Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
خلف رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا افْتتح الصَّلَاة كبر) الحَدِيث، وَفِيه: (فَلَمَّا فرغ من الْفَاتِحَة قَالَ: آمين، يرفع بهَا صَوته) . وروى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن بشر بن رَافع عَن عبد الله ابْن عَم أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا تَلا ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين، حَتَّى يسمع من الصَّفّ الأول) ، وَزَاد ابْن مَاجَه: (فيرتج بهَا الْمَسْجِد) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) وَقَالَ: إِسْنَاده صَحِيح. قلت: الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن سُفْيَان يُعَارضهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن شُعْبَة عَن سَلمَة بن كهيل عَن حجر أبي العنبس عَن عَلْقَمَة بن وَائِل عَن أَبِيه، وَقَالَ فِيهِ: (وخفض بهَا صَوته) . فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول: حَدِيث سُفْيَان أصح من حَدِيث شُعْبَة، وَأَخْطَأ شُعْبَة فِي مَوَاضِع، فَقَالَ حجر أبي العنبس: وَإِنَّمَا هُوَ حجر بن العنبس، ويكنى أَبَا السكن، وَزَاد فِيهِ عَلْقَمَة، وَإِنَّمَا هُوَ حجر عَن أبي وَائِل، وَقَالَ: خفض بهَا صَوته، وَإِنَّمَا هُوَ: مد بهَا صَوته قلت: تخطئه مثل شُعْبَة خطأ، وَكَيف وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث؟ وَقَوله: (هُوَ حجر بن العنبس) ، وَلَيْسَ بِأبي العنبس، لَيْسَ كَمَا قَالَه، بل هُوَ أَبُو العنبس حجر بن العنبس، وَجزم بِهِ ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) ، فَقَالَ: كنيته كاسم أَبِيه، وَقَول مُحَمَّد: يكنى أَبَا السكن، لَا يُنَافِي أَن تكون كنيته أَيْضا أَبَا العنبس، لِأَنَّهُ لَا مَانع أَن يكون لشخص كنيتان. وَقَوله: (وَزَاد فِيهِ عَلْقَمَة) ، لَا يضر، لِأَن الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة، وَلَا سِيمَا من مثل شُعْبَة. وَقَوله: وَقَالَ: وخفض بهَا صَوته وَإِنَّمَا هُوَ وَمد بهَا صَوته، يُؤَيّد مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن وَائِل بن حجر قَالَ: (صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ فَسَمعته حِين قَالَ ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين، فأخفى بهَا صَوته) فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وهم شُعْبَة فِيهِ لِأَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَمُحَمّد بن سَلمَة بن كهيل وَغَيرهمَا رَوَوْهُ عَن سَلمَة بن كهيل فَقَالُوا: وَرفع بهَا صَوته، وَهُوَ الصَّوَاب، وَطعن صَاحب (التَّنْقِيح) فِي حَدِيث شُعْبَة هَذَا بِأَنَّهُ: قد رُوِيَ عَنهُ خِلَافه، كَمَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ: حَدثنَا شُعْبَة عَن سَلمَة بن كهيل سَمِعت حجرا أَبَا العنبس يحدث (عَن وَائِل الْحَضْرَمِيّ أَنه: صلى خلف النَّبِي ﷺ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين، رَافعا صَوته) ، قَالَ: فَهَذِهِ الرِّوَايَة توَافق رِوَايَة سُفْيَان. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) إِسْنَاد هَذِه الرِّوَايَة صَحِيح، وَكَانَ شُعْبَة يَقُول: سُفْيَان أحفظ. وَقَالَ يحيى بن معِين: إِذا خَالف شُعْبَة قَول سُفْيَان فَالْقَوْل قَول سُفْيَان: قَالَ: وَقد أجمع الْحفاظ: البُخَارِيّ وَغَيره، أَن شُعْبَة أَخطَأ قلت: قَول الدَّارَقُطْنِيّ: وهم شُعْبَة، يدل على قلَّة اعتنائه بِكَلَام هَذَا الْقَائِل وَإِثْبَات الْوَهم لَهُ، لكَونه غير مَعْصُوم مَوْجُود فِي سُفْيَان، فَرُبمَا يكون هُوَ وهم، وَيُمكن أَن يكون كلا الإسنادين صَحِيحا. وَقد قَالَ بعض الْعلمَاء: وَالصَّوَاب أَن الْخَبَرَيْنِ بالجهر بهَا وبالمخافتة صَحِيحَانِ، وَعمل بِكُل مِنْهُمَا جمَاعَة من الْعلمَاء. فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه هَذَا: الحَدِيث فِيهِ أَرْبَعَة أُمُور: اخْتِلَاف سُفْيَان وَشعْبَة فِي اللَّفْظ وَفِي الكنية. وَحجر لَا يعرف حَاله. واختلافهما أَيْضا حَيْثُ جعل سُفْيَان من رِوَايَة حجر عَن عَلْقَمَة بن وَائِل عَن وَائِل. قلت: الْجَواب عَن الأول: لَا يضر اختلا سُفْيَان وَشعْبَة، لِأَن كلا مِنْهُمَا إِمَام عَظِيم الشَّأْن، فَلَا تسْقط رِوَايَة أَحدهمَا بروية الآخر، وَمَا يُقَال من الْوَهم فِي أَحدهمَا يصدق فِي الآخر، فَلَا ينْتج من ذَلِك شَيْء. وَعَن الثَّانِي: أَيْضا، لَا يضر الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور فِي الِاسْم والكنية، كَمَا شرحناه الْآن. وَعَن الثَّالِث: أَنه مَمْنُوع، وَكَيف لَا يعرف حَاله وَقد ذكره الْبَغَوِيّ وَأَبُو الْفرج وَابْن الْأَثِير وَغَيرهم فِي جملَة الصَّحَابَة، وَلَئِن نزلناه من رُتْبَة الصَّحَابَة إِلَى رُتْبَة التَّابِعين فقد وجدنَا جمَاعَة أثنوا عَلَيْهِ ووثقوه، مِنْهُم: الْخَطِيب أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ. قَالَ: صَار مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى النهروان وَورد الْمَدَائِن فِي صحبته، وَهُوَ ثِقَة احْتج بحَديثه غير وَاحِد من الْأَئِمَّة، وَذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) ، وَقَالَ ابْن معِين: كُوفِي ثِقَة مَشْهُور. وَعَن الرَّابِع: إِن دُخُول عَلْقَمَة فِي الْوسط لَيْسَ بِعَيْب لِأَنَّهُ سَمعه من عَلْقَمَة أَولا بنزول، ثمَّ رَوَاهُ عَن وَائِل بعلوِّ، بَين ذَلِك الْكَجِّي فِي (سنَنه الْكَبِير) . وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَفِي إِسْنَاده بشر بن رَافع الْحَارِثِيّ، وَقد ضعفه البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأحمد وَابْن معِين، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه: بشر بن رَافع أَبُو الأسباط الْحَارِثِيّ ضَعِيف، وَهُوَ يروي هَذَا الحَدِيث عَن عبد الله ابْن عَم أبي هُرَيْرَة، وَأَبُو عبد الله هَذَا لَا يعرف لَهُ حَال، وَلَا روى عَنهُ غير بشر، والْحَدِيث لَا يَصح من أَجله، فَسقط بذلك قَول الْحَاكِم: على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وتحسين الدَّارَقُطْنِيّ إِيَّاه.
وَاحْتج أَصْحَابنَا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن فِي كتاب الْآثَار: حَدثنَا أَبُو حنيفَة حَدثنَا حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: (أَربع
стр. 1612
يخفيهم الإِمَام: التَّعَوُّذ. وبسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وسبحانك اللَّهُمَّ. وآمين) . وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : أخبرنَا معمر عَن حَمَّاد بِهِ فَذكره إلاّ أَنه قَالَ عوض قَوْله: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ. اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد) . ثمَّ قَالَ: أخبرنَا الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: (خمس يخفيهن الإِمَام) ، فَذكرهَا وَزَاد: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك) . وَبِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (تَهْذِيب الْآثَار) : حَدثنَا أَبُو بكر ابْن عَيَّاش عَن أبي سعيد عَن أبي وَائِل، قَالَ: (لم يكن عمر وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يجهران بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَلَا بآمين) ، وَقَالُوا أَيْضا: آمين دُعَاء، وَالْأَصْل فِي الدُّعَاء الْإخْفَاء.
وَفِيه: من الْفَضَائِل: تَفْضِيل الْإِمَامَة، لِأَن تَأْمِين الإِمَام يُوَافق تَأْمِين الْمَلَائِكَة، وَلِهَذَا شرعت للْإِمَام مُوَافَقَته.
١١٢ - (بابُ فَضْلِ التَّأمِينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل القَوْل بآمين.
٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُررَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا قَالَ أحدُكُمْ آمِينَ وقالتِ المَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إحْدَاهُنَّ الأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تقَدَّمَ منْ ذَنْبِهِ (الحَدِيث ٧٨٢ طرفه فِي: ٤٤٧٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ: عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُز.
وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة وَفِي الْمَلَائِكَة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك.
قَوْله: (أحدكُم) يتَنَاوَل لكل من قَرَأَ الْفَاتِحَة، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارج الصَّلَاة، وَسَوَاء كَانَ الَّذِي فِي الصَّلَاة إِمَامًا أَو مَأْمُوما، لِأَن الْكَلَام مُطلق، وَلَكِن جَاءَ فِي رِوَايَة لمُسلم مُقَيّدا بقوله: (إِذا قَالَ أحدكُم فِي صلَاته) ، قَالَ: بَعضهم يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد. قلت: لَا، بل يجْرِي الْمُطلق على إِطْلَاقه والمقيد على تَقْيِيده، وَكَيف يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد وَقد جَاءَ فِي (مُسْند) أَحْمد من رِوَايَة همام: (إِذا أَمن القارىء فَأمنُوا) ، فَهَذَا يدل على أَن التَّأْمِين مُسْتَحبّ إِذا أَمن مُطلقًا لكل من سَمعه، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا. قَوْله: (وَقَالَت الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء) ، يدل على أَن الْمَلَائِكَة لَا تخْتَص بالحفظة. قَوْله: (فَوَافَقت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى) يَعْنِي: وَافَقت كلمة تَأْمِين أحدكُم كلمة تَأْمِين الْمَلَائِكَة. قَوْله: (من ذَنبه) كلمة: من، فِيهِ بَيَانِيَّة لَا للتَّبْعِيض.
وَاسْتدلَّ بِهِ بعض الْمُعْتَزلَة على تَفْضِيل الْمَلَائِكَة على الْبشر، وَسَيَجِيءُ الْجَواب عَن ذَلِك فِي: بَاب الْمَلَائِكَة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال، وَإِلَيْهِ الْمَآل.
١١٣ - (بابُ جَهْر المَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جهر الْمَأْمُوم بِلَفْظ: آمين، وَرَاء الإِمَام، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: بَاب جهر الإِمَام بآمين، وَفِي بعض النّسخ: بالتامين، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين أصوب، لِأَنَّهُ عقد بَابا لجهر الإِمَام بالتأمين، وَقد مر قبل الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا الْبَاب، وَرِوَايَة: بَاب جهر الإِمَام، هَهُنَا تقع مكررة.
٧٨٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا قَالَ الإمامُ غيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ وافَقَ قَولُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (الحَدِيث ٧٨٢ طرفه فِي: ٤٤٧٥) .
قَالَ ابْن الْمُنِير: مُنَاسبَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من جِهَة أَن فِي الحَدِيث الْأَمر بقول: آمين، وَالْقَوْل إِذا وَقع بِهِ الْخطاب مُطلقًا حمل على الْجَهْر، وَمَتى أُرِيد بِهِ الْإِسْرَار أَو حَدِيث النَّفس قيد بذلك. قلت: الْمُطلق يتَنَاوَل الْجَهْر والإخفاء، وتخصيصه بالجهر وَالْحمل عَلَيْهِ تحكم لَا يجوز، وَقَالَ ابْن رشيد: تُؤْخَذ الْمُنَاسبَة من جِهَة أَنه قَالَ: إِذا قَالَ الإِمَام فَقولُوا، فقابل القَوْل بالْقَوْل، وَالْإِمَام إِنَّمَا قَالَ ذَلِك جَهرا فَكَانَ الظَّاهِر الِاتِّفَاق فِي الصّفة قلت: هَذَا أبعد من الأول وَأكْثر تعسفا، لِأَن ظَاهر الْكَلَام أَن لَا يَقُولهَا الإِمَام كَمَا رُوِيَ عَن مَالك، لِأَنَّهُ قسم، وَالْقِسْمَة تنَافِي الشّركَة. وَقَوله: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك جَهرا، لَا يدل عَلَيْهِ معنى الحَدِيث
стр. 1613
أصلا، فَكيف يَقُول: فَكَانَ الظَّاهِر الِاتِّفَاق فِي الصّفة. والْحَدِيث لَا يدل على ذَات التَّأْمِين عَن الإِمَام؟ فَكيف يطْلب الِاتِّفَاق فِي الصّفة وَهِي مَبْنِيَّة على الذَّات؟ وَقَالَ ابْن بطال: قد تقدم أَن الإِمَام يجْهر، وَتقدم أَن الْمَأْمُوم مَأْمُور بالاقتداء بِهِ، فَلَزِمَ من ذَلِك جهره بجهر قلت: هَذَا أبعد من الْكل، والملازمة مَمْنُوعَة، فعلى مَا قَالَه يلْزم أَن يجْهر الْمَأْمُوم بِالْقِرَاءَةِ، وَلم يقل بِهِ أحد، والكرماني أَيْضا ذكر هَذَا الْوَجْه، فَكَأَنَّهُ أَخذه من ابْن بطال فَبَطل عَلَيْهِ، وَيُمكن أَن يُوَجه وَجه لمناسبة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، وَهُوَ أَن يُقَال: أما ظَاهر الحَدِيث فَإِنَّهُ يدل على أَن الْمَأْمُوم يَقُولهَا، وَهَذَا لَا نزاع فِيهِ، وَأما أَنه يدل على جهره بالتأمين، فَلَا يدل. وَلَكِن يسْتَأْنس لَهُ بِمَا ذكره قبل ذَلِك، وَهُوَ قَوْله: (أَمن ابْن الزبير) ، إِلَى قَوْله: (خيرا) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد مضى ذكرهم غير مرّة، و: سمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو صَالح: ذكْوَان الزيات.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذكرنَا فِي: بَاب جهر الإِمَام وَالنَّاس بالتأمين، أَن مُسلما وَأَبا دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَخْرجُوهُ، وَكَذَلِكَ ذكرنَا جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ هُنَاكَ. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا لَا يُخَالف مَا قَالَ: إِذا أَمن الإِمَام فَأمنُوا، لِأَنَّهُ نَص بِالتَّعْيِينِ مرّة، وَدلّ بالتقدير أُخْرَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا قَالَ الإِمَام: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ وَأمن، فَقولُوا: آمين. وَيحْتَمل أَن يكون الْخطاب فِي حَدِيث أبي صَالح يَعْنِي حَدِيث هَذَا الْبَاب لمن تبَاعد من الإِمَام، فَكَانَ بِحَيْثُ لَا يسمع التَّأْمِين لِأَن جهر الإِمَام بِهِ أَخفض من قِرَاءَته على كل حَال فقد يسمع قِرَاءَته من لَا يسمع تأمينه إِذا كثرت الصُّفُوف وتكاثفت الجموع. قلت: ذكر الْخطابِيّ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين بِالِاحْتِمَالِ الَّذِي لَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر أَلْفَاظ الْحَدِيثين، فَإِن كَانَ يُؤْخَذ هَذَا بالإحتمال، فَنحْن أَيْضا نقُول: يحْتَمل أَن الْجَهْر فِيهِ لأجل تَعْلِيمه النَّاس بذلك، لأَنا لَا ننازع فِي اسْتِحْبَاب التَّأْمِين للْإِمَام وللمأموم، وَإِنَّمَا النزاع فِي الْجَهْر بِهِ، فَنحْن اخترنا الْإخْفَاء لِأَنَّهُ دُعَاء، وَالسّنة فِي الدُّعَاء الْإخْفَاء، وَالدَّلِيل على أَنه دُعَاء قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة يُونُس: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ (يُونُس: ٨٩) . قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَعِكْرِمَة وَمُحَمّد بن كَعْب وَالربيع بن مُوسَى: كَانَ مُوسَى ﷺ يَدْعُو وَهَارُون يُؤمن، فسماهما الله تَعَالَى: داعيين، فَإِذا ثَبت أَنه دُعَاء فإخفاؤه أفضل من الْجَهْر بِهِ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿ادعوا رَبك تضرعا وخفية﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٥) . على أَنا ذكرنَا أَخْبَارًا وآثارا فِيمَا مضى تدل على الْإخْفَاء.
فَإِن قلت: تظاهرت الْأَحَادِيث بالجهر. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ فِي (التَّهْذِيب) من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا قَالَ ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ آمين، وَمد بهَا صَوته) ، وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : (عَن ابْن أم الْحصين عَن أمه: أَنَّهَا صلت خلف النَّبِي ﷺ فَسَمعته يَقُول: آمين، وَهِي فِي صف النِّسَاء) . قلت: كَذَلِك تظاهرت الْآثَار بالإخفاء، كَمَا ذكرنَا، وَحَدِيث الطَّبَرِيّ فِيهِ ابْن أبي ليلى، وَهُوَ مِمَّن لَا يحْتَج بِهِ، وَالْمَعْرُوف عَنهُ أَيْضا بِخِلَافِهِ، وَحَدِيث ابْن مَاجَه أَيْضا، قَالَ الْبَزَّار فِي (سنَنه) : هَذَا حَدِيث لم يثبت من جِهَة النَّقْل، وَحَدِيث أم الْحصين يُعَارضهُ حَدِيث وَائِل: (أَنه صلى مَعَ النَّبِي ﷺ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين، وخفض بهَا صَوته) ، وَالرِّجَال أدرى بِحَال النَّبِي ﷺ من النِّسَاء، وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث دلَالَة ظَاهِرَة على أَن تَأْمِين الْمَأْمُوم يكون مَعَ تَأْمِين الإِمَام لَا بعده. قلت: بل الْأَمر بِالْعَكْسِ، لِأَن الْفَاء فِي الأَصْل للتعقيب، وَقَالَ أَيْضا: وَأولُوا: إِذا أَمن، بِأَن مَعْنَاهُ: إِذا أَرَادَ التَّأْمِين، جمعا بَين الْحَدِيثين. قلت: لَا خلاف بَين الْحَدِيثين حَتَّى يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي هُوَ خلاف الظَّاهِر، لِأَن كلا مِنْهُمَا ورد فِي حَالَة، لِأَنَّهُ فِي حَالَة أَمر الْمَأْمُوم بالتأمين وَسكت عَن تَأْمِين الإِمَام، وَفِي حَالَة بيَّن أَن الإِمَام أَيْضا يُؤمن، وَالْمَقْصُود اسْتِحْبَاب التَّأْمِين للْإِمَام وللمأموم، وَثَبت ذَلِك بِالْحَدِيثين الْمَذْكُورين. فَافْهَم.
تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍ وعنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: تَابع سميا مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة اللَّيْثِيّ، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة الْبَيْهَقِيّ عَن أبي طَاهِر الْفَقِيه: أخبرنَا أَبُو بكر الْقطَّان حَدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور الْمروزِي حَدثنَا النَّضر بن شُمَيْل أخبرنَا مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ :
стр. 1614
(إِذا قَالَ الإِمَام: ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ فَقَالَ من خَلفه: آمين، وَوَافَقَ ذَلِك قَول أهل السَّمَاء: آمين، غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) : عَن يزِيد بن هَارُون عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بِهِ، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن يزِيد بن هَارُون وَابْن خُزَيْمَة والسراج وَابْن حبَان وَغَيرهم من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بِهِ.
وَنُعَيْمٌ المُجْمِرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁
عطف على: مُحَمَّد بن عَمْرو، أَي: تَابع سميّا أَيْضا، نعيم بن المجمر. وأخرجها الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من طَرِيق عبد الْملك بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن خَالِد بن يزِيد عَن سعيد بن أبي هِلَال (عَن نعيم المجمر: صلى بِنَا أَبُو هُرَيْرَة، فَقَالَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، ثمَّ قَرَأَ بِأم الْقُرْآن حَتَّى بلغ ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ: آمين. ثمَّ قَالَ: إِنِّي لأشبهكم صَلَاة برَسُول الله ﷺ . وَقَالَ: رُوَاته ثِقَات، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة والسراج وَابْن حبَان وَغَيرهم من طَرِيق سعيد بن أبي هِلَال عَن نعيم المجمر، قَالَ: (صليت وَرَاء أبي هُرَيْرَة فَقَرَأَ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ثمَّ قَرَأَ بِأم الْقُرْآن حَتَّى بلغ: ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ فَقَالَ آمين. وَقَالَ النَّاس: آمين، وَيَقُول كلما سجد: الله أكبر، وَإِذا قَامَ من الْجُلُوس فِي الاثنتين قَالَ: الله أكبر، وَيَقُول: إِذا سلم: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأشبهكم صَلَاة برَسُول الله ﷺ . قلت: التَّشْبِيه لَا عُمُوم لَهُ، فَلَا يلْزم أَن يكون فِي جَمِيع أَجزَاء الصَّلَاة، بل فِي معظمها.
١١٤ - (بابٌ إذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا ركع الْمُصَلِّي قبل وُصُوله إِلَى الصَّفّ، وَقَالَ بَعضهم: كَانَ اللَّائِق إِيرَاد هَذِه التَّرْجَمَة فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن هَذَا حكم مصل يرْكَع قبل وُصُوله إِلَى الصَّفّ، فعلى قَوْله: كَانَ يلْزم أَن يذكر: بَاب إِذا اسْمَع الإِمَام الْآيَة، وَهُوَ الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب بأَرْبعَة أَبْوَاب، فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة، فَإِنَّهُ مُتَعَلق بِالْإِمَامَةِ. وَلم يراع البُخَارِيّ بَين الْأَبْوَاب من أَي كتاب كَانَ الْمُنَاسبَة التَّامَّة، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَخْلُو عَن بعض مُنَاسبَة بَين كل بَابَيْنِ مذكورين مَعًا، وَهَهُنَا يُمكن أَن يُقَال: الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي قبله من حَيْثُ إِن الرُّكُوع يكون بعد الْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ قِرَاءَة الْفَاتِحَة، لِأَنَّهَا هِيَ الأَصْل عِنْدهم، وَيكون ختم الْفَاتِحَة بِلَفْظ: آمين، وَلَيْسَ بَين الْقِرَاءَة وَالرُّكُوع شَيْء آخر. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: هَذِه التَّرْجَمَة مِمَّا نوزع فِيهَا البُخَارِيّ حَيْثُ لم يَأْتِ بِجَوَاب إِذا، لإشكال الحَدِيث وَاخْتِلَاف الْعلمَاء فِي المُرَاد بقوله وَلَا تعد. انْتهى. قلت: جَوَاب: إِذا، على كل حَال مَحْذُوف، فَيحْتَمل أَن يقدر الْجَواب: يجوز، وَيحْتَمل: لَا يجوز، وَلَكِن الظَّاهِر: لَا يجوز، لِأَن طَرِيقَته فِي الْقِرَاءَة خلف الإِمَام تُشِير إِلَى عدم الْجَوَاز.
٧٨٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنِ الأعْلَمِ وَهْوَ زِيادٌ عنِ الحَسَنِ عنِ أبي بَكْرَةَ أنَّهُ انْتَهَى ألَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فقالَ زَادَكَ الله حِرْصا ولَا تَعُدْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (فَرَكَعَ قبل أَن يصل إِلَى الصَّفّ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي، الثَّانِي: همام على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن يحيى. الثَّالِث: الأعلم، على وزن أفعل الَّذِي هُوَ للتفضيل من الْعلم، بِفتْحَتَيْنِ، من علم علما إِذا صَار أعلم، وَهُوَ المشقوق الشّفة الْعليا، لَا من الْعلم، بِكَسْر الْعين وَسُكُون اللَّام. وَقد فسر اسْمه بقوله: وَهُوَ زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن حسان، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ. الرَّابِع: الْحسن الْبَصْرِيّ. الْخَامِس: أَبُو بكرَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْكَاف، واسْمه: نفيع بن الْحَارِث بن كلدة، من فضلاء الصَّحَابَة بِالْبَصْرَةِ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَن الأعلم، وَفِي رِوَايَة عَفَّان عَن همام: حَدثنَا زِيَاد الأعلم، أخرجه ابْن أبي شيبَة. وَفِيه: زِيَاد مَذْكُور بلقبه وَهُوَ: الأعلم، لقب بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مشقوق الشّفة السُّفْلى، قَالَ بَعضهم: هَكَذَا السُّفْلى وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الأعلم إِنَّمَا يُقَال
стр. 1615
للمشقوق الشّفة الْعليا، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: عَن الْحسن عَن أبي بكرَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْكَاف، أعله بَعضهم بِأَن الْحسن عنعنه، وَقيل: إِنَّه لم يسمع من أبي بكرَة، وَإِنَّمَا يروي عَن الْأَحْنَف عَنهُ، ورد هَذَا الإعلال بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ: أخبرنَا حميد بن مسْعدَة عَن يزِيد بن زُرَيْع، قَالَ: حَدثنَا سعيد عَن زِيَاد الأعلم، قَالَ: أخبرنَا الْحسن أَن أَبَا بكرَة حَدثهُ أَنه دخل الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ ﷺ رَاكِع فَرَكَعَ دون الصَّفّ. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : زادك الله حرصا وَلَا تعد. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، لِأَن زيادا من صغَار التَّابِعين، وَالْحسن من كبارهم، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن حميد بن مسْعدَة عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد ابْن أبي عرُوبَة عَن زِيَاد، وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد عَن زِيَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنه انْتهى إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَهُوَ رَاكِع) ، أَي: وَالْحَال أَن النَّبِي ﷺ رَاكِع. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن زِيَاد: (أخبرنَا الْحسن أَن أَبَا بكرَة حَدثهُ أَنه دخل الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ ﷺ رَاكِع) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن الْحسن: (أَن أَبَا بكرَة جَاءَ وَرَسُول الله ﷺ رَاكِع) . وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: عَن الْحسن عَن أبي بكرَة، قَالَ: (جِئْت وَرَسُول الله ﷺ رَاكِع، وَقد حفزني النَّفس فركعت دون الصَّفّ) . قَوْله: (فَذكر ذَلِك النَّبِي ﷺ أَي: فَذكر مَا فعله أَبُو بكرَة من رُكُوعه دون الصَّفّ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَلَمَّا قضى النَّبِي ﷺ صلَاته، قَالَ: أَيّكُم الَّذِي ركع دون الصَّفّ ثمَّ مَشى إِلَى الصَّفّ؟ فَقَالَ أَبُو بكرَة: أَنا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : زادك الله حرصا، وَلَا تعد) . وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة: (فَلَمَّا انْصَرف رَسُول الله ﷺ قَالَ: أَيّكُم دخل الصَّفّ وَهُوَ رَاكِع؟) قَوْله: (زادك الله حرصا) أَي: على الْخَيْر. قَوْله: (وَلَا تعد) قَالَ السفاقسي عَن الشَّافِعِي، يَعْنِي: لَا تركع دون الصَّفّ. وَقيل: لَا تعد أَن تسْعَى إِلَى الصَّلَاة سعيا يحفزك فِي النَّفس. وَقيل: لَا تعد إِلَى الإبطاء. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قَوْله: (لَا تعد) ، عندنَا يحْتَمل معنين: يحْتَمل وَلَا تعد أَن تركع دون الصَّفّ حَتَّى تقوم فِي الصَّفّ، كَمَا قد روى عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا أَتَى أحدكُم الصَّلَاة فَلَا يرْكَع دون الصَّفّ حَتَّى يَأْخُذ مَكَانَهُ من الصَّفّ) . وَيحْتَمل أَي وَلَا تعد أَن تسْعَى إِلَى الصَّفّ سعيا يحفزك فِيهِ النَّفس، كَمَا جَاءَ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تأتوها وَأَنْتُم تسعون، واتوها وَأَنْتُم تمشون وَعَلَيْكُم السكينَة، فَمَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فَأتمُّوا) . وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: يحْتَمل أَن يكون عَائِدًا إِلَى الْمَشْي إِلَى الصَّفّ فِي الصَّلَاة، فَإِن الخطوة والخطوتين، وَإِن لم تفْسد الصَّلَاة، لَكِن الأولى التَّحَرُّز عَنْهَا. ثمَّ قَوْله: (وَلَا تعد) فِي جَمِيع الرِّوَايَات، بِفَتْح التَّاء وَضم الْعين: من الْعود. وَقيل: رُوِيَ بِضَم التَّاء وَكسر الْعين: من الْإِعَادَة، فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة فَمَعْنَاه: وَلَا تعد صَلَاتك.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الطَّحَاوِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث أَنه ركع دون الصَّفّ فَلم يَأْمُرهُ رَسُول الله ﷺ بِإِعَادَة الصَّلَاة. انْتهى. وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّهُمَا فعلا ذَلِك، ركعا دون الصَّفّ ومشيا إِلَى الصَّفّ رُكُوعًا، وَفعله عُرْوَة بن الزبير وَسَعِيد بن جُبَير وَأَبُو سَلمَة وَعَطَاء، وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث: لَا بَأْس بذلك إِذا كَانَ قَرِيبا قدر مَا يلْحق. وحد الْقرب فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي إِسْمَاعِيل عَن مَالك: أَن يصل إِلَى الصَّفّ قبل سُجُود الإِمَام. وَقيل: يدب قدر مَا بَين الفرجتين. وَفِي (الغنية) : ثَلَاث صُفُوف، وَفِي (الْأَوْسَط) : من حَدِيث عَطاء ان ابْن الزبير قَالَ على الْمِنْبَر: إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد وَالنَّاس رُكُوع فليركع حِين يدْخل ثمَّ يدب رَاكِعا حَتَّى يدْخل فِي الصَّفّ، فَإِن ذَلِك السّنة. قَالَ عَطاء: ورأيته يصنع ذَلِك، وَفِي (المُصَنّف) بِسَنَد صَحِيح: عَن زيد بن وهب، قَالَ: (خرجت مَعَ عبد الله من دَاره فَلَمَّا توسطنا الْمَسْجِد ركع الإِمَام فَكبر عبد الله ثمَّ ركع وركعت مَعَه، ثمَّ مشينا إِلَى الصَّفّ راكعين حَتَّى رفع الْقَوْم رؤوسهم، فَلَمَّا قضى الإِمَام الصَّلَاة قُمْت لأصلي فَأخذ بيَدي عبد الله فأجلسني، وَقَالَ: إِنَّك قد أدْركْت) . وَرُوِيَ فِي (المُصَنّف) أَيْضا: أَن أَبَا أُمَامَة فعل ذَلِك وَزيد بن ثَابت وَسَعِيد بن جُبَير وَعُرْوَة بن الزبير وَمُجاهد وَالْحسن. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يكره ذَلِك للْوَاحِد وَلَا يكره للْجَمَاعَة، ذكره الطَّحَاوِيّ.
وَفِيه: أَن دُخُول أَبَا بكرَة فِي الصَّلَاة دون الصَّفّ لما كَانَ صَحِيحا كَانَت صَلَاة الْمُصَلِّي كلهَا دون الصَّفّ صَلَاة صَحِيحَة، وَهُوَ صَلَاة
стр. 1616
الْمُنْفَرد خلف الصَّفّ، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَعبد الله بن الْمُبَارك وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، وَلَكِن بأثم، إِمَّا الْجَوَاز فَلِأَنَّهُ يتَعَلَّق بالأركان، وَقد وجدت. وَإِمَّا الْإِسَاءَة فلوجود النَّهْي عَن ذَلِك وَهُوَ قَوْله ﷺ : (لَا صَلَاة لفرد خلف الصَّفّ) ، وَمَعْنَاهُ: لَا صَلَاة كَامِلَة، كَمَا فِي قَوْله ﷺ : (لَا وضوء لمن لم يسم الله) ، وَقَوله ﷺ : (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إلاّ فِي الْمَسْجِد) ، وَقَالَ حَمَّاد ابْن أبي سُلَيْمَان وإبرهيم النَّخعِيّ وَابْن أبي ليلى ووكيع وَالْحكم وَالْحسن بن صَالح وَأحمد وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر: من صلى خلف صف مُنْفَردا فَصلَاته بَاطِلَة. وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وَقد أجبنا عَنهُ. وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث وابصة بن معبد الْأَشْجَعِيّ: (أَن رَسُول الله ﷺ ، رأى رجلا يُصَلِّي خلف الصَّفّ وَحده، فَأمره أَن يُعِيد. قَالَ سُلَيْمَان: الصَّلَاة) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره، وَصَححهُ أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة. وَالْجَوَاب عَنهُ أَن فِي سَنَده اخْتِلَافا، بَيَانه أَن الَّذِي يرويهِ هِلَال بن يسَاف عَن عَمْرو بن رَاشد عَن وابصة، وَمِنْهُم من قَالَ: هِلَال عَن وابصة، وَعَن هَذَا قَالَ الشَّافِعِي: لَو ثَبت الحَدِيث لَقلت بِهِ. وَقَالَ الْحَاكِم: إِنَّمَا لم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ لفساد الطَّرِيق إِلَيْهِ. وَقَالَ الْبَزَّار عَن عَمْرو بن رَاشد: لَيْسَ مَعْرُوفا بِالْعَدَالَةِ فَلَا يحْتَج بحَديثه، وهلال لم يسمع من وابصة، فأمسكنا عَن ذكره لإرساله. وَقَالَ أَبُو عمر: فِيهِ اضْطِرَاب وَلَا تثبته جمَاعَة. فَإِن قلت: أخرج ابْن مَاجَه فِي (سنَنه) : حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا ملازم بن عَمْرو عَن عبد الله بن بدر وحَدثني عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن شَيبَان عَن أَبِيه عَليّ بن شَيبَان، وَكَانَ من الْوَفْد، قَالَ: (خرجنَا حَتَّى قدمنَا على النَّبِي ﷺ فَبَايَعْنَاهُ وصلينا خَلفه، قَالَ: ثمَّ صلينَا وَرَاءه صَلَاة أُخْرَى فَقضى الصَّلَاة، فَرَأى رجلا فَردا يُصَلِّي خلف الصَّفّ قَالَ: فَوقف عَلَيْهِ نَبِي الله، ﷺ ، حَتَّى انْصَرف قَالَ: اسْتقْبل صَلَاتك، لَا صَلَاة للَّذي خلف الصَّفّ) . وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) قلت: أخرجه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) وَقَالَ: عبد الله بن بدر، لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ، إِنَّمَا حدث عَنهُ ملازم بن عَمْرو وَمُحَمّد بن جَابر، فَأَما ملازم فقد احْتمل حَدِيثه وَإِن لم يحْتَج بِهِ، وَأما مُحَمَّد بن جَابر فقد سكت النَّاس عَن حَدِيثه، وَعلي بن شَيبَان لم يحدث عَنهُ إلاّ ابنع، وَابْنه هَذَا غير مَعْرُوف، وَإِنَّمَا ترْتَفع جَهَالَة الْمَجْهُول إِذا روى عَنهُ ثقتان مشهوران، فَأَما إِذا روى عَنهُ من لَا يحْتَج بحَديثه لم يكن ذَلِك الحَدِيث حجَّة،. وَلَا ارْتَفَعت الْجَهَالَة. وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَنهُ: أَن معنى قَوْله: (لَا صَلَاة للَّذي خلف الصَّفّ) ، لَا صَلَاة كَامِلَة، لِأَن من سنة الصَّلَاة مَعَ الإِمَام اتِّصَال الصُّفُوف وسد الْفرج، فَإِن قصر عَن ذَلِك فقد أَسَاءَ وَصلَاته مجزية وَلكنهَا لَيْسَ بِالصَّلَاةِ المتكاملة، فَقيل لذَلِك: لَا صَلَاة لَهُ، أَي: لَا صَلَاة متكاملة. كَمَا قَالَ ﷺ : (لَيْسَ الْمِسْكِين الَّذِي ترده التمرة وَالتَّمْرَتَانِ) الحَدِيث، مَعْنَاهُ: لَيْسَ هُوَ الْمِسْكِين المتكامل فِي المسكنة، إِذْ هُوَ يسْأَل فَيعْطى مَا يقوته ويواري عَوْرَته، وَلَكِن الْمِسْكِين الَّذِي لَا يسْأَل النَّاس وَلَا يعرفونه فيتصدقون عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْخطابِيّ وَفِيه: دَلِيل على أَن قيام الْمَأْمُوم من وَرَاء الإِمَام وَحده لَا يفْسد صلَاته، وَذَلِكَ أَن الرُّكُوع جُزْء من الصَّلَاة، فَإِذا أَجزَأَهُ مُنْفَردا عَن الْقَوْم أَجزَأَهُ سَائِر أَجْزَائِهَا، كَذَلِك، إلاّ أَنه مَكْرُوه لقَوْله: (فَلَا تعد) ، وَنَهْيه إِيَّاه عَن الْعود إرشاد لَهُ فِي الْمُسْتَقْبل إِلَى مَا هُوَ أفضل، وَلَو كَانَ نهي تَحْرِيم لأَمره بِالْإِعَادَةِ.
وَفِيه: أَن من أدْرك الإِمَام على حَال يجب أَن يصنع كَمَا يصنع الإِمَام، وَقد ورد الْأَمر بذلك صَرِيحًا فِي (سنَن سعيد بن مَنْصُور) من رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن رفيع عَن أنَاس من أهل الْمَدِينَة: (أَن النَّبِي ﷺ : قَالَ: من وجدني قَائِما أَو رَاكِعا أَو سَاجِدا فَلْيَكُن معي على الْحَالة الَّتِي أَنا عَلَيْهَا) . وَفِي التِّرْمِذِيّ نَحوه عَن عَليّ ومعاذ بن جبل مَرْفُوعا، وَفِي إِسْنَاده ضعف، وَلكنه يعتضد بِمَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور الْمَذْكُور آنِفا. وَالله أعلم.
١١٥ - (بابُ إتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوعِ)
أَي: هَذَا بَاب ي بَيَان إتْمَام التَّكْبِير فِي الرُّكُوع. قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت: التَّرْجَمَة تَامَّة بِدُونِ لفظ: الْإِتْمَام، بِأَن يَقُول: بَاب التَّكْبِير فِي الرُّكُوع، فَلَا فَائِدَة فِيهِ، بل هُوَ مخل لِأَن حَقِيقَة التَّكْبِير لَا تزيد وَلَا تنقص. قلت: المُرَاد مِنْهُ أَن يمد التَّكْبِير الَّذِي هُوَ للانتقال من الْقيام إِلَى الرُّكُوع بِحَيْثُ يتمه فِي الرُّكُوع بِأَن تقع وَرَاء الله أكبر فِيهِ، وإتمام الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوع، أَو إتْمَام عدد تَكْبِيرَات الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوع. قلت: يجوز أَن يكون المُرَاد من: إتْمَام التَّكْبِير فِي الرُّكُوع، هُوَ تَبْيِين حُرُوفه من غير
стр. 1617
هذّ فِيهِ، والإتمام يرجع إِلَى صفته لَا إِلَى حَقِيقَته. فَإِن قلت: هَذَا لَا بُد مِنْهُ فِي سَائِر تَكْبِيرَات الصَّلَاة، فَمَا معنى تَخْصِيصه بِالرُّكُوعِ هُنَا؟ ثمَّ بِالسُّجُود فِي الْبَاب الَّذِي بعده؟ قلت: لما كَانَ الرُّكُوع وَالسُّجُود من أعظم أَرْكَان الصَّلَاة خصهما بِالذكر، وَإِن كَانَ الحكم فِي تَكْبِيرَات غَيرهمَا مثله فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أَبْزي، قَالَ: (صليت خلف النَّبِي ﷺ فَلم يتم التَّكْبِير) ، فَهَذَا يُخَالف التَّرْجَمَة؟ قلت: روى البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ) عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ أَنه قَالَ: هَذَا عندنَا حَدِيث بَاطِل، وَقَالَ الطَّبَرِيّ وَالْبَزَّار: تفرد بِهِ الْحسن بن عمرَان، وَهُوَ مَجْهُول.
قالَ ابنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: قَالَ بإتمام التَّكْبِير فِي الرُّكُوع عبد الله بن عَبَّاس، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك بِالْمَعْنَى فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَفِي الْبَاب الَّذِي بعده، أما الأول: فَهُوَ قَوْله: حَدثنَا عَمْرو بن عون، قَالَ: حَدثنَا هشيم عَن أبي بشر عَن عِكْرِمَة، قَالَ: (رَأَيْت رجلا عِنْد الْمقَام يكبر فِي كل خفض وَرفع) الحَدِيث. وَأما الثَّانِي: فَهُوَ قَوْله: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: أخبرنَا همام عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة، قَالَ: (صليت خلف شيخ بِمَكَّة فَكبر اثْنَتَيْنِ وَعشْرين تَكْبِيرَة) الحَدِيث.
وفِيِه مالِكُ بنُ الحُوَيْرِثِ
أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث، وَسَيَأْتِي حَدِيثه فِي: بَاب الْمكْث بَين السَّجْدَتَيْنِ، وَفِيه: (فَقَامَ ثمَّ ركع فَكبر) .
٧٨٤ - حدَّثنا أسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنِ الجُرَيْرِيِّ عنْ أبي العَلاءِ عنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قَالَ صَلى معَ عَلِيٍّ ﵁ فقالَ ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رسولِ الله ﷺ فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وكُلَّمَا وضعَ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يكبر كلما رفع) ، فَإِنَّهُ عبارَة عَن تَكْبِير الرُّكُوع فَإِن قلت: الحَدِيث يدل على مُجَرّد التَّكْبِير، والترجمة على إتْمَام التَّكْبِير. قلت: لَا شكّ أَن تَكْبِير النَّبِي ﷺ كَانَ بإتمامه إِيَّاه فِي الْمَعْنى، فالترجمة تَشْمَل الْوَجْهَيْنِ.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن شاهين أَبُو بشر الوَاسِطِيّ. الثَّانِي: خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان. الثَّالِث: سعيد بن إِيَاس الْجريرِي، بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى. الرَّابِع: أَبُو الْعَلَاء يزِيد بن عبد الله بن الشخير، بِكَسْر الشين وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة. الْخَامِس: مطرف، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وَفِي آخِره فَاء: هُوَ أَخُو يزِيد بن عبد الله الْمَذْكُور. السَّادِس: عمرَان بن الْحصين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن الْأَوَّلين من الروَاة واسطيان والبقية بصريون. وَفِيه: رِوَايَة الْأَخ عَن الْأَخ، وَهِي رِوَايَة أبي الْعَلَاء عَن أَخِيه مطرف. وَقَالَ الْبَزَّار فِي (سنَنه) : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ غير وَاحِد عَن مطرف عَن عمرَان، وَعَن الْحسن عَن عمرَان.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (صلى) أَي: عمرَان. قَوْله: (مَعَ عَليّ) أَي: ابْن أبي طَالب. قَوْله: (بِالْبَصْرَةِ) ، بِتَثْلِيث الْبَاء ثَلَاث لُغَات، ذكرهَا الْأَزْهَرِي، وَالْمَشْهُور الْفَتْح، وَحكى الْخَلِيل فِيهَا ثَلَاث لُغَات أُخْرَى: البصْرة والبصَرة والبصِرة، الأولى بِسُكُون الصَّاد، وَالثَّانيَِة بِفَتْحِهَا، وَالثَّالِثَة بِكَسْرِهَا. وَقَالَ السَّمْعَانِيّ: يُقَال لَهَا: قبَّة الْإِسْلَام وخزانة الْعَرَب بناها عتبَة بن غَزوَان فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلم يعبد الصَّنَم قطّ على أرْضهَا، وَكَانَ بناؤها فِي سنة سبع عشرَة، وطولها فرسخان فِي فَرسَخ. وَقَالَ الرشاطي: الْبَصْرَة فِي الْعرَاق، وَالْبَصْرَة أَيْضا مَدِينَة فِي الْمغرب بِقرب طنجة، وَهِي الْآن خراب، وَالْبَصْرَة هِيَ الْحِجَارَة الرخوة تضرب إِلَى الْبيَاض، وَسميت الْبَصْرَة بِهَذَا لِأَن أرْضهَا الَّتِي بَين العقيق وَأَعْلَى المربد حِجَارَة، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: بَصرِي وبصري بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا، وَكَانَت صَلَاة عمرَان مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بِالْبَصْرَةِ بعد وقْعَة الْجمل. قَوْله: (ذكرنَا) ، بتَشْديد الْكَاف وَفتح الرَّاء، وَهِي جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول، وَالْفَاعِل، هُوَ قَوْله: (هَذَا الرجل) ، وَأَرَادَ عَليّ بن أبي طَالب. وَقَوله: (ذكرنَا) يدل على أَن التَّكْبِير قد ترك، وَقد روى أَحْمد والطَّحَاوِي بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: (ذكرنَا عَليّ صَلَاة كُنَّا نصليها
стр. 1618
مَعَ رَسُول الله ﷺ إِمَّا نسيناها وَإِمَّا تركناها عمدا) . قَوْله: (صَلَاة) بِالنّصب مفعول: ذكر، قَوْله: (كُنَّا نصليها) ، جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لقَوْله: (صَلَاة) . قَوْله: (كلما رفع وَكلما وضع) يَعْنِي: فِي جَمِيع الِانْتِقَالَات، وَلَكِن خص مِنْهُ الرّفْع من الرُّكُوع بِالْإِجْمَاع، فَإِنَّهُ شرع فِيهِ التَّحْمِيد.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن التَّكْبِير فِي كل خفض وَرفع، وَإِلَيْهِ ذهب عَطاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم، ويحكى ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر وَقيس بن عبَادَة وَآخَرين، وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالقَاسِم وَسَالم بن عبد الله وَسَعِيد بن جُبَير وَقَتَادَة لَا يكبرُونَ فِي الصَّلَاة إِذا خفضوا. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا أَبُو دَاوُد عَن شُعْبَة عَن الْحسن بن عمرَان أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ لَا يتم التَّكْبِير. حَدثنَا يحيى بن سعيد (عَن عبيد الله بن عمر، قَالَ: صليت خلف الْقَاسِم وَسَالم فَكَانَا لَا يتمان التَّكْبِير) . حَدثنَا غنْدر عَن شُعْبَة عَن عمر بن مرّة، قَالَ: (صليت مَعَ سعيد بن جُبَير فَكَانَ لَا يتم التَّكْبِير) . حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن مسعر عَن يزِيد الْفَقِير، قَالَ: كَانَ ابْن عمر ينقص التَّكْبِير فِي الصَّلَاة. وَقَالَ مسعر: إِذا انحط بعد الرُّكُوع للسُّجُود لم يكبر فَإِذا أَرَادَ أَن يسْجد الثَّانِيَة لم يكبر، ويحكى عَن عمر بن الْخطاب أَيْضا. وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن أبي الْوَلِيد قَالَ: أَخْبرنِي شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن رجل عَن ابْن ابزى عَن أَبِيه أَن عمر بن الْخطاب أمّهم فَلم يكبر هَذَا التَّكْبِير، ويحكى عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا. وَأخرج عبد الرَّزَّاق بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن يزِيد، قَالَ: صليت مَعَ ابْن عَبَّاس بِالْبَصْرَةِ فَلم يكبر هَذَا التَّكْبِير بِالرَّفْع والخفض. قلت: الْمَشْهُور عَن هَؤُلَاءِ التَّكْبِير فِي الْخَفْض وَالرَّفْع، وَرِوَايَات هَؤُلَاءِ مَحْمُولَة على أَنهم تَرَكُوهُ أَحْيَانًا بَيَانا للْجُوَاز، أَو الرَّاوِي لم يسمع ذَلِك مِنْهُم لخفا الصَّوْت، وَكَانَت بَنو أُميَّة يتركون التَّكْبِير فِي الْخَفْض وهم مثل مُعَاوِيَة وَزِيَاد وَعمر بن عبد الْعَزِيز. قَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا جرير عَن مَنْصُور عَن أبراهيم قَالَ: أول من نقص التَّكْبِير زِيَاد، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِن أَبَا هُرَيْرَة سُئِلَ: مَن أول من ترك التَّكْبِير إِذا رفع رَأسه وَإِذا وَضعه؟ قَالَ: مُعَاوِيَة. وَقَالَ أَبُو عبد الله الْعَدنِي فِي (مُسْنده) : حَدثنَا بشر بن الْحَارِث حَدثنَا إِسْرَائِيل عَن ثُوَيْر عَن أَبِيه عَن عبد الله قَالَ: أول من نقص التَّكْبِير الْوَلِيد بن عقبَة، فَقَالَ عبد الله: نقصوها نقصهم الله، فقد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ، يكبر كلما ركع وَكلما سجد وَكلما رفع رَأسه، وَعَن بعض السّلف: انه كَانَ لَا يكبر سوى تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَفرق بَعضهم بَين الْمُنْفَرد وَغَيره. . فَإِن قلت: مَا تَقول فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أَبْزي الْخُزَاعِيّ: (أَنه صلى مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، وَكَانَ لَا يتم التَّكْبِير) ؟ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والطَّحَاوِي؟ قلت: قَالُوا: إِنَّه ضَعِيف ومعلول بالْحسنِ بن عمرَان أحد رُوَاته. قَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ مَجْهُول لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) ، عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: إِنَّه حَدِيث بَاطِل، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب فَإِن قلت: شَكَوْت أبي دَاوُد والطَّحَاوِي يدل على الصِّحَّة عِنْدهمَا؟ قلت: وَلَئِن سلمنَا صِحَّته فَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وتأوله الْكَرْخِي على حذفه، وَذَلِكَ نُقْصَان صفة عدد، وَأجَاب الطَّحَاوِيّ: أَن الْآثَار المتواترة على خِلَافه، وَأَن الْعَمَل على غَيره. فَإِن قلت: تَكْبِيرَة الِانْتِقَالَات سنة أم وَاجِبَة؟ قلت: اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ قوم: هِيَ سنة، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَبِه قَالَ أَبُو بكر الصّديق وَعمر وَجَابِر وَقيس بن عبَادَة وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حنيفَة، وَنَقله ابْن بطال أَيْضا عَن عُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَابْن الزبير وَمَكْحُول وَالنَّخَعِيّ وَأبي ثَوْر، وَقَالَت الظَّاهِرِيَّة وَأحمد فِي رِوَايَة: كلهَا وَاجِبَة. وَقَالَ أَبُو عمر: قد قَالَ قوم من أهل الْعلم: إِن التَّكْبِير أَنما هُوَ أذن بحركات الإِمَام وشعار الصَّلَاة وَلَيْسَ بِسنة إلاّ فِي الْجَمَاعَة، فَأَما من صلى وَحده فَلَا بَأْس عَلَيْهِ أَن يكبر. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: إِنَّمَا هُوَ شَيْء يزين بِهِ الرجل صلَاته، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَالتَّكْبِير للرُّكُوع فرض، وَقَول: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم فِي الرُّكُوع فرض، وَالْقِيَام إِثْر الرُّكُوع فرض لمن قدر عَلَيْهِ حَتَّى يعتدل قَائِما، وَقَول: سمع الله لمن حَمده، عِنْد الْقيام من الرُّكُوع فرض، فَإِن كَانَ مَأْمُوما فَفرض عَلَيْهِ أَن يَقُول بعد ذَلِك، رَبنَا لَك الْحَمد، أَو: وَلَك الْحَمد، وَلَيْسَ هَذَا فرضا على إِمَام وَلَا فذ، فَإِن قَالَاه كَانَ حسنا وَسنة، وَالتَّكْبِير لكل سَجْدَة مِنْهَا فرض، وَقَول: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، فِي كل سَجْدَة فرض، وَوضع الْجَبْهَة وَالْيَدَيْنِ وَالْأنف والركبتين وصدور الْقَدَمَيْنِ على مَا هُوَ قَائِم عَلَيْهِ مِمَّا أُبِيح لَهُ التَّصَرُّف عَلَيْهِ فرض، كل ذَلِك، وَالْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ فرض، والطمأنينة فِيهِ فرض، وَالتَّكْبِير
стр. 1619
لَهُ فرض لَا تجزىء صَلَاة لأحد من أَن يدع من هَذَا كُله عَامِدًا، فَإِن لم يَأْتِ بِهِ نَاسِيا ألغى ذَلِك وأتى بِهِ كَمَا أَمر ثمَّ سجد للسَّهْو، فَإِن عجز عَن شَيْء مِنْهُ لجهل أَو عذر مَانع سقط عَنهُ، وتمت صلَاته. انْتهى. وَقَالَ السفاقسي: وَاخْتلفُوا فِيمَن ترك التَّكْبِير فِي الصَّلَاة، فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: من أسقط ثَلَاث تَكْبِيرَات فَأكْثر، أَو التَّكْبِير كُله سوى تَكْبِيرَة الْإِحْرَام يسْجد قبل السَّلَام، وَإِن لم يسْجد قبل السَّلَام سجد بعده، وَإِن لم يسْجد حَتَّى طَال بطلت صلَاته. وَفِي (الْمُوَضّحَة) : وَإِن نسي تكبيرتين سجد قبل أَن يسلم، فَإِن لم يسْجد لم تبطل صلَاته، وَإِن ترك تَكْبِيرَة وَاحِدَة فَاخْتلف قَوْله: هَل عَلَيْهِ سُجُود أم لَا؟ وَقَالَ ابْن عبد الحكم وَأصبغ: لَيْسَ على من ترك التَّكْبِير سوى السُّجُود، فَإِن لم يفعل حَتَّى تبَاعد فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : فَلَو ترك التَّكْبِير عمدا أَو سَهوا حَتَّى ركع لم يَأْتِ بِهِ لفَوَات مَحَله. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يجب السُّجُود بترك الْأَذْكَار: كالثناء والتعوذ وتكبيرات الرُّكُوع وَالسُّجُود وتسبيحاتهما.
وَفِيه: فِي قَوْله: (يكبر كلما رفع وَكلما خفض مُتَعَلق لأبي حنيفَة وَأَصْحَابه أَنه يكبر مَعَ فعل الْخَفْض وَالرَّفْع، سَوَاء لَا يتقدمه وَلَا يتأخره فِيمَا ذكره الطَّحَاوِيّ من غير مد، وَالشَّافِعِيّ يَقُول: ينحط للرُّكُوع وَهُوَ يكبر وَكَذَا فِي الرّفْع وَشبهه، ويمد التَّكْبِير إِلَى أَن يصل إِلَى حد الراكعين وَقيل: يحرم، وَالْقَوْلَان جائزان فِي جَمِيع تَكْبِيرَات الِانْتِقَالَات، وَالصَّحِيح الْمَدّ، قَالَه فِي (شرح الْمُهَذّب) : فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي مَشْرُوعِيَّة التَّكْبِير فِي الْخَفْض وَالرَّفْع لكل مصل؟ قلت: قيل: إِن الْمُكَلف أَمر بِالنِّيَّةِ أول الصَّلَاة مقرونة بِالتَّكْبِيرِ، وَكَانَ من حَقه أَن يستصحب النِّيَّة إِلَى آخر الصَّلَاة، فَأمر أَن يجدد الْعَهْد فِي أَثْنَائِهَا بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي هُوَ شعار النِّيَّة.
٧٨٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي بِهِمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ ورَفَعَ فَإذَا انْصَرَفَ قَالَ إنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلاةً بِرَسُولِ الله ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن شهَاب هُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ.
وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن مَالك.
قَوْله: (يُصَلِّي بهم) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (يُصَلِّي لَهُم) . قَوْله: (فَإِذا انْصَرف) ، أَي: عَن الصَّلَاة. قَوْله: (إِنِّي لأشبهكم صَلَاة برَسُول الله ﷺ يَعْنِي: فِي تَكْبِيرَات الِانْتِقَالَات والإتيان بِهِ فِيهَا.
١١٦ - (بابُ إتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي السُّجُودِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إتْمَام التَّكْبِير فِي السُّجُود، وَالْكَلَام فِيهِ مَا تقدم فِي أول الْبَاب الَّذِي قبله.
٧٨٦ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ غَيْلَانَ بنِ جَرِيرٍ عنْ مُطَرِّفَ بنِ عَبْدِ الله قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بنِ أبِي طالِبٍ ﵁ أَنا وَعِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ فَكانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ وإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ وإذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ فلَمَّا قَضَي الصَّلَاةَ أَخذ بِيَدِي عِمْرَانُ ابنُ حُصَيْنٍ فَقَالَ قَدْ ذَكَّرَنِي هذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ قالَ لَقدْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ (انْظُر الحَدِيث ٧٨٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكَانَ إِذا سجد كبر) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وغيلان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَابْن جرير بِفَتْح الْجِيم، وطرف بِضَم الْمِيم قد مضى عَن قريب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (صليت خلف عَليّ) ، قد مضى فِي الْبَاب السَّابِق أَن ذَلِك كَانَ بِالْبَصْرَةِ، وَكَذَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور من رِوَايَة حميد بن هِلَال عَن عمرَان، وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد من رِوَايَة سعيد ابْن أبي عرُوبَة عَن غيلَان: بِالْكُوفَةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة وَغير وَاحِد عَن مطرف، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك وَقع مرَّتَيْنِ: مرّة بِالْبَصْرَةِ وَمرَّة بِالْكُوفَةِ. قَوْله: (أَنا) إِنَّمَا ذكر هَذِه اللَّفْظَة ليَصِح الْعَطف على الضَّمِير الَّذِي فِي: صليت، وَهَذَا
стр. 1620
على رَأْي الْبَصرِيين. قَوْله: (فَلَمَّا قضى الصَّلَاة) أَي: أَدَّاهَا، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الْقَضَاء الاصطلاحي. قَوْله: (قد ذَكرنِي) ، بتَشْديد الْكَاف، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (لقد ذَكرنِي) . قَوْله: (هَذَا) ، أَي: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يكبر فِي كل انتقالاته. قَوْله: (أَو قَالَ) ، شكّ من أحد رُوَاته، قيل: يحْتَمل أَن يكون الشَّك من حَمَّاد، لِأَن أَحْمد رَوَاهُ من رِوَايَة سعيد ابْن أبي عرُوبَة بِلَفْظ: (صلى بِنَا مثل صَلَاة رَسُول الله ﷺ ، وَلم يشك، وَفِي رِوَايَة قَتَادَة: (عَن مطرف قَالَ عمرَان: مَا صليت مُنْذُ حِين أَو مُنْذُ كَذَا وَكَذَا أشبه بِصَلَاة رَسُول الله ﷺ من هَذِه الصَّلَاة) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ الْبَعْض بقوله: (صليت خلف عَليّ بن أبي طَالب أَنا وَعمْرَان) على أَن موقف الِاثْنَيْنِ يكون خلف الإِمَام خلافًا لمن يَقُول يَجْعَل أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله. قلت: هَذَا اسْتِدْلَال غير تَامّ، لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهِ أَنه لم يكن مَعَهُمَا غَيرهمَا. وَفِيه: خص بِذكر السُّجُود وَالرَّفْع والنهوض من الرَّكْعَتَيْنِ فَقَط، وَقد عَم فِي رِوَايَة أبي الْعَلَاء إشعارا بِأَن هَذِه الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة هِيَ الَّتِي كَانَ ترك التَّكْبِير فِيهَا حَتَّى تذكرها عمرَان بِصَلَاة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: قَالَ ابْن بطال: ترك التَّكْبِير فِيمَا ترك التَّكْبِير يدل على أَن السّلف لم يتلقوه على أَنه ركن من الصَّلَاة، وَقَالَ بَعضهم: وَنقل الطَّحَاوِيّ الْإِجْمَاع على: أَن من تَركه فَصلَاته تَامَّة، وَفِيه نظر، لما تقدم عَن أَحْمد، وَالْخلاف فِي بطلَان صلَاته ثَابت فِي مَذْهَب مَالك، إِلَّا أَن يُرِيد إِجْمَاعًا سَابِقًا. قلت: لم يقل الطَّحَاوِيّ هَكَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ: هَذِه الْآثَار المروية عَن رَسُول الله ﷺ فِي التَّكْبِير فِي كل رفع وخفض أولى من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى، وَأكْثر تواترا، وَقد عمل بهَا من بعد رَسُول الله ﷺ أَبُو بكر وَعمر وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وتواتر بهَا الْعَمَل إِلَى يَوْمنَا هَذَا لَا يُنكر ذَلِك مُنكر، وَلَا يَدْفَعهُ دَافع. انْتهى. قلت: أَرَادَ بالآثار المروية الَّتِي أخرجهَا عَن عبد الله بن مَسْعُود وَأبي مَسْعُود البدري وَأبي هُرَيْرَة وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأنس بن مَالك، وَأَشَارَ بِهَذَا أَيْضا إِلَى أَن من جملَة أَسبَاب التَّرْجِيح كَثْرَة عدد الروَاة وشهرة الْمَرْوِيّ حَتَّى إِذا كَانَ أحد الْخَبَرَيْنِ يرويهِ وَاحِد، وَالْآخر يرويهِ إثنان، فَالَّذِي يرويهِ إثنان أولى بِالْعَمَلِ بِهِ. وَقَوله: وتواتر بهَا الْعَمَل. . إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى أَنه يصير كالإجماع، وَفرق بَين: كالإجماع وَالْإِجْمَاع.
٧٨٧ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثنا هُشَيْمٌ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ عِكْرِمَةَ قَالَ رَأيْتُ رَجُلاً عِنْدَ المَقَامِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ وَإذَا قامَ وإذَا وَضَعع فَأخْبَرْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أوَلَيْسَ تِلْكَ صَلَاةَ النبيِّ ﷺ لَا أُمَّ لَكَ (الحَدِيث ٧٨٧ طرفه فِي: ٧٨٨) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عون، بِفَتْح الْعين أَيْضا ابْن أَوْس السّلمِيّ الوَاسِطِيّ. الثَّانِي: هشيم بن بشير السّلمِيّ الوَاسِطِيّ. الثَّالِث: أَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: واسْمه جَعْفَر بن أبي وحشية، واسْمه إِيَاس الوَاسِطِيّ. الرَّابِع: عِكْرِمَة، مولى ابْن عَبَّاس. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: ثَلَاثَة واسطيون مُتَوَالِيَة. وَفِيه: عَن أبي بشر، وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور، عَن هشيم: أَن أَبَا بشر حَدثهُ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رَأَيْت رجلا عِنْد الْمقَام) أَي: مقَام إِبْرَاهِيم، ﵇، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (صليت خلف شيخ بِالْأَبْطح) . وَفِي أول الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب: (صليت خلف شيخ بِمَكَّة) ، وَفِي رِوَايَة السراج من طَرِيق خبيب ابْن الزبير عَن عِكْرِمَة: (رَأَيْت رجلا يُصَلِّي فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ . فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات الْأَرْبَع؟ قلت: أما أَنه لَا مُنَافَاة بَين قَوْله: (بالْمقَام) ، وَبَين قَوْله: (بِمَكَّة) ، و: (بِالْأَبْطح) ، لِأَن الْمقَام والأبطح فِي مَكَّة، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه صلى مرّة بالْمقَام وَمرَّة بِالْأَبْطح، وَيصدق عَلَيْهِ أَنه صلى بِمَكَّة، وَأما بَين قَوْله: (بِمَكَّة) ، وَبَين قَوْله: (فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ ، مُنَافَاة ظَاهِرَة، وَلَا يدْفع إلاّ بِالْحملِ على التَّعَدُّد، أَو يحمل قَوْله: (فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ على الشذوذ. وَقَالَ بَعضهم: فَإِن لم يحمل
стр. 1621
على التَّجَوُّز وإلاّ فَهِيَ شَاذَّة، أَي: رِوَايَة السراج. قلت: لَا يصلح أَن يكون مجَازًا لبعده وَعدم العلاقة. قَوْله: (يكبر) جملَة حَالية، ويروى: (فَكبر) ، بِالْفَاءِ على صِيغَة الْمَاضِي. قَوْله: (أوليس؟) الْهمزَة للاستفهام الإنكاري، وَمَعْنَاهُ: تِلْكَ صَلَاة رَسُول الله ﷺ ، نفي النَّفْي إِثْبَات. قَوْله: (لَا أم لَك) هِيَ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد الزّجر، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ ذمّ وَسَب، أَي: أَنْت لَقِيط لَا تعرف لَك أم. وَقيل: قد يَقع مدحا بِمَعْنى التَّعَجُّب مِنْهُ. وَفِيه بِعْ، وَيُقَال: هَذَا ذمّ لَهُ حَيْثُ كَانَ جَاهِلا بِالسنةِ فِيهِ.
١١٧ - (بابُ التَّكْبِيرِ إذَا قامَ مِنَ السُّجُودِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم التَّكْبِير عِنْد الْقيام من السُّجُود
٧٨٨ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قالَ أخْبرنا هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ عَكْرِمَةَ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً فَقُلْتُ لابنِ عبَّاسٍ إنَّهُ أحْمَقُ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أمُّكَ سُنَّةُ أبي القَاسِمِ ﷺ (انْظُر الحَدِيث ٧٨٧) .
هَذِه الصَّلَاة الَّتِي صلاهَا عِكْرِمَة كَانَت ربَاعِية، لِأَنَّهُ لَا يَصح عدد التَّكْبِير الَّذِي ذكره إلاّ إِذا كَانَت الصَّلَاة ربَاعِية، وَصرح بذلك الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة حَيْثُ قَالَ: الظّهْر، وَأما فِي الثنائية فَهِيَ إِحْدَى عشرَة تَكْبِيرَة، وَهِي: تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَخمْس فِي كل رَكْعَة. وَفِي الثلاثية: سبع عشرَة، وَهِي: تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَتَكْبِيرَة الْقيام من التَّشَهُّد الأول وَخمْس فِي كل مِنْهَا، فَفِي الصَّلَوَات الْخمس أَربع وَتسْعُونَ تَكْبِيرَة. قَوْله: (خلف شيخ) : قد بَين الطَّحَاوِيّ فِي رِوَايَته أَن هَذَا الشَّيْخ كَانَ أَبَا هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ حَدثنَا مُسَدّد قَالَ: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُخْتَار، قَالَ: أخبرنَا عبد الله الداناج، قَالَ: حَدثنَا عِكْرِمَة، قَالَ: (صلى بِنَا أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَكَانَ يكبر إِذا رفع وَإِذا خفض، فَأتيت ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأَخْبَرته بذلك، فَقَالَ: أَو لَيْسَ ذَلِك سنة أبي الْقَاسِم ﷺ ؟) وَرَوَاهُ أَيْضا هَكَذَا أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) . قَوْله: (إِنَّه أَحمَق) أَي: قَلِيل الْعقل. قَوْله: (ثكلتك أمك) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْكَاف: من الثكل، وَهُوَ فقدان الْمَرْأَة وَلَدهَا، وَهِي كلمة كَانَت الْعَرَب تَقُولهَا عِنْد الدُّعَاء على أحد بِأَن تفقده أمه ويفقد هُوَ أمه، لكِنهمْ قد يطلقون ذَلِك وَلَا يُرِيدُونَ حَقِيقَته، وَإِنَّمَا قَالَ ابْن عَبَّاس ذَلِك لعكرمة لِأَنَّهُ نسب ذَلِك الرجل الْجَلِيل الَّذِي هُوَ أَبُو هُرَيْرَة فِي رِوَايَة غير البُخَارِيّ إِلَى الْحمق الَّذِي هُوَ غَايَة الْجَهْل، وَهُوَ برىء من ذَلِك. قَوْله: (سنة أبي الْقَاسِم) بِرَفْع: سنة، لِأَنَّهُ خبر لمبتدأ مَحْذُوف، تَقْدِيره: هَذِه الَّتِي فعلهَا ذَلِك الشَّيْخ من التَّكْبِير الْمَعْدُود سنة أبي الْقَاسِم ﷺ ، وَوَقع بِإِظْهَار الْمُبْتَدَأ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة عبيد الله بن مُوسَى عَن همام عَن قَتَادَة.
وَقَالَ مُوسَى حَدثنَا أبانُ قَالَ حَدثنَا قَتَادَةُ قَالَ حَدثنَا عِكْرَمَةُ
مُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور شيخ البُخَارِيّ الرَّاوِي عَن همام، وَأَبَان هُوَ ابْن يزِيد الْقطَّان أَي: روى مُوسَى عَن أبان أَيْضا مثل مَا روى عَن همام، وَهُوَ مُتَّصِل عِنْده عَن همام وَأَبَان كِلَاهُمَا عَن قَتَادَة وَأَشَارَ بإفراده هماما لكَونه على شَرطه فِي الْأُصُول، بِخِلَاف أبان فَإِنَّهُ على شَرطه فِي المتابعات، وَفِيه فَائِدَة أُخْرَى وَهِي: أَن فِي رِوَايَة أبان تَصْرِيح قَتَادَة بِالتَّحْدِيثِ عَن عِكْرِمَة، وبمثله وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة سعيد بن أبي عرُوبَة، وَفِي (التَّلْوِيح) ، وَهُوَ مخرج فِي كتاب (السّنَن) للبزار.
٧٨٩ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي أبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ كانَ رسولُ الله ﷺ إذَا قامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُولُ وَهْوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ. قَالَ عَبْدُ الله ولَكَ الحَمْدُ ثُمَّ يْكَبِّرُ
стр. 1622
حِينَ يَهْوِي ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأسَهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأسَهُ ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّها حَتَّى يَقْضِيهَا ويُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الجُلُوسِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ يكبر حِين يرفع رَأسه) .
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام الْقرشِي المَخْزُومِي الْمدنِي، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، قيل: اسْمه مُحَمَّد، وَقيل: اسْمه أَبُو بكر، وكنيته: أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَالصَّحِيح: أَن اسْمه وكنيته وَاحِد. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. قَوْله: (أَخْبرنِي أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن) ، كَذَا قَالَ عقيل، وَتَابعه ابْن جريج عَن ابْن شهَاب عِنْد مُسلم، وَقَالَ مَالك: عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، وَكَذَا أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ مطولا من رِوَايَة يُونُس عَن ابْن شهَاب، وَتَابعه معمر عَن ابْن شهَاب عِنْد السراج، وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَاف قادحا، بل الحَدِيث عِنْد ابْن شهَاب عَنْهُمَا مَعًا كَمَا سَيَأْتِي فِي: بَاب يهوي بِالتَّكْبِيرِ، من رِوَايَة شُعَيْب عَنهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا عَن أبي هُرَيْرَة.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن حجين بن الْمثنى عَن اللَّيْث بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده عَن يحيى بن أَيُّوب عَن ابْن جريج بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن حجين بن الْمثنى بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهُوَ قَائِم) ، جملَة حَالية. قَوْله: (قَالَ عبد الله بن صَالح) ، يَعْنِي: عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث، زَاد فِي رِوَايَته عَن اللَّيْث: الْوَاو، فِي قَوْله: (وَلَك الْحَمد) ، وَأما بَاقِي الحَدِيث فاتفقا فِيهِ. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يسقه عَنْهُمَا مَعًا مَعَ أَنَّهُمَا شيخاه؟ قلت: لِأَن يحيى من شَرطه فِي الْأُصُول وَابْن صَالح إِنَّمَا يُورِدهُ فِي المتابعات. قَوْله: (حِين يهوي) ، يُقَال: هوى بِالْفَتْح يهوى أَي: سقط إِلَى أَسْفَل. قَوْله: (بعد الْجُلُوس) ، أَي: للتَّشَهُّد.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَنه يكبر بعد إِن يقوم. وَفِيه: أَنه يكبر حِين يرْكَع. وَفِيه: حجَّة لمن قَالَ: يجمع الإِمَام بَين التسميع والتحميد، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي أَيْضا، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يَقُول الإِمَام: رَبنَا لَك الْحَمد فِي نَفسه، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة، وَعند أبي حنيفَة: لَا يَقُول الإِمَام: رَبنَا لَك الْحَمد، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن ابْن مَسْعُود وَأبي هُرَيْرَة وَالشعْبِيّ، قَالَ: وَبِه أَقُول، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أنس وَأبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إِذا قَالَ الإِمَام: سمع الله لمن حَمده، فَقولُوا: رَبنَا لَك الْحَمد) . هَذِه قسْمَة وَهِي تنَافِي الشّركَة، وَأَجَابُوا عَن حَدِيث الْبَاب: إِنَّه مَحْمُول على انْفِرَاد النَّبِي ﷺ فِي صَلَاة النَّفْل تَوْفِيقًا بَين الْحَدِيثين، وَالْمُنْفَرد يجمع بَينهمَا فِي الْأَصَح وَفِيه الْوَجْهَانِ فِي التَّحْمِيد، فَفِي بعض الرِّوَايَات يَقُول: رَبنَا لَك الْحَمد، وَفِي بَعْضهَا: وَلَك الْحَمد، وَفِي بَعْضهَا: اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد، وَالْكل فِي الصَّحِيح. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَأَلت أَبَا عَمْرو عَن: الْوَاو، فِي قَوْله: (رَبنَا وَلَك الْحَمد) ، فَقَالَ: هَذِه زَائِدَة، تَقول الْعَرَب: يَعْنِي هَذَا الثَّوْب! فَيَقُول الْمُخَاطب: نعم، وَهُوَ لَك بدرهم. فالواو زَائِدَة، وَقيل: عاطفة على مَحْذُوف، أَي: رَبنَا حمدناك وَلَك الْحَمد. وَقيل: للْحَال وَفِيه نظر. وَفِيه: أَن التَّحْمِيد يَتَرَتَّب على التسميع، لِأَن التَّحْمِيد ذكر الِاعْتِدَال، والتسميع ذكر النهوض، وَهَذَا الحَدِيث فِي الْحَقِيقَة يُفَسر الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا التَّكْبِير فِي كل خفض وَرفع الَّتِي تقدّمت عَن قريب.
٨١١ - (بابُ وَضْعِ الأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِح)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع الأكف، وَهُوَ جمع: كف، على الركب جمع: ركبة، فِي حَالَة الرُّكُوع، يَعْنِي: يضع الْمُصَلِّي فِي حَال
стр. 1623
الرُّكُوع كفيه على رُكْبَتَيْهِ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن هَذَا هُوَ السّنة فِي هَذِه الْحَالة، وَأَن التطبيق مَنْسُوخ كَمَا سَنذكرُهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وقالَ أبُو حُمَيْدٍ فِي أصْحَابِهِ أمْكَنَ النبيُّ ﷺ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ
أَبُو حميد، بِضَم الْحَاء: اخْتلف فِي اسْمه، فَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: الْمُنْذر بن سعد بن الْمُنْذر، وَقيل: الْمُنْذر بن سعد بن مَالك، وَقيل: الْمُنْذر ابْن سعد بن عَمْرو الخزرجي السَّاعِدِيّ الصَّحَابِيّ، وَقد مر فِي: بَاب فضل اسْتِقْبَال الْقبْلَة.
قَوْله: (فِي أَصْحَابه) أَي: فِي حُضُور أَصْحَابه. وَهَذَا التَّعْلِيق خرجه البُخَارِيّ مُسْندًا فِي: بَاب سنة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد، مطولا، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٧٩٠ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ مُصْعَبَ بنَ سَعْدٍ يقُولُ صَلَّيّتُ إلَى جَنْبِ أبي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّي ثُمَّ وَضَعْتُهُما بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَاني أبي وَقَالَ كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا أنْ نَضَعَ أيْدِينَا علَى الرُّكَبِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأمرنا أَن نضع أَيْدِينَا على الركب) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: أَبُو يَعْفُور، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الْفَاء بعْدهَا وَاو سَاكِنة ثمَّ رَاء: واسْمه وقدان، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة ثمَّ بِالْألف وَالنُّون: الْعَبْدي الْكُوفِي، وَالِد يُونُس بن أبي يَعْفُور، وَيُقَال: إسمه وَاقد، وَالْأول أشهر، وَهُوَ أَبُو يَعْفُور الْأَكْبَر، وَهُوَ الصَّحِيح، جزم بِهِ الْمزي وَغَيره، وَزعم النَّوَوِيّ: أَنه يَعْفُور الصَّغِير عبد الرَّحْمَن بن عبيد بن نسطاس، وَلَيْسَ بشىء، لِأَن الصَّغِير لَيْسَ مَذْكُورا فِي الآخرين عَن مُصعب، وَلَا فِي أَشْيَاخ شُعْبَة. الرَّابِع: مُصعب بن سعد بن أبي وَقاص، أَبُو زُرَارَة الْمدنِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة. الْخَامِس: أَبُو سعد بن أبي وَقاص، أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع أَحدهَا بِصِيغَة الْمُضَارع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، فالتابعي الأول هُوَ أَبُو يَعْفُور، وَالثَّانِي مُصعب. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب.
ذكر من أخرجه غَيره: أحْرجهُ مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة وَأبي كَامِل، كِلَاهُمَا عَن أبي عوَانَة، وَعَن خلف ابْن هِشَام عَن أبي الْأَحْوَص وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي يَعْفُور بِهِ، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع وَعَن الحكم بن مُوسَى عَن عِيسَى بن يُونُس، كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي خَالِد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بن سعيد عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي خَالِد بِهِ، وَابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن مُحَمَّد بن بشر عَن إِسْمَاعِيل بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فطبقت بَين كفي) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: جعلتهما على حد وَاحِد وألزقتهما. قلت: طبقت من التطبيق، وَهُوَ أَن يجمع بَين أَصَابِع يَدَيْهِ ويجعلهما بَين رُكْبَتَيْهِ فِي الرُّكُوع وَالتَّشَهُّد. قَوْله: (كُنَّا نفعله فنهينا عَنهُ وأمرنا) أَي: كُنَّا نَفْعل التطبيق فنهينا عَنهُ، بِضَم النُّون على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَلِكَ: أمرنَا، على صِيغَة الْمَجْهُول. وَقد علم أَن قَول الصَّحَابِيّ: كُنَّا نَفْعل وأمرنا ونهينا، مَحْمُول على أَنه أَمر لله وَلِرَسُولِهِ، وَنهي عَن الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ ، لِأَن الصَّحَابِيّ إِنَّمَا يقْصد الِاحْتِجَاج بِهِ لإِثْبَات شرع وَتَحْلِيل وَتَحْرِيم، وَحكم يُوجب كَونه مَشْرُوعا، وَقد اخْتلفُوا فِي هَذِه الصِّيَغ، وَالرَّاجِح أَن حكمهَا الرّفْع لما ذكرنَا. قَوْله: (أَيْدِينَا) أَي: أكفنا، من بَاب إِطْلَاق الْكل وَإِرَادَة الْجُزْء. وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي عوَانَة عَن أبي يَعْفُور بِلَفْظ: (وأمرنا أَن نضرب بالأكف على الركب) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن سِيرِين وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم: على أَن الْمُصَلِّي إِذا ركع يضع يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ شبه الْقَابِض عَلَيْهِمَا وَيفرق بَين أَصَابِعه. وَاحْتَجُّوا
стр. 1624
أَيْضا بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبي مَسْعُود البدري: (أَلا أريكم صَلَاة رَسُول الله ﷺ ؟) فَذكر حَدِيثا طَويلا، قَالَ: ثمَّ ركع فَوضع كفيه على رُكْبَتَيْهِ، وفضلة أَصَابِعه على سَاقيه) . وَبِمَا رَوَاهُ وَائِل بن حجر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ إِذا ركع وضع يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا. وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي صَالح: عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (اشْتَكَى أَصْحَاب النَّبِي ﷺ مشقة السُّجُود عَلَيْهِم إِذا انفرجوا، فَقَالَ: اسْتَعِينُوا بالركب) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (اشْتَكَى بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ مشقة السُّجُود عَلَيْهِم إِذا انفرجوا، فَقَالَ: اسْتَعِينُوا بالركب) . وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (اشْتَكَى النَّاس إِلَى النَّبِي ﷺ التفرج فِي الصَّلَاة، فَقَالَ ﷺ : (اسْتَعِينُوا بالركب) . فَإِن قلت: لم يسْتَدلّ أَبُو دَاوُد وَلَا التِّرْمِذِيّ بِهَذَا الحَدِيث على وضع الْأَيْدِي بالركب فِي الرُّكُوع، أما أَبُو دَاوُد فَإِنَّهُ ذكره فِي: بَاب رخصَة افتراش الْيَدَيْنِ فِي السُّجُود، وَأما التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ ذكره فِي الِاعْتِمَاد فِي السُّجُود. قلت: قَوْله ﷺ : (اسْتَعِينُوا بالركب) ، أَعم من أَن يكون فِي الرُّكُوع أَو فِي السُّجُود، وَالْمعْنَى: اسْتَعِينُوا بِأخذ الْأَيْدِي على الركب، وَلِهَذَا أخرجه الطَّحَاوِيّ لأجل الِاسْتِدْلَال للْجَمَاعَة الْمَذْكُورين. وَاحْتج أَيْضا بِمَا رَوَاهُ من حَدِيث أبي حُصَيْن عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي عَن أبي عبد الرَّحْمَن قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَمْسكُوا فقد سنت لكم الركب) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَلَفظه: (قَالَ لنا عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن الركب سنة لكم، فَخُذُوا بالركب) . وَفِي رِوَايَة لَهُ: (سنت لكم الركب فأمسكوا بالركب) . قَوْله: (أمِسُّوا) ، أَمر من الإمساس، وَالْمعْنَى: أَمْسوا أَيْدِيكُم ركبكم، فقد سنت لكم الركب، يَعْنِي: سنّ إمساسها وَالْأَخْذ بهَا، وَصُورَة الْأَخْذ قد ذَكرنَاهَا عَن قريب. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة: قَالَ أَحْمد: يَنْبَغِي لَهُ إِذا ركع أَن يلقم راحتيه رُكْبَتَيْهِ وَيفرق بَين أَصَابِعه ويعتمد على ضبعيه وساعديه وَيُسَوِّي ظَهره وَلَا يرفع رَأسه وَلَا ينكسه. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذِه الْآثَار مُعَارضَة لما رَوَاهُ إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة وَالْأسود: أَنَّهُمَا دخلا على عبد الله فَقَالَ: أصلى هَؤُلَاءِ خلفكم؟ فَقَالَا: نعم، فَقَامَ بَينهمَا وَجعل أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله، ثمَّ ركعنا فَوَضَعْنَا أَيْدِينَا على الركب، فَضرب أَيْدِينَا، فطبق ثمَّ طبق بيدَيْهِ، فجعلهما بَين فَخذيهِ، فَلَمَّا صلى قَالَ: هَكَذَا فعل النَّبِي ﷺ . وَبِه أَخذ إِبْرَاهِيم وعلقمة وَالْأسود وَأَبُو عُبَيْدَة، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَمَعَ الْآثَار الْمَذْكُورَة من التَّوَاتُر مَا لَيْسَ مَعَ حَدِيث عَلْقَمَة وَالْأسود، فاعتبرنا فِي ذَلِك، فَإِذا أَبُو بكر قد حَدثنَا وسَاق حَدِيث الْبَاب، فقد ثَبت بِهِ نسخ التطبيق، وَإنَّهُ كَانَ مُتَقَدما لما فعله رَسُول الله ﷺ من وضع الْيَدَيْنِ على الرُّكْبَتَيْنِ، وَقد روى ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عمر بِإِسْنَاد قوي، قَالَ: إِنَّمَا فعله النَّبِي ﷺ مرّة، يَعْنِي: التطبيق، وَقَالَ بَعضهم: حمل حَدِيث ابْن مَسْعُود على أَنه لم يبلغهُ النّسخ. قلت: ابْن مَسْعُود أسلم قَدِيما وَهُوَ صَاحب نعل رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ يلْبسهُ إِيَّاهَا إِذا قَامَ وَإِذا جلس أدخلها فِي ذراعه، وَكَانَ كثير الولوج على رَسُول الله، ﷺ ، وَلم يُفَارِقهُ إِلَى أَن مَاتَ رَسُول الله، ﷺ ، وَكَيف خَفِي عَلَيْهِ أَمر وضع الْيَدَيْنِ على الرُّكْبَتَيْنِ؟ وَكَيف لم يبلغهُ النّسخ؟ وَقد روى عبد الرَّزَّاق عَن عَلْقَمَة وَالْأسود، قَالَا: (صلينَا مَعَ عبد الله فطبق، ثمَّ لَقينَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فصلينا مَعَه فطبقنا، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: ذَلِك شَيْء كُنَّا نفعله ثمَّ ترك) ، وَلم يأمرهما عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِالْإِعَادَةِ، فَدلَّ على أحد الشَّيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن النَّهْي الْوَارِد فِيهِ كَرَاهَة التَّنْزِيه لَا التَّحْرِيم. وَالْآخر: يدل على التَّخْيِير، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من طَرِيق عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: إِذا ركعت فَإِن شِئْت قلت هَكَذَا، يَعْنِي وضعت يَديك على ركبتيك، وَإِن شِئْت طبقت وَإِسْنَاده حسن، فَهَذَا ظَاهر فِي أَنه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يرى التَّخْيِير. وَقَول بَعضهم: إِمَّا لم يبلغهُ النَّهْي وَإِمَّا حمله على كَرَاهَة التَّنْزِيه، لَيْسَ بِظَاهِر، لِأَن التَّخْيِير يُنَافِي الْكَرَاهَة، وَقد وَردت الْحِكْمَة فِي إِيثَار التَّفْرِيج على التطبيق عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أوردهُ سيف فِي (الْفتُوح) من رِوَايَة مَسْرُوق أَنه سَأَلَهَا عَن ذَلِك فأجابت بِمَا محصله: إِن التطبيق من صَنِيع الْيَهُود، وَأَن النَّبِي ﷺ نهى عَنهُ لذَلِك، وَكَانَ النَّبِي ﷺ يُعجبهُ مُوَافقَة أهل الْكتاب فِيمَا لم ينزل عَلَيْهِ، ثمَّ أَمر فِي آخر الْأَمر بمخالفتهم، وَالله تَعَالَى أعلم.
١١٩ - (بابٌ إذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا لم يتم الْمُصَلِّي رُكُوعه، وَجَوَاب: إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: يُعِيد صلَاته، وَإِنَّمَا لم يذكرهُ هَهُنَا اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب
стр. 1625
الَّذِي يَأْتِي عقيب الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَهُوَ قَوْله: بَاب أَمر النَّبِي ﷺ الَّذِي لَا يتم رُكُوعه بِالْإِعَادَةِ، وَإِنَّمَا لم يذكر السُّجُود مَعَ أَنه مثل الرُّكُوع لِأَنَّهُ ذكره بِبَاب مُسْتَقل بقوله: بَاب إِذا لم يتم السُّجُود، وَيَأْتِي ذكره بعد ذكر أحد عشر بَابا.
٧٩١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَن سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وَهَبٍ قَالَ رَأى حُذَيْفَةُ رَجُلاً لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ قَالَ مَا صَلَّيْتَ ولَوْ مُتُّ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ الَّتي فَطَرَ الله مُحَمَّدا عَلَيْهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، مَعَ أَن الحَدِيث يَشْمَل السُّجُود أَيْضا، وَلكنه كَمَا ذكرنَا أَنه لما ذكر بَابا مُسْتقِلّا للسُّجُود اكْتفى فِي التَّرْجَمَة بِذكر الرُّكُوع.
ذكر رِجَاله: سُلَيْمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَزيد بن وهب أَبُو سلمَان الْجُهَنِيّ الْكُوفِي خرج إِلَى النَّبِي، ﷺ ، فَقبض النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي الطَّرِيق، مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين، وَقد مر فِي: بَاب الْإِبْرَاد بِالظّهْرِ، وَحُذَيْفَة ابْن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان عَن يحيى بن آدم عَن مَالك بن مغول عَن طَلْحَة ابْن مصرف عَنهُ نَحوه. فَإِن قلت: مَا حكم هَذَا الحَدِيث؟ قلت: حكمه حكم الرّفْع، لِأَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ: من السّنة كَذَا، أَو: سنّ كَذَا، كَانَ الظَّاهِر انصراف ذَلِك إِلَى سنة النَّبِي ﷺ ، وَلَا يَخْلُو عَن خلاف فِيهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رأى رجلا) لم يعرف اسْمه. قَوْله: (لَا يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: (فَجعل ينقر وَلَا يتم رُكُوعه) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة: (فَقَالَ: مذ كم صليت؟ قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَاما) . وَيشكل حمله على ظَاهره لِأَن حُذَيْفَة مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ، فعلى هَذَا يكون ابْتِدَاء صَلَاة الرجل الْمَذْكُور قبل الْهِجْرَة بِأَرْبَع سِنِين أَو أَكثر، وَلَعَلَّ الصَّلَاة لم تكن فرضت بعد، وَيُمكن أَن البُخَارِيّ لم يذكر ذَلِك لهَذَا الْمَعْنى قلت: يُمكن أَن يكون ذكر هَذِه الْمدَّة بطرِيق الْمُبَالغَة، وَقَالَ بَعضهم: لَعَلَّه كَانَ مِمَّن كَانَ يُصَلِّي قبل إِسْلَامه ثمَّ أسلم، فحصلت الْمدَّة الْمَذْكُورَة فِيهِ من الْأَمريْنِ، وَفِيه نظر لَا يخفى. قَوْله: (مَا صليت) قَالَ بَعضهم: هُوَ نَظِير قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وسلمللمسىء صلَاته: (فَإنَّك لم تصل) ، وَقَالَ التَّيْمِيّ: أَي مَا صليت صَلَاة كَامِلَة. قلت: فعلى هَذَا يرجع النَّفْي إِلَى الْكَمَال لَا إِلَى حَقِيقَة الصَّلَاة، وَهُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد، لِأَن الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع لَيست بِفَرْض عِنْدهمَا، خلافًا لأبي يُوسُف. قَوْله: (وَلَو مت) بِكَسْر الْمِيم وَضمّهَا: من مَاتَ يمات، وَمَات يَمُوت. قَوْله: (على غير الْفطْرَة) ، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْفطْرَة الْملَّة، أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام توبيخه على سوء فعله ليرتدع فِي الْمُسْتَقْبل من صلَاته عَن مثل فعله. كَقَوْلِه ﷺ : (من ترك الصَّلَاة فقد كفر) ، فَإِنَّمَا هُوَ توبيخ لفَاعِله وتحذير لَهُ من الْكفْر أَي: سيؤديه ذَلِك إِلَيْهِ إِذا تهاون بِالصَّلَاةِ، وَلم يرد بِهِ الْخُرُوج عَن الدّين، وَقد تكون الْفطْرَة بِمَعْنى السّنة، كَمَا جَاءَ: (خمس من الْفطْرَة: السِّوَاك وأخواته) . وَقَالَ: وَترك إتْمَام الرُّكُوع وأفعال الصَّلَاة على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: إيجازها وتقصير مُدَّة اللّّبْث فِيهَا. وَثَانِيهمَا: الْإِخْلَال بأصولها واخترامها حَتَّى لَا تقع أشكالها على الصُّور الَّتِي تقتضيها أسماؤها فِي حق الشَّرِيعَة، وَهَذَا النَّوْع هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ حُذَيْفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (عَلَيْهَا) ، أَي: على الْفطْرَة، وَهَذِه اللَّفْظَة وَقعت فِي رِوَايَة الْكشميهني وَلَيْسَت بموجودة عِنْد غَيره.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ بِهِ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ وَأحمد على أَن الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود فرض، وَفِي (التُّحْفَة) : قَالَ أَبُو يُوسُف: طمأنينة الرُّكُوع وَالسُّجُود مِقْدَار تَسْبِيحَة وَاحِدَة فرض، وَفِي الأسبيجابي: الطُّمَأْنِينَة لَيست بِفَرْض فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنَّهَا فرض. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: فِي قلبِي شَيْء فِي وجوب الطُّمَأْنِينَة فِي الِاعْتِدَال، فَلَو أَتَى بِالرُّكُوعِ الْوَاجِب فعرضت عَلَيْهِ عِلّة من الانتصاب سجد فِي رُكُوعه وَسقط عَنهُ الِاعْتِدَال، فَإِن زَالَت الْعلَّة قبل بُلُوغ
стр. 1626
جَبهته الأَرْض وَجب أَن يرْتَفع وينتصب قَائِما ويعتدل ثمَّ يسْجد، وَإِن زَالَت بعد وضع جَبهته على الأَرْض لم يرجع إِلَى الِاعْتِدَال، بل سقط عَنهُ، فَإِن عَاد إِلَيْهِ قبل تَمام سُجُوده بطلت صلَاته إِن كَانَ عَالما بِتَحْرِيمِهِ. انْتهى. وَقَالَ السَّرخسِيّ: من ترك الِاعْتِدَال تلْزمهُ الْإِعَادَة. وَقَالَ أَبُو الْيُسْر: تلْزمهُ الْإِعَادَة وَتَكون الثَّانِيَة هِيَ الْفَرْض. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد: الطُّمَأْنِينَة لَيست بِفَرْض، وَبِه قَالَ بعض أَصْحَاب مَالك، فَإِذا لم تكن فرضا فَهِيَ سنة، هَذَا فِي تَخْرِيج الْجِرْجَانِيّ، وَفِي تَخْرِيج الْكَرْخِي: وَاجِبَة وَيجب سُجُود السَّهْو بِتَرْكِهَا، وَفِي (الْجَوَاهِر) للمالكية: لَو لم يرفع رَأسه من رُكُوعه وَجَبت الْإِعَادَة، وَفِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك، وَلم تجب فِي رِوَايَة عَليّ بن زِيَاد. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: من لم يرفع من الرُّكُوع وَالسُّجُود رَأسه وَلم يعتدل يجْزِيه ويستغفر الله وَلَا يعود. وَقَالَ أَشهب: لَا يجْزِيه. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: إِن من كَانَ إِلَى الْقيام أقرب الأولى أَن يجب، فَإِن قُلْنَا بِوُجُوب الِاعْتِدَال تجب الطُّمَأْنِينَة، وَقيل: لَا تجب. وَبِه اسْتدلَّ قوم على تَكْفِير تَارِك الصَّلَاة، لِأَن حُذَيْفَة نفى الْإِسْلَام عَمَّن أخل بِبَعْض أَرْكَانهَا، فَيكون نَفْيه عَمَّن أخل بهَا كلهَا أولى. وَأجِيب: بِأَن هَذَا من قبيل قَوْله ﷺ : (لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤمن) . نفى عَنهُ اسْم الْإِيمَان للْمُبَالَغَة فِي الزّجر، وَتَمام الْجَواب عَنهُ بِمَا ذكره الْخطابِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ آنِفا.
١٢٠ - (بابُ اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِي الرُّكُوعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِوَاء ظهر الْمُصَلِّي فِي حَالَة الرُّكُوع، يَعْنِي: من غير ميل رَأسه عَن الْبدن إِلَى جِهَة فَوق وَلَا إِلَى جِهَة أَسْفَل.
وَقَالَ أبُو حُمَيْدٍ فِي أصْحَابِهِ رَكَعَ النبيُّ ﷺ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ
أَبُو حميد السَّاعِدِيّ، ذكر فِي: بَاب وضع الأكف على الركب فِي الرُّكُوع. قَوْله: (فِي أَصْحَابه) أَي: فِي حضورهم. قَوْله: (ثمَّ هصر) ، بِفَتْح الْهَاء وَالصَّاد الْمُهْملَة. أَي: أماله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (ثمَّ حَنى ظَهره) ، بِالْهَاءِ الْمُهْملَة وَالنُّون الْخَفِيفَة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (ثمَّ هصر ظَهره غير مقنع رَأسه وَلَا صَافح بخده) وَهَذَا تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ مطولا فِي: بَاب سنة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٢١ - (بابُ حَد إتْمَام الرُّكُوعِ والإعْتِدَالِ فِيهِ والإطْمَأنِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حد إتْمَام الرُّكُوع والاعتدال فِيهِ أَي: فِي الرُّكُوع. قَوْله: (والإطمأنينة) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الطَّاء وَبعد الْألف نون مَكْسُورَة ثمَّ يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ نون أُخْرَى مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (والطمأنينة) ، بِضَم الطَّاء، وَهُوَ الَّذِي يسْتَعْمل، الَّذِي ذكره أهل اللُّغَة، لِأَن هَذِه اللَّفْظَة مصدران لَا غير، يُقَال: اطْمَأَن الرجل إطمينانا وطمانينةً، أَي: سكن، وَهُوَ مطمئن إِلَى كَذَا، وَكَذَلِكَ: اطبأن، بِالْبَاء الْمُوَحدَة على الْإِبْدَال، وَهُوَ من مزِيد الرباعي، وَأَصله: طمأن، على وزن: فعلل، فَنقل إِلَى بَاب: افعلل، بِالتَّشْدِيدِ فِي اللَّام الْأَخِيرَة، فَصَارَ، اطْمَأَن، وَأَصله: اطمأنن، فنقلت حَرَكَة النُّون الأولى إِلَى الْهمزَة وأدغمت النُّون فِي النُّون مثل: اقشعر، أَصله: اقشعرر، ورباعيه: قشعر. وَإِنَّمَا ذكر لفظ بَاب هُنَا عِنْد الْكشميهني، وفصله عَن الْبَاب الَّذِي قبله، وَعند البَاقِينَ لَيْسَ فِيهِ: بَاب، وَإِنَّمَا الْجَمِيع مَذْكُور فِي تَرْجَمَة وَاحِدَة.
٧٩٢ - حدَّثنا بَدَلُ بنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي الحَكَمُ عنِ ابنِ أبي لَيْلَى عنِ البَرَاءِ قَالَ كانَ رُكُوعُ النبيِّ ﷺ وَسُجُودِهِ وبيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وإذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ مَا خَلَا القِيَامَ والقُعُودَ قَريبا مِنَ السَّوَاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة على تَقْدِير وجود الْبَاب هُنَا من حَيْثُ إِن فِي قَوْله: (قَرِيبا من السوَاء) إشعارا بِأَن فِي قَوْله: (كَانَ رُكُوع النَّبِي ﷺ إِلَى قَوْله: (مَا خلا الْقيام) تَفَاوتا، وَيعلم أَن فِيهِ مكثا زَائِدا على أصل حَقِيقَة الرُّكُوع وَالسُّجُود وَبَين السَّجْدَتَيْنِ وَعند رفع رَأسه من الرُّكُوع، والمكث الزَّائِد هُوَ الطُّمَأْنِينَة والاعتدال فِي هَذِه الْأَشْيَاء فَافْهَم.
ذكر
стр. 1627
رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: بدل، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالدَّال الْمُهْملَة بعْدهَا اللَّام: ابْن المحبر، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمَفْتُوحَة وَفِي آخِره رَاء: ابْن مُنَبّه التَّمِيمِي، ثمَّ الْيَرْبُوعي أَبُو الْمُنِير الْبَصْرِيّ واسطي الأَصْل. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: الحكم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف: ابْن عتيبة الْكُوفِي. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى الْأنْصَارِيّ الْكُوفِي، كَانَ أَصْحَابه يعظمونه، كَانَ أَمِيرا، أدْرك مائَة وَعشْرين صحابيا. قَالَ عبد الْملك بن عُمَيْر: رَأَيْت ابْن أبي ليلى فِي حَلقَة فِيهَا نفر من الصَّحَابَة يَسْتَمِعُون لحديثه وينصتون لَهُ، مَاتَ غرقا بنهر الْبَصْرَة سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ. الْخَامِس: الْبَراء ابْن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كوفيون مَا خلا بدل بن المحبر فَإِنَّهُ بَصرِي. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ وَهُوَ: بدل، من أَفْرَاده. وَفِيه: عَن الحكم عَن ابْن أبي ليلى، وَفِي رِوَايَة مُسلم التَّصْرِيح بتحديثه لَهُ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، فالتابعي الأول هُوَ الحكم، وَالثَّانِي هُوَ ابْن ابي ليلى. وَفِيه: رِوَايَة ابْن الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ، فَإِن أَبَا ليلى صَحَابِيّ واسْمه: يسَار بن بِلَال الْأنْصَارِيّ الأوسي، قتل بصفين مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي اسْمه اخْتِلَاف، وَكَذَا فِي اسْم أَبِيه.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي أَحْمد عَن مسعر، كِلَاهُمَا عَن الحكم عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن حَامِد بن عمر وَأبي كَامِل، كِلَاهُمَا عَن أبي عوَانَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص ابْن عمر عَن شُعْبَة بِهِ وَعَن مُسَدّد وَأبي كَامِل، كِلَاهُمَا عَن أبي عوَانَة بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن بنْدَار عَن غنْدر، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن علية وَعَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة نَحوه، وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان عَن عَمْرو بن عون عَن أبي عوَانَة بِمَعْنَاهُ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رُكُوع النَّبِي ﷺ اسْم: كَانَ و (سُجُوده) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَبَين السَّجْدَتَيْنِ) عطف على: رُكُوع النَّبِي ﷺ ، على تَقْدِير الْمُضَاف أَي: زمَان رُكُوعه وَسُجُوده وَبَين السَّجْدَتَيْنِ، وَوقت رفع رَأسه من الرُّكُوع سَوَاء، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا ليستقيم الْمَعْنى بِهِ، وَمعنى قَوْله: (وَبَين السَّجْدَتَيْنِ) أَي: الْجُلُوس بَينهمَا. قَوْله: (وَإِذا رفع رَأسه) كلمة: إِذا، للْوَقْت الْمُجَرّد منسلخا عَنهُ معنى الِاسْتِقْبَال. قَوْله: (مَا خلا الْقيام وَالْقعُود) ، بِالنّصب فيهمَا، لِأَن معنى: مَا خلا، بِمَعْنى إلاّ، يَعْنِي: إلاّ الْقيام الَّذِي هُوَ للْقِرَاءَة، وإلاّ الْقعُود الَّذِي هُوَ للتَّشَهُّد، فَإِنَّهُمَا كَانَا أطول من غَيرهمَا. قَوْله: (قَرِيبا من السوَاء) مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ، وَفِيه إِشْعَار بِأَن فِي هَذِه الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة تَفَاوتا، وَبَعضهَا كَانَ أطول من بعض.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ بَعضهم على أَن الِاعْتِدَال وَالْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ لَا يطولان، ورد بِأَنَّهُمَا ذكرا بعينهما، فَكيف يَصح استثناؤهما بعد ذَلِك؟ وَهل يَصح أَن يُقَال: رَأَيْت زيدا وعمرا وبكرا وخالدا إلاّ زيدا وعمرا. فَإِن فِيهِ التَّنَاقُض، وَاحْتج بِهِ أَيْضا بَعضهم على اسْتِحْبَاب تَطْوِيل الِاعْتِدَال وَالْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ، وَقَالَ ابْن بطال: هَذِه الصّفة يَعْنِي الصّفة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث أكمل صِفَات صَلَاة الْجَمَاعَة، وَأما صَلَاة الرجل وَحده فَلهُ أَن يُطِيل فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود أَضْعَاف مَا يُطِيل فِي الْقيام وَبَين السَّجْدَتَيْنِ وَبَين الرَّكْعَة والسجدة. وَفِي (التَّلْوِيح) . قَوْله: (قَرِيبا من السوَاء) ، يدل على أَن بَعْضهَا كَانَ فِيهِ طول يسير على بعض، وَذَلِكَ فِي الْقيام، وَلَعَلَّه أَيْضا فِي التَّشَهُّد. وَقَالَ: وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن الرّفْع من الرُّكُوع ركن طَوِيل، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْفِعْل الْمُتَأَخر بعد ذَلِك التَّطْوِيل قد ورد فِي بعض الْأَحَادِيث يَعْنِي عَن جَابر بن سَمُرَة، وَكَانَت صلَاته بعد ذَلِك تَخْفِيفًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن بعض الْأَركان أطول من بعض إلاّ أَنَّهَا غير متباعدة إلاّ فِي الْقيام فَإِنَّهُ كَانَ يطوله. وَاخْتلفُوا فِي الرّفْع من الرُّكُوع: هَل هُوَ ركن طَوِيل أَو قصير؟ وَرجح أَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه ركن قصير، وَفَائِدَة الْخلاف فِيهِ أَن تطويله يقطع الْمُوَالَاة الْوَاجِبَة فِي الصَّلَاة، وَمن هَذَا قَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: إِنَّه إِذا طوله بطلت صلَاته وَقَالَ بَعضهم: لَا تبطل حَتَّى يَنْقُلهُ ركنا: كَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وَالتَّشَهُّد.
стр. 1628
١٢٢ - (بابُ أمْرِ النبيِّ ﷺ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ بالإعادَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر النَّبِي ﷺ للْمُصَلِّي الَّذِي لم يتم رُكُوعه بِإِعَادَة الصَّلَاة
٧٩٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ أَخْبرنِي يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ المَقْبَرِيُّ عنُ أبِيِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ فدَخَلَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلى النبيِّ ﷺ فَرَدَّ النبيُّ ﷺ ﵇ فَقَالَ ارْجِعْ فصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فقالَ ارْجَعْ فَصَلِّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلاثا فقالَ والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي قالَ إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تيَسَّرَ معَكَ مِنَ القُرآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ راكِعا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قائِما ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِدا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جالِسا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِدا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَمر النَّبِي ﷺ لذَلِك الرجل بقوله: إرجع فصل فَإنَّك لم تصل) أَمر بِالْإِعَادَةِ لكَونه لم يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث بَيَان مَا نَقصه الرجل من الرُّكُوع وَلَا من السُّجُود؟ قلت: الرُّكُوع وَالسُّجُود من أعظم أَرْكَان الصَّلَاة من حَيْثُ إِن الصَّلَاة لَا تكون صَلَاة إلاّ بهما، فَالظَّاهِر أَن الرجل لم يتم رُكُوعه وَلَا سُجُوده، فَلذَلِك أمره بِالْإِعَادَةِ، يدل عَلَيْهِ حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع فِي هَذِه الْقِصَّة، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: (عَن رِفَاعَة بن رَافع أَن رَسُول الله ﷺ ، بَيْنَمَا هُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد يَوْمًا قَالَ رِفَاعَة: وَنحن مَعَه، إِذْ جَاءَهُ رجل كالبدوي، فصلى فأخف صلَاته ثمَّ انْصَرف) الحَدِيث، فَالظَّاهِر أَن مُعظم إخفافه كَانَ فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود بِحَيْثُ إِنَّه لم يتمهما، وَصرح بذلك ابْن أبي شيبَة فِي رِوَايَته هَذَا الحَدِيث، وَلَفظه: (دخل رجل فصلى صَلَاة خَفِيفَة لم يتم ركوعها وَلَا سجودها) ، الحَدِيث، فعلى هَذَا طابق الحَدِيث التَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَهَذَا الْمِقْدَار كَاف فِي ذَلِك.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة قد ذكرُوا غير مرّة، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ. وَقد أخرج البُخَارِيّ من هَذَا الحَدِيث فِيمَا مضى فِي: بَاب وجوب الْقِرَاءَة للْإِمَام والمأمومين، عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى عَن عبيد الله عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة إِلَى آخِره نَحوه، وَأَبوهُ أَبُو سعيد واسْمه كيسَان، وَقد تكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء.
١٢٣ - (بابُ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء فِي الرُّكُوع.
١٨٢ - (حَدثنَا حَفْص بن عمر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ النَّبِي ﷺ َ - يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِر لي) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول حَفْص بن عمر. الثَّانِي شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث أَبُو الضُّحَى بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة بِالْقصرِ واسْمه مُسلم بن صبيح بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة الْكُوفِي الْعَطَّار التَّابِعِيّ مَاتَ فِي زمن خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الرَّابِع مَسْرُوق بن الأجدع الْهَمدَانِي الْكُوفِي. الْخَامِس أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي وكوفي وَفِيه أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده
стр. 1629
(ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن ابْن بشار عَن غنْدر وَفِي التَّفْسِير عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن مُسَدّد وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن حسن بن الرّبيع وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن يحيى وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن سُوَيْد بن نصر وَفِيه التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن وَكِيع وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن جرير بِهِ (ذكر من روى أَيْضا عَن عَائِشَة فِي هَذَا الْبَاب) روى الْبَزَّار فِي سنَنه عَن عَائِشَة " أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يَقُول فِي سُجُوده " يَعْنِي فِي صَلَاة اللَّيْل " سجد وَجْهي للَّذي خلقه فشق سَمعه وبصره بحوله وقوته " وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث مَسْرُوق عَن عَائِشَة قَالَت " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يكثر أَن يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك فَاغْفِر لي فَإنَّك أَنْت التواب " وَرُوِيَ أَيْضا عَن مطرف عَن عَائِشَة " أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده سبوح قدوس رب الْمَلَائِكَة وَالروح " وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا وروى مُسلم أَيْضا عَن عَائِشَة " رَأَيْت النَّبِي ﷺ َ - يَقُول وَهُوَ رَاكِع أَو ساجد سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت " (ذكر من روى أَيْضا غير عَائِشَة فِي هَذَا الْبَاب) روى مُسلم " عَن حُذَيْفَة صليت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - " فَذكره وَفِيه " ركع فَجعل يَقُول سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم وَفِي سُجُوده سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " وَزَاد ابْن مَاجَه بِسَنَد ضَعِيف " ثَلَاثًا ثَلَاثًا " وروى مُسلم أَيْضا عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَذكر صلَاته قَالَ " وَإِذا ركع قَالَ اللَّهُمَّ لَك ركعت وَبِك آمَنت وَلَك أسلمت خشع لَك سَمْعِي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وَإِذا سجد قَالَ لَك سجدت وَبِك آمَنت وَلَك أسلمت سجد وَجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ " وروى أَحْمد فِي مُسْنده " عَن ابْن عَبَّاس بت عِنْد مَيْمُونَة فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ َ - يَقُول فِي رُكُوعه سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم وَفِي سُجُوده " وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ قَالَ " لما نزلت فسبح باسم رَبك الْعَظِيم قَالَ النَّبِي ﷺ َ - اجْعَلُوهَا فِي ركوعكم وَلما نزلت سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى قَالَ النَّبِي ﷺ َ - اجْعَلُوهَا فِي سُجُودكُمْ " وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا " عَن حُذَيْفَة أَنه صلى مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - ذَات لَيْلَة فَكَانَ يَقُول فِي رُكُوعه سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم وَفِي سُجُوده سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " وَأخرجه الْأَرْبَعَة مطولا وَالدَّارَقُطْنِيّ وروى أَبُو دَاوُد عَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ قَالَ " قُمْت مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - لَيْلَة فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَة الْبَقَرَة " الحَدِيث وَفِيه " يَقُول فِي رُكُوعه سُبْحَانَ ذِي الجبروت والملكوت والكبرياء وَالْعَظَمَة " الحَدِيث (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " سُبْحَانَكَ " مَنْصُوب على الْمصدر وَحذف فعله وَهُوَ أسبح وَنَحْوه لَازم وَهُوَ علم للتسبيح وَمَعْنَاهُ التَّنْزِيه عَن النقائص وَالْعلم لَا يُضَاف إِلَّا إِذا نكر ثمَّ أضيف قَوْله " وَبِحَمْدِك " أَي وسبحت بحَمْدك أَي بتوفيقك وهدايتك لَا بحولي وقوتي وَالْوَاو فِيهِ إِمَّا للْحَال وَإِمَّا للْعَطْف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة سَوَاء قُلْنَا إِضَافَة الْحَمد إِلَى الْفَاعِل وَالْمرَاد من الْحَمد لَازمه مجَازًا وَهُوَ مَا يُوجب الْحَمد من التَّوْفِيق وَالْهِدَايَة أَو إِلَى الْمَفْعُول وَيكون مَعْنَاهُ وسبحت ملتبسا بحمدي لَك قَوْله " اللَّهُمَّ اغْفِر لي " أَي يَا الله اغْفِر لي وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك النَّبِي ﷺ َ - وَإِن كَانَ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر لبَيَان الافتقار إِلَى الله والإذعان لَهُ وَإِظْهَار الْعُبُودِيَّة وَالشُّكْر وَطلب الدَّوَام أَو الاسْتِغْفَار عَن ترك الأولى أَو التَّقْصِير فِي بُلُوغ حق عِبَادَته مَعَ أَن نفس الدُّعَاء هُوَ عبَادَة وَهَذَا من رَسُول الله ﷺ َ - عمل بِمَا أَمر بِهِ فِي قَول الله تَعَالَى ﴿فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ﴾ على أحسن الْوُجُوه (فَإِن قلت) إِتْيَانه بِهَذَا فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود مَا حكمته (قلت) أما كَونه فِي حَال الصَّلَاة فَلِأَنَّهَا أفضل من غَيرهَا وَأما فِي تِلْكَ الْحَالَتَيْنِ فَلَمَّا فيهمَا من زِيَادَة خشوع وتواضع لَيست فِي غَيرهمَا وَالله تَعَالَى أعلم (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ أَن الذّكر فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود سنة وَلَكِن اخْتلفُوا فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد يَدْعُو الْمُصَلِّي بِمَا شَاءَ من الْأَدْعِيَة الْمَذْكُورَة فِي الْأَحَادِيث السَّابِقَة فِي صلَاته سَوَاء كَانَت فرضا أَو نفلا وَقَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي يَقُول فِي رُكُوعه سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم ثَلَاثًا وَفِي سُجُوده سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا فَإِن زَاد دُعَاء مأثورا
стр. 1630
أَو ذكرا ثمَّ ذكر مثل الْأَدْعِيَة الْمَذْكُورَة هَهُنَا فَحسن لِأَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَه وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ قَالَ الشَّافِعِي يسبح كَمَا أَمر النَّبِي ﷺ َ - فِي حَدِيث عقبَة وَيَقُول كَمَا قَالَ فِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقد مر حَدِيثهمَا عَن قريب وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد فِي رِوَايَة السّنة للْمُصَلِّي أَن يَقُول فِي رُكُوعه سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم ثَلَاث مَرَّات وَذَلِكَ أدناه وَفِي سُجُوده سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاث مَرَّات وَذَلِكَ أدناه وَقَالَ الطَّحَاوِيّ قَالُوا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يزِيد فِي رُكُوعه على سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم يُرَدِّدهَا مَا أحب وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينقص فِي ذَلِك من ثَلَاث مَرَّات وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يزِيد فِي سُجُوده على سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى يُرَدِّدهَا مَا أحب وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينقص فِي ذَلِك من ثَلَاث مَرَّات قَوْله " يُرَدِّدهَا " أَي يُكَرر كلمة سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم مَا شَاءَ فَوق الثَّلَاث غير أَنه إِذا كَانَ إِمَامًا لَا يزِيد على الثَّلَاث إِلَّا بِمِقْدَار مَا لَا يحصل الْمَشَقَّة على الْقَوْم (قلت) هَذَا كُله فِي الْفَرَائِض وَأما فِي النَّوَافِل فَلَا بَأْس بِهِ لِأَن بَاب النَّفْل أوسع وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ يسبح الإِمَام ثَلَاثًا وَقيل أَرْبعا ليتَمَكَّن الْمُقْتَدِي من الثَّلَاث وَعند الْمَاوَرْدِيّ أدنى الْكَمَال ثَلَاث والكمال إِحْدَى عشرَة أَو تسع وأوسطه خمس وَفِي بعض شُرُوح الْهِدَايَة إِن زَاد على الثَّلَاث حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى عشرَة فَهُوَ أفضل عِنْد الإِمَام وَعِنْدَهُمَا إِلَى سبع وَعَن بعض الْحَنَابِلَة أدنى الْكَمَال أَن يسبح مثل قِيَامه وَعند الشَّافِعِي عشرَة وَهُوَ مَنْقُول عَن عمر بن الْخطاب وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أنس قَالَ " مَا صليت وَرَاء أحد بعد رَسُول الله ﷺ َ - أشبه صَلَاة بِهِ من هَذَا الْفَتى " يَعْنِي عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ قَالَ " فحزرنا فِي رُكُوعه عشر تسبيحات " قَالَ صَاحب التَّلْوِيح فِي سَنَده مقَال وَفِي المُصَنّف حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن ابْن عجلَان عَن عون عَن ابْن مَسْعُود قَالَ ثَلَاث تسبيحات فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَقَالَ ابْن الْمُبَارك عَن مُحَمَّد بن مُسلم عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة قَالَ بَلغنِي أَن عمر ﵁ كَانَ يَقُول فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود قدر خمس تسبيحات سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ وَحدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عَاصِم بن أبي الضُّحَى قَالَ كَانَ عَليّ ﵁ يَقُول فِي رُكُوعه سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم ثَلَاثًا وَفِي سُجُوده سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا. ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْأَذْكَار فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ هِيَ سنة فَلَو تَركهَا لم يَأْثَم وَصلَاته صَحِيحَة سَوَاء تَركهَا سَهوا أَو عمدا لَكِن يكره عمدا وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَق هُوَ وَاجِب فَإِن تَركه عمدا بطلت صلَاته وَإِن نَسيَه لم تبطل زَاد أَحْمد وَيسْجد للسَّهْو وَفِي رِوَايَة عَنهُ أَنه سنة وَقَالَ ابْن حزم هُوَ فرض فَإِن نَسيَه يسْجد للسَّهْو -
١٢٤ - (بابُ مَا يَقُولُ الإمامُ ومَنْ خَلْفَهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَقُول الإِمَام وَالَّذِي خَلفه من الْقَوْم إِذا رفع الإِمَام رَأسه من الرُّكُوع، وَوَقع فِي شرح ابْن بطال هَكَذَا: بَاب الْقِرَاءَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَمَا يَقُول الإِمَام وَمن خَلفه. . إِلَى آخِره، وَالَّذِي ذكره ابْن بطال غير مَشْهُور، فَلَا فَائِدَة فِي ذكر غير الْمَشْهُور، ثمَّ الِاعْتِرَاض فِيهِ. نعم لَيْسَ فِي الْبَاب شَيْء يدل على مَا يَقُوله من خلف الإِمَام، وَلَكِن أُجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ قد قدم حَدِيث: إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، وَيفهم مِنْهُ أَنه يُوَافق الْقَوْم الإِمَام فِيمَا يَقُوله إِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع، فَكَأَنَّهُ اكْتفى بِهِ عَن إِيرَاد حَدِيث مُسْتَقل دَال على ذَلِك صَرِيحًا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الحَدِيث لَا يدل على حكم مَن خلف الإِمَام، ثمَّ قَالَ: يدل لَكِن بانضمام: (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) . قلت: كل هَذَا مساعدة للْبُخَارِيّ بضروب من التوجيهات، وَهَذَا الْمِقْدَار يحصل بِهِ الْإِقْنَاع.
٧٩٥ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ إذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ قالَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وكانَ النبيُّ ﷺ إذَا
стр. 1631
رَكَعَ وإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ وإذَا قامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ الله أكْبَرُ
التَّرْجَمَة شَيْئَانِ: أَحدهمَا: مَا يَقُول الإِمَام! وَالْآخر: مَا يَقُول من خَلفه. وَحَدِيث الْبَاب لَا يدل إلاّ على الْجُزْء الأول صَرِيحًا، وعَلى الثَّانِي بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة، قد ذكرُوا غير مرّة، وآدَم ابْن أبي إِيَاس، وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، وَاسم أبي ذِئْب: هِشَام، وَقد مرت مبَاحث هَذَا فِي: بَاب التَّكْبِير إِذا قَامَ من السُّجُود.
قَوْله: (اللَّهُمَّ رَبنَا) ، هَكَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي بَعْضهَا بِحَذْف: اللَّهُمَّ، وَالْأولَى أولى لِأَن فِيهَا تَكْرِير النداء، كَأَنَّهُ قَالَ: يَا الله يَا رَبنَا. قَوْله: (وَلَك الْحَمد) كَذَا ثَبت بِزِيَادَة الْوَاو فِي أَكثر الطّرق، وَفِي بَعْضهَا بِحَذْف الْوَاو، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (وَإِذا رفع رَأسه) أَي: من السُّجُود لَا من الرُّكُوع، وَذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر عَن ابْن أبي ذِئْب، بِلَفْظ: (وَإِذا قَامَ من الثِّنْتَيْنِ كبر) . وَرَوَاهُ الطَّيَالِسِيّ بِلَفْظ: (وَكَانَ يكبر بَين السَّجْدَتَيْنِ) ، وَرَوَاهُ أَبُو يعلى، وَلَفظه: (وَإِذا قَامَ من السَّجْدَتَيْنِ) ، كَمَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، يحْتَمل أَن يُرَاد بهما حقيقتهما، وَأَن يُرَاد بهما الركعتان مجَازًا. وَقيل: الظَّاهِر مِنْهُمَا الركعتان، وَكَذَا قَوْله: (من الثِّنْتَيْنِ) . قَوْله: (الله أكبر) ، إِنَّمَا قَالَ هُنَا بِالْجُمْلَةِ الإسمية، وَفِي قَوْله (يكبر) بِالْجُمْلَةِ الفعلية المضارعية، لِأَن الْمُضَارع يُفِيد الِاسْتِمْرَار، وَالْمرَاد مِنْهُ هَهُنَا شُمُول أزمنة صُدُور الْفِعْل، أَي: كَانَ تكبيره ممدودا من أول الرُّكُوع وَالرَّفْع إِلَى آخرهما، منبسطا عَلَيْهِمَا، بِخِلَاف التَّكْبِير للْقِيَام فَإِنَّهُ لم يكن مستمرا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ غير الأسلوب وَقَالَ هُنَا بِلَفْظ: الله أكبر، وثمة بِلَفْظ: التَّكْبِير؟ قلت: إِمَّا للتفنن، وَإِمَّا لِأَنَّهُ أَرَادَ التَّعْمِيم، لِأَن التَّكْبِير يتَنَاوَل: الله أكبر، بتعريف الْأَكْبَر وَنَحْوه: وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر أَنه من تصرف الروَاة، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد تعْيين هَذَا اللَّفْظ دون غَيره من أَلْفَاظ التَّعْظِيم. قلت: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي أولى من نِسْبَة الروَاة إِلَى التَّصَرُّف فِي الْأَلْفَاظ الَّتِي نقلت عَن الصَّحَابَة، وهم أهل البلاغة. وَقَوله: وَيحْتَمل ... إِلَى آخِره، إحتمال غير ناشىء عَن دَلِيل، فَلَا عِبْرَة بِهِ.
١٢٥ - (بابُ فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل قَول: (اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد) . وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (رَبنَا وَلَك الْحَمد) بِالْوَاو، وَلَيْسَ فِيهِ لفظ: بَاب، فِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي.
٧٩٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رَسولَ الله قالَ إذَا قالَ الإِمامُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ فإنَّهُ منْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرُ لَهُ مَا تقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (الحَدِيث ٧٩٦ طرفه فِي: ٣٢٢٨) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مروا فِي: بَاب جهر الإِمَام بآمين غير أَن هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وَهنا: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَأَبُو صَالح هُوَ: ذكْوَان السمان، ومباحثه قد تقدّمت هُنَاكَ. وَقَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بقوله: (إِذا قَالَ الإِمَام) على أَن الإِمَام لَا يَقُول: رَبنَا لَك الْحَمد، وعَلى أَن الْمَأْمُوم لَا يَقُول: (سمع الله لمن حَمده) لكَون ذَلِك لم يذكر فِي هَذِه الرِّوَايَة، كَذَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيّ، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على النَّفْي. قلت: لَا نسلم ذَلِك لِأَنَّهُ ﷺ قسم التسميع والتحميد، فَجعل التسميع للْإِمَام والتحميد للْمَأْمُوم، فالقسمة تنَافِي الشّركَة. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (كَانَ يكبر فِي كل صَلَاة) الحَدِيث، وَفِيه: (ثمَّ يكبر حِين يرْكَع، ثمَّ يَقُول: سمع الله لمن حَمده، ثمَّ يَقُول: رَبنَا وَلَك الْحَمد. .) الحَدِيث. قلت: هَذَا كَانَ قنوتا، وَقد فعله ثمَّ تَركه، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه كَانَ قنوتا لِأَن فِيهِ: اللَّهُمَّ أنجِ الْوَلِيد بن الْوَلِيد، وَسَلَمَة بن هِشَام، وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ ... إِلَى آخِره. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده، قَالَ: اللَّهُمَّ رَبنَا وَلَك الْحَمد) الحَدِيث، فَهَذَا صَرِيح فِي أَنه ﷺ كَانَ يجمع بَينهمَا، لَا لعِلَّة قنوت وَلَا لغيره. قلت: يُمكن أَن يكون هَذَا من النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ مُنْفَرد، فَافْهَم. وَقَالَ الْكرْمَانِي إِن النَّبِي ﷺ قالهما جَمِيعًا، وَالْمَأْمُوم مَأْمُور بمتابعته، لقَوْله: (صلوا
стр. 1632
كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) ، قلت: قَوْله: (قالهما جَمِيعًا) يحْتَمل أَن يكون ذَلِك وَهُوَ مُنْفَرد، كَمَا ذكرنَا، وَأَبُو حنيفَة أَيْضا حمله على حَالَة الإنفراد، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم، لأَنهم يَقُولُونَ: الْمَأْمُوم مَأْمُور بمتابعة الإِمَام، ثمَّ يَقُولُونَ: الإِمَام إِذا ظهر مُحدثا يتم الْمَأْمُوم صلَاته، فَأَيْنَ وجدت الْمُتَابَعَة؟
١٢٦ - (بابٌ)
لم تقع لَفْظَة: بَاب، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وعَلى رِوَايَته شرح ابْن بطال، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، لَكِن بِلَا تَرْجَمَة. وَقَالَ بَعضهم: وَالرَّاجِح إثْبَاته لِأَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِيهِ لَا دلَالَة فِيهَا على فضل: اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد، إلاّ بتكلف، فَالْأولى أَن يكون بِمَنْزِلَة الْفَصْل من الْبَاب الَّذِي قبله. انْتهى. قلت: لَا نسلم دَعْوَى التَّكَلُّف فِي دلَالَة الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بعد لَفْظَة بَاب مُجَردا عَن التَّرْجَمَة على فضل: اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد، لِأَنَّهُ لَا يلْزم أَن تكون الدّلَالَة صَرِيحَة، لِأَن الْموضع الَّذِي يكون فِيهِ لفظ: بَاب، بِمَعْنى الْفَصْل يكون حكمه حكم الْفَصْل، وَحكم الْفَصْل أَن تكون الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة بعده من جنس الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة فِيمَا قبله، وَلَا يلْزم أَن يكون التطابق بَينهمَا ظَاهرا صَرِيحًا، بل وجوده بحيثية من الحيثيات يَكْفِي فِي ذَلِك، وَهَهُنَا كَذَلِك، لِأَن الْمَذْكُور بعد قَوْله: بَاب، ثَلَاثَة أَحَادِيث: الأول: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَالْأَصْل فِيهِ أَنه صَلَاة كَانَ فِيهَا قنوت، وَالصَّلَاة الَّتِي فِيهَا الْقُنُوت قد ذكر فِيهَا التسميع والتحميد مَعًا، وَيدل ذكر التَّحْمِيد فِيهِ على فَضله، لِأَن الْموضع كَانَ مَوضِع الدُّعَاء، فَدلَّ هَذَا الحَدِيث الْمُخْتَصر من الأَصْل على فَضِيلَة التَّحْمِيد من حَيْثُ أَنه ﷺ بيَّنهما فِي الدُّعَاء، وَالَّذِي يدل على الْفضل فِي الأَصْل صَرِيحًا يدل على الْمُخْتَصر مِنْهُ دلَالَة. الثَّانِي: حَدِيث أنس الَّذِي يدل على أَن الْقُنُوت كَانَ فِي الْمغرب وَالْفَجْر، وَالْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة. الثَّالِث: حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِيه الدّلَالَة على فَضِيلَة التَّحْمِيد صَرِيحًا، لِأَن ابتدار الْمَلَائِكَة إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب ذكر الرجل إِيَّاه. فَإِن قلت: لفظ: بَاب، هَذَا هَل هُوَ مُعرب أم مَبْنِيّ؟ قلت: الْإِعْرَاب لَا يكون إِلَّا بعد العقد والتركيب، فَلَا يكون معربا، بل حكمه حكم أعداد الْأَسْمَاء من غير تركيب. فَافْهَم.
٧٩٧ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ لأُقَرِّبَ صَلَاةَ النبيِّ ﷺ فكانَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعةِ الأخْرَى مِنْ صَلَاةِ الظهْرِ وصَلَاةِ العِشَاءِ وصَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَدْعُوا لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الكُفَّارَ.
وَجه ذكر هَذَا الحَدِيث قد مضى ذكره الْآن.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: معَاذ بن فضَالة، بِفَتْح الْفَاء: أَبُو زيد الْبَصْرِيّ، مر ذكره فِي: بَاب النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ. الثَّانِي: هِشَام الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: عَن أبي سَلمَة وَفِي رِوَايَة مُسلم: من طَرِيق معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه عَن يحيى: حَدثنِي أَبُو سَلمَة. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ودستوائي ويماني ومدني.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن دَاوُد بن أُميَّة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن مُسلم الْبَلْخِي.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لأقربن صَلَاة النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لأقربن لكم) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ (إِنِّي لأقربكم صَلَاة برَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (إِنِّي لأقربكم شبها بِصَلَاة النَّبِي ﷺ . وَقَالَ الْكرْمَانِي: (لأقربن) أَي: وَالله لأقربكم إِلَى صَلَاة رَسُول الله ﷺ ، أَو لأَقْرَب صلَاته إِلَيْكُم. قلت: (لأقربن) بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبنون التَّأْكِيد، وَمَعْنَاهُ: لآتينكم بِمَا يشبهها وَمَا يقرب مِنْهَا. وَفِي نُسْخَة من نسخ أبي دَاوُد: (لأقرئن، من الْقِرَاءَة) ، وَلم يظْهر لي وَجههَا. وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: (لأرينكم صَلَاة رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة) إِلَى آخِره، قيل: الْمَرْفُوع من هَذَا
стр. 1633
الحَدِيث وجود الْقُنُوت لَا وُقُوعه فِي الصَّلَوَات الْمَذْكُورَة، فَإِنَّهُ مَوْقُوف على أبي هُرَيْرَة، وَالظَّاهِر أَن جَمِيعه مَرْفُوع، يدل عَلَيْهِ: (لأقربن صَلَاة النَّبِي ﷺ وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لأقربن لكم صَلَاة النَّبِي ﷺ ، ثمَّ إِنَّه فسر ذَلِك بقوله: (فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة) إِلَى آخِره، و: الْفَاء فِيهِ تفسيرية. قَوْله: (فِي الرَّكْعَة الْآخِرَة) ، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فِي الرَّكْعَة الْأُخْرَى) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ بِهِ من يرى بِالْقُنُوتِ فِي الصَّلَوَات الْمَذْكُور، وَعند الظَّاهِرِيَّة: الْقُنُوت فعل حسن فِي جَمِيع الصَّلَوَات، وَعند ابْن سِيرِين وَابْن أبي ليلى وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: الْقُنُوت فِي الْفجْر بعد الرُّكُوع، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن أبي بكر الصّديق وَعمر وَعُثْمَان وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فِي قَول، وَعند مَالك وَابْن أبي ليلى وَأحمد فِي رِوَايَة: هُوَ قبل الرُّكُوع. وَعند أبي حنيفَة: الْقُنُوت فِي الْوتر خَاصَّة قبل الرُّكُوع. وَحكى ابْن الْمُنْذر كَذَلِك عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ والبراء بن عَازِب وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأنس وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَعبيدَة السَّلمَانِي وَحميد الطَّوِيل وَعبد الله بن الْمُبَارك. وَحكى ابْن الْمُنْذر أَيْضا التَّخْيِير قبل الرُّكُوع وَبعده عَن أنس وَأَيوب ابْن أبي نميمة وَأحمد بن حَنْبَل. وَقَالَ أَبُو دَاوُد، قَالَ أَحْمد: كل مَا روى البصريون عَن عمر فِي الْقُنُوت فَهُوَ بعد الرُّكُوع، وروى الْكُوفِيُّونَ قبل الرُّكُوع. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق: لَا يقنت فِي الْفجْر إِلَّا عِنْد نازلة تنزل بِالْمُسْلِمين، فَإِذا نزلت نازلة فللإمام أَن يَدْعُو لجيوش الْمُسلمين. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: إِن قنت فِي الْفجْر فَحسن، وَإِن لم يقنت فَحسن، وَاخْتَارَ أَن لَا يقنت، وَلم ير ابْن الْمُبَارك الْقُنُوت فِي الْفجْر. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا الْمقدمِي حَدثنَا أَبُو معشر حَدثنَا أَبُو حَمْزَة عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: (قنت رَسُول الله ﷺ شهرا يَدْعُو على عصية وذكوان، فَلَمَّا ظهر عَلَيْهِم ترك الْقُنُوت) . وَكَانَ ابْن مَسْعُود لَا يقنت فِي صلَاته. ثمَّ قَالَ: فَهَذَا ابْن مَسْعُود يخبر أَن قنوت رَسُول الله ﷺ الَّذِي كَانَ يقنته إِنَّمَا كَانَ من أجل من كَانَ يَدْعُو عَلَيْهِ، وَأَنه قد كَانَ ترك ذَلِك فَصَارَ الْقُنُوت مَنْسُوخا، فَلم يكن هُوَ من بعد رَسُول الله ﷺ يقنت. وَكَانَ أحد من روى عَنهُ ﷺ أَيْضا عبد الله بن عمر، ثمَّ أخبر أَن الله نسخ ذَلِك حِين أنزل على رَسُول الله ﷺ : ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ﴾ (آل عمرَان: ١٢٨) . فَصَارَ ذَلِك عِنْد ابْن عمر مَنْسُوخا أَيْضا، فَلم يكن هُوَ يقنت بعد رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ يُنكر على من كَانَ يقنت، وَكَانَ أحد من روى عَنهُ الْقُنُوت عَن رَسُول الله ﷺ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، فَأخْبر فِي حَدِيثه بِأَن مَا كَانَ يقنت بِهِ رَسُول الله ﷺ دُعَاء على من كَانَ يَدْعُو عَلَيْهِ، وَأَن الله نسخ ذَلِك بقوله: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم﴾ (آل عمرَان: ١٢٨) . الْآيَة فَفِي ذَلِك أَيْضا وجوب وجوب ترك الْقُنُوت فِي الْفجْر. فَإِن قلت: قد ثَبت عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يقنت فِي الصُّبْح بعد رَسُول الله ﷺ ، فَكيف تكون الْآيَة ناسخة لجملة الْقُنُوت؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون نزُول هَذِه الْآيَة لم يكن أَبُو هُرَيْرَة علمه، فَكَانَ يعْمل على مَا علم من فعل رَسُول الله ﷺ وقنوته إِلَى أَن مَاتَ، لِأَن الْحجَّة لم تثبت عِنْده بِخِلَاف ذَلِك، ألَا ترى إِلَى أَن عبد الله بن عمر وَعبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، لما علما بنزول هَذِه الْآيَة وعلما كَونهَا ناسخة لما كَانَ رَسُول الله ﷺ ، يفعل تركا الْقُنُوت.
١٨٦ - (حَدثنَا عبد الله بن أبي الْأسود قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل عَن خَالِد الْحذاء عَن أبي قلَابَة عَن أنس ﵁ قَالَ كَانَ الْقُنُوت فِي الْمغرب وَالْفَجْر) قد ذكرنَا وَجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث هُنَا فِي أول بَاب مُجَردا. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد ابْن أبي الْأسود وَاسم أبي الْأسود حميد بن الْأسود أَبُو بكر الْبَصْرِيّ مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي إِسْمَاعِيل بن علية. الثَّالِث خَالِد بن مهْرَان الْحذاء. الرَّابِع أَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد بن عَمْرو الْجرْمِي. الْخَامِس أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن رُوَاته كلهم بصريون وَفِيه أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده والْحَدِيث أخرجه
стр. 1634
البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوتر عَن مُسَدّد عَن ابْن علية قَوْله " كَانَ الْقُنُوت " يَعْنِي فِي أول الْأَمر وَاحْتج بِهَذَا على أَن قَول الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل كَذَا لَهُ حكم الرّفْع وَإِن لم يُقَيِّدهُ بِزَمن النَّبِي ﷺ َ - قَالَه الْحَاكِم. ثمَّ اعْلَم أَن عبارَة كَلَام أنس تدل على أَن الْقُنُوت كَانَ فِي صَلَاة الْمغرب وَالْفَجْر ثمَّ ترك وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن أنس بن سِيرِين عَن أنس بن مَالك " أَن النَّبِي ﷺ َ - قنت شهرا ثمَّ تَركه " انْتهى وَقَوله " ثمَّ تَركه " يدل على أَن الْقُنُوت كَانَ فِي الْفَرَائِض ثمَّ نسخ (فَإِن قلت) قَالَ الْخطابِيّ معنى قَوْله " ثمَّ تَركه " أَي ترك الدُّعَاء على هَؤُلَاءِ الْقَبَائِل الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَو ترك الْقُنُوت فِي الصَّلَوَات الْأَرْبَع وَلم يتْركهُ فِي صَلَاة الْفجْر (قلت) هَذَا كَلَام متحكم متعصب بِلَا دَلِيل فَإِن الضَّمِير فِي تَركه يرجع إِلَى الْقُنُوت الَّذِي يدل عَلَيْهِ لفظ قنت وَهُوَ عَام يتَنَاوَل جَمِيع الْقُنُوت الَّذِي كَانَ فِي الصَّلَوَات وَتَخْصِيص الْفجْر من بَينهَا بِلَا دَلِيل فِي اللَّفْظ يدل عَلَيْهِ بَاطِل وَقَوله " أَي ترك الدُّعَاء " لَا يَصح لِأَن الدُّعَاء لم يمض ذكره فِي هَذَا الحَدِيث وَلَئِن سلمنَا فالدعاء هُوَ عين الْقُنُوت وَمَا ثمَّ شَيْء غَيره فَيكون قد ترك الْقُنُوت وَالتّرْك بعد الْعَمَل نسخ (فَإِن قلت) روى عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه أخبرنَا أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ عَن الرّبيع بن أنس عَن أنس بن مَالك " قَالَ مازال رَسُول الله ﷺ َ - يقنت فِي الْفجْر حَتَّى فَارق الدُّنْيَا " وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده (قلت) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْعِلَل المتناهية هَذَا حَدِيث لَا يَصح فَإِن أَبَا جَعْفَر الرَّازِيّ اسْمه عِيسَى بن ماهان وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ كَانَ يخلط وَقَالَ يحيى كَانَ يخطىء وَقَالَ أَحْمد لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث وَقَالَ أَبُو زرْعَة كَانَ يتهم كثيرا وَقَالَ ابْن حبَان كَانَ ينْفَرد بِالْمَنَاكِيرِ عَن الْمَشَاهِير انْتهى. وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي شرح الْآثَار وَسكت عَنهُ إِلَّا أَنه قَالَ وَهُوَ معَارض بِمَا رُوِيَ عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه ﷺ َ - إِنَّمَا قنت شهرا يَدْعُو على أَحيَاء من الْعَرَب ثمَّ تَركه وروى الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز حَدثنَا شَيبَان بن فروخ حَدثنَا غَالب بن فرقد الطَّحَّان قَالَ كنت عِنْد أنس بن مَالك شَهْرَيْن فَلم يقنت فِي صَلَاة الْغَدَاة انْتهى فَهَذَا يدل على أَن الْقُنُوت كَانَ ثمَّ نسخ إِذْ لَو لم ينْسَخ لم يكن أنس يتْركهُ (فَإِن قلت) قَالَ صَاحب التَّنْقِيح على التَّحْقِيق هَذَا الحَدِيث أَعنِي حَدِيث عبد الرَّزَّاق الْمَذْكُور آنِفا أَجود أَحَادِيثهم وَذكر جمَاعَة وثقوا أَبَا جَعْفَر الرَّازِيّ (قلت) قَالَ هُوَ أَيْضا وَإِن صَحَّ فَهُوَ مَحْمُول على أَنه مازال يقنت فِي النَّوَازِل أَو على أَنه مازال يطول فِي الصَّلَاة فَإِن الْقُنُوت لفظ مُشْتَرك بَين الطَّاعَة وَالْقِيَام والخشوع وَالسُّكُوت وَغير ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا﴾ وَقَالَ ﴿أَمن هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل﴾ وَقَالَ ﴿وَمن يقنت مِنْكُم لله وَرَسُوله﴾ وَقَالَ ﴿يَا مَرْيَم اقنتي﴾ وَقَالَ ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ وَقَالَ ﴿وكل لَهُ قانتون﴾ وَفِي الحَدِيث " أفضل الصَّلَاة الْقُنُوت "
٧٩٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ نُعَيْمِ بنِ عَبْدِ الله المُجْمِرِ عنْ عَلِيِّ بنِ يَحْيَى بنِ خَلَاّدٍ الزُّرَقِيِّ عنْ أبِيِهِ عنْ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ الزُّرَقِي قالَ كُنَّا يَوْما نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ قالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدا كَثِيرا طَيِّبا مُبَارَكا فِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قالَ مَن المُتَكَلِّمُ قَالَ أَنا قَالَ رَأَيْتُ بِضْعَةً وثَلَاثِينَ ملَكا يَبْتَدِرُونَهَا أيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أوَّلُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد بَيناهُ فِي أول الْبَاب.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: نعيم، بِضَم النُّون، ابْن عبد الله المجمر، بِلَفْظ الْفَاعِل من الإجمار، وَقد مر ذكره فِي: بَاب فضل الْوضُوء، وَهُوَ صفة لنعيم ولأبيه أَيْضا. الرَّابِع: عَليّ بن يحيى بن خَلاد، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام وبالدال الْمُهْملَة: الزرقي، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وبالقاف: الْأنْصَارِيّ الْمدنِي: مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة. الْخَامِس: أَبوهُ يحيى بن خَلاد بن رَافع، حنكه النَّبِي، ﷺ . السَّادِس: عَمه رِفَاعَة، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء وَبعد الْألف عين مُهْملَة:
стр. 1635
ابْن رَافع، بالراء وبالفاء: ابْن مَالك الزرقي، شهد الْمشَاهد، رُوِيَ لَهُ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، للْبُخَارِيّ ثَلَاثَة، مَاتَ زمن مُعَاوِيَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَن عَليّ بن يحيى، وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة: أَن عَليّ بن يحيى حَدثهُ. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر، لِأَن نعيما أكبر سنا من عَليّ بن يحيى، وأقدم سَمَاعا مِنْهُ. وَفِيه: رِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق وَاحِد، وهم من بَين مَالك والصحابي. وَفِيه: من وَجه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ، لِأَن يحيى بن خَلاد مَذْكُور فِي الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مسلمة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (يَوْمًا) ، يَعْنِي: فِي يَوْم من الْأَيَّام. قَوْله: (قَالَ رجل وَرَاءه) أَي: وَرَاء النَّبِي، ﷺ ، وَلَفظ: وَرَاءه، فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَلَيْسَ بموجود فِي رِوَايَة غَيره، وَالْمرَاد بِهَذَا الرجل هُوَ: رِفَاعَة بن رَافع رَاوِي الْخَبَر، قَالَه ابْن بشكوال، وَاحْتج فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره: عَن قُتَيْبَة عَن رِفَاعَة بن يحيى الزرقي عَن عَم أَبِيه معَاذ بن رِفَاعَة عَن أَبِيه، قَالَ: (صليت خلف النَّبِي، ﷺ ، فعطست فَقلت: الْحَمد لله حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يحب ربُّنا ويرضى. فَلَمَّا صلى رَسُول الله ﷺ ، انْصَرف فَقَالَ: من الْمُتَكَلّم فِي الصَّلَاة؟ فَلم يكلمهُ أحد، ثمَّ قَالَهَا الثَّانِيَة: من الْمُتَكَلّم فِي الصَّلَاة؟ فَقَالَ رِفَاعَة بن رَافع: أَنا يَا رَسُول الله. قَالَ: كَيفَ قلت؟ قَالَ: الْحَمد لله حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يحب رَبنَا ويرضى، فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لقد رَأَيْت بضعَة وَثَلَاثِينَ ملكا أَيهمْ يصعد بهَا) . انْتهى. قيل: هَذَا التَّفْسِير فِيهِ نظر لاخْتِلَاف الْقِصَّة؟ وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا تعَارض بَين الْحَدِيثين لاحْتِمَال أَنه وَقع عطاسه عِنْد رفع رَأس النَّبِي، ﷺ ، وَلم يذكر نَفسه فِي حَدِيث الْبَاب لقصد إخفاء عمله وَطَرِيق التَّجْرِيد، وَيجوز أَن يكون بعض الروَاة نسي اسْمه وَذكره بِلَفْظ الرجل، وَأما الزِّيَادَة الَّتِي فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ فلاختصار الرَّاوِي إِيَّاهَا، فَلَا يضر ذَلِك. فَإِن قلت: مَا هَذِه الصَّلَاة الَّتِي ذكرهَا رِفَاعَة بقوله: (كُنَّا نصلي يَوْمًا) ؟ قلت: بَين ذَلِك بشر بن عمر الزهْرَانِي فِي رِوَايَته عَن رِفَاعَة أَن هَذِه الصَّلَاة كَانَت صَلَاة الْمغرب. قَوْله: (حمدا) ، مَنْصُوب بِفعل مُضْمر دلّ عَلَيْهِ. قَوْله: (لَك الْحَمد) . قَوْله: (طيبا) أَي: خَالِصا عَن الرِّيَاء والسمعة. قَوْله: (مُبَارَكًا فِيهِ) ، أَي: كثير الْخَيْر. وَأما قَوْله فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (مُبَارَكًا عَلَيْهِ) ، فَالظَّاهِر أَنه تَأْكِيد للْأولِ:. وَقيل: الأول بِمَعْنى الزِّيَادَة وَالثَّانِي بِمَعْنى الْبَقَاء. قَوْله: (فَلَمَّا انْصَرف) أَي: من صلَاته. قَوْله: (قَالَ: من الْمُتَكَلّم؟) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ من الْمُتَكَلّم بِهَذِهِ الْكَلِمَات؟ قَوْله: (بضعَة وَثَلَاثِينَ ملكا) ، ويروى: بضعا وَثَلَاثِينَ) ، والبضع، بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا: هُوَ مَا بَين الثَّلَاث وَالتسع. تَقول بضع سِنِين، وَبضْعَة عشر رجلا وَقَالَ الْجَوْهَرِي، إِذا جَاوَزت الْعشْرَة ذهب الْبضْع، لَا تَقول: بضع وَعِشْرُونَ. قلت: الحَدِيث يرد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ﷺ أفْصح الفصحاء، وَقد تكلم بِهِ. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص هَذَا الْعدَد بِهَذَا الْمِقْدَار؟ قلت قد استفتح عَليّ هَهُنَا من الْفَيْض الإلهي أَن حُرُوف هَذِه الْكَلِمَات أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ حرفا، فَأنْزل الله تَعَالَى بِعَدَد حروفها مَلَائِكَة، فَتكون أَرْبَعَة وَثَلَاثِينَ ملكا فِي مُقَابلَة كل حرف ملك، تَعْظِيمًا لهَذِهِ الْكَلِمَات، وَقس على هَذَا مَا وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ الَّتِي ذَكرنَاهَا الْآن، وعَلى هَذَا أَيْضا مَا وَقع فِي حَدِيث مُسلم من رِوَايَة أنس: (لقد رَأَيْت اثْنَي عشر ملكا يبتدرونها) . وَفِي حَدِيث أبي أَيُّوب عِنْد الطَّبَرَانِيّ: (ثَلَاثَة عشر) ، فَإِن قلت: هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة غير الْحفظَة أم لَا؟ قلت: الظَّاهِر أَنهم غَيرهم، وَيدل عَلَيْهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم عَنهُ مَرْفُوعا: (ان لله مَلَائِكَة يطوفون فِي الطَّرِيق ويلتمسون أهل الذّكر) ، وَقد يسْتَدلّ بِهَذَا أَن بعض الطَّاعَات قد يَكْتُبهَا غير الْحفظَة. قَوْله: (قَالَ: أَنا) ، أَي: قَالَ الرجل: أَنا الْمُتَكَلّم يَا رَسُول الله. فَإِن قلت: كرر ﷺ سُؤَاله فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ كَمَا مر، والإجابة كَانَت وَاجِبَة عَلَيْهِ، بل وعَلى غَيره أَيْضا مِمَّن سمع رِفَاعَة، فَإِن سُؤَاله ﷺ لم يكن لمُعين. قلت: لما لم يكن سُؤَاله، ﷺ ، لمُعين لم تتَعَيَّن الْمُبَادرَة بِالْجَوَابِ، لَا من الْمُتَكَلّم وَلَا من غَيره، فكأنهم انتظروا من يُجيب مِنْهُم. فَإِن قلت:
стр. 1636
مَا حملهمْ على ذَلِك؟ قلت: خشيَة أَن يَبْدُو فِي حَقه شَيْء، ظنا مِنْهُم أَنه أَخطَأ فِيمَا فعل، ورجاء أَن يَقع الْعَفو عَنهُ، وَالدَّلِيل على ظنهم ذَلِك مَا جَاءَ فِي رِوَايَة ابْن قَانِع، من حَدِيث سعيد بن عبد الْجَبَّار: عَن رِفَاعَة بن يحيى قَالَ رِفَاعَة: (فوددت أَنِّي أخرجت من مَالِي وَأَنِّي لم أشهد مَعَ رَسُول الله ﷺ تِلْكَ الصَّلَاة) . قَوْله: (يبتدرونها) أَي: يسعون فِي الْمُبَادرَة. يُقَال: ابتدروا الصّلاح أَي: سارعوا إِلَى أَخذه، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (أَيهمْ يصعد بهَا أول) . وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ، من حَدِيث أبي أَيُّوب: أَيهمْ، يرفعها. قَوْله: (أَيهمْ) ، بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (يَكْتُبهَا) ، وَيجوز فِي: أَيهمْ، النصب على تَقْدِير: ينظرُونَ أَيهمْ يَكْتُبهَا. وَأي: مَوْصُولَة عِنْد سِيبَوَيْهٍ، وَالتَّقْدِير: يبتدرون الَّذِي هُوَ يَكْتُبهَا أول. قَوْله: (أول) ، مَبْنِيّ على الضَّم بِأَن حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ مِنْهُ، تَقْدِيره: أَوَّلهمْ، يَعْنِي: كل وَاحِد مِنْهُم يسْرع ليكتب هَذِه الْكَلِمَات قبل الآخر ويصعد بهَا إِلَى حَضْرَة الله تَعَالَى لعظم قدرهَا. ويروى: (أول) بِالْفَتْح وَيكون حَالا. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين: يَكْتُبهَا أول، وَبَين: يصعد بهَا؟ قلت: يحمل على أَنهم يكتبونها ثمَّ يصعدون بهَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أصل أول أَو: آل، على وزن أفعل مَهْمُوز الْوسط، فقلبت الْهمزَة واوا وأدغمت الْوَاو فِي الْوَاو، وَقيل: أَصله: وول، على فوعل، فقلبت الْوَاو الأولى همزَة، وَإِذا جعلته صفة لم تصرفه، تَقول: لَقيته عَاما أول، وَإِذا لم تَجْعَلهُ صفة صرفته نَحْو: رَأَيْته أَولا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: ثَوَاب التَّحْمِيد لله وَالذكر لَهُ. وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز رفع الصَّوْت بِالذكر مَا لم يشوش على من مَعَه. وَفِيه: دَلِيل على أَن الْعَاطِس فِي الصَّلَاة يحمد الله بِغَيْر كَرَاهَة، لِأَنَّهُ لم يتعارف جَوَابا، وَلَكِن لَو قَالَ لَهُ آخر: يَرْحَمك الله وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَسدتْ صلَاته، لِأَنَّهُ يجْرِي فِي مخاطبات النَّاس، فَكَانَ من كَلَامهم. وَبَعْضهمْ خصص الحَدِيث بالتطوع وَهُوَ غير صَحِيح لما بَينا أَنه كَانَ صَلَاة الْمغرب، وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة أَن الْعَاطِس يحمد الله فِي نَفسه وَلَا يُحَرك لِسَانه، وَلَو حرك تفْسد صلَاته، كَذَا فِي (الْمُحِيط) : وَالصَّحِيح خلاف، هَذَا كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: دَلِيل على أَن من كَانَ فِي الصَّلَاة فَسمع عطسة رجل لَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ تشميته، وَلِهَذَا قُلْنَا لَو شمته تفْسد صلَاته.
١٢٧ - (بابُ الإطْمَأْنِينَةِ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الإطمئنان حِين يرفع الْمُصَلِّي رَأسه من الرُّكُوع. قَوْله: (الإطمأنينة) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (بَاب الطمانينة) ، وَهِي الْأَصَح، والموجودة فِي اللُّغَة كَمَا ذكرنَا فِي: بَاب حد إتْمَام الرُّكُوع.
وَقَالَ أبُو حُمَيْدٍ رَفَعَ النبيُّ ﷺ فاسْتَوَى جالِسا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَاسْتَوَى) ، مَعْنَاهُ: فَاسْتَوَى قَائِما. وَقَوله: (جَالِسا) ، لم يَقع إلاّ فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَلَيْسَ لَهُ وَجه إلاّ إِذا أُرِيد بِالْجُلُوسِ السّكُون، فَيكون من بَاب ذكر الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم، ومفعول: رفع، مَحْذُوف تَقْدِيره: رفع رَأسه من الرُّكُوع، والفقار، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الْقَاف جمع: فقارة الظّهْر، وَهِي خرزاته. وَالْمعْنَى: حَتَّى يعود جَمِيع الفقار مَكَانَهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب سنة الْجُلُوس للتَّشَهُّد، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٨٠٠ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ ثَابِتٍ قَالَ كانَ أنَسٌ يَنْعَتُ لَنَا صَلَاةَ النبيِّ ﷺ فكانَ يُصلِّي فإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِيَ (الحَدِيث ٨٠٠ طرفه فِي: ٨٢١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد: هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. وَهَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ البُخَارِيّ، وَسَاقه شُعْبَة عَن ثَابت مُخْتَصرا، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن زيد مطولا، كَمَا يَأْتِي فِي: بَاب الْمكْث بَين السَّجْدَتَيْنِ. قَوْله: (ينعَت) ، بِفَتْح الْعين: أَي: يصف. قَوْله: (حَتَّى نقُول) ، بِالنّصب: إِلَى أَن نقُول نَحن قد نسي وجوب الْهوى إِلَى السُّجُود، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَنه نسي أَنه فِي الصَّلَاة، وأظن أَنه وَقت الْقُنُوت، حَيْثُ كَانَ معتدلاً. أَو التَّشَهُّد حَيْثُ كَانَ جَالِسا. قلت: هَذِه الظنون كلهَا لَا تلِيق فِي حق النَّبِي ﷺ ، وَإِنَّمَا كَانَ تطويله فِي استوائه قَائِما لأجل الطُّمَأْنِينَة والاعتدال.
стр. 1637
٨٠١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عَن ابنِ أبي لَيْلَى عنِ البَرَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ رُكُوعُ النبيِّ وَسُجُودُهُ وَإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبا مِنَ السَّوَاءِ. (انْظُر الحَدِيث ٧٩٢ وطرفه) .
مطابقه للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لما كَانَ رُكُوعه ﷺ وَرفع رَأسه مِنْهُ قَرِيبا من السوَاء، وَكَانَ يطمئن فِي رُكُوعه وَكَذَلِكَ كَانَ يطمئن فِي رفع رَأسه من رُكُوعه، طابق التَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب حد إتْمَام الرُّكُوع والاعتدال، غير أَنه رَوَاهُ هُنَاكَ: عَن بدل بن المحبر عَن شُعْبَة عَن الحكم بن عتيبة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى ... إِلَى آخِره. وَهَهُنَا: عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة. . إِلَى آخِره. وَذكر هُنَاكَ. قَوْله: (مَا خلا الْقيام وَالْقعُود) ، وَلم يذكرهُ هَهُنَا. وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء.
٨٠٢ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ أبِي قِلَابَةَ قَالَ كانَ مالِكٌ بنُ الحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كانَ صلاةُ النبيِّ ﷺ وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فقَامَ فَأمْكَنَ القِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأمْكَنَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رفَعَ رَأْسَهُ فَانْصَبَّ هُنَيَّةً قَالَ فَصَلَّى بِنَا صلَاةَ شَيْخِنَا هَذَا أبي بُرَيْدٍ وَكَانَ أَبُو يزِيد إذَا رَفَعَ رأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ استَوَى قاعِدا ثُمَّ نَهَضَ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ رفع رَأسه فانصب هنيَّة) . وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي: بَاب من صلى بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُرِيد إلاّ أَن يعلمهُمْ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة، وَهَهُنَا: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد ابْن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن أبي قلَابَة عبد الله بن زيد الْجرْمِي، وَلَكِن فِي الْمَتْن اخْتِلَاف كَمَا ترى، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء، وَنَذْكُر هَهُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ للِاخْتِلَاف فِي الْمَتْن.
قَوْله: (فِي غير وَقت الصَّلَاة) ويروى: (فِي غير وَقت صَلَاة) ، بِدُونِ الْألف وَاللَّام. قَوْله: (يرينا) ، بِضَم الْيَاء، من الإراءة. قَوْله: (وَذَاكَ) إِشَارَة إِلَى فعله ﷺ من الصَّلَاة فِي غير وَقتهَا، لأجل التَّعْلِيم. قَوْله: (فَأمكن) أَي: مكن، يُقَال: مكنه الله من الشَّيْء وَأمكنهُ بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (فانصب) بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة. قَالَ بَعضهم: هُوَ من الصب. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ من الإنصاب كَأَنَّهُ كنى عَن رُجُوع أَعْضَائِهِ عَن الانحناء إِلَى الْقيام بالانصباب، وَهَذِه هِيَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة، وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فانصت) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق من: الْإِنْصَات، وَهُوَ السُّكُوت. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي: لم يكبر للهوي فِي الْحَال، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: هُوَ كِنَايَة عَن سُكُون أَعْضَائِهِ، عبر عَن عدم حركتها بالإنصات، وَذَلِكَ دَال على الطمانينة. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ الْأَوْجه لِأَن تَأْخِير تَكْبِير الْهَوِي دَلِيل على الطمانينة، فَلَا حَاجَة إِلَى جعل هَذَا كِنَايَة عَن سُكُون أَعْضَائِهِ، وَلَا يُصَار إِلَى الْمجَاز إلاّ عِنْد تعذر الْحَقِيقَة، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَحكى ابْن التِّين أَن بَعضهم ضَبطه بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق الْمُشَدّدَة، ثمَّ قَالَ: أَصله: انصوت، فأبدل من الْوَاو تَاء، ثمَّ أدغمت التَّاء فِي الْأُخْرَى، وَقِيَاس إعلاله: انصات، فتحركت الْوَاو وَانْفَتح مَا قبلهَا فَانْقَلَبت ألفا. قَالَ: وَمعنى إنصات: اسْتَوَت قامته بعد الانحناء، هَذَا كَلَام من لم يذقْ شَيْئا من الصّرْف. وَقَاعِدَة الصّرْف لَا تَقْتَضِي أَن تبدل من الْوَاو تَاء، بل الْقَاعِدَة فِي مثل: انصوت أَن تقلب: الْوَاو، ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَقد قَالَ الْجَوْهَرِي: وَقد أنصت الرجل إِذا اسْتَوَت قامته بعد الانحناء، كَأَنَّهُ أقبل شبابه. قَالَ الشَّاعِر:
(وَنصر بن دهمان الهنيدة عاشها ... وَتِسْعين أُخْرَى ثمَّ قوَّم فانصاتا)
(وَعَاد سَواد الرَّأْس بعد بياضه ... وراجعه شرخ الشَّبَاب الَّذِي فاتا)
(وراجع أيدا، بعد ضعف وَقُوَّة، ... وَلكنه من بعد ذَا كُله مَاتَا)
وَعَن هَذَا عرفت أَن مَا حَكَاهُ ابْن التِّين تَصْحِيف، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فانتصب قَائِما) ، وَهَذَا أظهر وَأولى
стр. 1638
من الْكل. قَوْله: (هنيَّة) ، بِضَم الْهَاء وَفتح النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: أَي شَيْئا قَلِيلا، وَقد مر تَحْقِيق هَذِه اللَّفْظَة فِي: بَاب مَا يَقُول بعد التَّكْبِير. قَوْله: (قَالَ) أَي: أَبُو قلَابَة. قَوْله: (صَلَاة شَيخنَا) أَي: كَصَلَاة شَيخنَا هَذَا، وَأَشَارَ بِهِ ألى عَمْرو بن سَلمَة الْجرْمِي، وَلَفظه فِي: بَاب من صلى بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُرِيد إلاّ أَن يعلمهُمْ. قَالَ: مثل شَيخنَا هَذَا، وَكَانَ الشَّيْخ يجلس إِذا رفع رَأسه من السُّجُود قبل أَن ينْهض فِي الرَّكْعَة الأولى. قَوْله: (أبي بريد) كنيته عمور بن سَلمَة، وَقد ذكره فِي ذَلِك بِلَفْظ الشَّيْخ فَقَط، وَهَهُنَا ذكره بِلَفْظ كنيته، وَلم يذكر فِي ذَاك وَلَا فِي هَذَا اسْمه صَرِيحًا، ثمَّ اخْتلفُوا فِي ضبط هَذِه الكنية، فَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أبي يزِيد، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا الزَّاي، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وكريمة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء، وَكَذَا ضَبطه مُسلم فِي (الكنى) وَقَالَ الغساني: هُوَ بالتحتانية وَالزَّاي، من الزِّيَادَة، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن البُخَارِيّ من جَمِيع الطّرق، إلاّ مَا ذكره أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ عَن الْحَمَوِيّ عَن الْفربرِي فَإِنَّهُ قَالَ: أبي بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة. وَقَالَ عبد الْغَنِيّ بن سعيد لم أسمعهُ من أحد، إلاّ بالزاي، لَكِن مُسلم أعلم بأسماء الْمُحدثين. قَوْله: (فَكَانَ أَبُو بريد) ، ويروى: (وَكَانَ) ، بِالْوَاو قَوْله: (قَاعِدا) ، حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي (اسْتَوَى) . قَوْله: (ثمَّ نَهَضَ) ، يُقَال: نَهَضَ ينْهض نهضا ونهوضا: قَامَ. ونهض النبت: اسْتَوَى.
١٢٨ - (بابٌ يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يهوي الْمُصَلِّي بِالتَّكْبِيرِ وَقت سجدته. قَوْله: (يهوي) ، رُوِيَ بِضَم الْيَاء وَفتحهَا، وَمعنى يهوي: ينحط، يُقَال: هوى يهوي هويا، بِالْفَتْح إِذا هَبَط، وَهوى يهوى هويا بِالضَّمِّ إِذا صعد. وَقيل بِالْعَكْسِ، وَفِي صفته ﷺ كَأَنَّمَا يهوي من صبب أَي ينحط. وَفِي حَدِيث الْبراق: (ثمَّ انْطلق يهوي) أَي: يسْرع، وَهُوَ يهوَى هوى: إِذا أحب.
وَقَالَ نافِعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ يَضَعُ يدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ
مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ اشتمالها عَلَيْهِ لِأَنَّهَا فِي الْهوى بِالتَّكْبِيرِ إِلَى السُّجُود، فالهوي فعل، وَالتَّكْبِير قَول، فَكَمَا أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب يدل على القَوْل، يدل أثر ابْن عمر على الْفِعْل، لِأَن للهوي إِلَى السُّجُود صفتين: صفة قولية وَصفَة فعلية، فأثر ابْن عمر إِشَارَة إِلَى الصّفة الفعلية، وَأثر أبي هُرَيْرَة إِلَى الفعلية والقولية جَمِيعًا، فَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي هَذَا الْموضع. وَقَول بَعضهم: إِن أثر ابْن عمر من جملَة التَّرْجَمَة فَهُوَ مترجم بِهِ لَا مترجم لَهُ، غير موجه، بل وَلَا يَصح ذَلِك، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ من جملَة التَّرْجَمَة يحْتَاج إِلَى شَيْء يذكرهُ يكون مطابقا لَهَا، وَلَيْسَ ذَلِك بموجود، ثمَّ أَن هَذَا الْأَثر الْمُعَلق أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ والطَّحَاوِي من طَرِيق عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي، فَقَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْمُغيرَة، قَالَ: حَدثنَا أصبغ بن الْفرج، قَالَ: حَدثنَا الدَّرَاورْدِي عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع (عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنه إِذا كَانَ سجد بَدَأَ بِوَضْع يَدَيْهِ قبل رُكْبَتَيْهِ، وَكَانَ يَقُول: كَانَ النَّبِي ﷺ يفعل ذَلِك) . ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: رَوَاهُ ابْن وهب وَأصبغ بن الْفرج عَن عبد الْعَزِيز، وَلَا أرَاهُ إلاّ وهما، فَالْمَشْهُور عَن ابْن عمر مَا رَوَاهُ حَمَّاد بن زيد وَابْن علية عَن أَيُّوب عَن نَافِع. عَنهُ قَالَ: (إِذا سجد أحدكُم فليضع يَدَيْهِ، فَإِذا رفع فليرفعهما فَإِن الْيَدَيْنِ يسجدان كَمَا يسْجد الْوَجْه) . قلت: الَّذِي أخرجه الطَّحَاوِيّ أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم، وَلم يخرجَاهُ. والْحَدِيث الَّذِي علله بِهِ فِيهِ نظر، لِأَن كلا مِنْهُمَا مُنْفَصِل عَن الآخر. وَقَالَ الْحَازِمِي: اخْتلف أهل الْعلم فِي هَذَا الْبَاب، فَذهب بَعضهم إِلَى أَن وضع الْيَدَيْنِ قبل الرُّكْبَتَيْنِ أولى، وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن. وَفِي (المغنى) ، وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد وَبِه قَالَ ابْن حزم وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ وَرَأَوا وضع الرُّكْبَتَيْنِ قبل الْيَدَيْنِ أولى. مِنْهُم: عمر بن الْخطاب وَالنَّخَعِيّ وَمُسلم بن يسَار وسُفْيَان بن سعيد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَإِسْحَاق وَأهل الْكُوفَة. وَفِي (المُصَنّف) زَاد: أَبَا قلَابَة وَمُحَمّد بن سِيرِين، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: كَانَ أَصْحَاب عبد الله أذا انحطوا للسُّجُود وَقعت ركبهمْ قبل أَيْديهم، وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود، وَحَكَاهُ القَاضِي أَبُو الطّيب عَن عَامَّة الْفُقَهَاء، وَحَكَاهُ ابْن بطال عَن ابْن وهب. قَالَ: وَهِي رِوَايَة ابْن شعْبَان عَن مَالك، وَقَالَ قَتَادَة: يضع أَهْون ذَلِك عَلَيْهِ، وَفِي
стр. 1639
الأسبيجاني عَن أبي حنيفَة: من آدَاب الصَّلَاة وضع الرُّكْبَتَيْنِ قبل الْيَدَيْنِ، وَالْيَدَيْنِ قبل الْجَبْهَة، والجبهة قبل الْأنف، فَفِي الْوَضع يقدم الْأَقْرَب إِلَى الأَرْض، وَفِي الرّفْع يقدم الْأَقْرَب إِلَى السَّمَاء: الْوَجْه ثمَّ اليدان ثمَّ الركبتان، وَإِن كَانَ لابس خف يضع يَدَيْهِ أَولا.
٨٠٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ حدَّثنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي أبُو بكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ وَأبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كانَ يُكَبِّرُ فِي كلِّ صَلَاةٍ مِن المَكْتُوبَةِ وغيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وغَيْرِهِ فيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ قَبْلَ أنْ يَسْجُدَ ثُمَّ يَقُولُ الله أكبَرُ حِينَ يَهْوِي ساجِدا ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأسَهُ مِنَ السُّجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الجُلُوسِ فِي الاثْنَتَيْنِ ويَفْعَلُ ذلِكَ فِي كلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلاةِ ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَها بِصَلاةِ رَسُولِ الله ﷺ إنْ كانتْ هذِهِ لَصَلاتَهُ حَتَّى فارَقَ الدُّنْيا. قَالَا وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - حِين يرفع رَأسه يَقُول سمع الله لمن حَمده رَبنَا وَلَك الْحَمد يَدْعُو لرجال فيسميهم بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُول اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد ابْن الْوَلِيد وَسَلَمَة بن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف وَأهل الْمشرق يَوْمئِذٍ من مُضر مخالفون لَهُ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " ثمَّ يَقُول الله أكبر حِين يهوي سَاجِدا " (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة كلهم ذكرُوا غيرَة مرّة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع والإخبار بِصُورَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه ثَلَاثَة بالكنى وَفِيه الزُّهْرِيّ يرْوى عَن اثْنَيْنِ وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين حمصيين ومدنيين والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن أَبِيه وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن نصر بن عَليّ وسوار بن عبد الله (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يكبر " وَزَاد النَّسَائِيّ من طَرِيق يُونُس عَن الزُّهْرِيّ حِين اسْتَخْلَفَهُ مَرْوَان على الْمَدِينَة قَوْله " ثمَّ يَقُول الله أكبر " إِنَّمَا قَالَ هُنَا " الله أكبر " بِالْجُمْلَةِ الاسمية وَفِي سَائِر الْمَوَاضِع " ثمَّ يكبر " بِالْجُمْلَةِ الفعلية المضارعية لِأَن سِيَاق الْكَلَام يدل على مَا يدل عَلَيْهِ عقد الْبَاب على هَذَا التَّكْبِير فَأَرَادَ أَن يُصَرح بِمَا هُوَ الْمَقْصُود نصا على لَفْظَة قَوْله " حِين ينْصَرف " أَي من الصَّلَاة قَوْله " إِن كَانَت هَذِه لصلاته " كلمة إِن هَذِه مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَأَصلهَا أَنه أَي أَن الشَّأْن وَقَوله " هَذِه " اسْم كَانَت إِشَارَة إِلَى الصَّلَاة الَّتِي صلاهَا أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَوله " لصلاته " خبر كَانَت وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَهِي مَفْتُوحَة وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بعد أَن روى هَذَا الحَدِيث هَذَا الْكَلَام الْأَخير يَجعله مَالك والزبيدي وَغَيرهمَا عَن الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَعْنِي يَجعله مُرْسلا قَالَه بَعضهم (قلت) هُوَ قسم من أَقسَام المدرج وَلَكِن لَا يلْزم من ذَلِك أَن لَا يكون الزُّهْرِيّ رَوَاهُ أَيْضا عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب الْقرشِي الْهَاشِمِي أَبُو الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَو أَبُو الْحسن الْمدنِي وَهُوَ زين العابدين رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله هُوَ تَابِعِيّ ثِقَة توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَتِسْعين روى لَهُ الْجَمَاعَة قَوْله " قَالَا " يَعْنِي أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن وَأَبا سَلمَة الْمَذْكُورين وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ
стр. 1640
الْمَذْكُور إِلَيْهِمَا قَوْله " يَدْعُو " قَالَ الْكرْمَانِي هُوَ خبر آخر أَو هُوَ عطف على بقول بِدُونِ حرف الْعَطف (قلت) الْأَوْجه أَن يكون حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي يَقُول من الْأَحْوَال الْمقدرَة قَوْله " الرِّجَال " أَي من الْمُسلمين وَاللَّام تتَعَلَّق بقوله " يَدْعُو " قَوْله " فيسميهم " الْفَاء فِيهِ للتفسير قَوْله " أَنْج " بِفَتْح الْهمزَة أَمر من أنجى يُنجي إنجاء وَالْأَمر فِي مثل هَذَا التمَاس وَطلب قَوْله " الْوَلِيد " بِفَتْح الْوَاو وَكسر اللَّام فِي اللَّفْظَيْنِ والوليد بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عبد الله المَخْزُومِي أَخُو خَالِد بن الْوَلِيد أسر يَوْم بدر كَافِرًا فَلَمَّا أفدي أسلم فَقيل لَهُ هلا أسلمت قبل أَن تفتدى فَقَالَ كرهت أَن يظنّ بِي أَنِّي أسلمت جزعا فحبس بِمَكَّة ثمَّ أفلت من أسارتهم بِدُعَاء رَسُول الله ﷺ َ - وَلحق برَسُول الله ﷺ َ - وَقَالَ الذَّهَبِيّ أسره عبد الله بن جحش يَوْم بدر وذهبوا بِهِ إِلَى مَكَّة فَأسلم فحبسوه بِمَكَّة وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يَدْعُو لَهُ فِي الْقُنُوت ثمَّ أَنه نجا فتوصل إِلَى الْمَدِينَة فَمَاتَ بهَا فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ َ - قَوْله " وَسَلَمَة بن هِشَام " بِالنّصب عطفا على مَا قبله أَي أَنْج سَلمَة بن هِشَام بن الْمُغيرَة الْمَذْكُور آنِفا أَخُو أبي جهل وَكَانَ قديم الْإِسْلَام وعذب فِي الله ومنعوه أَن يُهَاجر إِلَى الْمَدِينَة قَالَ الذَّهَبِيّ هَاجر إِلَى الْحَبَشَة ثمَّ قدم مَكَّة فمنعوه من الْهِجْرَة وعذبوه ثمَّ هَاجر بعد الخَنْدَق وَشهد مُؤْتَة وَاسْتشْهدَ بمرج الصُّفْرَة وَقيل بأجنادين قَوْله " وَعَيَّاش " بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف شين مُعْجمَة ابْن أبي ربيعَة وَاسم أبي ربيعَة عَمْرو بن الْمُغيرَة الْمَذْكُور وَهُوَ أَخُو أبي جهل أَيْضا لأمه أسلم قَدِيما وأوثقه أَبُو جهل بِمَكَّة قتل يَوْم اليرموك بِالشَّام وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة أَسْبَاط الْمُغيرَة كل وَاحِد مِنْهُم ابْن عَم الآخر قَوْله " وَالْمُسْتَضْعَفِينَ " أَي وأنج الْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ وَهُوَ من قبيل عطف الْعَام على الْخَاص عكس قَوْله " وَمَلَائِكَته وَجِبْرِيل " قَوْله " اشْدُد " بِضَم الْهمزَة أَمر من شدّ قَوْله " وطأتك " بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة وَفتح الْهمزَة من الْوَطْء وَهُوَ الدوس بالقدم فِي الأَصْل وَمَعْنَاهُ هَهُنَا خذهم أخذا شَدِيدا وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(ووطئتنا وطأ على حنق ... وطأ الْمُقَيد ثَابت الْهَرم)
وَكَانَ حَمَّاد بن سَلمَة يرويهِ اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر الوطأ الْإِثْبَات والغمز فِي الأَرْض وَمُضر بِضَم الْمِيم وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن نزار بن معد بن عدنان وَهُوَ شعب عَظِيم فِيهِ قبائل كَثِيرَة كقريش وهذيل وَأسد وَتَمِيم وضبة ومزبنة والضباب وَغَيرهم وَمُضر شعب رَسُول الله ﷺ َ - واشتقاقه من اللَّبن المضير وَهُوَ الحامض قَالَه ابْن دُرَيْد قَوْله " اجْعَلْهَا " أَي الْوَطْأَة قَوْله " كَسِنِي يُوسُف " أَي كالسنين الَّتِي كَانَت فِي زمن يُوسُف ﵊ مقحطة وَوجه الشّبَه امتداد زمَان المحنة وَالْبَلَاء وَالْبُلُوغ غَايَة الشدَّة وَالضَّرَّاء وَجمع السّنة بِالْوَاو وَالنُّون شَاذ من جِهَة أَنه لَيْسَ لِذَوي الْعُقُول وَمن جِهَة تغير مفرده بِكَسْر أَوله وَلِهَذَا جعل بَعضهم حكمه كَحكم الْمُفْردَات وَجعل نونه متعقب الْإِعْرَاب كَقَوْل الشَّاعِر
(دَعَاني من نجد فَإِن سنينه ... لعبن بِنَا شيبا وشيبننا مردا)
(ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ إِثْبَات التَّكْبِير فِي كل خفض وَرفع إِلَّا فِي رَفعه من الرُّكُوع يَقُول سمع الله لمن حَمده. وَفِيه فِي قَوْله " ثمَّ يكبر حِين يرْكَع " إِلَى آخِره دَلِيل على مُقَارنَة التَّكْبِير لهَذِهِ الحركات وَبسطه عَلَيْهَا فَيبْدَأ بِالتَّكْبِيرِ حِين يسْرع فِي الِانْتِقَال إِلَى الرُّكُوع ويمده حَتَّى يصل إِلَى حد الراكعين ثمَّ يشرع فِي تَسْبِيح الرُّكُوع وَيبدأ بِالتَّكْبِيرِ حِين يشرع فِي الْهوى إِلَى السُّجُود ويمده حَتَّى يضع جَبهته على الأَرْض ثمَّ يشرع فِي تَسْبِيح السُّجُود. وَفِيه يبْدَأ فِي قَوْله سمع الله لمن حَمده حَتَّى يشرع فِي الرّفْع من الرُّكُوع ويمده حَتَّى ينْتَصب قَائِما. ثمَّ هَل يجمع بَين التسميع والتحميد قد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ وَظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنه يجمع بَينهمَا وَعند أبي حنيفَة يَكْتَفِي بالتسميع إِن كَانَ إِمَامًا وَقد مر وَجهه. وَفِيه أَنه يشرع فِي التَّكْبِير للْقِيَام من التَّشَهُّد الأول ويمده حَتَّى ينْتَصب قَائِما هَذَا مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة إِلَّا مَا رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه كَانَ لَا يكبر للْقِيَام من الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَوِي قَائِما وَبِه قَالَ مَالك وَقَالَ الْخطابِيّ فِيهِ إِثْبَات الْقُنُوت وَأَن مَوْضِعه عِنْد الرّفْع من الرُّكُوع وَقد قُلْنَا أَن هَذَا مَنْسُوخ وَبينا وَجهه. وَقَالَ وَفِيه أَن تَسْمِيَة الرِّجَال بِأَسْمَائِهِمْ فِيمَا يدعى لَهُم وَعَلَيْهِم لَا تفْسد الصَّلَاة قُلْنَا النّسخ شَمل الْكل
стр. 1641
٨٠٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَن الزُّهْرِيّ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَقَطَ رسولُ الله ﷺ عنْ فَرَسٍ ورُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ مِنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شَقُّهُ الأيْمَنُ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةْ فَصَلَّى بِنَا قاعَدا وقَعَدْنا. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً صليْنَا قُعُودا فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وإذَا رَكَعَ فارْكَعُوا وإذَا رَفعَ فارْفَعْوا وإذَا قالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنا ولكَ الحَمْدُ وإذَا سجَدَ فاسْجُدوا قَالَ سُفيانُ كَذا جاءَ بهِ مَعْمَرٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لَقدْ حَفِظَ كذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ ولَكَ الحمْدُ حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الأيْمَنُ فلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ وأنَا عِنْدَهُ فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيْمَنُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ بالتعسف، لِأَن قَوْله: (وَإِذا سجد فاسجدوا) يَقْتَضِي أَن يسْجد الْقَوْم حِين يسْجد الإِمَام، وَلَا يكون ذَلِك إلاّ بالهوي، وَقد ذكرنَا فِي أول الْبَاب أَن للهوي صفتين: قولية وفعلية، وَحَدِيث أنس هَذَا يدل على الصّفة الفعلية، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، السَّابِق يدل عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَكِلَاهُمَا من رَسُول الله ﷺ . وَقد علم أَن هوي النَّبِي ﷺ إِلَى السُّجُود كَانَ مُشْتَمِلًا على الْفِعْل وَالْقَوْل، وَحَدِيث أنس هَذَا أَيْضا يدل عَلَيْهِمَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَة، لِأَنَّهُ يرْوى عَن النَّبِي ﷺ فِي الصَّلَاة وأمورها. فَافْهَم.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر أَبُو الْحسن الْمدنِي، يُقَال لَهُ: ابْن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: تَأْكِيد رِوَايَة سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بقوله: غير مرّة، لِأَنَّهُ يدل على التّكْرَار. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي ومدني.
وَقد روى البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن أنس. وَأخرجه أَيْضا عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي هَذَا الْبَاب، وَقد ذكرنَا فِيهِ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا، وَنَذْكُر هَهُنَا مَا لم نذْكر هُنَاكَ.
فَقَوله: (رُبمَا) ، كلمة: رُبمَا، فِي الأَصْل للتقليل، وَلَكِن تسْتَعْمل كثيرا للتكثير. قَوْله: (من فرس) يَعْنِي بِلَفْظ: من، لَا بِلَفْظ: عَن، وَفِيه إِشَارَة إِلَى مُحَافظَة عَليّ بن عبد الله على الْإِتْيَان بِأَلْفَاظ الحَدِيث، وتنبيه على تثبته فِي هَذَا الْبَاب. قَوْله: (فجحش) ، بِضَم الجم وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة أَي: خدش، وَوَقع فِي قصر الصَّلَاة عَن ابْن عُيَيْنَة بِلَفْظ: (جحش أَو خدش) على الشَّك. قَوْله: (نعوده) ، جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (قعُودا) ، يجوز أَن يكون مصدرا بِمَعْنى: قَاعِدين، وَيجوز أَن يكون جمع قَاعد، كالركوع جمع رَاكِع، وَالسُّجُود جمع ساجد. وعَلى كل حَال انتصابه على الحالية. قَوْله: (قَالَ) أَي: النَّبِي ﷺ . قَوْله: (معمر) ، بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد الْبَصْرِيّ، أَي: قَالَ سُفْيَان سَائِلًا: من ابْن الْمَدِينِيّ عَليّ بن عبد الله الْمَذْكُور مثل الَّذِي رويته أَنا؟ أوردهُ معمر أَيْضا، وهمزة الِاسْتِفْهَام مقدرَة قبل قَوْله: كَذَا، قَوْله: (قلت: نعم) الْقَائِل عَليّ بن عبد الله. قَوْله: (قَالَ: لقد حفظ) أَي: قَالَ سُفْيَان: وَالله لقد حفظ معمر عَن الزُّهْرِيّ حفظا صَحِيحا مضبوطا. قَوْله: (كَذَا قَالَ الزُّهْرِيّ) أَي: كَمَا قَالَ معمر قَالَ الزُّهْرِيّ: (وَلَك الْحَمد) أَي: بِالْوَاو، وَهَذَا تَفْسِير وَبَيَان لقَوْله: (كَذَا قَالَ) أَي: حفظ كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ بِالْوَاو، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن بعض أَصْحَاب الزُّهْرِيّ لم يذكرُوا الْوَاو فِي: وَلَك الْحَمد، كَمَا وَقع فِي رِوَايَة اللَّيْث وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ، وَقد تقدم ذَلِك فِي: بَاب أيجاب التَّكْبِير. قَوْله: (حفظت) ، أَي: قَالَ سُفْيَان: حفظت من الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ فجحش من شقَّه الْأَيْمن، (فَلَمَّا خرجنَا من عِنْد الزُّهْرِيّ قَالَ ابْن جريج) ، وَهُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج: قَوْله: (وَأَنا عِنْده) أَي: وَأَنا كنت عِنْد الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: فجحش سَاقه الْأَيْمن، بِلَفْظ السَّاق بدل الشق، وَقَالَ الْكرْمَانِي: (وَأَنا عِنْده) عطف على مُقَدّر، أَو هُوَ جملَة حَالية من فَاعل قَالَ مُقَدرا، إِذْ تَقْدِيره: قَالَ
стр. 1642
الزُّهْرِيّ: وَأَنا عِنْده. وَيحْتَمل أَن يكون هُوَ مقول سُفْيَان لَا مقول ابْن جريج، وَالضَّمِير حِينَئِذٍ رَاجع إِلَى ابْن جريج لَا إِلَى الزُّهْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: يجوز الْوَجْهَانِ، وَلَكِن الْوَجْه الثَّانِي هُوَ الْأَوْجه، ومقول ابْن جريج هُوَ قَوْله: (جحش) إِلَى آخِره.
١٢٩ - (بابُ فَضْلِ السُّجُودِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل السُّجُود.
٨٠٦ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنُ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعيدُ بنُ المُسيَّبِ وعَطَاءُ بنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أخْبَرَهُمَا أنَّ النَّاسَ قالُوا يَا رسُولَ الله هَلْ نَرَى رَبَّنا يَوْمَ القِيَامَةِ قَالَ هَل تُمَارُونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قالُوا لَا يَا رَسولَ الله قَالَ فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ ليْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا قَالَ فَإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ شَيْئا فَلِيَتَّبِعْ فَمِنْهُمْ منْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ ومِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ القَمَرَ ومِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ وتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمُ الله فَيَقُولُ أنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِينَا رَبُّنَا فإذَا جاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأتِيهِمُ الله فَيَقُولُ أنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أنْتَ رَبُّنا فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ فأكُونُ أوَّلَ مَنْ يَجُوزُ منَ الرُّسُلِ بِأمَّتِهِ وَلا يتَكَلَّمُ يَوْمَئذٍ أحَدٌ إلاّ الرُّسُلُ وكَلامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَفي جَهَنَّمَ كَلَالِيبَ مِثْلَ شَوْكِ السَّعْدَانِ هَلْ رَأيْتُمْ شَوكَ السَّعْدَانِ قالُوا نَعَمْ قالَ فإنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلاّ الله تَخْطُفُ النَّاسَ بِأعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ منْ يُوبَقُ بعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إذَا أرَادَ الله رَحْمَةَ مَنْ أرَادَ منْ أهْلِ النَّارِ أمَرَ الله المَلَائِكَةَ أنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الله فَيُخْرِجُونهُمْ ويَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ وحَرَّمَ الله عَلَى النَّارِ أنْ تَأكُلَ أثَرع السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ فَكُلُّ ابنِ آدَمَ تَأكُلُهُ النَّارُ إلَاّ أثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ ماءُ الحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ كَما تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ثُمَّ يَفْرُغُ الله مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ ويَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ وَهْوَ آخِرُ أهْلِ النَّارِ دُخُولاً الجَنَّةَ مقْبِلاً بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَن النَّارِ قَد قَشَبَنِي رِيحُهَا وأحْرَقَنِي ذَكاؤها فَيَقُولُ هَلْ عسَيْتَ إنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أنْ تَسْألَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ فَيُعْطِي الله مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ ومِيثَاقٍ فَيَصْرِفُ الله وَجْهَهُ عنِ النَّارِ فإذَا أقْبَلَ بِهِ عَلَى الجَنَّةِ رَأي بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شاءَ الله أنْ يَسْكُتَ ثُمَّ قَالَ يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ الله لَهُ ألَيْسَ قَدْ أعْطَيْتَ العُهُودَ والمِيثَاقَ أنْ لَا تَسْألَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَألْتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَا أكُونُ أشْقَى خَلْقِكَ فَيَقُولُ فَمَا عَسِيتَ إنْ اعْطِيتَ ذَلِكَ أنْ لَا تَسْألَ غَيْرُهُ فَيَقُولِ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أسْألُ
стр. 1643
غَيْرَ ذَلِكَ فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ فَيُقَدِّمُهُ إلَى بَابِ الجَنَّةِ فَإذَا بَلَغَ بابَهَا فَرَأى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ والسُّرُورِ فَيَسْكُتُ مَا شاءَ الله أنْ يَسْكُتَ فَيقُولُ يَا رَبِّ أدْخِلْنِي الجَنَّةَ فَيَقُولُ الله تَعَالَى ويْحَكَ يَا ابنَ آدَمَ مَا أغْدَرَكَ ألَيْسَ قَدْ أعْطَيْتَ العُهُودَ والمِيثَاقَ أنْ لَا تَسْألَ غَيْرَ الَّذي أُعْطِيتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أشْقَى خَلْقِكَ فَيَضْحَكُ الله مِنْهُ ثُمَّ يَأذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ لَهُ تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ الله زِدْ مِن كذَا وكَذا أقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ حَتَّى إِذا انْتهَتْ بهِ الأمَانِيُّ قَالَ الله تعالَى لكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ معَهُ. قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدَرِيُّ لأِبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: قَالَ الله لَك ذَلِكَ وعَشرَةَ أمْثالِهِ قالَ أبُو هُرَيْرةَ لَمْ أحفَظْ مِنْ رَسولِ الله ﷺ إلاّ قَولَهُ لكَ ذَلِكَ وَمِثلُهُ مَعهُ. قَالَ أبُو سعِيدٍ الخُدْرِيُّ إنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ لكَ وَعَشَرَةُ أمْثَالِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَحرم الله على النَّار أَن تَأْكُل أثر السُّجُود) إِلَى قَوْله: فَيخْرجُونَ) .
الصَّلَاة جُزْء ٦ حَتَّى ص ٨٣
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَالزهْرِيّ: مُحَمَّد بن مُسلم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصيين ومدنيين. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين، وهم: الزُّهْرِيّ وَسَعِيد وَعَطَاء.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة الْجنَّة عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ عَن أبي الْيَمَان بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه: قَوْله: (هَل نرى) ، أَي: هَل نبصر، إِذْ لَو كَانَ بِمَعْنى الْعلم لاحتاج إِلَى مفعول آخر، وَلما كَانَ للتَّقْيِيد بِيَوْم الْقِيَامَة فَائِدَة. قَوْله: (هَل تمارون) ، بِضَم التَّاء وَالرَّاء، من المماراة من بَاب المفاعلة، وَهِي: المجادلة على مَذْهَب الشَّك والريبة. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، بِفَتْح التَّاء وَالرَّاء، وَأَصله: تتمارون من التماري من بَاب التفاعل، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ كَمَا فِي: ﴿نَارا تلظى﴾ (اللَّيْل: ١٤) . أَصله: تتلظى، وَمعنى التماري: الشَّك، من المرية بِكَسْر الْمِيم وَضمّهَا، وقرىء بهما فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مرية مِنْهُ﴾ (هود: ١٧) . قَالَ ثَعْلَب: هما لُغَتَانِ، وثلاثي هَذَا اللَّفْظ: مرىء معتل اللَّام اليائي، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: واشتقاقه من: مرى النَّاقة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: مريت النَّاقة مريا إِذا مسحت ضرْعهَا لندر، وَأمرت النَّاقة إِذا أدر لَبَنًا. قَوْله: (فَإِنَّكُم تَرَوْنَهُ) أَي: ترَوْنَ الله كَذَلِك، أَي: بِلَا مرية ظَاهرا جليا، وَلَا يلْزم مِنْهُ المشابهة فِي الْجِهَة والمقابلة وَخُرُوج الشعاع ونحوهه. لِأَنَّهَا أُمُور لَازِمَة للرؤية عَادَة لَا عقلا. قَوْله: (يحْشر النَّاس) ، ابْتِدَاء كَلَام مُسْتَقل بِذَاتِهِ. قَوْله: (فَيَقُول) ، أَي: فَيَقُول الله ﵎، أَو: فَيَقُول الْقَائِل. قَوْله: (فليتبعه) ، ويروى: (فَليتبعْ) ، بِلَا ضمير الْمَفْعُول. قَوْله: (الطواغيت) ، جمع طاغوت، قَالَ ابْن سَيّده: الطاغوت مَا عبد من دون الله ، فَيَقَع على الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث، ووزنه: فعلوت، وَإِنَّمَا هُوَ: طغيوت، قدمت الْيَاء قبل الْغَيْن وَهِي مَفْتُوحَة وَقبلهَا فَتْحة فقلبت ألفا. انْتهى. قلت: يُعَكر عَلَيْهِ. قَوْله: (فَمنهمْ من يتبع الشَّمْس وَمِنْهُم من يتبع الْقَمَر) ، وَوجه ذَلِك أَنه يلْزم التّكْرَار، وَقَالَ الْقَزاز: هُوَ فاعول من: طغوت، وَأَصله: طاغوه، فحذفوا وَجعلُوا التَّاء كَأَنَّهَا عوض عَن الْمَحْذُوف، فَقَالُوا: طاغوت، وَإِنَّمَا جَازَ فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث لِأَن الْعَرَب تسمي الكاهن والكاهنة طوغوتا، وَسُئِلَ النَّبِي ﷺ ، فِيمَا رَوَاهُ جَابر بن عبد الله عَن الطاغوت الَّتِي كَانُوا يتحاكمون إِلَيْهَا، فَقَالَ: كَانَت فِي جُهَيْنَة وَاحِدَة، وَفِي أسلم وَاحِدَة، وَفِي كل حَيّ وَاحِدَة. وَقيل: الطاغوت الشَّيْطَان. وَقيل: كل معبود من حجر أَو غَيره فَهُوَ جبت وطاغوت. وَفِي (الغريبين) : الطاغوت الصَّنَم. وَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ كل رَأس فِي الضلال. وَفِي (المغيث) : هُوَ الشَّيْطَان أَو مَا زين الشَّيْطَان لَهُم أَن يعبدوه، وَفِي (تَفْسِير الطَّبَرِيّ) :
стр. 1644
الطاغوت السَّاحر، قَالَه أَبُو الْعَالِيَة وَمُحَمّد بن سِيرِين، وَعَن سعيد بن جُبَير وَابْن جريج: هُوَ الكاهن. وَفِي (الْمعَانِي) للزجاج: الطاغوت مَرَدَة أهل الْكتاب. وَفِي (ديوَان الْأَدَب) : تاؤه غير أَصْلِيَّة. قَوْله: (وَتبقى هَذِه الْأمة فِيهَا منافقوها) أَي: تبقى أمة مُحَمَّد ﷺ ، وَالْحَال أَن فيهم منافقيها، فَهَذَا يدل على أَن الْمُنَافِقين يتبعُون مُحَمَّدًا ﷺ لما انْكَشَفَ لَهُم من الْحَقِيقَة رَجَاء مِنْهُم أَن ينتفعوا بذلك، لأَنهم كَانُوا فِي الدُّنْيَا متسترين بهم فتستروا أَيْضا فِي الْآخِرَة، واتبعوهم زاعمين الِانْتِفَاع بهم حَتَّى ضرب بَينهم بسور لَهُ بَاب، بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظن المُنَافِقُونَ أَن تسترهم بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَة يَنْفَعهُمْ كَمَا نفعهم فِي الدُّنْيَا جهلا مِنْهُم، فاختلطوا مَعَهم فِي ذَلِك الْيَوْم، وَيحْتَمل أَن يَكُونُوا حشروا مَعَهم لما كَانُوا يظهرون من الْإِسْلَام، فحفظ ذَلِك عَلَيْهِم حَتَّى ميز الله الْخَبيث من الطّيب، وَيحْتَمل أَنه لما قيل: ليتبع كل أمة لما كَانَت تعبد، والمنافقون لم يعبدوا شَيْئا، فبقوا هُنَالك حيارى حَتَّى ميزوا. وَقيل: هم المطرودون عَن الْحَوْض الْمَقُول فيهم: سحقا سحقا. قَوْله: (فيأتيهم الله . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (فيأتيهم فِي غير الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُولُونَ: نَعُوذ بِاللَّه مِنْك) . الْإِتْيَان هُنَا إِنَّمَا هُوَ كشف الْحجب الَّتِي بَين أبصارنا وَبَين رُؤْيَة الله ، لِأَن الْحَرَكَة والانتقال لَا تجوز على الله تَعَالَى، لِأَنَّهَا صِفَات الْأَجْسَام المتناهية، وَالله تَعَالَى لَا يُوصف بِشَيْء من ذَلِك، فَلم يكن معنى الْإِتْيَان إلاّ ظُهُوره إِلَى أبصار لم تكن ترَاهُ وَلَا تُدْرِكهُ، وَالْعَادَة أَن من غَابَ عَن غَيره لَا يُمكنهُ رُؤْيَته إلاّ بالإتيان، فَعبر بِهِ عَن الرُّؤْيَة مجازآ، لِأَن الْإِتْيَان مُسْتَلْزم للظهور على المأتي إِلَيْهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: التَّسْلِيم الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ السّلف أسلم. وَقَالَ عِيَاض: إِن الْإِتْيَان فعل من أَفعَال الله تَعَالَى، سَمَّاهُ إتيانا، وَقيل: يَأْتِيهم بعض مَلَائكَته. قَالَ القَاضِي: وَهَذَا الْوَجْه عِنْدِي أشبه بِالْحَدِيثِ، قَالَ: وَيكون هَذَا الْملك الَّذِي جَاءَهُم فِي الصُّورَة الَّتِي أنكروها من سمات الْحُدُوث الظَّاهِرَة عَلَيْهِ، أَو يكون مَعْنَاهُ: يَأْتِيهم فِي صُورَة لَا تشبه صِفَات الإل هية ليختبرهم، وَهُوَ آخر امتحان الْمُؤمنِينَ، فَإِذا قَالَ لَهُم، هَذَا الْملك أَو هَذِه الصُّورَة: أَنا ربكُم، وَرَأَوا عَلَيْهِ من عَلَامَات الْمَخْلُوق مَا ينكرونه ويعلمون أَنه لَيْسَ رَبهم، فيستعيذون بِاللَّه تَعَالَى مِنْهُ، وَقَالَ الْخطابِيّ: الرُّؤْيَة هِيَ ثَوَاب الْأَوْلِيَاء وكرامات لَهُم فِي الْجنَّة غير هَذِه الرُّؤْيَة، وَإِنَّمَا تعريضهم هَذِه الرُّؤْيَة امتحان من الله تَعَالَى ليَقَع التَّمْيِيز بَين من عبد الله وَبَين من عبد الشَّمْس وَنَحْوهَا، فَيتبع كل من الْفَرِيقَيْنِ معبوده، وَلَيْسَ يُنكر أَن يكون الامتحان إِذْ ذَاك بعد قَائِما، وَحكمه على الْخلق جَارِيا حَتَّى يفرغ من الْحساب، وَيَقَع الْجَزَاء بالثواب وَالْعِقَاب، ثمَّ يَنْقَطِع إِذا حققت الْحَقَائِق. واستقرت أُمُور الْمعَاد، وَأما ذكر الصُّورَة فَإِنَّهَا تَقْتَضِي الْكَيْفِيَّة وَالله منزه عَن ذَلِك، فيأول إِمَّا بِأَن تكون الصُّورَة بِمَعْنى الصّفة، كَقَوْلِك: صُورَة هَذَا الْأَمر كَذَا، تُرِيدُ صفته. وَإِمَّا بِأَنَّهُ خرج على نوع من الْمُطَابقَة، لِأَن سَائِر المعبودات الْمَذْكُورَة لَهَا صُورَة: كَالشَّمْسِ وَغَيرهَا. قَوْله: (هَذَا مَكَاننَا) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، إِنَّمَا قَالُوا: هَذَا مَكَاننَا من أجل أَن مَعَهم من الْمُنَافِقين الَّذين لَا يسْتَحقُّونَ الرُّؤْيَة وهم عَن رَبهم محجوبون، فَلَمَّا تميزوا عَنْهُم ارْتَفع الْحجاب، فَقَالُوا عِنْدَمَا رَأَوْهُ: أَنْت رَبنَا، وَإِنَّمَا عرفُوا أَنه رَبهم حَتَّى قَالُوا: أَنْت رَبنَا، إِمَّا بِخلق الله تَعَالَى فيهم علما بِهِ، وَإِمَّا بِمَا عرفُوا من وصف الْأَنْبِيَاء لَهُم فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا بِأَن جَمِيع الْعُلُوم يَوْم الْقِيَامَة تصير ضَرُورِيَّة. قَوْله: (فيأتيهم الله، ، فَيَقُول: أَنا ربكُم) ، إِنَّمَا كرر هَذَا اللَّفْظ لِأَن الأول: ظُهُور غير وَاضح لبَقَاء بعض الْحجب مثلا، وَالثَّانِي: ظُهُور وَاضح فِي الْغَايَة، أبهم أَولا ثمَّ فسره ثَانِيًا بِزِيَادَة بَيَان قَوْلهم، وَذكر الْمَكَان ودعوتهم إِلَى دَار السَّلَام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو يُرَاد من الأول إتْيَان الْملك فَفِيهِ إِضْمَار. وَقَالَ: فَإِن قلت: الْملك مَعْصُوم، فَكيف يَقُول: أَنا ربكُم، وَهُوَ كذب؟ قلت: قيل: لَا نسلم عصمته من مثل هَذِه الصَّغِيرَة، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَجَاز لامتحان الْمُؤمنِينَ. وَقَالَ: فَإِن قلت: المُنَافِقُونَ لَا يرَوْنَ الله، فَمَا تَوْجِيه الحَدِيث؟ قلت: لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح برؤيتهم، وَإِنَّمَا فِيهِ أَن الْأمة ترَاهُ، وَهَذَا لَا يقتي أَن يرَاهُ جَمِيعهَا، كَمَا يُقَال: قَتله بَنو تَمِيم، وَالْقَاتِل وَاحِد مِنْهُم، ثمَّ لَو ثَبت التَّصْرِيح بِهِ عُمُوما فَهُوَ مُخَصص بِالْإِجْمَاع، وَسَائِر الْأَدِلَّة، أَو خُصُوصا فَهُوَ معَارض بِمِثْلِهَا، وَهَذَا من المتشابهات فِي أَمْثَالهَا. وَالْأمة طَائِفَتَانِ: مفوضة يفوضون الْأَمر فِيهَا إِلَى الله تَعَالَى جازمين بِأَنَّهُ منزه عَن النقائص، ومأولة يأولونها على مَا يَلِيق بِهِ. قَوْله: (فيدعوهم) أَي: فيدعوهم الله تَعَالَى. قَوْله: (فَيضْرب الصِّرَاط) ، ويروى: (وَيضْرب الصِّرَاط) بِالْوَاو، وَفِي بعض النّسخ: (ثمَّ يضْرب الصِّرَاط) ، والصراط: جسر مَمْدُود على متن جَهَنَّم أدق من الشّعْر وأحدّ من السَّيْف، عَلَيْهِ مَلَائِكَة يحبسون الْعباد فِي سبع مَوَاطِن ويسألونهم عَن سبع خِصَال: فِي الأول عَن الْإِيمَان، وَفِي الثَّانِي عَن الصَّلَاة، وَفِي الثَّالِث عَن الزَّكَاة، وَفِي الرَّابِع عَن شهر رَمَضَان، وَفِي الْخَامِس
стр. 1645
عَن الْحَج وَالْعمْرَة، وَفِي السَّادِس عَن الْوضُوء، وَفِي السَّابِع عَن الْغسْل من الْجَنَابَة. قَوْله: (بَين ظهراني جَهَنَّم) ، كَذَا فِي رِوَايَة العذري، وَفِي رِوَايَة غَيره: (بَين ظَهْري جَهَنَّم) . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: أَي على وَسطهَا، يُقَال: نزلت بَين ظهريهم وظهرانيهم، بِفَتْح النُّون أَي: فِي وَسطهمْ متمسكا بَينهم لَا فِي أَطْرَافهم، وَالْألف وَالنُّون زيدتا للْمُبَالَغَة. وَقيل: لفظ الظّهْر مقحم وَمَعْنَاهُ: يمد الصِّرَاط عَلَيْهَا. قَوْله: (فَأَكُون أول من يُجِيز من الرُّسُل بأمته) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْجِيم، ثمَّ زَاي بِمَعْنى: أول من يمْضِي عَلَيْهِ ويقطعه، يُقَال: أجزت الْوَادي وجزته: لُغَتَانِ بِمَعْنى، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أجزته قطعته، وجزته مشيت عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِذا كَانَ رباعيا مَعْنَاهُ: لَا يجوز أحد على الصِّرَاط حَتَّى يجوز ﷺ ، وَأمته، فَكَأَنَّهُ يُجِيز النَّاس. وَفِي (الْمُحكم) : جَازَ الْموضع جوزا وجوزا وجوازا ومجازا، وجاوزه وَأَجَازَ جَوَازًا وَأَجَازَهُ وَأَجَازَ غَيره، وَقيل: جازه سَار فِيهِ، وَأَجَازَهُ خَلفه وقطعه، وَأَجَازَهُ: أنفذه. قَوْله: (وَلَا يتَكَلَّم يَوْمئِذٍ أحد) أَي: لشدَّة الْأَهْوَال، وَالْمرَاد: لَا يتَكَلَّم فِي حَال الْإِجَازَة وإلاّ فَفِي يَوْم الْقِيَامَة مَوَاطِن يتَكَلَّم النَّاس فِيهَا. وتجادل كل نفس عَن نَفسهَا. قَوْله: (سلم سلم) ، هَذَا من الرُّسُل لكَمَال شفقتهم ورحمتهم لِلْخلقِ. قَوْله: (كلاليب) ، جمع كَلوب، بِفَتْح الْكَاف وَضم اللَّام الْمُشَدّدَة. وَفِي (الْمُحكم) : الْكلاب والكلوب: السفود، لِأَنَّهُ يعلق الشواء، ويتحلله هَذِه عَن اللحياني، وَالْكلاب والكلوب: حَدِيدَة مقطوفة كالخطاف. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: الكلوب: المنشال. والخطاف، وَكَذَلِكَ الْكلاب. قَوْله: (مثل شوك السعدان) ، قَالَ أَبُو حنيفَة فِي (كتاب النَّبَات) : واحده سعدانة، وَقَالَ أَبُو زِيَاد فِي (الْأَحْرَار) : السعدان ضرب الْمثل بِهِ: مرعى وَلَا كالسعدان. وَهِي غبراء اللَّوْن حلوة يأكلها كل شَيْء، وَلَيْسَت كَبِيرَة، وَلها إِذا يَبِسَتْ شَوْكَة مفلطحة كَأَنَّهَا دِرْهَم، وَهِي شَوْكَة ضَعِيفَة. ومنابت السعدان السهول، وَقيل: للسعدان شوك كحسك القطب مفلطح كالفلكة، وَقَالَ الْمبرد: هُوَ نبت كثير الحسك، وَقَالَ الْأَخْفَش: لَا سَاق لَهُ. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: شوك وحسك عريض. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ نبت لَهُ شوك عَظِيم من كل الجوانب مثل الحسك، وَهُوَ أفضل مرَاعِي الْإِبِل وَيُقَال: مرعى وَلَا كالسعدان. قَوْله: (لَا يعلم قدر عظمها إلاّ الله) وَفِي بعض النّسخ: (لَا يعلم مَا قدر عظمها إلاّ الله) . وتوجيهه على هَذَا مَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ،. وَهُوَ: أَن يكون لفظ: قدر، مَرْفُوعا على أَنه مُبْتَدأ، وَلَفظ: مَا، استفهاما مقدما خَبره: قَالَ: وَيجوز أَن تكون: مَا، زَائِدَة وَيكون: قدر، مَنْصُوبًا على أَنه مفعول: لَا يعلم. قَوْله: (تخطف النَّاس) ، قَالَ ثَعْلَب فِي (الفصيح) : خطف بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي، وَفتحهَا فِي الْمُسْتَقْبل وَحكى غُلَامه والقزاز عَنهُ: خطف، بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُسْتَقْبل، وحكاها الْجَوْهَرِي عَن الْأَخْفَش. وَقَالَ: هِيَ قَليلَة رَدِيئَة لَا تكَاد تعرف. قَالَ: وَقد قَرَأَ بهما يُونُس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يخطف أبصاركم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠) . وَفِي (الواعي) : الخطف الْأَخْذ بِسُرْعَة على قدر ذنوبهم. قَوْله: (من يوبق) ، قَالَ ابْن قرقول: بباء مُوَحدَة عِنْد العذري، وَمَعْنَاهُ: يهْلك، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من: وبق الرجل إِذا هلك، وأوبقه الله إِذا أهلكه، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ: بثاء مُثَلّثَة من الوثاق، قَوْله: (من يخردل) أَي: يقطع، يُقَال: خردات اللَّحْم بِالدَّال والذال: أَي قطعته قطعا صغَارًا. وَقَالَ ابْن قرقول: يخردل، كَذَا هُوَ لكافة الروَاة، وَهُوَ الصَّوَاب إلاّ الْأصيلِيّ فَإِنَّهُ ذكره بِالْجِيم، وَمَعْنَاهُ: الإشراف على السُّقُوط والهلكة. وَفِي (الْمُحكم) : خَرْدَل اللَّحْم قطع أعضاءه وأفراه. وَقيل: خَرْدَل اللَّحْم وقطعه وفرقه، والذال فِيهِ لُغَة، وَلحم خراديل، والمخردل المصروع. وَفِي (الصِّحَاح) : خَرْدَل اللَّحْم أَي: قطعه صغَارًا، وَعند أبي عبيد الْهَرَوِيّ: المخردل المرمى المصروع، وَالْمعْنَى أَنه تقطعه كلاليب الصلاط حَتَّى يهوي إِلَى النَّار. وَقَالَ اللَّيْث وَأَبُو عبيد: خردلت اللَّحْم إِذا فصلت أعضاءه، وَزَاد أَبُو عبيد: وخردلته بِالدَّال والذال: قطعته وفرقته. قَوْله: (مَن أَرَادَ) كلمة: من، مَوْصُولَة: أَي: إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى رَحْمَة الَّذِي أَرَادَهُم من أهل النَّار وهم الْمُؤْمِنُونَ الخلص، إِذْ الْكَافِر لَا ينجو أبدا من النَّار وَيبقى خَالِدا فِيهَا. قَوْله: (بآثار السُّجُود) ، اخْتلف فِي المُرَاد بهَا، فَقيل: هِيَ الْأَعْضَاء السَّبْعَة، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر، وَقَالَ عِيَاض: المُرَاد الْجَبْهَة خَاصَّة، وَيُؤَيّد هَذَا مَا فِي رِوَايَة مُسلم: أَن قوما يخرجُون من النَّار يحترقون فِيهَا ألاّ دارات وُجُوههم. قَوْله: (فَكل ابْن آدم) أَي: فَكل أَعْضَاء ابْن آدم. قَوْله: (إلاّ أثر السُّجُود) أَي: مَوَاضِع أَثَره. قَوْله: (قد امتحشوا) ، بتاء مثناة من فَوق مَفْتُوحَة وحاء مُهْملَة وشين مُعْجمَة، وَمَعْنَاهُ: احترقوا ويروى بِضَم التَّاء وَكسر الْحَاء، وَفِي بعض الرِّوَايَات صَارُوا حمما. وَفِي (الْمُحكم) : المحش: تنَاول من لَهب يحرق الْجلد ويبدي الْعظم. وَفِي (الْجَامِع) : محشته النَّار تمحشه محشا: إِذا أحرقته.
стр. 1646
وَحكى: أمحشته. وَقَالَ الدَّاودِيّ: امتحشوا: انقبضوا واسودوا. قَوْله: (مَاء الْحَيَاة) هُوَ الَّذِي من شربه أَو صب عَلَيْهِ لم يمت أبدا. قَوْله: (كَمَا تنْبت الْحبَّة) ، بِكَسْر الْحَاء هُوَ: بزور الصَّحرَاء مِمَّا لَيْسَ بقوت، وَوجه الشّبَه فِي سرعَة النَّبَات، وَيُقَال: شبه نَبَاته بنبات الْحبَّة لبياضها ولسرعة نباتها لِأَنَّهَا تنْبت فِي يَوْم وَلَيْلَة، لِأَنَّهَا رويت من المياء وترددت فِي غثاء السَّيْل. قَوْله: (فِي حميل السَّيْل) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْمِيم، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ السَّيْل من طين وَنَحْوه. قَوْله: (ثمَّ يفرغ الله من الْقَضَاء) ، اسناد الْفَرَاغ إِلَى الله لَيْسَ على سَبِيل الْحَقِيقَة، إِذْ الْفَرَاغ هُوَ الْخَلَاص عَن المهام، وَالله تَعَالَى لَا يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن، وَالْمرَاد مِنْهُ إتْمَام الحكم بَين الْعباد بالثواب وَالْعِقَاب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَعْنَاهُ كمل خُرُوج الْمُوَحِّدين من النَّار. قَوْله: (دُخُولا) نصب على التَّمْيِيز، وَيجوز أَن يكون حَالا، على أَن يكون: دُخُولا، بِمَعْنى: دَاخِلا. قَوْله: (الْجنَّة) ، بِالنّصب على أَنه مفعول: دُخُولا. قَوْله: (مُقبلا) نصب على أَنه حَال من الْأَحْوَال المترادفة أَو المتداخلة، ويروى: (مقبل) ، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ مقبل بِوَجْهِهِ إِلَى جِهَة النَّار. قَوْله: (قد قشبني) ، بِفَتْح الْقَاف والشين الْمُعْجَمَة المخففة الْمَفْتُوحَة وبالباء الْمُوَحدَة، وَقَالَ السفاقسي: كَذَا هُوَ عِنْد الْمُحدثين، وَكَذَا ضَبطه بَعضهم، وَالَّذِي فِي اللُّغَة الشين وَمَعْنَاهُ سمني، وَقَالَ الفارابي فِي بَاب: فعل، بِفَتْح الْعين من الْمَاضِي وَكسرهَا من الْمُسْتَقْبل، قشبه، أَي: سقَاهُ السم، وقشب طَعَامه أَي: سمه. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: القشب أخلاط تخلط للنسر فيأكلها فَيَمُوت، فَيُؤْخَذ ريشه. يُقَال لَهُ: ريش قشيب ومقشوب، وكل مَسْمُوم قشيب، وَقَالَ أَبُو عمر: القشب هُوَ السم، وقشبه سقَاهُ السم، وَفِي (النَّوَادِر) للهجري: وَمعنى القشب هُوَ السم لغير النَّاس، يقشب بِهِ السبَاع وَالطير فيقتلها. وَفِي (الْمُحكم) : القشب والقشيب: السم، وَالْجمع أقشاب، وقشب لَهُ: سقَاهُ السم، وقشب الطَّعَام يقشبه قشبا: إِذا لطخ بالسم. وَفِي (كتاب ابْن طريف) : أقشب الشَّيْء إِذا خالطه بِمَا يُفْسِدهُ من سم أَو غَيره، وَعند أبي حنيفَة القشب: نَبَات يقتل الطير. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُقَال قشبه الدُّخان إِذا مَلأ خياشيمه، وَأخذ بكظمه وَهُوَ انْقِطَاع نَفسه، وَأَصله: خلط السم. يُقَال: قشبه إِذا سمه، وَمِنْه حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَنه كَانَ بِمَكَّة فَوجدَ ريح طيب، فَقَالَ: من قشبنا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَة: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ دخلت على أم حَبِيبَة فطيبتني) . قَوْله: (وأحرقني ذكاؤها) قَالَ النَّوَوِيّ: كَذَا وَقع فِي جَمِيع الرِّوَايَات فِي هَذَا الحَدِيث: (ذكاؤها) بِالْمدِّ وبفتح الذَّال الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ: لهبها واشتعالها وَشدَّة وهجها، وَالْأَشْهر فِي اللُّغَة: ذكاها، مَقْصُورا، وَذكر جماعات أَن الْمَدّ وَالْقصر لُغَتَانِ. انْتهى. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَفِيه نظر. قلت: ذكر وَجه النّظر وَهُوَ أَنه عد كتبا عديدة فِي اللُّغَة وشروح دواوين الشُّعَرَاء، ثمَّ قَالَ: وَكلهمْ نصوا على قصره لَا يذكرُونَ الْمَدّ فِي ورد وَلَا صدر، حاشا مَا وَقع فِي (كتاب النَّبَات) لأبي حنيفَة الدينَوَرِي، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوضِع السعار: حر النَّار وذكااؤها، وَفِي آخر: ولهبها ذكاء لهبها، وَفِي مَوضِع آخر: مَعَ ذكاء وقودها، وَفِي آخر: وَقد ضربت الْعَرَب الْمثل بجمر الغضا لذكائه، ورد عَلَيْهِ أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فَقَالَ: كل هَذَا غلط، لِأَن ذكاء النَّار مَقْصُور يكْتب بِالْألف. لِأَنَّهُ من الواوي من قَوْلهم: ذكت النَّار تذكو وذكو النَّار وذكاكها بِمَعْنى، وَهُوَ التهابها. وَيُقَال أَيْضا: ذكت النَّار تذكو ذكوا وذكوا، فَأَما ذكاء بِالْمدِّ فَلم يَأْتِ عَنْهُم بِالْمدِّ فِي النَّار، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي الْفَهم. قَوْله: (هَل عَسَيْت) ، بِفَتْح السِّين ذكره صَاحب (الفصيح) ، وَفِي (الموعب) : لم يعرف الْأَصْمَعِي: عَسَيْت، بِالْكَسْرِ، قَالَ: وَقد ذكره بعض الْقُرَّاء وَهُوَ خطأ، وَعَن الْفراء: لَعَلَّهَا لُغَة نادرة. وَفِي (شرح المطرزي) عَن الْفراء: كَلَام الْعَرَب العالي: عَسَيْت، بِفَتْح السِّين، وَمِنْهُم من يَقُول: عَسَيْت، وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه فِي كِتَابه: (تَصْحِيح الفصيل) : الْعَامَّة تَقول: عَسَيْت، بِكَسْر السِّين وَهِي لُغَة شَاذَّة، وَقَالَ ابْن السّكيت فِي كِتَابه: (فعلت وأفعلت) : عَسَيْت، بِالْكَسْرِ لُغَة رَدِيئَة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَيَقُولُونَ: مَا عَسَيْت، وإلأجود الْفَتْح، كَذَا قَالَه ثَابت (فِيمَا يلحن فِيهِ) . وَقَالَ أَبُو عبيد بن سَلام فِي كِتَابه (فِي الْقرَاءَات) : كَانَ نَافِع يقْرَأ عسيتم، بِالْكَسْرِ، وَالْقِرَاءَة عندنَا بِالْفَتْح، لِأَنَّهَا أعرب اللغتين، وَلَو كَانَت: عسيتم، بِالْكَسْرِ لقرىء: عَسى رَبنَا، أَيْضا، وَهَذَا الْحَرْف لَا نعلمهُمْ اخْتلفُوا فِي فَتحه، وَكَذَلِكَ سَائِر الْقُرْآن، ثمَّ إعلم أَن: عَسى، من الْآدَمِيّين يكون للترجي وَالشَّكّ، وَمن الله للْإِيجَاب وَالْيَقِين. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى الصّرْف الَّذِي يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (إصرف وَجْهي عَن النَّار) . قَوْله: (فيعطي الله) مَفْعُوله مَحْذُوف أَي: فيعطي الرجل الْمَذْكُور. قَوْله: (مَا شَاءَ) ويروى (مَا يَشَاء) ، بياء المضارعة. قَوْله: (الْعَهْد والميثاق) ، الْعَهْد: يَأْتِي لمعان، بِمَعْنى: الْحفاظ، ورعاية الْحُرْمَة والذمة والأمان وَالْيَمِين وَالْوَصِيَّة، والميثاق، الْعَهْد أَيْضا، وَهُوَ على وزن مفعال، من الوثاق، وَهُوَ فِي
стр. 1647
الأَصْل حَبل أَو قيد يشد بِهِ الْأَسير أَو الدَّابَّة. قَوْله: (بهجتها) أَي: حسنها ونضارتها. قَوْله: (لَا أكون أَشْقَى خلقك) قَالَ السفاقسي: كَذَا هُنَا
(لأَكُون) وَفِي رِوَايَة أبي الْحسن: (لاأكونن) ، وَالْمعْنَى: إِن أَنْت أبقيتني على هَذِه الْحَالة وَلَا تدخلني الْجنَّة لأكونن أَشْقَى خلقك الَّذين دخلوها، وَالْألف زَائِدَة يَعْنِي فِي قَوْله: (لَا أكون أَشْقَى خلقك) وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (لَا أكون أَشْقَى خلقك) أَي: كَافِرًا، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: كَيفَ طابق هَذَا الْجَواب لفظ: (أَلَيْسَ قد أَعْطَيْت العهود) ؟ قلت: كَأَنَّهُ قَالَ: يَا رب أَعْطَيْت، لَكِن كرمك يطمعني إِذْ لَا ييأس من روح الله إلاّ الْقَوْم الْكَافِرُونَ. قَوْله: (فَمَا عَسَيْت إِن أَعْطَيْت ذَلِك) كلمة: مَا استفهامية، وَاسم: عَسى، هُوَ الضَّمِير، وَخَبره هُوَ قَوْله: (أَن تسْأَل) وَقَوله: (إِن أَعْطَيْت) جملَة مُعْتَرضَة، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله: (ذَلِك) مفعول ثَان: لأعطيت، أَي: إِن أَعْطَيْت الْقَدِيم إِلَى بَاب الْجنَّة. وَقَوله: (غَيره) مفعول (أَن تسْأَل) أَي: غير التَّقْدِيم إِلَى بَاب الْجنَّة. وَكلمَة: (إِن) فِي: (إِن أَعْطَيْت) مَكْسُورَة، وَهِي شَرْطِيَّة وَالَّتِي فِي: (أَن تسْأَل) مَفْتُوحَة مَصْدَرِيَّة ويروى: (أَن لَا تسْأَل) ، بِزِيَادَة لَفْظَة: لَا، ووجهها، إِمَّا أَن تكون زَائِدَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يعلم أهل الْكتاب﴾ (الْحَدِيد: ٢٩) . وَإِمَّا أَن تكون على أَصْلهَا، وَتَكون كلمة: (مَا) فِي قَوْله: (فَمَا عَسَيْت) نَافِيَة، وَنفي النَّفْي إِثْبَات. وَقَالَ الْكرْمَانِي هُنَا فَإِن قلت: كَيفَ يَصح هَذَا من الله تَعَالَى وَهُوَ عَالم بِمَا كَانَ وَمَا يكون؟ قلت: مَعْنَاهُ أَنكُمْ يَا بني آدم لما عهد عَنْكُم نقض الْعَهْد أحقاء بِأَن يُقَال لكم ذَلِك، وَحَاصِله أَن معنى: عَسى، رَاجع إِلَى الْمُخَاطب لَا إِلَى الله تعالي. قَوْله: (فَيَقُول: لَا) أَي: فَيَقُول الرجل: لَا يَا رب لَا أسأَل غَيره وَحقّ عزتك. قَوْله: (فيعطي ربه) أَي: فيعطي الرجل ربه مَا شَاءَ من الْعَهْد والميثاق. قَوْله: (فَإِذا بلغ بَابهَا) أَي: بَاب الْجنَّة. قَوْله: (فَرَأى زهرتها) عطف على: بلغ، وَجَوَاب: إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: فَإِذا بلغ إِلَى آخِره سكت، ثمَّ بَين سُكُوته بقوله: (فيسكت) ، بِالْفَاءِ التفسيرية، ثمَّ إِن سُكُوته بِمِقْدَار مَشِيئَة الله تَعَالَى إِيَّاه، وَهُوَ معنى قَوْله: (فيسكت مَا شَاءَ الله أَن يسكت) وَكلمَة: أَن، هَذِه مَصْدَرِيَّة أَي: مَا شَاءَ الله سُكُوته. وَقَالَ الكلاباذي: إمْسَاك العَبْد عَن السُّؤَال حَيَاء من ربه، ، وَالله تَعَالَى يحب سُؤَاله لِأَنَّهُ يحب صَوته، فيباسطه بقوله: لَعَلَّك إِن أَعْطَيْت هَذَا تسْأَل غَيره؟ وَهَذِه حَال المقصر، فَكيف حَال الْمُطِيع، وَلَيْسَ نقض هَذَا العَبْد عَهده وَتَركه أقسامه جهلا مِنْهُ، وَلَا قلَّة مبالاة، بل علما مِنْهُ بِأَن نقض هَذَا الْعَهْد أولى من الْوَفَاء، لِأَن سُؤَاله ربه أولى من إبرار قسمه، لِأَنَّهُ علم قَول نبيه ﷺ : (من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليكفر عَن يَمِينه وليأت الَّذِي هُوَ خير) . قَوْله: (وَيحك) كلمة رَحْمَة، كَمَا أَن: وَيلك كلمة عَذَاب، وَقيل: هما بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (ابْن آدم) أَي: يَا ابْن آدم. قَوْله: (مَا أغدرك) ، فعل التَّعَجُّب، والغدر ترك الْوَفَاء. قَوْله: (أَلَيْسَ قد أَعْطَيْت) على صِيغَة الْمَعْلُوم. قَوْله: (غير الَّذِي أَعْطَيْت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فيضحك الله مِنْهُ) ، أَي: من فعل هَذَا الرجل، وَالْمرَاد من الضحك لَازمه، وَهُوَ الرضى مِنْهُ وَإِرَادَة الْخَيْر لَهُ، لِأَن إِطْلَاق حَقِيقَة الضحك على الله تَعَالَى لَا يتَصَوَّر، وأمثال هَذِه الأطلاقات كلهَا يُرَاد بهَا لوازمها. قَوْله: (تمن) أَمر من التَّمَنِّي، ويروى: (تمن كَذَا وَكَذَا) . قَوْله: (حَتَّى إِذا انْقَطع) ويروى: (إِذا انْقَطَعت) ، وَقد علم أَن إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى مثل هَذَا الْفَاعِل يجوز فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث. قَوْله: (زد من كَذَا وَكَذَا) أَي: من أمانيك الَّتِي كَانَت لَك قبل أَن أذكرك بهَا. قَوْله: (أقبل) ، فعل مَاض من الإقبال، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الله تَعَالَى، وَكَذَا الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي قَوْله: (يذكرهُ) ، وَقد تنَازع هَذَانِ الفعلان فِي قَوْله: (ربه) . فَإِن قلت: مَا موقع هَاتين الجملتين؟ أَعنِي: (أقبل يذكرهُ؟) قلت: بدل من قَوْله: قَالَ الله : زد قَوْله: (الْأَمَانِي) جمع أُمْنِية. قَوْله: (لَك ذَلِك) أَي: مَا سَأَلته من الْأَمَانِي. قَوْله: (وَمثله مَعَه) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت حَالا. قَوْله: (لَك ذَلِك وَعشرَة أَمْثَاله) ، أَي: وَعشرَة أَمْثَال مَا سَأَلته، وَهَذَا فِي خبر أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَوجه الْجمع بَين خَبره وَخبر أبي هُرَيْرَة لِأَن فِي خبر أبي هُرَيْرَة: وَمثله، وَفِي خبر أبي سعيد: وَعشرَة أَمْثَاله، هُوَ أَنه ﷺ ، أخبر أَولا بِالْمثلِ، ثمَّ اطلع على الزِّيَادَة تكرما، وَلَا يحْتَمل الْعَكْس، لِأَن الْفَضَائِل لَا تنسخ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أعلم أَولا بِمَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، ثمَّ تكرم الله فزادها فَأخْبر بِهِ ﷺ وَلم يسمعهُ أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: إِثْبَات الرُّؤْيَة للرب نصا من كَلَام الشَّارِع، وَهُوَ تَفْسِير قَوْله ﷻ : ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ (الْقِيَامَة: ٢٢، ٢٣) . يَعْنِي: مبصرة، وَلَو لم يكن هَذَا القَوْل من الشَّارِع بِالرُّؤْيَةِ نصا لَكَانَ مَا فِي الْآيَة كِفَايَة لمن انصف، وَذَلِكَ أَن النّظر إِذا قرن بِذكر الْوَجْه لم يكن إلاّ نظر الْبَصَر، وَإِذا قرن بِذكر الْقُلُوب كَانَ بِمَعْنى الْيَقِين، فَلَا يجوز
стр. 1648
أَن ينْقل حكم الْوُجُوه إِلَى حكم الْقُلُوب.
وَاعْلَم أَن أهل السّنة اتَّفقُوا على أَن الله تَعَالَى يَصح أَن يُرى بِمَعْنى: أَنه ينْكَشف لِعِبَادِهِ وَيظْهر لَهُم بِحَيْثُ تكون نِسْبَة ذَلِك الانكشاف إِلَى ذَاته الْمَخْصُوصَة كنسبة الإبصار إِلَى هَذِه المبصرات المادية، لكنه يكون مُجَردا عَن ارتسام صُورَة المرئي، وَعَن اتِّصَال الشعاع بالمرئي، وَعَن الْمُحَاذَاة والجهة وَالْمَكَان، خلافًا للمعتزلة فِي الرُّؤْيَة مُطلقًا، وللمشبهة والكرامية فِي خلوها عَن المواجهة وَالْمَكَان.
احتجت الْمُعْتَزلَة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِوُجُوه: الأول: بقوله تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ (الْأَنْعَام: ١٠٣) . وَالْجَوَاب عَنهُ: إِن معنى الْإِدْرَاك هَهُنَا الْإِحَاطَة، وَنحن نقُول أَيْضا: إِن الْإِحَاطَة ممتنعة. وَقَالَ ابْن بطال: الْآيَة مَخْصُوصَة بِالسنةِ. قلت: فِيهِ نظر، وَالْأولَى مَا قُلْنَا. الثَّانِي: بقوله تَعَالَى: ﴿لن تراني﴾ (الْأَعْرَاف: ١٤٣) . فَإِن: لن، نفي للتأييد بِدَلِيل قَوْله: ﴿قل لن تتبعونا﴾ (الْفَتْح: ١٥) . فَإِذا ثَبت عدم الرُّؤْيَة فِي حق مُوسَى، ﵊، ثَبت فِي حق غَيره أَيْضا لانعقاد الْإِجْمَاع على عدم الْفرق، وَالْجَوَاب عَنهُ: إِنَّا لَا نسلم أَن: لن، تدل على التأييد بِدَلِيل قَوْله: ﴿لن يَتَمَنَّوْهُ أبدا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥) . مَعَ أَنهم يتمنونه فِي الْآخِرَة. الثَّالِث: بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إلاّ وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا﴾ (الشورى: ٥١) . الْآيَة، فَإِن الْآيَة دلّت على أَن كل من يتَكَلَّم الله تَعَالَى مَعَه، فَإِنَّهُ لَا يرَاهُ، فَإِذن ثَبت عدم الرُّؤْيَة فِي غير وَقت الْكَلَام ضَرُورَة أَنه لَا قَائِل بِالْفَصْلِ، وَالْجَوَاب: أَن الْوَحْي كَلَام يسمع بالسرعة وَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة تدل على كَون الْمُتَكَلّم محجوبا عَن نظر السَّامع.
وَفِيه: أَن الصَّلَاة أفضل الْأَعْمَال لما فِيهَا من السُّجُود، وَقد قَالَ ﷺ : (أقرب مَا يكون العَبْد من ربه إِذا سجد) ، وَفِيه: فَضِيلَة السُّجُود، وَالْبَاب مترجم بذلك. وَفِيه: بَيَان كرم أكْرم الأكرمين ولطفه وفضله الْوَاسِع. وَفِيه: أَن الصِّرَاط حق، وَالْجنَّة حق، وَالنَّار حق، والحشر حق، والنشر حق، وَالسُّؤَال حق.
١٣٠ - (بابٌ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يُبْدِي الْمُصَلِّي، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: من الإبداء، وَهُوَ الْإِظْهَار، وَفِي الْمغرب: ابداء الضبعين: تفريجهما. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : ويبدي ضبعيه لقَوْله ﷺ : (وأبدِ ضبعيك) ويروى: (ابدد) من الإبداد وَهُوَ: الْمَدّ قلت: هَذَا الحَدِيث لم يرو هَكَذَا مَرْفُوعا، وَقد بَيناهُ فِي (شرحنا للهداية) قَوْله: ويروى (وأبدد) ، لَيْسَ لَهُ أصل وَلَا وجود فِي كتب الحَدِيث. قَوْله: (ضبعيه) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة تَثْنِيَة: ضبع، وَقيل: يجوز فِي الْبَاء الضَّم أَيْضا، والضبع الْعَضُد، وَقيل: ضبع الرجل وَسطه وبطنه، وَقيل: وسط الْعَضُد من دَاخل، وَقيل: هِيَ لحْمَة تَحت الْإِبِط. قَوْله: (ويجافي) ، مَفْعُوله مَحْذُوف أَي: يُجَافِي بَطْنه، أَي: يباعده، وثلاثيه: جفى، يُقَال: جفى السرج عَن ظهر الْفرس، وأجفيته أَنا إِذا رفعته، ويجافي جنبه عَن الْفراش أَي: يباعد. قَالَ تَعَالَى: ﴿تتجافي جنُوبهم عَن الْمضَاجِع﴾ (السَّجْدَة: ١٦) . أَي: تتباعد.
وإعلم أَن هَذَا الْبَاب، وَالْبَاب الَّذِي بعده، قد ذكر هُنَا فِي كثير من النّسخ، وسقطا فِي بَعْضهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي وَغَيره: لِأَنَّهُمَا ذكرا مرّة قبل: بَاب اسْتِقْبَال الْقبْلَة قلت: لم يذكر هُنَاكَ إلاّ قَوْله: بَاب يُبْدِي ضبعيه ويجافي جَنْبَيْهِ فِي السُّجُود، وَأما الْبَاب الثَّانِي، فَلم يذكر هُنَاكَ بترجمة، فَلذَلِك قيل: وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا هَهُنَا.
٨٠٧ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثني بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ جَعْفَرٍ عَنِ ابنِ هُرْمِزَ عَن عبْدِ الله بنِ مالِكٍ ابنِ بُحيْنَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُو بَيَاضُ إبْطَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٩٠ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن تفريج الْمُصَلِّي بَين يَدَيْهِ إِلَى أَن يَبْدُو بَيَاض إبطَيْهِ لَا يكون إلاّ بإبداء ضبعيه والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَبِهَذَا الْمَتْن بِعَيْنِه، غير أَن هُنَاكَ نسب شَيْخه إِلَى جده حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا يحيى بن بكير إِلَى آخِره، وَابْن هُرْمُز هُوَ عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء. وَقَوله: (ابْن بُحَيْنَة) لَيْسَ صفة لمَالِك بل صفة لعبد الله، لِأَن بُحَيْنَة اسْم أمه، وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم من طَرِيقه بِلَفْظ: (كَانَ إِذا سجد فرج يَدَيْهِ عَن إبطَيْهِ حَتَّى إِنِّي لأرى بَيَاض إبطَيْهِ) .
стр. 1649
١٣١ - (بابٌ يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِأطْرَافِ رِجْلَيْهِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يسْتَقْبل الْمُصَلِّي الْقبْلَة بأطراف رجلَيْهِ.
قالَهُ أبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِي عنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: قَالَ: اسْتِقْبَال الْقبْلَة بأطراف رجلَيْهِ، ذكره أَبُو حميد فِي حَدِيثه على مَا يَأْتِي مَوْصُولا فِي: بَاب سنة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد، قَرِيبا. وَأَبُو حميد عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
١٣٢ - (بابٌ إذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: إِذا لم يتم الْمُصَلِّي السُّجُود.
٨٠٨ - حدَّثنا الصلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مَهْدِيًّ عنْ وَاصِلٍ عنْ أبِي وائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ رَأى رَجُلاً لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ ولَا سُجُودَهُ فلمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ مَا صَلَّيْتَ قَالَ وأحْسبُهُ قَالَ ولَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٣٨٩ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب إِذا لم يتم الرُّكُوع قبل هَذَا الْبَاب بإثني عشر بَابا. وَأخرجه عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان، قَالَ: سَمِعت زيد بن وهب، قَالَ: رأى حُذَيْفَة رجلا لَا يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود، فَقَالَ: مَا صليت وَلَو مت مت على غير الْفطْرَة الَّتِي فطر الله مُحَمَّدًا، ﷺ ، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ. وَأَبُو وَائِل هُوَ: شَقِيق.
١٣٣ - (بابُ السجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن السُّجُود فِي الصَّلَاة على سَبْعَة أعظم، وَالْمرَاد من الْأَعْظَم هِيَ الْأَعْضَاء الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب، وَفِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ أَيْضا.
١٩٦ - (حَدثنَا قبيصَة قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس أَمر النَّبِي ﷺ َ - أَن يسْجد على سَبْعَة أَعْضَاء وَلَا يكف شعرًا وَلَا ثوبا الْجَبْهَة وَالْيَدَيْنِ والركبتين وَالرّجلَيْنِ) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى لِأَن المُرَاد من الْأَعْظَم الْأَعْضَاء كَمَا ذكرنَا على أَن الْمَذْكُور فِي أحد طريقي حَدِيث ابْن عَبَّاس لفظ الْأَعْضَاء مُصَرح على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول قبيصَة بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عقبَة بن عَامر الْكُوفِي. الثَّانِي سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار الرَّابِع طَاوس بن كيسَان. الْخَامِس عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومكي ويماني. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة وَعَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد كلهم عَن عَمْرو بن دِينَار بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن حميد بن مسْعدَة وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن بشر بن معَاذ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَمر النَّبِي ﷺ َ - " على صِيغَة الْمَجْهُول فِي جَمِيع الرِّوَايَات وَالْمعْنَى أَمر الله تَعَالَى
стр. 1650
النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ عرف ذَلِك بِالْعرْفِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْوُجُوب قيل فِيهِ نظر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صِيغَة الْأَمر (قلت) فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " أمرت " قَالَ حَمَّاد أَمر نَبِيكُم أَن يسْجد على سَبْعَة وَلَا يكف شعرًا وَلَا ثوبا انْتهى فَهَذَا قَوْله ﷺ َ - " أمرت " يدل على أَن الله تَعَالَى أمره وَالْأَمر من الله تَعَالَى يدل على الْوُجُوب وَفِي رِوَايَة مُسلم " أمرت أَن أَسجد على سَبْعَة الْجَبْهَة وَالْأنف وَالْيَدَيْنِ والركبتين والقدمين " (فَإِن قلت) رِوَايَة البُخَارِيّ هَذِه تحْتَمل الخصوصية (قلت) رِوَايَته الْأُخْرَى الَّتِي ذكرهَا عقيب هَذَا الحَدِيث وَهِي قَوْله " أمرنَا " تدل على أَنه لعُمُوم الْأمة. وَاخْتلف النَّاس فِيمَا فرض على النَّبِي ﷺ َ - هَل تدخل مَعَه الْأمة فَقيل نعم وَالأَصَح لَا إِلَّا بِدَلِيل وَقيل إِذا خُوطِبَ بِأَمْر أَو نهي فَالْمُرَاد بِهِ الْأمة مَعَه وَهَذَا لَا يثبت إِلَّا بِدَلِيل وَرِوَايَة " أمرنَا " تدل على أَن ابْن عَبَّاس تَلقاهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - إِمَّا سَمَاعا مِنْهُ وَإِمَّا بلاغا عَنهُ وَبِهَذَا يرد كَلَام الْكرْمَانِي حَيْثُ قَالَ ظَاهره الْإِرْسَال أَي ظَاهر هَذَا الحَدِيث ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) بِمَ عرف ابْن عَبَّاس أَنه أَمر بذلك (قلت) إِمَّا بإخباره ﷺ َ - لَهُ أَو لغيره أَو بِاجْتِهَادِهِ لِأَنَّهُ ﷺ َ - مَا ينْطق عَن الْهوى انْتهى (قلت) على تَقْدِير إخْبَاره ﷺ َ - لِابْنِ عَبَّاس كَيفَ يكون الحَدِيث مُرْسلا وَقد قَالَ ظَاهره الْإِرْسَال قَوْله " وَلَا يكف شعرًا " عطف على قَوْله " أَن يسْجد " وَفِي رِوَايَة " لَا يكفت الثِّيَاب وَلَا الشّعْر " والكفت والكف بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ الْجمع وَالضَّم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿ألم نجْعَل الأَرْض كفاتا﴾ أَي نجمع النَّاس فِي حياتهم وموتهم والكفات بِمَعْنى الْكَفّ قَوْله " وَلَا ثوبا " أَي وَلَا يكف ثوبا قَوْله " الْجَبْهَة " بِالْجَرِّ عطف بَيَان لقَوْله " على سَبْعَة أَعْضَاء " وَمَا بعْدهَا عطف عَلَيْهَا قَوْله " وَالْيَدَيْنِ " يُرِيد الْكَفَّيْنِ خلافًا لمن زعم أَنه يحمل على ظَاهره لِأَنَّهُ لَو حمل على ذَلِك لدخل تَحت الْمنْهِي عَنهُ الافتراش كافتراش السَّبع وَالْكَلب قَوْله " وَالرّجلَيْنِ " يُرِيد أَطْرَاف الْقَدَمَيْنِ وَبَين ذَلِك رِوَايَة ابْن طَاوس عَنهُ كَذَلِك قَوْله " وَلَا يكف شعرًا وَلَا ثوبا " جملتان معترضتان بَين قَوْله " على سَبْعَة أَعْضَاء " وَبَين قَوْله " الْجَبْهَة " (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) احْتج بِهِ أَحْمد وَإِسْحَق على أَنه لَا يجْزِيه من ترك السُّجُود على شَيْء من الْأَعْضَاء السَّبْعَة وَهُوَ الْأَصَح من قولي الشَّافِعِي فِيمَا رَجحه الْمُتَأَخّرُونَ خلاف مَا رَجحه الرَّافِعِيّ وَهُوَ مَذْهَب ابْن حبيب وَكَأن البُخَارِيّ مَال إِلَى هَذَا القَوْل وَلم يذكر الْأنف فِي هَذَا الحَدِيث وَذكر الْأنف فِي حَدِيث آخر لِابْنِ عَبَّاس على مَا يَأْتِي عَن قريب. وَاخْتلفُوا فِي السُّجُود على الْأنف هَل هُوَ فرض مثل غَيرهَا فَقَالَت طَائِفَة إِذا سجد على جَبهته دون أَنفه أَجزَأَهُ رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَعَطَاء وَطَاوُس وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالقَاسِم وَسَالم وَالشعْبِيّ وَالزهْرِيّ وَالشَّافِعِيّ فِي أظهر قوليه وَمَالك وَأبي يُوسُف وَأبي ثَوْر وَالْمُسْتَحب أَن يسْجد على أَنفه مَعَ الْجَبْهَة وَقَالَت طَائِفَة يجْزِيه أَن يسْجد على أَنفه دون جَبهته وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَهُوَ الصَّحِيح من مذْهبه وروى أَسد بن عمر وَعنهُ لَا يجوز الِاقْتِصَار على الْأنف إِلَّا من عذر وَقَالَ ابْن بطال اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا يجزىء السُّجُود عَلَيْهِ من الْآرَاب السَّبْعَة بعد إِجْمَاعهم على أَن السُّجُود على الأَرْض فَرِيضَة وَقَالَ النَّوَوِيّ أَعْضَاء السُّجُود سَبْعَة وَيَنْبَغِي للساجد أَن يسْجد عَلَيْهَا كلهَا وَأَن يسْجد على الْجَبْهَة وَالْأنف جَمِيعًا وَأما الْجَبْهَة فَيجب وَضعهَا مكشوفة على الأَرْض وَيَكْفِي بَعْضهَا وَالْأنف مُسْتَحبّ فَلَو تَركه جَازَ وَلَو اقْتصر عَلَيْهِ وَترك الْجَبْهَة لم يجزه هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك والأكثرين وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَابْن الْقَاسِم من أَصْحَاب مَالك لَهُ أَن يقْتَصر على أَيهمَا شَاءَ وَقَالَ أَحْمد وَابْن حبيب من أَصْحَاب مَالك يجب أَن يسْجد على الْجَبْهَة وَالْأنف جَمِيعًا لظَاهِر الحَدِيث وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ بل ظَاهر الحَدِيث أَنَّهُمَا فِي حكم عُضْو وَاحِد لِأَنَّهُ قَالَ فِي الحَدِيث سَبْعَة فَإِن جعلا عضوين صَارَت ثَمَانِيَة وَذكر الْأنف اسْتِحْبَابا وَذكر أَصْحَاب التشريح أَن عظمي الْأنف يبتدئان من قرنة الْحَاجِب وينتهيان إِلَى الْموضع الَّذِي فَوق الثنايا والرباعيات فعلى هَذَا يكون الْأنف والجبهة الَّتِي هِيَ أَعلَى الخد وَاحِدًا وَقَالَ ابْن بطال أَن فِي بعض طرق حَدِيث ابْن عَبَّاس " أمرت أَن أَسجد على سَبْعَة أعظم مِنْهَا الْوَجْه " (قلت) يُؤَيّدهُ قَوْله ﷺ َ - وَهُوَ ساجد فِيمَا رَوَاهُ مُسلم " سجد وَجْهي للَّذي خلقه " الحَدِيث وَأما اليدان وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ فَهَل يجب السُّجُود عَلَيْهَا فَقَالَ النَّوَوِيّ فِيهِ قَولَانِ للشَّافِعِيّ أَحدهمَا لَا يجب لَكِن يسْتَحبّ اسْتِحْبَابا متأكدا وَالثَّانِي يجب وَهُوَ الْأَصَح وَهُوَ الَّذِي رَجحه الشَّافِعِي فَلَو أخل بعضو مِنْهَا لم تصح
следующие страницы →