Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
من الْقُرْآن وَثَبت أَن يُخَافت بهَا كَمَا يُخَافت بالتعوذ والافتتاح وَمَا أشبههَا وَقد رأيناها أَيْضا مَكْتُوبَة فِي فواتح السُّور فِي الْمُصحف فِي فَاتِحَة الْكتاب وَفِي غَيرهَا وَلما كَانَت فِي غير فَاتِحَة الْكتاب لَيست بِآيَة ثَبت أَيْضا أَنَّهَا فِي فَاتِحَة الْكتاب لَيست بِآيَة (فَإِن قلت) إِذا لم تكن قُرْآنًا لَكَانَ مدخلها فِي الْقُرْآن كَافِرًا (قلت) الِاخْتِلَاف فِيهَا يمْنَع من أَن تكون آيَة وَيمْنَع من تَكْفِير من يعدها من الْقُرْآن فَإِن الْكفْر لَا يكون إِلَّا بمخالفة النَّص وَالْإِجْمَاع فِي أَبْوَاب العقائد فَإِن قيل نَحن نقُول أَنَّهَا آيَة فِي غير الْفَاتِحَة فَكَذَلِك أَنَّهَا آيَة من الْفَاتِحَة (قلت) هَذَا قَول لم يقل بِهِ أحد وَلِهَذَا قَالُوا زعم الشَّافِعِي أَنَّهَا آيَة من كل سُورَة وَمَا سبقه إِلَى هَذَا القَوْل أحد لِأَن الْخلاف بَين السّلف إِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّهَا من الْفَاتِحَة أَو لَيست بِآيَة مِنْهَا وَلم يعدها أحد آيَة من سَائِر السُّور وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَنَّهَا آيَة من الْقُرْآن حَيْثُ كتبت وَأَنَّهَا مَعَ ذَلِك لَيست من السُّور بل كتبت آيَة فِي كل سُورَة وَلذَلِك تتلى آيَة مُفْردَة فِي أول كل سُورَة كَمَا تَلَاهَا النَّبِي ﷺ َ - حِين أنزلت عَلَيْهِ ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ وَعَن هَذَا قَالَ الشَّيْخ حَافظ الدّين النَّسَفِيّ وَهِي آيَة من الْقُرْآن أنزلت للفصل بَين السُّور وَعَن ابْن عَبَّاس كَانَ النَّبِي ﷺ َ - لَا يعرف فصل السُّورَة حَتَّى ينزل عَلَيْهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَفِي رِوَايَة لَا يعرف انْقِضَاء السُّورَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ إِنَّه على شَرط الشَّيْخَيْنِ (فَإِن قلت) لَو لم تكن من أول كل سُورَة لما قَرَأَهَا النَّبِي ﷺ َ - بالكوثر (قلت) لَا نسلم أَنه يدل على أَنَّهَا من أول كل سُورَة بل يدل على أَنَّهَا آيَة مُنْفَرِدَة وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا ورد فِي حَدِيث بَدْء الْوَحْي " فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ لَهُ اقْرَأ فَقَالَ مَا أَنا بقارىء ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ لَهُ اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق " فَلَو كَانَت الْبَسْمَلَة آيَة من أول كل سُورَة لقَالَ اقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم اقْرَأ باسم رَبك وَيدل على ذَلِك أَيْضا مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن عَيَّاش الْجُهَنِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " إِن سُورَة من الْقُرْآن شفعت لرجل حَتَّى غفر لَهُ وَهِي تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك " وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَلَو كَانَت الْبَسْمَلَة من أول كل سُورَة لافتتحها ﷺ َ - بذلك
٧٤٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ قَالَ حدَّثنا عُمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ. قَالَ حدَّثنا أبُو زُرْعَةَ قَالَ حدَّثنا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وبَيْنَ القِرَاءَةِ إسْكَاتَةً قَالَ أحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ بِأبِي وَأُمِّي يَا رسولَ الله إسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أقُولُ اللَّهُمَّ باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا باعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايايَ بالماءِ وَالثَّلْجِ والبَرَدِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الحَدِيث يتَضَمَّن أَنه ﷺ كَانَ يَقُول بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة هَذَا الدُّعَاء الْمَذْكُور، فَيصدق عَلَيْهِ القَوْل: بعد التَّكْبِير، وَهَذَا ظَاهر فِي رِوَايَة: مَا يَقُول بعد التَّكْبِير، وَأما على رِوَايَة مَا يقْرَأ بعد التَّكْبِير فَيحمل على معنى مَا يجمع بَين الدُّعَاء وَالْقِرَاءَة بعد التَّكْبِير، لِأَن أصل هَذَا اللَّفْظ الْجمع، وكل شَيْء جمعته فقد قرأته، وَمِنْه سمي الْقُرْآن قُرْآنًا لِأَنَّهُ جمع بَين الْقَصَص وَالْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد. والآيات والسور بَعْضهَا إِلَى بعض، وَقَول من قَالَ: لما كَانَ الدُّعَاء وَالْقِرَاءَة يقْصد بهما التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى، اسْتغنى بِذكر أَحدهمَا عَن الآخر كَمَا جَاءَ:
علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا
غير سديد، وَكَذَا قَول من قَالَ: دُعَاء الِافْتِتَاح يتَضَمَّن مُنَاجَاة الرب والإقبال عَلَيْهِ بالسؤال، وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة تَتَضَمَّن هَذَا الْمَعْنى، فظهرت الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين غير موجه، لِأَن الْمَقْصُود وجود الْمُنَاسبَة بَين التَّرْجَمَة وَحَدِيث الْبَاب لَا وجود الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري الْمَعْرُوف بالتبوذكي. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد ابْن زِيَاد الْعَبْدي أَبُو بشر الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع بن شبْرمَة الضَّبِّيّ الْكُوفِي.
стр. 1542
الرَّابِع: أَبُو زرْعَة، هُوَ عَمْرو بن جرير البَجلِيّ، وَاخْتلف فِي اسْمه فَقيل: هرم، وَقيل: عبد الله، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو، وَقيل: جرير. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي جَمِيع الْإِسْنَاد، وَهَذَا نَادِر فَلذَلِك اخْتَار البُخَارِيّ رِوَايَة عبد الْوَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: الإثنان الْأَوَّلَانِ من الروَاة بصريان، وَاثْنَانِ بعدهمَا كوفيان.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن نمير، وَعَن أبي كَامِل، وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أبي كَامِل الجحدري بِهِ، وَعَن أَحْمد بن أبي شُعَيْب الْخُزَاعِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن سُفْيَان عَنهُ مُخْتَصرا، وَفِي الطَّهَارَة عَن عَليّ بن حجر عَن جرير بِتَمَامِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد الطنافسي، وروى الْبَزَّار بِسَنَد جيد من حَدِيث خبيب بن سُلَيْمَان بن سَمُرَة عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فَلْيقل: اللَّهُمَّ باعد بيني وَبَين خطاياي كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن تصدعني بِوَجْهِك يَوْم الْقِيَامَة، اللَّهُمَّ نقني من الْخَطَايَا كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس، اللَّهُمَّ أحيني مُسلما وأمتني مُسلما) . وخبيب، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة: وَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَكَذَلِكَ وثق أَبَاهُ سُلَيْمَان، ورد ابْن الْقطَّان هَذَا الحَدِيث بِجَهْل حَالهمَا غير جيد، وَقَالَ الإشبيلي: الصَّحِيح فِي هَذَا فعل النَّبِي ﷺ ، يَعْنِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا أمره.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يسكت) ، بِفَتْح الْيَاء من: سكت يسكت سكُوتًا، ويروى: يسكت، بِضَم الْيَاء من أسكت يسكت إسكاتا. قَالَ الْكرْمَانِي: الْهمزَة للصيرورة. قلت: مَعْنَاهَا: صيرورة الشَّيْء إِلَى مَا اشتق مِنْهُ الْفِعْل، كأغد الْبَعِير أَي: صَار ذَا غُدَّة، وَمَعْنَاهُ هُنَا: يصير ذَا سكُوت، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الدُّخُول فِي الشَّيْء، تَقْدِيره: كَانَ يدْخل فِي السُّكُوت بَين التَّكْبِير وَبَين الْقِرَاءَة. قَوْله: (إسكاته) بِكَسْر الْهمزَة على وزن: إفعالة، قَالَ بَعضهم: إسكاتة من السُّكُوت. قلت: لَا بل من أسكت، وَالسُّكُوت من سكت، وَهَذَا الْوَزْن للمرة وَالنَّوْع من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَمن الْمُجَرّد يَجِيء على: سكتة، بِالْفَتْح للمرة، وبالكسر للنوع، وَالْأَصْل فِي الْمَزِيد فِيهِ من الثلاثي والرباعي الْمُجَرّد والمزيد أَن مصدرها إِذا كَانَ بِالتَّاءِ فالمرة وَالنَّوْع على مصدرها الْمُسْتَعْمل والفارق الْقَرَائِن نَحْو: استقامة ودحرجة وَاحِدَة أَو حَسَنَة، وَإِن لم يكن بِالتَّاءِ فلبناء على مصدره مزبدا فِيهِ التَّاء، نَحْو: انطلاقة وتدحرجة وَاحِدَة أَو حَسَنَة. وشذ قَوْلهم: أَتَيْته إتيانة، ولقيته لِقَاء، لِأَنَّهُمَا من الثلاثي الْمُجَرّد الَّذِي لَا تَاء فِي مصدره، إِذْ مصدرهما إتْيَان ولقاء. وَالْقِيَاس: إتية ولقية، وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ سكُوتًا يَقْتَضِي بعده كلَاما أَو قِرَاءَة مَعَ قصر الْمدَّة، وَأُرِيد بِهَذَا النَّوْع من السُّكُوت ترك رفع الصَّوْت بالْكلَام. ألَا ترَاهُ يَقُول: مَا تَقول فِي إسكاتك؟ وانتصاب إسكاته على أَنه مفعول مُطلق أما على رِوَايَة: يسكت، بِضَم الْيَاء فَظَاهر لِأَنَّهُ على الأَصْل، وَأما على رِوَايَة: يسكت، بِفَتْح الْيَاء فعلى خلاف الْقيَاس، لِأَن الْقيَاس سكُوتًا كَمَا جَاءَ بِالْعَكْسِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله أنبتكم من الأَرْض نباتا﴾ (نوح: ١٧) . وَالْقِيَاس: إنباتا. قَوْله: (أَحْسبهُ قَالَ هنيَّة) أَي: قَالَ أَبُو زرْعَة: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة بدل إسكاته: هنيَّة، هَذِه رِوَايَة عبد الْوَاحِد بن زِيَاد بِالظَّنِّ، وَرَوَاهُ جرير عِنْد مُسلم وَغَيره وَابْن فُضَيْل عِنْد ابْن مَاجَه وَغَيره بِلَفْظ: (سكت هنيَّة) ، بِغَيْر تردد وَإِنَّمَا اخْتَار البُخَارِيّ رِوَايَة عبد الْوَاحِد لوُقُوع التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ فِيهَا فِي جَمِيع وَأما هنيئة فَفِيهِ أوجه: الأول: بِضَم الْهَاء وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْهمزَة، وَقَالَ ابْن قرقول: كَذَا عِنْد الطَّبَرِيّ، وَلَا وَجه لَهُ، وَقَالَ: وَعند الْأصيلِيّ وَابْن الْحذاء وَابْن السكن: هنيهة، بِالْهَاءِ الْمَفْتُوحَة مَوضِع الْهمزَة، وَهُوَ الْوَجْه الثَّانِي: قلت: هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَرِوَايَة إِسْحَاق والْحميدِي فِي مسنديهما عَن جرير. الْوَجْه الثَّالِث: قَالَه النَّوَوِيّ، هنيَّة، بِضَم الْهَاء وَفتح النُّون وَتَشْديد الْيَاء بِغَيْر همزَة، وَمن همزها فقد أَخطَأ قلت: ذكر عِيَاض والقرطبي أَن أَكثر رُوَاة مُسلم بِالْهَمْزَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ أَصْلهَا: هنوة، فَلَمَّا صغرت صَارَت: هنيوة، فاجتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت الْوَاو يَاء، وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء. وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: هنيَّة هِيَ الْيَسِيرَة من الشَّيْء مَا كَانَ.
قَوْله: (بِأبي وَأمي) الْبَاء تتَعَلَّق بِمَحْذُوف إِمَّا إسم: فَيكون تَقْدِيره: أَنْت مفدرى بِأبي وَأمي، وَإِمَّا فعل:
стр. 1543
فالتقدير: فديتك بِأبي، وَحذف تَخْفِيفًا لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال، وَعلم الْمُخَاطب بِهِ، وَفِيه تفدية الشَّارِع بِالْآبَاءِ والأمهات. وَهل يجوز تفدية غَيره من الْمُؤمنِينَ؟ فِيهِ مَذَاهِب أَصَحهَا: نعم بِلَا كَرَاهَة. وَثَانِيها: الْمَنْع، وَذَلِكَ خَاص بِهِ. وَثَالِثهَا: يجوز تفدية الْعلمَاء الصَّالِحين الأخيار دون غَيرهم. قَوْله: (إسكاتك) بِكَسْر الْهمزَة، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء وَلم يبين خَبره، وَالصَّحِيح أَنه بِالنّصب على أَنه مفعول: فعل، مُقَدّر أَي: أَسأَلك إسكاتك مَا تَقول فِيهِ؟ ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أَو مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، أَي: مَا تَقول فِي إسكاتك؟ وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي بِفَتْح الْهمزَة وَضم السِّين على الِاسْتِفْهَام، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي: (مَا تَقول فِي سكتتك بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة؟) وَلمُسلم: (أَرَأَيْت سكوتك؟) وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، وَمَعْنَاهُ: أَخْبرنِي سكوتك. قَوْله: (مَا تَقول؟) أَي: فِيهَا. قيل: السُّكُوت منَاف، لِلْقَوْلِ، فَكيف يَصح أَن يُقَال مَا تَقول فِي سكوتك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه اسْتدلَّ على أصل القَوْل بحركة الْفَم، كَمَا اسْتدلَّ بِهِ على قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الظّهْر وَالْعصر باضطراب اللِّحْيَة. قَوْله: (باعد) بِمَعْنى: أبعد، قَالَ الْكرْمَانِي: أخرجه إِلَى صِيغَة المفاعلة للْمُبَالَغَة. قلت: لم يقل أهل التصريف إلاّ للتكثير، نَحْو: ضاعفت، بِمَعْنى ضعفت. . وَفِي الْمُبَالغَة معنى التكثير. قَوْله: (خطاياي) ، جمع خطية كالعطايا جمع عَطِيَّة، يُقَال: خطأ فِي دينه خطأ إِذا أَثم فِيهِ، وَالْخَطَأ بِالْكَسْرِ الذَّنب وَالْإِثْم، وأصل خَطَايَا خطايىء، فقلبوا الْيَاء همزَة كَمَا فِي قبائل جمع قَبيلَة، فَصَارَ خطأيء بهمزتين، فقلبوا الثَّانِيَة يَاء فَصَارَ: خطائي، ثمَّ قلبت الْهمزَة يَاء مَفْتُوحَة فَصَارَت: خطايي، فقلبت الْيَاء فَصَارَ: خَطَايَا: إِن كَانَ يُرَاد بهَا اللاحقة فَمَعْنَاه إِذا قدر لي ذَنْب فباعد بيني وَبَينه، وَإِن كَانَ يُرَاد بهَا السَّابِقَة فَمَعْنَاه المحو والغفران، وَيُقَال: المُرَاد بالمباعدة محو مَا حصل مِنْهَا والعصمة عَمَّا سَيَأْتِي مِنْهَا، وَهَذَا مجَاز، لِأَن حَقِيقَة المباعدة إِنَّمَا هِيَ فِي الزَّمَان وَالْمَكَان. قَوْله: (كَمَا باعدت) كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: كتبعيدك بَين الْمشرق وَالْمغْرب، وَوجه الشّبَه أَن التقاء الْمشرق وَالْمغْرب لما كَانَ مستحيلاً شبه أَن يكون اقترابه من الذَّنب كاقتراب الْمشرق وَالْمغْرب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كرر لفظ: الْبَين، فِي قَوْله: (وباعد بيني وَبَين خطاياي) ، وَلم يُكَرر: بَين الْمشرق وَالْمغْرب، لِأَنَّهُ إِذا عطف على الْمُضمر الْمَجْرُور أُعِيد الْخَافِض. قلت: يرد عَلَيْهِ قَوْله: بَين التَّكْبِير وَبَين الْقِرَاءَة. قَوْله: (نقني) بتَشْديد الْقَاف وَهُوَ أَمر من: نقى ينقي تنقية، وَهُوَ مجَاز عَن إِزَالَة الذُّنُوب ومحو أَثَرهَا. قَوْله: (من الدنس) بِفَتْح النُّون وَهُوَ: الْوَسخ. قَوْله: (كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض) ، وَإِنَّمَا شبه بِهِ لِأَن الثَّوْب الْأَبْيَض أظهر من غَيره من الألوان. قَوْله: (وَالْبرد) بِفَتْح الرَّاء، وَهُوَ حب الْغَمَام. قَالَ الْكرْمَانِي: الْغسْل الْبَالِغ إِنَّمَا يكون بِالْمَاءِ الْحَار، فَلم ذكر كَذَلِك؟ فَأجَاب نَاقِلا عَن مُحي السّنة: مَعْنَاهُ طهرني من الذُّنُوب، وذكرهما مُبَالغَة فِي التَّطْهِير، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه أَمْثَال، وَلم يرد بهَا أَعْيَان هَذِه المسميات، وَإِنَّمَا أَرَادَ بهَا التوكيد فِي التَّطْهِير من الْخَطَايَا وَالْمُبَالغَة فِي محوها عَنهُ، والثلج وَالْبرد مَا أَن لم تمسهما الْأَيْدِي وَلم يمتهنهما اسْتِعْمَال، فَكَانَ ضرب الْمثل بهما أوكد فِي بَيَان معنى مَا أَرَادَهُ من تَطْهِير الثَّوْب. وَقَالَ التوربشتي: ذكر أَنْوَاع المطهرات الْمنزلَة من السَّمَاء الَّتِي لَا يُمكن حُصُول الطَّهَارَة الْكَامِلَة إلاّ بأحدها، بَيَانا لأنواع الْمَغْفِرَة الَّتِي لَا تخلص من الذُّنُوب إلاّ بهَا، أَي: طهرني بأنواع مغفرتك الَّتِي هِيَ فِي تمحيص الذُّنُوب بِمَثَابَة هَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة فِي إِزَالَة الأرجاس وَرفع الْأَحْدَاث. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يُمكن أَن يُقَال: ذكر الثَّلج وَالْبرد بعد ذكر المَاء لطلب شُمُول الرَّحْمَة بعد الْمَغْفِرَة والتركيب من بَاب: رَأَيْته مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا، أَي: إغسل خطاياي بِالْمَاءِ أَي: اغفرها، وزد على الغفران شُمُول الرَّحْمَة. طلب أَولا المباعدة بَينه وَبَين الْخَطَايَا، ثمَّ طلب تنقية مَا عَسى أَن يبْقى مِنْهَا شَيْء تنقية تَامَّة، ثمَّ سَأَلَ ثَالِثا بعد الغفران غَايَة الرَّحْمَة عَلَيْهِ بعد التَّخْلِيَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالْأَقْرَب أَن يَقُول: جعل الْخَطَايَا بِمَنْزِلَة نَار جَهَنَّم لِأَنَّهَا مستوجبة لَهَا بِحَسب وعد الشَّارِع، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم﴾ (الْجِنّ: ٢٣) . فَعبر عَن إطفاء حَرَارَتهَا بِالْغسْلِ تَأْكِيدًا فِي الإطفاء، وَبَالغ فِيهِ بِاسْتِعْمَال المبردات ترقيا عَن المَاء إِلَى أبرد مِنْهُ، وَهُوَ الثَّلج ثمَّ إِلَى أبرد من الثَّلج وَهُوَ الْبرد، بِدَلِيل جموده لِأَن مَا هُوَ أبرد فَهُوَ أجمد. وَأما تثليث الدَّعْوَات فَيحْتَمل أَن يكون نظرا إِلَى الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة، فالمباعدة للمستقبل والتنقية للْحَال وَالْغسْل للماضي.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: ذكر البُخَارِيّ لهَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب دَلِيل على أَنه يرى الاستفتاح بِهَذَا، وَقد اخْتلف النَّاس فِيمَا يستفتح بِهِ الصَّلَاة. فَأَبُو حنيفَة وَأحمد يريان الاستفتاح بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه. فَأَبُو دَاوُد
стр. 1544
عَن حُسَيْن بن عِيسَى: حَدثنَا طلق بن غَنَّام حَدثنَا عبد السَّلَام بن حَرْب الْملَائي عَن بديل بن ميسرَة عَن أبي الجوراء عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا استفتح الصَّلَاة قَالَ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك)) . وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث حَارِثَة بن أبي الرِّجَال: عَن عمْرَة عَن عَائِشَة؛ (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا استفتح الصَّلَاة قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ) إِلَى آخِره، نَحوه، وَأَبُو الجوراء، بِالْجِيم وَالرَّاء: واسْمه أَوْس بن عبد الله الربعِي الْبَصْرِيّ. فَإِن قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بالمشهور عَن عبد السَّلَام بن حَرْب، وَلم يروه إلاّ طلق بن غَنَّام، وَقد روى قصَّة الصَّلَاة جمَاعَة غير وَاحِد عَن بديل لم يذكرُوا فِيهِ شَيْئا من هَذَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث لَا نعرفه إلاّ من هَذَا الْوَجْه، وحارثة قد تكلم فِيهِ قلت: قد أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بِالْإِسْنَادِ: أَعنِي إِسْنَاد أبي دَاوُد وَإسْنَاد التِّرْمِذِيّ. وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَلَا أحفظ فِي قَوْله: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك) فِي الصَّلَاة أصح من هَذَا الحَدِيث. وَقد صَحَّ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَقُوله. ثمَّ أخرجه عَن الْأَعْمَش عَن الْأسود عَن عمر قَالَ: وَقد أسْندهُ بَعضهم عَن عمر وَلَا يَصح. وَأخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن عَبدة وَهُوَ ابْن أبي لبَابَة: أَن عمر بن الْخطاب كَانَ يجْهر بهؤلاء الْكَلِمَات يَقُول: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك) . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ وَعَبدَة: لَا يعرف لَهُ سَماع من عمر، وَإِنَّمَا سمع من ابْنه عبد الله، وَيُقَال: إِنَّه رأى عمر رُؤْيَة. وَقَالَ صَاحب (التَّنْقِيح) : وَإِنَّمَا أخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) لِأَنَّهُ سَمعه مَعَ غَيره. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كِتَابه (الْعِلَل) : وَقد رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن عبد الْملك بن حميد بن أبي غنية عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن الْأسود عَن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، وَخَالفهُ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فَرَوَاهُ عَن الْأسود عَن عمر. قَوْله: وَهُوَ الصَّحِيح، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة كبر ثمَّ يَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك، ثمَّ يَقُول: الله أكبر كَبِيرا، ثمَّ يَقُول: أعوذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزَة ونفخه ونفثه) . ثمَّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَعبد الله بن مَسْعُود وَعَائِشَة وَجَابِر وَجبير بن مطعم وَابْن عمر، ثمَّ قَالَ، وَحَدِيث أبي سعيد أشهر حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب. وَقد أَخذ قوم من أهل الْعلم بِهَذَا الحَدِيث. وَأما أَكثر أهل الْعلم فَقَالُوا: إِنَّمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك) ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أَكثر أهل الْعلم من التَّابِعين وَغَيرهم.
قلت: أما حَدِيث عَليّ فَأخْرجهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي أول كتاب (الْجَامِع) عَن اللَّيْث بن سعد عَن سعيد بن يزِيد عَن الْأَعْرَج عَن عبيد الله بن أبي رَافع عَن عَليّ بن أبي طَالب عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يجمع فِي أول صلَاته بَين: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وَبَين وجهت وَجْهي إِلَى آخرهما. قَالَ إِسْحَاق: وَالْجمع بَينهمَا أحب إِلَيّ. وَفِي كتاب (الْعِلَل) لِابْنِ أبي حَاتِم: سُئِلَ أَحْمد بن سَلمَة، أَي: عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: حَدِيث مَوْضُوع بَاطِل لَا أصل لَهُ، أرى أَن هَذَا من رِوَايَة خَالِد بن الْقَاسِم المدايني، وَقد كَانَ خرج إِلَى مصر فَسمع من اللَّيْث وَرجع إِلَى الْمَدَائِن فَسمع مِنْهُ النَّاس، فَكَانَ يُوصل الْمَرَاسِيل وَيَضَع لَهَا أَسَانِيد. فَخرج رجل من أهل الحَدِيث إِلَى مصر فَكتب، كتب اللَّيْث هُنَالك، ثمَّ قدم بهَا بَغْدَاد فعارضوا بِتِلْكَ الْأَحَادِيث، فَبَان لَهُم أَن أَحَادِيث خَالِد مفتعلة. وَقد روى مُسلم حَدِيث عَليّ مُنْفَردا بقوله: (وجهت وَجْهي) ، فَقَط أخرجه فِي التَّهَجُّد من رِوَايَة عبيد الله بن أبي رَافع عَن عَليّ بن أبي طَالب: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة قَالَ: وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا مُسلما وَمَا أَنا من الْمُشْركين إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شرك لَهُ، وَبِذَلِك أمرت وَأَنا من الْمُسلمين) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (وَأَنا أول الْمُسلمين) ، اللَّهُمَّ أَنْت الْملك لَا إِلَه إلاّ أَنْت) . الحَدِيث.
وَأما حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه من حَدِيث أبي الأحوض عَن عبد الله قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا افْتتح الصَّلَاة قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ... إِلَى آخِره.
وَأما حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
وَأما حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يستفتح الصَّلَاة، بسبحانك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك) إِلَى آخِره، وَبعده ابْن قدامَة: رجال إِسْنَاده كلهم ثِقَات، وَطعن فِيهِ
стр. 1545
أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ.
وَأما حَدِيث جُبَير بن مطعم فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد عَن ابْن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه أَنه: رأى رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي صَلَاة، قَالَ عمر: وَلَا أَدْرِي أَي صَلَاة هِيَ، قَالَ: الله أكبر كَبِيرا الله أكبر كَبِيرا الله أكبر كَبِيرا وَالْحَمْد لله حمدا كثيرا وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا ثَلَاثًا، أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم من نفخه ونفثه وهمزه) .
وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر: عَن عبد الله بن عمر، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا افْتتح الصَّلَاة قَالَ: وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا. وَمَا أَنا من الْمُشْركين، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك، إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ، وَبِذَلِك أمرت وَأَنا أول الْمُسلمين) . وَقد ذكرنَا عَن مُسلم أَنه أخرج عَن عَليّ: (وجهت وَجْهي) إِلَى آخِره.
قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن أنس أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حميد عَن أنس، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا افْتتح الصَّلَاة كبر ثمَّ رفع يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِي بإبهاميه أُذُنَيْهِ ثمَّ يَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك) . ثمَّ قَالَ: وَرِجَال إِسْنَاده كلهم ثِقَات. وَعَن الحكم بن عُمَيْر الثمالِي أخرجه الطَّبَرَانِيّ عَنهُ، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنَا: إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فارفعوا أَيْدِيكُم وَلَا تخَالف آذانكم. ثمَّ قُولُوا: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك، وَإِن لم تَزِيدُوا على التَّكْبِير أجزاكم) وَعَن وَاثِلَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ (كَانَ يَقُول إِذا افْتتح الصَّلَاة: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك. .) إِلَى آخِره. وَعَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر بن الْخطاب: كَانَ النَّبِي، ﷺ ، إِذا كبر للصَّلَاة قَالَ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك. .) إِلَى آخِره، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْمَحْفُوظ أَنه مَوْقُوف على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى عَن قريب. وَاسْتحبَّ الشَّافِعِي الاستفتاح بِحَدِيث عَليّ من عِنْد مُسلم، وَقد مضى عَن قريب. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانَ ذَلِك فِي أول الْأَمر أَو النَّافِلَة. قلت: كَانَ فِي النَّافِلَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن مسلمة: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا قَامَ يُصَلِّي تَطَوّعا قَالَ: وجهت وَجْهي) إِلَى آخِره. وَلَكِن فِي (صَحِيح ابْن حبَان) : كَانَ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة. .) قَالَه، وَقَالَ ابْن قدامَة: الْعَمَل بِهِ مَتْرُوك، فَإنَّا لَا نعلم أحدا استفتح بِالْحَدِيثِ كُله، وَإِنَّمَا يستفتحون بأوله. وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (شرح الْمسند) : الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) أَنه يَأْتِي بِهَذِهِ الْأَذْكَار جَمِيعًا من أَولهَا إِلَى آخرهَا فِي الْفَرِيضَة والنافلة، وَأما الْمُزنِيّ فروى عَنهُ أَنه يَقُول: وجهت وَجْهي ... إِلَى قَوْله: من الْمُسلمين. قَالَ أَبُو يُوسُف: يجمع بَين قَول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وَبَين قَول: وجهت وَجْهي، وَهُوَ قَول أبي إِسْحَاق الْمروزِي وَأبي حَامِد الشافعيين. وَفِي (الْمُحِيط) : يسْتَحبّ قَول: وجهت وَجْهي قبل التَّكْبِير، وَقيل: لَا يسْتَحبّ لتطويل الْقيام مُسْتَقْبل الْقبْلَة من غير صَلَاة. وَقَالَ ابْن بطال: إِن الشَّافِعِي قَالَ: أحب للْإِمَام إِن يكون لَهُ سكتة بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة ليقْرَأ الْمَأْمُوم فِيهَا، ثمَّ قَالَ: وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة يرد الْعلَّة الَّتِي علل بهَا الشَّافِعِي هَذِه السكتة، لِأَن أَبَا هُرَيْرَة سَأَلَ الشَّارِع عَنْهَا، فَقَالَ: أَقُول: اللَّهُمَّ باعد ... إِلَى آخِره، وَلَو كَانَ ليقْرَأ من وَرَاء الإِمَام فِيهَا لذكر ذَلِك، فَبين أَن السكتة لغير مَا قَالَه الشَّافِعِي. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الَّذِي قَالَه عَن الشَّافِعِي غلط من أَصله، فَإِن الَّذِي استحبه الشَّافِعِي السكتة فِيهَا لأجل قِرَاءَة الْمَأْمُوم الْفَاتِحَة إِنَّمَا هِيَ السكتة الثَّالِثَة بعد قَوْله: آمين، ورده ابْن الْمُنِير أَيْضا بِأَنَّهُ: لَا يلْزم من كَونه أخبرهُ بِصفة مَا يَقُول أَن لَا يكون سَبَب السُّكُوت مَا ذكر، وَقيل: هَذَا النَّقْل من أَصله غير مَعْرُوف عَن الشَّافِعِي وَلَا عَن أَصْحَابه، إلاّ أَن الْغَزالِيّ قَالَ فِي (الْإِحْيَاء) : إِن الْمَأْمُوم يقْرَأ الْفَاتِحَة إِذا اشْتغل الإِمَام بِدُعَاء الِافْتِتَاح، وخولف فِي ذَلِك، بل أطلق الْمُتَوَلِي وَغَيره تَقْدِيم الْمَأْمُوم قِرَاءَة الْفَاتِحَة على الإِمَام. وَفِي وَجه إِن فرغها قبله بطلت صلَاته، وَالْمَعْرُوف أَن الْمَأْمُوم يقْرؤهَا إِذا سكت الإِمَام بَين الْفَاتِحَة وَالسورَة، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عِيَاض وَغَيره عَن الشَّافِعِي.
وَقد نَص الشَّافِعِي على أَن الْمَأْمُوم يَقُول دُعَاء الِافْتِتَاح كَمَا يَقُوله الإِمَام قلت: قَالَ الْمُزنِيّ: وَهُوَ فِي حق الإِمَام فَقَط، وَقَالَ بَعضهم: والسكتة الَّتِي بَين الْفَاتِحَة وَالسورَة ثَبت فِيهَا حَدِيث سَمُرَة عِنْد أبي دَاوُد وَغَيره. قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا إِسْمَاعِيل عَن يُونُس عَن الْحسن قَالَ: قَالَ سَمُرَة: حفظت سكتتين فِي الصَّلَاة، سكتة إِذا كبر الإِمَام حِين يقْرَأ، وسكتة إِذا فرغ من فَاتِحَة الْكتاب، وَسورَة عِنْد الرُّكُوع. قَالَ: فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهِ عمرَان بن الْحصين، قَالَ: فَكَتَبُوا فِي ذَلِك إِلَى الْمَدِينَة، إِلَى أبي، فَصدق سَمُرَة. قَوْله: (سكتة إِذا كبر الإِمَام)
стр. 1546
فِيهِ دَلِيل لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل، وَالْجُمْهُور إِنَّه يسْتَحبّ دُعَاء الِافْتِتَاح. وَقَالَ مَالك: لَا يسْتَحبّ دُعَاء الِافْتِتَاح بعد تَكْبِيرَة الإفتتاح. قَوْله: (وسكتة إِذا فرغ) ، أَي: عِنْد فرَاغ الإِمَام التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضعمام من فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَهَذِه السكتة ليقْرَأ من خلف الإِمَام وَلَا ينازعه فِي الْقِرَاءَة، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، وَعند أَصْحَابنَا: لَا يقْرَأ الْمُقْتَدِي خلف الإِمَام، فَتحمل هَذِه السكتة عندنَا على الْفَصْل بَين الْقِرَاءَة وَالرُّكُوع بالتأني وَترك الاستعجال بِالرُّكُوعِ بعد الْفَرَاغ من الْقِرَاءَة، وَلَكِن حد هَذِه السكتة قدر مَا يَقع بِهِ الْفَصْل بَين الْقِرَاءَة وَالرُّكُوع، حَتَّى إِذا طَال جدا، فَإِن كَانَ عمدا يكره، وَإِن كَانَ سَهوا يجب عَلَيْهِ سَجْدَة السَّهْو، لِأَن فِيهِ تَأْخِير الرُّكْن. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَكَذَا قَالَ حميد: وسكتة إِذا فرغ من الْقِرَاءَة، وَقد حمل الْبَعْض هَذِه السكتة على ترك رفع الصَّوْت بِالْقِرَاءَةِ دون السُّكُوت عَن الْقِرَاءَة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا القعْنبِي، قَالَ مَالك: لَا بَأْس بِالدُّعَاءِ فِي الصَّلَاة فِي أَوله وَفِي أوسطه وَفِي آخِره فِي الْفَرِيضَة وَغَيرهَا. قلت: وَكَذَا رُوِيَ عَن الشَّافِعِي، وَقَالَ الْبَغَوِيّ: وَبِأَيِّ دُعَاء من الْأَدْعِيَة الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب استفتح حصلت سنة الِافْتِتَاح، وَعِنْدنَا: لَا يستفتح إلاّ بسبحانك اللَّهُمَّ. . إِلَى آخِره، وَأما الْأَدْعِيَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب فَإِن أَرَادَ يَدْعُو بهَا فِي آخر صلَاته بعد الْفَرَاغ من التَّشَهُّد فِي الْفَرْض، وَأما بَاب النَّفْل فواسع، وكل مَا جَاءَ فِي هَذِه الْأَدْعِيَة فَمَحْمُول على صَلَاة اللَّيْل. وَقَالَ ابْن بطال: لَو كَانَت هَذِه السكتة فِيمَا واظب عَلَيْهِ الشَّارِع لنقلها أهل الْمَدِينَة عيَانًا وَعَملا، فَيحْتَمل أَنه ﷺ فعلهَا فِي وَقت ثمَّ تَركهَا، فَتَركهَا وَاسع. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : الحَدِيث ورد بِلَفْظ: (كَانَ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة) وبلفظ: (كَانَ إِذا قَامَ يُصَلِّي تَطَوّعا) . وبلفظ: (كَانَ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة قَالَه) . وَكَانَ، هُنَا يشْعر بالمداومة عَلَيْهِ قلت: إِذا ثبتَتْ المداومة يثبت الْوُجُوب، وَلم يقل بِهِ أحد.
٧٤٥ - ح دَّثنا ابنُ أبي مَرْيَمَ قَالَ أخبَرَنَا نافِعُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثني ابْن أبي مُلَيْكَةَ عَنْ أسْمَاءَ بنتِ أبِي بَكْرٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى صَلَاةَ الكُسُوفِ فقَامَ فأطالَ القِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فأطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قامَ فأطَالَ القِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثمَّ رفَعَ ثُمَّ سجَدَ فأطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ رَفَعَ ثمَّ سَجَدَ فأطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ قامَ فأطالَ القِيَامَ ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ فأطالَ القِيامَ ثُمَّ ركعَ فأطَالَ الركوعَ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجدَ فأطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ انصَرفَ فقالَ قَدْ دَنَتْ منِّي الجَنَّةُ حَتى لَوِ اجْتَرأتُ علَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا ودَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أيْ ربِّ أوَأنَا مَعَهُمْ فَإذَا امْرَأةٌ حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قُلْتُ مَا شَأنُ هَذِهِ قالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعا لَا أطْعَمَتْهَا وَلَا أرْسَلَتْهَا تَأكُلُ. قَالَ نافِعٌ حَسِبْتُ أنهُ قَالَ مِنْ خَشِيش الارْضِ أوْ خِشَاشِ (الحَدِيث ٧٤٥ طرفه فِي: ٢٣٦٤) .
لم يَقع بَين هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث الَّذِي قبله شَيْء من لَفْظَة: بَاب، مُجَرّدَة وَلَا بترجمة فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَأبي الْوَقْت، وَكَذَا لم يذكر أَبُو نعيم، وَلَا ذكره ابْن بطال فِي (شَرحه) . وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة لَفْظَة: بَاب، بِلَا تَرْجَمَة، وَكَذَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ لَفْظَة: بَاب، بِلَا تَرْجَمَة. ثمَّ على تَقْدِير عدم وُقُوع شَيْء من ذَلِك بَين الْحَدِيثين يطْلب من وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين التَّرْجَمَة، فَقَالَ بَعضهم: فعلى هَذَا مُنَاسبَة الحَدِيث غير ظَاهِرَة للتَّرْجَمَة قلت: ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (فَقَامَ فَأطَال الْقيام) . لِأَن إطالة النَّبِي ﷺ الْقيام بِحَسب الظَّاهِر كَانَت مُشْتَمِلَة على قِرَاءَة الدُّعَاء وَقِرَاءَة الْقُرْآن، وَقد علم أَن الدُّعَاء عقيب الِافْتِتَاح قبل الشُّرُوع فِي الْقِرَاءَة، فَصدق عَلَيْهِ: بَاب مَا يَقُول بعد التَّكْبِير، وَهِي مُطَابقَة ظَاهِرَة جدا. وَقد قَالَ الْكرْمَانِي: لما كَانَت قِرَاءَة دُعَاء الِافْتِتَاح مستلزمة لتطويل الْقيام، وَهَذَا فِيهِ تَطْوِيل الْقيام، ذكره هَهُنَا من جِهَة هَذِه الْمُنَاسبَة. قلت: هَذَا غير سديد، لِأَن التَّرْجَمَة: بَاب مَا يَقُول بعد التَّكْبِير، وَلَيْسَت فِي تَطْوِيل الْقيام، وَقَالَ بَعضهم: وَأحسن مِنْهُ مَا قَالَه ابْن رشيد: يحْتَمل أَن تكون الْمُنَاسبَة فِي قَوْله: (حَتَّى قلت إِي رب أوأنا مَعَهم؟) لِأَنَّهُ، وَإِن لم يكن فِيهِ دُعَاء فَفِيهِ مُنَاجَاة واستعطاف، فيجمعه مَعَ الَّذِي قبله جَوَاز دُعَاء الله ومناجاته بِكُل مَا فِيهِ خضوع، وَلَا يخْتَص بِمَا ورد فِي الْقُرْآن، خلافًا للحنفية. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام طائح، أما أَولا فَلِأَنَّهُ لَا يدل
стр. 1547
أصلا على الْمَقْصُود على مَا لَا يخفى على من لَهُ ذوق من طعم تراكيب الْكَلَام. وَأما ثَانِيًا فَلِأَن العَبْد يُنَاجِي ربه ويستعطفه وَهُوَ سَاكِت، ومقام الْمُنَاجَاة والاستعطاف يكون بِكُل ذكر يَلِيق لذاته وَصِفَاته. وَالْحَال أَن الله حث عبيده فِي غير مَوضِع من الْقُرْآن، وحث نبيه ﷺ فِي غير مَوضِع من حَدِيثه بِذكرِهِ ومدح الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَات، وكل ذَلِك بِاللِّسَانِ، وَهُوَ ترجمان الْقلب. وَمُجَرَّد الخضوع لَا يُغني عَن الذّكر، وَالْحسن فِي الخضوع مَعَ الذّكر. وَأما ثَالِثا فَكيف يَقُول: وَلَا يخْتَص بِمَا ورد فِي الْقُرْآن؟ أفيليق للْعَبد أَن يَقُول فِي صلَاته، وَهِي مَحل الْمُنَاجَاة والخضوع: اللَّهُمَّ اعطني ألف دِينَار مثلا؟ أَو: زَوجنِي امْرَأَة فلانية؟ وَهَذَا يُنَافِي الخضوع والخشوع؟ وَكَيف وَقد قَالَ ﷺ : (إِن صَلَاتنَا هَذِه لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس) الحَدِيث؛ وَأما على تَقْدِير وُقُوع لَفْظَة: بَاب، بَين الْحَدِيثين فَهِيَ بِمَنْزِلَة الْفَصْل من الْبَاب الَّذِي قبله، وَتَكون الْمُنَاسبَة بَينهمَا تعلقا مَا، وَالَّذِي ذكره الْكرْمَانِي هُوَ هَذَا التَّعَلُّق. فَافْهَم.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم ابْن أبي مَرْيَم الجُمَحِي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: نَافِع بن عمر ابْن عبد الله الجُمَحِي الْقرشِي، من أهل مَكَّة، ذكر الطَّبَرِيّ أَنه: مَاتَ بِمَكَّة سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي مليكَة. وَأَبُو بكر. وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد، وَاسم أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم: زُهَيْر بن عبد الله التَّيْمِيّ الْأَحول الْمَكِّيّ القَاضِي على عهد ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. الرَّابِع: أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، أم عبد الله بن الزبير، وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا: ذَات النطاقين، أُخْت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، مَاتَت بِمَكَّة سنة ثَلَاث وَسبعين، وَكَانَت بنت مائَة سنة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين، وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي، وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصحابية.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: إخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشّرْب عَن سعيد بن أبي مَرْيَم. قلت: أخرجه فِي: بَاب فضل سقِِي المَاء. حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم حَدثنَا نَافِع بن عمر عَن ابْن أبي مليكَة: (عَن أَسمَاء بنت أبي بكر: إِن النَّبِي ﷺ صلى صَلَاة الْكُسُوف، فَقَالَ: دنت مني النَّار حَتَّى قلت: إِي رب أوأنا مَعَهم؟ فَإِذا امْرَأَة حسبت أَنه قَالَ: تخدشها هرة، قَالَ: مَا شَأْن هَذِه؟ قَالُوا: حبستها حَتَّى مَاتَت جوعا) . انْتهى. فسنده بِعَين سَنَد حَدِيث هَذَا الْبَاب، إلاّ أَن فِي الْمَتْن اقتصارا وَبَعض اخْتِلَاف. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة: عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب عَن مُوسَى بن دَاوُد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحرز بن سَلمَة، ثَلَاثَتهمْ عَن نَافِع بن عمر عَن ابْن مليكَة بِهِ.
وَصَلَاة الْكُسُوف رويت عَن أَرْبَعَة وَعشْرين نفسا من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وهم: أَسمَاء بنت أبي بكر، أخرجه السِّتَّة خلا التِّرْمِذِيّ فاتفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ من رِوَايَة فَاطِمَة بنت الْمُنْذر عَن أَسمَاء بنت أبي بكر. وَأخرج أَبُو دَاوُد مِنْهُ فِي الْأَمر بالعتاقة فِي كسوف الشَّمْس، وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن أبي مليكَة عَن أَسمَاء بنت أبي بكر، وَرَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة صَفِيَّة بنت شيبَة عَن أَسمَاء. وَابْن عَبَّاس: أخرج حَدِيثه مُسلم عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد وَالتِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَالنَّسَائِيّ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَاتفقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس. وَعلي بن أبي طَالب: أخرج حَدِيثه أَحْمد من رِوَايَة حَنش عَنهُ. وَعَائِشَة: أخرج حَدِيثهَا الْأَئِمَّة السِّتَّة فَالْبُخَارِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَاتفقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر. وَأخرجه خلا التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة يُونُس بن يزِيد، وَرَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة شُعَيْب بن أبي حَمْزَة وعلقه البُخَارِيّ من رِوَايَة سُلَيْمَان بن كثير، وسُفْيَان بن حُسَيْن، سنتهمْ عَن الزُّهْرِيّ، وَقد وصل التِّرْمِذِيّ رِوَايَة سُفْيَان بن حُسَيْن، وَاتفقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة سُلَيْمَان بن يسَار عَن عُرْوَة، وَرَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة عبيد بن عُمَيْر، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن عبيد بن عُمَيْر عَن عَائِشَة. وَعبد الله بن عَمْرو: أخرج حَدِيثه البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن عبد الله بن عَمْرو، وَله حَدِيث آخر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب
стр. 1548
عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو وَسكت عَلَيْهِ. والنعمان بن بشير: أخرج حَدِيثه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي قلَابَة عَن النُّعْمَان بن بشير. والمغيرة بن شُعْبَة: أخرج حَدِيثه الشَّيْخَانِ من رِوَايَة زِيَاد بن علاقَة. وَأَبُو مَسْعُود: أخرج حَدِيثه الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة قيس بن أبي حَازِم، قَالَ: سَمِعت أَبَا مَسْعُود ... الحَدِيث. وَأَبُو بكرَة: أخرج حَدِيثه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة الْحسن عَن أبي بكرَة. وَسمرَة بن جُنْدُب: أخرج حَدِيثه أَصْحَاب السّنَن من رِوَايَة ثَعْلَبَة ابْن عباد، بِكَسْر الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة. وَابْن مَسْعُود: أخرج حَدِيثه أَحْمد من طَرِيق ابْن إِسْحَاق. وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أخرج حَدِيثه الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر عَن ابْن عمر. وَقبيصَة الْهِلَالِي: أخرج حَدِيثه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي قلَابَة عَنهُ. وَجَابِر: أخرج حَدِيثه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة هِشَام الدستوَائي عَن ابي الزبير عَن جَابر. وَأَبُو مُوسَى: أخرج حَدِيثه الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة يزِيد ابْن عبد الله. وَعبد الرَّحْمَن، بن سَمُرَة: أخرج حَدِيثه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَأبي بن كَعْب: أخرج حَدِيثه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة أبي حَفْص الرَّازِيّ. وبلال: أخرج حَدِيثه الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى عَن بِلَال. وَحُذَيْفَة: أخرج حَدِيثه الْبَزَّار من رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي ليلى. ومحمود بن لبيد: أخرج حَدِيثه أَحْمد من رِوَايَة عَاصِم بن عَمْرو بن قَتَادَة عَنهُ. وَأَبُو الدَّرْدَاء: أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة زِيَاد بن صَخْر عَنهُ. وَأَبُو هُرَيْرَة: أخرج حَدِيثه النَّسَائِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. وَأم سُفْيَان: أخرج حَدِيثهَا الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن عَنْهَا. وَعقبَة بن عَامر: أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) بِلَفْظ: (لما توفّي إِبْرَاهِيم ﵇، كسفت الشَّمْس) الحَدِيث.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (صَلَاة الْكُسُوف) ، روى جمَاعَة أَن الْكُسُوف يكون فِي الشَّمْس وَالْقَمَر، وروى جمَاعَة فيهمَا: بِالْخَاءِ، وروى جمَاعَة: فِي الشَّمْس بِالْكَاف وَفِي الْقَمَر بِالْخَاءِ، وَالْكثير فِي اللُّغَة، وَهُوَ اخْتِيَار الْفراء: أَن يكون الْكُسُوف للشمس والخسوف للقمر. يُقَال: كسفت الشَّمْس، وكسفها الله وانكسفت، وَخسف الْقَمَر وخسفه الله وانخسف. وَذكر ثَعْلَب فِي (الفصيح) : انكسفت الشَّمْس وَخسف الْقَمَر أَجود الْكَلَام. وَفِي (التَّهْذِيب) لأبي مَنْصُور: خسف الْقَمَر وخسفت الشَّمْس: إِذا ذهب ضوؤها. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى: خسف الْقَمَر وكسف وَاحِد: ذهب ضوؤه وَقيل: الْكُسُوف أَن يكسف ببعضهما، والخسوف أَن يخسف بكلهما. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ (الْقَصَص: ٨١) . وَقَالَ ابْن حبيب فِي (شرح الْمُوَطَّأ) : الْكُسُوف تغير اللَّوْن والخسوف انخسافهما، وَكَذَلِكَ تَقول فِي عين الْأَعْوَر: إِذا انخسفت وَغَارَتْ فِي جفن الْعين وَذهب نورها وضوؤها. وَقَالَ الْقَزاز: وكسف الشَّمْس وَالْقَمَر تكسف كسوفا فَهِيَ كاسفة، وكسفت فَهِيَ مكسوفة، وَقوم يَقُولُونَ: انكسفت، وَهُوَ غلط. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: والعامة تَقول: إنكسفت، وَفِي (الْمُحكم) : كسفها الله وأكسفها. وَالْأول أَعلَى. وَالْقَمَر كَالشَّمْسِ. وَقَالَ اليزيدي: كسف الْقَمَر وَهُوَ يخسف خسوفا فَهُوَ خسف وخسيف وخاسف، وانخسف انخسافا. قَالَ: وانخسف أَكثر فِي أَلْسِنَة النَّاس. وَفِي (شرح الفصيح) : كسفت الشَّمْس أَي: اسودت فِي رَأْي الْعين من ستر الْقَمَر إِيَّاهَا عَن الْأَبْصَار، وَبَعْضهمْ يَقُول: كسفت على مَا لم يسم فَاعله، وانكسفت. قَوْله: (ثمَّ انْصَرف) أَي: من الصَّلَاة بعد أَن فرغ مِنْهَا على هَذِه الْهَيْئَة. قَوْله: (دنت) أَي: قربت من الدنو. قَوْله: (لَو اجترأت) من الجراءة، وَهُوَ الجسارة، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يكن مَأْذُونا من عِنْد الله بِأَخْذِهِ. قَوْله: (بقطاف) ، بِكَسْر الْقَاف: قَالَ الْجَوْهَرِي: القطف، بِالْكَسْرِ: العنقود، وبجمعه جَاءَ الْقُرْآن. ﴿قطوفها﴾ ، والقطاف، بِالْكَسْرِ وبالفتح: وَقت القطف، بِالْفَتْح. يُقَال: قطفت الْعِنَب قطفا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: القطف، بِالْكَسْرِ: اسْم لكل مَا يقطف، كالذبح والطحن، وَيجمع على: قطاف وقطوف، وَأكْثر الْمُحدثين يرويهِ بِفَتْح الْقَاف، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْكَسْرِ. قَوْله: (أوَأَنَا مَعَهم؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام بعْدهَا وَاو عاطفة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وبحذف الْهمزَة فِي رِوَايَة كَرِيمَة. وَهِي مقدرَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: عطف: الْوَاو، على مُقَدّر بعد الْهمزَة، يدل عَلَيْهِ السِّيَاق، وَلم يبين ذَلِك وَلَا غَيره الَّذِي أَخذ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (وَأَنا فيهم) . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَالصَّحِيح: (أوَأنا مَعَهم) قَوْله: (فَإِذا امْرَأَة) كلمة إِذا، للمفاجأة، فتختص بالجمل الإسمية، وَلَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب، وَمَعْنَاهَا الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال، نَحْو: خرجت فَإِذا الْأسد بِالْبَابِ. قَوْله: (حسبت أَنه قَالَ)
стр. 1549
جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله: (امْرَأَة) ، وَبَين قَوْله: (تخدشها) أَي: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: حسبت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ، هَكَذَا. فسره الْكرْمَانِي. وَقَالَ غَيره: قَائِل ذَلِك هُوَ نَافِع بن عمر رَاوِي الحَدِيث، وَالضَّمِير فِي: أَنه، لِابْنِ أبي مليكَة، وَذكر أَن الْإِسْمَاعِيلِيّ بَينه كَذَا. (قَوْله: (تخدشها) من الخدش، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: وَهُوَ خدش الْجلد وقشره بِعُود أَو نَحوه، وَهُوَ من بَاب: ضرب يضْرب. قَوْله: (هرة) بِالرَّفْع فَاعل لقَوْله: (تخدشها) . قَوْله: (لَا أطعمتها) أَي: لَا أطعمت المرأةُ الْهِرَّة، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (لَا هِيَ أطعمتها) ، بالضمير الرَّاجِع إِلَى الْمَرْأَة. قَوْله: (تَأْكُل) ، من الْأَحْوَال المنتظرة. قَوْله: (قَالَ نَافِع) وَهُوَ: ابْن عمر رَاوِي الحَدِيث. قَوْله: (حسبت أَنه قَالَ) فَاعل: حسبت، هُوَ نَافِع، وَالضَّمِير فِي: أَنه، يرجع إِلَى ابْن أبي مليكَة. قَوْله: (من خشيش الأَرْض أَو خشَاش الأَرْض) كَذَا وَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة بِالشَّكِّ، و: الخشيش، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: وَهُوَ حشرات الأَرْض وهوامها، والخشاش، بِكَسْر الْخَاء: هُوَ الحشرات أَيْضا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: تَأْكُل من خشَاش الأَرْض. وَفِي رِوَايَة: من خشيشها، وَهِي بِمَعْنَاهُ. ويروى بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ: يَابِس النَّبَات، وَهُوَ وهم. وَقيل: إِنَّمَا هُوَ خشيش، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة تَصْغِير: خشَاش، على الْحَذف أَو: خشيش، بِغَيْر حذف. وَقَالَ الْخطابِيّ لَيْسَ بِشَيْء، وَإِنَّمَا هُوَ الخشاش مَفْتُوحَة الْحَاء وَهُوَ: حشرات الأَرْض.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه الأول: أَن صَلَاة الْكُسُوف أجمع الْعلمَاء على أَنَّهَا سنة وَلَيْسَت بواجبة وَهُوَ الْأَصَح، وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا: إِنَّهَا وَاجِبَة لِلْأَمْرِ بهَا، وَنَصّ فِي الْأَسْرَار على وُجُوبهَا. قلت: الْأَمر فِيهَا هُوَ قَوْله ﷺ : (إِذا رَأَيْتُمْ شَيْئا من هَذِه الأفزاع فافزعوا إِلَى الصَّلَاة) . وثبوتها بِالْكتاب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا﴾ (الْإِسْرَاء: ٥٩) ، والكسوف آيَة من آيَات الله تَعَالَى يخوف الله بِهِ عباده ليتركوا الْمعاصِي ويرجعوا إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى الَّتِي فِيهَا فوزهم، وبالسنة وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ، وبالإجماع: فَإِن الْأمة قد اجْتمعت عَلَيْهَا من غير إِنْكَار من أحد.
الْوَجْه الثَّانِي: أَن يُصَلِّي بهَا فِي الْمَسْجِد الْجَامِع: أَو فِي مصلى الْعِيد، قَالَه الطَّحَاوِيّ: وَقَالَت الشَّافِعِيَّة والحنابلة: السّنة فِي الْمَسْجِد لِأَن النَّبِي ﷺ فعلهَا فِيهِ، وَلِأَن وَقت الْكُسُوف يضيق عَن الْخُرُوج إِلَى الْمصلى.
الْوَجْه الثَّالِث: فِي وَقت أَدَائِهَا فَأَما أَولهَا فوقت يجوز فِيهِ أَدَاء النَّافِلَة، وَفِيه خلاف يَأْتِي وَآخِرهَا، فَعَن مَالك: لَا يُصَلِّي بعد الزَّوَال، رَوَاهُ ابْن الْقَاسِم. وَفِي رِوَايَة ابْن وهب: يُصَلِّي وَإِن زَالَت الشَّمْس، وَعنهُ: لَا يُصَلِّي بعد الْعَصْر، وَمذهب أبي حنيفَة أَن طلعت مكسوفة لَا يُصَلِّي حَتَّى يدْخل وَقت الْجَوَاز، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبِه أَقُول خلافًا للشَّافِعِيّ. وَفِي (الْمُحِيط) : لَا يُصَلِّي فِي الْأَوْقَات الثَّلَاثَة، وَذكر ابْن عمر فِي الاستذكار، قَالَ اللَّيْث بن سعد: حججْت سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة، وعَلى الْمَوْسِم سُلَيْمَان بن هِشَام، وبمكة شرفها الله عَطاء بن أبي رَبَاح وَابْن شهَاب وَابْن أبي مليكَة وَعِكْرِمَة بن خَالِد وَعَمْرو بن شُعَيْب وَأَيوب بن مُوسَى، وكسفت الشَّمْس بعد الْعَصْر، فَقَامُوا قيَاما يدعونَ الله فِي الْمَسْجِد، فَقلت لأيوب: مَا لَهُم لَا يصلونَ؟ فَقَالَ: النَّهْي قد جَاءَ عَن الصَّلَاة بعد الْعَصْر فَلذَلِك لَا يصلونَ، إِنَّمَا يذكرُونَ حَتَّى تنجلي الشَّمْس، وَهُوَ مَذْهَب الْحسن بن أبي الْحسن وَابْن علية وَالثَّوْري، وَقَالَ إِسْحَاق: يصلونَ بعد الْعَصْر مَا لم تصفر الشَّمْس، وَبعد صَلَاة الصُّبْح، وَلَا يصلونَ فِي الْأَوْقَات الثَّلَاثَة، فَلَو كسفت عِنْد الْغُرُوب لم يصل إِجْمَاعًا، وَقَالَ ابْن قدامَة: إِذا كَانَ الْكُسُوف فِي غير وَقت صَلَاة جعل بمَكَان الصَّلَاة شرعا هَذَا ظَاهر الْمَذْهَب، لِأَن النَّافِلَة لَا تفعل أَوْقَات النَّهْي، سَوَاء كَانَ لَهَا سَبَب أَو لم يكن، رُوِيَ ذَلِك عَن الْحسن وَأبي بكر بن مُحَمَّد بن عمر بن حزم وَأبي حنيفَة وَمَالك وَأبي ثَوْر، وَنَصّ عَلَيْهِ أَحْمد، روى قَتَادَة قَالَ: انكسفت الشَّمْس وَنحن بِمَكَّة، شرفها الله تَعَالَى، بعد الْعَصْر فَقَامُوا قيَاما يدعونَ، فَسَأَلت عَطاء عَن ذَلِك، فَقَالَ: هَكَذَا يصنعون. وروى إِسْمَاعِيل بن سعد عَن أَحْمد: أَنهم يصلونها فِي أَوْقَات النَّهْي، قَالَ أَبُو بكر بن عبد الْعَزِيز: وبالأول أَقُول، وَهَذَا أظهر الْقَوْلَيْنِ.
الْوَجْه الرَّابِع: فِي صفتهَا، وَهِي كَهَيئَةِ النَّافِلَة عندنَا بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة مثل صَلَاة الْفجْر وَالْجُمُعَة فِي كل رَكْعَة رُكُوع وَاحِد، وَبِه قَالَ النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَابْن أبي ليلى، وَهُوَ مَذْهَب عبد الله بن الزبير، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن ابْن عمر وَأبي بكرَة وَسمرَة بن جُنْدُب وَعبد الله بن عَمْرو، وَقبيصَة الْهِلَالِي والنعمان بن بشير وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة، وَعند الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد وَأبي ثَوْر وعلماء الْحجاز: صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ، فِي كل رَكْعَة
стр. 1550
ركوعان وسجودان، وَعَن أَحْمد وَإِسْحَاق. فِي كل رَكْعَة ثَلَاث ركوعات وَاحْتج الشَّافِعِي وَمن مَعَه بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة فِي كتبهمْ على مَا سَيَأْتِي فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَحَدِيث: الثَّلَاث ركوعات فِي كل رَكْعَة أخرجه مُسلم عَن عَطاء عَن جَابر، (قَالَ: كسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ فصلى سِتّ رَكْعَات بِأَرْبَع سَجدَات) . وَذكر فِي (الْخُلَاصَة الغزالية) إِذا انكسفت الشَّمْس فِي وَقت مَكْرُوه أَو غير مَكْرُوه، وَنُودِيَ: الصَّلَاة جَامِعَة، وَصلى الإِمَام بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِد رَكْعَتَيْنِ، وَركع فِي كل رَكْعَة ركوعين وأوائلها أطول من أواخرها، ثمَّ ذكر قِرَاءَة الطوَال الْأَرْبَع فِي أول الْقُرْآن فِي الْقيام الْأَرْبَع، ثمَّ قَالَ: ويسبح فِي الرُّكُوع الأول قدر مائَة آيَة، وَفِي الثَّانِي قدر ثَمَانِينَ، وَفِي الثَّالِث قدر سبعين، وَفِي الرَّابِع قدر خمسين آيَة. وَعند طَاوُوس بن كيسَان وحبِيب ابْن أبي ثَابت وَعبد الْملك بن جريج: صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ فِي كل رَكْعَة أَربع ركوعات وسجدتان، ويحكى هَذَا عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث ابْن عَبَّاس، أخرجه مُسلم عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ : أَنه صلى فِي كسوف قَرَأَ ثمَّ ركع ثمَّ قَرَأَ ثمَّ ركع ثمَّ قَرَأَ ثمَّ ركع ثمَّ قَرَأَ ثمَّ ركع ثمَّ سجد. قَالَ: وَالْأُخْرَى مثلهَا. وَقَالَ قَتَادَة وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر: صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ فِي كل رَكْعَة ثَلَاث ركوعات وسجدتان وَعند سعيد بن جُبَير وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي رِوَايَة، وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَبَعض الشَّافِعِيَّة: لَا تَوْقِيت فِي الرُّكُوع فِي صَلَاة الْكُسُوف بل يُطِيل أبدا يرْكَع وَيسْجد إِلَى أَن تنجلي الشَّمْس. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: قَالَ بعض أهل الْعلم: إِنَّمَا ذَلِك على حسب مكث الْكُسُوف، فَمَا طَال مكثه زَاد تَكْرِير الرُّكُوع فِيهِ، وَمَا قصر اقْتصر فِيهِ وَمَا توَسط اقتصد فِيهِ. قَالَ: وَإِلَى هَذَا نحى الْخطابِيّ وَابْن رَاهَوَيْه وَغَيرهمَا، وَقد يعْتَرض عَلَيْهِ بِأَن طولهَا ودوامها لَا يعلم فِي أول الْحَال وَلَا فِي الرَّكْعَة الأولى.
وأصحابنا احْتَجُّوا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيث عبد الله بن عَمْرو، وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل: عَن عَطاء بن السَّائِب عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: (انكسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وسلمد فَقَامَ رَسُول الله ﷺ ، لم يكد يرْكَع ثمَّ ركع فَلم يكد يرفع ثمَّ رفع فَلم يكد يسْجد ثمَّ سجد فَلم يكد يرفع ثمَّ رفع، وَفعل فِي الرَّكْعَة الْأُخْرَى مثل ذَلِك) . الحَدِيث. وَبِحَدِيث النُّعْمَان بن بشير، رَوَاهُ أَبُو قلَابَة عَنهُ أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (إِذا خسفت الشَّمْس وَالْقَمَر فصلوا كأحدث صَلَاة صليتموها من الْمَكْتُوبَة) . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأحمد وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: على شرطهم، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفظه: (كسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ ، فَجعل يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيسْأل عَنْهَا حَتَّى انجلت) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا مُرْسل، أَبُو قلَابَة لم يسمع من النُّعْمَان. قلت: صرح فِي الْكَمَال بِسَمَاعِهِ عَنهُ، وَقَالَ ابْن حزم: أَبُو قلَابَة أدْرك النُّعْمَان وروى هَذَا الْخَبَر عَنهُ، وَصرح ابْن عبد الْبر بِصِحَّة هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: من أحسن حَدِيث ذهب إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ حَدِيث أبي قلَابَة عَن النُّعْمَان، فَرد كَلَام الْبَيْهَقِيّ، فَإِنَّهُ بِلَا دَلِيل، وَلِأَنَّهُ ناف وَغَيره مُثبت. وَبِحَدِيث قبيصَة الْهِلَالِي: أخرجه أَبُو دَاوُد عَنهُ قَالَ: (كسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله، ﷺ ، فَخرج فَزعًا يجر رِدَاءَهُ، وَأَنا مَعَه يَوْمئِذٍ بِالْمَدِينَةِ، فصلى رَكْعَتَيْنِ فَأطَال فِيهَا الْقيام، ثمَّ انْصَرف وانجلت، فَقَالَ: إِنَّمَا هَذِه الْآيَات يخوف الله بهَا فَإِذا رأيتموها فصلوا كأحدث صَلَاة صليتموها من الْمَكْتُوبَة) . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ بعد أَن رَوَاهُ سقط بَين أبي قلَابَة وَقبيصَة رجل وَهُوَ: هِلَال بن عَامر، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (الْخُلَاصَة) : وَهَذَا لَا يقْدَح فِي صِحَة الحَدِيث. وَبِحَدِيث أبي بكرَة أخرجه البُخَارِيّ عَن الْحسن عَنهُ، قَالَ: (خسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ فَخرج يجر رِدَاءَهُ حَتَّى انْتهى إِلَى الْمَسْجِد وثاب النَّاس إِلَيْهِ، فصلى رَكْعَتَيْنِ فانجلت الشَّمْس) . وَسَيَأْتِي هَذَا فِي بَابه. وَبِحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة، أخرجه مُسلم وَفِيه: (فصلى رَكْعَتَيْنِ) .
وَقد تكلّف الْخصم فِي الْجَواب عَن هذَيْن الْحَدِيثين لأجل أَنَّهُمَا عَلَيْهِم، فَقَالَ النَّوَوِيّ: قَوْله: (صلى رَكْعَتَيْنِ) ، يَعْنِي فِي كل رَكْعَة قيامان وركوعان. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَنه إِنَّمَا أخبر عَن حكم رَكْعَة وَاحِدَة وَسكت عَن الْأُخْرَى. قلت: فِي هذَيْن الجوابين إِخْرَاج اللَّفْظ عَن ظَاهره بِغَيْر ضَرُورَة، فَلَا يجوز إلاّ بِدَلِيل، وَأَيْضًا فِي لفظ النَّسَائِيّ: (كَمَا تصلونَ) ، وَفِي لفظ ابْن حبَان: (مثل صَلَاتكُمْ) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: أَكثر الْآثَار فِي هَذَا الْبَاب مُوَافقَة لمَذْهَب أبي حنيفَة، وَمن مَعَه، وَهُوَ النّظر عندنَا، لأَنا رَأينَا سَائِر الصَّلَوَات
стр. 1551
من المكتوبات والتطوع مَعَ كل رَكْعَة سَجْدَتَانِ، فالنظر على ذَلِك أَن تكون صَلَاة الْكُسُوف كَذَلِك، وَقَالَ ابْن حزم: الْعَمَل بِمَا صَحَّ ورأي أهل بَلَده، قد يجوز أَن يكون ذَلِك اخْتِلَاف إِبَاحَة وتوسعة غير سنة قلت: الصَّوَاب أَن لَا يُقَال: اخْتلفُوا فِي صَلَاة الْكُسُوف، بل تحيروا؛ فَكل وَاحِد مِنْهُم تعلق بِحَدِيث وَرَآهُ أولى من غَيره بِحَسب مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فِي صِحَّته، فَأَبُو حنيفَة تعلق بِأَحَادِيث من ذَكَرْنَاهُمْ من الصَّحَابَة لموافقتها الْقيَاس فِي أَبْوَاب الصَّلَاة. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي، وَأَبُو الطّيب وَغَيرهمَا: تحمل أحاديثنا على الِاسْتِحْبَاب، وأحاديثهم على الْجَوَاز. وَقَالَ السرُوجِي: قُلْنَا: لم يفعل ذَلِك بِالْمَدِينَةِ إلاّ مرّة وَاحِدَة، فَإِذا حصل هَذَا الِاضْطِرَاب الْكثير من رُكُوع وَاحِد إِلَى عشر ركوعات يعْمل بِمَا لَهُ أصل فِي الشَّرْع. انْتهى. قلت: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ فعل ﷺ صَلَاة الْكُسُوف غير مرّة، وَفِي غير سنة، فروى كل وَاحِد مَا شَاهده من صلَاته ﷺ وَضَبطه من فعله، وَذكر النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : أَن عِنْد الشَّافِعِيَّة لَا تجوز الزِّيَادَة على ركوعين، وَبِه قطع جمهورهم قَالَ: وَهُوَ ظَاهر نصوصه قلت: الزِّيَادَة من الْعدْل مَقْبُولَة عِنْدهم، وَقد صحت الزِّيَادَة على الركوعين وَلم يعملوا بهَا فَكل، جَوَاب لَهُم عَن الزِّيَادَة على الركوعين فَهُوَ جَوَاب لنا عَمَّا زَاد على رُكُوع وَاحِد. وَقَالَ السَّرخسِيّ: وَتَأْويل الركوعين فَمَا زَاد أَنه ﷺ طوَّل الرُّكُوع فِيهَا، فَإِنَّهُ عرضت عَلَيْهِ الْجنَّة وَالنَّار، فمل بعض الْقَوْم وظنوا أَنه رفع رَأسه فَرفعُوا رؤوسهم وَمن خلف الصَّفّ الأول ظنُّوا أَنه ركع ركوعين، فَرَوَوْه على حسب مَا وَقع عِنْدهم قلت: وَفِيه نظر لَا يخفى، وَقيل: رفع رَأسه، ﷺ ، ليختبر حَال الشَّمْس هَل انجلت أم لَا؟ وَهَكَذَا فعل فِي كل رُكُوع، وَفِيه نظر أَيْضا.
الْوَجْه الْخَامِس: فِي صفة الْقِرَاءَة فِيهَا. فمذهب أبي حنيفَة أَن الْقِرَاءَة تُخفى فِيهَا، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : إِن مَذْهَبنَا وَمذهب مَالك وَأبي حنيفَة وَاللَّيْث بن سعد وَجُمْهُور الْفُقَهَاء أَنه يسر فِي كسوف الشَّمْس ويجهر فِي خُسُوف الْقَمَر، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن وَأحمد وَإِسْحَاق: يجْهر فيهمَا. وَحكى الرَّافِعِيّ عَن الصيدلاني مثله، وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: الْجَهْر والإسرار سَوَاء، وَمَا حَكَاهُ الثَّوْريّ عَن مَالك هُوَ الْمَشْهُور بِخِلَاف مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقد حكى ابْن الْمُنْذر عَن مَالك الْإِسْرَار، كَقَوْل الشَّافِعِي، وَكَذَا روى ابْن عبد الْبر فِي (الاستذكار) ، وَقَالَ الْمَازرِيّ: إِن مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن مَالك من الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ رِوَايَة شَاذَّة مَا وقفت عَلَيْهَا فِي غير كِتَابَة، قَالَ: وَذكرهَا ابْن شعْبَان عَن الْوَاقِدِيّ عَن مَالك، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (الْإِكْمَال) والقرطبي فِي (الْمُفْهم) : إِن معن بن عِيسَى والواقدي رويا عَن مَالك الْجَهْر، قَالَا: ومشهور قَول مَالك الْإِسْرَار فِيهَا، وَأما مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي من الْإِسْرَار فَهُوَ الْمَعْرُوف عَنهُ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْبُوَيْطِيّ والمزني. وَحكى الرَّافِعِيّ أَن أَبَا سُلَيْمَان الْخطابِيّ ذكر أَن الَّذِي يَجِيء على مَذْهَب الشَّافِعِي: الْجَهْر فيهمَا، وَتَابعه النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) على نَقله ذَلِك، وَتعقبه فِي (شرح الْمُهَذّب) فَقَالَ: إِن مَا نَقله عَن الْخطابِيّ لم أره فِي كتاب لَهُ. وَتعقب صَاحب (الْمُهِمَّات) أَيْضا الرَّافِعِيّ بِأَن الَّذِي نَقله الْخطابِيّ فِي (معالم السّنَن) : الْإِسْرَار. وَقَالَ شَارِح التِّرْمِذِيّ: مَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الْخطابِيّ مَوْجُود عَنهُ، وَقد ذكره فِي كِتَابه (أَعْلَام الْجَامِع الصَّحِيح) فَقَالَ، بعد أَن حكى عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأهل الرَّأْي: ترك الْجَهْر لحَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: فحزرنا قِرَاءَته، فَلَو جهر لما احْتَاجَ إِلَى: الحزر. قَالَ: والجهر أشبه بِمذهب الشَّافِعِي، لِأَن عَائِشَة تثبت الْجَهْر. قَالَ: وَيجوز أَن ابْن عَبَّاس وقف فِي آخر الصَّفّ فَلم يسمع. وَاحْتج الطَّحَاوِيّ لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمن مَعَهُمَا فِي الْإِسْرَار بِحَدِيث ابْن عَبَّاس. أخرجه فِي (مَعَاني الْآثَار) أَنه قَالَ: مَا سَمِعت من النَّبِي ﷺ فِي صَلَاة الْكُسُوف حرفا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَأحمد وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو يعلى فِي (مسانيدهم) وَأَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) وَبِحَدِيث سَمُرَة ابْن جُنْدُب، قَالَ: (صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ فِي صَلَاة الْكُسُوف وَلَا نسْمع لَهُ صَوتا) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ مطولا، ثمَّ احْتج لأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَمن مَعَهُمَا فِي الْجَهْر بِحَدِيث عَائِشَة: أَن رَسُول الله ﷺ ... . إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: يجوز أَن يكون ابْن عَبَّاس وَسمرَة لم يسمعا من النَّبِي ﷺ فِي صلَاته حرفا، وَقد جهر فِيهَا، لبعدهما عَنهُ، فَهَذَا لَا يَنْفِي الْجَهْر. وَقَالَ أَيْضا: النّظر فِي ذَلِك أَن يكون حكمهَا كَحكم صَلَاة الاسْتِسْقَاء عِنْد من يَرَاهَا وَصَلَاة الْعِيدَيْنِ، لِأَن ذَلِك هُوَ الْمَفْعُول فِي خَاص من الْأَيَّام، فَكَذَلِك هَذَا. قلت: ظهر من كَلَامه أَنه مَعَ أبي يُوسُف وَمُحَمّد؟
قلت: اخْتلفت الْأَحَادِيث فِي الْجَهْر والإسرار فِي صَلَاة الْكُسُوف، فَعِنْدَ مُسلم من حَدِيث عَائِشَة أَنه ﷺ جهر فِي صَلَاة الْكُسُوف، وَقَالَهُ البُخَارِيّ فِي صَلَاة الْكُسُوف، وَعند أبي دَاوُد من رِوَايَة
стр. 1552
الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ، فَذكره بِلَفْظ: (قَرَأَ قِرَاءَة طَوِيلَة فجهر بهَا) ، يَعْنِي: فِي صَلَاة الْكُسُوف، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ، بِلَفْظ: (صلى صَلَاة الْكُسُوف وجهر بهَا فِي الْقِرَاءَة) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَعند أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث سَمُرَة وَابْن عَبَّاس كَمَا ذكرنَا: أَنَّهُمَا لم يسمعا حرفا، وَلَا شكّ أَن حَدِيث عَائِشَة أصرح بالجهر فِيهَا، وحديثها مُتَّفق عَلَيْهِ، وَقد أجَاب عَنهُ الْقَائِلُونَ بالإسرار بجوابين: أَحدهمَا: مَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : بِأَن هَذَا عِنْد أَصْحَابنَا، وَالْجُمْهُور مَحْمُول على كسوف الْقَمَر. وَالثَّانِي: مَا قَالَه ابْن عبد الْبر فِي (الاستذكار) من الْإِشَارَة إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث قلت: يرد الْجَواب الأول مَا رَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَائِشَة: (أَن النَّبِي ﷺ صلى بهم فِي كسوف الشَّمْس وجهر بِالْقِرَاءَةِ) . رَوَاهُ الْخطابِيّ فِي (أَعْلَام الْجَامِع الصَّحِيح) من طَرِيق ابْن رَاهَوَيْه. وَأما تَضْعِيف ابْن عبد الْبر الحَدِيث فَكَأَنَّهُ من جِهَة سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ، فَإِن أَحْمد قَالَ: لَيْسَ بذلك فِي حَدِيثه عَن الزُّهْرِيّ، وَعَن يحيى: ثِقَة فِي غير الزُّهْرِيّ لَا يدْفع قلت: قَالَ يَعْقُوب ابْن شيبَة: صَدُوق ثِقَة، روى لَهُ مُسلم فِي مُقَدّمَة كِتَابه، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ، وروى لَهُ عَن الْأَرْبَعَة وَمَعَ ذَلِك فقد تَابعه على ذَلِك عَن الزُّهْرِيّ عبد الرَّحْمَن بن نمر وَسليمَان بن كثير، وَإِن كَانَا ليني الحَدِيث، وَقَالَ شَارِح التِّرْمِذِيّ: وعَلى هَذَا فالمختار الْجَهْر، فَلذَلِك قَالَ الْخطابِيّ: إِنَّه أشبه بِمذهب الشَّافِعِي لقَوْله: إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي. وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدِيث عَائِشَة فِي الْجَهْر أصح من حَدِيث سَمُرَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) : لكنه لَيْسَ بأصح من حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي قَالَ فِيهِ نَحوا من قِرَاءَة سُورَة الْبَقَرَة. قَالَ الشَّافِعِي: فِيهِ دَلِيل على أَنه لم يسمع مَا قَرَأَ لِأَنَّهُ لَو سَمعه لم يقدره بِغَيْرِهِ، فَإِن قيل: قَالَ الشَّافِعِي: وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: قُمْت إِلَى جنب النَّبِي ﷺ فِي خُسُوف الشَّمْس فَمَا سَمِعت مِنْهُ حرفا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يَصح هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، لِأَن فِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة، وَفِي آخر الوافدي، وَفِي آخر الحكم بن أبان.
الْوَجْه السَّادِس: فِي صَلَاة خُسُوف الْقَمَر: قَالَ أَصْحَابنَا: لَيْسَ فِي خُسُوف الْقَمَر جمَاعَة، وَقيل: الْجَمَاعَة جَائِزَة عندنَا لَكِنَّهَا لَيست بِسنة لتعذر اجْتِمَاع النَّاس بِاللَّيْلِ، وَإِنَّمَا يُصَلِّي كل وَاحِد مُنْفَردا، وَعند مَالك: لَا صَلَاة فِيهِ، وَعند الشَّافِعِي: يُصَلِّي للخسوف كَمَا يُصَلِّي للكسوف بِجَمَاعَة وركوعين وبالجهر بِالْقِرَاءَةِ وبخطبتين بَينهمَا جلْسَة، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق إلاّ فِي الْخطْبَة. وَاسْتدلَّ أَبُو حنيفَة وَمَالك بإن النَّبِي ﷺ جمع لكسوف الشَّمْس، وَلما خسف الْقَمَر فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع فِيمَا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره لم يجمع فِيهِ. وَقَالَ مَالك: لم يبلغنَا وَلَا أهل بلدنا أَن النَّبِي ﷺ جمع لخسوف الْقَمَر، وَلَا نقل عَن أحد من الْأَئِمَّة بعده أَنه جمع فِيهِ، وَذكر ابْن قدامَة أَن أَكثر أهل الْعلم على مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة لخسوف الْقَمَر، فعله ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ عَطاء وَالْحسن وَأَبُو ثَوْر، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عُثْمَان بن عَفَّان وَجَمَاعَة الْمُحدثين وَعمر بن عبد الْعَزِيز مستدلين بقوله: (إِن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فصلوا) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْحَاق بن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر أَربع رَكْعَات وَأَرْبع سَجدَات وَيقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى بالعنكبوت أَو: الرّوم، وَفِي الثَّانِيَة: بيس) . وَفِي حَدِيث قبيصَة مَرْفُوعا: (إِذا انكسفت الشَّمْس أَو الْقَمَر فصلوا) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَد جيد من حَدِيث حبيب بن ثَابت عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس: (أَن رَسُول الله ﷺ صلى فِي كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر ثَمَان رَكْعَات فِي أَربع سَجدَات) . وَبَوَّبَ البُخَارِيّ: بَاب الصَّلَاة فِي كسوف الْقَمَر، على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
فَائِدَة: اخْتلفت الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي كَيْفيَّة صَلَاة الْكُسُوف من الِاقْتِصَار على ركوعين، كَمَا فِي حَدِيث أبي بكرَة وَغَيره، وَثَلَاث ركوعات فِي كل رَكْعَة كَمَا فِي حَدِيث جَابر، وَأَرْبع ركوعات فِي رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة وَغَيره، وست ركوعات فِي رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي حَدِيث جَابر وَغَيره وثمان ركوعات فِي رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي حَدِيث أبي بن كَعْب، وَخَمْسَة عشر رَكْعَة فِي ثَلَاث ركوعات، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) عَن أبي بن كَعْب.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث الْمَذْكُور: أَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان الْيَوْم، وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. وَفِيه: أَن تَعْذِيب الْحَيَوَان غير جَائِز، وَأَن الْمَظْلُوم من الْحَيَوَان يُسَلط يَوْم الْقِيَامَة على ظالمه. وَفِيه: معْجزَة النَّبِي، ﷺ .
стр. 1553
٩١ - (بابُ رَفْعِ البَصَرِ إلَى الإمَامِ فِي الصَّلَاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الْمُصَلِّي بَصَره إِلَى الإِمَام فِي الصَّلَاة.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمُصَلِّي بعد افتتاحه بِالتَّكْبِيرِ، واستفتاحه يَنْبَغِي أَن يراقب إِمَامه بِالنّظرِ إِلَيْهِ لإِصْلَاح صلَاته. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ حجَّة لمَالِك فِي أَن نظر الْمُصَلِّي يكون إِلَى جِهَة الْقبْلَة، وَعند أَصْحَابنَا يسْتَحبّ لَهُ أَن ينظر إِلَى مَوضِع سُجُوده، لِأَنَّهُ إقرب للخشوع، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي.
وقالَتْ عَائِشَةُ قَالَ النبيُّ فِي صَلَاةِ الكُسُوفَ فَرَأيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطمُ بَعْضُهَا بَعْضا حِينَ رَأيْتُمُونِي تَأخرْتُ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حِين رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرت) ، وَذَلِكَ لأَنهم كَانُوا يراقبونه ﷺ ، فَلذَلِك قَالَ: (حِين رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرت) ، وَهَذَا طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب إِذا انفلتت الدَّابَّة، وَهُوَ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة. قَوْله: (رَأَيْت جَهَنَّم) وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: (فَرَأَيْت) ، بِالْفَاءِ عطفا على مَا تقدمه فِي حَدِيث فِي صَلَاة الْكُسُوف مطولا. قَوْله: (يحطم) ، بِكَسْر الطَّاء أَي: يكسر،، وَفِيه: الحطمة، وَهِي من أَسمَاء النَّار لِأَنَّهَا تحطم مَا يلقى فِيهَا.
٧٤٦ - حدَّثنا مُوسَى قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ عُمَارَةَ بنِ عخمَيْرٍ عنْ أبِي مَعْمَرٍ قَالَ قُلْنَا لِخَبَّابٍ أكانَ رسولُ الله ﷺ يَقْرأ فِي الظهْرِ والعَصْرِ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا بِمَ كُنْتُمْ تعْرِفُونَ ذَاكَ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: باضطراب لحيته) ، وَذَلِكَ لأَنهم كَانُوا يراقبونه فِي الصَّلَاة حَتَّى كَانُوا يرَوْنَ اضْطِرَاب لحيته من جَنْبَيْهِ.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن عُمَيْر تَصْغِير عمر التَّيْمِيّ بن تيم الله الْكُوفِي. الْخَامِس: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن سَخْبَرَة، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء: الْأَزْدِيّ. السَّادِس: خباب، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره بَاء أُخْرَى: ابْن الْأَرَت، بِفَتْح الْهمزَة وبالراء وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: أَبُو عبد الله التَّيْمِيّ، لحقه سبي فِي الْجَاهِلِيَّة فاشترته امْرَأَة خزاعية فأعتقته، وَهُوَ من السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام، سادس سِتَّة الْمُعَذَّبين فِي الله على إسْلَامهمْ، شهد الْمشَاهد، وَرُوِيَ لَهُ اثْنَان وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، وللبخاري خَمْسَة، مَاتَ سنة سبع وَثَلَاثِينَ بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ أول من صلى عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، منصرفة من صفّين.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي، وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. وَفِيه: عَن عمَارَة وَفِي رِوَايَة حَفْص ابْن غياث عَن الْأَعْمَش: حَدثنَا عمَارَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد ابْن يُوسُف عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَعَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه وَعَن قُتَيْبَة عَن جرير. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري عَن أبي مُعَاوِيَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع، ستتهم عَن الْأَعْمَش عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَنهُ بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَكَانَ؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام والاستخبار. قَوْله: (يقْرَأ) قَالَ الْكرْمَانِي: يقْرَأ، أَي: غير الْفَاتِحَة إِذْ لَا شكّ فِي قرَاءَتهَا. قلت: هَذَا تحكم وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ، فَظَاهر الْكَلَام أَن سُؤَالهمْ عَن خباب عَن قِرَاءَة النَّبِي، ﷺ ، فِي الظّهْر وَالْعصر عَن مُطلق الْقِرَاءَة، لأَنهم رُبمَا كَانُوا يظنون أَن لَا قِرَاءَة فيهمَا لعدم جهر الْقِرَاءَة فيهمَا، أَلا ترى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا عبد الْوَارِث عَن مُوسَى بن سَالم حَدثنَا عبد الله بن عبيد الله، قَالَ: (دخلت
стр. 1554
على ابْن عَبَّاس فِي شباب من بني هَاشم، فَقُلْنَا لشاب: سل ابْن عَبَّاس: أَكَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ فِي الظّهْر وَالْعصر؟ فَقَالَ: لَا لَا، فَقيل لَهُ: إِن نَاسا يقرؤون فِي الظّهْر وَالْعصر، فَقَالَ: فَلَعَلَّهُ كَانَ يقْرَأ فِي نَفسه، فَقَالَ: خمشا، هَذِه شَرّ من الأولى، كَانَ عبدا مَأْمُورا بلغ مَا أرسل بِهِ) الحَدِيث. وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عِكْرِمَة: (عَن ابْن عَبَّاس أَنه قيل لَهُ: إِن نَاسا يقرأون فِي الظّهْر وَالْعصر، فَقَالَ: لَو كَانَ لي عَلَيْهِم سَبِيل لقلعت ألسنتهم، إِن النَّبِي ﷺ قَرَأَ وَكَانَت قِرَاءَته لنا قِرَاءَة، وسكوته لنا سكُوتًا) . وَأخرجه الْبَزَّار عَن عِكْرِمَة: (أَن رجلا سَأَلَ ابْن عَبَّاس عَن الْقِرَاءَة فِي الظّهْر وَالْعصر، فَقَالَ: قَرَأَ رَسُول الله ﷺ فِي صلوَات فنقرأ فِيمَا قَرَأَ فِيهِ، ونسكت فِيمَا سكت. فَقلت: كَانَ يقْرَأ فِي نَفسه، فَغَضب وَقَالَ: أتتهمون رَسُول الله ﷺ ؟) وَأخرجه أَحْمد وَلَفظه: عَن عِكْرِمَة، قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس: (قَرَأَ رَسُول الله ﷺ فِيمَا أَمر أَن يقْرَأ فِيهِ، وَسكت فِيمَا أَمر أَن يسكت فِيهِ) . ﴿وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾ (مَرْيَم: ٦٤) . ﴿وَلَقَد كَانَ لكم فِي رَسُول الله اسوة حَسَنَة﴾ (الْأَحْزَاب: ٢١) . وَإِلَى هَذِه الْأَحَادِيث ذهب قوم، مِنْهُم: سُوَيْد بن غَفلَة وَالْحسن ابْن صَالح وإبن إِبْرَاهِيم بن علية وَمَالك فِي رِوَايَة، وَقَالُوا: لَا قِرَاءَة فِي الظّهْر وَالْعصر أصلا. قلت: فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، كَيفَ يَقُول الْكرْمَانِي: يقْرَأ، أَي: غير الْفَاتِحَة؟ وَيَأْتِي بالتقييد فِي مَوضِع الْإِطْلَاق من غير دَلِيل يقوم بِهِ، وَلَكِن لَا بدع فِي هَذَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لم يطلع على أَحَادِيث هَذَا الْبَاب وَلَا على اخْتِلَاف السّلف فِيهِ، وقصده مُجَرّد تمشية مذْهبه نصْرَة لإمامه من غير برهَان، وَنَذْكُر عَن قريب الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (قَالَ: نعم) أَي: نعم كَانَ يقْرَأ. قَوْله: (فَقُلْنَا) بِالْفَاءِ العاطفة، ويروى: (قُلْنَا) . بِدُونِ الْفَاء. قَوْله: (بِمَ كُنْتُم) ، أَصله: بِمَا، فحذفت الْألف تَخْفِيفًا. قَوْله: (تعرفُون ذَلِك) ، ويروى: (ذَاك) . وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (بِأَيّ شَيْء كُنْتُم تعرفُون ذَلِك؟) وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (بِأَيّ شَيْء كُنْتُم تعلمُونَ قِرَاءَته؟) وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: (بِأَيّ شَيْء كُنْتُم تعرفُون قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ ؟) قَوْله: (باضطراب لحيته) ، بِكَسْر اللَّام أَي: بحركتها، وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: (لحييْهِ) ، بِفَتْح اللَّام وبالياءين، أولاهما مَفْتُوحَة وَالْأُخْرَى سَاكِنة، وَهِي تَثْنِيَة: لحي، بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْحَاء، وَهُوَ منبت اللِّحْيَة من الْإِنْسَان. وَفِي (الْمُحكم) : اللِّحْيَة اسْم لجمع من الشّعْر مَا ينْبت على الْخَدين والذقن واللحي الَّذِي ينْبت عَلَيْهِ الْعَارِض، وَالْجمع: ألح ولحى وألحاء، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: يُقَال: لحية، بِكَسْر اللَّام، و: لحية، بِفَتْح اللَّام وَالْجمع: لحي ولحي.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على وجوب الْقِرَاءَة فِي الظّهْر وَالْعصر. قَالَ الطَّحَاوِيّ، ﵀، بعد أَن روى هَذَا الحَدِيث: فَلم يكن فِي هَذَا دَلِيل عندنَا على أَنه قد كَانَ يقْرَأ فيهمَا، لِأَنَّهُ قد يجوز أَن تضطرب لحيته بتسبيح يسبحه أَو دُعَاء، وَلَكِن الَّذِي حقق الْقِرَاءَة مِنْهُ فِي هَاتين الصَّلَاتَيْنِ مَا قد روينَاهُ من الْآثَار الَّتِي فِي الْفَصْل الَّذِي قبل هَذَا. قلت: أَرَادَ بهَا مَا رَوَاهُ عَن أبي قَتَادَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَجَابِر بن سَمُرَة وَعمْرَان بن حُصَيْن وَأبي هُرَيْرَة وَأنس بن مَالك وَعلي، أما حَدِيث أبي قَتَادَة فَأخْرجهُ البُخَارِيّ على مَا يَأْتِي عَن قريب. وَكَذَلِكَ حَدِيث جَابر بن سَمُرَة. وَأما حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، فَأخْرجهُ مُسلم عَنهُ: (أَن النَّبِي ﷺ ، كَانَ يقْرَأ فِي صَلَاة الظّهْر فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين فِي كل رَكْعَة قدر ثَلَاثِينَ آيَة وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قدر خمس عشرَة آيَة، أَو قَالَ: نصف ذَلِك، وَفِي الْعَصْر الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين فِي كل رَكْعَة قدر خمس عشرَة آيَة، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قدر نصف ذَلِك) . وَأما حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن فَأخْرجهُ مُسلم عَنهُ: (أَن رَسُول الله ﷺ صلى الظّهْر فَجعل رجل يقْرَأ: بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى،. فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: أَيّكُم قَرَأَ؟ أَو أَيّكُم القارىء؟ قَالَ رجل: أَنا. قَالَ قد علمت أَن بَعْضكُم خالجنيها. أَي: نَازَعَنِي قرَاءَتهَا. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَن عَطاء، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: (وكل صَلَاة يقْرَأ فِيهَا، فَمَا أسمعنا رَسُول الله ﷺ أسمعناكم، وَمَا أُخْفِي عَنَّا أخفينا عَنْكُم) . وَأما حَدِيث أنس فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن عبيد، قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر بن النَّضر، قَالَ: كُنَّا بالطفّ عِنْد أنس، فصلى بهم الظّهْر فَلَمَّا فرغ، قَالَ: إِنِّي صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ صَلَاة الظّهْر فَقَرَأَ لنا بِهَاتَيْنِ السورتين فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ و ﴿بهل أَتَاك حَدِيث الغاشية﴾ وَهَذِه الْأَحَادِيث قد حققت الْقِرَاءَة من النَّبِي ﷺ فِي الظّهْر وَالْعصر، وانتفى مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَن قريب، لِأَن غَيره من الصَّحَابَة قد تحققوا قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ فِي الظّهْر وَالْعصر. وَقَالَ الْخطابِيّ فِي جَوَاب هَذَا: إِنَّه وهم من ابْن عَبَّاس، لِأَنَّهُ ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يقْرَأ فِي الظّهْر وَالْعصر من طرق كَثِيرَة كَحَدِيث قَتَادَة وخباب ابْن الْأَرَت وَغَيرهمَا. قلت: عِنْدِي جَوَاب أحسن من هَذَا مَعَ رِعَايَة الْأَدَب فِي حق ابْن عَبَّاس وَهُوَ: أَن ابْن عَبَّاس اسْتندَ فِي هَذَا
стр. 1555
أَولا على قَوْله: ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ (الْبَقَرَة: ٢٤٣، ٨٣، ١١٠. النِّسَاء: ٧٧. الْأَنْعَام: ٧٢. يُونُس: ٨٧. النُّور: ٥٦. الرّوم: ٣١. الشورى: ١٣. المزمل: ٢٠) . وهم مُجمل بَينه النَّبِي ﷺ بِفِعْلِهِ، ثمَّ قَالَ: (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) ، والمروي هُوَ الْأَفْعَال دون الْأَقْوَال، فَكَانَت الصَّلَاة إسما للْفِعْل فِي حق الظّهْر وَالْعصر، وَالْفِعْل وَالْقَوْل فِي حق غَيرهمَا، وَلم يبلغ ابْن عَبَّاس قِرَاءَته ﷺ فِي الظّهْر وَالْعصر،، فَلذَلِك قَالَ فِي جَوَابه: عبد الله بن عبيد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب، فَلَمَّا بلغه خبر قِرَاءَته ﷺ فيهمَا وَثَبت عِنْده رَجَعَ عَن ذَلِك القَوْل، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه حَدثنَا سُفْيَان عَن سَلمَة بن كهيل عَن الْحسن العرني عَن ابْن عَبَّاس: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ فِي الظّهْر وَالْعصر) .
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: مَا ترْجم عَلَيْهِ البُخَارِيّ، وَهُوَ: رفع الْبَصَر إِلَى الإِمَام. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك أَعنِي: فِي رفع الْبَصَر إِلَى أَي مَوضِع فِي صلَاته فَقَالَ أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: إِلَى مَوضِع سُجُوده، وَرُوِيَ ذَلِك عَن إِبْرَاهِيم وَابْن سِيرِين وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاسْتثنى بعض أَصْحَابنَا إِذا كَانَ مشاهدا للكعبة فَإِنَّهُ ينظر إِلَيْهَا. وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن: ينظر إِلَى مَوضِع سُجُوده فِي حَال قِيَامه وَإِلَى قَدَمَيْهِ فِي رُكُوعه وَإِلَى أَنفه فِي سُجُوده وَإِلَى حجره فِي تشهده لِأَن امتداد النّظر يلهى فَإِذا قصر كَانَ أولى، وَقَالَ مَالك: ينظر أَمَامه وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن ينظر إِلَى مَوضِع سُجُوده وَهُوَ قَائِم: قَالَ: وَأَحَادِيث الْبَاب تشهد لَهُ لأَنهم لَو لم ينْظرُوا إِلَيْهِ، ﷺ ، مَا رَأَوْا تَأَخره حِين عرضت عَلَيْهِ جَهَنَّم وَلَا رَأَوْا اضْطِرَاب لحيته، وَلَا استدلوا بذلك على قِرَاءَته، وَلَا نقلوا ذَلِك، وَلَا رَأَوْا تنَاوله فِيمَا تنَاوله فِي قبلته حِين مثلت لَهُ الْجنَّة، وَمثل هَذَا الحَدِيث قَوْله ﷺ : (إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ) لِأَن الإئتمام لَا يكون إلاّ بمراعاة حركاته فِي خفضه وَرَفعه.
٧٤٧ - حدَّثنا حجَّاجٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أنْبَأنَا أبُو إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ قَالَ حدَّثنا البَرَاءُ وكانَ غَيْرَ كَذُوبٍ أنَّهُمْ كانُوا إذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبيِّ فَرَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ قامُوا قِيَاما حَتَّى يَرَوْهُ قَدْ سَجَدَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " حَتَّى يروه قد سجد ". (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول حجاج بن منهال وَلَيْسَ هُوَ بِحجاج بن مُحَمَّد لِأَن البُخَارِيّ لم يسمع مِنْهُ الثَّانِي شُعْبَة بن الْحجَّاج الثَّالِث أَبُو إِسْحَق وَهُوَ عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الرَّابِع عبد الله بن يزِيد الْأنْصَارِيّ الخطمي أَبُو مُوسَى الصَّحَابِيّ وَكَانَ أَمِيرا على الْكُوفَة الْخَامِس الْبَراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه الأنباء بِصِيغَة الْجمع وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَار وَقَالَ بَعضهم يجوز قَول أَنبأَنَا فِي الْإِجَازَة وَلَا يجوز أخبرنَا فِيهَا إِلَّا مُقَيّدا بِالْإِجَازَةِ بِأَن يَقُول أخبرنَا بِالْإِجَازَةِ وَفِيه السماع وَفِيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب مَتى يسْجد من خلف الإِمَام فَإِن البُخَارِيّ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد وَعَن يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان عَن أبي إِسْحَق عَن عبد الله بن يزِيد عَن الْبَراء وَفِيهِمَا اخْتِلَاف فِي بعض السَّنَد والمتن وتكلمنا هُنَاكَ بِجَمِيعِ مَا يتَعَلَّق بِهِ قَوْله " قَامُوا " جَوَاب إِذا صلوا قَوْله " قيَاما " قَالَ الْكرْمَانِي مصدر قيل الأولى أَن يكون جمع قَائِم وانتصابه على الْحَال (قلت) الصَّوَاب مَعَ الْكرْمَانِي وانتصابه على المصدرية قَوْله " حَتَّى يروه " بِدُونِ نون الْجمع رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأبي الْوَقْت وَغَيرهمَا " حَتَّى يرونه " بِإِثْبَات النُّون والوجهان جائزان بِنَاء على إِرَادَة فعل الْحَال والاستقبال قَوْله " قد سجد " فِي مَحل النصب على الْحَال على الأَصْل وَهُوَ ظُهُور كلمة قد
١٣٦ - (حَدثنَا إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنِي مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ قَالَ خسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ َ - فصلى قَالُوا يَا رَسُول الله رَأَيْنَاك تنَاول شَيْئا فِي مقامك ثمَّ رَأَيْنَاك تكعكعت قَالَ إِنِّي أريت الْجنَّة فتناولت مِنْهَا عنقودا وَلَو أَخَذته لأكلتم مِنْهُ مَا بقيت الدُّنْيَا)
стр. 1556
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي فِي قَوْله " رَأَيْنَاك تكعكعت " لِأَن رُؤْيَتهمْ تكعكعه تدل على أَنهم يراقبونه ﷺ َ - وَرِجَاله قد مروا غير مرّة وَهُوَ حَدِيث مطول أخرجه فِي بَاب صَلَاة الْكُسُوف جمَاعَة عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ " انخسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ َ - فصلى رَسُول الله ﷺ َ - فَقَامَ قيَاما طَويلا " الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِيه " قَالُوا يَا رَسُول الله رَأَيْنَاك تناولت شَيْئا فِي مقامك " إِلَى قَوْله " مَا بقيت الدُّنْيَا " وَبعده هُنَاكَ شَيْء آخر سَيَأْتِي وَأخرج هَهُنَا هَذِه الْقطعَة عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس لأجل مَا وضع لَهَا هَذِه التَّرْجَمَة وَأخرج عَن إِسْمَاعِيل أَيْضا عَن مَالك فِي بَدْء الْخلق وَأخرج عَن عبد الله بن يُوسُف فِي النِّكَاح وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن إِسْحَاق بن عِيسَى عَن مَالك بِهِ وَعَن سُوَيْد بن سعيد عَن حَفْص بن ميسرَة عَن زيد بن أسلم بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مسلمة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ وَأخرج التِّرْمِذِيّ أَيْضا قِطْعَة من حَدِيث ابْن عَبَّاس " عَن النَّبِي ﷺ َ - صلى فِي كسوف فَقَرَأَ ثمَّ ركع ثمَّ قَرَأَ ثمَّ ركع ثمَّ قَرَأَ ثمَّ ركع ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ وَالْأُخْرَى مثلهَا " أخرجه عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس وَأَهْمَلَهُ الْمزي فِي الْأَطْرَاف قَوْله " خسفت الشَّمْس " فِيهِ دَلِيل لمن قَالَ الخسوف أَيْضا يُطلق على كسوف الشَّمْس وَفِي رِوَايَته الْأُخْرَى " انخسفت " قَوْله " فصلى " أَي صَلَاة الْكُسُوف قَوْله " تنَاول شَيْئا " أَصله تتَنَاوَل فحذفت إِحْدَى التائين وَفِي رِوَايَته الْأُخْرَى إِلَى تَأتي فِي بَاب صَلَاة الْكُسُوف " تناولت " قَوْله " تكعكعت " أَي تَأَخَّرت قَالَه فِي مجمع الغرائب وَقَالَ ابْن عبد الْبر مَعْنَاهُ تقهقرت وَقَالَ أَبُو عبيد كعكعته فتكعكع قَالَ أصل كعكعت كععت فاستثقلت الْعَرَب الْجمع بَين ثَلَاثَة أحرف من جنس وَاحِد ففرقوا بَينهَا بِحرف مُكَرر وَقَالَ غَيره أكعه الْفرق اكعاعا إِذا حَبسه عَن وَجهه وَفِي الْمُحكم كع كعوعا وكعاعة وكيعوعة وكعكعه عَن الْورْد نحاه وَفِي الجمهرة لَا يُقَال كاع وَإِن كَانَت الْعَامَّة تداولت بِهِ وَفِي الموعب عَن أبي زيد كععت وكععت بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح واكع بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح كعا وكعاعة بِالْفَتْح إِذا هبت الْقَوْم بَعْدَمَا أردتهم فَرَجَعت وتركتهم وَإِنِّي عَنْهُم لكع بِالْفَتْح وَقَالَ صَاحب الْعين كع وكاع بِالتَّشْدِيدِ وَقد كع كوعا وَهُوَ الَّذِي لَا يمْضِي فِي عزم وَفِي التَّهْذِيب لأبي مَنْصُور الْأَزْهَرِي رجل كعكع وَقد تكعكع وتكأكأ إِذا ارتدع قَوْله " أريت " على صِيغَة الْمَجْهُول يُرِيد أَن الْجنَّة عرضت لَهُ من غير حَائِل قَوْله " عنقودا " بِضَم الْعين لَا يُقَال التَّنَاوُل هُوَ الْأَخْذ فَكيف أثبت أَولا ثمَّ قَالَ لَو أَخَذته لأَنا نقُول التَّنَاوُل هُوَ التَّكَلُّف فِي الْأَخْذ وإظهاره لَا الْأَخْذ حَقِيقَة وَيُقَال مَعْنَاهُ تناولت لنَفْسي وَلَو أَخَذته لكم لأكلتم مِنْهُ وَيُقَال مَعْنَاهُ فَأَرَدْت التَّنَاوُل والإرادة مقدرَة وَمَعْنَاهُ لَو أردْت الْأَخْذ لأخذت وَلَو أخذت لأكلتم مِنْهُ مَا بقيت الدُّنْيَا أَي مُدَّة بَقَاء الدُّنْيَا إِلَى انتهائها وَقَالَ التَّيْمِيّ قيل لم يَأْخُذ العنقود لِأَنَّهُ كَانَ من طَعَام الْجنَّة وَهُوَ لَا يفنى وَلَا يجوز أَن يُؤْكَل فِي الدُّنْيَا إِلَّا مَا يفنى لِأَن الله تَعَالَى خلقهَا للفناء فَلَا يكون فِيهَا شَيْء من أُمُور الْبَقَاء
١٣٧ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن سِنَان قَالَ حَدثنَا فليح قَالَ حَدثنَا هِلَال بن عَليّ عَن أنس بن مَالك قَالَ صلى لنا النَّبِي ﷺ َ - ثمَّ رقي الْمِنْبَر فَأَشَارَ بِيَدِهِ قبل قبْلَة الْمَسْجِد ثمَّ قَالَ لقد رَأَيْت الْآن مُنْذُ صليت لكم الصَّلَاة الْجنَّة وَالنَّار ممثلتين فِي قبْلَة هَذَا الْجِدَار فَلم أر كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْر وَالشَّر ثَلَاثًا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْقبْلَة " لِأَن رُؤْيَتهمْ إِشَارَته ﷺ َ - بِيَدِهِ إِلَى جِهَة الْقبْلَة تدل على أَنهم كَانُوا يراقبونه فِي الصَّلَاة وَقَالَ الْكرْمَانِي أَن فِي وَجه الْمُطَابقَة وَجْهَيْن أَحدهمَا هُوَ أَن فِيهِ بَيَان رفع بصر الإِمَام إِلَى الشَّيْء فَنَاسَبَ بَيَان رفع الْبَصَر إِلَى الإِمَام من جِهَة كَونهمَا مشتركين فِي رفع الْبَصَر فِي الصَّلَاة (قلت) فِيهِ مَا لَا يخفى. وَالْوَجْه الثَّانِي هُوَ الْقَرِيب وَهُوَ أَن هَذَا الحَدِيث مُخْتَصر حَدِيث صَلَاة الْكُسُوف الَّذِي ثَبت فِيهِ رفع الْبَصَر إِلَى الإِمَام وَالْعجب العجاب أَن بَعضهم ذكر وَجه الْمُطَابقَة وَأَخذه من كَلَام الْكرْمَانِي وَطوله ثمَّ نسبه إِلَى نَفسه حَيْثُ قَالَ وَالَّذِي يظْهر لي أَن
стр. 1557
حَدِيث أنس مُخْتَصر من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأَن الْقِصَّة فيهمَا وَاحِدَة فَسَيَأْتِي فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه ﷺ َ - قَالَ " رَأَيْت الْجنَّة وَالنَّار " كَمَا قَالَ فِي حَدِيث أنس وَقد قَالُوا لَهُ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس " رَأَيْنَاك تكعكعت " فَهَذَا مَوضِع التَّرْجَمَة انْتهى. وَالَّذِي قلته هُوَ الْأَوْجه لم يُنَبه عَلَيْهِ أحد من الشُّرَّاح وَبِه يسْقط أَيْضا اعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ على إِيرَاد البُخَارِيّ حَدِيث أنس هَذَا فِي هَذَا الْبَاب فَقَالَ لَيْسَ فِيهِ نظر الْمَأْمُومين إِلَى الإِمَام فَكيف يَقُول لَيْسَ فِيهِ نظر الْمَأْمُومين إِلَى الإِمَام وَأنس يخبر بقوله " فَأَشَارَ بِيَدِهِ قبل قبْلَة الْمَسْجِد " فَلَو لم يكن هُوَ نَاظرا إِلَى النَّبِي ﷺ َ - لما رأى إِشَارَته بِيَدِهِ إِلَى جِهَة الْقبْلَة وَأبْعد من اعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ قَول بَعضهم فِي جَوَاب اعتراضه وَأجِيب بِأَن فِيهِ أَن الإِمَام رفع بَصَره إِلَى مَا أَمَامه وَإِذا سَاغَ ذَلِك للْإِمَام سَاغَ للْمَأْمُوم انْتهى (قلت) سُبْحَانَ الله مَا أبعد هَذَا من الْمَقْصُود لِأَن التَّرْجَمَة لَيست فِيمَا ذكره وَإِنَّمَا هِيَ فِي رفع الْبَصَر إِلَى الإِمَام وَأَيْنَ هَذَا من ذَلِك (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول مُحَمَّد بن سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَبعد الْألف نون أُخْرَى أَبُو بكر الْعَوْفِيّ الْبَاهِلِيّ الْأَعْمَى مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي فليح بِضَم الْفَاء ابْن سُلَيْمَان بن أبي الْمُغيرَة أَبُو يحيى الْخُزَاعِيّ. الثَّالِث هِلَال بن عَليّ وَيُقَال هِلَال بن أبي مَيْمُونَة وهلال بن أبي هِلَال وَيُقَال هِلَال بن أُسَامَة الفِهري الْمَدِينِيّ مَاتَ فِي آخر خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك. الرَّابِع أنس بن مَالك. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده وَفِيه عَن أنس وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الرقَاق التَّصْرِيح بِسَمَاع هِلَال من أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن صَالح وَفِي الرقَاق عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن فليح عَن أَبِيه (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " ثمَّ رقي الْمِنْبَر " بِكَسْر الْقَاف يُقَال رقيت فِي السّلم إِذا صعدت وَقَالَ ابْن التِّين وَوَقع فِي بعض النّسخ " رقي " بِفَتْح الْقَاف قَوْله " بِيَدِهِ " ويروى " بيدَيْهِ " قَوْله " قبل قبْلَة الْمَسْجِد " بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي جِهَة قبْلَة الْمَسْجِد وَيُقَال جَلَست قبل فلَان أَي عِنْده قَوْله " الْآن " هُوَ اسْم للْوَقْت الَّذِي أَنْت فِيهِ وَهُوَ ظرف غير مُتَمَكن وَقع معرفَة وَلم تدخل عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام للتعريف لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَا يشركهُ قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) هُوَ للْحَال وَرَأَيْت للماضي فَكيف يَجْتَمِعَانِ (قلت) دُخُول قد عَلَيْهِ قربه للْحَال (فَإِن قلت) فَمَا قَوْلك فِي صليت فَإِنَّهُ للمضي الْبَتَّةَ قَالَ ابْن الْحَاجِب كل مخبر أَو منشىء فقصده الْحَاضِر فَمثل صليت يكون للماضي الملاصق للحاضر أَو أُرِيد بالآن مَا يُقَال عرفا أَنه الزَّمَان الْحَاضِر لَا اللحظة الْحَاضِرَة الْغَيْر المنقسمة الْمُسَمَّاة بِالْحَال (فَإِن قلت) مُنْذُ حرف أَو اسْم (قلت) جَازَ الْأَمْرَانِ فَإِن كَانَ اسْما فَهُوَ مُبْتَدأ وَمَا بعده خَبره وَالزَّمَان مُقَدّر قبل صليت وَقَالَ الزّجاج بعكس ذَلِك قَوْله " ممثلتين " أَي مصورتين قَوْله " فَلم أر كَالْيَوْمِ " الْكَاف هَهُنَا وضع نصب التَّقْدِير فَلم أر منْظرًا مثل منظري الْيَوْم قَوْله " فِي الْخَيْر " أَي فِي أَحْوَال الْخَيْر قَوْله " ثَلَاثًا " يتَعَلَّق بقوله " قَالَ " أَي قَالَ ثَلَاث مَرَّات
(بَاب رفع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم رفع الْبَصَر إِلَى جِهَة السَّمَاء فِي الصَّلَاة يَعْنِي يكره ذَلِك لدلَالَة حَدِيث الْبَاب عَلَيْهِ وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ وَالْخلاف فِي خَارج الصَّلَاة فِي الدُّعَاء فكرهه شُرَيْح وَطَائِفَة وَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُونَ لِأَن السَّمَاء قبْلَة الدُّعَاء كَمَا أَن الْكَعْبَة قبْلَة الصَّلَاة قَالَ عِيَاض رفع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء فِيهِ نوع إِعْرَاض عَن الْقبْلَة وَخُرُوج عَن هَيْئَة الصَّلَاة وَقَالَ ابْن حزم لَا يحل ذَلِك وَبِه قَالَ قوم من السّلف وَقَالَ ابْن بطال وَابْن التِّين أجمع الْعلمَاء على كَرَاهَة النّظر إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة لهَذَا الحَدِيث وَلما فِي مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ " لينتهين أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة أَو لتخطفن أَبْصَارهم " وَعِنْده أَيْضا عَن جَابر بن سَمُرَة مثله بِزِيَادَة " أَو لَا يرجع إِلَيْهِم " وَعند ابْن مَاجَه عَن ابْن عمر " لَا تَرفعُوا أبصاركم إِلَى السَّمَاء أَن تلتمع " يَعْنِي فِي الصَّلَاة وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبيد الله بن عبد الله عَن رجل من الصَّحَابَة
стр. 1558
١٣٨ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ أخبرنَا يحيى بن سعيد قَالَ حَدثنَا ابْن أبي عرُوبَة قَالَ حَدثنَا قَتَادَة أَن أنس بن مَالك حَدثهمْ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - مَا بَال أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي صلَاتهم فَاشْتَدَّ قَوْله فِي ذَلِك حَتَّى قَالَ لينتهين عَن ذَلِك أَو لتخطفن أَبْصَارهم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ الإِمَام المبرز فِي هَذَا الشَّأْن وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء المضمومة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَاسم أبي عرُوبَة مهْرَان (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته كلهم بصريون وَفِيه حَدثهُ ويروي حَدثهمْ. (ذكر من أخرجه من غَيره) أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبد الله بن سعيد وَشُعَيْب بن يُوسُف ثَلَاثَتهمْ عَن يحيى بن سعيد بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن نصر بن عَليّ عَن عبد الْأَعْلَى عَنهُ بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " مَا بَال أَقوام " أَي مَا حَالهم وشأنهم يرفعون أَبْصَارهم وَقد بَين سَبَب هَذَا ابْن مَاجَه وَلَفظه " صلى رَسُول الله ﷺ َ - يَوْمًا بِأَصْحَابِهِ فَلَمَّا قضى الصَّلَاة أقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ " فَذكره وَإِنَّمَا لم يبين الرافع من هُوَ لِئَلَّا ينكسر خاطره إِذْ النَّصِيحَة على رُؤْس الأشهاد فضيحة قَوْله " فِي صلَاتهم " وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد الدُّعَاء وَقَالَ بَعضهم فَإِن حمل الْمُطلق على الْمُقَيد اقْتضى اخْتِصَاص الْكَرَاهَة بِالدُّعَاءِ الْوَاقِع فِي الصَّلَاة (قلت) لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل الْمُطلق يجْرِي على إِطْلَاقه والمقيد على تَقْيِيده وَالْحكم عَام فِي الْكَرَاهَة سَوَاء كَانَ رفع بصر فِي الصَّلَاة عِنْد الدُّعَاء أَو بِدُونِ الدُّعَاء وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الواحدي فِي أَسبَاب النُّزُول من حَدِيث ابْن علية عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد " عَن أبي هُرَيْرَة أَن فلَانا كَانَ إِذا صلى رفع بَصَره إِلَى السَّمَاء فَنزلت ﴿الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾ " وَرفع الْبَصَر فِي الصَّلَاة مُطلقًا يُنَافِي الْخُشُوع الَّذِي أَصله هُوَ السّكُون قَوْله " فَاشْتَدَّ قَوْله فِي ذَلِك " أَي قَول النَّبِي ﷺ َ - فِي رفع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة قَوْله " لينتهين " اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَهُوَ فِي نفس الْأَمر جَوَاب الْقسم الْمَحْذُوف وَهُوَ بِضَم الْيَاء وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْهَاء وَضم الْيَاء وَتَشْديد النُّون على صِيغَة الْمَجْهُول وَهِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا على الْبناء للْفَاعِل بِفَتْح أَوله وَضم الْهَاء قَوْله " عَن ذَلِك " أَي عَن رفع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة قَوْله " أَو " قَالَ الطَّيِّبِيّ كلمة أَو هُنَا للتَّخْيِير تهديدا وَهُوَ خبر فِي معنى الْأَمر وَالْمعْنَى لَيَكُونن مِنْكُم الِانْتِهَاء عَن رفع الْبَصَر أَو خطف الْأَبْصَار عِنْد الرّفْع من الله تَعَالَى (قلت) الْحَاصِل فِيهِ أَن الْحَال لَا تَخْلُو عَن أحد الْأَمريْنِ أما الِانْتِهَاء عَنهُ أَو خطف الْبَصَر الَّذِي هُوَ الْعَمى قَوْله " لتخطفن " على صِيغَة الْمَجْهُول (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ النَّهْي الأكيد والوعيد الشَّديد وَكَانَ ذَلِك يَقْتَضِي أَن يكون حَرَامًا كَمَا جزم بِهِ ابْن حزم حَتَّى قَالَ تفْسد صلَاته وَلَكِن الْإِجْمَاع انْعَقَد على كَرَاهَته فِي الصَّلَاة وَالْخلاف فِي خَارج الصَّلَاة عِنْد الدُّعَاء وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَقَالَ شُرَيْح لرجل رَآهُ يرفع بَصَره وَيَده إِلَى السَّمَاء اكفف يدك واخفض بَصرك فَإنَّك لن ترَاهُ وَلنْ تناله (فَإِن قلت) إِذا غمض عَيْنَيْهِ فِي الصَّلَاة مَا حكمه (قلت) قَالَ الطَّحَاوِيّ كرهه أَصْحَابنَا وَقَالَ مَالك لَا بَأْس بِهِ فِي الْفَرِيضَة والنافلة وَقَالَ النَّوَوِيّ وَالْمُخْتَار أَنه لَا يكره إِذا لم يخف ضَرَرا لِأَنَّهُ يجمع الْخُشُوع وَيمْنَع من إرْسَال الْبَصَر وتفريق الذِّهْن وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس " كَانَ النَّبِي ﷺ َ - إِذا استفتح الصَّلَاة لم ينظر إِلَّا إِلَى مَوضِع سُجُوده "
(بَاب الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة يَعْنِي يكره لِأَن حَدِيث الْبَاب يدل على هَذَا وَلَكِن هَل هُوَ كَرَاهَة تَحْرِيم أَو تَنْزِيه فِيهِ خلاف يَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 1559
١٣٩ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص قَالَ حَدثنَا أَشْعَث بن سليم عَن أَبِيه عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَأَلت رَسُول الله ﷺ َ - عَن الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة فَقَالَ هُوَ اختلاس يختلسه الشَّيْطَان من صَلَاة العَبْد) وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهر جدا. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي أَبُو الْأَحْوَص سَلام بتَشْديد اللَّام ابْن سليم بِضَم السِّين الْحَافِظ الْكُوفِي. الثَّالِث أَشْعَث بن سليم بِضَم السِّين الْمحَاربي الْكُوفِي. الرَّابِع أَبوهُ سليم بن الْأسود بن الْمحَاربي الْكُوفِي أَبُو الشعْثَاء. الْخَامِس مَسْرُوق بن الأجدع الْهَمدَانِي الْكُوفِي. السَّادِس أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته كلهم كوفيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ بَصرِي وَفِي سَنَد هَذَا الحَدِيث اخْتِلَاف على أَشْعَث وَالرَّاجِح رِوَايَة أبي الْأَحْوَص وَوَافَقَهُ زَائِدَة عِنْد النَّسَائِيّ قَالَ أخبر عَمْرو بن عَليّ قَالَ حَدثنَا عبد الرَّحْمَن قَالَ حَدثنَا زَائِدَة عَن أَشْعَث ابْن أبي الشعْثَاء عَن أَبِيه عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة قَالَت " سَأَلت رَسُول الله ﷺ َ - " إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ وَوَافَقَهُ أَيْضا شَيبَان عِنْد ابْن خُزَيْمَة ومسعر عِنْد ابْن حبَان وَخَالفهُم إِسْرَائِيل فَرَوَاهُ عَن أَشْعَث عَن أبي عَطِيَّة عَن مَسْرُوق وَوَقع عِنْد الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة مسعر عَن أَشْعَث عَن أبي وَائِل وَهَذِه الرِّوَايَة شَاذَّة (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة إِبْلِيس عَن الْحسن بن الرّبيع عَن أبي الْأَحْوَص وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن ابْن مهْدي عَن زَائِدَة عَن أَشْعَث نَحوه وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن ابْن مهْدي عَن إِسْرَائِيل عَن أَشْعَث عَن أبي عَطِيَّة عَن مَسْرُوق بِهِ وَعَن أَحْمد بن بكار الْحَرَّانِي عَن مخلد بن يزِيد الْحَرَّانِي لَا بَأْس بِهِ عَن إِسْرَائِيل عَن أَشْعَث عَن أبي عَطِيَّة عَن مَسْرُوق بِهِ وَعَن هِلَال بن الْعَلَاء عَن الْمعَافي وَهُوَ ابْن سُلَيْمَان عَن الْقَاسِم بن معن عَن الْأَعْمَش عَن عمَارَة وَهُوَ ابْن عُمَيْر عَن أبي عَطِيَّة قَالَ قَالَت عَائِشَة أَن الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة اختلاس يختلسه الشَّيْطَان من الصَّلَاة وَأَبُو عَطِيَّة اسْمه مَالك بن عَامر (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " هُوَ اختلاس " وَهُوَ الاختطاف بِسُرْعَة وَفِي النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير الاختلاس افتعال من الخلسة وَهُوَ مَا يُؤْخَذ سلبا مُكَابَرَة قَوْله " يختلس الشَّيْطَان " كَذَا هُوَ بِحَذْف الضَّمِير الَّذِي هُوَ الْمَفْعُول فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " يختلسه " بِإِظْهَار الضَّمِير الْمَنْصُوب وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ وَالْمعْنَى أَن الْمُصَلِّي إِذا الْتفت يَمِينا أَو شمالا يظفر بِهِ الشَّيْطَان فِي ذَلِك الْوَقْت ويشغله عَن الْعِبَادَة فَرُبمَا يسهو أَو يغلط لعدم حُضُور قلبه باشتغاله بِغَيْر الْمَقْصُود وَلما كَانَ هَذَا الْفِعْل غير مرضِي عَنهُ نسب إِلَى الشَّيْطَان وَعَن هَذَا قَالَت الْعلمَاء بِكَرَاهَة الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة وَقَالَ الطَّيِّبِيّ الْمَعْنى من الْتفت ذهب عَنهُ الْخُشُوع فاستعير لذهابه اختلاس الشَّيْطَان تصويرا لقبح تِلْكَ الفعلة أَن الْمُصَلِّي مُسْتَغْرق فِي مُنَاجَاة ربه وَأَنه تَعَالَى يقبل عَلَيْهِ والشيطان كالراصد ينْتَظر فَوَات تِلْكَ الْحَالة عَنهُ فَإِذا الْتفت الْمُصَلِّي اغتنم الفرصة فيختلسها مِنْهُ وَقَالَ ابْن بزيزة أضيف إِلَى الشَّيْطَان لِأَن فِيهِ انْقِطَاعًا من مُلَاحظَة التَّوَجُّه إِلَى الْحق ثمَّ أَن الْإِجْمَاع على أَن الْكَرَاهِيَة فِيهِ للتنزيه وَقَالَ الْمُتَوَلِي من الشَّافِعِيَّة أَنه حرَام وَقَالَ الحكم من تَأمل من عَن يَمِينه أَو شِمَاله فِي الصَّلَاة حَتَّى يعرفهُ فَلَيْسَتْ لَهُ صَلَاة وَقَالَ أَبُو ثَوْر إِن الْتفت بِبدنِهِ كُله أفسد صلَاته وَإِذا الْتفت عَن يَمِينه أَو شِمَاله مضى فِي صلَاته وَرخّص فِيهِ طَائِفَة فَقَالَ ابْن سِيرِين رَأَيْت أنس بن مَالك يشرف إِلَى الشَّيْء فِي صلَاته ينظر إِلَيْهِ وَقَالَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة قيل لِابْنِ عمرَان ابْن الزبير إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة لم يَتَحَرَّك وَلم يلْتَفت قَالَ لَكنا نتحرك ونلتفت وَكَانَ إِبْرَاهِيم يلْتَفت يَمِينا وَشمَالًا وَكَانَ ابْن مُغفل يَفْعَله وَقَالَ مَالك الِالْتِفَات لَا يقطع الصَّلَاة وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين وَقَول عَطاء وَالْأَوْزَاعِيّ وَقَالَ ابْن الْقَاسِم
стр. 1560
فَإِن الْتفت بِجَمِيعِ بدنه لَا يقطع الصَّلَاة وَوَجهه أَنه ﷺ َ - لم يَأْمر مِنْهُ بِالْإِعَادَةِ حِين أخبر أَنه اختلاس من الشَّيْطَان وَلَو وَجَبت فِيهِ الْإِعَادَة لأمرنا بهَا لِأَنَّهُ نصب معلما كَمَا أَمر الْأَعرَابِي بِالْإِعَادَةِ مرّة بعد أُخْرَى وَقَالَ الْقفال فِي فَتَاوِيهِ وَإِذا الْتفت فِي صلَاته التفاتا كثيرا فِي حَال قِيَامه إِن كَانَ جَمِيع قِيَامه كَذَلِك بطلت صلَاته وَإِن كَانَ فِي بعضه فَلَا لِأَنَّهُ عمل يسير قَالَ وَكَذَا فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود لَو صرف وَجهه وجبهته عَن الْقبْلَة لم يجز لِأَنَّهُ مَأْمُور بالتوجه إِلَى الْكَعْبَة فِي رُكُوعه وَسُجُوده قَالَ وَلَو حول أحد شقيه عَن الْقبْلَة بطلت صلَاته لِأَنَّهُ عمل كثير وَمِمَّنْ كَانَ لَا يلْتَفت فِيهَا الصّديق والفاروق وَنهى عَنهُ أَبُو الدَّرْدَاء وَأَبُو هُرَيْرَة وَقَالَ ابْن مَسْعُود إِن الله لَا يزَال ملتفتا إِلَى العَبْد مادام فِي صلَاته مَا لم يحدث أَو يلْتَفت وَقَالَ عَمْرو بن دِينَار رَأَيْت ابْن الزبير يُصَلِّي فِي الْحجر فَجَاءَهُ حجر قدامه فَذهب بِطرف ثَوْبه فَمَا الْتفت وَقَالَ ابْن أبي مليكَة ابْن الزبير كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَدخل سيل فِي الْمَسْجِد فَمَا أنكر النَّاس من صلَاته شَيْئا حَتَّى فرغ وَفِي الْمَبْسُوط حد الِالْتِفَات الْمَكْرُوه أَن يلوي عُنُقه حَتَّى يخرج من جِهَة الْقبْلَة والالتفات عَن يمنة أَو يسرة انحراف عَن الْقبْلَة بِبَعْض بدنه فَلَو انحرف بِجَمِيعِ بدنه تفْسد صلَاته وَلَو نظر بمؤخر عَيْنَيْهِ يمنة أَو يسرة من غير أَن يلوي عُنُقه لَا يكره على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي هَذَا الْبَاب. مِنْهَا حَدِيث أنس أخرجه التِّرْمِذِيّ عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " يَا بني إياك والالتفات فِي الصَّلَاة فَإِن الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة هلكة قَالَ فَإِن كَانَ وَلَا بُد فَفِي التَّطَوُّع لَا فِي الْفَرِيضَة " وَقَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن وَانْفَرَدَ بِهَذَا الحَدِيث. وَمِنْهَا حَدِيث أبي ذَر أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " لَا يزَال الله مُقبلا على العَبْد فِي صلَاته مَا لم يلتف فَإِذا صرف وَجهه انْصَرف عَنهُ " وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَقَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَمِنْهَا حَدِيث أبي الدَّرْدَاء أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير قَالَ " سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول " فَذكر حَدِيثا فِي آخِره " إيَّاكُمْ والالتفات فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَا صَلَاة لملتفت فَإِن غلبتم فِي التَّطَوُّع فَلَا تغلبُوا فِي الْفَرِيضَة " وَفِيه عَطاء بن عجلَان وَهُوَ ضَعِيف. وَمِنْهَا حَدِيث جَابر أخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِذا قَامَ الرجل فِي الصَّلَاة أقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَإِذا الْتفت قَالَ يَا ابْن آدم إِلَى من تلْتَفت إِلَى من هُوَ خير لَك مني أقبل إِلَيّ فَإِذا الْتفت الثَّانِيَة قَالَ مثل ذَلِك وَإِذا الْتفت الثَّالِثَة صرف الله تَعَالَى وَجهه عَنهُ " وَفِيه الْفضل بن عِيسَى وَهُوَ ضَعِيف. وَمِنْهَا حَدِيث عبد الله بن سَلام أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " لَا صَلَاة لملتفت " وَفِيه الصَّلْت بن طريف قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مُضْطَرب الحَدِيث. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " إيَّاكُمْ والالتفات فِي الصَّلَاة فَإِن أحدكُم يُنَاجِي ربه مادام فِي صلَاته ". حَدِيث آخر عَن أنس أخرجه ابْن حبَان فِي كتاب الضُّعَفَاء قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " الْمُصَلِّي يَتَنَاثَر على رَأسه الْخَيْر من عنان السَّمَاء إِلَى مفرق رَأسه وَملك يُنَادي لَو يعلم هَذَا العَبْد من يُنَاجِي مَا انْفَتَلَ " وَفِيه عباد بن كثير قَالَ ابْن حبَان هُوَ عِنْدِي لَا شَيْء فِي الحَدِيث قَالَ وَكَانَ ابْن معِين يوثقه وَلَيْسَ هَذَا بعباد بن كثير الثَّقَفِيّ سَاكن مَكَّة وَمن النَّاس من جَعلهمَا وَاحِدًا وَفِيه نظر وَجه النّظر أَن عباد بن كثير الَّذِي فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور روى عَن الثَّوْريّ وروى عَنهُ يحيى بن يحيى والثقفي مَاتَ قبل الثَّوْريّ وأبى الثَّوْريّ أَن يشْهد جنَازَته وَيحيى بن يحيى كَانَ طفْلا صَغِيرا
١٤٠ - (حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ َ - صلى فِي خميصة لَهَا أَعْلَام فَقَالَ شغلتني أَعْلَام هَذِه اذْهَبُوا بهَا إِلَى أبي جهم وأتوني بأنبجانية) وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن أَعْلَام الخميصة إِذا لحظها الْمُصَلِّي وَهُوَ على عَاتِقه كَانَ يلْتَفت إِلَيْهَا يَسِيرا أَلا ترى
стр. 1561
أَنه ﷺ َ - خلعها وَعلل بقوله " شغلني أَعْلَام هَذِه " وَلَا يكون هَذَا إِلَّا بِوُقُوع بَصَره عَلَيْهَا وَفِي وُقُوع بَصَره عَلَيْهَا الْتِفَات وَرِجَال هَذَا الحَدِيث تكَرر ذكرهم وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم. وَهَذَا كَمَا رَأَيْته قد أخرجه هَهُنَا عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان وَأخرجه فِي بَاب إِذا صلى فِي ثوب لَهُ أَعْلَام عَن أَحْمد بن يُونُس عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ وَقد تكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء والخميصة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم كسَاء أسود مربع لَهُ علمَان أَو أَعْلَام قَوْله " شغلني " ويروى " شغلتني " قَوْله " بهَا " ويروى " بِهِ " قَوْله " إِلَى أبي جهم " بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْهَاء كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الكشمسهني " جهيم " بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الذَّهَبِيّ أَبُو جهب بن حُذَيْفَة صَاحب الأنبجانية وَهُوَ الْأَصَح قَوْله " بأنبجانية " فِي ضَبطهَا اخْتِلَاف وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهَا فِي الْبَاب الْمَذْكُور تَكَامل هِلَال الْجُزْء الْخَامِس من عُمْدَة الْقَارِي شرح صَحِيح البُخَارِيّ للْإِمَام الْعَيْنِيّ ويتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء السَّادِس ومطلعه (بَاب هَل يلْتَفت لأمر ينزل بِهِ أَو يرى شَيْئا) نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ العون على إكماله حَتَّى يشرق على النَّاس ضوؤه ونوره فَيعم بِهِ النَّفْع وَالِانْتِفَاع فَإِنَّهُ نعم الْمولى وَنعم النصير (أنظر الحَدِيث ٦٩٠ وطرفه) .
стр. 1562
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
(بَاب هَل يلْتَفت لأمر ينزل بِهِ أَو يرى شَيْئا أَو بصاقا فِي الْقبْلَة)
-
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: هَل يلْتَفت ... إِلَى آخِره، أَي: هَل يلْتَفت الْمُصَلِّي فِي صلَاته لأمر ينزل بِهِ مثل مَا إِذا خَافَ من سُقُوط جِدَار أَو قصد حَيَّة أَو سبع لَهُ؟ قَوْله: (أَو يرى شَيْئا) قدامه أَو من جِهَة يَمِينه أَو من جِهَة يسَاره، وَلَيْسَ هُوَ بمقيد أَن يكون من جِهَة الْقبْلَة فَقَط، لِأَنَّهُ لَا يلْزم تَقْيِيد الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بِمَا هُوَ قيد فِي الْمَعْطُوف. قَوْله: (أَو بصاقا) عطف على: شَيْئا، تَقْدِيره: أَو رأى بصاقا فِي جِهَة الْقبْلَة فَالْتَفت إِلَيْهِ، وَجَوَاب: هَل، مَحْذُوف تَقْدِيره: يلْتَفت، لدلَالَة مَا فِي الْبَاب عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَهْلٌ التَفَتَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَرَأى النبيَّ ﷺ
مطابقته لقَوْله فِي التَّرْجَمَة: (أَو يرى شَيْئا) فَإِن أَبَا بكر الْتفت لما رأى النَّبِي ﷺ ، وَسَهل هُوَ: ابْن سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي، هُوَ وَأَبوهُ صحابيان. وَهَذَا أخرجه البُخَارِيّ فِي: بَاب من دخل ليؤم النَّاس، من رِوَايَة أبي حَازِم عَنهُ فِي إِمَامَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٧٥٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ نَافِعٍ عَن ابْن عُمَرَ أنَّهُ قَالَ رَأى النبيُّ ﷺ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ وَهْوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيِّ النَّاسِ فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ إنَّ أحَدُكُمْ إذَا كانَ فِي الصَّلَاةِ فإنَّ الله قَبِلَ وَجْهَهُ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ أحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الْجُزْء الثَّالِث مِنْهَا، وَهُوَ قَوْله: (أَو بصاقا) . فَإِن قلت: الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة البصاق، وَفِي الحَدِيث النخامة، وَأَيْنَ التطابق؟ قلت: الْمَقْصُود مُطَابقَة أصل الحَدِيث، فَإِنَّهُ أخرج حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر هَذَا أَيْضا فِي: بَاب حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد، وَلَفظه: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر: (أَن رَسُول الله ﷺ رأى بصاقا فِي جِدَار الْقبْلَة فحكه) . الحَدِيث، وَلِأَن حكم البصاق والنخامة وَاحِد من حيثية تعين إزالتهما على أَن الصَّحِيح أَن النخامة هِيَ الفضلة الْخَارِجَة من الصَّدْر، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي الْأَبْوَاب الَّتِي فِيهَا حك البزاق بِالْيَدِ، وحك النخامة بالحصى، فَقَوله: (وَهُوَ يُصَلِّي) جملَة حَالية. قَوْله: (بَين يَدي النَّاس) ، قَالَ بَعضهم: هَذَا يحْتَمل أَن يكون مُتَعَلقا بقوله: (وَهُوَ يُصَلِّي) أَو بقوله: (رأى نخامة) . قلت: ظَاهر التَّرْكِيب يَقْتَضِي تعلقه بقوله: (وَهُوَ يُصَلِّي) لِأَن الْعَامِل فِي الظّرْف هُوَ قَوْله: (يُصَلِّي) قَوْله: فحتها) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: حكها وأزالها. قَوْله: (ثمَّ قَالَ حِين انْصَرف) ظَاهر التَّرْكِيب يَقْتَضِي أَن يكون الحت وَقع مِنْهُ ﷺ دَاخل الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر الْمَذْكُور آنِفا غير مُقَيّد بِحَال الصَّلَاة، وَكَذَلِكَ هُوَ أخرج هُنَاكَ أَحَادِيث عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد وَأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلَيْسَ فِي وَاحِد مِنْهَا قيد بِحَال الصَّلَاة. فَإِن قلت: مَا وَجه هَذِه الرِّوَايَة الْمقيدَة بِحَال الصَّلَاة؟ أَو لَيْسَ هَذَا عمل يفْسد الصَّلَاة؟ قلت: الْعَمَل الْيَسِير لَا يفْسد
стр. 1563
الصَّلَاة، وَهُوَ كبصاقه فِي ثَوْبه فِي الصَّلَاة، ورد بعضه على بعض، وَنَظِيره مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (جِئْت وَرَسُول الله ﷺ يُصَلِّي فِي الْبَيْت وَالْبَاب عَلَيْهِ مغلق، فَمشى حَتَّى فتح لي ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَانَهُ) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَهُوَ مَحْمُول على أَنه مَشى أقل من ثَلَاث خطوَات لقربة من الْبَاب، وفتحه الْبَاب أَيْضا مَحْمُول على أَنه فَتحه بِيَدِهِ الْوَاحِدَة، وَذَلِكَ لِأَن الْفَتْح باليدين عمل كثير فتفسد بِهِ الصَّلَاة، وَعَن هَذَا قَالَ أَصْحَابنَا: لَو غلق الْمُصَلِّي الْبَاب لَا تفْسد صلَاته، وَلَو فتحهَا فَسدتْ، لِأَن الْفَتْح يحْتَاج غَالِبا إِلَى المعالجة باليدين، وَهُوَ عمل كثير، بِخِلَاف الغلق، حَتَّى لَو فتحهَا بِيَدِهِ الْوَاحِدَة لَا تفْسد. قَوْله: (قبل وَجهه) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ على سَبِيل التَّشْبِيه أَي: كَأَنَّهُ قبل وَجهه، فَيكون التنخم قبل الْوَجْه سوء أدب. قَوْله: (فَلَا يتنخمن) ، بالنُّون الْمُؤَكّدَة الثَّقِيلَة، أَي: فَلَا يرمين النخامة قبل وَجهه وَهُوَ فِي الصَّلَاة.
ورَوَاهُ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ وَابنُ أبِي رَوَّادٍ عنْ نافِعٍ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَوَصله مُسلم عَن هَارُون بن عبد الله: حَدثنَا حجاج قَالَ: قَالَ ابْن جريج: عَن مُوسَى بن عقبَة وَابْن أبي رواد عَن نَافِع قَوْله: (وَابْن أبي رواد) أَي: رَوَاهُ أَيْضا ابْن أبي رواد، واسْمه: عبد الْعَزِيز، وَاسم ابي رواد، بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْوَاو وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: مَيْمُون مولى آل الْمُهلب بن أبي صفرَة الْعَتكِي، وَوَصله أَحْمد فِي (مُسْنده) : عَن عبد الرَّزَّاق عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد الْمَذْكُور عَن نَافِع أَيْضا.
٧٥٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ عنْ عُقَيلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ قَالَ بَيْنَمَا المُسْلِمُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إلَاّ رسولُ الله ﷺ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عائِشَةَ فَنَظَرَ إلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ ونَكَصَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ علَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ فظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ الخُرُوجَ وهِمَّ الْمُسْلِمُونَ أنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فأشَارَ إلَيْهِمْ أتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فأرْخَى السِّتْرَ وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الصَّحَابَة لما كشف عَلَيْهِ ﷺ السّتْر التفتوا إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَن الْحُجْرَة كَانَت عَن يسَار الْقبْلَة، فالناظر إِلَى إِشَارَة من هُوَ فِيهَا يحْتَاج إِلَى أَن يلْتَفت، وَلَوْلَا التفاتهم مَا رَأَوْا إِشَارَته، فَصدق عَلَيْهِ الْجُزْء الثَّانِي من التَّرْجَمَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير المَخْزُومِي الْمصْرِيّ، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد الْمصْرِيّ، وَعقيل، بِضَم الْعين: هُوَ ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي أَيْضا: عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث بِهِ، وَقد مر الْكَلَام مُسْتَوفى فِي هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب أهل الْعلم وَالْفضل أَحَق بِالْإِمَامَةِ.
قَوْله: (لم يفجأهم) هُوَ عَامل فِي قَوْله: (بَيْنَمَا) قَوْله: (كشف) حَال بِتَقْدِير: قد، وَكَذَا قَوْله: (نظر إِلَيْهِم) . قَوْله: (وهم صُفُوف) ، جملَة إسمية حَالية. قَوْله: (يضْحك) حَال مُؤَكدَة أَي غير منتقلة، وَمثلهَا لَا يلْزم أَن تكون مقررة لمضمون جملَة، وَيجوز أَن تكون حَالا مقدرَة. قَوْله: (ونكص) أَي: وَرجع. قَوْله: (ليصل لَهُ) ، من الْوُصُول لَا من الْوَصْل، و: الصَّفّ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: إِلَى الصَّفّ. قَوْله: (فَظن) ، بِالْفَاءِ السَّبَبِيَّة أَي: نكص بِسَبَب ظَنّه أَن رَسُول الله ﷺ يُرِيد الْخُرُوج إِلَى الْمَسْجِد. قَوْله: (وهم الْمُسلمُونَ) أَي: قصدُوا إِن يفتتنوا أَي: يقعوا فِي الْفِتْنَة، أَي: فِي فَسَاد صلَاتهم وذهابها فَرحا بِصِحَّة رَسُول الله ﷺ وسرورا بِرُؤْيَتِهِ. قَوْله: (وَتُوفِّي من آخر ذَلِك الْيَوْم) ، ويروى: فَتوفي، بِالْفَاءِ، وَفِي رِوَايَة هُنَاكَ: وَتُوفِّي من يَوْمه) . وَقَالَ ابْن سعد: توفّي حِين زاغت الشَّمْس. فَإِن قلت: كَيفَ يلتئم هَذَا؟ قلت: قَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ من بعد أَن رَأَوْهُ، لِأَنَّهُ توفّي قبل انتصاف النَّهَار.
стр. 1564
٩٥ - (بابُ وجُوبُ القرَاءَةِ لِلإمامِ والْمَأمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فِي الحَضْرِ والسَّفَرِ وَمَا يُجْهَرُ فِيها وَمَا يُخَافَتُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي وجوب الْقِرَاءَة فِي الصَّلَوَات كلهَا فِي الْحَضَر وَالسّفر، وَإِنَّمَا ذكر السّفر لِئَلَّا يظنّ أَن الْمُسَافِر يترخص لَهُ ترك الْقِرَاءَة كَمَا يرخص لَهُ فِي تشطير الرّبَاعِيّة. قَوْله: (وَمَا يجْهر فِيهَا) على صِيغَة الْمَجْهُول عطف على قَوْله: (فِي الصَّلَاة) ، وَالتَّقْدِير: وَوُجُوب الْقِرَاءَة أَيْضا فِيمَا يجْهر فِيهَا. وَقَوله: (وَمَا يُخَافت) على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا عطف على مَا يجْهر، وَالتَّقْدِير: وَوُجُوب الْقِرَاءَة أَيْضا فِيمَا يُخَافت أَي يستر.
وَحَاصِل الْكَلَام أَن الْقِرَاءَة وَاجِبَة فِي الصَّلَوَات كلهَا سَوَاء كَانَ الْمُصَلِّي فِي الْحَضَر أَو فِي السّفر، وَسَوَاء كَانَت الصَّلَاة فِيمَا يجْهر بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا أَو يسر، وَسَوَاء كَانَ الْمُصَلِّي إِمَامًا أَو مَأْمُوما. وَقيد الْمَأْمُوم على مذْهبه لِأَن عِنْد الْحَنَفِيَّة لَا تجب الْقِرَاءَة على الْمَأْمُوم، لِأَن قِرَاءَة الإِمَام قِرَاءَة لَهُ، وَإِنَّمَا لم يذكر الْمُنْفَرد لِأَن حكمه حكم الإِمَام.
٧٥٥ - حدَّثنا مُوسَى قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ عنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ شَكا أهْلُ الكُوفَةِ سَعْدا إلَى عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَعَزَلَهُ واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارا فَشَكَوْا حَتَّى ذكَرُوا أنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا إسْحَاقَ إنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعَمُونَ أنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي قَالَ أبُو إسْحَاقَ أمَّا أَنا وَالله فإنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رسولِ الله ﷺ مَا أخْرِمُ عَنهَا أُصَلِّي صَلَاةَ العِشَاءِ فَأرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ قَالَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أبَا إسْحَاقَ فَأرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً أوْ رِجَالاً إلَى الكُوفَةِ فَسَألَ عَنْهُ أهْلَ الكُوفَةِ ولَمْ يَدَعْ مَسْجِدا إلَاّ سَأَلَ عَنْهُ وَيثْنُونَ عَلَيْهِ مَعْرُوفا حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدا لِبَنِي عَبْسٍ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بنُ قَتَادَةَ يُكْنَي أَبَا سَعْدَةَ قَالَ أمَّا إذْ نَشَدْتَنَا فإنَّ سَعْدا كانَ لَا يَسِيرُ بالسَّريَّةِ وَلَا يقسم بِالسَّوِيَّةِ ولَا يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ قَالَ سَعْدٌ أمَا وَالله لأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ اللَّهُمَّ إنْ كانَ عَبْدُكَ هَذِا كَاذِبا قامَ رِياءً وسُمْعَةً فأطِلْ عُمْرَهُ وأطِلْ فَقْرَهُ وَعَرِّضْهُ لِلفِتَنِ قَالَ وَكَانَ بَعْدُ إذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. قالَ عَبْدُ المَلِكِ فَأنَا رَأيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِن الكِبَرِ وإنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمزُهُنَّ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِنِّي كنت أُصَلِّي بهم صَلَاة رَسُول الله ﷺ وَلَا نزاع فِي قِرَاءَة النَّبِي ﷺ فِي صلَاته دَائِما، وَهُوَ يدل على وجوب الْقِرَاءَة، لَكِن التطابق إِنَّمَا يكون فِي الْجُزْء الأول من التَّرْجَمَة وَهُوَ قَوْله: (وجوب الْقِرَاءَة للْإِمَام. وَقَوله: (مَا أخرم عَنْهَا) أَي: عَن صَلَاة النَّبِي ﷺ ، يدل على الْجُزْء الْخَامِس وَالسَّادِس من التَّرْجَمَة، وَهُوَ: الْجَهْر فِيمَا يجْهر والمخافتة فِيمَا يُخَافت، وَلَا نزاع أَنه ﷺ كَانَ يجْهر فِي مَحل الْجَهْر ويخفي فِي مَحل الْإخْفَاء، وَهَذَا القَوْل يدل أَيْضا على الْجُزْء الثَّالِث وَالرَّابِع، لِأَنَّهُ يدل على أَنه ﷺ مَا كَانَ يتْرك الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة فِي الْحَضَر وَلَا فِي السّفر، لِأَنَّهُ لم ينْقل تَركه أصلا، وَلم يبْق من التَّرْجَمَة إلاّ الْجُزْء الثَّانِي، وَهُوَ: قِرَاءَة الْمَأْمُوم، فَلَا دلَالَة فِي الحَدِيث عَلَيْهِ، وَبِهَذَا التَّقْدِير ينْدَفع اعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره، حَيْثُ قَالُوا: لَا دلَالَة فِي حَدِيث سعد على وجوب الْقِرَاءَة، وَإِنَّمَا فِيهِ تخفيفها فِي الْأُخْرَيَيْنِ عَن الْأَوليين، وَقَالَ ابْن بطال: وَجه دُخُول حَدِيث سعد فِي هَذَا الْبَاب أَنه لما قَالَ: أركد وأخف، علم أَنه لَا يتْرك
стр. 1565
الْقِرَاءَة فِي شَيْء من صلَاته، وَقد قَالَ: إِنَّهَا مثل صلَاته ﷺ قلت: هَذَا قريب مِمَّا ذكرنَا، وَلَكِن لَا يدل على وجوب الْقِرَاءَة على الْمَأْمُوم. وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت: مَا وَجه تعلقه بالترجمة؟ قلت: وَجهه أَن ركود الإِمَام يدل على قِرَاءَته عَادَة، فَهُوَ دَال على بعض التَّرْجَمَة انْتهى. قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، بل يدل على كل التَّرْجَمَة مَا خلا قَوْله: الْمَأْمُوم، فَمن أمعن النّظر فِيمَا قَالُوا وَفِيمَا قلت عرف أَن الْوَجْه هُوَ الَّذِي ذكرته على مَا لَا يخفى.
ذكر الرِّجَال الْمَذْكُورين فِيهِ الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي. الثَّانِي أَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: واسْمه الوضاح، بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة وبعدالألف حاء مُهْملَة: ابْن عبد الله الْيَشْكُرِي، مَاتَ سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة فِي ربيع الأول. الثَّالِث: عبد الْملك بن عُمَيْر مصغر عَمْرو بن سُوَيْد الْكُوفِي، وَكَانَ قد أدْرك النَّبِي ﷺ وروى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فِي ذِي الْحجَّة، وَكَانَ على قَضَاء الْكُوفَة. الرَّابِع: جَابر بن سَمُرَة بن جُنَادَة العامري السوَائِي، يكنى أَبَا خَالِد، وَقيل: أَبُو عبد الله، لَهُ ولأبيه صُحْبَة، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله ﷺ مائَة حَدِيث وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، اتفقَا على حديثين، وَانْفَرَدَ مُسلم بِسِتَّة وَعشْرين، وَهُوَ ابْن أُخْت سعد بن أبي وَقاص، سكن الْكُوفَة وابتنى بهَا دَارا، وَتُوفِّي فِي أَيَّام بشر بن مَرْوَان على الْكُوفَة بهَا، وَقيل: توفّي سنة سِتّ وَسِتِّينَ أَيَّام الْمُخْتَار. الْخَامِس: سعد بن أبي وَقاص، وَاسم أبي وَقاص: مَالك بن أهيب، وَيُقَال: وهيب بن عبد منَاف أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ، أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ، مَاتَ فِي قصره بالعقيق على عشرَة أَمْيَال من الْمَدِينَة، وَحمل على رِقَاب النَّاس إِلَى الْمَدِينَة وَدفن بِالبَقِيعِ سنة خمس وَخمسين، وَهُوَ الْمَشْهُور، وَهُوَ آخر الْعشْرَة المبشرة وَفَاة، وَاخْتلف فِي عمره، فأنهى مَا قيل: ثَلَاث وَثَمَانُونَ سنة. السَّادِس: عمر بن الْخطاب. السَّابِع: عمار بن يَاسر الْعَبْسِي أَبُو الْيَقظَان، قتل بصفين سنة سبع وَثَلَاثِينَ، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَتِسْعين سنة، وَصلى عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الثَّامِن: أُسَامَة بن قَتَادَة. التَّاسِع: الرجل الَّذِي بَعثه سعد فِي قَوْله: فَأرْسل مَعَه رجلا، وَهُوَ: مُحَمَّد بن مسلمة بن خَالِد الْحَارِثِيّ الْأنْصَارِيّ، فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ وَسيف، وَحكى ابْن التِّين أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أرسل فِي ذَلِك عبد الله بن أَرقم، وَرُوِيَ ابْن سعد من طَرِيق مليح بن عَوْف قَالَ: بعث عمر مُحَمَّد بن مسلمة وَأَمرَنِي بِالْمَسِيرِ مَعَه، وَكنت دَلِيلا بالبلاد، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة أنفس. وَقَوله فِي الحَدِيث: أَو بعث مَعَه رجَالًا، وَأَقل الْجمع ثَلَاثَة، فَيحْتَمل أَن يكون هَؤُلَاءِ الرِّجَال هم هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن أبي عون مُحَمَّد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ، وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَأبي النُّعْمَان، فروايتهما كِلَاهُمَا عَن أبي عوَانَة. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن ابْن مهْدي عَن شُعْبَة بِهِ. وَعَن أبي كريب عَن مُحَمَّد بن بشر عَن مسعر عَن عبد الْملك بن عُمَيْر وَأبي عون الثَّقَفِيّ بِهِ، وَعَن يحيى بن يحيى عَن هشيم وَعَن قُتَيْبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن جرير عَن عبد الْملك بن عُمَيْر بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن حَمَّاد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن دَاوُد الطَّائِي عَن عبد الْملك بن عُمَيْر فِي مَعْنَاهُ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (شكا أهل الْكُوفَة) ، أَي: بعض أهل الْكُوفَة، لِأَن كلهم مَا شكوه، وَفِيه مجَاز من إِطْلَاق اسْم الْكل على الْبَعْض، وَفِي رِوَايَة زَائِدَة عَن عبد الْملك فِي صَحِيح أبي عوَانَة: (نَاس من أهل الْكُوفَة) ، وَكَذَا فِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن جرير عَن عبد الْملك، وَسمي الطَّبَرِيّ وَسيف عَنْهُم جمَاعَة وهم: الْجراح بن سِنَان وَقبيصَة واربد الأسديون، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن عبد الْملك عَن جَابر بن سَمُرَة قَالَ: (كنت جَالِسا عِنْد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذا جَاءَ أهل الْكُوفَة يَشكونَ إِلَيْهِ سعد ابْن أبي وَقاص حَتَّى قَالُوا: إِنَّه لَا يحسن الصَّلَاة) . وَأما الْكُوفَة فَذكر الْكَلْبِيّ أَنَّهَا إِنَّمَا سميت الْكُوفَة بجبل صَغِير اختطت عَلَيْهِ مهرَة، فهم حوله، وَكَانَ مرتفعا فسهلوه الْيَوْم، وَكَانَ يُقَال لَهُ: كوفان، وَكَانَ عَاشر كسري يجلس عَلَيْهِ وَفِي (الزَّاهِر) لِابْنِ الْأَنْبَارِي: سميت كوفة لاستدارتها، أخذا من قَول الْعَرَب: رَأَيْت كوفانا وكوفانا بِضَم الْكَاف وَفتحهَا، للرملة المستديرة، وَيُقَال: سميت كوفة لِاجْتِمَاع النَّاس بهَا، من قَوْلهم: قد تكوف الرجل يتكوف تكوفا. إِذا ركب بعضه بَعْضًا. وَيُقَال: الْكُوفَة أخذت من الكوفان، يُقَال: هم فِي كوفان، أَي: فِي بلَاء وَشر، وَيُقَال: سميت كوفة لِأَنَّهَا قِطْعَة من الْبِلَاد، من قَول الْعَرَب: قد أَعْطَيْت
стр. 1566
فلَانا كيفة، أَي: قِطْعَة. يُقَال: كفت أكيف كيفا إِذا قطعت، فالكوفة فعلة من هَذَا، وَالْأَصْل فِيهَا: كيفة، فَلَمَّا سكنت الْيَاء وانضم مَا قبلهَا جعلت واوا. وَقَالَ قطرب: يُقَال: الْقَوْم فِي كوفان أَي: محرقون فِي أَمر يجمعهُمْ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الزجاجي: سميت كوفة بموضعها من الأَرْض، وَذَلِكَ أَن كل رَملَة يخالطها حَصْبَاء تسمى كوفة. وَقَالَ آخَرُونَ: سميت كوفة لِأَن جبل سانيد يُحِيط بهَا كالكفاف عَلَيْهَا، وَقَالَ ابْن حوقل: الْكُوفَة على الْفُرَات وبناؤها كبناء الْبَصْرَة، مصّرها سعد بن أبي وَقاص، وَهِي خطط لقبائل الْعَرَب وَهِي خراج بِخِلَاف الْبَصْرَة، لِأَن ضيَاع الْكُوفَة قديمَة جَاهِلِيَّة وضياع الْبَصْرَة إحْيَاء موَات فِي الْإِسْلَام، وَفِي (مُعْجم مَا استعجم) : سميت الْكُوفَة لِأَن سَعْدا لما افْتتح الْقَادِسِيَّة نزل الْمُسلمُونَ الإكار، فَإِذا هم أليق، فَخرج فارتاد لَهُم مَوضِع الْكُوفَة، وَقَالَ: تكوفوا فِي هَذَا الْموضع أَي: اجْتَمعُوا. وَقَالَ مُحَمَّد بن سهل: كَانَت الْكُوفَة منَازِل نوح ﵊، وَهُوَ الَّذِي بنى مَسْجِدهَا. وَقَالَ اليعقوبي فِي كِتَابه: هِيَ مَدِينَة الْعرَاق الْكُبْرَى والمصر الْأَعْظَم وقبة الْإِسْلَام وَدَار هِجْرَة الْمُسلمين، وَهِي أول مَدِينَة اختط الْمُسلمُونَ بالعراق فِي سنة أَربع عشرَة، وَهِي على مُعظم الْفُرَات وَمِنْه تشرب أَهلهَا، وَمن بَغْدَاد إِلَيْهَا ثَلَاثُونَ فرسخا. وَفِي (تَارِيخ الطَّبَرِيّ) : لما احتوى الْمُسلمُونَ الأنبار كتب سعد إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يُخبرهُ بذلك، فَكتب إِلَيْهِ: أنظر فلاة إِلَى جَانب الْبَحْر فارتاد الْمُسلمُونَ بهَا منزلا، فَبعث سعد رجلا من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: الْحَارِث بن سَلمَة، وَيُقَال: عُثْمَان بن الحنيف، فارتاد لَهُم موضعا من الْكُوفَة. وَفِي (الصِّحَاح) : الْكُوفَة الرملة الْحَمْرَاء، وَبهَا سميت الْكُوفَة. قَوْله: (عمارا) هُوَ عمار بن يَاسر، وَقد ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ خَليفَة: اسْتعْمل عمارا على الصَّلَاة وَابْن مَسْعُود على بَيت المَال وَعُثْمَان بن الحنيف على مساحة الأَرْض. قَوْله: (فشكوا) قَالَ بَعضهم: لَيست هَذِه: الْفَاء، عاطفة على: فَعَزله، بل هِيَ تفسيرية، إِذْ الشكوى كَانَت سَابِقَة على الْعَزْل. قلت: الْفَاء، إِذا كَانَت تفسيرية لَا تخرج عَن كَونهَا عاطفة، وَلَيْسَت الْفَاء هَهُنَا عطفا على: فَعَزله، وَإِنَّمَا هِيَ عطف على قَوْله: (شكا أهل الْكُوفَة) ، عطف تَفْسِير. وَقَوله: ((فَعَزله وَاسْتعْمل عَلَيْهِم عمارا) جملَة مُعْتَرضَة. قَوْله: (حَتَّى ذكرُوا أَنه لَا يحسن يُصَلِّي) ، هَذَا يدل على أَن شكواهم كَانَت مُتعَدِّدَة، مِنْهَا قصَّة الصَّلَاة، وَصرح فِي رِوَايَة: (فَقَالَ عمر: لقد شكوك فِي كل شَيْء حَتَّى فِي الصَّلَاة) . وَمِنْهَا: مَا ذكره ابْن سعد وَسيف: أَنهم زَعَمُوا أَنه حابى فِي بيع خمس بَاعه، وَأَنه صنع على دَاره بَابا مبوبا من خشب، وَكَانَ السُّوق مجاورا لَهُ، فَكَانَ يتَأَذَّى بأصواتهم، فزعموا أَنه قَالَ: لينقطع الصويت. وَمِنْهَا: مَا ذكره سيف: أَنهم زَعَمُوا أَنه كَانَ يلهيه الصَّيْد عَن الْخُرُوج فِي السَّرَايَا. وَقَالَ الزبير بن بكار فِي كتاب (النّسَب) : رفع أهل الْكُوفَة عَلَيْهِ أَشْيَاء كشفها عمر فَوَجَدَهَا بَاطِلَة، وَيشْهد لذَلِك قَول عمر فِي وَصيته. فَإِنِّي لم أعزله عَن عجز وَلَا خِيَانَة، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَمر سعد بن أبي وَقاص على قتال الْفرس فِي سنة أَربع عشرَة، فَفتح الله تَعَالَى الْعرَاق على يَدَيْهِ ثمَّ اختط الْكُوفَة سنة سبع عشرَة، وَاسْتمرّ عَلَيْهَا أَمِيرا، إِلَى سنة إِحْدَى وَعشْرين فِي قَول خَليفَة بن خياط، وَعند الطَّبَرِيّ: سنة عشْرين، فَوَقع لَهُ مَعَ أهل الْكُوفَة مَا وَقع. قَوْله: (فَأرْسل إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاق) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فوصل إِلَيْهِ، أَي: الرَّسُول، فجَاء إِلَى عمر. وَأَبُو إِسْحَاق كنية سعد، كنى بذلك بأكبر أَوْلَاده، وَهَذَا تَعْظِيم من عمر لَهُ، وَفِيه دلَالَة على أَنه لم تقدح فِيهِ الشكوى عِنْده. قَوْله: (أما إِنَّا وَالله) كلمة: اما، بِالتَّشْدِيدِ وَهِي للتقسيم، وَفِيه مُقَدّر لِأَنَّهُ لَا بُد لَهَا من قسيم تَقْدِيره: أما هم فَقَالُوا مَا قَالُوا، وَأما أَنا فَأَقُول: إِنِّي كنت كَذَا. . وَلَفْظَة: وَالله لتأكيد الْخَبَر فِي نفس السَّامع، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُؤَخر لَفْظَة: وَالله، عَن الْفَاء، وَلَكِن يجوز تَقْدِيم بعض مَا هُوَ فِي حيزها عَلَيْهَا، وَالْقسم لَيْسَ أَجْنَبِيّا وَجَوَاب الْقسم مَحْذُوف، وَقَوله: (فَإِنِّي كنت) ، يدل عَلَيْهِ، ويروى: إِنِّي كنت، بِدُونِ الْفَاء. قَوْله: (صَلَاة رَسُول الله ﷺ بِالنّصب أَي: صَلَاة مثل صلَاته ﷺ . قَوْله: (مَا أخرم) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء، أَي: لَا أنقص وَمَا أقطع، وَحكى ابْن التِّين عَن بعض الروَاة أَنه بِضَم أَوله. وَقَالَ بَعضهم: جعله من الرباعي. قلت: لَيْسَ من الرباعي، بل هُوَ من مزِيد الثلاثي، لِأَن الِاصْطِلَاح هَكَذَا عِنْد أهل الصّرْف. قَوْله: (صَلَاة الْعشَاء) ، كَذَا هُوَ هَهُنَا بِالْإِفْرَادِ، وَفِي الْبَاب الَّذِي بعده: صَلَاتي الْعشَاء، بالتثنية، والعشي، بِكَسْر الشين وَتَشْديد الْيَاء، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (بعد صَلَاتي الْعشَاء) ، وَالْمرَاد من صَلَاتي الْعشَاء الظّهْر وَالْعصر، وَلَا يبعد أَن يُقَال: صَلَاتي الْعشَاء بِالْمدِّ، وَيكون المُرَاد: الْمغرب وَالْعشَاء، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن أبي عوَانَة بِلَفْظ: (صَلَاتي الْعشَاء) ، وَوجه تَخْصِيص صَلَاة الْعشَاء بِالذكر من بَين الصَّلَوَات لاحْتِمَال كَون شكواهم
стр. 1567
مِنْهُ فِي هَذِه الصَّلَوَات، أَو لِأَنَّهُ لما لم يهمل شَيْئا من هَذِه الَّتِي وَقتهَا وَقت الاسْتِرَاحَة، فَفِي غَيرهَا بِالطَّرِيقِ الأولى، قَالَه الْكرْمَانِي، وَلَكِن يُقَال مثله فِي الظّهْر لِأَنَّهُ وَقت القائلة، وَالْعصر لِأَنَّهُ وَقت المعاش، وَالصُّبْح لِأَنَّهُ وَقت لَذَّة النّوم، وَالْأَقْرَب أَن يُقَال: الْوَجْه هُوَ أَن شكواهم كَانَت فِي صَلَاتي الْعشي، فَلذَلِك خصصهما بِالذكر. قَوْله: (فأركد) ، بِضَم الْكَاف أَي: أسكن وأمكث فِي الْأَوليين، أَي: الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين، يُقَال: ركد يركد ركودا، إِذا ثَبت ودام، وَمِنْه المَاء الراكد أَي: السَّاكِن الدَّائِم، وركدت السَّفِينَة سكنت من الِاضْطِرَاب، وركد الرّيح سكن، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (وأمد فِي الْأَوليين) بدل: فأركد، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ أَي: أطول وأمد، ثمَّ الظَّاهِر أَن مده وتطويله كَانَ بِكَثْرَة الْقِرَاءَة، وَلَا يُقَال: كَانَ ذَلِك بِمَا هُوَ أَعم من الْقِرَاءَة كالركوع وَالسُّجُود، لِأَن الْقيام لَيْسَ محلا للدُّعَاء وَلَا لمُجَرّد السُّكُوت، وَإِنَّمَا هُوَ مَحل الْقِرَاءَة. قَوْله: (وأخف) بِضَم الْهمزَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة من بَاب الإفعال، يُقَال: أخف الرجل فِي أمره يخف فَهُوَ مخف، وَفِي الْكشميهني: أحذف، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة: أَي أحذف التَّطْوِيل، وَلَيْسَ المُرَاد حذف أصل الْقِرَاءَة، وَفِيه خلاف نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الدَّارمِيّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل شيخ البُخَارِيّ بِلَفْظ: أحذف، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن كثير عَن شُعْبَة: احذم، بِالْمِيم مَوضِع الْفَاء، من: حذم يحذم حذما إِذا أسْرع. وأصل الحذم الْإِسْرَاع فِي كل شَيْء، وَمِنْه حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِذا أَقمت فاحذم) أَي: اسرع. قَوْله: (فِي الْأُخْرَيَيْنِ) أَي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ. قَوْله: (ذَاك الظَّن) ، جملَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، ويروي: ذَلِك الظَّن، وَقَوله: (بك) ، يتَعَلَّق بِالظَّنِّ، أَي: هَذَا الَّذِي تَقوله يَا أَبَا إِسْحَاق هُوَ الَّذِي يظنّ بك، وَفِي رِوَايَة مسعر عَن عبد الْملك وَأبي عون مَعًا، فَقَالَ سعد: أتعلمني الْأَعْرَاب الصَّلَاة؟ أخرجه مُسلم، وَفِيه دلَالَة على أَن الَّذِي شكوه كَانُوا جُهَّالًا، لِأَن الْجَهَالَة فيهم غالبة، والأعراب، بِفَتْح الْهمزَة، ساكنو الْبَادِيَة من الْعَرَب الَّذين لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَهَا إلاّ لحَاجَة، وَالْعرب اسْم لهَذَا الجيل الْمَعْرُوف من النَّاس وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَسَوَاء أَقَامَ بالبادية أَو المدن. قَوْله: (فَأرْسل مَعَه رجلا) أَي: أرسل عمر مَعَ سعد رجلا، وَقد ذكرنَا من هُوَ الرجل. قَالَ الْكرْمَانِي: إِن كَانَ سعد غَائِبا فَكيف خاطبه بقوله: (ذَاك الظَّن بك) ؟ وَإِن كَانَ حَاضرا فَكيف قَالَ: فَأرْسل إِلَيْهِ؟ ثمَّ أجَاب بقوله: كَانَ غَائِبا أَو لَا ثمَّ حضر. انْتهى. قلت: لفظ الحَدِيث: (فَأرْسل مَعَه) ، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَلَا يَتَأَتَّى مَا ذكره إلاّ إِذا كَانَ اللَّفْظ: فَأرْسل إِلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك. قَوْله: (أَو رجَالًا) كَذَا هُوَ بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: فَبعث عمر رجلَيْنِ، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (يسْأَل عَنهُ أهل الْكُوفَة) ، أَي: يسْأَل عَن سعد أهل الْكُوفَة كَيفَ حَاله بَينهم؟ ويروى: (فَسَأَلَ عَنهُ) ، وَوجه ذَلِك أَنه مَعْطُوف على مُقَدّر تَقْدِيره: فَأرْسل رجلا إِلَى الْكُوفَة فَانْتهى إِلَيْهَا فَسَأَلَ عَنهُ، وَمثل هَذِه الْفَاء تسمى: فَاء الفصيحة، وَأما وَجهه على قَوْله: يسْأَل عَنهُ، بِلَفْظ الْمُضَارع الْغَائِب فَهُوَ من الْأَحْوَال الْمقدرَة المنتظرة، قَوْله: (وَلم يدع) أَي: لم يتْرك الرجل الْمَبْعُوث الْمُرْسل مَسْجِدا من مَسَاجِد الْكُوفَة إلاّ سَأَلَ عَنهُ، أَي: عَن سعد. قَوْله: (ويثنون مَعْرُوفا) أَي: وَالْحَال أَن أهل الْكُوفَة يثنون عَلَيْهِ مَعْرُوفا، وَهُوَ كل أَمر خير، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: فكلهم يثني عَلَيْهِ خيرا. قَوْله: (لبني عبس) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره سين مُهْملَة، وَهُوَ قَبيلَة كَبِيرَة من قيس. قَوْله: (أما إِذا نَشَدتنَا) كلمة: أما، بِالتَّشْدِيدِ للتفصيل والتقسيم، والقسيم مَحْذُوف تَقْدِيره: أما غَيْرِي إِذا أنشدتنا، أَي: حِين نَشَدتنَا، فَأَثْنوا عَلَيْهِ، وَأما نَحن إِذا سألتنا فَنَقُول كَذَا وَكَذَا، وَمعنى: نَشَدتنَا أَي: سألتنا بِاللَّه، يُقَال: نشدتك الله، سَأَلتك بِاللَّه. قَوْله: (لَا يسير بالسرية) ، الْبَاء فِيهِ للمصاحبة، والسرية، بتَخْفِيف الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، قِطْعَة من الْجَيْش يبلغ أقصاها أَرْبَعمِائَة تبْعَث إِلَى الْعَدو، وَجَمعهَا: السَّرَايَا، سموا بذلك لأَنهم يكونُونَ خُلَاصَة الْعَسْكَر وخيارهم، من الشَّيْء السّري أَي: النفيس. وَقيل: سموا ذَلِك لأَنهم ينفذون سرا وخفية، وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ، لِأَن: لَام، السِّرّ: رَاء، وَهَذِه: يَاء، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون صفة الْمَحْذُوف، أَي: لَا يسير بالطريقة السّريَّة أَي: العادلة، وَالْأولَى أولى وأوجه لقَوْله بعد ذَلِك: لَا يعدل، وَالْأَصْل عدم التّكْرَار، والتأسيس أولى من التَّأْكِيد، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة جرير وسُفْيَان بِلَفْظ: (وَلَا ينفر فِي السّريَّة) . قَوْله: (فِي الْقَضِيَّة) ، أَي: الْحُكُومَة وَالْقَضَاء، وَفِي رِوَايَة جرير وَسيف: فِي الرّعية. قَوْله: (قَالَ سعد) ، وَفِي رِوَايَة جرير: (فغض سعد) ، وَحكى ابْن التِّين أَنه قَالَ
стр. 1568
لَهُ: أَعلَى تشجع: قَوْله: (أما وَالله) ، بتَخْفِيف الْمِيم حرف استفتاح. قَوْله: (لأدعون) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وَكَذَلِكَ نون التَّأْكِيد المثقلة أَي: لأدعون عَلَيْك بِثَلَاث دعوات. قَوْله: (قَامَ) أَي: فِي هَذِه الْقَضِيَّة. قَوْله: (وَسُمْعَة) ، بِضَم السِّين أَي: ليراه النَّاس ويسمعون وَيشْهدُونَ ذَلِك عَنهُ، ليَكُون لَهُ بذلك ذكر. قَوْله: (فأطل عمره) مُرَاده أَن يطول فِي غَايَة بِحَيْثُ يرد إِلَى أَسْفَل السافلين وَيصير إِلَى أرذل الْعُمر، ويضعف قواه وينتكس فِي الْخلق محنة لَا نعْمَة، أَو مُرَاده: طول الْعُمر مَعَ طول الْفقر، وَهَذَا أَشد مَا يكون فِي الرجل، وَيحصل الْجَواب بذلك عَمَّا قيل: الدُّعَاء بطول الْعُمر دُعَاء لَهُ لَا دُعَاء عَلَيْهِ. قَوْله: (وأطل فقره) وَفِي رِوَايَة جرير: (وَشد فقره) ، وَفِي رِوَايَة سيف: (وَأكْثر عِيَاله) . وَهَذِه الْحَالة بئست الْحَالة وَفِي: طول الْعُمر مَعَ الْفقر وَكَثْرَة الْعِيَال. قَوْله: (وَعرضه للفتن) أَي: اجْعَلْهُ عرضة للفتن، أَو أدخلهُ فِي معرضها أَي: أظهره بهَا. وَالْحكمَة فِي هَذِه الدَّعْوَات الثَّلَاث أَن أُسَامَة بن قَتَادَة الْمَذْكُور نفى عَن سعد الْفَضَائِل الثَّلَاث الَّتِي هِيَ أصُول الْفَضَائِل وَأُمَّهَات الكمالات، وَهِي: الشجَاعَة الَّتِي هِيَ الْقُوَّة الغضبية حَيْثُ قَالَ: لَا يسير بالسرية، والعفة: الَّتِي هِيَ كَمَال الْقُوَّة الشهوانية، حَيْثُ قَالَ: لَا يقسم بالسرية، وَالْحكمَة: الَّتِي هِيَ كَمَال الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة، حَيْثُ قَالَ: وَلَا يعدل فِي الْقَضِيَّة، فالثلاثة تتَعَلَّق بِالنَّفسِ وَالْمَال وَالدّين، فقابل سعد هَذِه الثَّلَاثَة بِثَلَاثَة مثلهَا، فَدَعَا عَلَيْهِ بِمَا يتَعَلَّق بِالنَّفسِ: وَهُوَ طول الْعُمر، وَبِمَا يتَعَلَّق بِالْمَالِ: وَهُوَ الْفقر، وَبِمَا يتَعَلَّق بِالدّينِ: وَهُوَ الْوُقُوع فِي الْفِتَن. ثمَّ إعلم أَنه كَانَ يُمكن الإعتذار عَن قَوْله: (وَلَا ينفر بالسرية) بِأَن يُقَال: رأى الْمصلحَة فِي إِقَامَته ليرتب مصَالح من يَغْزُو وَمن يُقيم، أَو كَانَ لَهُ عذر مَانع من ذَلِك، كَمَا وَقع لَهُ فِي الْقَادِسِيَّة، وَكَذَا يُمكن الإعتذار عَن قَوْله: (وَلَا يقسم بِالسَّوِيَّةِ) ، بِأَن يُقَال: إِن للْإِمَام تَفْضِيل بعض النَّاس بِشَيْء يخْتَص بِهِ لمصْلحَة يَرَاهَا فِي ذَلِك، وَأما قَوْله: (وَلَا يعدل فِي الْقَضِيَّة) فَلَا خلاص عَنهُ، لِأَنَّهُ سلب عَنهُ الْعدْل بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ قدح فِي الدّين. قَوْله: (فَكَانَ بعد) ، ويروى: (وَكَانَ بعد) ، بِالْوَاو أَي: كَانَ أُسَامَة بعد ذَلِك، قيل: هَذَا عبد الْملك بن عُمَيْر، بَينه جرير فِي رِوَايَته. قَوْله: (إِذا سُئِلَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: إِذا سُئِلَ أُسَامَة عَن حَال نَفسه، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة إِذا قيل لَهُ: كَيفَ أَنْت؟ يَقُول: أَنا شيخ كَبِير مفتون. فَقَوله: شيخ كَبِير خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَهُوَ: أَنا، كَمَا قُلْنَا، و: كَبِير، صفته، وَقَوله: مفتون، صفة بعد صفة. فَقَوله: شيخ كَبِير، إِشَارَة إِلَى الدعْوَة الأولى، ومفتون، إِلَى الدعْوَة الثَّالِثَة، وَإِنَّمَا لم يشر إِلَى الدعْوَة الثَّانِيَة وَهِي قَوْله: (وأطل فقره) ، لِأَنَّهَا تدخل فِي عُمُوم قَوْله: (أصابتني دَعْوَة سعد) ، وَقد صرح بذلك فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أَسد بن مُوسَى، وَفِي رِوَايَة أبي يعلى: عَن إِبْرَاهِيم بن حجاج كِلَاهُمَا عَن أبي عوَانَة، وَلَفظه: (قَالَ عبد الْملك: فَأَنا رَأَيْته يتَعَرَّض للإماء فِي السكَك، فَإِذا سَأَلُوهُ قَالَ: كَبِير فَقير مفتون) . وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق عَن جرير: (فافتقر وافتتن) . وَفِي رِوَايَة: (فَعميَ وَاجْتمعَ عِنْده عشر بَنَات، وَكَانَ إِذا سمع بِحسن المراة تشبث بهَا، فَإِذا أنكر عَلَيْهِ قَالَ: دَعْوَة الْمُبَارك سعد) . وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (وَلَا تكون فتْنَة إلاّ وَهُوَ فِيهَا) . وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن حجادة: عَن مُصعب ابْن سعد فِي هَذِه الْقِصَّة، قَالَ: وَأدْركَ فتْنَة الْمُخْتَار، فَقتل فِيهَا. وَعند ابْن عَسَاكِر: وَكَانَت فتْنَة الْمُخْتَار حِين غلب على الْكُوفَة من سنة خمس وَسِتِّينَ إِلَى أَن قتل سنة سبع وَسبعين. قَوْله: (أصابتني دَعْوَة سعد) إِنَّمَا أفرد الدعْوَة، مَعَ أَنَّهَا كَانَت ثَلَاث دعوات، لِأَنَّهُ أَرَادَ بهَا الْجِنْس، فَكَانَ سعد مَعْرُوفا بإجابة الدعْوَة. روى الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق الشّعبِيّ قَالَ: (قيل لسعد: مَتى أصبت الدعْوَة؟ قَالَ: يَوْم بدر، قَالَ النَّبِي ﷺ : (اللَّهُمَّ استجب لسعد) ، وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم من طَرِيق قيس بن أبي حَازِم عَن سعد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (اللَّهُمَّ استجب لسعد إِذا دعَاك) . قَوْله: (من الْكبر) ، بِكَسْر الْكَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، قَوْله: (وَإنَّهُ) أَي: إِن أُسَامَة الْمَذْكُور. قَوْله: (يغمزهن) ، أَي: يعصر أعضاءهن بالأصابع، وَفِيه أَيْضا إِشَارَة إِلَى الْفِتْنَة، وَإِلَى الْفقر أَيْضا إِذْ لَو كَانَ غَنِيا لما احْتَاجَ إِلَى غمز الْجَوَارِي فِي الطّرق.
: ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه:
: الأول: وجوب الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين من الصَّلَوَات وَعدم وُجُوبهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَاسْتدلَّ بعض أَصْحَابنَا لأبي حنيفَة، وَمن قَالَ بقوله فِي عدم وجوب الْقِرَاءَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وَعَن هَذَا قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) وَغَيره: إِن شَاءَ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِن شَاءَ سبح وَإِن شَاءَ سكت، وَهُوَ الْمَأْثُور عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة، إِلَّا أَن الْأَفْضَل أَن يقْرَأ. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الْمُصَلِّي مَأْمُور بِالْقِرَاءَةِ بقوله تَعَالَى:: ﴿فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ (المزمل: ٢٠) . وَالْأَمر
стр. 1569
لَا يَقْتَضِي التّكْرَار، فتتعين الرَّكْعَة الأولى مِنْهَا، وَإِنَّمَا أوجبناها فِي الثَّانِيَة اسْتِدْلَالا بِالْأولَى، لِأَنَّهُمَا تتشاكلان من كل وَجه، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة مُسْتَحبَّة غير وَاجِبَة عِنْد جمَاعَة مِنْهُم الْأَحْمَر وَابْن علية وَالْحسن بن صَالح والأصم، وروى الشَّافِعِي عَن مَالك بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن: أَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، صلى الْمغرب فَلم يقْرَأ فِيهَا شَيْئا، فَقيل لَهُ، فَقَالَ: كَيفَ كَانَ الرُّكُوع وَالسُّجُود؟ قَالُوا: حسن. قَالَ: فَلَا بَأْس. قُلْنَا هَذَا مُنْقَطع بَين مُحَمَّد بن عَليّ وَبَين عمر، وَفِي إِسْنَاده أَيْضا مَجْهُول. وَفِي (شرح مُسْند الشَّافِعِي) لِأَبْنِ الْأَثِير: روى الشّعبِيّ عَن زِيَاد بن عِيَاض عَن أبي مُوسَى: صلى عمر فَلم يقْرَأ شَيْئا فَأَعَادَ، قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عمر: أَنه صلى الْمغرب فَلم يقْرَأ فَأَعَادَ، وروى الشَّافِعِي، فِيمَا بلغه عَن زيد بن حبَان: عَن سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي الْحَارِث عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ لَهُ رجل: إِنِّي صليت فَلم أَقرَأ. قل: أتممت الرُّكُوع وَالسُّجُود؟ قَالَ: نعم. قَالَ: تمت صَلَاتك. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: روينَا عَن عَليّ أَنه قَالَ: إقرأ فِي الْأَوليين وَسبح فِي الْأُخْرَيَيْنِ. وَعَن مَالك رِوَايَة شَاذَّة إِن الصَّلَاة صَحِيحَة بِدُونِ الْقِرَاءَة، وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: من ترك الْقِرَاءَة فِي رَكْعَة من الصُّبْح أَو أَي صَلَاة كَانَت تجزيه سجدتا السَّهْو. وروى الْبَيْهَقِيّ عَن زيد بن ثَابت: الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة سنة. وَعَن الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: إِن تَركهَا نَاسِيا صحت صلَاته. وَفِي (المُصَنّف) من جِهَة أبي إِسْحَاق عَن عَليّ وَعبد الله بن مَسْعُود، أَنَّهُمَا قَالَا: إقرأ فِي الْأَوليين وَسبح فِي الْأُخْرَيَيْنِ. وَعَن مَنْصُور، قَالَ: قلت لإِبْرَاهِيم: مَا نَفْعل فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ من الصَّلَاة؟ قَالَ: سبح وَاحْمَدْ الله وَكبر. وَعَن الْأسود وَإِبْرَاهِيم وَالثَّوْري كَذَلِك.
الْوَجْه الثَّانِي: اسْتدلَّ بقوله: (أركد فِي الْأَوليين) من يرى تَطْوِيل الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين على الْأُخْرَيَيْنِ فِي الصَّلَوَات كلهَا، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، حَكَاهُ فِي (الْمُهَذّب) . وَفِي (الرَّوْضَة) : الْأَصَح التَّسْوِيَة بَينهمَا وَبَين الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة، قَالَ: وَالْمُخْتَار تَطْوِيل أولى الْفجْر على الثَّانِيَة وَغَيرهَا، وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن الْحسن وَالثَّوْري وَأحمد بن حَنْبَل، وَعند أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف: لَا يُطِيل الرَّكْعَة الأولى على الثَّانِيَة إلاّ فِي الْفجْر خَاصَّة. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) لِأَصْحَابِنَا وَجْهَان، أشهرهما: لَا يطول، وَالثَّانِي: يسْتَحبّ تَطْوِيل الْقِرَاءَة فِي الأولى قصدا، وَهُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار، وَاتَّفَقُوا على كَرَاهَة إطالة الثَّانِيَة على الأولى إلاّ مَالِكًا، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بَأْس أَن يُطِيل الثَّانِيَة على الأولى، مستدلاً بِأَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِي الرَّكْعَة الأولى: بِسُورَة الْأَعْلَى، وَهِي تسع عشرَة آيَة، وَفِي الثَّانِيَة: بالغاشية وَهِي سِتّ وَعِشْرُونَ آيَة. وَفِي الصَّلَاة لأبي نعيم: حَدثنَا شَيبَان عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه: كَانَ النَّبِي ﷺ يطول فِي الرَّكْعَة الأولى من الظّهْر وَالْعصر وَالْفَجْر، وَيقصر فِي الْأُخْرَى، فَإِن جهر فِيمَا يُخَافت فِيهِ أَو خَافت فِيمَا يجْهر فِيهِ، فَعِنْدَ أبي حنيفَة يسْجد للسَّهْو، وَعَن أبي يُوسُف: إِن جهر بِحرف يسْجد، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: إِن زَاد فِيمَا يُخَافت فِيهِ على مَا يسمع أُذُنَيْهِ فَتجب سجدتا السَّهْو، وَالصَّحِيح أَنَّهَا تجب إِذا جهر مِقْدَار مَا تجوز بِهِ الصَّلَاة، وَفِي (المُصَنّف) : مِمَّن كَانَ يجْهر بِالْقِرَاءَةِ فِي الظّهْر وَالْعصر خباب بن الْأَرَت وَسَعِيد بن جُبَير وَالْأسود وعلقمة، وَعَن جَابر قَالَ: سَأَلت الشّعبِيّ وسالما وَقَاسما وَالْحكم ومجاهدا وَعَطَاء عَن الرجل يجْهر فِي الظّهْر وَالْعصر؟ فَقَالُوا: لَيْسَ عَلَيْهِ سَهْو. وَعَن قَتَادَة: أَن أنسا جهر فيهمَا فَلم يسْجد، وَكَذَا فعله سعيد بن الْعَاصِ إِذْ كَانَ أَمِيرا بِالْمَدِينَةِ. وَفِي (التَّلْوِيح) : ويستدل لأبي حنيفَة بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة من كتاب ابْن شاهين بِسَنَد فِيهِ كَلَام، قَالَ النَّبِي ﷺ : (إِذا رَأَيْتُمْ من يجْهر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة النَّهَار فارجموه بالبعر) . وَفِي (المُصَنّف) عَن يحيى بن كثير: (قَالُوا يَا رَسُول الله: إِن هُنَا قوما يجهرون بِالْقِرَاءَةِ بِالنَّهَارِ! فَقَالَ: ارموهم بالبعر) . وَعَن الْحسن وَأبي عُبَيْدَة: صَلَاة النَّهَار عجماء. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَحَدِيث ابْن عَبَّاس: صَلَاة النَّهَار عجماء، وَإِن كَانَ بعض الْأَئِمَّة قَالَ: هُوَ حَدِيث لَا أصل لَهُ بَاطِل، فَيُشبه أَن يكون لَيْسَ كَذَلِك لما أسلفناه.
الْوَجْه الثَّالِث: أَن الإِمَام إِذا شكا إِلَيْهِ نَائِبه بعث إِلَيْهِ واستفسره عَن ذَلِك فِي مَوضِع عمله عَن أهل الْفضل فيهم، لِأَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يسْأَل عَنهُ فِي الْمَسْجِد أهل مُلَازمَة الصَّلَاة فِيهَا. وَفِيه: جَوَاز عَزله وَإِن لم يثبت عَلَيْهِ شَيْء إِذا اقْتَضَت لذَلِك الْمصلحَة. قَالَ مَالك: قد عزل عمر سَعْدا وَهُوَ أعدل من يَأْتِي بعده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَالَّذِي يظْهر أَن عمر عَزله حسما لمادة الْفِتْنَة. وَفِي رِوَايَة سيف، قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَوْلَا الِاحْتِيَاط وَأَن لَا يَتَّقِي من أَمِير مثل سعد لما عزلته. وَقيل: عَزله إيثارا
стр. 1570
لقُرْبه مِنْهُ لكَونه من أهل الشورى، وَقيل: إِن مَذْهَب عمر أَن لَا يسْتَمر بالعامل أَكثر من أَربع سِنِين. وَقَالَ الْمَازرِيّ: اخْتلفُوا هَل يعْزل القَاضِي بشكوى الْوَاحِد أَو الْإِثْنَيْنِ أَو لَا يعْزل حَتَّى يجْتَمع الْأَكْثَر على الشكوى عَنهُ.
الْوَجْه الرَّابِع: فِيهِ خطاب الرجل بكنيته والاعتذار لمن سمع فِي حَقه كَلَام يسوؤه.
الْوَجْه الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الدُّعَاء على الظَّالِم الْمعِين بِمَا يسْتَلْزم النَّقْص فِي دينه، وَلَيْسَ هُوَ من طلب وُقُوع الْمعْصِيَة، وَلَكِن من حَيْثُ إِنَّه يُؤَدِّي إِلَى نكاية الظَّالِم وعقوبته. ألَا ترى إِلَى مُوسَى ﵊ كَيفَ دَعَا، وَقَالَ: ﴿رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم﴾ (يُونُس: ٨٨) .
٧٥٦ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ مَحْمُودِ بنِ الرَّبِيعِ عنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة أَعم من أَن تكون الْقِرَاءَة بِالْفَاتِحَةِ أَو بغَيْرهَا، والْحَدِيث يعين الْفَاتِحَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَاجِبَة على الإِمَام وَالْمُنْفَرد وَالْمَأْمُوم فِي الصَّلَوَات كلهَا، فَهُوَ صَرِيح فِي دلَالَته على جَمِيع أَجزَاء التَّرْجَمَة. قلت: لَيْسَ فِي التَّرْجَمَة ذكر الْفَاتِحَة حَتَّى يدل على ذَلِك، وَإِنَّمَا فِيهَا ذكر الْقِرَاءَة، وَهِي أَعم من الْفَاتِحَة وَغَيرهَا على مَا ذكرنَا. فَإِن قلت: لَهُ أَن يَقُول: ذكرت الْقِرَاءَة وَأَرَدْت بهَا الْفَاتِحَة من قبيل إِطْلَاق الْكل على الْجُزْء. قلت: فَحِينَئِذٍ لَا يبْقى وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين حَدِيث سعد الْمَذْكُور، وَأَيْضًا فِيهِ ارْتِكَاب الْمجَاز من غير ضَرُورَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: مَحْمُود بن الرّبيع، بِفَتْح الرَّاء: ابْن سراقَة الخزرجي الْأنْصَارِيّ، ختن عبَادَة بن الصَّامِت، روى عَن النَّبِي ﷺ ، عقل عَن النَّبِي، ﷺ ، مجة مجها فِي وَجهه من دلو فِي بِئْر فِي دَارهم وَهُوَ ابْن خمس سِنِين، مر ذكره فِي: بَاب مَتى يَصح سَماع الصَّغِير من كتاب الْعلم. الْخَامِس: عبَادَة بن الصَّامِت، بِضَم الْعين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي ومدني. وَفِيه: عَن مَحْمُود بن الرّبيع، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة حَدثنَا الزُّهْرِيّ سَمِعت مَحْمُود بن الرّبيع، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن صَالح عَن ابْن شهَاب أَن مَحْمُود بن الرّبيع أخبرهُ أَن عبَادَة بن الصَّامِت أخبرهُ، وبالتصريح بالإخبار يرد تَعْلِيل من أعله بالإنقطاع لكَون بعض الروَاة أَدخل بَين مَحْمُود وَعبادَة رجلا: قلت هَذَا الرجل هُوَ وهب بن كيسَان وَفِي الْمُسْتَدْرك قد أَدخل بَين مَحْمُود وَعبادَة وهب بن كيسَان، فِيمَا رَوَاهُ الْوَلِيد ابْن مُسلم عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن مَكْحُول عَن مَحْمُود عَن وهب، وَبَين الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) : من حَدِيث زيد بن وَاقد عَن مَكْحُول: إِن دُخُول وهب فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُؤذن عبَادَة، وَأَن مَحْمُودًا ووهبا صليا خَلفه يَوْمًا، فَذكره. وَقَالَ: رِجَاله كلهم ثِقَات. وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن مَكْحُول بِهِ، وَقَالَ: إِسْنَاده حسن. وَقَالَهُ أَيْضا الْبَغَوِيّ.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان وَعَن أبي الطَّاهِر وحرملة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبد بن حميد وَعَن الْحسن الْحلْوانِي عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَأبي الطَّاهِر بن السَّرْح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن أبي عمر وَعلي بن حجر كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن سُوَيْد بن نصر وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مَحْمُود بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن هِشَام بن عمار وَسَهل بن أبي سهل وَإِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بِهِ.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عبد الله بن الْمُبَارك وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد على وجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة خلف الإِمَام فِي جَمِيع الصَّلَوَات، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) : ولعلمائنا فِي ذَلِك ثَلَاثَة أَقْوَال: الأول: يقْرَأ اذا أسر الإِمَام خَاصَّة، قَالَه ابْن الْقَاسِم. الثَّانِي: قَالَ ابْن وهب وَأَشْهَب فِي (كتاب مُحَمَّد) : لَا يقْرَأ. الثَّالِث: قَالَ مُحَمَّد بن عبد الحكم: يقْرؤهَا خلف الإِمَام، فَإِن لم يفعل أجزاه، كَأَنَّهُ رأى ذَلِك مُسْتَحبا، وَالأَصَح عِنْدِي وجوب قرَاءَتهَا فِيمَا أسر وتحريمها فِيمَا جهر، إِذا سمع قِرَاءَة الإِمَام، لما فِيهِ من فرض الْإِنْصَات لَهُ
стр. 1571
وَالِاسْتِمَاع لقرَاءَته، فَإِن كَانَ مِنْهُ فِي مقَام بعيد فَهُوَ بِمَنْزِلَة صَلَاة السِّرّ. وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : لم يخْتَلف قَول مَالك: إِنَّه من نَسِيَهَا أَي: الْفَاتِحَة فِي رَكْعَة من صَلَاة ذَات رَكْعَتَيْنِ أَن صلَاته تبطل أصلا وَلَا تجزيه. وَاخْتلف قَوْله فِيمَن تَركهَا نَاسِيا فِي رَكْعَة من الصَّلَاة الرّبَاعِيّة أَو الثلاثية، فَقَالَ مرّة: يُعِيد الصَّلَاة وَلَا تجزيه، وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم وَرِوَايَته واختياره من قَول مَالك، وَقَالَ مرّة أُخْرَى: يسْجد سَجْدَتي السَّهْو وتجزيه، وَهِي رِوَايَة ابْن عبد الحكم وَغَيره عَنهُ. قَالَ: وَقد قيل: إِنَّه يُعِيد تِلْكَ الرَّكْعَة وَيسْجد للسَّهْو بعد السَّلَام. قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: لَا تجزيه حَتَّى يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب فِي كل رَكْعَة. وَفِي (الْمُغنِي) وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وخوات بن جُبَير أَنهم قَالُوا: لَا صَلَاة إلاّ بِقِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب. وَعَن أَحْمد: إِنَّهَا لَا تتَعَيَّن، وتجزيه قِرَاءَة آيَة من الْقُرْآن من أَي مَوضِع كَانَ. وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَقِرَاءَة أم الْقُرْآن فرض فِي كل رَكْعَة من كل صَلَاة، إِمَامًا كَانَ أَو مَأْمُوما، وَالْفَرْض والتطوع سَوَاء، وَالرِّجَال وَالنِّسَاء سَوَاء. وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ فِي رِوَايَة، وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد فِي رِوَايَة، وَعبد الله بن وهب وَأَشْهَب: لَا يقْرَأ الْمُؤْتَم شَيْئا من الْقُرْآن وَلَا بِفَاتِحَة الْكتاب فِي شَيْء من الصَّلَوَات، وَهُوَ قَول ابْن الْمسيب فِي جمَاعَة من التَّابِعين، وفقهاء الْحجاز وَالشَّام على أَنه: لَا يقْرَأ مَعَه فِيمَا يجْهر بِهِ وَإِن لم يسمعهُ وَيقْرَأ فِيمَا يسر فِيهِ الإِمَام، ثمَّ وَجه اسْتِدْلَال الشَّافِعِي وَمن مَعَه بِهَذَا الحَدِيث، وَهُوَ أَنه: نفى جنس الصَّلَاة عَن الْجَوَاز إلاّ بِقِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب.
وَاسْتدلَّ أَصْحَابنَا بقوله تَعَالَى: ﴿فاقرؤا مَا تيَسّر من الْقُرْآن﴾ (المزمل: ٢٠) . أَمر الله تَعَالَى بِقِرَاءَة مَا تيَسّر من الْقُرْآن مُطلقًا، وتقييده بِالْفَاتِحَةِ زِيَادَة على مُطلق النَّص، وَذَا لَا يجوز لِأَنَّهُ نسخ، فَيكون أدنى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الْقُرْآن فرضا لكَونه مَأْمُورا بِهِ، وَأَن الْقِرَاءَة خَارج الصَّلَاة لَيست بِفَرْض، فَتعين أَن يكون فِي الصَّلَاة. فَإِن قلت: هَذِه الْآيَة فِي صَلَاة اللَّيْل، وَقد نسخت فرضيتها، وَكَيف يَصح التَّمَسُّك بهَا؟ قلت: مَا شرع ركنا لم يصر مَنْسُوخا، وَإِنَّمَا نسخ وجوب قيام اللَّيْل دون فرض الصَّلَاة وشرائطها وَسَائِر أَحْكَامهَا، وَيدل عَلَيْهِ أَنه أَمر بِالْقِرَاءَةِ بعد النّسخ بقوله: ﴿فاقرؤا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ (المزمل: ٢٠) . وَالصَّلَاة بعد النّسخ بقيت نفلا، وكل من شَرط الْفَاتِحَة فِي الْفَرْض شَرطهَا فِي النَّفْل، وَمن لَا فَلَا، وَالْآيَة تَنْفِي اشْتِرَاطهَا فِي النَّفْل، فَلَا تكون ركنا فِي الْفَرْض لعدم الْقَائِل بِالْفَصْلِ. فَإِن قلت: كلمة: مَا، مجملة، والْحَدِيث معِين ومبين، فالمعين يقْضِي على الْمُبْهم. قلت: كل من قَالَ بِهَذَا يدل على عدم مَعْرفَته بأصول الْفِقْه، لِأَن كلمة: مَا، من أَلْفَاظ الْعُمُوم يجب الْعَمَل بعمومها من غير توقف، وَلَو كَانَت مجملة لما جَازَ الْعَمَل بهَا قبل الْبَيَان كَسَائِر مجملات الْقُرْآن، والْحَدِيث مَعْنَاهُ أَي: شَيْء تيَسّر، وَلَا يسوغ ذَلِك فِيمَا ذَكرُوهُ، فَيلْزم التّرْك بِالْقُرْآنِ والْحَدِيث، وَالْعَام عندنَا لَا يحمل على الْخَاص مَعَ مَا فِي الْخَاص من الِاحْتِمَالَات. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث مَشْهُور فَإِن الْعلمَاء تَلَقَّتْهُ بِالْقبُولِ فَتجوز الزِّيَادَة بِمثلِهِ. قلت: لَا نسلم أَنه مَشْهُور، لِأَن الْمَشْهُور مَا تَلقاهُ التابعون بِالْقبُولِ، وَقد اخْتلف التابعون فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وَلَئِن سلمنَا أَنه مَشْهُور فَالزِّيَادَة بالْخبر الْمَشْهُور إِنَّمَا تجوز إِذا كَانَ محكما، أما إِذا كَانَ مُحْتملا فَلَا، وَهَذَا الحَدِيث مُحْتَمل، لِأَن مثله يسْتَعْمل لنفي الْجَوَاز، وَيسْتَعْمل لنفي الْفَضِيلَة لقَوْله ﷺ : (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إلاّ فِي الْمَسْجِد) ، وَالْمرَاد نفي الْفَضِيلَة، كَذَا هُوَ، ويؤكد هَذَا التَّأْوِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم لَا إِيمَان لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ١٢) . مَعْنَاهُ أَنه لَا أَيْمَان لَهُم موثوقا بهَا، وَلم ينف وجود الْأَيْمَان مِنْهُم رَأْسا، لِأَنَّهُ قَالَ: وَإِن نكثوا إِيمَانهم من بعد عَهدهم﴾ (التَّوْبَة: ١٢) . وعقب ذَلِك أَيْضا بقوله: ﴿أَلَا تقاتلون قوما نكثوا أَيْمَانهم﴾ (التَّوْبَة: ١٣) . فَثَبت أَنه لم يرد بقوله: ﴿أَنهم لَا أَيْمَان لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ١٢) . نفى الايمان أصلا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ، وَهَذَا يدل على إِطْلَاق لَفْظَة: لَا، وَالْمرَاد بهَا نفي الْفَضِيلَة دون الأَصْل، كَمَا ذكرنَا من النظير، وَقَالَ بَعضهم: وَلِأَن نفي الْأَجْزَاء أقرب إِلَى نفي الْحَقِيقَة، وَلِأَنَّهُ السَّابِق إِلَى الْفَهم فَيكون أولى، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق الْعَبَّاس بن الْوَلِيد الْقرشِي أحد شُيُوخ البُخَارِيّ عَن سُفْيَان بِلَفْظ: (لَا تجزىء صَلَاة لَا يقْرَأ فِيهَا بِفَاتِحَة الْكتاب) . قلت: لَا نسلم قرب نفي الْأَجْزَاء إِلَى نفي الْحَقِيقَة، لِأَنَّهُ مُحْتَمل لنفي الْأَجْزَاء ولنفي الْفَضِيلَة، وَالْحمل على نفي الْكَمَال أولى، بل يتَعَيَّن لِأَن نفي الْأَجْزَاء يسْتَلْزم نفي الْكَمَال فَيكون فِيهِ نفي شَيْئَيْنِ، فتكثر الْمُخَالفَة فَيتَعَيَّن نفي الْكَمَال، ودعواه التأييد بِهَذَا الحَدِيث الَّذِي أخرجه الإسماعيل وَابْن خُزَيْمَة لَا يفِيدهُ، لِأَن هَذَا لَيْسَ لَهُ من الْقُوَّة مَا يُعَارض مَا أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة، على أَن ابْن حبَان قد ذكر أَنه لم يقل فِي خبر الْعَلَاء ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة إلاّ شُعْبَة، وَلَا عَنهُ إلاّ وهب بن جرير، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا) : وَقد أخرج ابْن خُزَيْمَة عَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد الْقرشِي عَن سُفْيَان حَدِيث الْبَاب، وَلَفظه: (لَا صَلَاة إلاّ بِقِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب) ، فَلَا يمْنَع أَن يُقَال: إِن قَوْله:
стр. 1572
لَا صَلَاة، نفي بِمَعْنى النَّهْي أَي: لَا تصلوا إلاّ بِقِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب، وَنَظِيره مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق الْقَاسِم عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مَرْفُوعا: (لَا صَلَاة بِحَضْرَة الطَّعَام) فَإِنَّهُ فِي (صَحِيح ابْن حبَان) بِلَفْظ: (لَا يُصَلِّي أحدكُم بِحَضْرَة الطَّعَام) . قلت: تنظيره بِحَدِيث مُسلم غير صَحِيح، لِأَن لفظ حَدِيث ابْن حبَان غير نهي بل هُوَ نفي الْغَائِب، وَكَلَامه يدل على أَنه لَا يعرف الْفرق بَين النَّفْي وَالنَّهْي. وَقَالَ أَيْضا: اسْتدلَّ من أسقطها أَي: من أسقط قِرَاءَة الْفَاتِحَة عَن الْمَأْمُوم مُطلقًا يَعْنِي أسر الإِمَام أَو جهر كالحنفية بِحَدِيث: (من صلى خلف الإِمَام فقراءة الإِمَام قِرَاءَة لَهُ) ، لكنه حَدِيث ضَعِيف عِنْد الْحفاظ، وَقد استوعب طرقه وَعلله الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره. قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة وهم: جَابر بن عبد الله وَابْن عمر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وانس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. فَحَدِيث جَابر أخرجه ابْن مَاجَه عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من كَانَ لَهُ إِمَام فَإِن قِرَاءَة الإِمَام قِرَاءَة لَهُ) . وَحَدِيث ابْن عمر أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ : (من كَانَ لَهُ إِمَام فقراءة الإِمَام لَهُ قِرَاءَة) . وَحَدِيث أبي سعيد أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من كَانَ لَهُ إِمَام فقراءة الإِمَام لَهُ قِرَاءَة) . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث سهل بن صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا نَحوه سَوَاء. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَنهُ عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (يَكْفِيك قِرَاءَة الإِمَام خَافت أَو جهر) . وَحَدِيث أنس أخرجه ابْن حبَان فِي (كتاب الضُّعَفَاء) : عَن غنيم بن سَالم عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من كَانَ لَهُ إِمَام فقراءة الإِمَام لَهُ قِرَاءَة) ،. فَإِن قلت: فِي حَدِيث جَابر بن عبد الله جَابر الْجعْفِيّ وَهُوَ مَجْرُوح، كذبه أَبُو حنيفَة وَغَيره، وَفِي حَدِيث أبي سعيد إِسْمَاعِيل بن عمر بن نجيح وَهُوَ ضَعِيف، وَحَدِيث ابْن عمر مَوْقُوف، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَفعه وهم؛ وَحَدِيث ابْن عَبَّاس عَن أَحْمد هُوَ حَدِيث مُنكر: وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا يَصح عَن سُهَيْل، وَتفرد بِهِ مُحَمَّد بن عباد وَهُوَ ضَعِيف، وَفِي حَدِيث أنس غنيم بن سَالم قَالَ ابْن حبَان: هُوَ مُخَالف الثِّقَات فِي الرِّوَايَات فَلَا تعجبني الرِّوَايَة عَنهُ، فَكيف الِاحْتِجَاج؟ قلت: أما حَدِيث جَابر فَلهُ طرق أُخْرَى يشد بَعْضهَا بَعْضًا: مِنْهَا طَرِيق صَحِيح، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن فِي (الْمُوَطَّأ) عَن أبي حنيفَة، قَالَ: أخبرنَا الإِمَام أَبُو حنيفَة حَدثنَا أَبُو الْحسن مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن عبد الله بن شَدَّاد عَن جَابر عَن النَّبِي، ﷺ : (من صلى خلف الإِمَام فَإِن قِرَاءَة الإِمَام لَهُ قِرَاءَة) . فَإِن قلت: هَذَا حَدِيث أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي حنيفَة مَقْرُونا بالْحسنِ بن عمَارَة وَعَن الْحسن بن عمَارَة وَحده بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث لم يسْندهُ عَن جَابر بن عبد الله غير أبي حنيفَة وَالْحسن بن عمَارَة وهما ضعيفان، وَقد رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو الْأَحْوَص وَشعْبَة وَإِسْرَائِيل وَشريك وَأَبُو خَالِد الدالاني وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَغَيرهم عَن أبي الْحسن مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن عبد الله بن شَدَّاد عَن النَّبِي، ﷺ ، مُرْسلا، وَهُوَ الصَّوَاب. قلت: لَو تأدب الدَّارَقُطْنِيّ واستحيى لما تلفظ بِهَذِهِ اللَّفْظَة فِي حق أبي حنيفَة فَإِنَّهُ إِمَام طبق علمه الشرق والغرب، وَلما سُئِلَ إِبْنِ معِين عَنهُ فَقَالَ: ثِقَة مَأْمُون مَا سَمِعت أحدا ضعفه، هَذَا شُعْبَة بن الْحجَّاج يكْتب إِلَيْهِ أَن يحدث وَشعْبَة شُعْبَة. وَقَالَ أَيْضا: كَانَ أَبُو حنيفَة ثِقَة من أهل الدّين والصدق وَلم يتهم بِالْكَذِبِ، وَكَانَ مَأْمُونا على دين الله تَعَالَى، صَدُوقًا فِي الحَدِيث، وَأثْنى عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة الْكِبَار مثل عبد الله بن الْمُبَارك، ويعد من أَصْحَابه، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وَحَمَّاد بن زيد وَعبد الرَّزَّاق ووكيع، وَكَانَ يُفْتِي بِرَأْيهِ وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة: مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، وَقد ظهر لَك من هَذَا تحامل الدَّارَقُطْنِيّ عَلَيْهِ وتعصبه الْفَاسِد، وَلَيْسَ لَهُ مِقْدَار بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَؤُلَاءِ حَتَّى يتَكَلَّم فِي إِمَام مُتَقَدم على هَؤُلَاءِ فِي الدّين وَالتَّقوى وَالْعلم، وبتضعيفه إِيَّاه يسْتَحق هُوَ التَّضْعِيف، أَفلا يرضى بسكوت أَصْحَابه عَنهُ وَقد روى فِي (سنَنه) أَحَادِيث سقيمة ومعلولة ومنكرة وغريبة وموضوعة؟ وَلَقَد روى أَحَادِيث ضَعِيفَة فِي كِتَابه (الْجَهْر بالبسملة) وَاحْتج بهَا مَعَ علمه بذلك، حَتَّى إِن بَعضهم استحلفه على ذَلِك فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ حَدِيث صَحِيح. وَلَقَد صدق الْقَائِل:
(حسدوا الْفَتى إِذْ لم ينالوا سَعْيه ... فالقوم أَعدَاء لَهُ وخصوم)
стр. 1573
وَأما قَوْله: وَقد رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ ... إِلَى آخِره، فَلَا يضرنا، لِأَن الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة، وَلَئِن سلمنَا فالمرسل عندنَا حجَّة، وجوابنا عَن الْأَحَادِيث الَّتِي قَالُوا: فِي أسانيدها ضعفاء، إِن الضَّعِيف يتقوى بِالصَّحِيحِ وَيُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا، وَأما قَوْله فِي بَعْضهَا: فَهُوَ مَوْقُوف، فَالْمَوْقُوفُ عندنَا حجَّة لِأَن الصَّحَابَة عدُول، وَمَعَ هَذَا روى منع الْقِرَاءَة خلف الإِمَام عَن ثَمَانِينَ من الصَّحَابَة الْكِبَار مِنْهُم: المرتضي والعبادلة الثَّلَاثَة وأساميهم عِنْد أهل الحَدِيث، فَكَانَ اتِّفَاقهم بِمَنْزِلَة الْإِجْمَاع، فَمن هَذَا قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) من أَصْحَابنَا: وعَلى ترك الْقِرَاءَة خلف الإِمَام إِجْمَاع الصَّحَابَة، فَسَماهُ إِجْمَاعًا بِاعْتِبَار اتِّفَاق الْأَكْثَر، وَمثل هَذَا يُسمى إِجْمَاعًا عندنَا، وَذكر الشَّيْخ الإِمَام عبد الله بن يَعْقُوب الحارني السيذموني فِي كتاب (كشف الْأَسْرَار) : عَن عبد الله بن زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ عشرَة من أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، ينهون عَن الْقِرَاءَة خلف الإِمَام أَشد النَّهْي: أَبُو بكر الصّديق وَعمر الْفَارُوق وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعلي بن أبي طَالب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد ابْن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قلت: روى عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : أَخْبرنِي مُوسَى بن عقبَة أَن رَسُول الله ﷺ ، وَأَبا بكر وَعمر وَعُثْمَان كَانُوا ينهون عَن الْقِرَاءَة خلف الإِمَام، وَأخرج عَن دَاوُد بن قيس عَن مُحَمَّد بن بجاد، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْجِيم، عَن مُوسَى بن سعد بن أبي وَقاص قَالَ: ذكر لي أَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ: وددت أَن الَّذِي يقْرَأ خلف الإِمَام فِي فِيهِ حجر، وَأخرج الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: من قَرَأَ خلف الإِمَام فَلَيْسَ على الْفطْرَة، أَرَادَ أَنه لَيْسَ على شَرَائِط الْإِسْلَام، وَقيل: لَيْسَ على السّنة. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا فِي (مُصَنفه) عَن أبي ليلى عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: من قَرَأَ خلف الإِمَام فقد أَخطَأ الْفطْرَة. وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ كَذَلِك من طرق، وَأخرجه عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : عَن دَاوُد بن قيس عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَنهُ قَالَ: قَالَ عَليّ: من قَرَأَ مَعَ الإِمَام فَلَيْسَ على الْفطْرَة. قَالَ: وَقَالَ ابْن مَسْعُود: ملىء فوه تُرَابا. قَالَ: وَقَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وددت أَن الَّذِي يقْرَأ خلف الإِمَام فِي فِيهِ حجر. وَفِي (التَّمْهِيد) : ثَبت عَن عَليّ وَسعد وَزيد ابْن ثَابت أَنه: لَا قِرَاءَة مَعَ الإِمَام لَا فِيمَا أسر وَلَا فِيمَا جهر. وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن أبي مَنْصُور عَن أبي وَائِل قَالَ: قَالَ جَاءَ رجل إِلَى عبد الله، فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن أَقرَأ خلف الإِمَام؟ قَالَ: أنصت لِلْقُرْآنِ فَإِن فِي الصَّلَاة شغلاً وسيكفيك ذَلِك الإِمَام. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ عَن عبد الرَّزَّاق، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) نَحوه عَن أبي الْأَحْوَص عَن مَنْصُور. . إِلَى آخِره. قلت: روى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبي إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ قَالَ: سَأَلت عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن الْقِرَاءَة خلف الإِمَام فَقَالَ لي: إقرأ. قلت: وَإِن كنت خَلفك؟ قَالَ: وَإِن كنت خَلْفي. قلت: وَإِن قَرَأت؟ قَالَ: وَإِن قَرَأت. وَأخرج أَيْضا عَن مُجَاهِد، قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عَمْرو يقْرَأ خلف الإِمَام فِي صَلَاة الظّهْر من سُورَة مَرْيَم، ثمَّ أجَاب بقوله: وَقد روى عَن غَيرهم من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، خلاف ذَلِك، ثمَّ روى حَدِيث على، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الَّذِي ذكرنَا آنِفا. وَأخرج حَدِيث ابْن مَسْعُود الَّذِي أخرجه عبد الرَّزَّاق الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا، ثمَّ أخرج عَن أبي بكرَة: حَدثنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدثنَا خديج بن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَاق عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: لَيْت الَّذِي يقْرَأ خلف الإِمَام ملىء فوه تُرَابا. وَأخرج أَيْضا عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي حَيْوَة بن شُرَيْح عَن بكر بن عَمْرو عَن عبيد الله بن مقسم أَنه سَأَلَ عبد الله بن عمر وَزيد بن ثَابت وَجَابِر بن عبد الله، فَقَالُوا: لَا تقْرَأ خلف الإِمَام فِي شَيْء من الصَّلَوَات، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَؤُلَاءِ جمَاعَة من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قد أَجمعُوا على ترك الْقِرَاءَة خلف الإِمَام، وَقد وافقهم على ذَلِك مَا قد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ مِمَّا قدمنَا ذكره، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَحَادِيث الصَّحَابَة الَّذين رووا ترك الْقِرَاءَة خلف الإِمَام. فَإِن قلت: أخرج الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْجريرِي عَن أبي الْأَزْهَر قَالَ: سُئِلَ ابْن عمر عَن الْقِرَاءَة خلف الإِمَام، فَقَالَ: إِنِّي لاستحيي من رب هَذِه البنية أَن أُصَلِّي صَلَاة لَا أَقرَأ فِيهَا بِأم الْقُرْآن. قلت: هَذِه مُعَارضَة بَاطِلَة، فَإِن إِسْنَاد مَا ذكره مُنْقَطع، وَالصَّحِيح عَن ابْن عمر عدم وجوب الْقِرَاءَة خلف الإِمَام. فَإِن قلت: قَوْله: ﷺ : (قِرَاءَة الإِمَام قِرَاءَة لَهُ) ، معَارض لقَوْله تَعَالَى:: ﴿فاقرؤا﴾ (المزمل: ٢٠) . أَفلا يجوز تَركه بِخَبَر الْوَاحِد. قلت: جعل الْمُقْتَدِي قَارِئًا بِقِرَاءَة الإِمَام فَلَا يلْزم التّرْك، أَو نقُول
стр. 1574
إِنَّه خص مِنْهُ الْمُقْتَدِي الَّذِي أدْرك الإِمَام فِي الرُّكُوع فَإِنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ الْقِرَاءَة بِالْإِجْمَاع، فَتجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بِخَبَر الْوَاحِد. فَإِن قلت: قد حمل الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْمعرفَة) حَدِيث: (من كَانَ لَهُ إِمَام فقراءة الإِمَام قِرَاءَة لَهُ) ، على ترك الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ خلف الإِمَام، وعَلى قِرَاءَة الْفَاتِحَة دون السُّورَة، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت الْمَذْكُور قلت: لَيْسَ فِي شَيْء من الْأَحَادِيث بَيَان الْقِرَاءَة خلف الإِمَام فِيمَا جهر، وَالْفرق بَين الْإِسْرَار والجهر لَا يَصح لِأَن فِيهِ إِسْقَاط الْوَاجِب بمسنون على زعمهم، قَالَه إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث فَإِن قلت: أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى صَلَاة لم يقْرَأ فِيهَا بِأم الْقُرْآن فَهِيَ خداج فَهِيَ خداج فَهِيَ خداج غير تَمام) ، فهدا يدل على الركنية قلت: لَا نسلم، لِأَن مَعْنَاهُ: ذَات خداج، أَي: نُقْصَان، بِمَعْنى: صلَاته نَاقِصَة، وَنحن نقُول بِهِ، لِأَن النُّقْصَان فِي الْوَصْف لَا فِي الذَّات وَلِهَذَا قُلْنَا بِوُجُوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة. فَإِن قلت: قَوْله تَعَالَى:: ﴿فاقرؤا مَا تيَسّر﴾ (االمزمل: ٢٠) . عَام خص مِنْهُ الْبَعْض، وَهُوَ مَا دون الْآيَة، فَإِن عِنْد أبي حنيفَة: أدنى مَا يجزىء عَن الْقِرَاءَة آيَة تَامَّة، لِأَن مَا دون الْآيَة خَارج بِالْإِجْمَاع، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يجوز تَخْصِيصه بِخَبَر الْوَاحِد وبالقياس أَيْضا قلت: الْقُرْآن يتَنَاوَل مَا هُوَ معجز عرفا، فَلَا يتَنَاوَل مَا دون الْآيَة؟ فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا ابْن بشار حَدثنَا يحيى حَدثنَا جَعْفَر عَن أبي عُثْمَان عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (أَمر النَّبِي ﷺ أَن أنادي أَنه: لَا صَلَاة إلاّ بِقِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب فَمَا زَاد) . قلت: هَذَا الحَدِيث رُوِيَ بِوُجُوه مُخْتَلفَة، فَرَوَاهُ الْبَزَّار وَلَفظه: (أَمر مناديا فَنَادَى) . وَفِي كتاب (الصَّلَاة) لأبي الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد الْخفاف: لَا صَلَاة إلاّ بقرآن وَلَو بِفَاتِحَة الْكتاب فَمَا زَاد وَفِي (الصَّلَاة) للفريابي: (أنادي فِي الْمَدِينَة أَن: لَا صَلَاة إلاّ بِقِرَاءَة أَو بِفَاتِحَة الْكتاب فَمَا زَاد) وَفِي لفظ: فناديت: (أَن لَا صَلَاة إلاّ بِقِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب) وَعند الْبَيْهَقِيّ: (إلاّ بِقِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب فَمَا زَاد) وَفِي (الْأَوْسَط) : (فِي كل صَلَاة قِرَاءَة وَلَو بِفَاتِحَة الْكتاب) ، وَهَذِه الْأَحَادِيث كلهَا لَا تدل على فَرضِيَّة قِرَاءَة الْفَاتِحَة، بل غالبها يَنْفِي الْفَرْضِيَّة، فَإِن دلّت إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ على عدم جَوَاز الصَّلَاة إلاّ بِالْفَاتِحَةِ دلّت الْأُخْرَى على جَوَازهَا بِلَا فَاتِحَة، فنعمل بِالْحَدِيثين، وَلَا نهمل أَحدهمَا بِأَن نقُول بفرضية مُطلق الْقِرَاءَة، وبوجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة، وَهَذَا هُوَ الْعدْل فِي بَاب أَعمال الْأَخْبَار، وَأَيْضًا فِي حَدِيث أبي دَاوُد الْمَذْكُور أَمْرَانِ: أَحدهمَا: أَن جعفرا الْمَذْكُور فِي سَنَده هُوَ جَعْفَر بن مَيْمُون فِيهِ كَلَام حَتَّى صرح النَّسَائِيّ أَنه: لَيْسَ بِثِقَة.: وَالثَّانِي: أَنه يَقْتَضِي فَرضِيَّة مَا زَاد على الْفَاتِحَة، لِأَن معنى قَوْله: (فَمَا زَاد) ، الَّذِي زَاد على الْفَاتِحَة، أَو بِقِرَاءَة الزِّيَادَة على الْفَاتِحَة، وَلَيْسَ ذَاك مَذْهَب الشَّافِعِي، وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب فَصَاعِدا) . قَالَ سُفْيَان: لمن يُصَلِّي وَحده. قلت: مَعْنَاهُ: لَا صَلَاة كَامِلَة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب زَائِدَة على الْفَاتِحَة، وَقَالَ سُفْيَان، هُوَ ابْن عُيَيْنَة أحد رُوَاة هَذَا الحَدِيث، هَذَا لمن يُصَلِّي وَحده، يَعْنِي فِي حق من يُصَلِّي وَحده، وَأما الْمُقْتَدِي فَإِن قِرَاءَة الإِمَام قِرَاءَة لَهُ، وَكَذَا قَالَه الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته: إِذا كَانَ وَحده، فعلى هَذَا يكون الحَدِيث مَخْصُوصًا فِي حق الْمُنْفَرد فَلم يبْق للشَّافِعِيَّة بعد هَذَا دَعْوَى الْعُمُوم. وَحَدِيث عبَادَة هَذَا أخرجه البُخَارِيّ كَمَا ذكر وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظَة: فَصَاعِدا. فَإِن قلت: قَالَ البُخَارِيّ فِي (كتاب الْقِرَاءَة خلف الإِمَام) : وَقَالَ معمر عَن الزُّهْرِيّ: فَصَاعِدا، وَعَامة الثِّقَات لم تتَابع معمرا فِي قَوْله: فَصَاعِدا؟ قلت: هَذَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قد تَابع معمرا فِي هَذِه اللَّفْظَة، وَكَذَلِكَ تَابعه فِيهَا صَالح وَالْأَوْزَاعِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَغَيرهم كلهم عَن الزُّهْرِيّ فَإِن قلت: أخرج أَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي عَن مَالك عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن أَنه سمع أَبَا السَّائِب مولى هِشَام بن زهرَة يَقُول: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من صلى صَلَاة لم يقْرَأ فِيهَا بِأم الْقُرْآن) الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَفِيه: (فَقلت: يَا أَبَا هُرَيْرَة إِنِّي أكون أَحْيَانًا وَرَاء الإِمَام، قَالَ: فغمز ذراعي وَقَالَ: إقرأ بهَا فِي نَفسك يَا فَارسي) الحَدِيث، وَالْخطاب لأبي السَّائِب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا يُؤَيّد وجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة على الْمَأْمُوم، وَمَعْنَاهُ: إقرأها سرا بِحَيْثُ تسمع نَفسك. قلت: هَذَا لَا يدل على الْوُجُوب، لِأَن الْمَأْمُوم مَأْمُور بالإنصات لقَوْله تَعَالَى: ﴿وأنصتوا﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٤) . والإنصات: الإصغاء، وَالْقِرَاءَة سرا بِحَيْثُ يسمع نَفسه تخل بالإنصات، فَحِينَئِذٍ يحمل ذَلِك على أَن المُرَاد تدبر ذَلِك، وتفكره، وَلَئِن سلمنَا أَن المُرَاد هُوَ الْقِرَاءَة حَقِيقَة فَلَا نسلم أَنه يدل على الْوُجُوب، على أَن بعض أَصْحَابنَا استحسنوا ذَلِك على سَبِيل الِاحْتِيَاط فِي جَمِيع الصَّلَوَات، وَمِنْهُم من استحسنها فِي غير الجهرية، وَمِنْهُم من رأى ذَلِك
стр. 1575
إِذا كَانَ الإِمَام لحانا، وَمِمَّا يُؤَيّد مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا مَا أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ) ، بِهَذَا الْخَبَر، وَزَاد: (وَإِذا قَرَأَ فأنصتوا) ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه والطخاوي، وَهَذَا حجَّة صَرِيحَة فِي أَن الْمُقْتَدِي لَا يجب عَلَيْهِ أَن يقْرَأ خلف الإِمَام أصلا على الشَّافِعِي فِي جَمِيع الصَّلَوَات، وعَلى مَالك فِي الظّهْر وَالْعصر. فَإِن قلت: قد قَالَ أَبُو دَاوُد عقيب إِخْرَاجه هَذَا الحَدِيث: وَهَذِه الزِّيَادَة يَعْنِي: (إِذا قَرَأَ فأنصتوا) لَيست بمحفوظة الْوَهم من أبي خَالِد أحد رُوَاته، واسْمه: سُلَيْمَان بن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ من رجال الْجَمَاعَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : أجمع الْحفاظ على خطأ هَذِه اللَّفْظَة، وَأسْندَ عَن ابْن معِين فِي (سنَنه الْكَبِير) قَالَ: فِي حَدِيث ابْن عجلَان وَزَاد: (وَإِذا قَرَأَ فأنصتوا) ، لَيْسَ بِشَيْء، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: (وَإِذا قَرَأَ الإِمَام فأنصتوا) ، وَقد رَوَاهُ أَصْحَاب قَتَادَة الْحفاظ عَنهُ مِنْهُم: هِشَام الدستوَائي وَسَعِيد وَشعْبَة وَهَمَّام وَأَبُو عوَانَة وَأَبَان وعدي بن أبي عمَارَة وَلم يقل وَاحِد مِنْهُم: (وَإِذا قَرَأَ فأنصتوا قَالَ: وإجماعهم يدل على وهمه، وَعَن أبي حَاتِم: لَيست هَذِه الْكَلِمَة بمحفوظة، إِنَّمَا هِيَ من تخاليط ابْن عجلَان. قلت: فِي هَذَا كُله نظر، أما ابْن عجلَان فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ الْعجلِيّ، وَفِي (الْكَمَال) : ثِقَة كثير الحَدِيث، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِن مُسلما أخرج لَهُ فِي (صَحِيحه) قلت: أخرج لَهُ الْجَمَاعَة البُخَارِيّ مستشهدا وَهُوَ مُحَمَّد بن عجلَان الْمدنِي، فَهَذَا زِيَادَة ثِقَة فَتقبل، وَقد تَابعه عَلَيْهِمَا خَارِجَة ابْن مُصعب وَيحيى بن الْعَلَاء، كَمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه الْكَبِير) وَأما أَبُو خَالِد فقد أخرج لَهُ الْجَمَاعَة كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم: سَأَلت وكيعا عَنهُ فَقَالَ: أَبُو خَالِد مِمَّن يُسأل عَنهُ؟ وَقَالَ أَبُو هِشَام الرَّافِعِيّ: حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر الثِّقَة الْأمين، وَمَعَ هَذَا لم ينْفَرد بِهَذِهِ الزِّيَادَة، وَقد أخرج النَّسَائِيّ كَمَا ذكرنَا هَذَا الحَدِيث بِهَذِهِ الزِّيَادَة من طَرِيق مُحَمَّد بن سعد الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن سعد ثِقَة، وَثَّقَهُ يحيى بن معِين، وَقد تَابع ابْن سعد هَذَا أَبَا خَالِد، وَتَابعه أَيْضا إِسْمَاعِيل بن أبان، كَمَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) وَقد صحّح مُسلم هَذِه الزِّيَادَة من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ أَبُو بكر: لمُسلم حَدِيث أبي هُرَيْرَة، يَعْنِي: (إِذا قَرَأَ فأنصتوا) قَالَ: هُوَ عِنْدِي صَحِيح، فَقَالَ: لِمَ لَا تضعه هَهُنَا؟ قَالَ: لَيْسَ كل شَيْء عني صَحِيح وَضعته هَهُنَا، وَإِنَّمَا وضعت هَهُنَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ، وتوجد هَذِه الزِّيَادَة أَيْضا فِي بعض نسخ مُسلم عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور، وَفِي (التَّمْهِيد) بِسَنَدِهِ عَن ابْن حَنْبَل أَنه صحّح الْحَدِيثين، يَعْنِي: حَدِيث أبي مُوسَى وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَالْعجب من أبي دَاوُد أَنه نسب الْوَهم إِلَى أبي خَالِد وَهُوَ ثِقَة بِلَا شكّ، وَلم ينْسب إِلَى ابْن عجلَان وَفِيه كَلَام، وَمَعَ هَذَا أَيْضا فَابْن خُزَيْمَة صحّح حَدِيث ابْن عجلَان.
٧٥٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني سَعِيدُ بنُ أبِي سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ دَخلَ المَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النبيِّ ﷺ فَرَدَّ وَقَالَ ارْجَعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى ثُمَّ جاءَ فَسَلَّم عَلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ إرْجَعْ فَصَلِّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلاثا فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قائِما ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِدا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جالِسا وافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّها. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تَأتي بالاستئناس فِي الْجُزْء السَّادِس من التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: وَمَا يُخَافت، لِأَنَّهُ ﷺ أَمر الرجل الْمَذْكُور فِي هَذَا الحَدِيث بِالْقِرَاءَةِ فِي صلَاته وَكَانَت صلَاته نهارية، لِأَن أصل صَلَاة النَّهَار على الْإِسْرَار إلاّ مَا خرج بِدَلِيل كَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وأصل صَلَاة اللَّيْل على الْجَهْر، فَإِن خَالف فَعَلَيهِ سُجُود السَّهْو عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. وَقَالَ ابْن بطال: وَمن لم يُوجب السُّجُود فِي ذَلِك أشبه بِدَلِيل حَدِيث أبي قَتَادَة الْآتِي فِيمَا بعد، وَكَانَ يسمعنا الْآيَة أَحْيَانًا وَهُوَ دَال على الْقَصْد إِلَيْهِ والمداومة عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لما كَانَ الْجَهْر والإسرار من سنَن الصَّلَاة، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 1576
قد جهر فِي بعض صَلَاة السِّرّ وَلم يسْجد لذَلِك، كَانَ كَذَلِك حكم الصَّلَاة إِذا جهر فِيهَا لِأَنَّهُ لَو اخْتلف الحكم فِي ذَلِك لبينه، وَلَا وَجه لمَذْهَب الْكُوفِيّين، إِذْ لَا حجَّة لَهُم فِيهِ من كتاب وَلَا سنة وَلَا نظر قلت: جهره ﷺ بِالْقِرَاءَةِ فِي حَدِيث أبي قَتَادَة إِنَّمَا كَانَ لبَيَان جَوَاز الْجَهْر فِي الْقِرَاءَة السّريَّة، فَإِن الْإِسْرَار لَيْسَ بِشَرْط لصِحَّة الصَّلَاة، بل هُوَ سنة، وَيحْتَمل أَن الْجَهْر بِالْآيَةِ كَانَ بسبق اللِّسَان للاستغراق فِي التدبر. قَوْله: وَلَا وَجه لمَذْهَب الْكُوفِيّين. . إِلَى آخِره، كَلَام واه لِأَن حجَّة الْكُوفِيّين فِي هَذَا الْبَاب مواظبته ﷺ فِي صَلَاة النَّهَار على الْإِسْرَار وعَلى الْجَهْر فِي صَلَاة اللَّيْل فِي الْفَرَائِض، وَفِي حَدِيث إِمَامَة جِبْرِيل، ﵊، روى أنس أَنه أسر فِي الظّهْر وَالْعصر وَالثَّالِثَة من الْمغرب والأخريين من الْعشَاء، وأصل الحَدِيث فِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث قَتَادَة: عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وروى أَبُو دَاوُد فِي (مراسيله) عَن الْحسن فِي صَلَاة النَّبِي خلف جِبْرِيل، ﵇: أَنه أسر فِي الظّهْر وَالْعصر وَالثَّالِثَة من الْمغرب والأخريين من الْعشَاء وَنَحْو ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم مَوضِع الْحَاجة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة هُنَا قَوْله: (ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن) ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بإيراده عقيب حَدِيث عبَادَة أَن الْفَاتِحَة إِنَّمَا تتحتم على من يحسنها وَأَن من لَا يحسنها يقْرَأ مَا تيَسّر عَلَيْهِ أَو أَن الْإِجْمَال الَّذِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة يُبينهُ تعين الْفَاتِحَة فِي حَدِيث عبَادَة. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام بعيد عَن الْمَقْصُود جدا تمجه الأسماع، فَالْبُخَارِي وضع هَذَا الْبَاب مترجما بترجمة لَهَا سِتَّة أَجزَاء، وَأورد حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا لأجل الْجُزْء السَّادِس كَمَا ذكرنَا، فَالْوَجْه الأول الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل لَا يُنَاسب شَيْئا من التَّرْجَمَة أصلا وَهُوَ كَلَام أَجْنَبِي. الْوَجْه الثَّانِي أبعد مِنْهُ لِأَنَّهُ ذكر أَن فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي قَوْله: (ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك) إِجْمَالا، فليت شعري من قَالَ: إِن حد الْإِجْمَال يصدق على هَذَا؟ والمجمل هُوَ مَا خَفِي المُرَاد مِنْهُ لنَفس اللَّفْظ خَفَاء لَا يدْرك إلاّ بِبَيَان من الْمُجْمل، سَوَاء كَانَ ذَلِك لتزاحم الْمعَانِي المتساوية الْأَقْدَام كالمشترك، أَو لغرابة اللَّفْظ كالهلوع، أَو لانتقاله من مَعْنَاهُ الظَّاهِر إِلَى مَا هُوَ غير مَعْلُوم، كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة والربا، فَانْظُر أَيهَا الْمنصف النازح عَن طَرِيق الاعتساف هَل يصدق مَا قَالَه من دَعْوَى الْإِجْمَال هُنَا؟ وَهل ينطبق مَا ذكره الأصوليون فِي حد الْمُجْمل على مَا ذكره؟ فنسأل الله الْعِصْمَة عَن دَعْوَى الأباطيل والوقوع فِي مهمة التضاليل.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: عبيد الله بن عمر الْعمريّ. الرَّابِع: سعيد المَقْبُري. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو سعيد، واسْمه كيسَان اللَّيْثِيّ الجندعي. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: سعيد عَن أَبِيه. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: خَالف يحيى فِيهِ جَمِيع أَصْحَاب عبيد الله لِأَن كلهم رَوَوْهُ عَن عبيد الله عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، وَلم يذكرُوا أَبَاهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وروى ابْن نمير هَذَا الحَدِيث عَن عبيد الله عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، وَلم يذكر فِيهِ: عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا القعْنبِي أخبرنَا أنس يَعْنِي ابْن عِيَاض، وَأخْبرنَا ابْن الْمثنى قَالَ: حَدثنِي يحيى بن سعيد عَن عبيد الله، وَهَذَا لفظ ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنِي سعيد بن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، فَذكر الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: قَالَ القعْنبِي: عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يحيى حَافظ يعْتَمد مَا رَوَاهُ فَالْحَدِيث صَحِيح.
: ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد وَفِيه وَفِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ، وَقَالَ: خُولِفَ يحيى، فَقيل: سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، وَأما رِوَايَة سعيد عَن أبي هُرَيْرَة فأخرجها البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبيد الله بن نمير فِي الاسْتِئْذَان، وَأبي أُسَامَة فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن نمير عَن أَبِيه بِهِ، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي أُسَامَة وَعبد الله بن نمير بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن أنس بن عِيَاض بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الله بن نمير بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ بِتَمَامِهِ. وَفِي الْأَدَب بِبَعْضِه عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة عَن أبي أُسَامَة وَلِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور طَرِيق أُخْرَى من غير رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أخرجهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَمُحَمّد بن عَمْرو وَمُحَمّد بن عجلَان وَدَاوُد بن قيس، كلهم عَن عَليّ بن أبي
стр. 1577
يحيى بن خَلاد بن رَافع الزرقي عَن أَبِيه عَن عَمه رِفَاعَة بن رَافع، وَمِنْهُم من لم يسم رِفَاعَة، قَالَ: عَن عَم لَهُ بَدْرِي، وَمِنْهُم من لم يقل: عَن أَبِيه، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ عَن طَرِيق يحيى بن عَليّ بن يحيى عَن أَبِيه عَن جده عَن رِفَاعَة، لَكِن لم يقل التِّرْمِذِيّ: وَفِيه اخْتِلَاف آخر.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله:: (فَدخل رجل) ، هُوَ خَلاد بن رَافع، جد عَليّ بن يحيى أحد الروَاة فِي حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع الْمَذْكُور آنِفا، وَفِي رِوَايَة ابْن نمير: (فَدخل رجل وَرَسُول الله ﷺ ، جَالس فِي نَاحيَة الْمَسْجِد) . وَفِي رِوَايَة من رِوَايَة إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة: (بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ ، جَالس وَنحن حوله) وَوَقع فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: (إِذْ جَاءَ رجل كالبدوي فصلى فأخف صلَاته) ، وَهَذَا لَا يمْنَع تَفْسِيره بخلاد، لِأَن رِفَاعَة شبهه بالبدوي. قَوْله:: (فصلى) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي الصَّلَاة وَلَيْسَ المُرَاد: فصلى على النَّبِي ﷺ قلت: وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من رِوَايَة دَاوُد بن قيس: رَكْعَتَيْنِ، وَلَو اطلع الْكرْمَانِي على هَذَا لم يقل: وَلَيْسَ المُرَاد فصلى على النَّبِي ﷺ ، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا قَوْله:: (فَسلم على النَّبِي، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ، على مَا يَجِيء: (ثمَّ جَاءَ فَسلم) ، قَوْله:: (فَرد) ، أَي: فَرد النَّبِي ﷺ السَّلَام، وَفِي رِوَايَة ابْن نمير فِي الاسْتِئْذَان، فَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام. قَوْله:: (فَقَالَ: ارْجع) ، ويروى: وَقَالَ، بِالْوَاو، وَفِي رِوَايَة ابْن عجلَان: (فَقَالَ: أعد صَلَاتك) قَوْله:: (فَرجع فصلى) ، بِالْفَاءِ، ويروى: فَرجع يُصَلِّي، بياء الْمُضَارع، على أَن الْجُمْلَة حَال منتظرة مقدرَة. قَوْله:: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات، وَفِي رِوَايَة ابْن نمير: (فَقَالَ فِي الثَّالِثَة) وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: (فَقَالَ فِي الثَّانِيَة أَو الثَّالِثَة) ، وَالرِّوَايَة الَّتِي بِلَا ترديد أولى. قَوْله:: (فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك) ويروى: (قَالَ: وَالَّذِي بَعثك) ، بِدُونِ الْفَاء. قَوْله:: (فعلمني) وَفِي رِوَايَة يحيى بن عَليّ: (فَقَالَ الرجل فأرني وَعَلمنِي فَإِنَّمَا أَنا بشر أُصِيب وأخطىء. فَقَالَ: أجل) قَوْله:: (فَقَالَ: إِذا) ، ويروى: قَالَ، بِدُونِ الْفَاء. قَوْله:: (إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكبر) ، وَفِي رِوَايَة ابْن نمير: (إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فأسبغ الْوضُوء ثمَّ اسْتقْبل الْقبْلَة فَكبر) . وَفِي رِوَايَة يحيى بن عَليّ: (فَتَوَضَّأ كَمَا أَمرك الله تَعَالَى ثمَّ تشهد وأقم) . وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة عِنْد النَّسَائِيّ: (إِنَّهَا لم تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يسبغ الْوضُوء كَمَا أمره الله فَيغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين وَيمْسَح بِرَأْسِهِ وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ يكبر الله وَيَحْمَدهُ ويمجده) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (ويثني عَلَيْهِ) ، بدل: (ويمجده) . قَوْله:: (ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك) ، ويروى: (بِمَا مَعَك) ، بِزِيَادَة الْبَاء الْمُوَحدَة، وَلم يخْتَلف فِي هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة. وَأما فِي حَدِيث رِفَاعَة فَفِي رِوَايَة إِسْحَاق الَّتِي ذَكرنَاهَا الْآن: (وَيقْرَأ مَا تيَسّر من الْقُرْآن مِمَّا علمه الله) ، وَفِي رِوَايَة يحيى بن عَليّ: (فَإِن كَانَ مَعَك قُرْآن فاقرأ وإلاّ فاحمد الله وَكبره وَهَلله) . وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو عِنْد أبي دَاوُد: (ثمَّ اقْرَأ بِأم الْقُرْآن أَو بِمَا شَاءَ الله) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَابْن حبَان: (ثمَّ اقْرَأ بِأم الْقُرْآن ثمَّ اقْرَأ بِمَا شِئْت) . قَوْله:: (ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا) أَي: حَال كونك رَاكِعا. قَوْله:: (حَتَّى تعتدل) ، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (حَتَّى تطمئِن قَائِما) قَوْله:: (وَافْعل ذَلِك) أَي: الْمَذْكُور من كل وَاحِد من التَّكْبِير وَقِرَاءَة مَا تيَسّر وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وَالْجُلُوس، وَفِي مُحَمَّد بن عمر: (ثمَّ اصْنَع ذَلِك فِي كل رَكْعَة وَسجْدَة) . قَوْله:: (فِي صَلَاتك كلهَا) يَعْنِي: من الْفَرْض وَالنَّفْل.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: أَن فِي قَوْله: (فَرد) ، دَلِيلا على وجوب رد السَّلَام على الْمُسلم. وَفِيه: رد على ابْن الْمُنِير حَيْثُ قَالَ فِيهِ: إِن الموعظة فِي وَقت الْحَاجة أهم من رد السَّلَام، وَلَعَلَّه لم يرد عَلَيْهِ تأديبا على جَهله، فَيُؤْخَذ مِنْهُ التَّأْدِيب بالهجر وَترك رد السَّلَام. قلت: الْحَامِل لَهُ على ذَلِك عدم وُقُوفه على لَفظه: فَرد، لِأَن هَذِه اللَّفْظَة مَوْجُودَة فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا الْموضع، أَو كَأَنَّهُ اعْتمد على النُّسْخَة الَّتِي اعْتمد عَلَيْهَا صَاحب (الْعُمْدَة) ، فَإِنَّهُ سَاق هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظَة: فَرد.
الثَّانِي: قَالَ عِيَاض فِي قَوْله: (إرجع فصل فَإنَّك لم تصل) ، أَن أَفعَال الْجَاهِل فِي الْعِبَادَة على غير علم لَا تجزىء قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه إِنَّمَا يمشي إِذا كَانَ المُرَاد بِالنَّفْيِ نفي الْإِجْزَاء وَلَيْسَ كَذَلِك، بل المُرَاد مِنْهُ نفي الْكَمَال، لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي آخر الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة القعْنبِي عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِذا فعلت هَذَا فقد تمت صَلَاتك، وَمَا انتقصت من هَذَا فَإِنَّمَا انتقصت من صَلَاتك) . وَقد سمى ﷺ صلَاته: صَلَاة، فَدلَّ على أَن المُرَاد من النَّفْي نفي الْكَمَال، وَقَالَ بَعضهم: وَمن حمله على نفي الْكَمَال تمسك بِأَنَّهُ ﷺ لم يَأْمُرهُ بعد التَّعْلِيم بِالْإِعَادَةِ، فَدلَّ على إجزائها. والإلزام تَأْخِير الْبَيَان، ثمَّ قَالَ: وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ ﷺ قد أمره فِي الْمرة الْأَخِيرَة بِالْإِعَادَةِ فَسَأَلَهُ التَّعْلِيم فَعلمه، فَكَأَنَّهُ
стр. 1578
قَالَ لَهُ: أعد صَلَاتك على هَذِه الْكَيْفِيَّة. انْتهى. قلت: إِنَّمَا أمره بِالْإِعَادَةِ على الْكَيْفِيَّة الْكَامِلَة وَلَا يسْتَلْزم ذَلِك نفي ذَات الصَّلَاة، فالنفي رَاجع إِلَى الصّفة لَا إِلَى الذَّات، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن صلَاته لَو كَانَت فَاسِدَة لَكَانَ الِاشْتِغَال بذلك عَبَثا، وَالنَّبِيّ ﷺ لَا يُقرر أحدا على الِاشْتِغَال بالعبث، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره الْمُتَأَخّرُونَ من أَصْحَابنَا نصْرَة لأبي حنيفَة وَمُحَمّد فِي ذهابهما إِلَى أَن الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَاجِبَة وَلَيْسَت بِفَرْض، حَتَّى قَالَ فِي (الْخُلَاصَة) : إِنَّهَا سنة عِنْدهمَا، وَقَالُوا: لِأَن الرُّكُوع هُوَ الانحناء، وَالسُّجُود هُوَ الانخفاض لُغَة، فتتعلق الركنية بالأدنى مِنْهُمَا. وَقَالُوا أَيْضا قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا واسجدوا﴾ (الْحَج: ٧٧) . أَمر بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود، وهما لفظان خاصان يُرَاد بهما الانحناء والانخفاض، فيتأدى ذَلِك بِأَدْنَى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ من ذَلِك، وافتراض الطُّمَأْنِينَة فيهمَا بِخَبَر الْوَاحِد زِيَادَة على مُطلق النَّص، وَهُوَ نسخ، وَذَا لَا يجوز. وَأما الطَّحَاوِيّ الَّذِي هُوَ الْعُمْدَة فِي بَيَان اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي الْفِقْه، فَإِنَّهُ لم ينصب الْخلاف بَين أَصْحَابنَا الثَّلَاثَة على هَذَا الْوَجْه، فَإِنَّهُ قَالَ فِي (شرح مَعَاني الْآثَار) : بَاب مِقْدَار الرُّكُوع وَالسُّجُود الَّذِي لَا يجزىء أقل مِنْهُ، ثمَّ روى حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِذا قَالَ أحدكُم فِي رُكُوعه: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم ثَلَاثًا، فقد تمّ رُكُوعه. وَذَلِكَ أدناه، وَإِذا قَالَ فِي سُجُوده: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا، فقد تمّ سُجُوده، وَذَلِكَ أدناه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى هَذَا، وَأَرَادَ بِهِ إِسْحَاق وَدَاوُد وَأحمد فِي رِوَايَة مَشْهُورَة، وَسَائِر الظَّاهِرِيَّة، فَإِنَّهُم قَالُوا: مِقْدَار الرُّكُوع وَالسُّجُود الَّذِي لَا يجزىء أقل مِنْهُ هُوَ الْمِقْدَار الَّذِي يَقُول فِيهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، كل وَاحِد ثَلَاث مَرَّات، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، وَأَرَادَ بهم: الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبا حنيفَة وَأَبا يُوسُف ومحمدا ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَعبد الله بن وهب وَأحمد فِي رِوَايَة، فَإِنَّهُم قَالُوا: مِقْدَار الرُّكُوع وَالسُّجُود أَن يرْكَع حَتَّى يَسْتَوِي رَاكِعا، وَمِقْدَار السُّجُود أَن يسْجد حَتَّى يطمئن سَاجِدا، وَهَذَا الْمِقْدَار الَّذِي لَا بُد مِنْهُ وَلَا تتمّ الصَّلَاة، إلاّ بِهِ، ثمَّ روى حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع فِي احتجاجهم فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، ثمَّ فِي آخر الْبَاب قَالَ: وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَلم ينصب الْخلاف بَينهم مثل مَا نَصبه صَاحب (الْهِدَايَة) و (الْمَبْسُوط) و (الْمُحِيط) وَغَيرهم:
(إِذا قَالَت حذام فصدقوهافإن القَوْل مَا قَالَت حذام)
وَعَن هَذَا أُجِيب عَمَّا قَالَه شرَّاح (الْهِدَايَة) فِي هَذَا الْموضع، فِي شرحنا لَهُ: فَمن أَرَادَ ذَلِك فَليرْجع إِلَيْهِ.
الثَّالِث: إِن قَوْله: (فَكبر) ، يدل على أَن الشُّرُوع فِي الصَّلَاة لَا يكون إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ، وَهُوَ فرض بِلَا خلاف.
الرَّابِع: إِن قَوْله: (ثمَّ اقْرَأ) ، يدل على أَن الْقِرَاءَة فرض فِي الصَّلَاة.
الْخَامِس: قَوْله: (مَا تيَسّر) ، يدل على أَن الْفَرْض مُطلق الْقِرَاءَة، وَهُوَ حجَّة لِأَصْحَابِنَا على عدم فَرضِيَّة قِرَاءَة الْفَاتِحَة، إِذْ لَو كَانَت فرضا لأَمره ﷺ ، لِأَن الْمقَام مقَام التَّعْلِيم. وَقَالَ الْخطابِيّ قَوْله: (ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن) ، ظَاهره الْإِطْلَاق والتخيير، وَالْمرَاد مِنْهُ فَاتِحَة الْكتاب لمن أحْسنهَا لَا يجْزِيه غَيرهَا، بِدَلِيل قَوْله: (لَا صَلَاة إلاّ بِفَاتِحَة الْكتاب) ، وَهَذَا فِي الْإِطْلَاق كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٦) . ثمَّ قَالَ: أقل مَا يجرىء من الْهَدْي معينا مَعْلُوم الْمِقْدَار بِبَيَان السّنة وَهُوَ: الشَّاة. قلت: يُرِيد الْخطابِيّ أَن يتَّخذ لمذهبه دَلِيلا على حسب اخْتِيَاره بِكَلَام ينْقض أَوله آخِره، وَحَيْثُ اعْترف أَولا أَن ظَاهر هَذَا الْكَلَام الْإِطْلَاق والتخيير، وَحكم الْمُطلق أَن يجْرِي على إِطْلَاقه، وَكَيف يكون المُرَاد مِنْهُ فَاتِحَة الْكتاب وَلَيْسَ فِيهِ إِجْمَال؟ وَقَوله: وَهَذَا فِي الْإِطْلَاق كَقَوْلِه تَعَالَى ... إِلَى آخِره، ظَاهر الْفساد، لِأَن الْهدى اسْم لما يهدى إِلَيّ الْحرم، وَهُوَ يتَنَاوَل الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَفِيه إِجْمَال، وَأَقل مَا يجزىء: شَاة، فَيكون مرَادا بِالسنةِ بِخِلَاف قَوْله: (مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن) ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ يتَنَاوَل كل مَا يُطلق عَلَيْهِ الْقُرْآن، فَيتَنَاوَل الْفَاتِحَة وَغَيرهَا وَلَيْسَ فِيهِ إِجْمَال، وتخصيصه بِفَاتِحَة الْكتاب من غير مُخَصص تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، وَهُوَ بَاطِل، وَلَا يجوز أَن يكون قَوْله: (لَا صَلَاة إلاّ بِفَاتِحَة الْكتاب) مُخَصّصا، لِأَنَّهُ يُنَافِي معنى التيسر، فينقلب إِلَى تعسر، وَهَذَا بَاطِل، وَلَا يجوز أَن يكون مُفَسرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِبْهَام. وَمن قَالَ: إِنَّه مُجمل كالتيمي وَغَيره، وَحَدِيث عبَادَة مُفَسّر، والمفسر قاضٍ على الْمُجْمل فقد أبعد جدا لِأَنَّهُ لَا يصدق عَلَيْهِ حد الْإِجْمَال كَمَا ذكرنَا عَن قريب، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أما حَدِيث: (اقْرَأ مَا تيَسّر) ، فَمَحْمُول على الْفَاتِحَة فَإِنَّهَا متيسرة، أَو على مَا زَاد على الْفَاتِحَة بعْدهَا، أَو على من عجز عَن الْفَاتِحَة قلت: هَذَا تمشية لمذهبه بالتحكم، وكل هَذَا خَارج عَن معنى كَلَام الشَّارِع. أما قَوْله: فالفاتحة متيسرة، فَلَا يدل عَلَيْهِ تركيب الْكَلَام أصلا، لِأَن ظَاهره يتَنَاوَل الْفَاتِحَة وَغَيرهَا مِمَّا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم
стр. 1579
الْقُرْآن، وَسورَة الْإِخْلَاص أَكثر تيسرا من الْفَاتِحَة، فَمَا معنى تعْيين الْفَاتِحَة فِي التيسر؟ وَهَذَا تحكم بِلَا دَلِيل. وَأما قَوْله: أَو على مَا زَاد على الْفَاتِحَة، فَمن أَيْن يدل ظَاهر الحَدِيث على الْفَاتِحَة حَتَّى يكون قَوْله: (مَا تيَسّر) دَالا على مَا زَاد على الْفَاتِحَة؟ وَمَعَ هَذَا إِذا كَانَ مَأْمُورا بِمَا زَاد على الْفَاتِحَة يجب أَن تكون تِلْكَ الزِّيَادَة أَيْضا فرضا، مثل قِرَاءَة الْفَاتِحَة، وَلم يقل بِهِ الشَّافِعِي. وَأما قَوْله: أَو على من عجز عَن الْفَاتِحَة، فَحَمله عَلَيْهِ غير صَحِيح، لِأَنَّهُ مَا فِي الحَدِيث شَيْء يدل عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع: (ثمَّ اقْرَأ إِن كَانَ مَعَك قُرْآن، فَإِن لم يكن مَعَك قُرْآن فاحمد الله وَكبر وَهَلل) . كَذَا فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَإِن كَانَ مَعَك قُرْآن، فإقرأ وإلاّ فاحمد الله وَكبره وَهَلله) . وَكَيف يحمل قَوْله: (إقرأ مَا تيَسّر) على من عجز عَن الْفَاتِحَة وَقد بَين ﷺ حكم الْعَاجِز عَن الْقِرَاءَة مُسْتقِلّا بِرَأْسِهِ؟
السَّادِس: فِي قَوْله: حَتَّى تطمئِن) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، يدل على وجوب الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود.
السَّابِع: قَالَ الْخطابِيّ فِي قَوْله: (وَافْعل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا) دَلِيل على أَن عَلَيْهِ أَن يقْرَأ فِي كل رَكْعَة، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَن يرْكَع وَيسْجد فِي كل رَكْعَة، وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: إِن شَاءَ أَن يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ قَرَأَ، وَإِن شَاءَ أَن يسبح سبح، وَإِن لم يقْرَأ فيهمَا شَيْئا أَجْزَأته، وَرووا فِيهِ عَن عَليّ بن أبي طَالب أَنه قَالَ: يقْرَأ فِي الْأَوليين ويسبح فِي الْأُخْرَيَيْنِ من طَرِيق الْحَارِث عَنهُ، وَقد تكلم النَّاس فِي الْحَارِث قَدِيما، وَطعن فِيهِ الشّعبِيّ، ورماه بِالْكَذِبِ، وَتَركه أَصْحَاب (الصَّحِيح) : وَلَو صَحَّ ذَلِك عَن عَليّ لم يكن حجَّة، لِأَن جمَاعَة من الصَّحَابَة قد خالفوه فِي ذَلِك مِنْهُم: أَبُو بكر وَعمر وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَغَيرهم، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَسنة رَسُول الله ﷺ أولى مَا اتبع فِيهِ، بل قد ثَبت عَن عَليّ من طَرِيق عبيد الله بن أبي رَافع أَنه كَانَ يَأْمر أَن يقْرَأ فِي الْأَوليين من الظّهْر وَالْعصر بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَة الْكتاب. انْتهى. قلت: إِن سلمنَا أَن قَوْله ذَلِك دلّ على أَن يقْرَأ فِي كل رَكْعَة، فقد دلّ غَيره أَن الْقِرَاءَة فِي الْأَوليين قِرَاءَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ، بِدَلِيل مَا رُوِيَ عَن جَابر بن سَمُرَة قَالَ: شكا أهل الْكُوفَة سَعْدا. . الحَدِيث، وَفِيه: (وأحذف فِي الْأُخْرَيَيْنِ) ، أَي: أحذف الْقِرَاءَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي هَذَا الْبَاب، وتفسيرهم بقَوْلهمْ: أقصر الْقِرَاءَة وَلَا أحذفها، خلاف الظَّاهِر، وَإِن طعنوا فِي الرِّوَايَة عَن عَليّ من طَرِيق الْحَارِث فقد روى عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن أبي رَافع، قَالَ: كَانَ عَليّ يقْرَأ فِي الْأَوليين من الظّهْر وَالْعصر بِأم الْقُرْآن وَسورَة، وَلَا يقْرَأ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَهَذَا يُنَافِي قَول الْخطابِيّ، بل قد ثَبت عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من طَرِيق عبيد الله. . الخ، وَقَوله: لِأَن جمَاعَة من الصَّحَابَة قد خالفوه، غير مُسلم، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود مثله، على مَا روى ابْن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا شريك عَن أبي إِسْحَاق عَن عَليّ وَعبد الله أَنَّهُمَا قَالَا: قَرَأَ فِي الْأَوليين وَسبح فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَكَذَا روى عَن عَائِشَة، وَكَذَا روى عَن إِبْرَاهِيم وَابْن الْأسود. وَفِي (التَّهْذِيب) لِابْنِ جرير الطَّبَرِيّ: وَقَالَ حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن ابْن مَسْعُود، إِنَّه كَانَ لَا يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ من الظّهْر وَالْعصر شَيْئا. وَقَالَ هِلَال بن سِنَان: صليت إِلَى جنب عبد الله بن يزِيد فَسَمعته يسبح، وروى مَنْصُور عَن جرير عَن أبراهيم قَالَ: لَيْسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ من الْمَكْتُوبَة قِرَاءَة، سبح الله وَاذْكُر الله. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: إقرأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَة الْكتاب أَو سبح فيهمَا بِقدر الْفَاتِحَة، أَي: ذَلِك فعلت أجزأك، وَإِن سبح فِي الْأُخْرَيَيْنِ أحب إِلَيّ. فَإِن قلت: لم يبين فِي هَذَا الحَدِيث بعض الْوَاجِبَات: كالنية والقعدة الْأَخِيرَة وترتيب الْأَركان، وَكَذَا بعض الْأَفْعَال الْمُخْتَلف فِي وُجُوبهَا كالتشهد فِي الْأَخير، وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ ، وإصابة لَفْظَة السَّلَام. قلت: قيل فِي جَوَابه: لَعَلَّ هَذِه الْأَشْيَاء كَانَت مَعْلُومَة عِنْد هَذَا الرجل، فَلذَلِك لم يبينها قيل: يجوز أَن يكون الرَّاوِي اختصر ذكر هَذِه الْأَشْيَاء لِأَن الْمقَام مقَام التَّعْلِيم، وَلَا يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة، وَلِهَذَا قَالَ الرجل فِي حَدِيث رِفَاعَة، فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: (فأرني وَعَلمنِي فَإِنَّمَا أَنا بشر أُصِيب وأخطىء) . وَقَوله: (عَلمنِي) ، يتَنَاوَل جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ من الْوَاجِبَات القولية والفعلية. قلت: فِيهِ تَأمل، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: تكَرر من الْفُقَهَاء الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث على وجوب مَا ذكر فِيهِ، وعَلى عدم وجوب مَا لم يذكر، أما الْوُجُوب فلتعلق الْأَمر بِهِ، وَأما عَدمه فَلَيْسَ لمُجَرّد كَون الأَصْل عدم الْوُجُوب، بل لكَون الْبَاب مَوضِع تَعْلِيم وَبَيَان للجاهل، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انحصار الْوَاجِبَات فِيمَا ذكر. انْتهى. قلت: إِنَّمَا يَقْتَضِي انحصار الْوَاجِبَات فِيمَا ذكر أَن لَو لم يذكر النَّبِي ﷺ جَمِيع الْوَاجِبَات الَّتِي فِي الصَّلَاة وَالَّذِي لم
стр. 1580
يذكرهُ ظَاهرا، أما اعْتِمَادًا على الْعلم بِوُجُوبِهِ قبل ذَلِك أَو هُوَ اخْتِصَار من الرَّاوِي: كَمَا قيل، وَقد ذَكرْنَاهُ. على أَنا نقُول: إِذا جَاءَت صِيغَة الْأَمر فِي حَدِيث آخر بِشَيْء لم يذكر فِي هَذَا الحَدِيث تقدم، وَيعْمل بهَا.
الثَّامِن: فِيهِ وجوب الْإِعَادَة على من يخل بِشَيْء من الْأَركان، واستحباب الْإِعَادَة على من يخل بِشَيْء من الْوَاجِبَات للِاحْتِيَاط فِي بَاب الْعِبَادَات.
التَّاسِع: فِيهِ أَن الشُّرُوع فِي النَّافِلَة مُلْزم، لِأَن الظَّاهِر أَن صَلَاة ذَلِك الرجل كَانَت نَافِلَة.
الْعَاشِر: فِيهِ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر.
الحاي عشر: فِيهِ حسن التَّعْلِيم بالرفق دون التَّغْلِيظ والتعنيف.
الثَّانِي عشر: فِيهِ إِيضَاح الْمَسْأَلَة وتلخيص الْمَقَاصِد.
الثَّالِث عشر: فِيهِ جُلُوس الإِمَام فِي الْمَسْجِد وجلوس أَصْحَابه مَعَه.
الرَّابِع عشر: فِيهِ التَّسْلِيم للْعَالم والانقياد لَهُ.
الْخَامِس عشر: فِيهِ الإعتراف بالتقصير، وَالتَّصْرِيح بِحكم البشرية فِي جَوَاز الْخَطَأ.
السَّادِس عشر: فِيهِ حسن خلقه ﷺ ولطف معاشرته مَعَ أَصْحَابه.
السَّابِع عشر: قَالَ عِيَاض: فِيهِ حجَّة على من أجَاز الْقِرَاءَة بِالْفَارِسِيَّةِ، لكَون مَا لَيْسَ بِلِسَان الْعَرَب لَا يُسمى قُرْآنًا. قلت: هَذَا الْخلاف مَبْنِيّ على أَن الْقُرْآن اسْم للمعنى فَقَط، أَو للنظم وَالْمعْنَى جَمِيعًا، فَمن ذهب إِلَى أَنه اسْم للمعنى احْتج بقوله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين﴾ (الشُّعَرَاء: ١٩٦) . وَلم يكن الْقُرْآن فِي زبر الْأَوَّلين بِلِسَان الْعَرَب، وَقَوله: لكَون مَا لَيْسَ بِلِسَان الْعَرَب لَا يُسمى قُرْآنًا فِيهِ نظر، لِأَن التَّوْرَاة الَّذِي أنزلهُ الله تَعَالَى على مُوسَى، ﵊، يُطلق على أَنه قُرْآن وَهُوَ لَيْسَ بِلِسَان الْعَرَب، وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيل وَالزَّبُور، لِأَن الْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى قَائِم بِذَاتِهِ لَا يتَجَزَّأ وَلَا ينْفَصل عَنهُ، غير أَنه إِذا نزل بِلِسَان الْعَرَب سمي قُرْآنًا، وَلما نزل على مُوسَى، ﵇، سمي توراة، وَلما نزل على عِيسَى، ﵊، سمي إنجيلاً، وَلما نزل على دَاوُد سمي زبورا. وَاخْتِلَاف الْعبارَات باخْتلَاف الاعتبارات.
الثَّامِن عشر: فِيهِ أَن الْمُفْتِي إِذا سُئِلَ عَن شَيْء وَكَانَ هُنَاكَ شَيْء آخر يحْتَاج إِلَيْهِ السَّائِل يسْتَحبّ لَهُ أَن يذكرهُ لَهُ، وَإِن لم يسْأَله عَنهُ، وَيكون ذَلِك مِنْهُ نصيحة لَهُ وَزِيَادَة خير.
التَّاسِع عشر: فِيهِ اسْتِحْبَاب صَبر الْآمِر بِالْمَعْرُوفِ والناهي عَن الْمُنكر على من يُنكر فعله أَو يَأْمُرهُ بِفِعْلِهِ، لاحْتِمَال نِسْيَان فِيهِ أَو تعقله فيتذكره، وَلَيْسَ ذَلِك من بَاب التَّقْرِير على الْخَطَأ.
الْعشْرُونَ: السُّؤَال الْوَارِد فِيهِ وَهُوَ أَنه ﷺ كَيفَ سكت عَن تَعْلِيمه أَو لَا؟ فَقَالَ التوربشتي: إِنَّمَا سكت عَن تَعْلِيمه أَولا لِأَنَّهُ لما رَجَعَ لم يستكشف الْحَال من مورد الْوَحْي، وَكَأَنَّهُ اغْترَّ بِمَا عِنْده من الْعلم فَسكت عَن تَعْلِيمه زجرا لَهُ وتأديبا وإرشادا إِلَى استكشاف مَا استبهم عَلَيْهِ، فَلَمَّا طلب كشف الْحَال من مورده أرشده إِلَيْهِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّمَا لم يُعلمهُ أَولا ليَكُون أبلغ فِي تَعْرِيفه وتعريف غَيره بِصفة الصَّلَاة المجزئة، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يحْتَمل أَن يكون ترديده لتفخيم الْأَمر وتعظيمه عَلَيْهِ، وَرَأى أَن الْوَقْت لم يفته فَأَرَادَ إيقاظ الفطنة للمتروك، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: لَيْسَ التَّقْرِير بِدَلِيل على الْجَوَاز مُطلقًا، بل لَا بُد من انْتِفَاء الْمَوَانِع، وَلَا شكّ أَن فِي زِيَادَة قبُول التَّعَلُّم لما يلقى إِلَيْهِ بعد تكْرَار فعله واستجماع نَفسه وَتوجه سُؤَاله مصلحَة مَانِعَة من وجوب الْمُبَادرَة إِلَى التَّعَلُّم، لَا سِيمَا مَعَ عدم خوف الْفَوات، إِمَّا بِنَاء على ظَاهر الْحَال أَو بِوَحْي خَاص.
(بابُ القِرَاءَةِ فِي الظهرْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الظّهْر. قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن المُرَاد بهَا بَيَان قِرَاءَة غير الْفَاتِحَة قلت: الْعجب مِنْهُ كَيفَ يَقُول ذَلِك؟ وَأَيْنَ الظَّاهِر الَّذِي يدل على مَا قَالَه؟ بل مُرَاده الرَّد على من لَا يُوجب الْقِرَاءَة فِي الظّهْر، وَقد ذكرنَا أَن قوما، مِنْهُم: سُوَيْد بن غَفلَة وَالْحسن بن صَالح وَإِبْرَاهِيم بن علية وَمَالك فِي رِوَايَة قَالُوا: لَا قِرَاءَة فِي الظّهْر وَالْعصر.
٧٥٨ - ح دَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عَنْ جابِرِ بنَ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ سَعْدٌ كُنّتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ الله ﷺ صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ لَا أخْرِمُ عَنْهَا كُنْتُ أرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وأخِفُّ فِي اْلأُخْرَيَيْنِ فقالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ. (انْظُر الحَدِيث ٧٥٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت أركد فِي الْأَوليين) ، لِأَن ركوده فيهمَا كَانَ للْقِرَاءَة. وَقَوله: (صَلَاة الْعشي) هِيَ صَلَاة الظّهْر وَالْعصر وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب السَّابِق بِتَمَامِهِ، أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي،
следующие страницы →