← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

رَسُول الله ﷺ : (أحجج مَعَ امْرَأَتك) . فَدلَّ ذَلِك على أَنَّهَا لَا يَنْبَغِي لَهَا أَن تحج إلاّ بِهِ، وَلَوْلَا ذَلِك لقَالَ رَسُول الله ﷺ : وَمَا حَاجَتهَا إِلَيْك لِأَنَّهَا تخرج مَعَ الْمُسلمين، وَأَنت فَامْضِ لوجهك فِيمَا اكتتبت، فَفِي ترك النَّبِي ﷺ أَن يَأْمُرهُ بذلك وَأمره أَن يحجّ مَعهَا دَلِيل على أَنَّهَا لَا يصلح لَهَا الْحَج إلاّ بِهِ. وروى ابْن حزم حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا فِي (الْمحلى) بِسَنَدِهِ، كَمَا مر، غير أَن فِي لَفظه: (إِنِّي نذرت أَن أخرج فِي جَيش كَذَا) ، عوض قَوْله: (إِنِّي اكتتبت فِي غَزْوَة كَذَا) . ثمَّ قَالَ: وَلم يقل ﷺ : لَا تخرج إِلَى الْحَج إلاّ مَعَك، وَلَا نهاها عَن الْحَج، بل ألزمهُ ترك نَذره فِي الْجِهَاد وألزمه الْحَج مَعهَا، فالفرض فِي ذَلِك عَلَيْهِ لَا عَلَيْهَا. قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك توجيها لمذهبه فِي أَن الْمَرْأَة تحج من غير زوج ومحرم، فَإِن كَانَ لَهَا زوج فَفرض عَلَيْهِ أَن يحجّ مَعهَا وَلَيْسَ كَمَا فهمه، بل الحَدِيث فِي نفس الْأَمر حجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لما قَالَ لَهُ: (فَاخْرُج مَعهَا) ، وَأمر بِالْخرُوجِ مَعهَا فَدلَّ على عدم جَوَاز سفرها إلاّ بِهِ أَو بِمحرم، وَإِنَّمَا ألزمهُ بترك نَذره لتَعلق جَوَاز سفرها بِهِ. فَإِن قلت: ظَاهر الحَدِيث يدل على أَن الزَّوْج أَو الْمحرم إِذا امْتنع عَن الْخُرُوج مَعهَا فِي الْحَج أَنه يجْبر على ذَلِك، وَمَعَ هَذَا فَأنْتم تَقولُونَ: إِذا امْتنع الزَّوْج أَو الْمحرم لَا يجْبر عَلَيْهِ. قلت: فَلْيَكُن كَذَلِك فَلَا يضرنا هَذَا، وَإِنَّمَا قصدنا إِثْبَات شَرْطِيَّة الزَّوْج أَو الْمحرم مَعَ الْمَرْأَة إِذا أَرَادَت الْحَج، على أَن هَذَا الْأَمر لَيْسَ بِأَمْر إِلْزَام، وَإِنَّمَا نبه بذلك على أَن الْمَرْأَة لَا تُسَافِر إلاّ بزوجها، وَمذهب الشَّافِعِي وَمَالك أَن الْمَرْأَة تُسَافِر لِلْحَجِّ الْفَرْض بِلَا زوج وَلَا محرم، وَإِن كَانَ بَينهَا وَبَين مَكَّة سفرا وَلم يكن وخصَّا النَّهْي الْوَارِد عَن ذَلِك بالأسفار غير الْوَاجِبَة، وَمذهب عَطاء وَسَعِيد بن كيسَان وَطَائِفَة من الظَّاهِرِيَّة: أَنه يجوز سفر الْمَرْأَة فِيمَا دون الْبَرِيد، فَإِذا كَانَ بريدا فَصَاعِدا فَلَيْسَ لَهَا أَن تُسَافِر إلاّ بِمحرم، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكرَة قَالَ: حَدثنَا أَبُو عمر الضَّرِير عَن حَمَّاد بن سَلمَة، قَالَ: حَدثنَا سُهَيْل بن أبي صَالح عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تُسَافِر امْرَأَة بريدا، إلاّ مَعَ زوج أَو ذِي محرم) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (لَا تُسَافِر الْمَرْأَة بريدا إلاّ مَعَ ذِي محرم) ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد نَحوه. وَذهب الشّعبِيّ وطاووس وَقوم من الظَّاهِرِيَّة إِلَى أَن الْمَرْأَة لَا يجوز لَهَا أَن تُسَافِر مُطلقًا سَوَاء كَانَ السّفر قَرِيبا أَو بَعيدا، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم لَهَا، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ. قَالَ حَدثنَا روح بن الْفرج، قَالَ: حَدثنَا حَامِد بن يحيى، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا ابْن عجلَان عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إلاّ وَمَعَهَا ذُو محرم) . قَالَ الطَّحَاوِيّ: اتّفقت الْآثَار الَّتِي فِيهَا مُدَّة الثَّلَاث كلهَا عَن النَّبِي ﷺ فِي تَحْرِيم السّفر ثَلَاثَة أَيَّام على الْمَرْأَة بِغَيْر محرم، وَاخْتلف فِيمَا دون الثَّلَاث، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك فَوَجَدنَا النَّهْي عَن السّفر بِلَا محرم مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فَصَاعِدا ثَابتا بِهَذِهِ الْآثَار كلهَا، وَكَانَ توقيته ثَلَاثَة أَيَّام فِي ذَلِك إِبَاحَة السّفر دون الثَّلَاث لَهَا بِغَيْر محرم، وَلَوْلَا ذَلِك لما كَانَ لذكره الثَّلَاث معنى، ولنهى نهيا مُطلقًا. وَلم يتَكَلَّم بِكَلَام يكون فصلا، وَلَكِن ذكر الثَّلَاث ليعلم أَن مَا دونهَا بِخِلَافِهَا، ثمَّ مَا رُوِيَ عَنهُ فِي منعهَا من السّفر دون الثَّلَاث من الْيَوْم واليومين والبريد، فَكل وَاحِد من تِلْكَ الْآثَار، وَمن الْأَثر الْمَرْوِيّ فِي الثَّلَاث مَتى كَانَ بعد الَّذِي خَالفه شَيْخه إِن كَانَ على سفر الْيَوْم بِلَا محرم بعد النَّهْي عَن سفر الثَّلَاث بِلَا محرم فَهُوَ نَاسخ، وَإِن كَانَ خبر الثَّلَاث هُوَ الْمُتَأَخر عَنهُ فَهُوَ نَاسخ، فقد ثَبت أَن أحد الْمعَانِي دون الثَّلَاث ناسخة للثلاث، أَو الثَّلَاث ناسخة لَهَا، فَلم يخل خبر الثَّلَاث من أحد وَجْهَيْن: إِمَّا أَن يكون هُوَ الْمُتَقَدّم، أَو يكون هُوَ الْمُتَأَخر، فَإِن كَانَ هُوَ الْمُتَقَدّم فقد أَبَاحَ السّفر بِأَقَلّ من ثَلَاث بِلَا محرم، ثمَّ جَاءَ بعده النَّهْي عَن سفر مَا هُوَ دون الثَّلَاث بِغَيْر محرم، فَحرم مَا حرم الحَدِيث الأول وَزَاد عَلَيْهِ حُرْمَة أُخْرَى وَهِي مَا بَينه وَبَين الثَّلَاث، فَوَجَبَ اسْتِعْمَال الثَّلَاث على مَا أوجبه الْأَثر الْمَذْكُور فِيهِ، وَإِن كَانَ هُوَ الْمُتَأَخر وَغَيره الْمُتَقَدّم فَهُوَ نَاسخ لما تقدمه، وَالَّذِي تقدمه غير وَاجِب الْعَمَل بِهِ، فَحَدِيث الثَّلَاث وَاجِب اسْتِعْمَاله على الْأَحْوَال كلهَا، وَمَا خَالفه فقد يجب اسْتِعْمَاله إِن كَانَ هُوَ الْمُتَأَخر، وَلَا يجب إِن كَانَ هُوَ الْمُتَقَدّم، فَالَّذِي قد وَجب علينا اسْتِعْمَاله وَالْأَخْذ بِهِ فِي كلا الْوَجْهَيْنِ أولى مِمَّا يجب اسْتِعْمَاله فِي حَال وَتَركه فِي حَال. انْتهى. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقَوله فِي الرِّوَايَة الْوَاحِدَة عَن أبي سعيد: ثَلَاث لَيَال، وَفِي الْأُخْرَى: يَوْمَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى: أَكثر من ثَلَاث، وَفِي حَدِيث ابْن عمر: ثَلَاث، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: مسيرَة لَيْلَة، وَفِي الْأُخْرَى عَنهُ: يَوْم وَلَيْلَة، وَفِي الْأُخْرَى عَنهُ: ثَلَاث، وَهَذَا كُله لَيْسَ يتنافر وَلَا يخْتَلف،

стр. 1997

فَيكون ﷺ منع من ثَلَاث وَمن يَوْمَيْنِ وَمن يَوْم أَو يَوْم وَلَيْلَة، وهوأقلها، وَقد يكون قَوْله ﷺ هَذَا فِي مَوَاطِن مُخْتَلفَة ونوازل مُتَفَرِّقَة، فَحدث كل من سَمعهَا بِمَا بلغه مِنْهَا وَشَاهده، وَإِن حدث بهَا وَاحِد فَحدث بهَا مَرَّات على اخْتِلَاف مَا سَمعهَا، وبحسب اخْتِلَاف هَذِه الرِّوَايَات اخْتلف الْفُقَهَاء فِي تَقْصِير الْمُسَافِر وَأَقل السّفر. فَإِن قلت: حَدِيث الْبَاب الَّذِي رَوَاهُ عمر الَّذِي فِيهِ تعْيين ثَلَاثَة أَيَّام، وَأَنه مَمْنُوع إلاّ بِذِي محرم، وَقد رُوِيَ عَنهُ من قَوْله خلاف ذَلِك، قَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن صَالح، قَالَ: حَدثنَا بكر بن مُضر عَن عَمْرو بن الْحَارِث (عَن بكير أَن نَافِعًا حَدثهُ أَنه: كَانَ يُسَافر مَعَ ابْن عمر مواليات لَهُ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذُو محرم) . قلت: قد يجوز أَن يكون سفرهن بِغَيْر محرم هُوَ السفرالذي لم يدْخل فِيهَا نهي عَنهُ ﷺ . قَوْله: (مواليات) ، بِضَم الْمِيم، أَي: نسَاء مواليات من الْمُوَالَاة، وَعقد الْمُوَالَاة أَن يسْلك رجل على يَد آخر فيواليه، فَيَقُول: أَنْت مولَايَ ترثني إِذا مت وتعقل عني إِذا جنيت، فَهَذَا عقد صَحِيح. وَكَذَا لَو أسلم على يَد رجل ووالى غَيره. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا كَانَت تُسَافِر بِغَيْر محرم، فَأخذ بِهِ جمَاعَة وجوزوا سفرها بِغَيْر محرم. قلت: كَانَ النَّاس لعَائِشَة محرما لِأَنَّهَا أم الْمُؤمنِينَ، فَمَعَ أَيهمْ سَافَرت فقد سَافَرت بِمحرم، وَلَيْسَ النَّاس لغَيْرهَا من النِّسَاء كَذَلِك، وَهَذَا الْجَواب من أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ٧٨٠١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَا تُسَافِرُ المَرْأةُ إلاّ معَ ذِي مَحْرَمٍ. (أنظر الحَدِيث ٦٨٠١) . هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن عمر عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع إِلَى آخِره. قَوْله: (إِلَّا مَعهَا ذُو محرم) رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (إلاّ مَعَ ذِي محرم) ، وَالْمحرم، بِفَتْح الْمِيم: من لَا يحل لَهُ نِكَاحهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي سعيد عِنْد مُسلم وَأبي دَاوُد: (إلاّ وَمَعَهَا أَبوهَا وأخوها أَو زَوجهَا أَو ابْنهَا أَو ذُو محرم مِنْهَا) . وَاخْتلف فِي الْمحرم، فَيجوز لَهَا المسافرة مَعَ محرمها بِالنّسَبِ: كأبيها وأخيها وَابْن اختها وَابْن أَخِيهَا وخالها وعمها، وَمَعَ محرمها بِالرّضَاعِ كأخيها من الرَّضَاع وَابْن أَخِيهَا وَابْن اختها مِنْهُ، وَنَحْوهم، وَمَعَ محرمها من الْمُصَاهَرَة كَأبي زَوجهَا وَابْن زَوجهَا، وَلَا كَرَاهَة فِي شَيْء من ذَلِك إلاّ أَن مَالِكًا كره سفرها مَعَ ابْن زَوجهَا لفساد النَّاس بعد الْعَصْر الأول، وَكَذَلِكَ يجوز لهَؤُلَاء الْخلْوَة بهَا وَالنَّظَر إِلَيْهَا من غير حَاجَة، وَلَكِن لَا يحل النّظر بِشَهْوَة. تابَعَهُ أحْمَدُ عنِ ابنِ المُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ ﷺ أَي: تَابع عبيد الله أَحْمد حَيْثُ رَوَاهُ عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن عبيد الله الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي ﷺ مثله، أَي: مَرْفُوعا نَحوه، وَذكر البُخَارِيّ مُتَابَعَته إِيَّاه دفعا لمن قَالَ: إِنَّه مَوْقُوف، وَفِي (علل الدَّارَقُطْنِيّ) قَالَ يحيى بن سعيد الْقطَّان: مَا أنْكرت على عبيد الله بن عمر إلاّ هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ: رَوَاهُ عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَوْقُوفا. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُسْنده) عَن ابْن نمير وَعَن أبي أُسَامَة عَن عبيد الله، فَذكره مَرْفُوعا، قَالَ: رَأَيْت حَاشِيَة بِخَط قديم جدا: هَذَا الحَدِيث غلط، غلط، فِيهِ عبيد الله عَن نَافِع، وَلم يُنكر عَلَيْهِ الْقطَّان غَيره. قَالَ: وَفِيه نظر لجلالة عبيد الله، وَلِأَن يحيى نَفسه رَوَاهُ عَنهُ فَلَو كَانَ مُنْكرا مَا رَوَاهُ عَنهُ وَإِذا رَوَاهُ عَنهُ فَلَا يحدث، ثمَّ قَالَ: وَقد وجدنَا لِعبيد الله مُتَابعًا على رَفعه، رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن مُحَمَّد بن رَافع: حَدثنَا ابْن أبي فديك عَن الضَّحَّاك بن عُثْمَان، عَن نَافِع، فَذكره بِلَفْظ: (لَا يحل لأمرأة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر تُسَافِر مسيرَة ثَلَاث لَيَال إلاّ وَمَعَهَا ذُو محرم) . وَأما أَحْمد الْمَذْكُور فَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى الْمروزِي، يكنى أَبَا الْعَبَّاس، ويلقب بمردويه. قلت: هَكَذَا ذكر الْحَاكِم أَبُو عبد الله أَنه أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى مرْدَوَيْه، وَزعم الدَّارَقُطْنِيّ أَنه: أَحْمد بن مُحَمَّد بن ثَابت شبويه، وَقَالَ أَحْمد بن عدي: لَا يعرف. قيل: إِنَّه أَحْمد بن حَنْبَل، وَهُوَ غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لم يسمع عَن عبد الله بن الْمُبَارك. ٨٨٠١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حَدثنَا ابنُ أبي ذِئْبٍ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عنْ أبيهِ

стр. 1998

عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَا يَحِلُّ لاِمْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تسَافِرَ مَسِيرَةَ يَومٍ ولَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة مَا ذَكرْنَاهُ فِي أول حَدِيث الْبَاب. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا غير مرّة، وآدَم ابْن إِيَاس من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب، وَاسم أبي ذِئْب: هِشَام العامري الْمدنِي، وَسَعِيد ابْن أبي سعيد الْمدنِي، وكنيته أَبُو سعيد، وَأَبوهُ سعيد واسْمه: كيسَان المَقْبُري، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى مَقْبرَة بِالْمَدِينَةِ كَانَ أَبُو سعيد مجاورا لَهَا. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج، وَقَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب، قَالَ) : حَدثنَا يحيى ابْن سعيد عَن ابْن أبي ذِئْب، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر تُسَافِر مسيرَة يَوْم إلاّ مَعَ ذِي محرم) . ذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي الْمَتْن والسند: أما الِاخْتِلَاف فِي الْمَتْن: فَإِن رِوَايَة البُخَارِيّ: (مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (مسيرَة يَوْم) ، والتوفيق بَينهمَا بِأَن يُقَال: المُرَاد بِيَوْم فِي رِوَايَة مُسلم هُوَ الْيَوْم بليلته. وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (أَن تُسَافِر) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (تُسَافِر) بِدُونِ ذكر: أَن، وَهَذَا لَيْسَ باخْتلَاف على الْحَقِيقَة، لِأَن: أَن، مقدرَة فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (لَيْسَ مَعهَا حُرْمَة) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إلاّ مَعَ ذِي محرم) ، وَهَذَا الِاخْتِلَاف فِي الصُّورَة وَفِي الْمَعْنى كِلَاهُمَا سَوَاء. وَأما الِاخْتِلَاف فِي السَّنَد: فَإِن البُخَارِيّ وَمُسلمًا اتفقَا فِي هَذِه الرِّوَايَة عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه، وروى مُسلم أَيْضا بِدُونِ ذكر أَبِيه، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا لَيْث عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يحل لامْرَأَة مسلمة أَن تُسَافِر مسيرَة لَيْلَة إلَاّ وَمَعَهَا رجل ذُو حُرْمَة مِنْهَا) . وَكَذَلِكَ اخْتلف فِيهِ على مَالك، فَفِي رِوَايَة مُسلم عِنْد ذكر أَبِيه، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر تُسَافِر مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة إلَاّ مَعَ ذِي محرم مِنْهَا) . وَقَالَ أَبُو دَاوُد: أخبرنَا عبد الله بن مسلمة والنفيلي عَن مَالك، قَالَ: وَحدثنَا الْحسن بن عَليّ، قَالَ: حَدثنَا بشر بن عمر، قَالَ: حَدثنِي مَالك عَن سعيد بن أبي سعيد، قَالَ الْحسن فِي حَدِيثه عَن أَبِيه: ثمَّ اتَّفقُوا على أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر يَوْمًا وَلَيْلَة) . قَالَ أَبُو دَاوُد: لم يذكر النُّفَيْلِي والقعنبي عَن أَبِيه. وَقَالَ أَبُو دَاوُد، رَوَاهُ ابْن وهب وَعُثْمَان بن عمر عَن مَالك، كَمَا قَالَ القعْنبِي، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الغرائب) : رَوَاهُ بشر بن عمر وَإِسْحَاق الْفَروِي عَن مَالك عَن سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم عَن مَالك مثل حَدِيث بشر بن عمر، وَقَالَ أَبُو عمر: روى شَيبَان عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (استدراكه) على الشَّيْخَيْنِ: كَونهمَا أَخْرجَاهُ من حَدِيث أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أَبِيه، وَقَالَ: الصَّوَاب: سعيد عَن أبي هُرَيْرَة من غير ذكر أَبِيه، وَاحْتج بِأَن مَالِكًا وَيحيى بن أبي كثير وسهيلاً قَالُوا: عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، فَهَذَا الدَّارَقُطْنِيّ رجح رِوَايَة إِسْحَاق عَن أَبِيه، وَلَكِن فِي رِوَايَة الشَّيْخَيْنِ: عَن أَبِيه، زِيَادَة من الثِّقَة، وَهِي مَقْبُولَة، وَقد وَافق ابْن أبي ذِئْب على قَوْله: عَن أَبِيه، اللَّيْث بن سعد فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَنهُ قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا سعيد، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أَبِيه أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يحل لامْرَأَة مسلمة تُسَافِر مسيرَة لَيْلَة إلاّ وَمَعَهَا رجل ذُو حُرْمَة مِنْهَا) ، وَاللَّيْث وَابْن أبي ذِئْب من أثبت النَّاس فِي سعيد، وَذكرنَا عَن مُسلم عَن قريب بِعَين الْإِسْنَاد والمتن، وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ عَن أَبِيه، كَذَا رَأَيْته فِي بعض النّسخ، وَفِي بَعْضهَا: عَن أَبِيه، فَإِن صحت الرِّوَايَتَانِ يكون على اللَّيْث أَيْضا اخْتِلَاف ينظر فِيهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يحل) ، فعل مضارع وفاعله قَوْله: (أَن تُسَافِر) ، و: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: لَا يحل لامْرَأَة مسافرتها مسيرَة يَوْم. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : الْهَاء فِي: مسيرَة يَوْم، للمرة الْوَاحِدَة، التَّقْدِير: أَن تُسَافِر مرّة وَاحِدَة سفرة وَاحِدَة مَخْصُوصَة بِيَوْم وَلَيْلَة، وَتَبعهُ على هَذَا صَاحب (التَّوْضِيح) وَهَذَا تصرف عَجِيب، وَلَفظ: (مسيرَة) مصدر ميمي بِمَعْنى: السّير، كالمعيشة بِمَعْنى الْعَيْش، وَلَيْسَت التَّاء فِيهِ للمرة، وَمَا كل تَاء تدخل الْمصدر تدل على الْوحدَة. قَوْله: (تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم

стр. 1999

الآخر) ظَاهره أَن هَذَا قيد يخرج الكافرات، كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْبَعْض، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ وصف لتأكيد التَّحْرِيم لِأَنَّهُ تَعْرِيض أَنَّهَا إِذا سَافَرت بِغَيْر محرم فَإِنَّهَا تخَالف شَرط الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، لِأَن التَّعَرُّض إِلَى وصفهَا بذلك إِشَارَة إِلَى إِلْزَام الْوُقُوف عِنْدَمَا نهيت عَنهُ، وَأَن الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يقْضِي لَهَا بذلك. قَوْله: (لَيْسَ مَعهَا حُرْمَة) جملَة حَالية، أَي: لَيْسَ مَعهَا رجل ذُو حُرْمَة مِنْهَا، كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم، كَذَلِك، وَقد مر عَن قريب. وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث على: أَن الْمَرْأَة لَيْسَ لَهَا أَن تُسَافِر مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة إلاّ بِذِي محرم، وَلها أَن تُسَافِر فِي أقل من ذَلِك، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. تابَعَهُ يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ وسُهَيْلٌ ومالِكٌ عنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أَي: تَابع ابْن أبي ذِئْب عَن أبي هُرَيْرَة يحيى وَسُهيْل وَمَالك، فَهَذِهِ الْمُتَابَعَة فِي متن الحَدِيث لَا فِي الْإِسْنَاد، لأَنهم لم يَقُولُوا عَن أَبِيه. وَقَالَ الْمُزنِيّ: يَعْنِي تَابعه فِي قَوْله: (مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة) قلت: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن مُتَابعَة هَؤُلَاءِ ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد فِي لفظ الْمَتْن لَا فِي ذكر سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَكِن لم يخْتَلف على يحيى فِي رِوَايَته عَن أبي سعيد عَن أَبِيه، لِأَن الطَّحَاوِيّ روى هَذَا الحَدِيث من طَرِيق يحيى، وَفِيه: عَن أَبِيه، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُميَّة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم، قَالَ: حَدثنَا شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سعيد عَن أَبِيه أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يحل لامْرَأَة أَن تُسَافِر يَوْمًا فَمَا فَوْقه ألَاّ وَمَعَهَا ذُو حُرْمَة) . وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده: حَدثنَا حسن حَدثنَا شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سعيد أَن أَبَاهُ أخبرهُ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يحل لامْرَأَة أَن تُسَافِر يَوْمًا فَمَا فَوْقه إلَاّ وَمَعَهَا ذُو حُرْمَة) . وَاخْتلف فِي ذَلِك على سُهَيْل وَمَالك. أما الِاخْتِلَاف على سُهَيْل فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا يُوسُف بن مُوسَى عَن جرير عَن سُهَيْل عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة. . الحَدِيث، وَفِيه: أَن تُسَافِر بريدا. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا أَبُو بكرَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عمر الضَّرِير عَن حَمَّاد بن سَلمَة، قَالَ: حَدثنَا سُهَيْل بن أبي صَالح عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تُسَافِر امْرَأَة بريدا إلَاّ مَعَ زوج أَو ذِي محرم) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا نَحوه، فَهَذِهِ لَيْسَ فِيهَا ذكر: عَن أَبِيه، وروى مُسلم: حَدثنَا أَبُو كَامِل الجحدري، قَالَ حَدثنَا بشر، يَعْنِي ابْن الْمفضل، قَالَ: حَدثنَا سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يحل لامْرَأَة أَن تُسَافِر ثَلَاثًا إلاّ وَمَعَهَا ذُو محرم عَلَيْهَا) ، فَهَذَا فِي رِوَايَته أبدل سعيدا بِأبي صَالح، وَخَالف فِي اللَّفْظ أَيْضا فَقَالَ: (أَن تُسَافِر ثَلَاثًا) ، وَيحْتَمل أَن يكون الحديثان مَعًا عِنْد سُهَيْل، وَلذَلِك صحّح ابْن حبَان الطَّرِيقَيْنِ عَنهُ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رِوَايَة سُهَيْل مضطربة فِي الْإِسْنَاد والمتن. وَأما الِاخْتِلَاف على مَالك فقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقد رَأَيْت الِاخْتِلَاف الظَّاهِر بَين الْحفاظ فِي ذكر أَبِيه، فَلَعَلَّهُ سمع من أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، ثمَّ سمع عَن أبي هُرَيْرَة نَفسه، فَرَوَاهُ تَارَة كَذَا وَتارَة كَذَا، وسماعه عَن أبي هُرَيْرَة صَحِيح. ٥ - (بابٌ يَقْصُرُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الْإِنْسَان يقصر صلَاته الرّبَاعِيّة إِذا خرج من مَوْضِعه قَاصِدا سفرا تقصر فِي مثله الصَّلَاة. وَخَرَجَ عَلِيٌّ ﵇ فَقَصَرَ وَهْوَ يَرَى البُيُوتَ فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ هاذِهِ الكُوفَةُ قَالَ لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول: فِي مَعْنَاهُ فَقَوله: (وَخرج عَليّ) أَي: من الْكُوفَة. لِأَن قَوْله: (هَذِه الْكُوفَة) يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (فقصر) أَي: الصَّلَاة الرّبَاعِيّة. قَوْله: (وَهُوَ يرى الْبيُوت) جملَة حَالية أَي: وَالْحَال أَنه يرى بيُوت الْكُوفَة. قَوْله: (فَلَمَّا رَجَعَ) أَي: من سَفَره هَذَا. قَوْله: (هَذِه الْكُوفَة) يَعْنِي: هَل نتم الصَّلَاة؟ قَالَ: لَا، أَي: لَا نتم حَتَّى ندْخلهَا. النَّوْع الثَّانِي: إِن هَذَا التَّعْلِيق أخرجه الْحَاكِم مَوْصُولا من رِوَايَة الثَّوْريّ عَن وقاء بن إِيَاس (عَن عَليّ بن ربيعَة، قَالَ: خرجنَا مَعَ على، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فقصرنا الصَّلَاة وَنحن نرى الْبيُوت، ثمَّ رَجعْنَا فقصرنا الصَّلَاة وَنحن نرى الْبيُوت) .

стр. 2000

وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يزِيد بن هَارُون (عَن وقاء بن إِيَاس: خرجنَا مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، متوجهين هَهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّام، فصلى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى إِذا رَجعْنَا ونظرنا إِلَى الْكُوفَة حضرت الصَّلَاة، قَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذِه الْكُوفَة، أَنْتُم الصَّلَاة؟ قَالَ: لَا، حَتَّى ندْخلهَا) . ووقاء، بِكَسْر الْوَاو وَبعدهَا قَاف ثمَّ مُدَّة: ابْن إِيَاس، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فِيهِ كَلَام. وَقَالَ أَبُو عمر: رُوِيَ مثل هَذَا عَن عَليّ من وُجُوه شَتَّى. قلت: روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن دَاوُد بن أبي هِنْد (عَن أبي حَرْب بن أبي الْأسود الديلِي أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خرج من الْبَصْرَة فصلى الظّهْر أَرْبعا، ثمَّ قَالَ: إِنَّا لَو جاوزنا هَذَا الخص لصلينا رَكْعَتَيْنِ) . وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : أخبرنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن دَاوُد بن أبي هِنْد (عَن أبي حَرْب بن أبي الْأسود: أَن عليا لما خرج من الْبَصْرَة رأى خصا، فَقَالَ: لَوْلَا هَذَا الخص لصلينا رَكْعَتَيْنِ، فَقلت: وَمَا الخص؟ قَالَ: بَيت من الْقصب) . قلت: هُوَ بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة. قَالَ أَبُو عمر: روى سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَغَيره عَن أبي إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد، قَالَ: (خرجت مَعَ عَليّ بن أبي طَالب إِلَى صفّين، فَلَمَّا كَانَ بَين الجسر والقنطرة صلى رَكْعَتَيْنِ) ، قَالَ: وَسَنَده صَحِيح. النَّوْع الثَّالِث: فِي اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب، فعندنا إِذا فَارق الْمُسَافِر بيُوت الْمصر يقصر، وَفِي (الْمَبْسُوط) : يقصر حِين يخلف عمرَان الْمصر، وَفِي (الذَّخِيرَة) : إِن كَانَت لَهَا محلّة منتبذة من الْمصر وَكَانَت قبل ذَلِك مُتَّصِلَة بهَا فَإِنَّهُ لَا يقصر مَا لم يجاوزها، ويخلف دورها بِخِلَاف الْقرْيَة الَّتِي تكون بِفنَاء الْمصر، فَإِنَّهُ يقصر وَإِن لم يحاوزها. وَفِي (التُّحْفَة) : الْمُقِيم إِذا نوى السّفر وَمَشى أَو ركب لَا يصير مُسَافِرًا مَا لم يخرج من عمرَان الْمصر، لِأَن بنية الْعَمَل لَا يصير عَاملا مَا لم يعْمل، لِأَن الصَّائِم إِذا نوى الْفطر لايصير مُفطرا. وَفِي (الْمُحِيط) : وَالصَّحِيح أَنه تعْتَبر مُجَاوزَة عمرَان الْمصر إلاّ إِذا كَانَ ثمَّة قَرْيَة أَو قرى مُتَّصِلَة بربض الْمصر، فَحِينَئِذٍ تعْتَبر مُجَاوزَة الْقرى. وَقَالَ الشَّافِعِي: فِي الْبَلَد يشْتَرط مُجَاوزَة السُّور لَا مُجَاوزَة الْأَبْنِيَة الْمُتَّصِلَة بالسور خَارِجَة، وَحكى الرَّافِعِيّ وجَهَا: أَن الْمُعْتَبر مُجَاوزَة الدّور، وَرجح الرَّافِعِيّ هَذَا الْوَجْه فِي (الْمُجَرّد) ، وَالْأول فِي الشَّرْح وَإِن لم يكن فِي جِهَة خُرُوجه سور، أَو كَانَ فِي قَرْيَة يشْتَرط مُفَارقَة الْعمرَان. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة: لَيْسَ لمن نوى السّفر الْقصر حَتَّى يخرج من بيُوت مصره أَو قريته، ويخلفها وَرَاء ظَهره. قَالَ: وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع كل من يحفظ عَنهُ من أهل الْعلم على هَذَا، وَعَن عَطاء وَسليمَان بن مُوسَى: إنَّهُمَا كَانَا يبيحان الْقصر فِي الْبَلَد لمن نوى السّفر، وَعَن الْحَارِث بن أبي ربيعَة: إِنَّه أَرَادَ سفرا فصلى بِالْجَمَاعَة فِي منزله رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهِمْ الْأسود بن يزِيد وَغير وَاحِد من أَصْحَاب عبد الله، وَعَن عَطاء أَنه قَالَ: إِذا دخل عَلَيْهِ وَقت صَلَاة بعد خُرُوجه من منزله قبل أَن يُفَارق بيُوت الْمصر يُبَاح لَهُ الْقصر، وَقَالَ مُجَاهِد: إِذا ابْتَدَأَ السّفر بِالنَّهَارِ لَا يقصر حَتَّى يدْخل اللَّيْل، وَإِذا ابْتَدَأَ بِاللَّيْلِ لَا يقصر حَتَّى يدْخل النَّهَار. ٩٨٠١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ وإبْرَاهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ صَلَّيْتُ الظهْرَ مَعَ النبيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ أرْبَعا وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن أنسا يخبر فِي حَدِيثه أَن النَّبِي ﷺ قصر صلَاته بَعْدَمَا خرج من الْمَدِينَة، والترجمة هَكَذَا. والمناسبة بَينه وَبَين أثر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمَذْكُور من حَيْثُ إِن أثر عَليّ يدل على أَن الْقصر يشرع بِفِرَاق الْحَضَر، وَحَدِيث أنس كَذَلِك، لِأَنَّهُ يدل على أَنه ﷺ مَا قصر حَتَّى فَارق الْمَدِينَة، وَكَانَ قصره فِي ذِي الحليفة، لِأَنَّهُ كَانَ أول منزل نزله وَلم تحضر قبله صَلَاة، وَلَا يَصح اسْتِدْلَال من اسْتدلَّ بِهِ على إِبَاحَة الْقصر فِي السّفر الْقصير لكَون بَين الْمَدِينَة وَذي الحليفة سِتَّة أَمْيَال، لِأَن ذَا الحليفة لم تكن مُنْتَهى سفر النَّبِي ﷺ ، وَإِنَّمَا خرج إِلَيْهَا يُرِيد مَكَّة، فاتفق نُزُوله بهَا وَكَانَت صَلَاة الْعَصْر أول صَلَاة حضرت بهَا فقصرها، وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى أَن رَجَعَ. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ، نَص عَلَيْهِ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) . الثَّالِث: مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الانكدار، ابْن عبد الله الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة، قَالَه الْوَاقِدِيّ. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم بن ميسرَة ضد الميمنة الطَّائِفِي الْمَكِّيّ. الْخَامِس: أنس بن مَالك. ذكر لطائف

стр. 2001

إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: تابعيان يرويان عَن صَحَابِيّ. وَفِيه: أَن شَيْخه كُوفِي وَشَيخ شيحه كَذَلِك وَالثَّالِث مدنِي وَالرَّابِع مكي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر فِي الْحَج أَيْضا عَن عبد الله بن مُحَمَّد ابْن هِشَام بن يُوسُف. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَهنا أخرجه البُخَارِيّ: عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة عَن أنس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن سعيد بن مَنْصُور. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَكَذَلِكَ أخرجه النَّسَائِيّ لَكِن ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرْبعا) أَي: أَربع رَكْعَات، هَذَا الَّذِي على هَذِه الصُّورَة رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (صليت الظّهْر مَعَ النَّبِي ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبعا وبذي الحليفة رَكْعَتَيْنِ) . قَالَ ابْن حزم، وَالْمرَاد بِرَكْعَتَيْنِ: هِيَ الْعَصْر، كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي رِوَايَة أُخْرَى. قَالَ: وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس لست لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة. وَابْن سعيد يَقُول: يَوْم السبت لخمس لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة. وَفِي (صَحِيح مُسلم) : لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَذَلِكَ لسِتَّة عشر لِلْحَجِّ. قَوْله: (وَالْعصر) بِالنّصب أَي: صَلَاة الْعَصْر. قَوْله: (بِذِي الحليفة) ، ذُو الحليفة مَاء لبني جشم، قَالَ عِيَاض: على سَبْعَة أَمْيَال من الْمَدِينَة. قَالَ ابْن قرقول: سِتَّة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: هِيَ تَصْغِير حلفة، وَهِي مِيقَات أهل الْمَدِينَة. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: وَفِي (التَّوْضِيح) : أورد الشَّافِعِي هَذَا الحَدِيث مستدلاً على أَن من أَرَادَ سفرا وَصلى قبل خُرُوجه فَإِنَّهُ يتم، كَمَا فعله الشَّارِع فِي الظّهْر بِالْمَدِينَةِ، وَقد نوى السّفر، ثمَّ صلى الْعَصْر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ، وَالْحَاصِل أَن من نوى السّفر فَلَا يقصر حَتَّى يُفَارق بيُوت مصره، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ عَن قريب مستقصىً. وَفِيه: حجَّة على من يَقُول: يقصر إِذا أَرَادَ السّفر، وَلَو فِي بَيته، وعَلى مُجَاهِد فِي قَوْله: لَا يقصر حَتَّى يدْخل اللَّيْل. ٠٩٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتِ الصَّلاةُ أوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَانِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ فقُلْتُ لِعُرْوَةَ مَا بالُ عائِشَةَ تُتِمُّ قَالَ تَأوَّلَتْ مَا تَأوَّلَ عُثْمَانُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (أنظر الحَدِيث ٠٥٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة تَأتي بتوجيهه، وَإِن كَانَ فِيهِ بعض التعسف، وَهُوَ أَن ذكر السّفر يصدق على الْمُسَافِر فَيدل على أَنه إِذا خرج من مَوْضِعه يقصر عِنْد وجود شَرط الْقصر. فَافْهَم. وَرِجَاله ذكرُوا غير مرّة، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر الْمَعْرُوف بالمسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أَن شَيْخه بخاري وسُفْيَان مكي وَالزهْرِيّ وَعُرْوَة مدنيان. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عَليّ بن خشرم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن سُفْيَان، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي أول كتاب الصَّلَاة،. أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن صَالح بن كيسَان عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. ونتكلم فِيهِ بِمَا لم يذكر هُنَاكَ. قَوْله: (أول) بِالرَّفْع على أَنه بدل من الصَّلَاة، أَو: مُبْتَدأ ثَان وَخَبره. قَوْله: (رَكْعَتَانِ) وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَيجوز نصب: أول، على الظَّرْفِيَّة أَي: فِي أول. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة كَرِيمَة: (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) فَأَيْنَ الْخَبَر على هَذَا؟ قلت: على هَذِه الرِّوَايَة تكون الرَّكْعَتَيْنِ مَنْصُوبًا على الْحَال، وَقد سد مسد الْخَبَر. قَوْله: (فرضت) قَالَ أَبُو عمر: كل من رَوَاهُ عَن عَائِشَة قَالَ فِيهِ: فرضت الصَّلَاة إلاّ مَا حدث بِهِ أَبُو إِسْحَاق الْحَرْبِيّ، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن الْحجَّاج حَدثنَا ابْن الْمُبَارك حَدثنَا ابْن عجلَان عَن صَالح بن كيسَان عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة قَالَت: فرض رَسُول الله ﷺ الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) ، الحَدِيث. انْتهى كَلَامه. قلت: فِي مُسْند عبد الله بن وهب بِسَنَد صَحِيح، (عَن عُرْوَة عَنْهَا: فرض الله الصَّلَاة حِين فَرضهَا رَكْعَتَيْنِ. .) الحَدِيث. وَعند السراج، بِسَنَد صَحِيح:

стр. 2002

(فرض الصَّلَاة على رَسُول الله ﷺ أول مَا فَرضهَا رَكْعَتَيْنِ) (ح) وَفِي لفظ: (كَانَ أول مَا افْترض على رَسُول الله ﷺ من الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمغرب) ، وَسَنَده صَحِيح. وَعند الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عَامر (عَن عَائِشَة، قَالَت: افْترض الله الصَّلَاة على رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلاّ الْمغرب، فَلَمَّا هَاجر إِلَى الْمَدِينَة زَاد إِلَى كل رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلاّ صَلَاة الْغَدَاة) . وَقَالَ الدولابي: نزل إتْمَام صَلَاة الْمُقِيم فِي الظّهْر يَوْم الثُّلَاثَاء إثنتي عشرَة لَيْلَة خلت من شهر ربيع الآخر بعد مقدمه ﷺ بِشَهْر، وأقرت صَلَاة السّفر رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ الْمُهلب: إلاّ الْمغرب فرضت وَحدهَا ثَلَاثًا، وَمَا عَداهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ الْأصيلِيّ: أول مَا فرضت الصَّلَاة أَرْبعا على هيئتها الْيَوْم، وَأنكر قَول من قَالَ: فرضت رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: لَا يقبل فِي هَذَا خبر الْآحَاد. وَأنكر حَدِيث عَائِشَة. وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: رَوَاهُ مَالك عَن صَالح بن كيسَان عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد عِنْد جمَاعَة أهل النَّقْل، لَا يخْتَلف أهل الحَدِيث فِي صِحَة إِسْنَاده إلاّ أَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ فِيهِ: عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَهِشَام بن عُرْوَة عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة،. وَلم يروه مَالك عَن ابْن شهَاب وَلَا عَن هِشَام إلاّ أَن شَيخا يُسمى مُحَمَّد بن يحيى بن عباد بن هانىء رَوَاهُ عَن مَالك وَابْن أخي الزُّهْرِيّ جَمِيعًا عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَهَذَا لَا يَصح عَن مَالك، وَالصَّحِيح فِي إِسْنَاده عَن مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) وطرقه عَن عَائِشَة متواترة، وَهُوَ عَنْهَا صَحِيح لَيْسَ فِي إِسْنَاده مقَال. إلاّ أَن أهل الْعلم اخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ. فَذهب جمَاعَة مِنْهُم إِلَى ظَاهره وعمومه وَمَا يُوجِبهُ لَفظه، فأوجبوا الْقصر فِي السّفر فرضا. وَقَالُوا: لَا يجوز لأحد أَن يُصَلِّي فِي السّفر إلاّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الرباعيات، وَحَدِيث عَائِشَة وَاضح فِي أَن الرَّكْعَتَيْنِ للْمُسَافِر فرض، لِأَن الْفَرْض الْوَاجِب لَا يجوز خِلَافه، وَلَا الزِّيَادَة عَلَيْهِ ألَا ترى أَن الْمُصَلِّي فِي الْحَضَر لَا يجوز لَهُ أَن يزِيد فِي صَلَاة من الْخمس، وَلَو زَاد لفسدت، فَكَذَلِك الْمُسَافِر لَا يجوز لَهُ أَن يُصَلِّي فِي السّفر أَرْبعا، لِأَن فَرْضه فِيهِ رَكْعَتَانِ. وَمِمَّنْ ذهب إِلَى هَذَا عمر بن عبد الْعَزِيز، إِن صَحَّ عَنهُ. وَعنهُ: الصَّلَاة فِي السّفر رَكْعَتَانِ لَا يَصح غَيرهمَا، ذكره ابْن حزم محتجا بِهِ، وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَقَول بعض أَصْحَاب مَالك، وروى عَن مَالك أَيْضا وَهُوَ الْمَشْهُور عَنهُ، أَنه قَالَ: من أتم فِي السّفر أعَاد فِي الْوَقْت، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث عمر بن الْخطاب: (صَلَاة السّفر رَكْعَتَانِ تَمام غير قصر على لِسَان نَبِيكُم ﷺ ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِسَنَد صَحِيح، وَبِمَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس عِنْد مُسلم: (إِن الله فرض الصَّلَاة على نَبِيكُم ﷺ فِي الْحَضَر أَرْبعا وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ) . وَفِي (التَّمْهِيد) من حَدِيث أبي قلَابَة: (عَن رجل من بني عَامر أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِن الله تَعَالَى وضع عَن الْمُسَافِر الصَّوْم وَشطر الصَّلَاة) ، وَعَن أنس بن مَالك الْقشيرِي عَن النَّبِي ﷺ مثله، وَعند ابْن حزم صَحِيحا عَن ابْن عمر، قَالَ رَسُول الله ﷺ : (صَلَاة السّفر رَكْعَتَانِ من ترك السّنة كفر) ، وَعَن ابْن عَبَّاس: من صلى فِي السّفر أَرْبعا كمن صلى فِي الْحَضَر رَكْعَتَيْنِ، وَفِي (مُسْند السراج) بِسَنَد جيد: عَن عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي يرفعهُ: (إِن الله تَعَالَى وضع عَن الْمُسَافِر الصّيام وَنصف الصَّلَاة) ، وَهُوَ قَول عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَجَابِر وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَالثَّوْري، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِن قَامَ إِلَى الثَّالِثَة ألغاها وَسجد للسَّهْو. وَقَالَ الْحسن بن حَيّ: إِذا صلى أَرْبعا مُتَعَمدا أَعَادَهَا إِذا كَانَ ذَلِك مِنْهُ الشَّيْء الْيَسِير، فَإِن طَال ذَلِك مِنْهُ وَكثر فِي سَفَره لم يعد، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: من صلى أَرْبعا عمدا بئس مَا صنع، وقضيت عَنهُ. ثمَّ قَالَ: لَا أَبَا لَك، أَتَرَى أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ تركوها لِأَنَّهَا ثقلت عَلَيْهِم؟ وَقَالَ الْأَثْرَم: قلت لِأَحْمَد: الرجل يُصَلِّي أَرْبعا فِي السّفر؟ قَالَ: لَا، مَا يُعجبنِي. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا قَول أَكثر الْعلمَاء. وَقَالَ الْخطابِيّ: الأولى الْقصر ليخرج من الْخلاف. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: الْعَمَل على مَا فعله النَّبِي ﷺ . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث دَلِيل صَرِيح للحنفية فِي وجوب الْقصر؟ قلت: لَا دلَالَة لَهُم فِيهِ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ الحَدِيث مجْرى على ظَاهِرَة لما جَازَ لعَائِشَة إِتْمَامهَا، ثمَّ إِنَّه خبر وَاحِد لَا يُعَارض لفظ الْقُرْآن وَهُوَ: ﴿أَن تقصرُوا من الصَّلَاة﴾ (النِّسَاء: ١٠١) . الصَّرِيح فِي أَنَّهَا كَانَت فِي الأَصْل زَائِدَة عَلَيْهِ، إِذْ الْقصر مَعْنَاهُ التنقيص، ثمَّ إِن الحَدِيث عَام مَخْصُوص بالمغرب وبالصبح، وحجية الْعَام الْمُخَصّص مُخْتَلف فِيهَا، ثمَّ إِن راوية الحَدِيث عَائِشَة قد خَالَفت رِوَايَتهَا، وَإِذا خَالف الرَّاوِي رِوَايَته لَا يجب الْعَمَل بروايته عِنْدهم قلت: لَا نسلم أَنه لَا دلَالَة لنا فِيهِ لِأَنَّهُ ينبىء بِأَن صَلَاة الْمُسَافِر الَّتِي هِيَ الركعتان فرضت فِي الأَصْل هَكَذَا، وَالزِّيَادَة عَلَيْهِمَا طارئة، وَلم تَسْتَقِر الزِّيَادَة إلاّ فِي الْحَضَر، وَبقيت صَلَاة الْمُسَافِر فرضا على أَصْلهَا، وَهُوَ الركعتان، فَكَمَا لَا تجوز الزِّيَادَة فِي الْحَضَر بِالْإِجْمَاع، فَكَذَا الْمُسَافِر لَا تجوز لَهُ

стр. 2003

الزِّيَادَة، وَلَفظ: فرضت، وَإِن كَانَ على صِيغَة الْمَجْهُول، لَكِن يدل على أَن الله هُوَ الَّذِي فرض، كَمَا مر صَرِيحًا فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة آنِفا. وَقَوله: لِأَنَّهُ لَو كَانَ الحَدِيث مجْرى على ظَاهره لما جَازَ لعَائِشَة إِتْمَامهَا، جَوَابه فِي نفس الحَدِيث، وَهُوَ قَول عُرْوَة: تأولت مَا تَأَول عُثْمَان، لِأَن الزُّهْرِيّ لما روى هَذَا الحَدِيث عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ظهر لَهُ أَن الرَّكْعَتَيْنِ هُوَ الْفَرْض فِي حق الْمُسَافِر، لَكِن أشكل عَلَيْهِ إتْمَام عَائِشَة من حَيْثُ إِنَّهَا أخْبرت بفرضية الرَّكْعَتَيْنِ فِي حق الْمُسَافِر، ثمَّ إِنَّهَا كَيفَ أتمت؟ فَسَأَلَ عُرْوَة بقوله: مَا بَال عَائِشَة تتمّ؟ فَأجَاب عُرْوَة بقوله: (تأولت مَا تَأَول عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ذكرنَا الْوُجُوه الَّتِي ذكرت فِي تَأَول عُثْمَان، وَقد ذكر بَعضهم الْوُجُوه الْمَذْكُورَة، ثمَّ قَالَ: وَالْمَنْقُول فِي ذَلِك أَن سَبَب إتْمَام عُثْمَان أَنه كَانَ يرى الْقصر مُخْتَصًّا بِمن كَانَ شاخصا سائرا، وَأما من أَقَامَ فِي مَكَان فِي أثْنَاء سَفَره فَلهُ حكم الْمُقِيم فَيتم، وَالْحجّة فِيهِ مَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن عَن عباد بن عبد الله ابْن الزبير، قَالَ: لما قدم علينا مُعَاوِيَة حَاجا صلى بِنَا الظّهْر رَكْعَتَيْنِ بِمَكَّة، ثمَّ انْصَرف إِلَى دَار الندوة، فَدخل عَلَيْهِ مَرْوَان وَعَمْرو بن عُثْمَان فَقَالَا: لقد عبت أَمر ابْن عمك لِأَنَّهُ كَانَ قد أتم الصَّلَاة، قَالَ: وَكَانَ عُثْمَان حَيْثُ أتم الصَّلَاة إِذا قدم مَكَّة يُصَلِّي بهَا الظّهْر وَالْعصر وَالْعشَاء أَرْبعا أَرْبعا ثمَّ إِذا خرج إِلَى منى وعرفة قصر الصَّلَاة، فَإِذا فرغ من الْحَج وَأقَام بمنى أتم الصَّلَاة انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره يُؤَيّد مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ من وجوب الْقصر، لِأَنَّهُ قَالَ: كَانَ يرى الْقصر مُخْتَصًّا بِمن كَانَ شاخصا سائرا، وَظَاهره أَنه كَانَ يرى الْقصر وَاجِبا للْمُسَافِر، وَكَانَ يرى حكم الْمُقِيم لمن أَقَامَ، وَنحن أَيْضا نرى ذَلِك، غير أَن الْمُسَافِر مَتى يكون مُقيما فِيهِ: فِيهِ خلاف قد ذَكرْنَاهُ، فَلَا يضرنا هَذَا الْخلاف، ودعوانا فِي وجوب الْقصر فِي حق الْمُسَافِر، ثمَّ إِن هَذَا الْقَائِل ادّعى أَن إِسْنَاد حَدِيث أَحْمد حسن، وَلم يذكر رُوَاته حَتَّى ينظر فيهم، وَقَول الْكرْمَانِي: ثمَّ إِنَّه خبر وَاحِد لَا يُعَارض لفظ الْقُرْآن. . إِلَى آخِره، قُلْنَا: لَا نسلم ذَلِك على الْوَجْه الَّذِي ذكرْتُمْ، لِأَن نفي الْجنَاح فِي الْقصر إِنَّمَا هُوَ فِي الزِّيَادَة على الرَّكْعَتَيْنِ، لِأَن الصَّلَاة فرضت بِمَكَّة: رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وزيدت عَلَيْهِمَا: رَكْعَتَانِ فِي الْمَدِينَة، وَالْآيَة مَدَنِيَّة نزلت فِي إِبَاحَة الْقصر للضاربين فِي الأَرْض وهم: المسافرون، فَدلَّ على أَن إِبَاحَة الْقصر فِي الزِّيَادَة لَا فِي الأَصْل، لِأَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن الْمُسَافِر لَا يُصَلِّي فِي سَفَره أقل من رَكْعَتَيْنِ إلاّ مَا شَذَّ، قَول من قَالَ: إِن الْمُسَافِر يُصَلِّي رَكْعَة عِنْد الْخَوْف، فَلَا يعْتد بِهَذَا القَوْل، على أَنا نقُول أَيْضا: جَاءَ فِي الحَدِيث الْمَشْهُور أَنه ﷺ صلى الظّهْر بِأَهْل مَكَّة فِي حجَّة الْوَدَاع رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ أَمر مناديا يُنَادي: يَا أهل مَكَّة أَتموا صَلَاتكُمْ فَإنَّا قوم سفر. وَلَو كَانَ فرض الْمُسَافِر أَرْبعا لم يحرمهم فَضِيلَة الْجَمَاعَة مَعَه، وَعند مُسلم فِي رِوَايَة: (صلى النَّبِي ﷺ بمنى صَلَاة الْمُسَافِر، وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان ثَمَانِي سِنِين، أَو قَالَ سِتّ سِنِين) . وَفِي رِوَايَة لَهُ: (صلى فِي السّفر) ، وَلم يقل: بمنى، وَفِي رِوَايَة لَهُ: صَحِبت رَسُول الله ﷺ فِي السّفر فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبضه الله، وصحبت أَبَا بكر فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبضه الله، وصحبت عمر فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ، وصحبت عُثْمَان، فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبضه الله) . وَهَكَذَا لفظ رِوَايَة أبي دَاوُد. وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (صَحِبت عُثْمَان فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى) . فَإِن قلت: روى النَّسَائِيّ من رِوَايَة الْعَلَاء بن زُهَيْر عَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْأسود (عَن عَائِشَة أَنَّهَا، اعْتَمَرت مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة حَتَّى إِذا قدمت مَكَّة قَالَت: يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي: قصرت فأتممت، وَأَفْطَرت فَصمت، قَالَ: أَحْسَنت يَا عَائِشَة، وَمَا عَابَ عَليّ) . انْتهى. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح مَوْصُول، فَهَذَا يدل على أَن الْقصر غير وَاجِب، إِذْ لَو كَانَ وَاجِبا لأنكر النَّبِي، ﷺ ، على عَائِشَة فِي إِتْمَامهَا. قلت: قد اخْتلف فِيهِ على الْعَلَاء بن زُهَيْر، فَرَوَاهُ أَبُو نعيم عَنهُ هَكَذَا، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن الْعَلَاء بن زُهَيْر عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن عَائِشَة، فعلى هَذَا الْإِسْنَاد غير مَوْصُول. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (الْخُلَاصَة) : هَذِه اللَّفْظَة مشكلة، فَإِن الْمَعْرُوف أَنه، ﷺ ، لم يعْتَمر إلاّ أَربع عمر، كُلهنَّ فِي ذِي الْقعدَة. فَإِن قلت: روى الْبَزَّار من رِوَايَة الْمُغيرَة بن زِيَاد عَن عَائِشَة أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يُسَافر فَيتم الصَّلَاة وَيقصر، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَوَافَقَهُ الْبَيْهَقِيّ على صِحَة إِسْنَاده. قلت: كَيفَ يحكم بِصِحَّتِهِ وَقد قَالَ أَحْمد: الْمُغيرَة بن زِيَاد مُنكر الحَدِيث أَحَادِيثه مَنَاكِير؟ وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة: شيخ لَا يحْتَج بحَديثه؟ وَأدْخلهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الضُّعَفَاء، وَعَادَة الْبَيْهَقِيّ التَّصْحِيح عِنْد الِاحْتِجَاج لإمامه والتضعيف عِنْد الِاحْتِجَاج لغيره. وَقَول الْكرْمَانِي: ثمَّ إِن الحَدِيث عَام مَخْصُوص بالمغرب وَالصُّبْح غير سديد، لِأَن المُرَاد من قَوْلهَا: فرضت الصَّلَاة، هِيَ الصَّلَاة الْمَعْهُودَة

стр. 2004

فِي الشَّرْع، وَهِي الصَّلَوَات الْخمس، ومسماها مَعْلُوم، فَكيف يصدق عَلَيْهِ حد الْعَام وَهُوَ مَا يَنْتَظِم جمعا من المسميات؟ وَكَيف يَقُول: مَخْصُوص بالمغرب وَالصُّبْح، وَهُوَ غير صَحِيح؟ لِأَن الْخُصُوص إِخْرَاج بعض مَا يتَنَاوَلهُ الْعَام، فَكيف يخرج الْمغرب الَّتِي هِيَ ثَلَاث رَكْعَات من أصل الْفَرْض الَّذِي هُوَ رَكْعَتَانِ؟ وَأما الصُّبْح فعلى الأَصْل فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ صُورَة الْإِخْرَاج؟ وَقَوله: وحجية الْعَام الْمُخَصّص مُخْتَلف فِيهَا، غير وَارِد علينا لأَنا لم نقر لَا بِالْعُمُومِ وَلَا بالخصوص، فَكيف يرد علينا مَا قَالَه؟ وَلَئِن سلمنَا الْعُمُوم فَلَا نسلم الْخُصُوص على الْوَجْه الَّذِي ذكره، وَلَئِن سلمنَا الْعُمُوم وَالْخُصُوص فَلَا نسلم ترك الِاحْتِجَاج بِالْعَام الْمَخْصُوص مُطلقًا؟ وَقَوله: ثمَّ إِن راوية الحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. . إِلَى آخِره، غير وَارِد علينا لأَنا لَا نقُول: إِن عَائِشَة خَالَفت مَا روته، بل نقُول: إِنَّهَا أولت، كَمَا قَالَ عُرْوَة، وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أَبِيه: (أَنَّهَا كَانَت تصلي فِي السّفر أَرْبعا، فَقلت لَهَا: لَو صليت رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَت: يَابْنَ أُخْتِي لَا تشق عَليّ) ، فَهَذَا يدل على أَنَّهَا تأولت الْقصر وَلم تنكره، وتأويلها إِيَّاه لَا يُنَافِي وُجُوبه فِي نفس الْأَمر، مَعَ أَن الْإِنْكَار لم ينْقل عَنْهَا صَرِيحًا. وَبعد كل ذَلِك، فَنحْن مَا اكتفينا فِي الِاحْتِجَاج فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ بِهَذَا الحَدِيث وَحده، وَلنَا فِي ذَلِك دَلَائِل أُخْرَى قد ذَكرنَاهَا فِيمَا مضى، وَقَالَ أَبُو عمر وَغَيره: اضْطَرَبَتْ الْآثَار عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي هَذَا الْبَاب قلت: فَلذَلِك مَا اكْتفى اصحابنا فِي الِاحْتِجَاج، وَمِمَّا يُؤَيّد مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : عَن معمر عَن قَتَادَة عَن مُورق الْعجلِيّ، قَالَ: (سُئِلَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن الصَّلَاة فِي السّفر؟ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، من خَالف السّنة كفر) . وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا: حَدثنَا أَبُو بكرَة، قَالَ: حَدثنَا روح، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو التياح (عَن مُورق، قَالَ: سَأَلَ صَفْوَان بن مُحرز ابْن عمر عَن الصَّلَاة فِي السّفر؟ فَقَالَ: أخْشَى أَن تكذب عَليّ: رَكْعَتَانِ من خَالف السّنة كفر) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا نَحوه من حَدِيث أبي التياح، وَاسم أبي التياح يزِيد بن حميد الضبعِي. ٦ - (بابٌ يُصَلِّي المَغُرِبَ ثَلَاثا فِي السَّفَرِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الْمُسَافِر يُصَلِّي صَلَاة الْمغرب ثَلَاث رَكْعَات كَمَا فِي الْحَضَر وَإِنَّهَا لَا يدْخل فِيهَا الْقصر وروى أَحْمد فِي مُسْنده من طَرِيق ثُمَامَة بن شرَاحِيل قَالَ خرجت إِلَى ابْن عمر فَقلت مَا صَلَاة الْمُسَافِر قَالَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمغرب. ١٩٠١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ إذَا أعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وبَيْنَ العِشَاءِ. قَالَ سالِمٌ وكانَ عَبْدُ الله يَفْعَلُهُ إذَا أعْجَلَهُ السَّيْرُ.. ٢٩٠١ - وزَادَ اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ سالِمٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ. قَالَ سالمٌ وَأخَّرَ ابنُ عُمَرَ المَغْرِبَ وكانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أبِي عُبَيْدٍ فَقُلْتُ لَهُ الصَّلَاةَ فَقالَ سِرْ فَقُلْتُ لَهُ الصَّلَاةُ فقالَ سِرْ حَتَّى سارَ مِيلَيْنِ أوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ قالَ هَكَذَا رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يُصَلِّي إذَا أعْجَلَهُ السَّيْرُ. وَقَالَ عبدُ الله رَأيْتُ النبيَّ ﷺ إذَا أعْجَلَهُ السَّيْرُ يُقِيمُ المَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلاثا ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ فَيُصَلِّيِهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يُقيم الْمغرب فيصليها ثَلَاثًا) . ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم ابْن نَافِع البهراني. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: سَالم بن عبد الله بن عمر.

стр. 2005

الْخَامِس: اللَّيْث بن سعد. السَّادِس: يُونُس بن يزِيد. السَّابِع: عبد الله بن عمر بن الْخطاب. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان، وَفِي بعض النّسخ: أخبرنَا. وَفِيه: الْإِخْبَار أَيْضا بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَمَانِيَة مَوَاضِع. وَفِيه: الرُّؤْيَة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه حمصيان، وَالزهْرِيّ وَسَالم مدنيان، وَاللَّيْث مصري وَيُونُس أيلي. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي موضِعين: فِي تَقْصِير الصَّلَاة عَن أبي الْيَمَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن عُثْمَان ابْن سعيد بن كثير وَعَن أَحْمد لِابْنِ مُحَمَّد بن مُغيرَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ إِذا أعجله السّير فِي السّفر) ، قيد السّفر يخرج مَا إِذا كَانَ خَارج الْبَلَد فِي بستانه أَو كرمه مثلا. قَوْله: (يُؤَخر الْمغرب) أَي: يُؤَخر صَلَاة الْمغرب إِلَى وَقت الْعشَاء. قَوْله: (يَفْعَله) أَي: يفعل تَأْخِير الْمغرب إِلَى وَقت الْعشَاء إِذا كَانَ يعجله السّير فِي السّفر. قَوْله: (وَزَاد اللَّيْث) أَي: اللَّيْث بن سعد، وَقد وصل الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: أَخْبرنِي الْقَاسِم ابْن زَكَرِيَّا حَدثنَا ابْن زَنْجوَيْه وحَدثني أبراهيم بن هانىء حَدثنَا الرَّمَادِي، حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا اللَّيْث بِهَذَا، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: رأى البُخَارِيّ أول الْإِرْسَال من اللَّيْث أقوى من رِوَايَته عَن أبي صَالح عَن اللَّيْث، وَلم يستخبر أَن يروي عَنهُ. قلت: هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذكره فِيهِ نظر، لِأَن البُخَارِيّ روى عَن أبي صَالح فِي (صَحِيحه) على الصَّحِيح، وَلكنه يدلسه فَيَقُول: حَدثنَا عبد الله، وَلَا ينْسبهُ، وَهُوَ هُوَ، نعم قد علق البُخَارِيّ حَدِيثا فَقَالَ فِيهِ، قَالَ اللَّيْث بن سعد حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة، ثمَّ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: حَدثنِي عبد الله بن صَالح، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث، فَذكره. وَلَكِن هَذَا عِنْد ابْن حمويه السَّرخسِيّ دون صَاحِبيهِ، وَقَالَ فِي (تذهيب التَّهْذِيب) : وَقد صرح ابْن حمويه عَن الْفربرِي عَن البُخَارِيّ بروايته عَن عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث فِي حَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَولا تَعْلِيقا، فَلَمَّا فرغ من الْمَتْن قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث بِهِ. ثمَّ إعلم أَن ظَاهر سِيَاق البُخَارِيّ يدل على أَن جَمِيع مَا بعد قَوْله: (زَاد اللَّيْث) ، لَيْسَ دَاخِلا فِي رِوَايَة شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن رِوَايَة شُعَيْب عَنهُ تَأتي بعد ثَمَانِيَة أَبْوَاب فِي: بَاب هَل يُؤذن أَو يُقيم إِذا جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء، وَإِنَّمَا الزِّيَادَة فِي قصَّة صَفِيَّة، وَفعل ابْن عمر خَاصَّة، وَفِي (التَّصْرِيح) بقوله: (قَالَ عبد الله رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فَقَط. قَوْله: (استصرخ) بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: أخبر بِمَوْت زَوجته صَفِيَّة بنت أبي عبيد، هِيَ أُخْت الْمُخْتَار الثَّقَفِيّ. وَهُوَ من الصُّرَاخ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَأَصله الإستغاثة بِصَوْت مُرْتَفع، وَكَانَ هَذَا بطرِيق مَكَّة بيَّن ذَلِك فِي كتاب الْجِهَاد من رِوَايَة أسلم مولى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا يَجِيء فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب السرعة فِي السّير. قَوْله: (الصَّلَاة) بِالنّصب على الإغراء، وَيجوز الرّفْع على الِابْتِدَاء أَي: الصَّلَاة حضرت، وَيجوز الرّفْع على الخبرية أَي: هَذِه الصَّلَاة، أَي: وَقت الصَّلَاة. قَوْله: (فَقَالَ: سر) أَي: فَقَالَ عبد الله لسالم: سر، وَهُوَ أَمر من سَار يسير. قَوْله: (ميلين) قد مضى أَن الْميل ثلث فَرسَخ، وَهُوَ أَرْبَعَة آلَاف خطْوَة. قَوْله: (ثمَّ قَالَ) أَي: عبد الله بن عمر. قَوْله: (يُقيم الْمغرب) من الْإِقَامَة، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وللحموي أَيْضا، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: (يعتم، بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْعين وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: أَي يدْخل فِي الْعَتَمَة وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (يُؤَخر الْمغرب) . قَوْله: (فيصليها ثَلَاثًا) أَي: فَيصَلي الْمغرب ثَلَاث رَكْعَات. قَوْله: (وقلما يلبث) كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: قل لبثه. قَوْله: (وَلَا يسبح) أَي: لَا يُصَلِّي من السبحة، وَهُوَ صَلَاة اللَّيْل. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ: الْجمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ حجَّة للشَّافِعِيّ فِي جَوَاز الْجمع بَين المغربين بِتَأْخِير الأولى إِلَى الثَّانِيَة. قُلْنَا: لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ أَن يُصَلِّيهمَا فِي وَقت الْعشَاء، وَلَكِن المُرَاد أَن يُؤَخر الْمغرب إِلَى آخر وَقتهَا، ثمَّ يُصليهَا ثمَّ يُصَلِّي الْعشَاء، وَهُوَ جمع بَينهمَا صُورَة لَا وقتا، وَسَيَجِيءُ تَحْقِيق الْكَلَام فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ عَام فِي جَمِيع الْأَسْفَار إلاّ سفر الْمعْصِيَة، فَإِنَّهَا رخصَة، والرخص لَا تناط بِالْمَعَاصِي. قُلْنَا: يُنَافِي عُمُوم نَص الْقُرْآن فَلَا يجوز، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. وَفِيه: تَأْكِيد قيام اللَّيْل لِأَنَّهُ ﷺ لَا يتْركهُ فِي السّفر، فالحضر أولى بذلك، وَقَالَ بَعضهم: وَفِي قَوْله: (سر) جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب. قلت: لَا يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة، فَإِن كَانَ وَقت الْخطاب

стр. 2006

وَقت الْحَاجة فَلَا يجوز، وَهَذَا إِذا وَقع فِي كَلَام الشَّارِع لَيْسَ فِي غَيره على مَا عرف فِي مَوْضِعه. وَفِيه: أَن صَلَاة الْمغرب لَا تقصر فِي السّفر، وترجمة الْبَاب عَلَيْهِ. وَقد رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة فِي ذَلِك أَحَادِيث: مِنْهَا: مَا رَوَاهُ عبد الله بن عمر وَهُوَ الْمَذْكُور فِي الْبَاب. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَزَّار عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من رِوَايَة الْحَارِث عَنهُ، قَالَ: (صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ صَلَاة الْخَوْف رَكْعَتَيْنِ إلاّ الْمغرب ثَلَاثًا، وَصليت مَعَه فِي السّفر رَكْعَتَيْنِ إلاّ الْمغرب ثَلَاثًا) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد (عَن عمرَان بن حُصَيْن من رِوَايَة أبي نَضرة أَن فَتى من أسلم سَأَلَ عمرَان بن حُصَيْن عَن صَلَاة رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: مَا سَافر رَسُول الله ﷺ إلاّ صلى رَكْعَتَيْنِ إلاّ الْمغرب) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة (عبد الله ابْن يزِيد عَن خُزَيْمَة بن ثَابت، قَالَ: صلى النَّبِي ﷺ يجمع الْمغرب وَالْعشَاء ثَلَاثًا واثنتين بِإِقَامَة وَاحِدَة) . وَقَالَ ابْن بطال: لم تقصر الْمغرب فِي السّفر عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ فِي أصل الْفَرِيضَة، لِأَنَّهَا وتر صَلَاة النَّهَار، قَالَ: وَهَذَا تَمام فِي كل سفر، فَمن ادّعى أَن ذَلِك فِي بعض الْأَسْفَار فَعَلَيهِ الدَّلِيل. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: بَلغنِي إِن الْملك الْكَامِل سَأَلَ الْحَافِظ أَبَا الْخطاب بن دحْيَة عَن الْمغرب: هَل تقصر فِي السّفر؟ فَأَجَابَهُ بِأَنَّهَا تقصر إِلَى ركعين، فَأنْكر عَلَيْهِ ذَلِك. فروى حَدِيثا بِسَنَدِهِ فِيهِ قصر الْمغرب إِلَى رَكْعَتَيْنِ، وَنسب إِلَى أَنه اختلقه، فَالله أعلم هَل يَصح وُقُوعه فِي ذَلِك؟ وَمَا أَظُنهُ يَقع فِي مثل هَذَا، إلَاّ أَنه اتهمَ. قَالَ الضياء الْمَقْدِسِي: لم يُعجبنِي حَاله، كَانَ كثير الوقيعة فِي الْأَئِمَّة، قَالَ ابْن وَاصل، قَاضِي حمان. . كَانَ ابْن دحْيَة مَعَ فرط مَعْرفَته بِالْحَدِيثِ وَحفظه الْكثير لَهُ مُتَّهمًا بالمجازفة فِي النَّقْل، وَقَالَ ابْن نقطة: كَانَ مَوْصُوفا بالمعرفة وَالْفضل إلاّ أَنه كَانَ يَدعِي أَشْيَاء لَا حَقِيقَة لَهَا. وَذكره الذَّهَبِيّ فِي (الْمِيزَان) فَقَالَ: مُتَّهم فِي نَقله، مَعَ أَنه كَانَ من أوعية الْعلم، دخل فِيمَا لَا يعنيه. فَإِن قلت: مَا وَجه تَسْمِيَة صَلَاة الْمغرب بِوتْر النَّهَار وَهِي صَلَاة ليلية جهرية اتِّفَاقًا؟ قلت: أُجِيب بِأَنَّهَا لما كَانَت عقيب آخر النَّهَار، وَندب إِلَى تَعْجِيلهَا عقيب الْغُرُوب أطلق عَلَيْهَا وتر النَّهَار لقربها مِنْهُ، لتميز عَن الْوتر الْمَشْرُوع فِي اللَّيْل، وَهَذَا كَقَوْلِه ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (شهرا عيد لَا ينقصان: رَمَضَان وَذُو الْحجَّة) . وَعِيد الْفطر إِنَّمَا هُوَ من شَوَّال، وَلَكِن لما كَانَ عقيب رَمَضَان سمي رَمَضَان: شهر عيد لقُرْبه مِنْهُ. ٧ - (بابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّوَابِّ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَلَاة التَّطَوُّع على الدَّابَّة، وَلَفظ: الدَّابَّة، بِالْإِفْرَادِ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَأبي الْوَقْت على الدَّوَابّ، بِصِيغَة الْجمع. فَإِن قلت: فِي حَدِيثي الْبَاب، وهما حَدِيث عَامر بن ربيعَة وَحَدِيث عبد الله بن عمر لفظ: الرَّاحِلَة. وَفِي التَّرْجَمَة لفظ: الدَّابَّة؟ قلت: لفظ الدَّابَّة أَعم من لفظ الرَّاحِلَة، وَفِي الْبَاب حَدِيث جَابر أَيْضا، وَلَفظه: (وَهُوَ رَاكب فِي غير الْقبْلَة) ، وَهَذَا اللَّفْظ يتَنَاوَل الدَّابَّة وَالرَّاحِلَة فَاخْتَارَ فِي التَّرْجَمَة لفظا أَعم ليتناول اللَّفْظَيْنِ الْمَذْكُورين، وَهَذَا أوجه من الَّذِي قَالَه ابْن رشيد، وَأورد فِيهِ الصَّلَاة على الرَّاحِلَة لتَكون تَرْجَمته بأعم ليلحق الحكم بِالْقِيَاسِ. ٣٩٠١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الأعْلى قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنُ الزُّهْرِيِّ عنْ عَبْدِ الله بنِ عامِرٍ عنْ أبِيهِ. قَالَ رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الدَّابَّة تَشْمَل الرَّاحِلَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى أَبُو مُحَمَّد الشَّامي، مر فِي: بَاب الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين، ابْن رَاشد، وَقد مر. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبد الله بن عَامر رأى النَّبِي ﷺ وَهُوَ صَغِير، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ. السَّادِس: أَبوهُ عَامر بن ربيعَة الْعَنزي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وبالزاي: حَلِيف آل عمر بن الْخطاب، كَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، وَشهد بَدْرًا، مَاتَ بعيد مقتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: الرُّؤْيَة. . وَفِيه: أَن شَيْخه مديني وَعبد الْأَعْلَى بَصرِي وَالزهْرِيّ مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَرِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ، قَالَ الذَّهَبِيّ: لعبد الله ولأبيه صُحْبَة، وَاسْتشْهدَ عبد الله يَوْم الطَّائِف. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب، وَلَيْسَ لعامر بن ربيعَة

стр. 2007

فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي الْجَنَائِز، وَآخر علقه فِي الصّيام. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي تَقْصِير الصَّلَاة عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن سَواد وحرملة بن يحيى، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ. ذكر مَعْنَاهُ وَمَا يستنبط مِنْهُ: قَوْله: (على رَاحِلَته) وَهِي: النَّاقة الَّتِي تصلح لِأَن ترحل، وَكَذَلِكَ الرحول، وَيُقَال: الرَّاحِلَة الْمركب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرَّاحِلَة من الْإِبِل: الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء، وَالْهَاء فِيهِ للْمُبَالَغَة. قَوْله: (حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ) أَي: تَوَجَّهت الدَّابَّة، يَعْنِي: إِلَى قِبَلِ الْقبْلَة أَو غَيرهَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد عَامَّة أهل الْعلم، لَا نعلم بَينهم اخْتِلَافا، لَا يرَوْنَ بَأْسا أَن يُصَلِّي الرجل على رَاحِلَته تَطَوّعا حَيْثُ مَا كَانَ وَجهه إِلَى الْقبْلَة أَو غَيرهَا قلت: هَذَا بِالْإِجْمَاع فِي السّفر، وَاخْتلفُوا فِي الْحَضَر: فجوزه أَبُو يُوسُف وَأَبُو سعيد الْإِصْطَخْرِي من الشَّافِعِيَّة وَأهل الظَّاهِر، وَعَن بعض الشَّافِعِيَّة: يجوز التَّنَفُّل على الدَّابَّة فِي الْحَضَر لَكِن مَعَ اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي جَمِيع الصَّلَاة، وَفِي وَجه آخر: يجوز للراكب دون الْمَاشِي، وَاسْتدلَّ أَبُو يُوسُف وَمن ذكرنَا مَعَه من جَوَاز التَّنَفُّل على الدَّابَّة فِي الْحَضَر بِعُمُوم حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّهُ لم يُصَرح فِيهِ بِذكر السّفر، وَمنع أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد من ذَلِك فِي الْحَضَر، واحتجا على ذَلِك بِحَدِيث ابْن عمر الْآتِي فِي: بَاب الْإِيمَاء على الدَّابَّة، عقيب هَذَا الْبَاب، لِأَن السّفر فِيهِ مَذْكُور، وَفِي إِحْدَى رِوَايَات مُسلم: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ مقبل من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة على رَاحِلَته حَيْثُ كَانَ وَجهه) . وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ: أَنه يجوز ذَلِك للراكب دون الْمَاشِي، لِأَن ذَلِك رخصَة، والرخص لَا يُقَاس عَلَيْهَا، وَجزم أَصْحَاب الشَّافِعِي ترخيص الْمَاشِي فِي السّفر بالتنفل إِلَى جِهَة مقْصده إلاّ أَن مَذْهَبهم اشْتِرَاط اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي تحرمه وَعند الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَيشْتَرط كَونهمَا على الأَرْض، وَلَا يشْتَرط استقباله فِي السَّلَام على الْأَصَح. وَمِمَّا يستنبط من قَوْله: (على الرَّاحِلَة) : أَن رَاكب السَّفِينَة لَيْسَ كراكب الدَّابَّة لتمكنه من الِاسْتِقْبَال، وَسَوَاء كَانَت السَّفِينَة واقفة أَو سائرة. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: وَقيل: يجوز للملاح، وَحَكَاهُ عَن صَاحب (الْعدة) وَزَاد النَّوَوِيّ فِي (زيادات الرَّوْضَة) وَفِي (شرح الْمُهَذّب) حكايته عَن الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره، وَفِي (التَّحْقِيق) للنووي: الْجَوَاز للملاح فِي حَال تسييرها. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: الْمُعْتَبر توجه الرَّاكِب إِلَى جِهَة مقْصده لَا توجه الدَّابَّة حَتَّى لَو كَانَت الدَّابَّة متوجهة إِلَى جِهَة مقْصده وركبها هُوَ مُعْتَرضًا أَو مقلوبا، فَإِنَّهُ لَا يَصح إِلَّا أَن يكون مَا استقبله هُوَ جِهَة الْقبْلَة، فَيصح على الصَّحِيح. وَقيل: لَا يَصح لِأَن قبلته جِهَة مقْصده. ٤٩٠١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيى عنْ محَمَّدَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ جابِرَ ابنَ عَبْدِ الله أخْبَرَه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وهْوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ القِبْلَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: لأوّل: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير، وَقد مر غير مرّة. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: العامري الْمدنِي. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين، وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيبَان كُوفِي سكن الْبَصْرَة وَيحيى يماني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَفِي تَقْصِير الصَّلَاة عَن معَاذ بن فضَالة. قَوْله: (وَهُوَ رَاكب) وَفِي الرِّوَايَة الْآتِيَة: (على رَاحِلَته نَحْو الْمشرق) ، وَزَاد (وَإِذا أَرَادَ أَن يُصَلِّي الْمَكْتُوبَة نزل فَاسْتقْبل الْقبْلَة) ، وَبَين فِي الْمَغَازِي من طَرِيق عُثْمَان بن عبد الله بن سراقَة عَن جَابر، أَن ذَلِك كَانَ فِي غَزْوَة أَنْمَار، وَكَانَت أَرضهم قبل الْمشرق لمن يخرج من الْمَدِينَة، فَتكون الْقبْلَة على سَائِر الْمَقَاصِد إِلَيْهِم. وروى التِّرْمِذِيّ عَن مَحْمُود ابْن غيلَان: حَدثنَا وَكِيع وَيحيى بن آدم، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي الزبير (عَن جَابر: قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِي ﷺ فِي حَاجَة فَجئْت وَهُوَ يُصَلِّي على رَاحِلَته نَحْو الْمشرق، السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع) . وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة ابْن أبي

стр. 2008

ليلى عَن عَطاء أَو عَطِيَّة (عَن أبي سعيد: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته فِي التَّطَوُّع حَيْثُ مَا تَوَجَّهت بِهِ يومىء إِيمَاء يَجْعَل السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع) . ٥٩٠١ - حدَّثنا عَبْدُ الأعْلى بنُ حَمَّادٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٍ قَالَ حدَّثنا مُوساى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافَعٍ قَالَ وكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُصَلِّي عَلَى راحِلَتِهِ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا وَيُخْبِرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَفْعَلُهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يُصَلِّي على رَاحِلَته) ، وَقد ذكرنَا أَن لفظ. الدَّابَّة، فِي التَّرْجَمَة يتَنَاوَل الرَّاحِلَة وَغَيرهَا، وَعبد الْأَعْلَى ابْن حَمَّاد مر فِي الْغسْل فِي: بَاب الْجنب يخرج من المغتسل، ووهيب، بِضَم الْوَاو: ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ وَقد مر فِي كتاب الْعلم، ومُوسَى ابْن عقبَة مر فِي إسباغ الْوضُوء. قَوْله: (يُصَلِّي على رَاحِلَته) يَعْنِي، فِي السّفر، وَصرح بِهِ فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بعده. قَوْله: (ويوتر على رَاحِلَته) ، وَقد احْتج عَطاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَسَالم بن عبد الله وَنَافِع مولى بن عمر بِهَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله على أَن الْمُسَافِر يجوز لَهُ أَن يُصَلِّي الْوتر على رَاحِلَته، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق، ويروى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَانَ مَالك يَقُول: لَا يُصَلِّي على الرَّاحِلَة إلاّ فِي سفر تقصر فِيهِ الصَّلَاة. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: قصير السّفر وطويله سَوَاء فِي ذَلِك، يُصَلِّي على رَاحِلَته. وَقَالَ ابْن حزم: يُوتر الْمَرْء قَائِما وَقَاعِدا لغير عذر إِن شَاءَ وعَلى دَابَّته، وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يجوز الْوتر على الرَّاحِلَة، وَلَا يجوز إلاّ على الأَرْض كَمَا فِي الْفَرَائِض، وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين وَعُرْوَة ابْن الزبير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، ويروى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله فِي رِوَايَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يزِيد بن سِنَان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم: قَالَ: حَدثنَا حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته ويوتر بِالْأَرْضِ، وَيَزْعُم أَن رَسُول الله ﷺ كَذَلِك كَانَ يفعل) وَإِسْنَاده صَحِيح، وَيزِيد بن سِنَان شيخ النَّسَائِيّ أَيْضا، وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل شيخ البُخَارِيّ، وحَنْظَلَة روى لَهُ الْجَمَاعَة، فَهَذَا يُعَارض حَدِيث الْبَاب وَأَمْثَاله، وَيُؤَيّد هَذَا مَا روى عَن ابْن عمر من غير هَذَا الْوَجْه من فعله، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حدثما أَبُو بكرَة قَالَ حَدثنَا عُثْمَان بن عمر وَبكر بن بكار، قَالَا: حَدثنَا عمر بن ذَر (عَن مُجَاهِد: أَن ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي فِي السّفر على بعيره أَيْنَمَا توجه بِهِ، فَإِذا كَانَ فِي السحر نزل فأوتر) ، وَإِسْنَاده صَحِيح. وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي (مُسْنده) من حَدِيث سعيد بن جُبَير: (ان ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته تَطَوّعا، فَإِذا أَرَادَ أَن يُوتر نزل فأوتر على الأَرْض. .) ، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك لَا يبْقى لأهل الْمقَالة الأولى حجَّة، وَلَا سِيمَا الرَّاوِي، إِذا فعل بِخِلَاف مَا روى، فَإِنَّهُ يدل على سُقُوط مَا روى. فَإِن قلت: صَلَاة ابْن عمر الْوتر على الأَرْض لَا تَسْتَلْزِم عدم جَوَازه عِنْده على الرَّاحِلَة. لِأَنَّهُ يجوز لَهُ أَن يفعل ذَلِك، وَله أَن يُوتر على الرَّاحِلَة. قلت: يجوز أَن يكون مَا رَوَاهُ ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ من وتره على الرَّاحِلَة قبل أَن يحكم أَمر الْوتر ويغلظ شَأْنه، لِأَنَّهُ كَانَ أَولا كَسَائِر التطوعات، ثمَّ أكد بعد ذَلِك فنسخ. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَمن هَذِه الْجِهَة ثَبت نسخ الْوتر على الرَّاحِلَة، وَكَانَ مَا فعله ابْن عمر من وتره على الرَّاحِلَة قبل علمه بالنسخ، ثمَّ لما علمه رَجَعَ إِلَيْهِ وَترك الْوتر على الرَّاحِلَة، وَيجوز أَن يكون الْوتر عِنْده كالتطوع، فَلهُ أَن يُصَلِّي على الرَّاحِلَة وعَلى الأَرْض. فَإِن قلت: مَا وَجه هَذَا النّسخ؟ قلت: بِدلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن يكون أحد النصين مُعَارضا للْآخر بِأَن يكون أَحدهمَا مُوجبا للحظر وَالْآخر للْإِبَاحَة، وينتفي هَذَا التَّعَارُض بالمصير إِلَى دلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن النَّص الْمُوجب للحظر يكون مُتَأَخِّرًا عَن الْمُوجب للْإِبَاحَة، فَكَانَ الْأَخْذ بِهِ أولى وأحق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قيل: فمذهبكم أَنه وَاجِب على النَّبِي ﷺ ، يَعْنِي: الْوتر؟ قُلْنَا: وَإِن كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ، فقد صَحَّ فعله على الرَّاحِلَة، وَلَو كَانَ وَاجِبا على الْعُمُوم لم يَصح على الرَّاحِلَة كالظهر. فَإِن قَالُوا: الظّهْر فرض وَالْوتر وَاجِب، وَبَينهمَا فرق؟ قُلْنَا: هَذَا الْفرق اصْطِلَاح لكم لَا يُسلمهُ الْجُمْهُور وَلَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْع وَلَا اللُّغَة، وَلَو سلم لم يحصل غرضكم هَهُنَا. انْتهى. قلت: الحَدِيث رَوَاهُ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِنَّه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (ثَلَاث هن على فَرَائض وَهن لكم تطوع: الْوتر والنحر وركعتا الْفجْر) ، رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ، وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ: (رَكعَتَا الضُّحَى) بدل: (رَكْعَتي

стр. 2009

الْفجْر) وَفِي إِسْنَاده أَبُو جناب الْكَلْبِيّ، واسْمه: يحيى بن أبي حَيَّة، وَهُوَ ضَعِيف. وَلما رَوَاهُ الْحَاكِم سكت عَلَيْهِ، وَلَئِن سلمنَا صِحَّته وخصوصية النَّبِي ﷺ بِوُجُوبِهِ فَالْوَاجِب لَا يُؤدى على الرَّاحِلَة، وَيحْتَمل أَن يكون فعله على الرَّاحِلَة من بَاب الخصوصية أَيْضا، وَقَوله: لَا يُسلمهُ الْجُمْهُور، وَكَلَام لَا طائل تَحْتَهُ، لِأَن الِاصْطِلَاح لَا يُنَازع فِيهِ، وَقَوله: وَلَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْع، أبعد من ذَلِك، لِأَنَّهُ لم يبين مَا المُرَاد من اقْتِضَاء الشَّرْع، وَعدم اقتضائه. وَقَوله: وَلَا اللُّغَة، كَلَام واهٍ، لِأَن اللُّغَة فرقت بَين الْفَرْض وَالْوَاجِب، فَفِي أَي كتاب من كتب اللُّغَة الْمُعْتَبرَة نَص على أَن الْفَرْض وَالْوَاجِب وَاحِد، وَهَذِه مُكَابَرَة وعناد. وَقَوله: وَلَو سلم لم يحصل غرضكم هَهُنَا، فَنَقُول لَو اطلع هَذَا على مَا ورد من الْأَحَادِيث الدَّالَّة على وجوب الْوتر وَمَا ورد من الصَّحَابَة لما حصل لَهُ غَرَضه من هَذِه المناقشة بِلَا وَجه. ٨ - (بابُ الإيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ على الدَّابَّة، مُرَاده: أَن من لم يتَمَكَّن من الرُّكُوع وَالسُّجُود يومىء بهما. ٦٩٠١ - حدَّثنا مُوساى قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ دِينَارٍ قَالَ كانَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى راحِلَتِهِ أيْنَما تَوَجَّهَتْ يُومِىءُ. وذَكَرَ عَبْدُ الله أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَفْعَلُهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْوتر فِي: بَاب الْوتر فِي السّفر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن جوَيْرِية بن أَسمَاء عَن نَافِع (عَن ابْن عمر، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي فِي السّفر على رَاحِلَته حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ يومىء إِيمَاء صَلَاة اللَّيْل إلاّ الْفَرَائِض، ويوتر على رَاحِلَته) . فَانْظُر التَّفَاوُت بَينهمَا فِي الْإِسْنَاد والمتن، وَكَانَ لمُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور شَيْخَانِ هُنَاكَ: جوَيْرِية، وَهَهُنَا: عبد الْعَزِيز بن مُسلم أَبُو زيد الْقَسْمَلِي الْمروزِي: سكن الْبَصْرَة، مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة. قَوْله: (كَانَ يَفْعَله) أَي: كَانَ يفعل الْإِيمَاء الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (يومىء) . ٩ - (بابٌ يَنْزِلُ لِلْمَكْتُوبِةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن رَاكب الداية ينزل عَنْهَا لأجل صَلَاة الْفَرْض. ٧٩٠١ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ أنَّ عامِرَ بنَ رَبِيعَةَ أخْبَرَهُ قالَ رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ وهْوَ عَلَى الرَّاحِلَةِ يُومِىءُ بِرَأسِهِ قِبَلَ أيَّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ ولَمْ يَكُنْ رسولُ الله ﷺ يَصْنَعُ ذالِكَ فِي الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ. (أنظر الحَدِيث ٣٩٠١ وطرفه) . ٨٩٠١ - وقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني يُنُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ سَالِمٌ كانَ عَبْدُ الله يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُسَافِرٌ مَا يُبَالِي حَيْثُ كانَ وَجْهُهِ. قَالَ ابنُ عُمَرِ وَكانَ رسولُ الله ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أيَّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبَةَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلم يكن رَسُول الله ﷺ يصنع ذَلِك فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) ، وَفِي قَوْله: (غير أَنه لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَة) وَهَذَا الحَدِيث قد تقدم قبل بَابَيْنِ فِي: بَاب يُصَلِّي الْمغرب ثَلَاثًا فِي السّفر، فَانْظُر التَّفَاوُت بَينهمَا فِي السَّنَد والمتن. وَعقيل، بِضَم الْعين: هُوَ ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي. قَوْله: (وَهُوَ على الرَّاحِلَة) جملَة حَالية وَكَذَلِكَ، قَوْله: (يسبح) ، حَال من النَّبِي ﷺ وَمَعْنَاهُ: يُصَلِّي صَلَاة النَّفْل. وَقَالَ بَعضهم: التَّسْبِيح حَقِيقَة فِي قَوْله: سبخان الله، فَإِذا أطلق على الصَّلَاة فَهُوَ من بَاب إِطْلَاق إسم الْبَعْض على الْكل. قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك

стр. 2010

وَإِنَّمَا التَّسْبِيح فِي الْحَقِيقَة التَّنْزِيه من النقائص، ثمَّ يُطلق على غَيره من أَنْوَاع الذّكر مجَازًا: كالتحميد والتمجيد، وَغَيرهمَا، وَقد يُطلق على صَلَاة التَّطَوُّع فَيُقَال: سبْحَة، وَهُوَ من أَنْوَاع الْمجَاز من قبيل إِطْلَاق الْجُزْء على الْكل، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: أَو لِأَن الْمُصَلِّي منزه لله بإخلاص الْعِبَادَة، وَالتَّسْبِيح التَّنْزِيه، فَيكون من بَاب الْمُلَازمَة. قلت: لَيْت شعري مَا مُرَاده من الْمُلَازمَة، فَإِن كَانَت اصطلاحية فَهِيَ تستدعي اللَّازِم والملزوم، فَمَا اللَّازِم هُنَا وَمَا الْمَلْزُوم؟ وَإِن أَرَادَ غير ذَلِك فَعَلَيهِ بَيَانه، وَهَذَا الْوَجْه أَيْضا يَقْتَضِي أَن لَا يخْتَص بالنافلة، وَالْحَال أَن إِطْلَاق هَذَا مَخْصُوص بالنافلة حَيْثُ قَالَ: وَأما اخْتِصَاص ذَلِك بالنافلة فَهُوَ عرف شَرْعِي، وتحرير ذَلِك مَا قَالَه ابْن الْأَثِير: وَإِنَّمَا خصت النَّافِلَة بالسبحة وَإِن شاركتها الْفَرِيضَة فِي معنى التَّسْبِيح، لِأَن التسبيحات فِي الْفَرَائِض نوافل، فَقيل لصَلَاة النَّافِلَة: سبْحَة لِأَنَّهَا نَافِلَة كالتسبيحات والأذكار فِي أَنَّهَا غير وَاجِبَة. قَوْله: (قبل) أَي: وَجه، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: مُقَابل أَي جِهَة. قَوْله: (وَقَالَ اللَّيْث) قد ذكرنَا فِي بَاب يُصَلِّي فِي السّفر، أَن الْإِسْمَاعِيلِيّ وَصله. ٩٩٠١ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيى عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ ثَوْبَانَ قَالَ حدَّثني جابِرُ بنُ عَبْدِ الله أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ فإذَا أرَادَ أنْ يُصَلِّيَ المَكْتُوبَةَ نَزَلَ فاسْتَقْبَلَ االقِبْلَةَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث تقدم فِي: بَاب صَلَاة التَّطَوُّع على الدَّابَّة، عَن قريب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن شَيبَان عَن يحيى إِلَى آخِره. وَهَهُنَا: عَن معَاذ، بِضَم الْمِيم: ابْن فضَالة أَبُو زيد الزهْرَانِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن هِشَام الدستوَائي عَن يحيى بن أبي كثير. . إِلَى آخِره. قَوْله: (نَحْو الْمشرق) وَفِي رِوَايَة جَابر السالفة: (وَهُوَ رَاكب فِي غير الْقبْلَة) ، وَبِهَذَا أَخذ جَمَاهِير الْعلمَاء، فَهَذَا وَنَحْوه من الْأَحَادِيث يخصص قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ (الْبَقَرَة: ٤٤١ و ٠٥١) . وَيبين أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿فأينما تُولوا فثم وَجه الله﴾ (الْبَقَرَة: ٥١١) . فِي النَّافِلَة لِأَن الله تَعَالَى من لطفه وَكَرمه جعل بَاب النَّفْل أوسع، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أقاويل الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب، وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهِ على أَن الْوتر غير وَاجِب عَلَيْهِ ﷺ لإيقاعه إِيَّاه على الرَّاحِلَة. قلت: قد ذكر عَن قريب (عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: ثَلَاث هن عَليّ فَرَائض وَهُوَ لكم تطوع: الْوتر والنحر وركعتا الْفجْر) . وَقد ذكرنَا أَن للنَّبِي ﷺ أَن يُصَلِّي مَا هُوَ فرض على الرَّاحِلَة إِذا شَاءَ. ٠١ - (بابُ صَلَاةِ التَطُوُّعِ عَلَى الحِمارِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَلَاة التَّطَوُّع على حمَار، إِنَّمَا أفرد هَذَا الْبَاب بِالذكر، وَإِن كَانَ دَاخِلا فِي: بَاب صَلَاة التَّطَوُّع على الدَّابَّة، وَفِي: بَاب الْإِيمَاء على الدَّابَّة، إِشَارَة أَنه لَا يشْتَرط أَن تكون الدَّابَّة طَاهِرَة الفضلات، لَكِن يشْتَرط أَن لَا يماس الرَّاكِب مَا كَانَ غير طَاهِر مِنْهَا، وتنبيها على طَهَارَة عرق الْحمار، وَكَانَ الأَصْل أَن يكون عرقه كلحمه لِأَنَّهُ متولد مِنْهُ، وَلَكِن خص بِطَهَارَتِهِ لركوب النَّبِي ﷺ إِيَّاه، وَعَن هَذَا قَالَ أَصْحَابنَا: كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون عرق الْحمار مشكوكا لِأَن عرق كل شَيْء يعْتَبر بسؤره، لَكِن لما رَكبه النَّبِي ﷺ معروريا، وَالْحر حر الْحجاز، والثقل ثقل النُّبُوَّة حكم بِطَهَارَتِهِ. ٠٠١١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنَا حَبَّانُ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ سِيرِينَ. قَالَ اسْتَقْبَلَنَا أنَسا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ فَرَأيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الجَانِبِ يَعْنِي عنْ يَسَارِ القِبْلَةِ فَقلْتُ رَأيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ القِبْلَةِ فقالَ لَوْلَا أنِّي رَأيْتُ رَسُول الله ﷺ فَعَلَهُ لَمْ أفْعَلُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن سعيد بن صَخْر بن سُلَيْمَان بن سعيد بن قيس ابْن عبد الله أَبُو جَعْفَر الدَّارمِيّ الْمروزِي مَاتَ بنيسابور سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، وَفِي شرح

стр. 2011

الْكرْمَانِي: أَحْمد بن يُوسُف أَبُو حَفْص الدَّارمِيّ، وَهَذَا غلط، وَالظَّاهِر أَنه من النَّاسِخ وَلَيْسَ فِي مَشَايِخ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْكتاب أَحْمد بن يُوسُف. الثَّانِي: حبَان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون: أَبُو حبيب ضد الْعَدو ابْن هِلَال الْبَاهِلِيّ، مر فِي: بَاب فضل صَلَاة الْفجْر. الثَّالِث: همام، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ: ابْن يحيى العوادي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، وَقد تقدم. الرَّابِع: أنس بن سِيرِين أَخُو مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي والبقية بصريون. والْحَدِيث أخرجه مُسلم، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن حَاتِم، قَالَ: حَدثنَا عَفَّان بن مُسلم، قَالَ: حَدثنَا همام قَالَ: (حَدثنَا أنس بن سِيرِين، قَالَ: تلقينا أنس بن مَالك حِين قدم من الشَّام فتلقيناه بِعَين التَّمْر، فرأيته يُصَلِّي على حمَار وَوَجهه ذَلِك الْجَانِب، وَأَوْمَأَ همام عَن يسَار الْقبْلَة، فَقلت لَهُ: تصلي لغير الْقبْلَة، قَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَفْعَله لم أَفعلهُ) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (استقبلنا) ، بِسُكُون اللَّام، وَهِي جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. وَقَوله: (أنس بن مَالك) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (حِين قدم من الشَّام) وَكَانَ أنس سَافر إِلَى الشَّام يشكو من الْحجَّاج الثَّقَفِيّ إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان، قيل: وَقع فِي رِوَايَة مُسلم: حِين قدم الشَّام، وغلطوه لِأَن أنس بن سِيرِين إِنَّمَا تَلقاهُ لما رَجَعَ من الشَّام، فَخرج ابْن سِيرِين من الْبَصْرَة ليلقاه. قلت: وجدت فِي نسخ صَحِيحَة لمُسلم، من الشَّام، فعلى هَذَا نقلته آنِفا، وَلَئِن سلمنَا أَنه وَقع حِين قدم الشَّام بِدُونِ ذكر كلمة: من، فَلَا نسلم أَنه غلط، لِأَن مَعْنَاهُ: تلقيناه فِي رُجُوعه حِين قدم الشَّام، وَهَكَذَا قَالَه النَّوَوِيّ. قَوْله: (بِعَين التَّمْر) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، قَالَ الْبكْرِيّ فِي (مُعْجم مَا استعجم) : عين التَّمْر على لفظ جمع تَمْرَة، مَوضِع مَذْكُور فِي تَحْدِيد الْعرَاق، وبكنيسة عين التَّمْر وجد خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الغلمة من الْعَرَب الَّذين كَانُوا رهنا فِي يَد كسْرَى، وهم متفرقون بِالشَّام وَالْعراق، مِنْهُم: جد الْكَلْبِيّ الْعَالم النسابة، وجد أبي إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ النَّحْوِيّ، وجد مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي) وَمن سبي عين التَّمْر: الْحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين موليا جميلَة بنت أبي قُطْبَة الْأَنْصَارِيَّة. انْتهى. قَالَ بَعضهم: كَانَت بِعَين التَّمْر وقْعَة مَشْهُورَة فِي أول خلَافَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بَين خَالِد بن الْوَلِيد والأعاجم. قلت: هَذَا غلط، لِأَن وقْعَة عين التَّمْر كَانَت فِي السّنة الثَّانِيَة عشر من الْهِجْرَة فِي خلَافَة أبي بكر الصّديق. وَكَانَت خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم مَاتَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاخْتلف فِي وَقت وَفَاته، فَقيل: يَوْم الْجُمُعَة، وَقيل: لَيْلَة الْجُمُعَة، وَقيل: لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء الْآخِرَة لثمان لَيَال بَقينَ من جمادي الْآخِرَة من سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة، وَلما فرغ خَالِد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من وقْعَة الْيَمَامَة أرْسلهُ أَبُو بكر إِلَى الْعرَاق فَفتح فِي الْعرَاق فتوحات مِنْهَا: الْحيرَة والأيلة والأنبار وَغَيرهَا، وَلما انْتقل خَالِد بالأنبار استناب عَلَيْهَا الزبْرِقَان بن بدر وَقصد هُوَ عين التَّمْر، وَبهَا يَوْمئِذٍ مهْرَان بن بهْرَام فِي جمع عَظِيم من الْعَرَب، وَعَلَيْهِم عفة بن أبي عفة، فَتلقى خَالِدا فَكَسرهُ خَالِد وَانْهَزَمَ جَيش عفة من غير قتال، وَلما بلغ ذَلِك مهْرَان نزل من الْحصن وهرب وَتَركه، وَرجعت قلال نَصَارَى الْأَعْرَاب إِلَى الْحصن فدخلوه واحتموا بِهِ، فَجَاءَهُمْ خَالِد فأحاط بهم وحاصرهم أَشد الْحصار، فآخر الْأَمر سَأَلُوا الصُّلْح فَأبى خَالِد إلَاّ أَن ينزلُوا على حكمه، فنزلوا على حكمه فجعلهم فِي السلَاسِل وتسلم الْحصن، فَضرب عنق عفة وَمن كَانَ أسر مَعَه وَالَّذين نزلُوا على حكمه أَيْضا أَجْمَعِينَ، وغنم جَمِيع مَا كَانَ فِي الْحصن، وَوجد فِي الْكَنِيسَة الَّتِي بِهِ أَرْبَعِينَ غُلَاما يتعلمون الْإِنْجِيل وَعَلَيْهِم بَاب مغلق، فَكَسرهُ خَالِد وفرقهم فِي الْأُمَرَاء فَكَانَ فيهم: حمْرَان، صَار إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمِنْهُم: سِيرِين وَالِد مُحَمَّد بن سِيرِين أَخذه أنس بن مَالك وَجَمَاعَة آخَرُونَ من الموَالِي إِلَى آخَرين من الْمَشَاهِير أَرَادَ الله بهم وبذراريهم خيرا. قَوْله: (وَوَجهه من ذَا الْجَانِب) أَي: من هَذَا الْجَانِب، وَلم يبين فِي هَذِه الرِّوَايَة كَيْفيَّة صَلَاة أنس، وَذكره فِي (الْمُوَطَّأ) (عَن يحيى بن سعيد قَالَ: رَأَيْت أنسا وَهُوَ يُصَلِّي على حمَار وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى غير الْقبْلَة يرْكَع وَيسْجد إِيمَاء من غير أَن يضع جَبهته على شَيْء) . قَوْله: (رَأَيْتُك تصلي لغير الْقبْلَة؟) فِيهِ أَنه لم يُنكر على أنس صلَاته على الْحمار وَلَا غير ذَلِك من هَيْئَة أنس، وَإِنَّمَا أنكر عَلَيْهِ تَركه اسْتِقْبَال الْقبْلَة فَقَط، وَأجَاب عَنهُ أنس بقوله: (لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَفْعَله لم أَفعلهُ) . قَوْله: (يَفْعَله) جملَة حَالية، أَي: حَال كَونه يفعل من صلَاته على الْحمار وَوَجهه من يسَار الْقبْلَة. قَوْله: (لم أَفعلهُ) أَي: لم أفعل مَا فعلته من ترك اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَقَالَ

стр. 2012

الْإِسْمَاعِيلِيّ خبر أنس إِنَّمَا هُوَ فِي صَلَاة النَّبِي ﷺ رَاكِبًا تَطَوّعا لغير الْقبْلَة، فأفرد البُخَارِيّ التَّرْجَمَة فِي الْحمار من جِهَة السّنة لَا وَجه لَهُ عِنْدِي. قلت: لَيْسَ هَذَا من مَحل المناقشة، بل لَا وَجه لما قَالَه، لِأَن أنسا يَقُول: (لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَفْعَله لم أَفعلهُ) ، وَكَانَت رُؤْيَته إِيَّاه ﷺ حِين كَانَ يَفْعَله رَاكِبًا على حمَار، يشْهد بذلك كَون أنس فِي هَذِه الصَّلَاة على حمَار، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ السراج من طَرِيق يحيى بن سعيد عَن أنس أَنه رأى النَّبِي ﷺ يُصَلِّي على حمَار وَهُوَ ذَاهِب إِلَى خَيْبَر، وَإِسْنَاده حسن، وَيشْهد لهَذَا مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق عَمْرو بن يحيى الْمَازِني عَن سعيد بن يسَار (عَن ابْن عمر: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي على حمَار وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى خَيْبَر) ، وَقَالَ ابْن بطال: لَا فرق بَين التَّنَفُّل فِي السّفر على الْحمار والبغل وَغَيرهمَا، وَيجوز لَهُ إمْسَاك عنانها وتحريك رجلَيْهِ، إلاّ أَنه لَا يتَكَلَّم وَلَا يلْتَفت وَلَا يسْجد على قربوس سَرْجه، بل يكون السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع، وَهَذَا رَحْمَة من الله تَعَالَى على عباده ورفق بهم. رَوَاهُ ابنُ طَهْمَانَ عنْ حَجَّاجٍ عنْ أنَسِ بنِ سِيرِينَ عَنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور إِبْرَاهِيم بن طهْمَان الْهَرَوِيّ أَبُو سعيد عَن حجاج بن حجاج الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الْأَحول الْأسود الملقب بزق الْعَسَل، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. وَفِي هَذَا الْبَاب عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم: أَبُو سعيد، أخرج حَدِيثه أَحْمد من رِوَايَة ابْن أبي ليلى (عَن عَطاء أَو عَطِيَّة عَنهُ: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته فِي التَّطَوُّع حَيْثُ مَا تَوَجَّهت بِهِ يومىء إِيمَاء يَجْعَل السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع) . وَمِنْهُم: سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج حَدِيثه الْبَزَّار من رِوَايَة ضرار بن صرد أَنه قَالَ: (رَأَيْت النَّبِي ﷺ يُصَلِّي السبحة على رَاحِلَته حَيْثُ مَا تَوَجَّهت بِهِ، وَلَا يفعل ذَلِك فِي الْمَكْتُوبَة، وَضِرَار ضَعِيف. وَمِنْهُم: شقران، مولى رَسُول الله ﷺ أخرج حَدِيثه أَحْمد من طَرِيق مُسلم بن خَالِد أَنه قَالَ: (رَأَيْت يَعْنِي النَّبِي ﷺ مُتَوَجها إِلَى خَيْبَر على حمَار يُصَلِّي عَلَيْهِ) ، وَمُسلم بن خَالِد شيخ الشَّافِعِي ضعفه غير وَاحِد. وَمِنْهُم: الهرماس بن زِيَاد أخرج حَدِيثه أَحْمد أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن وَاقد حَدثنَا عِكْرِمَة بن عمار عَن الهرماس بن زِيَاد وَقَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ يُصَلِّي على بعير نَحْو الشَّام وَعَن عبد الله بن وَاقد مُخْتَلف فِيهِ. وَمِنْهُم: أَبُو مُوسَى أخرج حَدِيثه أَحْمد أَيْضا قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم حَدثنِي يُونُس بن الْحَارِث حَدثنِي أَبُو بردة عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي، ﷺ ، الصَّلَاة على ظهر الدَّابَّة فِي السّفر، هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَيُونُس بن الْحَارِث وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَضَعفه أَحْمد وَغَيره. ١١ - (بابُ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ دُبُرَ الصَّلَاةِ وقَبْلَهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من لم يتَطَوَّع فِي السّفر عقيب الصَّلَوَات، والدبر، بِضَمَّتَيْنِ وبإسكان الْبَاء أَيْضا، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (دبر الصَّلَوَات وَقبلهَا) ، ويروى: (دبر الصَّلَاة) بِصِيغَة الْإِفْرَاد. ١٠١١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهَبٍ قَالَ حدَّثني عُمَرُ بنُ مُحَمَّدٍ أنَّ حَفْصَ بنَ عاصِمٍ حَدَّثَهُ قَالَ سافَرَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ صَحِبْتُ النبيَّ ﷺ فَلَمْ أرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ. وَقَالَ الله جَلَّ ذِكْرُهُ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أسْوَةٌ حَسَنَةٌ. (الحَدِيث ١٠١١ طرفه فِي: ٢٠١١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: يحيى بن سُلَيْمَان بن يحيى أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن مصر وَمَات بهَا سنة ثَمَان، وَيُقَال: سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقد مر ذكره فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: عبد الله بن وهب، وَقد مر غير مرّة. الثَّالِث: عمر بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب الْعَسْقَلَانِي، كَانَ ثِقَة جَلِيلًا مرابطا من أطول الرِّجَال، مَاتَ بعد سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع: حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، مر فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْفجْر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ كُوفِي وَابْن وهب مصري وَعمر بن مُحَمَّد مدنِي نزل

стр. 2013

عسقلان، وَحَفْص بن عَاصِم أَيْضا مدنِي، ﵀. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن عِيسَى بن حَفْص وَعَن قُتَيْبَة عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن عمر بن مُحَمَّد بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن نوح بن حبيب عَن يحيى بن سعيد بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن خَلاد عَن أبي عَامر الْعَقدي عَن عِيسَى بِهِ، يزِيد بَعضهم على بعض. ذكر مَعْنَاهُ وَمَا يستنبط مِنْهُ: قَوْله: (فَلم أره يسبح) أَي: لم أر النَّبِي ﷺ حَال كَونه يسبح، أَي يتَنَفَّل بالنوافل الرَّوَاتِب الَّتِي قبل الْفَرَائِض وَبعدهَا، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: اخْتلف أهل الْعلم بعد النَّبِي ﷺ ، فَرَأى بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَن يتَطَوَّع الرجل فِي السّفر، وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق، وَلم تَرَ طَائِفَة من أهل الْعلم أَن يُصَلِّي قبلهَا وَلَا بعْدهَا، وَمعنى: من لم يتَطَوَّع فِي السّفر، قبُول الرُّخْصَة، وَمن تطوع فَلهُ فِي ذَلِك فضل كثير، وَقَول أَكثر أهل الْعلم يختارون التَّطَوُّع فِي السّفر. وَقَالَ السَّرخسِيّ فِي (الْمَبْسُوط) والمرغيناني: لَا قصر فِي السّنَن، وَتَكَلَّمُوا فِي الْأَفْضَل، قيل: التّرْك ترخصا، وَقيل: الْفِعْل تقربا، وَقَالَ الهندواني: الْفِعْل أفضل فِي حَال النُّزُول وَالتّرْك فِي حَال السّير، قَالَ هِشَام: رَأَيْت مُحَمَّدًا كثيرا لَا يتَطَوَّع فِي السّفر قبل الظّهْر وَلَا بعْدهَا وَلَا يدع رَكْعَتي الْفجْر وَالْمغْرب، وَمَا رَأَيْته يتَطَوَّع قبل الْعَصْر وَلَا قبل الْعشَاء وَيُصلي الْعشَاء ثمَّ يُوتر. ٢٠١١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ عِيساى بنِ حَفْصٍ بنِ عاصِمٍ قَالَ حدَّثني أبي أنَّهُ سَمعَ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ صَحِبْتُ رسولَ الله ﷺ فَكانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وأبَا بَكْرٍ وعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذالِكَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. (أنظر الحَدِيث ١٠١١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى شيخ مُسَدّد هُوَ الْقطَّان، وَعِيسَى بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب مَاتَ سنة خمس أَو سبع وَخمسين وَمِائَة. قَوْله: (وَأَبا بكر) عطف على قَوْله: (رَسُول الله ﷺ أَي: وصحبت أَبَا بكر وصحبت عمر وصحبت عُثْمَان كَذَلِك، أَي: كَمَا صَحِبت النَّبِي ﷺ فِي السّفر صحبتهم، وَكَانُوا لَا يزِيدُونَ فِي السّفر على رَكْعَتَيْنِ. فَإِن قلت: كَانَ عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي آخر أمره يتم الصَّلَاة فَكيف قَالَ ابْن عمر: إِن عُثْمَان لَا يزِيد فِي السّفر على رَكْعَتَيْنِ؟ قلت: يحمل قَوْله على الْغَالِب، أَو كَانَ عُثْمَان لَا يتَنَفَّل فِي أول أمره وَلَا فِي آخِره وَإِن كَانَ يتم. فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عَليّ بن حجر حَدثنَا حَفْص بن غياث عَن الْحجَّاج عَن عَطِيَّة (عَن ابْن عمر، قَالَ: صليت مَعَ النَّبِي ﷺ الظّهْر فِي السّفر رَكْعَتَيْنِ وَبعدهَا رَكْعَتَيْنِ) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبيد الْمحَاربي أَبُو يعلى الْكُوفِي حَدثنَا عَليّ بن هَاشم عَن ابْن أبي ليلى عَن عَطِيَّة وَعَن نَافِع. (عَن ابْن عمر، قَالَ: صليت مَعَ النَّبِي ﷺ فِي الْحَضَر وَالسّفر، فَصليت مَعَه فِي الْحَضَر الظّهْر أَرْبعا وَبعدهَا رَكْعَتَيْنِ، وَصليت مَعَه الظّهْر فِي السّفر رَكْعَتَيْنِ وَبعدهَا رَكْعَتَيْنِ، وَالْعصر رَكْعَتَيْنِ وَلم يصل بعْدهَا شَيْئا، وَالْمغْرب فِي الْحَضَر وَالسّفر سَوَاء ثَلَاث رَكْعَات لَا تنقص فِي الْحَضَر وَلَا فِي السّفر، وَهِي وتر النَّهَار، وَبعدهَا رَكْعَتَيْنِ) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن، سَمِعت مُحَمَّدًا يَقُول: مَا روى ابْن أبي ليلى، حَدِيثا أعجب إِلَيّ من هَذَا، فَمَا التَّوْفِيق بَين هَذَا وَبَين حَدِيث الْبَاب؟ قلت: هَذَانِ الحديثان تفرد بإخراجهما التِّرْمِذِيّ، أما وَجه التَّوْفِيق فقد قَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: الْجَواب أَن النَّفْل الْمُطلق وَصَلَاة اللَّيْل لم يمنعهما ابْن عمر وَلَا غَيره، فَأَما السّنَن الرَّوَاتِب فَيحمل حَدِيثه الْمُتَقَدّم، يَعْنِي حَدِيث الْبَاب، على الْغَالِب من أَحْوَاله فِي أَنه لَا يُصَلِّي الرَّوَاتِب، وَحَدِيثه فِي هَذَا الْبَاب أَي: الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، على أَنه فعله فِي بعض الْأَوْقَات لبَيَان استحبابها فِي السّفر، وَإِن لم يتَأَكَّد فعلهَا فِيهِ كتأكده فِي الْحَضَر، أَو أَنه كَانَ نازلاً فِي وَقت الصَّلَاة وَلَا شغل لَهُ يشْتَغل بِهِ عَن ذَلِك، أَو سائرا وَهُوَ على رَاحِلَته، وَلَفظه فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم: يَعْنِي حَدِيث الْبَاب، هُوَ بِلَفْظ: كَانَ، وَهِي لَا تَقْتَضِي الدَّوَام بل وَلَا التّكْرَار على الصَّحِيح، فَلَا تعَارض بَين حديثيه. فَإِن قيل: الذّهاب إِلَى تَرْجِيح تعارضهما. قُلْنَا: التَّرْجِيح بِحَدِيث الْبَاب أصح لكَونه فِي الصَّحِيح. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ أَيْضا: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن صَفْوَان ابْن سليم عَن أبي بشر الْغِفَارِيّ (عَن الْبَراء بن عَازِب، قَالَ: صَحِبت رَسُول الله ﷺ ثَمَانِيَة عشر سفرا فَمَا رَأَيْته ترك الرَّكْعَتَيْنِ إِذا زاغت الشَّمْس قبل الظّهْر) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن قُتَيْبَة. قلت: هَذَا لَا يُعَارض حَدِيث ابْن عمر الَّذِي رُوِيَ

стр. 2014

عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون الْبَراء مَا رَآهُ ترك أَن لَا يكون ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا كَذَلِك مَا ترك، وَجَوَاب آخر: لَا نسلم أَن هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ من السّنَن الرَّوَاتِب، وَإِنَّمَا هِيَ سنة الزَّوَال الْوَارِدَة فِي حَدِيث أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ٢١ - (بابُ مَنْ تَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ فِي غَيْرِ دُبُرِ الصَّلَوَاتِ وقَبْلهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تطوع فِي السّفر فِي غير عقيب الصَّلَوَات وَالْفرق بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله أَن هَذَا أَعم من الَّذِي قبله، لِأَن ذَاك مُقَيّد بالدبر. ورَكَعَ النبيُّ ﷺ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فِي السَّفَرِ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن صَلَاة النَّبِي ﷺ رَكْعَتي الْفجْر صَلَاة فِي غير دبر صَلَاة، وَهَذَا فِي (صَحِيح مُسلم) : من حَدِيث أبي قَتَادَة فِي قصَّة النّوم عَن صَلَاة الصُّبْح، فَفِيهِ: (صلى رَكْعَتَيْنِ قبل الصُّبْح ثمَّ صلى الصُّبْح كَمَا كَانَ يُصَلِّي) ، وَعند أبي دَاوُد (فصلوا رَكْعَتي الْفجْر ثمَّ صلوا الْفجْر) . ٣٠١١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وعنِ ابنِ أبِي لَيْلَى. قَالَ مَا أنْبَأَ أحَدٌ أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هانِىءٍ ذَكَرَتْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أغتَسَلَ فِي بَيْتِهَا فَصَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ فَمَا رَأيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن صَلَاة النَّبِي ﷺ صَلَاة الضُّحَى كَانَت نَافِلَة فِي السّفر، وَأَنه صلاهَا على الأَرْض وَلم يكن فِي دبر صَلَاة من الصَّلَوَات فَافْهَم. وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَعَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، قد مر فِي: بَاب تَسْوِيَة الصُّفُوف، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قد مر فِي: بَاب حد إتْمَام الرُّكُوع، وَأم هانىء، بالنُّون ثمَّ الْهمزَة، قد مر ذكرهَا فِي: بَاب التستر فِي الْغسْل، وَاسْمهَا: فاخته. وَقيل: هِنْد بنت أبي طَالب، أُخْت عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن آدم، وَأخرجه فِي الْمَغَازِي عَن أبي الْوَلِيد، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن يزِيد عَن بهز عَن شُعْبَة بِهِ وَعَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن زبيد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى نَحوه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا أخبرنَا أحد. .) إِلَى آخِره. قَالَ ابْن بطال: لَا حجَّة فِي قَول ابْن أبي ليلى هَذَا، وَيرد عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ صلى الضُّحَى وَأمر بصلاتها من طرق جمة. مِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْآتِي فِي: بَاب صَلَاة الضُّحَى فِي الْحَضَر، قَالَ: (أَوْصَانِي خليلي ﷺ بِثَلَاث لَا أدعهن حَتَّى أَمُوت: صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، وَصَلَاة الضُّحَى، ونوم على وتر) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي ذَر عِنْد مُسلم قَالَ (أصاني رَسُول الله ﷺ بِثَلَاث فَذكر رَكْعَتي الضُّحَى) وَمِنْهَا حَدِيث أبي ذَر عَن مُسلم أَيْضا عَنهُ (عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: يصبح على كل سلامي من أحدكُم صَدَقَة، بِكُل تَسْبِيحَة صَدَقَة، وكل تَحْمِيدَة وكل تَهْلِيلَة صَدَقَة، وكل تَكْبِيرَة صَدَقَة، وَأمر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة، وَنهي عَن الْمُنكر صَدَقَة، ويجزىء من ذَلِك رَكْعَتَانِ يركعهما من الضُّحَى) . وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عمر عِنْد البُخَارِيّ: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي من الضُّحَى إلاّ يَوْمَيْنِ: يَوْم يقدم مَكَّة) وَسَيَأْتِي. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن أبي أوفى عِنْد الْحَاكِم: (أَن رَسُول الله ﷺ صلى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ حِين بشر بِرَأْس أبي جهل، وبالفتح) . وَمِنْهَا: حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ثُمَامَة بنم أنس بن مَالك عَنهُ. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى الضُّحَى ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة بنى الله لَهُ قصرا من ذهب فِي الْجنَّة) . وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا. وَمِنْهَا:

стр. 2015

حَدِيث عقبَة بن عَامر عِنْد أَحْمد وَأبي يعلى (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن الله، ، يَقُول: يَا ابْن آدم: اكْفِنِي أول النَّهَار بِأَرْبَع رَكْعَات أكفك من آخر يَوْمك) . هَذَا لفظ أَحْمد، وَلَفظ أبي يعلى: (أتعجر ابْن آدم أَن تصلي أَربع رَكْعَات من أول النَّهَار أكفك آخر يَوْمك؟) وَفِي (التَّلْوِيح) : (وَعَن عقبَة بن عَامر: أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نصلي رَكْعَتي الضُّحَى بسورتيهما بالشمس وَضُحَاهَا، وَالضُّحَى) . وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة عِنْد الْحَاكِم: (سُئِلت: كم كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَت: أَرْبعا وَيزِيد مَا شَاءَ الله) ، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي (الْكُبْرَى) وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ فِي (الشَّمَائِل) من رِوَايَة معَاذَة العدوية، قَالَت: (قلت لعَائِشَة: أَكَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَت: نعم أَرْبعا وَيزِيد مَا شَاءَ الله) . وَعند أَحْمد من حَدِيث أم ذرة: (قَالَت: رَأَيْت عَائِشَة تصلي الضُّحَى وَتقول: مَا رَأَيْت النَّبِي ﷺ يُصَلِّي إلاّ أَربع رَكْعَات) . وَمِنْهَا: حَدِيث نعيم بن همار عِنْد أبي دَاوُد من رِوَايَة كثير بن مرّة عَنهُ، قَالَ: (سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: قَالَ الله، : يَا ابْن آدم لَا تعجزني من أَربع رَكْعَات فِي أول النَّهَار أكفك آخِره) وهما، بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد الْمِيم وَفِي آخِره رَاء، وَيُقَال: ابْن هَبَّار، بِالْبَاء الْمُوَحدَة مَوضِع الْمِيم. وَيُقَال: ابْن هدار، بِالدَّال الْمُهْملَة، وَيُقَال: ابْن همام، بميمين، وَيُقَال: ابْن خمار، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَيُقَال: ابْن حمَار، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء: الْغَطَفَانِي الشَّامي. قَوْله: (لَا تعجزني) بِضَم التَّاء، وَهَذَا مجَاز كِنَايَة عَن تسويف العَبْد عمله لله تَعَالَى، وَالْمعْنَى: لَا تسوف صَلَاة أَربع رَكْعَات لي من أول نهارك أكفك آخر النَّهَار من كل شَيْء من الهموم والبلايا وَنَحْوهمَا. قَوْله: (أكفك) ، مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب النَّهْي. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة الْقَاسِم عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الله يَقُول: يَا ابْن آدم اركع لي أَربع رَكْعَات من أول النَّهَار أكفك آخِره) . وَالقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن وَثَّقَهُ الْجُمْهُور وَضَعفه بَعضهم. وَمِنْهَا: حَدِيث بُرَيْدَة عِنْد ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) : سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي الْإِنْسَان سِتُّونَ وثلاثمائة مفصل، فَعَلَيهِ أَن يتَصَدَّق عَن كل مفصل مِنْهُ بِصَدقَة) . فَذكر حَدِيثا فِيهِ: (فَإِن لم تَجِد فركعتا الضُّحَى تكفيك) . وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) قَالَ: (أتيت النَّبِي ﷺ أعرض عَلَيْهِ بَعِيرًا لي فرأيته صلى الضُّحَى سِتّ رَكْعَات) . وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة قيس بن سعد عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس، رفع الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ قَالَ: (على كل سلامي من بني آدم فِي كل يَوْم صَدَقَة، ويجزىء من ذَلِك كُله رَكعَتَا الضُّحَى) . وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد النَّسَائِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) وَعند أَحْمد وَأبي يعلى من رِوَايَة أبي إِسْحَاق: سمع عَاصِم بن ضَمرَة، (عَن عَليّ: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي من الضُّحَى) وَإِسْنَاده جيد. وَمِنْهَا: حَدِيث زيد بن أَرقم عِنْد مُسلم: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي من الضُّحَى) وَإِسْنَاده جيد. وَمِنْهَا: حَدِيث زيد بن أَرقم عِنْد مُسلم: (أَن رَسُول الله ﷺ خرج على أهل قبَاء وهم يصلونَ الضُّحَى بَعْدَمَا أشرقت الشَّمْس. فَقَالَ: إِن صَلَاة الْأَوَّابِينَ كَانَت إِذا رمضت الفصال) . وَمِنْهَا: حَدِيث أم سَلمَة عِنْد الْحَاكِم، قَالَت: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي صَلَاة الضُّحَى ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة) ، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : هُوَ حَدِيث ضَعِيف. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ عِنْد التِّرْمِذِيّ قَالَ: (كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نقُول: إِنَّه لَا يَدعهَا، ويدعها حَتَّى نقُول: إِنَّه لَا يُصليهَا) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. قلت: تفرد بِهِ التِّرْمِذِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث عتبَة بن عبد عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة الْأَحْوَص بن حَكِيم عَن عبد الله بن غابر أَن أَبَا أُمَامَة وَعتبَة بن عبد حدّثنَاهُ عَن رَسُول الله ﷺ : (من صلى صَلَاة الصُّبْح فِي جمَاعَة، ثمَّ ثَبت حَتَّى يسبح الله سبْحَة الضُّحَى كَانَ لَهُ أجر حَاج ومعتمر) ، وَرَوَاهُ ابْن زَنْجوَيْه فِي (كتاب الْفَضَائِل) عَن عتبَة بن عبد عَن أبي أُمَامَة، وَقَالَ: عتبَة صَحَابِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث معَاذ بن أنس عِنْد أبي دَاوُد، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من قعد فِي مُصَلَّاهُ حِين ينْصَرف من صَلَاة الصُّبْح حَتَّى يسبح رَكْعَتي الضُّحَى لَا يَقُول إلاّ خيرا غفرت لَهُ خطاياه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر) . قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) فِي سَنَده كَلَام. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: إِسْنَاده ضَعِيف قلت: لِأَن فِي إِسْنَاده زبان بن فائد، ضعفه ابْن معِين، وَقَالَ أَحْمد: أَحَادِيثه مَنَاكِير، وَلَكِن أَبُو دَاوُد لما رَوَاهُ سكت عَلَيْهِ، وسكوته دَلِيل رِضَاهُ بِهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: زبان صَالح. وَمِنْهَا: حَدِيث حُذَيْفَة عَن ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَادِهِ عَنهُ قَالَ: (خرجت مَعَ رَسُول الله ﷺ إِلَى حرَّة بني مُعَاوِيَة، فصلى الضُّحَى ثَمَان رَكْعَات طول فِيهِنَّ) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي مرّة الطَّائِفِي عِنْد

стр. 2016

أَحْمد من رِوَايَة مَكْحُول عَنهُ قَالَ: (سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: ابْن آدم لَا تعجزني من أَربع رَكْعَات من أول النَّهَار أكفك آخِره) ، قَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀ هَكَذَا وَقع فِي (الْمسند) ، فإمَّا أَن يكون سقط بعد: أبي مرّة، ذكر الصَّحَابِيّ وَإِمَّا أَن يكون مَكْحُول لم يسمع من أبي مرّة، فَإِنَّهُ يُقَال: إِنَّه لم يسمع من أحد من الصَّحَابَة إلاّ من أبي أُمَامَة فَأَما أَبُو مرّة فَذكره ابْن عبد الْبر فِي (الِاسْتِيعَاب) وَقَالَ: قيل إِنَّه ولد على عهد رَسُول الله ﷺ لَا صُحْبَة لَهُ، وَأَبوهُ عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ من كبار الصَّحَابَة، وَقد وَقع فِي الْمسند: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، كَمَا تقدم. وَالله أعلم. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي مُوسَى عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة عبد الله بن عَيَّاش عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى الضُّحَى أَرْبعا وَقبل الأولى أَرْبعا بنى لَهُ بَيت فِي الْجنَّة) ، وَعَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة. وَمِنْهَا: حَدِيث عتْبَان بن مَالك عِنْد أَحْمد من رِوَايَة مَحْمُود بن ربيع (عَن عتْبَان بن مَالك: أَن النَّبِي، ﷺ ، صلى فِي بَيته سبْحَة الضُّحَى) ، وقصة عتْبَان بن مَالك فِي صَلَاة النَّبِي، ﷺ ، فِي بَيته فِي (الصَّحِيح) لَكِن لَيْسَ فِيهَا ذكر سبْحَة الضُّحَى، وَإِنَّمَا ذكره البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة تَعْلِيقا، فَقَالَ: بَاب صَلَاة الضُّحَى فِي الْحَضَر، قَالَه عتْبَان عَن النَّبِي ﷺ . وَمِنْهَا: حَدِيث النواس بن سمْعَان عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ قَالَ: سَمِعت النواس بن سمْعَان: (سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: قَالَ الله، : ابْن آدم لَا تعجزني من أَربع رَكْعَات فِي أول النَّهَار أكفك آخِره) وَإِسْنَاده صَحِيح. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عِنْد أَحْمد من رِوَايَة أبي عبد الرَّحْمَن الحبلي عَنهُ قَالَ: (بعث رَسُول الله، ﷺ سَرِيَّة فغنموا وأسرعوا الرّجْعَة فَتحدث النَّاس بِقرب مغزاهم زكثرة غنيمتهم وَسُرْعَة رجعتهم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أَلا أدلكم على أقرب مِنْهُ مغزى وَأكْثر غنيمَة وأوشك رَجْعَة من تَوَضَّأ ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد لسبحة الضُّحَى، فَهُوَ أقرب مِنْهُم مغزىً وَأكْثر غنيمَة وأوشك رَجْعَة) . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير) وَفِيه: (ثمَّ صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ الضُّحَى) ، لفظ أَحْمد، وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ: (ثمَّ صلى بهم صَلَاة الضُّحَى) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي بكرَة عِنْد ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة عَمْرو بن عبيد عَن الْحسن (عَن أبي بكرَة قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يصلى الضُّحَى فجَاء الْحسن وَهُوَ غُلَام، فَلَمَّا سجد ركب ظَهره) . الحَدِيث وَعَمْرو بن عبيد مَتْرُوك. وَمِنْهَا: حَدِيث جُبَير بن مطعم عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة عُثْمَان بن عَاصِم، قَالَ: (حَدثنِي نَافِع بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه أَنه رأى النَّبِي ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى) وَفِي إِسْنَاده يحيى الْحمانِي تكلم فِيهِ. وَمِنْهَا: حَدِيث أم حَبِيبَة عِنْد مُسلم، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا من عبد مُسلم يُصَلِّي فِي كل يَوْم ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة تَطَوّعا من غير فَرِيضَة إلاّ بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة) ، ذكر ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي صَلَاة الضُّحَى بإثنتي عشرَة رَكْعَة، ثمَّ ذكر هَذَا الحَدِيث، وَقد وَردت أَحَادِيث ظَاهرهَا يُعَارض هَذِه الْأَخْبَار وسنتكلم فِيهَا فِي: بَاب صَلَاة الضُّحَى فِي السّفر، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (غير أم هانىء) بِرَفْع: غير، لِأَنَّهُ بدل من قَوْله: (أحد) . قَوْله: (يَوْم فتح مَكَّة) قَوْله: (فصلى ثَمَان رَكْعَات) هُوَ فِي الأَصْل مَنْسُوب إِلَى الثّمن لِأَنَّهُ الْجُزْء الَّذِي صير السَّبْعَة ثَمَانِيَة فَهُوَ ثمنهَا، وفتحوا أَوله لأَنهم يغيرون فِي النّسَب، وحذفوا مِنْهَا إِحْدَى يائي النِّسْبَة وعوضوا عَنْهَا الْألف، وَقد تحذف مِنْهُ الْيَاء ويكتفي بكسرة النُّون، أَو تفتح تَخْفِيفًا. قَوْله: (أخف مِنْهَا) أَي: من هَذِه الثمان قَوْله (غير أَنه) أَي: غير أَن النَّبِي ﷺ (يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود) وَهَذَا لدفع وهم من يظنّ أَن إِطْلَاق لفظ: إخف، رُبمَا يَقْتَضِي التنقيص فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود، فَدفعت أم هانىء ذَلِك بقولِهَا: (يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود) . ٤٠١١ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ عَامِرٍ أنَّ أبَاهُ أخْبَرَهُ أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. (أنظر الحَدِيث ٣٩١ وطرفه) .

стр. 2017

أَي: قَالَ اللَّيْث بن سعيد: حَدثنِي يُونُس أَي: ابْن أبي يزِيد الْأَيْلِي عَن ابْن شهَاب، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، حَدثنِي عبد الله بن عَامر بن ربيعَة أَن أَبَاهُ هُوَ عَامر بن ربيعَة الْعَنزي، وَهَذَا تقدم مَوْصُولا فِي أول: بَاب يُنزل للمكتوبة، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا يحيى بن بكير، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب، غير أَن اللَّيْث روى هُنَاكَ: عَن عقيل عَن ابْن شهَاب، وَهَهُنَا روى: عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، وَرِوَايَة يُونُس هَذِه وَصلهَا الذهلي فِي (الزهريات) عَن أبي صَالح عَنهُ. ٥٠١١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسُولَ الله ﷺ كانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كانَ وجْهُهُ يُومِىءُ بِرَأسِهِ وكانَ ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ كَانَ يُصَلِّي على دَابَّته بِالْإِيمَاءِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنه فِي دبر صَلَاة من الصَّلَوَات، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن حَمْزَة وَكلهمْ قد ذكرُوا غير مرّة، وَرِوَايَة الزُّهْرِيّ هَذِه عَن سَالم عَن ابْن عمر ذكرهَا فِي: بَاب الْإِيمَاء على الدَّابَّة، عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر مَوْقُوفا، ثمَّ ذكر عقيبة مَرْفُوعا، وَهَهُنَا ذكره مَرْفُوعا ثمَّ ذكر عَقِيبه مَوْقُوفا، وَهُوَ قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر يَفْعَله) ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى أَن الْعَمَل بِهِ مُسْتَمر لم يلْحقهُ معَارض وَلَا نَاسخ وَلَا رَاجِح. قَوْله: (كَانَ يسبح) ، أَي: يتَنَفَّل على ظهر رَاحِلَته بِالْإِيمَاءِ. فَإِن قلت: ذكر فِي: بَاب من لم يتَطَوَّع فِي السّفر، عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: صَحِبت النَّبِي ﷺ فَلم أره يسبح فِي السّفر، وَهَهُنَا قَالَ: كَانَ يسبح؟ قلت: معنى: لم أره يسبح فِي السّفر، يَعْنِي: على الأَرْض، وَهَهُنَا مَعْنَاهُ: كَانَ يسبح رَاكِبًا، وَيكون تَركه ﷺ التَّنَفُّل فِي السّفر على الأَرْض تحريا مِنْهُ إِعْلَام أمته أَنهم فِي أسفارهم بِالْخِيَارِ فِي التَّنَفُّل. وَقَالَ ابْن بطال: وَلَيْسَ قَول ابْن عمر: لم أره يسبح، حجَّة على من رَآهُ، لِأَن من نفى شَيْئا فَلَيْسَ بِشَاهِد. قَوْله: (يومىء بِرَأْسِهِ) جملَة حَالية وَتَفْسِير لقَوْله: (يسبح) ، لِأَن السبحة على ظهر الدَّابَّة هُوَ الَّذِي يكون بِالْإِيمَاءِ للرُّكُوع وَالسُّجُود. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز التَّنَفُّل على الأَرْض، لِأَنَّهُ لما جَازَ لَهُ التَّنَفُّل على الرَّاحِلَة كَانَ فِي الأَرْض أجوز. قلت: هَذَا كَلَام عَجِيب، لِأَن الحكم هُنَا بِالْقِيَاسِ لَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَالْأَرْض مَسْجِد لسَائِر الصَّلَوَات كَمَا فِي النَّص. ٣١ - (بابُ الجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَينَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْجمع فِي السّفر بَين صَلَاتي الْمغرب وَالْعشَاء، وَإِنَّمَا ذكر لفظ: الْجمع، مُطلقًا ليتناول جَمِيع أقسامه، لِأَن فِي الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَحَدِيث ابْن عمر وَابْن عَبَّاس بِصُورَة التَّقْيِيد، وَحَدِيث أنس بِصُورَة الْإِطْلَاق، وَلَا يخفى ذَلِك على المتأمل. ٦٠١١ - حدَّثنا عَليُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد ذكرنَا وَجه إِطْلَاق التَّرْجَمَة مَعَ كَون الحَدِيث مُقَيّدا. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعمر والناقد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور، والخمسة عَن سُفْيَان بِهِ. قَوْله: (إِذا جد بِهِ السّير) أَي: اشْتَدَّ، قَالَ فِي (الْمُحكم) وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَي إِذا اهتم بِهِ وأسرع فِيهِ، يُقَال: جد يجد ويجد، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، وجد بِهِ الْأَمر وَأَجد وجد فِيهِ: إِذا اجْتهد، وَالْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب على نَوْعَيْنِ. الأول: فِيمَن روى الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ من الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. مِنْهُم: عَليّ بن أبي طَالب، أخرج حَدِيثه أَبُو دَاوُد بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ، (كَانَ إِذا سَافر بَعْدَمَا تغرب الشَّمْس حَتَّى تكَاد أَن تظلم، ثمَّ ينزل فَيصَلي الْمغرب، ثمَّ يتعشى ثمَّ

стр. 2018

يُصَلِّي الْعشَاء وَيَقُول: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصنع) . وروى ابْن أبي شيبَة فِي (المُصَنّف) : عَن أبي أُسَامَة عَن عبد الله ابْن مُحَمَّد بن عمر بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده (أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يُصَلِّي الْمغرب فِي السّفر ثمَّ يتعشى ثمَّ يُصَلِّي الْعشَاء على إثْرهَا ثمَّ يَقُول: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصنع) ، وَطَرِيق آخر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا الْمُنْذر بن مُحَمَّد حَدثنَا أبي حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحُسَيْن حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن جده (عَن عَليّ: قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا ارتحل حِين تَزُول الشَّمْس جمع الظّهْر وَالْعصر، فَإِذا جد لَهُ السّير أخر الْعَصْر وَعجل الظّهْر ثمَّ جمع بَينهمَا) ، وَلَا يَصح إِسْنَاده، شيخ الدَّارَقُطْنِيّ هُوَ أَبُو الْعَبَّاس بن عقدَة أحد الْحفاظ لكنه شيعي، وَقد تكلم فِيهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَحَمْزَة السَّهْمِي وَغَيرهمَا، وَشَيْخه الْمُنْذر بن مُحَمَّد بن الْمُنْذر لَيْسَ بِالْقَوِيّ أَيْضا، قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا، وَأَبوهُ وجده يحْتَاج إِلَى معرفتهما. وَمِنْهُم: أنس بن مَالك، أخرج حَدِيثه البُخَارِيّ وَسَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهُم: عبد الله بن عَمْرو، أخرج حَدِيثه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَأحمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة حجاج عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: (جمع رَسُول الله ﷺ بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي غَزْوَة بني المصطلق) ، وَقَالَ أَحْمد: يَوْم غزا بني المصطلق، وَفِي رِوَايَة: (جمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر) ، وَفِي إِسْنَاده الْحجَّاج بن أَرْطَأَة مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ. وَمِنْهُم: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرج حَدِيثهَا ابْن أبي شيبَة فِي (المُصَنّف) وَأحمد فِي (مُسْنده) كِلَاهُمَا عَن وَكِيع: حَدثنَا مُغيرَة بن زِيَاد عَن عَطاء (عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُؤَخر الظّهْر ويعجل الْعَصْر، وَيُؤَخر الْمغرب ويعجل الْعشَاء فِي السّفر) ، ومغيرة بن زِيَاد ضعفه الْجُمْهُور وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو زرْعَة. وَمِنْهُم: ابْن عَبَّاس أخرج حَدِيثه مُسلم من رِوَايَة أبي الزبير، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن جُبَير، قَالَ: (حَدثنَا ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ جمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي سفرة سافرها فِي غَزْوَة تَبُوك، فَجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء جَمِيعًا، قَالَ سعيد: فَقلت لِابْنِ عَبَّاس: مَا حمله على ذَلِك؟ قَالَ: أَرَادَ أَن لَا يحرج أمته) . وَقد روى مُسلم أَيْضا بِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ: (صلى رَسُول الله ﷺ الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا وَالْمغْرب وَالْعشَاء فِي غير خوف وَلَا سفر) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (صلى الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ من غير خوف وَلَا سفر) . وَمِنْهُم: أُسَامَة بن زيد، أخرج حَدِيثه التِّرْمِذِيّ فِي (كتاب الْعِلَل) قَالَ: حَدثنَا أَبُو السَّائِب عَن الْجريرِي عَن أبي عُثْمَان (عَن أُسَامَة بن زيد قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا جد بِهِ السّير جمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء) ، ثمَّ قَالَ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: الصَّحِيح هُوَ مَوْقُوف عَن أُسَامَة بن زيد، ولأسامة حَدِيث آخر فِي جمعه بِعَرَفَة ومزدلفة، أخرجه البُخَارِيّ، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهُم: جَابر، أخرج حَدِيثه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق مَالك عَن أبي الزبير (عَن جَابر: أَن النَّبِي ﷺ غَابَتْ لَهُ الشَّمْس بِمَكَّة فَجمع بَينهمَا بسرف) ، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة (عَن أبي الزبير، قَالَ: سَأَلت جَابِرا: هَل جمع رَسُول الله ﷺ بَين الْمغرب وَالْعشَاء؟ قَالَ: نعم، عَام غزونا بني المصطلق) . وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل فِي صفة حجه ﷺ من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن (عَن جَابر، فَوجدَ الْقبَّة قد ضربت لَهُ بنمرة) ، وَفِيه: (ثمَّ أذن ثمَّ أَقَامَ فصلى الظّهْر ثمَّ أَقَامَ فصلى الْعَصْر وَلم يصل بَينهمَا شَيْئا) . وَفِيه: (حَتَّى أَتَى الْمزْدَلِفَة فصلى بهَا الْمغرب وَالْعشَاء بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَتَيْنِ وَلم يسبح بَينهمَا شَيْئا) . وَمِنْهُم: خُزَيْمَة بن ثَابت، أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ عَن عدي بن ثَابت عَن عبد الله بن يزِيد (عَن خُزَيْمَة ابْن ثَابت قَالَ: صلى النَّبِي ﷺ يجمع الْمغرب وَالْعشَاء ثَلَاثًا واثنتين بِإِقَامَة وَاحِدَة) . وَمِنْهُم: ابْن مَسْعُود، أخرج حَدِيثه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من رِوَايَة ابْن أبي ليلى عَن هُذَيْل (عَن عبد الله بن مَسْعُود: أَن النَّبِي ﷺ جمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) بِلَفْظ: (كَانَ يجمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء يُؤَخر هَذِه فِي آخر وَقتهَا ويعجل هَذِه فِي أول وَقتهَا) . وَمِنْهُم: أَبُو أَيُّوب، أخرج حَدِيثه البُخَارِيّ، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهُم: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَن أبي نَضرة عَنهُ: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر) . وَمِنْهُم: أَبُو هُرَيْرَة، أخرج حَدِيثه الْبَزَّار عَن عَطاء بن يسَار عَنهُ: (عَن النَّبِي ﷺ كَانَ يجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر) .

стр. 2019

النَّوْع الثَّانِي: فِي بَيَان مَذَاهِب الْأَئِمَّة فِي هَذَا الْبَاب، فَذهب قوم إِلَى ظَاهر هَذِه الْأَحَادِيث وأجازوا الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي السّفر فِي وَقت أَحدهمَا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ الْجُمْهُور: الْمُسَافِر يجوز لَهُ الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء مُطلقًا. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين. وَفِي الْمَسْأَلَة سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: جَوَاز الْجمع مثل مَا قَالَه ابْن بطال، وروى ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم: عَليّ بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص وَسَعِيد بن زيد وَأُسَامَة بن زيد ومعاذ بن جبل وَأَبُو مُوسَى وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ جمَاعَة من التَّابِعين، مِنْهُم: عَطاء بن أبي رَبَاح وطاووس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَجَابِر بن زيد وَرَبِيعَة الرَّأْي وَأَبُو الزِّنَاد وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَصَفوَان بن سليم، وَبِه قَالَ جمَاعَة من الْأَئِمَّة مِنْهُم: سُفْيَان الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، وَمن الْمَالِكِيَّة: أَشهب، وَحَكَاهُ ابْن قدامَة عَن مَالك أَيْضا، وَالْمَشْهُور عَن مَالك: تَخْصِيص الْجمع بجد السّير. وَالْقَوْل الثَّانِي: إِنَّمَا يجوز الْجمع إِذا جد بِهِ السّير، رُوِيَ ذَلِك عَن أُسَامَة بن زيد وَابْن عمر وَهُوَ قَول مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ. القَوْل الثَّالِث: إِنَّه تجوز إِذا أَرَادَ قطع الطَّرِيق، وَهُوَ قَول ابْن حبيب من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَأما قَول ابْن حبيب فَهُوَ قَول الشَّافِعِي، لِأَن السّفر نَفسه إِنَّمَا هُوَ لقطع الطَّرِيق. وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن الْجمع مَكْرُوه، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: إِنَّهَا رِوَايَة المصريين عَن مَالك. وَالْقَوْل الْخَامِس: أَنه يجوز جمع التَّأْخِير لَا جمع التَّقْدِيم، وَهُوَ اخْتِيَار ابْن حزم. وَالْقَوْل السَّادِس: أَنه لَا يجوز مُطلقًا بِسَبَب السّفر، وَإِنَّمَا يجوز بِعَرَفَة والمزدلفة، وَهُوَ قَول الْحسن وَابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْأسود وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَهُوَ رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك، وَاخْتَارَهُ فِي (التَّلْوِيح) : وَذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إِلَى منع الْجمع فِي غير هذَيْن المكانين، وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَسعد بن أبي وَقاص فِيمَا ذكره ابْن شَدَّاد فِي كِتَابه (دَلَائِل الْأَحْكَام) وَابْن عمر فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَابْن سِيرِين وَجَابِر بن زيد وَمَكْحُول وَعَمْرو بن دِينَار وَالثَّوْري وَالْأسود وَأَصْحَابه وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَسَالم وَاللَّيْث بن سعد، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا أَبُو هِلَال عَن حَنْظَلَة السدُوسِي عَن أبي مُوسَى أَنه قَالَ: الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ من غير عذر من الْكَبَائِر، قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَأما قَول النَّوَوِيّ: إِن أَبَا يُوسُف ومحمدا خالفا شيخهما، وَإِن قَوْلهمَا كَقَوْل الشَّافِعِي وَأحمد فقد رده عَلَيْهِ صَاحب (الْغَايَة فِي شرح الْهِدَايَة) بِأَن هَذَا لَا أصل لَهُ عَنْهُمَا. قلت: الْأَمر كَمَا قَالَه، وأصحابنا أعلم بِحَال أَئِمَّتنَا الثَّلَاثَة، ﵏. وَاسْتدلَّ أَصْحَابنَا بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ صلى صَلَاة لغير وَقتهَا إلاّ بِجمع فَإِنَّهُ جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء بِجمع، وَصلى صَلَاة الصُّبْح فِي الْغَد قبل وَقتهَا) ، وَبِمَا رَوَاهُ مُسلم عَن أبي قَتَادَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَيْسَ فِي النّوم تَفْرِيط، إِنَّمَا التَّفْرِيط فِي الْيَقَظَة أَن يُؤَخر صَلَاة حَتَّى يدْخل وَقت صَلَاة أُخْرَى) . وَالْجَوَاب عَن هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الْجمع فِي غير عَرَفَة، وَجمع، مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ فِي (شرح مَعَاني الْآثَار) : أَنه صلى الأولى فِي آخر وَقتهَا، والانية فِي أول وَقتهَا،، لَا أَنه صلاهما فِي وَقت وَاحِد، وَيُؤَيّد هَذَا الْمَعْنى حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: (صلى رَسُول الله ﷺ الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا، وَالْمغْرب وَالْعشَاء جَمِيعًا فِي غير خوف وَلَا سفر) . رَوَاهُ مُسلم وَفِي لفظ قَالَ (جمع رَسُول الله ﷺ بَين الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء بِالْمَدِينَةِ فِي غير خوف وَلَا مطر. قيل لِابْنِ عَبَّاس: مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِك؟ قَالَ: أَرَادَ أَن لَا يحرج أمته. قَالَ: وَلم يقل أحد منا وَلَا مِنْهُم بِجَوَاز الْجمع فِي الْحَضَر، فَدلَّ على أَن معنى الْجمع مَا ذَكرْنَاهُ من تَأْخِير الأولى إِلَى آخر وَقتهَا وَتَقْدِيم الثَّانِيَة فِي أول وَقتهَا. فَإِن قلت: لفظ مُسلم فِي حَدِيث الْبَاب: (أَن ابْن عمر كَانَ إِذا جد بِهِ السّير جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء بعد أَن يغيب الشَّفق، وَيَقُول: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا جد بِهِ السّير جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء) . وَهَذَا صَرِيح فِي الْجمع فِي وَقت إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه إبِْطَال تَأْوِيل الْحَنَفِيَّة فِي قَوْلهم: إِن المُرَاد بِالْجمعِ تَأْخِير الأولى إِلَى آخر وَقتهَا وَتَقْدِيم الثَّانِيَة فِي أول وَقتهَا؟ قلت: الشَّفق نَوْعَانِ: أَحْمَر وأبيض، كَمَا اخْتلف فِيهِ الصَّحَابَة وَالْعُلَمَاء، فَيحْتَمل أَنه جمع بَينهمَا بعد غياب الْأَحْمَر فَتكون الْمغرب فِي وَقتهَا على قَول من يَقُول: الشَّفق هُوَ الْأَبْيَض، وَكَذَلِكَ الْعشَاء تكون فِي وَقتهَا على قَول من يَقُول: الشَّفق هُوَ الْأَحْمَر، وَيُطلق عَلَيْهِ أَنه جمع بَينهمَا بعد غياب الشَّفق، وَالْحَال أَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا وَقعت فِي وَقتهَا على اخْتِلَاف الْقَوْلَيْنِ فِي الشَّفق، فَهَذَا يُسمى جمعا: صُورَة لَا وقتا. فَإِن قلت: لفظ النَّسَائِيّ فِي حَدِيث ابْن عمر: (جمع بَين الظّهْر وَالْعصر حِين كَانَ بَين الصَّلَاتَيْنِ،

стр. 2020

وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء حِين اشتبكت النُّجُوم) . قلت: أول وَقت الْعَصْر مُخْتَلف فِيهِ، وَهُوَ إِمَّا بصيرورة ظلّ كل شَيْء مثله أَو مثلَيْهِ فَيحْتَمل أَنه أخر الظّهْر إِلَى أَن صَار ظلّ كل شَيْء مثله، ثمَّ صلاهَا وَصلى عَقبهَا الْعَصْر، فَيكون قد صلى الظّهْر فِي وَقتهَا على قَول من يرى أَن آخر وَقت الظّهْر بصيرورة ظلّ كل شَيْء مثله، وَيكون قد صلى الْعَصْر فِي وَقتهَا على قَول من يرى: إِن أول وَقتهَا بصيرورة ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ، وَيصدق على من فعل هَذَا أَنه جمع بَينهمَا والنجوم تشتبك بعد غياب الْحمرَة، وَهُوَ وَقت الْمغرب على قَول من يَقُول: الشَّفق هُوَ الْبيَاض. فَإِن قلت: قد ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي: بَاب الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر، عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه: سَار حَتَّى غَابَ الشَّفق. إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ معمر عَن أَيُّوب ومُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع، وَقَالَ فِي الحَدِيث: (أخر الْمغرب بعد ذهَاب الشَّفق حَتَّى ذهب هوي من اللَّيْل، ثمَّ نزل فصلى الْمغرب وَالْعشَاء) قلت: لم يذكر سَنَده لينْظر فِيهِ، وَقد أخرجه النَّسَائِيّ بِخِلَاف هَذَا، قَالَ: أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا عبد الرَّزَّاق حَدثنَا معمر عَن مُوسَى بن عقبَة (عَن نَافِع عَن ابْن عمر: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا جد بِهِ أَمر أوجد بِهِ السّير جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء) . فَإِن قلت: قد قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ يزِيد بن هَارُون عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن نَافِع، فَذكر أَنه سَار قَرِيبا من ربع اللَّيْل ثمَّ نزل فصلى قلت: أَنه أسْندهُ فِي (الخلافيات) من حَدِيث يزِيد بن هَارُون بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور، وَلَفظه: (فسرنا أميالاً ثمَّ نزل فصلى) ، فلفظه مُضْطَرب كَمَا ترى على وَجْهَيْن، فاقتصر الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن) على مَا يُوَافق مَقْصُوده. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ فَقَالَ: حَدثنَا هناد حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع (عَن ابْن عمر أَنه استغيث على بعض أَهله فجد بِهِ السّير وَأخر الْمغرب حَتَّى غَابَ الشَّفق، ثمَّ نزل فَجمع بَينهمَا، ثمَّ أخْبرهُم أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ يفعل ذَلِك إِذا جد بِهِ السّير) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَعند أبي دَاوُد: (حَتَّى غربت الشَّمْس وبدت النُّجُوم) ، وَفِي حَدِيث سُفْيَان بن سعيد عَن يحيى بن سعيد: (أَخّرهَا إِلَى ربع اللَّيْل) ،، وَفِي لفظ: (حَتَّى إِذا كَانَ فِي آخر الشَّفق نزل فصلى الْمغرب ثمَّ أَقَامَ الْعشَاء وَقد توارى الشَّفق) ، وَفِي لفظ: (حَتَّى إِذا كَانَ قبل غيوب الشَّفق نزل فصلى الْمغرب، ثمَّ انْتظر حَتَّى غَابَ الشَّفق وَصلى الْعشَاء) . وَفِي لفظ: (عِنْد ذهَاب الشَّفق نزل فَجمع بَينهمَا) ، وَعند ابْن خُزَيْمَة: (فسرنا حَتَّى كَانَ نصف اللَّيْل أَو قَرِيبا من نصفه، نزل فصلى) قلت: الْكَلَام فِي الشَّفق قد مر، وَأما رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة فَفِيهَا مُخَالفَة للحفاظ من أَصْحَاب نَافِع فَلَا يُمكن الْجمع بَينهمَا فَيتْرك مَا فِيهَا لمُخَالفَته للحفاظ، وَيُؤْخَذ بِرِوَايَة الْحفاظ، وروى أَبُو دَاوُد عَن قُتَيْبَة، حَدثنَا عبد الله بن نَافِع عَن أبي دَاوُد عَن سُلَيْمَان بن أبي يحيى عَن ابْن عمر قَالَ: (مَا جمع رَسُول الله، ﷺ ، بَين الْمغرب وَالْعشَاء قطّ فِي سفر إلاّ مرّة) . وَقَالَ أَبُو دَاوُد هَذَا يرْوى عَن أَيُّوب عَن نَافِع مَوْقُوفا على ابْن عمر أَنه: لم ير ابْن عمر جمع بَينهمَا قطّ إلاّ تِلْكَ اللَّيْلَة، يَعْنِي لَيْلَة استصرخ على صَفِيَّة، وروى من حَدِيث مَكْحُول عَن نَافِع أَنه رأى ابْن عمر فعل ذَلِك مرّة أَو مرَّتَيْنِ. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا يزِيد بن خَالِد بن يزِيد بن عبد الله الرَّمْلِيّ الْهَمدَانِي حَدثنَا الْمفضل بن فضَالة وَاللَّيْث بن سعد عَن هِشَام بن سعد عَن أبي الزبير عَن أبي الطُّفَيْل (عَن معَاذ بن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك إِذا زاغت الشَّمْس قبل أَن يرتحل جمع بَين الظّهْر وَالْعصر، وَإِن ارتحل قبل أَن تزِيغ الشَّمْس أخر الظّهْر حَتَّى ينزل للعصر، وَفِي الْمغرب مثل ذَلِك إِن غَابَ الشَّفق قبل أَن يرتحل جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء، وَإِن ارتحل قبل أَن يغيب الشَّفق أخر الْمغرب حَتَّى ينزل للعشاء ثمَّ جمع بَينهمَا) . قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ هِشَام بن عُرْوَة عَن حُسَيْن بن عبد الله عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ نَحْو حَدِيث الْمفضل وَاللَّيْث قلت: حُكيَ عَن أبي دَاوُد أَنه أنكر هَذَا الحَدِيث، وَحكي عَنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: لَيْسَ فِي تَقْدِيم الْوَقْت حَدِيث قَائِم، وحسين بن عبد الله هَذَا لَا يحْتَج بحَديثه، قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: تركت حَدِيثه. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ: وَله غير حَدِيث لَا يُتَابع عَلَيْهِ، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: لَهُ أَشْيَاء مُنكرَة، وَقَالَ ابْن معِين: ضَعِيف. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: ضَعِيف يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع المسانيد. وَقَالَ الْخطابِيّ فِي الرَّد على تَأْوِيل أَصْحَابنَا: إِن الْجمع رخصَة، فَلَو كَانَ على مَا ذَكرُوهُ لَكَانَ أعظم ضيقا من الْإِتْيَان بِكُل صَلَاة فِي وَقتهَا، لِأَن أَوَائِل الْأَوْقَات وأواخرها مِمَّا لَا يُدْرِكهُ أَكثر الْخَاصَّة فضلا عَن الْعَامَّة، وَقَالَ ابْن قدامَة: أَن حمل الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ على الْجمع الصُّورِي فَاسد لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه جَاءَ الْخَبَر صَرِيحًا فِي أَنه كَانَ يجمعهما فِي وَقت

стр. 2021

إِحْدَاهمَا، وَالثَّانِي: أَن الْجمع رخصَة، فَلَو كَانَ على مَا ذَكرُوهُ لَكَانَ أَشد ضيقا وَأعظم حرجا من الْإِتْيَان بِكُل صَلَاة فِي وَقتهَا، قَالَ: وَلَو كَانَ الْجمع هَكَذَا لجَاز الْجمع بَين الْعَصْر وَالْمغْرب، وَبَين الْعشَاء وَالصُّبْح. قَالَ: وَلَا خلاف بَين الْأمة فِي تَحْرِيم ذَلِك. قَالَ: وَالْعَمَل بالْخبر على الْوَجْه السَّابِق مِنْهُ إِلَى الْفَهم أولى من هَذَا التَّكَلُّف الَّذِي يصان كَلَام رَسُول الله، ﷺ ، من حمله عَلَيْهِ. قلت: سلمنَا أَن الْجمع رخصَة، وَلَكِن حملناه على الْجمع الصُّورِي حَتَّى لَا يُعَارض الْخَبَر الْوَاحِد الْآيَة القطعية، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات﴾ (الْبَقَرَة: ٨٣٢) . أَي: أدوها فِي أَوْقَاتهَا، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ (النِّسَاء: ٣٠١) . أَي: فرضا موقوتا، وَمَا قُلْنَاهُ هُوَ الْعَمَل بِالْآيَةِ وَالْخَبَر، وَمَا قَالُوهُ يُؤَدِّي إِلَى ترك الْعَمَل بِالْآيَةِ ويلزمهم على مَا قَالُوا من الْجمع الْمَعْنَوِيّ رخصَة أَن يجمعوا لعذر الْمَطَر أَو الْخَوْف فِي الْحَضَر، وَمَعَ هَذَا لم يجوزوا ذَلِك، وَأولُوا حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (جمع رَسُول الله ﷺ الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء بِالْمَدِينَةِ من غير خوف وَلَا مطر) ، الحَدِيث، بتأويلات مَرْدُودَة، وَفِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ الْعَمَل بِالْكتاب، وَبِكُل حَدِيث جَاءَ فِي هَذَا الْبَاب من غير حَاجَة إِلَى تأويلات، وَأما قَول الْخطابِيّ: لِأَن أَوَائِل الْأَوْقَات. . إِلَى آخِره، غير مُسلم، لِأَن الصَّلَاة من أعظم أُمُور الدّين فالمسلم الْكَامِل كَيفَ يخفى عَلَيْهِ أُمُور مَا يتَعَلَّق بأعظم أُمُور دينه؟ وَيرد على ابْن قدامَة أَيْضا بِمَا ذكرنَا، وَقِيَاسه على الْجمع بَين الْعَصْر وَالْمغْرب، وَبَين الْعشَاء وَالصُّبْح بَاطِل لَا وَجه لَهُ أصلا لعدم وجود الْمُلَازمَة، وَلَيْسَ فِيمَا قُلْنَا ترك صون كَلَام الرَّسُول، بل فِيمَا قُلْنَا صون كَلَامه ﷺ لأجل مَا رَوَاهُ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وللتوفيق بَين الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهرهَا يتعارض، فَافْهَم. ٧٠١١ - وقالَ إبْرَاهِيمُ بنُ طهْمَانَ عنِ الحُسَيْنِ المُعَلِّمِ عنْ يَحْيى بنِ أبِي كَثِيرٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظهْرِ والعَصْرِ إذَا كانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ ويَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ. هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ: أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ وَأخْبرنَا أَبُو عَليّ الْحَافِظ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَبدُوس حَدثنَا أَحْمد بن حَفْص بن رَاشد حَدثنِي أبي حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن حُسَيْن الْمعلم، فَذكره قَوْله: (الْمعلم) ، صفة للحسين ابْن ذكْوَان العودي من أهل الْبَصْرَة، مر فِي آخر كتاب الْغسْل، والمعلم بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من التَّعْلِيم. قَوْله: (على ظهر سير) بِإِضَافَة: ظهر، إِلَى: سير، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَفظ: (ظهر) مقحم كَمَا فِي قَوْله: (الصَّدَقَة عَن ظهر غنى) ، وَالظّهْر قد يُزَاد فِي مثله إشباعا للْكَلَام وتوكيدا كَأَن سيره ﷺ مُسْتَند إِلَى ظهر قوي من الرَّاحِلَة وَنَحْوهَا، وَقيل: جعل للسير ظهر لِأَن الرَّاكِب مَا دَامَ سائرا فَكَأَنَّهُ رَاكب ظهر، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (على ظهر يسيرُ) ، فَظهر بِالتَّنْوِينِ، ويسير بِلَفْظ الْمُضَارع، من: سَار يسير سيرا، وَالْمرَاد من الظّهْر المركوب، وعَلى هَذَا الْوَجْه أَن يكون مَحل: يسير، نصبا على الْحَال. ٨٠١١ - وعَنْ حُسَيْنٍ عَنْ يَحْيى بنِ أبِي كَثِيرٍ عنْ حَفْصِ بنِ عُبَيْدِ الله بنِ أنَسٍ عنْ أنسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ المَغْرِبِ والعِشَاءِ فِي السَّفَرِ. (الحَدِيث ٨٠١١ طرفه فِي: ٠١١١) . يجوز أَن يكون هَذَا عطفا على مَا قبله، وَالتَّقْدِير: وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن حُسَيْن عَن يحيى، وَيجوز أَن يكون تَعْلِيقا عَن حُسَيْن لَا بِكَوْنِهِ من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَنهُ، وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي كِتَابه (مَجْمُوع حَدِيث يحيى بن أبي كثير) : أخبرنَا أَبُو يعلى الْموصِلِي حَدثنَا أَبُو معمر إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْهُذلِيّ حَدثنَا عبد الله بن معَاذ عَن معمر عَن يحيى بن أبي كثير عَن حَفْص ابْن عبد الله (عَن أنس: كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يجمع بَين الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء فِي السّفر) . وتابَعَهُ عَلِيُّ بنُ المُبَارِكِ وَحَرْبٌ عَنْ يَحْيَى عنْ حَفصٍ عنْ أنَسٍ جَمَعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 2022

أَي: تَابع حُسَيْنًا عَليّ بن الْمُبَارك الْهنائِي الْبَصْرِيّ، وَتَابعه أَيْضا حَرْب بن شَدَّاد الْيَشْكُرِي الْقطَّان الْبَصْرِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، أما مُتَابعَة عَليّ بن الْمُبَارك فأخرجها الْإِسْمَاعِيلِيّ أَخْبرنِي الْحسن بن سُفْيَان حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا عُثْمَان ابْن عمر حَدثنَا عَليّ يَعْنِي ابْن الْمُبَارك عَن يحيى عَن حَفْص (عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يجمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي سَفَره) . وَقَالَ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : حَدثنَا أَبُو أَحْمد حَدثنَا الْحسن بن سُفْيَان فَذكره. وَأما مُتَابعَة حَرْب بن شَدَّاد فأخرجها البُخَارِيّ فِي آخر الْبَاب الَّذِي بعده، وَقد تَابعهمْ معمر عَن أَحْمد وَأَبَان بن يزِيد عِنْد الطَّحَاوِيّ، كِلَاهُمَا عَن يحيى ابْن أبي كثير عَنهُ. ٤١ - (بابُ هَلْ يُؤَذِّنُ أوْ يُقِيمُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يُؤذن الْمُصَلِّي الْمُسَافِر إِذا جمع بَين صَلَاتي الْمغرب وَالْعشَاء؟ فَإِن قلت: مَا فِي حَدِيث ابْن عمر ذكر الْأَذَان وَلَا فِي حَدِيث أنس ذكر الْأَذَان وَلَا ذكر الْإِقَامَة، فَكيف وَجه هَذِه التَّرْجَمَة؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي مَا حَاصله: إِن من إِطْلَاق لفظ الصَّلَاتَيْنِ يُسْتَفَاد أَن المُرَاد هما الصَّلَاتَان بأركانهما وشروطهما وسننهما من الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَغَيرهمَا، لِأَن الْمُطلق ينْصَرف إِلَى الْكَامِل وَقَالَ ابْن بطال: قَوْله: يُقيم، يَعْنِي فِي حَدِيث ابْن عمر، يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: بِمَا تُقَام بِهِ الصَّلَوَات فِي أَوْقَاتهَا من الْأَذَان وَالْإِقَامَة، وَيحْتَمل أَن يُرِيد الْإِقَامَة وَحدهَا، وَيُقَال: لم يرد بقوله: يُقيم نفس الْأَدَاء، وَإِنَّمَا أَرَادَ يُقيم للمغرب يَعْنِي يَأْتِي بِالْإِقَامَةِ لَهَا، فعلى هَذَا كَانَ مُرَاده بالترجمة: هَل يُؤذن أَو يقْتَصر على الْإِقَامَة؟ وَقَالَ بَعضهم: وَلَعَلَّ المُصَنّف أَشَارَ بذلك إِلَى مَا ورد فِي بعض طرق حَدِيث ابْن عمر، فَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق عمر بن مُحَمَّد بن زيد عَن نَافِع (عَن ابْن عمر فِي قصَّة جمعه بَين الْمغرب وَالْعشَاء، فَنزل فَأَقَامَ الصَّلَاة، وَكَانَ لَا يُنَادي بِشَيْء من الصَّلَاة فِي السّفر، فَقَامَ فَجمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء) ، ثمَّ رفع الحَدِيث قلت: هَذَا كَلَام بعيد، لِأَنَّهُ كَيفَ يضع تَرْجَمَة وَحَدِيث بَابهَا لَا يدل عَلَيْهِ صَرِيحًا وَيُشِير بذلك إِلَى حَدِيث لَيْسَ فِي كِتَابه. ٩٠١١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمٌ عَنْ عَبْدِ الله ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَ رأيْتُ رسولَ الله ﷺ إذَا أعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ المَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وبَيْنَ العِشَاءِ قَالَ سالِمٌ وكانَ عَبْدُ الله يَفْعَلُهُ إذَا أعْجَلَهُ السَّيْرُ ويُقِيمُ المَغْرِبَ فيُصَلِّيِهَا ثَلَاثا ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ولَا يُسَبِّحُ بَيْنَهُمَا بِرَكْعةٍ وَلَا بَعْدَ لعِشَاءِ بِسَجْدَةٍ حتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تستأنس مِمَّا ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مَعَ صدر الحَدِيث قد ذكره فِي أول: بَاب يُصَلِّي الْمغرب ثَلَاثًا فِي السّفر فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان وَهُوَ الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، قَالَ: أَخْبرنِي سَالم. . إِلَى قَوْله: وَزَاد اللَّيْث نَحوه. قَوْله: (يُؤَخر صَلَاة الْمغرب) ، لم يبين إِلَى مَتى يُؤَخر، وَقد بَينه مُسلم من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر بِأَنَّهُ بعد أَن يغيب الشَّفق، وَقد ذكرنَا اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِيهِ، وَبينا أَن الشَّفق على نَوْعَيْنِ وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا. قَوْله: (ثمَّ قَلما يلبث) كلمة: مَا، للمدة أَي: ثمَّ قل مُدَّة لبثه، وَذَلِكَ اللّّبْث لقَضَاء بعض حَوَائِجه مِمَّا هُوَ ضَرُورِيّ. قَوْله: (وَلَا يسبح بَينهمَا) أَي: وَلَا يتَنَفَّل بَين الْمغرب وَالْعشَاء بِرَكْعَة، وَأَرَادَ بهَا الرَّكْعَتَيْنِ من بَاب إِطْلَاق الْجُزْء على الْكل. قَوْله: (وَلَا بعد الْعشَاء) أَي: وَلَا يسبح أَيْضا بعد صَلَاة الْعشَاء بِسَجْدَة أَي: بِرَكْعَتَيْنِ من بَاب إِطْلَاق الْجُزْء على الْكل. كَمَا فِي قَوْله: (بِرَكْعَة) . قَوْله: (حَتَّى يقوم) أَي: إِلَى أَن يقوم (من جَوف اللَّيْل) ، فَفِيهِ كَانَ يسبح أَي: يتَنَفَّل، وَالْحَاصِل أَن ابْن عمر مَا كَانَ يتَطَوَّع فِي السّفر لَا قبل الصَّلَاة وَلَا بعْدهَا، وَكَانَ يُصَلِّي فِي جَوف اللَّيْل، كَمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن هشيم عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ لَا يتَطَوَّع فِي السّفر قبل الصَّلَاة وَلَا بعْدهَا وَكَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَرُوِيَ

стр. 2023

عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ لَا يتَطَوَّع فِي السّفر قبل الصَّلَاة وَلَا بعْدهَا) ، وَرُوِيَ عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ : أَنه كَانَ يتَطَوَّع فِي السّفر ثمَّ اخْتلف أهل الْعلم بعد النَّبِي ﷺ ، فَرَأى بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَن يتَطَوَّع الرجل فِي السّفر، وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق، وَلم تَرَ طَائِفَة من أهل الْعلم أَن يُصَلِّي قبلهَا وَلَا بعْدهَا، وَمعنى: من لم يتَطَوَّع قبُول الرُّخْصَة، وَمن تطوع فَلهُ فِي ذَلِك فضل كثير، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم يختارون التَّطَوُّع فِي السّفر. ٠١١١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حدَّثنا حَرْبٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى قَالَ حدَّثني حَفْصُ بنُ عُبَيْدِ الله بنِ أنَسٍ أنَّ أنَسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هاتَيْنِ الصلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ يَعْنِي المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ. (أنظر الحَدِيث ٨٠١١) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه مُفَسّر بِحَدِيث ابْن عمر السَّابِق، لِأَن فِي حَدِيث أنس إِجْمَالا كَمَا ترَاهُ، والمفسر، بِالْفَتْح تَابع للمفسر بِالْكَسْرِ، وَقد ذكرنَا وَجه التطابق فِي حَدِيث ابْن عمر، فَحصل فِي حَدِيث أنس أَيْضا من حَيْثُ التّبعِيَّة لَا غير، وَهَذَا الْقدر كَاف فِي ذَلِك. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق ذكره غير مَنْسُوب، وَيحْتَمل أَن يكون إِسْحَاق بن مَنْصُور الكوسج لِأَنَّهُ قَالَ فِي: بَاب مقدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة، وَفِي كتاب الدِّيات: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا عبد الصَّمد، وَيحْتَمل أَن يكون إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، لِأَن كلا من الإسحاقين يرويان عَن عبد الصَّمد، وَالْبُخَارِيّ يروي عَن كل مِنْهُمَا: وَقيل: جزم أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) أَنه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه لِأَن كلا من الإسحاقيين يرويان عَن عبد الصَّمد وَالْبُخَارِيّ يروي عَن كل مِنْهُمَا وَقيل جزم أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج أَنه إِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ الثَّانِي: عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث التنوري، وَقد مر. الثَّالِث: حَرْب ضد الصُّلْح ابْن شَدَّاد أَبُو الْخطاب الْيَشْكُرِي، وَقد مر عَن قريب. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير، وَقد مر غير مرّة. الْخَامِس: حَفْص بن عبيد الله ابْن أنس. السَّادِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: اثْنَان بصريان وهما: عبد الصَّمد وَحرب، وَيحيى يمامي، وَحَفْص بَصرِي وَإِسْحَاق مروزي، سَوَاء كَانَ ابْن رَاهَوَيْه أَو ابْن مَنْصُور الكوسج. وَفِيه: ثَلَاثَة مذكورون بِغَيْر نِسْبَة. والْحَدِيث قد مر فِي الْبَاب الَّذِي قبله: عَن حُسَيْن عَن يحيى ابْن أبي كثير عَن حَفْص بن عبيد الله. . إِلَى آخِره، وَالله تَعَالَى أعلم. ٥١ - (بابٌ يُؤخِّرُ الظُّهْرَ إلَى العَصْرِ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الْمُسَافِر إِذا أَرَادَ الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر يُؤَخر الظّهْر إِذا ارتحل قبل أَن تزيع الشَّمْس، أَي: قبل أَن تميل، وَذَلِكَ إِذا قَامَ الْفَيْء يُقَال: زاغ عَن الطَّرِيق يزِيغ إِذا عدل عَنهُ. فِيهِ ابنْ عَبَّاسٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: فِي تَأْخِير الظّهْر إِلَى الْعَصْر إِذا ارتحل قبل أَن تزِيغ الشَّمْس، روى ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ، رَوَاهُ أَحْمد: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا ابْن جريج أَخْبرنِي حُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله بن عَبَّاس عَن عِكْرِمَة وكريب (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أَلا أخْبركُم عَن صَلَاة رَسُول الله ﷺ فِي السّفر، قُلْنَا: بلَى، قَالَ: كَانَ إِذا زاغت الشَّمْس فِي منزله جمع بَين الظّهْر وَالْعصر قبل أَن يركب، وَإِذا لم تزغ لَهُ فِي منزله سَار حَتَّى إِذا كَانَت الْعَصْر نزل فَجمع بَين الظّهْر وَالْعصر) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا من رِوَايَة أَحْمد بن عبد الله بن دَاوُد التَّاجِر الْمروزِي عَنهُ من رِوَايَة حُسَيْن بن عبد الله نَحوه، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب من حَدِيث ابْن عَبَّاس، ذكره فِي (الْأَطْرَاف) وَلم يذكر ابْن عَسَاكِر، وَقد ذكرنَا مَا قَالَه أَئِمَّة الشَّأْن فِي حُسَيْن هَذَا قبل هَذَا الْبَاب. ١١١١ - حدَّثنا حَسَّانُ الوَاسِطِيُّ قَالَ حدَّثنا المُفَضَّلُ بنُ فَضَالَةَ عَنْ عُقَيْل عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ إذَا ارْتَحَلَ قبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أخَّرَ

стр. 2024

الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ العَصْرِ ثُمَّ يجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَإذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. (الحَدِيث ١١١١ طرفه فِي: ٢١١١) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حسان، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ: ابْن عبد الله بن سهل الْكِنْدِيّ الْمصْرِيّ، كَانَ أَبوهُ واسطيا فَقدم مصر فولد بهَا حسان الْمَذْكُور وَاسْتمرّ بهَا إِلَى أَن مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: الْمفضل، بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول من التَّفْضِيل بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن فضَالة، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة: أَبُو مُعَاوِيَة الْقِتْبَانِي، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة وبالنون، قَاضِي مصر إِمَام مجاب الدعْوَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، وَقد مر غير مرّة. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَفِي الروَاة حسان الوَاسِطِيّ آخر يرْوى عَن شُعْبَة وَغَيره، ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ، وَمن زعم أَن البُخَارِيّ روى عَنهُ عَن المصريين فقد وهم، لِأَنَّهُ لَا رِوَايَة لَهُ عَن المصريين. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مصريان، وَعقيل أيلي وَابْن شهَاب مدنِي. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن الْمفضل وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَعَن عَمْرو بن سَواد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَيزِيد بن خَالِد، كِلَاهُمَا عَن الْمفضل بِهِ. وَعَن سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن ابْن وهب بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عَمْرو بن مُرَاد بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قبل أَن تزِيغ) أَي: قبل أَن تميل. قَوْله: (فَإِذا زاغت) أَي: الشَّمْس قبل أَن يرتحل لَا بُد من تَقْيِيده بِهَذَا الْقَيْد، كَمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَأتي، قَالَ الْكرْمَانِي: (فَإِذا زاغت) بِالْفَاءِ التعقيبية فَيكون الزيغ قبل الارتحال ضَرُورَة. قلت: الْفَاء قد تكون لتعقيب الْأَخْبَار بِهَذِهِ الْجُمْلَة على الْجُمْلَة الَّتِي قبلهَا، أَو الْفَاء بِمَعْنى الْوَاو، وَاسْتدلَّ من يرى الْجمع بِهَذَا الحَدِيث على أَن من كَانَ نازلاً فِي وَقت الأولى، فَالْأَفْضَل أَن يجمع بَينهمَا، بِضَم الْعَصْر إِلَى الظّهْر، وَأَنه إِذا كَانَ سائرا فَالْأَفْضَل تَأْخِير الأولى بنية جمعهَا مَعَ الْعَصْر إِذا وثق بنزوله. وَوقت الْعَصْر باقٍ. وَأما إِذا كَانَ سائرا فِي وقتهما جَمِيعًا فَلهُ أَن يجمع على مَا يرَاهُ من التَّقْدِيم أَو التَّأْخِير، وَلَكِن الْأَفْضَل أَن الأولى إِلَى الثَّانِيَة لِلْخُرُوجِ من خلاف من خَالف فِي التَّقْدِيم من الْأَئِمَّة وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلفُوا فِي وَقت الْجمع، فَقَالَ الْجُمْهُور: إِن شَاءَ جمع بَينهمَا فِي وَقت الأولى، وَإِن شَاءَ جمع فِي وَقت الْآخِرَة، ثمَّ نقل قَول أبي حنيفَة ثمَّ قَالَ: وَهَذَا قَول بِخِلَاف الْآثَار. قُلْنَا: قد ذكرنَا أَن فِي هَذَا الْبَاب سِتَّة أَقْوَال قد بيناها، وَأَبُو حنيفَة قطّ مَا خَالف الْآثَار، فَإِنَّهُ احْتج فِيمَا ذهب إِلَيْهِ بِالْكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس، وَحمل أَحَادِيث الْجمع على الْجمع الْمَعْنَوِيّ. فَفِيمَا قَالَه عمل بِجَمِيعِ الْآثَار، وَفِيمَا قَالَه ابْن بطال وَمن رأى الْجمع الصُّورِي إهمال للْبَعْض، مَعَ أَنه فِيمَا نقل عَن الْجُمْهُور مُخَالفَة للْحَدِيث الْمَذْكُور، وَهُوَ ظَاهر. ٦١ - (بابٌ إذَا ارْتَحَلَ بَعْدَما زَاغَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا ارتحل الْمُسَافِر بَعْدَمَا مَالَتْ الشَّمْس وَقَامَ الْفَيْء صلى صَلَاة الظّهْر ثمَّ ركب، وَلم يذكر فِيهِ الْعَصْر لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب كَذَلِك، والآن نذْكر وَجه ذَلِك، وَيفهم من هَذِه التَّرْجَمَة وَمن الَّتِي قبلهَا أَن البُخَارِيّ يذهب إِلَى أَن جمع التَّأْخِير يخْتَص بِمن ارتحل قبل أَن يدْخل وَقت الظّهْر. ٢١١١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا المُفَضلُ بنُ فَضَالَةَ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أنَسِ ابنِ مالِكٍ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ العَصْرِ ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بينَهُمَا فإنْ زَاغَتِ الشمْسُ قَبْلَ أنْ يَرْتَحِلَ صلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِيَ. (أنظر الحَدِيث ١١١١) .

стр. 2025

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ بِعَيْنِه الحَدِيث الْمَذْكُور فِيمَا قبل هَذَا الْبَاب، غير أَنه أخرج هُنَاكَ: عَن حسان الوَاسِطِيّ عَن الْمفضل بن فضَالة، وَهنا: عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن الْمفضل. . إِلَى آخِره نَحوه، وَلم يذكر فِي الطَّرِيقَيْنِ الْعَصْر، وَالْمَحْفُوظ عَن عقيل الرَّاوِي فِي الْكتب الْمَشْهُورَة هَكَذَا بِدُونِ ذكر الْعَصْر، وَقَالَ بَعضهم: وَمُقْتَضَاهُ أَنه كَانَ لَا يجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ إلاّ فِي وَقت الثَّانِيَة مِنْهُمَا، وَبِه احْتج من منع جمع التَّقْدِيم. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن مُقْتَضى الحَدِيث مَا ذكره، بل مُقْتَضَاهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيب أَنه لَا يجمع إِذا ارتحل بَعْدَمَا زاغت الشَّمْس، بل يُصَلِّي الظّهْر فِي وقته ثمَّ يركب، وَلَا يُصَلِّي الْعَصْر عقيب الظّهْر، بل يُصَلِّي الْعَصْر بعد ذَلِك فِي وقته، لِأَن الْأُصُول تَقْتَضِي ذَلِك، كَذَلِك، وَعَن هَذَا حُكيَ عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ: لَيْسَ فِي تَقْدِيم الْوَقْت حَدِيث قَائِم. فَإِن قلت: روى إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه هَذَا الحَدِيث عَن شَبابَة بن سوار عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ (عَن أنس، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا كَانَ فِي سفر فَزَالَتْ الشَّمْس صلى الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا ثمَّ ارتحل) . قَالَ النَّوَوِيّ: وَإِسْنَاده صَحِيح. قلت: أَبُو دَاوُد أنكرهُ على إِسْحَاق وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأعله بتفرد إِسْحَاق عَن شَبابَة، وشبابة وَإِن كَانَ من رجال الْجَمَاعَة وَلكنه يَدْعُو إِلَى الإرجاء، قَالَه زَكَرِيَّا بن يحيى السَّاجِي. وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة صَالح الْأَمر فِي الحَدِيث وَكَانَ مرجئا. وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا لَيْسَ بقادح، يَعْنِي تفرد إِسْحَاق عَن شَبابَة، فَإِنَّهُ إِمَام حَافظ، وَقد وَقع نَظِيره فِي (الْأَرْبَعين) للْحَاكِم عَن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصَّاغَانِي عَن حسان بن عبد الله عَن الْمفضل بن فضَالة عَن عقيل عَن ابْن شهَاب (عَن أنس: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا ارتحل قبل أَن تزِيغ الشَّمْس أخر الظّهْر إِلَى وَقت الْعَصْر، ثمَّ نزل فَجمع بَينهمَا، فَإِن زاغت الشَّمْس قبل أَن يرتحل صلى الظّهْر وَالْعصر ثمَّ ركب) قلت: فِي ثُبُوت هَذِه الزِّيَادَة نظر، أَلا ترى أَن الْحَاكِم لم يُورِدهُ فِي (مُسْتَدْركه) مَعَ شهرته فِي تساهله فِي التَّصْحِيح، وَالْبُخَارِيّ مَعَ تتبعه فِي أَشْيَاء على الْحَنَفِيَّة، لم يذكر هَذِه الزِّيَادَة؟ فَإِن قلت: لَهُ طَرِيق آخر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) : حَدثنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن نصر بن سندر الْأَصْبَهَانِيّ حَدثنَا هَارُون ابْن عبد الله الْجمال حَدثنَا يَعْقُوب بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَعْدَان حَدثنَا ابْن عجلَان عَن عبد الله بن الْفضل (عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي ﷺ ، كَانَ إِذا كَانَ فِي سفر فزاغت الشَّمْس قبل أَن يرتجل صلى الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا، وَإِن ارتحل قبل أَن تزِيغ الشَّمْس جمع بَينهمَا فِي أول الْعَصْر، وَكَانَ يفعل ذَلِك فِي الْمغرب وَالْعشَاء) ، وَقَالَ: تفرد بِهِ يَعْقُوب بن مجمد؟ قلت: قَالَ أَحْمد: يَعْقُوب بن مُحَمَّد لَيْسَ يسوى شَيْئا. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: واهي الحَدِيث، وَقَالَ صَالح: حزره عَن ابْن معِين أَحَادِيثه تشبه أَحَادِيث الْوَاقِدِيّ. فَإِن قلت: فِي الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس أخرجه أَحْمد وَلَفظه: (كَانَ إِذا زاغت الشَّمْس فِي منزله جمع بَين الظّهْر وَالْعصر قبل أَن يركب. .) الحَدِيث، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا قلت: فِي سَنَده: حُسَيْن بن عبد الله وَهُوَ ضَعِيف جدا، وَقد ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَالْمَشْهُور فِي جمع التَّقْدِيم مَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَأحمد وَابْن حبَان من طَرِيق اللَّيْث عَن يزِيد أبي حبيب عَن أبي الطُّفَيْل عَن مغاذ بن جبل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (قلت) لفظ أبي دَاوُود حَدثنَا يزِيد بن خَالِد بن يزِيد بن عبد الله الرَّمْلِيّ الْهَمدَانِي حَدثنَا الْمفضل بن فضَالة وَاللَّيْث بن سعد عَن هِشَام بن سعد عَن أبي الزبير عَن أبي الطُّفَيْل (عَن معَاذ بن جبل: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك إِذا زاغت الشَّمْس قبل أَن يرتحل جمع بَين الظّهْر وَالْعصر، وَإِن ارتحل قبل أَن تزِيغ الشَّمْس أخر الظّهْر حَتَّى ينزل للعصر، وَفِي الْمغرب مثل ذَلِك إِن غَابَ الشَّفق قبل أَن يرتحل جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء، وَإِن ارتحل قبل أَن تغيب الشَّمْس أخر الْمغرب حَتَّى ينزل للعشاء ثمَّ جمع بَينهمَا) قلت: أنكر أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث، وَهِشَام بن سعد ضعفه يحيى بن معِين، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ أَحْمد: لم يكن بِالْحَافِظِ، وَأَبُو الزبير اسْمه مُحَمَّد بن مُسلم بن تدرس، وَأَبُو الطُّفَيْل اسْمه: عَامر بن وَاثِلَة. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة، (عَن معَاذ بن جبل: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك إِذا ارتحل قبل أَن تزِيغ الشَّمْس أخر الظّهْر حَتَّى يجمعها إِلَى الْعَصْر فيصليهما جَمِيعًا، وَإِذا ارتحل بعد زيغ الشَّمْس صلى الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا، ثمَّ سَار، وَكَانَ إِذا ارتحل قبل الْمغرب أخر الْمغرب حَتَّى يُصليهَا مَعَ الْعشَاء، وَإِذا ارتحل بعد الْمغرب عجل الْعشَاء فَصلاهَا مَعَ الْمغرب، قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: لم يرو هَذَا الحَدِيث إلاّ قُتَيْبَة وَحده، يَعْنِي: تفرد بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب

стр. 2026

تفرد بِهِ قُتَيْبَة، لَا يعرف أحد رَوَاهُ عَن اللَّيْث غَيره، وَذكر أَن الْمَعْرُوف عِنْد أهل الْعلم حَدِيث معَاذ من حَدِيث أبي الزبير. وَقَالَ أَبُو سعيد بن يُونُس الْحَافِظ: لم يحدث بِهِ إلاّ قُتَيْبَة، وَيُقَال إِنَّه غلط، وَإِن مَوضِع يزِيد بن أبي حبيب أَبُو الزبير، وَذكر الْحَاكِم أَن الحَدِيث مَوْضُوع، وقتيبة بن سعيد ثِقَة مَأْمُون، وَحكى عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ: قلت لقتيبة بن سعيد: مَعَ من كتبت عَن اللَّيْث بن سعد حَدِيث يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الطُّفَيْل، فَقَالَ: كتبته مَعَ خَالِد الْمَدَائِنِي. قَالَ البُخَارِيّ: وَكَانَ خَالِد الْمَدَائِنِي يدْخل الْأَحَادِيث على الشُّيُوخ، انْتهى. وخَالِد الْمَدَائِنِي هَذَا هُوَ أَبُو الْهَيْثَم خَالِد بن الْقَاسِم الْمَدَائِنِي، مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ ابْن عدي: لَهُ عَن اللَّيْث بن سعد غير حَدِيث مُنكر، وَاللَّيْث بَرِيء من رِوَايَة خَالِد عَنهُ تِلْكَ الْأَحَادِيث. ٧١ - (بابُ صلَاةِ القاعِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَلَاة الْقَاعِد، وَإِنَّمَا أطلق التَّرْجَمَة لتتناول صَلَاة المتنفل قَاعِدا لعذر ولغير عذر، وَصَلَاة المفترض عِنْد الْعَجز، وَسَوَاء كَانَ الْمُصَلِّي، إِمَامًا أَو مَأْمُوما أَو مُنْفَردا. ٣١١١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ مالِكٍ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالَتْ صلَّى رسولُ الله ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شاكٍ فَصَلَّى جالِسا وصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَاما فأشَارَ إلَيْهِمْ أنِ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فإذَا رَكَعَ فارْكَعُوا وإذَا رَفَعَ فارْفَعُوا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد قد مر فِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، غير أَنه أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَهَهُنَا: عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن مَالك، وَهُنَاكَ بعد قَوْله: (فارفعوا، وَإِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده، فَقولُوا: رَبنَا وَلَك الْحَمد، وَإِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ. قَوْله: (وَهُوَ شَاك) ، جملَة حَالية أَي: وَهُوَ مَرِيض كَأَنَّهُ يشكو عَن مزاجه أَنه انحرف عَن الِاعْتِدَال، وَلَفظ: شَاك، بِالتَّنْوِينِ أَصله: شاكي، فأعل إعلال: قاضٍ، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام هُنَاكَ. ٤١١١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سقَطَ رسولُ الله ﷺ مِنْ فَرَسٍ فَخُدِشَ أوْ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأيْمَنُ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى قاعِدا فَصَلَّيْنَا قُعُودا وَقَالَ إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم. وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن أنس، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَوْله: (فَخدش) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره شين. قَوْله: (أَو فجحش) ، شكّ من الرَّاوِي بِضَم الْجِيم وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَفِي آخِره شين مُعْجمَة، ومعناهما وَاحِد. قَالَ ابْن الْأَثِير: فجحش، أَي: انخدش جلده، وانسجح وخدش الْجلد قشره بِعُود، خدشه يخدشه خدشا وخدوشا. ٥١١١ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قَالَ أخبرنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ قَالَ أخبرنَا حُسَيْنٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ سألَ نَبيَّ الله ﷺ (ح) أخبرنَا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا عبْدُ الصَّمَدِ. قَالَ سَمِعْتُ أبي قالَ حدَّثنا الحُسَيْنُ عنْ ابْن بُرَيْدَةَ قَالَ حدَّثني عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ وكانَ مَبْسُورا قَالَ سألْتُ رسولَ الله ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدا فقالَ إنْ صَلَّى

стр. 2027

قائِما فَهْوَ أفْضَلُ ومَنْ صَلَّى قاعِدا فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القَائِمِ وَمَنْ صَلَّى نائِما فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القَاعِدَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة: الأول: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أَبُو يَعْقُوب. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، مر فِي: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان. الثَّالِث: حُسَيْن ابْن ذكْوَان الْمعلم. الرَّابِع: عبد الله بن بُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن حصيب، مر فِي آخر كتاب الْحيض. الْخَامِس: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، نَص عَلَيْهِ الكلاباذي والمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَلَيْسَ هَذَا بِإسْحَاق بن مَنْصُور الَّذِي مر فِي أول الْإِسْنَاد كَمَا زَعمه بَعضهم. السَّادِس: عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث. السَّابِع: أَبوهُ عبد الْوَارِث بن سعيد التنوري. الثَّامِن: عمرَان بن حُصَيْن. ذكر لطائف إِسْنَاده فِي طريقي الحَدِيث فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع والإخبار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السُّؤَال فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي ثمَّ انْتقل إِلَى نيسابور وَابْن بُرَيْدَة أَيْضا مروزي وَهُوَ قَاضِي مرو. وَفِيه: الْبَقِيَّة بصريون. وَفِيه: إسحاقان أَحدهمَا مَذْكُور بنسبته إِلَى أَبِيه وَالْآخر، بِلَا نِسْبَة. وَفِيه: حُسَيْن بِلَا نِسْبَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ، ذكر الأول بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَالثَّانِي بِالْألف وَاللَّام، وهما للمح الوصفية كَمَا فِي الْعَبَّاس، لِأَن الْأَعْلَام لَا يدْخل فِيهَا الْألف وَاللَّام. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي: وَحدثنَا إِسْحَاق: أخبرنَا عبد الصَّمد، هَكَذَا هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَزَاد إِسْحَاق أخبرنَا عبد الصَّمد. وَفِيه: حَدثنَا عمرَان بن حُصَيْن. وَفِيه: التَّصْرِيح بِسَمَاع عبد الله بن بُرَيْدَة عَن عمرَان. وَفِيه: اسْتغْنَاء عَن تكلّف ابْن حبَان فِيهِ حَيْثُ قَالَ فِي (صَحِيحه) : هَذَا إِسْنَاد قد توهم من لم يحكم صناعَة الْأَخْبَار وَلَا تفقه فِي صَحِيح الْآثَار أَنه مُنْفَصِل غير مُتَّصِل، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن عبد الله بن بُرَيْدَة ولد فِي السّنة الثَّالِثَة من خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَمَّا وَقعت فتْنَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خرج بُرَيْدَة بابنيه وهما: عبد الله وَسليمَان، وَسكن الْبَصْرَة، وَبهَا إِذْ ذَاك عمرَان بن حُصَيْن وَسمرَة بن جُنْدُب فَسمع مِنْهُمَا. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ عَن أبي معمر، وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِي الْبَاب الثَّانِي: عَن عَبْدَانِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا يحيى عَن حُسَيْن الْمعلم عَن عبد الله بن بريد (عَن عمرَان بن حُصَيْن: أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن صَلَاة الرجل قَاعِدا؟ فَقَالَ: (صلَاته قَائِما أفضل من صلَاته قَاعِدا، وَصلَاته قَاعِدا على النّصْف من صلَاته قَائِما، وَصلَاته نَائِما على النّصْف من صلَاته قَاعِدا) . حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي حَدثنَا وَكِيع عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن حُسَيْن الْمعلم عَن ابْن بُرَيْدَة (عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: كَانَ بِي الْبَاسُور، فَسَأَلت النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: صل قَائِما فَإِن لم تستطع فقاعدا، فَإِن لم تستطع فعلى الْجنب) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عَليّ بن حجر أخبرنَا عِيسَى بن يُونُس حَدثنَا الْحُسَيْن الْمعلم عَن عبد الله بن بُرَيْدَة (عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن صَلَاة الرجل وَهُوَ قَاعد؟ قَالَ: من صلاهَا قَائِما فَهُوَ أفضل، وَمن صلاهَا قَاعِدا فَلهُ نصف أجر الْقَائِم، وَمن صلاهَا نَائِما فَلهُ نصف أجر الْقَاعِد) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد روى هَذَا الحَدِيث عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد، إلاّ أَنه يَقُول: (عَن عمرَان بن حُصَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن صَلَاة الْمَرِيض؟ فَقَالَ: صل قَائِما، فَإِن لم تستطع فقاعدا، فَإِن لم تستطع فعلى جنب) . حَدثنَا بذلك هناد حَدثنَا وَكِيع عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن حُسَيْن الْمعلم بِهَذَا الحَدِيث. وَأخرجه النَّسَائِيّ: حَدثنَا حميد بن مسْعدَة عَن سُفْيَان وَهُوَ ابْن حبيب عَن حُسَيْن بن ذكْوَان الْمعلم عَن عبد الله ابْن بُرَيْدَة (عَن عمرَان بن حُصَيْن، قَالَ: سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن الَّذِي يُصَلِّي قَاعِدا؟ فَقَالَ: من صلى قَائِما فَهُوَ أفضل، وَمن صلى قَاعِدا فَلهُ نصف أجر الْقَائِم، وَمن صلى نَائِما فَلهُ نصف أجر الْقَاعِد) . وَأخرجه ابْن مَاجَه: حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن حُسَيْن الْمعلم عَن ابْن بُرَيْدَة (عَن عمرَان بن الْحصين، قَالَ: كَانَ بِي الْبَاسُور فَسَأَلت النَّبِي ﷺ عَن الصَّلَاة؟ فَقَالَ: صل قَائِما فَإِن لم تستطع فقاعدا فَإِن لم تستطع فعلى الْجنب) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَحدثنَا إِسْحَاق) ، هَكَذَا فِي هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَزَاد إِسْحَاق أخبرنَا عبد الصَّمد. قَوْله: (حَدثنَا عمرَان) ، يُصَرح بِسَمَاع عبد الله بن بُرَيْدَة عَن عمرَان، وَفِيه اكْتِفَاء عَن تكلّف ابْن حبَان فِي إِقَامَة

стр. 2028

الدَّلِيل على أَن عبد الله بن بُرَيْدَة عاصر عمرَان، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (وَكَانَ ميسورا) ، بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا سين مُهْملَة، أَي: كَانَ معلولاً بالباسور، وَهُوَ عِلّة تحدث فِي المقعدة. وَفِي (التَّلْوِيح) : الْبَاسُور، بِالْبَاء الْمُوَحدَة مثل: الناسور بالنُّون، وَهُوَ الْجرْح الفاذ، أعجمي، يُقَال: تنسر الْجرْح تنفض وانتشرت مدَّته، وَيُقَال: ناسور وناصور عربيان، وَهُوَ القرحة الْفَاسِدَة الْبَاطِن الَّتِي لَا تقبل الْبُرْء مَا دَامَ فِيهَا ذَلِك الْفساد، حَيْثُ كَانَت فِي الْبدن، فَأَما الْبَاسُور بِالْبَاء الْمُوَحدَة فَهُوَ ورم المقعدة وباطن الْأنف. قلت: الْبَاسُور وَاحِد البواسير، وَهُوَ فِي عرف الْأَطِبَّاء نفاطات تحدث على نفس المقعدة ينزل مِنْهَا كل وَقت مَادَّة. قَوْله: (قَاعِدا) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، (وَقَائِمًا) و (نَائِما) : أَحْوَال. قَوْله: (وَمن صلى نَائِما) بالنُّون من النّوم أَي: مُضْطَجعا على هَيْئَة النَّائِم، يدل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ : (فَإِن لم تستطع فعلى جنب) ، وَترْجم لَهُ النَّسَائِيّ: بَاب صَلَاة النَّائِم، وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا عبد الْوَهَّاب الْخفاف عَن سعيد عَن حُسَيْن الْمعلم، قَالَ: وَقد سمعته عَن حُسَيْن عَن عبد الله ابْن بُرَيْدَة (عَن عمرَان بن حُصَيْن، قَالَ: كنت رجلا ذَا أسقام كَثِيرَة، فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن صَلَاتي قَاعِدا؟ فَقَالَ: صَلَاتك قَاعِدا على النّصْف من صَلَاتك قَائِما، وَصَلَاة الرجل مُضْطَجعا على النّصْف من صلَاته قَاعِدا) انْتهى. هَذَا يُفَسر أَن معنى قَوْله: (نَائِما) بالنُّون يَعْنِي: مُضْطَجعا، وَأَنه فِي حق من بِهِ سقم بِدلَالَة قَوْله: (كنت رجلا ذَا أسقام كَثِيرَة) ، وَأَن ثَوَاب من يُصَلِّي قَاعِدا نصف ثَوَاب من يُصَلِّي قَائِما، وثواب من يُصَلِّي مُضْطَجعا نصف ثَوَاب من يُصَلِّي قَاعِدا. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَأما قَوْله: (وَمن صلى نَائِما فَلهُ نصف أجر الْقَاعِد) ، فَإِنِّي لَا أعلم أَنِّي سمعته إلاّ فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَا أحفظ من أحد من أهل الْعلم أَنه رخص فِي صَلَاة التَّطَوُّع نَائِما، كَمَا رخصوا فِيهَا قَاعِدا، فَإِن صحت هَذِه اللَّفْظَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَلم يكن من كَلَام بعض الروَاة أدرجه فِي الحَدِيث وقاسه على صَلَاة الْقَاعِد أَو اعْتَبرهُ بِصَلَاة الْمَرِيض نَائِما إِذا لم يقدر على الْقعُود، فَإِن التَّطَوُّع مُضْطَجعا للقادر على الْقعُود جَائِز، كَمَا يجوز أَيْضا للْمُسَافِر إِذا تطوع على رَاحِلَته، فَأَما من جِهَة الْقيَاس فَلَا يجوز لَهُ أَن يُصَلِّي مُضْطَجعا، كَمَا يجوز لَهُ أَن يُصَلِّي قَاعِدا، لِأَن الْقعُود شكل من أشكال الصَّلَاة وَلَيْسَ الِاضْطِجَاع فِي شَيْء من أشكال الصَّلَاة، وَادّعى ابْن بطال أَن الرِّوَايَة: (من صلى بإيماء) ، على أَنه جَار ومجرور وَأَن الْمَجْرُور مصدر: أَوْمَأ، قَالَ: وَقد غلط النَّسَائِيّ فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن وصحفه وَترْجم لَهُ: بَاب صَلَاة النَّائِم، فَظن أَن قَوْله، ﷺ : (من صلى بإيماء) ، إِنَّمَا هُوَ من صلى نَائِما. قَالَ: والغلط فِيهِ ظَاهر لِأَنَّهُ قد ثَبت عَن النَّبِي، ﷺ ، أَنه أَمر الْمُصَلِّي إِذا غَلبه النّوم أَن يقطع الصَّلَاة ثمَّ بَين ﷺ معنى ذَلِك، فَقَالَ: (لَعَلَّه لم يسْتَغْفر فيسب نَفسه) ، فَكيف يَأْمُرهُ بِقطع الصَّلَاة وَهِي مُبَاحَة لَهُ؟ وَله عَلَيْهَا نصف أجر الْقَاعِد؟ قَالَ: وَالصَّلَاة لَهَا ثَلَاثَة أَحْوَال: أَولهَا الْقيام، فَإِن عجز عَنهُ فالقعود، ثمَّ إِن عجز عَنهُ فالإيماء، وَلَيْسَ النّوم من أَحْوَال الصَّلَاة. انْتهى. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: أما نفي الْخطابِيّ وَابْن بطال للْخلاف فِي صِحَة التَّطَوُّع مُضْطَجعا للقادر فمردود، فَإِن فِي مَذْهَبنَا وَجْهَيْن: الْأَصَح مِنْهُمَا الصِّحَّة، وَعند الْمَالِكِيَّة فِيهِ ثَلَاثَة أوجه حَكَاهَا القَاضِي عِيَاض فِي (الْإِكْمَال) : أَحدهَا الْجَوَاز مُطلقًا فِي الاضطراار، وَالِاخْتِيَار للصحيح وَالْمَرِيض لظَاهِر الحَدِيث، وَهُوَ الَّذِي صدر بِهِ القَاضِي كَلَامه. وَالثَّانِي: مَنعه مُطلقًا لَهما، إِذْ لَيْسَ فِي هَيْئَة الصَّلَاة. وَالثَّالِث: إِجَازَته لعدم قُوَّة الْمَرِيض فَقَط، وَقد روى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ جَوَازه حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا ابْن أبي عدي عَن أَشْعَث بن عبد الْملك (عَن الْحسن، قَالَ: إِن شَاءَ الرجل صلى صَلَاة التَّطَوُّع قَائِما أَو جَالِسا أَو مُضْطَجعا) فَكيف يَدعِي مَعَ هَذَا الْخلاف الْقَدِيم والْحَدِيث الِاتِّفَاق؟ وَأما مَا ادَّعَاهُ ابْن بطال عَن النَّسَائِيّ من أَنه صحفه فَقَالَ: نَائِما، وَإِنَّمَا الرِّوَايَة: بإيماء، على الْجَار وَالْمَجْرُور، فَلَعَلَّ التَّصْحِيف من ابْن بطال: وَإِنَّمَا أَلْجَأَهُ إِلَى ذَلِك حمل قَوْله: (نَائِما) على النّوم حَقِيقَة الَّذِي أَمر الْمُصَلِّي إِذا وجده أَن يقطع الصَّلَاة، وَلَيْسَ المُرَاد هَهُنَا إلاّ الِاضْطِجَاع لمشابهته لهيئة النَّائِم، وَحكى القَاضِي عِيَاض فِي الْإِكْمَال) : أَن فِي بعض الرِّوَايَات: مُضْطَجعا، مَكَان: نَائِما، وَبِه فسره أَحْمد بن خَالِد الْوَهْبِي، فَقَالَ: نَائِما، يَعْنِي: مُضْطَجعا. وَقَالَ شَيخنَا: وَبِه فسره البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) فَقَالَ، بعد إِيرَاده للْحَدِيث: قَالَ أَبُو عبد الله: نَائِما عِنْدِي مُضْطَجعا، وَقَالَ أَيْضا: وَقد بوب عَلَيْهِ النَّسَائِيّ: فضل صَلَاة الْقَاعِد على النَّائِم، وَلم أر فِيهِ: بَاب صَلَاة النَّائِم، كَمَا نَقله ابْن بطال. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث مَحْمُول عِنْد بعض أهل الْعلم على صَلَاة التَّطَوُّع قلت: كَذَلِك

стр. 2029

حمله أَصْحَابنَا على صَلَاة النَّفْل حَتَّى استدلوا بِهِ فِي جَوَاز صَلَاة النَّفْل قَاعِدا مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام، وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَتصلي النَّافِلَة قَاعِدا مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام لقَوْله ﷺ : (صَلَاة الْقَاعِد على النّصْف من صَلَاة الْقَائِم) ، وَحكي عَن الْبَاجِيّ من أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة أَنه حمله على الْمُصَلِّي فَرِيضَة لعذر أَو نَافِلَة لعذر أَو لغير عذر، وَقيل: فِي حَدِيث عمرَان حجَّة على أبي حنيفَة من أَنه إِذا عجز عَن الْقعُود سَقَطت الصَّلَاة، حَكَاهُ الْغَزالِيّ عَن أبي حنيفَة فِي (الْوَسِيط) قلت: هَذَا لم يَصح وَلم ينْقل هَذَا أحد من أَصْحَابنَا عَن أبي حنيفَة، وَلِهَذَا قَالَ لرافعي: لَكِن هَذَا النَّقْل لَا يكَاد يلفي فِي كتبهمْ وَلَا فِي كتب أَصْحَابنَا، وَإِنَّمَا الثَّابِت عَن أبي حنيفَة إِسْقَاط الصَّلَاة إِذا عجز عَن الْإِيمَاء بِالرَّأْسِ، وَاسْتدلَّ بِحَدِيث عمرَان من قَالَ: لَا ينْتَقل الْمَرِيض بعد الْعَجز عَن الصَّلَاة على الْجنب والإيماء بِالرَّأْسِ إِلَى فرض آخر من الْإِيمَاء بالطرف، وَحكي ذَلِك عَن أبي حنيفَة وَمَالك إلاّ أَنَّهُمَا اخْتلفَا، فَأَبُو حنيفَة يَقُول: يقْضِي بعد الْبُرْء، وَمَالك يَقُول: لَا قَضَاء عَلَيْهِ. وَحكى صَاحب (الْبَيَان) عَن بعض الشَّافِعِيَّة وَجها مثل مَذْهَب أبي حنيفَة وَقَالَ جُمْهُور الشَّافِعِيَّة: إِن عجز عَن الْإِشَارَة بِالرَّأْسِ أَوْمَأ بطرفه، فَإِن لم يقدر على تَحْرِيك الأجفان أجْرى أَفعَال الصَّلَاة على لِسَانه، فَإِن اعتقل لِسَانه أجْرى الْقُرْآن والأذكار على قلبه، وَمَا دَامَ عَاقِلا لَا تسْقط عَنهُ الصَّلَاة، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ فِي هَذَا الحَدِيث: (من صلى جَالِسا فَلهُ نصف أجر الْقَائِم) . قَالَ: هَذَا للصحيح وَلمن لَيْسَ لَهُ عذر، فَأَما من كَانَ لَهُ عذر من مرض أَو غَيره فصلى جَالِسا فَلهُ مثل أجر الْقَائِم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِذا صلى قَاعِدا صَلَاة النَّفْل مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام فَهَذَا لَهُ نصف ثَوَاب الْقَائِم، وَأما إِذا صلى النَّفْل قَاعِدا لعَجزه عَن الْقيام فَلَا ينقص ثَوَابه، بل يكون ثَوَابه كثوابه قَائِما، وَأما الْفَرْض فَإِن صلَاته قَاعِدا مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام لَا تصح، فضلا عَن الثَّوَاب. وَإِن صلى قَاعِدا لعَجزه عَن الْقيام أَو مُضْطَجعا لعَجزه عَن الْقعُود، فثوابه كثوابه قَائِما لَا ينقص. وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) رَحمَه الله تَعَالَى: إِذا صلى الْفَرْض قَاعِدا مَعَ قدرته على الْقيام لَا يَصح، وَقَالَ أَصْحَابنَا وَفِيه: وَإِن استحله يكفر، وَجَرت عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُرْتَدين، كَمَا لَو اسْتحلَّ الزِّنَا أَو الرِّبَا أَو غَيره من الْمُحرمَات الشائعة التَّحْرِيم، وَالله المتعال وَإِلَيْهِ الْمَآل. ٨١ - (بابُ صَلَاةِ القَاعِدِ بِالإيمَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَلَاة الْقَاعِد بِالْإِيمَاءِ. ٦١١١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَر قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ أنَّ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ وكانَ رَجُلاً مَيْسُورا. وَقَالَ أبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً عنْ عِمْرَانَ. قَالَ سألْتُ النبيَّ ﷺ عنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهْوَ قاعِدٌ فَقَالَ منْ صَلَّى قائِما فَهْوَ أفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قاعِدا فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القَائِمِ ومَنْ صَلَّى نائِما فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القَاعِدِ. (أنظر الحَدِيث ٥١١١ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّائِم لَا يقدر على الْإِتْيَان بالأفعال، فَلَا بُد فِيهَا من الْإِشَارَة إِلَيْهَا فالنوم بِمَعْنى الِاضْطِجَاع كِنَايَة عَنْهَا. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: ترْجم البُخَارِيّ بِصَلَاة الْقَاعِد بِالْإِيمَاءِ وَلم يَقع فِي الحَدِيث إلاّ ذكر النّوم، فَكَأَنَّهُ صحف نَائِما من النّوم، فَظَنهُ بإيماء الَّذِي هُوَ مصدر أَوْمَأ، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يصحف لِأَنَّهُ وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا عقيب حَدِيث الْبَاب. قَالَ أبُو عَبْدِ الله نائِما عِنْدِي مُضْطَجِعا هاهُنَا قَالَ أَبُو عبد الله يَعْنِي: البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (نَائِما عِنْدِي) أَي: (مُضْطَجعا) وَزعم ابْن التِّين أَن فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ (وَمن صلى بإيماء) ، فَلذَلِك بوب البُخَارِيّ: بَاب صَلَاة الْقَاعِد بِالْإِيمَاءِ. قلت: إِن صحت هَذِه الرِّوَايَة فالمطابقة بَين الحَدِيث والترجمة ظَاهِرَة جدا فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّكَلُّف الْمَذْكُور، وَالْكَلَام فِيهِ قد مر. قَوْله: (وَهُوَ قَاعد) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَقَائِمًا ونائما أَحْوَال.

стр. 2030

٩١ - (بابٌ إِذا لَمْ يُطِقْ قَاعِدا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم يطق الْمُصَلِّي أَن يُصَلِّي قَاعِدا صلى على جنب. وَقَالَ عَطَاءٌ إنْ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَتَحَوَّلَ إلَى القِبْلَةِ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْعَاجِز عَن أَدَاء فرض ينْتَقل إِلَى فرض دونه، وَلَا يتْرك، بَيَان ذَلِك أَن التَّرْجَمَة تدل على أَن الْمُصَلِّي إِذا عجز عَن الصَّلَاة قَاعِدا يُصَلِّي على جنبه، والأثر يدل على أَنه إِذا عجز عَن التَّحَوُّل إِلَى الْقبْلَة يُصَلِّي إِلَى أَي جِهَة كَانَ وَجهه، وَأثر عَطاء بن أبي رَبَاح هَذَا وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَنهُ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حجَّة على من زعم أَن الْعَاجِز عَن الْقعُود فِي الصَّلَاة سَقَطت عَنهُ الصَّلَاة، وَقد حَكَاهُ الْغَزالِيّ عَن أبي حنيفَة قلت: لَيْسَ هَذَا بِأول مَا قَالَ الْغَزالِيّ فِي أبي حنيفَة، وَهُوَ غير صَحِيح، وَلَا هُوَ مَنْقُول عَن أبي حنيفَة، وَقد مر هَذَا عَن قريب. ٧١١١ - حدَّثنا عَبْدَانُ عنْ عَبْدِ الله بنِ المُبَارَكِ عنْ إبْرَاهِيمَ بنِ طَهْمَان قَالَ حدَّثني الحُسَيْنُ المُكْتِبُ عنِ ابنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَتْ بِي بَوَاسِيرْ فسألْتُ النبيَّ ﷺ عنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ صَلِّ قائِما فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدا فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ. (أنظر الحَدِيث ٥١١١ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ الطَّرِيق الثَّالِث لحَدِيث عمرَان، كَمَا ذكرنَا، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وعبدان لقب عبد الله ابْن عُثْمَان الْمروزِي. قَوْله: (عَن عبد الله بن الْمُبَارك) ، قد مر غير مرّة وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي. وَذكر ابْن الْمُبَارك، وَالْمَذْكُور هُوَ: عبد الله بِلَا نِسْبَة. قَوْله: (الْمكتب) ، اسْم فَاعل من التكتيب، وَهُوَ صفة الْحُسَيْن بن ذكْوَان، وَقد مر ذكره فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَلَكِن الْمَذْكُور هُنَاكَ: حُسَيْن الْمعلم، لِأَنَّهُ مَشْهُور بالمكتب، والمعلم وَابْن بُرَيْدَة هُوَ عبد الله، وَقد مر. قَوْله: (عَن الصَّلَاة) أَي: عَن صَلَاة الَّذِي بِهِ عِلّة، وَفِي رِوَايَة وَكِيع: (عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، سَأَلت عَن صَلَاة الْمَرِيض؟) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَغَيره. قَوْله: (فعلى جنب) ، أَي: فعلى جَنْبك، لِأَنَّهُ ﷺ خَاطب لعمران بقوله: (فَإِن لم تستطع) وَقَالَ أَولا فِي جَوَابه: (صل قَائِما) ، وَلَكِن لم يبين فِيهِ على أَي جنب، وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يتَنَاوَل الْجنب الْأَيْمن والأيسر، وَبِه جزم الرَّافِعِيّ، وَقَالَ: إلاّ أَنه لَو اضْطجع على جنبه الْأَيْسَر ترك السّنة، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (عَن النَّبِي ﷺ ، فَإِن لم يسْتَطع فعلى جنبه الْأَيْمن مُسْتَقْبل الْقبْلَة بِوَجْهِهِ) ، الحَدِيث، وَاسْتدلَّ بَعضهم على اسْتِحْبَاب كَونه على الْجنب الْأَيْمن بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : إِذا أتيت مضجعك فَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة ثمَّ اضْطجع على شقك الْأَيْمن، وَقل: اللَّهُمَّ أسلمت نَفسِي إِلَيْك. .) الحَدِيث. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀، وَفِي قَوْله: (فَإِن لم يسْتَطع فعلى جنبه) حجَّة لأصح الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا أَو الْقَوْلَيْنِ للشَّافِعِيّ أَنه: يضطجع على جنبه الْأَيْمن مُسْتَقْبل الْقبْلَة، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل، كَمَا يُوَجه الْمَيِّت فِي اللَّحْد، لقَوْله ﷺ فِي أثْنَاء حَدِيث الْبَيْت الْحَرَام: (قبلتكم أَحيَاء وأمواتا) . وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنه يستلقي على ظَهره وَيجْعَل رجلَيْهِ إِلَى الْقبْلَة ويومىء بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود إِلَى الْقبْلَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. وَفِي الْمَسْأَلَة. وَجه ثَالِث، حَكَاهُ الرَّافِعِيّ وَضَعفه، وَصفته: أَنه يضطجع على جنبه الْأَيْمن وأخمصاه إِلَى الْقبْلَة. قلت: اخْتلفت الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي الْقعُود إِذا عجز عَن الْقيام كَيفَ يقْعد؟ فروى مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة أَنه إِذا افْتتح الصَّلَاة يجلس كَيفَ مَا شَاءَ، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يتربع، وَإِذا ركع يفترش رجله الْيُسْرَى وَيجْلس عَلَيْهَا، وَعَن أبي يُوسُف أَنه يتربع فِي جَمِيع صلَاته، وَعَن زفر أَنه يفترش رجله الْيُسْرَى فِي جَمِيع صلَاته، وَالصَّحِيح رِوَايَة مُحَمَّد لِأَن عذر الْمَرَض يسْقط الْأَركان عَنهُ، فَلِأَن يسْقط عَنهُ الهيئات أولى، وَيجْعَل سُجُوده أَخفض من رُكُوعه، وَلَا يرفع إِلَى وَجهه شَيْئا يسْجد عَلَيْهِ، وَإِن فعل ذَلِك وَهُوَ يخْفض رَأسه أَجزَأَهُ، وَيكون مسيئا. وَفِي (الْيَنَابِيع) : إِن وجد مِنْهُ تَحْرِيك رَأسه يجوز وإلاّ لَا، ثمَّ اخْتلفُوا: هَل يعد هَذَا سجودا أَو إِيمَاء؟ قيل: هُوَ إِيمَاء وَهُوَ الْأَصَح، وَإِن لم يسْتَطع الْقعُود

стр. 2031

اسْتلْقى على ظَهره وَجعل رجلَيْهِ إِلَى الْقبْلَة، وَأَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود. وَقَالَ الشَّيْخ حميد الدّين الضريري، ﵀: تُوضَع وسَادَة تَحت رَأسه حَتَّى يكون شبه الْقَاعِد ليتَمَكَّن من الْإِيمَاء بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود. إِذْ حَقِيقَة الاستلقاء تمنع الأصحاء عَن الْإِيمَاء، فَكيف المرضى؟ وَاخْتلفت الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي كَيْفيَّة الاستلقاء، فَفِي ظَاهر الرِّوَايَة يُصَلِّي مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ وَرجلَاهُ إِلَى الْقبْلَة، وروى ابْن كاس عَنْهُم أَنه: يُصَلِّي على جنبه الْأَيْمن وَوَجهه إِلَى الْقبْلَة، فَإِن عجز عَن ذَلِك اسْتلْقى على قَفاهُ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَقَول مَالك وَأحمد كظاهر الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة. ٠٢ - (بابٌ إذَا صَلَّى قاعِدا ثُمَّ صَحَّ أوْ وَجَدَ خِفَّةً تَمَّمَ مَا بَقِيَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا صلى شخص قَاعِدا لأجل عَجزه عَن الْقيام ثمَّ صَحَّ فِي أثْنَاء صلَاته بِأَن حصلت لَهُ عَافِيَة أَو وجد خفَّة فِي مَرضه بِحَيْثُ إِنَّه قدر على الْقيام، تمم صلَاته وَلَا يسْتَأْنف فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَعم، من أَن تكون فِي الْفَرِيضَة أَو النَّفْل، لَا كَمَا قَالَه الْبَعْض: إِن قَوْله: ثمَّ صَحَّ، يتَعَلَّق بالفريضة، وَقَوله: أَو وجد خفَّة يتَعَلَّق بالنافلة، لِأَن هَذِه دَعْوَى بِلَا برهَان، لِأَن الَّذِي حمله على هَذَا لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لبَيَان أَن حكم الْفَرْض فِي هَذَا خلاف حكم النَّفْل، وَإِمَّا لأجل الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين حَدِيثي الْبَاب، فَإِن كَانَ الْوَجْه الأول فَلَيْسَ فِيهِ خلاف عِنْد الْجُمْهُور، مِنْهُم: أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف أَن الْمَرِيض إِذا صلى قَاعِدا ثمَّ صَحَّ أَو وجد قُوَّة مِقْدَار مَا يقوم بهَا على الْقيام فَإِنَّهُ يتم صلَاته قَائِما، خلافًا لمُحَمد بن الْحسن فَإِنَّهُ قَالَ: يسْتَأْنف صلَاته. فَإِن قلت: أَلَيْسَ هَذَا بِنَاء الْقوي على الضَّعِيف؟ قلت: لَا، لِأَن تحريمته لم تَنْعَقِد للْقِيَام لعدم الْقُدْرَة عَلَيْهِ وَقت الشُّرُوع فِي الصَّلَاة، وَإِن كَانَ الْوَجْه الثَّانِي فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّفْرِقَة لبَيَان وَجه الْمُطَابقَة بِأَن يُقَال: إِن الشق الثَّانِي من التَّرْجَمَة يُطَابق حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّهُ فِي النَّفْل، وَيُؤْخَذ مَا يتَعَلَّق بالشق الأول بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كُله تعسف، وَمَا أوقع الشُّرَّاح فِي هَذِه التعسفات إلاّ قَول ابْن بطال: إِن هَذِه التَّرْجَمَة تتَعَلَّق بالفريضة، وَحَدِيث عَائِشَة يتَعَلَّق بالنافلة، وَتَقْيِيد ابْن بطال الْمُطلق بِلَا دَلِيل تحكم، بل التَّرْجَمَة على عمومها، وَإِن كَانَ حَدِيث الْبَاب فِي النَّفْل، لأَنا قد ذكرنَا غير مرّة أَن أدنى شَيْء يلائم بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث كَاف، بَيَان ذَلِك أَن الْقيام فِي حق المتنفل غير متأكد، وَله أَن يتْركهُ من غير عذر، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا روته عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أَنه، ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَويلا قَائِما وَلَيْلَة طَوِيلَة قَاعِدا) ، رَوَاهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة، وَفِي حق الْمَرِيض الْعَاجِز عَن الْقيام يكون كَذَلِك لِأَن تحريمته لَا تَنْعَقِد لذَلِك، كَمَا ذكرنَا، فَيكون المتنفل والمفترض الْعَاجِز سَوَاء فِي ذَلِك، فتتناولهما التَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَقَالَ الحسَنُ إنْ شاءَ المَرِيضُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قاعِدا ورَكْعَتَيْنِ قائِما الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، قَالَ بَعضهم: وَهَذَا الْأَثر وَصله ابْن أبي شيبَة بِمَعْنَاهُ قلت: الَّذِي ذكره ابْن أبي شيبَة لَيْسَ بِمَعْنَاهُ وَلَا قَرِيبا مِنْهُ لِأَنَّهُ قَالَ: حَدثنَا هشيم عَن مُغيرَة وَعَن يُونُس عَن الْحسن (أَنَّهُمَا قَالَا: يُصَلِّي الْمَرِيض على الْحَالة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا) انْتهى. وَمَعْنَاهُ: إِن كَانَ عَاجِزا عَن الْقيام يُصَلِّي قَاعِدا، وَإِن كَانَ عَاجِزا عَن الْقعُود يُصَلِّي على جنبه، كَمَا فِي الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ عَن عمرَان، وحالته لَا تَخْلُو عَن ذَلِك، وَالَّذِي ذكره البُخَارِيّ عَنهُ هُوَ، أَن: يُصَلِّي الْمَرِيض إِن شَاءَ رَكْعَتَيْنِ قَاعِدا وَرَكْعَتَيْنِ قَائِما، فَالَّذِي يظْهر مِنْهُ أَنه إِذا صلى رَكْعَتَيْنِ قَاعِدا لعَجزه عَن الْقيام، ثمَّ قدر على الْقيام يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَقِيَتَا قَائِما، وَلَا يسْتَأْنف صلَاته. فَحِينَئِذٍ تظهر الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين هَذَا الْأَثر. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق، يَعْنِي الَّذِي ذكره عَن الْحسن، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه) : عَن مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا ابْن أبي عدي عَن أَشْعَث بن عبد الْملك عَن الْحسن: إِن شَاءَ الرجل صلى صَلَاة التَّطَوُّع قَائِما وجالسا ومضطجعا. انْتهى. قلت: هَذَا أَيْضا غير قريب مِمَّا ذكره البُخَارِيّ، وَلَا يخفى ذَلِك على المتأمل. ٨١١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا أخْبَرَتْهُ أنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قاعِدا قَط

стр. 2032

حَتَّى أسَنَّ فَكَانَ يَقْرأ قاعِدا حَتَّى إذَا أرَادَ أنْ يَرْكَعَ قامَ فَقَرَأَ نَحْوا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أوْ أرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ.. وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة، والْحَدِيث قد ذَكرْنَاهُ، والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد: حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس حَدثنَا زُهَيْر حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ، يقْرَأ فِي شَيْء من صَلَاة اللَّيْل جَالِسا قطّ، حَتَّى دخل فِي السن، فَكَانَ يجلس فَيقْرَأ حَتَّى إِذا بَقِي أَرْبَعُونَ أَو ثَلَاثُونَ آيَة قَامَ فقرأها ثمَّ سجد) . وَقد رُوِيَ عَن عَائِشَة: صَلَاة النَّبِي ﷺ جَالِسا فِي التَّطَوُّع جمَاعَة آخَرُونَ من التَّابِعين. مِنْهُم: الْأسود بن يزِيد، أخرج حَدِيثه النَّسَائِيّ من رِوَايَة عمر بن أبي زَائِدَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأسود (عَن عَائِشَة، قَالَت: مَا كَانَ النَّبِي ﷺ يمْتَنع من وَجْهي وَهُوَ صَائِم، وَمَا مَاتَ حَتَّى كَانَ أَكثر صلَاته قَاعِدا) . وروى مُسلم من رِوَايَة عبد الله بن عُرْوَة عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة قَالَت: لما بدن رَسُول الله ﷺ وَثقل كَانَ أَكثر صلَاته جَالِسا) . وَمِنْهُم: عَلْقَمَة بن وَقاص، أخرج حَدِيثه مُسلم بِلَفْظ: قلت لعَائِشَة: كَيفَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يصنع فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس؟ قَالَت: كَانَ يقْرَأ فيهمَا، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع قَامَ فَرَكَعَ) . وَمِنْهُم: عمْرَة، أخرج حَدِيثهَا مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي بكر بن مُحَمَّد عَن عمر (عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ وَهُوَ قَاعد، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع قَامَ قدر مَا يقْرَأ الْإِنْسَان أَرْبَعِينَ آيَة) . قَوْله: (صَلَاة اللَّيْل) ، قيدت عَائِشَة بهَا لتخرج الْفَرِيضَة. قَوْله: (حَتَّى أسن) أَي: حَتَّى دخل فِي السن، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا قيدت بقولِهَا: (حَتَّى أسن) ليعلم إِنَّه إِنَّمَا فعل ذَلِك إبْقَاء على نَفسه ليستديم الصَّلَاة، وأفادت أَنه كَانَ يديم الْقيام، وَإنَّهُ كَانَ لَا يجلس عَمَّا يطيقه من ذَلِك. قَوْله: (أَو أَرْبَعِينَ) يحْتَمل أَن يكون هَذَا شكا من الرَّاوِي، وَأَن عَائِشَة قَالَت أحد الْأَمريْنِ: وَيحْتَمل أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ذكرت الْأَمريْنِ مَعًا من الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ بِحَسب وُقُوع ذَلِك مِنْهُ، مرّة كَذَا وَمرَّة كَذَا، أَو بِحَسب طول الْآيَات وقصرها. وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: جَوَاز الرَّكْعَة الْوَاحِدَة بَعْضهَا من قيام وَبَعضهَا من قعُود، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَعَامة الْعلمَاء، وَسَوَاء فِي ذَلِك: قَامَ ثمَّ قعد أَو قعد ثمَّ قَامَ، وَمنعه بعض السّلف وَهُوَ غلط، وَلَو نوى الْقيام ثمَّ أَرَادَ أَن يجلس جَازَ عِنْد الْجُمْهُور، وَجوزهُ من الْمَالِكِيَّة: ابْن الْقَاسِم، وَمنعه أَشهب. وَمِنْهَا: تَطْوِيل الْقِرَاءَة فِي صَلَاة اللَّيْل، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَن تَطْوِيل الْقيام أفضل من تَكْثِير الرُّكُوع وَالسُّجُود مَعَ تَقْصِير الْقِرَاءَة، وَكَذَا عندنَا: تَطْوِيل الْقِرَاءَة أفضل من كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: إِن كَانَ لَهُ ورد من اللَّيْل فَالْأَفْضَل أَن يكثر عدد الرَّكْعَات، وإلاّ فطول الْقيام أفضل، وَقَالَ مُحَمَّد: كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود أفضل لقَوْله ﷺ : (عَلَيْك بِكَثْرَة السُّجُود) . وَمِنْهَا: جَوَاز صَلَاة النَّافِلَة قَاعِدا مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام، وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ. ٩١١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ وَأبِي النضْرِ مَوْلَى عُمعرَ بنِ عُبَيْدِ الله عنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الراحْمانِ عنْ عائِشَةَ أمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رسُولَ الله ﷺ كانَ يُصَلِّي جالِسا فَيَقْرَأ وَهْوَ جالِسٌ فإذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أوْ أرْبَعِينَ آيَة قامَ فَقَرَأهَا وَهْوَ قائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذالِكَ فإذَا قضَى صَلَاتَهُ نَظَرَ فإنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي وَإنْ كُنْتُ نائِمةً اضْطَجَعَ.. هَذَا طَرِيق آخر من حَدِيث عَائِشَة وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة المَخْزُومِي الْمدنِي الْأَعْوَر، وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم بن أبي أُميَّة الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، مر فِي بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، كِلَاهُمَا عَن مَالك، وَأخرجه

стр. 2033

التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ عَن معن عَن مَالك عَن أبي النَّضر وَحده بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة الْمرَادِي الْمصْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: عَن أَحْمد وَإِسْحَاق من أَن حَدِيثي عَائِشَة مَعْمُول بهما، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَبَقِيَّة الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم خلافًا لمن منع الِانْتِقَال من الْقيام إِلَى الْقعُود عِنْد عدم الضَّرُورَة لذَلِك، وَهُوَ غلط، كَمَا تقدم وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع أخبرنَا خَالِد وَهُوَ الْحذاء عَن عبد الله ابْن شَقِيق (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ: سَأَلتهَا عَن صَلَاة النَّبِي ﷺ عَن تطوعه؟ قَالَت: كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَويلا قَائِما وليلاً طَويلا قَاعِدا، فَإِذا قَرَأَ وَهُوَ قَائِم ركع وَسجد وَهُوَ قَائِم، وَإِذا قَرَأَ وَهُوَ جَالس ركع وَسجد وَهُوَ جَالس) . قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه بَقِيَّة السِّتَّة خلا البُخَارِيّ، فَرَوَاهُ مُسلم عَن يحيى بن يحيى وَأَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَفِي بعض النّسخ عَن أَحْمد بن منيع كِلَاهُمَا عَن هشيم، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد وَالنَّسَائِيّ عَن أبي الْأَشْعَث، كِلَاهُمَا عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن خَالِد الْحذاء، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة حميد الطَّوِيل، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث حَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ: حَدثنَا الْأنْصَارِيّ حَدثنَا معن حَدثنَا مَالك بن أنس عَن ابْن شهَاب عَن السَّائِب بن يزِيد عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة السَّهْمِي (عَن حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ صلى فِي سبحته قَاعِدا حَتَّى كَانَ قبل وَفَاته بعام، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي سبحته قَاعِدا وَيقْرَأ بالسورة ويرتلها حَتَّى تكون أطول من أطول مِنْهَا) . وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. فَإِن قلت: بَين حَدِيثي حَفْصَة وَعَائِشَة مُنَافَاة ظَاهرا؟ قلت: لَا، لِأَن قَول عَائِشَة: كَانَ يُصَلِّي جَالِسا، لَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون صلى جَالِسا قبل وَفَاته بِأَكْثَرَ من عَام، فَإِن كَانَ لَا يَقْتَضِي الدَّوَام بل وَلَا التّكْرَار على أحد قولي الْأُصُولِيِّينَ، وعَلى تَقْدِير أَن يكون صلى فِي تطوعه جَالِسا قبل وَفَاته بِأَكْثَرَ من عَام فَلَا يُنَافِي حَدِيث حَفْصَة، لِأَنَّهَا إِنَّمَا نفت رؤيتها، لَا وُقُوع ذَلِك جملَة وَفِي الْبَاب عَن أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرج حَدِيثهَا النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي إِسْحَاق السبيعِي (عَن أبي سَلمَة عَن أم سَلمَة قَالَت: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى كَانَ أَكثر صلَاته قَاعِدا إلاّ الْمَكْتُوبَة) . وَعَن أنس أخرج حَدِيثه أَبُو يعلى قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بكار حَدثنَا حَفْص بن عمر قَاضِي حلب حَدثنَا مُخْتَار بن فلفل (عَن أنس بن مَالك، أَن رَسُول الله ﷺ صلى على الأَرْض فِي الْمَكْتُوبَة قَاعِدا، وَقعد فِي التَّسْبِيح فِي الأَرْض فَأَوْمأ إِيمَاء) وَحَفْص بن عمر ضَعِيف، وَعَن جَابر ابْن سَمُرَة أخرج حَدِيثه مُسلم من رِوَايَة حسن بن صَالح عَن سماك بن حَرْب (عَن جَابر بن سَمُرَة: أَن النَّبِي ﷺ لم يمت حَتَّى صلى قَاعِدا) . قَالَ شَيخنَا زين الدّين: هَكَذَا أدخلهُ غير وَاحِد من المصنفين فِي: بَاب الرُّخْصَة فِي صَلَاة التَّطَوُّع جَالِسا، وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِك، فَلَعَلَّ جَابِرا أخبر عَن صلَاته وَهُوَ قَاعد للمرض، وَعَن عبد الله بن الشخير أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة زيد بن الْحباب عَن شَدَّاد بن سعيد عَن غيلَان بن جرير (عَن مطرف بن عبد الله بن الشخير عَن أَبِيه قَالَ: أتيت النَّبِي ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي قَائِما وَقَاعِدا وَهُوَ يقْرَأ ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ حَتَّى خَتمهَا. لَيست الْبَسْمَلَة مَذْكُور فِي رِوَايَة أبي ذَر. ٩١ - (كتابُ التَّهَجُّدِ) ١ - (بابُ التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني من اللَّيْل وَهُوَ أوفق للفظ الْقُرْآن، وَفِي بعض النّسخ: كتاب التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ. وَقَوْلُهُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ وَقَوله: بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله، دَاخل فِي التَّرْجَمَة، وَزَاد أَبُو ذَر فِي رِوَايَة: أسهر بِهِ، وَحَكَاهُ الطَّبَرِيّ كَذَلِك، وَفِي كتاب (الْمجَاز) لأبي عُبَيْدَة ﴿فتهجد بِهِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٧) . أَي: إسهر بِصَلَاة، يُقَال: تهجدت أَي سهرت، وهجدت أَي: نمت وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني عَن صَاحب (الْعين) : هجد الْقَوْم هجودا: نَامُوا، وتهجدوا أَي: استيقظوا للصَّلَاة أَو لأمر، قَالَ تَعَالَى: ﴿فتهجد بِهِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٧) . أَي: انتبه بعد النّوم، واقرأ الْقُرْآن، وَقَالَ قطرب: التَّهَجُّد، الْقيام، وَقَالَ كرَاع: التَّهَجُّد صَلَاة اللَّيْل خَاصَّة، وَعَن الْأَصْمَعِي: هجد يهجد هجودا: نَام،

стр. 2034

وَبَات متهجدا، أَي: ساهرا. وَفِي (مَعَاني الْقُرْآن) للزجاج: هجدته إِذا نومته، وَفِي (الْمُحكم) : هجد يهجد هجوا وأهجد نَام والهاجد والهجود الْمُصَلِّي بِاللَّيْلِ، وَالْجمع: هجود وهجد، وَفِي (الْجَامِع) : الهاجد النَّائِم وَقد يكون الساهر من الأضداد، فَأَما التَّهَجُّد فَأكْثر مَا يكون يسْتَعْمل فِي السهر، وَأكْثر النَّاس على أَن هجد: نَام. قَوْله: (نَافِلَة لَك) (الْإِسْرَاء: ٩٧) . النَّافِلَة الزِّيَادَة، وَذكر ابْن بطال عَن الْبَعْض: إِنَّمَا خص سيدنَا رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهَا كَانَت فَرِيضَة عَلَيْهِ، وَلغيره تطوع، وَمِنْهُم من قَالَ: بِأَن صَلَاة اللَّيْل كَانَت وَاجِبَة، ثمَّ نسخت فَصَارَت نَافِلَة، أَي: تَطَوّعا. وَذكر فِي كَونهَا نَافِلَة أَن الله تَعَالَى غفر لَهُ من ذنُوبه مَا تقدم وَمَا تَأَخّر، فَكل طَاعَة يَأْتِي بهَا سوى الْمَكْتُوبَة تكون زِيَادَة فِي كَثْرَة الثَّوَاب فَلهَذَا سمي نَافِلَة بِخِلَاف الْأمة فَإِن لَهُم ذنوبا محتاجة إِلَى الْكَفَّارَات، فَثَبت أَن هَذِه الطَّاعَات إِنَّمَا تكون زَوَائِد ونوافل فِي حق سيدنَا رَسُول الله ﷺ لَا فِي حق غَيره، وَأما الَّذين قَالُوا: إِن صَلَاة اللَّيْل كَانَت وَاجِبَة عَلَيْهِ قَالُوا: معنى كَونهَا نَافِلَة على التَّخْصِيص أَي: أَنَّهَا فَرِيضَة لَك زَائِدَة على الصَّلَوَات الْخمس، خصصت بهَا من بَين أمتك وَذكر بعض السّلف أَنه يجب على الْأمة قيام اللَّيْل مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم، وَلَو قدر حلب شَاة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا غلط ومردود، وَقيام اللَّيْل أَمر مَنْدُوب إِلَيْهِ وَسنة متأكدة. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فِي (صَحِيح مُسلم) : (أفضل الصَّلَاة بعد الْمَكْتُوبَة صَلَاة اللَّيْل، فَإِن قسمت اللَّيْل نِصْفَيْنِ فالنصف الآخر أفضل. وَإِن قسمته أَثلَاثًا. فالأوسط أفضلهَا) . وَأفضل مِنْهُ صَلَاة السُّدس الرَّابِع وَالْخَامِس لحَدِيث ابْن عَمْرو فِي صَلَاة دَاوُد ﷺ ، وَيكرهُ أَن يقوم كل اللَّيْل لقَوْله ﷺ لعبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (بَلغنِي أَنَّك تقوم اللَّيْل؟ قلت: نعم، قَالَ: لكني أُصَلِّي وأنام، فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني) . فَإِن قيل: مَا الْفرق بَينه وَبَين صَوْم الدَّهْر غير أَيَّام النَّهْي فَإِنَّهُ لَا يكره عِنْد الشَّافِعِيَّة؟ قيل لَهُ: صَلَاة كل اللَّيْل تضر بِالْعينِ وَسَائِر الْبدن بِخِلَاف الصَّوْم فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي فِي اللَّيْل مَا فَاتَهُ من أكل النَّهَار، وَلَا يُمكنهُ نوم النَّهَار إِذا صلى اللَّيْل كُله لما فِيهِ من تَفْوِيت مصَالح دُنْيَاهُ وَعِيَاله، وَأما بعض اللَّيَالِي فَلَا يكره إحياؤها مثل الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان وليلتي الْعِيد. ٠٢١١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ أبِي مُسْلِمٍ عنْ طَاوُوسٍ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ إذَا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أنْتَ قَيِّمُ السَّماواتِ والأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّماواتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الحَمْدُ نُورُ السَّماوات وَالأرضِ ولَكَ الحَمْدُ وَوَعْدُكَ الحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وقولك حق وَالْجنَّة حق وَالنَّار حق والنبيون حق ومحمَّدٌ ﷺ حَقٌّ والسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْكَ أنَبْتُ وبِكَ خاصَمْتُ وإلَيْكَ حاكَمْتُ فاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ أنْتَ المُقَدِّمُ وَأنْتَ المُؤَخِّرُ لَا إلَهَ إلَاّ أنْتَ أوْ لَا إلاهَ غَيْرَكَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ من جملَة التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن أبي مُسلم الْمَكِّيّ الْأَحول عبد الله خَال ابْن أبي نجيح، وَأَبُو مُسلم يُقَال اسْمه: عبد الله. الرَّابِع: طَاوُوس بن كيسَان الْيَمَانِيّ. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.، وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وسُفْيَان وَسليمَان مكيان وطاووس يماني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَفِي التَّوْحِيد عَن ثَابت بن مُحَمَّد مرَّتَيْنِ وَعَن قبيصَة بن عقبَة كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَعَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، كِلَاهُمَا عَن ابْن جريج عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو النَّاقِد وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَابْن أبي عمر ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ وَعَن مُحَمَّد

стр. 2035

ابْن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَفِي (النعوت) عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ، وَفِي (النعوت) أَيْضا عَن مَحْمُود بن غيلَان وَعبد الْأَعْلَى بن وَاصل بن عبد الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن آدم عَن الثَّوْريّ بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن هِشَام بن عمار وَأبي بكر بن خلاف فرقهما، كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا قَامَ من اللَّيْل يتهجد) ، وَفِي رِوَايَة مَالك عَن أبي الزبير عَن طَاوُوس: (إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة من جَوف اللَّيْل يتهجد) ، وَظَاهر الْكَلَام أَنه كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء أول مَا يَقُول إِلَى الصَّلَاة، ويخلص الثَّنَاء على الله تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهله وَالْإِقْرَار بوعده ووعيده، وَفِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس حِين بَات عِنْد مَيْمُونَة أَنه ﷺ لما اسْتَيْقَظَ تَلا الْعشْر الْآيَات من آخر آل عمرَان، فَبلغ مَا شهده أَو بلغه، وَقد يكون كُله فِي وَقت وَاحِد، وَسكت هُوَ عَنهُ أَو نَسيَه النَّاقِل. قَوْله: (اللَّهُمَّ) أَصله: يَا الله، قَوْله: (أَنْت قيم السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، وَفِي بعض النّسخ: (أللهم لَك الْحَمد قيم السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، بِدُونِ لَفْظَة: أَنْت، وَلكنه مُقَدّر فِي صُورَة الْحَذف، لِأَن قيم السَّمَوَات وَالْأَرْض مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَهُوَ: أَنْت، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير الْمَذْكُور: (أَنْت قيام السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، والقيم وَالْقِيَام والقيوم بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ الدَّائِم الْقيام بتدبير الْخلق الْمُعْطِي لَهُ مَا بِهِ قوامه، أَو الْقَائِم بِنَفسِهِ الْمُقِيم لغيره، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء الْقيام والقيم، وَقيل: قَرَأَ بهما عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: القيوم هُوَ الَّذِي لَا يَزُول وَقيل هُوَ الْقَائِم على كل نفس، وَمَعْنَاهُ مُدبر أمرهَا، وَقيل: قيام على الْمُبَالغَة من قَامَ بالشَّيْء إِذا هيأ لَهُ جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَقيل: قيم السَّمَوَات وَالْأَرْض خالقهما وممسكهما أَن تَزُولَا، وَقَرَأَ عَلْقَمَة ﴿الْحَيّ الْقيم﴾ وَأَصله: قيوم، على وزن: فيعل، مثل: صيب أَصله: صيوب، اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ، فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أصل القيوم القيووم، فَلَمَّا اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو، وَالسَّابِق سَاكن جعلتا: يَاء، مُشَدّدَة وأصل: الْقيام القوام، قَالَ الْفراء وَأهل الْحجاز: يصرفون الفعال إِلَى الفيعال، يَقُولُونَ للصواغ: صياغ. قَالَه الْأَنْبَارِي فِي (الْكتاب الزَّاهِر) ، وَقَالَ قَتَادَة: معنى الْقيم الْقَائِم على خلقه بآجالهم وأعمالهم وأرزاقهم، وَقَالَ الْكَلْبِيّ:) هُوَ الَّذِي لَا بديل لَهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: القيوم الْقَائِم على الْأَشْيَاء. قَوْله: (أَنْت نور السَّمَوَات وَالْأَرْض) أَي: منورهما وقرىء ﴿الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ (النُّور: ٥٣) . على صِيغَة الْمَاضِي من التَّنْوِير، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هادىء أهلهما. وَقيل: منزه فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض من كل عيب ومبرأ من كل رِيبَة، وَقيل: هُوَ اسْم مدح، يُقَال: فلَان نور الْبَلَد وشمس الزَّمَان. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: مزين السَّمَوَات بالشمس وَالْقَمَر والنجوم، ومزين الأَرْض بالأنبياء وَالْعُلَمَاء والأولياء. وَقَالَ ابْن بطال: (أَنْت نور السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ) ، أَي: بنورك يَهْتَدِي من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقيل: مَعْنَاهُ ذُو نور السَّمَوَات وَالْأَرْض. قَوْله: (أَنْت ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (لَك ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض) . قَوْله: (أَنْت الْحق) ، مَعْنَاهُ: المتحقق وجوده، وكل شَيْء صَحَّ وجوده وَتحقّق فَهُوَ حق، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿الحاقة﴾ (الحاقة: ٠١) . أَي: الكائنة حَقًا بِغَيْر شكّ، وَهَذَا الْوَصْف لله تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ والخصوصية وَلَا يَنْبَغِي لغيره، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: أَنْت الْحق بِالنِّسْبَةِ إِلَى من يَدعِي فِيهِ أَنه إِلَه، أَو بِمَعْنى: أَن من سماك إل هَا فقد قَالَ الْحق، وَإِنَّمَا عرف الْحق فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وهما: (أَنْت الْحق وَوَعدك الْحق) ، ونكر فِي الْبَوَاقِي لِأَن الْمسَافَة بَين الْمُعَرّف بِاللَّامِ الجنسية والنكرة قريبَة: بل صَرَّحُوا بِأَن مؤداهما وَاحِد لَا فرق إلَاّ بِأَن فِي الْمعرفَة إِشَارَة إِلَى أَن الْمَاهِيّة الَّتِي دخل عَلَيْهَا اللَّام مَعْلُومَة للسامع، وَفِي النكرَة لَا إِشَارَة إِلَيْهِ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: عرفهما للحصر لِأَن الله هُوَ الْحق الثَّابِت الْبَاقِي وَمَا سواهُ فِي معرض الزَّوَال، وَكَذَا وعده مُخْتَصّ بالإنجاز دون وعد غَيره، والتنكير فِي الْبَوَاقِي للتعظيم. قَوْله: (وَوَعدك الْحق) الْوَعْد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْخَيْر وَالشَّر كِلَاهُمَا، وَالْخَيْر أَو الشَّرّ خَاصَّة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر﴾ (الْبَقَرَة: ٨٦٢) . وَلَيْسَ فِي وعد الله خلف، فَلَا يخلف الميعاد ﴿وَيجْزِي الَّذين أساؤا بِمَا عمِلُوا﴾ (النَّجْم: ١٣) . إلاّ مَا تجَاوز عَنهُ: ﴿وَيجْزِي الَّذين احسنوا بِالْحُسْنَى﴾ (النَّجْم: ١٣) . وَقيل فِي قَوْله: ﴿إِن الله وَعدكُم وعد الْحق﴾ (ابراهيم: ٢٢) . أَي: وعد الْجنَّة من أطاعه ووعد النَّار من كفر بِهِ، وَيحْتَمل أَن يُرِيد: أَن وعده حق بِمَعْنى إِثْبَات أَنه قد وعد بالخق بِالْبَعْثِ والحشر وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب إنكارا لقَوْل من أنكر وعده بذلك، وَكذب الرُّسُل فِيمَا بلغوه من وعده ووعيده. قَوْله: (ولقاؤك حق) اللِّقَاء الْبَعْث أَو رُؤْيَة الله تَعَالَى، وَقيل: الْمَوْت، وَفِيه ضعف ورده النَّوَوِيّ. قَوْله: (وقولك حق) أَي: صدق وَعدل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: القَوْل يُوصف بِالصّدقِ وَالْكذب، يُقَال: قَول صدق أَو كذب، وَلِهَذَا قيل: الصدْق هُوَ بِالنّظرِ إِلَى القَوْل المطابق
следующие страницы →