Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن مهْرَان، بِكَسْر الْمِيم: أَبُو جَعْفَر الْجمال الرَّازِيّ، قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ أول سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ أَو قَرِيبا مِنْهُ. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي مَوْلَاهُم الدِّمَشْقِي، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة رَاجعا من مَكَّة قبل أَن يصل إِلَى دمشق. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن نمر، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم الدِّمَشْقِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التابعية عَن الصحابية. وَفِيه: ابْن نمر الْمَذْكُور وَلَيْسَ لَهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) غير هَذَا الحَدِيث، وَضَعفه ابْن معِين، لَكِن تَابعه الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْكُسُوف عَن مُحَمَّد بن مهْرَان مُخْتَصرا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ: عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن الْوَلِيد بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عُثْمَان بِطُولِهِ وَهُوَ أتم الرِّوَايَات وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن الْوَلِيد بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن أبان عَن إِبْرَاهِيم بن صَدَقَة عَن سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي، ﷺ ، صلى صَلَاة الْكُسُوف وجهر بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا) . قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق فِي أَن صَلَاة الْكُسُوف يجْهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، حكى التِّرْمِذِيّ ذَلِك عَنْهُم، ثمَّ حكى عَن الشَّافِعِي مثل ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : إِن مَذْهَبنَا وَمذهب مَالك وَأبي حنيفَة وَاللَّيْث بن سعد وَجُمْهُور الْفُقَهَاء أَنه: يسَّر فِي كسوف الشَّمْس ويجهر فِي خُسُوف الْقَمَر، قَالَ: وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن وَأحمد وَإِسْحَاق: يجْهر فيهمَا وَحكى الرَّافِعِيّ عَن الصيدلاني أَن مثله يرْوى عَن أبي حنيفَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: الْجَهْر والإسرار سَوَاء، وَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيّ عَن مَالك هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ بِخِلَاف مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ، فقد حُكيَ عَن مَالك الْإِسْرَار، كَقَوْل الشَّافِعِي ابْن الْمُنْذر فِي (الْأَشْرَاف) وَابْن عبد الْبر فِي (الاستذكار) . وَقَالَ أَبُو عبد الله الْمَازرِيّ أَن مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن مَالك من الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ رِوَايَة شَاذَّة مَا وقفت عَلَيْهَا فِي غير كِتَابه. قَالَ: وَذكرهَا ابْن شعْبَان عَن الْوَاقِدِيّ عَن مَالك، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (الْإِكْمَال) والقرطبي فِي (الْمُفْهم) : أَن معن بن عِيسَى والواقدي رويا عَن مَالك الْجَهْر، قَالَا: ومشهور قَول مَالك الْإِسْرَار فِيهَا، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: روى المصريون أَنه يسر، وروى المدنيون: أَنه يجْهر، قَالَ: والجهر عِنْدِي أولى؟ فَإِن قلت: الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يدل على أَن الخسوف للشمس، وَلذَلِك من لم ير بالجهر حمله على كسوف الْقَمَر. قلت: قد روى الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر عَن الْوَلِيد بِلَفْظ: (كسفت الشَّمْس فِي عهد رَسُول الله ﷺ ، فَذكر الحَدِيث، وروى إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَيْضا عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أَن النَّبِي ﷺ صلى بهم فِي كسوف الشَّمْس وجهر بِالْقِرَاءَةِ) ، وَقد احْتج من قَالَ: إِنَّه يسر بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا بِحَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب، قَالَ: (صلى بِنَا النَّبِي ﷺ فِي كسوف الشَّمْس لَا نسْمع لَهُ صَوتا) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، والطَّحَاوِي: أخرجه من أَربع طرق صِحَاح، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: (مَا سَمِعت من النَّبِي ﷺ فِي صَلَاة الْكُسُوف حرفا) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ، وَأجَاب من قَالَ بالجهر بِأَنَّهُ، يجوز أَن يكون ابْن عَبَّاس وَسمرَة لم يسمعا من النَّبِي ﷺ فِي صلَاته تِلْكَ حرفا، وَالْحَال أَنه ﷺ قد جهر فيهمَا، ولكنهما لم يسمعا ذَلِك لبعدهما عَن النَّبِي ﷺ فحكيا على مَا شاهداه من ذَلِك، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهَذَا لَا يُنَافِي جهره ﷺ بِالْقِرَاءَةِ فيهمَا، وَكَيف وَقد ثَبت الْجَهْر عَنهُ ﷺ فيهمَا؟ فَإِن قلت: روى الشَّافِعِي (عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: قُمْت إِلَى جنب النَّبِي، ﷺ ، فِي خُسُوف الشَّمْس فَمَا سَمِعت مِنْهُ حرفا) . قلت: روى الْبَيْهَقِيّ هَذَا من ثَلَاث طرق كلهَا ضَعِيفَة فَرَوَاهُ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: صليت مَعَ النَّبِي ﷺ صَلَاة الْكُسُوف فَلم أسمع مِنْهُ حرفا) ، وَرَوَاهُ من رِوَايَة الْوَاقِدِيّ عَن عبد الحميد ابْن جَعْفَر عَن يزِيد بن أبي حبيب، فَذكر نَحوه، قَالَ: وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ الحكم بن أبان عَن عِكْرِمَة، ثمَّ قَالَ: وَابْن لَهِيعَة، وَإِن كَانَ غير مُحْتَج بِهِ فِي الرِّوَايَة، وَكَذَلِكَ الْوَاقِدِيّ وَالْحكم بن أبان، فهم عدد. قَالَ: وَإِنَّمَا رُوِيَ الْجَهْر عَن الزُّهْرِيّ فَقَط، وَهُوَ وَإِن كَانَ حَافِظًا فَيُشبه أَن يكون الْعدَد أولى بِالْحِفْظِ من الْوَاحِد. قلت: لَيْسَ فِي الطّرق الَّتِي ذكرهَا الْبَيْهَقِيّ أَن ابْن عَبَّاس قَالَ
стр. 1962
أَنه كَانَ إِلَى جنب النَّبِي، ﷺ ، وَلم يَصح ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَلَو صَحَّ يحمل على فعله فِي وَقت دون وَقت، وَرِوَايَات الْجَهْر أصح.
٦٦٠١ - وَقَالَ الأوْزَاعِيُّ وغَيْرُهُ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ الشَّمْسَ خسفَتْ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فبَعَثَ مُنَادِيا بِالصَّلَاةِ جامِعَةً فتَقَدَّمَ فَصَلَّى أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وأرْبَعَ سَجَدَاتٍ..
قَالَ الْكرْمَانِي: (وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ) ، عطف على: حَدثنَا ابْن نمر، لِأَنَّهُ مقول الْوَلِيد. قلت: لِأَنَّهُ يُشِير بذلك إِلَى أَنه مَوْصُول، وَقد وَصله مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن مهْرَان الرَّازِيّ، قَالَ: حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيّ بن عَمْرو وَغَيره: سَمِعت ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ يخبر عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن الشَّمْس خسفت على عهد رَسُول الله ﷺ ، فَبعث مناديا يُنَادي: الصَّلَاة جَامِعَة، فَاجْتمعُوا وَتقدم فَكبر وَصلى أَربع رَكْعَات فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات) . قَوْله: (وَأَرْبع سَجدَات) بِالنّصب على (أَربع رَكْعَات) قيل: لَا يسْتَدلّ بِرِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن نمر فِي الْجَهْر لِأَنَّهُ ضَعِيف، وَعبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ وَإِن كَانَ تَابعه فَإِنَّهُ لم يذكر فِي رِوَايَته الْجَهْر. وَأجِيب: بِأَن من ذكر حجَّة على من لم يذكرهُ، وَلَا سِيمَا الَّذِي لم يذكرهُ يتَعَرَّض لنفيه، وَقد ثَبت الْجَهْر فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عِنْد أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن مزِيد أَخْبرنِي أبي أخبرنَا الْأَوْزَاعِيّ أَخْبرنِي الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير (عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ قِرَاءَة طَوِيلَة، فجهر بهَا) يَعْنِي فِي صَلَاة الْكُسُوف.
قَالَ الوَلِيدُ وَأَخْبرنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ نَمِرِ سَمِعَ ابنَ شِهَابٍ مثْلَهُ
أعَاد البُخَارِيّ الْإِسْنَاد الْمَذْكُور إِلَى الْوَلِيد بن مُسلم، وَأدْخل الْوَاو فِيهِ ليعطف على مَا سبق مِنْهُ، كَأَنَّهُ قَالَ، الْوَلِيد: أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن نمر كَذَا، وَأَخْبرنِي أَنه سمع مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ مثله، أَي: مثل الحَدِيث الأول.
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَقُلْتُ مَا صَنَعَ أخُوك ذالِكَ عَبْدُ الله بنُ الزُّبَيْرِ مَا صَلَّى إلَاّ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ إذْ صَلَّى بِالمَدِينَةِ قَالَ أجَلْ إنَّهُ أخْطأ السُّنَّةَ
أَي: قَالَ الزُّهْرِيّ، وَهُوَ يُخَاطب عُرْوَة بن الزبير: مَا صنع أَخُوك ذَلِك، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فعله أَخُوهُ فِي صَلَاة الْكُسُوف حَيْثُ صلى رَكْعَتَيْنِ مثل صَلَاة الصُّبْح بِلَا تكْرَار الرُّكُوع، وَقد مر هَذَا مستقصىً فِي: بَاب خطْبَة الإِمَام فِي الْكُسُوف.
قَوْله: (عبد الله بن الزبير) بِالرَّفْع عطف بَيَان لقَوْله: (أَخُوك) ، وَهُوَ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: (صنع) . قَوْله: (إِذا صلى) أَي: حِين صلى عبد الله بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة بِرَكْعَتَيْنِ مثل الصُّبْح. قَوْله: (قَالَ: أجل) أَي: قَالَ عُرْوَة: نعم إِنَّه صلى كَذَا، لكنه أَخطَأ السّنة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (من أجل أَنه أَخطَأ السّنة) ، فعلى هَذِه الرِّوَايَة بِفَتْح همزَة أَنه للإضافة، وعَلى رِوَايَة غَيره بِكَسْر الْهمزَة، لِأَنَّهُ ابْتِدَاء كَلَام.
تابَعَهُ سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ وسُلَيْمَنُ بنُ كَثِيرٍ عنِ الزّهْرِيِّ فِي الجَهْرِ
أَي: تَابع عبد الرَّحْمَن بن نمر فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ سُلَيْمَان بن كثير ضد قَلِيل الْعَبْدي، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة مَوْصُولَة أَحْمد عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَنهُ بِلَفْظ: (خسفت الشَّمْس على عهد النَّبِي ﷺ ، فَأتى النَّبِي ﷺ فَكبر فَكبر النَّاس ثمَّ قَرَأَ فجهر بِالْقِرَاءَةِ) . الحَدِيث: قَوْله: (وسُفْيَان) بِالرَّفْع عطفا على سُلَيْمَان، أَي: تَابع عبد الرَّحْمَن بن نمر أَيْضا سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ، وَقد انْفَرد الوَاسِطِيّ فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة مَوْصُولَة التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبان حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن صَدَقَة عَن سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ صلى صَلَاة الْكُسُوف وجهر بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ شَيخنَا زين
стр. 1963
الدّين: حَدِيث عَائِشَة لَهُ طرق، وَلَكِن الَّذِي ذكر فِيهِ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ ثَلَاث طرق: رِوَايَة سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ، وَقد انْفَرد التِّرْمِذِيّ بوصلها وَذكرهَا البُخَارِيّ تَعْلِيقا، وَرِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن نمر عَن الزُّهْرِيّ، وَقد اتّفق على إخْرَاجهَا البُخَارِيّ وَمُسلم، وَرِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ وَقد انْفَرد بهَا أَبُو دَاوُد. قلت: لَهُ طرق أَرْبَعَة أخرجهَا الطَّحَاوِيّ: عَن عقيل بن خَالِد الْأَيْلِي قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بن خَالِد، قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة عَن عقيل بن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله ﷺ جهر بِالْقِرَاءَةِ فِي كسوف الشَّمْس) ، وَله طَرِيق خَامِسَة أخرجهَا الدَّارَقُطْنِيّ عَن إِسْحَاق بن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ، وَهَذِه طرق متعاضدة يحصل بهَا الْجَزْم فِي ذَلِك، فَحِينَئِذٍ لَا يلْتَفت إِلَى تَعْلِيل من أعله بسفيان بن حُسَيْن وَغَيره، فَلَو لم تكن فِي ذَلِك إلاّ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ لكَانَتْ كَافِيَة، وَقد رُوِيَ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاة الْكُسُوف عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ بن شيبَة حَدثنَا قبيصَة، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن الشَّيْبَانِيّ عَن الحكم (عَن حَنش: أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جهر بِالْقِرَاءَةِ فِي كسوف الشَّمْس) . وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد صلى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا روينَاهُ عَن فَهد بن سُلَيْمَان عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن زُهَيْر عَن الْحسن بن الْحر، قَالَ: (وَحدثنَا الحكم عَن رجل يدعى حنشا عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه صلى بِالنَّاسِ فِي كسوف الشَّمْس كَذَلِك، ثمَّ حَدثهمْ أَن النَّبِي ﷺ كَذَلِك فعل) ، وَلَو لم يجْهر النَّبِي، ﷺ ، حِين صلى عَليّ مَعَه لما جهر عَليّ أَيْضا، لِأَنَّهُ علم أَن السّنة فَلم يتْرك الْجَهْر، وَالله أعلم.
٧١ - (كتابُ سُجُودِ القُرْآن)
١ - (أبْوَابُ سُجُودُ القُرآن)
أَي: هَذِه أَبْوَاب فِي سُجُود الْقُرْآن، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: (بَاب مَا جَاءَ فِي سُجُود الْقُرْآن وسنتها) أَي: سنة سَجْدَة التِّلَاوَة، وَوَقع للأصيلي: (وسنته) ، بتذكير الضَّمِير أَي: سنة السُّجُود، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر ذكر الْبَسْمَلَة.
٧٦٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الأسْودَ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَرَأ النبيُّ ﷺ النَّجْمَ بِمَكَّةَ سْجَدَ فِيهَا وسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرُ شَيْخٍ أخَذَ كَفَّا منْ حَصًى أوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ يَكْفِيني هاذا فَرَأيْتُهُ بَعْدَ ذالِكَ قُتِلَ كافِرا..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة فِيمَا جَاءَ فِي سُجُود الْقُرْآن وَهَذِه السُّورَة أَعنِي سُورَة النَّجْم مِمَّا جَاءَت فِيهَا السَّجْدَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة: الملقب ببندار الْبَصْرِيّ وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: غنْدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة على الْأَصَح وبالراء: وَهُوَ لقب مُحَمَّد ابْن جَعْفَر، مر فِي: بَاب ظلم دون ظلم. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، واسْمه: عَمْرو بن عبد الله الْكُوفِي. الْخَامِس: الْأسود بن زيد النَّخعِيّ. السَّادِس: عبد الله بن مَسْعُود.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وغندر بَصرِي أَيْضا وَشعْبَة واسطي وَأَبُو إِسْحَاق وَالْأسود كوفيان. وَفِيه: غنْدر مَذْكُور بلقبه، وَأَبُو إِسْحَاق بكنيته، وَشعْبَة وَالْأسود مذكوران بِغَيْر نِسْبَة، وَكَذَلِكَ عبد الله. وَفِيه: من يروي عَن زوج أمه وَهُوَ: غنْدر، لِأَنَّهُ ابْن امْرَأَة شُعْبَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب عَن حَفْص بن عمر الحوضي، وَفِي مبعث النَّبِي ﷺ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي الْمَغَازِي عَن عبد الله عَن أَبِيه، وَفِي التَّفْسِير عَن نصر بن عَليّ، وَأخرجه مُسلم
стр. 1964
فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن الحوضي بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن خَالِد عَن شُعْبَة بِهِ مُخْتَصرا قَرَأَ النَّجْم فَسجدَ فِيهَا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَرَأَ النَّجْم) أَي: سُورَة والنجم. قَوْله: (بِمَكَّة) أَي: فِي مَكَّة، ومحلها النصب على الْحَال. قَوْله: (وَسجد من مَعَه) أَي: مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَكلمَة: من، مَوْصُولَة بِمَعْنى: الَّذِي. قَوْله: (غير شيخ) سَمَّاهُ فِي تَفْسِير سُورَة النَّجْم من طَرِيق إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق أُميَّة بن خلف، وَوَقع فِي سير ابْن إِسْحَاق أَنه الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ لم يقتل، وَقيل: عتبَة بن ربيعَة، وَقيل: أَبُو أحيجة سعيد بن الْعَاصِ، وَفِي النَّسَائِيّ: (عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة قَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ سجد فِي النَّجْم وَسجد النَّاس مَعَه، قَالَ الْمطلب فَلم أَسجد مَعَهم وَهُوَ يَوْمئِذٍ مُشْرك) ، وَفِي لفظ: (فأبيت أَن أَسجد مَعَهم، وَلم يكن يَوْمئِذٍ أسلم، فَلَمَّا أسلم قَالَ: لَا أدع السُّجُود فِيهَا أبدا) . وَقَالَ ابْن بزيزة: كَانَ منافقا، وَفِيه نظر، لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة وَإِنَّمَا المُنَافِقُونَ فِي الْمَدِينَة، وَفِي (المُصَنّف) بِسَنَد صَحِيح (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: سجد النَّبِي ﷺ والمسلمون فِي النَّجْم إلاّ رجلَيْنِ من قُرَيْش، أَرَادَ بذلك الشُّهْرَة) . قَوْله: (فرأيته) الرَّائِي هُوَ عبد الله بن مَسْعُود، أَي: رَأَيْت الشَّيْخ الْمَذْكُور (بعد ذَلِك قتل كَافِرًا) ببدر، ويروى: (فرأيته بعدُ قتل كَافِرًا) بِضَم الدَّال، أَي: بعد ذَلِك.
ذكر مَا يتَعَلَّق بِحكم هَذَا الْبَاب: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِي أَن سَبَب وجوب سَجْدَة التِّلَاوَة، التِّلَاوَة فِي حق التَّالِي وَالسَّمَاع فِي حق السَّامع، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: لَا خلاف فِي كَون التِّلَاوَة سَببا، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي سَبَبِيَّة السماع، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ سَبَب لقَولهم السَّجْدَة على من سَمعهَا، وَهُوَ اخْتِيَار شيخ الْإِسْلَام خُوَاهَر زَاده، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ السماع بِسَبَب، وَقَالَ الوبري: سَبَب وجوب سَجْدَة التِّلَاوَة ثَلَاثَة: التِّلَاوَة وَالسَّمَاع والاقتداء بِالْإِمَامِ وَإِن لم يسْمعهَا وَلم يَقْرَأها، وللشافعية ثَلَاثَة أوجه: الأول: أَنه فِي حق السَّامع من غير قصد يسْتَحبّ، وَهُوَ الصَّحِيح الْمَنْصُوص فِي الْبُوَيْطِيّ وَغَيره، وَلَا يتَأَكَّد فِي حَقه. الْوَجْه الثَّانِي: هُوَ كالمستمع. وَالثَّالِث: لَا يسن لَهُ، وَبِه قطع أَبُو حَامِد والبندنيجي.
الثَّانِي: أَن سَجْدَة التِّلَاوَة أسنة أم وَاجِبَة؟ فَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى وُجُوبهَا على التَّالِي وَالسَّامِع، سَوَاء قصد سَماع الْقُرْآن، أَو لم يقْصد، وَاسْتدلَّ صَاحب (الْهِدَايَة) على الْوُجُوب بقوله ﷺ : (السَّجْدَة على من سَمعهَا، السَّجْدَة على من تَلَاهَا) . ثمَّ قَالَ كلمة: على، للْإِيجَاب، والْحَدِيث غير مُقَيّد بِالْقَصْدِ. قلت: هَذَا غَرِيب لم يثبت، وَإِنَّمَا روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) (عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: السَّجْدَة على من سَمعهَا) . وَفِي البُخَارِيّ (قَالَ عُثْمَان: إِنَّمَا السُّجُود على من اسْتمع) . وَاسْتدلَّ أَيْضا بِالْآيَاتِ: ﴿فَمَا لَهُم لَا يُؤمنُونَ وَإِذا قرىء عَلَيْهِم الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ﴾ (الانشقاق: ٠٢، ١٢) . ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ (النَّجْم: ٢٦) . واسجد واقترب﴾ (العلق: ٩١) . وَقَالُوا: الذَّم لَا يتَعَلَّق إلاّ بترك وَاجِب، وَالْأَمر فِي الْآيَتَيْنِ للْوُجُوب، وروى ابْن أبي شيبَة (عَن حَفْص عَن حجاج عَن إِبْرَاهِيم وَنَافِع وَسَعِيد ابْن جُبَير: أَنهم قَالُوا: من سمع السَّجْدَة فَعَلَيهِ أَن يسْجد) . وَعَن إِبْرَاهِيم بِسَنَد صَحِيح: (إِذا سمع الرجل السَّجْدَة وَهُوَ يُصَلِّي فليسجد) ، وَعَن الشّعبِيّ: (كَانَ أَصْحَاب عبد الله إِذا سمعُوا السَّجْدَة سجدوا، فِي صَلَاة كَانُوا أَو غيرهآ) . وَقَالَ شُعْبَة: (سَأَلت حمادا عَن الرجل يُصَلِّي فَيسمع السَّجْدَة؟ قَالَ: يسْجد) . وَقَالَ الحكم مثل ذَلِك، وَحدثنَا هشيم: أخبرنَا مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم أَنه كَانَ يَقُول فِي الْجنب: (إِذا سمع السَّجْدَة يغْتَسل، ثمَّ يقْرؤهَا فيسجدها، فَإِن كَانَ لَا يحسنها قَرَأَ غَيرهَا ثمَّ يسْجد) . وَحدثنَا حَفْص (عَن حجاج عَن فُضَيْل عَن إِبْرَاهِيم وَعَن حَمَّاد وَسَعِيد بن جُبَير قَالُوا: إِذا سمع الْجنب السَّجْدَة اغْتسل ثمَّ سجد) . وَحدثنَا عبيد الله ابْن مُوسَى عَن أبان الْعَطَّار عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب (عَن عُثْمَان فِي الْحَائِض تسمع السَّجْدَة؟ قَالَ: تومىء برأسها، وَتقول: اللَّهُمَّ لَك سجدت) . (وَعَن الْحسن فِي رجل نسي السَّجْدَة من أول صلَاته فَلم يذكرهَا حَتَّى كَانَ فِي آخر رَكْعَة من صلَاته، قَالَ: يسْجد فِيهَا ثَلَاث سَجدَات، فَإِن لم يذكرهَا حَتَّى يقْضِي صلَاته غير أَنه لم يسلم مَعَه، قَالَ: يسْجد سَجْدَة وَاحِدَة مَا لم يتَكَلَّم، فَإِن تكلم اسْتَأْنف الصَّلَاة) . وَعَن إِبْرَاهِيم: (إِذا نسي السَّجْدَة فليسجدها مَتى مَا ذكرهَا فِي صلَاته) ، وَسُئِلَ مُجَاهِد فِي رجل شكّ فِي سَجْدَة وَهُوَ جَالس لَا يدْرِي سجدها أم لَا؟ قَالَ مُجَاهِد: إِن شِئْت فاسجدها، فَإِذا قضيت صَلَاتك فاسجد سَجْدَتَيْنِ وَأَنت جَالس، وَإِن شِئْت فَلَا تسجدها واسجد سَجْدَتَيْنِ وَأَنت جَالس فِي آخر صَلَاتك) . وَذهب الشَّافِعِي وَمَالك فِي أحد قوليه وَأحمد وَإِسْحَاق وَالْأَوْزَاعِيّ وَدَاوُد إِلَى: أَنَّهَا سنة، وَهُوَ قَول عمر وسلمان وَابْن عَبَّاس وَعمْرَان بن الْحصين، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَدَاوُد. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعند الْمَالِكِيَّة خلاف فِي كَونهَا سنة أَو فَضِيلَة، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْآتِي:
стр. 1965
(إِن الله لم يكْتب علينا السُّجُود إلاّ أَن نشَاء) ، وَهَذَا يَنْفِي الْوُجُوب. قَالُوا: قَالَ عمر هَذَا القَوْل وَالصَّحَابَة حاضرون، وَالْإِجْمَاع السكوتي حجَّة عِنْدهم، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث زيد بن ثَابت الْآتِي، (قَالَ: قرىء على النَّبِي ﷺ والنجم فَلم يسْجد فِيهَا) . وَبِحَدِيث الْأَعرَابِي: (هَل عَليّ غَيرهَا؟ قَالَ: لَا، إلاّ أَن تطوع) . أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم، وَبِحَدِيث سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؛ (أَنه دخل الْمَسْجِد وَفِيه قوم يقرأون فقرأوا السَّجْدَة، فسجدوا فَقَالَ لَهُ صَاحبه: يَا أَبَا عبد الله لَوْلَا أَتَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم؟ فَقَالَ مَا لهَذَا غدونا) . رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة.
وَاسْتَدَلُّوا بالمعقول من وُجُوه: الأول: أَنَّهَا لَو كَانَت وَاجِبَة لما جَازَت بِالرُّكُوعِ كالصلبية. الثَّانِي: أَنَّهَا لَو كَانَت وَاجِبَة لما تداخلت. الثَّالِث: لما أدّيت بِالْإِيمَاءِ من رَاكب يقدر على النُّزُول. الرَّابِع: أَنَّهَا تجوز على الرَّاحِلَة، فَصَارَ كالتأمين. الْخَامِس: لَو كَانَت وَاجِبَة لبطلت الصَّلَاة بِتَرْكِهَا كالصلبية.
الْجَواب عَن حَدِيث زيد بن ثَابت أَن مَعْنَاهُ: أَنه لم يسْجد على الْفَوْر، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَنه لَيْسَ فِي النَّجْم سَجْدَة، وَلَا فِيهِ نفي الْوُجُوب. وَعَن حَدِيث الْأَعرَابِي: أَنه فِي الْفَرَائِض، وَنحن لم نقل: إِن سَجْدَة التِّلَاوَة فرض، وَمَا رُوِيَ عَن سلمَان وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فموقوف وَهُوَ لَيْسَ بِحجَّة عِنْدهم.
وَالْجَوَاب: عَن دليلهم الْعقلِيّ. أما عَن الأول: فلَان أداءها فِي ضمن شَيْء لَا يُنَافِي وُجُوبهَا فِي نَفسهَا، كالسعي إِلَى الْجُمُعَة يتَأَدَّى بالسعي إِلَى الْجُمُعَة يتَأَدَّى بالسعي إِلَى التِّجَارَة. وَعَن الثَّانِي: إِنَّمَا جَازَ التَّدَاخُل لِأَن الْمَقْصُود مِنْهَا إِظْهَار الخضوع والخشوع، وَذَلِكَ يحصل بِمرَّة وَاحِدَة. وَعَن الثَّالِث: لِأَنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبت، فَإِن تلاوتها على الدَّابَّة مَشْرُوعَة فَكَانَ كالشروع على الدَّابَّة فِي التَّطَوُّع. وَعَن الرَّابِع: كَانَت تلاوتها مَشْرُوعَة على الرَّاحِلَة فَلَا يُنَافِي الْوُجُوب. وَعَن الْخَامِس: أَن الْقيَاس على الصلبية فَاسد، لِأَنَّهَا جُزْء فِي الصَّلَاة، وَسجْدَة التِّلَاوَة لَيست بِجُزْء الصَّلَاة.
الثَّالِث: فِي أَنهم اخْتلفُوا فِي عدد سُجُود الْقُرْآن على اثْنَي عشر قولا: الأول: مَذْهَبنَا أَنَّهَا: أَربع عشرَة سَجْدَة: فِي آخر الْأَعْرَاف، والرعد، والنحل، وَبني إِسْرَائِيل، وَمَرْيَم، وَالْأولَى فِي الْحَج، وَالْفرْقَان، والنمل، وآلم تَنْزِيل، وص، وحم السَّجْدَة، والنجم، وَإِذا السَّمَاء انشقت، واقرأ باسم رَبك. الثَّانِي: إِحْدَى عشرَة، بِإِسْقَاط الثَّلَاث من الْمفصل، وَبِه قَالَ الْحسن وَابْن الْمسيب وَابْن جُبَير وَعِكْرِمَة وَمُجاهد وَعَطَاء وطاووس وَمَالك فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. الثَّالِث: خمس عشرَة، وَبِه قَالَ المدنيون عَن مَالك، فكملتها: ثَانِيَة الْحَج، وَهُوَ مَذْهَب عمر وَابْنه عبد الله وَاللَّيْث وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر، وَرِوَايَة عَن أَحْمد، وَاخْتَارَهُ الْمروزِي وَابْن شُرَيْح الشافعيان. الرَّابِع: أَربع عشرَة، بِإِسْقَاط ص وَهُوَ أصح قولي الشَّافِعِي وَأحمد. الْخَامِس: أَربع عشرَة بِإِسْقَاط سَجْدَة النَّجْم، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر. السَّادِس: ثنتا عشرَة، بِإِسْقَاط: ثَانِيَة الْحَج، وص، والانشقاق، وَهُوَ قَول مَسْرُوق، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ. السَّابِع: ثَلَاث عشرَة، بِإِسْقَاط ثَانِيَة الْحَج والإنشقاق، وَهُوَ قَول عَطاء الْخُرَاسَانِي. الثَّامِن: أَن عزائم السُّجُود خمس: الْأَعْرَاف، وَبَنُو إِسْرَائِيل، والنجم، والإنشقاق، واقرأ باسم رَبك، وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن مُغيرَة عَن أبراهيم عَنهُ. التَّاسِع: عَزَائِمه أَربع: آلم تَنْزِيل، وحم تَنْزِيل، والنجم، واقرأ باسم رَبك، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن عَفَّان عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَليّ بن زيد عَن يُوسُف بن مهْرَان عَن عبد الله بن عَبَّاس عَنهُ. الْعَاشِر: ثَلَاث، قَالَه سعيد بن جُبَير، وَهِي: آلم تَنْزِيل، وحم تَنْزِيل، والنجم، واقرأ باسم رَبك، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن دَاوُد يَعْنِي ابْن أبي إِيَاس عَن جَعْفَر عَنهُ. الْحَادِي عشر: عزائم السُّجُود: آلم تَنْزِيل، والأعراف، وحم تَنْزِيل، وَبَنُو إِسْرَائِيل، وَهُوَ مَذْهَب عبد بن عُمَيْر. الثَّانِي عشر: عشر سَجدَات، قالته جمَاعَة. قَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا أُسَامَة حَدثنَا ثَابت بن عمَارَة عَن أبي تَمِيمَة الهُجَيْمِي أَن أشياخا من الهجيم بعثوا رَسُولا لَهُم إِلَى الْمَدِينَة وَإِلَى مَكَّة يسْأَل لَهُم عَن سُجُود الْقُرْآن، فَأخْبرهُم أَنهم أَجمعُوا على عشر سَجدَات، وَذهب ابْن حزم إِلَى أَنَّهَا تسْجد للْقبْلَة ولغير الْقبْلَة، وعَلى طَهَارَة وعَلى غير طَهَارَة، قَالَ: وثانية الْحَج لَا نقُول بهَا أصلا فِي الصَّلَاة، وَتبطل الصَّلَاة بهَا، يَعْنِي: إِذا سجدت. قَالَ لِأَنَّهَا لم تصح بهَا سنة عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا أجمع عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهَا أثر مُرْسل. قلت: الظَّاهِر أَنه غفل وَذهل، بل فِيهَا حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْحَاكِم، (عَن عَمْرو بن الْعَاصِ: أَن رَسُول الله ﷺ أقرأه خمس عشرَة سَجْدَة فِي الْقُرْآن الْعَظِيم، مِنْهَا ثَلَاثَة فِي الْمفصل. الرَّابِع: السَّجْدَة فِي آخر الْأَعْرَاف: ﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته ويسبحونه وَله يَسْجُدُونَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٦٠٢) . وَفِي الرَّعْد عِنْد: ﴿وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وظلالهم بِالْغُدُوِّ
стр. 1966
وَالْآصَال﴾ (الرَّعْد: ٥١) . وَفِي النَّحْل عِنْد قَوْله: ﴿وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض من دَابَّة وَالْمَلَائِكَة وهم لَا يَسْتَكْبِرُونَ يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم ويفعلون مَا يؤمرون﴾ (النَّحْل: ٩٤) . وَفِي بني إِسْرَائِيل عِنْد قَوْله: ﴿ويخرون للأذقان يَبْكُونَ ويزيدهم خشوعا﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٠١) . وَفِي مَرْيَم عِنْد قَوْله: ﴿إِذا تتلى عَلَيْهِم آيَات الرَّحْمَن خروا سجدا وبكيا﴾ (مَرْيَم: ٨٥) . وَفِي الأولى فِي الْحَج عِنْد قَوْله: ﴿ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِن الله يفعل مَا يَشَاء﴾ (الْحَج: ٠٨) . وَفِي الْفرْقَان عِنْد قَوْله: ﴿وَإِذا قيل لَهُم اسجدوا للرحمن﴾ إِلَى قَوْله: ﴿نفورا﴾ (الْفرْقَان: ٠٦) . وَفِي النَّمْل عِنْد قَوْله: ﴿وَيعلم مَا تخفون وَمَا تعلنون﴾ (النَّمْل: ٥٢) . وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك عِنْد قَوْله: ﴿رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ (النَّمْل: ٦٢) . وَفِي آلم تَنْزِيل عِنْد قَوْله: ﴿إِنَّمَا يُؤمن بِآيَاتِنَا الَّذين إِذا ذكرُوا﴾ إِلَى ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (السَّجْدَة: ٥١) . وَفِي ص عِنْد قَوْله: ﴿فَاسْتَغْفر ربه وخر رَاكِعا وأناب﴾ (ص: ٤٢) . وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك، وروى عَن مَالك عِنْد قَوْله: ﴿وَحسن مآب (ص: ٥٢) . وَفِي حم السَّجْدَة عِنْد قَوْله: ﴿فَإِن استكبروا فَالَّذِينَ عِنْد رَبك﴾ إِلَى ﴿وهم لَا يسأمون﴾ (فصلت: ٨٣) . وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد، وَأحمد، وَقَالَ فِي الْقَدِيم عِنْد قَوْله: ﴿إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ﴾ (فصلت: ٧٣) . وَبِه قَالَ مَالك. وَفِي النَّجْم عِنْد قَوْله: ﴿فاسجدوا لله﴾ (النَّجْم: ٢٦) . وَفِي ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ (الانشقاق: ١) . عِنْد قَوْله: ﴿فَمَا لَهُم لَا يُؤمنُونَ وَإِذا قرىء عَلَيْهِم الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ﴾ (الانشقاق: ١٢) . وَعند ابْن حبيب الْمَالِكِي فِي آخر السُّورَة وَفِي: ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ (العلق: ١) . عِنْد قَوْله: ﴿واسجد واقترب﴾ (العلق: ٩١) . وَفِي مُخْتَصر الْبَحْر لَو قَرَأَ: ﴿واسجد﴾ (العلق: ٩١) . وَسكت، وَلم يقل: ﴿واقترب﴾ (العلق: ٩١) . تلْزمهُ السَّجْدَة.
٢ - (بابُ سَجْدَةِ تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سَجْدَة ألم تَنْزِيل السَّجْدَة.
٨٦٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَقْرأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةُ وَهَلْ أتَى عَلَى الإنْسَانِ.
(أنظر الحَدِيث ١٩٨) .
مطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة لِأَن الحَدِيث يدل على أَنه ﷺ يقْرَأ فِي صَلَاة الْفجْر فِي يَوْم الْجُمُعَة هَاتين السورتين، وَلَكِن لَا يفهم مِنْهُ أَنه كَانَ يسْجد فِيهَا أَو لَا، مَعَ أَنه ذكر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب مَا يقْرَأ فِي صَلَاة الْفجْر يَوْم الْجُمُعَة، وَرَوَاهُ عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان إِلَى آخِره نَحوه، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (ألم تَنْزِيل السَّجْدَة) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ ﴿ألم تَنْزِيل﴾ و ﴿هَل أَتَاك﴾ ، وَقَالَ زَاد الْحسن حَدِيث الغاشية، وَقَالَ: لم يذكر السَّجْدَة.
٣ - (بابُ سَجْدَةِ ص)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سَجْدَة سُورَة ص.
٩٦٠١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وَأبُو النُّعْمَانِ قَالَا حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ ص لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وقَدْ رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا.
(الحَدِيث ٩٦٠١ طرفه فِي: ٢٢٤٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَقد رَأَيْت النَّبِي ﷺ يسْجد فِيهَا) .
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأل: سُلَيْمَان بن حَرْب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَقد تقدم. الثَّانِي: أَبُو النُّعْمَان، بِضَم النُّون: مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَقد تقدم. الثَّالِث: حَمَّاد بن زيد، وَقد تقدم غير مرّة. الرَّابِع: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الْخَامِس: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَخْبَار الصَّحَابِيّ بِالرُّؤْيَةِ. وَفِيه: رِوَايَة البُخَارِيّ عَن اثْنَيْنِ من مشايخه. وَفِيه: أَحدهمَا مَذْكُور بكنيته. وَفِيه: أحد الروَاة مُفَسّر بنسبته. وَفِيه: إثنان بِلَا نِسْبَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ
стр. 1967
أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عتبَة بن عبد الله عَن سُفْيَان بِمَعْنَاهُ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ يسْجد فِي ص ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (الْأَنْعَام: ٠٩) [/ ح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَيْسَ من عزائم السُّجُود) ، العزائم جمع عَزِيمَة، وَهِي الَّتِي أكدت على فعلهَا مثل صِيغَة الْأَمر، مثلا قَالَه بَعضهم، وَلَكِن التَّمْثِيل بِصِيغَة الْأَمر على الْإِطْلَاق لَا يَصح لِأَن الْأَمر فِي نَفسه يخْتَلف، فَتَارَة يدل على الْوُجُوب وَتارَة على الِاسْتِحْبَاب، وَغير ذَلِك كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، بل مَعْنَاهُ: لَيْسَ حق من حُقُوق السُّجُود وَلَا وَاجِب من واجباته، وَقَالَ الْكرْمَانِي: عزائم السُّجُود يَعْنِي لَيْسَ من السجدات الْمَأْمُور بهَا، والعزيمة فِي الأَصْل عقد الْقلب على الشَّيْء، ثمَّ اسْتعْمل لكل أَمر محتوم، وَفِي الِاصْطِلَاح ضد الرُّخْصَة الَّتِي هِيَ مَا ثَبت على خلاف الدَّلِيل لعذر. قلت: لَا يُقَال فِي الِاصْطِلَاح ضد الرُّخْصَة بل إِنَّمَا يُقَال ذَلِك فِي اللُّغَة.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: لَا خلاف بَين الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة فِي أَن ص فِيهَا سَجْدَة تفعل وَهُوَ أَيْضا مَذْهَب سُفْيَان وَابْن الْمُبَارك وَأحمد وَإِسْحَاق غير أَن الْخلاف فِي كَونهَا من العزائم أم لَا، فَعِنْدَ الشَّافِعِي لَيست من العزائم وَإِنَّمَا هِيَ سَجْدَة شكر تسْتَحب فِي غير الصَّلَاة، وَتحرم فِيهَا فِي الْأَصَح، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوص عِنْده، وَبِه قطع جُمْهُور الشَّافِعِيَّة، وَعند أبي حنيفَة وَأَصْحَابه هِيَ من العزائم، وَبِه قَالَ ابْن شُرَيْح وَأَبُو إِسْحَاق الْمروزِي، وَهُوَ قَول مَالك أَيْضا. وَعَن أَحْمد كالمذهبين وَالْمَشْهُور مِنْهُمَا كَقَوْل الشَّافِعِي، وَمثله قَالَ أَبُو دَاوُد عَن ابْن مَسْعُود لَا سُجُود فِيهَا، وَقَالَ: هِيَ تَوْبَة نَبِي، وروى مثله عَن عَطاء وعلقمة، وَاحْتج الشَّافِعِي وَمن مَعَه بِحَدِيث ابْن عَبَّاس، هَذَا وَلابْن عَبَّاس حَدِيث آخر فِي سُجُوده فِي ص أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة عمر بن أبي ذَر عَن أبي عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس (أَن النَّبِي ﷺ سجد فِي ص فَقَالَ: سجدها دَاوُد ﵇ تَوْبَة، ونسجدها شكرا) . وَله حَدِيث آخر أخرجه البُخَارِيّ على مَا يَأْتِي، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير) فِي التَّفْسِير عَن عتبَة بن عبد الله عَن سُفْيَان وَلَفظه: (رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي ص ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (الْأَنْعَام: ٠٩) . قُلْنَا: هَذَا كُله حجَّة لنا وَالْعَمَل بِفعل النَّبِي ﷺ أولى من الْعَمَل بقول ابْن عَبَّاس، وَكَونهَا تَوْبَة لَا يُنَافِي كَونهَا عَزِيمَة، وسجدها دَاوُد تَوْبَة، وَنحن نسجدها شكرا لما أنعم الله على دَاوُد، ﵇ بالغفران والوعد بالزلفى وَحسن مآب، وَلِهَذَا لَا يسْجد عندنَا عقيب. قَوْله: ﴿وأناب﴾ (ص: ٤٢) . بل عقيب قَوْله: ﴿وَحسن مآب﴾ وَهَذِه نعْمَة عَظِيمَة فِي حَقنا، فَكَانَت سَجْدَة تِلَاوَة لِأَن سَجْدَة التِّلَاوَة مَا كَانَ سَبَب وُجُوبهَا إلاّ التِّلَاوَة، وَسبب وجوب هَذِه السَّجْدَة تِلَاوَة هَذِه الْآيَة الَّتِي فِيهَا الْإِخْبَار عَن هَذِه النعم على دَاوُد، ﵇، وإطماعنا فِي نيل مثله، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن سعيد قَالَ: (قَرَأَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ على الْمِنْبَر ص، فَلَمَّا بلغ السَّجْدَة نزل فَسجدَ) . وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (أَن النَّبِي ﷺ سجد فِي ص) وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا كَذَلِك، وَفِي (المُصَنّف) قَالَ ابْن عمر: فِي ص سَجْدَة، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: كنت لَا أَسجد فِي ص حَتَّى حَدثنِي السَّائِب أَن عُثْمَان سجد فِيهَا، وَعَن سعيد بن جُبَير أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يسْجد فِي ص، وَكَانَ طَاوُوس يسْجد فِي، وَسجد فِيهَا الْحسن والنعمان بن بشير، ومسروق وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَالضَّحَّاك بن قيس (وَعَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: سجدت مَعَ النَّبِي ﷺ فِي ص) وَعَن عقبَة بن عَامر فِيهَا السُّجُود.
٤ - (بابُ سَجْدَةِ النَّجْمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السَّجْدَة الَّتِي فِي سُورَة النَّجْم.
قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: رَوَاهُ أَو حَكَاهُ عبد الله بن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَن فِي سُورَة النَّجْم سَجْدَة، وتذكير الضَّمِير الْمَنْصُوب بِاعْتِبَار السُّجُود، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس يَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي عقيب هَذَا الْبَاب.
٠٧٠١ - حدَّثنا حَفصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ الله
стр. 1968
رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَرَأ سُورَةَ النَّجْمَ بِهَا فَمَا بَقِيَ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ إلَاّ سَجَدَ فأخَذَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ كَفّا مِنْ حَصِيِّ أوْ تُرَابٍ فرَفَعَهُ إلَى وَجْهِهِ وقالَ يَكْفِينِي هاذا فَلَقَدْ رَأيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كافِرا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث مر فِي أول أَبْوَاب سُجُود الْقُرْآن رَوَاهُ هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَهَهُنَا رَوَاهُ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَهُنَاكَ عَن أبي إِسْحَاق قَالَ: سَمِعت الْأسود، وَهنا: عَن الْأسود، وَإسْنَاد الَّذِي هُنَاكَ سداسي لِأَن فِيهِ غندرا، وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر بَين ابْن بشار وَشعْبَة، وَإسْنَاد هَذَا خماسي وَهُنَاكَ: قَرَأَ النَّبِي ﷺ النَّجْم بِمَكَّة، وَهنا لم يذكر بِمَكَّة، وَهنا زَاد (فَمَا بَقِي أحد من الْقَوْم إلاّ سجد) أَي: من الْقَوْم الْحَاضِرين وَسُجُوده ﷺ فِي قِرَاءَة النَّجْم كَانَ بِمَكَّة، كَمَا بَينه البُخَارِيّ مُفَسرًا فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَفِي حَدِيث مخرمَة بن نَوْفَل قَالَ: (لما أظهر رَسُول الله ﷺ الْإِسْلَام أسلم أهل مَكَّة كلهم، وَذَلِكَ قبل أَن تفرض الصَّلَاة حَتَّى إِن كَانَ ليقْرَأ السَّجْدَة فيسجدون، حَتَّى مَا يَسْتَطِيع بَعضهم أَن يسْجد من الزحام، حَتَّى قدم رُؤَسَاء من قُرَيْش، الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَأَبُو جعل بن هِشَام وَغَيرهمَا وَكَانُوا بِالطَّائِف فِي أَرضهم فَقَالُوا: تدعون دين آبائكم؟) هَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) : قَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَلَا يَصح فَفِي إِسْنَاده عبد الله بن لَهِيعَة.
٥ - (بابُ سُجُودِ المُسْلِمِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكُ نَجِسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سُجُود الْمُسلمين مَعَ الْمُشْركين. قَوْله: (والمشرك نجس) ، أَي: وَالْحَال أَن الْمُشرك نجس. بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا، وَقَالَ ابْن التِّين: ضبطناه بِالْفَتْح، وَقَالَ: الْقَزاز إِذا قَالُوهُ مَعَ الرجس اتَّبعُوهُ إِيَّاه، قَالُوا: رِجْس نجس، بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْجِيم، وَالنَّجس، فِي اللُّغَة: كل مستقذر
وكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ
هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، بِحَذْف: غير، وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بِحَالهِ لِأَنَّهُ لم يُوَافق ابْن عمر أحد على جَوَاز السُّجُود بِغَيْر وضوء إلاّ الشّعبِيّ، وَلَكِن الْأَصَح: على غير وضوء، لما روى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عبيد بن الْحسن عَن رجل زعم أَنه كنفسه عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: (كَانَ ابْن عمر ينزل عَن رَاحِلَته فيهريق المَاء ثمَّ يركب فَيقْرَأ السَّجْدَة فَيسْجد وَمَا يتَوَضَّأ) ، وَذكر ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن زَكَرِيَّا (عَن الشّعبِيّ فِي الرجل يقْرَأ السَّجْدَة وَهُوَ على غير وضوء، فَكَانَ يسْجد) . وروى أَيْضا: حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن الْأَعْمَش عَن عَطاء (عَن أبي عبد الرَّحْمَن، قَالَ: كَانَ يقْرَأ السَّجْدَة وَهُوَ على غير وضوء، وَهُوَ على غير الْقبْلَة، وَهُوَ يمشي فيومىء بِرَأْسِهِ إِيمَاء ثمَّ يسلم) . فَإِن قلت: روى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن اللَّيْث عَن نَافِع (عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: لَا يسْجد الرجل إلاّ وَهُوَ طَاهِر) . قلت: وفْق بَينهمَا بِأَن حمل قَوْله: (طَاهِر) ، على الطَّهَارَة الْكُبْرَى، أَو يكون هَذَا على حَالَة الِاخْتِيَار، وَذَلِكَ على حَالَة الضَّرُورَة، وَقَالَ ابْن بطال مُعْتَرضًا على البُخَارِيّ فِي هَذِه التَّرْجَمَة: إِن أَرَادَ الِاحْتِجَاج على قَول ابْن عمر بسجود الْمُشْركين فَلَا حجَّة فِيهِ، لِأَن سجودهم لم يكن على وَجه الْعِبَادَة لله تَعَالَى، وَإِنَّمَا كَانَ لما ألْقى الشَّيْطَان على لِسَانه ﷺ : تِلْكَ الغرانيق العلى، وَإِن شفاعتهم ترتجى، بعد قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى﴾ (النَّجْم: ٩١ و ٠٢) . فسجدوا لما سمعُوا من تَعْظِيم آلِهَتهم، فَلَمَّا علم ﷺ مَا ألْقى على لِسَانه حزن لَهُ فَأنْزل الله تَسْلِيَة عَمَّا عرض لَهُ (وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته) أَي إِذا تَلا ألْقى الشَّيْطَان فِي تِلَاوَته، فَلَا يستنبط من سجودهم جَوَاز السُّجُود على غير الْوضُوء، لِأَن الْمُشرك نجس لَا يَصح لَهُ الْوضُوء وَلَا السُّجُود إلاّ بعد عقد الْإِسْلَام، وَإِن أَرَادَ الرَّد على ابْن عمر. بقوله: (والمشرك نجس) ، لَيْسَ لَهُ وضوء فَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ، وَأجَاب ابْن رشيد بِأَن مَقْصُود البُخَارِيّ تَأْكِيد مَشْرُوعِيَّة السُّجُود بِأَن الْمُشرك قد أقرّ على السُّجُود، وسمى الصَّحَابِيّ فعله
стр. 1969
سجودا مَعَ عدم أَهْلِيَّته، فالمتأهل لذَلِك أَحْرَى بِأَن يسْجد على كل حَال وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَن الَّذِي مَا سجد عُوقِبَ بِأَن قتل كَافِرًا، فَلَعَلَّ جَمِيع من وفْق للسُّجُود يَوْمئِذٍ ختم لَهُ بِالْحُسْنَى، فَأسلم ببركة السُّجُود. انْتهى.
قلت: فِيهِ بحث من وُجُوه:
الأول: أَن تقريرهم على السُّجُود لم يكن لاعْتِبَار سجودهم، وَإِنَّمَا كَانَ طَمَعا لإسلامهم.
الثَّانِي: أَن تَسْمِيَة الصَّحَابِيّ فعلهم سجودا بِالنّظرِ إِلَى الصُّورَة مَعَ علمه بِأَن سجودهم كلا سُجُود، لِأَن السُّجُود طَاعَة وَالطَّاعَة مَوْقُوفَة على الْإِيمَان.
الثَّالِث: أَن قَوْله: وَلَعَلَّ جَمِيع من وفْق إِلَى آخِره ظن وتخمين، فَلَا يبتنى عَلَيْهِ حكم، ثمَّ الَّذِي قَالَه ابْن بطال: إِنَّمَا كَانَ لما ألْقى الشَّيْطَان على لِسَانه ﷺ . . إِلَى آخِره، مَوْجُود فِي كثير من التفاسير، ذكرُوا أَنه لما قَرَأَ سُورَة النَّجْم، وَوَقع فِي السُّورَة ذكر آلِهَتهم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى﴾ (النَّجْم: ٩١ و ٠٢) . وسمعوا ذكر آلِهَتهم فِي الْقُرْآن فَرُبمَا ظنوه أَو بَعضهم أَن ذَلِك مدح لَهَا، وَقيل: إِنَّهُم سمعُوا بعد ذكر آلِهَتهم: تِلْكَ الغرانيق العلى، وَإِن شَفَاعَتهَا لترتجى، فَقيل: إِن بَعضهم هُوَ الْقَائِل لَهَا، أَي: بعض الْمُشْركين، لما ذكر آلِهَتهم خَشوا أَن يذمها، فبدر بَعضهم فَقَالَ ذَلِك، سَمعه من سَمعه وظنوا أَو بَعضهم أَن ذَلِك من قِرَاءَة النَّبِي ﷺ ، وَقيل إِن إِبْلِيس لَعنه الله هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِك حِين وصل النَّبِي ﷺ إِلَى هَذِه اللآية فظنوا أَنه ﷺ هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِك وَقيل: إِن إِبْلِيس أجْرى ذَلِك على لِسَانه ﷺ ، وَهَذَا بَاطِل قطعا. وَمَا كَانَ الله ليسلطه على نبيه وَقد عصمه مِنْهُ وَمن غَيره، وَكَذَلِكَ كَون إِبْلِيس قَالَهَا وَشبه صَوته بِصَوْت النَّبِي ﷺ بَاطِل أَيْضا، وَإِذا كَانَ لَا يَسْتَطِيع أَن يتشبه بِهِ فِي النّوم كَمَا أخبر النَّبِي ﷺ بذلك فِي الحَدِيث الصَّحِيح، وَهُوَ قَوْله: (من رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي فَإِن الشَّيْطَان لَا يتشبه بِي وَلَا يتَمَثَّل بِي) . فَإِذا كَانَ لَا يقدر على التَّشَبُّه بِهِ فِي الْمَنَام من الرَّائِي لَهُ، والنائم لَيْسَ فِي مَحل التَّكْلِيف والضبط، فَكيف يتشبه بِهِ فِي حَالَة إستيقاظ من يسمع قِرَاءَته؟ هَذَا من الْمحَال الَّذِي لَا يقبله قلب مُؤمن، وَهَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكر فِيهِ ذكر ذَلِك أَكثر طرقه مُنْقَطِعَة معلولة، وَلم يُوجد لَهَا إِسْنَاد صَحِيح وَلَا مُتَّصِل إلاّ من ثَلَاثَة طرق. أَحدهَا: مَا رَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده قَالَ: حَدثنَا يُوسُف بن حَمَّاد حَدثنَا أُميَّة بن خَالِد حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِيمَا أَحسب، أَشك فِي الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ ، كَانَ بِمَكَّة فَقَرَأَ سُورَة النَّجْم حَتَّى انْتهى إِلَى ﴿أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى﴾ (النَّجْم: ٩١ و ٠٢) . فَجرى على لِسَانه: تِلْكَ الغرانيق العلى الشَّفَاعَة مِنْهُم ترتجى، قَالَ: فَسمع ذَلِك مشركو أهل مَكَّة فسروا بذلك، فَاشْتَدَّ على رَسُول الله ﷺ : فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إلاّ إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته فَينْسَخ الله مَا يلقِي الشَّيْطَان ثمَّ يحكم الله آيَاته﴾ (الْحَج: ٢٥) . ثمَّ قَالَ الْبَزَّار: وَلَا نعلمهُ يرْوى بِإِسْنَاد مُتَّصِل يجوز ذكره، وَلم يسْندهُ عَن شُعْبَة إلاّ أُميَّة بن خَالِد، وَغَيره يُرْسِلهُ عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: وَإِنَّمَا يعرف هَذَا من حَدِيث الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي تَفْسِير أبي بكر بن مرْدَوَيْه عَن سعيد بن جُبَير: لَا أعلمهُ إلاّ عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي، ﷺ ، قَرَأَ النَّجْم فَلَمَّا بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى﴾ (النَّجْم: ٩١ و ٠٢) . ألْقى الشَّيْطَان على لِسَانه: تِلْكَ الغرانيق العلى وشفاعتها ترتجى، فَلَمَّا بلغ آخرهَا سجد وَسجد مَعَه الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إلاّ إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته﴾ (الْحَج: ٢٥) . إِلَى قَوْله: ﴿عَذَاب يَوْم عقيم﴾ (الْحَج: ٥٥) . قَالَ يَوْم بدر. وَالطَّرِيق الثَّانِي رِوَايَة مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس. وَالطَّرِيق الثَّالِث: مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن كَامِل حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد حَدثنِي أبي حَدثنَا عمي حَدثنَا أبي عَن أَبِيه (عَن ابْن عَبَّاس قَوْله: ﴿أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى﴾ (النَّجْم: ٩١ و ٠٢) . قَالَ: بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي أنزلت عَلَيْهِ آلِهَة الْعَرَب، فَسمع الْمُشْركُونَ يتلوها، وَقَالُوا إِنَّه يذكر آلِهَتنَا بِخَير، فدنوا فَبَيْنَمَا هُوَ يتلوها ألْقى الشَّيْطَان: تِلْكَ الغرانيق العلى مِنْهَا الشَّفَاعَة ترتجى، فعلق يتلوها، فَنزل جِبْرِيل، ﵇، فنسخها ثمَّ قَالَ: ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي. .﴾ (الْحَج: ٢٥) . الْآيَة، وَظَاهر هَذِه الرِّوَايَة الثَّالِثَة أَن الْآيَة أنزلت عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة، وَأَنه تَلا مَا أنزل عَلَيْهِ، وَأَن الشَّيْطَان ألْقى عَلَيْهِ هَذِه الزِّيَادَة، وَأَن النَّبِي ﷺ علق يتلوها يظنّ أَنَّهَا أنزلت وَأَنه اشْتبهَ عَلَيْهِ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَان بِوَحْي الْملك إِلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضا مُمْتَنع فِي حَقه أَن يدْخل عَلَيْهِ فِيمَا حَقه الْبَلَاغ، وَكَيف يشْتَبه عَلَيْهِ مزج الذَّم بالمدح، فآخر الْكَلَام وَهُوَ قَوْله: ﴿ألكم الذّكر وَله الْأُنْثَى﴾ (النَّجْم: ١٢) . الْآيَات رد لما أَلْقَاهُ الشَّيْطَان على زعمهم، وَجَمِيع هَذِه المسانيد الثَّلَاثَة لَا يحْتَج بِشَيْء مِنْهَا: أما الْإِسْنَاد الأول: وَإِن كَانَ رِجَاله ثِقَات فَإِن الرَّاوِي شكّ فِيهِ كَمَا أخبر عَن نَفسه، فإمَّا شكّ
стр. 1970
فِي رَفعه، فَيكون مَوْقُوفا. وَفِي وَصله فَيكون مُرْسلا، وَكِلَاهُمَا لَيْسَ بِحجَّة خُصُوصا فِيمَا فِيهِ قدح فِي حق الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، بل لَو جزم الثِّقَة بِرَفْعِهِ وَوَصله حملناه على الْغَلَط وَالوهم، وَأما الْإِسْنَاد الثَّانِي: فَإِن مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ ضَعِيف بالِاتِّفَاقِ، مَنْسُوب إِلَى الْكَذِب، وَقد فسر الْكَلْبِيّ فِي رِوَايَته الغرانقة العلى: بِالْمَلَائِكَةِ، لَا بآلهة الْمُشْركين، كَمَا يَقُولُونَ: إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله، وكذبوا على الله فَرد الله ذَلِك عَلَيْهِم بقوله: ﴿ألكم الذّكر وَله الْأُنْثَى﴾ (النَّجْم: ١٢) . فعلى هَذَا فَلَعَلَّهُ كَانَ قُرْآنًا ثمَّ نسخ لتوهم الْمُشْركين بذلك مدح آلِهَتهم. وَأما الْإِسْنَاد الثَّالِث: فَإِن مُحَمَّد بن سعد هُوَ الْعَوْفِيّ، وَهُوَ ابْن سعد بن مُحَمَّد بن الْحسن ابْن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ، تكلم فِيهِ الْخَطِيب، فَقَالَ: كَانَ لينًا فِي الحَدِيث، وَأَبوهُ سعد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عَطِيَّة، قَالَ فِيهِ أَحْمد: لم يكن مِمَّن يستأهل أَن يكْتب عَنهُ، وَلَا كَانَ موضعا لذَلِك، وَعم أَبِيه: هُوَ الْحُسَيْن بن الْحسن بن عَطِيَّة، ضعفه ابْن معِين وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَغَيرهم، وَالْحسن بن عَطِيَّة ضعفه البُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم، وَهَذِه سلسلة ضعفاء، وَلَعَلَّ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ سَمعه من الْكَلْبِيّ فَإِنَّهُ كَانَ يروي عَنهُ ويكنيه بِأبي سعيد لضَعْفه، ويوهم أَنه: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ. وَقَالَ عِيَاض: هَذَا حَدِيث لم يُخرجهُ أحد من أهل الصِّحَّة. وَلَا رُوَاة ثِقَة بِسَنَد سليم مُتَّصِل، وَإِنَّمَا أولع بِهِ وبمثله الْمُفَسِّرُونَ، والمؤرخون المولعون بِكُل قريب، المتلقنون من الصُّحُف كل صَحِيح وَسَقِيم. قلت: الْأَمر كَذَلِك، فَإِن غَالب هَؤُلَاءِ مثل الطرقية وَالْقصاص وَلَيْسَ عِنْدهم تَمْيِيز، يخبطون خبط عشواء، ويمشون فِي ظلمَة ظلماء، وَكَيف يُقَال مثل هَذَا وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على عصمَة النَّبِي ﷺ ونزاهته عَن مثل هَذِه الرذيلة؟ وَلَو وَقعت هَذِه الْقِصَّة لوجدت قُرَيْش على الْمُسلمين بهَا الصولة، ولأقامت عَلَيْهِم الْيَهُود بهَا الْحجَّة، كَمَا علم من عَادَة الْمُنَافِقين وعناد الْمُشْركين، كَمَا وَقع فِي قصَّة الْإِسْرَاء حَتَّى كَانَت فِي ذَلِك لبَعض الضُّعَفَاء ردة.
١٧٠١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَة عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ وسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ والإنْسُ.
(الحَدِيث ١٧٠١ طرفه فِي: ٢٦٨٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد تقدمُوا غير مرّة، وَعبد الْوَارِث بن سعيد وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أبي معمر، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة عَن هَارُون بن عبد الله بن الْبَزَّار عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن أَبِيه بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح.
قَوْله: (سجد بِالنَّجْمِ) زَاد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من هَذَا الْوَجْه: بِمَكَّة، وَيُسْتَفَاد من ذَلِك أَن قصَّة ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود متحدة. قَوْله: (وَسجد مَعَه الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنّ وَالْإِنْس) قَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه مَحْمُول على من كَانَ حَاضرا. قلت: يُعَكر عَلَيْهِ أَن الْألف وَاللَّام فِي الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين أبطلت الجمعية، صَارَت لاستغراق الْجِنْس وَكَذَلِكَ الْألف وَاللَّام فِي: الْجِنّ والأنس، للاستغراق، فَيشْمَل الْحَاضِر وَالْغَائِب، حَتَّى روى الْبَزَّار: (عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ كتبت عِنْده سُورَة النَّجْم،. فَلَمَّا بلغ السَّجْدَة سجد وسجدنا مَعَه، وسجدت الدواة والقلم) ، وَإِسْنَاده صَحِيح. وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (سجد النَّبِي ﷺ بآخر النَّجْم وَالْجِنّ وَالْإِنْس وَالشَّجر) فَإِن قلت: من أَيْن علم الرَّاوِي أَن الْجِنّ سجدوا؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: إِمَّا بِإِخْبَار النَّبِي ... ﷺ لَهُ، وَإِمَّا بِإِزَالَة الله تَعَالَى الْحجاب. قلت: قَالَ شَيخنَا زين الدّين: الظَّاهِر أَن الحَدِيث من مَرَاسِيل ابْن عَبَّاس عَن الصَّحَابَة، فَإِنَّهُ لم يشْهد تِلْكَ الْقِصَّة، خُصُوصا إِن كَانَت قبل فرض الصَّلَاة، كَمَا تقدم فِي حَدِيث مخرمَة، ومراسيل الصَّحَابَة مَقْبُولَة على الصَّحِيح، وَالظَّاهِر أَن ابْن عَبَّاس سَمعه من النَّبِي ﷺ يحدث بِهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لفظ الْإِنْس مُكَرر، بل لفظ الْجِنّ أَيْضا لِأَنَّهُ إِجْمَال بعد تَفْصِيل نَحْو: ﴿تِلْكَ عشرَة كَامِلَة﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَقَالَ أَيْضا: فَإِن قلت: لِمَ سجد الْمُشْركُونَ وهم لَا يَعْتَقِدُونَ الْقُرْآن (قلت) قيل لأَنهم سمعُوا أَسمَاء أصنامهم حَيْثُ قَالَ ﴿أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى قَالَ القَاضِي عِيَاض كَانَ سَبَب سجودهم فِيمَا قَالَ ابْن مَسْعُود، أَنَّهَا أول سَجْدَة نزلت قلت: اسْتشْكل هَذَا بِأَن: إقرأ باسم رَبك، أول السُّور نزولاً، وفيهَا أَيْضا سَجْدَة، فَهِيَ سَابِقَة على النَّجْم. وَأجِيب: بِأَن السَّابِق من إقرأ أَولهَا، وَأما بقيتها فَنزلت بعد ذَلِك، بِدَلِيل قصَّة أبي جهل فِي نَهْيه للنَّبِي ﷺ عَن الصَّلَاة، أَو المُرَاد: أول سُورَة استعلن بهَا رَسُول الله ﷺ والنجم، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره.
стр. 1971
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَعبد الله بن وهب وَابْن حبيب الْمَالِكِي على أَن سُورَة النَّجْم فِيهَا سَجْدَة، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعِكْرِمَة وطاووس وَمَالك: لَيْسَ فِي سُورَة النَّجْم سَجْدَة، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب، وَسَنذكر الْجَواب عِنْد ذكره، وَرُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة. مِنْهُم: أَبُو هُرَيْرَة رَوَاهُ عَنهُ أَحْمد وَقَالَ: (سجد النَّبِي ﷺ والمسلمون فِي النَّجْم إلاّ رجلَيْنِ من قُرَيْش أَرَادَا بذلك الشُّهْرَة) . وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات. وَمِنْهُم: أَبُو الدَّرْدَاء أخرج حَدِيثه التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة أم الدَّرْدَاء عَنهُ. قَالَ: سجدت مَعَ النَّبِي ﷺ إِحْدَى عشرَة سَجْدَة، مِنْهَا الَّتِي فِي النَّجْم. وَمِنْهُم: عبد الله بن عمر، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة مُصعب بن ثَابت عَن نَافِع (عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ: والنجم، بِمَكَّة فَسجدَ وَسجد النَّاس مَعَه حَتَّى إِن الرجل ليرْفَع إِلَى جَبينه شَيْئا من الأَرْض فَيسْجد عَلَيْهِ، وَحَتَّى يسْجد على الرجل) ، وَمصْعَب بن ثَابت مُخْتَلف فِيهِ، ضعفه أَحْمد وَابْن معِين وَوَثَّقَهُ ابْن أبي حبَان، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق كثير الْغَلَط. وَمِنْهُم: الْمطلب بن أبي ودَاعَة، أخرج النَّسَائِيّ حَدِيثه بِإِسْنَاد صَحِيح من رِوَايَة ابْنه جَعْفَر بن الْمطلب عَنهُ، قَالَ: (قَرَأَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة سُورَة النَّجْم فَسجدَ وَسجد من مَعَه، فَرفعت رَأْسِي وأبيت أَن أَسجد) ، وَلم يكن يَوْمئِذٍ أسلم الْمطلب. وَمِنْهُم: عَمْرو بن الْعَاصِ، أخرج حَدِيثه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن نمير عَنهُ (أَن النَّبِي ﷺ أقرأه خمس عشرَة سَجْدَة فِي الْقُرْآن، مِنْهَا ثَلَاث فِي الْمفصل) . وَمِنْهُم: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أخرج حَدِيثهَا الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن بشير عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة قَالَت: قَرَأَ رَسُول الله ﷺ بِالنَّجْمِ، فَلَمَّا بلغ السَّجْدَة سجد) . وَعبد الرَّحْمَن بن بشير مُنكر الحَدِيث. وَمِنْهُم: عَمْرو الجني، أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة عُثْمَان بن صَالح، قَالَ: حَدثنِي عَمْرو الجني قَالَ: (كنت عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَرَأَ سُورَة النَّجْم فَسجدَ فِيهَا) . قَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَعُثْمَان بن أبي صَالح شيخ البُخَارِيّ لم يدْرك أحدا من الصَّحَابَة، فَإِنَّهُ توفّي سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، إلاّ أَنه ذكر أَن عمرا هَذَا من الْجِنّ، وَقد نسبه أَبُو مُوسَى فِي (ذيله) : من الصَّحَابَة عَمْرو بن طلق، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عَمْرو الجني، قيل: هُوَ ابْن طلق، أوردهُ أَبُو مُوسَى، وَقَالَ: وَالْعجب أَنهم يذكرُونَ الْجِنّ من الصَّحَابَة وَلَا يذكرُونَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل؟ قلت: لِأَن الْجِنّ آمنُوا برَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُرْسل إِلَيْهِم، وَالْمَلَائِكَة ينزلون بالرسالة إِلَى الرَّسُول، ﷺ .
وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ: أَن رُؤْيَة الْإِنْس للجن لَا تنكر، وَأنْكرت الْمُعْتَزلَة رُؤْيَة الْإِنْس للجن، وَاسْتدلَّ بَعضهم بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٢) . مَعَ قَوْله: ﴿إلاّ إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ﴾ (فصلت: ٠٥) . وَأجَاب أهل السّنة بِأَن هَذَا خرج مخرج الْغَالِب فِي عدم رُؤْيَة الْإِنْس الْجِنّ أَو الشَّيَاطِين، وَقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة رُؤْيَة النَّبِي ﷺ الشَّيْطَان الَّذِي أَرَادَ أَن يقطع عَلَيْهِ صلَاته، وَأَنه خنقه حَتَّى وجد برد لِسَانه، وَأَنه قَالَ: (لَوْلَا دَعْوَة سُلَيْمَان لربطته إِلَى سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد) الحَدِيث، وَثَبت فِي الصَّحِيح رُؤْيَة أبي هُرَيْرَة لَهُ لما دخل ليَسْرِق تمر الصَّدَقَة، وَقَول النَّبِي ﷺ لأبي هُرَيْرَة: (تَدْرِي من تخاطب مُنْذُ ثَلَاث؟) وَقَالَ فِيهِ: (صدقك وَهُوَ كذوب) ، لَكِن أَبَا هُرَيْرَة رَآهُ فِي صُورَة مِسْكين على هَيْئَة الْإِنْس، وَهُوَ دَال على أَن الشَّيَاطِين وَالْجِنّ يتشكلون فِي غير صورهم، كَمَا تتشكل الْمَلَائِكَة فِي هَيْئَة الْآدَمِيّين، وَقد نَص الله فِي كِتَابه على عمل الْجِنّ لِسُلَيْمَان، ﵊، ومخاطبتهم لَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ عفريت من الْجِنّ: أَنا آتِيك بِهِ.﴾ (النَّمْل: ٩٣) . الْآيَة، وَمثل هَذَا لَا يُنكر مَعَ تَصْرِيح الْقُرْآن بذلك وَثُبُوت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة.
وَرَوَاهُ ابنُ طُهْمَانَ عنْ أيُّوبَ
أَي: روى هَذَا الحَدِيث إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون الْهَاء وبالنون، وَقد مر فِي: بَاب تَعْلِيق الْقنْدِيل فِي الْمَسْجِد، رَوَاهُ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ مُتَابَعَته من حَدِيث حَفْص عَنهُ.
стр. 1972
٦ - (بابُ منْ قَرَأ السَّجْدَةَ ولَمْ يَسْجُدْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من قَرَأَ السَّجْدَة، أَي: آيَة السَّجْدَة، وَالْحَال أَنه لم يسْجد. فَإِن قلت: مَا الْألف وَاللَّام فِي السَّجْدَة؟ قلت: لَا يجوز أَن تكون للْجِنْس، لِأَنَّهُ ﷺ سجد فِي كثير من آيَات السَّجْدَة على مَا ورد، وَالظَّاهِر أَنَّهَا للْعهد، يرجع إِلَى السَّجْدَة الَّتِي فِي النَّجْم. يَعْنِي: قَرَأَ سَجْدَة النَّجْم وَلم يسْجد، والْحَدِيث فِيهِ، فَافْهَم.
٢٧٠١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ أبُو الرَّبيعِ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرَ قَالَ أخبرنَا يَزيدُ بنُ خُصَيْفَةَ عنِ ابنِ قُسَيْطٍ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ أنَّهُ أخْبرَهُ أنَّهُ سألَ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فزَعَمَ أنَّهُ قَرَأَ عَلى النبيِّ ﷺ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا.
(الحَدِيث ٢٧٠١ طرفه فِي: ٣٧٠١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد الزهْرَانِي الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم فِي: بَاب عَلَامَات الْمُنَافِق. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ الْمدنِي. الثَّالِث: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن عبد الله بن خصيفَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء، مر فِي: بَاب رفع الصَّوْت فِي الْمَسَاجِد. الرَّابِع: ابْن قسيط، بِضَم الْقَاف وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالطاء الْمُهْملَة: وَهُوَ يزِيد بن عبد الله بن قسيط، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة. الْخَامِس: عَطاء بن يسَار، وَقد تقدم غير مرّة. السَّادِس: زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن شَيْخه ذكره مكنى، وَفِيه: من ذكر بِأَنَّهُ ابْن فلَان. وَفِيه: من نسب إِلَى جده وَهُوَ: يزِيد بن خصيفَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي سُجُود الْقُرْآن عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى وَيحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر. أربعتهم عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع عَن ابْن أبي ذِئْب بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن يحيى بن مُوسَى عَن وَكِيع بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَأَلَ (زيد بن ثَابت) ، فِيهِ المسؤول عَنهُ مَحْذُوف، وَالظَّاهِر أَنه هُوَ السُّجُود فِي النَّجْم، وَأجَاب بقوله: (أَنه قَرَأَ على النَّبِي ﷺ النَّجْم فَلم يسْجد فِيهَا) . وَقَالَ بَعضهم: وَظَاهر السِّيَاق يُوهم أَن المسؤول عَنهُ السُّجُود فِي النَّجْم وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقد بَينه مُسلم عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: (سَأَلت زيد بن ثَابت عَن الْقِرَاءَة مَعَ الإِمَام، فَقَالَ: لَا قِرَاءَة مَعَ الإِمَام فِي شَيْء، وَزعم أَنه قَرَأَ النَّجْم. .) الحَدِيث فَحذف المُصَنّف الْمَوْقُوف لِأَنَّهُ لَيْسَ من غَرَضه فِي هَذَا الْمَكَان، وَلِأَنَّهُ يُخَالف زيد بن ثَابت فِي ترك الْقِرَاءَة خلف الإِمَام. قلت: هَذَا مَرْدُود من وُجُوه: الأول: قَوْله: يُوهم، لَيْسَ كَذَلِك، بل تحقق أَن المسؤول عَنهُ السُّجُود فِي النَّجْم، وَذَلِكَ لِأَن حسن تركيب الْكَلَام أَن يكون بعضه ملتئما بِالْبَعْضِ، وَرِوَايَة البُخَارِيّ هَكَذَا تَقْتَضِي ذَلِك. الثَّانِي: قَوْله: فَحذف المُصَنّف الْمَوْقُوف، لِأَنَّهُ لَيْسَ من غَرَضه فِي هَذَا الْمَكَان، كَلَام واهٍ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن يكون البُخَارِيّ يتَصَرَّف فِي متن الحَدِيث بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان لأجل غَرَضه وَهُوَ بَرِيء من ذَلِك وَإِنَّمَا البُخَارِيّ روى هَذَا الحَدِيث عَن أبي الرّبيع سُلَيْمَان وَسلم روى عَن أَرْبَعَة أنفس يحيى بن يحيى وَيحيى بن أَيُّوب وقتيبة بن سعيد وعَلى بن حجر، وهم وَسليمَان اتَّفقُوا على روايتهم عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، فسليمان روى عَنهُ بالسياق الْمَذْكُور، وَالْأَرْبَعَة رووا عَنهُ بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَة، وَمَا الدَّاعِي للْبُخَارِيّ أَن يحذف تِلْكَ الزِّيَادَة لأجل غَرَضه؟ فَلَا ينْسب ذَلِك إِلَى البُخَارِيّ وحاشاه من ذَلِك. الثَّالِث: قَوْله: وَلِأَنَّهُ يُخَالف زيد بن ثَابت، كَلَام مَرْدُود أَيْضا، لِأَن مُخَالفَته لزيد بن ثَابت فِي ترك الْقِرَاءَة
стр. 1973
خلف الإِمَام لَا يَسْتَدْعِي حذف مَا قَالَه زيد، لِأَن هَذَا الْموضع لَيْسَ فِي بَيَان مَوضِع قِرَاءَة الْمُقْتَدِي خلف الإِمَام، وَإِنَّمَا الْكَلَام والترجمة فِي السَّجْدَة فِي سُورَة النَّجْم، وَلَيْسَ من الْأَدَب أَن يُقَال: يُخَالف البُخَارِيّ مثل زيد بن ثَابت، كَذَا فِي التَّصْرِيح حَتَّى لَو سُئِلَ البُخَارِيّ: أَنْت تخَالف زيد بن ثَابت فِي قَوْله هَذَا؟ لَكَانَ يَقُول: زيد بن ثَابت ذهب إِلَى شَيْء لما ظهر عِنْده، وَأَنا ذهبت إِلَى شَيْء لما ظهر عِنْدِي، وَكَانَ يُرَاعِي الْأَدَب وَلَا يُصَرح بالمخالفة، وَأما متن حَدِيث مُسلم فَهَكَذَا: حَدثنَا يحيى بن يحيى وَيحيى بن أَيُّوب وقتيبة بن سعيد وَابْن حجر، قَالَ يحيى: أخبرنَا، وَقَالَ الْآخرُونَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل، وَهُوَ ابْن جَعْفَر عَن يزِيد بن خصيفَة عَن ابْن قسيط عَن عَطاء بن يسَار أَنه أخبرهُ أَنه سَأَلَ زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن الْقِرَاءَة مَعَ الإِمَام، فَقَالَ: لَا قِرَاءَة مَعَ الإِمَام فِي شَيْء، وَزعم أَنه قَرَأَ على رَسُول الله ﷺ ﴿والنجم إِذا هوى﴾ فَلم يسْجد، فَفِي رِوَايَة مُسلم أجَاب زيد بن ثَابت عَمَّا سَأَلَهُ عَطاء بن يسَار، وَأفَاد بفائدة أُخْرَى زَائِدَة على مَا سَأَلَهُ، وَرِوَايَة البُخَارِيّ إِمَّا وَقعت مختصرة أَو كَانَ سُؤال عَطاء ابْتِدَاء عَن سَجْدَة النَّجْم، فَأجَاب عَن ذَلِك مُقْتَصرا عَلَيْهِ، وكلا الْوَجْهَيْنِ جائزان فَلَا يتَكَلَّف فِي تصرف الْكَلَام بالعسف. قَوْله: (فَزعم) ، هُوَ يُطلق على القَوْل الْمُحَقق وعَلى الْمَشْكُوك فِيهِ، وَالْأول هُوَ المُرَاد هُنَاكَ. قَوْله: (فَلم يسْجد فِيهَا) أَي: لم يسْجد النَّبِي ﷺ فِي سَجْدَة النَّجْم.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: احْتج بِهِ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَأَبُو ثَوْر على: أَنه لَا يسْجد للتلاوة فِي آخر النَّجْم. وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَسَعِيد بن الْمسيب وَعِكْرِمَة وطاووس، ويحكى ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وابي بن كَعْب وَزيد بن ثَابت، وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن ذَلِك فَقَالَ: لَيْسَ فِي الحَدِيث دَلِيل على أَن لَا سُجُود فِيهَا لِأَنَّهُ قد يحْتَمل أَن يكون ترك النَّبِي ﷺ السُّجُود فِيهَا حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ كَانَ على غير وضوء فَلم يسْجد لذَلِك، وَيحْتَمل أَن يكون تَركه لِأَنَّهُ كَانَ وقتا لَا يحل فِيهِ السُّجُود، وَيحْتَمل أَن يكون تَركه لِأَن الحكم عِنْده بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ سجد وَإِن شَاءَ ترك، وَيحْتَمل أَن يكون تَركه لِأَنَّهُ لَا سُجُود فِيهَا، فَلَمَّا احْتمل تَركه السُّجُود هَذِه الِاحْتِمَالَات يحْتَاج إِلَى شَيْء آخر من الْأَحَادِيث نلتمس فِيهِ حكم هَذِه السُّورَة، هَل فِيهَا سُجُود أم لَا؟ فَوَجَدنَا فِيهَا حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود الَّذِي مضى فِيمَا قبل فِيهِ تَحْقِيق السُّجُود فِيهَا، فالأخذ بِهَذَا أولى، كَانَ تَركه فِي حَدِيث زيد لِمَعْنى من الْمعَانِي الَّتِي ذكرنَا. وَأجِيب أَيْضا بِأَنَّهُ ﷺ : لم يسْجد على الْفَوْر، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن لَا يكون فِيهِ سَجْدَة، وَلَا فِيهِ نفي الْوُجُوب.
الثَّانِي: اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَن المستمع لَا يسْجد إلاّ إِذا سجد القارىء لآيَة السَّجْدَة، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَإِلَيْهِ ذهب الْقفال. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد والبغداديون: يسْجد المستمع وَإِن لم يسْجد القارىء، وَبِه قَالَت الْمَالِكِيَّة، وَعند أَصْحَابنَا: يجب على القارىء وَالسَّامِع جَمِيعًا، وَلَا يسْقط عَن أَحدهمَا بترك الآخر.
الثَّالِث: اسْتدلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره على: أَن السَّامع لَا يسْجد مَا لم يكن مستمعا، قَالَ: وَهُوَ أصح الْوَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَهُوَ قَول الْمَالِكِيَّة والحنابلة. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي (مُخْتَصر الْبُوَيْطِيّ) : لَا أؤكده عَلَيْهِ كَمَا أؤكده على المستمع، وَإِن سجد فَحسن، وَمذهب أبي حنيفَة: وُجُوبه على السَّامع والمستمع والقارىء، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: السَّجْدَة على من سَمعهَا. وَمن تعليقات البُخَارِيّ قَالَ عُثْمَان: إِنَّمَا السُّجُود على من اسْتمع.
٣٧٠١ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبي إِيَاس قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذئْبٍ قَالَ حدَّثنا يَزُيدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ قُسَيْطٍ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عنْ زَيْدٍ بنِ ثابِتٍ قَالَ قَرَأتُ عَلَى النبيِّ ﷺ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا.
(أنظر الحَدِيث ٢٧٠١) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث زيد بن ثَابت فَإِنَّهُ رَوَاهُ من طَرِيقين: الأول: عَن سُلَيْمَان عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن يزِيد بن خصيفَة عَن ابْن قسيط. الثَّانِي: هَذَا: عَن آدم بن أبي إِيَاس، واسْمه: عبد الرَّحْمَن من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ذِئْب عَن يزِيد بن عبد الله بن قسيط، وَبَين متنيهما بعض تفَاوت على مَا لَا يخفى.
стр. 1974
٧ - (بابُ سَجْدَةِ إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم سَجْدَة سُورَة إِذا السَّمَاء انشقت.
٤٧٠١ - حدَّثنا مُسْلِم بنُ إبْرَاهِيمَ وَمَعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قالَا أخبرنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيى عنْ أبي سَلَمَة قَالَ رَأيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَرَأَ إِذا السَّماءُ انْشَقَّتْ فَسَجدَ بِهَا فَقُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ألَمْ أرَكَ تَسْجُدُ قَالَ لَوْ لَمْ أرَ النبيَّ ﷺ يَسْجُدُ لَمْ أسْجُدْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الحَدِيث يبين أَن هَذِه السُّورَة فِيهَا السَّجْدَة، والترجمة فِي بَيَان هَذِه السَّجْدَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: معَاذ بن فضَالة أَبُو زيد الزهْرَانِي الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: الرُّؤْيَة. وَفِيه: أَنه روى عَن شيخين. وَفِيه: أَن الثَّلَاثَة الأول من الروَاة بصريون وَالرَّابِع يمامي وَالْخَامِس مدنِي.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن المثني عَن ابْن أبي عدي عَن هِشَام، وَرُوِيَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة من طرق كَثِيرَة، فَأخْرجهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن أبي رَافع واسْمه نفيع، قَالَ: (صليت مَعَ أبي هُرَيْرَة الْعَتَمَة فَقَرَأَ: إِذا السَّمَاء انشقت، فَسجدَ فِيهَا. فَقلت: مَا هَذِه؟ قَالَ: سجدت بهَا خلف أبي الْقَاسِم فَلَا أَزَال أَسجد فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ) . وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عبد الله بن يزِيد عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَأخرجه مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن من رِوَايَة سعيد بن مينا: (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: سجدنا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ و ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ وَأخرج مُسلم من رِوَايَة صَفْوَان بن سليم وَعبيد الله بن أبي جَعْفَر عَن عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج، وروى فِي هَذَا الْبَاب عَن غير أبي هُرَيْرَة، فَأخْرج الْبَزَّار وَأَبُو يعلى فِي (مسنديهما) من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه: (عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ يسْجد فِي ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ وَاخْتلف فِيهِ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، وأختلف فِي سَماع أبي سَلمَة عَن أَبِيه، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة ذَر بن حُبَيْش (عَن صَفْوَان بن عَسَّال أَن النَّبِي ﷺ سجد فِي ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ . وَإِسْنَاده ضَعِيف.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَرَأَ: ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ ) أَي: قَرَأَ سُورَة: ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ . قَوْله: (فَسجدَ بهَا) أَي: سجد فِيهَا، وَالْبَاء للظرفية، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَسجدَ فِيهَا) . قَوْله: (لم أرك تسْجد) اسْتِفْهَام استخبار لَا اسْتِفْهَام إِنْكَار، كَمَا قَالَه الْبَعْض، وَهُوَ غير صَحِيح.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي على أَن فِي سُورَة ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ سَجْدَة تِلَاوَة. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُحَمَّد بن رَافع حَدثنَا أَزْهَر بن الْقَاسِم قَالَ مُحَمَّد: رَأَيْته بِمَكَّة، حَدثنَا أَبُو قدامَة عَن مطر الْوراق عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله ﷺ لم يسْجد فِي شَيْء من الْمفصل مُنْذُ تحول إِلَى الْمَدِينَة) ، وَذهب إِلَيْهِ مُجَاهِد وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَبَعض الشَّافِعِيَّة. فَقَالُوا: قد كَانَ رَسُول الله ﷺ يسْجد فِي الْمفصل بِمَكَّة، فَلَمَّا هَاجر إِلَى الْمَدِينَة ترك ذَلِك، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَهَذَا ضَعِيف، وَلَو ثَبت لَكَانَ فَاسِدا، وَذَلِكَ أَن أَبَا هُرَيْرَة قد روينَا عَنهُ، وَأَشَارَ إِلَى الحَدِيث الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب، وَغَيره مِمَّا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهُوَ قَوْله: (سجدنا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ و ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ ) وَإِسْلَام أبي هُرَيْرَة ولقاؤه رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قبل وَفَاته بِثَلَاث سِنِين، فَدلَّ ذَلِك على فَسَاد مَا ذهب إِلَيْهِ أهل تِلْكَ الْمقَالة. وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه: إِسْنَاد حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا لَيْسَ بِقَوي، ويروى مُرْسلا، وَالصَّحِيح حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَأَبُو قدامَة لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه: وَأَبُو قدامَة الْحَارِث بن عبيد قَالَ فِيهِ
стр. 1975
ابْن حَنْبَل: مُضْطَرب الحَدِيث، وَضَعفه ابْن معِين، وَقَالَ السَّاجِي: صَدُوق وَعِنْده مَنَاكِير، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: كَانَ شَيخا صَالحا وَكثر وهمه، ومطر الْوراق كَانَ سيىء الْحِفْظ حَتَّى كَانَ يشبه فِي سوء الْحِفْظ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَقد عيب على مُسلم إِخْرَاج حَدِيثه.
٨ - (بابُ منْ سَجَدَ لِسُجُودِ القَارىءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من سجد للتلاوة لأجل سُجُود القارىء، وَحكمه أَنه يَنْبَغِي أَن يسْجد لسجود القارىء حَتَّى قَالَ ابْن بطال: أَجمعُوا على أَن القارىء إِذا سجد لزم المستمع أَن يسْجد، كَذَا أطلق، وَلَكِن فِيهِ خلاف، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَنهم اخْتلفُوا فِي السَّامع الَّذِي لَيْسَ بمستمع، وَهُوَ الَّذِي لم يقْصد الِاسْتِمَاع، وَلم يجلس لَهُ فَقَالَ الشَّافِعِي فِي (مُخْتَصر الْبُوَيْطِيّ) : لَا أؤكده وَإِن سجد فَحسن، وَعند الْحَنَفِيَّة: يجب على القارىء وَالسَّامِع والمستمع، وَقد ذكرنَا دلائلهم عَن قريب، وَقَالَ بَعضهم: فِي التَّرْجَمَة إِشَارَة إِلَى أَن القارىء إِذا لم يسْجد لم يسْجد السَّامع. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن تعلق السَّجْدَة بالسامع، سَوَاء كَانَ من حَيْثُ الْوُجُوب أَو من حَيْثُ السّنيَّة، لَا يتَعَلَّق بِسَجْدَة القارىء، بل بِسَمَاعِهِ يجب عَلَيْهِ أَو يسن على الْخلاف، وَسَوَاء فِي ذَلِك سُجُود القارىء وَعَدَمه.
وقالَ ابنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بنِ حَذْلَمٍ وَهْوَ غُلَامٌ فَقَرأ عَلَيْهِ سَجْدةً فَقَالَ إسْجُدْ فإنَّكَ إمَامُنَا فِيهَا
تَمِيم، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وحذلم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام: أَبُو سَلمَة الضَّبِّيّ وَهُوَ تَابِعِيّ روى عَنهُ ابْنه أَبُو الْخَيْر، وَفِي (تذهيب التَّهْذِيب) : تَمِيم بن حذلم الضَّبِّيّ أَبُو سَلمَة، أدْرك أَبَا بكر وَعمر وَصَحب ابْن مَسْعُود وروى عَنهُ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسماك بن سَلمَة الضَّبِّيّ والْعَلَاء بن بدر وَآخَرُونَ، وروى لَهُ البُخَارِيّ فِي (كتاب الْأَدَب) ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من رِوَايَة مُغيرَة (عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: قَالَ تَمِيم بن حذلم: قَرَأت الْقُرْآن على عبد الله وَأَنا غُلَام فمررت بِسَجْدَة فَقَالَ عبد الله: أَنْت إمامنا فِيهَا) . وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) نَحوه حَدثنَا ابْن فُضَيْل عَن الْأَعْمَش عَن أبي إِسْحَاق (عَن سليم ابْن حَنْظَلَة، قَالَ: قَرَأت على عبد الله بن مَسْعُود سُورَة بني إِسْرَائِيل، فَلَمَّا بلغت السَّجْدَة قَالَ عبد الله: إقرأها فَإنَّك إمامنا فِيهَا) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن بَشرَان أخبرنَا أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ حَدثنَا إِسْحَاق الْأَزْرَق حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن سليم بن حَنْظَلَة، قَالَ: قَرَأت السَّجْدَة عِنْد ابْن مَسْعُود، فَنظر إِلَيّ فَقَالَ: إنت إمامنا فاسجد نسجد مَعَك، وَفِي (سنَن سعيد بن مَنْصُور) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة عَن أبي هُرَيْرَة: (قَرَأَ رجل عِنْد النَّبِي ﷺ سَجْدَة فَلم يسْجد، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أَنْت قَرَأت، وَلَو سجدت سجدنا مَعَك) . وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَطاء بن يسَار قَالَ: (بَلغنِي أَن رجلا قَرَأَ عِنْد النَّبِي ﷺ آيَة من الْقُرْآن فِيهَا سَجْدَة، فَسجدَ الرجل وَسجد النَّبِي ﷺ مَعَه، ثمَّ قَرَأَ آخر آيَة فِيهَا سَجْدَة عِنْد النَّبِي ﷺ ، فانتظر الرجل أَن يسْجد النَّبِي ﷺ فَلم يسْجد، فَقَالَ الرجل: يَا رَسُول الله قَرَأت السَّجْدَة فَلم تسْجد؟ فَقَالَ ﷺ : أَنْت إمامنا فِيهَا، فَلَو سجدت سجدنا مَعَك) . قَوْله: (وَهُوَ غُلَام) جملَة حَالية. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: فِي السَّجْدَة، وَمعنى قَوْله: (إمامنا) أَي: متبوعنا، لتَعلق السَّجْدَة بِنَا من جهتك أَسجد أَنْت نسجد نَحن أَيْضا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: إِن لم تسْجد لَا نسجد، وَذَلِكَ لِأَن السَّجْدَة كَمَا تتَعَلَّق بالتالي تتَعَلَّق بالسامع، فَإِن لم يسْجد التَّالِي لَا تسْقط عَن السَّامع، وَهَذَا مَذْهَب أَصْحَابنَا. وَقَالَت الْمَالِكِيَّة: يسْجد المستمع من دون السَّامع. وَقَالَت الْحَنَابِلَة: لَا يسْجد المستمع إلاّ إِذا سجد القارىء، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) : إِذا لم يسْجد التَّالِي فَلَا يسْجد السَّامع فِي أصح الْوَجْهَيْنِ، فَإِن كَانَ القارىء لَهَا فِي الصَّلَاة يسْجد إِن كَانَ مُنْفَردا أَو إِمَامًا وَيسْجد السَّامع لَهُ إِن كَانَ مَأْمُوما مَعَه وَسجد إِمَامه، فَإِن لم يسْجد إِمَامه لم يسْجد بِلَا خلاف، فَإِن سجد بطلت صلَاته عِنْدهم. وَعند أبي حنيفَة: يسْجد بعد فَرَاغه من الصَّلَاة بِنَاء على أَصله، فَإِن سجدها فِي الصَّلَاة لَا تبطل، وَلم تجزه عَن الْوُجُوب
стр. 1976
وَعَلِيهِ إِعَادَتهَا خَارج الصَّلَاة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَفِي (النَّوَادِر) : أَنه تفْسد صلَاته بِالسُّجُود فِيهَا فِي هَذِه الْحَال. قَالَ) : وَقيل: هُوَ قَول مُحَمَّد بن الْحسن. وَقَالَت الْمَالِكِيَّة: يسْجد الْمُنْفَرد لقِرَاءَة نَفسه فِي النَّافِلَة، وَكَذَا إِذا كَانَ إِمَامًا فِيهَا دون الْفَرِيضَة.
٥٧٠١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافَعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَقْرأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي سُجُود الْقَوْم لسجدة النَّبِي ﷺ ، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان وَعبد الله بن عمر بن حَفْص ابْن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن صَدَقَة بن الْفضل. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبيد الله بن سعيد وَمُحَمّد بن الْمثنى، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل.
قَوْله: (حَتَّى مَا يجد أَحَدنَا) أَي: بَعْضنَا، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ كل وَاحِد وَلَا وَاحِدًا معينا.
وَيُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن السَّجْدَة وَاجِبَة عِنْد قِرَاءَة آيَة السَّجْدَة، وَسَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارج الصَّلَاة على القارىء وَالسَّامِع، وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: الْحِرْص على فعل الْخَيْر والمسابقة إِلَيْهِ. وَفِيه: لُزُوم مُتَابعَة أَفعاله ﷺ .
٩ - (بابُ ازْدِحَامِ النَّاسِ إذَا قَرَأ الإمَامُ السَّجْدَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ازدحام النَّاس ... إِلَى آخِره، وَذَلِكَ لضيق الْمقَام وَكَثْرَة النَّاس.
٦٧٠١ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ آدَمَ قَالَ حدَّثنا علِيُّ بنُ مُسْهرٍ قَالَ أخبرنَا عُبَيْدُ الله عنْ نافعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَقْرأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ ونَسْجُدُ مَعَهُ فنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعا يَسْجُدُ عَلَيْهِ..
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق ذكره لأجل هَذِه التَّرْجَمَة، و: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن آدم الضَّرِير أَبُو عبد الله الْبَغْدَادِيّ، بَصرِي الأَصْل وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلاّ هَذَا الْموضع الْوَاحِد، وَفِي طبقته: بشر بن آدم بن يزِيد بَصرِي أَيْضا وَهُوَ ابْن بنت أَزْهَر السمان، وَفِي كل مِنْهُمَا مقَال. ومسهر، بِضَم الْمِيم: من الإسهار، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (وَنحن عِنْده) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فَيسْجد) أَي: النَّبِي ﷺ ونسجد نَحن مَعَه. قَوْله: (يسْجد عَلَيْهِ) ، جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا وَقعت صفة لقَوْله: (موضعا) . وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: من لَا يقدر على السُّجُود على الأَرْض من الزحام فِي صَلَاة الْفَرِيضَة يسْجد على ظهر أَخِيه وَبِه قَالَ الثَّوْريّ والكوفيون وَالشعْبِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ نَافِع، مولى ابْن عمر: يومىء إِيمَاء. وَقَالَ عَطاء وَالزهْرِيّ: يمسك عَن السُّجُود فَإِذا رفعوا سجد هُوَ، وَهُوَ قَول مَالك وَجَمِيع أَصْحَابه، وَقَالَ مَالك: إِن سجد على ظهر أَخِيه يُعِيد الصَّلَاة، وَذكر ابْن شعْبَان فِي (مُخْتَصره) عَن مَالك قَالَ: يُعِيد فِي الْوَقْت وَبعده. وَقَالَ أَشهب: يُعِيد فِي الْوَقْت. وَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَسجد وَلَو على ظهر أَخِيك، فعلى قَول من أجَاز السُّجُود فِي صَلَاة الْفَرِيضَة من الزحام على ظهر أَخِيه فَهُوَ أجوز عِنْده فِي سُجُود الْقُرْآن، لِأَن السُّجُود فِي الصَّلَاة فرض بِخِلَافِهِ، وعَلى قَول عَطاء وَالزهْرِيّ وَمَالك: يحْتَمل أَن تجوز عِنْدهم سَجْدَة التِّلَاوَة على ظهر رجل، وَأما على غير الأَرْض فكقول الْجُمْهُور، وَيحْتَمل خلافهم، وَاحْتِمَال وفاقهم أشبه لحَدِيث ابْن عمر.
٠١ - (بابُ مَنْ رأى أنَّ الله لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من رأى أَن الله لم يُوجب السُّجُود، وَكَأن من رأى ذَلِك يحمل الْأَمر فِي قَوْله:
стр. 1977
(أسجدوا) . وَقَوله: (واسجد) على النّدب، أَو على أَن المُرَاد بِهِ سُجُود الصَّلَاة أَو فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة على الْوُجُوب، وَفِي سَجْدَة التِّلَاوَة على النّدب؟ قلت: الْأَمر إِذا جرد عَن الْقَرَائِن يدل على الْوُجُوب لتجرده عَن الْقَرِينَة الصارفة عَن الْوُجُوب، وَحمله على سُجُود الصَّلَاة يحْتَاج إِلَى دَلِيل، واستعماله فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة على الْوُجُوب وَفِي سَجْدَة التِّلَاوَة على النّدب اسْتِعْمَال لمفهومين مُخْتَلفين فِي حَالَة وَاحِدَة، وَهُوَ مُمْتَنع.
وقِيلَ لِعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ ولَمْ يَجْلسْ لَهَا قالَ أرَأيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا كأنَّهُ لَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ
هَذَا وَمَا بعده من أثر سُلَيْمَان، وَمن كَلَام الزُّهْرِيّ وَفعل السَّائِب بن يزِيد دَاخِلَة فِي التَّرْجَمَة، وَلِهَذَا عطفه بِالْوَاو، وَأثر عمرَان الَّذِي علقه وَصله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِمَعْنَاهُ قَالَ: حَدثنَا عبد الْأَعْلَى عَن الْجريرِي عَن أبي الْعَلَاء عَن مطرف قَالَ: وَسَأَلته عَن الرجل يتمادى فِي السَّجْدَة أسمعها أَو لم يسْمعهَا؟ قَالَ: وسمعها فَمَاذَا؟ ثمَّ قَالَ مطرف: سَأَلت عمرَان بن حُصَيْن عَن الرجل لَا يدْرِي أسمع السَّجْدَة أم لَا؟ قَالَ: وسمعها فَمَاذَا؟
قَوْله: (وَلم يجلس لَهَا) أَي: لقِرَاءَة السَّجْدَة قَالَ أَي عمرَان أَرَأَيْت أَي أَخْبرنِي قَوْله (الْوَقْعَة لَهَا) أَي للسجدة وَجَوَاب لَو مَحْذُوف يَعْنِي لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء قَوْله كَأَنَّهُ لَا يُوجِبهُ عَلَيْهِ من كَلَام البُخَارِيّ، أَي: كَأَن عمرَان لَا يُوجب السُّجُود على الَّذِي قعد لَهَا للاستماع، فَإِذا لم يُوجب على المستمع فعدمه على السَّامع بِالطَّرِيقِ الأولى. قلت: يُعَارض هَذَا أثر ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: السَّجْدَة على من سَمعهَا. رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، وَكلمَة: على للْإِيجَاب مُطلق عَن قيد الْقَصْد، فَتجب على كل سامع سَوَاء كَانَ قَاصِدا للسماع أَو لم يكن.
وَقَالَ سَلْمَانُ مَا لِهاذا غَدَوْنَا
سلمَان هَذَا هُوَ الْفَارِسِي، هُوَ قِطْعَة من أَثَره علقه البُخَارِيّ وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَن ابْن فُضَيْل عَن عَطاء بن السَّائِب عَن أبي عبد الرَّحْمَن، قَالَ: دخل سلمَان الْفَارِسِي الْمَسْجِد وَفِيه قوم يقرأون فقرأوا سَجْدَة فسجدوا، فَقَالَ لَهُ صَاحبه: يَا أَبَا عبد الله لَو أَتَيْنَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: مَا لهَذَا غدونا) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق من طَرِيق أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ قَالَ: (مر سلمَان على قوم قعُود فقرأوا السَّجْدَة فسجدوا، فَقيل لَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لهَذَا غدونا) . قَوْله: (مَا لهَذَا غدونا) أَي: مَا غدونا لأجل السماع، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بَيَان إِنَّا لم نسجد لأَنا مَا كُنَّا قَاصِدين السماع.
وَقَالَ عُثْمانُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا
هَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب أَن عُثْمَان مر بقاص فَقَرَأَ سَجْدَة ليسجد مَعَه عُثْمَان، فَقَالَ عُثْمَان: إِنَّمَا السُّجُود على من اسْتمع، ثمَّ مضى وَلم يسْجد. وروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن ابْن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن ابْن الْمسيب عَن عُثْمَان، قَالَ: إِنَّمَا السَّجْدَة على من جلس لَهَا.
قَوْله: (على من استمعها) يَعْنِي: لَا على السَّامع. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْفرق بَينهمَا أَن المستمع من كَانَ قَاصِدا للسماع مصغيا إِلَيْهِ، وَالسَّامِع من اتّفق سَمَاعه من غير قصد إِلَيْهِ. قلت: هَذِه الْآثَار الثَّلَاثَة لَا تدل على نفي وجوب السَّجْدَة على التَّالِي، والترجمة تدل على الْعُمُوم، فَلَا مُطَابقَة بَينهمَا من هَذَا الْوَجْه، وَرِوَايَة ابْن أبي شيبَة تدل على وجوب السَّجْدَة عِنْد عُثْمَان على الْجَالِس لَهَا، سَوَاء قصد السماع أَو لم يَقْصِدهُ.
وقَال الزُّهْرِيُّ لَا تَسْجُدُ إلَاّ أنْ
стр. 1978
تَكُونَ طاهِرا فإذَا سَجَدْتَ وَأنْتَ فِي حَضَرٍ فاسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فإنْ كُنْتَ رَاكِبا فَلَا عَلَيْكَ حَيْثُ كانَ وَجْهُكَ
الزُّهْرِيّ: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وصل هَذَا عبد الله بن وهب عَن يُونُس عَنهُ بِتَمَامِهِ. قَوْله: (لَا تسْجد إِلَّا أَن تكون طَاهِرا) يدل على أَن الطَّهَارَة شَرط لأَدَاء سَجْدَة التِّلَاوَة، وَفِيه خلاف ابْن عمر وَالشعْبِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَالَ بَعضهم: قيل: قَوْله: (لَا تسْجد إِلَّا أَن تكون طَاهِرا) ، لَيْسَ بدال على عدم الْوُجُوب، لِأَن الْمُدَّعِي يَقُول: علق على شَرط وَهُوَ وجود الطَّهَارَة، فَحَيْثُ وجد الشَّرْط لزم. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ، كَيفَ يَنْقُلهُ من لَهُ وَجه إدرك؟ لِأَن أحدا هَل قَالَ: يلْزم من وجوب الشَّرْط وجود الْمَشْرُوط، وَالشّرط خَارج عَن الْمَاهِيّة وَالْوُجُوب، وَعدم الْوُجُوب يتَعَلَّق بالماهية لَا بِالشّرطِ، وغايته أَنه إِذا ثَبت وُجُوبه يشْتَرط لَهُ الطَّهَارَة للْأَدَاء، وَالْجَوَاب: إِن مَوضِع التَّرْجَمَة من هَذَا الْأَثر قَوْله: (فَإِن كنت رَاكِبًا فَلَا عَلَيْك حَيْثُ كَانَ وَجهك) ، لِأَن هَذَا دَلِيل النَّفْل، إِذْ الْفَرْض لَا يُؤدى على الدَّابَّة فِي الْأَمْن. قلت: كَيفَ يُطَابق هَذَا الْجَواب لقَوْل هَذَا الْقَائِل الْمَذْكُور وَبَينهمَا بعد عَظِيم؟ يظْهر بِالتَّأَمُّلِ على أَن الْحَنَفِيّ لَا يَقُول بفرضيته، حَتَّى يُقَال: الْفَرْض لَا يُؤدى على الدَّابَّة قَوْله: (وَإِن كنت رَاكِبًا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: فِي السّفر بِقَرِينَة كَونه قسيما لقَوْله: (فِي حضر) ، وَالرُّكُوب كِنَايَة عَن السّفر، لِأَن السّفر مُسْتَلْزم لَهُ. قلت: لَا نسلم تَقْيِيد الرَّاكِب بِالسَّفرِ، لِأَنَّهُ أَعم من أَن يكون رَاكِبًا فِي الْحَضَر أَو السّفر. وَقَوله: وَالرُّكُوب كِنَايَة، فِيهِ عدُول عَن الْحَقِيقَة من غير ضَرُورَة، وَقَوله: لِأَن السّفر مُسْتَلْزم لَهُ، أَي: للرُّكُوب، غير صَحِيح، لِأَنَّهُ يكون بِالْمَشْيِ أَيْضا. قَوْله: (لَا عَلَيْك) أَي: لَا بَأْس عَلَيْك أَن لَا تسْتَقْبل الْقبْلَة عِنْد السُّجُود.
وكانَ السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ لَا يَسْجُدُ لِسُجُودِ القَاصِّ
السَّائِب بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن أُخْت نمر الْكِنْدِيّ، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ، وَيُقَال الْأَزْدِيّ، وَيُقَال: الْهُذلِيّ أَبُو يزِيد الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، مَاتَ سنة إِحْدَى وَتِسْعين، وَقد مر ذكره فِي: بَاب اسْتِعْمَال فضل وضوء النَّاس، والقاص، بِالْقَافِ وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة: الَّذِي يقص النَّاس الْأَخْبَار والمواعظ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ سَببه أَنه لَيْسَ قَاصِدا لقِرَاءَة الْقُرْآن قلت: لَعَلَّ سَببه أَن لَا يكون قَصده السماع، أَو كَانَ سَمعه وَلم يكن يستمع لَهُ، أَو كَانَ لم يجلس لَهُ فَلَا يسْجد.
٧٧٠١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبرنِي أبُو بَكْرِ بنُ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عُثْمَانَ بنِ عَبْدِ الرحْمانِ التَّيْمِيِّ عنْ رَبِيعَةَ بنِ عَبْدِ الله بنِ الهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ قَالَ أبُو بَكْرٍ وكانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ منْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إذَا جاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسجَدَ النَّاسُ حَتَّى إذَا كانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إذَا جاءَ السَّجْدَةَ قَالَ يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّا نَمُرُّ بالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أصَابَ ومَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة غير تَامَّة لِأَن فِيهِ: (نزل فَسجدَ) ، فَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يرى السَّجْدَة مُطلقًا سَوَاء كَانَ على سَبِيل الْوُجُوب أَو السّنيَّة. وَقَوله أَيْضا: (وَسجد النَّاس) ، يدل على ذَلِك، إِذْ لَو كَانَ الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك لمنعهم. فَإِن قلت: قَوْله: (وَمن لم يسْجد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ) ، يدل على نفي الْوُجُوب. قلت: لَا نسلم، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه لَيْسَ على الْفَوْر فَلَا يَأْثَم بِتَأْخِيرِهِ، فَلَا يلْزم من ذَلِك عدم الْوُجُوب. فَإِن قلت: قَوْله: (وَلم يسْجد عمر) يدل على خلاف مَا قلت قلت: لَا نسلم لاحْتِمَال إِنَّه لم يسْجد فِي ذَلِك الْوَقْت لعَارض، مثل انْتِقَاض الْوضُوء، أَو يكون ذَلِك مِنْهُ إِشَارَة إِلَى أَنه لَيْسَ على الْفَوْر. فَإِن قلت: مَا ذكرت من الِاحْتِمَالَات يَنْفِي مَا قلت. قلت: لَا نسلم، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَن عمر مَا يُؤَكد مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا أَبُو بكرَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد وروح، قَالَا: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: (أنبأني سعد بن إِبْرَاهِيم قَالَ: سَمِعت ابْن أُخْت لنا، يُقَال لَهُ عبد الله بن ثَعْلَبَة، قَالَ: صلى بِنَا عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الصُّبْح فِيمَا أعلم، ثمَّ قَالَ سعد: صلى بِنَا الصُّبْح فَقَرَأَ بِالْحَجِّ وَسجد فِيهَا سَجْدَتَيْنِ) . وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن غنْدر وَعَن شُعْبَة إِلَى آخِره نَحوه، وَمِمَّا يُؤَكد مَا قُلْنَا. قَوْله: (فَمن سجد فقد أصَاب السّنة) ، وَالسّنة إِذا أطلقت يُرَاد بهَا سنة رَسُول الله ﷺ ، وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَن النَّبِي ﷺ بِالسَّجْدَةِ فِي مَوَاضِع السُّجُود فِي الْقُرْآن، فَدلَّ هَذَا كُله أَنه سنة مُؤَكدَة، وَلَا فرق بَينهَا وَبَين الْوَاجِب، فَسقط بِهَذَا قَول من قَالَ: وَأقوى الْأَدِلَّة على نفي الْوُجُوب حَدِيث
стр. 1979
عمر الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب. فَافْهَم.
ذكر رجال الْأَثر الْمَذْكُور وهم سَبْعَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد التَّمِيمِي الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ قاضيها، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة بِالْيمن. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج أَبُو الْوَلِيد الْمَكِّيّ. الرَّابِع: أَبُو بكر بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم وَفتح اللَّام: واسْمه عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، وَاسم أبي مليكَة: زُهَيْر بن عبد الله أَبُو مُحَمَّد الْأَحول كَانَ قَاضِيا لِابْنِ الزبير ومؤذنا لَهُ، مر فِي: بَاب خوف الْمُؤمن أَن يحبط عمله. الْخَامِس: عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي. السَّادِس: ربيعَة بن عبد الله بن الهدير، بِضَم الْهَاء وَفتح الدَّال: أَبُو عُثْمَان التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمدنِي. السَّابِع: عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: تَوْثِيق أحد الروَاة شيخ شَيْخه الَّذِي روى عَنهُ. وَفِيه: أَن أَبَا بكر بن أبي مليكَة لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، ولأبيه صُحْبَة وَرِوَايَة، وَكَذَلِكَ ربيعَة لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ ابْن سعد: ولد ربيعَة فِي عهد النَّبِي، ﷺ ، وَفِيه: رِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وهم: أَبُو بكر وَعُثْمَان وَرَبِيعَة. وَفِيه: أَن عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن من أَفْرَاد البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَمَّا حضر ربيعَة من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) يتَعَلَّق بقوله: (أَخْبرنِي) . فَإِن قلت: (عَن عُثْمَان) يتَعَلَّق بِهِ، فَإِذا تعلق بِهِ: عَمَّا حضر، يكون حرفا جر يتعلقان بِفعل وَاحِد، وَهُوَ لَا يجوز. قلت: يتَعَلَّق الأول بِمَحْذُوف تَقْدِيره: أَخْبرنِي أَبُو بكر رَاوِيا عَن عُثْمَان عَن حضورة مجْلِس عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَكلمَة: مَا، فِي عَمَّا مَصْدَرِيَّة، و: ربيعَة، بِالرَّفْع فَاعل: حضر. قَوْله: (قَرَأَ) أَي: أَنه قَرَأَ يَوْم الْجُمُعَة. قَوْله: (بهَا) أَي: بِسُورَة النَّحْل. قَوْله: (إِنَّمَا نمر) ، رِوَايَة الْكشميهني، وَرِوَايَة غَيره (إِنَّا نمر) بِدُونِ الْمِيم. قَوْله: (السُّجُود) أَي: بِآيَة السُّجُود. قَوْله: (فَلَا إِثْم عَلَيْهِ) . قَالُوا: هَذَا دَلِيل صَرِيح فِي عدم الْوُجُوب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا كَانَ بِمحضر من الصَّحَابَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ، وَكَانَ إِجْمَاعًا سكوتيا على ذَلِك. قلت: هَذِه إِشَارَة إِلَى أَنه لَا إِثْم عَلَيْهِ فِي تَأْخِيره من ذَلِك الْوَقْت.
ذكر من أخرجه: هُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيث حجاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج من طَرِيقين. وَأخرجه سعيد بن مَنْصُور أَيْضا وَإِسْمَاعِيل من طَرِيق ابْن جريج أَخْبرنِي أَبُو بكر بن أبي مليكَة أَن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان التَّيْمِيّ أخبرهُ عَن ربيعَة بن عبد الله أَنه حضر عمر، فَذكره. وَقَوله: عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان، مقلوب وَالصَّحِيح: عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن.
وزادع نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إنَّ الله لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إلَاّ أنْ نَشَاءَ
قَالَ الْكرْمَانِي: (وَزَاد نَافِع) ، أَي: قَالَ ابْن جريج: وَزَاد، وَهَذَا مَوْقُوف لَا مَرْفُوع إِلَى رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ الْحميدِي: هَذَا مُعَلّق، وَكَذَا علم عَلَيْهِ الْحَافِظ الْمزي عَلامَة التَّعْلِيق. وَقَالَ بَعضهم: (زَاد نَافِع) مقول ابْن جريج، وَالْخَبَر مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الأول، وَقد بَين ذَلِك عبد الرَّزَّاق فَقَالَ فِي مُصَنفه: عَن ابْن جريج أَخْبرنِي ابْن أبي مليكَة، فَذكره. وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ ابْن جريج: وَزَادَنِي نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: لم يفْرض علينا السُّجُود، إلاّ أَن نشَاء، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا من طَرِيق حجاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج، فَذكر الْإِسْنَاد الأول. قَالَ: وَقَالَ حجاج: قَالَ ابْن جريج: وَزَاد نَافِع، فَذكره، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَفِي هَذَا رد على الْحميدِي فِي زَعمه أَن هَذَا مُعَلّق، وَلذَا علم عَلَيْهِ الْمزي عَلامَة التَّعْلِيق، وَهُوَ وهم قلت: هَذَا الْقَائِل هُوَ الَّذِي يرد عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي وهم، لِأَن الَّذِي زَعمه لَا تَقْتَضِيه رِوَايَة عبد الرَّزَّاق لِأَنَّهَا تشعر بِخِلَاف مَا قَالَه، لِأَن ابْن جريج يَقُول: زادني نَافِع عَن ابْن عمر، مَعْنَاهُ: أَنه زادني على روايتي عَن أبي بكر عَن عُثْمَان عَن ربيعَة عَن عمر بن الْخطاب رِوَايَة نَافِع عَن عبد الله بن عمر: أَن الله تَعَالَى لم يفْرض علينا السُّجُود إلاّ أَن نشَاء، والمزيد هُوَ قَول ابْن عمر، وَهُوَ قَوْله: إِن الله، . . إِلَى آخِره. وَهَذَا يُنَادي بِصَوْت عَال: إِنَّه مَوْقُوف، مثل مَا قَالَ الْكرْمَانِي، ومعلق مثل مَا قَالَ الحافظان الكبيران: الْحميدِي والمزي، فبمثل هَذَا التَّصَرُّف يتعسف بِالرَّدِّ عَلَيْهِمَا، وَأبْعد من ذَلِك وأحق بِالرَّدِّ عَلَيْهِ مَا قَالَه عقيب هَذَا، قَوْله فِي رِوَايَة
стр. 1980
عبد الرَّزَّاق: أَنه قَالَ، الضَّمِير يعود على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جزم بذلك التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه) حَيْثُ نسب ذَلِك إِلَى عمر فِي هَذِه الْقَضِيَّة. قلت: لم يجْزم التِّرْمِذِيّ بذلك أصلا، وَلَا ذكر مَا زَاده نَافِع لِابْنِ جريج، وَإِنَّمَا لفظ التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه) فِي: بَاب من لم يسْجد فِيهِ، أَي: فِي النَّجْم، بعد رِوَايَته حَدِيث زيد بن ثَابت، وَقَالَ بعض أهل الْعلم: إِنَّمَا السَّجْدَة على من أَرَادَ أَن يسْجد فِيهَا وَالْتمس فَضلهَا، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوع، ثمَّ قَالَ: وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَرَأَ سَجْدَة على الْمِنْبَر فَنزل فَسجدَ ثمَّ قَرَأَهَا فِي الْجُمُعَة الثَّانِيَة فتهيأ النَّاس للسُّجُود فَقَالَ: إِنَّهَا لم تكْتب علينا إلاّ أَن نشَاء، فَلم يسْجد وَلم يسجدوا، انْتهى. فَهَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ، فَلْينْظر من لَهُ بَصِيرَة وذوق من دقائق تركيب الْكَلَام، هَل تعرض التِّرْمِذِيّ فِي ذَلِك إِلَى زِيَادَة نَافِع عَن ابْن عمر؟ أَو ذكر أَن الضَّمِير فِي قَوْله: قَالَ، يعود على عمر؟ وَلَو قَالَ: مثل مَا روى نَافِع عَن ابْن عمر ذكر التِّرْمِذِيّ عَن عمر مثله لَكَانَ لَهُ وَجه ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَاسْتدلَّ بقوله: لم يفْرض علينا، على عدم وجوب سَجْدَة التِّلَاوَة. وَأجَاب بعض الْحَنَفِيَّة على قاعدتهم فِي التَّفْرِقَة بَين الْفَرْض وَالْوَاجِب بِأَن نفي الْفَرْض لَا يسْتَلْزم نفي الْوُجُوب، وَتعقب بِأَنَّهُ اصْطِلَاح لَهُم حَادث، وَمَا كَانَ الصَّحَابَة يفرقون بَينهمَا، ويغني عَن هَذَا قَول عمر: وَمن لم يسْجد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ.
قلت: أما الْجَواب عَن قَوْله: لم تفرض علينا، فَنحْن أَيْضا نقُول: لم يفْرض علينا، وَلكنه وَاجِب، وَنفي الْفَرْض لَا يسْتَلْزم نفي الْوَاجِب، وَأما قَوْله: وَتعقب. . إِلَى آخِره، فَلَا نسلم أَنه اصْطِلَاح حَادث، وَأهل اللُّغَة فرقوا بَين الْفَرْض وَالْوَاجِب، ومنكر هَذَا معاند ومكابر، وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا تُؤْخَذ من الْأَلْفَاظ اللُّغَوِيَّة. وَأما قَوْله: وَمَا كَانَ الصَّحَابَة يفرقون بَينهمَا، دَعْوَى بِلَا برهَان، وَالصَّحَابَة هم كَانُوا أهل اللُّغَة وَالتَّصَرُّف فِي الْأَلْفَاظ الْعَرَبيَّة، وَهَذَا القَوْل فِيهِ نِسْبَة الصَّحَابَة إِلَى عدم الْمعرفَة بلغات لسانهم. وَأما قَوْله: ويغني عَن هَذَا قَول عمر وَمن لم يسْجد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ، فقد أجبنا فِيمَا مضى عَن هَذَا بِأَنَّهُ: لَا إِثْم عَلَيْهِ فِي تَأْخِيره عَن وَقت السماع. فَإِن قلت: روى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن بكير: حَدثنَا مَالك عَن (هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَرَأَ السَّجْدَة وَهُوَ على الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة فَنزل فَسجدَ وسجدوا مَعَه، ثمَّ قَرَأَ يَوْم الْجُمُعَة الْأُخْرَى فتهيأوا للسُّجُود، فَقَالَ عمر: على رسلكُمْ، إِن الله لم يَكْتُبهَا علينا إلاّ أَن نشَاء، وَقرأَهَا وَلم يسْجد ومنعهم) . قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : ترك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَعَ من حضر السُّجُود وَمنعه لَهُم دَلِيل على عدم الْوُجُوب، وَلَا إِنْكَار وَلَا مُخَالف، وَلَا يجوز أَن يكون عِنْد بَعضهم أَنه وَاجِب ويسكت عَن الْإِنْكَار على غَيره فِي قَوْله: (وَمن لم يسْجد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ) قلت: عُرْوَة لم يدْرك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ خَليفَة بن خياط: وَفِي آخر خلَافَة عمر بن الْخطاب، يُقَال فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين، ولد عُرْوَة بن الزبير، وَعَن مُصعب بن الزبير: ولد عُرْوَة لست سِنِين خلت من خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَيكون مُنْقَطِعًا، وَهُوَ غير حجَّة. وَأما ترك عمر السُّجُود فقد ذكرنَا أَنه لِمَعْنى من الْمعَانِي الَّتِي ذَكرنَاهَا فِيمَا مضى عَن الطَّحَاوِيّ. وَأما مَنعه لَهُم عَن السُّجُود على تَقْدِير تَسْلِيم صِحَّته، فَيحْتَمل أَنه كَانَ يرى أَن التَّالِي إِذا لم يسْجد لَا يسْجد السَّامع أَيْضا، فَيكون معنى الْمَنْع: إِذا مَا سجدت فَلَا تسجدوا أَنْتُم أَيْضا. وَرُوِيَ عَن مَالك أَنه قَالَ: إِن ذَلِك مِمَّا لم يتبع عَلَيْهِ عمر، وَلَا عمل بِهِ أحد بعده، وَقَالَ الْقَائِل الْمَذْكُور أَيْضا: وَاسْتدلَّ بقوله: (إِلَّا أَن نشَاء) ، على أَن الْمَرْء مُخَيّر فِي السُّجُود، فَيكون لَيْسَ بِوَاجِب، وَأجَاب من أوجبه: بِأَن الْمَعْنى إلاّ أَن نشَاء قرَاءَتهَا فَيجب، وَلَا يخفى بعده، وَيَردهُ تَصْرِيح عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بقوله: (وَمن لم يسْجد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ) فَإِن انْتِفَاء الْإِثْم عَمَّن ترك الْفِعْل مُخْتَارًا يدل على عدم وُجُوبه. قلت: لَا شكّ أَن مفعول: نشَاء، مَحْذُوف، فَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك: السَّجْدَة، يَعْنِي: إلاّ أَن نشَاء السَّجْدَة، وَيحْتَمل أَن تكون: الْقِرَاءَة، يَعْنِي: إِلَّا أَن نشَاء قِرَاءَة السَّجْدَة، فَلَا يتَرَجَّح أحد الِاحْتِمَالَيْنِ إلاّ بمرجح، وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب تَنْفِي التَّخْيِير، فيترجح الْمَعْنى الآخر، وَالْجَوَاب عَن قَوْله: وَيَردهُ تَصْرِيح عمر. . إِلَى آخِره، قد ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَاسْتدلَّ بِهِ على من شرع فِي السُّجُود وَجب عَلَيْهِ إِتْمَامه، وَأجِيب بِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَالْمعْنَى: لَكِن ذَلِك موكول إِلَى مَشِيئَة الْمَرْء بِدَلِيل إِطْلَاقه، وَمن لم يسْجد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ.
١١ - (بابُ منْ قرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ بِهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من قَرَأَ سَجْدَة التِّلَاوَة فِي الصَّلَاة فَسجدَ بهَا، أَي: بِتِلْكَ السَّجْدَة، وَحكمه أَن لَا تكره قِرَاءَة
стр. 1981
السَّجْدَة فِي الصَّلَاة، خلافًا لمَالِك على مَا نذكرهُ. وَقَالَ بَعضهم: فِي الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة. قلت: إِطْلَاق البُخَارِيّ يتَنَاوَل الْفَرِيضَة والنافلة.
٨٧٠١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أبي قَالَ حدَّثني بَكْرٌ عنْ أبي رَافِعٍ قَالَ صلَّيْتُ مَعَ أبي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فقَرَأَ إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ قلْتُ مَا هاذِهِ قَالَ سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أبي القَاسِمِ ﷺ فَلَا أزَالُ أسْجُدُ فِيهَا حَتَّى ألْقَاهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد، تكَرر ذكره. الثَّانِي: مُعْتَمر بن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ. الثَّالِث: أَبوهُ سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ. الرَّابِع: بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ. الْخَامِس: أَبُو رَافع نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن الروَاة كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه. وَفِيه: راويان بِلَا نِسْبَة وراو بكنيته.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة عَن أبي النُّعْمَان وَعَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عبيد الله بن معَاذ وَمُحَمّد بن عبد الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان بِهِ وَعَن أبي كَامِل الجحدري عَن يزِيد بن زُرَيْع بِهِ، وَعَن عمر النَّاقِد عَن عِيسَى بن يُونُس وَعَن أَحْمد بن عَبدة عَن سليم بن أَخْضَر، كِلَاهُمَا عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن مُعْتَمر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن سليم بن أَخْضَر بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الْعَتَمَة) أَي: صَلَاة الْعشَاء. قَوْله: (مَا هَذِه؟) أَي: مَا هَذِه السَّجْدَة الَّتِي سجدت بهَا فِي الصَّلَاة؟ قَوْله: (حَتَّى أَلْقَاهُ) ، بِالْقَافِ أَي: حَتَّى أَمُوت، لِأَن المُرَاد لِقَاء رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ لَا يكون إلاّ بِالْمَوْتِ.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: احْتج بِهِ الثَّوْريّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ أَنه: من قَرَأَ سَجْدَة فِي صلَاته الْمَكْتُوبَة أَنه لَا بَأْس أَن يسْجد فِيهَا، وَكره مَالك ذَلِك فِي الْفَرِيضَة الجهرية والسرية. وَقَالَ ابْن حبيب: لَا يقْرَأ الإِمَام السَّجْدَة فِيمَا يسر بِهِ، ويقرؤها فِيمَا يجْهر فِيهِ، وَذكر الطَّبَرِيّ عَن أبي مجلز أَنه كَانَ لَا يرى السُّجُود فِي الْفَرِيضَة، وَزعم أَن ذَلِك زِيَادَة فِي الصَّلَاة، وَرَأى أَن السُّجُود فِيهَا غير الصَّلَاة، وَحَدِيث الْبَاب يرد عَلَيْهِ، وَعمل السّلف من الصَّحَابَة وعلماء الْأمة. وَرُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه صلى الصُّبْح فَقَرَأَ: والنجم، فَسجدَ فِيهَا، وَقَرَأَ مرّة فِي الصُّبْح فَسجدَ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ. وَقَالَ ابْن مَسْعُود، فِي السُّورَة يكون آخرهَا سَجْدَة: إِن شِئْت سجدت بهَا ثمَّ قُمْت وقرأت فركعت، وَإِن شِئْت ركعت بهَا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَإِنَّمَا قَرَأَ الشَّارِع السَّجْدَة فِي الْعَتَمَة وَالصُّبْح، وَهَذَا فِيمَا يجْهر فِيهِ، وَإِذا سجد فِي قِرَاءَة السّريَّة لم يدر أَسجد للتلاوة أم لغَيْرهَا. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) وَإِذا قَرَأَ الإِمَام آيَة السَّجْدَة سجدها وَسجد الْمَأْمُوم مَعَه، وَإِذا تَلا الْمَأْمُوم وسمعها الإِمَام وَالْقَوْم لم يسْجد الإِمَام وَلَا الْمَأْمُوم فِي الصَّلَاة بالِاتِّفَاقِ، وَلَا بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، وَقَالَ مُحَمَّد: يسجدونها بعد الْفَرَاغ. انْتهى. وَمِمَّا يسْتَدلّ بسجوده ﷺ فِي الصَّلَاة لسجدة التِّلَاوَة على التَّسْوِيَة بَين الْفَرِيضَة والنافلة، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَفرق الْمَالِكِيَّة بَين صَلَاة الْفَرْض والنافلة، فَإِن كَانَ فِي النَّافِلَة فَيسْجد لقِرَاءَة نَفسه سَوَاء كَانَ مُنْفَردا أَو إِمَامًا لأمن التَّخْلِيط عَلَيْهِم، فَإِن لم يَأْمَن التَّخْلِيط عَلَيْهِم أَيْضا سجد على الْمَنْصُوص عَلَيْهِ عِنْدهم، فَأَما الْفَرِيضَة فَالْمَشْهُور عِنْدهم أَنه لَا يسْجد فِيهَا سَوَاء كَانَت سَرِيَّة أَو جهرية، وَسَوَاء كَانَ مُنْفَردا أَو فِي جمَاعَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) : وَحكي عَن أبي حنيفَة أَنه لَا يسْجد للتلاوة فِي الصَّلَاة السّريَّة. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: هَذَا مُشكل مَعَ قَول الْحَنَفِيَّة بِوُجُوب سُجُود التِّلَاوَة، فَإِن كَانَ يَقُول: إِنَّه لَا يسْجد لقرائتها، كَمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ، فَهُوَ مُشكل. وَإِن قَالَ: إِنَّه لَا يقْرَأ آيَة السَّجْدَة، كَمَا حَكَاهُ ابْن الْعَرَبِيّ عَنهُ، فَهُوَ أقرب، إلاّ أَن الْحَنَفِيَّة قَالُوا: إِنَّه يكره أَن يقْرَأ السُّورَة الَّتِي فِيهَا السَّجْدَة، وَلَا يسْجد فِيهَا فِي صَلَاة كَانَ أَو فِي غَيرهَا، لِأَنَّهُ كالاستنكاف عَن السُّجُود، فعلى هَذَا فالاحتياط على قَوْلهم: إِنَّه لَا يقْرَأ فِي الصَّلَاة السّريَّة سُورَة فِيهَا سَجْدَة. قلت: وَفِي (الْهِدَايَة) قَالَ: لَا بَأْس أَن يقْرَأ آيَة السَّجْدَة ويدع مَا سواهَا. قَالَ مُحَمَّد: وَأحب إِلَيّ أَن يقْرَأ قبلهَا آيَة أَو آيَتَيْنِ دفعا لوهم التَّفْضِيل، وَاسْتحْسن الْمَشَايِخ إخفاءها شَفَقَة على السامعين وَفِي (الْمُحِيط) : إِذا كَانَ التَّالِي وَحده يقْرَأ كَيفَ شَاءَ جَهرا أَو إخفاء، وَإِن كَانَ مَعَه جمَاعَة
стр. 1982
قَالَ مَشَايِخنَا: إِن كَانُوا متهيئين للسُّجُود وَوَقع فِي قلبه أَنه لَا يشق عَلَيْهِم أَدَاؤُهَا يَنْبَغِي أَن يجْهر حَتَّى يسْجد الْقَوْم مَعَه، وَإِن كَانُوا محدثين أَو يظنّ أَنهم لَا يَسْجُدُونَ أَو يشق عَلَيْهِم أَدَاؤُهَا يَنْبَغِي أَن يَقْرَأها فِي نَفسه وَلَا يجْهر تَحَرُّزًا عَن تأثيم الْمُسلم. قلت كل هَذَا مَبْنِيّ على وجوب سَجْدَة التِّلَاوَة، وَمِمَّا اسْتدلَّ بِأَحَادِيث السُّجُود للتلاوة على أَنه لَا يقوم الرُّكُوع مقَام سُجُود التِّلَاوَة، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يقوم الرُّكُوع مقَام السُّجُود، للتلاوة اسْتِحْسَانًا لقَوْله تَعَالَى: ﴿خر رَاكِعا وأناب﴾ (ص: ٤٢) . وَفِي (الْيَنَابِيع) : إِن كَانَت السَّجْدَة فِي آخر السُّورَة فَالْأَفْضَل أَن يرْكَع بهَا، وَإِن كَانَت فِي وَسطهَا فَالْأَفْضَل أَن يسْجد ثمَّ يقوم فيختم السُّورَة، ثمَّ يرْكَع، وَإِن كَانَت فِي آخر السُّورَة وَبعدهَا آيتان أَو ثَلَاث فَإِن شَاءَ أتم السُّورَة وَركع، وَإِن شَاءَ سجد ثمَّ قَامَ فَأَتمَّ السُّورَة، فَإِن ركع بهَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة عِنْد الرُّكُوع بهَا، فَإِن لم تُوجد مِنْهُ النِّيَّة عِنْد الرُّكُوع بهَا لَا يجْزِيه عَن السَّجْدَة، وَلَو نوى فِي رُكُوعه، فَقيل: يجْزِيه، وَقيل: لَا يجْزِيه، وَاسْتدلَّ أَيْضا بِأَحَادِيث سُجُود المستمع لآيَة السَّجْدَة على أَنه لَا فرق بَين أَن يسْمعهَا مِمَّن هُوَ أهل للْإِمَامَة أَو لَا، كَمَا لَو سَمعهَا من امْرَأَة أَو صبي أَو خُنْثَى مُشكل أَو كَافِر أَو مُحدث، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة، وَعند الشَّافِعِيَّة كَذَلِك على مَا ذكره النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) : وَقَالَ: هُوَ الْأَصَح، وَلَيْسَ فِي عبارَة الرَّافِعِيّ تَصْرِيح بالتصحيح لَهُ، وَلكنه لما ذكر عبارَة الْغَزالِيّ فِي (الْوَجِيز) قَالَ: ظَاهر اللَّفْظ يَشْمَل قِرَاءَة الْمُحدث وَالصَّبِيّ وَالْكَافِر، وَيَقْتَضِي شَرْعِيَّة السُّجُود للمستمع إِلَى قِرَاءَته، وَحكى الرَّافِعِيّ قبل هَذَا عَن صَاحب (الْبَيَان) : أَنه لَا يسْجد المستمع لقِرَاءَة الْمُحدث، ثمَّ ذكر بعد ذَلِك عَن الطَّبَرِيّ فِي الْعدة: أَنه لَا يسْجد المستمع لقِرَاءَة الْكَافِر وَالصَّبِيّ، وَحكى ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) ؛ عَن الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق: أَنه لَا يسْجد لقِرَاءَة الْمَرْأَة وَالْخُنْثَى الْمُشكل، وَرِوَايَة وَاحِدَة عَن أَحْمد، وَحكى عَنهُ وَجْهَان فِيمَا إِذا كَانَ صَبيا، وَذَهَبت الْمَالِكِيَّة أَيْضا إِلَى أَنه: لَا يسْجد لاستماع قِرَاءَة من لَيْسَ أَهلا للْإِمَامَة، وَقَالَ الثَّوْريّ: إِذا سمع آيَة السَّجْدَة من امْرَأَة تَلَاهَا السَّامع وَسجد، وَقَالَ اللَّيْث: إِذا سَمعهَا من غُلَام سجد، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: ذكر بعض أَصْحَابنَا أَن القارىء إِن كَانَ مِمَّن تمْتَنع عَلَيْهِ الْقِرَاءَة كالجنب والسكران لم يسْجد المستمع لقرَاءَته، وَبِه جزم القَاضِي حُسَيْن فِي فتواه.
٢١ - (بابُ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعا لِلسُّجُودِ مِنَ الزِّحَامِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ حكم من لم يجد. . إِلَى آخِره، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَنه يرى أَنه يسْجد بِقدر استطاعته، وَلَو كَانَ على ظهر غَيره.
٩٧٠١ - حدَّثنا صَدَقَةُ قَالَ أخبرنَا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَقْرَأُ السُّورةَ الَّتِي فِيها السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنسْجُدُ حَتَّى مَا يَجدُ أحدُنا مَكانا لِمَوْضِعَ جَبْهَتِهِ.
(أنظر الحَدِيث ٥٧٠١ وطرفه) .
مر هَذَا الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب ازدحام النَّاس إِذا قَرَأَ الإِمَام السَّجْدَة، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ: عَن بشر بن آدم عَن عَليّ بن مسْهر عَن عبيد الله عَن نَافِع إِلَى آخِره، وَهَهُنَا أخرجه: عَن صَدَقَة بن الْفضل، مضى ذكره فِي: بَاب الْعلم والعظة بِاللَّيْلِ، عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب.
قَوْله: (كَانَ النَّبِي ﷺ يقْرَأ السُّورَة الَّتِي فِيهَا السَّجْدَة) ، وَزَاد عَليّ بن مسْهر فِي رِوَايَته عَن عبيد الله: (وَنحن عِنْده) . قَوْله: (فَيسْجد) أَي: النَّبِي ﷺ . قَوْله: (ونسجد) ، بنُون الْمُتَكَلّم، أَي: وَنحن نسجد، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (ونسجد مَعَه) ، قَوْله: (لموْضِع جَبهته) ، يَعْنِي من الزحام وَكَثْرَة الْخلق. وَقَالَ مُسلم: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة. قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشر، قَالَ: حَدثنَا عبيد الله بن عمر عَن نَافِع (عَن ابْن عمر، قَالَ: رُبمَا قَرَأَ رَسُول الله ﷺ الْقُرْآن فيمر بِالسَّجْدَةِ فَيسْجد بِنَا حَتَّى ازدحمنا عِنْده حَتَّى مَا يجد أَحَدنَا مَكَانا يسْجد فِيهِ فِي غير صَلَاة) ، وَرِوَايَة مُسلم هَذِه دلّت على أَن هَذِه الْقَضِيَّة كَانَت فِي غير وَقت صَلَاة، وأفادت رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق مُصعب بن ثَابت عَن نَافِع فِي هَذَا الحَدِيث أَن ذَلِك كَانَ بِمَكَّة لما قَرَأَ النَّبِي ﷺ النَّجْم، وَزَاد فِيهِ: (حَتَّى يسْجد الرجل على ظهر الرجل) .
стр. 1983
٨١ - (كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ)
أَي: هَذِه أَبْوَاب التَّقْصِير فِي الصَّلَاة، هَكَذَا وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: أَبْوَاب تَقْصِير الصَّلَاة، وَلم تثبت فِي روايتهما الْبَسْمَلَة، وَثبتت فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي بعض النّسخ: كتاب التَّقْصِير، وَالتَّقْصِير مصدر من قصَّر بِالتَّشْدِيدِ، يُقَال: قصرت الصَّلَاة بِفتْحَتَيْنِ قصرا وقصرتها بِالتَّشْدِيدِ تقصيرا، وأقصرتها إقصارا، وَالْأول أشهر فِي الِاسْتِعْمَال وأفصح، وَهُوَ لُغَة الْقُرْآن.
١ - (بابُ مَا جاءَ فِي التَّقْصيرِ وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ)
أَي: هَذَا بَاب حكم تَقْصِير الصَّلَاة أَي: جعل الرّبَاعِيّة على رَكْعَتَيْنِ، وَالْإِجْمَاع على أَن لَا تَقْصِير فِي الْمغرب وَالصُّبْح. قَوْله: (وَكم يُقيم حَتَّى يقصر) ، إعلم أَن الشُّرَّاح تصرفوا فِي هَذَا التَّرْكِيب بالرطب واليابس، وَحل هَذَا مَوْقُوف على معرفَة لَفْظَة: كم، وَلَفْظَة: حَتَّى، وَلَفْظَة: يُقيم، ليفهم مَعْنَاهُ بِحَيْثُ يكون حَدِيث الْبَاب مطابقا لَهُ، وإلاّ يحصل الْخلف بَينهمَا، فَتكون التَّرْجَمَة فِي نَاحيَة وَحَدِيث الْبَاب فِي نَاحيَة فَنَقُول: لَفْظَة: كم، هُنَا استفهامية بِمَعْنى: أَي عدد؟ وَلَا يكون تَمْيِيزه إلاّ مُفردا، خلافًا للكوفيين، وَيكون مَنْصُوبًا وَلَا يجوز جَرّه مُطلقًا كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَلَفْظَة: حَتَّى هُنَا، للتَّعْلِيل لِأَنَّهَا تَأتي فِي كَلَام الْعَرَب لأحد ثَلَاثَة معَان: لانْتِهَاء الْغَايَة وَهُوَ الْغَالِب، وَالتَّعْلِيل، وَبِمَعْنى: إلاّ فِي الِاسْتِثْنَاء، وَهَذَا أقلهَا، وَلَفْظَة: يُقيم، مَعْنَاهَا: يمْكث، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ ضد السّفر بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيّ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون معنى قَوْله: (وَكم يُقيم حَتَّى يقصر؟) وَكم يَوْمًا يمْكث الْمُسَافِر لأجل قصر الصَّلَاة، وَجَوَابه مثلا: تِسْعَة عشر يَوْمًا، كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب، فَإِن فِيهِ: (أَقَامَ النَّبِي ﷺ تِسْعَة عشر يَوْمًا يقصر) ، فَنحْن إِذا سافرنا تِسْعَة عشر يَوْمًا قَصرنَا، وَإِن زِدْنَا أتممنا، فَيكون مكث الْمُسَافِر فِي سَفَره تِسْعَة عشر يَوْمًا سَببا لجَوَاز قصر الصَّلَاة، فَإِذا زَاد على ذَلِك لَا يجوز لَهُ الْقصر، لِأَن الْمُسَبّب يَنْتَفِي بِانْتِفَاء السَّبَب، فَإِذا عرفت هَذَا عرفت أَن الْكرْمَانِي تكلّف فِي حل هَذَا التَّرْكِيب حَيْثُ قَالَ أَولا: لَا يَصح كَون الْإِقَامَة سَببا للقصر، وَلَا الْقصر غَايَة للإقامة، ثمَّ قَالَ: عدد الْأَيَّام سَبَب، أَي: سَبَب معرفَة لجَوَاز الْقصر أَي الْإِقَامَة إِلَى تِسْعَة عشر يَوْمًا سَبَب لجوازه لَا الزِّيَادَة عَلَيْهَا، وَهَذَا كَمَا ترى تعسف جدا، وَكَذَا بَعضهم تصرف فِيهِ تَصَرُّفَات عَجِيبَة. مِنْهَا: مَا نقل عَن غَيره بِأَن الْمَعْنى: وَكم إِقَامَته المغياة بِالْقصرِ، وَهَذَا التَّقْدِير لَا يَصح أصلا، لِأَن: كم، الاستفهامية على هَذَا تَلْتَبِس بالخبرية، ثمَّ قَوْله: من عِنْده، وَحَاصِله كم يُقيم مقصرا، غير صَحِيح، لِأَن هَذَا الَّذِي قَالَه غير حَاصِل، ذَاك الَّذِي نَقله على أَن فِيهِ إِلْغَاء معنى: حَتَّى. وَمِنْهَا: مَا نَقله عَن غَيره أَيْضا بقوله، وَقيل: المُرَاد كم يقصر حَتَّى يُقيم، أَي: حَتَّى يُسمى مُقيما فَانْقَلَبَ اللَّفْظ، وَهَذَا أَيْضا غير صَحِيح، لِأَن المُرَاد مِنْهُ لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيب، على أَن فِيهِ نِسْبَة التَّرْكِيب إِلَى الْخَطَأ. وَمِنْهَا: مَا قَالَه من عِنْده، وَهُوَ قَوْله: أَو حَتَّى هُنَا بِمَعْنى: حِين، أَي: كم يُقيم حِين يقصر، وَهَذَا أَيْضا غير صَحِيح لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن أحد من أهل اللِّسَان إِن حَتَّى تَجِيء بِمَعْنى حِين.
٠٨٠١ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ عَاصِم وَحُصَيْنٍ عنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أقامَ النبيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ فَنَحْنُ إذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا وَإنْ زِدْنَا أتْمَمْنَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْوَجْه الَّذِي قَرَّرْنَاهُ.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة اسْمه الوضاح الْيَشْكُرِي. الثَّالِث: عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول، مر فِي كتاب الْوضُوء، الرَّابِع: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ. الْخَامِس: عِكْرِمَة. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين.
стр. 1984
وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي. وَالثَّانِي واسطي وَالثَّالِث بَصرِي وَالرَّابِع كُوفِي. وَالْخَامِس مدنِي. وَفِيه: وَاحِد بكنيته وَثَلَاثَة بِلَا نِسْبَة، وَفِيه: أَبُو عَاصِم يروي عَن اثْنَيْنِ. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين وهم عَاصِم وحصين وَعِكْرِمَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي: عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله وَعَن أَحْمد بن يُونُس عَن ابْن شهَاب كِلَاهُمَا عَن عَاصِم وَحده. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء وَعُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد عَن أبي مُعَاوِيَة. وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْملك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَقَامَ رَسُول الله ﷺ ، كَانَت إِقَامَته بِمَكَّة، على مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من وَجه آخر عَن عَاصِم. قَوْله: (تِسْعَة عشر) أَي: يَوْمًا بليلته. قَوْله: (يقصر) جملَة حَالية. قَوْله: (تِسْعَة عشر) أَي: يَوْمًا. قَوْله: (قَصرنَا) أَي: الصَّلَاة الرّبَاعِيّة. قَوْله: (وَإِن زِدْنَا) أَي: على تِسْعَة عشر يَوْمًا (أتممنا) الصَّلَاة أَرْبعا.
ذكر الْأَحَادِيث الْمُخْتَلفَة فِي مُدَّة إِقَامَته ﷺ بِمَكَّة، وَالْجمع بَينهَا، فَفِي حَدِيث أنس رَوَاهُ السِّتَّة أَنه أَقَامَ بهَا عشرا، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور أَنه قَامَ بهَا تِسْعَة عشر يَوْمًا بِتَقْدِيم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق على السِّين وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُود من حَدِيث ابْن عَبَّاس سَبْعَة عشر يَوْمًا، بِتَقْدِيم السِّين على الْبَاء الْمُوَحدَة، وَإِسْنَاده صَحِيح، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه: خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَفِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أخرجه أَبُو دَاوُد: ثَمَانِي عشرَة لَيْلَة، وَالْجمع بَينهَا: أَن حَدِيث أنس فِي خجة الْوَدَاع. وَلم تكن إِقَامَته للعشرة بِنَفس مَكَّة، وَإِنَّمَا المُرَاد إِقَامَته بهَا مَعَ إِقَامَته بمنى إِلَى حِين رُجُوعه، فَإِنَّهُ دَخلهَا صبح رَابِعَة، كَمَا ثَبت فِي (الصَّحِيح) فِي حَدِيث جَابر: (فَأَقَامَ بهَا ثَلَاثَة أَيَّام) ، غير يومي الدُّخُول وَالْخُرُوج مِنْهَا إِلَى منى يَوْم الثَّامِن، فَأَقَامَ بمنى ثَلَاثَة أَيَّام الرَّمْي الثَّلَاثَة وأخرها الثَّالِث عشر، وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس وَعمْرَان بن حُصَيْن فَالْمُرَاد بهما: دُخُوله فِي فتح مَكَّة، وَقد جمع بَينهمَا الْبَيْهَقِيّ بِأَن من روى: تِسْعَة عشر عد يومي الدُّخُول وَالْخُرُوج. وَمن روى سَبْعَة عشر تَركهمَا، وَمن روى ثَمَانِيَة عشر عد أَحدهمَا، وَأما رِوَايَة خَمْسَة عشر، فَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (الْخُلَاصَة) : إِنَّهَا ضَعِيفَة مُرْسلَة. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن رواتها ثِقَات، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من طَرِيق ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس، فَإِن قَالَ النَّوَوِيّ: تَضْعِيفه لأجل إِبْنِ اسحاق فإبن إِسْحَاق لم ينْفَرد بِهِ، بل رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة عرَاك بن مَالك عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس، وَهَذَا إِسْنَاد جيد، وَمن حفظ زِيَادَة على ذَلِك قبل مِنْهُ لِأَنَّهُ زِيَادَة ثِقَة، وَالله تَعَالَى أعلم.
ذكر الِاخْتِلَاف عَن عِكْرِمَة: روى عَنهُ عَاصِم وحصين عَن ابْن عَبَّاس: تِسْعَة أشهر كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب، وَكَذَا أخرجه ابْن مَاجَه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ: (سَافر رَسُول الله ﷺ سفرا فصلى تِسْعَة عشر يَوْمًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) ، وَرَوَاهُ عباد ابْن مَنْصُور (عَن عِكْرِمَة قَالَ: أَقَامَ رَسُول الله ﷺ زمن الْفَتْح تسع عشرَة لَيْلَة يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) ، أخرجه الْبَيْهَقِيّ، وَاخْتلف على عَاصِم عَن عِكْرِمَة فَرَوَاهُ ابْن الْمُبَارك وَابْن شهَاب وَأَبُو عوَانَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ تسع عشرَة، وَرَوَاهُ خلف بن هِشَام وَحَفْص بن غياث، فَقَالَا: سبع عشرَة، وَاخْتلف على أبي مُعَاوِيَة عَن عَاصِم، وَأكْثر الرِّوَايَات عَنهُ تسع عشرَة رَوَاهَا عَنهُ أَبُو خَيْثَمَة وَغَيره، وَرَوَاهُ عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن أبي مُعَاوِيَة، فَقَالَ: سبع عشرَة. وَاخْتلف على أبي عوَانَة، فَرَوَاهُ جماعات عَنهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: تسع عشرَة، وَرَوَاهُ لوين عَن أبي عوَانَة عَنْهُمَا، فَقَالَ: سبع عشرَة، وَرَوَاهُ الْمُعَلَّى بن أَسد عَن أبي عوَانَة عَن عَاصِم، فَقَالَ: سبع عشرَة، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَأَصَح الرِّوَايَات عِنْدِي: تسع عشرَة، وَهِي الَّتِي أوردهَا البُخَارِيّ، وَعبد الله ابْن الْمُبَارك أحفظ من رَوَاهُ عَن عَاصِم، وَرَوَاهُ عبد الرَّحْمَن الْأَصْبَهَانِيّ عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله، ﷺ ، أَقَامَ سبع عشرَة بِمَكَّة يقصر) .
ذكر اخْتِلَاف الْأَقْوَال: فِي الْمدَّة الَّتِي إِذا نوى الْمُسَافِر الْإِقَامَة فِيهَا لزمَه الْإِتْمَام، وَهُوَ على اثْنَيْنِ وَعشْرين قولا: الأول: ذكر ابْن حزم عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: إِذا وضعت رجلك بِأَرْض فَأَتمَّ، وَهُوَ فِي (المُصَنّف) : عَن عَائِشَة وطاووس بِسَنَد صَحِيح، قَالَ: وَحدثنَا عبد الْأَعْلَى عَن دَاوُد عَن أبي الْعَالِيَة، قَالَ: (إِذا اطْمَأَن صلى أَرْبعا) ، يَعْنِي: نزل. وَعَن ابْن عَبَّاس بِسَنَد صَحِيح مثله. الثَّانِي: إِقَامَة يَوْم وَلَيْلَة، حَكَاهُ ابْن عبد الْبر عَن ربيعَة. الثَّالِث: ثَلَاثَة أَيَّام، قَالَه ابْن الْمسيب، فِي مثله. الرَّابِع:
стр. 1985
أَرْبَعَة أَيَّام، رُوِيَ عَن الشَّافِعِي وَأحمد، وروى مَالك عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي أَنه سمع سعيد بن الْمسيب قَالَ: من أجمع على إِقَامَة أَربع لَيَال وَهُوَ مُسَافر أتم الصَّلَاة، قَالَ مَالك: وَذَلِكَ أحب مَا سَمِعت إِلَيّ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يحْسب يَوْم ظعنه وَلَا يَوْم نُزُوله. وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن الشَّافِعِي: أَرْبَعَة أَيَّام ولحظة. الْخَامِس: أَكثر من أَرْبَعَة أَيَّام، ذكره ابْن رشد فِي الْقَوَاعِد عَن أَحْمد وَدَاوُد. السَّادِس: أَن يَنْوِي إِقَامَة اثْنَيْنِ وَعشْرين صَلَاة، قَالَ ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) : هُوَ مَذْهَب أَحْمد. السَّابِع: عشرَة أَيَّام، رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب: من حَدِيث مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن عَنهُ، وَالْحسن بن صَالح وَأحمد بن عَليّ بن حُسَيْن، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة. الثَّامِن: اثْنَي عشر يَوْمًا، قَالَ أَبُو عمر: روى مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سَالم عَن أَبِيه أَنه كَانَ يَقُول: أفل، صَلَاة الْمُسَافِر، مَا لم يجمع مكثا إثنتي عشرَة لَيْلَة، قَالَ: وروى عَن الْأَوْزَاعِيّ مثله، ذكره التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه) . التَّاسِع: ثَلَاثَة عشر يَوْمًا. قَالَ أَبُو عمر: رُوِيَ ذَلِك عَن الْأَوْزَاعِيّ. الْعَاشِر: خَمْسَة عشر يَوْمًا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَالثَّوْري وَاللَّيْث بن سعد، وَحَكَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن الْمسيب بِسَنَد صَحِيح، قَالَ: وَحدثنَا عمر بن ذَر عَن مُجَاهِد: كَانَ ابْن عمر إِذا أجمع على إِقَامَة خمس عشرَة يَوْمًا صلى أَرْبعا. الْحَادِي عشر: سِتَّة عشر يَوْمًا، وَرُوِيَ عَن اللَّيْث أَيْضا. الثَّانِي عشر: سَبْعَة عشر يَوْمًا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي أَيْضا. الثَّالِث عشر: ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي أَيْضا. الرَّابِع عشر: تِسْعَة عشر يَوْمًا، قَالَه إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فِيمَا ذكره الطوسي عَنهُ. الْخَامِس عشر: عشرُون يَوْمًا، قَالَه ابْن حزم. السَّادِس عشر: يقصر حَتَّى يَأْتِي مصرا من الْأَمْصَار، قَالَ أَبُو عمر: قَالَه الْحسن بن أبي الْحسن: قَالَ: وَلَا أعلم أحدا قَالَه غَيره. السَّابِع عشر: إِحْدَى وَعِشْرُونَ صَلَاة، ذكره ابْن الْمُنْذر عَن الإِمَام أَحْمد. الثَّامِن عشر: يقصر مُطلقًا، ذكره أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ. التَّاسِع عشر: قَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا جرير عَن مُغيرَة عَن سماك بن سَلمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِن قُمْت فِي بلد خَمْسَة أشهر فقصر الصَّلَاة. الْعشْرُونَ: قَالَ أَبُو بكر: حَدثنَا مسعر وسُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عبد الرَّحْمَن قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ سعد بن مَالك شَهْرَيْن بعمان يقصر الصَّلَاة، وَنحن نتم، فَقُلْنَا لَهُ، فَقَالَ نَحن أعلم. وَالْحَادِي وَالْعشْرُونَ، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا شُعْبَة حَدثنَا أَبُو التياح عَن أبي الْمنْهَال، رجل من غَزَّة. قلت لِابْنِ عَبَّاس: إِنِّي أقيم بِالْمَدِينَةِ حولا لَا أَشد على سفر. قَالَ: صلِّ رَكْعَتَيْنِ. الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: عِنْد أبي بكر بِسَنَد صَحِيح قَالَ سعيد بن جُبَير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِذا أَرَادَ أَن يُقيم أَكثر من خَمْسَة عشر يَوْمًا أتم الصَّلَاة.
ذكر بَيَان مَشْرُوعِيَّة الْقصر وَبَيَان سَببه: ذكر الضَّحَّاك فِي تَفْسِيره أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي حِدة الْإِسْلَام الظّهْر رَكْعَتَيْنِ وَالْعصر رَكْعَتَيْنِ وَالْمغْرب ثَلَاثًا وَالْعشَاء رَكْعَتَيْنِ والغداء رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا نزلت آيَة الْقبْلَة تحول للكعبة وَكَانَ قد صلى هَذِه الصَّلَوَات نَحْو بَيت الْمُقَدّس، فوجهه جِبْرِيل، ﵇، بَعْدَمَا صلى رَكْعَتَيْنِ من الظّهْر نَحْو الْكَعْبَة، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِأَن صلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَأمره أَن يُصَلِّي الْعَصْر أَرْبعا وَالْعشَاء أَرْبعا، والغداة رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ: يَا مُحَمَّد أما الْفَرِيضَة الأولى فَهِيَ للمسافرين من أمتك، والغزاة، وروى الطَّبَرَانِيّ: حَدثنَا الْمثنى حَدثنَا إِسْحَاق حَدثنَا عبد الله بن هَاشم أخبرنَا سيف عَن أبي روق عَن أبي أَيُّوب (عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: سَأَلَ قوم من التُّجَّار رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُول الله: إِنَّا نضرب فِي الأَرْض فَكيف نصلي؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة﴾ (النِّسَاء: ١٠١) . ثمَّ انْقَطع الْوَحْي، فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك بحول غزا النَّبِي ﷺ فصلى الظّهْر، فَقَالَ الْمُشْركُونَ: لقد أمكنكم مُحَمَّد وَأَصْحَابه من ظُهُورهمْ، هلا شددتم عَلَيْهِم، فَأنْزل الله تَعَالَى بَين الصَّلَاتَيْنِ: ﴿إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ (النِّسَاء: ١٠١) . وَحدثنَا ابْن بشار حَدثنَا معَاذ بن هِشَام حَدثنِي أبي عَن قَتَادَة (عَن سُلَيْمَان الْيَشْكُرِي أَنه سَأَلَ جَابر بن عبد الله عَن إقْصَار الصَّلَاة أَي يَوْم أنزل أَو: أَي يَوْم هُوَ؟ فَقَالَ: انطلقنا نتلقى عيرًا لقريش آتِيَة من الشَّام، حَتَّى إِذا كُنَّا بِنَخْل، فَنزلت آيَة الْقصر) . وَفِي (شرح الْمسند) لِابْنِ الْأَثِير: كَانَ قصر الصَّلَاة فِي السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة، وَفِي (تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ) قَالَ ابْن عَبَّاس: أول صَلَاة قصرت صَلَاة الْعَصْر، قصرهَا النَّبِي ﷺ بعسفان فِي غَزْوَة ذِي أَنْمَار.
١٨٠١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوارِثِ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ أبي إسْحَاقَ قَالَ
стр. 1986
سَمِعْتُ أنسا يقُولُ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ فكانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ قُلْتُ أقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئا قَالَ أقَمْنَا بِهَا عَشْرا.
(الحَدِيث ١٨٠١ طرفه فِي: ٧٩٢٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عمر الْمنْقري المقعد. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد أَبُو عُبَيْدَة. الثَّالِث: يحيى بن أبي إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ، مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم بصريون. وَفِيه: أَنه من رباعيات البُخَارِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَن أبي نعيم وَقبيصَة، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي كريب وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن نمير. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم كِلَاهُمَا عَن وهيب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن حميد بن مسْعدَة وَفِي الْحَج عَن زِيَاد بن أَيُّوب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن نصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي وَعبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرجنَا من الْمَدِينَة) ، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَن يحيى بن إِسْحَاق عِنْد مُسلم: (إِلَى الْحَج) ، قَوْله: (من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة) ، دخل مَكَّة يَوْم الْأَحَد صَبِيحَة رَابِعَة ذِي الْحجَّة، وَبَات بالمحصب لَيْلَة الْأَرْبَعَاء وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَة اعْتَمَرت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَخرج من مَكَّة صبيحتها وَهُوَ الرَّابِع عشر. قَوْله: (فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) ، أَي: الظّهْر وَالْعصر وَالْعشَاء وَالْفَجْر إلاّ الْمغرب، فَإِنَّهُ يُصليهَا ثَلَاثًا على حَالهَا، وروى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عَليّ بن عَاصِم عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق عَن أنس: إلاّ الْمغرب. قَوْله: (قلت) ، قَائِله يحيى. قَوْله: (أقمتم بِمَكَّة شَيْئا) ؟ همزَة الِاسْتِفْهَام فِيهِ محذوفة أَي: أقمتم. قَوْله: (عشرا) أَي: عشرَة أَيَّام، وَإِنَّمَا حذفت التَّاء من الْعشْر مَعَ أَن الْيَوْم مُذَكّر لِأَن الْمُمَيز إِذا لم يكن مَذْكُورا جَازَ فِي الْعدَد التَّذْكِير والتأنيث. قَالُوا: مَعْنَاهُ أَنه أَقَامَ بِمَكَّة وحواليها لَا فِي مَكَّة فَقَط، إِذْ كَانَ ذَلِك فِي حجَّة الْوَدَاع، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِن حَدِيث أنس لَا يُعَارض حَدِيث ابْن عَبَّاس، لِأَن حَدِيث ابْن عَبَّاس كَانَ فِي فتح مَكَّة، وَخرج من مَكَّة صبيح الرَّابِع عشر فَتكون مُدَّة إِقَامَته بِمَكَّة وحواليها عشرَة أَيَّام بلياليها، كَمَا قَالَ أنس، وَتَكون مُدَّة إِقَامَته بِمَكَّة أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء لِأَنَّهُ خرج مِنْهَا فِي الْيَوْم الثَّامِن، فصلى الظّهْر بمنى. وَقَالَ ابْن رشيد: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يبين أَن حَدِيث أنس دَاخل فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، لِأَن إِقَامَته عشرَة دَاخِلَة فِي إِقَامَته تسع عشرَة، وَأَرَادَ من ذَلِك أَن الْأَخْذ بِالزَّائِدِ مُتَعَيّن، وَلَا يتهيأ لَهُ ذَلِك لاخْتِلَاف القضيتين، وَإِنَّمَا يَجِيء مَا قَالَه لَو كَانَت القضيتان متحدتين. فَافْهَم.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: احْتج بِهِ الشَّافِعِي، ﵀، أَن الْمُسَافِر إِذا أَقَامَ ببلدة أَرْبَعَة أَيَّام قصر، لِأَن إِقَامَة النَّبِي ﷺ بِمَكَّة كَانَت أَرْبَعَة أَيَّام، كَمَا ذكرنَا. وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ: الْأَصَح أَن المُرَاد بالأربعة غير يَوْم الدُّخُول وَيَوْم الْخُرُوج، وَعَن الشَّافِعِي فِي قَوْله: إِذا أَقَامَ أَكثر من أَرْبَعَة أَيَّام كَانَ مُقيما وَإِن لم ينْو الْإِقَامَة وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: مَا قَالَه الشَّافِعِي خلاف الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن أحد قبله بِأَن يصير مُقيما بنية أَرْبَعَة أَيَّام، وَعند أَصْحَابنَا: إِن نوى أقل من خَمْسَة عشر يَوْمًا قصر صلَاته، لِأَن الْمدَّة خَمْسَة عشر يَوْمًا كمدة الطُّهْر، لما روى (عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَا: إِذا قدمت بَلْدَة وَأَنت مُسَافر وَفِي نَفسك أَن تقيم خَمْسَة عشر يَوْمًا فأكمل الصَّلَاة بهَا، وَإِن كنت لَا تَدْرِي مَتى تظعن فأقصرها) . رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا عمر بن ذَر عَن مُجَاهِد أَن ابْن عمر كَانَ إِذا أجمع على إِقَامَة خَمْسَة عشر يَوْمًا أتم الصَّلَاة) وروى هشيم عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن ابْن الْمسيب أَنه قَالَ: إِذا أَقَامَ الْمُسَافِر خمس عشرَة لَيْلَة أتم الصَّلَاة وَمَا كَانَ دون ذَلِك فليقصر. ثمَّ إعلم أَنا قُلْنَا: إِنَّمَا يصير مُقيما بنية الْإِقَامَة إِذا سَار ثَلَاثَة أَيَّام، فَأَما إِذا لم يسر ثَلَاثَة أَيَّام فعزم على الرُّجُوع أَو نوى الْإِقَامَة يصير مُقيما، وَإِن كَانَ فِي الْمَفَازَة، كَذَا ذكره فَخر الْإِسْلَام وَفِي (الْمُجْتَبى) : لَا يبطل السّفر إلاّ بنية الْإِقَامَة أَو دُخُول الوطن أَو الرُّجُوع إِلَيْهِ قبل الثَّلَاث، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْأَظْهر. وَنِيَّة الْإِقَامَة إِنَّمَا تُؤثر بِخمْس شَرَائِط. أَحدهَا: ترك السّير حَتَّى لَو نوى الْإِقَامَة وَهُوَ يسير لم يَصح. وَثَانِيها: صَلَاحِية الْموضع
стр. 1987
حَتَّى لَو نوى الْإِقَامَة فِي بر أَو بَحر أَو جَزِيرَة لم يَصح اتِّحَاد الْموضع. رَابِعهَا: الْمدَّة. خَامِسهَا: الِاسْتِقْلَال بِالرَّأْيِ. حَتَّى لَو نوى من كَانَ تبعا لغيره كالجندي وَالزَّوْجَة وَالرَّقِيق والأجير والتلميذ مَعَ استاذه والغريم الْمُفلس مَعَ صَاحب الدّين لَا تصح نِيَّته إلاّ إِذا نوى متبوعه، وَلَو نوى الْمَتْبُوع الْإِقَامَة وَلم يعلم بهَا التَّابِع فَهُوَ مُسَافر، كَالْوَكِيلِ إِذا عزل، وَهُوَ الْأَصَح، وَعَن بعض أَصْحَابنَا: يصيرون مقيمين ويعيدون مَا أَدّوا فِي مُدَّة عدم الْعلم.
٢ - (بابُ الصَّلاةِ بِمِنىً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة بمنى، يَعْنِي: فِي أَيَّام الرَّمْي، وَإِنَّمَا لم يذكر حكم الْمَسْأَلَة بل قَالَ: بَاب الصَّلَاة بمنى على الْإِطْلَاق لقُوَّة الْخلاف فِيهَا، وَإِنَّمَا خص منى بِالذكر لِأَنَّهَا الْمحل الَّذِي وَقع فِي ذَلِك قَدِيما، وَمنى يذكر وَيُؤَنث بِحَسب قصد الْموضع والبقعة. قيل: فَإِذا ذكّر صرف وَكتب بِالْألف، وَإِذا أنّث لم يصرف وَكتب بِالْيَاءِ، وَذكر الْكَلْبِيّ: إِنَّمَا سميت منى، لِأَنَّهَا مني بهَا الْكَبْش الَّذِي فدى بِهِ إِسْمَاعِيل، ﵊، من: الْمنية. وَيُقَال: إِن جِبْرِيل، ﵊، لما أَتَى آدم بمنى قَالَ لَهُ: تمن. قَالَ الْبكْرِيّ: هُوَ جبل بِمَكَّة مَعْرُوف. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: لامه يَاء، من منيت الشَّيْء إِذا قدرته. وَقَالَ الْفراء: الْأَغْلَب عَلَيْهِ التَّذْكِير. وَقَالَ الْحَازِمِي: إِن منى صقع قرب مَكَّة، وَهُوَ أَيْضا هضبة قرب قَرْيَة من ديار غَنِي بن أعصر، وَقد امتنى الْقَوْم إِذا أَتَوا منى، قَالَه يُونُس. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أمني الْقَوْم.
٢٨٠١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قالَ صلَّيْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ بِمِنىً رَكْعَتَيْنِ وَأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ومَعَ عُثْمَانَ صَدْرا مِنْ إمَارَتِهِ ثُمَّ أتَمَّهَا.
(الحَدِيث ٢٨٠١ طرفه فِي: ٥٥٦١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين الْإِطْلَاق الَّذِي فِيهَا، فَإِن الْإِطْلَاق فِيهَا يتَنَاوَل الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ ويتناولها أَرْبعا أَيْضا، فَصَارَت الْمُطَابقَة من جِهَة التَّفْصِيل بعد الْإِجْمَال، أَو من جِهَة التَّقْيِيد بعد الْإِطْلَاق، وَلَكِن حكم الْمَسْأَلَة كَمَا يَنْبَغِي لَا يفهم مِنْهُ، وَهُوَ أَن الْمُقِيم بمنى هَل يقصر أَو يتم، فَلذَلِك لم يذكر حكمهَا فِي التَّرْجَمَة، وسنبينها إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعبيد الله ابْن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبيد الله بن سعيد.
قَوْله: (بمنى) فِي رِوَايَة مُسلم عَن سَالم عَن أَبِيه: (بمنى وَغَيره) ، قَوْله: (صَدرا) أَي: أول خِلَافَته وَهِي سِتّ سِنِين أَو ثَمَان سِنِين على خلاف فِيهِ. قَوْله: (من إمارته) ، بِكَسْر الْهمزَة، وَهِي خِلَافَته. قَوْله: (ثمَّ أتمهَا) أَي: بعد ذَلِك، لِأَن الْقصر والإتمام جائزان، وَرَأى تَرْجِيح طرف الْإِتْمَام لِأَن فِيهِ زِيَادَة مشقة، وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة عَن عبيد الله عِنْد مُسلم: (ثمَّ إِن عُثْمَان صلى أَرْبعا فَكَانَ ابْن عمر إِذا صلى مَعَ الإِمَام صلى أَرْبعا، وَإِذا صلى وَحده صلى رَكْعَتَيْنِ) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن حَفْص بن عَاصِم (عَن ابْن عمر، قَالَ: صلى النَّبِي ﷺ بمنى صَلَاة الْمُسَافِر، وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان ثَمَان سِنِين أَو سِتّ سِنِين) . وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن زَمعَة عَن سَالم (عَن ابْن عمر، قَالَ: صلى رَسُول الله ﷺ بمنى صَلَاة السّفر رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ صلى أَبُو بكر رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ صلى بعده عمر رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ صلى بعده عُثْمَان رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ إِن عُثْمَان أتم بعد) .
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: قَالَ ابْن بطال: اتّفق الْعلمَاء على أَن الْحَاج القادم مَكَّة يقصر الصَّلَاة بهَا وبمنىً، وبسائر الْمشَاهد لِأَنَّهُ عِنْدهم فِي سفر، لِأَن مَكَّة لَيست دَار أَرْبَعَة إِلَّا لأَهْلهَا أَو لمن أَرَادَ الْإِقَامَة بهَا، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ قد فرض عَلَيْهِم ترك الْمقَام بهَا، فَلذَلِك لم ينْو رَسُول الله ﷺ الْإِقَامَة بهَا وَلَا بمنى، قَالَ: وَاخْتلف الْعلمَاء فِي صَلَاة الْمَكِّيّ بمنى، فَقَالَ مَالك: يتم بِمَكَّة وَيقصر بمنى، وَكَذَلِكَ أهل منى، يتمون بمنى ويقصرون بِمَكَّة، وعرفات. قَالَ: وَهَذِه الْمَوَاضِع مَخْصُوصَة بذلك لِأَن النَّبِي ﷺ لما قصر بِعَرَفَة لم يُمَيّز من وَرَاءه، وَلَا قَالَ لأهل مَكَّة: أَتموا، وَهَذَا مَوضِع بَيَان. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ أَن الْمَكِّيّ يقصر بمنى ابْن عمر وَسَالم وَالقَاسِم وطاووس، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق، وَقَالُوا: إِن الْقصر سنة الْموضع، وَإِنَّمَا يتم بمنى وعرفات من
стр. 1988
كَانَ مُقيما فِيهَا. وَقَالَ أَكثر أهل الْعلم، مِنْهُم عَطاء وَالزهْرِيّ وَالثَّوْري والكوفيون وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر: لَا يقصر الصَّلَاة أهل مَكَّة بمنى وعرفات لانْتِفَاء مَسَافَة الْقصر. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَلَيْسَ الْحَج مُوجبا للقصر لِأَن أهل منى وعرفات إِذا كَانُوا حجاجا أَتموا، وَلَيْسَ هُوَ مُتَعَلقا بالموضع، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلق بِالسَّفرِ، وَأهل مَكَّة مقيمون هُنَاكَ لَا يقصرون، وَلما كَانَ الْمُقِيم لَا يقصر لَو خرج إِلَى منى كَذَلِك الْحَاج.
ذكر الْمسَافَة الَّتِي تقصر فِيهَا الصَّلَاة: اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه والكوفيون: الْمسَافَة الَّتِي تقصر فِيهَا الصَّلَاة ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن بسير الْإِبِل ومشي الْأَقْدَام. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يَوْمَانِ وَأكْثر الثَّالِث، وَهِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة وَرِوَايَة ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد وَلم يُرِيدُوا بِهِ السّير لَيْلًا وَنَهَارًا لأَنهم جعلُوا النَّهَار للسير وَاللَّيْل للاستراحة، وَلَو سلك طَرِيقا هِيَ مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَأمكنهُ أَن يصل إِلَيْهَا فِي يَوْم من طَرِيق أُخْرَى قصر، ثمَّ قدرُوا ذَلِك بالفراسخ، فَقيل: أحد وَعِشْرُونَ فرسخا، وَقيل: ثَمَانِيَة عشر، وَعَلِيهِ الفتوي، وَقيل: خَمْسَة عشر فرسخا، وَإِلَى ثَلَاثَة أَيَّام ذهب عُثْمَان بن عَفَّان وَابْن مَسْعُود وسُويد بن غَفلَة وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَابْن حييّ وَأَبُو قلَابَة وَشريك بن عبد الله وَسَعِيد بن جُبَير وَمُحَمّد بن سِيرِين، وَهُوَ رِوَايَة عَن عبد الله بن عمر. وَعَن مَالك: لَا يقصر فِي أقل من ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين ميلًا بالهاشمي، وَذَلِكَ سِتَّة عشر فرسخا، وَهُوَ قَول أَحْمد، والفرسخ ثَلَاثَة أَمْيَال، والميل سِتَّة آلَاف ذِرَاع، والذراع أَربع وَعِشْرُونَ إصبعا مُعْتَرضَة معتدلة، والأصبع سِتّ شعيرات معترضات معتدلات، وَذَلِكَ يَوْمَانِ، وَهُوَ أَرْبَعَة برد، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ. كَأَنَّهُ احْتج بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الْوَهَّاب بن مُجَاهِد عَن أَبِيه وَعَطَاء بن أبي رَبَاح (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : يَا أهل مَكَّة لَا تقصرُوا الصَّلَاة فِي أدنى من أَرْبَعَة برد من مَكَّة إِلَى عسفان) . وَعبد الْوَهَّاب ضَعِيف، وَمِنْهُم من يكذبهُ، وَعنهُ أَيْضا: خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ميلًا، وَللشَّافِعِيّ: سَبْعَة نُصُوص فِي الْمسَافَة الَّتِي تقصر فِيهَا الصَّلَاة: ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ ميلًا، سِتَّة وَأَرْبَعُونَ، أَكثر من أَرْبَعِينَ، أَرْبَعُونَ، يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ، يَوْم وَلَيْلَة، وَهَذَا الآخر قَالَ بِهِ الْأَوْزَاعِيّ. قَالَ أَبُو عمر: قَالَ الْأَوْزَاعِيّ: عَامَّة الْفُقَهَاء يَقُولُونَ بِهِ. قَالَ أَبُو عَمْرو عَن دَاوُد: يقصر فِي طَوِيل السّفر وقصيره، زَاد ابْن حَامِد: حَتَّى لَو خرج إِلَى بُسْتَان لَهُ خَارج الْبَلَد قصر، وَزعم أَبُو مُحَمَّد أَنه لَا يقصر عِنْدهم فِي أقل من ميل، وَرُوِيَ الْميل أَيْضا عَن ابْن عمر، رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: لَو خرجت ميلًا لقصرت. وَعنهُ: إِنِّي لأسافر السَّاعَة من النَّهَار فأقصر، وَعنهُ: ثَلَاثَة أَمْيَال، وَعَن ابْن مَسْعُود: أَرْبَعَة أَمْيَال، وَفِي (المُصَنّف) : حَدثنَا هشيم عَن أبي هَارُون (عَن أبي سعيد أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا سَافر فرسخا قصر الصَّلَاة) . وَحدثنَا هشيم عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك (عَن النزال أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خرج إِلَى النحيلة، فصلى بهَا الظّهْر وَالْعصر رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رَجَعَ من يَوْمه. قَالَ: أردْت أَن أعلمكُم سنة نَبِيكُم) . وَكَانَ حُذَيْفَة يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِيمَا بَين الْكُوفَة والمدائن، وَعَن ابْن عَبَّاس: تقصر الصَّلَاة فِي مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة. وَعَن ابْن عمر وسُويد بن غَفلَة وَعمر بن الْخطاب: ثَلَاثَة أَمْيَال. . وَعَن أنس (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا خرج مسيرَة ثَلَاثَة أَمْيَال أَو ثَلَاثَة فراسخ. شُعْبَة الشاك قصر) ، رَوَاهُ مُسلم. قَالَ أَبُو عمر: هَذَا عَن يحيى بن يزِيد الْهنائِي، قَالَ: سَأَلت أنس بن مَالك عَن قصر الصَّلَاة، فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا خرج ... إِلَى آخِره، وَيحيى شيخ بَصرِي لَيْسَ لمثله أَن يروي مثل هَذَا الَّذِي خَالف فِيهِ جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَلَا هُوَ مِمَّن يوثق بِهِ فِي مثل ضبط هَذَا الْأَمر، وَقد يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ سفرا بَعيدا، ثمَّ أَرَادَ ابْتِدَاء قصر الصَّلَاة إِذا خرج وَمَشى ثَلَاثَة أَمْيَال، فيتفق حُضُور صَلَاة فيقصر. وَعَن الْحسن: يقصر لمسيرة لَيْلَتَيْنِ. وَعند أبي الشعشاء: سِتَّة أَمْيَال. وَعند مُسلم (عَن جُبَير بن نفير، قَالَ: خرجت مَعَ شُرَحْبِيل بن السمط إِلَى قَرْيَة على رَأس سَبْعَة عشرَة أَو ثَمَانِيَة عشر ميلًا، فصلى رَكْعَتَيْنِ، فَقلت لَهُ، فَقَالَ: رَأَيْت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، صلى بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ، فَقلت لَهُ، فرفعه إِلَى النَّبِي ﷺ .
ذكر السَّبَب فِي إتْمَام عُثْمَان الصَّلَاة بمنى للْعُلَمَاء فِي ذَلِك أَقْوَال: مِنْهَا: أَنه أتمهَا بمنى خَاصَّة. قَالَ أَبُو عمر، قَالَ قوم: أَخذ بالمباح فِي ذَلِك، إِذْ للْمُسَافِر أَن يقصر وَيتم، كَمَا لَهُ أَن يَصُوم وَيفْطر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: إِنَّمَا صلى بمنى أَرْبعا لِأَن الْأَعْرَاب كَانُوا كثيرين فِي ذَلِك الْعَام، فأحبب أَن يُخْبِرهُمْ بِأَن الصَّلَاة أَربع، وروى معمر عَن الزُّهْرِيّ أَن عُثْمَان صلى بمنى أَرْبعا لِأَنَّهُ أجمع الْإِقَامَة بعد الْحَج، وروى يُونُس عَنهُ: لما اتخذ عُثْمَان الْأَمْوَال بِالطَّائِف، وَأَرَادَ أَن يُقيم بهَا صلى أَرْبعا، وروى مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: صلى أَرْبعا لِأَنَّهُ كَانَ اتخذها وطنا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَذَلِكَ مَدْخُول لِأَنَّهُ لَو كَانَ إِتْمَامه لهَذَا الْمَعْنى لما خَفِي ذَلِك
стр. 1989
على سَائِر الصَّحَابَة وَلما أَنْكَرُوا عَلَيْهِ ترك السّنة، وَلما صلى ابْن مَسْعُود فِي منزله، وَقَالَ ابْن بطال: الْوُجُوه الَّتِي ذكرت عَن الزُّهْرِيّ كلهَا لَيست بِشَيْء. أما الْوَجْه الأول فقد قَالَ الطَّحَاوِيّ: الْأَعْرَاب كَانُوا بِأَحْكَام الصَّلَاة أَجْهَل فِي زمن الشَّارِع فَلم يتم بهم لتِلْك الْعلَّة، وَلم يكن عُثْمَان ليخاف عَلَيْهِم مَا لم يخفه الشَّارِع، لِأَنَّهُ بهم رؤوف رَحِيم، أَلا ترى أَن الْجُمُعَة لما كَانَ فَرضهَا رَكْعَتَيْنِ لم يعدل عَنْهَا، وَكَانَ يحضرها الغوغاء والوفود، وَقد تجوزوا أَن صَلَاة الْجُمُعَة فِي كل يَوْم رَكْعَتَانِ؟ وَأما الْوَجْه الثَّانِي: فَلِأَن الْمُهَاجِرين فرض عَلَيْهِم ترك الْمقَام بِمَكَّة، وَصَحَّ عَن عُثْمَان أَنه كَانَ لَا يودع النِّسَاء إلاّ على ظهر الرَّوَاحِل، ويسرع الْخُرُوج من مَكَّة خشيَة أَن يرجع فِي هجرته الَّتِي هَاجر لله تَعَالَى، وَقَالَ ابْن التِّين: لَا يمْتَنع ذَلِك إِذا كَانَ لَهُ أَمر أوجب ذَلِك الضَّرُورَة، وَقد قَالَ مَالك فِي (الْعُتْبِيَّة) فِيمَن يُقيم بمنى ليخف النَّاس: يتم، فِي أحد قوليه. وَأما الْوَجْه الثَّالِث فَفِيهِ بُعد، إِذْ لم يقل أحد إِن الْمُسَافِر إِذا مر بِمَا يملكهُ من الأَرْض وَلم يكن لَهُ فِيهَا أهل أَن حكمه حكم الْمُقِيم، وَقيل: إِنَّمَا كَانَ عُثْمَان أتم لِأَن أَهله كَانُوا مَعَه بِمَكَّة، وَيرد هَذَا أَن الشَّارِع كَانَ يُسَافر بزوجاته وَكن مَعَه بِمَكَّة، وَمَعَ ذَلِك كَانَ يقصر. فَإِن قلت: روى عبد الله ابْن الْحَارِث بن أبي ذئاب عَن أَبِيه، وَقد عمل الْحَارِث لعمر بن الْخطاب، قَالَ: صلى بِنَا عُثْمَان أَرْبعا، فَلَمَّا سلم أقبل على النَّاس فَقَالَ: إِنِّي تأهلت بِمَكَّة، وَقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من تأهل ببلدة فَهُوَ من أَهلهَا، فَليصل أَرْبعا، وَعَزاهُ ابْن التِّين إِلَى رِوَايَة ابْن شخير: أَن عُثْمَان صلى بمنى أَرْبعا، فأنكروا عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس، إِنِّي لما قدمت تأهلت بهَا، إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: إِذا تأهل الرجل ببلدة فَليصل بهَا صَلَاة الْمُقِيم. قلت: هَذَا مُنْقَطع أخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عِكْرِمَة بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ضَعِيف عَن ابْن أبي ذئاب عَن أَبِيه قَالَ: صلى عُثْمَان، وَقَالَ ابْن حزم: إِن عُثْمَان كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَحَيْثُ كَانَ فِي بلد فَهُوَ عمله، وَللْإِمَام تَأْثِير فِي حكم الْإِتْمَام كَمَا لَهُ تَأْثِير فِي إِقَامَة الْجُمُعَة إِذا مر بِقوم أَنه يجمع بهم الْجُمُعَة، غير أَن عُثْمَان سَار مَعَ الشَّارِع إِلَى مَكَّة وَغَيرهَا، وَكَانَ مَعَ ذَلِك يقصر، ورد بِأَن الشَّارِع كَانَ أولى بذلك، وَمَعَ ذَلِك لم يَفْعَله، وَصَحَّ عَنهُ أَنه كَانَ يُصَلِّي فِي السّفر رَكْعَتَيْنِ إِلَى أَن قَبضه الله تَعَالَى. وَقَالَ ابْن بطال: وَالْوَجْه الصَّحِيح فِي ذَلِك، وَالله أعلم، أَن عُثْمَان وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِنَّمَا أتما فِي السّفر لِأَنَّهُمَا اعتقدا فِي قصره، ﷺ ، أَنه لما خير بَين الْقصر والإتمام اخْتَار الْأَيْسَر من ذَلِك على أمته، وَقد قَالَت عَائِشَة: مَا خير رَسُول الله ﷺ فِي أَمريْن إلاّ اخْتَار إيسرهما مَا لم يكن إِثْمًا، فَأخذت هِيَ وَعُثْمَان فِي أَنفسهمَا بالشدة وتركا الرُّخْصَة، إِذْ كَانَ ذَلِك مُبَاحا لَهما فِي حكم التَّخْيِير فِيمَا أذن الله تَعَالَى فِيهِ، وَيدل على ذَلِك إِنْكَار ابْن مَسْعُود الْإِتْمَام على عُثْمَان، ثمَّ صلى خَلفه وَأتم، فكُلم فِي ذَلِك فَقَالَ: الْخلاف شَرّ. [/ شَرّ
٣٨٠١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ أنبَأنَا أبُو إسْحَاقَ قَالَ سَمَعْتُ حارثَةَ بنَ وَهَبٍ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِي ﷺ آمَنَ مَا كانَ بِمِنىً رَكْعَتَيْنِ.
(الحَدِيث ٣٠٨١ طرفه فِي: ٦٥٦١) .
وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. الرَّابِع: حَارِثَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة: ابْن وهب الْخُزَاعِيّ أَخُو عبيد الله بن عمر بن الْخطاب لأمه، وأمهما بنت عُثْمَان بن مَظْعُون، سمع النَّبِي ﷺ .
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الإنباء فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ بِمَعْنى الْإِخْبَار والتحديث. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بكنيته وَهُوَ بَصرِي وَشعْبَة واسطي وَأَبُو إِسْحَاق كُوفِي، وَهُوَ أَيْضا مَذْكُور بكنيته. وَفِيه: لفظ الإنباء وَلم يذكر فِيمَا قبل هَذَا اللَّفْظ. وَفِيه: أَن حَارِثَة ابْن وهب مَذْكُور فِي موضِعين لَيْسَ إلاّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن آدم عَن شُعْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَعَن أَحْمد بن يُونُس، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن عبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَعَن عَمْرو بن عَليّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَمِعت حَارِثَة بن وهب) وَفِي رِوَايَة البرقاني فِي (مستخرجه) (رجلا من خُزَاعَة) ، أخرجه
стр. 1990
من طَرِيق أبي الْوَلِيد شيخ البُخَارِيّ فِيهِ قَوْله: (آمن) أفعل التَّفْضِيل من الْأَمْن. قَوْله: (مَا كَانَ) فِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي: (مَا كَانَت) ، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة، وَمَعْنَاهُ: الْجمع لِأَن مَا أضيف إِلَيْهِ أفعل يكون جمعا، وَالْمعْنَى: صلى بِنَا وَالْحَال أَن أَكثر أكواننا فِي سَائِر الْأَوْقَات أَمن. وَلَفظ مُسلم: (عَن حَارِثَة بن وهب قَالَ: صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ بمنى، آمن مَا كَانَ النَّاس وَأَكْثَره، رَكْعَتَيْنِ) . وَفِي رِوَايَة لَهُ: (صليت خلف رَسُول الله ﷺ بمنى وَالنَّاس أَكثر مَا كَانُوا فصلى رَكْعَتَيْنِ) . قَوْله: (بمنى) الْبَاء فِيهِ ظرفية تتَعَلَّق بقوله: (صلى) . قَوْله: (رَكْعَتَيْنِ) ، مفعول: (صلى) .
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: مَذْهَب الْجُمْهُور أَنه يجوز الْقصر من غير خوف لدلَالَة حَدِيث حَارِثَة على ذَلِك، لِأَن مَعْنَاهُ أَنه ﷺ قصر من غير خوف. وَفِيه: رد على من زعم أَن الْقصر مُخْتَصّ بالخوف أَو الْحَرْب، ذكر أَبُو جَعْفَر فِي (تَفْسِيره) بِإِسْنَادِهِ (عَن عَائِشَة، تَقول فِي السّفر: أَتموا صَلَاتكُمْ، فَقَالُوا: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي السّفر رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَت: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ فِي حَرْب، وَكَانَ يخَاف، فَهَل تخافون أَنْتُم؟) وَفِي لفظ: (كَانَت تصلي فِي السّفر أَرْبعا) . وَاحْتج هَؤُلَاءِ الزاعمون أَيْضا بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ (النِّسَاء: ١٠١) . وَأجِيب بِأَن الشَّرْط فِي الْآيَة خرج مخرج الْغَالِب، وَقيل: هُوَ من الْأَشْيَاء الَّتِي شرع الحكم فِيهَا بِسَبَب ثمَّ زَالَ السَّبَب وَبَقِي الحكم، كالرمل فِي الطّواف، وَقد أوضح هَذَا مَا فِي (صَحِيح مُسلم) (عَن يعلى بن أُميَّة، قَالَ: قلت لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ (النِّسَاء: ١٠١) . فقد أَمن النَّاس، فَقَالَ عمر: عجبت مِمَّا عجبت مِنْهُ، فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك، فَقَالَ: صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته) . وَفِي (تَارِيخ أَصْبَهَان) لأبي نعيم: حَدثنَا سُلَيْمَان حَدثنَا مُحَمَّد بن سهل الرباطي حَدثنَا سهل بن عُثْمَان عَن شريك عَن قيس بن وهب عَن أبي الكنود، (سَأَلت ابْن عمر عَن صَلَاة السّفر، فَقَالَ: رَكْعَتَانِ نزلت من السَّمَاء، فَإِن شِئْتُم فردوها) وَأما الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو جَعْفَر فَإِن حَدِيث حَارِثَة بن وهب يردهُ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: فِيهِ: أَي فِي حَدِيث الْبَاب: تَعْظِيم شَأْن رَسُول الله ﷺ حَيْثُ أطلق مَا قَيده الله تَعَالَى، ووسع على عباده تَعَالَى، وَنسب فعله إِلَى الله .
٤٨٠١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ عنِ الأعْمَشِ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ يَزِيدَ يقُولُ صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِمِنىً أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ فِي ذالِكَ لِعَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ بِمِنىً رَكْعَتَيْنِ وصَلَّيْتُ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِمِنىً رَكْعَتَيْنِ وصَلَّيْتُ مَعَ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ بِمِنىً رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أرْبَعِ رَكَعَاتٍ ركْعَتَانِ مُتَقَبلِّتَانِ.
(الحَدِيث ٤٨٠١ طرفه فِي: ٧٥٦١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: قُتَيْبَة، وَقد تكَرر ذكره، الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد من الزِّيَادَة الْعَبْدي أَبُو عُبَيْدَة. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ لَا التَّيْمِيّ. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن يزِيد من الزِّيَادَة النَّخعِيّ الْأسود بن يزِيد، مَاتَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين. السَّادِس: عُثْمَان بن عَفَّان. السَّابِع: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بلخي وَعبد الْوَاحِد بَصرِي والبقية كوفيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن قبيصَة عَن سُفْيَان، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْوَاحِد وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعلي بن حشرم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حشرم بِهِ، وَعَن مَحْمُود بن غيلَان وَعَن قُتَيْبَة وَلم يذكر فعل عُثْمَان.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (صلى بِنَا عُثْمَان) ، كَانَ ذَلِك بعد رُجُوعه من أَعمال الْحَج فِي حَال إِقَامَته بمنى للرمي. قَوْله: (فَقيل
стр. 1991
فِي ذَلِك) ، هَذِه رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (فَقيل ذَلِك) ، أَي: فِيمَا ذكر من صَلَاة عُثْمَان أَربع رَكْعَات. قَوْله: (فَاسْتَرْجع) أَي قَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، كَرَاهَة مُخَالفَته الْأَفْضَل. قَوْله: (وَمَعَ عمر رَكْعَتَيْنِ) زَاد الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش: (ثمَّ تَفَرَّقت بكم الطّرق) أخرجه البُخَارِيّ فِي الْحَج من طَرِيقه. قَوْله: (فليت حظي من أَربع رَكْعَات رَكْعَتَانِ) ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ (رَكْعَات) . قَوْله: (حظي) أَي: نَصِيبي، وَكلمَة: من فِي: (من أَربع) للبدل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أرضيتم بالحيوة الدُّنْيَا من الْآخِرَة﴾ (التَّوْبَة: ٨٣) . وَقَالَ الدَّاودِيّ مَعْنَاهُ: إِن صليت أَرْبعا وتكلفتها فليتها تتقبل كَمَا تتقبل الركعتان.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: قَالَ بَعضهم: هَذَا الحَدِيث يدل على أَن ابْن مَسْعُود كَانَ يرى الْإِتْمَام جَائِزا وإلاّ لما كَانَ لَهُ حَظّ من الْأَرْبَع وَلَا من غَيرهَا، فَإِنَّهَا تكون فَاسِدَة كلهَا، وَإِنَّمَا اسْترْجع لما وَقع عَنهُ من مُخَالفَته الأولى، وَيُؤَيِّدهُ مَا روى أَبُو دَاوُد أَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، صلى أَرْبعا، فَقيل لَهُ: عبت على عُثْمَان ثمَّ صليت أَرْبعا؟ فَقَالَ: الْخلاف شَرّ. وَرِوَايَة الْبَيْهَقِيّ إِنِّي لأكْره الْخلاف، وَلأَحْمَد من حَدِيث أبي ذَر مثل الأول، وَهَذَا يدل على أَنه لم يكن يعْتَقد أَن الْقصر وَاجِب، كَمَا قَالَ الْحَنَفِيَّة، وَوَافَقَهُمْ القَاضِي إِسْمَاعِيل من الْمَالِكِيَّة وَأحمد. وَقَالَ ابْن قدامَة: الْمَشْهُور عَن أَحْمد أَنه على الِاخْتِيَار، وَالْقصر عِنْده أفضل، وَهُوَ قَول جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. قلت: هَذَا الْقَائِل تكلم بِمَا يُوَافق غَرَضه، أما قَوْله هَذَا يدل على أَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يرى الْإِتْمَام جَائِزا، فَيردهُ مَا قَالَه الدَّاودِيّ: إِن ابْن مَسْعُود كَانَ يرى الْقصر فرضا، ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) وَغَيره، وَيُؤَيِّدهُ مَا قَالَه عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الصَّلَاة فِي السّفر رَكْعَتَانِ لَا يَصح غَيرهمَا، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِن قَامَ إِلَى الثَّالِثَة فَإِنَّهُ يلغيها وَيسْجد سَجْدَتي السَّهْو. وَقَالَ الْحسن بن حَيّ: إِذا صلى أَرْبعا مُتَعَمدا أَعَادَهَا، وَكَذَا قَالَ ابْن أبي سُلَيْمَان، وَأما قَوْله: وَيُؤَيِّدهُ مَا روى أَبُو دَاوُد أَن ابْن مَسْعُود صلى أَرْبعا، فَإِنَّهُ أجَاب عَن هَذَا بقوله: الْخلاف شَرّ، فَلَو لم يكن الْقصر عِنْده وَاجِبا لما اسْترْجع، وَلما أنكر بقوله: (صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ بمنى رَكْعَتَيْنِ) إِلَى آخر الحَدِيث، وَأما قَوْله الْمَشْهُور عَن أَحْمد: إِنَّه على الِاخْتِيَار، فيعارضه مَا قَالَه الْأَثْرَم. قلت لِأَحْمَد: للرجل أَن يُصَلِّي أَرْبعا فِي السّفر؟ قَالَ: لَا مَا يُعجبنِي. وَحكى ابْن الْمُنْذر فِي (الْأَشْرَاف) : أَن أَحْمد قَالَ: أَنا أحب الْعَافِيَة عَن هَذِه الْمَسْأَلَة. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: هَذَا قَول أَكثر الْعلمَاء. وَقَالَ الْخطابِيّ: الأولى الْقصر، ليخرج عَن الْخلاف. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: الْعَمَل على مَا فعله رَسُول الله، ﷺ ، وَأَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ الْقصر، وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن سَحْنُون وَرِوَايَة عَن مَالك وَأحمد، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَحَمَّاد، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن عمر وَعلي وَجَابِر وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِهَذَا يرد على هَذَا الْقَائِل فِي قَوْله: وَهُوَ قَول جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل: وَاحْتج الشَّافِعِي على عدم الْوُجُوب بِأَن الْمُسَافِر إِذا دخل فِي صَلَاة الْمُقِيم صلى أَرْبعا باتفاقهم، وَلَو كَانَ فَرْضه الْقصر لم يأتم مُسَافر بمقيم، وَالْجَوَاب عَن هَذَا: أَن صَلَاة الْمُسَافِر كَانَت أَرْبعا عِنْد اقتدائه بالمقيم لالتزامه الْمُتَابَعَة، فيتغير فَرْضه للتبعية وَلَا يتَغَيَّر فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ، لِأَنَّهُ مَا كَانَ فرضا لَا بُد من إِتْيَانه كُله، وَلَيْسَ لَهُ خِيَار فِي تَركه. وإيراد ابْن بطال بِأَنا وجدنَا وَاجِبا يتَخَيَّر بَين الْإِتْيَان بِجَمِيعِهِ أَو بِبَعْضِه، وَهُوَ لإِقَامَة بمنى غير وَارِد، لِأَن الْإِقَامَة بمنى اخْتِيَاره وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا نَحن فِيهِ، لَا يُقَال: إِن اقْتِدَاء الْمُسَافِر بالمقيم بِاخْتِيَارِهِ، لأَنا نقُول: نعم بِاخْتِيَارِهِ، وَلَكِن عِنْد الِاقْتِدَاء يَزُول اخْتِيَاره لضَرُورَة الْتِزَام التّبعِيَّة. فَافْهَم. فَإِذا احْتج الْخصم بقوله تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة﴾ (النِّسَاء: ١٠١) . بِأَن لَفْظَة: ﴿لَا جنَاح﴾ يدل على الْإِبَاحَة لَا على الْوُجُوب، فَدلَّ على أَن الْقصر مُبَاح، أجبنا عَنهُ: بِأَن المُرَاد من الْقصر الْمَذْكُور هُوَ الْقصر فِي الْأَوْصَاف من ترك الْقيام إِلَى الْقعُود، أَو ترك الرُّكُوع وَالسُّجُود إِلَى الْإِيمَاء لخوف الْعَدو، بِدَلِيل أَنه علق ذَلِك بالخوف، إِذْ قصر الأَصْل غير مُتَعَلق بالخوف بِالْإِجْمَاع، بل مُتَعَلق بِالسَّفرِ، وَعِنْدنَا قصر الْأَوْصَاف عِنْد الْخَوْف مُبَاح لَا وَاجِب، مَعَ أَن رفع الْجنَاح فِي النَّص لدفع توهم النُّقْصَان فِي صلَاتهم بِسَبَب دوامهم على الْإِتْمَام فِي الْحَضَر، وَذَلِكَ مَظَنَّة توهم النُّقْصَان، فَرفع ذَلِك عَنْهُم، وَإِن احْتج بِمَا رَوَاهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة (عَن يعلى بن أُميَّة، قَالَ: قلت لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. .) الحَدِيث، وَقد مضى عَن قريب وَوجه التَّعَلُّق بِهِ أَنه علق الْقصر بِالْقبُولِ وَسَماهُ صَدَقَة، والمتصدق عَلَيْهِ مُخَيّر فِي
стр. 1992
قبُول الصَّدَقَة، فَلَا يلْزمه الْقبُول حتما، أجبنا عَنهُ بِأَنَّهُ دَلِيل لنا، لِأَنَّهُ أَمر بِالْقبُولِ وَالْأَمر للْوُجُوب، وَلِأَن هَذِه صَدَقَة وَاجِبَة فِي الذِّمَّة فَلَيْسَ لَهُ حكم المَال، فَيكون إِسْقَاطًا مَحْضا، وَلَا يرْتَد بِالرَّدِّ كالصدقة بِالْقصاصِ وَالطَّلَاق وَالْعتاق، يكون إِسْقَاطًا لَا يرْتَد بِالرَّدِّ، فَكَذَا هَذَا.
وَلنَا أَحَادِيث: مِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة (قَالَت: فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فأقرت صَلَاة السّفر وَزيد فِي صَلَاة الْحَضَر) ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: (فرض الله الصَّلَاة على لِسَان نَبِيكُم فِي الْحَضَر أَربع رَكْعَات وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْف رَكْعَة) ، رَوَاهُ مُسلم، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ: (افْترض رَسُول الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي السّفر كَمَا افْترض فِي الْحَضَر أَرْبعا. وَمِنْهَا: حَدِيث عمر قَالَ: (صَلَاة السّفر رَكْعَتَانِ وَصَلَاة الضُّحَى رَكْعَتَانِ وَصَلَاة الْفطر رَكْعَتَانِ وَصَلَاة الْجُمُعَة رَكْعَتَانِ تَمام غير قصر على لِسَان مُحَمَّد ﷺ ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) . وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ أَتَانَا وَنحن صلال يعلمنَا، فَكَانَ فِيمَا علمنَا أَن الله، ، أمرنَا أَن نصلي رَكْعَتَيْنِ فِي السّفر. .) ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ (المتمم الصَّلَاة فِي السّفر كالمقصر فِي الْحَضَر) ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) .
٣ - (بابٌ كَمْ أقَامَ النبيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كم من يَوْم أَقَامَ النَّبِي ﷺ فِي حجه.
٥٨٠١ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حَدثنَا أيُّوبُ عنْ أبي العَالِيَةِ البَرَّاءِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَدِمَ النبيُّ ﷺ وَأصْحَابُهُ لِصُبْحٍ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالحَجِّ فَأمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلاّ منْ مَعَهُ الهَدْيُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة غير تَامَّة، وَإِنَّمَا فِي الحَدِيث بَيَان قدومه ﷺ برابعة ذِي الْحجَّة، وَلَيْسَ فِيهِ: كم من يَوْم أَقَامَ النَّبِي، وَلكنه من الْمَعْلُوم أَن حجه هُوَ حجَّة الْوَدَاع، وَكَانَ فِي مَكَّة وحواليها إِلَى الرَّابِع عشر من ذِي الْحجَّة، فَهَذِهِ الْإِقَامَة عشرَة أَيَّام، كَمَا فِي حَدِيث أنس الَّذِي مضى فِي أول الْأَبْوَاب، وَبينا ذَلِك مستقصىً.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: وهيب بن خَالِد أَبُو بكر، وَقد مر فِي: بَاب من أجَاب الْفتيا فِي الْعلم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: أَبُو الْعَالِيَة اسْمه زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن فَيْرُوز، وَقيل غير ذَلِك، وَهُوَ غير أبي الْعَالِيَة الريَاحي، واسْمه رفيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره عين مُهْملَة، وَكِلَاهُمَا بصريان تابعيان يرويان عَن ابْن عَبَّاس: ويتميز أَبُو الْعَالِيَة زِيَاد بالبراء، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء، وَكَانَ يبري النبل، وَقيل: الْقصب. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلم بصريون. وَفِيه: أحدهم مَذْكُور بِالتَّصْغِيرِ وَالْآخر بِلَا نِسْبَة وَالْآخر بالكنية وَالنِّسْبَة.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن نصر بن عَليّ وَعَن إبراهم بن دِينَار وَعَن أبي دَاوُد الْمُبَارك وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن هَارُون بن عبد الله وَعَن عبد بن حميد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن مُحَمَّد بن معمر البحراني.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الصُّبْح رَابِعَة) أَي: الْيَوْم الرَّابِع من ذِي الْحجَّة. قَوْله: (يلبون بِالْحَجِّ) جملَة حَالية أَي: محرمين، وَذكر التَّلْبِيَة وَإِرَادَة الْإِحْرَام من طَرِيق الْكِنَايَة. قَوْله: (أَن يجعلوها) أَي: يجْعَلُوا حجتهم عمْرَة، وَلَيْسَ هَذَا بإضمار قبل الذّكر، لِأَن قَوْله: بِالْحَجِّ، يدل على أَن الْحجَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ (الْمَائِدَة: ٨) . أَي الْعدْل. قَوْله: (هدي) بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال وخفة الْيَاء، وبكسر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء، هُوَ مَا يهدى إِلَى الْحرم من النعم تقربا إِلَى الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا اسْتثْنى صَاحب الْهَدْي لِأَنَّهُ لَا يجوز لَهُ التَّحَلُّل حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله.
стр. 1993
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: قد مضى فِي حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن مقَامه بِمَكَّة فِي حجَّته كَانَ عشرَة أَيَّام، وَبَين فِي هَذَا الحَدِيث أَنه قدم مَكَّة رَابِعَة ذِي الْحجَّة، وَكَانَ يَوْم الْأَحَد، فصلى الصُّبْح بِذِي طوى واستهل ذُو الْحجَّة فِي ذَلِك الْعَام لَيْلَة الْخَمِيس، فَأَقَامَ بِمَكَّة يَوْم الْأَحَد إِلَى لَيْلَة الْخَمِيس ثمَّ نَهَضَ ضحوة يَوْم الْخَمِيس إِلَى منى، فَأَقَامَ بهَا بَاقِي نَهَاره وَلَيْلَة الْجُمُعَة، ثمَّ نَهَضَ يَوْم الْجُمُعَة إِلَى عَرَفَات أَي: بعد الزَّوَال، وخطب بنمرة بِقرب عَرَفَات، وَبَقِي بهَا إِلَى الْغُرُوب، ثمَّ أَفَاضَ لَيْلَة السبت إِلَى الْمزْدَلِفَة فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن صلى الصُّبْح، ثمَّ أَفَاضَ مِنْهَا إِلَى طُلُوع الشَّمْس يَوْم السبت وَهُوَ يَوْم الْأَضْحَى والنفر إِلَى منى، فَرمى جَمْرَة الْعقبَة ضحوة ثمَّ نَهَضَ إِلَى مَكَّة ذَلِك الْيَوْم، فَطَافَ بِالْبَيْتِ قبل الزَّوَال، ثمَّ رَجَعَ فِي يَوْمه إِلَى منى فَأَقَامَ بهَا بَاقِي يَوْم السبت والأحد والاثنين وَالثُّلَاثَاء، ثمَّ أَفَاضَ بعد ظهر الثُّلَاثَاء، وهور آخر أَيَّام التَّشْرِيق إِلَى المحصب، فصلى بِهِ الظّهْر وَبَات فِيهِ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَة أعمر عَائِشَة من التَّنْعِيم، ثمَّ طَاف طواف الْوَدَاع سحرًا قبل صَلَاة الصُّبْح من يَوْم الْأَرْبَعَاء وَهُوَ صَبِيحَة رَابِع عشرَة، وَأقَام عشرَة أَيَّام كَمَا ذكر فِي حَدِيث أنس، ثمَّ نَهَضَ إِلَى الْمَدِينَة، فَكَانَ خُرُوجه من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَصلى الظّهْر بِذِي الحليفة وَأحرم بأثرها، وَهَذَا كُله مستنبط من قَوْله: (قدم النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه لصبح رَابِعَة من ذِي الْحجَّة. .) وَمن الحَدِيث الَّذِي جَاءَ أَن يَوْم عَرَفَة كَانَ يَوْم جُمُعَة، وَفِيه نزلت: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٣) .
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن أَحْمد وَدَاوُد وَأَصْحَابه على جَوَاز فسخ الْحَج فِي الْعمرَة، وَهُوَ مَذْهَب ابْن عَبَّاس أَيْضا لِأَنَّهُ روى أَنه ﷺ أَمرهم أَن يجْعَلُوا حجتهم عمْرَة إلاّ من كَانَ سَاق الْهَدْي، وَلَا يجوز ذَلِك عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَغَيرهم. قَالَ ابْن عبد الْبر: مَا أعلم من الصَّحَابَة من يُجِيز ذَلِك إِلَّا ابْن عَبَّاس، وَتَابعه أَحْمد وَدَاوُد، وَأجَاب الْجُمْهُور: أَن ذَلِك خص بِهِ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَأَنه لَا يجوز الْيَوْم، وَالدَّلِيل على أَن ذَلِك خَاص للصحابة الَّذين حجُّوا مَعَ رَسُول الله ﷺ دون غَيرهم مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا النُّفَيْلِي، قَالَ: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبرنِي ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن (عَن الْحَارِث ابْن بِلَال بن الْحَارِث عَن أَبِيه، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله فسخ الْحَج لنا خَاصَّة أَو لمن بَعدنَا؟ قَالَ: بل لكم خَاصَّة) . وَأخرجه ابْن مَاجَه والطَّحَاوِي أَيْضا، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا: حَدثنَا ابْن أبي عمرَان قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل، قَالَ: حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن المرقع بن صَيْفِي (عَن أبي ذَر، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ فسخ الْحَج للركب الَّذِي كَانُوا مَعَ النَّبِي ﷺ . وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا من سبع طرق، وَأخرجه ابْن حزم من طَرِيق المرقع، وَقَالَ: المرقع مَجْهُول، وَقد خَالفه ابْن عَبَّاس وَأَبُو مُوسَى فَلم يريَا ذَلِك خَاصَّة، وَلَا يجوز أَن يُقَال فِي سنة ثَابِتَة: إِنَّهَا خَاصَّة لقوم دون قوم إلاّ بِنَصّ قُرْآن أَو سنة صَحِيحَة، قُلْنَا: هَذَا مَرْدُود بِأَن سَائِر الصَّحَابَة مَا وافقوه على هَذَا، والمرقع مَعْرُوف غير مَجْهُول، وَقد روى عَنهُ مثل يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَيُونُس بن أبي إِسْحَاق ومُوسَى بن عقبَة وَعبد الله بن ذكْوَان، وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَاحْتج بِهِ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَعَن أَحْمد: حَدِيث أبي ذَر من أَن فسخ الْحَج فِي الْعمرَة خَاصَّة للصحابة صَحِيح، والمرقع، بِضَم الْمِيم وَفتح الرَّاء وَتَشْديد الْقَاف الْمَكْسُورَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة.
تابَعَهُ عَطَاءٌ عنْ جَابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
أَي: تَابع أَبُو الْعَالِيَة عَطاء بن أبي رَبَاح فِي رِوَايَته عَن جَابر بن عبد الله، وَأخرج البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة مُسندَة فِي بَاب التَّمَتُّع والإقران والإفراد فِي كتاب الْحَج، وَسَيَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٤ - (بابٌ فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلاةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كم مُدَّة يقصر الْإِنْسَان الصَّلَاة فِيهَا إِذا قصد الْوُصُول إِلَيْهَا بِحَيْثُ لَا يجوز لَهُ الْقصر إِذا كَانَ قَصده أقل من تِلْكَ الْمدَّة؟ وَلَفْظَة: كم، استفهامية، ومميزها هُوَ الَّذِي قدرناه. قَوْله: (يقصر الصَّلَاة) يجوز فِي: يقصر، أَن يكون على بِنَاء الْفَاعِل، وَأَن يكون على بِنَاء الْمَفْعُول، فعلى الأول لفظ الصَّلَاة مَنْصُوب، وعَلى الثَّانِي مَرْفُوع.
وسَمَّى النبيُّ ﷺ السَّفَرَ يَوْما ولَيْلَةً
стр. 1994
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اخْتِيَاره أَن أقل الْمسَافَة الَّتِي يجوز فِيهَا الْقصر يَوْم وَلَيْلَة، حَاصله أَن من خرج من منزله وَقصد موضعا إِن كَانَ بَينه وَبَين مقْصده ذَلِك مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة يجوز لَهُ أَن يقصر صلَاته الرّبَاعِيّة، وَإِن كَانَ أقل من ذَلِك لَا يجوز، وَهَذِه الْعبارَة رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: وسمى النَّبِي ﷺ يَوْمًا وَلَيْلَة سفرا، وَإِطْلَاق السّفر على يَوْم وَلَيْلَة تجوز، وَكَذَا إِطْلَاق يَوْم وَلَيْلَة على السّفر، وَهَذَا أنسب. يُقَال: سميت فلَانا زيدا، وَقد ذكر فِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث: إثنان مِنْهَا عَن ابْن عمر وَالْآخر عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أقل مُدَّة السّفر الَّتِي لَا يحل للْمَرْأَة أَن تُسَافِر فِيهَا بِدُونِ زوج أَو محرم يَوْم وَلَيْلَة كَمَا يَأْتِي ذكره. وَأَشَارَ إِلَى هَذَا بقوله: (وسمى النَّبِي ﷺ السّفر يَوْمًا وَلَيْلَة) . وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَن فِي بعض طرقه: ثَلَاثَة أَيَّام، كَمَا فِي حَدِيث ابْن عمر، وَفِي بَعْضهَا: يَوْم وَلَيْلَة، وَفِي بَعْضهَا: يَوْم، وَفِي بَعْضهَا: لَيْلَة، وَفِي بَعْضهَا: بريد. قلت: لَيْسَ فِيهِ تعقب لِأَن المحكي فِي هَذَا الْبَاب نَحْو من عشْرين قولا، وَقد ذكرنَا فِي هَذَا الْبَاب الصَّلَاة بمنى، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن أقل الْمسَافَة الَّتِي اخْتَارَهَا من هَذِه الْأَقْوَال، يَوْم وَلَيْلَة، وَلَا يُقَال الْمَذْكُور فِي بَعْضهَا يَوْم فَقَط بِدُونِ لَيْلَة، لأَنا نقُول: إِذا ذكر الْيَوْم مُطلقًا يُرَاد بِهِ الْكَامِل، وَهُوَ الْيَوْم بليلته، وَكَذَا إِذا أطلقت اللَّيْلَة بِدُونِ ذكر الْيَوْم.
وكانَ ابنُ عُمَرَ وابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم يَقْصُرَانِ ويُفْطِرانِ فِي أرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهْيَ سِتَّةَ عشَرَ فَرْسَخا
هَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ الْبَيْهَقِيّ، فَقَالَ: أخبرنَا ابْن حَامِد الْحَافِظ أخبرنَا زَاهِر بن أَحْمد حَدثنَا أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي حَدثنَا يُوسُف بن سعيد بن مُسلم حَدثنَا حجاج حَدثنِي لَيْث حَدثنَا يزِيد بن أبي حبيب (عَن عَطاء بن أبي رَبَاح: أَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس كَانَا يصليان رَكْعَتَيْنِ ويفطران فِي أَرْبَعَة برد، فَمَا فَوق ذَلِك) . قَالَ أَبُو عمر: هَذَا عَن ابْن عَبَّاس مَعْرُوف من نقل الثِّقَات مُتَّصِل الْإِسْنَاد عَنهُ من وُجُوه. مِنْهَا مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَنهُ، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة أخبرنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عمر وَأَخْبرنِي عَطاء عَنهُ، وَحدثنَا وَكِيع حَدثنَا هِشَام بن الْغَاز عَن ربيعَة الجرشِي عَن عَطاء عَنهُ، وَقد اخْتلف عَن ابْن عمر فِي تَحْدِيد ذَلِك اخْتِلَافا كثيرا، فروى عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ أدنى مَا يقصر الصَّلَاة فِيهِ مَال لَهُ بِخَيْبَر، وَبَين الْمَدِينَة وخيبر سِتَّة وَتسْعُونَ ميلًا، وروى وَكِيع من وَجه آخر عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: يقصر من الْمَدِينَة إِلَى السويداء، وَبَينهمَا إثنان وَسَبْعُونَ ميلًا، وروى عبد الرَّزَّاق عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سَالم عَن أَبِيه: أَنه سَافر إِلَى ريم فقصر الصَّلَاة. قَالَ عبد الرَّزَّاق: وَهِي على ثَلَاثِينَ ميلًا من الْمَدِينَة، وروى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن مسعر عَن محَارب: سَمِعت ابْن عمر يَقُول: إِنِّي لأسافر السَّاعَة من النَّهَار فأقصر. وَقَالَ الثَّوْريّ: سَمِعت جبلة بن سحيم، سَمِعت ابْن عمر يَقُول: لَو خرجت ميلًا لقصرت الصَّلَاة، وَإسْنَاد كل من هَذِه الْآثَار صَحِيح، وَقد اخْتلف فِي ذَلِك على ابْن عمر، وَأَصَح مَا رُوِيَ عَنهُ مَا رَوَاهُ ابْنه سَالم وَنَافِع أَنه: كَانَ لَا يقصر إلاّ فِي الْيَوْم التَّام أَرْبَعَة برد، وَفِي (الْمُوَطَّأ) عَن ابْن شهَاب عَن مَالك عَن سَالم عَن أَبِيه: أَنه كَانَ يقصر فِي مسيرَة الْيَوْم التَّام، وَقَالَ بَعضهم: على هَذَا فِي تمسك الْحَنَفِيَّة بِحَدِيث ابْن عمر، على أَن: أقل مَسَافَة الْقصر ثَلَاثَة أَيَّام إِشْكَال، لَا سِيمَا على قاعدتهم بِأَن الِاعْتِبَار بِمَا رأى الصَّحَابِيّ لَا بِمَا روى. قلت: لَيْسَ فِيهِ إِشْكَال، لِأَن هَذَا لَا يشبه أَن يكون رَأيا، إِنَّمَا يشبه أَن يكون توقيفا على أَن أَصْحَابنَا أَيْضا اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب إختلافا كثيرا، فَالَّذِي ذكره صَاحب (الْهِدَايَة) : السّفر الَّذِي تَتَغَيَّر بِهِ الْأَحْكَام أَن يقْصد الْإِنْسَان مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها بسير الْإِبِل ومشي الْأَقْدَام، وَقدر أَبُو يُوسُف بيومين وَأكْثر الثَّالِث، وَهُوَ رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة، وَرِوَايَة ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد، وَقَالَ المرغيناني وَعَامة الْمَشَايِخ: قدروها بالفراسخ، فَقيل: أحد وَعِشْرُونَ فرسخا، وَقيل: ثَمَانِيَة عشر فرسخا. قَالَ المرغيناني: وَعَلِيهِ الْفَتْوَى. وَقيل خَمْسَة عشر فرسخا. وَمَا ذكره صَاحب (الْهِدَايَة) هُوَ مَذْهَب عُثْمَان وَابْن مَسْعُود وسُويد بن غَفلَة وَفِي (التَّمْهِيد) : وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وَأَبُو قلَابَة وَشريك بن عبد الله وَابْن جُبَير وَابْن سِيرِين وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَالْحسن بن حَيّ، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الصَّلَاة بمنى. قَوْله: (وَهُوَ سِتَّة عشر فرسخا) من كَلَام البُخَارِيّ أَي: الْبرد سِتَّة عشر فرسخا، وَالْبرد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: جمع بريد، وَقَالَ ابْن سَيّده: الْبَرِيد فرسخان. وَقيل: مَا بَين كل منزلين بريد، وَقَالَ صَاحب (الْجَامِع) : الْبَرِيد أَمْيَال مَعْرُوفَة، يُقَال: هُوَ أَرْبَعَة فراسخ. والفراسخ ثَلَاثَة أَمْيَال. وَفِي (الواعي) : الْبَرِيد سكَّة من السكَك، كل اثْنَي عشر ميلًا بريد، وَكَذَا
стр. 1995
ذكره فِي (الصِّحَاح) وَغَيره. وَفِي (الجمهرة) : الْبَرِيد مَعْرُوف عَرَبِيّ، والفرسخ، قَالَ ابْن سَيّده: هُوَ ثَلَاثَة أَمْيَال أَو سِتَّة، سمي بذلك لِأَن صَاحبه إِذا مَشى وَقعد واستراح، كَأَنَّهُ سكن، والفرسخ: السّكُون. وَفِي (الْجَامِع) : قيل: إِنَّمَا سمي فرسخا من السعَة. وَقيل: الْمَكَان إِذا لم يكن فِيهِ فُرْجَة فَهُوَ فَرسَخ. وَقيل: الفرسخ الطَّوِيل. وَفِي (مجمع الغرائب) : فراسخ اللَّيْل وَالنَّهَار ساعاتهما وأوقاتهما. وَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ فَارسي مُعرب، والميل من الأَرْض مَعْرُوف، وَهُوَ قدر مد الْبَصَر، وَقيل: لَيْسَ لَهُ حد مَعْلُوم، وَقيل: هُوَ ثَلَاثَة آلَاف ذِرَاع، وَعَن يَعْقُوب: مُنْتَهى مد الْبَصَر، وَيُقَال: الْميل عشر غلوات، والغلوة طلق الْفرس، وَهُوَ مِائَتَا ذِرَاع وَفِي (الْمغرب) للمطرزي الغلوة ثَلَاثمِائَة ذِرَاع إِلَى أَرْبَعمِائَة. وَقيل: هُوَ قدر رمية سهم. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أصح مَا فِي الْميل أَنه ثَلَاثَة آلَاف ذِرَاع وَخَمْسمِائة. وَقيل: أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع، وَقيل: ألف خطْوَة بخطوة الْجمل. وَقيل: هُوَ أَن ينظر إِلَى الشَّخْص فَلَا يعلم أهوَ آتٍ أَو ذَاهِب أَو رجل هُوَ أَو امْرَأَة. وَقَالَ عِيَاض: وَقيل: إثنا عشر ألف قدم، وَعَن الْحَرْبِيّ قَالَ أَبُو نصر: هُوَ قِطْعَة من الأَرْض مَا بَين العلمين.
٦٨٠١ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ قَالَ قُلْتُ ل أِبِي أُسَامَةَ حدَّثَكُمْ عُبَيْدُ الله عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ إلَاّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.
(الحَدِيث ٦٨٠١ طرفه فِي: ٧٨٠١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة ففسره أَولا بقوله: (وسمى النَّبِي ﷺ السّفر يَوْمًا وَلَيْلَة) . وَثَانِيا بقوله: (وَكَانَ ابْن عمر. .) إِلَى آخِره، وثالثا بِهَذَا الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لِأَن إِبْهَام التَّرْجَمَة وإطلاقه يتَنَاوَل الْكل.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْحَاق، قَالَ أَبُو عَليّ الجياني: حَيْثُ قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا إِسْحَاق، فَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه. وَإِمَّا ابْن نصر السَّعْدِيّ. وَإِمَّا ابْن مَنْصُور الكوسج لِأَن الثَّلَاثَة أخرج عَنْهُم البُخَارِيّ عَن أبي أُسَامَة. قَالَ الْكرْمَانِي: إِسْحَاق هُوَ الْحَنْظَلِي. قلت: هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مخلد بن إِبْرَاهِيم، يعرف بِابْن رَاهَوَيْه الْحَنْظَلِي الْمروزِي، وَالصَّوَاب مَعَه، لِأَنَّهُ سَاق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْنده بِهَذِهِ الْعبارَة. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وَقد مر غير مرّة. الثَّالِث: عبيد الله بن عمر الْعمريّ، وَقد مر عَن قريب. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله ابْن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع، وَفِيه: قَالَ وَقلت. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي وَأَبُو أُسَامَة كُوفِي وَعبيد الله وَنَافِع مدنيان. وَفِيه: دَلِيل لمن قَالَ: إِنَّه لَا يشْتَرط فِي صِحَة النَّاقِل قَول الشَّيْخ: نعم، فِي جَوَاب من قَالَ لَهُ: حَدثكُمْ فلَان، بِكَذَا، قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَن مُسْند إِسْحَاق فِي آخِره وَأقر بِهِ أَبُو أُسَامَة وَقَالَ: نعم. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن هَذَا الْمُسْتَدلّ إِنَّمَا اسْتدلَّ بِظَاهِر عبارَة البُخَارِيّ الَّتِي تساعده فِيهِ على مَا لَا يخفى. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بِغَيْر نِسْبَة، وَيحْتَمل وَجه ذَلِك أَنه روى هَذَا الحَدِيث من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الْمُسَمّى كل مِنْهُم بِإسْحَاق وَلم ينْسبهُ ليتناول الثَّلَاثَة، لِأَنَّهُ أخرج عَن الثَّلَاثَة عَن أبي أُسَامَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه مُسلم أَيْضا من طَرِيق الضَّحَّاك بن عُثْمَان عَن نَافِع مسيرَة ثَلَاث لَيَال، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ أَن المُرَاد: ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها وَثَلَاث لَيَال بأيامها.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وفقهاء أَصْحَاب الحَدِيث على أَن الْمحرم شَرط فِي وجوب الْحَج على الْمَرْأَة إِذا كَانَت بَينهَا وَبَين مَكَّة مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها، وَبِه قَالَ النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالثَّوْري وَالْأَعْمَش. فَإِن قلت: الْحَج لم يدْخل فِي السّفر الَّذِي نهى عَنهُ النَّبِي، ﷺ ، وَأَنه مَحْمُول على الْأَسْفَار غير الْوَاجِبَة، وَالْحج فرض، فَلَا يدْخل فِي هَذَا النَّهْي؟ قلت: النَّهْي عَام فِي كل سفر، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. فَقَالَ مُسلم: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان، قَالَ أَبُو بكر: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بن دنار (عَن أبي معبد قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: سَمِعت النَّبِي ﷺ يخْطب: لَا يخلون رجل بِامْرَأَة إلاّ وَمَعَهَا ذُو محرم، وَلَا تُسَافِر الْمَرْأَة إلاّ مَعَ ذِي محرم، فَقَامَ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن امْرَأَتي حَاجَة، وَإِنِّي اكتتبت فِي غَزْوَة كَذَا وَكَذَا، قَالَ: انْطلق فحج مَعَ امْرَأَتك) . وَلَفظ البُخَارِيّ يَجِيء فِي مَوْضِعه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه والطَّحَاوِي أَيْضا، وَلَفظ الطَّحَاوِيّ: (أردْت أَن أحج بامرأتي، فَقَالَ
стр. 1996
رَسُول الله ﷺ : (أحجج مَعَ امْرَأَتك) . فَدلَّ ذَلِك على أَنَّهَا لَا يَنْبَغِي لَهَا أَن تحج إلاّ بِهِ، وَلَوْلَا ذَلِك لقَالَ رَسُول الله ﷺ : وَمَا حَاجَتهَا إِلَيْك لِأَنَّهَا تخرج مَعَ الْمُسلمين، وَأَنت فَامْضِ لوجهك فِيمَا اكتتبت، فَفِي ترك النَّبِي ﷺ أَن يَأْمُرهُ بذلك وَأمره أَن يحجّ مَعهَا دَلِيل على أَنَّهَا لَا يصلح لَهَا الْحَج إلاّ بِهِ. وروى ابْن حزم حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا فِي (الْمحلى) بِسَنَدِهِ، كَمَا مر، غير أَن فِي لَفظه: (إِنِّي نذرت أَن أخرج فِي جَيش كَذَا) ، عوض قَوْله: (إِنِّي اكتتبت فِي غَزْوَة كَذَا) . ثمَّ قَالَ: وَلم يقل ﷺ : لَا تخرج إِلَى الْحَج إلاّ مَعَك، وَلَا نهاها عَن الْحَج، بل ألزمهُ ترك نَذره فِي الْجِهَاد وألزمه الْحَج مَعهَا، فالفرض فِي ذَلِك عَلَيْهِ لَا عَلَيْهَا. قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك توجيها لمذهبه فِي أَن الْمَرْأَة تحج من غير زوج ومحرم، فَإِن كَانَ لَهَا زوج فَفرض عَلَيْهِ أَن يحجّ مَعهَا وَلَيْسَ كَمَا فهمه، بل الحَدِيث فِي نفس الْأَمر حجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لما قَالَ لَهُ: (فَاخْرُج مَعهَا) ، وَأمر بِالْخرُوجِ مَعهَا فَدلَّ على عدم جَوَاز سفرها إلاّ بِهِ أَو بِمحرم، وَإِنَّمَا ألزمهُ بترك نَذره لتَعلق جَوَاز سفرها بِهِ. فَإِن قلت: ظَاهر الحَدِيث يدل على أَن الزَّوْج أَو الْمحرم إِذا امْتنع عَن الْخُرُوج مَعهَا فِي الْحَج أَنه يجْبر على ذَلِك، وَمَعَ هَذَا فَأنْتم تَقولُونَ: إِذا امْتنع الزَّوْج أَو الْمحرم لَا يجْبر عَلَيْهِ. قلت: فَلْيَكُن كَذَلِك فَلَا يضرنا هَذَا، وَإِنَّمَا قصدنا إِثْبَات شَرْطِيَّة الزَّوْج أَو الْمحرم مَعَ الْمَرْأَة إِذا أَرَادَت الْحَج، على أَن هَذَا الْأَمر لَيْسَ بِأَمْر إِلْزَام، وَإِنَّمَا نبه بذلك على أَن الْمَرْأَة لَا تُسَافِر إلاّ بزوجها، وَمذهب الشَّافِعِي وَمَالك أَن الْمَرْأَة تُسَافِر لِلْحَجِّ الْفَرْض بِلَا زوج وَلَا محرم، وَإِن كَانَ بَينهَا وَبَين مَكَّة سفرا وَلم يكن وخصَّا النَّهْي الْوَارِد عَن ذَلِك بالأسفار غير الْوَاجِبَة، وَمذهب عَطاء وَسَعِيد بن كيسَان وَطَائِفَة من الظَّاهِرِيَّة: أَنه يجوز سفر الْمَرْأَة فِيمَا دون الْبَرِيد، فَإِذا كَانَ بريدا فَصَاعِدا فَلَيْسَ لَهَا أَن تُسَافِر إلاّ بِمحرم، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكرَة قَالَ: حَدثنَا أَبُو عمر الضَّرِير عَن حَمَّاد بن سَلمَة، قَالَ: حَدثنَا سُهَيْل بن أبي صَالح عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تُسَافِر امْرَأَة بريدا، إلاّ مَعَ زوج أَو ذِي محرم) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (لَا تُسَافِر الْمَرْأَة بريدا إلاّ مَعَ ذِي محرم) ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد نَحوه.
وَذهب الشّعبِيّ وطاووس وَقوم من الظَّاهِرِيَّة إِلَى أَن الْمَرْأَة لَا يجوز لَهَا أَن تُسَافِر مُطلقًا سَوَاء كَانَ السّفر قَرِيبا أَو بَعيدا، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم لَهَا، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ. قَالَ حَدثنَا روح بن الْفرج، قَالَ: حَدثنَا حَامِد بن يحيى، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا ابْن عجلَان عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إلاّ وَمَعَهَا ذُو محرم) . قَالَ الطَّحَاوِيّ: اتّفقت الْآثَار الَّتِي فِيهَا مُدَّة الثَّلَاث كلهَا عَن النَّبِي ﷺ فِي تَحْرِيم السّفر ثَلَاثَة أَيَّام على الْمَرْأَة بِغَيْر محرم، وَاخْتلف فِيمَا دون الثَّلَاث، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك فَوَجَدنَا النَّهْي عَن السّفر بِلَا محرم مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فَصَاعِدا ثَابتا بِهَذِهِ الْآثَار كلهَا، وَكَانَ توقيته ثَلَاثَة أَيَّام فِي ذَلِك إِبَاحَة السّفر دون الثَّلَاث لَهَا بِغَيْر محرم، وَلَوْلَا ذَلِك لما كَانَ لذكره الثَّلَاث معنى، ولنهى نهيا مُطلقًا. وَلم يتَكَلَّم بِكَلَام يكون فصلا، وَلَكِن ذكر الثَّلَاث ليعلم أَن مَا دونهَا بِخِلَافِهَا، ثمَّ مَا رُوِيَ عَنهُ فِي منعهَا من السّفر دون الثَّلَاث من الْيَوْم واليومين والبريد، فَكل وَاحِد من تِلْكَ الْآثَار، وَمن الْأَثر الْمَرْوِيّ فِي الثَّلَاث مَتى كَانَ بعد الَّذِي خَالفه شَيْخه إِن كَانَ على سفر الْيَوْم بِلَا محرم بعد النَّهْي عَن سفر الثَّلَاث بِلَا محرم فَهُوَ نَاسخ، وَإِن كَانَ خبر الثَّلَاث هُوَ الْمُتَأَخر عَنهُ فَهُوَ نَاسخ، فقد ثَبت أَن أحد الْمعَانِي دون الثَّلَاث ناسخة للثلاث، أَو الثَّلَاث ناسخة لَهَا، فَلم يخل خبر الثَّلَاث من أحد وَجْهَيْن: إِمَّا أَن يكون هُوَ الْمُتَقَدّم، أَو يكون هُوَ الْمُتَأَخر، فَإِن كَانَ هُوَ الْمُتَقَدّم فقد أَبَاحَ السّفر بِأَقَلّ من ثَلَاث بِلَا محرم، ثمَّ جَاءَ بعده النَّهْي عَن سفر مَا هُوَ دون الثَّلَاث بِغَيْر محرم، فَحرم مَا حرم الحَدِيث الأول وَزَاد عَلَيْهِ حُرْمَة أُخْرَى وَهِي مَا بَينه وَبَين الثَّلَاث، فَوَجَبَ اسْتِعْمَال الثَّلَاث على مَا أوجبه الْأَثر الْمَذْكُور فِيهِ، وَإِن كَانَ هُوَ الْمُتَأَخر وَغَيره الْمُتَقَدّم فَهُوَ نَاسخ لما تقدمه، وَالَّذِي تقدمه غير وَاجِب الْعَمَل بِهِ، فَحَدِيث الثَّلَاث وَاجِب اسْتِعْمَاله على الْأَحْوَال كلهَا، وَمَا خَالفه فقد يجب اسْتِعْمَاله إِن كَانَ هُوَ الْمُتَأَخر، وَلَا يجب إِن كَانَ هُوَ الْمُتَقَدّم، فَالَّذِي قد وَجب علينا اسْتِعْمَاله وَالْأَخْذ بِهِ فِي كلا الْوَجْهَيْنِ أولى مِمَّا يجب اسْتِعْمَاله فِي حَال وَتَركه فِي حَال. انْتهى.
وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقَوله فِي الرِّوَايَة الْوَاحِدَة عَن أبي سعيد: ثَلَاث لَيَال، وَفِي الْأُخْرَى: يَوْمَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى: أَكثر من ثَلَاث، وَفِي حَدِيث ابْن عمر: ثَلَاث، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: مسيرَة لَيْلَة، وَفِي الْأُخْرَى عَنهُ: يَوْم وَلَيْلَة، وَفِي الْأُخْرَى عَنهُ: ثَلَاث، وَهَذَا كُله لَيْسَ يتنافر وَلَا يخْتَلف،
стр. 1997
فَيكون ﷺ منع من ثَلَاث وَمن يَوْمَيْنِ وَمن يَوْم أَو يَوْم وَلَيْلَة، وهوأقلها، وَقد يكون قَوْله ﷺ هَذَا فِي مَوَاطِن مُخْتَلفَة ونوازل مُتَفَرِّقَة، فَحدث كل من سَمعهَا بِمَا بلغه مِنْهَا وَشَاهده، وَإِن حدث بهَا وَاحِد فَحدث بهَا مَرَّات على اخْتِلَاف مَا سَمعهَا، وبحسب اخْتِلَاف هَذِه الرِّوَايَات اخْتلف الْفُقَهَاء فِي تَقْصِير الْمُسَافِر وَأَقل السّفر. فَإِن قلت: حَدِيث الْبَاب الَّذِي رَوَاهُ عمر الَّذِي فِيهِ تعْيين ثَلَاثَة أَيَّام، وَأَنه مَمْنُوع إلاّ بِذِي محرم، وَقد رُوِيَ عَنهُ من قَوْله خلاف ذَلِك، قَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن صَالح، قَالَ: حَدثنَا بكر بن مُضر عَن عَمْرو بن الْحَارِث (عَن بكير أَن نَافِعًا حَدثهُ أَنه: كَانَ يُسَافر مَعَ ابْن عمر مواليات لَهُ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذُو محرم) . قلت: قد يجوز أَن يكون سفرهن بِغَيْر محرم هُوَ السفرالذي لم يدْخل فِيهَا نهي عَنهُ ﷺ . قَوْله: (مواليات) ، بِضَم الْمِيم، أَي: نسَاء مواليات من الْمُوَالَاة، وَعقد الْمُوَالَاة أَن يسْلك رجل على يَد آخر فيواليه، فَيَقُول: أَنْت مولَايَ ترثني إِذا مت وتعقل عني إِذا جنيت، فَهَذَا عقد صَحِيح. وَكَذَا لَو أسلم على يَد رجل ووالى غَيره. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا كَانَت تُسَافِر بِغَيْر محرم، فَأخذ بِهِ جمَاعَة وجوزوا سفرها بِغَيْر محرم. قلت: كَانَ النَّاس لعَائِشَة محرما لِأَنَّهَا أم الْمُؤمنِينَ، فَمَعَ أَيهمْ سَافَرت فقد سَافَرت بِمحرم، وَلَيْسَ النَّاس لغَيْرهَا من النِّسَاء كَذَلِك، وَهَذَا الْجَواب من أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٧٨٠١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَا تُسَافِرُ المَرْأةُ إلاّ معَ ذِي مَحْرَمٍ.
(أنظر الحَدِيث ٦٨٠١) .
هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن عمر عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع إِلَى آخِره. قَوْله: (إِلَّا مَعهَا ذُو محرم) رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (إلاّ مَعَ ذِي محرم) ، وَالْمحرم، بِفَتْح الْمِيم: من لَا يحل لَهُ نِكَاحهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي سعيد عِنْد مُسلم وَأبي دَاوُد: (إلاّ وَمَعَهَا أَبوهَا وأخوها أَو زَوجهَا أَو ابْنهَا أَو ذُو محرم مِنْهَا) . وَاخْتلف فِي الْمحرم، فَيجوز لَهَا المسافرة مَعَ محرمها بِالنّسَبِ: كأبيها وأخيها وَابْن اختها وَابْن أَخِيهَا وخالها وعمها، وَمَعَ محرمها بِالرّضَاعِ كأخيها من الرَّضَاع وَابْن أَخِيهَا وَابْن اختها مِنْهُ، وَنَحْوهم، وَمَعَ محرمها من الْمُصَاهَرَة كَأبي زَوجهَا وَابْن زَوجهَا، وَلَا كَرَاهَة فِي شَيْء من ذَلِك إلاّ أَن مَالِكًا كره سفرها مَعَ ابْن زَوجهَا لفساد النَّاس بعد الْعَصْر الأول، وَكَذَلِكَ يجوز لهَؤُلَاء الْخلْوَة بهَا وَالنَّظَر إِلَيْهَا من غير حَاجَة، وَلَكِن لَا يحل النّظر بِشَهْوَة.
تابَعَهُ أحْمَدُ عنِ ابنِ المُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: تَابع عبيد الله أَحْمد حَيْثُ رَوَاهُ عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن عبيد الله الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي ﷺ مثله، أَي: مَرْفُوعا نَحوه، وَذكر البُخَارِيّ مُتَابَعَته إِيَّاه دفعا لمن قَالَ: إِنَّه مَوْقُوف، وَفِي (علل الدَّارَقُطْنِيّ) قَالَ يحيى بن سعيد الْقطَّان: مَا أنْكرت على عبيد الله بن عمر إلاّ هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ: رَوَاهُ عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَوْقُوفا. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُسْنده) عَن ابْن نمير وَعَن أبي أُسَامَة عَن عبيد الله، فَذكره مَرْفُوعا، قَالَ: رَأَيْت حَاشِيَة بِخَط قديم جدا: هَذَا الحَدِيث غلط، غلط، فِيهِ عبيد الله عَن نَافِع، وَلم يُنكر عَلَيْهِ الْقطَّان غَيره. قَالَ: وَفِيه نظر لجلالة عبيد الله، وَلِأَن يحيى نَفسه رَوَاهُ عَنهُ فَلَو كَانَ مُنْكرا مَا رَوَاهُ عَنهُ وَإِذا رَوَاهُ عَنهُ فَلَا يحدث، ثمَّ قَالَ: وَقد وجدنَا لِعبيد الله مُتَابعًا على رَفعه، رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن مُحَمَّد بن رَافع: حَدثنَا ابْن أبي فديك عَن الضَّحَّاك بن عُثْمَان، عَن نَافِع، فَذكره بِلَفْظ: (لَا يحل لأمرأة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر تُسَافِر مسيرَة ثَلَاث لَيَال إلاّ وَمَعَهَا ذُو محرم) . وَأما أَحْمد الْمَذْكُور فَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى الْمروزِي، يكنى أَبَا الْعَبَّاس، ويلقب بمردويه. قلت: هَكَذَا ذكر الْحَاكِم أَبُو عبد الله أَنه أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى مرْدَوَيْه، وَزعم الدَّارَقُطْنِيّ أَنه: أَحْمد بن مُحَمَّد بن ثَابت شبويه، وَقَالَ أَحْمد بن عدي: لَا يعرف. قيل: إِنَّه أَحْمد بن حَنْبَل، وَهُوَ غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لم يسمع عَن عبد الله بن الْمُبَارك.
٨٨٠١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حَدثنَا ابنُ أبي ذِئْبٍ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عنْ أبيهِ
стр. 1998
عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَا يَحِلُّ لاِمْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تسَافِرَ مَسِيرَةَ يَومٍ ولَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة مَا ذَكرْنَاهُ فِي أول حَدِيث الْبَاب.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا غير مرّة، وآدَم ابْن إِيَاس من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب، وَاسم أبي ذِئْب: هِشَام العامري الْمدنِي، وَسَعِيد ابْن أبي سعيد الْمدنِي، وكنيته أَبُو سعيد، وَأَبوهُ سعيد واسْمه: كيسَان المَقْبُري، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى مَقْبرَة بِالْمَدِينَةِ كَانَ أَبُو سعيد مجاورا لَهَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج، وَقَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب، قَالَ) : حَدثنَا يحيى ابْن سعيد عَن ابْن أبي ذِئْب، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر تُسَافِر مسيرَة يَوْم إلاّ مَعَ ذِي محرم) .
ذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي الْمَتْن والسند: أما الِاخْتِلَاف فِي الْمَتْن: فَإِن رِوَايَة البُخَارِيّ: (مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (مسيرَة يَوْم) ، والتوفيق بَينهمَا بِأَن يُقَال: المُرَاد بِيَوْم فِي رِوَايَة مُسلم هُوَ الْيَوْم بليلته. وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (أَن تُسَافِر) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (تُسَافِر) بِدُونِ ذكر: أَن، وَهَذَا لَيْسَ باخْتلَاف على الْحَقِيقَة، لِأَن: أَن، مقدرَة فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (لَيْسَ مَعهَا حُرْمَة) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إلاّ مَعَ ذِي محرم) ، وَهَذَا الِاخْتِلَاف فِي الصُّورَة وَفِي الْمَعْنى كِلَاهُمَا سَوَاء.
وَأما الِاخْتِلَاف فِي السَّنَد: فَإِن البُخَارِيّ وَمُسلمًا اتفقَا فِي هَذِه الرِّوَايَة عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه، وروى مُسلم أَيْضا بِدُونِ ذكر أَبِيه، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا لَيْث عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يحل لامْرَأَة مسلمة أَن تُسَافِر مسيرَة لَيْلَة إلَاّ وَمَعَهَا رجل ذُو حُرْمَة مِنْهَا) . وَكَذَلِكَ اخْتلف فِيهِ على مَالك، فَفِي رِوَايَة مُسلم عِنْد ذكر أَبِيه، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر تُسَافِر مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة إلَاّ مَعَ ذِي محرم مِنْهَا) . وَقَالَ أَبُو دَاوُد: أخبرنَا عبد الله بن مسلمة والنفيلي عَن مَالك، قَالَ: وَحدثنَا الْحسن بن عَليّ، قَالَ: حَدثنَا بشر بن عمر، قَالَ: حَدثنِي مَالك عَن سعيد بن أبي سعيد، قَالَ الْحسن فِي حَدِيثه عَن أَبِيه: ثمَّ اتَّفقُوا على أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر يَوْمًا وَلَيْلَة) . قَالَ أَبُو دَاوُد: لم يذكر النُّفَيْلِي والقعنبي عَن أَبِيه. وَقَالَ أَبُو دَاوُد، رَوَاهُ ابْن وهب وَعُثْمَان بن عمر عَن مَالك، كَمَا قَالَ القعْنبِي، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الغرائب) : رَوَاهُ بشر بن عمر وَإِسْحَاق الْفَروِي عَن مَالك عَن سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم عَن مَالك مثل حَدِيث بشر بن عمر، وَقَالَ أَبُو عمر: روى شَيبَان عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (استدراكه) على الشَّيْخَيْنِ: كَونهمَا أَخْرجَاهُ من حَدِيث أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أَبِيه، وَقَالَ: الصَّوَاب: سعيد عَن أبي هُرَيْرَة من غير ذكر أَبِيه، وَاحْتج بِأَن مَالِكًا وَيحيى بن أبي كثير وسهيلاً قَالُوا: عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، فَهَذَا الدَّارَقُطْنِيّ رجح رِوَايَة إِسْحَاق عَن أَبِيه، وَلَكِن فِي رِوَايَة الشَّيْخَيْنِ: عَن أَبِيه، زِيَادَة من الثِّقَة، وَهِي مَقْبُولَة، وَقد وَافق ابْن أبي ذِئْب على قَوْله: عَن أَبِيه، اللَّيْث بن سعد فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَنهُ قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا سعيد، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أَبِيه أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يحل لامْرَأَة مسلمة تُسَافِر مسيرَة لَيْلَة إلاّ وَمَعَهَا رجل ذُو حُرْمَة مِنْهَا) ، وَاللَّيْث وَابْن أبي ذِئْب من أثبت النَّاس فِي سعيد، وَذكرنَا عَن مُسلم عَن قريب بِعَين الْإِسْنَاد والمتن، وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ عَن أَبِيه، كَذَا رَأَيْته فِي بعض النّسخ، وَفِي بَعْضهَا: عَن أَبِيه، فَإِن صحت الرِّوَايَتَانِ يكون على اللَّيْث أَيْضا اخْتِلَاف ينظر فِيهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يحل) ، فعل مضارع وفاعله قَوْله: (أَن تُسَافِر) ، و: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: لَا يحل لامْرَأَة مسافرتها مسيرَة يَوْم. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : الْهَاء فِي: مسيرَة يَوْم، للمرة الْوَاحِدَة، التَّقْدِير: أَن تُسَافِر مرّة وَاحِدَة سفرة وَاحِدَة مَخْصُوصَة بِيَوْم وَلَيْلَة، وَتَبعهُ على هَذَا صَاحب (التَّوْضِيح) وَهَذَا تصرف عَجِيب، وَلَفظ: (مسيرَة) مصدر ميمي بِمَعْنى: السّير، كالمعيشة بِمَعْنى الْعَيْش، وَلَيْسَت التَّاء فِيهِ للمرة، وَمَا كل تَاء تدخل الْمصدر تدل على الْوحدَة. قَوْله: (تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم
стр. 1999
الآخر) ظَاهره أَن هَذَا قيد يخرج الكافرات، كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْبَعْض، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ وصف لتأكيد التَّحْرِيم لِأَنَّهُ تَعْرِيض أَنَّهَا إِذا سَافَرت بِغَيْر محرم فَإِنَّهَا تخَالف شَرط الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، لِأَن التَّعَرُّض إِلَى وصفهَا بذلك إِشَارَة إِلَى إِلْزَام الْوُقُوف عِنْدَمَا نهيت عَنهُ، وَأَن الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يقْضِي لَهَا بذلك. قَوْله: (لَيْسَ مَعهَا حُرْمَة) جملَة حَالية، أَي: لَيْسَ مَعهَا رجل ذُو حُرْمَة مِنْهَا، كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم، كَذَلِك، وَقد مر عَن قريب. وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث على: أَن الْمَرْأَة لَيْسَ لَهَا أَن تُسَافِر مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة إلاّ بِذِي محرم، وَلها أَن تُسَافِر فِي أقل من ذَلِك، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
تابَعَهُ يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ وسُهَيْلٌ ومالِكٌ عنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ
أَي: تَابع ابْن أبي ذِئْب عَن أبي هُرَيْرَة يحيى وَسُهيْل وَمَالك، فَهَذِهِ الْمُتَابَعَة فِي متن الحَدِيث لَا فِي الْإِسْنَاد، لأَنهم لم يَقُولُوا عَن أَبِيه. وَقَالَ الْمُزنِيّ: يَعْنِي تَابعه فِي قَوْله: (مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة) قلت: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن مُتَابعَة هَؤُلَاءِ ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد فِي لفظ الْمَتْن لَا فِي ذكر سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَكِن لم يخْتَلف على يحيى فِي رِوَايَته عَن أبي سعيد عَن أَبِيه، لِأَن الطَّحَاوِيّ روى هَذَا الحَدِيث من طَرِيق يحيى، وَفِيه: عَن أَبِيه، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُميَّة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم، قَالَ: حَدثنَا شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سعيد عَن أَبِيه أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يحل لامْرَأَة أَن تُسَافِر يَوْمًا فَمَا فَوْقه ألَاّ وَمَعَهَا ذُو حُرْمَة) . وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده: حَدثنَا حسن حَدثنَا شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سعيد أَن أَبَاهُ أخبرهُ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يحل لامْرَأَة أَن تُسَافِر يَوْمًا فَمَا فَوْقه إلَاّ وَمَعَهَا ذُو حُرْمَة) .
وَاخْتلف فِي ذَلِك على سُهَيْل وَمَالك. أما الِاخْتِلَاف على سُهَيْل فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا يُوسُف بن مُوسَى عَن جرير عَن سُهَيْل عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة. . الحَدِيث، وَفِيه: أَن تُسَافِر بريدا. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا أَبُو بكرَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عمر الضَّرِير عَن حَمَّاد بن سَلمَة، قَالَ: حَدثنَا سُهَيْل بن أبي صَالح عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تُسَافِر امْرَأَة بريدا إلَاّ مَعَ زوج أَو ذِي محرم) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا نَحوه، فَهَذِهِ لَيْسَ فِيهَا ذكر: عَن أَبِيه، وروى مُسلم: حَدثنَا أَبُو كَامِل الجحدري، قَالَ حَدثنَا بشر، يَعْنِي ابْن الْمفضل، قَالَ: حَدثنَا سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يحل لامْرَأَة أَن تُسَافِر ثَلَاثًا إلاّ وَمَعَهَا ذُو محرم عَلَيْهَا) ، فَهَذَا فِي رِوَايَته أبدل سعيدا بِأبي صَالح، وَخَالف فِي اللَّفْظ أَيْضا فَقَالَ: (أَن تُسَافِر ثَلَاثًا) ، وَيحْتَمل أَن يكون الحديثان مَعًا عِنْد سُهَيْل، وَلذَلِك صحّح ابْن حبَان الطَّرِيقَيْنِ عَنهُ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رِوَايَة سُهَيْل مضطربة فِي الْإِسْنَاد والمتن.
وَأما الِاخْتِلَاف على مَالك فقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقد رَأَيْت الِاخْتِلَاف الظَّاهِر بَين الْحفاظ فِي ذكر أَبِيه، فَلَعَلَّهُ سمع من أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، ثمَّ سمع عَن أبي هُرَيْرَة نَفسه، فَرَوَاهُ تَارَة كَذَا وَتارَة كَذَا، وسماعه عَن أبي هُرَيْرَة صَحِيح.
٥ - (بابٌ يَقْصُرُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الْإِنْسَان يقصر صلَاته الرّبَاعِيّة إِذا خرج من مَوْضِعه قَاصِدا سفرا تقصر فِي مثله الصَّلَاة.
وَخَرَجَ عَلِيٌّ ﵇ فَقَصَرَ وَهْوَ يَرَى البُيُوتَ فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ هاذِهِ الكُوفَةُ قَالَ لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع:
الأول: فِي مَعْنَاهُ فَقَوله: (وَخرج عَليّ) أَي: من الْكُوفَة. لِأَن قَوْله: (هَذِه الْكُوفَة) يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (فقصر) أَي: الصَّلَاة الرّبَاعِيّة. قَوْله: (وَهُوَ يرى الْبيُوت) جملَة حَالية أَي: وَالْحَال أَنه يرى بيُوت الْكُوفَة. قَوْله: (فَلَمَّا رَجَعَ) أَي: من سَفَره هَذَا. قَوْله: (هَذِه الْكُوفَة) يَعْنِي: هَل نتم الصَّلَاة؟ قَالَ: لَا، أَي: لَا نتم حَتَّى ندْخلهَا.
النَّوْع الثَّانِي: إِن هَذَا التَّعْلِيق أخرجه الْحَاكِم مَوْصُولا من رِوَايَة الثَّوْريّ عَن وقاء بن إِيَاس (عَن عَليّ بن ربيعَة، قَالَ: خرجنَا مَعَ على، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فقصرنا الصَّلَاة وَنحن نرى الْبيُوت، ثمَّ رَجعْنَا فقصرنا الصَّلَاة وَنحن نرى الْبيُوت) .
стр. 2000
وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يزِيد بن هَارُون (عَن وقاء بن إِيَاس: خرجنَا مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، متوجهين هَهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّام، فصلى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى إِذا رَجعْنَا ونظرنا إِلَى الْكُوفَة حضرت الصَّلَاة، قَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذِه الْكُوفَة، أَنْتُم الصَّلَاة؟ قَالَ: لَا، حَتَّى ندْخلهَا) . ووقاء، بِكَسْر الْوَاو وَبعدهَا قَاف ثمَّ مُدَّة: ابْن إِيَاس، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فِيهِ كَلَام. وَقَالَ أَبُو عمر: رُوِيَ مثل هَذَا عَن عَليّ من وُجُوه شَتَّى. قلت: روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن دَاوُد بن أبي هِنْد (عَن أبي حَرْب بن أبي الْأسود الديلِي أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خرج من الْبَصْرَة فصلى الظّهْر أَرْبعا، ثمَّ قَالَ: إِنَّا لَو جاوزنا هَذَا الخص لصلينا رَكْعَتَيْنِ) . وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : أخبرنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن دَاوُد بن أبي هِنْد (عَن أبي حَرْب بن أبي الْأسود: أَن عليا لما خرج من الْبَصْرَة رأى خصا، فَقَالَ: لَوْلَا هَذَا الخص لصلينا رَكْعَتَيْنِ، فَقلت: وَمَا الخص؟ قَالَ: بَيت من الْقصب) . قلت: هُوَ بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة. قَالَ أَبُو عمر: روى سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَغَيره عَن أبي إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد، قَالَ: (خرجت مَعَ عَليّ بن أبي طَالب إِلَى صفّين، فَلَمَّا كَانَ بَين الجسر والقنطرة صلى رَكْعَتَيْنِ) ، قَالَ: وَسَنَده صَحِيح.
النَّوْع الثَّالِث: فِي اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب، فعندنا إِذا فَارق الْمُسَافِر بيُوت الْمصر يقصر، وَفِي (الْمَبْسُوط) : يقصر حِين يخلف عمرَان الْمصر، وَفِي (الذَّخِيرَة) : إِن كَانَت لَهَا محلّة منتبذة من الْمصر وَكَانَت قبل ذَلِك مُتَّصِلَة بهَا فَإِنَّهُ لَا يقصر مَا لم يجاوزها، ويخلف دورها بِخِلَاف الْقرْيَة الَّتِي تكون بِفنَاء الْمصر، فَإِنَّهُ يقصر وَإِن لم يحاوزها. وَفِي (التُّحْفَة) : الْمُقِيم إِذا نوى السّفر وَمَشى أَو ركب لَا يصير مُسَافِرًا مَا لم يخرج من عمرَان الْمصر، لِأَن بنية الْعَمَل لَا يصير عَاملا مَا لم يعْمل، لِأَن الصَّائِم إِذا نوى الْفطر لايصير مُفطرا. وَفِي (الْمُحِيط) : وَالصَّحِيح أَنه تعْتَبر مُجَاوزَة عمرَان الْمصر إلاّ إِذا كَانَ ثمَّة قَرْيَة أَو قرى مُتَّصِلَة بربض الْمصر، فَحِينَئِذٍ تعْتَبر مُجَاوزَة الْقرى. وَقَالَ الشَّافِعِي: فِي الْبَلَد يشْتَرط مُجَاوزَة السُّور لَا مُجَاوزَة الْأَبْنِيَة الْمُتَّصِلَة بالسور خَارِجَة، وَحكى الرَّافِعِيّ وجَهَا: أَن الْمُعْتَبر مُجَاوزَة الدّور، وَرجح الرَّافِعِيّ هَذَا الْوَجْه فِي (الْمُجَرّد) ، وَالْأول فِي الشَّرْح وَإِن لم يكن فِي جِهَة خُرُوجه سور، أَو كَانَ فِي قَرْيَة يشْتَرط مُفَارقَة الْعمرَان. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة: لَيْسَ لمن نوى السّفر الْقصر حَتَّى يخرج من بيُوت مصره أَو قريته، ويخلفها وَرَاء ظَهره. قَالَ: وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع كل من يحفظ عَنهُ من أهل الْعلم على هَذَا، وَعَن عَطاء وَسليمَان بن مُوسَى: إنَّهُمَا كَانَا يبيحان الْقصر فِي الْبَلَد لمن نوى السّفر، وَعَن الْحَارِث بن أبي ربيعَة: إِنَّه أَرَادَ سفرا فصلى بِالْجَمَاعَة فِي منزله رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهِمْ الْأسود بن يزِيد وَغير وَاحِد من أَصْحَاب عبد الله، وَعَن عَطاء أَنه قَالَ: إِذا دخل عَلَيْهِ وَقت صَلَاة بعد خُرُوجه من منزله قبل أَن يُفَارق بيُوت الْمصر يُبَاح لَهُ الْقصر، وَقَالَ مُجَاهِد: إِذا ابْتَدَأَ السّفر بِالنَّهَارِ لَا يقصر حَتَّى يدْخل اللَّيْل، وَإِذا ابْتَدَأَ بِاللَّيْلِ لَا يقصر حَتَّى يدْخل النَّهَار.
٩٨٠١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ وإبْرَاهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ صَلَّيْتُ الظهْرَ مَعَ النبيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ أرْبَعا وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن أنسا يخبر فِي حَدِيثه أَن النَّبِي ﷺ قصر صلَاته بَعْدَمَا خرج من الْمَدِينَة، والترجمة هَكَذَا. والمناسبة بَينه وَبَين أثر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمَذْكُور من حَيْثُ إِن أثر عَليّ يدل على أَن الْقصر يشرع بِفِرَاق الْحَضَر، وَحَدِيث أنس كَذَلِك، لِأَنَّهُ يدل على أَنه ﷺ مَا قصر حَتَّى فَارق الْمَدِينَة، وَكَانَ قصره فِي ذِي الحليفة، لِأَنَّهُ كَانَ أول منزل نزله وَلم تحضر قبله صَلَاة، وَلَا يَصح اسْتِدْلَال من اسْتدلَّ بِهِ على إِبَاحَة الْقصر فِي السّفر الْقصير لكَون بَين الْمَدِينَة وَذي الحليفة سِتَّة أَمْيَال، لِأَن ذَا الحليفة لم تكن مُنْتَهى سفر النَّبِي ﷺ ، وَإِنَّمَا خرج إِلَيْهَا يُرِيد مَكَّة، فاتفق نُزُوله بهَا وَكَانَت صَلَاة الْعَصْر أول صَلَاة حضرت بهَا فقصرها، وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى أَن رَجَعَ.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ، نَص عَلَيْهِ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) . الثَّالِث: مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الانكدار، ابْن عبد الله الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة، قَالَه الْوَاقِدِيّ. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم بن ميسرَة ضد الميمنة الطَّائِفِي الْمَكِّيّ. الْخَامِس: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف
следующие страницы →