحْفُوظ وَأَبُو خَالِد مَجْهُول وَلَا يَصح فِي الْجَهْر بالبسملة حَدِيث مُسْند وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق عمر بن حَفْص الْمَكِّيّ عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس " أَن النَّبِي ﷺ َ - لم يزل يجْهر فِي السورتين بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم حَتَّى قبض " (قلت) هَذَا لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ فَإِن عمر بن حَفْص هَذَا ضَعِيف وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي التَّحْقِيق أَجمعُوا على تَركه وَأما حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأخْرجهُ الْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي المتَوَكل بن أبي السرى قَالَ " صليت خلف الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان من الصَّلَوَات مَا لَا أحصيها الصُّبْح وَالْمغْرب فَكَانَ يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قبل فَاتِحَة الْكتاب وَبعدهَا قَالَ الْمُعْتَمِر مَا آلو أَن أقتدي بِصَلَاة أبي وَقَالَ أبي مَا آلو أَن أقتدي بِصَلَاة أنس وَقَالَ أنس مَا أكره أَن أقتدي بِصَلَاة رَسُول الله ﷺ َ - (قلت) الْجَواب أَن هَذَا معَارض بِمَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي مُخْتَصره وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه عَن أنس " أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ يسر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي الصَّلَاة " وَزَاد ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو بكر وَعمر فِي الصَّلَاة (فَإِن قلت) روى الْحَاكِم من طَرِيق آخر عَن مُحَمَّد بن أبي السرى حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي أويس حَدثنَا مَالك عَن حميد عَن أنس قَالَ " صليت خلف النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَكلهمْ كَانُوا يجهرون بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " قَالَ الْحَاكِم وَإِنَّمَا ذكرته شَاهدا (قلت) قَالَ الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصره أما يستحي الْحَاكِم أَن يُورد فِي كِتَابه مثل هَذَا الحَدِيث الْمَوْضُوع فَأَنا أشهد بِاللَّه وَالله إِنَّه لكذب وَقَالَ ابْن عبد الْهَادِي سقط مِنْهُ لَا وَقد روى الْحَاكِم عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم حَدِيثا آخر عَن أنس أَنه قَالَ صلى مُعَاوِيَة بِالْمَدِينَةِ صَلَاة فجهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَبَدَأَ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الحَدِيث مطولا وَفِيه مقَال كثير وروى الْخَطِيب أَيْضا عَن ابْن أبي دَاوُد عَن ابْن أخي ابْن وهب عَن عَمه عَن الْعمريّ وَمَالك وَابْن عُيَيْنَة عَن حميد عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ َ - " كَانَ يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي الْفَرِيضَة " وَجَوَابه مَا قَالَه ابْن عبد الْهَادِي سقط مِنْهُ لَا كَمَا رَوَاهُ الباغندي وَغَيره عَن ابْن أخي ابْن وهب هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأما حَدِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن سعيد بن عُثْمَان الخراز حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سعد الْمُؤَذّن حَدثنَا قطر بن خَليفَة عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ وعمار " أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يجْهر فِي المكتوبات بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَا أعلم فِي رُوَاته مَنْسُوبا إِلَى الْجرْح (قلت) قَالَ الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصره هَذَا خبر واه كَأَنَّهُ مَوْضُوع لِأَن عبد الرَّحْمَن صَاحب مَنَاكِير ضعفه ابْن معِين وَسَعِيد إِن كَانَ الكريزي فَهُوَ ضَعِيف وَإِلَّا فَهُوَ مَجْهُول وَقَالَ ابْن عبد الْهَادِي هَذَا حَدِيث بَاطِل وَأما حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأخْرجهُ البوشنجي " كَانَ للنَّبِي ﷺ َ - سكتتان سكتة إِذا فرغ من الْقِرَاءَة وسكتة إِذا قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " فَأنْكر ذَلِك عمرَان بن حُصَيْن فَكَتَبُوا إِلَى أبي بن كَعْب فَكتب إِن صدق سَمُرَة قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ رجال إِسْنَاده ثِقَات وَصَححهُ أَبُو شامة وَغَيره (قلت) هَذَا لَا يدل على الْجَهْر بل هُوَ دَلِيل لنا على الْإخْفَاء وَأما حَدِيث عمار فقد ذَكرْنَاهُ مَعَ حَدِيث عَلَيْهِ ﵁ وَأما حَدِيث عبد الله بن عمر فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ حَدثنَا عمر بن الْحسن بن عَليّ الشَّيْبَانِيّ حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن مَرْوَان حَدثنَا أَبُو طَاهِر أَحْمد بن عِيسَى حَدثنَا ابْن أبي فديك عَن ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ " صليت خلف النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر وَعمر فَكَانُوا يجهرون بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " (قلت) هَذَا بَاطِل من هَذَا الْوَجْه لم يحدث بِهِ ابْن أبي فديك قطّ وَالْمُتَّهَم بِهِ أَحْمد بن عِيسَى أَبُو طَاهِر الْقرشِي وَقد كذبه الدَّارَقُطْنِيّ فَيكون كَاذِبًا فِي رِوَايَته عَن مثل هَذَا الثِّقَة وَشَيخ الدَّارَقُطْنِيّ ضَعِيف وَهُوَ أَيْضا ضعفه وَالْحسن بن عَليّ وجعفر بن مُحَمَّد تكلم فِيهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ لَا يحْتَج بِهِ وَله طَرِيق آخر عِنْد الْخَطِيب عَن عبَادَة بن زِيَاد الْأَسدي حَدثنَا يُونُس بن أبي يَعْفُور الْعَبْدي عَن الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان عَن أبي عُبَيْدَة عَن مُسلم بن حَيَّان قَالَ " صليت خلف ابْن عمر فجهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي السورتين فَقيل لَهُ فَقَالَ صليت خلف رَسُول الله
стр. 1538
- ﷺ َ - حَتَّى قبض وَخلف أبي بكر حَتَّى قبض وَخلف عمر حَتَّى قبض فَكَانُوا يجهرون بهَا فِي السورتين فَلَا أدع الْجَهْر بهَا حَتَّى أَمُوت " (قلت) هَذَا أَيْضا بَاطِل وَعبادَة بن زِيَاد بِفَتْح الْعين كَانَ من رُؤْس الشِّيعَة قَالَه أَبُو حَاتِم وَقَالَ الْحَافِظ مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي هُوَ مجمع على كذبه وَشَيْخه يُونُس بن يَعْفُور ضعفه النَّسَائِيّ وَابْن معِين وَقَالَ ابْن حبَان لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ عِنْدِي وَمُسلم بن حَيَّان مَجْهُول. وَأما حَدِيث النُّعْمَان بن بشير فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن يَعْقُوب بن يُوسُف ابْن زِيَاد الضَّبِّيّ حَدثنَا أَحْمد بن حَمَّاد الْهَمدَانِي عَن قطر بن خَليفَة عَن أبي الضُّحَى عَن النُّعْمَان بن بشير قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " أمني جِبْرِيل عِنْد الْكَعْبَة فجهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " (قلت) هَذَا حَدِيث مُنكر بل مَوْضُوع وَأحمد بن حَمَّاد ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَيَعْقُوب بن يُوسُف لَيْسَ بِمَشْهُور وسكوت الدَّارَقُطْنِيّ والخطيب وَغَيرهمَا من الْحفاظ عَن مثل هَذَا الحَدِيث بعد روايتهم لَهُ قَبِيح جدا. وَأما حَدِيث الحكم بن عُمَيْر فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن بشر الْكُوفِي حَدثنَا أَحْمد بن مُوسَى بن اسحق الْجمار حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن حبيب حَدثنَا مُوسَى بن أبي حبيب الطَّائِفِي عَن الحكم بن عُمَيْر وَكَانَ بَدْرِيًّا قَالَ " صليت خلف النَّبِي ﷺ َ - فجهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي صَلَاة اللَّيْل وَصَلَاة الْغَدَاة وَصَلَاة الْجُمُعَة " (قلت) هَذَا من الْأَحَادِيث الغريبة الْمُنكرَة بل هُوَ حَدِيث بَاطِل لِأَن الحكم بن عُمَيْر لَيْسَ بَدْرِيًّا وَلَا فِي الْبَدْرِيِّينَ أحد اسْمه الحكم بن عُمَيْر بل لَا تعرف لَهُ صُحْبَة لَهُ أَحَادِيث مُنكرَة وَقَالَ الذَّهَبِيّ الحكم بن عُمَيْر وَقيل عمر والثمالي الْأَزْدِيّ لَهُ أَحَادِيث ضَعِيفَة الْإِسْنَاد إِلَيْهِ ومُوسَى بن حبيب الرَّاوِي عَنهُ لم يلق صحابيا بل هُوَ مَجْهُول لَا يحْتَج بحَديثه وَذكر الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير الحكم بن عُمَيْر ثمَّ روى لَهُ بضعَة عشر حَدِيثا مُنْكرا وَإِبْرَاهِيم بن حبيب وهم فِيهِ الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيم بن اسحق الصيني وَوهم فِيهِ أَيْضا الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ الضَّبِّيّ بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة. وَأما حَدِيث مُعَاوِيَة فَأخْرجهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خَيْثَم أَن أَبَا بكر بن حَفْص بن عمر أخبرهُ أَن أنس بن مَالك قَالَ " صلى مُعَاوِيَة بِالْمَدِينَةِ صَلَاة فجهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَبَدَأَ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لأم الْقُرْآن وَلم يقْرَأ بهَا للسورة الَّتِي بعْدهَا حَتَّى قضى تِلْكَ الصَّلَاة وَلم يكبر حِين يهوي حَتَّى قضى تِلْكَ الصَّلَاة فَلَمَّا سلم ناداه من سمع ذَاك من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَمن كَانَ على مَكَان يَا مُعَاوِيَة أسرقت الصَّلَاة أم نسيت أَيْن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَأَيْنَ التَّكْبِير إِذا خفضت وَإِذا رفعت فَلَمَّا صلى بعد ذَلِك قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم للسورة الَّتِي بعد أم الْقُرْآن وَكبر حِين يهوي سَاجِدا " قَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ رُوَاته كلهم ثِقَات وَقد اعْتمد الشَّافِعِي على حَدِيث مُعَاوِيَة هَذَا فِي إِثْبَات الْجَهْر وَقَالَ الْخَطِيب هُوَ أَجود مَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب (قلت) مَدَاره على عبد الله بن عُثْمَان فَهُوَ وَإِن كَانَ من رجال مُسلم لكنه مُتَكَلم فِيهِ من يحيى أَحَادِيثه غير قَوِيَّة وَعَن النَّسَائِيّ لين الحَدِيث لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِيهِ وَعَن ابْن الْمَدِينِيّ مُنكر الحَدِيث وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ فَلَا يقبل مَا تفرد بِهِ مَعَ أَن إِسْنَاده مُضْطَرب بَيناهُ فِي شرح مَعَاني الْآثَار وَشرح سنَن أبي دَاوُد وَهُوَ أَيْضا شَاذ مُعَلل فَإِنَّهُ مُخَالف لما رَوَاهُ الثِّقَات الْأَثْبَات عَن أنس وَكَيف يرى أنس بِمثل حَدِيث مُعَاوِيَة هَذَا محتجا بِهِ وَهُوَ مُخَالف لما رَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - وَعَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَلم يعرف أحد من أَصْحَاب أنس المعروفين بِصُحْبَتِهِ أَنه نقل عَنهُ مثل ذَلِك وَمِمَّا يرد حَدِيث مُعَاوِيَة هَذَا أَن أنسا كَانَ مُقيما بِالْبَصْرَةِ وَمُعَاوِيَة لما قدم الْمَدِينَة لم يذكر أحد علمناه أَن أنسا كَانَ مَعَه بل الظَّاهِر أَنه لم يكن مَعَه وَأَيْضًا أَن مَذْهَب أهل الْمَدِينَة قَدِيما وحديثا ترك الْجَهْر بهَا وَمِنْهُم من لَا يرى قرَاءَتهَا أصلا قَالَ عُرْوَة بن الزبير أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة أدْركْت الْأَئِمَّة وَمَا يستفتحون الْقِرَاءَة إِلَّا بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَلَا يحفظ عَن أحد من أهل الْمَدِينَة بِإِسْنَاد صَحِيح أَنه كَانَ يجْهر بهَا إِلَّا بِشَيْء يسير وَله محمل وَهَذَا عَمَلهم يتوارثه آخِرهم عَن أَوَّلهمْ فَكيف يُنكرُونَ على مُعَاوِيَة مَا هُوَ سنتهمْ وَهَذَا بَاطِل وَأما حَدِيث بُرَيْدَة بن الْحصيب فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم فِي الإكليل " قَالَ لي رَسُول الله ﷺ َ - بِأَيّ شَيْء تفتتح الْقُرْآن إِذا افتتحت الصَّلَاة قَالَ قلت بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ هِيَ هِيَ " (قلت) أسانيده واهية عَن عمر بن شمر عَن الْجعْفِيّ وَمن حَدِيث إِبْرَاهِيم بن الْمَحْشَر وَأبي خَالِد الدلاني وَعبد الْكَرِيم أبي أُميَّة وَأما حَدِيث جَابر فَأخْرجهُ الْحَاكِم فِي الإكليل " قَالَ لي رَسُول الله ﷺ َ - كَيفَ تقْرَأ إِذا قُمْت فِي الصَّلَاة قلت أَقُول الْحَمد لله رب الْعَالمين قَالَ قل بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " (قلت) هَذَا لَا يدل على الْجَهْر
стр. 1539
وَأما حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأخْرجهُ الْحَافِظ البوشنجي " أَن النَّبِي ﷺ َ - صلى بهم الْمغرب وجهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " (قلت) فِي إِسْنَاده نظر وَأما حَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله فَأخْرجهُ الْحَاكِم فِي الإكليل من حَدِيث سُلَيْمَان بن مُسلم الْمَكِّيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن أبي ابْن مليكَة عَنهُ بِلَفْظ " من ترك من أم الْقُرْآن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فقد ترك آيَة من كتاب الله " (قلت) لَا يدل على الْجَهْر. وَأما حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف قَالَ " جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن آخذ من الْقُرْآن شَيْئا فعلمني مَا يجزيني مِنْهُ فَقَالَ بِسم الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر " (قلت) ضَعِيف وَلَا يدل على إِثْبَات الْجَهْر. وَأما حَدِيث أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَأخْرجهُ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الغافقي الأندلسي فِي كِتَابه المسلسل بِسَنَد فِيهِ مَجَاهِيل أَنه قَالَ " عَن النَّبِي ﷺ َ - عَن جِبْرِيل ﵊ عَن إسْرَافيل ﵊ عَن رب الْعِزَّة فَقَالَ من قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم مُتَّصِلَة بِفَاتِحَة الْكتاب فِي صلَاته غفرت ذنُوبه " (قلت) ضَعِيف وَلَا يدل على إِثْبَات الْجَهْر. وَأما حَدِيث مجَالد بن ثَوْر وَبشر بن مُعَاوِيَة فَأخْرجهُ الْخَطِيب بِسَنَد فِيهِ مَجْهُولُونَ أَنَّهُمَا كَانَا من الْوَفْد الَّذين قدمُوا على رَسُول الله ﷺ َ - فعلمهما يس وَقَرَأَ الْحَمد لله رب الْعَالمين والمعوذات الثَّلَاث وعلمهما الِابْتِدَاء بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم والجهر بهَا فِي الصَّلَاة. وَأما حَدِيث الْحُسَيْن بن عرفطة الْأَسدي فَأخْرجهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كتاب الْمُسْتَفَاد بِالنّظرِ وبالكتابة فِي معرفَة الصَّحَابَة قَالَ كَانَ اسْمه حسيلا فَسَماهُ سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - حُسَيْنًا ثمَّ ذكر بِسَنَد فِيهِ مَجَاهِيل أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لَهُ إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَقل بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين حَتَّى تختمها بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قل هُوَ الله أحد إِلَى آخرهَا. وَأما حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَأخْرجهُ البوشنجي بِإِسْنَادِهِ عَن أبي بردة عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (قلت) فِي إِسْنَاده نظر. وَأَحَادِيث الْجَهْر وَإِن كثرت رواتها فَكلهَا ضَعِيفَة وَأَحَادِيث الْجَهْر لَيست مخرجة فِي الصِّحَاح وَلَا فِي المسانيد الْمَشْهُورَة وَلم يرو أَكْثَرهَا إِلَّا الْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ فالحاكم قد عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة بل الْمَوْضُوعَة وَالدَّارَقُطْنِيّ فقد مَلأ كِتَابه من الْأَحَادِيث الغريبة والشاذة والمعللة وَكم فِيهِ من حَدِيث لَا يُوجد فِيهِ غَيره وَفِي رواتها الكذابون والضعفاء والمجاهيل الَّذين لَا يوجدون فِي كتب التواريخ وَلَا فِي كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل كعمرو بن شمر وَجَابِر بن الْجعْفِيّ وحصين بن مُخَارق وَعمر بن حَفْص الْمَكِّيّ وَعبد الله بن عَمْرو بن حسان وَأبي الصَّلْت الْهَرَوِيّ الملقب بجراب الْكَذِب وَعمر بن هَارُون الْبَلْخِي وَعِيسَى بن مَيْمُون الْمدنِي وَآخَرُونَ وَكَيف يجوز أَن يُعَارض بِرِوَايَة هَؤُلَاءِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أنس الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة الثِّقَات الْأَثْبَات وَمِنْهُم قَتَادَة الَّذِي كَانَ أحفظ أهل زَمَانه وَيَرْوِيه عَنهُ شُعْبَة الملقب بأمير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث وتلقاه الْأَئِمَّة بِالْقبُولِ وَهَذَا البُخَارِيّ مَعَ شدَّة تعصبه وفرط تحمله على مَذْهَب أبي حنيفَة لم يودع فِي صَحِيحه مِنْهَا حَدِيثا وَاحِدًا وَقد تَعب كثيرا فِي تَحْصِيل حَدِيث صَحِيح فِي الْجَهْر حَتَّى يُخرجهُ فِي صَحِيحه فَمَا ظفر بِهِ وَكَذَلِكَ مُسلم لم يذكر شَيْئا من ذَلِك وَلم يذكرَا فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيث أنس الدَّال على الْإخْفَاء (فَإِن قلت) أَنَّهُمَا لم يلتزما أَن يودعا فِي صَحِيحَيْهِمَا كل حَدِيث صَحِيح فيكونان قد تركا أَحَادِيث الْجَهْر فِي جملَة مَا تركاه من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة (قلت) هَذَا لَا يَقُوله إِلَّا كل مكابر أَو سخيف فَإِن مَسْأَلَة الْجَهْر من اعلام الْمسَائِل ومعضلات الْفِقْه وَمن أَكْثَرهَا دورانا فِي المناظرة وجولانا فِي المصنفات وَلَو حلف الشَّخْص بِاللَّه أيمانا مُؤَكدَة أَن البُخَارِيّ لَو اطلع على حَدِيث مِنْهَا مُوَافق لشرطه أَو قريب مِنْهُ لم يخل مِنْهُ كِتَابه وَلَإِنْ سلمنَا فَهَذَا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة مَعَ اشْتِمَال كتبهمْ على الْأَحَادِيث السقيمة والأسانيد الضعيفة لم يخرجُوا مِنْهَا شَيْئا فلولا أَنَّهَا واهية عِنْدهم بِالْكُلِّيَّةِ لما تركوها وَقد تفرد النَّسَائِيّ مِنْهَا بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة وَهُوَ أقوى مَا فِيهِ عِنْدهم وَقد بَينا ضعفه من وُجُوه. (فَإِن قلت) أَحَادِيث الْجَهْر تقدم على أَحَادِيث الْإخْفَاء بأَشْيَاء. مِنْهَا كَثْرَة الروَاة فَإِن أَحَادِيث الْإخْفَاء رَوَاهَا اثْنَان من الصَّحَابَة وهما أنس بن مَالك وَعبد الله بن مُغفل وَأَحَادِيث الْجَهْر فرواها أَكثر من عشْرين صحابيا كَمَا ذكرنَا. وَمِنْهَا أَن أَحَادِيث الْإخْفَاء شَهَادَة على نفي وَأَحَادِيث الْجَهْر شَهَادَة على إِثْبَات وَالْإِثْبَات مقدم على النَّفْي. وَمِنْهَا أَن أنسا قد رُوِيَ عَنهُ إِنْكَار ذَلِك فِي الْجُمْلَة
стр. 1540
فروى أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سعيد بن زيد أبي سَلمَة قَالَ سَأَلت أنسا أَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين قَالَ إِنَّك لتسألني عَن شَيْء مَا أحفظ أَو مَا سَأَلَني أحد قبلك قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إِسْنَاده صَحِيح (قلت) الْجَواب عَن الأول أَن الِاعْتِمَاد على كَثْرَة الروَاة إِنَّمَا تكون بعد صِحَة الدَّلِيل وَأَحَادِيث الْجَهْر لَيْسَ فِيهَا صَحِيح صَرِيح بِخِلَاف حَدِيث الْإخْفَاء فَإِنَّهُ صَحِيح صَرِيح ثَابت مخرجه فِي الصَّحِيح وَالْمَسَانِيد الْمَعْرُوفَة وَالسّنَن الْمَشْهُورَة مَعَ أَن جمَاعَة من الْحَنَفِيَّة لَا يرَوْنَ التَّرْجِيح بِكَثْرَة الروَاة. وَعَن الثَّانِي أَن هَذِه الشَّهَادَة وَإِن ظَهرت فِي صُورَة النَّفْي فَمَعْنَاه الْإِثْبَات على أَن هَذَا مُخْتَلف فِيهِ فَعِنْدَ الْبَعْض هما سَوَاء وَعند الْبَعْض النَّافِي مقدم على الْمُثبت وَعند الْبَعْض على الْعَكْس. وَعَن الثَّالِث أَن إِنْكَار أنس لَا يُقَاوم مَا ثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيح وَيحْتَمل أَن يكون أنس نسي فِي تِلْكَ الْحَال لكبر سنه وَقد وَقع مثل هَذَا كثيرا كَمَا سُئِلَ يَوْمًا عَن مَسْأَلَة فَقَالَ عَلَيْكُم بالْحسنِ فَاسْأَلُوهُ فَإِنَّهُ حفظ ونسينا وَكم مِمَّن حدث وَنسي وَيحْتَمل أَنه إِنَّمَا سَأَلَهُ عَن ذكرهَا فِي الصَّلَاة أصلا لَا عَن الْجَهْر بهَا وإخفائها (فَإِن قلت) يجمع بَين الْأَحَادِيث بِأَن يكون أنس لم يسمعهُ لبعده وَأَنه كَانَ صَبيا يَوْمئِذٍ (قلت) هَذَا مَرْدُود لِأَنَّهُ ﷺ َ - هَاجر إِلَى الْمَدِينَة ولأنس يَوْمئِذٍ عشر سِنِين وَمَات وَله عشرُون سنة فَكيف يتَصَوَّر أَن يكون صلى خَلفه عشر سِنِين فَلَا يسمعهُ يَوْمًا من الدَّهْر يجْهر هَذَا بعيد بل يَسْتَحِيل ثمَّ قد روى فِي زمن رَسُول الله ﷺ َ - فَكيف وَهُوَ رجل فِي زمن أبي بكر وَعمر وكهل فِي زمن عُثْمَان مَعَ تقدمه فِي زمانهم وَرِوَايَته للْحَدِيث وَقَالَ الْحَازِمِي فِي النَّاسِخ والمنسوخ إِن أَحَادِيث الْجَهْر وَإِن صحت فَهِيَ مَنْسُوخَة بِمَا أخبرنَا وسَاق من طَرِيق أبي دَاوُد حَدثنَا عباد بن مُوسَى حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن شريك عَن سَالم عَن سعيد بن جُبَير قَالَ " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم بِمَكَّة قَالَ وَكَانَ أهل مَكَّة يدعونَ مُسَيْلمَة الرَّحْمَن وَقَالُوا أَن مُحَمَّدًا يَدْعُو لَهُ الْيَمَامَة فَأمر رَسُول الله ﷺ َ - فأخفاها فَمَا جهر بهَا حَتَّى مَاتَ " (فَإِن قلت) هَذَا مُرْسل (قلت) نعم وَلكنه يتقوى بِفعل الْخُلَفَاء الرَّاشِدين لأَنهم كَانُوا أعرف بأواخر الْأُمُور وَالْعجب من صَاحب التَّوْضِيح كَيفَ يَقُول وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي الْجَهْر وَلم يرد تَصْرِيح بالإسرار عَن النَّبِي ﷺ َ - إِلَّا رِوَايَتَانِ أَحدهمَا عَن ابْن مُغفل وَهِي ضَعِيفَة وَالثَّانيَِة عَن أنس وَهِي معللة بِمَا أوجب سُقُوط الِاحْتِجَاج بهَا وَهل هَذَا إِلَّا من عدم البصيرة وفرط شدَّة العصبية الْبَاطِلَة وَقد عرفت فِيمَا مضى ظلم المتعصبين الَّذين عرفُوا الْحق وغمضوا أَعينهم عَنهُ وأعجب من هَذَا بَعضهم من الَّذين يَزْعمُونَ أَن لَهُم يدا طولى فِي هَذَا الْفَنّ كَيفَ يَقُول يتَعَيَّن الْأَخْذ بِحَدِيث من أَثْبَتَت الْجَهْر فَكيف يجترىء هَذَا ويصدر مِنْهُ هَذَا القَوْل الَّذِي تمجه الأسماع فَأَي حَدِيث صَحَّ فِي الْجَهْر عِنْده حَتَّى يَقُول هَذَا القَوْل النَّوْع الْخَامِس فِي كَونهَا من الْقُرْآن أم لَا وَفِي أَنَّهَا من الْفَاتِحَة أم لَا وَمن أول كل سُورَة أم لَا وَالصَّحِيح من مَذْهَب أَصْحَابنَا أَنَّهَا من الْقُرْآن لِأَن الْأمة أَجمعت على أَن مَا كَانَ مَكْتُوبًا بَين الدفتين بقلم الْوَحْي فَهُوَ من الْقُرْآن وَالتَّسْمِيَة كَذَلِك وَيَنْبَنِي على هَذَا أَن فرض الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة يتَأَدَّى بهَا عِنْد أبي حنيفَة إِذا قَرَأَهَا على قصد الْقِرَاءَة دون الثَّنَاء عِنْد بعض مَشَايِخنَا لِأَنَّهَا آيَة من الْقُرْآن وَقَالَ بَعضهم لَا يتَأَدَّى لِأَن فِي كَونهَا آيَة تَامَّة احْتِمَال فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه قَالَ مَا أنزل الله فِي الْقُرْآن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِلَّا فِي سُورَة النَّمْل وَحدهَا وَلَيْسَت بِآيَة تَامَّة وَإِنَّمَا الْآيَة من قَوْله ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ فَوَقع الشَّك فِي كَونهَا آيَة تَامَّة فَلَا يجوز بِالشَّكِّ وَكَذَلِكَ يحرم قرَاءَتهَا على الْجنب وَالْحَائِض وَالنُّفَسَاء على قصد الْقُرْآن أما على قِيَاس رِوَايَة الْكَرْخِي فَظَاهر لِأَن مَا دون الْآيَة يحرم عَلَيْهِم وَأما على رِوَايَة الطَّحَاوِيّ لاحْتِمَال أَنَّهَا آيَة تَامَّة فَيحرم عَلَيْهِم احْتِيَاطًا وَهَذَا القَوْل قَول الْمُحَقِّقين من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك وَدَاوُد وَأَتْبَاعه وَهُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد وَقَالَت طَائِفَة لَيست من الْقُرْآن إِلَّا فِي سُورَة النَّمْل وَهُوَ قَول مَالك وَبَعض الْحَنَفِيَّة وَبَعض الْحَنَابِلَة وَقَالَت طائف أَنَّهَا آيَة من كل سُورَة أَو بعض آيَة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور عَن الشَّافِعِي وَمن وَافقه وَقد نقل عَن الشَّافِعِي أَنَّهَا لَيست من أَوَائِل السُّور غير الْفَاتِحَة وَإِنَّمَا يستفتح بهَا فِي السُّور تبركا بهَا وَقَالَ الطَّحَاوِيّ لما ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ َ - ترك الْجَهْر بالبسملة ثَبت أَنَّهَا لَيست من الْقُرْآن وَلَو كَانَت من الْقُرْآن لوَجَبَ أَن يجْهر بهَا كَمَا يجْهر بِالْقُرْآنِ سواهَا أَلا يرى أَن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الَّتِي فِي النَّمْل يجب أَن يجْهر بهَا كَمَا يجْهر بغَيْرهَا من الْقُرْآن لِأَنَّهَا
стр. 1541
من الْقُرْآن وَثَبت أَن يُخَافت بهَا كَمَا يُخَافت بالتعوذ والافتتاح وَمَا أشبههَا وَقد رأيناها أَيْضا مَكْتُوبَة فِي فواتح السُّور فِي الْمُصحف فِي فَاتِحَة الْكتاب وَفِي غَيرهَا وَلما كَانَت فِي غير فَاتِحَة الْكتاب لَيست بِآيَة ثَبت أَيْضا أَنَّهَا فِي فَاتِحَة الْكتاب لَيست بِآيَة (فَإِن قلت) إِذا لم تكن قُرْآنًا لَكَانَ مدخلها فِي الْقُرْآن كَافِرًا (قلت) الِاخْتِلَاف فِيهَا يمْنَع من أَن تكون آيَة وَيمْنَع من تَكْفِير من يعدها من الْقُرْآن فَإِن الْكفْر لَا يكون إِلَّا بمخالفة النَّص وَالْإِجْمَاع فِي أَبْوَاب العقائد فَإِن قيل نَحن نقُول أَنَّهَا آيَة فِي غير الْفَاتِحَة فَكَذَلِك أَنَّهَا آيَة من الْفَاتِحَة (قلت) هَذَا قَول لم يقل بِهِ أحد وَلِهَذَا قَالُوا زعم الشَّافِعِي أَنَّهَا آيَة من كل سُورَة وَمَا سبقه إِلَى هَذَا القَوْل أحد لِأَن الْخلاف بَين السّلف إِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّهَا من الْفَاتِحَة أَو لَيست بِآيَة مِنْهَا وَلم يعدها أحد آيَة من سَائِر السُّور وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَنَّهَا آيَة من الْقُرْآن حَيْثُ كتبت وَأَنَّهَا مَعَ ذَلِك لَيست من السُّور بل كتبت آيَة فِي كل سُورَة وَلذَلِك تتلى آيَة مُفْردَة فِي أول كل سُورَة كَمَا تَلَاهَا النَّبِي ﷺ َ - حِين أنزلت عَلَيْهِ ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ وَعَن هَذَا قَالَ الشَّيْخ حَافظ الدّين النَّسَفِيّ وَهِي آيَة من الْقُرْآن أنزلت للفصل بَين السُّور وَعَن ابْن عَبَّاس كَانَ النَّبِي ﷺ َ - لَا يعرف فصل السُّورَة حَتَّى ينزل عَلَيْهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَفِي رِوَايَة لَا يعرف انْقِضَاء السُّورَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ إِنَّه على شَرط الشَّيْخَيْنِ (فَإِن قلت) لَو لم تكن من أول كل سُورَة لما قَرَأَهَا النَّبِي ﷺ َ - بالكوثر (قلت) لَا نسلم أَنه يدل على أَنَّهَا من أول كل سُورَة بل يدل على أَنَّهَا آيَة مُنْفَرِدَة وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا ورد فِي حَدِيث بَدْء الْوَحْي " فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ لَهُ اقْرَأ فَقَالَ مَا أَنا بقارىء ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ لَهُ اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق " فَلَو كَانَت الْبَسْمَلَة آيَة من أول كل سُورَة لقَالَ اقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم اقْرَأ باسم رَبك وَيدل على ذَلِك أَيْضا مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن عَيَّاش الْجُهَنِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " إِن سُورَة من الْقُرْآن شفعت لرجل حَتَّى غفر لَهُ وَهِي تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك " وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَلَو كَانَت الْبَسْمَلَة من أول كل سُورَة لافتتحها ﷺ َ - بذلك
٧٤٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ قَالَ حدَّثنا عُمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ. قَالَ حدَّثنا أبُو زُرْعَةَ قَالَ حدَّثنا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وبَيْنَ القِرَاءَةِ إسْكَاتَةً قَالَ أحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ بِأبِي وَأُمِّي يَا رسولَ الله إسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أقُولُ اللَّهُمَّ باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا باعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايايَ بالماءِ وَالثَّلْجِ والبَرَدِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الحَدِيث يتَضَمَّن أَنه ﷺ كَانَ يَقُول بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة هَذَا الدُّعَاء الْمَذْكُور، فَيصدق عَلَيْهِ القَوْل: بعد التَّكْبِير، وَهَذَا ظَاهر فِي رِوَايَة: مَا يَقُول بعد التَّكْبِير، وَأما على رِوَايَة مَا يقْرَأ بعد التَّكْبِير فَيحمل على معنى مَا يجمع بَين الدُّعَاء وَالْقِرَاءَة بعد التَّكْبِير، لِأَن أصل هَذَا اللَّفْظ الْجمع، وكل شَيْء جمعته فقد قرأته، وَمِنْه سمي الْقُرْآن قُرْآنًا لِأَنَّهُ جمع بَين الْقَصَص وَالْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد. والآيات والسور بَعْضهَا إِلَى بعض، وَقَول من قَالَ: لما كَانَ الدُّعَاء وَالْقِرَاءَة يقْصد بهما التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى، اسْتغنى بِذكر أَحدهمَا عَن الآخر كَمَا جَاءَ:
علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا
غير سديد، وَكَذَا قَول من قَالَ: دُعَاء الِافْتِتَاح يتَضَمَّن مُنَاجَاة الرب والإقبال عَلَيْهِ بالسؤال، وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة تَتَضَمَّن هَذَا الْمَعْنى، فظهرت الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين غير موجه، لِأَن الْمَقْصُود وجود الْمُنَاسبَة بَين التَّرْجَمَة وَحَدِيث الْبَاب لَا وجود الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري الْمَعْرُوف بالتبوذكي. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد ابْن زِيَاد الْعَبْدي أَبُو بشر الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع بن شبْرمَة الضَّبِّيّ الْكُوفِي.
стр. 1542
الرَّابِع: أَبُو زرْعَة، هُوَ عَمْرو بن جرير البَجلِيّ، وَاخْتلف فِي اسْمه فَقيل: هرم، وَقيل: عبد الله، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو، وَقيل: جرير. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي جَمِيع الْإِسْنَاد، وَهَذَا نَادِر فَلذَلِك اخْتَار البُخَارِيّ رِوَايَة عبد الْوَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: الإثنان الْأَوَّلَانِ من الروَاة بصريان، وَاثْنَانِ بعدهمَا كوفيان.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن نمير، وَعَن أبي كَامِل، وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أبي كَامِل الجحدري بِهِ، وَعَن أَحْمد بن أبي شُعَيْب الْخُزَاعِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن سُفْيَان عَنهُ مُخْتَصرا، وَفِي الطَّهَارَة عَن عَليّ بن حجر عَن جرير بِتَمَامِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد الطنافسي، وروى الْبَزَّار بِسَنَد جيد من حَدِيث خبيب بن سُلَيْمَان بن سَمُرَة عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فَلْيقل: اللَّهُمَّ باعد بيني وَبَين خطاياي كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن تصدعني بِوَجْهِك يَوْم الْقِيَامَة، اللَّهُمَّ نقني من الْخَطَايَا كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس، اللَّهُمَّ أحيني مُسلما وأمتني مُسلما) . وخبيب، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة: وَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَكَذَلِكَ وثق أَبَاهُ سُلَيْمَان، ورد ابْن الْقطَّان هَذَا الحَدِيث بِجَهْل حَالهمَا غير جيد، وَقَالَ الإشبيلي: الصَّحِيح فِي هَذَا فعل النَّبِي ﷺ ، يَعْنِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا أمره.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يسكت) ، بِفَتْح الْيَاء من: سكت يسكت سكُوتًا، ويروى: يسكت، بِضَم الْيَاء من أسكت يسكت إسكاتا. قَالَ الْكرْمَانِي: الْهمزَة للصيرورة. قلت: مَعْنَاهَا: صيرورة الشَّيْء إِلَى مَا اشتق مِنْهُ الْفِعْل، كأغد الْبَعِير أَي: صَار ذَا غُدَّة، وَمَعْنَاهُ هُنَا: يصير ذَا سكُوت، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الدُّخُول فِي الشَّيْء، تَقْدِيره: كَانَ يدْخل فِي السُّكُوت بَين التَّكْبِير وَبَين الْقِرَاءَة. قَوْله: (إسكاته) بِكَسْر الْهمزَة على وزن: إفعالة، قَالَ بَعضهم: إسكاتة من السُّكُوت. قلت: لَا بل من أسكت، وَالسُّكُوت من سكت، وَهَذَا الْوَزْن للمرة وَالنَّوْع من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَمن الْمُجَرّد يَجِيء على: سكتة، بِالْفَتْح للمرة، وبالكسر للنوع، وَالْأَصْل فِي الْمَزِيد فِيهِ من الثلاثي والرباعي الْمُجَرّد والمزيد أَن مصدرها إِذا كَانَ بِالتَّاءِ فالمرة وَالنَّوْع على مصدرها الْمُسْتَعْمل والفارق الْقَرَائِن نَحْو: استقامة ودحرجة وَاحِدَة أَو حَسَنَة، وَإِن لم يكن بِالتَّاءِ فلبناء على مصدره مزبدا فِيهِ التَّاء، نَحْو: انطلاقة وتدحرجة وَاحِدَة أَو حَسَنَة. وشذ قَوْلهم: أَتَيْته إتيانة، ولقيته لِقَاء، لِأَنَّهُمَا من الثلاثي الْمُجَرّد الَّذِي لَا تَاء فِي مصدره، إِذْ مصدرهما إتْيَان ولقاء. وَالْقِيَاس: إتية ولقية، وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ سكُوتًا يَقْتَضِي بعده كلَاما أَو قِرَاءَة مَعَ قصر الْمدَّة، وَأُرِيد بِهَذَا النَّوْع من السُّكُوت ترك رفع الصَّوْت بالْكلَام. ألَا ترَاهُ يَقُول: مَا تَقول فِي إسكاتك؟ وانتصاب إسكاته على أَنه مفعول مُطلق أما على رِوَايَة: يسكت، بِضَم الْيَاء فَظَاهر لِأَنَّهُ على الأَصْل، وَأما على رِوَايَة: يسكت، بِفَتْح الْيَاء فعلى خلاف الْقيَاس، لِأَن الْقيَاس سكُوتًا كَمَا جَاءَ بِالْعَكْسِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله أنبتكم من الأَرْض نباتا﴾ (نوح: ١٧) . وَالْقِيَاس: إنباتا. قَوْله: (أَحْسبهُ قَالَ هنيَّة) أَي: قَالَ أَبُو زرْعَة: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة بدل إسكاته: هنيَّة، هَذِه رِوَايَة عبد الْوَاحِد بن زِيَاد بِالظَّنِّ، وَرَوَاهُ جرير عِنْد مُسلم وَغَيره وَابْن فُضَيْل عِنْد ابْن مَاجَه وَغَيره بِلَفْظ: (سكت هنيَّة) ، بِغَيْر تردد وَإِنَّمَا اخْتَار البُخَارِيّ رِوَايَة عبد الْوَاحِد لوُقُوع التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ فِيهَا فِي جَمِيع وَأما هنيئة فَفِيهِ أوجه: الأول: بِضَم الْهَاء وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْهمزَة، وَقَالَ ابْن قرقول: كَذَا عِنْد الطَّبَرِيّ، وَلَا وَجه لَهُ، وَقَالَ: وَعند الْأصيلِيّ وَابْن الْحذاء وَابْن السكن: هنيهة، بِالْهَاءِ الْمَفْتُوحَة مَوضِع الْهمزَة، وَهُوَ الْوَجْه الثَّانِي: قلت: هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَرِوَايَة إِسْحَاق والْحميدِي فِي مسنديهما عَن جرير. الْوَجْه الثَّالِث: قَالَه النَّوَوِيّ، هنيَّة، بِضَم الْهَاء وَفتح النُّون وَتَشْديد الْيَاء بِغَيْر همزَة، وَمن همزها فقد أَخطَأ قلت: ذكر عِيَاض والقرطبي أَن أَكثر رُوَاة مُسلم بِالْهَمْزَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ أَصْلهَا: هنوة، فَلَمَّا صغرت صَارَت: هنيوة، فاجتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت الْوَاو يَاء، وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء. وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: هنيَّة هِيَ الْيَسِيرَة من الشَّيْء مَا كَانَ.
قَوْله: (بِأبي وَأمي) الْبَاء تتَعَلَّق بِمَحْذُوف إِمَّا إسم: فَيكون تَقْدِيره: أَنْت مفدرى بِأبي وَأمي، وَإِمَّا فعل:
стр. 1543
فالتقدير: فديتك بِأبي، وَحذف تَخْفِيفًا لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال، وَعلم الْمُخَاطب بِهِ، وَفِيه تفدية الشَّارِع بِالْآبَاءِ والأمهات. وَهل يجوز تفدية غَيره من الْمُؤمنِينَ؟ فِيهِ مَذَاهِب أَصَحهَا: نعم بِلَا كَرَاهَة. وَثَانِيها: الْمَنْع، وَذَلِكَ خَاص بِهِ. وَثَالِثهَا: يجوز تفدية الْعلمَاء الصَّالِحين الأخيار دون غَيرهم. قَوْله: (إسكاتك) بِكَسْر الْهمزَة، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء وَلم يبين خَبره، وَالصَّحِيح أَنه بِالنّصب على أَنه مفعول: فعل، مُقَدّر أَي: أَسأَلك إسكاتك مَا تَقول فِيهِ؟ ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أَو مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، أَي: مَا تَقول فِي إسكاتك؟ وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي بِفَتْح الْهمزَة وَضم السِّين على الِاسْتِفْهَام، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي: (مَا تَقول فِي سكتتك بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة؟) وَلمُسلم: (أَرَأَيْت سكوتك؟) وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، وَمَعْنَاهُ: أَخْبرنِي سكوتك. قَوْله: (مَا تَقول؟) أَي: فِيهَا. قيل: السُّكُوت منَاف، لِلْقَوْلِ، فَكيف يَصح أَن يُقَال مَا تَقول فِي سكوتك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه اسْتدلَّ على أصل القَوْل بحركة الْفَم، كَمَا اسْتدلَّ بِهِ على قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الظّهْر وَالْعصر باضطراب اللِّحْيَة. قَوْله: (باعد) بِمَعْنى: أبعد، قَالَ الْكرْمَانِي: أخرجه إِلَى صِيغَة المفاعلة للْمُبَالَغَة. قلت: لم يقل أهل التصريف إلاّ للتكثير، نَحْو: ضاعفت، بِمَعْنى ضعفت. . وَفِي الْمُبَالغَة معنى التكثير. قَوْله: (خطاياي) ، جمع خطية كالعطايا جمع عَطِيَّة، يُقَال: خطأ فِي دينه خطأ إِذا أَثم فِيهِ، وَالْخَطَأ بِالْكَسْرِ الذَّنب وَالْإِثْم، وأصل خَطَايَا خطايىء، فقلبوا الْيَاء همزَة كَمَا فِي قبائل جمع قَبيلَة، فَصَارَ خطأيء بهمزتين، فقلبوا الثَّانِيَة يَاء فَصَارَ: خطائي، ثمَّ قلبت الْهمزَة يَاء مَفْتُوحَة فَصَارَت: خطايي، فقلبت الْيَاء فَصَارَ: خَطَايَا: إِن كَانَ يُرَاد بهَا اللاحقة فَمَعْنَاه إِذا قدر لي ذَنْب فباعد بيني وَبَينه، وَإِن كَانَ يُرَاد بهَا السَّابِقَة فَمَعْنَاه المحو والغفران، وَيُقَال: المُرَاد بالمباعدة محو مَا حصل مِنْهَا والعصمة عَمَّا سَيَأْتِي مِنْهَا، وَهَذَا مجَاز، لِأَن حَقِيقَة المباعدة إِنَّمَا هِيَ فِي الزَّمَان وَالْمَكَان. قَوْله: (كَمَا باعدت) كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: كتبعيدك بَين الْمشرق وَالْمغْرب، وَوجه الشّبَه أَن التقاء الْمشرق وَالْمغْرب لما كَانَ مستحيلاً شبه أَن يكون اقترابه من الذَّنب كاقتراب الْمشرق وَالْمغْرب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كرر لفظ: الْبَين، فِي قَوْله: (وباعد بيني وَبَين خطاياي) ، وَلم يُكَرر: بَين الْمشرق وَالْمغْرب، لِأَنَّهُ إِذا عطف على الْمُضمر الْمَجْرُور أُعِيد الْخَافِض. قلت: يرد عَلَيْهِ قَوْله: بَين التَّكْبِير وَبَين الْقِرَاءَة. قَوْله: (نقني) بتَشْديد الْقَاف وَهُوَ أَمر من: نقى ينقي تنقية، وَهُوَ مجَاز عَن إِزَالَة الذُّنُوب ومحو أَثَرهَا. قَوْله: (من الدنس) بِفَتْح النُّون وَهُوَ: الْوَسخ. قَوْله: (كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض) ، وَإِنَّمَا شبه بِهِ لِأَن الثَّوْب الْأَبْيَض أظهر من غَيره من الألوان. قَوْله: (وَالْبرد) بِفَتْح الرَّاء، وَهُوَ حب الْغَمَام. قَالَ الْكرْمَانِي: الْغسْل الْبَالِغ إِنَّمَا يكون بِالْمَاءِ الْحَار، فَلم ذكر كَذَلِك؟ فَأجَاب نَاقِلا عَن مُحي السّنة: مَعْنَاهُ طهرني من الذُّنُوب، وذكرهما مُبَالغَة فِي التَّطْهِير، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه أَمْثَال، وَلم يرد بهَا أَعْيَان هَذِه المسميات، وَإِنَّمَا أَرَادَ بهَا التوكيد فِي التَّطْهِير من الْخَطَايَا وَالْمُبَالغَة فِي محوها عَنهُ، والثلج وَالْبرد مَا أَن لم تمسهما الْأَيْدِي وَلم يمتهنهما اسْتِعْمَال، فَكَانَ ضرب الْمثل بهما أوكد فِي بَيَان معنى مَا أَرَادَهُ من تَطْهِير الثَّوْب. وَقَالَ التوربشتي: ذكر أَنْوَاع المطهرات الْمنزلَة من السَّمَاء الَّتِي لَا يُمكن حُصُول الطَّهَارَة الْكَامِلَة إلاّ بأحدها، بَيَانا لأنواع الْمَغْفِرَة الَّتِي لَا تخلص من الذُّنُوب إلاّ بهَا، أَي: طهرني بأنواع مغفرتك الَّتِي هِيَ فِي تمحيص الذُّنُوب بِمَثَابَة هَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة فِي إِزَالَة الأرجاس وَرفع الْأَحْدَاث. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يُمكن أَن يُقَال: ذكر الثَّلج وَالْبرد بعد ذكر المَاء لطلب شُمُول الرَّحْمَة بعد الْمَغْفِرَة والتركيب من بَاب: رَأَيْته مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا، أَي: إغسل خطاياي بِالْمَاءِ أَي: اغفرها، وزد على الغفران شُمُول الرَّحْمَة. طلب أَولا المباعدة بَينه وَبَين الْخَطَايَا، ثمَّ طلب تنقية مَا عَسى أَن يبْقى مِنْهَا شَيْء تنقية تَامَّة، ثمَّ سَأَلَ ثَالِثا بعد الغفران غَايَة الرَّحْمَة عَلَيْهِ بعد التَّخْلِيَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالْأَقْرَب أَن يَقُول: جعل الْخَطَايَا بِمَنْزِلَة نَار جَهَنَّم لِأَنَّهَا مستوجبة لَهَا بِحَسب وعد الشَّارِع، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم﴾ (الْجِنّ: ٢٣) . فَعبر عَن إطفاء حَرَارَتهَا بِالْغسْلِ تَأْكِيدًا فِي الإطفاء، وَبَالغ فِيهِ بِاسْتِعْمَال المبردات ترقيا عَن المَاء إِلَى أبرد مِنْهُ، وَهُوَ الثَّلج ثمَّ إِلَى أبرد من الثَّلج وَهُوَ الْبرد، بِدَلِيل جموده لِأَن مَا هُوَ أبرد فَهُوَ أجمد. وَأما تثليث الدَّعْوَات فَيحْتَمل أَن يكون نظرا إِلَى الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة، فالمباعدة للمستقبل والتنقية للْحَال وَالْغسْل للماضي.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: ذكر البُخَارِيّ لهَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب دَلِيل على أَنه يرى الاستفتاح بِهَذَا، وَقد اخْتلف النَّاس فِيمَا يستفتح بِهِ الصَّلَاة. فَأَبُو حنيفَة وَأحمد يريان الاستفتاح بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه. فَأَبُو دَاوُد
стр. 1544
عَن حُسَيْن بن عِيسَى: حَدثنَا طلق بن غَنَّام حَدثنَا عبد السَّلَام بن حَرْب الْملَائي عَن بديل بن ميسرَة عَن أبي الجوراء عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا استفتح الصَّلَاة قَالَ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك)) . وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث حَارِثَة بن أبي الرِّجَال: عَن عمْرَة عَن عَائِشَة؛ (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا استفتح الصَّلَاة قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ) إِلَى آخِره، نَحوه، وَأَبُو الجوراء، بِالْجِيم وَالرَّاء: واسْمه أَوْس بن عبد الله الربعِي الْبَصْرِيّ. فَإِن قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بالمشهور عَن عبد السَّلَام بن حَرْب، وَلم يروه إلاّ طلق بن غَنَّام، وَقد روى قصَّة الصَّلَاة جمَاعَة غير وَاحِد عَن بديل لم يذكرُوا فِيهِ شَيْئا من هَذَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث لَا نعرفه إلاّ من هَذَا الْوَجْه، وحارثة قد تكلم فِيهِ قلت: قد أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بِالْإِسْنَادِ: أَعنِي إِسْنَاد أبي دَاوُد وَإسْنَاد التِّرْمِذِيّ. وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَلَا أحفظ فِي قَوْله: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك) فِي الصَّلَاة أصح من هَذَا الحَدِيث. وَقد صَحَّ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَقُوله. ثمَّ أخرجه عَن الْأَعْمَش عَن الْأسود عَن عمر قَالَ: وَقد أسْندهُ بَعضهم عَن عمر وَلَا يَصح. وَأخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن عَبدة وَهُوَ ابْن أبي لبَابَة: أَن عمر بن الْخطاب كَانَ يجْهر بهؤلاء الْكَلِمَات يَقُول: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك) . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ وَعَبدَة: لَا يعرف لَهُ سَماع من عمر، وَإِنَّمَا سمع من ابْنه عبد الله، وَيُقَال: إِنَّه رأى عمر رُؤْيَة. وَقَالَ صَاحب (التَّنْقِيح) : وَإِنَّمَا أخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) لِأَنَّهُ سَمعه مَعَ غَيره. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كِتَابه (الْعِلَل) : وَقد رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن عبد الْملك بن حميد بن أبي غنية عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن الْأسود عَن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، وَخَالفهُ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فَرَوَاهُ عَن الْأسود عَن عمر. قَوْله: وَهُوَ الصَّحِيح، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة كبر ثمَّ يَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك، ثمَّ يَقُول: الله أكبر كَبِيرا، ثمَّ يَقُول: أعوذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزَة ونفخه ونفثه) . ثمَّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَعبد الله بن مَسْعُود وَعَائِشَة وَجَابِر وَجبير بن مطعم وَابْن عمر، ثمَّ قَالَ، وَحَدِيث أبي سعيد أشهر حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب. وَقد أَخذ قوم من أهل الْعلم بِهَذَا الحَدِيث. وَأما أَكثر أهل الْعلم فَقَالُوا: إِنَّمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك) ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أَكثر أهل الْعلم من التَّابِعين وَغَيرهم.
قلت: أما حَدِيث عَليّ فَأخْرجهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي أول كتاب (الْجَامِع) عَن اللَّيْث بن سعد عَن سعيد بن يزِيد عَن الْأَعْرَج عَن عبيد الله بن أبي رَافع عَن عَليّ بن أبي طَالب عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يجمع فِي أول صلَاته بَين: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وَبَين وجهت وَجْهي إِلَى آخرهما. قَالَ إِسْحَاق: وَالْجمع بَينهمَا أحب إِلَيّ. وَفِي كتاب (الْعِلَل) لِابْنِ أبي حَاتِم: سُئِلَ أَحْمد بن سَلمَة، أَي: عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: حَدِيث مَوْضُوع بَاطِل لَا أصل لَهُ، أرى أَن هَذَا من رِوَايَة خَالِد بن الْقَاسِم المدايني، وَقد كَانَ خرج إِلَى مصر فَسمع من اللَّيْث وَرجع إِلَى الْمَدَائِن فَسمع مِنْهُ النَّاس، فَكَانَ يُوصل الْمَرَاسِيل وَيَضَع لَهَا أَسَانِيد. فَخرج رجل من أهل الحَدِيث إِلَى مصر فَكتب، كتب اللَّيْث هُنَالك، ثمَّ قدم بهَا بَغْدَاد فعارضوا بِتِلْكَ الْأَحَادِيث، فَبَان لَهُم أَن أَحَادِيث خَالِد مفتعلة. وَقد روى مُسلم حَدِيث عَليّ مُنْفَردا بقوله: (وجهت وَجْهي) ، فَقَط أخرجه فِي التَّهَجُّد من رِوَايَة عبيد الله بن أبي رَافع عَن عَليّ بن أبي طَالب: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة قَالَ: وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا مُسلما وَمَا أَنا من الْمُشْركين إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شرك لَهُ، وَبِذَلِك أمرت وَأَنا من الْمُسلمين) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (وَأَنا أول الْمُسلمين) ، اللَّهُمَّ أَنْت الْملك لَا إِلَه إلاّ أَنْت) . الحَدِيث.
وَأما حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه من حَدِيث أبي الأحوض عَن عبد الله قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا افْتتح الصَّلَاة قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ... إِلَى آخِره.
وَأما حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
وَأما حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يستفتح الصَّلَاة، بسبحانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك) إِلَى آخِره، وَبعده ابْن قدامَة: رجال إِسْنَاده كلهم ثِقَات، وَطعن فِيهِ
стр. 1545
أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ.
وَأما حَدِيث جُبَير بن مطعم فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد عَن ابْن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه أَنه: رأى رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي صَلَاة، قَالَ عمر: وَلَا أَدْرِي أَي صَلَاة هِيَ، قَالَ: الله أكبر كَبِيرا الله أكبر كَبِيرا الله أكبر كَبِيرا وَالْحَمْد لله حمدا كثيرا وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا ثَلَاثًا، أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم من نفخه ونفثه وهمزه) .
وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر: عَن عبد الله بن عمر، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا افْتتح الصَّلَاة قَالَ: وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا. وَمَا أَنا من الْمُشْركين، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك، إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ، وَبِذَلِك أمرت وَأَنا أول الْمُسلمين) . وَقد ذكرنَا عَن مُسلم أَنه أخرج عَن عَليّ: (وجهت وَجْهي) إِلَى آخِره.
قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن أنس أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حميد عَن أنس، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا افْتتح الصَّلَاة كبر ثمَّ رفع يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِي بإبهاميه أُذُنَيْهِ ثمَّ يَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك) . ثمَّ قَالَ: وَرِجَال إِسْنَاده كلهم ثِقَات. وَعَن الحكم بن عُمَيْر الثمالِي أخرجه الطَّبَرَانِيّ عَنهُ، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنَا: إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فارفعوا أَيْدِيكُم وَلَا تخَالف آذانكم. ثمَّ قُولُوا: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك، وَإِن لم تَزِيدُوا على التَّكْبِير أجزاكم) وَعَن وَاثِلَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ (كَانَ يَقُول إِذا افْتتح الصَّلَاة: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك. .) إِلَى آخِره. وَعَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر بن الْخطاب: كَانَ النَّبِي، ﷺ ، إِذا كبر للصَّلَاة قَالَ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك. .) إِلَى آخِره، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْمَحْفُوظ أَنه مَوْقُوف على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى عَن قريب. وَاسْتحبَّ الشَّافِعِي الاستفتاح بِحَدِيث عَليّ من عِنْد مُسلم، وَقد مضى عَن قريب. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانَ ذَلِك فِي أول الْأَمر أَو النَّافِلَة. قلت: كَانَ فِي النَّافِلَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن مسلمة: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا قَامَ يُصَلِّي تَطَوّعا قَالَ: وجهت وَجْهي) إِلَى آخِره. وَلَكِن فِي (صَحِيح ابْن حبَان) : كَانَ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة. .) قَالَه، وَقَالَ ابْن قدامَة: الْعَمَل بِهِ مَتْرُوك، فَإنَّا لَا نعلم أحدا استفتح بِالْحَدِيثِ كُله، وَإِنَّمَا يستفتحون بأوله. وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (شرح الْمسند) : الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) أَنه يَأْتِي بِهَذِهِ الْأَذْكَار جَمِيعًا من أَولهَا إِلَى آخرهَا فِي الْفَرِيضَة والنافلة، وَأما الْمُزنِيّ فروى عَنهُ أَنه يَقُول: وجهت وَجْهي ... إِلَى قَوْله: من الْمُسلمين. قَالَ أَبُو يُوسُف: يجمع بَين قَول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وَبَين قَول: وجهت وَجْهي، وَهُوَ قَول أبي إِسْحَاق الْمروزِي وَأبي حَامِد الشافعيين. وَفِي (الْمُحِيط) : يسْتَحبّ قَول: وجهت وَجْهي قبل التَّكْبِير، وَقيل: لَا يسْتَحبّ لتطويل الْقيام مُسْتَقْبل الْقبْلَة من غير صَلَاة. وَقَالَ ابْن بطال: إِن الشَّافِعِي قَالَ: أحب للْإِمَام إِن يكون لَهُ سكتة بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة ليقْرَأ الْمَأْمُوم فِيهَا، ثمَّ قَالَ: وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة يرد الْعلَّة الَّتِي علل بهَا الشَّافِعِي هَذِه السكتة، لِأَن أَبَا هُرَيْرَة سَأَلَ الشَّارِع عَنْهَا، فَقَالَ: أَقُول: اللَّهُمَّ باعد ... إِلَى آخِره، وَلَو كَانَ ليقْرَأ من وَرَاء الإِمَام فِيهَا لذكر ذَلِك، فَبين أَن السكتة لغير مَا قَالَه الشَّافِعِي. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الَّذِي قَالَه عَن الشَّافِعِي غلط من أَصله، فَإِن الَّذِي استحبه الشَّافِعِي السكتة فِيهَا لأجل قِرَاءَة الْمَأْمُوم الْفَاتِحَة إِنَّمَا هِيَ السكتة الثَّالِثَة بعد قَوْله: آمين، ورده ابْن الْمُنِير أَيْضا بِأَنَّهُ: لَا يلْزم من كَونه أخبرهُ بِصفة مَا يَقُول أَن لَا يكون سَبَب السُّكُوت مَا ذكر، وَقيل: هَذَا النَّقْل من أَصله غير مَعْرُوف عَن الشَّافِعِي وَلَا عَن أَصْحَابه، إلاّ أَن الْغَزالِيّ قَالَ فِي (الْإِحْيَاء) : إِن الْمَأْمُوم يقْرَأ الْفَاتِحَة إِذا اشْتغل الإِمَام بِدُعَاء الِافْتِتَاح، وخولف فِي ذَلِك، بل أطلق الْمُتَوَلِي وَغَيره تَقْدِيم الْمَأْمُوم قِرَاءَة الْفَاتِحَة على الإِمَام. وَفِي وَجه إِن فرغها قبله بطلت صلَاته، وَالْمَعْرُوف أَن الْمَأْمُوم يقْرؤهَا إِذا سكت الإِمَام بَين الْفَاتِحَة وَالسورَة، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عِيَاض وَغَيره عَن الشَّافِعِي.
وَقد نَص الشَّافِعِي على أَن الْمَأْمُوم يَقُول دُعَاء الِافْتِتَاح كَمَا يَقُوله الإِمَام قلت: قَالَ الْمُزنِيّ: وَهُوَ فِي حق الإِمَام فَقَط، وَقَالَ بَعضهم: والسكتة الَّتِي بَين الْفَاتِحَة وَالسورَة ثَبت فِيهَا حَدِيث سَمُرَة عِنْد أبي دَاوُد وَغَيره. قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا إِسْمَاعِيل عَن يُونُس عَن الْحسن قَالَ: قَالَ سَمُرَة: حفظت سكتتين فِي الصَّلَاة، سكتة إِذا كبر الإِمَام حِين يقْرَأ، وسكتة إِذا فرغ من فَاتِحَة الْكتاب، وَسورَة عِنْد الرُّكُوع. قَالَ: فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهِ عمرَان بن الْحصين، قَالَ: فَكَتَبُوا فِي ذَلِك إِلَى الْمَدِينَة، إِلَى أبي، فَصدق سَمُرَة. قَوْله: (سكتة إِذا كبر الإِمَام)
следующие страницы →