Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
قد جهر فِي بعض صَلَاة السِّرّ وَلم يسْجد لذَلِك، كَانَ كَذَلِك حكم الصَّلَاة إِذا جهر فِيهَا لِأَنَّهُ لَو اخْتلف الحكم فِي ذَلِك لبينه، وَلَا وَجه لمَذْهَب الْكُوفِيّين، إِذْ لَا حجَّة لَهُم فِيهِ من كتاب وَلَا سنة وَلَا نظر قلت: جهره ﷺ بِالْقِرَاءَةِ فِي حَدِيث أبي قَتَادَة إِنَّمَا كَانَ لبَيَان جَوَاز الْجَهْر فِي الْقِرَاءَة السّريَّة، فَإِن الْإِسْرَار لَيْسَ بِشَرْط لصِحَّة الصَّلَاة، بل هُوَ سنة، وَيحْتَمل أَن الْجَهْر بِالْآيَةِ كَانَ بسبق اللِّسَان للاستغراق فِي التدبر. قَوْله: وَلَا وَجه لمَذْهَب الْكُوفِيّين. . إِلَى آخِره، كَلَام واه لِأَن حجَّة الْكُوفِيّين فِي هَذَا الْبَاب مواظبته ﷺ فِي صَلَاة النَّهَار على الْإِسْرَار وعَلى الْجَهْر فِي صَلَاة اللَّيْل فِي الْفَرَائِض، وَفِي حَدِيث إِمَامَة جِبْرِيل، ﵊، روى أنس أَنه أسر فِي الظّهْر وَالْعصر وَالثَّالِثَة من الْمغرب والأخريين من الْعشَاء، وأصل الحَدِيث فِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث قَتَادَة: عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وروى أَبُو دَاوُد فِي (مراسيله) عَن الْحسن فِي صَلَاة النَّبِي خلف جِبْرِيل، ﵇: أَنه أسر فِي الظّهْر وَالْعصر وَالثَّالِثَة من الْمغرب والأخريين من الْعشَاء وَنَحْو ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم مَوضِع الْحَاجة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة هُنَا قَوْله: (ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن) ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بإيراده عقيب حَدِيث عبَادَة أَن الْفَاتِحَة إِنَّمَا تتحتم على من يحسنها وَأَن من لَا يحسنها يقْرَأ مَا تيَسّر عَلَيْهِ أَو أَن الْإِجْمَال الَّذِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة يُبينهُ تعين الْفَاتِحَة فِي حَدِيث عبَادَة. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام بعيد عَن الْمَقْصُود جدا تمجه الأسماع، فَالْبُخَارِي وضع هَذَا الْبَاب مترجما بترجمة لَهَا سِتَّة أَجزَاء، وَأورد حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا لأجل الْجُزْء السَّادِس كَمَا ذكرنَا، فَالْوَجْه الأول الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل لَا يُنَاسب شَيْئا من التَّرْجَمَة أصلا وَهُوَ كَلَام أَجْنَبِي. الْوَجْه الثَّانِي أبعد مِنْهُ لِأَنَّهُ ذكر أَن فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي قَوْله: (ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك) إِجْمَالا، فليت شعري من قَالَ: إِن حد الْإِجْمَال يصدق على هَذَا؟ والمجمل هُوَ مَا خَفِي المُرَاد مِنْهُ لنَفس اللَّفْظ خَفَاء لَا يدْرك إلاّ بِبَيَان من الْمُجْمل، سَوَاء كَانَ ذَلِك لتزاحم الْمعَانِي المتساوية الْأَقْدَام كالمشترك، أَو لغرابة اللَّفْظ كالهلوع، أَو لانتقاله من مَعْنَاهُ الظَّاهِر إِلَى مَا هُوَ غير مَعْلُوم، كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة والربا، فَانْظُر أَيهَا الْمنصف النازح عَن طَرِيق الاعتساف هَل يصدق مَا قَالَه من دَعْوَى الْإِجْمَال هُنَا؟ وَهل ينطبق مَا ذكره الأصوليون فِي حد الْمُجْمل على مَا ذكره؟ فنسأل الله الْعِصْمَة عَن دَعْوَى الأباطيل والوقوع فِي مهمة التضاليل.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: عبيد الله بن عمر الْعمريّ. الرَّابِع: سعيد المَقْبُري. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو سعيد، واسْمه كيسَان اللَّيْثِيّ الجندعي. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: سعيد عَن أَبِيه. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: خَالف يحيى فِيهِ جَمِيع أَصْحَاب عبيد الله لِأَن كلهم رَوَوْهُ عَن عبيد الله عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، وَلم يذكرُوا أَبَاهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وروى ابْن نمير هَذَا الحَدِيث عَن عبيد الله عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، وَلم يذكر فِيهِ: عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا القعْنبِي أخبرنَا أنس يَعْنِي ابْن عِيَاض، وَأخْبرنَا ابْن الْمثنى قَالَ: حَدثنِي يحيى بن سعيد عَن عبيد الله، وَهَذَا لفظ ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنِي سعيد بن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، فَذكر الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: قَالَ القعْنبِي: عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يحيى حَافظ يعْتَمد مَا رَوَاهُ فَالْحَدِيث صَحِيح.
: ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد وَفِيه وَفِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ، وَقَالَ: خُولِفَ يحيى، فَقيل: سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، وَأما رِوَايَة سعيد عَن أبي هُرَيْرَة فأخرجها البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبيد الله بن نمير فِي الاسْتِئْذَان، وَأبي أُسَامَة فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن نمير عَن أَبِيه بِهِ، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي أُسَامَة وَعبد الله بن نمير بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن أنس بن عِيَاض بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الله بن نمير بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ بِتَمَامِهِ. وَفِي الْأَدَب بِبَعْضِه عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة عَن أبي أُسَامَة وَلِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور طَرِيق أُخْرَى من غير رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أخرجهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَمُحَمّد بن عَمْرو وَمُحَمّد بن عجلَان وَدَاوُد بن قيس، كلهم عَن عَليّ بن أبي
стр. 1577
يحيى بن خَلاد بن رَافع الزرقي عَن أَبِيه عَن عَمه رِفَاعَة بن رَافع، وَمِنْهُم من لم يسم رِفَاعَة، قَالَ: عَن عَم لَهُ بَدْرِي، وَمِنْهُم من لم يقل: عَن أَبِيه، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ عَن طَرِيق يحيى بن عَليّ بن يحيى عَن أَبِيه عَن جده عَن رِفَاعَة، لَكِن لم يقل التِّرْمِذِيّ: وَفِيه اخْتِلَاف آخر.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله:: (فَدخل رجل) ، هُوَ خَلاد بن رَافع، جد عَليّ بن يحيى أحد الروَاة فِي حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع الْمَذْكُور آنِفا، وَفِي رِوَايَة ابْن نمير: (فَدخل رجل وَرَسُول الله ﷺ ، جَالس فِي نَاحيَة الْمَسْجِد) . وَفِي رِوَايَة من رِوَايَة إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة: (بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ ، جَالس وَنحن حوله) وَوَقع فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: (إِذْ جَاءَ رجل كالبدوي فصلى فأخف صلَاته) ، وَهَذَا لَا يمْنَع تَفْسِيره بخلاد، لِأَن رِفَاعَة شبهه بالبدوي. قَوْله:: (فصلى) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي الصَّلَاة وَلَيْسَ المُرَاد: فصلى على النَّبِي ﷺ قلت: وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من رِوَايَة دَاوُد بن قيس: رَكْعَتَيْنِ، وَلَو اطلع الْكرْمَانِي على هَذَا لم يقل: وَلَيْسَ المُرَاد فصلى على النَّبِي ﷺ ، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا قَوْله:: (فَسلم على النَّبِي، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ، على مَا يَجِيء: (ثمَّ جَاءَ فَسلم) ، قَوْله:: (فَرد) ، أَي: فَرد النَّبِي ﷺ السَّلَام، وَفِي رِوَايَة ابْن نمير فِي الاسْتِئْذَان، فَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام. قَوْله:: (فَقَالَ: ارْجع) ، ويروى: وَقَالَ، بِالْوَاو، وَفِي رِوَايَة ابْن عجلَان: (فَقَالَ: أعد صَلَاتك) قَوْله:: (فَرجع فصلى) ، بِالْفَاءِ، ويروى: فَرجع يُصَلِّي، بياء الْمُضَارع، على أَن الْجُمْلَة حَال منتظرة مقدرَة. قَوْله:: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات، وَفِي رِوَايَة ابْن نمير: (فَقَالَ فِي الثَّالِثَة) وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: (فَقَالَ فِي الثَّانِيَة أَو الثَّالِثَة) ، وَالرِّوَايَة الَّتِي بِلَا ترديد أولى. قَوْله:: (فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك) ويروى: (قَالَ: وَالَّذِي بَعثك) ، بِدُونِ الْفَاء. قَوْله:: (فعلمني) وَفِي رِوَايَة يحيى بن عَليّ: (فَقَالَ الرجل فأرني وَعَلمنِي فَإِنَّمَا أَنا بشر أُصِيب وأخطىء. فَقَالَ: أجل) قَوْله:: (فَقَالَ: إِذا) ، ويروى: قَالَ، بِدُونِ الْفَاء. قَوْله:: (إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكبر) ، وَفِي رِوَايَة ابْن نمير: (إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فأسبغ الْوضُوء ثمَّ اسْتقْبل الْقبْلَة فَكبر) . وَفِي رِوَايَة يحيى بن عَليّ: (فَتَوَضَّأ كَمَا أَمرك الله تَعَالَى ثمَّ تشهد وأقم) . وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة عِنْد النَّسَائِيّ: (إِنَّهَا لم تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يسبغ الْوضُوء كَمَا أمره الله فَيغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين وَيمْسَح بِرَأْسِهِ وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ يكبر الله وَيَحْمَدهُ ويمجده) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (ويثني عَلَيْهِ) ، بدل: (ويمجده) . قَوْله:: (ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك) ، ويروى: (بِمَا مَعَك) ، بِزِيَادَة الْبَاء الْمُوَحدَة، وَلم يخْتَلف فِي هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة. وَأما فِي حَدِيث رِفَاعَة فَفِي رِوَايَة إِسْحَاق الَّتِي ذَكرنَاهَا الْآن: (وَيقْرَأ مَا تيَسّر من الْقُرْآن مِمَّا علمه الله) ، وَفِي رِوَايَة يحيى بن عَليّ: (فَإِن كَانَ مَعَك قُرْآن فاقرأ وإلاّ فاحمد الله وَكبره وَهَلله) . وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو عِنْد أبي دَاوُد: (ثمَّ اقْرَأ بِأم الْقُرْآن أَو بِمَا شَاءَ الله) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَابْن حبَان: (ثمَّ اقْرَأ بِأم الْقُرْآن ثمَّ اقْرَأ بِمَا شِئْت) . قَوْله:: (ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا) أَي: حَال كونك رَاكِعا. قَوْله:: (حَتَّى تعتدل) ، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (حَتَّى تطمئِن قَائِما) قَوْله:: (وَافْعل ذَلِك) أَي: الْمَذْكُور من كل وَاحِد من التَّكْبِير وَقِرَاءَة مَا تيَسّر وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وَالْجُلُوس، وَفِي مُحَمَّد بن عمر: (ثمَّ اصْنَع ذَلِك فِي كل رَكْعَة وَسجْدَة) . قَوْله:: (فِي صَلَاتك كلهَا) يَعْنِي: من الْفَرْض وَالنَّفْل.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: أَن فِي قَوْله: (فَرد) ، دَلِيلا على وجوب رد السَّلَام على الْمُسلم. وَفِيه: رد على ابْن الْمُنِير حَيْثُ قَالَ فِيهِ: إِن الموعظة فِي وَقت الْحَاجة أهم من رد السَّلَام، وَلَعَلَّه لم يرد عَلَيْهِ تأديبا على جَهله، فَيُؤْخَذ مِنْهُ التَّأْدِيب بالهجر وَترك رد السَّلَام. قلت: الْحَامِل لَهُ على ذَلِك عدم وُقُوفه على لَفظه: فَرد، لِأَن هَذِه اللَّفْظَة مَوْجُودَة فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا الْموضع، أَو كَأَنَّهُ اعْتمد على النُّسْخَة الَّتِي اعْتمد عَلَيْهَا صَاحب (الْعُمْدَة) ، فَإِنَّهُ سَاق هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظَة: فَرد.
الثَّانِي: قَالَ عِيَاض فِي قَوْله: (إرجع فصل فَإنَّك لم تصل) ، أَن أَفعَال الْجَاهِل فِي الْعِبَادَة على غير علم لَا تجزىء قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه إِنَّمَا يمشي إِذا كَانَ المُرَاد بِالنَّفْيِ نفي الْإِجْزَاء وَلَيْسَ كَذَلِك، بل المُرَاد مِنْهُ نفي الْكَمَال، لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي آخر الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة القعْنبِي عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِذا فعلت هَذَا فقد تمت صَلَاتك، وَمَا انتقصت من هَذَا فَإِنَّمَا انتقصت من صَلَاتك) . وَقد سمى ﷺ صلَاته: صَلَاة، فَدلَّ على أَن المُرَاد من النَّفْي نفي الْكَمَال، وَقَالَ بَعضهم: وَمن حمله على نفي الْكَمَال تمسك بِأَنَّهُ ﷺ لم يَأْمُرهُ بعد التَّعْلِيم بِالْإِعَادَةِ، فَدلَّ على إجزائها. والإلزام تَأْخِير الْبَيَان، ثمَّ قَالَ: وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ ﷺ قد أمره فِي الْمرة الْأَخِيرَة بِالْإِعَادَةِ فَسَأَلَهُ التَّعْلِيم فَعلمه، فَكَأَنَّهُ
стр. 1578
قَالَ لَهُ: أعد صَلَاتك على هَذِه الْكَيْفِيَّة. انْتهى. قلت: إِنَّمَا أمره بِالْإِعَادَةِ على الْكَيْفِيَّة الْكَامِلَة وَلَا يسْتَلْزم ذَلِك نفي ذَات الصَّلَاة، فالنفي رَاجع إِلَى الصّفة لَا إِلَى الذَّات، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن صلَاته لَو كَانَت فَاسِدَة لَكَانَ الِاشْتِغَال بذلك عَبَثا، وَالنَّبِيّ ﷺ لَا يُقرر أحدا على الِاشْتِغَال بالعبث، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره الْمُتَأَخّرُونَ من أَصْحَابنَا نصْرَة لأبي حنيفَة وَمُحَمّد فِي ذهابهما إِلَى أَن الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَاجِبَة وَلَيْسَت بِفَرْض، حَتَّى قَالَ فِي (الْخُلَاصَة) : إِنَّهَا سنة عِنْدهمَا، وَقَالُوا: لِأَن الرُّكُوع هُوَ الانحناء، وَالسُّجُود هُوَ الانخفاض لُغَة، فتتعلق الركنية بالأدنى مِنْهُمَا. وَقَالُوا أَيْضا قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا واسجدوا﴾ (الْحَج: ٧٧) . أَمر بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود، وهما لفظان خاصان يُرَاد بهما الانحناء والانخفاض، فيتأدى ذَلِك بِأَدْنَى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ من ذَلِك، وافتراض الطُّمَأْنِينَة فيهمَا بِخَبَر الْوَاحِد زِيَادَة على مُطلق النَّص، وَهُوَ نسخ، وَذَا لَا يجوز. وَأما الطَّحَاوِيّ الَّذِي هُوَ الْعُمْدَة فِي بَيَان اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي الْفِقْه، فَإِنَّهُ لم ينصب الْخلاف بَين أَصْحَابنَا الثَّلَاثَة على هَذَا الْوَجْه، فَإِنَّهُ قَالَ فِي (شرح مَعَاني الْآثَار) : بَاب مِقْدَار الرُّكُوع وَالسُّجُود الَّذِي لَا يجزىء أقل مِنْهُ، ثمَّ روى حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِذا قَالَ أحدكُم فِي رُكُوعه: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم ثَلَاثًا، فقد تمّ رُكُوعه. وَذَلِكَ أدناه، وَإِذا قَالَ فِي سُجُوده: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا، فقد تمّ سُجُوده، وَذَلِكَ أدناه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى هَذَا، وَأَرَادَ بِهِ إِسْحَاق وَدَاوُد وَأحمد فِي رِوَايَة مَشْهُورَة، وَسَائِر الظَّاهِرِيَّة، فَإِنَّهُم قَالُوا: مِقْدَار الرُّكُوع وَالسُّجُود الَّذِي لَا يجزىء أقل مِنْهُ هُوَ الْمِقْدَار الَّذِي يَقُول فِيهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، كل وَاحِد ثَلَاث مَرَّات، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، وَأَرَادَ بهم: الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبا حنيفَة وَأَبا يُوسُف ومحمدا ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَعبد الله بن وهب وَأحمد فِي رِوَايَة، فَإِنَّهُم قَالُوا: مِقْدَار الرُّكُوع وَالسُّجُود أَن يرْكَع حَتَّى يَسْتَوِي رَاكِعا، وَمِقْدَار السُّجُود أَن يسْجد حَتَّى يطمئن سَاجِدا، وَهَذَا الْمِقْدَار الَّذِي لَا بُد مِنْهُ وَلَا تتمّ الصَّلَاة، إلاّ بِهِ، ثمَّ روى حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع فِي احتجاجهم فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، ثمَّ فِي آخر الْبَاب قَالَ: وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَلم ينصب الْخلاف بَينهم مثل مَا نَصبه صَاحب (الْهِدَايَة) و (الْمَبْسُوط) و (الْمُحِيط) وَغَيرهم:
(إِذا قَالَت حذام فصدقوهافإن القَوْل مَا قَالَت حذام)
وَعَن هَذَا أُجِيب عَمَّا قَالَه شرَّاح (الْهِدَايَة) فِي هَذَا الْموضع، فِي شرحنا لَهُ: فَمن أَرَادَ ذَلِك فَليرْجع إِلَيْهِ.
الثَّالِث: إِن قَوْله: (فَكبر) ، يدل على أَن الشُّرُوع فِي الصَّلَاة لَا يكون إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ، وَهُوَ فرض بِلَا خلاف.
الرَّابِع: إِن قَوْله: (ثمَّ اقْرَأ) ، يدل على أَن الْقِرَاءَة فرض فِي الصَّلَاة.
الْخَامِس: قَوْله: (مَا تيَسّر) ، يدل على أَن الْفَرْض مُطلق الْقِرَاءَة، وَهُوَ حجَّة لِأَصْحَابِنَا على عدم فَرضِيَّة قِرَاءَة الْفَاتِحَة، إِذْ لَو كَانَت فرضا لأَمره ﷺ ، لِأَن الْمقَام مقَام التَّعْلِيم. وَقَالَ الْخطابِيّ قَوْله: (ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن) ، ظَاهره الْإِطْلَاق والتخيير، وَالْمرَاد مِنْهُ فَاتِحَة الْكتاب لمن أحْسنهَا لَا يجْزِيه غَيرهَا، بِدَلِيل قَوْله: (لَا صَلَاة إلاّ بِفَاتِحَة الْكتاب) ، وَهَذَا فِي الْإِطْلَاق كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٦) . ثمَّ قَالَ: أقل مَا يجرىء من الْهَدْي معينا مَعْلُوم الْمِقْدَار بِبَيَان السّنة وَهُوَ: الشَّاة. قلت: يُرِيد الْخطابِيّ أَن يتَّخذ لمذهبه دَلِيلا على حسب اخْتِيَاره بِكَلَام ينْقض أَوله آخِره، وَحَيْثُ اعْترف أَولا أَن ظَاهر هَذَا الْكَلَام الْإِطْلَاق والتخيير، وَحكم الْمُطلق أَن يجْرِي على إِطْلَاقه، وَكَيف يكون المُرَاد مِنْهُ فَاتِحَة الْكتاب وَلَيْسَ فِيهِ إِجْمَال؟ وَقَوله: وَهَذَا فِي الْإِطْلَاق كَقَوْلِه تَعَالَى ... إِلَى آخِره، ظَاهر الْفساد، لِأَن الْهدى اسْم لما يهدى إِلَيّ الْحرم، وَهُوَ يتَنَاوَل الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَفِيه إِجْمَال، وَأَقل مَا يجزىء: شَاة، فَيكون مرَادا بِالسنةِ بِخِلَاف قَوْله: (مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن) ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ يتَنَاوَل كل مَا يُطلق عَلَيْهِ الْقُرْآن، فَيتَنَاوَل الْفَاتِحَة وَغَيرهَا وَلَيْسَ فِيهِ إِجْمَال، وتخصيصه بِفَاتِحَة الْكتاب من غير مُخَصص تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، وَهُوَ بَاطِل، وَلَا يجوز أَن يكون قَوْله: (لَا صَلَاة إلاّ بِفَاتِحَة الْكتاب) مُخَصّصا، لِأَنَّهُ يُنَافِي معنى التيسر، فينقلب إِلَى تعسر، وَهَذَا بَاطِل، وَلَا يجوز أَن يكون مُفَسرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِبْهَام. وَمن قَالَ: إِنَّه مُجمل كالتيمي وَغَيره، وَحَدِيث عبَادَة مُفَسّر، والمفسر قاضٍ على الْمُجْمل فقد أبعد جدا لِأَنَّهُ لَا يصدق عَلَيْهِ حد الْإِجْمَال كَمَا ذكرنَا عَن قريب، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أما حَدِيث: (اقْرَأ مَا تيَسّر) ، فَمَحْمُول على الْفَاتِحَة فَإِنَّهَا متيسرة، أَو على مَا زَاد على الْفَاتِحَة بعْدهَا، أَو على من عجز عَن الْفَاتِحَة قلت: هَذَا تمشية لمذهبه بالتحكم، وكل هَذَا خَارج عَن معنى كَلَام الشَّارِع. أما قَوْله: فالفاتحة متيسرة، فَلَا يدل عَلَيْهِ تركيب الْكَلَام أصلا، لِأَن ظَاهره يتَنَاوَل الْفَاتِحَة وَغَيرهَا مِمَّا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم
стр. 1579
الْقُرْآن، وَسورَة الْإِخْلَاص أَكثر تيسرا من الْفَاتِحَة، فَمَا معنى تعْيين الْفَاتِحَة فِي التيسر؟ وَهَذَا تحكم بِلَا دَلِيل. وَأما قَوْله: أَو على مَا زَاد على الْفَاتِحَة، فَمن أَيْن يدل ظَاهر الحَدِيث على الْفَاتِحَة حَتَّى يكون قَوْله: (مَا تيَسّر) دَالا على مَا زَاد على الْفَاتِحَة؟ وَمَعَ هَذَا إِذا كَانَ مَأْمُورا بِمَا زَاد على الْفَاتِحَة يجب أَن تكون تِلْكَ الزِّيَادَة أَيْضا فرضا، مثل قِرَاءَة الْفَاتِحَة، وَلم يقل بِهِ الشَّافِعِي. وَأما قَوْله: أَو على من عجز عَن الْفَاتِحَة، فَحَمله عَلَيْهِ غير صَحِيح، لِأَنَّهُ مَا فِي الحَدِيث شَيْء يدل عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع: (ثمَّ اقْرَأ إِن كَانَ مَعَك قُرْآن، فَإِن لم يكن مَعَك قُرْآن فاحمد الله وَكبر وَهَلل) . كَذَا فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَإِن كَانَ مَعَك قُرْآن، فإقرأ وإلاّ فاحمد الله وَكبره وَهَلله) . وَكَيف يحمل قَوْله: (إقرأ مَا تيَسّر) على من عجز عَن الْفَاتِحَة وَقد بَين ﷺ حكم الْعَاجِز عَن الْقِرَاءَة مُسْتقِلّا بِرَأْسِهِ؟
السَّادِس: فِي قَوْله: حَتَّى تطمئِن) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، يدل على وجوب الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود.
السَّابِع: قَالَ الْخطابِيّ فِي قَوْله: (وَافْعل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا) دَلِيل على أَن عَلَيْهِ أَن يقْرَأ فِي كل رَكْعَة، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَن يرْكَع وَيسْجد فِي كل رَكْعَة، وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: إِن شَاءَ أَن يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ قَرَأَ، وَإِن شَاءَ أَن يسبح سبح، وَإِن لم يقْرَأ فيهمَا شَيْئا أَجْزَأته، وَرووا فِيهِ عَن عَليّ بن أبي طَالب أَنه قَالَ: يقْرَأ فِي الْأَوليين ويسبح فِي الْأُخْرَيَيْنِ من طَرِيق الْحَارِث عَنهُ، وَقد تكلم النَّاس فِي الْحَارِث قَدِيما، وَطعن فِيهِ الشّعبِيّ، ورماه بِالْكَذِبِ، وَتَركه أَصْحَاب (الصَّحِيح) : وَلَو صَحَّ ذَلِك عَن عَليّ لم يكن حجَّة، لِأَن جمَاعَة من الصَّحَابَة قد خالفوه فِي ذَلِك مِنْهُم: أَبُو بكر وَعمر وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَغَيرهم، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَسنة رَسُول الله ﷺ أولى مَا اتبع فِيهِ، بل قد ثَبت عَن عَليّ من طَرِيق عبيد الله بن أبي رَافع أَنه كَانَ يَأْمر أَن يقْرَأ فِي الْأَوليين من الظّهْر وَالْعصر بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَة الْكتاب. انْتهى. قلت: إِن سلمنَا أَن قَوْله ذَلِك دلّ على أَن يقْرَأ فِي كل رَكْعَة، فقد دلّ غَيره أَن الْقِرَاءَة فِي الْأَوليين قِرَاءَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ، بِدَلِيل مَا رُوِيَ عَن جَابر بن سَمُرَة قَالَ: شكا أهل الْكُوفَة سَعْدا. . الحَدِيث، وَفِيه: (وأحذف فِي الْأُخْرَيَيْنِ) ، أَي: أحذف الْقِرَاءَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي هَذَا الْبَاب، وتفسيرهم بقَوْلهمْ: أقصر الْقِرَاءَة وَلَا أحذفها، خلاف الظَّاهِر، وَإِن طعنوا فِي الرِّوَايَة عَن عَليّ من طَرِيق الْحَارِث فقد روى عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن أبي رَافع، قَالَ: كَانَ عَليّ يقْرَأ فِي الْأَوليين من الظّهْر وَالْعصر بِأم الْقُرْآن وَسورَة، وَلَا يقْرَأ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَهَذَا يُنَافِي قَول الْخطابِيّ، بل قد ثَبت عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من طَرِيق عبيد الله. . الخ، وَقَوله: لِأَن جمَاعَة من الصَّحَابَة قد خالفوه، غير مُسلم، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود مثله، على مَا روى ابْن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا شريك عَن أبي إِسْحَاق عَن عَليّ وَعبد الله أَنَّهُمَا قَالَا: قَرَأَ فِي الْأَوليين وَسبح فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَكَذَا روى عَن عَائِشَة، وَكَذَا روى عَن إِبْرَاهِيم وَابْن الْأسود. وَفِي (التَّهْذِيب) لِابْنِ جرير الطَّبَرِيّ: وَقَالَ حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن ابْن مَسْعُود، إِنَّه كَانَ لَا يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ من الظّهْر وَالْعصر شَيْئا. وَقَالَ هِلَال بن سِنَان: صليت إِلَى جنب عبد الله بن يزِيد فَسَمعته يسبح، وروى مَنْصُور عَن جرير عَن أبراهيم قَالَ: لَيْسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ من الْمَكْتُوبَة قِرَاءَة، سبح الله وَاذْكُر الله. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: إقرأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَة الْكتاب أَو سبح فيهمَا بِقدر الْفَاتِحَة، أَي: ذَلِك فعلت أجزأك، وَإِن سبح فِي الْأُخْرَيَيْنِ أحب إِلَيّ. فَإِن قلت: لم يبين فِي هَذَا الحَدِيث بعض الْوَاجِبَات: كالنية والقعدة الْأَخِيرَة وترتيب الْأَركان، وَكَذَا بعض الْأَفْعَال الْمُخْتَلف فِي وُجُوبهَا كالتشهد فِي الْأَخير، وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ ، وإصابة لَفْظَة السَّلَام. قلت: قيل فِي جَوَابه: لَعَلَّ هَذِه الْأَشْيَاء كَانَت مَعْلُومَة عِنْد هَذَا الرجل، فَلذَلِك لم يبينها قيل: يجوز أَن يكون الرَّاوِي اختصر ذكر هَذِه الْأَشْيَاء لِأَن الْمقَام مقَام التَّعْلِيم، وَلَا يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة، وَلِهَذَا قَالَ الرجل فِي حَدِيث رِفَاعَة، فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: (فأرني وَعَلمنِي فَإِنَّمَا أَنا بشر أُصِيب وأخطىء) . وَقَوله: (عَلمنِي) ، يتَنَاوَل جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ من الْوَاجِبَات القولية والفعلية. قلت: فِيهِ تَأمل، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: تكَرر من الْفُقَهَاء الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث على وجوب مَا ذكر فِيهِ، وعَلى عدم وجوب مَا لم يذكر، أما الْوُجُوب فلتعلق الْأَمر بِهِ، وَأما عَدمه فَلَيْسَ لمُجَرّد كَون الأَصْل عدم الْوُجُوب، بل لكَون الْبَاب مَوضِع تَعْلِيم وَبَيَان للجاهل، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انحصار الْوَاجِبَات فِيمَا ذكر. انْتهى. قلت: إِنَّمَا يَقْتَضِي انحصار الْوَاجِبَات فِيمَا ذكر أَن لَو لم يذكر النَّبِي ﷺ جَمِيع الْوَاجِبَات الَّتِي فِي الصَّلَاة وَالَّذِي لم
стр. 1580
يذكرهُ ظَاهرا، أما اعْتِمَادًا على الْعلم بِوُجُوبِهِ قبل ذَلِك أَو هُوَ اخْتِصَار من الرَّاوِي: كَمَا قيل، وَقد ذَكرْنَاهُ. على أَنا نقُول: إِذا جَاءَت صِيغَة الْأَمر فِي حَدِيث آخر بِشَيْء لم يذكر فِي هَذَا الحَدِيث تقدم، وَيعْمل بهَا.
الثَّامِن: فِيهِ وجوب الْإِعَادَة على من يخل بِشَيْء من الْأَركان، واستحباب الْإِعَادَة على من يخل بِشَيْء من الْوَاجِبَات للِاحْتِيَاط فِي بَاب الْعِبَادَات.
التَّاسِع: فِيهِ أَن الشُّرُوع فِي النَّافِلَة مُلْزم، لِأَن الظَّاهِر أَن صَلَاة ذَلِك الرجل كَانَت نَافِلَة.
الْعَاشِر: فِيهِ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر.
الحاي عشر: فِيهِ حسن التَّعْلِيم بالرفق دون التَّغْلِيظ والتعنيف.
الثَّانِي عشر: فِيهِ إِيضَاح الْمَسْأَلَة وتلخيص الْمَقَاصِد.
الثَّالِث عشر: فِيهِ جُلُوس الإِمَام فِي الْمَسْجِد وجلوس أَصْحَابه مَعَه.
الرَّابِع عشر: فِيهِ التَّسْلِيم للْعَالم والانقياد لَهُ.
الْخَامِس عشر: فِيهِ الإعتراف بالتقصير، وَالتَّصْرِيح بِحكم البشرية فِي جَوَاز الْخَطَأ.
السَّادِس عشر: فِيهِ حسن خلقه ﷺ ولطف معاشرته مَعَ أَصْحَابه.
السَّابِع عشر: قَالَ عِيَاض: فِيهِ حجَّة على من أجَاز الْقِرَاءَة بِالْفَارِسِيَّةِ، لكَون مَا لَيْسَ بِلِسَان الْعَرَب لَا يُسمى قُرْآنًا. قلت: هَذَا الْخلاف مَبْنِيّ على أَن الْقُرْآن اسْم للمعنى فَقَط، أَو للنظم وَالْمعْنَى جَمِيعًا، فَمن ذهب إِلَى أَنه اسْم للمعنى احْتج بقوله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين﴾ (الشُّعَرَاء: ١٩٦) . وَلم يكن الْقُرْآن فِي زبر الْأَوَّلين بِلِسَان الْعَرَب، وَقَوله: لكَون مَا لَيْسَ بِلِسَان الْعَرَب لَا يُسمى قُرْآنًا فِيهِ نظر، لِأَن التَّوْرَاة الَّذِي أنزلهُ الله تَعَالَى على مُوسَى، ﵊، يُطلق على أَنه قُرْآن وَهُوَ لَيْسَ بِلِسَان الْعَرَب، وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيل وَالزَّبُور، لِأَن الْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى قَائِم بِذَاتِهِ لَا يتَجَزَّأ وَلَا ينْفَصل عَنهُ، غير أَنه إِذا نزل بِلِسَان الْعَرَب سمي قُرْآنًا، وَلما نزل على مُوسَى، ﵇، سمي توراة، وَلما نزل على عِيسَى، ﵊، سمي إنجيلاً، وَلما نزل على دَاوُد سمي زبورا. وَاخْتِلَاف الْعبارَات باخْتلَاف الاعتبارات.
الثَّامِن عشر: فِيهِ أَن الْمُفْتِي إِذا سُئِلَ عَن شَيْء وَكَانَ هُنَاكَ شَيْء آخر يحْتَاج إِلَيْهِ السَّائِل يسْتَحبّ لَهُ أَن يذكرهُ لَهُ، وَإِن لم يسْأَله عَنهُ، وَيكون ذَلِك مِنْهُ نصيحة لَهُ وَزِيَادَة خير.
التَّاسِع عشر: فِيهِ اسْتِحْبَاب صَبر الْآمِر بِالْمَعْرُوفِ والناهي عَن الْمُنكر على من يُنكر فعله أَو يَأْمُرهُ بِفِعْلِهِ، لاحْتِمَال نِسْيَان فِيهِ أَو تعقله فيتذكره، وَلَيْسَ ذَلِك من بَاب التَّقْرِير على الْخَطَأ.
الْعشْرُونَ: السُّؤَال الْوَارِد فِيهِ وَهُوَ أَنه ﷺ كَيفَ سكت عَن تَعْلِيمه أَو لَا؟ فَقَالَ التوربشتي: إِنَّمَا سكت عَن تَعْلِيمه أَولا لِأَنَّهُ لما رَجَعَ لم يستكشف الْحَال من مورد الْوَحْي، وَكَأَنَّهُ اغْترَّ بِمَا عِنْده من الْعلم فَسكت عَن تَعْلِيمه زجرا لَهُ وتأديبا وإرشادا إِلَى استكشاف مَا استبهم عَلَيْهِ، فَلَمَّا طلب كشف الْحَال من مورده أرشده إِلَيْهِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّمَا لم يُعلمهُ أَولا ليَكُون أبلغ فِي تَعْرِيفه وتعريف غَيره بِصفة الصَّلَاة المجزئة، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يحْتَمل أَن يكون ترديده لتفخيم الْأَمر وتعظيمه عَلَيْهِ، وَرَأى أَن الْوَقْت لم يفته فَأَرَادَ إيقاظ الفطنة للمتروك، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: لَيْسَ التَّقْرِير بِدَلِيل على الْجَوَاز مُطلقًا، بل لَا بُد من انْتِفَاء الْمَوَانِع، وَلَا شكّ أَن فِي زِيَادَة قبُول التَّعَلُّم لما يلقى إِلَيْهِ بعد تكْرَار فعله واستجماع نَفسه وَتوجه سُؤَاله مصلحَة مَانِعَة من وجوب الْمُبَادرَة إِلَى التَّعَلُّم، لَا سِيمَا مَعَ عدم خوف الْفَوات، إِمَّا بِنَاء على ظَاهر الْحَال أَو بِوَحْي خَاص.
(بابُ القِرَاءَةِ فِي الظهرْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الظّهْر. قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن المُرَاد بهَا بَيَان قِرَاءَة غير الْفَاتِحَة قلت: الْعجب مِنْهُ كَيفَ يَقُول ذَلِك؟ وَأَيْنَ الظَّاهِر الَّذِي يدل على مَا قَالَه؟ بل مُرَاده الرَّد على من لَا يُوجب الْقِرَاءَة فِي الظّهْر، وَقد ذكرنَا أَن قوما، مِنْهُم: سُوَيْد بن غَفلَة وَالْحسن بن صَالح وَإِبْرَاهِيم بن علية وَمَالك فِي رِوَايَة قَالُوا: لَا قِرَاءَة فِي الظّهْر وَالْعصر.
٧٥٨ - ح دَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عَنْ جابِرِ بنَ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ سَعْدٌ كُنّتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ الله ﷺ صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ لَا أخْرِمُ عَنْهَا كُنْتُ أرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وأخِفُّ فِي اْلأُخْرَيَيْنِ فقالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ. (انْظُر الحَدِيث ٧٥٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت أركد فِي الْأَوليين) ، لِأَن ركوده فيهمَا كَانَ للْقِرَاءَة. وَقَوله: (صَلَاة الْعشي) هِيَ صَلَاة الظّهْر وَالْعصر وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب السَّابِق بِتَمَامِهِ، أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي،
стр. 1581
وَهَهُنَا: عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْبَصْرِيّ عَن أبي عوَانَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي الْبَاب السَّابِق.
قَوْله: (فأخف) ، بِضَم الْهمزَة، ويروى: فأخفف، ويروى: (فأحذف) .
٧٥٩ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يقْرَأُ فِي الرِّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وسورَتَينِ يُطَوِّلُ فِي الأُولى ويُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ الآيةَ أحْيَانا وكانَ يَقْرَأُ فِي العَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وكانَ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى وَكَانَ يُطَوِّلِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ويُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير. الرَّابِع: عبد الله ابْن أبي قَتَادَة. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي، وَهُوَ الْمَشْهُور.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه، وَفِي رِوَايَة الجوزقي، من طَرِيق عبيد الله بن مُوسَى: عَن شَيبَان التَّصْرِيح بالإخبار ليحيى من عبد الله، ولعَبْد الله من أَبِيه، وَكَذَا للنسائي من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى، لَكِن بِلَفْظ التحديث فيهمَا، وَكَذَا لَهُ من رِوَايَة أبي إِبْرَاهِيم القتاد عَن يحيى: حَدثنِي عبد الله، فأمن بذلك تَدْلِيس يحيى.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام الدستوَائي وَعَن أبي نعيم عَن هِشَام وَلم يذكر الْقِرَاءَة، وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن همام، وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْأَوْزَاعِيّ، أربعتهم عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد ابْن الْمثنى بِهِ، وَعَن الْحسن بن عَليّ، وَعَن مُسَدّد عَن يحيى وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَعَن يحيى بن درست وَعَن عمرَان ابْن يزِيد وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بشر بن هِلَال الصَّواف.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الْأَوليين) تَثْنِيَة الأولى. قَوْله: (وسورتين) أَي: فِي كل رَكْعَة سُورَة. قَوْله: (يطول) من التَّطْوِيل. قَوْله: (فِي الثَّانِيَة) أَي: فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة. قَوْله: (وَيسمع الْآيَة) ، وَفِي رِوَايَة: (ويسمعنا) ، من الإسماع، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة الشيبان، وللنسائي من حَدِيث الْبَراء: (كُنَّا نصلي خلف النَّبِي ﷺ الظّهْر فنسمع مِنْهُ الْآيَة بعد الْآيَة من سُورَة لُقْمَان والذاريات) ، وَلابْن خُزَيْمَة من حَدِيث أنس نَحوه، وَلَكِن قَالَ: سبح إسم رَبك الْأَعْلَى، وَهل أَتَاك حَدِيث الغاشية. قَوْله: (أَحْيَانًا) أَي: فِي أحيان، جمع حِين، وَهُوَ يدل على تكَرر ذَلِك مِنْهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل على وجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي كل رَكْعَة من الْأَوليين من ذَوَات الْأَرْبَع وَالثَّلَاث، وَكَذَلِكَ ضم السُّورَة إِلَى الْفَاتِحَة. وَفِيه: اسْتِحْبَاب قِرَاءَة سُورَة قَصِيرَة بكمالها، وَأَنَّهَا أفضل من قِرَاءَة بِقَدرِهَا من الطَّوِيلَة، وَفِي (شرح الْهِدَايَة) : إِن قَرَأَ بعض سُورَة فِي رَكْعَة وَبَعضهَا فِي الثَّانِيَة، الصَّحِيح أَنه لَا يكره، وَقيل: يكره وَلَا يَنْبَغِي أَن يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ من وسط السُّورَة، وَمن آخرهَا، وَلَو فعل لَا بَأْس بِهِ. وَفِي النَّسَائِيّ: (قَرَأَ رَسُول الله ﷺ من سُورَة الْمُؤمنِينَ إِلَى ذكر مُوسَى وَهَارُون، ثمَّ أَخَذته سعلة ركع) . وَفِي (الْمُغنِي) : لَا تكره قِرَاءَة آخر السُّورَة وأوسطها فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة مَكْرُوهَة. وَفِيه: أَن الْإِسْرَار لَيْسَ بِشَرْط لصِحَّة الصَّلَاة بل هُوَ سنة. وَفِيه: فِي قَوْله: (وَكَانَ يطول الرَّكْعَة الأولى من الظّهْر وَيقصر فِي الثَّانِيَة) مَا يسْتَدلّ بِهِ مُحَمَّد على تَطْوِيل الأولى على الثَّانِيَة فِي جَمِيع الصَّلَوَات، وَبِه قَالَ بعض الشَّافِعِيَّة، وَعَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف: يُسَوِّي بَين الرَّكْعَتَيْنِ إلاّ فِي الْفجْر، فَإِنَّهُ يطول الأولى على الثَّانِيَة، وَبِه قَالَ بعض الشَّافِعِيَّة، وجوابهما عَن الحَدِيث: أَن تَطْوِيل الأولى كَانَ بِدُعَاء الاستفتاح والتعود لَا فِي الْقِرَاءَة، وَيطول الأولى فِي صَلَاة الصُّبْح بِلَا خلاف لِأَنَّهُ وَقت نوم وغفلة. وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز الِاكْتِفَاء بِظَاهِر الْحَال فِي الْإِخْبَار دون التَّوَقُّف على الْيَقِين، لِأَن الطَّرِيق إِلَى الْعلم بِقِرَاءَة السُّورَة فِي السّريَّة لَا يكون إلاّ بِسَمَاع كلهَا، وَإِنَّمَا يُفِيد يَقِين ذَلِك لَو كَانَ فِي الجهرية، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذ من سَماع
стр. 1582
بَعْضهَا مَعَ قيام الْقَرِيبَة على قِرَاءَة بَاقِيهَا، قَالَه ابْن دَقِيق الْعِيد. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون الرَّسُول ﷺ كَانَ يُخْبِرهُمْ عقيب الصَّلَاة دَائِما أَو غَالِبا بِقِرَاءَة السورتين. قلت: هَذَا بعيد جدا. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة على جَوَاز تَطْوِيل الإِمَام فِي الرُّكُوع لأجل الدَّاخِل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلَا حجَّة فِيهِ لِأَن الْحِكْمَة لَا يُعلل بهَا لخفائها أَو لعدم انضباطها، وَلِأَنَّهُ لم يكن يدْخل فِي الصَّلَاة يُرِيد تَقْصِير تِلْكَ الرَّكْعَة، ثمَّ يطيلها لأجل الْآتِي، وَإِنَّمَا كَانَ يدْخل فِيهَا ليَأْتِي بِالصَّلَاةِ على سنتها من تَطْوِيل الأولى، فافترق الأَصْل وَالْفرع، فَامْتنعَ الْإِلْحَاق. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ فِيهِ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة بِإِسْقَاط الْقِرَاءَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ، لِأَن ذكر الْقِرَاءَة فيهمَا لم يَقع، وَالله أعلم.
٧٦٠ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني عُمَارَةُ عنْ أبِي مَعْمَرٍ قَالَ سَألْنَا خَبَّابا أَكَانَ النبيُّ ﷺ يقْرأُ فِي الظُّهْرِ والعَصْرِ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا بِأيِّ شيءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ قَالَ بِاضْطِرابِ لِحْيَتِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعمر هُوَ ابْن حَفْص وَأَبوهُ حَفْص بن غياث، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَعمارَة، بِضَم الْعين: هُوَ ابْن عُمَيْر، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن سَخْبَرَة الْأَزْدِيّ الْكُوفِي. وَقد أخرج البُخَارِيّ هَذَا فِي: بَاب رفع الْبَصَر إِلَى الإِمَام، عَن مُوسَى عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.
وَفِيه: الحكم بِالدَّلِيلِ، لأَنهم حكمُوا باضطراب لحيته الْمُبَارَكَة على قِرَاءَته، لَكِن لَا بُد من قرينَة تعْيين الْقِرَاءَة دون الذّكر، وَالدُّعَاء مثلا، لِأَن اضْطِرَاب لحيته يحصل بِكُل مِنْهُمَا، وَكَأَنَّهُم نظروه بالصلوات الجهرية لِأَن ذَلِك الْمحل مِنْهَا هُوَ مَحل الْقِرَاءَة لَا الذّكر وَالدُّعَاء، وَإِذا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك قَول أبي قَتَادَة: كَانَ يسمعنا الْآيَة أَحْيَانًا، قوي الِاسْتِدْلَال.
٩٧ - (بابُ القِرَاءَةِ فِي العَصْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْعَصْر.
٧٦١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عنْ أبِي مَعْمَرٍ قَالَ قُلْتُ لِ خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ أكانَ النبيُّ ﷺ يَقْرأُ فِي الظُّهْرِ والعَصّرِ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ بِأيِّ شَيءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ قَالَ بِاضْطِرابِ لِحْيَتِهِ.
ذكر فِي هَذَا الْبَاب حديثين: أَحدهمَا: حَدِيث خباب، وَالْآخر: حَدِيث أبي قَتَادَة مُخْتَصرا، وَقد ذكرهمَا فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَقد مر الْكَلَام فيهمَا. قَوْله: (قلت) ، ويروى: (قُلْنَا) . قَوْله: (أَكَانَ؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار.
٧٦٢ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْراهِيمَ عَنْ هِشَامٍ عنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ وَيُسْمِعُنَا الآيةَ أحْيانا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ومكي بن إِبْرَاهِيم بن بشير بن فرقد التَّمِيمِي الْحَنْظَلِي الْبَلْخِي، ولد سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة، وَقَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ سنة أَربع عشرَة أَو خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَهِشَام الدستوَائي. قَوْله: (سُورَة سُورَة) كرر لفظ: السُّورَة، ليُفِيد التَّوْزِيع على الرَّكْعَات، يَعْنِي: يقْرَأ فِي كل رَكْعَة من ركعتيهما سُورَة.
٩٨ - (بابُ القِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْمغرب، وَالْمرَاد تَقْدِير الْقِرَاءَة لَا إِثْبَاتهَا لكَونهَا جهرية، بِخِلَاف مَا تقدم فِي: بَاب الْقِرَاءَة فِي الْعَصْر وَالْقِرَاءَة فِي الظّهْر.
стр. 1583
٧٦٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله ابنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه قَالَ إنَّ أم الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ والمُرْسَلاتِ عُرْفا فقالَتْ يَا بُنَيَّ وَالله لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِه السُّورَةَ إنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ يَقْرَأُ بهَا فِي المَغْرِبِ (الحَدِيث ٧٦٣ طرفه فِي: ٤٤٢٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن شهَاب هُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن بكير. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد، كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ مُخْتَصرا، وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَهِشَام بن عمار، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ.
قَوْله: (إِن أم الْفضل) ، هِيَ: وَالِدَة ابْن عَبَّاس الرَّاوِي عَنْهَا، وَبِذَلِك صرح التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته فَقَالَ: عَن أمه أم الْفضل وَاسْمهَا: لبَابَة بنت الْحَارِث زَوْجَة الْعَبَّاس، وَهِي أُخْت مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي ﷺ . قَوْله: (سمعته) ، أَي: سَمِعت ابْن عَبَّاس، وَفِيه الْتِفَات من الْحَاضِر إِلَى الْغَائِب، لِأَن الْقيَاس يَقْتَضِي أَن يُقَال: سمعتني، وَإِنَّمَا لم يقل: إِن أُمِّي، لشهرتها بذلك. قَوْله: (وَهُوَ يقْرَأ) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَالضَّمِير يرجع إِلَى ابْن عَبَّاس، وَفِيه الْتِفَات أَيْضا من الْحَاضِر إِلَى الْغَائِب، لِأَن الْقيَاس يَقْتَضِي: وَأَنا أَقرَأ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيقْرَأ إِمَّا حَال وَإِمَّا اسْتِئْنَاف، وعَلى الْحَال يحْتَمل سماعهَا مِنْهُ ﷺ الْقُرْآن بعد ذَلِك، وعَلى الِاسْتِئْنَاف لَا يحْتَمل. قَوْله: فَقَالَت يَا بني ويروى (فَقلت) وَبني بِضَم الْبَاء تَصْغِير ابْن وَهَذَا تَصْغِير الشَّفَقَة والترحم قَوْله (لقد ذَكرتني) بِالتَّشْدِيدِ، أَي: ذَكرتني شَيْئا نَسِيته. قَالَ الْكرْمَانِي: ويروى بِالتَّخْفِيفِ، ويروى أَيْضا بقرآنك على وزن الفعلان، أَرَادَ بِهِ: بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَبعد الْألف نون. قَوْله: (هَذِه السُّورَة) ، مَنْصُوب بقوله: (بِقِرَاءَتِك) ، على مُخْتَار الْبَصرِيين، وَبِقَوْلِهِ: (ذَكرتني) ، على مُخْتَار الْكُوفِيّين. قَوْله: (إِنَّهَا) أَي: إِن هَذِه السُّورَة (لآخر مَا سَمِعت) ويروى: (مَا سمعته) بِزِيَادَة ضمير الْمَنْصُوب. فَإِن قلت: صرح عقيل فِي رِوَايَته عَن ابْن شهَاب أَنَّهَا آخر صلوَات النَّبِي ﷺ ، ذكره البُخَارِيّ فِي بَاب الْوَفَاة، وَلَفظه: (ثمَّ مَا صلى لنا بعْدهَا حَتَّى قَبضه الله) ، وَذكر فِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، إِن الصَّلَاة الَّتِي صلاهَا النَّبِي، ﷺ ، بِأَصْحَابِهِ فِي مرض مَوته كَانَت الظّهْر قلت: التَّوْفِيق بَينهمَا أَن الصَّلَاة الَّتِي حكتها عَائِشَة كَانَت فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ ، وَالصَّلَاة الَّتِي حكتها أم الْفضل كَانَت فِي بَيته، كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ: (صلى بِنَا فِي بَيته الْمغرب فَقَرَأَ المرسلات، وَمَا صلى بعْدهَا صَلَاة حَتَّى قبض ﷺ . فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا هناد قَالَ: أخبرنَا عَبدة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن أمه أم الْفضل قَالَت: خرج إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عاصب رَأسه فِي مَرضه، فصلى الْمغرب فَقَرَأَ بالمرسلات، فَمَا صلاهَا بعد حَتَّى لَقِي الله. وَقَالَ: حَدِيث أم الْفضل حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: يحمل قَوْلهَا: خرج إِلَيْنَا، على أَنه خرج من مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ رَاقِدًا فِيهِ إِلَى الْحَاضِرين فِي الْبَيْت، فصلى بهم، فَيحصل الالتئام بذلك فِي الرِّوَايَات. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَرَأَ فِي الْمغرب بِالطورِ، وَقد ذكره البُخَارِيّ مُسْندًا على مَا يَجِيء عَن قريب.
٧٦٤ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ قَالَ قَالَ لِي زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ وقَدْ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم: النَّبِيل الْبَصْرِيّ.
стр. 1584
الثَّانِي: عبد الْملك بن جريج. الثَّالِث: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم، واسْمه زُهَيْر بن عبد الله الْمَكِّيّ الْأَحول، الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير ابْن الْعَوام. الْخَامِس: مَرْوَان بن الحكم بن الْعَاصِ، أَبُو الحكم الْمدنِي. قَالَ الذَّهَبِيّ: وَلم ير النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ خرج إِلَى الطَّائِف مَعَ أَبِيه وَهُوَ طِفْل. السَّادِس: زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل مكررا. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي ومدني. وَفِيه: عَن ابْن أبي مليكَة، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: عَن ابْن جريج حَدثنِي ابْن أبي مليكَة، وَمن طَرِيقه أخرجه أَبُو دَاوُد وَغَيره. وَفِيه: عَن عُرْوَة. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق حجاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج: سَمِعت ابْن أبي مليكَة أَخْبرنِي عُرْوَة أَن مَرْوَان أخبرهُ.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي عَاصِم بن عَليّ عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن ابْن جريج.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ لي زيد بن ثَابت) إِلَى آخِره، قَالَ: ذَلِك حِين كَانَ مَرْوَان أَمِيرا على الْمَدِينَة من قِبَل مُعَاوِيَة. قَوْله: (مَالك؟) اسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (بقصار الْمفصل) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، بقصار، بِالتَّنْوِينِ لقطعه عَن الْإِضَافَة، وَلَكِن التَّنْوِين فِيهِ بدل عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، أَي بقصار الْمفصل. وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: بقصار السُّور، والمفصل السَّبع السَّابِع، سمي بِهِ لِكَثْرَة فصوله، وَهُوَ من سُورَة مُحَمَّد ﷺ ، وَقيل: من الْفَتْح، وَقيل: من قَاف إِلَى آخر الْقُرْآن. وقصار الْمفصل من ﴿لم يكن﴾ (الْبَيِّنَة: ١) . إِلَى آخر الْقُرْآن، وأوساطه من ﴿وَالسَّمَاء ذَات البروج﴾ (البروج: ١) . إِلَى ﴿لم يكن﴾ (الْبَيِّنَة: ١) . وطواله من سُورَة مُحَمَّد أَو من الْفَتْح إِلَى ﴿وَالسَّمَاء ذَات البروج﴾ (البروج: ١) . قَوْله (بطولى الطوليين) طولى، بِضَم الطَّاء على وزن: فعلى، تَأْنِيث أطول، ككبرى تَأْنِيث أكبر، وَمَعْنَاهُ أطول السورتين الطويلتين. وَقَالَ التَّيْمِيّ: يُرِيد أطول السورتين. وَقَوله: الطوليين، بِضَم الطَّاء تَثْنِيَة طولى، وَهَكَذَا هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (بطول الطوليين) ، بِضَم الطَّاء وَسُكُون الْوَاو وباللام فَقَط، وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بطول الطوليين طول الطويلتين إطلاقا للمصدر، وَإِرَادَة للوصف، أَي: كَانَ يقْرَأ بِمِقْدَار طول الطوليين الَّذين هما الْبَقَرَة وَالنِّسَاء والا عراف (قلت) لَا يَسْتَقِيم هَذَا لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يكون يقْرَأ بِقدر السورتين، وَلَيْسَ هَذَا بِمُرَاد، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة: بأطول الطوليين: آلمص، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد قَالَ: قلت: مَا طول الطوليين؟ قَالَ: الْأَعْرَاف. قَالَ: وَسَأَلت أَنا ابْن أبي مليكَة فَقَالَ لي، من قبل نَفسه: الْمَائِدَة والأعراف. وَبَين النَّسَائِيّ فِي رِوَايَة لَهُ: أَن التَّفْسِير من عُرْوَة، وَفِي رِوَايَة الجوزقي من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن بشر عَن عبد الرَّزَّاق مثل رِوَايَة أبي دَاوُد إلاّ أَنه قَالَ: الْأَنْعَام بدل الْمَائِدَة. وَعند أبي مُسلم الْكَجِّي: عَن أبي عَاصِم: يُونُس بدل الْأَنْعَام. أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) فَمن هَذَا عرفت أَنهم اتَّفقُوا على تَفْسِير الطُّولى بالأعراف.
وَوَقع الِاخْتِلَاف فِي الْأُخْرَى على ثَلَاثَة أَقْوَال، وَالْمَحْفُوظ مِنْهَا الْأَنْعَام، وَقَالَ ابْن بطال: الْبَقَرَة أطول السَّبع الطوَال، فَلَو أرادها لقَالَ طول الطوَال، فَلَمَّا لم يردهَا دلّ على أَنه أَرَادَ الْأَعْرَاف لِأَنَّهَا أطول السُّور بعد الْبَقَرَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن النِّسَاء أطول من الْأَعْرَاف. قلت: لَيْسَ للرَّدّ وَجه، لِأَن الْأَعْرَاف أطول السُّور بعد، لِأَن الْبَقَرَة: مِائَتَان وَثَمَانُونَ وست آيَات، وَهِي سِتَّة آلَاف وَمِائَة وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ كلمة، وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ ألف حرف وَخَمْسمِائة حرف. وَسورَة آل عمرَان: مِائَتَا آيَة، وَثَلَاثَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة وَإِحْدَى وَثَمَانُونَ كلمة، وَأَرْبَعَة عشر ألفا وَخَمْسمِائة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ حرفا. وَسورَة النِّسَاء: مائَة وَخمْس وَسَبْعُونَ آيَة، وَثَلَاث آلَاف وَسَبْعمائة وَخمْس وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَسِتَّة عشر ألفا وَثَلَاثُونَ حرفا. وَسورَة الْمَائِدَة: مائَة وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ آيَة، وَألف وَثَمَانمِائَة كلمة وَأَرْبع كَلِمَات، وَأحد عشر ألفا وَسبع مائَة وَثَلَاثَة وَثَمَانُونَ حرفا. وَسورَة الْأَنْعَام: مائَة وست وَسِتُّونَ آيَة، وَثَلَاثَة آلَاف وَاثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ كلمة، وَاثنا عشر ألف حرف وَأَرْبع مائَة وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ حرفا. وَسورَة الْأَعْرَاف، مِائَتَان وَخمْس آيَات عِنْد أهل الْبَصْرَة وست عِنْد أهل الْكُوفَة، وَثَلَاث آلَاف وثلاثمائة وَخمْس وَعِشْرُونَ كلمة، وَأَرْبَعَة عشر ألف حرف وَعشرَة أحرف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قيل: الْبَقَرَة أطول السَّبع الطوَال أُجِيب بِأَنَّهُ: لَو أَرَادَ الْبَقَرَة لقَالَ: بطولى الطوَال، فَلَمَّا لم يقل ذَلِك دلّ على أَنه أَرَادَ الْأَعْرَاف، وَهِي أطول السُّور بعد الْبَقَرَة، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: أَقُول: فِيهِ نظر، لِأَن النِّسَاء هِيَ الأطول بعْدهَا. قلت: هَذَا غَفلَة مِنْهُ وَعدم تَأمل، وَالْجَوَاب الْمَذْكُور موجه، وَقد عرفت التَّفَاوُت بَين هَذِه السُّور السِّت فِيمَا ذَكرْنَاهُ الأن.
стр. 1585
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: حجَّة على الشَّافِعِي فِي ذَهَابه ألى أَن وَقت الْمغرب قدر مَا يُصَلِّي فِيهِ ثَلَاث رَكْعَات، وَهُوَ قَوْله الْجَدِيد، وَإِذا قَرَأَ النَّبِي ﷺ الْأَعْرَاف يدْخل وَقت الْعشَاء قبل الْفَرَاغ مِنْهَا، فتفوت صَلَاة الْمغرب، قَالَه الْخطابِيّ، ثمَّ قَالَ: وتأويله أَنه ﷺ قَرَأَ فِي الرَّكْعَة الأولى بِقدر مَا أدْرك رَكْعَة من الْوَقْت، ثمَّ قَرَأَ بَاقِيهَا فِي الثَّانِيَة، وَلَا بَأْس بوقوعها خَارج الْوَقْت قلت: هَذَا تَأْوِيل فَاسد، لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي ﷺ أَنه صلى على هَذَا الْوَجْه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُرَاد بالسورة بَعْضهَا قلت: وَإِلَى هَذَا الْوَجْه مَال الطَّحَاوِيّ حَيْثُ قَالَ: يدل على صِحَة هَذَا التَّأْوِيل أَن مُحَمَّد بن خُزَيْمَة قد حَدثنَا، قَالَ: حَدثنَا حجاج بن منهال، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد عَن أبي الزبير عَن جَابر بن عبد الله الْأَنْصَار أَنهم: كَانُوا يصلونَ الْمغرب ثمَّ ينتضلون، وروى أَيْضا من حَدِيث أنس قَالَ: (كُنَّا نصلي الْمغرب مَعَ النَّبِي ﷺ ثمَّ يَرْمِي أَحَدنَا فَيرى موقع نبله) . وروى أَيْضا من حَدِيث عَليّ بن بِلَال: قَالَ: (صليت مَعَ نفر من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ من الْأَنْصَار فحدثوني أَنهم كَانُوا يصلونَ مَعَ النَّبِي ﷺ الْمغرب ثمَّ ينطلقون فيرتمون لَا يخفى عَلَيْهِم موقع سِهَامهمْ، حَتَّى يَأْتُوا دِيَارهمْ) . وَهُوَ أقْصَى الْمَدِينَة فِي بني سَلمَة، ثمَّ قَالَ: لما كَانَ هَذَا وَقت انصراف النَّبِي ﷺ من صَلَاة الْمغرب اسْتَحَالَ أَن يكون ذَلِك قد قَرَأَ فِيهَا الْأَعْرَاف، وَلَا نصفهَا. وَقد أنكر على معَاذ حِين صلى الْعشَاء بالبقرة مَعَ سَعَة وَقتهَا فالمغرب أولى بذلك، فَيَنْبَغِي على هَذَا أَن يقْرَأ فِي الْمغرب بقصار الْمفصل، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَجُمْهُور الْعلمَاء، انْتهى قلت: قيل: قِرَاءَة سيدنَا رَسُول الله ﷺ لَيست كَقِرَاءَة غَيره، أَلا تسمع قَول الصَّحَابِيّ: مَا صليت خلف أحد أخف صَلَاة من النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ يقْرَأ بالستين إِلَى الْمِائَة. وَقد قَالَ. ﷺ : (إِن دَاوُد، ﵊، كَانَ يَأْمر بدوابه أَن تسرح فَيقْرَأ الزبُور قبل إسراجها) . فَإِذا كَانَ دَاوُد، ﵇، بِهَذِهِ المثابة فسيدنا مُحَمَّد، ﷺ ، أَحْرَى بذلك وَأولى، وَأما إِنْكَاره على معَاذ فَظَاهر لِأَنَّهُ غَيره. فَإِن قلت: قيل: لَعَلَّ السُّورَة لم يكمل إنزالها فقراءته إِنَّمَا كَانَت لبعضها قلت: جمَاعَة من الْمُفَسّرين نقلوا الْإِجْمَاع على نزُول الْأَنْعَام والأعراف بِمَكَّة، شرفها الله تَعَالَى، وَمِنْهُم من اسْتثْنى فِي الْأَنْعَام سِتّ آيَات نَزَلْنَ بِالْمَدِينَةِ.
وَفِيه: حجَّة لمن يرى باستحباب الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْمغرب بطولى الطوليين، وهم حميد وَعُرْوَة بن الزبير وَابْن هِشَام والظاهرية، وَقَالُوا: الْأَحْسَن أَن يقْرَأ الْمُصَلِّي فِي الْمغرب بالسورة الَّتِي قَرَأَهَا النَّبِي، ﷺ ، نَحْو الْأَعْرَاف وَالطور والمرسلات، وَنَحْوهَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: ذكره عَن مَالك أَنه كره أَن يقْرَأ فِي صَلَاة الْمغرب بالسور الطوَال نَحْو: الطّور والمرسلات، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا أكره بل اسْتحبَّ أَن يقْرَأ بِهَذِهِ السُّور فِي صَلَاة الْمغرب، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَلَو أَنه قَرَأَ فِي الْمغرب الْأَعْرَاف أَو الْمَائِدَة أَو الطّور أَو المرسلات فَحسن. قلت: فعلى هَذَا عِنْد مَالك: إِذا كره قِرَاءَة نَحْو المرسلات وَالطور فِي الْمغرب، فَإِذا قَرَأَ نَحْو الْأَعْرَاف فالكراهة بِالطَّرِيقِ الأولى، وَإِذا اسْتحبَّ الشَّافِعِي قِرَاءَة هَذِه السُّور فِي الْمغرب، فَيدل ذَلِك على أَن وَقت الْمغرب ممتد عِنْده، وَعَن هَذَا قَالَ الْخطابِيّ: إِن للمغرب وَقْتَيْنِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: الْمُسْتَحبّ أَن يقْرَأ فِي صَلَاة الْمغرب من قصار الْمفصل. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أهل الْعلم قلت: هُوَ مَذْهَب الثَّوْريّ وَالنَّخَعِيّ وَعبد الله ابْن الْمُبَارك وَأبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد وَمَالك وَإِسْحَاق. وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر: (أَن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ فِي الْمغرب بِالتِّينِ وَالزَّيْتُون) . وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا، وَفِي سَنَده مقَال، وَلَكِن روى ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح: (عَن ابْن عمر: كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ فِي الْمغرب ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وروى أَبُو بكر أَحْمد بن مُوسَى بن مرْدَوَيْه فِي كِتَابه (أَوْلَاد الْمُحدثين) من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ يقْرَأ فِي صَلَاة الْمغرب لَيْلَة الْجُمُعَة: ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ ) وروى الْبَزَّار فِي (مُسْنده) بِسَنَد صَحِيح عَن بُرَيْدَة: (كَانَ النَّبِي ﷺ يقْرَأ فِي الْمغرب وَالْعشَاء وَاللَّيْل إِذا يغشى، وَالضُّحَى، وَكَانَ يقْرَأ فِي الظّهْر وَالْعصر بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَهل أَتَاك) ، وَرُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَن عمر بن الْخطاب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعمْرَان بن الْحصين وَأبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فأثر عمر أخرجه الطَّحَاوِيّ عَن زُرَارَة بن أبي أوفى، قَالَ: أَقْرَأَنِي أَبُو مُوسَى فِي كتاب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَيْهِ: إقرأ فِي الْمغرب آخر الْمفصل، وَآخر الْمفصل من ﴿لم يكن﴾ (الْبَيِّنَة: ١) . إِلَى آخر الْقُرْآن، وَأثر ابْن عَبَّاس أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ، قَالَ: (صلى بِنَا ابْن مَسْعُود الْمغرب فَقَرَأَ: قل هُوَ الله أحد، فوددت أَنه قَرَأَ سُورَة الْبَقَرَة من حسن صَوته) ، وَأخرجه
стр. 1586
أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا. وَأثر ابْن عَبَّاس أخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا حَدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة عَن أبي نَوْفَل ابْن أبي عقرب عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: سمعته يقْرَأ فِي الْمغرب ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ . وَأثر عمرَان بن الْحصين أخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن الْحسن، قَالَ: كَانَ عمرَان بن الْحصين يقْرَأ فِي الْمغرب: إِذا زلزلت، وَالْعَادِيات. وَأثر أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن أبي عبد الله الصنَابحِي أَنه: صلى وَرَاء أبي بكر الْمغرب، وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين بِأم الْقُرْآن وسورتين من قصار الْمفصل، ثمَّ قَرَأَ فِي الثَّالِثَة، قَالَ: فدنوت مِنْهُ حَتَّى أَن ثِيَابِي لتكاد أَن تمس ثِيَابه، فَسَمعته قَرَأَ بِأم الْقُرْآن وَهَذِه الْآيَة ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا﴾ حَتَّى ﴿الْوَهَّاب﴾ (آل عمرَان: ٨) . وَعَن مَكْحُول: أَن قِرَاءَة هَذِه الْآيَة فِي الرَّكْعَة الثَّالِثَة كَانَت على سَبِيل الدُّعَاء، وَرُوِيَ أَيْضا نَحْو ذَلِك عَن التَّابِعين، فَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : أخبرنَا وَكِيع عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الْملك قَالَ: سَمِعت سعيد بن جُبَير يقْرَأ فِي المغربب مرّة ﴿تنبىء أَخْبَارهَا﴾ وَمرَّة ﴿تحدث أَخْبَارهَا﴾ (الزلزلة: ٤) . حَدثنَا وَكِيع عَن ربيع، قَالَ: كَانَ الْحسن يقْرَأ فِي الْمغرب: إِذا زلزلت، وَالْعَادِيات، لَا يدعهما. أخبرنَا زيد بن الْخَبَّاب عَن الضَّحَّاك بن عُثْمَان، قَالَ: رَأَيْت عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يقْرَأ فِي الْمغرب بقصار الْمفصل، أخبرنَا وَكِيع عَن مَحل، قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى من الْمغرب: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْش﴾ (قُرَيْش: ١) . وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة أَن أَبَاهُ كَانَ يقْرَأ فِي الْمغرب بِنَحْوِ مِمَّا يقرأون: وَالْعَادِيات، وَنَحْوهَا من السُّور فَإِن قلت: مَا وَجه الرِّوَايَات الْمُخْتَلفَة فِي هَذَا الْبَاب عَن النَّبِي ﷺ ؟ قلت: كَانَ هَذَا بِحَسب الْأَحْوَال، فَكَانَ النَّبِي ﷺ يعلم من حَال المؤتمين فِي وَقت أَنهم يؤثرون التَّطْوِيل فَيطول، وَفِي وَقت لَا يؤثرون لعذر وَنَحْوه، فيخفف، وبحسب الزَّمَان وَالْوَقْت.
٩٩ - (بابُ الجَهْرِ فِي المَغْرِبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم جهر الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْمغرب، وَاعْتِرَاض ابْن الْمُنِير على هَذِه التَّرْجَمَة وَالَّتِي بعْدهَا: بِأَن الْجَهْر فيهمَا لَا خلاف فِيهِ سَاقِط، لِأَن البُخَارِيّ وضع كِتَابه لبَيَان الْأَحْكَام من حَيْثُ هِيَ مُطلقًا، وَلم يقصره على بَيَان الخلافيات.
٧٦٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ جُبَيْرِ ابنِ مُطْعِمٍ عنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ قَرَأ فِي المَغْرِبِ بالطُّورِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي الْمصْرِيّ، وَمَالك بن أنس، وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَمُحَمّد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم: ابْن مطعم، بِضَم الْمِيم وَكسر الْعين، وَأَبوهُ جُبَير بن مطعم بن عدي قد مر فِي: بَاب من أَفَاضَ فِي كتاب الْغسْل.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مصري ومدني. وَفِيه: عَن مُحَمَّد بن جُبَير، وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق سُفْيَان: عَن الزُّهْرِيّ حَدثنِي مُحَمَّد بن جُبَير.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن مَحْمُود، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَعَن الْحميدِي عَن ابْن عُيَيْنَة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك، وَعَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب، وَعَن حَرْمَلَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين. وَأخرجه ابْن مَاجَه مُحَمَّد بن الصَّباح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَرَأَ) وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: (يقْرَأ) ، بِلَفْظ الْمُضَارع، وَكَذَا هُوَ فِي (الْمُوَطَّأ) . قَوْله: (فِي الْمغرب) أَي: فِي صَلَاة الْمغرب. قَوْله: (بِالطورِ) أَي: بِسُورَة الطّور. قَالَ الطَّحَاوِيّ: يجوز أَن يُرِيد بقوله: (وَالطور) قَرَأَ بِبَعْضِهَا، وَذَلِكَ جَائِز فِي اللُّغَة، يُقَال: فلَان قَرَأَ الْقُرْآن إِذا قَرَأَ بعضه، وَيحْتَمل قَرَأَ بِالطورِ قَرَأَ بكلها، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك: هَل يرْوى فِيهِ شَيْء يدل على أحد التَّأْويلَيْنِ؟ فَإِذا صَالح بن عبد الرَّحْمَن وَابْن أبي دَاوُد قد حدثانا قَالَا: نَا سعيد بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا هشيم عَن الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه، قَالَ: (قدمت الْمَدِينَة على عهد النَّبِي ﷺ لأكلمه فِي أُسَارَى بدر، فانتهيت إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي
стр. 1587
فِي أَصْحَابه صَلَاة الْمغرب فَسَمعته يَقُول: ﴿إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع﴾ (الطّور: ٧) . فَكَأَنَّمَا صدع قلبِي، فَلَمَّا فرغ كَلمته فيهم فَقَالَ شيخ: لَو كَانَ أَتَانِي لشفعته فيهم) . يَعْنِي: أَبَاهُ مطعم بن عدي، فَهَذَا هشيم قد روى هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ، فَبين الْقِصَّة على وَجههَا، وَأخْبر أَن الَّذِي سَمعه من النَّبِي ﷺ هُوَ قَوْله : ﴿إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع﴾ (الطّور: ٧) . فَبين هَذَا أَن قَوْله فِي الحَدِيث الأول: (قَرَأَ بِالطورِ) إِنَّمَا هُوَ مَا سَمعه يَقْرَؤُهُ مِنْهَا، وَلَيْسَ لفظ جُبَير إلاّ مَا روى هشيم، لِأَنَّهُ سَاق الْقِصَّة على وَجههَا، فَصَارَ مَا حكى فِيهَا عَن النَّبِي ﷺ هُوَ قِرَاءَته: ﴿إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع﴾ (الطّور: ٧) . خَاصَّة. انْتهى.
وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فِيهِ نظر فِي مَوَاضِع: الأول: لما رَوَاهُ ابْن مَاجَه: (فَلَمَّا سمعته يقْرَأ ﴿أم خلقُوا من غير شَيْء أم هم الْخَالِقُونَ﴾ (الطّور: ٣٥) . إِلَى قَوْله: ﴿فليأت مستمعهم بسُلْطَان مُبين﴾ (الطّور: ٣٨) . كَاد قلبِي يطير) . وَلما رَوَاهُ السراج فِي كِتَابه بِسَنَد صَحِيح: (سمعته يقْرَأ فِي الْمغرب ﴿بِالطورِ وَكتاب مسطور فِي رق منشور﴾ (الطّور: ١ و ٣) . الثَّانِي: قَوْله: (رَوَاهُ هشيم عَن الزُّهْرِيّ) ، وَخَالفهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الصَّغِير) ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه عَن جده، وَقَالَ: لم يروه عَن إِبْرَاهِيم إلاّ هشيم، تفرد بِهِ عُرْوَة بن سعيد الربعِي وَهُوَ ثقاة، الثَّالِث: قَوْله: (قَالَ جُبَير: فانتهيت إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي) فِيهِ نظر، لما ذكره مُحَمَّد بن سعد من حَدِيث نَافِع ابْنه عَنهُ، قَالَ: (قدمت فِي فدَاء أُسَارَى بدر، فاضطجعت فِي الْمَسْجِد بعد الْعَصْر، وَقد أصابني الْكرَى، فَنمت، فأقيمت صَلَاة الْمغرب فَقُمْت فَزعًا بِقِرَاءَة رَسُول الله، ﷺ ، فِي الْمغرب: ﴿بِالطورِ وَكتاب مسطور﴾ (الطّور: ١ و ٣) . فَاسْتَمَعْت قِرَاءَته حَتَّى خرجت من الْمَسْجِد، وَكَانَ يَوْمئِذٍ أول مَا دخل الْإِسْلَام قلبِي) انْتهى. قلت: رِوَايَة البُخَارِيّ أصح من غَيره، وَفِي (الِاسْتِيعَاب) روى جمَاعَة من أَصْحَاب ابْن شهَاب عَنهُ: عَن مُحَمَّد بن جُبَير عَن أَبِيه: الْمغرب وَالْعشَاء، وَزعم الدَّارَقُطْنِيّ أَن رِوَايَة من روى عَن ابْن شهَاب عَن نَافِع بن جُبَير وهم.
وَأما الطّور فَعَن ابْن عَبَّاس: الطّور الْجَبَل الَّذِي كلم الله، ، مُوسَى، ﵊، عَلَيْهِ لُغَة سريانية. وَفِي (الْمُحكم) : الطّور الْجَبَل، وَقد غلب طور سيناء، على جبل بِالشَّام، وَهُوَ بالسُّرْيَانيَّة: طورى، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ: طوري وطوراني، وَزعم أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: أَنه جبل بِبَيْت الْمُقَدّس ممتد مَا بَين مصر وأيلة سمي بطور إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ طور سيناء وطور سينين، وَفِي (الْمُتَّفق وضعا والمختلف صنفا) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ قوم: هُوَ جبل بِقرب أَيْلَة: وَقيل: هُوَ جبل بِالشَّام، وَأما طور زيتا، بِالْقصرِ، فجبل بِقرب رَأس عين، وببيت الْمُقَدّس أَيْضا جبل يعرف: بطور زيتا، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ الحَدِيث: (مَاتَ بطور زيتا سَبْعُونَ ألف نَبِي كلهم قَتلهمْ الْجُوع) . وَهُوَ شَرْقي وَادي سلوان، وعَلى مَدِينَة طبرية يُقَال لَهُ: الطّور، مطل عَلَيْهَا، وبأرض مصر جبل يُقَال لَهُ: الطّور بَين مصر وفاران، يشْتَمل على عدَّة قرى، وطور عَبْدَيْنِ: اسْم بليدَة بنواحي نَصِيبين، وَفِي قبلي الْبَيْت الْمُقَدّس جبل عَال يُقَال لَهُ: الطّور، فِيهِ فِيمَا يُقَال قبر هَارُون، ﵊.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: أَن الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْمغرب جهرية، وَلذَلِك وضع البُخَارِيّ الْبَاب، فَإِن أسر فِيهَا إِن كَانَ عمدا يكون تَارِكًا للسّنة، وَإِن كَانَ سَهوا يجب عَلَيْهِ سجدتا السَّهْو. وَقد ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: أَنه ﷺ قَرَأَ فِي الْمغرب، وَقد ذكرنَا أَن قِرَاءَته ﷺ لَيست كَقِرَاءَة غَيره، وَله أَحْوَال فِي ذَلِك كَمَا ذَكرْنَاهُ. مِنْهَا: أَن قِرَاءَته فِي الْمغرب بِالطورِ وَنَحْوهَا يجوز أَن تكون لبَيَان الْجَوَاز. وَمِنْهَا: أَن تكون لعلمه بِعَدَمِ الْمَشَقَّة، ألَا ترى كَيفَ أنكر على معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما طول الصَّلَاة بافتتاحه بِسُورَة الْبَقَرَة، فَقَالَ لَهُ: (أفتان أَنْت يَا معَاذ؟ قَالَهَا مرَّتَيْنِ، لَو قَرَأت بسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى، وَالشَّمْس وَضُحَاهَا، فَإِنَّهُ يُصَلِّي خَلفك ذُو الْحَاجة والضعيف وَالصَّغِير وَالْكَبِير) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِهَذَا اللَّفْظ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي مَوْضِعه. وَفِيه: احتجاج من ذهب إِلَى أَن الْمُسْتَحبّ قِرَاءَة السُّور الَّتِي قَرَأَهَا النَّبِي ﷺ ، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب السَّابِق.
١٠٠ - بابُ الجَهْرِ فِي العِشاءِ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم جهر الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْعشَاء، وَقَالَ بَعضهم: قدم تَرْجَمَة الْجَهْر على تَرْجَمَة الْقِرَاءَة عكس مَا وضع
стр. 1588
فِي الْمغرب، ثمَّ فِي الصُّبْح، وَالَّذِي فِي الْمغرب أولى، وَلَعَلَّه من النساخ قلت: الْمَقْصُود الْأَعْظَم بَيَان الحكم لَا التَّرْتِيب فِي الْأَبْوَاب، وَأَيْضًا رَاعى الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله لِأَنَّهُ فِي الْجَهْر، ورعاية الْمُنَاسبَة مَطْلُوبَة.
١٥٤ - (حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان قَالَ حَدثنَا مُعْتَمر عَن أَبِيه عَن بكر عَن أبي رَافع قَالَ صليت مَعَ أبي هُرَيْرَة الْعَتَمَة فَقَرَأَ إِذا السَّمَاء انشقت فَسجدَ فَقلت لَهُ قَالَ سجدت خلف أبي الْقَاسِم ﷺ َ - فَلَا أَزَال أَسجد بهَا حَتَّى أَلْقَاهُ) مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله " سجدت خلف أبي الْقَاسِم " وَلَو لم يجْهر النَّبِي ﷺ َ - بقرَاءَته فِي هَذِه الصَّلَاة لما سجد أَبُو هُرَيْرَة خَلفه ﷺ َ -. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل. الثَّانِي مُعْتَمر بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الاعتمار ابْن سُلَيْمَان. الثَّالِث أَبوهُ سُلَيْمَان بن طرخان. الرَّابِع بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ. الْخَامِس أَبُو رَافع بِالْفَاءِ وبالعين الْمُهْملَة واسْمه نفيع الصَّائِغ. السَّادِس أَبُو هُرَيْرَة (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَرْبَعَة من الرِّجَال بصريون وَأَبُو رَافع مدنِي وَفِيه ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وهم سُلَيْمَان بن مُعْتَمر سمع أنس بن مَالك وَبكر بن عبد الله روى عَن أنس وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر والمغيرة بن شُعْبَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم ونفيع أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَلم ير النَّبِي ﷺ َ - وروى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَهُوَ من كبار التَّابِعين وَبكر من أوساطهم وَسليمَان من صغارهم قَالَ صَاحب التَّلْوِيح اعْترض بعض شرَّاح البُخَارِيّ على البُخَارِيّ بِأَن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ مَرْفُوعا وَهُوَ غير وَارِد لِأَن رَفعه ظَاهر من متن الحَدِيث وإنكار رَفعه مُكَابَرَة. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي سُجُود الْقُرْآن عَن مُسَدّد وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عبيد الله بن معَاذ وَمُحَمّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن أبي كَامِل الجحدري وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن أَحْمد بن عَبدة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن مُعْتَمر بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن سليم بن أحضر بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " الْعَتَمَة " أَي الْعشَاء قَوْله " فَقلت لَهُ " أَي فِي شَأْن السَّجْدَة أَي سَأَلته عَن حكمهَا قَوْله " أبي الْقَاسِم " هُوَ النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " بهَا " أَي بِالسَّجْدَةِ يدل عَلَيْهَا قَوْله " فَسجدَ " كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ أَي الْعدْل أقرب للتقوى وَيجوز أَن تكون الْبَاء بِمَعْنى فِي أَي أَسجد فِيهَا أَي فِي السُّورَة وَهِي ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ كَمَا يَجِيء فِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الْبَاب الَّذِي يَأْتِي فَإِنَّهُ فِيهِ " فَلَا أَزَال أَسجد فِيهَا " كَمَا يَأْتِي ثمَّ أَن لَفْظَة بهَا لم تقع فِي رِوَايَة أبي ذَر قَوْله " حَتَّى أَلْقَاهُ " أَي حَتَّى ألْقى أَبَا الْقَاسِم أَي حَتَّى أَمُوت. (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ ثُبُوت سَجْدَة التِّلَاوَة فِي سُورَة ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ وَهُوَ حجَّة على مَالك فِي قَوْله لَا سَجْدَة فِيهَا وَقَالَ ابْن الْمُنِير لَا حجَّة فِيهِ على مَالك حَيْثُ كره السَّجْدَة فِي الْفَرِيضَة يَعْنِي فِي الْمَشْهُور عَنهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَرْفُوعا ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَرْفُوع كَمَا ذكرنَا وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا رِوَايَة أبي الْأَشْعَث عَن مُعْتَمر بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظ " صليت خلف أبي الْقَاسِم فَسجدَ بهَا " أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَكَذَلِكَ أخرجه الجوزقي من طَرِيق يزِيد بن هَارُون عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ بِلَفْظ " صليت مَعَ أبي الْقَاسِم فَسجدَ فِيهَا " (قلت) هَذَا حجَّة على مَالك مُطلقًا سَوَاء قُرِئت هَذِه فِي الْفَرْض أَو فِي النَّفْل وَسَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا ثمَّ اخْتلفُوا هَل هِيَ سنة أَو وَاجِبَة على مَا يَأْتِي وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي مَوضِع السَّجْدَة فَقيل ﴿وَإِذا قرئَ عَلَيْهِم الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ﴾ وَقيل آخر السُّورَة وَفِيه جَوَاز إِطْلَاق لفظ الْعَتَمَة على الْعشَاء وَفِيه ثُبُوت الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة الْعشَاء وَعَلِيهِ تبويب البُخَارِيّ وَفِيه ذكر جَوَاز ذكر النَّبِي ﷺ َ - بِأبي الْقَاسِم وَفِي جَوَاز تكني غَيره بِأبي الْقَاسِم خلاف -
стр. 1589
٧٦٧ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيٍّ قَالَ سَمِعْتُ البَراءَ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ فِي سَفَرٍ فَقَرأَ فِي العِشَاءِ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد: هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَشعْبَة هُوَ ابْن الْحجَّاج، وعدي، بِفَتْح الْعين وَكسر الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْديد الْيَاء: هُوَ ابْن ثَابت الْأنْصَارِيّ، كلهم قد مروا. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والعنعنة فِي مَوضِع وَالْقَوْل فِي موضِعين وَفِيه السماع.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن حجاج بن منهال وَعَن خَالِد بن يحيى، وَفِي التَّوْحِيد عَن أبي نعيم. . وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر عَن شعبه بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن
إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث وَمَالك بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَعَن عبد الله بن عَامر.
قَوْله: (كَانَ فِي سفر) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ (كَانَ فِي سفر فصلى الْعشَاء رَكْعَتَيْنِ) . قَوْله: (فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (فِي الرَّكْعَة الأولى) قَوْله: (بِالتِّينِ) أَي: بِسُورَة التِّين، وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي تَأتي: والتين، على الْحِكَايَة.
وَفِيه: ثُبُوت بالجهر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة الْعشَاء، وَعَلِيهِ التَّبْوِيب. وَفِيه: التَّخْفِيف فِي الْقِرَاءَة فِي السّفر لِأَنَّهُ مَظَنَّة الْمَشَقَّة، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَاضِي مَحْمُول على الْحَضَر، فَلذَلِك قَرَأَ فِيهَا من أوساط الْمفصل. وَقَالَ السفاقسي وَغَيره: هَذِه الْأَحَادِيث تدل على أَنه لَا تَوْقِيت فِي الْقِرَاءَة فِيهَا، بل بِحَسب الْحَال. وَعَن مَالك، يقْرَأ فِيهَا أَي فِي الْعشَاء بالحاقة وَنَحْوهَا. وَقَالَ أَشهب: بوسط الْمفصل، وَقَرَأَ فِيهَا عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِالنَّجْمِ، وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: بالذين كفرُوا. وَأَبُو هُرَيْرَة بالعاديات. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يقْرَأ فِي الْفجْر أَرْبَعِينَ آيَة سوى الْفَاتِحَة، وَفِي رِوَايَة: خمسين آيَة، وَفِي أُخْرَى سِتِّينَ إِلَى مائَة. قَالَ الْمَشَايِخ: وَهِي أبين الرِّوَايَات. قَالُوا: فِي الشتَاء يقْرَأ مائَة، وَفِي الصَّيف أَرْبَعِينَ وَفِي الخريف خمسين أَو سِتِّينَ. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: يَنْبَغِي أَن يكون فِي الظّهْر دون الْفجْر وَالْعصر قدر عشْرين آيَة سوى الْفَاتِحَة.
١٠١ - (بابُ القِراءَةِ فِي العِشاءِ بالسَّجدَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْعشَاء بِالسَّجْدَةِ أَي: بالسورة الَّتِي فِيهَا سَجْدَة التِّلَاوَة.
٧٦٨ - حدَّثنا مُسَدّدٌ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثني التيْمِيُّ عنْ بَكْرٍ عنْ أبِي رَافِعٍ قالَ صَلَّيْتُ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فَقَرأَ إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ فَقُلْتُ مَا هَذِهِ قَالَ سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أبِي القَاسِمِ فَلَا أزَالُ أسْجُدُ بِهَا حَتَّى ألْقَاهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن قَوْله: (فَسجدَ) يَعْنِي: سَجْدَة التِّلَاوَة، والْحَدِيث مر فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَن هُنَاكَ: عَن أبي النُّعْمَان عَن مُعْتَمر عَن أَبِيه سُلَيْمَان عَن بكر، وَهنا: عَن مُسَدّد عَن يزِيد من الزياد ابْن زُرَيْع تَصْغِير زرع عَن التَّيْمِيّ، وَهُوَ سُلَيْمَان بن طرخان عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن أبي رَافع الصَّائِغ نفيع، وَإِنَّمَا كرر هَذَا الحَدِيث لأمرين: أَحدهمَا: للتَّرْجَمَة الَّتِي تَتَضَمَّن الْقِرَاءَة بِالسَّجْدَةِ، وَالْآخر: لاخْتِلَاف بعض الروَاة. قَوْله: (سجدت بهَا) ويروى: (فِيهَا) . قَوْله: (اسجد فِيهَا) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (أَسجد بهَا) .
١٠٢ - (بابُ القِراءَةِ فِي العِشاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْعشَاء.
стр. 1590
١٥٧ - (حَدثنَا خَلاد بن يحيى قَالَ حَدثنَا مسعر قَالَ حَدثنَا عدي بن ثَابت أَنه سمع الْبَراء ﵁ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يقْرَأ والتين وَالزَّيْتُون فِي الْعشَاء وَمَا سَمِعت أحدا أحسن صَوتا مِنْهُ أَو قِرَاءَة) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِنَّمَا كرر هَذَا الحَدِيث لثَلَاثَة أوجه. أَحدهَا لأجل التَّرْجَمَة الَّتِي تَتَضَمَّن الْقِرَاءَة فِي الْعشَاء. وَالثَّانِي لاخْتِلَاف بعض الروَاة فِيهِ لِأَنَّهُ أخرجه فِيمَا مضى عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن عدي عَن الْبَراء وَهنا أخرجه عَن خَلاد بن يحيى بن صَفْوَان أبي مُحَمَّد السّلمِيّ الْكُوفِي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ مَاتَ بِمَكَّة قَرِيبا من سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ عَن مسعر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة ابْن كدام الْكُوفِي عَن عَليّ بن ثَابت بالثاء الْمُثَلَّثَة عَن الْبَراء وَالرِّجَال كلهم كوفيون. وَالثَّالِث لأجل الزِّيَادَة الَّتِي فِيهِ وَهِي قَوْله " مَا سَمِعت أحدا أحسن صَوتا مِنْهُ " قَوْله " أَو قِرَاءَة " شكّ من الرَّاوِي أَي أحسن قِرَاءَة مِنْهُ ﷺ َ - وَفِيه وَجه آخر وَهُوَ أَنه ذكر هُنَاكَ عديا غير مَنْسُوب وَهَهُنَا ذكره باسم أَبِيه وَهُنَاكَ بالعنعنة وَهَهُنَا بِالتَّحْدِيثِ قَوْله " والتين " على سَبِيل الْحِكَايَة
(بَاب يطول فِي الْأَوليين ويحذف فِي الْأُخْرَيَيْنِ)
أَي هَذَا بَاب تَرْجَمته يطول الْمُصَلِّي فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين من الْعشَاء ويحذف أَي يتْرك الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ
١٥٧ - (حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي عون قَالَ سَمِعت جَابر بن سَمُرَة قَالَ قَالَ عمر لسعد لقد شكوك فِي كل شَيْء حَتَّى الصَّلَاة قَالَ أما أَنا فأمد فِي الْأَوليين وأحذف فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَلَا آلو مَا اقتديت بِهِ من صَلَاة رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ صدقت ذَاك الظَّن بك أَو ظَنِّي بك) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي بَاب وجوب الْقِرَاءَة للْإِمَام وَالْمَأْمُوم مطولا وَإِنَّمَا ذكر بعضه هَهُنَا بِالْإِعَادَةِ لأربعة أوجه. الأول لاخْتِلَاف الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى عَن أبي عوَانَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن جَابر بن سَمُرَة وَهَهُنَا أخرجه عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن أبي عون مُحَمَّد بن عبد الله الثَّقَفِيّ الْكُوفِي الْأَعْوَر. الثَّانِي أَن هُنَاكَ بالعنعنة عَن جَابر وَهَهُنَا بِالسَّمَاعِ عَنهُ. الثَّالِث لأجل اخْتِلَاف التَّرْجَمَة وَهُوَ ظَاهر. الرَّابِع لبَعض الِاخْتِلَاف فِي الْمَتْن بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان فَاعْتبر ذَلِك بالمراجعة إِلَى الْمَوْضِعَيْنِ قَوْله " حَتَّى الصَّلَاة " بِرَفْع الصَّلَاة لِأَن حَتَّى هَهُنَا غَايَة لما قبلهَا بِزِيَادَة كَمَا فِي قَوْلهم مَاتَ النَّاس حَتَّى الْأَنْبِيَاء وَالْمعْنَى حَتَّى الصَّلَاة شكوك فِيهَا فَيكون ارتفاعه على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف وَهُوَ مَا قدرناه قَوْله " وَلَا آلوا " بِمد الْهمزَة وَضم اللَّام أَي لَا أقصر وَأَصله من أَلا يألو يُقَال مَا ألوت حَقه أَي مَا قصرت قَوْله " أَو ظَنِّي بك " شكّ من الرَّاوِي -
١٠٤ - (بابُ القِرَاءَةِ فِي الفَجْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الْفجْر.
وقالَتْ أمُّ سَلَمَةَ قَرَأَ النبِيُّ ﷺ بِالطُّورِ
هَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْحَج بِلَفْظ: (طفت وَرَاء النَّاس وَالنَّبِيّ ﷺ يُصَلِّي وَيقْرَأ بِالطورِ) ، وَلَيْسَ فِيهِ بَيَان أَن الصَّلَاة حِينَئِذٍ كَانَت الصُّبْح، لَكِن تبين ذَلِك من رِوَايَة أُخْرَى من طَرِيق يحيى بن زَكَرِيَّا الفساني عَن هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أَبِيه، وَلَفظه: (إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة للصبح فطوفي) ، وَهَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة حسان بن إِبْرَاهِيم
стр. 1591
عَن هِشَام فَإِن قلت: أخرج ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق وهب عَن مَالك، وَابْن لَهِيعَة جَمِيعًا عَن أبي الْأسود هَذَا الحَدِيث، قَالَ فِيهِ: قَالَت: وَهُوَ يقْرَأ، يَعْنِي الْعشَاء الْآخِرَة. قلت: هَذِه رِوَايَة شَاذَّة، وَيُمكن أَن يكون سِيَاقه من ابْن لَهِيعَة، لِأَن ابْن وهب رَوَاهُ فِي (الْمُوَطَّأ) عَن مَالك فَلم يعين الصَّلَاة، وَبِهَذَا سقط الاعتراظ الَّذِي حَكَاهُ ابْن التِّين عَن بعض الْمَالِكِيَّة حَيْثُ أنكر أَن تكون الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة صَلَاة الصُّبْح، فَقَالَ: لَيْسَ فِي الحَدِيث بَيَانهَا، وَالْأولَى أَن تحمل على النَّافِلَة، لِأَن الطّواف يمْتَنع إِذا كَانَ الإِمَام فِي صَلَاة الْفَرِيضَة. انْتهى. وَأجِيب: بِأَن هَذَا رد للْحَدِيث الصَّحِيح بِغَيْر حجَّة، بل يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث جَوَاز مَا مَنعه.
٧٧١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا سَيَّارُ بنُ سَلَامَ قَالَ دَخَلْتُ أَنا وَأبي عَلَى أبي بَرَزَةَ الأسْلَمِي فَسَألْنَاهُ عنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ والعَصْرُ ويَرّجِعُ الرجُلُ إلَى أقْصَى المَدِينَةِ والشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قالَ فِي المَغْرِبِ وَلَا يُبَالِي بِتَأخِيرِ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الحَدِيثَ بَعْدَهَا ويُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ وَكانَ يَقْرأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أوْ إحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السُّتين إِلَى المِائَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ يقْرَأ. .) إِلَى آخِره، وَفِيه إِثْبَات الْقِرَاءَة فِي الْفجْر، وَلأَجل ذَلِك بوب البُخَارِيّ هَذَا التَّبْوِيب، مَعَ أَنه ذكر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب وَقت الظّهْر عِنْد الزول، وَأخرجه هُنَاكَ: عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن أبي الْمنْهَال عَن أبي بَرزَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه نَضْلَة بن عبيد، وَأخرج هَهُنَا: عَن آدم بن أبي إِيَاس إِلَى آخِره، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ.
قَوْله: (عَن وَقت الصَّلَوَات) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (الصَّلَاة) ، بِالْإِفْرَادِ، وَالْمرَاد: المكتوبات. قَوْله: (وَكَانَ يقْرَأ) إِلَى آخِره، مَعْنَاهُ: من الْآيَات مَا بَين السِّتين إِلَى الْمِائَة، وَهَذِه الزِّيَادَة تفرد بهَا شُعْبَة عَن أبي الْمنْهَال، وَالشَّكّ فِيهِ مِنْهُ، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن حُرَيْث قَالَ: (كَأَنِّي أسمع صَوت النَّبِي ﷺ يقْرَأ فِي صَلَاة الْغَدَاة. ﴿فَلَا أقسم بالخنس الْجوَار الكنس﴾ (التكوير: ١ و ٢) . أَرَادَ أَنه كَانَ يقْرَأ: إِذا الشَّمْس كورت، وَهِي مَكِّيَّة وتسع وَعِشْرُونَ آيَة، وَزَاد أَبُو جَعْفَر: ﴿فَأَيْنَ تذهبون﴾ (التكوير: ٢٦) . وَمِائَة وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَخمْس مائَة وَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ حرفا. والخنس: النُّجُوم الَّتِي تخنس بِالنَّهَارِ فَلَا ترى، وتكنس بِاللَّيْلِ إِلَى مجاريها، أَي: تستتر كَمَا يكنس الظبا فِي المغار، وَهِي الكناس. وَقَالَ الْفراء: هِيَ النُّجُوم الْخَمْسَة: زحل وَالْمُشْتَرِي والمريخ والزهرة وَعُطَارِد،. وروى مُسلم من حَدِيث قُطْبَة بن مَالك أَنه سمع النَّبِي ﷺ يقْرَأ فِي الصُّبْح: ﴿وَالنَّخْل باسقات لَهَا طلع نضيد﴾ (ق: ١٠) . أَرَادَ أَنه كَانَ يقْرَأ سُورَة: ق وَالْقُرْآن الْمجِيد، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي خمس وَأَرْبَعُونَ آيَة، وثلاثمائة وَسبع وَخَمْسُونَ كلمة، وَألف وَأَرْبَعمِائَة وَتسْعُونَ حرفا. وَمعنى قَوْله: ﴿وَالنَّخْل باسقات﴾ (ق: ١٠) . يَعْنِي طوَالًا فِي السَّمَاء. وَقيل: بسوقها استقامتها فِي الطول. وَقيل: مواقير وحوامل وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقْرَأ الْفجْر بقاف) وَكَانَت قِرَاءَته بعد تَخْفيف. وَعند السراج: بقاف وَنَحْوهَا. وَفِي لفظ: وأشباهها. وروى النَّسَائِيّ عَن أم هِشَام بنت حَارِثَة، قَالَت: مَا أخذت قَاف إلاّ من وَرَاء النَّبِي ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي بهَا الصُّبْح. وروى ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَن كَانَ رَسُول الله ﷺ ليأمرنا بِالتَّخْفِيفِ، وَأَن كَانَ ليؤمنا بالصافات فِي الْفجْر) . قلت: هِيَ مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ آيَة، وثمان مائَة وَسِتُّونَ كلمة، وَثَلَاثَة آلَاف وثمان مائَة وَسِتَّة وَعِشْرُونَ حرفا. وروى أَبُو دَاوُد عَن رجل من الصَّحَابَة أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ فِي الصُّبْح بالروم أَي: بِسُورَة الرّوم، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي سِتُّونَ آيَة، وثمان مائَة وبع عشرَة كلمة، وَثَلَاثَة آلَاف وَخمْس مائَة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ حرفا، وروى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي (كتاب الصَّحَابَة) : أَن عمر الْجُهَنِيّ قَالَ: (صليت خلف النَّبِي ﷺ الصُّبْح فَقَرَأَ فِيهَا بِسُورَة الْحَج وَسجد فِيهَا سَجْدَتَيْنِ. قلت: هِيَ مَكِّيَّة إلاّ سِتّ آيَات نزلت بِالْمَدِينَةِ، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خصمان﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وهدوا إِلَى الطّيب من القَوْل وهدوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ (الْحَج: ١٩ ٢٤) . وَهِي: ثَمَان وَتسْعُونَ آيَة، وَألف ومائتان وَتسْعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَخَمْسَة
стр. 1592
وَتسْعُونَ حرفا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ، ﵀ فِي (جَامعه) : عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَرَأَ فِي الصُّبْح بِسُورَة الْوَاقِعَة، وروى عَنهُ أَنه كَانَ يقْرَأ فِي الْفجْر من سِتِّينَ آيَة إِلَى مائَة. وروى السراج بِسَنَد صَحِيح عَن الْبَراء: (صلى بِنَا النَّبِي ﷺ صَلَاة الصُّبْح فَقَرَأَ بأقصر سورتين فِي الْقُرْآن) . فَإِن قلت: مَا وَجه هَذِه الاختلافات؟ قلت: قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن هَذِه بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحْوَال وَالزَّمَان أَلا يرى إِلَى مَا روى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) بِسَنَد صَحِيح: عَن أنس قَالَ: (صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ الْفجْر بأقصر سورتين من الْقُرْآن، وَقَالَ: إِنَّمَا أسرعت لتفرغ الْأُم إِلَى صبيها، وَسمع صَوت صبي) ؟ وروى أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح: عَن معَاذ بن عبد الله عَن رجل من جُهَيْنَة: (سمع النَّبِي ﷺ يقْرَأ فِي الصُّبْح ﴿إِذا زلزلت﴾ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كلتيهما) . وَجَاء مثل هَذَا الِاخْتِلَاف أَيْضا من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ عَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد: (صلى بِنَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْفجْر فَقَرَأَ آلمر ولإيلاف قُرَيْش) . وَفِي: (وَصلى أَبُو بكر صَلَاة الصُّبْح بِسُورَة الْبَقَرَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ كلتيهما) . وَقَالَ الفرافصة بن عُمَيْر: مَا أخذت سُورَة يُوسُف، ﵇، إِلَّا من قِرَاءَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِيَّاهَا فِي الصُّبْح من كَثْرَة مَا يكررها. وَفِي (الْمُوَطَّأ) قَالَ عَامر بن ربيعَة: قَرَأَ عمر فِي الصُّبْح سُورَة الْحَج وَسورَة يُوسُف، ﵇، قِرَاءَة بطيئة. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: لما قدمت الْمَدِينَة مُهَاجرا صليت خلف سِبَاع بن عرفطة الصُّبْح، فَقَرَأَ فِي الأولى سُورَة مَرْيَم، وَفِي الْأُخْرَى سُورَة: ويل لِلْمُطَفِّفِينَ، ذكره ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَلم يسم سباعا. وَعَن عمر بن مَيْمُون: لما طعن عمر صلى بهم ابْن عَوْف الْفجْر فَقَرَأَ ﴿إِذا جَاءَ نصر الله﴾ (الْفَتْح: ١) . والكوثر، وَذكر أَن عمر قَرَأَ فِي الصُّبْح: بِيُونُس وبهود، وَقَرَأَ عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِيُوسُف والكهف، وَقَرَأَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بالأنبياء، وَقَرَأَ عبد الله بسورتين إِحْدَاهمَا بَنو إِسْرَائِيل، وَقَرَأَ معَاذ بِالنسَاء، وَقَالَ أَبُو دَاوُد الأودي: كنت أُصَلِّي وَرَاء عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْغَدَاة فَكَانَ يقْرَأ: إِذا الشَّمْس كورت، وَإِذا السَّمَاء انفطرت، وَنَحْو ذَلِك من السُّور. وَجَاء مثل ذَلِك أَيْضا عَن التَّابِعين. وَفِي كتاب أبي نعيم: عَن الْحَارِث بن فُضَيْل قَالَ: أَقمت عِنْد ابْن شهَاب عشرا، فَكَانَ يقْرَأ فِي صَلَاة الْفجْر: تبَارك، وَقل هُوَ الله أحد. وَقَالَ ابْن بطال: وَقَرَأَ عُبَيْدَة بالرحمن، وَإِبْرَاهِيم بيسين، وَعمر بن عبد الْعَزِيز بسورتين من طوال الْمفصل. وَقَالَ ابْن بطال: وَمَا ذكرنَا من الِاخْتِلَاف من السّلف دلّ أَنهم فَهموا عَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ إِبَاحَة التَّطْوِيل وَالتَّقْصِير، وَأَنه لَا حد لَهُ فِي ذَلِك.
٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا إسْماعِيلُ بنُ إبْراهِيمَ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَطَاءٌ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ فَمَا أسْمَعَنَا رسولُ الله ﷺ أسْمَعْنَاكُمْ وَما أخْفَى عَنَّا أخْفَيْنَا عَنْكُمْ وَإنْ لَمْ تَزدْ عَلَى أُمِّ القُرْآنِ أجْزَأتْ وَإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (فِي كل صَلَاة يقْرَأ) لِأَن التَّرْجَمَة فِي: بَاب الْقِرَاءَة فِي الْفجْر، وَهُوَ دَاخل فِي قَوْله: (كل صَلَاة) . وَقَالَ بَعضهم: وَكَأن المُصَنّف قصد بإيراد حَدِيثي أم سَلمَة وَأبي بَرزَة فِي هَذَا الْبَاب بَيَان حالتي السّفر والحضر، ثمَّ ثلث بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الدَّال على عدم اشْتِرَاط قدر معِين قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث أبي بَرزَة مَا يدل على حكم الْقِرَاءَة فِي السّفر أَو الْحَضَر، وَإِنَّمَا هُوَ مُطلق، وَلم يكن إِيرَاده حَدِيث أبي هُرَيْرَة، إلاّ أَن صَلَاة الْفجْر لَا بُد لَهَا من الْقِرَاءَة لدخولها تَحت قَوْله: (فِي كل صَلَاة يقْرَأ) ، وَقد علم أَن لَفْظَة: كل، إِذا أضيفت إِلَى النكرَة تَقْتَضِي عُمُوم الْإِفْرَاد.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن علية. الثَّالِث: عبد الْملك بن جريج. الرَّابِع: عَطاء ابْن أبي رَبَاح. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَفِي مَوضِع بِالْإِفْرَادِ. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور وَقد تكلم فِيهِ يحيى بن معِين فِي حَدِيثه عَن ابْن جريج خَاصَّة، لَكِن تَابعه عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق وَمُحَمّد بن بكر وغندر عِنْد أَحْمد، وحبِيب بن الشَّهِيد وحبِيب الْمعلم عِنْد مُسلم، وخَالِد بن الْحَارِث
стр. 1593
ورقية عِنْد النَّسَائِيّ، وَابْن وهب عِنْد ابْن خُزَيْمَة، ثمانيتهم عَن ابْن جريج مِنْهُم من ذكر الْكَلَام الْأَخير، وَمِنْهُم من لم يذكرهُ. أما مُتَابعَة عبد الرَّزَّاق فأخرجها أَحْمد فِي (مُسْنده) : عَنهُ عَن ابْن جريج عَن عَطاء، قَالَ: (سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: فِي كل صَلَاة قِرَاءَة فَمَا أسمعنا رَسُول الله ﷺ أسمعناكم وَمَا أخْفى عَنَّا أخفينا عَنْكُم، فَسَمعته يَقُول: لَا صَلَاة إلاّ بِقِرَاءَة) . وَأما مُتَابعَة حبيب الْمعلم فأخرجها مُسلم: حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ: أخبرنَا يزِيد بن زُرَيْع عَن حبيب الْمعلم (عَن عَطاء قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فِي كل صَلَاة قِرَاءَة فَمَا أسمعنا ﷺ أسمعناكم وَمَا أخْفى أخفيناه مِنْكُم، فَمن قَرَأَ بِأم الْكتاب فقد أَجْزَأت مِنْهُ، وَمن زَاد فَهُوَ أفضل) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن حبيب عَن عَطاء (إِلَى أخفينا عَنْكُم) . وَأما مُتَابعَة رقية فأخرجها النَّسَائِيّ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن قدامَة، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن رقية (عَن عَطاء قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: كل صَلَاة يقْرَأ فِيهَا، فَمَا أسمعنا رَسُول الله ﷺ أسمعناكم وَمَا أخفاها أخفينا مِنْكُم) . وَأما مُتَابعَة ابْن وهب فأخرجها الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ: (سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: فِي كل الصَّلَاة قِرَاءَة، فَمَا أسمعنا رَسُول الله ﷺ أسمعناكم، وَمَا أخفاه علينا أخفيناه عَلَيْكُم) . وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن النُّعْمَان، قَالَ: حَدثنَا الحميد، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن عَطاء نَحوه. قيل: هَذَا الحَدِيث مَوْقُوف. وَأجِيب: بِأَن قَوْله: (مَا أسمعنا) ، و (مَا أخْفى عَنَّا) يشْعر بِأَن جَمِيع مَا ذكره متلقى من النَّبِي ﷺ فَيكون للْجَمِيع حكم الرّفْع.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن الْأَعْلَى، وَأخرجه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن قدامَة كَمَا ذَكرْنَاهُ الأن.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي كل صَلَاة يقْرَأ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْجَار وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بقوله: (يقْرَأ) أَي: يجب أَن يقْرَأ الْقُرْآن فِي كل الصَّلَوَات لَكِن بَعْضهَا بالجهر وَبَعضهَا بالسر، فَمَا جهر بِهِ رَسُول الله ﷺ جهرنا بِهِ، وَمَا أسر أسررنا بِهِ. ويروى: يقْرَأ على صِيغَة الْمَعْلُوم، أَي: يقْرَأ رَسُول الله ﷺ ، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَقيل: ويروى: (نَقْرَأ) بالنُّون أَي: نَحن نَقْرَأ. قَوْله: (فَمَا أسمعنا) بِفَتْح الْعين، وَهِي جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول، وَرَسُول الله ﷺ فَاعله. قَوْله: (أسمعناكم) بِسُكُون الْعين، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ: النُّون، وَالْمَفْعُول وَهُوَ: كم. قَوْله: (وَمَا أخْفى) كلمة: مَا، مَوْصُولَة وَكَذَلِكَ فِي: (فَمَا أسمعنا) . قَوْله: (وَإِن لم تزد) بتاء الْخطاب، وَقد بَينه مَا فِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي خَيْثَمَة وَغَيره عَن إِسْمَاعِيل، (فَقَالَ لَهُ رجل: إِن لم أَزْد؟) . قَوْله: (على أم الْقُرْآن) ، أَي: الْفَاتِحَة، وَسميت بهَا لاشتمالها على الْمعَانِي الَّتِي فِي الْقُرْآن، وَلِأَنَّهَا أول الْقُرْآن، كَمَا أَن مَكَّة سميت: أم الْقرى، لِأَنَّهَا أول الأَرْض وَأَصلهَا. قَوْله: (أَجْزَأت) بِلَفْظ الْغَيْبَة أَي: أَجْزَأت الصَّلَاة، من الْإِجْزَاء، وَهُوَ الْأَدَاء الْكَافِي لسُقُوط التَّعَبُّد بِهِ، وَحكى ابْن التِّين لُغَة أُخْرَى وَهِي: أجزت، بِلَا ألف أَي: قَضَت. وَقَالَ الْخطابِيّ: جزى وأجزى، مثل: وفى وأوفى، وَقَالَ ابْن قرقول: أجزت عَنْك عِنْد الْقَابِسِيّ، وَعند غَيره أَجْزَأت. قَوْله: (فَهُوَ خير) أَي: الزَّائِد على أم الْقُرْآن خير، وَفِي رِوَايَة حبيب الْمعلم: (فَهُوَ أفضل) . كَمَا ذكرنَا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: وجوب الْقِرَاءَة فِي كل الصَّلَوَات. وَفِيه: رد على من أنكر وُجُوبهَا فِي الظّهْر وَالْعصر. وَفِيه: الْجَهْر فِيمَا يجْهر والإخفاء فِيمَا يخفي، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: كَانَ النَّبِي ﷺ يؤمنا فيجهر ويخافت، وَكَانَ جهره فِي بعض الصَّلَوَات كالمغرب وَالْعشَاء وَالصُّبْح وَالْجُمُعَة وَصَلَاة الْعِيدَيْنِ، وَفِي بَعْضهَا كَانَ يسر كالظهر وَالْعصر، وَفِي ثَالِثَة الْمغرب وآخرتي الْعشَاء، وَفِي الاسْتِسْقَاء يجْهر عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَفِي الخسوف والكسوف لَا يجْهر عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: فيهمَا الْجَهْر، وَقَالَ الشَّافِعِي: فِي الْكُسُوف يسر، وَفِي الخسوف يجْهر. وَأما بَقِيَّة النَّوَافِل فَفِي النَّهَار لَا جهر فِيهَا، وَفِي اللَّيْل يتَخَيَّر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَفِي نوافل اللَّيْل، وَقيل: يُخَيّر بَين الْجَهْر والإسرار. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِيَّة على اسْتِحْبَاب ضم السُّورَة إِلَى الْفَاتِحَة، وَهُوَ ظَاهر الحَدِيث، وَعند أَصْحَابنَا يجب ذَلِك، وَبِه قَالَ ابْن كنَانَة من الْمَالِكِيَّة وَحكي عَن أَحْمد، وَعِنْدنَا ضم السُّورَة أَو ثَلَاث من آيَات من أَي سُورَة شَاءَ من وَاجِبَات الصَّلَاة، وَقد ورد فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة: مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد قَالَ ﷺ : (لَا صَلَاة إلاّ بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة مَعهَا) ، رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) ؛ وَفِي لفظ: (أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نَقْرَأ الْفَاتِحَة وَمَا تيَسّر) . وَفِي لفظ: (لَا تجزىء صَلَاة إلاّ بِفَاتِحَة الْكتاب وَمَعَهَا غَيرهَا) . وَفِي لفظ: وَسورَة فِي فَرِيضَة أَو فِي غَيرهَا) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مِفْتَاح الصَّلَاة الطّهُور، وتحريمها التَّكْبِير، وتحليلها التَّسْلِيم، وَلَا صَلَاة لمن لَا يقْرَأ بِالْحَمْد وَسورَة فِي فَرِيضَة أَو فِي غَيرهَا) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي نَضرة عَنهُ. قَالَ:
стр. 1594
(أمرنَا أَن نَقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب وَمَا تيَسّر) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَلَفظه: (أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نَقْرَأ الْفَاتِحَة وَمَا تيَسّر) . وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى فِي (مسنديهما) وروى ابْن عدي من حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تجزىء الْمَكْتُوبَة إلاّ بِفَاتِحَة الْكتاب وَثَلَاث آيَات فَصَاعِدا) . وروى أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ أَصْبَهَان) من حَدِيث أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تجزىء صَلَاة لَا يقْرَأ فِيهَا بِفَاتِحَة الْكتاب وَشَيْء مَعهَا) . وَقد عمل أَصْحَابنَا بِكُل الحَدِيث حَيْثُ أوجبوا قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَضم سُورَة أَو ثَلَاث آيَات مَعهَا، لِأَن هَذِه الْأَخْبَار أَخْبَار آحَاد فَلَا تثبت بهَا الْفَرْضِيَّة، وَلَيْسَ الْفَرْض عندنَا إلاّ مُطلق الْقِرَاءَة. لقَوْله تَعَالَى: ﴿فاقرؤا مَا تيَسّر من الْقُرْآن﴾ (المزمل: ٢٠) . فَأمر بِقِرَاءَة مَا تيَسّر من الْقُرْآن مُطلقًا، وتقييده بِالْفَاتِحَةِ زِيَادَة على مُطلق النَّص، وَذَا لَا يجوز فعملنا بِالْكُلِّ وأوجبنا قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَضم سُورَة أَو ثَلَاث آيَات مَعهَا، وَقُلْنَا: إِن قَوْله: (لَا صَلَاة إلاّ بِفَاتِحَة الْكتاب) مثل معنى قَوْله: (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إلاّ فِي الْمَسْجِد) ، وَصَحَّ أَيْضا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة إِيجَاب ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: وَفِي الحَدِيث أَن من لم يقْرَأ الْفَاتِحَة لم تصح صلَاته، قُلْنَا: لَا تبطل صلَاته، فَإِن تَركهَا عَامِدًا فقد أَسَاءَ، وءن تَركهَا سَاهِيا فَعَلَيهِ سَجْدَة السَّهْو. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب حد فِي الزِّيَادَة؟ قلت: قد بَينهَا فِي حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور آنِفا.
١٠٥ - (بابُ الجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْجَهْر بِقِرَاءَة صَلَاة الصُّبْح، وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر، وَلغيره: لصَلَاة الْفجْر، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْجَهْر بِقِرَاءَة الصُّبْح.
وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ والنبيُّ ﷺ يُصَلِّي ويَقْرأُ بِالطُّورِ
قد ذكرنَا فِي أول الْبَاب الَّذِي قبله أَن هَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْحَج، وَسَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَالنَّبِيّ ﷺ ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَكَذَا فِي قَوْله: (وَيقْرَأ بِالطورِ) ، أَي: بِسُورَة الطّور. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يحْتَمل أَن تكون الْبَاء بِمَعْنى: من، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿عينا يشرب بهَا عباد الله﴾ (الْإِنْسَان: ٦) . أَي: يشرب مِنْهَا. قلت: فعلى هَذَا يحْتَمل أَن تكون قِرَاءَته من بعد الطّور لَا الطّور كلهَا، وَلَكِن الَّذِي قصد بِهِ البُخَارِيّ هَهُنَا إِثْبَات جهر الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الصُّبْح، لِأَن أم سَلمَة سَمِعت قِرَاءَة النَّبِي ﷺ وَهِي وَرَاء النَّاس، وَأما كَون هَذِه الصَّلَاة صَلَاة الصُّبْح فقد بَينا وَجهه فِي أول الْبَاب الَّذِي قبله.
٧٧٧٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوانَةَ عنْ أبي بِشْرٍ عنْ سَعيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ انْطَلَقَ النبيُّ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أصْحابِهِ عامِدِينَ إلَى سُوقِ عُكَاظٍ وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فقالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قالُوا مَا حالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خعبرِ السَّماءِ إلاّ شيءٌ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأرْضِ ومَغَارِبِهَا فَانْظُرُوا مَا هذَا الَّذِي حالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ ألَى سُوقِ عُكاظٍ وَهْوَ يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفجْرِ فلمَّا سَمِعوا القُرآنَ اسْتمعُوا لهُ فقَالُوا هَذَا وَالله الَّذِي حالَ بَيْنكُمْ وبَيْنَ خبَرِ السَّماءِ فهُنالِكَ حينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهمْ وقالُوا يَا قَوْمَنا إنَّا سَمِعْنا قُرآنا عَجَبا يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فآمنَّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحدا فَأنْزلَ الله تَعَالَى علَ نبِيِّهِ ﷺ قُل أوحِيَ إلَيَّ وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ. (الحَدِيث ٧٧٣ طرفه فِي: ٤٩٢١) .
стр. 1595
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْفجْر، فَلَمَّا سمعُوا الْقُرْآن اسْتَمعُوا لَهُ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُسَدّد. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي. الثَّالِث: جَعْفَر بن أبي وحشية، وكنيته: أَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: وَاسم أبي وحشية إِيَاس. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي وكوفي.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن شَيبَان بن فروخ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد الله بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي عَن أبي الْوَلِيد مقطعا، وَعَن عَمْرو بن مَنْصُور.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي طَائِفَة) ، ذكره الْجَوْهَرِي فِي بَاب: طَوَفَ، وَقَالَ: الطَّائِفَة من الشَّيْء قِطْعَة مِنْهُ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ (النُّور: ٢) . قَالَ ابْن عَبَّاس: الْوَاحِد فَمَا فَوْقه، وَقَالَ مُجَاهِد: الطَّائِفَة الرجل الْوَاحِد إِلَى الْألف. وَقَالَ عَطاء: أقلهَا رجلَانِ. قَوْله: (عَامِدين) أَي: قَاصِدين، مَنْصُوب على الْحَال، فِي (الفصيح) فِي بَاب: فعلت، بِفَتْح الْعين: عَمَدت للشَّيْء أعمد إِذا قصدت إِلَيْهِ. وَفِي (شَرحه) للزاهد: عَن ثَعْلَب: أعمد عمدا: إِذا قصدت لَهُ خيرا كَانَ أَو شرا. وَمن الْعَرَب من يَقُول: عمدتَ أعمد عمدا وعمادا وعمدة، بِمَعْنَاهُ وَفِي (الموعب) : لِابْنِ التياني: عَن الْأَصْمَعِي لَا يُقَال: عَمَدت، بِكَسْر الْمِيم. وَفِي (شرح الزَّاهِد) وَغَيره: عمده وَعمد إِلَيْهِ وَعمد لَهُ عمودا، وَزعم ابْن دستويه أَنه لَا يتَعَدَّى إلاّ بِحرف جر. قَوْله: (فِي سوق عكاظ) قَالَ ابْن السّكيت: السُّوق أُنْثَى، وَرُبمَا ذكرت، والتأنيث أغلب لأَنهم يحقرونها: سويقة. وَفِي (الْمُحكم) : وَالْجمع أسواق، والسوقة لُغَة فِيهِ، وَفِي (الْجَامِع) : اشتقاقها من سوق النَّاس إِلَيْهَا بضائعهم. وَقَالَ السفاقسي: سميت بذلك لقِيَام النَّاس فِيهَا على سوقهم. قَوْله: (وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْفجْر) . فَإِن قلت: هَذِه الْقَضِيَّة كَانَت قبل الْإِسْرَاء، وَصَلَاة الْفجْر فرضت مَعَ بَقِيَّة الصَّلَوَات لَيْلَة الْإِسْرَاء؟ قلت: الرَّاجِح أَن الْإِسْرَاء كَانَ قبل الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ أَو ثَلَاث، فَتكون الْقَضِيَّة بعد الْإِسْرَاء. أَو نقُول: إِنَّه، ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي قبل الْإِسْرَاء قطعا، وَكَذَلِكَ أَصْحَابه، وَلَكِن اخْتلف هَل افْترض قبل الصَّلَوَات الْخمس شَيْء من الصَّلَوَات أم لَا؟ فَيصح على قَول من قَالَ: إِن الْفَرْض أَولا كَانَ قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا، فَيكون إِطْلَاق صَلَاة الْفجْر بِهَذَا الِاعْتِبَار، لَا لكَونهَا إِحْدَى الْخمس الْمَفْرُوضَة لَيْلَة الْإِسْرَاء. قَوْله: (عكاظ) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْكَاف وَفِي آخِره طاء مُعْجمَة. قَالَ الْأَزْهَرِي: هُوَ اسْم سوق من أسواق الْعَرَب وموسم من مواسم الْجَاهِلِيَّة كَانَت الْعَرَب تَجْتَمِع بِهِ كل سنة يتفاخرون بهَا، ويحضرها الشُّعَرَاء فيتناشدون مَا أَحْدَثُوا من الشّعْر. وَعَن اللَّيْث: سمي عكاظ عكاظا لِأَن الْعَرَب كَانَت تَجْتَمِع فِيهَا فيعكظ بَعضهم بَعْضًا بالمفاخرة أَي: يدعك. وَقَالَ غَيره: عكظ الرجل دَابَّته يعكظها عكظا إِذا حَبسهَا، وتعكظ الْقَوْم تعكظا إِذا تحبسوا ينظرُونَ فِي أَمرهم، وَبِه سميت عكاظ. وَفِي (الموعب) : كَانُوا يَجْتَمعُونَ بهَا فِي كل سنة فيقيمون بهَا الْأَشْهر الْحرم، وَكَانَ فِيهَا وقائع مرّة بعد أُخْرَى. وَفِي (الْمُحكم) : قَالَ اللحياني: أهل الْحجاز يجرونها وَتَمِيم لَا يجرونَ بهَا. وَفِي (الصِّحَاح) : هِيَ نَاحيَة مَكَّة، كَانُوا يَجْتَمعُونَ بهَا فِي كل سنة فيقيمون شهرا. وَقَالَ ابْن حبيب: هِيَ صحراء مستوية لَا علم فِيهَا وَلَا جبل إِلَّا مَا كَانَ من النصب الَّتِي كَانَت بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَبهَا من دِمَاء الْبدن كالأرخام الْعِظَام، وَقيل: هِيَ مَاء على نجد قريبَة من عَرَفَات. وَقيل: وَرَاء قرن الْمنَازل بمرحلة من طَرِيق صنعاء، وَهِي من عمل الطَّائِف على بريد مِنْهَا وأرضها لبني نضر، واتخذت سوقا بعد الْفِيل بِخمْس عشرَة سنة، وَتركت عَام الحرورية بِمَكَّة مَعَ الْمُخْتَار بن عَوْف سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة إِلَى هَلُمَّ جرا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عكاظ فِيمَا بَين نَخْلَة والطائف إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ الفتق، بِهِ أَمْوَال ونخيل لثقيف، بَينه وَبَين الطَّائِف عشرَة أَمْيَال، فَكَانَ سوق عكاظ يقوم صبيح هِلَال ذِي الْقعدَة عشْرين يَوْمًا، وسوق مجنة يقوم بعده عشرَة أَيَّام. وسوق ذِي الْمجَاز يقوم هِلَال ذِي الْحجَّة. وَزعم الرشاطي أَنَّهَا كَانَت تُقَام نصف ذِي الْقعدَة إِلَى آخر الشَّهْر، فَإِذا أهل ذُو الْحجَّة أَتَوا إِذا الْمجَاز وَهِي قريب من عكاظ فَيقوم سوقها إِلَى يَوْم التَّرويَة، فيسيرون إِلَى منى، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: لم يكن بعكاظ عشور وَلَا خفارة. قَوْله: (وَقد حيل) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. يُقَال: حَال الشَّيْء بيني وَبَيْنك. . أَي حجز، وأصل مصدره واوي، يَعْنِي من: الْحول، وأصل: حيل
стр. 1596
حول، نقلت كسرة الْوَاو إِلَى مَا قبلهَا بعد حذف الضمة مِنْهَا فَصَارَ: حيل. قَوْله: (بَين الشَّيَاطِين) جمع: شَيْطَان. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقد جعل سِيبَوَيْهٍ نون: الشَّيْطَان، فِي مَوضِع من كِتَابه أَصْلِيَّة، وَفِي آخر زَائِدَة، وَالدَّلِيل على أصالتها قَوْلهم: شَيْطَان، واشتقاقه من: شطن، إِذا بعد لبعده عَن الصّلاح وَالْخَيْر، أَو من: شاط، إِذا بَطل إِذا جعلت نونه زَائِدَة، وَمن أَسْمَائِهِ: الْبَاطِل. وَالشَّيَاطِين: العصاة من الْجِنّ، وهم من ولد إِبْلِيس. وَالْمرَاد أعتاهم وأغواهم، وهم أعوان إِبْلِيس ينفذون بَين يَدَيْهِ فِي الإغواء. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: كل عَاتٍ متمرد من الْجِنّ وَالْإِنْس وَالدَّوَاب شَيْطَان. وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: الشَّيَاطِين مَرَدَة الْجِنّ وأشرارهم، وَلذَلِك يُقَال للشرير: مارد وَشَيْطَان، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَيْطَان مُرِيد﴾ (الصافات: ٧) . وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: الْجِنّ منزلون على مَرَاتِب، فَإِذا ذكر الْجِنّ خَالِصا يُقَال: جني، وَإِن أُرِيد بِهِ أَنه مِمَّن يسكن مَعَ النَّاس: يُقَال: عَامر، وَالْجمع: عمار، وَإِن كَانَ مِمَّا يعرض للصبيان يُقَال: أَرْوَاح، فَإِن خبث فَهُوَ شَيْطَان، فَإِن زَاد على ذَلِك فَهُوَ مارد، فَإِن زَاد على ذَلِك وَقَوي أمره فَهُوَ عفريت، وَالْجمع: عفاريت. انْتهى. وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور ذكر وجود الْجِنّ وَوُجُود الشَّيَاطِين، ولكنهما نوع وَاحِد، غير أَنَّهُمَا صَارا صنفين بِاعْتِبَار أَمر عرض لَهما، وَهُوَ الْكفْر وَالْإِيمَان، فالكافر مِنْهُم يُسمى بالشيطان، وَالْمُؤمن بالجن. قَوْله: (وَأرْسلت عَلَيْهِم الشهب) ، بِضَم الْهَاء: جمع الشهَاب، وَهُوَ شعلة نَار ساطعة كَأَنَّهَا كَوْكَب منقضٍ، وَاخْتلف فِي الشهب: هَل كَانَت يرْمى بهَا قبل مبعث النَّبِي ﷺ أم لَا؟ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لمسنا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا ملئت حرسا شَدِيدا وشهبا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿رصدا﴾ (الْجِنّ: ٨ ٩) . فَذكر ابْن اسحاق أَن الْعَرَب أنْكرت وُقُوع الشهب، وأشدهم إنكارا ثَقِيف،، وَأَنَّهُمْ جاؤوا إِلَى رئيسهم عَمْرو بن أُميَّة بَعْدَمَا عمي فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِن كَانَت هِيَ الَّتِي يهتدى بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر فَهُوَ خراب الدُّنْيَا وزوالها، وَإِن كَانَ غَيرهَا فَهُوَ لأمر حدث، وَإِن الشَّيَاطِين استنكرت ذَلِك وضربوا فِي الْآفَاق لينظروا مَا مُوجبه، وَنَفس الْآيَة الْكَرِيمَة تدل على وجود حراسها بِمَا شَاءَ الله تَعَالَى، إلاّ أَنه قَلِيل، وَإِنَّمَا كثر عِنْد أبان مبعث سيدنَا رَسُول الله ﷺ إِذْ قَالُوا: ملئت حرسا شَدِيدا لأَنهم عهدوا حرسا، وَلكنه غير شَدِيد، وَلِأَن جمَاعَة من الْعلمَاء، مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَالزهْرِيّ، قَالُوا: مَا زَالَت الشهب مذ كَانَت الدُّنْيَا، يُؤَيّدهُ مَا فِي (صَحِيح مُسلم) من قَوْله ﷺ : (وَرمى بِنَجْم مَا كُنْتُم تَقولُونَ أَن كَانَ مثل هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّة؟ قَالُوا: يَمُوت عَظِيم أَو يُولد عَظِيم. .) الحَدِيث. وَذكر بَعضهم أَن السَّمَاء كَانَت محروسة قبل النُّبُوَّة، وَلَكِن إِنَّمَا كَانَت تقع الشهب عِنْد حُدُوث أَمر عَظِيم من عَذَاب ينزل أَو إرْسَال رَسُول إِلَيْهِم، وَعَلِيهِ تأولوا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَا نَدْرِي أشر أُرِيد بِمن فِي الأَرْض أم أَرَادَ بهم رَبهم رشدا﴾ (الْجِنّ: ١٠) . وَقيل: كَانَت الشهب مرئية مَعْلُومَة، لَكِن رجم الشَّيَاطِين وإحراقهم لم يكن إلاّ بعد نبوة سيدنَا رَسُول الله ﷺ . فَإِن قيل: كَيفَ تتعرض الْجِنّ لإتلاف نَفسهَا بِسَبَب سَماع خبر بعد أَن صَار ذَلِك مَعْلُوما لَهُم؟ أُجِيب: قد ينسيهم الله تَعَالَى ذَلِك لينفذ فيهم قَضَاؤُهُ، كَمَا قيل فِي الهدهد: إِنَّه يرى المَاء فِي تخوم الأَرْض وَلَا يرى الفخ على ظهر الأَرْض، على أَن السُّهيْلي وَغَيره زَعَمُوا أَن الشهَاب تَارَة يصيبهم فيحرقهم، وَتارَة لَا يصيبهم، فَإِن صَحَّ هَذَا فَيَنْبَغِي كَأَنَّهُمْ غير متيقنين بِالْهَلَاكِ وَلَا جازمين بِهِ. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَت الشَّيَاطِين لَا تحجب عَن السَّمَوَات، فَلَمَّا ولد عِيسَى، ﵊، منعت من ثَلَاث سموات، فَلَمَّا ولد سيدنَا رَسُول الله ﷺ منعت مِنْهَا كلهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ، ﵀، الَّذِي أميل إِلَيْهِ أَن الشهب لم تَرَ إلاّ قبل مولد النَّبِي ﷺ ، ثمَّ اسْتمرّ ذَلِك وَكثر حِين بعث، وَعَن الزُّهْرِيّ: كَانَت الشهب قَليلَة فغلظ أمرهَا وَكَثُرت حِين الْبعْثَة. وَقَالَ أَبُو الْفرج فَإِن قيل: أيزول الْكَوْكَب إِذا رجم بِهِ؟ قُلْنَا: قد يُحَرك الْإِنْسَان يَده أَو حَاجِبه فتضاف تِلْكَ الْحَرَكَة إِلَى جَمِيعه، وَرُبمَا فصل شُعَاع من الْكَوْكَب فَأحرق، وَيجوز أَن يكون ذَلِك الْكَوْكَب يفنى ويتلاشى. قَوْله: (فاضربوا) أَي: سِيرُوا فِي الأَرْض كلهَا، يُقَال: فلَان ضرب فِي الأَرْض إِذا سَار فِيهَا، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض﴾ (النِّسَاء ١٠١) . أَي: سِرْتُمْ. قَوْله: (مَشَارِق) ، مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة أَي: فِي مَشَارِق الأَرْض وَفِي مغاربها. قَوْله: (فَانْصَرف أُولَئِكَ) ، أَي: الشَّيَاطِين الَّذين توجهوا نَاحيَة تهَامَة، وَهِي بِكَسْر التَّاء. وَفِي (الموعب) : تهَامَة اسْم مَكَّة، وطرف تهَامَة من قبل الْحجاز مدارج العرج، وأولها من قبل نجد مدارج عرق، فَإِذا نسب إِلَيْهَا يُقَال: تهامي، بِفَتْح التَّاء، قَالَه أَبُو حَاتِم. وَعَن سِيبَوَيْهٍ، بِكَسْرِهَا. وَفِي (أمالي الهجري) : آخر تهَامَة أَعْلَام الْحرم الشَّامي. وَفِي كتاب الرشاطي: تهَامَة مَا ساير الْبَحْر من نجد، ونجد مَا بَين الْحجاز إِلَى الشَّام إِلَى العذيب، وَالصَّحِيح أَن مَكَّة من تهَامَة. وَقَالَ الْمَدَائِنِي: جَزِيرَة الْعَرَب خَمْسَة أَقسَام: تهَامَة ونجد وحجاز وعروض
стр. 1597
ويمن، أما تهَامَة فَهِيَ النَّاحِيَة الجنوبية من الْحجاز، وَأما نجد فَهِيَ النَّاحِيَة الَّتِي من الْحجاز وَالْعراق، وَأما الْحجاز فَهُوَ جبل يقبل من الْيمن حَتَّى يتَّصل بِالشَّام، وَفِيه الْمَدِينَة وعمان. وَأما الْعرُوض فَهِيَ الْيَمَامَة إِلَى الْبَحْرين. قَالَ: وَإِنَّمَا سمي الْحجاز حجازا لِأَنَّهُ يحجز بَين نجد وتهامة. وَمن الْمَدِينَة إِلَى طَرِيق مَكَّة إِلَى أَن يبلغ مهبط العرج حجازا أَيْضا، وَمَا وَرَاء ذَلِك إِلَى مَكَّة وَجدّة فَهُوَ تهَامَة. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: الْحجاز من الْمَدِينَة إِلَى تَبُوك، وَمن الْمَدِينَة إِلَى طَرِيق الْكُوفَة. وَمن وَرَاء ذَلِك إِلَى أَن يشارف أَرض الْبَصْرَة فَهُوَ نجد، وَمَا بَين الْعرَاق وَبَين وجرة وَعمرَة الطَّائِف نجد، وَمَا كَانَ من وَرَاء وجرة إِلَى الْبَحْر فَهُوَ تهَامَة، وَمَا كَانَ بَين تهَامَة ونجد فَهُوَ حجاز، وَقَالَ قطرب: تهَامَة من قَوْلهم: تهم الْبَعِير تهما، دخله حر، وتهم الْبَعِير إِذا استنكر المرعى وَلم يسْتَمر بِهِ، وَلحم تهم: خنز. وَيُقَال: تهَامَة وتهومة. وَقيل: سميت تهَامَة لِأَنَّهَا انخفضت عَن نجد فتهم رِيحهَا أَي تغير، وَعَن ابْن دُرَيْد: التهم شدَّة الْحر وركود الرّيح، وَسميت بهَا تهَامَة. قَوْله: (وَهُوَ بنخلة) ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف ثمَّة، وبطن نَخْلَة مَوضِع بَين مَكَّة والطائف. وَقَالَ الْبكْرِيّ: نَخْلَة، على لفظ الْوَاحِدَة من النّخل: مَوضِع على لَيْلَة من مَكَّة، وَهِي الَّتِي نسب إِلَيْهَا بطن نَخْلَة، وَهِي الَّتِي ورد الحَدِيث فِيهَا لَيْلَة الْجِنّ، وَهُوَ غير منصرف للعلمية والتأنيث. قَوْله: (عَامِدين) ، حَال، وَإِنَّمَا جمع، وَإِن كَانَ ذُو الْحَال وَاحِدًا، بِاعْتِبَار أَن أَصْحَابه مَعَه، كَمَا يُقَال: جَاءَ السُّلْطَان، وَالْمرَاد: هُوَ واتباعه، أَو جمع تَعْظِيمًا لَهُ. قَوْله: (اسْتَمعُوا لَهُ) أَي: أَنْصتُوا، وَالْفرق بَين السماع وَالِاسْتِمَاع أَن بَاب الافتعال لَا بُد فِيهِ من التَّصَرُّف، فالاستماع تصرف بِالْقَصْدِ والإصغاء إِلَيْهِ، وَالسَّمَاع أَعم مِنْهُ. قَوْله: (فهناك) ، ظرف مَكَان، وَالْعَامِل فِيهِ: قَالُوا. ويروى: (فَقَالُوا) ، بِالْفَاءِ فالعامل: رجعُوا، مُقَدرا يفسره الْمَذْكُور. قَوْله: (أُوحِي إِلَيّ) وَقَرَأَ حَيْوَة الْأَسدي: ﴿قل أُوحِي إِلَيّ﴾ (الْجِنّ: ١) . وَقَالَ الزّجاج فِي (الْمعَانِي) : الْأَكْثَر أوحيت، وَيُقَال: وحيت، فَالْأَصْل: وحى. إِلَى قَوْله: ﴿نفر من الْجِنّ﴾ (الْجِنّ: ١) . قَالَ الزّجاج: هَؤُلَاءِ النَّفر من الْجِنّ كَانُوا من نَصِيبين، وَقيل: أَنهم كَانُوا من الْيمن، وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا يهودا. وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا مُشْرِكين. وَذكر ابْن دُرَيْد أَن أَسْمَاءَهُم: شاصر وماصر والأحقب ومنشىء وناشىء، لم يزدْ شَيْئا. وَفِي (تَفْسِير الضَّحَّاك) : كَانُوا تِسْعَة من أهل نَصِيبين، قَرْيَة بِالْيمن غير الَّتِي بالعراق، وَفِي رِوَايَة عَاصِم عَن زر بن حُبَيْش: أَنهم كَانُوا سَبْعَة: ثَلَاثَة من أهل حران، وَأَرْبَعَة من نَصِيبين، ذكره الْقُرْطُبِيّ فِي (تَفْسِيره) وَعند الْحَاكِم: عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَبَطُوا على النَّبِي، ﷺ ، بِبَطن نَخْلَة وَكَانُوا تِسْعَة: أحدهم زَوْبَعَة، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد. وَعند الْقُرْطُبِيّ: كَانُوا اثْنَي عشر، وَعَن عِكْرِمَة: كَانُوا اثْنَي عشر ألفا. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَقيل: كَانُوا من بني الشيبان، وهم أَكثر الْجِنّ عددا، وهم عَامَّة جنود إِبْلِيس. قَوْله: ﴿قُرْآنًا عجبا﴾ (الْجِنّ: ١) . أَي: بديعا مُبينًا لسَائِر الْكتب فِي حسن نظمه وَصِحَّة مَعَانِيه، قَائِمَة فِيهِ دَلَائِل الإعجاز. وانتصاب: عجبا، على أَنه مصدر وضع مَوضِع التَّعَجُّب وَفِيه مُبَالغَة، وَالْعجب مَا خرج عَن حد إشكاله، ونظائره قَوْله: ﴿يهدي إِلَى الرشد﴾ (الْجِنّ: ٢) . أَي: يَدْعُو إِلَى الصَّوَاب. وَقيل: يهدي إِلَى التَّوْحِيد وَالْإِيمَان. قَوْله: ﴿فَآمَنا بِهِ﴾ (الْجِنّ: ٢) . أَي: بِالْقُرْآنِ. قَوْله: ﴿وَلنْ نشْرك بربنا أحدا﴾ (الْجِنّ: ٢) . يَعْنِي: لما كَانَ الْإِيمَان بِالْقُرْآنِ إِيمَانًا بِاللَّه وبوحدانيته وَبَرَاءَة من الشّرك قَالُوا: ﴿لن نشْرك بربنا أحدا﴾ (الْجِنّ: ٢) . قَوْله: (فَأنْزل) الله على نبيه: ﴿قل أُوحِي إليّ﴾ (الْجِنّ: ١) . أَي: قل يَا مُحَمَّد، أَي: أخبر قَوْمك مَا لَيْسَ لَهُم بِهِ علم، ثمَّ بَين فَقَالَ: ﴿أُوحي إِلَيّ أنع اسْتمع نفر من الْجِنّ﴾ (الْجِنّ: ١) . وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لما أيس رَسُول الله، ﷺ ، من خبر ثَقِيف انْصَرف عَن الطَّائِف رَاجعا إِلَى مَكَّة حَتَّى كَانَ بنخلة، قَامَ من جَوف اللَّيْل يُصَلِّي. فَمر بِهِ النَّفر من الْجِنّ الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى، وهم فِيمَا ذكر لي سَبْعَة نفر من أهل جن نَصِيبين، فَاسْتَمعُوا لَهُ، فَلَمَّا فرغ من صلَاته ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين قد آمنُوا وَأَجَابُوا إِلَى مَا سمعُوا، فَقص خبرهم عَلَيْهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أَلِيم﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ﴾ (الْأَحْقَاف: ٢٩) . إِلَى آخر الْقِصَّة من خبرهم فِي هَذِه السُّورَة، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ البُخَارِيّ بقوله: وَإِنَّمَا أُوحِي إِلَيْهِ قَول الْجِنّ،، وَأَرَادَ بقول الْجِنّ هم الَّذين قصّ خبرهم عَلَيْهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِي وَقت صرف الْجِنّ إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَكَانَ ذَلِك قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين، وَقبل الْإِسْرَاء. وَذكر الْوَاقِدِيّ: أَن رَسُول الله ﷺ خرج إِلَى الطَّائِف لثلاث بَقينَ من شَوَّال وَأقَام خمْسا وَعشْرين لَيْلَة، وَقدم مَكَّة لثلاث وَعشْرين خلت من ذِي الْقعدَة يَوْم الثُّلَاثَاء، وَأقَام بِمَكَّة ثَلَاثَة أشهر، وَقدم عَلَيْهِ جن الْحجُون فِي ربيع الأول سنة إِحْدَى
стр. 1598
عشرَة من النُّبُوَّة. الثَّانِي: أَن الْجِنّ كَانَت مُتعَدِّدَة وتعددت وفادتهم على النَّبِي ﷺ بِمَكَّة وَالْمَدينَة بعد الْهِجْرَة، وَفِي كَلَام الْبَيْهَقِيّ: أَن لَيْلَة الْجِنّ وَاحِدَة نظر. الثَّالِث: فِي الحَدِيث وجود الْجِنّ. قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه (الشَّامِل) : إِن كثيرا من الفلاسفة وجماهير الْقَدَرِيَّة وكافة الزَّنَادِقَة أَنْكَرُوا الشَّيَاطِين وَالْجِنّ رَأْسا، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الصفار فِي (شرح الْإِرْشَاد) : وَقد أنكرهم مُعظم الْمُعْتَزلَة، وَقد دلّت نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على إثباتهم. وَقَالَ أَبُو بكر الباقلاني: وَكثير من الْقَدَرِيَّة يثبتون وجود الْجِنّ قَدِيما وينفون وجودهم الْآن، وَمِنْهُم من يقر بوجودهم وَيَزْعُم أَنهم لَا يرَوْنَ لرقة أَجْسَادهم ونفوذ الشعاع. وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّهُم لَا يرَوْنَ لأَنهم لَا ألوان لَهُم. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ابْن تَيْمِية: لم يُخَالف أحد من طوائف الْمُسلمين فِي وجود الْجِنّ وَجُمْهُور طوائف الْكفَّار على إِثْبَات الْجِنّ، وَإِن وجد من يُنكر ذَلِك مِنْهُم، كَمَا يُوجد فِي بعض طوائف الْمُسلمين، كالجهمية والمعتزلة، من يُنكر ذَلِك، وَإِن كَانَ جُمْهُور الطَّائِفَة وأئمتها مقرين بذلك، وَهَذَا لِأَن وجود الْجِنّ تَوَاتَرَتْ بِهِ أَخْبَار الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، تواترا مَعْلُوما بالاضطرار. الرَّابِع: فِي ابْتِدَاء خلق الْجِنّ، وَفِي كتاب (الْمُبْتَدَأ) : عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: خلق الله الْجِنّ قبل آدم بألفي سنة. وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ الْجِنّ سكان الأَرْض وَالْمَلَائِكَة سكان السَّمَاء. وَقَالَ بَعضهم: عمروا الأَرْض ألفي سنة. وَقيل: أَرْبَعِينَ سنة. وَقَالَ إِسْحَاق بن بشر فِي (الْمُبْتَدَأ) : قَالَ أَبُو روق: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما خلق الله شوما أَبَا الْجِنّ، وَهُوَ الَّذِي خلق من مارج من نَار، فَقَالَ ﵎: تمنَّ. قَالَ أَتَمَنَّى أَن نرى وَلَا نُرى، وَأَن نغيب فِي الثرى، وَأَن يصير كهلنا شَابًّا، فَأعْطِي ذَلِك، فهم يرَوْنَ وَلَا يرَوْنَ، وَإِذا مَاتُوا غَيَّبُوا فِي الثرى، وَلَا يَمُوت كهلهم حَتَّى يعود شَابًّا، يَعْنِي: مثل الصَّبِي ثمَّ يرد إِلَى أرذل الْعُمر. قَالَ: وَخلق الله آدم، ﵇، فَقيل لَهُ: تمنَّ فتمنى الْحِيَل فَأعْطِي الْحِيَل. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَقد اخْتلف فِي أصلهم، فَعَن الْحسن: أَن الْجِنّ ولد إِبْلِيس، وَمِنْهُم الْمُؤمن وَالْكَافِر، وَالْكَافِر يُسمى شَيْطَانا. وَعَن ابْن عَبَّاس: هم ولد الجان وَلَيْسوا شياطين مِنْهُم الْكَافِر وَالْمُؤمن، وهم يموتون، وَالشَّيَاطِين ولد إِبْلِيس لَا يموتون إلاّ مَعَ إِبْلِيس، وَاخْتلفُوا فِي مآل أَمرهم على حسب اخْتلَافهمْ فِي أصلهم. فَمن قَالَ: أَنهم من ولد الجان، قَالَ: يدْخلُونَ الْجنَّة بإيمَانهمْ. وَمن قَالَ: إِنَّهُم من ذُرِّيَّة إِبْلِيس، فَعِنْدَ الْحسن: يدْخلُونَهَا، وَعَن مُجَاهِد: لَا يدْخلُونَهَا. وَقَالَ: لَيْسَ لمؤمني الْجِنّ غير نجاتهم من النَّار. قَالَ تَعَالَى: ﴿ويجركم من عَذَاب أَلِيم﴾ (الْأَحْقَاف: ٤٦) . وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة. وَيُقَال لَهُم كَالْبَهَائِمِ: كونُوا تُرَابا، وَفِي رِوَايَة عَن أبي حنيفَة أَنه تردد فيهم وَلم يجْزم. وَقَالَ آخَرُونَ: يعاقبون فِي الْإِسَاءَة ويجازون فِي الْإِحْسَان كالأنس، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَابْن أبي ليلى لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ (الْأَنْعَام: ١٣٢) . بعد قَوْله: ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ (الْأَنْعَام: ١٣٠) . الْآيَات. الْخَامِس: فِيهِ دلَالَة على أَن النَّبِي ﷺ جهر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة الْفجْر، وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ. السَّادِس: فِيهِ دلَالَة على مَشْرُوعِيَّة الْجَمَاعَة فِي الصَّلَاة فِي السّفر، وَأَنَّهَا شرعت من أول النُّبُوَّة. السَّابِع: أَن النَّبِي ﷺ أرسل إِلَى الْأنس وَالْجِنّ، وَلم يُخَالف أحد من طوائف الْمُسلمين فِي أَن الله تَعَالَى أرسل مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى الْجِنّ وَالْإِنْس، لقَوْله ﵊: (بعثت إِلَى النَّاس عَامَّة) . فِي حَدِيث جَابر فِي (الصَّحِيحَيْنِ) . قَالَ الْجَوْهَرِي: النَّاس قد يكون من الْإِنْس وَمن الْجِنّ، وَقد أخبر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن أَن الْجِنّ اسْتَمعُوا الْقُرْآن، وَأَنَّهُمْ آمنُوا بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ﴾ (الْأَحْقَاف: ٢٩) . إِلَى قَوْله: ﴿أُولئك فِي ضلال مُبين﴾ (الْأَحْقَاف: ٣٢) . ثمَّ أمره الله أَن يخبر النَّاس بذلك ليعلم الْإِنْس بأحوالها وَأَنه مَبْعُوث إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ.
٧٧٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ عَكْرِمَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قالَ قرأَ النبيُّ ﷺ فِيمَا أُمِرَ وسَكتَ فِيمَا أُمِرَ وَمَا كانَ ربَكَ نَسِيَّا ولَقدْ كانَ لَكُمْ فِي رسولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنةٌ
مطابقته للتَّرْجَمَة تظهر من قَوْله: (قَرَأَ النَّبِي ﷺ فِيمَا أَمر) ، لِأَن مَعْنَاهُ: جهر بِالْقِرَاءَةِ فِيمَا أَمر بِالْقِرَاءَةِ، وَإِنَّمَا صَحَّ أَن يُقَال: معنى قَرَأَ: جهر بِالْقِرَاءَةِ، لِأَن معنى قسيمه، وَهُوَ قَوْله: (سكت فِيمَا أَمر) ، أَي: اسر فِيمَا أَمر بإسرار الْقِرَاءَة. وَلَا يُقَال: معنى سكت: ترك الْقِرَاءَة، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يزَال إِمَامًا، فَلَا بُد لَهُ من الْقِرَاءَة سرا أَو جَهرا، وَقد تظاهرت الْأَخْبَار وتواترت
стр. 1599
الأثار أَنه كَانَ يجْهر فِي أولى الْعشَاء وَالْمغْرب وَفِي الصُّبْح، فَنَاسَبَ الحَدِيث التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْفجْر دَاخل فِي الَّذِي جهر فِيهِ. وَمِمَّا يُؤَكد مَا قُلْنَا قَول ابْن عَبَّاس فِي آخر الحَدِيث: (لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة) ، لِأَنَّهُ قد ثَبت بالروايات أَنه ﷺ قَرَأَ فِي الصُّبْح جَهرا، فَهُوَ كَانَ مَأْمُورا بالجهر، وَنحن مأمورون بالأسوة بِهِ، فَبين لنا الْجَهْر، وَهُوَ الْمَطْلُوب. فَإِن قلت: قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِيرَاد حَدِيث ابْن عَبَّاس هَهُنَا يغاير مَا تقدم من إِثْبَات الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة، لِأَن مَذْهَب ابْن عَبَّاس ترك الْقِرَاءَة فِي السّريَّة قلت: لَا نسلم الْمُغَايرَة الْمَذْكُورَة، بل إِيرَاد هَذَا الحَدِيث يدل على إِثْبَات ذَلِك، لِأَنَّهُ احْتج على مَا ذكره فِي صدر الحَدِيث بِمَا ذكره فِي آخِره من وجوب الإيتساء بِالنَّبِيِّ ﷺ فِيمَا ورد عَنهُ، وَقد ورد عَنهُ الْجَهْر والإسرار، على أَنه قد روى عَنهُ أَبُو الْعَالِيَة الْبَراء ثُبُوت الْقِرَاءَة فِي الظّهْر وَالْعصر، على خلاف مَا رُوِيَ عَنهُ من نفي الْقِرَاءَة فيهمَا، وَقد ذَكرْنَاهُ مستقصىً فِيمَا مضى.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُسَدّد. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن علية. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: عِكْرِمَة، مولى ابْن عَبَّاس. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني. .
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِيمَا أَمر) ، بِضَم الْهمزَة، والآمر هُوَ الله تَعَالَى. قَوْله: (نسيا) بِفَتْح النُّون وَكسر السِّين وَتَشْديد الْيَاء، وَأَصله: نسي، بياءين، على وزن: فعيل:، فأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، وفعيل هُنَا بِمَعْنى: فَاعل، أَي: وَمَا كَانَ رَبك نسيا، أَي: تَارِكًا، لِأَن النسْيَان فِي اللُّغَة التّرْك، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ (التَّوْبَة: ٦٧) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٧) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَذَا الْكَلَام من أَي الأساليب؟ إِذْ النسْيَان مُمْتَنع على الله تَعَالَى؟ قلت: هُوَ من أسلوب التَّجَوُّز، أطلق الْمَلْزُوم وَأَرَادَ اللَّازِم، إِذْ نِسْيَان الشَّيْء مُسْتَلْزم لتَركه. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه إِنَّمَا يمشي إِذا كَانَ من النسْيَان الَّذِي هُوَ خلاف الذّكر على مَا لَا يخفى. وَقَالَ أَيْضا: لِمَ مَا قلت: إِنَّه كِنَايَة؟ ثمَّ أجَاب بِأَن شَرط الْكِنَايَة إِمْكَان إِرَادَة مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ، وَهنا مُمْتَنع، وَشَرطهَا أَيْضا الْمُسَاوَاة فِي اللُّزُوم، وَهَهُنَا التّرْك لَيْسَ مستلزما للنسيان، إِذْ قد يكون التّرْك بالعمد. هَذَا عِنْد أهل الْمعَانِي. وَأما عِنْد الأصولي فالكناية أَيْضا نوع من الْمجَاز. قلت: على مَا ذكره أهل الْأُصُول يجوز الْوَجْهَانِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَو شَاءَ لله أَن يتْرك بَيَان أَحْوَال الصَّلَاة وأقوالها حَتَّى يكون قُرْآنًا متلوا لفعل، وَلم يتْركهُ عَن نِسْيَان، وَلكنه وكل الْأَمر فِي ذَلِك لنَبيه ﷺ ، ثمَّ أمرنَا بالاقتداء بِهِ، وَهُوَ معنى قَوْله لنَبيه ﷺ : ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ (النَّحْل: ٤٤) . وَلم تخْتَلف الْأمة فِي أَن أَفعاله الَّتِي هِيَ بَيَان مُجمل الْكتاب وَاجِبَة، كَمَا لم يَخْتَلِفُوا فِي أَن أَفعاله الَّتِي هِيَ من نوم وَطَعَام وشبههما غير وَاجِبَة، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي أَفعاله الَّتِي تتصل بِأَمْر الشَّرِيعَة مِمَّا لَيْسَ بِبَيَان مُجمل الْكتاب، فَالَّذِي يخْتَار إِنَّهَا وَاجِبَة قَوْله: (أُسْوَة) ، بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا، قرىء بهما، وَمَعْنَاهَا: الْقدْوَة.
١٠٦ - (بابُ الجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ والقِرَاءَةِ بالخَوَاتِيمِ وبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ وَبِأوَّلِ سُورَةٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْجمع بَين السورتين فِي الرَّكْعَة الْوَاحِدَة من الصَّلَاة، وَفِي بَيَان قِرَاءَة الخواتيم، أَي: خَوَاتِيم السُّور أَي: أواخرها، وَفِي بَيَان حكم قِرَاءَة سُورَة قبل سُورَة، وَهُوَ أَن يَجْعَل سُورَة مُتَقَدّمَة على الْأُخْرَى فِي تَرْتِيب الْمُصحف، مُتَأَخِّرَة فِي الْقِرَاءَة. وَهَذَا أَعم من أَن تكون فِي رَكْعَة أَو رَكْعَتَيْنِ. قَوْله: (وبأول سُورَة) ، أَي: وبالقراءة بِأول سُورَة، هَذِه التَّرْجَمَة تشْتَمل على أَرْبَعَة أَجزَاء، قد ذكر للثَّلَاثَة مِنْهَا مَا يطابقها من الحَدِيث والأثر، وَلم يذكر شَيْئا للجزء الثَّانِي، وَهُوَ قَوْله: (وَالْقِرَاءَة بالخواتيم) ، قَالَ بَعضهم: وَأما الْقِرَاءَة بالخواتيم فتؤخذ من إِلْحَاق الْقِرَاءَة بالأوائل، وَالْجَامِع بَينهمَا أَن كِلَاهُمَا بعض سُورَة. قلت: الأولى أَن يُؤْخَذ ذَلِك من قَول قَتَادَة: كلٌّ كتاب الله، .
стр. 1600
وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ الله بن السَّائِبِ قَرَأ النبيُّ ﷺ المُؤْمِنُونَ فِي الصُّبْحِ حَتَّى إذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وهَارُونَ أوْ ذِكْرُ عِيسَى أخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ
مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للجزء الرَّابِع للتَّرْجَمَة، لِأَن التَّرْجَمَة أَرْبَعَة أَجزَاء: فالجزء الرَّابِع هُوَ قَوْله: وبأول سُورَة، وَالَّذِي رَوَاهُ عبد الله بن السَّائِب يدل على أَنه ﷺ قَرَأَ أول سُورَة الْمُؤمنِينَ إِلَى أَن وصل إِلَى قَوْله: ﴿ثمَّ أرسلنَا مُوسَى وأخاه هَارُون﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٤٥) . أَخَذته سعلة فَقطع الْقِرَاءَة وَلم يكمل السُّورَة، فَدلَّ على أَنه لَا بَأْس بِقِرَاءَة بعض سُورَة والاقتصار عَلَيْهِ من غير تَكْمِيل السُّورَة، على مَا يَجِيء بَيَانه الْآن، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره البُخَارِيّ بِلَفْظ: يذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهُوَ صِيغَة التمريض لِأَن فِي إِسْنَاده اخْتِلَافا على ابْن جريج، فَقَالَ عُيَيْنَة: عَنهُ عَن أبي مليكَة عَن عبد الله السَّائِب، قَالَ أَبُو عَاصِم: عَنهُ عَن مُحَمَّد بن عباد عَن أبي سَلمَة ابْن سُفْيَان أَو سُفْيَان ابْن أبي سَلمَة عَن عبد الله بن السَّائِب، وَوَصله مُسلم فِي (صَحِيحه) وَقَالَ: حَدثنِي هَارُون بن عبد الله، قَالَ: حَدثنَا حجاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج وحَدثني مُحَمَّد بن رَافع، وتقاربا فِي اللَّفْظ، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أخبرنَا ابْن جريج: قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عباد بن جَعْفَر يَقُول: أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة ابْن سُفْيَان وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَعبد الله بن الْمسيب العابدي، عَن عبد الله بن السَّائِب قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله ﷺ الصُّبْح بِمَكَّة فَاسْتَفْتَحَ سُورَة الْمُؤمنِينَ حَتَّى جَاءَ ذكر مُوسَى وَهَارُون، أَو ذكر عِيسَى، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، شكّ مُحَمَّد بن عباد أَو وَاخْتلفُوا عَلَيْهِ، أخذت النَّبِي، ﷺ ، سعلة فَرَكَعَ وَعبد الله بن السَّائِب حَاضر ذَلِك) . وَفِي حَدِيث عبد الرَّزَّاق فَحذف: (فَرَكَعَ) ، وَفِي حَدِيثه: وَعبد الله بن عَمْرو وَلم يقل: ابْن الْعَاصِ، وَعبد الله بن السَّائِب ابْن أبي السَّائِب، واسْمه: صَيْفِي بن عَابِد، بِالْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله ابْن عمر بن مَخْزُوم القريشي المَخْزُومِي الْقَارِي) يكنى: أَبَا السَّائِب، وَقيل: أَبُو عبد الرَّحْمَن، سمع رَسُول الله ﷺ توفّي بِمَكَّة قبل ابْن الزبير بِيَسِير، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله ﷺ سَبْعَة أَحَادِيث، وروى لَهُ مُسلم هَذَا الحَدِيث فَقَط، وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث عَن عبد الله بن السَّائِب، وَلَفظه: (حضرت رَسُول الله ﷺ غَدَاة الْفَتْح صَلَاة الصُّبْح فَاسْتَفْتَحَ بِسُورَة الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا أَتَى على ذكر مُوسَى وَعِيسَى أَو مُوسَى وهرون أَخَذته سعلة فَرَكَعَ) . انْتهى. وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده ذكر عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَلَا ذكر عبد الله بن الْمسيب، بل فِيهِ: عَن أبي سَلمَة عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن السَّائِب، وَقَالَ النَّوَوِيّ: ابْن الْعَاصِ غلط عِنْد الْحفاظ، وَلَيْسَ هَذَا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ الصَّحَابِيّ الْمَعْرُوف، بل هُوَ تَابِعِيّ حجازي. وَفِي (مُصَنف عبد الرَّزَّاق) : عَن عبد الله بن عَمْرو الْقَارِي، وَهُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (قَرَأَ النَّبِي ﷺ الْمُؤمنِينَ) أَي: سُورَة الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (أَو ذكر عِيسَى) ، هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٥٠) . وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ على ذكر مُوسَى وَعِيسَى هُوَ قَوْله: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٤٩) . ﴿وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٥٠) . قَوْله: (أَخَذته سعلة) ، بِفَتْح السِّين وَضمّهَا، وَعند ابْن مَاجَه: (فَلَمَّا بلغ ذكر عِيسَى وَأمه أَخَذته سعلة، أَو قَالَ: شهقة) . وَفِي رِوَايَة: (شرقة) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف. قَوْله فِي مُسلم: (الصُّبْح بِمَكَّة) ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: (يَوْم الْفَتْح) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: اسْتِحْبَاب الْقِرَاءَة الطَّوِيلَة فِي صَلَاة الصُّبْح، وَلَكِن على قدر حَال الْجَمَاعَة. وَفِيه: جَوَاز قطع الْقِرَاءَة، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَلَا كَرَاهَة إِن كَانَ الْقطع لعذر، وَإِن لم يكن لعذر فَلَا كَرَاهَة أَيْضا عِنْد الْجُمْهُور، وَعَن مَالك فِي الْمَشْهُور كَرَاهَته. وَفِيه: جَوَاز الْقِرَاءَة بِبَعْض السُّور، وَفِي (شرح الْهِدَايَة) : إِن قَرَأَ بعض سُورَة فِي رَكْعَة وَبَعضهَا فِي الثَّانِيَة الصَّحِيح أَنه لَا يكره، وَقيل: يكره، وَيُجَاب عَن حَدِيث سعلته ﷺ أَنه إِنَّمَا كَانَ قِرَاءَته لبعضها لأجل السعلة، والطَّحَاوِي منع هَذَا الْجَواب فِي (مَعَاني الْآثَار) ، فَقَالَ عقيب رِوَايَة حَدِيث السعلة: فَإِن قَالَ قَائِل: إِنَّمَا فعل ذَلِك للسعلة الَّتِي عرضت، قيل لَهُ: فَإِنَّهُ قد رُوِيَ عَنهُ أَنه كَانَ يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر بآيتين من الْقُرْآن، وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي: بَاب الْقِرَاءَة فِي رَكْعَتي الْفجْر. انْتهى. قلت: الَّذِي ذكره فِي هَذَا الْبَاب هُوَ مَا رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس، أَنه قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر فِي الأولى مِنْهُمَا: ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ (الْبَقَرَة: ١٣٦) . الْآيَة، وَفِي الثَّانِيَة: ﴿آمنا بِاللَّه وَأشْهد بِأَنا مُسلمُونَ﴾ (آل عمرَان: ٥٢) .
وقَرَأ عُمَرُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المَثَانِي
стр. 1601
مطابقته لجزء من أَجزَاء التَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة، وَلكنه يدل على تَطْوِيل الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَة الأولى على الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة لِأَن التَّيْمِيّ فسر المثاني بِمَا لم يبلغ مائَة آيَة، وَقيل: المثاني عشرُون سُورَة، والمئون إِحْدَى عشرَة سُورَة، وَقَالَ أهل اللُّغَة: سميت مثاني لِأَنَّهَا ثنت المئين، أَي: أَتَت بعْدهَا. وَفِي (الْمُحكم) : المثاني من الْقُرْآن مَا ثنى مرّة بعد مرّة، وَقيل: فَاتِحَة الْكتاب، وَقيل: سور أَولهَا الْبَقَرَة وَآخِرهَا بَرَاءَة. وَقيل: الْقُرْآن الْعَظِيم كُله مثاني، لِأَن الْقَصَص والأمثال ثنيت فِيهِ، وَقيل: سميت المثاني لكَونهَا قصرت عَن المئين وتزيد على الْمفصل، كَأَن المئين جعلت مبادىء، وَالَّتِي تَلِيهَا مثاني، ثمَّ الْمفصل: وَعَن ابْن مَسْعُود وَطَلْحَة ابْن مصرف: المئون إِحْدَى عشرَة سُورَة، والمثاني عشرُون سُورَة، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَمن تبعه من الشُّرَّاح: وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن عبد الْأَعْلَى عَن الْجريرِي عَن أبي الْعَلَاء عَن أبي رَافع، قَالَ: كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يقْرَأ فِي الصُّبْح بِمِائَة من الْبَقَرَة، ويتبعها بِسُورَة من المثاني، أَو: من صُدُور الْمفصل، وَيقْرَأ بِمِائَة من آل عمرَان ويتبعها بِسُورَة من المثاني، أَو من صُدُور الْمفصل. قلت: فِي لفظ مَا ذكره البُخَارِيّ فصل بقوله: فِي الرَّكْعَة الأولى، وَفِي الثَّانِيَة وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: لم يفصل، وَيحْتَمل أَن تكون قِرَاءَته بِمِائَة من الْبَقَرَة وإتباعها بِسُورَة من الْمفصل فِي الرَّكْعَة الأولى وَحدهَا، وَفِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة كَذَلِك، وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، فعلى الِاحْتِمَال الأول تظهر الْمُطَابقَة بَينه وَبَين الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة. فَإِن قلت: الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة الْجمع بَين السورتين، وَهَذَا على مَا ذكرت جمع بَين سُورَة وَبَعض من سُورَة. قلت: الْمَقْصُود من الْجمع بَين السورتين أَعم من أَن يكون بَين سورتين كاملتين، أَو بَين سُورَة كَامِلَة وَبَين شَيْء من سُورَة أُخْرَى.
وقَرَأَ الأَحْنَفُ بِالكَهْفِ فِي الأولى وفِي الثَّانِيَةِ بِيوسُفَ أوْ يُونُسَ وذَكَرَ أنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الصُّبْحَ بِهِمَا
مطابقته للجزء الثَّالِث للتَّرْجَمَة، وَهِي: أَن يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى سُورَة ثمَّ يقْرَأ فِي الثَّانِيَة سُورَة فَوق تِلْكَ السُّورَة. والأحنف، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَفِي آخِره فَاء: ابْن قيس بن معدي كرب الْكِنْدِيّ الصَّحَابِيّ، وَقد مر ذكره فِي: بَاب الْمعاصِي، فِي كتاب الْإِيمَان. قَوْله: (وَذكر) أَي: ذكر الْأَحْنَف (أَنه صلى مَعَ عمر) أَي: وَرَاء عمر، (الصُّبْح) أَي: صَلَاة الصُّبْح (بهما) ، أَي: بالكهف فِي الأولى وبإحدى السورتين فِي الثَّانِيَة أَي: بِيُوسُف أَو يُونُس.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : حَدثنَا مخلد بن جَعْفَر حَدثنَا جَعْفَر الْفرْيَابِيّ حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن بديل عَن عبد الله ابْن شَقِيق، قَالَ: (صلى بِنَا الْأَحْنَف بن قيس الْغَدَاء فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَة الأولى بالكهف، وَفِي الثَّانِيَة بِيُونُس، وَزعم أَنه صلى خلف عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَرَأَ فِي الأولى بالكهف وَالثَّانيَِة بِيُونُس) . وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا مُعْتَمر عَن الزُّهْرِيّ بن الْحَارِث عَن عبد الله بن قيس عَن الْأَحْنَف، قَالَ: (صليت خلف عمر الْغَدَاة فَقَرَأَ بِيُونُس وَهود وَنَحْوهمَا) . وعد أَصْحَابنَا هَذَا الصَّنِيع مَكْرُوها، فَذكر فِي (الْخُلَاصَة) : وَإِن قَرَأَ فِي الرَّكْعَة سُورَة وَفِي رَكْعَة أُخْرَى سُورَة فَوق تِلْكَ السُّورَة أَو فعل ذَلِك فِي رَكْعَة فَهُوَ مَكْرُوه. قلت: فكأنهم نظرُوا فِي هَذَا إِلَى أَن رِعَايَة التَّرْتِيب العثماني مُسْتَحبَّة، وَبَعْضهمْ قَالَ: هَذَا فِي الْفَرَائِض دون النَّوَافِل، وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يقْرَأ سُورَة قبل سُورَة. قَالَ: وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك من عمل النَّاس. وَذكر فِي (شرح الْهِدَايَة) أَيْضا: أَنه مَكْرُوه. قَالَ: وَعَلِيهِ جُمْهُور الْعلمَاء، مِنْهُم أَحْمد. وَقَالَ عِيَاض: هَل تَرْتِيب السُّور من تَرْتِيب النَّبِي، ﷺ ، أَو من اجْتِهَاد الْمُسلمين؟ قَالَ ابْن الباقلاني: الثَّانِي أصح الْقَوْلَيْنِ مَعَ احتمالهما، وتأولوا النَّهْي عَن قِرَاءَة الْقُرْآن منكوسا على من يقْرَأ من آخر السُّورَة إِلَى أَولهَا، وَأما تَرْتِيب الْآيَات فَلَا خلاف أَنه تَوْقِيف من الله تَعَالَى على مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآن فِي الْمُصحف.
وقَرَأَ ابنُ مَسْعُودٍ بِأرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأنْفَالِ وفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المُفَصَّلِ
стр. 1602
مطابقته للجزء الرَّابِع من التَّرْجَمَة. وَهُوَ قَوْله: (بِأول سُورَة) ، فَإِن قلت: هَذَا لَا يدل على أَنه قَرَأَ أَرْبَعِينَ آيَة من أول الْأَنْفَال فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون من أَوله، وَيحْتَمل أَن يكون من أوسطه. قلت: هَذَا الْأَثر رَوَاهُ سعد بن مَنْصُور بِلَفْظ: (فَافْتتحَ الْأَنْفَال) ، والافتتاح لَا يكون إلاّ من الأول، أَي: قَرَأَ عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِأَرْبَعِينَ آيَة من سُورَة الْأَنْفَال فِي الرَّكْعَة الأولى، وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة بِسُورَة من الْمفصل، وَهُوَ من سُورَة الْقِتَال أَو الْفَتْح أَو الحجرات أَو قَاف إِلَى آخر الْقُرْآن.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق بِلَفْظِهِ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ عَنهُ، وَأخرجه هُوَ وَسَعِيد بن مَنْصُور من وَجه آخر عَن عبد الرَّحْمَن بِلَفْظ (فَافْتتحَ الْأَنْفَال حَتَّى بلغ) ﴿وَنعم النصير﴾ (الْأَنْفَال: ٤٠) . انْتهى. وَهَذَا الْموضع هُوَ رَأس أَرْبَعِينَ آيَة.
وَقَالَ قَتَادةُ فِيمَنْ يَقْرأُ سُورَةً واحِدةً فِي رَكْعَتَيْنِ أوْ يُرَدِّدُ سُورةً واحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ كُلٌّ كِتَابُ الله
قَوْله: (وَقَالَ قَتَادَة) . هَذَا لَا يُطَابق شَيْئا من أَجزَاء التَّرْجَمَة، فَكَأَن البُخَارِيّ أورد هَذَا تَنْبِيها على جَوَاز كل مَا ذكر من الْأَجْزَاء الْأَرْبَعَة فِي التَّرْجَمَة، وَغَيرهَا أَيْضا لِأَنَّهُ قَالَ: كل، أَي: كل ذَلِك كتاب الله، ، فعلى أَي وَجه يقْرَأ هُوَ كتاب الله تَعَالَى فَلَا كَرَاهَة فِيهِ، وَذكر فِيهِ صُورَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا: أَن يقْرَأ سُورَة وَاحِدَة فِي رَكْعَتَيْنِ، بِأَن يفرق السُّورَة فيهمَا. وَالثَّانيَِة: أَن يُكَرر سُورَة وَاحِدَة فِي رَكْعَتَيْنِ بِأَن يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة السُّورَة الَّتِي قَرَأَهَا فِي الرَّكْعَة الأولى. أما الصُّورَة الأولى فَلَمَّا روى النَّسَائِيّ، من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ فِي الْمغرب بِسُورَة الْأَعْرَاف فرقها فِي رَكْعَتَيْنِ) ، وروى ابْن أبي شيبَة أَيْضا من حَدِيث أبي أَيُّوب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ فِي الْمغرب بالأعراف فِي رَكْعَتَيْنِ) ، وَعَن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَرَأَ بالبقرة فِي الْفجْر فِي الرَّكْعَتَيْنِ. وَقَرَأَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بآل عمرَان فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين من الْعشَاء قطعهَا فيهمَا، وَنَحْوه عَن سعيد بن جُبَير وَابْن عمر وَالشعْبِيّ وَعَطَاء. وَأما الصُّورَة الثَّانِيَة فَلَمَّا روى أَبُو دَاوُد: أخبرنَا أَحْمد بن صَالح أخبرنَا ابْن وهب قَالَ: أَخْبرنِي عَمْرو بن أبي هِلَال عَن معَاذ ابْن عبد الله الْجُهَنِيّ: (أَن رجلا من جُهَيْنَة أخبرهُ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يقْرَأ فِي الصُّبْح: إِذا زلزلت، فِي الرَّكْعَتَيْنِ كلتيهما، فَلَا أَدْرِي أنسي رَسُول الله ﷺ أم قَرَأَ ذَلِك عمدا؟) وَبِهَذَا اسْتدلَّ بعض أَصْحَابنَا أَنه إِذا كرر سُورَة فِي رَكْعَتَيْنِ لَا يكره، وَقيل: يكره، وَقد ذكر فِي (الْمَبْسُوط) : أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يفعل، وَإِن فعل فَلَا بَأْس بِهِ، وَالْأَفْضَل أَن يقْرَأ فِي كل رَكْعَة فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة كَامِلَة فِي الْمَكْتُوبَة.
٧٧٤ - وقالَ عُبَيْدُ الله عنْ ثَابِتٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كانَ رَجُلٌ مِنَ الأنصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ وكانَ كُلَّما افْتتَحَ سُورةً يَقْرأُ بِها لَهُمْ فِي الصلَاةِ مِمَّا يَقرأُ بهِ افْتَتحَ بِقُلْ هُوَ الله أحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْها ثُمَّ يَقرأُ سُورةً أُخْرَى مَعَها وكانَ يَصْنعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعةٍ فَكَلَّمَهُ أصْحابُهُ فقالُوا إنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرى أنَّهَا تجْزِئُكَ حَتى تَقْرأَ بِأُخْرَى فإمَّا أنْ تَقْرأ بِهَا وإمَّا أنْ تَدَعَهَا وتَقْرَأَ بِأُخْرَى فقالَ مَا أَنا بِتَارِكِهَا إنْ أحْبَبْتُمْ أنْ أؤمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ وإنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ وكَانُوا يرَوْنَ أنَّهُ مِنْ أفْضَلِهِمْ وكَرِهُوا أنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ فَلمَّا أتاهُمُ النبيُّ ﷺ أخْبَرُوهُ الخَبرَ فَقَالَ يَا فُلانُ مَا يَمْنَعَكَ أنْ تَفْعَلَ مَا يَأمُرُكَ بِهِ أصْحَابُكَ ومَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فقالَ أنِّي أحِبُّهَا فقالَ حُبُّكَ إيَّاهَا أدْخَلَكَ الجَنَّةَ.
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة، وَهُوَ الْجمع بَين السورتين فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِن الإِمَام فِي هَذَا الحَدِيث كَانَ إِذا افْتتح
стр. 1603
الصَّلَاة: بقل هُوَ الله أحد، يقْرَأ سُورَة أُخْرَى بعد فَرَاغه، من: قل هُوَ الله أحد، وَكَانَ يفعل ذَلِك ذَلِك فِي كل رَكْعَة، وَهَذَا هُوَ الْجمع بَين السورتين فِي رَكْعَة.
ذكر رِجَاله: وهم ثَلَاثَة: الأول: عبيد الله بن عمر بن حَفْص عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: ثَابت الْبنانِيّ. الثَّالِث: أنس بن مَالك. وَهَذَا تَعْلِيق بِصِيغَة التَّصْحِيح وَصله التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه) عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، قَالَ: حَدثنِي عبد العزير بن مُحَمَّد عَن عبيد الله بن عَمْرو عَن ثَابت عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكره بِنَحْوِهِ، وَقَالَ: صَحِيح غَرِيب من حَدِيث عبيد الله عَن ثَابت.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ رجل من الْأَنْصَار) هُوَ كُلْثُوم بن هدم، كَذَا ذكره أَبُو مُوسَى فِي (كتاب الصَّحَابَة) ، وَالْهدم، بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الدَّال: وَهُوَ من بني عَمْرو بن عَوْف سكان قبَاء، وَعَلِيهِ نزل النَّبِي ﷺ لما قدم فِي الْهِجْرَة إِلَى قبَاء، وَقيل: هُوَ قَتَادَة بن النُّعْمَان، وَلَيْسَ بِصَحِيح، فَإِن فِي قصَّة قَتَادَة أَنه كَانَ يقْرؤهَا فِي اللَّيْل يُرَدِّدهَا، لَيْسَ فِيهِ أَنه أم بهَا، لَا فِي سفر وَلَا فِي حضر، وَلَا أَنه سُئِلَ عَن ذَلِك وَلَا بشر. قَوْله: (سُورَة يقْرؤهَا) سُورَة، بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول: يفْتَتح، وَيقْرَأ، فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ صفة لسورة. قَوْله: (مِمَّا يقْرَأ بِهِ) أَي: كلماافتتح بِسُورَة افْتتح بِسُورَة: قل هُوَ الله أحد، لَا يُقَال: إِذا افْتتح بالسورة، كَيفَ يكون الِافْتِتَاح: بقل هُوَ الله أحد؟ لِأَن المُرَاد إِذا أَرَادَ الِافْتِتَاح بِسُورَة افْتتح أَولا بِسُورَة: قل هُوَ الله أحد. قَوْله: (مَعهَا) أَي: مَعَ قل هُوَ الله أحد. قَوْله: (فَكَانَ يصنع ذَلِك) ، أَي: الَّذِي ذكره مَعَ أَنه، إِذا افْتتح بِسُورَة افْتتح أَولا بقل هُوَ الله أحد. قَوْله: (إِنَّهَا لَا تجزيك) أَي: إِن السُّورَة الَّتِي تفتتح بهَا لَا تجزيك، بِفَتْح التَّاء ويروى بِضَم التَّاء، فَالْأول من: جزى يَجْزِي أَي: كفى، وَالثَّانِي من: الْإِجْزَاء. قَوْله: (أَن تدعها) أَي: تتركها وتقرأ سُورَة أُخْرَى غير قل هُوَ الله أحد. قَوْله: (أَخْبرُوهُ الْخَبَر) ، وَهُوَ الْمَعْهُود من ملازمته لقِرَاءَة سُورَة قل هُوَ الله أحد. قَوْله: (مَا يَأْمُرك بِهِ أَصْحَابك) مَعْنَاهُ: مَا يَقُول لَك أَصْحَابك، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا أَمر مصطلح، لِأَن الْأَمر هُوَ قَول الْقَائِل لغيره: إفعل، على سَبِيل الاستعلاء. وَقَول الْكرْمَانِي: إِن الاستعلاء فِي الْأَمر لَا يشْتَرط غير موجه، وَأما صُورَة الْأَمر الَّذِي لَا استعلاء فِيهِ لَا يُسمى أمرا، وَإِنَّمَا يُسمى التماسا، وَكلمَة: (مَا) فِي: (مَا يَأْمُرك بِهِ) مَوْصُولَة. وَفِي قَوْله: (مَا يحملك؟) استفهامية، وَمَعْنَاهُ: مَا الْبَاعِث لَك فِي الْتِزَام مَا لَا يلْزم من قِرَاءَة سُورَة: قل هُوَ الله أحد، فِي كل رَكْعَة؟ قَوْله: (قَالَ إِنِّي أحبها) أَي: أحب سُورَة: قل هُوَ الله أحد، وَهُوَ جَوَاب لسؤال رَسُول الله، ﷺ . فَإِن قلت: السُّؤَال شيآن، وَالْجَوَاب عَن أَيهمَا؟ فَإِن قلت: عَن الثَّانِي، وَلَا يكون عَن الأول أَيْضا لأَنهم خيروه بَين قِرَاءَته لَهَا فَقَط وَقِرَاءَة غَيرهَا. فَلَا يَصح أَن يَقُول: محبتي لَهَا هُوَ الْمَانِع من اخْتِيَاري قرَاءَتهَا فَقَط، وَإِنَّمَا مَا أجَاب عَن الأول فَقَط لِأَنَّهُ يعلم مِنْهُ، فَكَانهُ قَالَ: أقرؤها لمحبتي لَهَا، وااقرأ سُورَة أُخْرَى إِقَامَة للسّنة كَمَا هُوَ الْمَعْهُود فِي الصَّلَاة، فالمانع مركب من الْمحبَّة وعهد الصَّلَوَات. قَوْله: (حبك إِيَّاهَا) أَي: حبك لسورة قل هُوَ الله أحد، وَالْحب مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وارتفاعه بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره. قَوْله: (أدْخلك الْجنَّة) وَمَعْنَاهُ: يدْخلك الْجنَّة، لِأَن الدُّخُول فِي الْمُسْتَقْبل، وَلكنه لما كَانَ مُحَقّق الْوُقُوع فَكَأَنَّهُ قد وَقع فَأخْبر بِلَفْظ الْمَاضِي.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز الْجمع بَين السورتين فِي رَكْعَة وَاحِدَة، وَعَلِيهِ جُزْء من التَّبْوِيب، وَإِلَيْهِ ذهب سعيد بن جُبَير وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وعلقمة وسُويد بن غَفلَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة، ويروى ذَلِك عَن عُثْمَان وَحُذَيْفَة وَابْن عمر وَتَمِيم الدَّارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ قوم، مِنْهُم الشّعبِيّ وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث وَأَبُو الْعَالِيَة رفيع بن مهْرَان: لَا يَنْبَغِي للرجل أَن يزِيد فِي كل رَكْعَة من صلَاته على سُورَة مَعَ فَاتِحَة الْكتاب، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : عَن هشيم عَن يعلى بن عَطاء عَن ابْن لَبِيبَة قَالَ: قلت لِابْنِ عمر أَو قَالَ غَيْرِي: إِنِّي قَرَأت الْمفصل فِي رَكْعَة. قَالَ: أفعلتموها؟ إِن الله تَعَالَى لَو شَاءَ لأنزله جملَة وَاحِدَة، فأعطوا كل سُورَة حظها من الرُّكُوع وَالسُّجُود) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث يعلى بن عَطاء، قاال: سَمِعت ابْن لَبِيبَة، قَالَ: (قَالَ رجل لِابْنِ عمر: إِنِّي قَرَأت الْمفصل فِي رَكْعَة، أَو قَالَ: فِي لَيْلَة. فَقَالَ ابْن عمر: إِن الله ﵎ لَو شَاءَ لأنزله جملَة وَاحِدَة، وَلَكِن فَصله ليعطي كل سُورَة حظها من الركع وَالسُّجُود) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث يعلى بن عَطاء. وَابْن لَبِيبَة: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن نَافِع بن لَبِيبَة الْحِجَازِي، وَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَأجِيب عَن هَذَا بِأَن حَدِيث ابْن مَسْعُود الْآتِي ذكره عَن قريب وَحَدِيث عَائِشَة
стр. 1604
وَحُذَيْفَة فِي هَذَا الْبَاب يُخَالف هَذَا، فَإِذا ثبتَتْ الْمُخَالفَة يُصَار إِلَى أَحَادِيث هَؤُلَاءِ لقوتها واستقامة طرقها. أما حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عبد الله بن شُعْبَة، قَالَ: (قلت لعَائِشَة: أَكَانَ رَسُول الله ﷺ يقرن السُّورَة؟ قَالَت: الْمفصل، أَي: نعم يقرن الْمفصل) . وَأخرجه أيضاابن أبي شيبَة فِي مُصَنفه. وَأما حَدِيث حُذَيْفَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث صلَة بن زفر عَن حُذَيْفَة: (أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَالنِّسَاء فِي رَكْعَة) ، الحَدِيث. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا. وَفِيه: دَلِيل صَرِيح على عدم اشْتِرَاط قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة، وَقَالَ بَعضهم: وَأجِيب بِأَن الرَّاوِي لم يذكر الْفَاتِحَة اعتناء بِالْعلمِ، لِأَنَّهُ لَا بُد مِنْهَا فَيكون مَعْنَاهُ: افْتتح بِسُورَة بعد الْفَاتِحَة. انْتهى. قلت: هَذَا خلاف معنى التَّرْكِيب ظَاهرا. وَأَيْضًا: إِن أهل مَسْجِد قبَاء أَنْكَرُوا على هَذَا الْأنْصَارِيّ فِي جمعه بَين السورتين فِي رَكْعَة وَاحِدَة، الَّذِي هُوَ لم يكن يضر صلَاتهم، فَلَو كَانَت قِرَاءَة الْفَاتِحَة شرطا لكانوا أَنْكَرُوا أَكثر من ذَلِك، بل كَانُوا أعادوا صلَاتهم. وَفِيه: جَوَاز تَخْصِيص بعض الْقُرْآن للصَّلَاة لميل النَّفس إِلَيْهِ وَلَا يعد ذَلِك هجرانا لغيره. وَفِيه: إِشْعَار بِأَن سُورَة الْإِخْلَاص مَكِّيَّة. وَفِيه: مَا يشْعر أَن الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون الإِمَام من أفضل الْقَوْم. وَفِيه: أَن الصَّلَاة تكره وَرَاء من يكرههُ الْقَوْم. وَفِيه: مَا يدل على أَن تبشيره ﷺ لذَلِك الرجل بِالْجنَّةِ على أَنه رَضِي بِفِعْلِهِ.
٧٧٥ - حدَّثنا آدمُ قالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إِلَى ابنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ قَرَأتُ المُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ فَقَالَ هذَّا كَهَذِّ الشِّعْرِ لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ ركْعَةٍ (الحَدِيث ٧٧٥ طرفان فِي: ٤٩٩٦، ٥٠٤٣) .
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة، وَهُوَ الْجمع بَين السورتين فِي رَكْعَة فَقَوله: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يقرن) ، إِلَى آخِره، يدل على ذَلِك، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث مَوْصُول غير هَذَا، فَلذَلِك صدرت التَّرْجَمَة بالجزء الَّذِي دلّ عَلَيْهِ.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: آدم بن إِيَاس، وَشعْبَة بن الْحجَّاج، وَعَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: ابْن عبد الله الْكُوفِي الْأَعْمَى، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين عسقلاني وواسطي وكوفي. .
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن خَالِد بن الْحَارِث.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ رجل) هُوَ نهيك بن سِنَان البَجلِيّ، سَمَّاهُ مَنْصُور فِي رِوَايَته عَن أبي وَائِل عِنْد مُسلم، ونهيك، بِفَتْح النُّون وَكسر الْهَاء، وَسنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبنونين بَينهمَا ألف. قَوْله: (الْمفصل) ، قد مر غير مرّة أَن الْمفصل من سُورَة الْقِتَال أَو الْفَتْح أَو الحجرات أَو قَاف إِلَى آخر الْقُرْآن. قَوْله: (هَذَا) بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة من: هذَّ يهذ هَذَا، وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري: الهذ: سرعَة الْقطع وَسُرْعَة الْقِرَاءَة. وَقَالَ ابْن التياني: هَذِه الْقِرَاءَة سردها، وانتصابه على المصدرية، وَالتَّقْدِير: انهذ هَذَا، وحرف الِاسْتِفْهَام فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره: أَهَذا؟ والاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار، وَهِي ثَابِتَة فِي رِوَايَة مَنْصُور عِنْد مُسلم، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن تِلْكَ الصّفة كَانَت عَادَتهم فِي إنشاد الشّعْر. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا أنكر عَلَيْهِ عدم التدبر وَترك الترسل لَا جَوَاز الْفِعْل. قَوْله: (النَّظَائِر) ، جمع نظيرة وَهِي السُّورَة الَّتِي يشبه بَعْضهَا بَعْضًا فِي الطول وَالْقصر. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : النَّظَائِر: المتماثلة فِي الْعدَد، وَالْمرَاد هُنَا المتقاربة، لِأَن الدُّخان سِتُّونَ آيَة وَعم يتساءلون أَرْبَعُونَ آيَة. وَقَالَ بَعضهم: النَّظَائِر السُّور المتماثلة فِي الْمعَانِي: كالموعظة أَو الحكم أَو الْقَصَص، لَا المتماثلة فِي عدد الْآي. ثمَّ قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: كنت أَظن أَن المُرَاد أَنَّهَا مُتَسَاوِيَة فِي الْعدَد حَتَّى اعتبرتها، فَلم أجد فِيهَا شَيْئا مُتَسَاوِيا. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل من أَن المُرَاد من النَّظَائِر السُّور المتماثلة فِي الْمعَانِي إِلَى آخِره لَيْسَ كَذَلِك، وَلَا دخل للتماثل فِي الْمعَانِي فِي هَذَا الْموضع، وَإِنَّمَا المُرَاد التقارب فِي الْمِقْدَار، وَالَّذِي يدل على هَذَا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا هِشَام بن عبد الْملك، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن حُصَيْن، قَالَ: أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم عَن نهيك بن سِنَان
стр. 1605
السّلمِيّ أَنه أَتَى عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: قَرَأت الْمفصل اللَّيْلَة فِي رَكْعَة. فَقَالَ: أهذَّا مثل هَذَا الشّعْر؟ أَو نثرا مثل نثر الدقل؟ وَإِنَّمَا فصل لتفصلوه، لقد علمنَا النَّظَائِر الَّتِي كَانَ رَسُول الله ﷺ يقرن عشْرين سُورَة الرَّحْمَن والنجم، على تأليف ابْن مَسْعُود كل سورتين فِي رَكْعَة، وَذكر الدُّخان وَعم يتساءلون فِي رَكْعَة، فَقلت لإِبْرَاهِيم: أَرَأَيْت مَا دون ذَلِك كَيفَ أصنع؟ قَالَ: رُبمَا قَرَأت أَرْبعا فِي رَكْعَة. انْتهى. وَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته: إِن المُرَاد من النَّظَائِر السُّور المتقاربة فِي الْمِقْدَار لَا فِي الْمعَانِي، لِأَن ذكر فِيهِ الرَّحْمَن والنجم، وهما متقاربان فِي الْمِقْدَار، لِأَن الرَّحْمَن سِتّ وَسَبْعُونَ آيَة. والنجم ثِنْتَانِ وَسِتُّونَ آيَة، وَهِي قريبَة من سُورَة الرَّحْمَن فِي كَونهمَا من النَّظَائِر. وَكَذَا ذكر فِيهِ الدُّخان وَعم يتساءلون فَإِنَّهُمَا أَيْضا متقاربان فِي الْمِقْدَار، فَإِن الدُّخان سبع أَو تسع وَخَمْسُونَ آيَة، وَعم يتساءلون أَرْبَعُونَ أَو إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ آيَة. وَقَوله: (فَقلت لإِبْرَاهِيم: أَرَأَيْت مَا دون ذَلِك كَيفَ أصنع؟) مَعْنَاهُ: مَا دون السُّور الْأَرْبَع الْمَذْكُورَة فِي الْمِقْدَار، وَهُوَ الطول وَالْقصر، وَكَيف أصنع؟ قَالَ: رُبمَا قَرَأت أَرْبعا، أَي: أَربع سور من السُّور الَّتِي هِيَ أقصر فِي الْمِقْدَار من السُّور الْمَذْكُورَة الَّتِي هِيَ: الرَّحْمَن والنجم وَالدُّخَان وَعم يتساءلون. قَوْله: (على تأليف ابْن مَسْعُود) ، أَرَادَ بِهِ أَن سُورَة النَّجْم كَانَ بحذاء سُورَة الرَّحْمَن فِي مصحف ابْن مَسْعُود، بِخِلَاف مصحف عُثْمَان. قَوْله: فِي لَفظه أَي: البُخَارِيّ يقرن بَينهُنَّ أَي: بَين النَّظَائِر، و: يقرن، بِضَم الرَّاء وَكسرهَا. قَوْله: (فَذكر عشْرين سُورَة) أَي: فَذكر ابْن مَسْعُود عشْرين سُورَة الَّتِي هِيَ النَّظَائِر، وَلَكِن لم يُفَسِّرهَا هَهُنَا، وَقد فَسرهَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا عباد بن مُوسَى حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن عَلْقَمَة وَالْأسود، قَالَا: أَتَى ابْن مَسْعُود رجل فَقَالَ: إِنِّي أَقرَأ الْمفصل فِي رَكْعَة. فَقَالَ: أهذّا كَهَذا الشّعْر ونثرا كنثر الدقل؟ لَكِن النَّبِي ﷺ كَانَ يقرن النَّظَائِر: السورتين فِي رَكْعَة الرَّحْمَن والنجم فِي رَكْعَة، واقتربت والحاقة فِي رَكْعَة، والذاريات وَالطور فِي رَكْعَة، والواقعة وَالنُّون فِي رَكْعَة وَسَأَلَ والنازعات فِي رَكْعَة وويل لِلْمُطَفِّفِينَ وَعَبس فِي رَكْعَة والمدثر والمزمل فِي رَكْعَة وهى أَتَى وَلَا أقسم فِي رَكْعَة، وَعم يتساءلون والمرسلات فِي رَكْعَة. وَإِذا الشَّمْس كورت وَالدُّخَان فِي رَكْعَة. فَإِن قلت: الدُّخان لَيست من الْمفصل، فَكيف عدهَا من الْمفصل؟ قلت: فِيهِ تجوز، فَلذَلِك قَالَ فِي (فَضَائِل الْقُرْآن من رِوَايَة وأصل) : عَن أبي وَائِل ثَمَانِي عشرَة سُورَة من الْمفصل وسورتين من آل حم، حَيْثُ أخرج الدُّخان من الْمفصل، وَالتَّقْدِير فِيهِ: وسورتين إِحْدَاهمَا من آل حم حَتَّى لَا يشكل هَذَا أَيْضا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: النَّهْي عَن الهذ. وَفِيه: الْحَث على الترسل والتدبر، وَبِه قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء، وَقَالَ القَاضِي: وأباحت طَائِفَة قَليلَة الهذ. وَفِيه: جَوَاز تَطْوِيل الرَّكْعَة الْأَخِيرَة على مَا قبلهَا وَالْأولَى التَّسَاوِي فيهمَا إلاّ فِي الصُّبْح، فَالْأَفْضَل فِيهِ تَطْوِيل الرَّكْعَة الأولى على الثَّانِيَة، وَقد ذَكرْنَاهُ مَعَ الْخلاف فِيهِ. وَفِيه: جَوَاز الْجمع بَين السُّور لِأَنَّهُ إِذا جَازَ الْجمع بَين السورتين فَكَذَلِك يجوز بَين السُّور، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة حِين سَأَلَهَا عبد الله بن شَقِيق: (أَكَانَ رَسُول الله ﷺ يجمع بَين السُّور؟ قَالَت: نعم من الْمفصل) . وَلَا يُخَالف هَذَا مَا جَاءَ فِي التَّهَجُّد: أَنه جمع بَين الْبَقَرَة وَغَيرهَا من الطوَال، لِأَنَّهُ كَانَ نَادرا. وَقَالَ عِيَاض، فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود: هَذَا يدل على أَن هَذَا الْقدر كَانَ قدر قِرَاءَته غَالِبا، وَأما تطويله فَإِنَّمَا كَانَ فِي التدبر والترسل، وَأما مَا ورد غير ذَلِك من قِرَاءَة الْبَقَرَة وَغَيرهَا فِي رَكْعَة فَكَانَ نَادرا. وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود مَا يدل على الْمُوَاظبَة، بل فِيهِ أَنه كَانَ يقرن بَين هَذِه السُّور المعينات إِذا قَرَأَ من الْمفصل. انْتهى. قلت: آخر كَلَامه ينْقض أَوله، لِأَن لَفْظَة: كَانَ، تدل على الِاسْتِمْرَار، وَهُوَ يدل على الْمُوَاظبَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: دَلِيل على أَن صلَاته ﷺ من اللَّيْل كَانَت عشر رَكْعَات، وَكَانَ يُوتر بِوَاحِدَة. قلت: لَا نسلم أَن ظَاهر الحَدِيث يدل على هَذَا، وَلَئِن سلمنَا مَا قَالَه، وَلَكِن من أَيْن يدل على أَن وتره كَانَ رَكْعَة وَاحِدَة؟ بل كَانَ ثَلَاث رَكْعَات، لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ثَمَان رَكْعَات رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يصلى ثَلَاث رَكْعَات رَكْعَات أُخْرَى بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة فِي آخِرهنَّ، فَهَذِهِ هِيَ وتره، ﷺ ، وَسَيَجِيءُ تَحْقِيق هَذَا فِي أَبْوَاب الْوتر إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٠٧ - (بابٌ يَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته يقْرَأ الْمُصَلِّي فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ من ذَوَات الْأَرْبَع بِفَاتِحَة الْكتاب وَلَا يزِيد عَلَيْهَا، وَقَالَ بَعضهم:
стр. 1606
وَسكت عَن ثَالِثَة الْمغرب رِعَايَة للفظ الحَدِيث مَعَ أَن حكمهَا حكم الْأُخْرَيَيْنِ من الرّبَاعِيّة. قلت: لَا يفهم من حَدِيث الْبَاب أَن حكمهَا حكم الْأُخْرَيَيْنِ من الرّبَاعِيّة.
٧٧٦ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ وسُورَتَيْنِ وفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ ويُسْمِعُنَا ويُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وهَكَذَا فِي العَصْرِ وهَكَذَا فِي الصُّبْحِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأم الْكتاب) ، والْحَدِيث قد مضى فِي بَاب الْقِرَاءَة فِي الظّهْر، أخرجه عَن أبي نعيم عَن شَيبَان عَن يحيى إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي عَن همام بن يحيى عَن يحيى بن أبي كثير إِلَى آخِره، فَاعْتبر التَّفَاوُت بَين المتنين، وَقد تكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ. قَوْله: (فِي الْأَوليين) ، أَي: فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين. قَوْله: (وسورتين) أَي: وَكَانَ يقْرَأ بسورتين فِي كل رَكْعَة بِسُورَة. قَوْله: (ويسمعنا) ، بِضَم الْيَاء من الإسماع، قَوْله: (وَيطول) من التَّطْوِيل. قَوْله: (مَا لَا يُطِيل) من الإطالة، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (مَا لَا يطول) من التَّطْوِيل، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (وَمِمَّا لَا يُطِيل) ، وَكلمَة: مَا، فِي: (مَا لَا يُطِيل) ، يحْتَمل أَن تكون نكرَة مَوْصُوفَة أَي: تَطْوِيلًا لَا يطيله فِي الثَّانِيَة، وَأَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي: غير إطالته فِي الثَّانِيَة، فَتكون هِيَ مَعَ مَا فِي حيزها صفة لمصدر مَحْذُوف. قَوْله: (وَهَكَذَا فِي الصُّبْح) التَّشْبِيه فِي تَطْوِيل الرَّكْعَة الأولى فَقَط، بِخِلَاف التَّشْبِيه فِي الْعَصْر، فَإِنَّهُ أَعم مِنْهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ حجَّة على من قَالَ: إِن الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ، إِن شَاءَ لم يقْرَأ الْفَاتِحَة فيهمَا؟ قلت: قَوْله: (وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِأم الْكتاب) لَا يدل على الْوُجُوب، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: إقرأ فِي الْأَوليين وَسبح فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَكفى بِهِ قدوة، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) : عَن جَابر، قَالَ: (سنة الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة أَن يقْرَأ فِي الْأَوليين بِأم الْقُرْآن وَسورَة، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِأم الْقُرْآن) . وَهَذَا حجَّة على من جعل قِرَاءَة الْفَاتِحَة من الْفُرُوض، وَالله تَعَالَى أعلم.
١٠٨ - (بابُ مَنْ خَافَتَ القِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ والعَصْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من خافتَ أَي أسر الْقِرَاءَة فِي صَلَاة الظّهْر وَصَلَاة الْعَصْر، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من خَافت بِالْقِرَاءَةِ.
٧٧٧ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عنْ أبِي مَعْمَرٍ قُلْتُ لِ خَبَّابٍ أكَانَ رسولُ الله ﷺ يَقْرأُ فِي الظُّهْرِ والعَصْرِ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا مِنْ أيْنَ عَلِمْتَ قَالَ بِاضْطِرابِ لِحْيَتِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي قِرَاءَة النَّبِي ﷺ فِي الظّهْر وَالْعصر سرا، لِأَن خبابا أخبر أَنه قَرَأَ فيهمَا، وَأَنه علم ذَلِك باضطراب لحيته الْمُبَارَكَة، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب رفع الْبَصَر إِلَى الإِمَام فِي الصَّلَاة. وَأخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَهَهُنَا: عَن قُتَيْبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَقد مر بَيَان مَا يتَعَلَّق بِهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أَكَانَ؟) الْهمزَة فِيهِ على سَبِيل الاستخبار.
١٠٩ - (بابٌ إذَا أسْمَعَ الإمامُ الآيَةَ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا أسمع الإِمَام الْقَوْم الْآيَة من الَّذِي يَقْرَؤُهُ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِذا سمع، بتَشْديد
стр. 1607
الْمِيم، من التسميع، وَالْأول من الإسماع، وَهَذَا فِي السّريَّة. وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، يَعْنِي: لَا يضرّهُ ذَلِك خلافًا لمن قَالَ يسْجد للسَّهْو إِن كَانَ سَاهِيا، وَخِلَافًا لمن قَالَ: يسْجد مُطلقًا.
٧٧٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُ قالَ حدَّثنا الأَوْزَاعِي قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ قَالَ حدَّثني عبْدُ الله بنُ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَقْرأُ بِأُمِّ الكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهُرِ وصَلَاةِ العَصْرِ وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أحْيَانا وكانَ يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولى. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويسمعنا الْآيَة أَحْيَانًا) ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الْقِرَاءَة فِي الْعَصْر، خرجه عَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام عَن يحيى بن أبي كثير. وَهَهُنَا: أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
١١٠ - (بابٌ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولى)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته يطول الْمُصَلِّي الرَّكْعَة الأولى بِالْقِرَاءَةِ فِي جَمِيع الصَّلَوَات وَفِي الصُّبْح عِنْد أبي حنيفَة خَاصَّة.
٧٧٩ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيةِ ويَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (كَانَ يُطِيل فِي الرَّكْعَة الأولى) ، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب يقْرَأ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَة الْكتاب عَن قريب، أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن همام عَن يحيى إِلَى آخِره، وَهَهُنَا: عَن أبي نعيم الْفضل ابْن دُكَيْن عَن هِشَام الدستوَائي، عَن يحيى إِلَى آخِره، وَقد تقدم الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ.
١١١ - (بابُ جَهْرِ الإمامِ بِالتَّأمِين)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم جهر الإِمَام وجهر النَّاس بالتأمين، على وزن: التفعيل، من: أَمن يُؤمن، إِذا قَالَ: آمين، وَهُوَ بِالْمدِّ وَالتَّخْفِيف فِي جَمِيع الرِّوَايَات وَعند جَمِيع الْقُرَّاء كَذَلِك. وَحكى الواحدي عَن حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: الإمالة فِيهَا، وفيهَا ثَلَاث لُغَات أخر، وَهِي شَاذَّة: الأولى: الْقصر، حَكَاهُ ثَعْلَب وَأنكر عَلَيْهِ ابْن درسْتوَيْه. الثَّانِيَة: الْقصر مَعَ التَّشْدِيد. وَالثَّالِثَة: الْمَدّ مَعَ التَّشْدِيد، وَجَمَاعَة من أهل اللُّغَة قَالُوا: إنَّهُمَا خطأ. وَقَالَ عِيَاض: حُكيَ عَن الْحسن الْمَدّ وَالتَّشْدِيد، قَالَ: وَهِي شَاذَّة مَرْدُودَة، وَنَصّ ابْن السّكيت وَغَيره من أهل اللُّغَة: على أَن التَّشْدِيد لحن الْعَوام وَهُوَ خطأ فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة، وَاخْتلف الشَّافِعِيَّة فِي بطلَان الصَّلَاة بذلك، وَفِي (التَّجْنِيس) : وَلَو قَالَ: آمين، بتَشْديد الْمِيم، فِي صلَاته تفْسد، وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحب (الْهِدَايَة) بقوله: وَالتَّشْدِيد خطأ فَاحش، وَلكنه لم يذكر هُنَا فَسَاد الصَّلَاة بِهِ، لِأَن فِيهِ خلافًا، وَهُوَ: أَن الْفساد قَول أبي حنيفَة، وَعِنْدَهُمَا: لَا تفْسد، لِأَنَّهُ يُوجد فِي الْقُرْآن مثله، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام﴾ (الْمَائِدَة: ٢) . وعَلى قَوْلهمَا الْفَتْوَى، وَأما وزن: آمين، فَلَيْسَ من أوزان كَلَام الْعَرَب، وَهُوَ مثل: هابيل وقابيل. وَقيل: هُوَ تعريب همين. وَقيل: أَصله: يَا الله استجب دعاءنا، وَهُوَ اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى، إلَاّ أَنه أسقط اسْم النداء، فأقيم الْمَدّ مقَامه، فَلذَلِك أنكر جمَاعَة الْقصر فِيهِ، وَقَالُوا: الْمَعْرُوف فِيهِ الْمَدّ. وروى عبد الرَّزَّاق عَن أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد ضَعِيف أَنه اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى. وَعَن هِلَال بن يسَاف التَّابِعِيّ مثله، وَهُوَ اسْم فعل مثل: صه، بِمَعْنى: أسكت. وَيُوقف عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ، فَإِن وصل بِغَيْرِهِ حرك لالتقاء الساكنين، وَيفتح طلبا للخفة لأجل الْبناء: كأين وَكَيف. وَأما مَعْنَاهُ، فَقيل: ليكن كَذَلِك، وَقيل: قبل. وَقيل: لَا تخيب رجاءنا. وَقيل: لَا يقدر على هَذَا غَيْرك، وَقيل: طَابع الله على عباده يدْفع بِهِ
стр. 1608
عَنْهُم الْآفَات، وَقيل: هُوَ كنز من كنوز الْعَرْش لَا يعلم تَأْوِيله الا الله. وَقيل: من شدد وَمد، فَمَعْنَاه: قَاصِدين إِلَيْك. وَنقل ذَلِك عَن جَعْفَر الصَّادِق. وَقيل: من قصر وشدد فَهِيَ كلمة عبرانية أَو سريانية، وَعَن أبي زُهَيْر النميري، قَالَ: (وقف رَسُول الله ﷺ على رجل ألح فِي الدُّعَاء فَقَالَ ﷺ : وَجب إِن ختم، فَقَالَ رجل من الْقَوْم: بِأَيّ شَيْء يخْتم؟ قَالَ: بآمين، فَإِنَّهُ إِن ختم بآمين فقد وَجب) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قلت: أَبُو زُهَيْر صَحَابِيّ، وَهُوَ بِضَم الزَّاي وَفتح الْهَاء. وَفِي (المجتبي) : لَا خلاف أَن: آمين، لَيْسَ من الْقُرْآن حَتَّى قَالُوا بارتداد من قَالَ: إِنَّه مِنْهُ، وَإنَّهُ مسنون فِي حق الْمُنْفَرد وَالْإِمَام وَالْمَأْمُوم والقارىء خَارج الصَّلَاة، وَاخْتلف الْقُرَّاء فِي التَّأْمِين بعد الْفَاتِحَة إِذا أَرَادَ ضم سُورَة إِلَيْهَا، وَالأَصَح أَنه يَأْتِي بهَا.
وقالَ عَطَاءٌ آمِينَ دُعَاءٌ أمَّنَ بنُ الزُّبَيْرِ ومَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً
مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عَطاء لما قَالَ: آمين، دَعَاهُ وَالدُّعَاء يشْتَرك فِيهِ الإِمَام وَالْمَأْمُوم، ثمَّ أكد ذَلِك بِمَا رَوَاهُ عَن ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَابْن الزبير: هُوَ عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج: (عَن عَطاء قلت لَهُ: أَكَانَ ابْن الزبير يُؤمن على إِثْر أم الْقُرْآن؟ قَالَ: نعم، ويؤمن من وراءة حَتَّى إِن لِلْمَسْجِدِ للجة، ثمَّ قَالَ: إِنَّمَا آمين دُعَاء) . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مُسلم بن خَالِد عَن ابْن جريج: (عَن عَطاء، قَالَ: كنت أسمع الْأَئِمَّة ابْن الزبير وَمن بعده يَقُولُونَ: آمين، وَيَقُول من خَلفه: آمين، حَتَّى إِن لِلْمَسْجِدِ للجة) . وَفِي (المُصَنّف) : حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة قَالَ: لَعَلَّه عَن ابْن جريج عَن عَطاء: (عَن ابْن الزبير، قَالَ: كَانَ لِلْمَسْجِدِ رجة، أَو قَالَ: لجة، إِذْ قَالَ الإِمَام ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ ) . وروى الْبَيْهَقِيّ عَن خَالِد بن أبي أَيُّوب (عَن عَطاء قَالَ: أدْركْت مِائَتَيْنِ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْمَسْجِد إِذا قَالَ الإِمَام ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ سَمِعت لَهُم رجة: بآمين) قَوْله: (حَتَّى إِن لِلْمَسْجِدِ للجة) كلمة: إِن، بِالْكَسْرِ، وللمسجد أَي: وَلأَهل الْمَسْجِد، للجة: اللَّام الأولى للتَّأْكِيد، وَالثَّانيَِة من نفس الْكَلِمَة، وبتشديد الْجِيم: وَهِي الصَّوْت الْمُرْتَفع، وَكَذَلِكَ اللجلجة، ويروى: (لجلبة) ، بِفَتْح الْجِيم وَاللَّام وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي الْأَصْوَات المختلطة. وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: لرجة، بالراء مَوضِع اللَّام. قَوْله: (آمين دُعَاء) مُبْتَدأ وَخبر مقول القَوْل. قَوْله: (أَمن ابْن الزبير) ابْتِدَاء كَلَام من إِخْبَار عَطاء)
وكانَ أبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الإمامَ لَا تَفُتْنِي بِآمِينَ
مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يَقْتَضِي أَن يَقُول الإِمَام وَالْمَأْمُوم كِلَاهُمَا: آمين، وَلَا يخْتَص بِهِ أَحدهمَا. قَوْله: (لَا تفتني) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، هِيَ تَاء الْخطاب، وَضم الْفَاء وَسُكُون التَّاء: من الْفَوات وَمَعْنَاهُ: لَا تدعني أَن يفوت مني القَوْل بآمين. ويروى: لَا يسبقني، من السَّبق، وَهَكَذَا وصل ابْن أبي شيبَة هَذَا التَّعْلِيق فَقَالَ: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا كثير بن زيد عَن الْوَلِيد بن رَبَاح (عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يُؤذن بِالْبَحْرَيْنِ فَقَالَ للْإِمَام: لَا تسبقني بآمين) . وَأخْبرنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام عَن مُحَمَّد عَنهُ مثله. انْتهى. وَكَانَ الإِمَام بِالْبَحْرَيْنِ الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ، وروى صَاحب (الْمحلى) : عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ مُؤذنًا للعلاء بن الْحَضْرَمِيّ بِالْبَحْرَيْنِ، فَاشْترط عَلَيْهِ أَن لَا يسْبقهُ بآمين. وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي رَافع أَن أَبَا هُرَيْرَة، كَانَ يُؤذن لمروان بن الحكم فَاشْترط أَن لَا يسْبقهُ بالضالين، حَتَّى يعلم أَنه قد دخل الصَّفّ، فَكَانَ إِذا قَالَ مَرْوَان: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: آمين، يمد بهَا صَوته. وَقَالَ: إِذا وَافق تَأْمِين أهل الأَرْض تَأْمِين أهل السَّمَاء غفر لَهُم. وَرُوِيَ عَن بِلَال نَحْو قَول أبي هُرَيْرَة أخرجه أَبُو دَاوُد: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن رَاهَوَيْه أخبرنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عَاصِم عَن أبي عُثْمَان (عَن بِلَال أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله لَا تسبقني بآمين) . وَقد أول الْعلمَاء قَوْله: لَا تسبقني على وَجْهَيْن: الأول: أَن بِلَالًا كَانَ يقْرَأ الْفَاتِحَة فِي السكتة الأولى من سكتتي الإِمَام، فَرُبمَا يبْقى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهَا، وَرَسُول الله ﷺ قد فرغ مِنْهَا فاستمهله بِلَال فِي التَّأْمِين بِقدر مَا يتم فِيهِ قِرَاءَة بَقِيَّة السُّورَة، حَتَّى ينَال بركَة مُوَافَقَته فِي التَّأْمِين. الثَّانِي: أَن بِلَالًا كَانَ يُقيم فِي الْموضع الَّذِي يُؤذن فِيهِ من وَرَاء الصُّفُوف، فَإِذا قَالَ: قد قَامَت الصَّلَاة، كبر النَّبِي ﷺ ، فَرُبمَا سبقه بِبَعْض مَا يَقْرَؤُهُ، فاستمهله بِلَال قدر مَا يلْحق الْقِرَاءَة والتأمين. قلت: هَذَا الحَدِيث مُرْسل، وَقَالَ الْحَاكِم فِي (الْأَحْكَام) : قيل
стр. 1609
إِن أَبَا عُثْمَان لم يدْرك بِلَالًا، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: رَفعه خطأ، وَرَوَاهُ الثِّقَات عَن عَاصِم عَن أبي عُثْمَان مُرْسلا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقيل عَن أبي عُثْمَان عَن سلمَان، قَالَ: قَالَ بِلَال، وَهُوَ ضَعِيف لَيْسَ بِشَيْء. قلت: عَاصِم هُوَ الْأَحول، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن ابْن مل النَّهْدِيّ.
وَقَالَ نافِعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ لَا يَدَعُهُ ويَحُضُّهُمْ وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرا
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ لَا يتْرك التَّأْمِين، وَهَذَا يتَنَاوَل أَن يكون إِمَامًا أَو مَأْمُوما، وَكَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارج الصَّلَاة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ إِذا ختم أم الْقُرْآن قَالَ: آمين، لَا يدع أَن يُؤمن إِذا خَتمهَا، ويحضهم على قَوْلهَا. قَوْله: (لَا يَدعه) أَي: لَا يتْركهُ. قَوْله: (ويحضهم) ، بالضاد الْمُعْجَمَة أَي: يحثهم على القَوْل بآمين، وَأَن لَا يتْركُوا. قَوْله: (وَسمعت مِنْهُ) أَي: من ابْن عمر (فِي ذَلِك) ، أَي: فِي القَوْل بآمين (خيرا) ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، أَي: فضلا وثوابا. وَقَالَ السفاقسي: أَي خيرا مَوْعُودًا لمن فعله. وَفِي رِوَايَة غَيره: خيرا، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، حَدِيثا مَرْفُوعا. ويستأنس فِي ذَلِك بِمَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ: كَانَ ابْن عمر إِذا أَمن النَّاس أَمن مَعَهم، ويروى: ذَلِك من السّنة.
٧٨٠ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسفَ قَالَ أخْبرنَا مالِكٌ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وأبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُمَا أخْبَرَاهُ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إذَا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنُوا فإنَّهُ منْ وافَقَ تأمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وقالَ ابنُ شِهَابٍ وَكَانَ رسولُ الله ﷺ يَقُولُ آمِينَ. (الحَدِيث ٧٨٠ طرفه فِي: ٦٤٠٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ ﷺ أَمر الْقَوْم بالتأمين عِنْد تَأْمِين الإِمَام.
وَرِجَاله قد ذَكرُوهُ غير مرّة، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة التَّثْنِيَة من الْمَاضِي فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.
وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن يحيى بن يحيى، وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي كريب عَن زيد بن الْحباب، وَالنَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْمَلَائِكَة عَن قُتَيْبَة، خمستهم عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا أَمن الإِمَام) أَي: إِذا قَالَ الإِمَام: آمين، بعد قِرَاءَة الْفَاتِحَة (فَأمنُوا) أَي: فَقولُوا: آمين. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن الشان. قَوْله: (من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة) ، زَاد يُونُس عَن ابْن شهَاب عِنْد مُسلم: (فَإِن الْمَلَائِكَة تؤمن) قبل قَوْله: (فَمن وَافق) ، كَذَا فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: عَن ابْن شهَاب عِنْد البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : (فَإِن الْمَلَائِكَة تَقول: آمين) ، ثمَّ قَالَ: يُرِيد أَنه إِذا أَمن كتأمين الْمَلَائِكَة من غير إعجاب وَلَا سمعة وَلَا رِيَاء خَالِصا لله تَعَالَى، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يغْفر لَهُ. قلت: هَذَا التَّفْسِير ينْدَفع بِمَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) : عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : (إِذا قَالَ أحدكُم: آمين، وَقَالَت الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء، ووافقت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . انْتهى. وَزَاد فِيهِ مُسلم: (إِذا قَالَ أحدكُم فِي الصَّلَاة) وَلم يقلها البُخَارِيّ وَغَيره، وَهِي زِيَادَة حَسَنَة نبه عَلَيْهَا عبد الْحق فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) ، وَفِي هَذَا اللَّفْظ فَائِدَة أُخْرَى. وَهِي: اندراج الْمُنْفَرد فِيهِ، وَغير هَذَا اللَّفْظ إِنَّمَا هُوَ فِي الإِمَام وَفِي الْمَأْمُوم أَو فيهمَا، وَالله أعلم.
وَاخْتلفُوا فِي هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة، فَقيل هم الْحفظَة، وَقيل: الْمَلَائِكَة المتعاقبون، وَقيل: غير هَؤُلَاءِ لما روى الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ: (إِذا قَالَ القاريء: ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ ، وَقَالَ من خَلفه: آمين، وَوَافَقَ ذَلِك قَول أهل السَّمَاء: آمين، غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ أَيْضا فِي (مُسْنده) وَقيل: هم جَمِيع الْمَلَائِكَة، بِدَلِيل عُمُوم اللَّفْظ لِأَن الْجمع الْمحلى بِاللَّامِ يُفِيد الِاسْتِغْرَاق بِأَن يَقُولهَا الْحَاضِرُونَ من الْحفظَة وَمن فَوْقهم حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى، وَأهل السَّمَوَات. قَوْله: (غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) وَوَقع فِي رِوَايَة بَحر بن نصر: عَن ابْن وهب عَن يُونُس فِي آخر هَذَا الحَدِيث: (وَمَا تَأَخّر)
стр. 1610
ذكرهَا الْجِرْجَانِيّ فِي (أَمَالِيهِ) قيل: إِنَّهَا شَاذَّة لِأَن ابْن الْجَارُود روى فِي (الْمُنْتَقى) : عَن بَحر بن نصر بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم عَن حَرْمَلَة، وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة، وَالَّذِي وَقع فِي نُسْخَة لِابْنِ مَاجَه: عَن هِشَام بن عمار وَأبي بكر ابْن أبي شيبَة، كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة بِإِثْبَات هَذِه الزِّيَادَة غير صَحِيح، لِأَن ابْن أبي شيبَة قد روى هَذَا الحَدِيث فِي (مُسْنده) و (مُصَنفه) بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة، وَكَذَلِكَ الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن عُيَيْنَة مثل الْحميدِي وَابْن الْمَدِينِيّ وَغَيرهمَا رووا بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة، ثمَّ قَوْله: (غفر) ، ظَاهره يعم غفران جَمِيع الذُّنُوب الْمَاضِيَة إلاّ مَا يتَعَلَّق بِحُقُوق النَّاس، وَذَلِكَ مَعْلُوم من الْأَدِلَّة الخارجية المخصصة لعمومات مثله، وَأما الْكَبَائِر فَإِن عُمُوم اللَّفْظ يَقْتَضِي الْمَغْفِرَة، ويستدل بِالْعَام مَا لم يظْهر الْمُخَصّص.
قَوْله: (وَقَالَ ابْن شهَاب) إِلَى آخِره، صورته صُورَة إرْسَال لَكِن مُتَّصِل إِلَيْهِ بِرِوَايَة عَنهُ، وَلَيْسَ بتعليق، وَوَصله الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الغرائب) من طَرِيق حَفْص بن عمر الْعَدنِي عَن مَالك، وَقَالَ: تفرد بِهِ حَفْص ابْن عمر، وَهُوَ ضَعِيف، وَيُؤَيّد مَا ذكره ابْن شهَاب فِي هَذَا الحَدِيث من حَيْثُ الْمَعْنى مَا أخرجه النَّسَائِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا قَالَ الإِمَام: ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ فَقولُوا: آمين، فَإِن الْمَلَائِكَة تَقول: آمين، وَإِن الإِمَام يَقُول: آمين، فَمن وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الإِمَام يُؤمن، خلافًا لمَالِك، كَمَا قَالَ بَعضهم عَنهُ، وَفِي (الْمُعَارضَة) قَالَ مَالك: لَا يُؤمن الإِمَام فِي صَلَاة الْجَهْر، وَقَالَ ابْن حبيب: يُؤمن، وَقَالَ ابْن بكير: هُوَ بِالْخِيَارِ، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَن الإِمَام لَا يَأْتِي بِهِ فَإِن قلت: مَا جَوَابه عَن الحَدِيث على هَذِه الرِّوَايَة؟ قلت: جَوَابه أَنه إِنَّمَا سمي الإِمَام مُؤمنا بِاعْتِبَار التَّسَبُّب، والمسبب يجوز أَن يُسمى باسم الْمُبَاشر، كَمَا يُقَال: بنى الْأَمِير دَاره، وَاسْتدلَّ بعض الْمَالِكِيَّة لمَالِك أَن الإِمَام لَا يَقُولهَا بقوله ﷺ : (إِذا قَالَ الإِمَام: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ فَقولُوا: آمين) ، لِأَنَّهُ ﷺ قسم ذَلِك بَينه وَبَين الْقَوْم، وَالْقِسْمَة تنَافِي الشّركَة، وحملوا قَوْله ﷺ : (إِذا أَمن الإِمَام) على بُلُوغ مَوضِع التَّأْمِين، وَقَالُوا: سنة الدُّعَاء تَأْمِين السَّامع دون الدَّاعِي، وَآخر الْفَاتِحَة دُعَاء فَلَا يُؤمن الإِمَام، لِأَنَّهُ دَاع. وَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب: هَذَا غلط بل الدَّاعِي أولى بالاستيجاب، واستبعد أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ تأويلهم لُغَة وَشرعا، وَقَالَ: الإِمَام أحد الداعين وأولهم وأولاهم.
وَفِيه: أَن الْمُؤْتَم يَقُولهَا بِلَا خلاف.
وَفِيه: رد على الإمامية فِي قَوْلهم: إِن التَّأْمِين يبطل الصَّلَاة، لِأَنَّهُ لفظ لَيْسَ بقرآن وَلَا ذكر. وَقَالَ السفاقسي: وَزَعَمت طَائِفَة من المبتدعة أَن لَا فَضِيلَة فِيهَا، وَعَن بَعضهم: إِنَّهَا تفْسد الصَّلَاة، وَقَالَ ابْن حزم: يَقُولهَا الإِمَام سنة وَالْمَأْمُوم فرضا.
وَفِيه أَنه مِمَّا تمسك بِهِ الشَّافِعِي فِي الْجَهْر بالتأمين، وَذكر الْمُزنِيّ فِي (مُخْتَصره) : وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجْهر الإِمَام فِي الصَّلَاة الَّتِي يجْهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، وَالْمَأْمُوم يُخَافت. وَفِي (الْخُلَاصَة) للغزالي: وَمن سنَن الصَّلَاة أَن يجْهر بالتأمين فِي الجهرية، وَفِي (التَّلْوِيح) : ويجهر فِيهَا الْمَأْمُوم عِنْد أَحْمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد، وَقَالَ جمَاعَة: يخفيها، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة والكوفيين وَأحد قولي مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد، وَفِي الْقَدِيم: يجْهر، وَعَن القَاضِي حُسَيْن عَكسه، قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ غلط، وَلَعَلَّه من النَّاسِخ، وَاحْتج أَصْحَابنَا بِمَا رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَأَبُو يعلى الْموصِلِي فِي (مسانيدهم) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث شُعْبَة عَن سَلمَة بن كهيل عَن حجر بن العنبس (عَن عَلْقَمَة بن وَائِل عَن أَبِيه أَنه: صلى مَعَ النَّبِي ﷺ فَلَمَّا بلغ ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين، وأخفى بهَا صَوته) . وَلَفظ الْحَاكِم فِي كتاب (الْقرَاءَات) : (وخفض بهَا صَوته) . وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن سُفْيَان عَن سَلمَة بن كهيل عَن حجر بن العنبس عَن وَائِل بن حجر، وَاللَّفْظ لأبي دَاوُد: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَرَأَ: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين، وَرفع بهَا صَوته) وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: (وَمد بهَا صَوته) ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق آخر عَن عَليّ بن صَالح، وَيُقَال الْعَلَاء بن صَالح الْأَسدي، عَن سَلمَة بن كهيل عَن حجر بن العنبس (عَن وَائِل بن حجر عَن النَّبِي ﷺ أَنه: صلى فجهر بآمين، وَسلم عَن يَمِينه وشماله وسكتا عَنهُ) . وروى النَّسَائِيّ: أخبرنَا قُتَيْبَة حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن عبد الْجَبَّار بن وَائِل (عَن أَبِيه، قَالَ: صليت
стр. 1611
خلف رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا افْتتح الصَّلَاة كبر) الحَدِيث، وَفِيه: (فَلَمَّا فرغ من الْفَاتِحَة قَالَ: آمين، يرفع بهَا صَوته) . وروى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن بشر بن رَافع عَن عبد الله ابْن عَم أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا تَلا ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين، حَتَّى يسمع من الصَّفّ الأول) ، وَزَاد ابْن مَاجَه: (فيرتج بهَا الْمَسْجِد) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) وَقَالَ: إِسْنَاده صَحِيح. قلت: الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن سُفْيَان يُعَارضهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن شُعْبَة عَن سَلمَة بن كهيل عَن حجر أبي العنبس عَن عَلْقَمَة بن وَائِل عَن أَبِيه، وَقَالَ فِيهِ: (وخفض بهَا صَوته) . فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول: حَدِيث سُفْيَان أصح من حَدِيث شُعْبَة، وَأَخْطَأ شُعْبَة فِي مَوَاضِع، فَقَالَ حجر أبي العنبس: وَإِنَّمَا هُوَ حجر بن العنبس، ويكنى أَبَا السكن، وَزَاد فِيهِ عَلْقَمَة، وَإِنَّمَا هُوَ حجر عَن أبي وَائِل، وَقَالَ: خفض بهَا صَوته، وَإِنَّمَا هُوَ: مد بهَا صَوته قلت: تخطئه مثل شُعْبَة خطأ، وَكَيف وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث؟ وَقَوله: (هُوَ حجر بن العنبس) ، وَلَيْسَ بِأبي العنبس، لَيْسَ كَمَا قَالَه، بل هُوَ أَبُو العنبس حجر بن العنبس، وَجزم بِهِ ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) ، فَقَالَ: كنيته كاسم أَبِيه، وَقَول مُحَمَّد: يكنى أَبَا السكن، لَا يُنَافِي أَن تكون كنيته أَيْضا أَبَا العنبس، لِأَنَّهُ لَا مَانع أَن يكون لشخص كنيتان. وَقَوله: (وَزَاد فِيهِ عَلْقَمَة) ، لَا يضر، لِأَن الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة، وَلَا سِيمَا من مثل شُعْبَة. وَقَوله: وَقَالَ: وخفض بهَا صَوته وَإِنَّمَا هُوَ وَمد بهَا صَوته، يُؤَيّد مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن وَائِل بن حجر قَالَ: (صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ فَسَمعته حِين قَالَ ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين، فأخفى بهَا صَوته) فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وهم شُعْبَة فِيهِ لِأَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَمُحَمّد بن سَلمَة بن كهيل وَغَيرهمَا رَوَوْهُ عَن سَلمَة بن كهيل فَقَالُوا: وَرفع بهَا صَوته، وَهُوَ الصَّوَاب، وَطعن صَاحب (التَّنْقِيح) فِي حَدِيث شُعْبَة هَذَا بِأَنَّهُ: قد رُوِيَ عَنهُ خِلَافه، كَمَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ: حَدثنَا شُعْبَة عَن سَلمَة بن كهيل سَمِعت حجرا أَبَا العنبس يحدث (عَن وَائِل الْحَضْرَمِيّ أَنه: صلى خلف النَّبِي ﷺ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين، رَافعا صَوته) ، قَالَ: فَهَذِهِ الرِّوَايَة توَافق رِوَايَة سُفْيَان. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) إِسْنَاد هَذِه الرِّوَايَة صَحِيح، وَكَانَ شُعْبَة يَقُول: سُفْيَان أحفظ. وَقَالَ يحيى بن معِين: إِذا خَالف شُعْبَة قَول سُفْيَان فَالْقَوْل قَول سُفْيَان: قَالَ: وَقد أجمع الْحفاظ: البُخَارِيّ وَغَيره، أَن شُعْبَة أَخطَأ قلت: قَول الدَّارَقُطْنِيّ: وهم شُعْبَة، يدل على قلَّة اعتنائه بِكَلَام هَذَا الْقَائِل وَإِثْبَات الْوَهم لَهُ، لكَونه غير مَعْصُوم مَوْجُود فِي سُفْيَان، فَرُبمَا يكون هُوَ وهم، وَيُمكن أَن يكون كلا الإسنادين صَحِيحا. وَقد قَالَ بعض الْعلمَاء: وَالصَّوَاب أَن الْخَبَرَيْنِ بالجهر بهَا وبالمخافتة صَحِيحَانِ، وَعمل بِكُل مِنْهُمَا جمَاعَة من الْعلمَاء. فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه هَذَا: الحَدِيث فِيهِ أَرْبَعَة أُمُور: اخْتِلَاف سُفْيَان وَشعْبَة فِي اللَّفْظ وَفِي الكنية. وَحجر لَا يعرف حَاله. واختلافهما أَيْضا حَيْثُ جعل سُفْيَان من رِوَايَة حجر عَن عَلْقَمَة بن وَائِل عَن وَائِل. قلت: الْجَواب عَن الأول: لَا يضر اختلا سُفْيَان وَشعْبَة، لِأَن كلا مِنْهُمَا إِمَام عَظِيم الشَّأْن، فَلَا تسْقط رِوَايَة أَحدهمَا بروية الآخر، وَمَا يُقَال من الْوَهم فِي أَحدهمَا يصدق فِي الآخر، فَلَا ينْتج من ذَلِك شَيْء. وَعَن الثَّانِي: أَيْضا، لَا يضر الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور فِي الِاسْم والكنية، كَمَا شرحناه الْآن. وَعَن الثَّالِث: أَنه مَمْنُوع، وَكَيف لَا يعرف حَاله وَقد ذكره الْبَغَوِيّ وَأَبُو الْفرج وَابْن الْأَثِير وَغَيرهم فِي جملَة الصَّحَابَة، وَلَئِن نزلناه من رُتْبَة الصَّحَابَة إِلَى رُتْبَة التَّابِعين فقد وجدنَا جمَاعَة أثنوا عَلَيْهِ ووثقوه، مِنْهُم: الْخَطِيب أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ. قَالَ: صَار مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى النهروان وَورد الْمَدَائِن فِي صحبته، وَهُوَ ثِقَة احْتج بحَديثه غير وَاحِد من الْأَئِمَّة، وَذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) ، وَقَالَ ابْن معِين: كُوفِي ثِقَة مَشْهُور. وَعَن الرَّابِع: إِن دُخُول عَلْقَمَة فِي الْوسط لَيْسَ بِعَيْب لِأَنَّهُ سَمعه من عَلْقَمَة أَولا بنزول، ثمَّ رَوَاهُ عَن وَائِل بعلوِّ، بَين ذَلِك الْكَجِّي فِي (سنَنه الْكَبِير) . وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَفِي إِسْنَاده بشر بن رَافع الْحَارِثِيّ، وَقد ضعفه البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأحمد وَابْن معِين، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه: بشر بن رَافع أَبُو الأسباط الْحَارِثِيّ ضَعِيف، وَهُوَ يروي هَذَا الحَدِيث عَن عبد الله ابْن عَم أبي هُرَيْرَة، وَأَبُو عبد الله هَذَا لَا يعرف لَهُ حَال، وَلَا روى عَنهُ غير بشر، والْحَدِيث لَا يَصح من أَجله، فَسقط بذلك قَول الْحَاكِم: على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وتحسين الدَّارَقُطْنِيّ إِيَّاه.
وَاحْتج أَصْحَابنَا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن فِي كتاب الْآثَار: حَدثنَا أَبُو حنيفَة حَدثنَا حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: (أَربع
стр. 1612
يخفيهم الإِمَام: التَّعَوُّذ. وبسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وسبحانك اللَّهُمَّ. وآمين) . وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : أخبرنَا معمر عَن حَمَّاد بِهِ فَذكره إلاّ أَنه قَالَ عوض قَوْله: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ. اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد) . ثمَّ قَالَ: أخبرنَا الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: (خمس يخفيهن الإِمَام) ، فَذكرهَا وَزَاد: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك) . وَبِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (تَهْذِيب الْآثَار) : حَدثنَا أَبُو بكر ابْن عَيَّاش عَن أبي سعيد عَن أبي وَائِل، قَالَ: (لم يكن عمر وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يجهران بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَلَا بآمين) ، وَقَالُوا أَيْضا: آمين دُعَاء، وَالْأَصْل فِي الدُّعَاء الْإخْفَاء.
وَفِيه: من الْفَضَائِل: تَفْضِيل الْإِمَامَة، لِأَن تَأْمِين الإِمَام يُوَافق تَأْمِين الْمَلَائِكَة، وَلِهَذَا شرعت للْإِمَام مُوَافَقَته.
١١٢ - (بابُ فَضْلِ التَّأمِينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل القَوْل بآمين.
٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُررَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا قَالَ أحدُكُمْ آمِينَ وقالتِ المَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إحْدَاهُنَّ الأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تقَدَّمَ منْ ذَنْبِهِ (الحَدِيث ٧٨٢ طرفه فِي: ٤٤٧٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ: عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُز.
وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة وَفِي الْمَلَائِكَة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك.
قَوْله: (أحدكُم) يتَنَاوَل لكل من قَرَأَ الْفَاتِحَة، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارج الصَّلَاة، وَسَوَاء كَانَ الَّذِي فِي الصَّلَاة إِمَامًا أَو مَأْمُوما، لِأَن الْكَلَام مُطلق، وَلَكِن جَاءَ فِي رِوَايَة لمُسلم مُقَيّدا بقوله: (إِذا قَالَ أحدكُم فِي صلَاته) ، قَالَ: بَعضهم يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد. قلت: لَا، بل يجْرِي الْمُطلق على إِطْلَاقه والمقيد على تَقْيِيده، وَكَيف يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد وَقد جَاءَ فِي (مُسْند) أَحْمد من رِوَايَة همام: (إِذا أَمن القارىء فَأمنُوا) ، فَهَذَا يدل على أَن التَّأْمِين مُسْتَحبّ إِذا أَمن مُطلقًا لكل من سَمعه، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا. قَوْله: (وَقَالَت الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء) ، يدل على أَن الْمَلَائِكَة لَا تخْتَص بالحفظة. قَوْله: (فَوَافَقت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى) يَعْنِي: وَافَقت كلمة تَأْمِين أحدكُم كلمة تَأْمِين الْمَلَائِكَة. قَوْله: (من ذَنبه) كلمة: من، فِيهِ بَيَانِيَّة لَا للتَّبْعِيض.
وَاسْتدلَّ بِهِ بعض الْمُعْتَزلَة على تَفْضِيل الْمَلَائِكَة على الْبشر، وَسَيَجِيءُ الْجَواب عَن ذَلِك فِي: بَاب الْمَلَائِكَة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال، وَإِلَيْهِ الْمَآل.
١١٣ - (بابُ جَهْر المَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جهر الْمَأْمُوم بِلَفْظ: آمين، وَرَاء الإِمَام، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: بَاب جهر الإِمَام بآمين، وَفِي بعض النّسخ: بالتامين، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين أصوب، لِأَنَّهُ عقد بَابا لجهر الإِمَام بالتأمين، وَقد مر قبل الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا الْبَاب، وَرِوَايَة: بَاب جهر الإِمَام، هَهُنَا تقع مكررة.
٧٨٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا قَالَ الإمامُ غيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ وافَقَ قَولُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (الحَدِيث ٧٨٢ طرفه فِي: ٤٤٧٥) .
قَالَ ابْن الْمُنِير: مُنَاسبَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من جِهَة أَن فِي الحَدِيث الْأَمر بقول: آمين، وَالْقَوْل إِذا وَقع بِهِ الْخطاب مُطلقًا حمل على الْجَهْر، وَمَتى أُرِيد بِهِ الْإِسْرَار أَو حَدِيث النَّفس قيد بذلك. قلت: الْمُطلق يتَنَاوَل الْجَهْر والإخفاء، وتخصيصه بالجهر وَالْحمل عَلَيْهِ تحكم لَا يجوز، وَقَالَ ابْن رشيد: تُؤْخَذ الْمُنَاسبَة من جِهَة أَنه قَالَ: إِذا قَالَ الإِمَام فَقولُوا، فقابل القَوْل بالْقَوْل، وَالْإِمَام إِنَّمَا قَالَ ذَلِك جَهرا فَكَانَ الظَّاهِر الِاتِّفَاق فِي الصّفة قلت: هَذَا أبعد من الأول وَأكْثر تعسفا، لِأَن ظَاهر الْكَلَام أَن لَا يَقُولهَا الإِمَام كَمَا رُوِيَ عَن مَالك، لِأَنَّهُ قسم، وَالْقِسْمَة تنَافِي الشّركَة. وَقَوله: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك جَهرا، لَا يدل عَلَيْهِ معنى الحَدِيث
стр. 1613
أصلا، فَكيف يَقُول: فَكَانَ الظَّاهِر الِاتِّفَاق فِي الصّفة. والْحَدِيث لَا يدل على ذَات التَّأْمِين عَن الإِمَام؟ فَكيف يطْلب الِاتِّفَاق فِي الصّفة وَهِي مَبْنِيَّة على الذَّات؟ وَقَالَ ابْن بطال: قد تقدم أَن الإِمَام يجْهر، وَتقدم أَن الْمَأْمُوم مَأْمُور بالاقتداء بِهِ، فَلَزِمَ من ذَلِك جهره بجهر قلت: هَذَا أبعد من الْكل، والملازمة مَمْنُوعَة، فعلى مَا قَالَه يلْزم أَن يجْهر الْمَأْمُوم بِالْقِرَاءَةِ، وَلم يقل بِهِ أحد، والكرماني أَيْضا ذكر هَذَا الْوَجْه، فَكَأَنَّهُ أَخذه من ابْن بطال فَبَطل عَلَيْهِ، وَيُمكن أَن يُوَجه وَجه لمناسبة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، وَهُوَ أَن يُقَال: أما ظَاهر الحَدِيث فَإِنَّهُ يدل على أَن الْمَأْمُوم يَقُولهَا، وَهَذَا لَا نزاع فِيهِ، وَأما أَنه يدل على جهره بالتأمين، فَلَا يدل. وَلَكِن يسْتَأْنس لَهُ بِمَا ذكره قبل ذَلِك، وَهُوَ قَوْله: (أَمن ابْن الزبير) ، إِلَى قَوْله: (خيرا) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد مضى ذكرهم غير مرّة، و: سمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو صَالح: ذكْوَان الزيات.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذكرنَا فِي: بَاب جهر الإِمَام وَالنَّاس بالتأمين، أَن مُسلما وَأَبا دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَخْرجُوهُ، وَكَذَلِكَ ذكرنَا جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ هُنَاكَ. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا لَا يُخَالف مَا قَالَ: إِذا أَمن الإِمَام فَأمنُوا، لِأَنَّهُ نَص بِالتَّعْيِينِ مرّة، وَدلّ بالتقدير أُخْرَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا قَالَ الإِمَام: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ وَأمن، فَقولُوا: آمين. وَيحْتَمل أَن يكون الْخطاب فِي حَدِيث أبي صَالح يَعْنِي حَدِيث هَذَا الْبَاب لمن تبَاعد من الإِمَام، فَكَانَ بِحَيْثُ لَا يسمع التَّأْمِين لِأَن جهر الإِمَام بِهِ أَخفض من قِرَاءَته على كل حَال فقد يسمع قِرَاءَته من لَا يسمع تأمينه إِذا كثرت الصُّفُوف وتكاثفت الجموع. قلت: ذكر الْخطابِيّ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين بِالِاحْتِمَالِ الَّذِي لَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر أَلْفَاظ الْحَدِيثين، فَإِن كَانَ يُؤْخَذ هَذَا بالإحتمال، فَنحْن أَيْضا نقُول: يحْتَمل أَن الْجَهْر فِيهِ لأجل تَعْلِيمه النَّاس بذلك، لأَنا لَا ننازع فِي اسْتِحْبَاب التَّأْمِين للْإِمَام وللمأموم، وَإِنَّمَا النزاع فِي الْجَهْر بِهِ، فَنحْن اخترنا الْإخْفَاء لِأَنَّهُ دُعَاء، وَالسّنة فِي الدُّعَاء الْإخْفَاء، وَالدَّلِيل على أَنه دُعَاء قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة يُونُس: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ (يُونُس: ٨٩) . قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَعِكْرِمَة وَمُحَمّد بن كَعْب وَالربيع بن مُوسَى: كَانَ مُوسَى ﷺ يَدْعُو وَهَارُون يُؤمن، فسماهما الله تَعَالَى: داعيين، فَإِذا ثَبت أَنه دُعَاء فإخفاؤه أفضل من الْجَهْر بِهِ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿ادعوا رَبك تضرعا وخفية﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٥) . على أَنا ذكرنَا أَخْبَارًا وآثارا فِيمَا مضى تدل على الْإخْفَاء.
فَإِن قلت: تظاهرت الْأَحَادِيث بالجهر. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ فِي (التَّهْذِيب) من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا قَالَ ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ آمين، وَمد بهَا صَوته) ، وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : (عَن ابْن أم الْحصين عَن أمه: أَنَّهَا صلت خلف النَّبِي ﷺ فَسَمعته يَقُول: آمين، وَهِي فِي صف النِّسَاء) . قلت: كَذَلِك تظاهرت الْآثَار بالإخفاء، كَمَا ذكرنَا، وَحَدِيث الطَّبَرِيّ فِيهِ ابْن أبي ليلى، وَهُوَ مِمَّن لَا يحْتَج بِهِ، وَالْمَعْرُوف عَنهُ أَيْضا بِخِلَافِهِ، وَحَدِيث ابْن مَاجَه أَيْضا، قَالَ الْبَزَّار فِي (سنَنه) : هَذَا حَدِيث لم يثبت من جِهَة النَّقْل، وَحَدِيث أم الْحصين يُعَارضهُ حَدِيث وَائِل: (أَنه صلى مَعَ النَّبِي ﷺ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين، وخفض بهَا صَوته) ، وَالرِّجَال أدرى بِحَال النَّبِي ﷺ من النِّسَاء، وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث دلَالَة ظَاهِرَة على أَن تَأْمِين الْمَأْمُوم يكون مَعَ تَأْمِين الإِمَام لَا بعده. قلت: بل الْأَمر بِالْعَكْسِ، لِأَن الْفَاء فِي الأَصْل للتعقيب، وَقَالَ أَيْضا: وَأولُوا: إِذا أَمن، بِأَن مَعْنَاهُ: إِذا أَرَادَ التَّأْمِين، جمعا بَين الْحَدِيثين. قلت: لَا خلاف بَين الْحَدِيثين حَتَّى يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي هُوَ خلاف الظَّاهِر، لِأَن كلا مِنْهُمَا ورد فِي حَالَة، لِأَنَّهُ فِي حَالَة أَمر الْمَأْمُوم بالتأمين وَسكت عَن تَأْمِين الإِمَام، وَفِي حَالَة بيَّن أَن الإِمَام أَيْضا يُؤمن، وَالْمَقْصُود اسْتِحْبَاب التَّأْمِين للْإِمَام وللمأموم، وَثَبت ذَلِك بِالْحَدِيثين الْمَذْكُورين. فَافْهَم.
تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍ وعنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: تَابع سميا مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة اللَّيْثِيّ، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة الْبَيْهَقِيّ عَن أبي طَاهِر الْفَقِيه: أخبرنَا أَبُو بكر الْقطَّان حَدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور الْمروزِي حَدثنَا النَّضر بن شُمَيْل أخبرنَا مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ :
стр. 1614
(إِذا قَالَ الإِمَام: ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ فَقَالَ من خَلفه: آمين، وَوَافَقَ ذَلِك قَول أهل السَّمَاء: آمين، غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) : عَن يزِيد بن هَارُون عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بِهِ، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن يزِيد بن هَارُون وَابْن خُزَيْمَة والسراج وَابْن حبَان وَغَيرهم من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بِهِ.
وَنُعَيْمٌ المُجْمِرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁
عطف على: مُحَمَّد بن عَمْرو، أَي: تَابع سميّا أَيْضا، نعيم بن المجمر. وأخرجها الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من طَرِيق عبد الْملك بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن خَالِد بن يزِيد عَن سعيد بن أبي هِلَال (عَن نعيم المجمر: صلى بِنَا أَبُو هُرَيْرَة، فَقَالَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، ثمَّ قَرَأَ بِأم الْقُرْآن حَتَّى بلغ ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين. ثمَّ قَالَ: إِنِّي لأشبهكم صَلَاة برَسُول الله ﷺ . وَقَالَ: رُوَاته ثِقَات، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة والسراج وَابْن حبَان وَغَيرهم من طَرِيق سعيد بن أبي هِلَال عَن نعيم المجمر، قَالَ: (صليت وَرَاء أبي هُرَيْرَة فَقَرَأَ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ثمَّ قَرَأَ بِأم الْقُرْآن حَتَّى بلغ: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ فَقَالَ آمين. وَقَالَ النَّاس: آمين، وَيَقُول كلما سجد: الله أكبر، وَإِذا قَامَ من الْجُلُوس فِي الاثنتين قَالَ: الله أكبر، وَيَقُول: إِذا سلم: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأشبهكم صَلَاة برَسُول الله ﷺ . قلت: التَّشْبِيه لَا عُمُوم لَهُ، فَلَا يلْزم أَن يكون فِي جَمِيع أَجزَاء الصَّلَاة، بل فِي معظمها.
١١٤ - (بابٌ إذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا ركع الْمُصَلِّي قبل وُصُوله إِلَى الصَّفّ، وَقَالَ بَعضهم: كَانَ اللَّائِق إِيرَاد هَذِه التَّرْجَمَة فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن هَذَا حكم مصل يرْكَع قبل وُصُوله إِلَى الصَّفّ، فعلى قَوْله: كَانَ يلْزم أَن يذكر: بَاب إِذا اسْمَع الإِمَام الْآيَة، وَهُوَ الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب بأَرْبعَة أَبْوَاب، فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة، فَإِنَّهُ مُتَعَلق بِالْإِمَامَةِ. وَلم يراع البُخَارِيّ بَين الْأَبْوَاب من أَي كتاب كَانَ الْمُنَاسبَة التَّامَّة، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَخْلُو عَن بعض مُنَاسبَة بَين كل بَابَيْنِ مذكورين مَعًا، وَهَهُنَا يُمكن أَن يُقَال: الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي قبله من حَيْثُ إِن الرُّكُوع يكون بعد الْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ قِرَاءَة الْفَاتِحَة، لِأَنَّهَا هِيَ الأَصْل عِنْدهم، وَيكون ختم الْفَاتِحَة بِلَفْظ: آمين، وَلَيْسَ بَين الْقِرَاءَة وَالرُّكُوع شَيْء آخر. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: هَذِه التَّرْجَمَة مِمَّا نوزع فِيهَا البُخَارِيّ حَيْثُ لم يَأْتِ بِجَوَاب إِذا، لإشكال الحَدِيث وَاخْتِلَاف الْعلمَاء فِي المُرَاد بقوله وَلَا تعد. انْتهى. قلت: جَوَاب: إِذا، على كل حَال مَحْذُوف، فَيحْتَمل أَن يقدر الْجَواب: يجوز، وَيحْتَمل: لَا يجوز، وَلَكِن الظَّاهِر: لَا يجوز، لِأَن طَرِيقَته فِي الْقِرَاءَة خلف الإِمَام تُشِير إِلَى عدم الْجَوَاز.
٧٨٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنِ الأعْلَمِ وَهْوَ زِيادٌ عنِ الحَسَنِ عنِ أبي بَكْرَةَ أنَّهُ انْتَهَى ألَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فقالَ زَادَكَ الله حِرْصا ولَا تَعُدْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (فَرَكَعَ قبل أَن يصل إِلَى الصَّفّ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي، الثَّانِي: همام على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن يحيى. الثَّالِث: الأعلم، على وزن أفعل الَّذِي هُوَ للتفضيل من الْعلم، بِفتْحَتَيْنِ، من علم علما إِذا صَار أعلم، وَهُوَ المشقوق الشّفة الْعليا، لَا من الْعلم، بِكَسْر الْعين وَسُكُون اللَّام. وَقد فسر اسْمه بقوله: وَهُوَ زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن حسان، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ. الرَّابِع: الْحسن الْبَصْرِيّ. الْخَامِس: أَبُو بكرَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْكَاف، واسْمه: نفيع بن الْحَارِث بن كلدة، من فضلاء الصَّحَابَة بِالْبَصْرَةِ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَن الأعلم، وَفِي رِوَايَة عَفَّان عَن همام: حَدثنَا زِيَاد الأعلم، أخرجه ابْن أبي شيبَة. وَفِيه: زِيَاد مَذْكُور بلقبه وَهُوَ: الأعلم، لقب بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مشقوق الشّفة السُّفْلى، قَالَ بَعضهم: هَكَذَا السُّفْلى وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الأعلم إِنَّمَا يُقَال
стр. 1615
للمشقوق الشّفة الْعليا، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: عَن الْحسن عَن أبي بكرَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْكَاف، أعله بَعضهم بِأَن الْحسن عنعنه، وَقيل: إِنَّه لم يسمع من أبي بكرَة، وَإِنَّمَا يروي عَن الْأَحْنَف عَنهُ، ورد هَذَا الإعلال بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ: أخبرنَا حميد بن مسْعدَة عَن يزِيد بن زُرَيْع، قَالَ: حَدثنَا سعيد عَن زِيَاد الأعلم، قَالَ: أخبرنَا الْحسن أَن أَبَا بكرَة حَدثهُ أَنه دخل الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ ﷺ رَاكِع فَرَكَعَ دون الصَّفّ. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : زادك الله حرصا وَلَا تعد. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، لِأَن زيادا من صغَار التَّابِعين، وَالْحسن من كبارهم، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن حميد بن مسْعدَة عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد ابْن أبي عرُوبَة عَن زِيَاد، وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد عَن زِيَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنه انْتهى إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَهُوَ رَاكِع) ، أَي: وَالْحَال أَن النَّبِي ﷺ رَاكِع. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن زِيَاد: (أخبرنَا الْحسن أَن أَبَا بكرَة حَدثهُ أَنه دخل الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ ﷺ رَاكِع) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن الْحسن: (أَن أَبَا بكرَة جَاءَ وَرَسُول الله ﷺ رَاكِع) . وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: عَن الْحسن عَن أبي بكرَة، قَالَ: (جِئْت وَرَسُول الله ﷺ رَاكِع، وَقد حفزني النَّفس فركعت دون الصَّفّ) . قَوْله: (فَذكر ذَلِك النَّبِي ﷺ أَي: فَذكر مَا فعله أَبُو بكرَة من رُكُوعه دون الصَّفّ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَلَمَّا قضى النَّبِي ﷺ صلَاته، قَالَ: أَيّكُم الَّذِي ركع دون الصَّفّ ثمَّ مَشى إِلَى الصَّفّ؟ فَقَالَ أَبُو بكرَة: أَنا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : زادك الله حرصا، وَلَا تعد) . وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة: (فَلَمَّا انْصَرف رَسُول الله ﷺ قَالَ: أَيّكُم دخل الصَّفّ وَهُوَ رَاكِع؟) قَوْله: (زادك الله حرصا) أَي: على الْخَيْر. قَوْله: (وَلَا تعد) قَالَ السفاقسي عَن الشَّافِعِي، يَعْنِي: لَا تركع دون الصَّفّ. وَقيل: لَا تعد أَن تسْعَى إِلَى الصَّلَاة سعيا يحفزك فِي النَّفس. وَقيل: لَا تعد إِلَى الإبطاء. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قَوْله: (لَا تعد) ، عندنَا يحْتَمل معنين: يحْتَمل وَلَا تعد أَن تركع دون الصَّفّ حَتَّى تقوم فِي الصَّفّ، كَمَا قد روى عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا أَتَى أحدكُم الصَّلَاة فَلَا يرْكَع دون الصَّفّ حَتَّى يَأْخُذ مَكَانَهُ من الصَّفّ) . وَيحْتَمل أَي وَلَا تعد أَن تسْعَى إِلَى الصَّفّ سعيا يحفزك فِيهِ النَّفس، كَمَا جَاءَ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تأتوها وَأَنْتُم تسعون، واتوها وَأَنْتُم تمشون وَعَلَيْكُم السكينَة، فَمَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فَأتمُّوا) . وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: يحْتَمل أَن يكون عَائِدًا إِلَى الْمَشْي إِلَى الصَّفّ فِي الصَّلَاة، فَإِن الخطوة والخطوتين، وَإِن لم تفْسد الصَّلَاة، لَكِن الأولى التَّحَرُّز عَنْهَا. ثمَّ قَوْله: (وَلَا تعد) فِي جَمِيع الرِّوَايَات، بِفَتْح التَّاء وَضم الْعين: من الْعود. وَقيل: رُوِيَ بِضَم التَّاء وَكسر الْعين: من الْإِعَادَة، فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة فَمَعْنَاه: وَلَا تعد صَلَاتك.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الطَّحَاوِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث أَنه ركع دون الصَّفّ فَلم يَأْمُرهُ رَسُول الله ﷺ بِإِعَادَة الصَّلَاة. انْتهى. وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّهُمَا فعلا ذَلِك، ركعا دون الصَّفّ ومشيا إِلَى الصَّفّ رُكُوعًا، وَفعله عُرْوَة بن الزبير وَسَعِيد بن جُبَير وَأَبُو سَلمَة وَعَطَاء، وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث: لَا بَأْس بذلك إِذا كَانَ قَرِيبا قدر مَا يلْحق. وحد الْقرب فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي إِسْمَاعِيل عَن مَالك: أَن يصل إِلَى الصَّفّ قبل سُجُود الإِمَام. وَقيل: يدب قدر مَا بَين الفرجتين. وَفِي (الغنية) : ثَلَاث صُفُوف، وَفِي (الْأَوْسَط) : من حَدِيث عَطاء ان ابْن الزبير قَالَ على الْمِنْبَر: إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد وَالنَّاس رُكُوع فليركع حِين يدْخل ثمَّ يدب رَاكِعا حَتَّى يدْخل فِي الصَّفّ، فَإِن ذَلِك السّنة. قَالَ عَطاء: ورأيته يصنع ذَلِك، وَفِي (المُصَنّف) بِسَنَد صَحِيح: عَن زيد بن وهب، قَالَ: (خرجت مَعَ عبد الله من دَاره فَلَمَّا توسطنا الْمَسْجِد ركع الإِمَام فَكبر عبد الله ثمَّ ركع وركعت مَعَه، ثمَّ مشينا إِلَى الصَّفّ راكعين حَتَّى رفع الْقَوْم رؤوسهم، فَلَمَّا قضى الإِمَام الصَّلَاة قُمْت لأصلي فَأخذ بيَدي عبد الله فأجلسني، وَقَالَ: إِنَّك قد أدْركْت) . وَرُوِيَ فِي (المُصَنّف) أَيْضا: أَن أَبَا أُمَامَة فعل ذَلِك وَزيد بن ثَابت وَسَعِيد بن جُبَير وَعُرْوَة بن الزبير وَمُجاهد وَالْحسن. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يكره ذَلِك للْوَاحِد وَلَا يكره للْجَمَاعَة، ذكره الطَّحَاوِيّ.
وَفِيه: أَن دُخُول أَبَا بكرَة فِي الصَّلَاة دون الصَّفّ لما كَانَ صَحِيحا كَانَت صَلَاة الْمُصَلِّي كلهَا دون الصَّفّ صَلَاة صَحِيحَة، وَهُوَ صَلَاة
следующие страницы →