← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

اسْتلْقى على ظَهره وَجعل رجلَيْهِ إِلَى الْقبْلَة، وَأَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود. وَقَالَ الشَّيْخ حميد الدّين الضريري، ﵀: تُوضَع وسَادَة تَحت رَأسه حَتَّى يكون شبه الْقَاعِد ليتَمَكَّن من الْإِيمَاء بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود. إِذْ حَقِيقَة الاستلقاء تمنع الأصحاء عَن الْإِيمَاء، فَكيف المرضى؟ وَاخْتلفت الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي كَيْفيَّة الاستلقاء، فَفِي ظَاهر الرِّوَايَة يُصَلِّي مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ وَرجلَاهُ إِلَى الْقبْلَة، وروى ابْن كاس عَنْهُم أَنه: يُصَلِّي على جنبه الْأَيْمن وَوَجهه إِلَى الْقبْلَة، فَإِن عجز عَن ذَلِك اسْتلْقى على قَفاهُ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَقَول مَالك وَأحمد كظاهر الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة. ٠٢ - (بابٌ إذَا صَلَّى قاعِدا ثُمَّ صَحَّ أوْ وَجَدَ خِفَّةً تَمَّمَ مَا بَقِيَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا صلى شخص قَاعِدا لأجل عَجزه عَن الْقيام ثمَّ صَحَّ فِي أثْنَاء صلَاته بِأَن حصلت لَهُ عَافِيَة أَو وجد خفَّة فِي مَرضه بِحَيْثُ إِنَّه قدر على الْقيام، تمم صلَاته وَلَا يسْتَأْنف فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَعم، من أَن تكون فِي الْفَرِيضَة أَو النَّفْل، لَا كَمَا قَالَه الْبَعْض: إِن قَوْله: ثمَّ صَحَّ، يتَعَلَّق بالفريضة، وَقَوله: أَو وجد خفَّة يتَعَلَّق بالنافلة، لِأَن هَذِه دَعْوَى بِلَا برهَان، لِأَن الَّذِي حمله على هَذَا لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لبَيَان أَن حكم الْفَرْض فِي هَذَا خلاف حكم النَّفْل، وَإِمَّا لأجل الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين حَدِيثي الْبَاب، فَإِن كَانَ الْوَجْه الأول فَلَيْسَ فِيهِ خلاف عِنْد الْجُمْهُور، مِنْهُم: أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف أَن الْمَرِيض إِذا صلى قَاعِدا ثمَّ صَحَّ أَو وجد قُوَّة مِقْدَار مَا يقوم بهَا على الْقيام فَإِنَّهُ يتم صلَاته قَائِما، خلافًا لمُحَمد بن الْحسن فَإِنَّهُ قَالَ: يسْتَأْنف صلَاته. فَإِن قلت: أَلَيْسَ هَذَا بِنَاء الْقوي على الضَّعِيف؟ قلت: لَا، لِأَن تحريمته لم تَنْعَقِد للْقِيَام لعدم الْقُدْرَة عَلَيْهِ وَقت الشُّرُوع فِي الصَّلَاة، وَإِن كَانَ الْوَجْه الثَّانِي فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّفْرِقَة لبَيَان وَجه الْمُطَابقَة بِأَن يُقَال: إِن الشق الثَّانِي من التَّرْجَمَة يُطَابق حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّهُ فِي النَّفْل، وَيُؤْخَذ مَا يتَعَلَّق بالشق الأول بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كُله تعسف، وَمَا أوقع الشُّرَّاح فِي هَذِه التعسفات إلاّ قَول ابْن بطال: إِن هَذِه التَّرْجَمَة تتَعَلَّق بالفريضة، وَحَدِيث عَائِشَة يتَعَلَّق بالنافلة، وَتَقْيِيد ابْن بطال الْمُطلق بِلَا دَلِيل تحكم، بل التَّرْجَمَة على عمومها، وَإِن كَانَ حَدِيث الْبَاب فِي النَّفْل، لأَنا قد ذكرنَا غير مرّة أَن أدنى شَيْء يلائم بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث كَاف، بَيَان ذَلِك أَن الْقيام فِي حق المتنفل غير متأكد، وَله أَن يتْركهُ من غير عذر، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا روته عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أَنه، ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَويلا قَائِما وَلَيْلَة طَوِيلَة قَاعِدا) ، رَوَاهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة، وَفِي حق الْمَرِيض الْعَاجِز عَن الْقيام يكون كَذَلِك لِأَن تحريمته لَا تَنْعَقِد لذَلِك، كَمَا ذكرنَا، فَيكون المتنفل والمفترض الْعَاجِز سَوَاء فِي ذَلِك، فتتناولهما التَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَقَالَ الحسَنُ إنْ شاءَ المَرِيضُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قاعِدا ورَكْعَتَيْنِ قائِما الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، قَالَ بَعضهم: وَهَذَا الْأَثر وَصله ابْن أبي شيبَة بِمَعْنَاهُ قلت: الَّذِي ذكره ابْن أبي شيبَة لَيْسَ بِمَعْنَاهُ وَلَا قَرِيبا مِنْهُ لِأَنَّهُ قَالَ: حَدثنَا هشيم عَن مُغيرَة وَعَن يُونُس عَن الْحسن (أَنَّهُمَا قَالَا: يُصَلِّي الْمَرِيض على الْحَالة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا) انْتهى. وَمَعْنَاهُ: إِن كَانَ عَاجِزا عَن الْقيام يُصَلِّي قَاعِدا، وَإِن كَانَ عَاجِزا عَن الْقعُود يُصَلِّي على جنبه، كَمَا فِي الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ عَن عمرَان، وحالته لَا تَخْلُو عَن ذَلِك، وَالَّذِي ذكره البُخَارِيّ عَنهُ هُوَ، أَن: يُصَلِّي الْمَرِيض إِن شَاءَ رَكْعَتَيْنِ قَاعِدا وَرَكْعَتَيْنِ قَائِما، فَالَّذِي يظْهر مِنْهُ أَنه إِذا صلى رَكْعَتَيْنِ قَاعِدا لعَجزه عَن الْقيام، ثمَّ قدر على الْقيام يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَقِيَتَا قَائِما، وَلَا يسْتَأْنف صلَاته. فَحِينَئِذٍ تظهر الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين هَذَا الْأَثر. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق، يَعْنِي الَّذِي ذكره عَن الْحسن، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه) : عَن مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا ابْن أبي عدي عَن أَشْعَث بن عبد الْملك عَن الْحسن: إِن شَاءَ الرجل صلى صَلَاة التَّطَوُّع قَائِما وجالسا ومضطجعا. انْتهى. قلت: هَذَا أَيْضا غير قريب مِمَّا ذكره البُخَارِيّ، وَلَا يخفى ذَلِك على المتأمل. ٨١١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا أخْبَرَتْهُ أنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قاعِدا قَط

стр. 2032

حَتَّى أسَنَّ فَكَانَ يَقْرأ قاعِدا حَتَّى إذَا أرَادَ أنْ يَرْكَعَ قامَ فَقَرَأَ نَحْوا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أوْ أرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ.. وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة، والْحَدِيث قد ذَكرْنَاهُ، والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد: حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس حَدثنَا زُهَيْر حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ، يقْرَأ فِي شَيْء من صَلَاة اللَّيْل جَالِسا قطّ، حَتَّى دخل فِي السن، فَكَانَ يجلس فَيقْرَأ حَتَّى إِذا بَقِي أَرْبَعُونَ أَو ثَلَاثُونَ آيَة قَامَ فقرأها ثمَّ سجد) . وَقد رُوِيَ عَن عَائِشَة: صَلَاة النَّبِي ﷺ جَالِسا فِي التَّطَوُّع جمَاعَة آخَرُونَ من التَّابِعين. مِنْهُم: الْأسود بن يزِيد، أخرج حَدِيثه النَّسَائِيّ من رِوَايَة عمر بن أبي زَائِدَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأسود (عَن عَائِشَة، قَالَت: مَا كَانَ النَّبِي ﷺ يمْتَنع من وَجْهي وَهُوَ صَائِم، وَمَا مَاتَ حَتَّى كَانَ أَكثر صلَاته قَاعِدا) . وروى مُسلم من رِوَايَة عبد الله بن عُرْوَة عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة قَالَت: لما بدن رَسُول الله ﷺ وَثقل كَانَ أَكثر صلَاته جَالِسا) . وَمِنْهُم: عَلْقَمَة بن وَقاص، أخرج حَدِيثه مُسلم بِلَفْظ: قلت لعَائِشَة: كَيفَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يصنع فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس؟ قَالَت: كَانَ يقْرَأ فيهمَا، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع قَامَ فَرَكَعَ) . وَمِنْهُم: عمْرَة، أخرج حَدِيثهَا مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي بكر بن مُحَمَّد عَن عمر (عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ وَهُوَ قَاعد، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع قَامَ قدر مَا يقْرَأ الْإِنْسَان أَرْبَعِينَ آيَة) . قَوْله: (صَلَاة اللَّيْل) ، قيدت عَائِشَة بهَا لتخرج الْفَرِيضَة. قَوْله: (حَتَّى أسن) أَي: حَتَّى دخل فِي السن، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا قيدت بقولِهَا: (حَتَّى أسن) ليعلم إِنَّه إِنَّمَا فعل ذَلِك إبْقَاء على نَفسه ليستديم الصَّلَاة، وأفادت أَنه كَانَ يديم الْقيام، وَإنَّهُ كَانَ لَا يجلس عَمَّا يطيقه من ذَلِك. قَوْله: (أَو أَرْبَعِينَ) يحْتَمل أَن يكون هَذَا شكا من الرَّاوِي، وَأَن عَائِشَة قَالَت أحد الْأَمريْنِ: وَيحْتَمل أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ذكرت الْأَمريْنِ مَعًا من الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ بِحَسب وُقُوع ذَلِك مِنْهُ، مرّة كَذَا وَمرَّة كَذَا، أَو بِحَسب طول الْآيَات وقصرها. وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: جَوَاز الرَّكْعَة الْوَاحِدَة بَعْضهَا من قيام وَبَعضهَا من قعُود، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَعَامة الْعلمَاء، وَسَوَاء فِي ذَلِك: قَامَ ثمَّ قعد أَو قعد ثمَّ قَامَ، وَمنعه بعض السّلف وَهُوَ غلط، وَلَو نوى الْقيام ثمَّ أَرَادَ أَن يجلس جَازَ عِنْد الْجُمْهُور، وَجوزهُ من الْمَالِكِيَّة: ابْن الْقَاسِم، وَمنعه أَشهب. وَمِنْهَا: تَطْوِيل الْقِرَاءَة فِي صَلَاة اللَّيْل، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَن تَطْوِيل الْقيام أفضل من تَكْثِير الرُّكُوع وَالسُّجُود مَعَ تَقْصِير الْقِرَاءَة، وَكَذَا عندنَا: تَطْوِيل الْقِرَاءَة أفضل من كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: إِن كَانَ لَهُ ورد من اللَّيْل فَالْأَفْضَل أَن يكثر عدد الرَّكْعَات، وإلاّ فطول الْقيام أفضل، وَقَالَ مُحَمَّد: كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود أفضل لقَوْله ﷺ : (عَلَيْك بِكَثْرَة السُّجُود) . وَمِنْهَا: جَوَاز صَلَاة النَّافِلَة قَاعِدا مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام، وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ. ٩١١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ وَأبِي النضْرِ مَوْلَى عُمعرَ بنِ عُبَيْدِ الله عنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الراحْمانِ عنْ عائِشَةَ أمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رسُولَ الله ﷺ كانَ يُصَلِّي جالِسا فَيَقْرَأ وَهْوَ جالِسٌ فإذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أوْ أرْبَعِينَ آيَة قامَ فَقَرَأهَا وَهْوَ قائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذالِكَ فإذَا قضَى صَلَاتَهُ نَظَرَ فإنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي وَإنْ كُنْتُ نائِمةً اضْطَجَعَ.. هَذَا طَرِيق آخر من حَدِيث عَائِشَة وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة المَخْزُومِي الْمدنِي الْأَعْوَر، وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم بن أبي أُميَّة الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، مر فِي بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، كِلَاهُمَا عَن مَالك، وَأخرجه

стр. 2033

التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ عَن معن عَن مَالك عَن أبي النَّضر وَحده بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة الْمرَادِي الْمصْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: عَن أَحْمد وَإِسْحَاق من أَن حَدِيثي عَائِشَة مَعْمُول بهما، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَبَقِيَّة الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم خلافًا لمن منع الِانْتِقَال من الْقيام إِلَى الْقعُود عِنْد عدم الضَّرُورَة لذَلِك، وَهُوَ غلط، كَمَا تقدم وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع أخبرنَا خَالِد وَهُوَ الْحذاء عَن عبد الله ابْن شَقِيق (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ: سَأَلتهَا عَن صَلَاة النَّبِي ﷺ عَن تطوعه؟ قَالَت: كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَويلا قَائِما وليلاً طَويلا قَاعِدا، فَإِذا قَرَأَ وَهُوَ قَائِم ركع وَسجد وَهُوَ قَائِم، وَإِذا قَرَأَ وَهُوَ جَالس ركع وَسجد وَهُوَ جَالس) . قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه بَقِيَّة السِّتَّة خلا البُخَارِيّ، فَرَوَاهُ مُسلم عَن يحيى بن يحيى وَأَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَفِي بعض النّسخ عَن أَحْمد بن منيع كِلَاهُمَا عَن هشيم، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد وَالنَّسَائِيّ عَن أبي الْأَشْعَث، كِلَاهُمَا عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن خَالِد الْحذاء، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة حميد الطَّوِيل، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث حَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ: حَدثنَا الْأنْصَارِيّ حَدثنَا معن حَدثنَا مَالك بن أنس عَن ابْن شهَاب عَن السَّائِب بن يزِيد عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة السَّهْمِي (عَن حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ صلى فِي سبحته قَاعِدا حَتَّى كَانَ قبل وَفَاته بعام، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي سبحته قَاعِدا وَيقْرَأ بالسورة ويرتلها حَتَّى تكون أطول من أطول مِنْهَا) . وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. فَإِن قلت: بَين حَدِيثي حَفْصَة وَعَائِشَة مُنَافَاة ظَاهرا؟ قلت: لَا، لِأَن قَول عَائِشَة: كَانَ يُصَلِّي جَالِسا، لَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون صلى جَالِسا قبل وَفَاته بِأَكْثَرَ من عَام، فَإِن كَانَ لَا يَقْتَضِي الدَّوَام بل وَلَا التّكْرَار على أحد قولي الْأُصُولِيِّينَ، وعَلى تَقْدِير أَن يكون صلى فِي تطوعه جَالِسا قبل وَفَاته بِأَكْثَرَ من عَام فَلَا يُنَافِي حَدِيث حَفْصَة، لِأَنَّهَا إِنَّمَا نفت رؤيتها، لَا وُقُوع ذَلِك جملَة وَفِي الْبَاب عَن أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرج حَدِيثهَا النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي إِسْحَاق السبيعِي (عَن أبي سَلمَة عَن أم سَلمَة قَالَت: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى كَانَ أَكثر صلَاته قَاعِدا إلاّ الْمَكْتُوبَة) . وَعَن أنس أخرج حَدِيثه أَبُو يعلى قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بكار حَدثنَا حَفْص بن عمر قَاضِي حلب حَدثنَا مُخْتَار بن فلفل (عَن أنس بن مَالك، أَن رَسُول الله ﷺ صلى على الأَرْض فِي الْمَكْتُوبَة قَاعِدا، وَقعد فِي التَّسْبِيح فِي الأَرْض فَأَوْمأ إِيمَاء) وَحَفْص بن عمر ضَعِيف، وَعَن جَابر ابْن سَمُرَة أخرج حَدِيثه مُسلم من رِوَايَة حسن بن صَالح عَن سماك بن حَرْب (عَن جَابر بن سَمُرَة: أَن النَّبِي ﷺ لم يمت حَتَّى صلى قَاعِدا) . قَالَ شَيخنَا زين الدّين: هَكَذَا أدخلهُ غير وَاحِد من المصنفين فِي: بَاب الرُّخْصَة فِي صَلَاة التَّطَوُّع جَالِسا، وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِك، فَلَعَلَّ جَابِرا أخبر عَن صلَاته وَهُوَ قَاعد للمرض، وَعَن عبد الله بن الشخير أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة زيد بن الْحباب عَن شَدَّاد بن سعيد عَن غيلَان بن جرير (عَن مطرف بن عبد الله بن الشخير عَن أَبِيه قَالَ: أتيت النَّبِي ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي قَائِما وَقَاعِدا وَهُوَ يقْرَأ ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ حَتَّى خَتمهَا. لَيست الْبَسْمَلَة مَذْكُور فِي رِوَايَة أبي ذَر. ٩١ - (كتابُ التَّهَجُّدِ) ١ - (بابُ التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني من اللَّيْل وَهُوَ أوفق للفظ الْقُرْآن، وَفِي بعض النّسخ: كتاب التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ. وَقَوْلُهُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ وَقَوله: بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله، دَاخل فِي التَّرْجَمَة، وَزَاد أَبُو ذَر فِي رِوَايَة: أسهر بِهِ، وَحَكَاهُ الطَّبَرِيّ كَذَلِك، وَفِي كتاب (الْمجَاز) لأبي عُبَيْدَة ﴿فتهجد بِهِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٧) . أَي: إسهر بِصَلَاة، يُقَال: تهجدت أَي سهرت، وهجدت أَي: نمت وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني عَن صَاحب (الْعين) : هجد الْقَوْم هجودا: نَامُوا، وتهجدوا أَي: استيقظوا للصَّلَاة أَو لأمر، قَالَ تَعَالَى: ﴿فتهجد بِهِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٧) . أَي: انتبه بعد النّوم، واقرأ الْقُرْآن، وَقَالَ قطرب: التَّهَجُّد، الْقيام، وَقَالَ كرَاع: التَّهَجُّد صَلَاة اللَّيْل خَاصَّة، وَعَن الْأَصْمَعِي: هجد يهجد هجودا: نَام،

стр. 2034

وَبَات متهجدا، أَي: ساهرا. وَفِي (مَعَاني الْقُرْآن) للزجاج: هجدته إِذا نومته، وَفِي (الْمُحكم) : هجد يهجد هجوا وأهجد نَام والهاجد والهجود الْمُصَلِّي بِاللَّيْلِ، وَالْجمع: هجود وهجد، وَفِي (الْجَامِع) : الهاجد النَّائِم وَقد يكون الساهر من الأضداد، فَأَما التَّهَجُّد فَأكْثر مَا يكون يسْتَعْمل فِي السهر، وَأكْثر النَّاس على أَن هجد: نَام. قَوْله: (نَافِلَة لَك) (الْإِسْرَاء: ٩٧) . النَّافِلَة الزِّيَادَة، وَذكر ابْن بطال عَن الْبَعْض: إِنَّمَا خص سيدنَا رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهَا كَانَت فَرِيضَة عَلَيْهِ، وَلغيره تطوع، وَمِنْهُم من قَالَ: بِأَن صَلَاة اللَّيْل كَانَت وَاجِبَة، ثمَّ نسخت فَصَارَت نَافِلَة، أَي: تَطَوّعا. وَذكر فِي كَونهَا نَافِلَة أَن الله تَعَالَى غفر لَهُ من ذنُوبه مَا تقدم وَمَا تَأَخّر، فَكل طَاعَة يَأْتِي بهَا سوى الْمَكْتُوبَة تكون زِيَادَة فِي كَثْرَة الثَّوَاب فَلهَذَا سمي نَافِلَة بِخِلَاف الْأمة فَإِن لَهُم ذنوبا محتاجة إِلَى الْكَفَّارَات، فَثَبت أَن هَذِه الطَّاعَات إِنَّمَا تكون زَوَائِد ونوافل فِي حق سيدنَا رَسُول الله ﷺ لَا فِي حق غَيره، وَأما الَّذين قَالُوا: إِن صَلَاة اللَّيْل كَانَت وَاجِبَة عَلَيْهِ قَالُوا: معنى كَونهَا نَافِلَة على التَّخْصِيص أَي: أَنَّهَا فَرِيضَة لَك زَائِدَة على الصَّلَوَات الْخمس، خصصت بهَا من بَين أمتك وَذكر بعض السّلف أَنه يجب على الْأمة قيام اللَّيْل مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم، وَلَو قدر حلب شَاة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا غلط ومردود، وَقيام اللَّيْل أَمر مَنْدُوب إِلَيْهِ وَسنة متأكدة. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فِي (صَحِيح مُسلم) : (أفضل الصَّلَاة بعد الْمَكْتُوبَة صَلَاة اللَّيْل، فَإِن قسمت اللَّيْل نِصْفَيْنِ فالنصف الآخر أفضل. وَإِن قسمته أَثلَاثًا. فالأوسط أفضلهَا) . وَأفضل مِنْهُ صَلَاة السُّدس الرَّابِع وَالْخَامِس لحَدِيث ابْن عَمْرو فِي صَلَاة دَاوُد ﷺ ، وَيكرهُ أَن يقوم كل اللَّيْل لقَوْله ﷺ لعبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (بَلغنِي أَنَّك تقوم اللَّيْل؟ قلت: نعم، قَالَ: لكني أُصَلِّي وأنام، فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني) . فَإِن قيل: مَا الْفرق بَينه وَبَين صَوْم الدَّهْر غير أَيَّام النَّهْي فَإِنَّهُ لَا يكره عِنْد الشَّافِعِيَّة؟ قيل لَهُ: صَلَاة كل اللَّيْل تضر بِالْعينِ وَسَائِر الْبدن بِخِلَاف الصَّوْم فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي فِي اللَّيْل مَا فَاتَهُ من أكل النَّهَار، وَلَا يُمكنهُ نوم النَّهَار إِذا صلى اللَّيْل كُله لما فِيهِ من تَفْوِيت مصَالح دُنْيَاهُ وَعِيَاله، وَأما بعض اللَّيَالِي فَلَا يكره إحياؤها مثل الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان وليلتي الْعِيد. ٠٢١١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ أبِي مُسْلِمٍ عنْ طَاوُوسٍ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ إذَا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أنْتَ قَيِّمُ السَّماواتِ والأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّماواتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الحَمْدُ نُورُ السَّماوات وَالأرضِ ولَكَ الحَمْدُ وَوَعْدُكَ الحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وقولك حق وَالْجنَّة حق وَالنَّار حق والنبيون حق ومحمَّدٌ ﷺ حَقٌّ والسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْكَ أنَبْتُ وبِكَ خاصَمْتُ وإلَيْكَ حاكَمْتُ فاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ أنْتَ المُقَدِّمُ وَأنْتَ المُؤَخِّرُ لَا إلَهَ إلَاّ أنْتَ أوْ لَا إلاهَ غَيْرَكَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ من جملَة التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن أبي مُسلم الْمَكِّيّ الْأَحول عبد الله خَال ابْن أبي نجيح، وَأَبُو مُسلم يُقَال اسْمه: عبد الله. الرَّابِع: طَاوُوس بن كيسَان الْيَمَانِيّ. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.، وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وسُفْيَان وَسليمَان مكيان وطاووس يماني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَفِي التَّوْحِيد عَن ثَابت بن مُحَمَّد مرَّتَيْنِ وَعَن قبيصَة بن عقبَة كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَعَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق، كِلَاهُمَا عَن ابْن جريج عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو النَّاقِد وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَابْن أبي عمر ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ وَعَن مُحَمَّد

стр. 2035

ابْن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَفِي (النعوت) عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ، وَفِي (النعوت) أَيْضا عَن مَحْمُود بن غيلَان وَعبد الْأَعْلَى بن وَاصل بن عبد الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن آدم عَن الثَّوْريّ بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن هِشَام بن عمار وَأبي بكر بن خلاف فرقهما، كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا قَامَ من اللَّيْل يتهجد) ، وَفِي رِوَايَة مَالك عَن أبي الزبير عَن طَاوُوس: (إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة من جَوف اللَّيْل يتهجد) ، وَظَاهر الْكَلَام أَنه كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء أول مَا يَقُول إِلَى الصَّلَاة، ويخلص الثَّنَاء على الله تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهله وَالْإِقْرَار بوعده ووعيده، وَفِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس حِين بَات عِنْد مَيْمُونَة أَنه ﷺ لما اسْتَيْقَظَ تَلا الْعشْر الْآيَات من آخر آل عمرَان، فَبلغ مَا شهده أَو بلغه، وَقد يكون كُله فِي وَقت وَاحِد، وَسكت هُوَ عَنهُ أَو نَسيَه النَّاقِل. قَوْله: (اللَّهُمَّ) أَصله: يَا الله، قَوْله: (أَنْت قيم السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، وَفِي بعض النّسخ: (أللهم لَك الْحَمد قيم السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، بِدُونِ لَفْظَة: أَنْت، وَلكنه مُقَدّر فِي صُورَة الْحَذف، لِأَن قيم السَّمَوَات وَالْأَرْض مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَهُوَ: أَنْت، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير الْمَذْكُور: (أَنْت قيام السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، والقيم وَالْقِيَام والقيوم بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ الدَّائِم الْقيام بتدبير الْخلق الْمُعْطِي لَهُ مَا بِهِ قوامه، أَو الْقَائِم بِنَفسِهِ الْمُقِيم لغيره، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء الْقيام والقيم، وَقيل: قَرَأَ بهما عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: القيوم هُوَ الَّذِي لَا يَزُول وَقيل هُوَ الْقَائِم على كل نفس، وَمَعْنَاهُ مُدبر أمرهَا، وَقيل: قيام على الْمُبَالغَة من قَامَ بالشَّيْء إِذا هيأ لَهُ جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَقيل: قيم السَّمَوَات وَالْأَرْض خالقهما وممسكهما أَن تَزُولَا، وَقَرَأَ عَلْقَمَة ﴿الْحَيّ الْقيم﴾ وَأَصله: قيوم، على وزن: فيعل، مثل: صيب أَصله: صيوب، اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ، فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أصل القيوم القيووم، فَلَمَّا اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو، وَالسَّابِق سَاكن جعلتا: يَاء، مُشَدّدَة وأصل: الْقيام القوام، قَالَ الْفراء وَأهل الْحجاز: يصرفون الفعال إِلَى الفيعال، يَقُولُونَ للصواغ: صياغ. قَالَه الْأَنْبَارِي فِي (الْكتاب الزَّاهِر) ، وَقَالَ قَتَادَة: معنى الْقيم الْقَائِم على خلقه بآجالهم وأعمالهم وأرزاقهم، وَقَالَ الْكَلْبِيّ:) هُوَ الَّذِي لَا بديل لَهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: القيوم الْقَائِم على الْأَشْيَاء. قَوْله: (أَنْت نور السَّمَوَات وَالْأَرْض) أَي: منورهما وقرىء ﴿الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ (النُّور: ٥٣) . على صِيغَة الْمَاضِي من التَّنْوِير، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هادىء أهلهما. وَقيل: منزه فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض من كل عيب ومبرأ من كل رِيبَة، وَقيل: هُوَ اسْم مدح، يُقَال: فلَان نور الْبَلَد وشمس الزَّمَان. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: مزين السَّمَوَات بالشمس وَالْقَمَر والنجوم، ومزين الأَرْض بالأنبياء وَالْعُلَمَاء والأولياء. وَقَالَ ابْن بطال: (أَنْت نور السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ) ، أَي: بنورك يَهْتَدِي من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقيل: مَعْنَاهُ ذُو نور السَّمَوَات وَالْأَرْض. قَوْله: (أَنْت ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (لَك ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض) . قَوْله: (أَنْت الْحق) ، مَعْنَاهُ: المتحقق وجوده، وكل شَيْء صَحَّ وجوده وَتحقّق فَهُوَ حق، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿الحاقة﴾ (الحاقة: ٠١) . أَي: الكائنة حَقًا بِغَيْر شكّ، وَهَذَا الْوَصْف لله تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ والخصوصية وَلَا يَنْبَغِي لغيره، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: أَنْت الْحق بِالنِّسْبَةِ إِلَى من يَدعِي فِيهِ أَنه إِلَه، أَو بِمَعْنى: أَن من سماك إل هَا فقد قَالَ الْحق، وَإِنَّمَا عرف الْحق فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وهما: (أَنْت الْحق وَوَعدك الْحق) ، ونكر فِي الْبَوَاقِي لِأَن الْمسَافَة بَين الْمُعَرّف بِاللَّامِ الجنسية والنكرة قريبَة: بل صَرَّحُوا بِأَن مؤداهما وَاحِد لَا فرق إلَاّ بِأَن فِي الْمعرفَة إِشَارَة إِلَى أَن الْمَاهِيّة الَّتِي دخل عَلَيْهَا اللَّام مَعْلُومَة للسامع، وَفِي النكرَة لَا إِشَارَة إِلَيْهِ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: عرفهما للحصر لِأَن الله هُوَ الْحق الثَّابِت الْبَاقِي وَمَا سواهُ فِي معرض الزَّوَال، وَكَذَا وعده مُخْتَصّ بالإنجاز دون وعد غَيره، والتنكير فِي الْبَوَاقِي للتعظيم. قَوْله: (وَوَعدك الْحق) الْوَعْد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْخَيْر وَالشَّر كِلَاهُمَا، وَالْخَيْر أَو الشَّرّ خَاصَّة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر﴾ (الْبَقَرَة: ٨٦٢) . وَلَيْسَ فِي وعد الله خلف، فَلَا يخلف الميعاد ﴿وَيجْزِي الَّذين أساؤا بِمَا عمِلُوا﴾ (النَّجْم: ١٣) . إلاّ مَا تجَاوز عَنهُ: ﴿وَيجْزِي الَّذين احسنوا بِالْحُسْنَى﴾ (النَّجْم: ١٣) . وَقيل فِي قَوْله: ﴿إِن الله وَعدكُم وعد الْحق﴾ (ابراهيم: ٢٢) . أَي: وعد الْجنَّة من أطاعه ووعد النَّار من كفر بِهِ، وَيحْتَمل أَن يُرِيد: أَن وعده حق بِمَعْنى إِثْبَات أَنه قد وعد بالخق بِالْبَعْثِ والحشر وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب إنكارا لقَوْل من أنكر وعده بذلك، وَكذب الرُّسُل فِيمَا بلغوه من وعده ووعيده. قَوْله: (ولقاؤك حق) اللِّقَاء الْبَعْث أَو رُؤْيَة الله تَعَالَى، وَقيل: الْمَوْت، وَفِيه ضعف ورده النَّوَوِيّ. قَوْله: (وقولك حق) أَي: صدق وَعدل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: القَوْل يُوصف بِالصّدقِ وَالْكذب، يُقَال: قَول صدق أَو كذب، وَلِهَذَا قيل: الصدْق هُوَ بِالنّظرِ إِلَى القَوْل المطابق

стр. 2036

للْوَاقِع، وَالْحق بِالنّظرِ إِلَى الْوَاقِع المطابق لِلْقَوْلِ. قلت: قد يُقَال أَيْضا: قَول ثَابت ثمَّ إنَّهُمَا متلازمان. قَوْله: (وَالْجنَّة حق وَالنَّار حق) فِيهِ الْإِقْرَار بهما وبالأنبياء، وَقَالَ ابْن التِّين: فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن خَبره بذلك لَا يدْخلهُ كذب وَلَا تَغْيِير. ثَانِيهَا: أَن خبر من أخبر عَنهُ بذلك وبلغه حق. ثَالِثهَا: أَنَّهُمَا قد خلقتا. قَوْله: (والنبيون حق) ، بِأَنَّهُم من عِنْد الله. قَوْله: (وَمُحَمّد حق) ، إِنَّمَا خص مُحَمَّدًا من النَّبِيين، وَإِن كَانَ دَاخِلا فيهم، وَعطفه عَلَيْهِم إِيذَانًا بالتغاير، وَأَنه فائق عَلَيْهِم بأوصاف مُخْتَصَّة بِهِ، فَإِن تغير الْوَصْف ينزل منزلَة تَغْيِير الذَّات، ثمَّ جرده عَن ذَاته كَأَنَّهُ غَيره، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِيمَان بِهِ وتصديقه، وَهَذَا مُبَالغَة فِي إِثْبَات نبوته، كَمَا فِي التَّشَهُّد. قَوْله: (والساعة حق) أَي: يَوْم الْقِيَامَة، وأصل السَّاعَة: الْقطعَة من الزَّمَان، ثمَّ أطلق على يَوْم الْقِيَامَة فَصَارَ إسما لَهَا، وَتَأْتِي الْوُجُوه الْمَذْكُورَة فِيهَا، وَوجه ذَلِك أَنه لما لم يكن هُنَاكَ شمس وَلَا قمر وَلَا كواكب يقدر بهَا الزَّمَان وَسميت بالساعة فَإِن قلت: مَا وَجه إِطْلَاق إسم الْحق على مَا ذكر من الْأُمُور؟ وَمَا وَجه تكْرَار لفظ الْحق؟ قلت: أما وَجه الْإِطْلَاق فللإيذان بِأَنَّهُ لَا بُد من كَونهَا، وَأَنَّهَا مِمَّا يجب أَن يصدق بهَا، وَأما وَجه التّكْرَار فللمبالغة فِي التَّأْكِيد، والتكرير يَسْتَدْعِي التَّقْرِير. قَوْله: (أللهم لَك أسلمت) أَي: انقدت وخضعت لأمرك ونهيك، واستسلمت لجَمِيع مَا أمرت بِهِ ونهيت عَنهُ. قَوْله: (وَبِك آمَنت) أَي: صدقت بك وَبِمَا أنزت من أَخْبَار وَأمر وَنهي، فَظَاهره أَن الْإِيمَان لَيْسَ بِحَقِيقَة الْإِسْلَام وَإِنَّمَا الْإِيمَان التَّصْدِيق. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر: الْإِيمَان الْمعرفَة بِاللَّه، وَالْأول أشهر فِي كَلَام الْعَرَب. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا﴾ (يُوسُف: ٧١) . أَي: بمصدق إلاّ أَن الْإِسْلَام إِذا كَانَ بِمَعْنى الانقياد وَالطَّاعَة فقد ينقاد الْمُكَلف بِالْإِيمَان فَيكون مُؤمنا مُسلما وَقد يكون مُصدقا فِي بعض الْأَحْوَال دون بعض فَيكون مُسلما لامؤمنا وَقَالَ الْخطابِيّ الْمُسلم قد يكون مُؤمنا فِي بعض الْأَحْوَال دون بعض، وَالْمُؤمن مُسلم فِي جَمِيع الْأَحْوَال، فَكل مُؤمن مُسلم، وَلَيْسَ كل مُسلم مُؤمنا. قلت: الْبَحْث فِيهِ دَقِيق وَقد اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي كتاب الْإِيمَان. قَوْله: (وَعَلَيْك توكلت) أَي: فوضت الْأَمر إِلَيْك قَاطعا للنَّظَر عَن الْأَسْبَاب العادية، وَيُقَال: أَي: تبرأت من الْحول وَالْقُوَّة وصرفت أَمْرِي إِلَيْك، وأيقنت أَنه لن يُصِيبنِي إلاّ مَا كتب لي وَعلي، ففوضت أَمْرِي إِلَيْك، ونِعْمَ الْمُفَوض إِلَيْهِ. قَالَ الْفراء: الْوَكِيل الْكَافِي. قَوْله: (وَإِلَيْك أنبت) أَي: رجعت إِلَيْك فِي تَدْبِير أَمْرِي، والإنابة الرُّجُوع أَي: رجعت إِلَيْك مُقبلا بِالْقَلْبِ عَلَيْك، وَمَعْنَاهُ: رجعت إِلَى عبادتك. قَوْله: (وَبِك خَاصَمت) أَي: وَبِمَا أَعْطَيْتنِي من الْبُرْهَان والسنان خَاصَمت المعاند وقمعته بِالْحجَّةِ وَالسيف. قَوْله: (وَإِلَيْك حاكمت) أَي: كل من جحد الْحق حاكمته إِلَيْك وجعلتك الْحَاكِم بيني وَبَينه، لَا غَيْرك مِمَّا كَانَت تحاكم إِلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة من صنم وكاهن ونار وَنَحْو ذَلِك، والمحاكمة: رفع الْقَضِيَّة إِلَى الْحَاكِم. وَقيل: ظَاهره أَن لَا يحاكمهم إلاّ الله وَلَا يرضى إِلَّا بِحكمِهِ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ وَأَنت خير الفاتحين﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٨) . وَقَالَ: ﴿أفغير الله ابْتغى حكما﴾ (الأنعما: ٤١١) . ثمَّ من قَوْله: (لَك أسلمت) إِلَى قَوْله: (وَإِلَيْك حاكمت) قدم صَلَاة الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة فِيهِ للإشعار بالتخصيص وإفادة الْحصْر، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله: (وَلَك الْحَمد) فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع فَافْهَم. قَوْله: (فَاغْفِر لي مَا قدمت وَمَا أخرت) إِنَّمَا قَالَ ذَلِك، ﷺ ، مَعَ أَنه مغْفُور لَهُ لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: للتواضع وهضم النَّفس والإجلال لله تَعَالَى والتعظيم لَهُ . الثَّانِي: للتعليم لأمته ليقتدوا بِهِ فِي أصل الدُّعَاء والخضوع وَحسن التضرع وَالرَّغْبَة والرهبة، وَالْمَغْفِرَة: تَغْطِيَة الذَّنب وكل مَا غطى فقد غفر وَمِنْه: المغفر. قَوْله: (وَمَا قدمت) أَي: قبل هَذَا الْوَقْت (وَمَا أخرت) ، عَنهُ أَمر الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، بالإشفاق وَالدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ أَن يغْفر مَا يكون من غَفلَة تعتري الْبشر، وَمَا قدم: مَا مضى، وَمَا أخر: مَا يسْتَقْبل، وَذَلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ (الْفَتْح: ٢) . وَقَالَ أهل التَّفْسِير: الغفران فِي حَقه يتَنَاوَل من أَفعاله الْمَاضِي والمستقبل. قَوْله: (وَمَا أسررت) أَي: وَمَا أخفيت. (وَمَا أعلنت) أَي: وَمَا أظهرت أَو الْمَعْنى: مَا حدثت بِهِ نَفسِي وَمَا تحرّك بِهِ لساني، وَفِي (التَّوْحِيد) زَاد من طَرِيق ابْن جريج عَن سلمَان: (وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني) ، وَهُوَ من عطف الْعَام بعد الْخَاص. قَوْله: (أَنْت الْمُقدم وَأَنت الْمُؤخر) قَالَ ابْن التِّين: أَنْت الأول وَأَنت الآخر. وَقَالَ ابْن بطال يَعْنِي: أَنه قدم فِي البعص إِلَى النَّاس على غَيره ﷺ بقوله: (نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ) ، ثمَّ قدمه عَلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة بالشفاعة بِمَا فَضله بِهِ على سَائِر الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَسبق بذلك الرُّسُل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا الحَدِيث من جَوَامِع الْكَلم، إِذْ لفظ: الْقيم إِشَارَة إِلَى أَن وجود الْجَوْهَر وقوامه مِنْهُ والنور إِلَى أَن الْإِعْرَاض مِنْهُ، وَالْملك لما أَنه

стр. 2037

حَاكم فِيهَا إيجادا وإعداما يفعل مَا يَشَاء، وكل هَذِه نعم من الله تَعَالَى على عباده، فَلهَذَا قرن كلا مِنْهَا بِالْحَمْد. وَخص الْحَمد بِهِ، ثمَّ قَوْله: (أَنْت الْحق) إِشَارَة إِلَى المبدأ وَالْقَوْل، وَنَحْوه إِلَى المعاش والساعة إِلَى الْمعَاد. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى النُّبُوَّة وَإِلَى الْجَزَاء ثَوابًا وعقابا. وَفِيه: وجوب الْإِيمَان وَالْإِسْلَام والتوكل والإنابة والتضرع إِلَى الله تَعَالَى وَالِاسْتِغْفَار وَغَيره انْتهى. وَيُقَال: وَفِيه: زِيَادَة معرفَة النَّبِي ﷺ بعظمة ربه وَعظم قدرته ومواظبته على الذّكر وَالدُّعَاء وَالثنَاء على ربه، وَالِاعْتِرَاف لله بحقوقه وَالْإِقْرَار بِصدق وعده ووعيده. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تَقْدِيم الثَّنَاء على الْمَسْأَلَة عِنْد كل مَطْلُوب اقْتِدَاء بِهِ ﷺ . قَالَ سُفْيَانُ وزَادَ عَبْدُ الكَرِيمِ أبُو أمَيَّةَ وَلَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَاّ بِاللَّه. قَالَ سُفْيَانُ قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ أبي مُسْلِمٍ سَمِعَهُ طَاوُوسُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، وَقيل: هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول، وَوضع الْمزي على هَذَا عَلامَة التَّعْلِيق، وَأَبُو أُميَّة كنية عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق الْبَصْرِيّ، وَأَبُو الْمخَارِق اسْمه: قيس، وَقَالَ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ: قد اسْتشْهد البُخَارِيّ بِابْن أبي الْمخَارِق هَذَا فِي: بَاب التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ، فَقَالَ: وَقَالَ سُفْيَان يَعْنِي ابْن عُيَيْنَة، وَزَاد عبد الْكَرِيم أَبُو أُميَّة: (وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه) . وَقَالَ الْمَقْدِسِي فِي كتاب (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : فِيمَن اسْمه عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق: سمع مُجَاهدًا فِي الْحَج، روى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَهُوَ حَدِيث وَاحِد عِنْدهمَا عَن مُجَاهِد عَن ابْن أبي ليلِي (عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أقوم على بُدنه وَأَن أقسم جلودها وجلالها، وَأَمرَنِي أَن لَا أعطي الجازر مِنْهَا، وَقَالَ: نَحن نُعْطِيه من عندنَا) . فَهَذَا كَمَا رَأَيْت كَلَام الْمُنْذِرِيّ يُقَوي مَا مَال إِلَيْهِ الْمزي من أَنه مُعَلّق، وَأَن عبد الْكَرِيم اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ، وَكَلَام الْمَقْدِسِي يُصَرح بِأَنَّهُ من رجال البُخَارِيّ، وَبِهَذَا يرد مَا قَالَه بَعضهم: وَلَيْسَ لعبد الْكَرِيم هَذَا فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) إلَاّ هَذَا الْموضع، وَلم يقْصد البُخَارِيّ التَّخْرِيج لَهُ، فلأجل ذَلِك لَا يعدونه من رِجَاله، وَإِنَّمَا وَقعت عَنهُ زِيَادَة فِي الْخَبَر غير مَقْصُودَة بذاتها. قلت: بَين كَلَامه هَذَا وَبَين قَوْله فِيمَا مضى: هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول، تنَاقض لَا يخفى. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) هُوَ ابْن عُيَيْنَة أَيْضا. قَالَ سُلَيْمَان بن أبي مُسلم ... إِلَى آخِره، وَأَرَادَ سُفْيَان بذلك بَيَان سَماع سُلَيْمَان لَهُ من طَاوُوس لِأَنَّهُ أَولا أوردهُ بالعنعنة، وَصرح بذلك أَيْضا الْحميدِي فِي (مُسْنده) : عَن سُفْيَان قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان الْأَحول خَال ابْن أبي نجيح: سَمِعت طاووسا. . فَذكر الحَدِيث، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ سُفْيَان، وَزَاد فِي رخره عبد الْكَرِيم: (وَلَا حول وَلَا قُوَّة إلاّ بك) ، فِيهِ لم يقلها سُلَيْمَان، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَفِي نُسْخَة سمعته من طَاوُوس وَعلي بن خشرم، وَلم يذكرهُ أحد من رجال البُخَارِيّ، ﵀، وَإِنَّمَا ذكر فِي رجال مُسلم، وَالله تَعَالَى أعلم. ٢ - (بابُ فَضْلِ قِيَامِ الليْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قيام اللَّيْل، وَهُوَ الصَّلَاة فِي اللَّيْل. ١٢١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ (ح) وحدَّثني مَحْمُودٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النبيِّ ﷺ إذَا رَأي رُؤْيا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَتَمَنَّيْتُ أنْ أرَى رُؤْيَا فأقُصُّهَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وكُنْتُ غُلاما شابّا وَكُنْتُ أنامُ فِي المَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فَرَأيْتُ فِي النَّوْمِ كَأنَّ مَلَكَيْنِ أخَذَانِي فذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فإذَا هِيَ مطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ وِإذَا لَهَا قَرْنَانِ وَإذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفتُهُمْ فَجَعَلْتُ أقُولُ أعُوذُ بِالله مِنَ النَّارِ. قَالَ فَلَقِينَا مَلَكٌ آخَرُ فقالَ لِي لَمْ تُرَعْ. . فقصصتها على حَفْصَة فقصتها حَفْصَة على رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ نعم الرجل عبد الله

стр. 2038

لَو كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل فَكَانَ بعد لَا ينَام من اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " نعم الرجل عبد الله لَو كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل " وَذَلِكَ أَن الرجل إِذا كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ يسْتَحق أَن يُوصف بنعم الرجل هَذَا واستحقاقه لذَلِك بِسَبَب مُبَاشَرَته صَلَاة اللَّيْل وَلَو لم يكن لصَلَاة اللَّيْل فضل لما اسْتحق فاعلها الثَّنَاء الْجَمِيل وَفِي رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر فِي التَّعْبِير " أَن عبد الله رجل صَالح لَو كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل " وَهَذَا أصرح فِي الْمَدْح وَأبين فِي الْمَقْصُود (ذكر رِجَاله) وهم ثَمَانِيَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي. الثَّانِي هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ. الثَّالِث معمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد. الرَّابِع مَحْمُود بن غيلَان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة الْمروزِي. الْخَامِس عبد الرَّزَّاق بن همام. السَّادِس مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ السَّابِع سَالم بن عبد الله. الثَّامِن أَبوهُ عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَجعل خلف هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند ابْن عمر وَجعل بعضه فِي مُسْند حَفْصَة وَأوردهُ ابْن عَسَاكِر فِي مُسْند ابْن عمر والْحميدِي فِي مُسْند حَفْصَة وَذكر فِي رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر أَنَّهُمَا من مُسْند ابْن عمر وَقَالَ إِذْ لَا ذكر فِيهَا لحفصة فحاصله أَنهم جعلُوا رِوَايَة سَالم من مُسْند حَفْصَة وَرِوَايَة نَافِع من مُسْند ابْن عمر (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب نوم الرِّجَال فِي الْمَسْجِد فِيمَا مضى وَأخرجه فِيمَا يَأْتِي فِي بَاب فضل من تعار من اللَّيْل فِي مَنَاقِب ابْن عمر وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل عبد الله بن عمر حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد الله بن حميد وَاللَّفْظ لعبد قَالَا أخبرنَا عبد الرَّزَّاق " حَدثنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر قَالَ كَانَ الرجل فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ َ - إِذا رأى رُؤْيا قصها على رَسُول الله ﷺ َ - فتمنيت أَن أرى رُؤْيا أقصها على النَّبِي ﷺ َ - قَالَ وَكنت غُلَاما شَابًّا عزبا وَكنت أَنَام فِي الْمَسْجِد على عهد رَسُول الله ﷺ َ - فَرَأَيْت فِي النّوم كَأَن ملكَيْنِ أخذاني فذهبا بِي إِلَى النَّار " الحَدِيث (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " كَانَ الرجل " الْألف وَاللَّام فِيهِ لَا تصلح أَن تكون للْعهد على مَا لَا يخفى بل هِيَ للْجِنْس قَوْله " رُؤْيا " على وزن فعلى بِالضَّمِّ بِلَا تَنْوِين وَهُوَ يخْتَص بالمنام كَمَا أَن الرَّأْي يخْتَص بِالْقَلْبِ والرؤية تخْتَص بِالْعينِ قَوْله " قصها " من قصصت الرُّؤْيَا على فلَان إِذا أخْبرته بهَا وأقصها قصا والقص الْبَيَان قَوْله " فتمنيت أَن أرى " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " إِنِّي أرى " وَزَاد فِي التَّعْبِير من وَجه آخر " فَقلت فِي نَفسِي لَو كَانَ فِيك خير لرأيت مثل مَا يرى هَؤُلَاءِ " وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة تدل على خير رائيها قَوْله " فَإِذا هِيَ مطوية " كلمة إِذا للمفاجأة وَمعنى مطوية مَبْنِيَّة الجوانب فَإِن لم تبن فَهِيَ القليب قَوْله " فَإِذا لَهَا قرنان " أَي جانبان وقرنا الرَّأْس جانباه وَيُقَال القرنان منارتان عَن جَانِبي الْبِئْر تجْعَل عَلَيْهِمَا الْخَشَبَة الَّتِي تعلق عَلَيْهَا البكرة قَالَ الْكرْمَانِي أَو ضفيرتان وَفِي بَعْضهَا قرنين (فَإِن قلت) فَمَا وَجهه إِذْ هُوَ مُشكل (قلت) إِمَّا أَن يُقَال تَقْدِيره فَإِذا لَهَا مثل قرنين فَحذف الْمُضَاف وَترك الْمُضَاف إِلَيْهِ على إعرابه وَهُوَ كَقِرَاءَة ﴿وَالله يُرِيد الْآخِرَة﴾ بجر الْآخِرَة أَي عرض الْآخِرَة وَإِمَّا أَن يُقَال إِذا المفاجأة تَتَضَمَّن معنى الوجدان فَكَأَنَّهُ قَالَ فَإِذا وجدت لَهَا قرنين كَمَا يَقُول الْكُوفِيُّونَ فِي قَوْلهم كنت أَظن الْعَقْرَب أَشد لسعا من الزنبور فَإِذا هُوَ إِيَّاهَا أَن مَعْنَاهُ فَإِذا وجدته هُوَ إِيَّاهَا قَوْله " لم ترع " بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة مَعْنَاهُ لم تخف قَالَ الْجَوْهَرِي يُقَال لَا ترع مَعْنَاهُ لَا تخف وَلَا يلحقك خوف وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " لن تراع " وَزَاد فِيهِ " إِنَّك رجل صَالح " وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ إِنَّمَا فسر الشَّارِع من رُؤْيا عبد الله بِمَا هُوَ ممدوح لِأَنَّهُ عرض على النَّار ثمَّ عوفي مِنْهَا وَقيل لَهُ لَا روع عَلَيْك وَذَلِكَ لصلاحه غير أَنه لم يكن يقوم من اللَّيْل فَحصل لعبد الله من ذَلِك تَنْبِيه على أَن قيام اللَّيْل مِمَّا يَتَّقِي بِهِ النَّار والدنو

стр. 2039

مِنْهَا فَلذَلِك لم يتْرك قيام اللَّيْل بعد ذَلِك وَقَالَ الْمُهلب السِّرّ فِي ذَلِك كَون عبد الله كَانَ ينَام فِي الْمَسْجِد وَمن حق الْمَسْجِد أَن يتعبد فِيهِ فنبه على ذَلِك بالتخويف بالنَّار قَوْله " لَو كَانَ يُصَلِّي " كلمة لَو لِلتَّمَنِّي لَا للشّرط وَلذَلِك لم يذكر لَهَا جَوَاب. (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ قصّ الرُّؤْيَا على النَّبِي ﷺ َ - لِأَنَّهَا من الْوَحْي وَهِي جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْء من النُّبُوَّة كَمَا نطق بِهِ ﷺ َ -. وَفِيه تمني الرُّؤْيَا الصَّالِحَة ليعرف صَاحبهَا مَا لَهُ عِنْد الله وتمني الْخَيْر وَالْعلم والحرص عَلَيْهِ. وَفِيه جَوَاز النّوم فِي الْمَسْجِد وَلَا كَرَاهَة فِيهِ عِنْد الشَّافِعِي وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَقد رخص قوم من أهل الْعلم فِيهِ وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَا تتخذه مَيتا وَلَا مقيلا وَذهب إِلَيْهِ قوم من أهل الْعلم وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَذَلِكَ لمن كَانَ لَهُ مأوى فَأَما الْغَرِيب فَهُوَ دَاره والمعتكف فَهُوَ بَيته وَيجوز للْمَرِيض أَن يَجعله الإِمَام فِي الْمَسْجِد إِذا أَرَادَ افتقاده كَمَا كَانَت الْمَرْأَة صَاحِبَة الوشاح سَاكِنة فِي الْمَسْجِد وكما ضرب الشَّارِع قبَّة لسعد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي الْمَسْجِد حِين سَالَ الدَّم من جرحه وَمَالك وَابْن الْقَاسِم يكرهان الْمبيت فِيهِ للحاضر الْقوي وَجوزهُ ابْن الْقَاسِم للضعيف الْحَاضِر. وَفِيه رُؤْيَة الْمَلَائِكَة فِي الْمَنَام وتحذيرهم للرائي لقَوْله " فَرَأَيْت ملكَيْنِ أخذاني ". وَفِيه الانطلاق بالصالح إِلَيْهَا فِي الْمَنَام تخويفا. وَفِيه السّتْر على مُسلم وَترك غيبته وَذَلِكَ قَوْله " وَإِذا فِيهَا أنَاس قد عرفتهم " إِنَّمَا أخبر بهم على الْإِجْمَال ليزدجروا وَسكت عَن بيانهم لِئَلَّا يغتابهم إِن كَانُوا مُسلمين وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يخْتم عَلَيْهِم بالنَّار وَإِمَّا أَن يكون ذَلِك تحذيرا كَمَا حذر ابْن عمر ﵄ وَفِيه القص على الْمَرْأَة وَفِيه تَبْلِيغ حَفْصَة وَفِيه قبُول خبر الْمَرْأَة. وَفِيه استحياء ابْن عمر عَن قصه على النَّبِي ﷺ َ - بِنَفسِهِ. وَفِيه فَضِيلَة قيام اللَّيْل وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب. وَفِيه أَن قيام اللَّيْل منج من النَّار. وَفِيه فضل عبَادَة الشَّاب. وَفِيه مدح لِابْنِ عمر. وَفِيه تَنْبِيه على صَلَاحه. وَفِيه كَرَاهَة كَثْرَة النّوم بِاللَّيْلِ وروى سعيد عَن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أَبِيه عَن جَابر مَرْفُوعا " قَالَت أم سُلَيْمَان لِسُلَيْمَان يَا بني لَا تكْثر النّوم بِاللَّيْلِ فَإِن كَثْرَة النّوم بِاللَّيْلِ تدع الرجل فَقِيرا يَوْم الْقِيَامَة " وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال - ٣ - (بابُ طُولِ السجُودِ فِي قِيامِ اللَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل طول السُّجُود فِي صَلَاة اللَّيْل. ٣٢١١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله كانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ ركْعَةً كانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذالِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حتَّى يَأْتِيِهِ المُنَادِي لِلصَّلَاةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يسْجد السَّجْدَة من ذَلِك قدر مَا يقْرَأ أحدكُم خمسين آيَة قبل أَن يرفع رَأسه) ، فَإِن هَذَا الْمِقْدَار من الْقِرَاءَة فِي السَّجْدَة يدل على طول السَّجْدَة، والْحَدِيث أخرجه فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْوتر، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، نَحوه، غير أَن لَفظه هُنَاكَ: (حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (تِلْكَ) أَي: أحد عشرَة، والتعريف فِي السَّجْدَة للْجِنْس، فَيحْتَمل تنَاوله لكل سَجدَات تِلْكَ الصَّلَاة، وَالتَّاء الَّتِي فِيهَا لَا تنافيها. قَوْله: (قدر) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِقدر. قَوْله: (للصَّلَاة) أَي: لصَلَاة الصُّبْح. وَقَالَ ابْن بطال: مَا طول سُجُوده ﷺ فِي قيام اللَّيْل، فَذَلِك لاجتهاده فِيهِ بِالدُّعَاءِ والتضرع إِلَى الله تَعَالَى، فَإِن ذَلِك أبلغ أَحْوَال التَّوَاضُع والتذلل إِلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِك شكرا على مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ، وَقد كَانَ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فِيهِ الأسوة الْحَسَنَة، وَكَانَ السّلف يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَقَالَ يحيى بن وثاب: كَانَ ابْن الزبير، رَحمَه الله تَعَالَى، يسْجد حَتَّى تنزل العصافير على ظَهره كَأَنَّهُ حَائِط.

стр. 2040

٤ - (بابُ تَرْكِ القِيَامِ لِلْمَرِيضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك قيام اللَّيْل للْمَرِيض. ٤٢١١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأسْوَدِ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدبا يَقُولُ اشْتَكَى النبيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أوْ لَيْلَتَيْنِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ، وَكَذَلِكَ فِي إِسْنَاد الحَدِيث الْآتِي، سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، نَص عَلَيْهِ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَصرح فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: الْأسود بن قيس. الرَّابِع: جُنْدُب، بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وَضمّهَا وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله، وَقد تقدم فِي: بَاب النَّحْر فِي الْمصلى، فِي كتاب الْعِيد، وَوَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي كتاب التَّفْسِير فِي ﴿وَالضُّحَى﴾ جُنْدُب بن أبي سُفْيَان وَهُوَ جُنْدُب بن عبد الله بن أبي سُفْيَان إِلَّا أَنه تَارَة ينْسب إِلَى أَبِيه وَتارَة إِلَى جده، وَلَا يظنّ أَن جُنْدُب ابْن أبي سُفْيَان غير جُنْدُب ابْن عبد الله فَافْهَم. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كوفيون. والْحَدِيث من الرباعيات. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي قيام اللَّيْل عَن مُحَمَّد بن كثير وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن أبي نعيم أَيْضا وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن يُونُس وَعَن بنْدَار عَن غنْدر، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن إِسْحَاق وَمُحَمّد بن رَافع وَعَن أبي بكر وَأبي مُوسَى وَبُنْدَار، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر وَعَن إِسْحَاق عَن الْملَائي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (اشْتَكَى النَّبِي، ﷺ ، أَي: مرض، وَكَذَلِكَ: تشكى، قَالَ الْجَوْهَرِي: اشْتَكَى عضوا من أَعْضَائِهِ وتشكى بِمَعْنى، وَأَصله من الشكو، قَالَ ابْن الْأَثِير: الشكو والشكوى والشكاة والشكاية: الْمَرَض. وَفِي (الصِّحَاح) : شَكَوْت فلَانا أشكوه شكوى وشكاية وشكية وشكاة إِذا أخْبرت عَنهُ بِسوء فعله بك، فَهُوَ مشكو ومشكي، والإسم: الشكوى. قَوْله: (فَلم يقم) ، من الْقيام، وانتصاب لَيْلَة على الظَّرْفِيَّة، وَهَكَذَا وَقع مُخْتَصرا هَهُنَا، وَقد سَاقه فِي فَضَائِل الْقُرْآن تَاما من شَيْخه أبي نعيم أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا سُفْيَان (عَن الْأسود بن قيس، قَالَ: سَمِعت جندبا يَقُول: اشْتَكَى النَّبِي، ﷺ ، فَلم يقم لَيْلَة أَو لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَة، فَقَالَت: يَا مُحَمَّد مَا أرى شَيْطَانك إلاّ قد تَركك؟ فَأنْزل الله، : ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ (وَالضُّحَى: ١ ٣) . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي كتاب التَّفْسِير فِي ﴿وَالضُّحَى﴾ : حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا زُهَيْر حَدثنَا الْأسود بن قيس قَالَ: سَمِعت جُنْدُب بن سُفْيَان (قَالَ: اشْتَكَى رَسُول الله، ﷺ ، فَلم يقم لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، فَجَاءَت امْرَأَة فَقَالَت: يَا مُحَمَّد إِنِّي لأرجو أَن يكون شَيْطَانك قد تَركك؟ لم أره قربك مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا؟ فَأنْزل الله : ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ (وَالضُّحَى: ٣) . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي ﴿وَالضُّحَى﴾ : حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة (عَن الْأسود بن قيس قَالَ: سَمِعت جندبا البَجلِيّ. . قَالَت امْرَأَة: يَا رَسُول الله مَا أرى صَاحبك إلاّ أَبْطَأَ عَنْك؟ فَنزلت: ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ (وَالضُّحَى: ٣) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن كثير، وَيَأْتِي عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب، وروى مُسلم: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا سُفْيَان (عَن الْأسود بن قيس أَنه سمع جندبا يَقُول: أَبْطَأَ جِبْرِيل، ﵊، عَن رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ الْمُشْركُونَ: قد ودع مُحَمَّد، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ (وَالضُّحَى: ١ ٣) . وروى مُسلم أَيْضا من رِوَايَة زُهَيْر (عَن الْأسود بن قيس، قَالَ: سَمِعت جُنْدُب بن سُفْيَان يَقُول: اشْتَكَى رَسُول الله ﷺ لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. .) الحَدِيث، مثل رِوَايَة البُخَارِيّ عَن أَحْمد بن يُونُس، وروى التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدثنَا ابْن أبي عمر، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة (عَن الْأسود بن قيس عَن جُنْدُب البَجلِيّ، قَالَ: كنت مَعَ النَّبِي ﷺ فِي أَنْمَار، فدميت إصبعه فَقَالَ: هَل أَنْت إِلَّا اصبع دميت. وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيت، قَالَ: وَأَبْطَأ جِبْرِيل، ﵊،

стр. 2041

فَقَالَ الْمُشْركُونَ: قد ودع مُحَمَّد، فَأنْزل الله ﵎: ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ (الضُّحَى: ٣) . وروى الواحدي من حَدِيث هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أَبِيه: (أَبْطَأَ جِبْرِيل على النَّبِي، ﷺ ، فجزع جزعا شَدِيدا فَقَالَت خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: قد قلاك رَبك لما يرى من جزعك، فَنزلت السُّورَة) . وروى الْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن مُوسَى أخبرنَا إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق (عَن زيد بن أَرقم: لما نزلت ﴿تبت﴾ جَاءَت امْرَأَة أبي لَهب فَقَالَت: يَا مُحَمَّد على مَا تهجوني؟ فَقَالَ: مَا هجوتك، مَا هجاك إلاّ الله، وَمكث رَسُول الله، ﷺ ، أَيَّامًا لَا ينزل عَلَيْهِ وَحي، فَأَتَتْهُ فَقَالَت: يَا مُحَمَّد مَا أرى صَاحبك إلاّ قد قلاك؟ فَنزلت السُّورَة) . وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي: (أَبْطَأَ الْوَحْي عَن النَّبِي، ﷺ ، أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَالَ كَعْب بن الْأَشْرَف: قد أطفأ الله نور مُحَمَّد وَانْقطع الْوَحْي عَنهُ، فهبط جِبْرِيل، ﵊، بعد الْأَرْبَعين يَوْمًا فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : مَا أبطأك عني فَنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّل إلاّ بِأَمْر رَبك﴾ (مَرْيَم: ٤٦) . وَأنزل سُورَة الضُّحَى وتكذيبا لكعب: ﴿يُرِيدُونَ ليطفئوا نور الله بأفواههم﴾ (الصَّفّ: ٨) . وَفِي (الْمعَانِي) للفراء و (الْإِيضَاح) تَفْسِير الْقُرْآن لأبي الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْجَوْزِيّ: قيل (سَبَب نُزُولهَا أَن الْوَحْي كَانَ تَأَخّر خَمْسَة عشر يَوْمًا فَتكلم الْكفَّار) الحَدِيث. وَزعم ابْن إِسْحَاق أَن سَبَب تَأْخِير جِبْرِيل، ﵊، أَن الْمُشْركين لما سَأَلُوهُ عَن ذِي القرنين وَالروح وعدهم بِالْجَوَابِ إِلَى غَد، وَلم يسْتَثْن، فَنزل عَلَيْهِ بعد بطئه سُورَة الضُّحَى، وبجواب سُؤَاله. قَوْله: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إلاّ أَن يَشَاء الله﴾ (الْكَهْف: ٣٢) . قَالَ الواحدي: وَعَن خَوْلَة خادمة النَّبِي ﷺ : (أَن جروا دخل تَحت السرير، فَمَكثَ النَّبِي ﷺ أَيَّامًا لَا ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي، فَقَالَ: يَا خَوْلَة مَا حدث فِي بَيْتِي؟ جِبْرِيل لَا يأتيني؟ قَالَت خَوْلَة: فَقلت لَو هيأت الْبَيْت وكنسته، قَالَت: فَأَهْوَيْت بالمكنسة تَحت السرير فَإِذا شَيْء ثقيل، فَإِذا هُوَ جرو ميت، فألقيته خلف الْجِدَار. قَالَت: فجَاء رَسُول الله ﷺ يرعد فَقَالَ: يَا خَوْلَة دثريني فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْل﴾ (الضُّحَى: ١ و ٢) . زَاد ابْن إِسْحَاق: فَقَالَ النَّبِي ﷺ لجبريل، ﵊: مَا أخرك؟ فَقَالَ: أما علمت أَنا لَا ندخل بَيْتا فِيهِ كلب وَلَا صُورَة؟ وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) قَالَ ابْن جرير: قَالَ الْمُشْركُونَ: أَن مُحَمَّدًا ودعه ربه وقلاه، وَلَو كَانَ امْرَهْ من الله لتتابع عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يفعل بِمن كَانَ قبله من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ الْمُسلمُونَ: يَا رَسُول الله أما ينزل عَلَيْك الْوَحْي؟ فَقَالَ: وَكَيف ينزل عَليّ الْوَحْي وَأَنْتُم لَا تنتقون براجمكم وَلَا تقلمون أظافركم؟ فَأنْزل الله تَعَالَى، جِبْرِيل، ﵊، بِهَذِهِ السُّورَة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : يَا جِبْرِيل مَا جِئْت حَتَّى اشْتقت إِلَيْك ﴿فَقَالَ جِبْرِيل، ﵊: وَأَنا كنت أَشد شوقا، وَلَكِنِّي عبد مَأْمُور ﴿وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك﴾ (مَرْيَم: ٤٦) [/ ح. ثمَّ الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب على أَنْوَاع. الأول: أَن اشتكاء النَّبِي ﷺ لم يبين فِي شَيْء من طرق هَذَا الحَدِيث، قيل: وَظن بعض الشُّرَّاح أَن الَّذِي وَقع فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة من الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب: هُوَ بَيَان للشكاية المجملة فِي الصَّحِيح، وَلَيْسَ كَمَا ظن، فءن فِي طَرِيق عبد الله بن شَدَّاد الَّتِي يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا أَن نزُول هَذِه السُّورَة كَانَ فِي أَوَائِل الْبعْثَة، وجندب لم يصحب النَّبِي ﷺ إلاّ مُتَأَخِّرًا، حَكَاهُ الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) عَن الإِمَام أَحْمد، وَيُقَال: يحْتَمل أَن يكون سَبَب الشكاية بطء الْوَحْي. الثَّانِي: أَن هَذِه الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة مُخْتَلف فِيهَا، فَفِي رِوَايَة الْحَاكِم: امْرَأَة أبي لَهب، وَهِي أم جميل العوراء بنت حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، وَهِي أُخْت أبي سُفْيَان بن حَرْب، وَقيل: امْرَأَة من أَهله أَو من قومه. قلت: لَا شكّ أَن أم جميلَة من قومه لِأَنَّهَا من بني عبد منَاف، وَفِي رِوَايَة سنيد بن دَاوُد: إِنَّهَا عَائِشَة، وَقد غلط سنيد فِيهِ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ عَن أبي كريب عَن وَكِيع، فَقَالَ فِيهِ: قَالَت خَدِيجَة. وَكَذَلِكَ أخرجه ابْن أبي حَاتِم، وَقد أنكر ذَلِك، لِأَن خَدِيجَة قَوِيَّة الْإِيمَان فَلَا يَلِيق نِسْبَة هَذَا القَوْل إِلَيْهَا وَإِن كَانَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (أَحْكَامه) بِإِسْنَاد صَحِيح، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّبَرِيّ فِي (تَفْسِيره) وَأَبُو دَاوُد فِي (أَعْلَام النُّبُوَّة) لَهُ، كلهم من طَرِيق عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد، وَمَعَ هَذَا لَيْسَ فِي رِوَايَة وَاحِد مِنْهُم أَنَّهَا عبرت بقولِهَا: شَيْطَانك، وَهَذِه لَفْظَة مستنكرة جدا، وَزعم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن عَسْكَر أَن القائلة ذَاك إِحْدَى عماته ﷺ ، ثمَّ الظَّاهِر أَن الْمَرْأَة الَّتِي قَالَت: يَا مُحَمَّد﴾ مَا أرى شَيْطَانك إلاّ قد تَركك؟ ير الْمَرْأَة الَّتِي قَالَت: مَا أرى صَاحبك إلاّ قد أَبْطَأَ عَنْك؟ لِأَن هَذِه قَالَت: يَا رَسُول الله، وَتلك قَالَت: يَا مُحَمَّد، وَالَّتِي قَالَت: شَيْطَانك قَالَت تهكما وشماتة، وَالَّتِي قَالَت: صَاحبك، قَالَت تأسفا وتوجعا. الثَّالِث: أَن مُدَّة بطء الْوَحْي اخْتلف فِيهَا، فَقيل: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، كَمَا ذكر

стр. 2042

فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد، وَقيل: خَمْسَة عشر يَوْمًا، كَمَا ذكر فِي (كتاب الْمعَانِي) للفراء، وَقيل: خَمْسَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَعَن ابْن جريج: اثْنَي عشر يَوْمًا. ٥٢١١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنَا سُفْيَانُ عنِ الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ عنْ جُنْدَبِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ احْتَبَسَ جِبْرِيلُ ﷺ عَلَى النبيِّ ﷺ فقالَتْ امْرَأةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أبْطأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ فَنَزَلَتْ وَالضُّحَى واللَّيْلِ إذَا سَجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن هَذَا من تَتِمَّة الحَدِيث السَّابِق، وَيدْفَع بِهَذَا مَا قَالَه ابْن التِّين: ذكر احتباس جِبْرِيل، ﵊، فِي هَذَا الْبَاب لَيْسَ فِي مَوْضِعه، وَذَلِكَ لِأَن الحَدِيث وَاحِد لِاتِّحَاد مخرجه، وَإِن كَانَ السَّبَب مُخْتَلفا، وسُفْيَان فِيهِ هُوَ الثَّوْريّ، كَمَا فِي الحَدِيث الأول، وَقد ذكرنَا أَن فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسلم، وَلَا يضر هَذَا لِأَن الظَّاهِر أَن الْأسود حدث بِهِ على الْوَجْهَيْنِ، فَحمل عَنهُ كل وَاحِد مَا لم يحملهُ الآخر، وَحمل عَنهُ الثَّوْريّ الْأَمريْنِ، فَحدث بِهِ مرّة كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث الأول، وَمرَّة كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (شَيْطَانه) ، بِرَفْع النُّون لِأَنَّهُ فَاعل: أَبْطَأَ. قَوْله: (فَنزلت وَالضُّحَى) أَي: نزلت سُورَة وَالضُّحَى إِلَى آخرهَا، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) و ﴿الضُّحَى﴾ قيل: أَرَادَ النَّهَار كُله، وَدَلِيله قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْل إِذا سجى﴾ (الضُّحَى: ٢) . فقابله بِاللَّيْلِ، وَقَالَ قَتَادَة وَمُقَاتِل: أَرَادَ وَقت الضُّحَى، وَهُوَ صدر النَّهَار حِين ترْتَفع الشَّمْس، ويعتدل النَّهَار من الْحر وَالْبرد فِي الشتَاء والصيف، وَقيل: هِيَ السَّاعَة الَّتِي كلم الله تَعَالَى فِيهَا مُوسَى، ﵊، والساعة الَّتِي ألْقى فِيهَا السَّحَرَة سجدا بَيَانه ﴿وان يحْشر النَّاس ضحى﴾ (طه: ٩٥) . وَقيل فِيهِ وَفِي أَمْثَاله إِضْمَار: رب، أَي: وَرب الضُّحَى. قَوْله: (وَاللَّيْل إِذا سجى) أَي: أقبل بظلامه، وَقَالَ الضَّحَّاك: غطى كل شَيْء، وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة: سكن بالخلق وَاسْتقر ظلامه، يُقَال: ليل سَاج وبحر سَاج إِذا كَانَ سَاكِنا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: أولى اوقوال عِنْدِي هَذَا، وَقَالَ الراجز: (يَا حبذا القمراء وَاللَّيْل الساج ... وطرق مثل ملاء النساج) وَعَن الْحسن: سجى جَاءَ، وَعَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: سجى بِمَعْنى ذهب. قَوْله: (مَا وَدعك) جَوَاب الْقسم أَي: مَا قَطعك رَبك قطع الْمُودع، وَقَالَ ابْن التِّين: معنى التَّشْدِيد مَا هُوَ آخر عَهْدك بِالْوَحْي، وَمعنى التَّخْفِيف مَا تَركك، وَالْمعْنَى وَاحِد. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: خبر أبي نعيم عَن سُفْيَان وَجه الْقِرَاءَة فِيهِ بِالتَّخْفِيفِ، وَوجه الْقِرَاءَة فِي رِوَايَة وَكِيع عَن سُفْيَان: وَدعك بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: التوديع مُبَالغَة فِي الودع، لِأَن من وَدعك مفارقا فقد بَالغ فِي تَركك. قلت: قِرَاءَة التَّخْفِيف شَاذَّة، وَالْعرب أماتوا ماضي: يدع، ويورد قِرَاءَة التَّخْفِيف وَيُجَاب بالشذوذ. قَوْله: (وَمَا قلى) أَي: وَمَا قلاك، أَي: وَمَا بغضك من: القلى، بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام وَهُوَ: البغض. فَإِن فتحت الْقَاف مددت تَقول: قلاه يقليه قلى وقلاء ويقلاه، لُغَة طي، وتقلى أَي: تبغض، وَإِنَّمَا حذف الْمَفْعُول حَيْثُ لم يقل: وَمَا قلاك، رِعَايَة للفواصل. ٥ - (بابُ تَحْرِيضِ النبيِّ ﷺ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ والنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تحريض النَّبِي ﷺ أمته أَو الْمُؤمنِينَ على قيام اللَّيْل، أَي: على صَلَاة اللَّيْل، وَكَذَا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة على صَلَاة اللَّيْل، وَهَذَا الْبَاب يشْتَمل على أَرْبَعَة أَحَادِيث: الأول: لأم سَلمَة. وَالثَّانِي: لعَلي بن أبي طَالب. وَالثَّالِث وَالرَّابِع: لأم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، قيل: اشْتَمَلت التَّرْجَمَة على أَمريْن: التحريض وَنفي الْإِيجَاب، فَحَدِيث أم سَلمَة وَعلي للْأولِ، وحديثا عَائِشَة للثَّانِي، وَقَالَ بَعضهم: بل يُؤْخَذ من الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة نفي الْإِيجَاب، وَيُؤْخَذ التحريض من حَدِيث عَائِشَة من قَوْلهَا: (كَانَ يدع الْعَمَل وَهُوَ يُحِبهُ) ، لِأَن كل شَيْء أحبه استلزم التحريض عَلَيْهِ لَوْلَا مَا عَارضه من خشيَة الإفتراض. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن حَدِيث أم سَلمَة يدل على نفي الْإِيجَاب، بل ظَاهره يُوهم الْإِيجَاب على مَا لَا يخفى على المتأمل، وَلكنه سَاكِت عَنهُ، وَظَاهره التحريض، وَلَا نسلم أَيْضا استلزام التحريض فِي شَيْء أحبه، وَكَذَلِكَ ظَاهر حَدِيث عَليّ يُوهم الْإِيجَاب بِدَلِيل قَوْله ﷺ حِين ولي: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلا﴾ (الْكَهْف: ٤٥) . وَلَكِن ظَاهره التحريض. قَوْله: (والنوافل) جمع نَافِلَة عطف

стр. 2043

على: قيام اللَّيْل، أَي: والتحريض على النَّوَافِل، فَإِن كَانَ المُرَاد من قيام اللَّيْل الصَّلَاة فَقَط، يكون من عطف الْعَام على الْخَاص، وَإِن كَانَ المُرَاد من قيام الَّيْلِ أَعم من الصَّلَاة وَالْقُرْآن وَالذكر والتفكر فِي الملكوت العلوية والسفلية وَغير ذَلِك، يكون من عطف الْخَاص على الْعَام. وَطَرَقَ النبيُّ ﷺ فاطِمَةَ وَعَلِيَّا ﵉ لَيْلَةً لِلصَّلَاةِ هَذَا التَّعْلِيق ذكره عقيب هَذَا بقوله: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان ... إِلَى آخِره. قَوْله: (طرق) ، من الطروق، وَهُوَ الْإِتْيَان بِاللَّيْلِ، يَعْنِي: أتاهما بِاللَّيْلِ للتحريض على الْقيام للصَّلَاة. ٦٢١١ - حدَّثنا ابنُ مُقَاتِل قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ عنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَيْقظَ لَيْلَةً فَقَالَ سُبْحَانَ الله ماذَا أُنْزِلَ اللَّيلَةَ مِنَ الفتْنَةِ مَاذَا أنزل مِنَ الخَزَائِنِ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ يَا رُبَّ كاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ تحريضا على قيام اللَّيْل، والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْعلم والعظة بِاللَّيْلِ، قَالَ: حَدثنَا صَدَقَة، قَالَ: أخبرنَا ابْن عُيَيْنَة عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام هُنَاكَ مستقصىً. وَعبد الله هَهُنَا: هُوَ ابْن الْمُبَارك. قَوْله: (يَا رُبَّ) المنادى مَحْذُوف أَي: يَا قوم رب كاسية. قَوْله: (عَارِية) بِالْجَرِّ صفة (كاسية) والْحَدِيث، وَإِن صدر فِي حق أَزوَاجه ﷺ ، وَلَكِن الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب، وَالتَّقْدِير: رب نفس كاسية، وَفِيه أَنه أعلمهُ الله أَنه يفتح على أمته من الخزائن، وَأَن الْفِتَن مقرونة بهَا، وَلذَلِك آثر كثير من السّلف الْقلَّة على الْغنى خوف فتْنَة المَال، وَقد استعاذ ﷺ من فتْنَة الْغنى كَمَا استعاذ من فتْنَة الْفقر. ٧٢١١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي علِيُّ بنُ حُسَيْنٍ أنَّ حُسَيْنَ بنَ عَلِيٍّ أخْبَرَهُ أنَّ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ أخبرهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ طَرَقَهُ وفاطِمَةَ بِنْتَ النبيِّ ﷺ لَيْلَةً فَقَالَ ألَا تُصَلِّيانِ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله أنْفُسُنا بِيَدِ الله فإذَا شاءَ أنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا فانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذالِكَ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيَّ شَيْئا ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وهْوَ يَقُولُ وَكانَ الإنْسَانُ أكْثرَ شيءٍ جدَلاً.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ طرق عليا وَفَاطِمَة لَيْلَة وحرضهما على قيام اللَّيْل بقوله: (أَلا تصليان؟) . ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب الْمَشْهُور بزين العابدين، تقدم فِي: بَاب من قَالَ فِي الْخطْبَة أما بعد فِي الْجُمُعَة. الْخَامِس: أَبوهُ الْحُسَيْن بن عَليّ. السَّادِس: جده عَليّ بن أبي طَالب. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه حمصيان والبقية مدنيون. وَفِيه: إِن إِسْنَاد زين العابدين من أصح الْأَسَانِيد وَأَشْرَفهَا الْوَارِدَة فِيمَن روى عَن أَبِيه عَن جده. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَوَاهُ اللَّيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن الْحسن بن عَليّ، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة حجاج بن أبي منيع عَن جده عَن الزُّهْرِيّ فِي (تَفْسِير ابْن مرْدَوَيْه) وَلَيْسَ كَذَلِك، وَالصَّوَاب عَن الْحُسَيْن بتصغير اللَّفْظ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وَرِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي الْيَمَان فِي الِاعْتِصَام وَفِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس،

стр. 2044

وَأخرجه أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي الِاعْتِصَام أَيْضا عَن مُحَمَّد بن سَلام، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عبيد الله بن سعيد وَأَعَادَهُ فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (طرقه) أَي: أَتَاهُ لَيْلًا. قَوْله: (وَفَاطِمَة) بِالنّصب عطفا على الضَّمِير الْمَنْصُور فِي: طرقه. قَوْله: (لَيْلَة) ، أَي: لَيْلَة من اللَّيَالِي فَإِن قلت: مَا فَائِدَة ذكر لَيْلَة والطروق هُوَ الْإِتْيَان بِاللَّيْلِ؟ قلت: يكون للتَّأْكِيد، وَذكر ابْن فَارس ان معنى: طرق أَتَى من غير تَقْيِيد بِشَيْء، فعلى هَذَا تكون لَيْلَة لبَيَان وَقت الْمَجِيء، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله: لَيْلَة، أَي: مرّة وَاحِدَة. قلت: هَذَا غير موجه لِأَن أحدا لم يقل: إِن التَّنْوِين فِيهِ للمرة، فَظن أَن كَون لَيْلَة على وزن فعلة يدل على الْمرة وَلَيْسَ كَذَلِك، وَالْمعْنَى مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أَلا تصليان؟) كلمة: أَلا، للحث والتحريض وَالْخطاب لعَلي وَفَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (أَنْفُسنَا بيد الله) اقتباس من قَوْله تَعَالَى: ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا﴾ (الزمر: ٢٤) . كَذَا قيل، وَفِيه نظر. قَوْله: (بعثنَا) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول، أَي: لَو شَاءَ الله أَن يوقظنا أيقظنا، وأصل الْبَعْث إثارة الشَّيْء من مَوْضِعه. قَوْله: (فَانْصَرف) أَي: رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (حِين قلت) ، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (حِين قُلْنَا) قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى قَوْله: (انفسنا بيد الله) . قَوْله: (وَلم يرجع إِلَيّ شَيْئا) ، بِفَتْح الْيَاء مَعْنَاهُ: لم يجبني، وَرجع يَأْتِي لَازِما ومتعديا. قَوْله: (وَهُوَ مول) جملَة إسمية وَقعت حَالا أَي: معرض عَنَّا مُدبرا. وَكَذَا قَوْله: (يضْرب فَخذه) ، جملَة حَالية، وَيفْعل ذَلِك عِنْد التوجع والتأسف. قَوْله: (وَهُوَ يَقُول كَذَلِك) جملَة حَالية، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك تَعَجبا من سرعَة جوابة، وَقيل: إِنَّمَا قَالَه تَسْلِيمًا لعذره وَأَنه لَا عتب عَلَيْهِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن السُّكُوت يكون جَوَابا. وَفِيه: جَوَاز ضرب الْفَخْذ عِنْد التأسف. وَفِيه: جَوَاز الانتزاع من الْقُرْآن. وَفِيه: تَرْجِيح قَول من قَالَ: إِن اللَّام فِي قَوْله: (وَكَانَ الْإِنْسَان) للْعُمُوم لَا لخُصُوص الْكفَّار. وَفِيه: منقبة لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَيْثُ نقل مَا فِيهِ عَلَيْهِ أدنى غَضَاضَة، فَقدم مصلحَة نشر الْعلم وتبليغه على كتمه. وَفِيه: مَا نقل ابْن بطال عَن الْمُهلب أَنه: لَيْسَ للْإِمَام أَن يشدد فِي النَّوَافِل حَيْثُ قنع ﷺ بقول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَنْفُسنَا بيد الله) ، لِأَنَّهُ كَلَام صَحِيح فِي الْعذر عَن التَّنَفُّل، وَلَو كَانَ فرضا مَا أعذره. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى أَن نفس النَّائِم ممسكة بيد الله تَعَالَى. ٨٢١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنْ كانَ رسولُ الله ﷺ لَيَدَعَ العَمَلَ وَهْوَ يُحِبُّ أنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ وَمَا سَبَّحَ رسولُ الله ﷺ سُبْحَةَ الضُّحاى قَطُّ وإنِّي لأُسَبِّحُهَا. (الحَدِيث ٨٢١١ طرفه فِي: ٧٧١١) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْعَمَل الَّذِي كَانَ للنَّبِي ﷺ يحب أَن يعْمل بِهِ لَا يَخْلُو عَن تحريض أمته عَلَيْهِ، غير أَنه كَانَ يتْركهُ خشيَة أَن يعْمل بِهِ النَّاس فيفرض عَلَيْهِم، وَيحْتَمل أَن تكون الْمُطَابقَة للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (والنوافل) فَإِنَّهَا أَعم من أَن تكون بِاللَّيْلِ أَو بِالنَّهَارِ، فَيكون مَحل الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِنِّي لأُسبحها) ، وَفِيه تحريض على ذَلِك، وَقد تكَرر ذكر رِجَاله. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، أربعتهم عَن مَالك عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. قَوْله: (أَن كَانَ) ، كلمة: إِن، بِكَسْر الْهمزَة مُخَفّفَة عَن الثَّقِيلَة، وَأَصله: إِنَّه كَانَ، فَحذف ضمير الشان وخففت النُّون. قَوْله: (ليَدع) ، بِفَتْح اللَّام الَّتِي للتَّأْكِيد، أَي: ليترك. قَوْله: (خشيَة) بِالنّصب أَي: لأجل خشيَة أَن يعْمل بِهِ النَّاس، وَهُوَ مُتَعَلق بقوله: (ليَدع) . قَوْله: (فيفرض) ، بِالنّصب عطفا على: (أَن يعْمل. قَوْله: (وَمَا سبح) أَي: وَمَا تفل، وَأَرَادَ بسبحة الضُّحَى: صَلَاة الضُّحَى. قَوْله: (وَإِنِّي لأسبحها) أَي: أصليها، ويروى لاستحبها من الِاسْتِحْبَاب، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا من عَائِشَة إِخْبَار عَمَّا عَلمته دون مَا لم تعلم، وَقد ثَبت أَنه ﷺ صلى صَلَاة الضُّحَى يَوْم الْفَتْح، وَأوصى أَبَا ذَر وَأَبا هُرَيْرَة، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أما قَوْلهَا: مَا سبح سبْحَة الضُّحَى قطّ، فَهُوَ أَن من علم من السّنَن علما خَاصّا يَأْخُذ عَنهُ بعض أهل الْعلم دون بعض، فَلَيْسَ لأحد من الصَّحَابَة إلاّ وَقد فَاتَهُ من الحَدِيث مَا أَحْصَاهُ غَيره، والإحاطة

стр. 2045

ممتنعة، وَإِنَّمَا حصل الْمُتَأَخّرُونَ علم ذَلِك مُنْذُ صَار الْعلم فِي الْكتب، وَالنَّبِيّ ﷺ مَا كَانَ يكون عِنْد عَائِشَة فِي وَقت الضُّحَى إِلَّا فِي نَادِر من الْأَوْقَات، فإمَّا مُسَافر أَو حَاضر فِي الْمَسْجِد أَو غَيره أَو عِنْد بعض نِسَائِهِ، وَمَتى يَأْتِي يَوْمهَا بعد تِسْعَة فَيصح قَوْلهَا: مَا رَأَيْته يُصليهَا، وَتَكون قد علمت بِخَبَرِهِ أَو بِخَبَر غَيره أَنه صلاهَا، أَو المُرَاد بِمَا يُصليهَا؛ مَا يداوم عَلَيْهَا. فَيكون نفيا للمداومة لَا لأصلها. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ، ﵀ قَوْله: (فيفرض عَلَيْهِم) ، يحْتَمل على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: فيفرضه الله تَعَالَى. وَالثَّانِي: فيعملوا بِهِ اعتقادا أَنه مَفْرُوض. وَقَالَ ابْن بطال: يحْتَمل حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مَعْنيين: أَحدهمَا: أَنه يُمكن أَن يكون هَذَا القَوْل مِنْهُ فِي وَقت فرض عَلَيْهِ قيام اللَّيْل دون أمته، لقَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (لم يَمْنعنِي من الْخُرُوج إِلَيْكُم إلاّ أَنِّي خشيت أَن تفرض عَلَيْكُم) ، فَدلَّ على أَنه كَانَ فرضا عَلَيْهِ وَحده، فَيكون معنى قَول عَائِشَة: (إِن كَانَ رَسُول الله ﷺ ليَدع الْعَمَل) أَنه كَانَ يدع عمله لأمته ودعاءهم إِلَى فعلهم مَعَه، لَا أَنَّهَا أَرَادَت أَنه كَانَ يدع الْعَمَل أصلا، وَقد فَرْضه الله عَلَيْهِ، أَو نَدبه إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ أتقى أمته وأشدهم إجتهادا. ألَا ترَى أَنه لما اجْتمع النَّاس من اللَّيْلَة الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة لم يخرج إِلَيْهِم؟ وَلَا شكّ أَنه صلى حزبه تِلْكَ اللَّيْلَة فِي بَيته، فخشي إِن خرج إِلَيْهِم والتزموا مَعَه صَلَاة اللَّيْل أَن يُسَوِّي الله، ، بَينه وَبينهمْ فِي حكمهَا، فيفرضها عَلَيْهِم من أجل أَنَّهَا فرض عَلَيْهِ إِذْ الْمَعْهُود فِي الشَّرِيعَة مُسَاوَاة حَال الإِمَام وَالْمَأْمُوم فِي الصَّلَاة، فَمَا كَانَ مِنْهَا فَرِيضَة فالإمام وَالْمَأْمُوم فِيهِ سَوَاء، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهَا سنة أَو نَافِلَة. الثَّانِي: أَن يكون خشِي من مواظبتهم على صَلَاة اللَّيْل مَعَه أَن يضعفوا عَنْهَا فَيكون من تَركهَا عَاصِيا لله فِي مُخَالفَته لنَبيه وَترك أَتْبَاعه متوعدا بالعقاب على ذَلِك، لِأَن الله تَعَالَى فرض اتِّبَاعه، فَقَالَ: ﴿واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٥١) . وَقَالَ فَيتْرك أَتْبَاعه ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ (النُّور: ٣٦) . فخشي على تاركها أَن يكون كتارك مَا فرض الله عَلَيْهِ، لِأَن طَاعَة الرَّسُول كطاعته، وَكَانَ ﷺ رَفِيقًا بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما بهم. فَإِن قيل: كَيفَ يجوز أَن تكْتب عَلَيْهِم صَلَاة اللَّيْل وَقد أكملت الْفَرَائِض؟ قيل لَهُ: صَلَاة اللَّيْل كَانَت مَكْتُوبَة على النَّبِي ﷺ وأفعاله الَّتِي تتصل بالشريعة وَاجِب على أمته الِاقْتِدَاء بِهِ فِيهَا، وَكَانَ أَصْحَابه إِذا رَأَوْهُ يواظب على فعل فِي وَقت مَعْلُوم يقتدون بِهِ ويرونه وَاجِبا، فَالزِّيَادَة إِنَّمَا يتَّصل وُجُوبهَا عَلَيْهِم من جِهَة وجوب الِاقْتِدَاء بِفِعْلِهِ، لَا من جِهَة ابْتِدَاء فرض زَائِد على الْخمس، أَو يكون أَن الله تَعَالَى لما فرض الْخمسين وحطها بِشَفَاعَتِهِ ﷺ فَإِذا عَادَتْ الْأمة فِيمَا استوهبت والتزمت متبرعة مَا كَانَت استعفت مِنْهُ، لم يستنكر ثُبُوته فرضا عَلَيْهِم، وَقد ذكر الله تَعَالَى فريقا من النَّصَارَى وَأَنَّهُمْ ابتدعوا رَهْبَانِيَّة مَا كتبناها عَلَيْهِم، ثمَّ لامهم لما قصروا فِيهَا بقوله تَعَالَى: ﴿فَمَا رعوها حق رعايتها﴾ (الْحَدِيد: ٧٢) . فخشي ﷺ أَن يَكُونُوا مثلهم، فَقطع الْعَمَل شَفَقَة على أمته. ٩٢١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ. قالَ أخْبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشةَ أمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رسولَ الله ﷺ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي المَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ ناسٌ ثُمَّ صَلَّى مِنَ القَابِلَةِ فكَثُرَ النَّاسُ ثُم اجتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةَ أوِ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ رسولُ الله ﷺ فَلمَّا أصْبَحَ قَالَ قَدْ رَأيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ ولَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إلَيْكُمْ إلَاّ أنِّي خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ وَذالِكَ فِي رَمَضَانَ.. هَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مثل إِسْنَاد الحَدِيث الأول. قَوْله: (صلى ذَات لَيْلَة فِي الْمَسْجِد) أَي: صلى صَلَاة اللَّيْل فِي لَيْلَة من ليَالِي رَمَضَان. قَوْله: (ثمَّ صلى من الْقَابِلَة) أَي: من اللَّيْلَة الثَّانِيَة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (ثمَّ صلى من الْقَابِل) أَي: من الْوَقْت الْقَابِل من اللَّيْلَة الْقَابِلَة. قَوْله: (من اللَّيْلَة الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة) ، كَذَا رَوَاهُ مَالك بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَة عقيل عَن ابْن شهَاب: (فصلى النَّاس بِصَلَاتِهِ فَأصْبح النَّاس فتحدثوا) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب: (يتحدثون بذلك) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن ابْن جريج عَن ابْن شهَاب: (فَلَمَّا أصبح تحدثُوا أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي الْمَسْجِد من جَوف اللَّيْل، فَاجْتمع أَكثر مِنْهُم) ، وَزَاد يُونُس (فَخرج رَسُول الله ﷺ فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة فصلوا مَعَه، فَأصْبح النَّاس يذكرُونَ ذَلِك، فَكثر أهل الْمَسْجِد فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة، فَخرج فصلوا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَت الرَّابِعَة عجز الْمَسْجِد عَن أَهله) . وَفِي رِوَايَة ابْن جريج أَيْضا: (حَتَّى كَاد الْمَسْجِد يعجز عَن

стр. 2046

أَهله) ، وَلأَحْمَد فِي رِوَايَة عَن معمر عَن ابْن شهَاب: امْتَلَأَ الْمَسْجِد حَتَّى اغتص بأَهْله) ، وَله من رِوَايَة سُفْيَان بن حُسَيْن عَنهُ: (فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الرَّابِعَة غص الْمَسْجِد بأَهْله) . قَوْله: (فَلم يخرج إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن ابْن جريج: (حَتَّى سَمِعت نَاسا مِنْهُم يَقُولُونَ: الصَّلَاة) ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بن حُسَيْن عَنهُ: (فَقَالُوا مَا شَأْنه؟) وَفِي حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام: حَدثنَا إِسْحَاق أخبرنَا عَفَّان حَدثنَا وهيب حَدثنَا مُوسَى بن عقبَة سَمِعت أَبَا النَّضر يحدث عَن بسر بن سعيد، (عَن زيد بن ثَابت: أَن النَّبِي ﷺ اتخذ حجرَة فِي الْمَسْجِد من حَصِير، فصلى رَسُول الله ﷺ فِيهَا ليَالِي حَتَّى اجْتمع إِلَيْهِ نَاس، ثمَّ فقدوا صَوته لَيْلَة فظنوا أَنه قد نَام، فَجعل بَعضهم يَتَنَحْنَح ليخرج إِلَيْهِم فَقَالَ: مَا زَالَ بكم الَّذِي رَأَيْت من صنيعكم حَتَّى خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم، وَلَو كتب عَلَيْكُم مَا قُمْتُم بِهِ، فصلوا أَيهَا النَّاس فِي بُيُوتكُمْ فَإِن أفضل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلاّ الْمَكْتُوبَة) . وَأخرجه أَيْضا فِي الْأَدَب، وَلَفظه: (احتجر رَسُول الله ﷺ حجيرة مخصفة، أَو حجيرا فَخرج رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي فِيهَا فتتبع إِلَيْهِ رجال فجاؤا يصلونَ بصلاتهم، ثمَّ جاؤا لَيْلَة فَحَضَرُوا وَأَبْطَأ رَسُول الله ﷺ عَنْهُم، فَلم يخرج إِلَيْهِم، فَرفعُوا أَصْوَاتهم وحصبوا الْبَاب، فَخرج إِلَيْهِم مغضبا فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ : مَا زَالَ بكم صنيعكم حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيكتب عَلَيْكُم، فَعَلَيْكُم بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتكُمْ فَإِن خير صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلاّ الْمَكْتُوبَة) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَفِيه: (فَأَبْطَأَ رَسُول الله ﷺ عَنْهُم فَلم يخرج إِلَيْهِم، فَرفعُوا أَصْوَاتهم وحصبوا الْبَاب. .) وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا وَفِيه: (حَتَّى إِذا كَانَ لَيْلَة من اللَّيَالِي لم يخرج إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ ، فتنحنحوا وَرفعُوا أَصْوَاتهم وحصبوا بَابه. .) الحَدِيث. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ. قَوْله: (فَلَمَّا أصبح قَالَ: قد رَأَيْت الَّذِي صَنَعْتُم) وَفِي رِوَايَة عقيل: (فَلَمَّا قضى صَلَاة الْفجْر أقبل على النَّاس وَتشهد ثمَّ قَالَ: أما بعد، فَإِنَّهُ لم يخف على مَكَانكُمْ) . وَفِي رِوَايَة يُونُس وَابْن جريج: (لم يخف عَليّ شَأْنكُمْ) ، وَفِي رِوَايَة أبي سَلمَة: (أكلفوا من الْعَمَل مَا تطيقون، وَفِي رِوَايَة معمر أَن الَّذِي سَأَلَهُ عَن ذَلِك بعد أَن أصبح عمر بن الْخطاب. قَوْله: (أَن تفرض عَلَيْكُم) أَي: بِأَن تفرض عَلَيْكُم صَلَاة اللَّيْل، يدل عَلَيْهِ رِوَايَة يُونُس: (وَلَكِنِّي خشيت أَن تفرض عَلَيْكُم صَلَاة اللَّيْل فتعجزوا عَنْهَا) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي سَلمَة الْمَذْكُور قبيل صفة الصَّلَاة، (خشيت أَن تكْتب عَلَيْكُم صَلَاة اللَّيْل) ، فدلت هَذِه الرِّوَايَات على أَن عدم خُرُوجه ﷺ إِلَيْهِم كَانَ للخشية عَن فَرضِيَّة هَذِه الصَّلَاة لَا لعِلَّة أُخْرَى. قَوْله: (وَذَلِكَ فِي رَمَضَان) كَلَام عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ذكرته إدراجا لتبين أَن هَذِه الْقَضِيَّة كَانَت فِي شهر رَمَضَان. فَإِن قلت: لم يبين فِي الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة عدد هَذِه الصَّلَاة الَّتِي صلاهَا رَسُول الله ﷺ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي؟ قلت: روى ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ فِي رَمَضَان ثَمَان رَكْعَات ثمَّ أوتر) . (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز النَّافِلَة جمَاعَة وَلَكِن الْأَفْضَل فِيهَا الِانْفِرَاد وَفِي التَّرَاوِيح اخْتلف الْعلمَاء فَذهب اللَّيْث بن سعد وَعبد الله بن الْمُبَارك وَأحمد وَإِسْحَق إِلَى أَن قيام التَّرَاوِيح مَعَ الإِمَام فِي شهر رَمَضَان أفضل مِنْهُ فِي الْمنَازل وَقَالَ بِهِ قوم من الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَأَصْحَاب الشَّافِعِي فَمن أَصْحَاب أبي حنيفَة عِيسَى بن أبان وبكار بن قُتَيْبَة وَأحمد بن أبي عمرَان أحد مَشَايِخ الطَّحَاوِيّ وَمن أَصْحَاب الشَّافِعِي إِسْمَاعِيل بن يحيى الْمُزنِيّ وَمُحَمّد بن عبد الله بن الحكم وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " صمت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - رَمَضَان فَلم يقم بِنَا حَتَّى بَقِي سبع من الشَّهْر فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة السَّابِعَة خرج فصلى بِنَا حَتَّى مضى ثلث اللَّيْل ثمَّ لم يصل بِنَا السَّادِسَة ثمَّ خرج لَيْلَة الْخَامِسَة فصلى بِنَا حَتَّى مضى شطر اللَّيْل فَقُلْنَا يَا رَسُول الله لَو نفلتنا فَقَالَ إِن الْقَوْم إِذا صلوا مَعَ الإِمَام حَتَّى ينْصَرف كتب لَهُم قيام تِلْكَ اللَّيْلَة ثمَّ لم يصل بِنَا الرَّابِعَة حَتَّى إِذا كَانَت لَيْلَة الثَّالِثَة خرج وَخرج بأَهْله فصلى بِنَا حَتَّى خشينا أَن يفوتنا الْفَلاح فَقلت وَمَا الْفَلاح قَالَ السّحُور " أخرجه الطَّحَاوِيّ وأخره التِّرْمِذِيّ نَحوه غير أَن فِي لَفظه " من قَامَ مَعَ الإِمَام حَتَّى ينْصَرف كتب لَهُ قيام لَيْلَة " وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا ويحكى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَمُحَمّد بن سِيرِين وَطَاوُس (قلت) هُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة وَقَالَ صَاحب الْهِدَايَة يسْتَحبّ أَن يجْتَمع النَّاس فِي شهر رَمَضَان بعد الْعشَاء فَيصَلي بهم إمَامهمْ خمس ترويحات ثمَّ قَالَ وَالسّنة فِيهَا الْجَمَاعَة لَكِن على وَجه الْكِفَايَة حَتَّى لَو امْتنع أهل الْمَسْجِد من إِقَامَتهَا كَانُوا مسيئين وَلَو أَقَامَهَا الْبَعْض فالمتخلف عَن الْجَمَاعَة تَارِك للفضيلة لِأَن أَفْرَاد الصَّحَابَة يرْوى عَنْهُم التَّخَلُّف (قلت) روى الطَّحَاوِيّ عَن نَافِع " عَن ابْن عمر أَنه كَانَ لَا يُصَلِّي خلف الإِمَام فِي شهر

стр. 2047

رَمَضَان " وَأخرج ابْن أبي شيبَة أَيْضا فِي مُصَنفه " عَن ابْن عمر أَنه كَانَ لَا يقوم مَعَ النَّاس فِي شهر رَمَضَان قَالَ وَكَانَ الْقَاسِم وَسَالم لَا يقومان مَعَ النَّاس " وَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَرَبِيعَة إِلَى أَن صلَاته فِي بَيته أفضل من صلَاته مَعَ الإِمَام وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالْأسود وعلقمة وَقَالَ أَبُو عمر اخْتلفُوا فِي الْأَفْضَل من الْقيام مَعَ النَّاس أَو الِانْفِرَاد فِي شهر رَمَضَان فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ صَلَاة الْمُنْفَرد فِي بَيته أفضل وَقَالَ مَالك وَكَانَ ربيعَة وَغير وَاحِد من عُلَمَائِنَا يَنْصَرِفُونَ وَلَا يقومُونَ مَعَ النَّاس وَقَالَ مَالك وَأَنا أفعل ذَلِك وَمَا قَامَ رَسُول الله ﷺ َ - إِلَّا فِي بَيته وَإِلَيْهِ مَال الطَّحَاوِيّ وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَسَالم وَالقَاسِم وَنَافِع أَنهم كَانُوا يَنْصَرِفُونَ وَلَا يقومُونَ مَعَ النَّاس وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَاخْتَارَ الشَّافِعِي أَن يُصَلِّي الرجل وَحده إِذا كَانَ قَارِئًا وَالْكَلَام فِي التَّرَاوِيح على أَنْوَاع. الأول أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِيهَا هَل هِيَ سنة أَو تطوع مُبْتَدأ فَقَالَ الإِمَام حميد الدّين الضزيري ﵀ نفس التَّرَاوِيح سنة وَأما أَدَاؤُهَا بِالْجَمَاعَة فمستحب وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَن نفس التَّرَاوِيح سنة لَا يجوز تَركهَا وَقَالَ الصَّدْر الشَّهِيد هُوَ الصَّحِيح وَفِي جَوَامِع الْفِقْه التَّرَاوِيح سنة مُؤَكدَة وَالْجَمَاعَة فِيهَا وَاجِبَة وَفِي رَوْضَة الْحَنَفِيَّة وَالْجَمَاعَة فَضِيلَة وَفِي الذَّخِيرَة لنا عَن أَكثر الْمَشَايِخ أَن إِقَامَتهَا بِالْجَمَاعَة سنة على الْكِفَايَة الثَّانِي أَن عَددهَا عشرُون رَكْعَة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَنَقله القَاضِي عَن جُمْهُور الْعلمَاء وَحكي أَن الْأسود بن يزِيد كَانَ يقوم بِأَرْبَعِينَ رَكْعَة ويوتر بِسبع وَعند مَالك سِتَّة وَثَلَاثُونَ رَكْعَة غير الْوتر وَاحْتج على ذَلِك بِعَمَل أهل الْمَدِينَة وَاحْتج أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيَّة والحنابلة بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح " عَن السَّائِب بن يزِيد الصَّحَابِيّ قَالَ كَانُوا يقومُونَ على عهد عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِعشْرين رَكْعَة وعَلى عهد عُثْمَان وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مثله " وَفِي الْمُغنِي عَن عَليّ أَنه أَمر رجلا أَن يُصَلِّي بهم فِي رَمَضَان بِعشْرين رَكْعَة قَالَ وَهَذَا كالإجماع (فَإِن قلت) قَالَ فِي الْمُوَطَّأ عَن يزِيد بن رُومَان قَالَ كَانَ النَّاس فِي زمن عمر يقومُونَ فِي رَمَضَان بِثَلَاث وَعشْرين رَكْعَة (قلت) قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَالثَّلَاث هُوَ الْوتر وَيزِيد لم يدْرك عمر فَيكون مُنْقَطِعًا وَالْجَوَاب عَمَّا قَالَه مَالك أَن أهل مَكَّة كَانُوا يطوفون بَين كل ترويحتين وَيصلونَ رَكْعَتي الطّواف وَلَا يطوفون بعد الترويحة الْخَامِسَة فَأَرَادَ أهل الْمَدِينَة مساواتهم فَجعلُوا مَكَان كل طواف أَربع رَكْعَات فزادوا سِتّ عشرَة رَكْعَة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - أَحَق وَأولى أَن يتبع الثَّالِث فِي وَقتهَا وَهُوَ بعد الْعشَاء وَقبل الْوتر عندنَا وَهُوَ قَول عَامَّة مَشَايِخ بُخَارى وَالأَصَح أَن وَقتهَا بعد الْعشَاء إِلَى آخر اللَّيْل قبل الْوتر وَبعده وَفِي الْمَبْسُوط الْمُسْتَحبّ فعلهَا إِلَى نصف اللَّيْل أَو ثلثه كَمَا فِي الْعشَاء وَفِي الْمُحِيط لَا يجوز قبل الْعشَاء وَيجوز بعد الْوتر وَلم يحك فِيهِ خلافًا. الرَّابِع أَن أَكثر الْمَشَايِخ على أَن السّنة فِيهَا الْخَتْم فَلَا يتْرك لكسل الْقَوْم وَقيل يقْرَأ مِقْدَار مَا يقْرَأ فِي الْمغرب تَحْقِيقا للتَّخْفِيف قَالَ شمس الْأَئِمَّة هَذَا غير مستحسن وَقيل يقْرَأ من عشْرين آيَة إِلَى ثَلَاثِينَ آيَة كَمَا أَمر عمر بن الْخطاب أحد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة على مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ قَالَ دَعَا عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بذلك من الْقُرَّاء فاستقرأهم فَأمر أسرعهم قِرَاءَة أَن يقْرَأ للنَّاس بِثَلَاثِينَ آيَة فِي كل رَكْعَة وأوسطهم بِخمْس وَعشْرين آيَة وأبطأهم بِعشْرين آيَة (وَمن فَوَائِد الحَدِيث الْمَذْكُور) جَوَاز الِاقْتِدَاء بِمن لم ينْو إِمَامَته وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور إِلَّا رِوَايَة عَن الشَّافِعِي. وَفِيه إِذا تَعَارَضَت مصلحَة وَخَوف مفْسدَة أَو مصلحتان اعْتبر أهمهما لِأَنَّهُ ﷺ َ - كَانَ رأى الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد لبَيَان الْجَوَاز أَو أَنه كَانَ معتكفا فَلَمَّا عَارضه خوف الافتراض عَلَيْهِم تَركه لعظم الْمفْسدَة الَّتِي تخَاف من عجزهم وتركهم الْفَرْض. وَفِيه أَن الإِمَام أَو كَبِير الْقَوْم إِذا فعل شَيْئا خلاف مَا يتوقعه أَتْبَاعه وَكَانَ لَهُ عذر فِيهِ يذكرهُ لَهُم تطييبا لقُلُوبِهِمْ وإصلاحا لذات الْبَيْت لِئَلَّا يَظُنُّوا خلاف هَذَا وَرُبمَا ظنُّوا ظن السوء وَفِيه جَوَاز الْفِرَار من قدر الله إِلَى قدر الله قَالَه الْمُهلب. وَفِيه مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ - من الزهادة فِي الدُّنْيَا والاكتفاء بِمَا قل مِنْهَا والشفقة على أمته والرأفة بهم. وَفِيه الْأَذَان وَالْإِقَامَة للنوافل إِذا صليت جمَاعَة قَالَ ابْن بطال. وَفِيه أَن قيام رَمَضَان سنة بِالْجَمَاعَة وَلَيْسَ كَمَا زَعمه بَعضهم أَنه سنة عمر ﵁ وَقَالَ أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز تَعْطِيل الْمَسَاجِد عَن قيام رَمَضَان فَهُوَ وَاجِب على الْكِفَايَة

стр. 2048

(بَاب قيام النَّبِي ﷺ َ - حَتَّى ترم قدماه) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان قيام النَّبِي ﷺ َ - يَعْنِي صَلَاة اللَّيْل هَذِه التَّرْجَمَة على هَذَا الْوَجْه رِوَايَة كَرِيمَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بَاب قيام النَّبِي ﷺ َ - اللَّيْل قَوْله " حَتَّى ترم " كلمة حَتَّى للغاية وَمَعْنَاهَا إِلَى أَن ترم وَلَفْظَة ترم مَنْصُوبَة بِأَن الْمقدرَة وَهُوَ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق فعل مضارع للمؤنث وماضيه ورم وَهُوَ من بَاب فعل يفعل بِالْكَسْرِ فيهمَا تَقول ورم يرم ورما وَمعنى ورم انتفخ وأصل ترم تورم فحذفت الْوَاو مِنْهُ كَمَا حذفت من بعد ويمق وَنَحْوهمَا فِي كل مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَاب قيل هَذَا شَاذ وَقيل نَادِر وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ قَلِيل لِأَنَّهُ لَا يدْخل فِي دعائم الْأَبْوَاب وَقَوله " قدماه " مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل ترم. (وَقَالَت عَائِشَة ﵂ قَامَ النَّبِي ﷺ َ - حَتَّى تفطر قدماه والفطور الشقوق انفطرت انشقت) ويروى " قَامَ رَسُول الله ﷺ َ - " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني قَالَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا " كَانَ يقوم " وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير مُسْندًا فِي سُورَة الْفَتْح " حَتَّى تفطر " على وزن تفعل بِالتَّشْدِيدِ بتاء وَاحِدَة وَهُوَ على صِيغَة الْمَاضِي فَتكون الرَّاء مَفْتُوحَة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ تتفطر بتاءين وَقد يَأْتِي فِيمَا كَانَ بتاءين حذف إِحْدَاهمَا كَمَا فِي قَوْله " نَار تلظى " أَصله تتلظى بتاءين فَلم تحذف هَهُنَا فعلى هَذَا تكون الرَّاء مَضْمُومَة وعَلى الأَصْل رِوَايَة الْأصيلِيّ وَقَوله " قدماه " مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل " تفطر ". (حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ حَدثنَا مسعر عَن زِيَاد قَالَ سَمِعت الْمُغيرَة ﵁ يَقُول إِن كَانَ النَّبِي ﷺ َ - ليقوم أَو ليُصَلِّي حَتَّى ترم قدماه أَو ساقاه فَيُقَال لَهُ فَيَقُول أَفلا أكون عبدا شكُورًا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي مسعر بِكَسْر الْمِيم بن كدام العامري الْهِلَالِي مر فِي بَاب الْوضُوء بِالْمدِّ. الثَّالِث زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن علاقَة الثَّعْلَبِيّ مر فِي آخر كتاب الْإِيمَان. الرَّابِع الْمُغيرَة بن شُعْبَة. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَفِيه السماع وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رجال إِسْنَاده كوفيون وَهُوَ من الرباعيات وَفِيه مسعر عَن زِيَاد وَقَالَ البُخَارِيّ فِي الرقَاق عَن خَلاد بن يحيى عَن مسعر حَدثنَا زِيَاد بن علاقَة والحفاظ من أَصْحَاب مسعر رووا عَنهُ عَن زِيَاد وَخَالفهُم مُحَمَّد بن بشر وَحده فَرَوَاهُ عَن مسعر عَن قَتَادَة عَن أنس أخرجه الْبَزَّار وَقَالَ الصَّوَاب عَن مسعر عَن زِيَاد وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة أبي قَتَادَة الْحَرَّانِي عَن مسعر عَن عَليّ بن الْأَقْمَر عَن أبي جُحَيْفَة قيل أَخطَأ فِيهِ أَيْضا وَالصَّوَاب مسعر عَن زِيَاد بن علاقَة (قلت) مسعر كَمَا روى عَن زِيَاد روى أَيْضا عَن عَليّ بن الْأَقْمَر فَمَا وَجه التخطئة وَلم يبين مدعيها (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق عَن خَلاد بن يحيى وَفِي التَّفْسِير عَن صَدَقَة ابْن الْفضل عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأخرجه مُسلم فِي أَوَاخِر الْكتاب عَن قُتَيْبَة وَعَن ابْن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة وَبشر بن معَاذ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعمر بن مَنْصُور وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة أَيْضا عَن أبي عوَانَة بِهِ وَفِي الرقَاق عَن سُوَيْد بن نصر وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن هِشَام بن عمار (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " إِن كَانَ ليقوم " كلمة إِن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَهِي بِكَسْر الْهمزَة وَضمير الشَّأْن فِيهِ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير أَنه كَانَ وَاللَّام فِي ليقوم مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة " ليقوم يُصَلِّي " وَفِي حَدِيث عَائِشَة " كَانَ يقوم من اللَّيْل " قَوْله " أَو ليُصَلِّي " شكّ من الرَّاوِي قَوْله " حَتَّى ترم " قد مر تَفْسِيره عَن قريب وَفِي رِوَايَة خَلاد بن يحيى " حَتَّى ترم أَو تنتفخ " وَعند التِّرْمِذِيّ " حَتَّى انتفخت قدماه " وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي تَفْسِير الْفَتْح " حَتَّى تورمت " وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أبي

стр. 2049

هُرَيْرَة حَتَّى تزلع وَلَا اخْتِلَاف فِي الْحَقِيقَة فِي هَذِه الرِّوَايَة لِأَن كلهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد وروى الْبَزَّار من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سفينة عَن أَبِيه عَن جده " أَن النَّبِي ﷺ َ - تعبد قبل أَن يَمُوت وَاعْتَزل النِّسَاء حَتَّى صَار كَأَنَّهُ شن " وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن الْحجَّاج قَالَ ابْن معِين لَيْسَ بِثِقَة قَوْله " أَو ساقاه " شكّ من الرَّاوِي وَفِي رِوَايَة خَلاد " قدماه " من غير شكّ قَوْله " فَيُقَال لَهُ " لم يذكر الْمَقُول وَلَا بَين الْقَائِل من هُوَ أما الْمَقُول فمقدر تَقْدِيره فَيُقَال لَهُ غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه الْبَزَّار " فَقيل لَهُ يَا رَسُول الله أتفعل هَذَا وَقد جَاءَك من الله أَن قد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَفِي حَدِيث أنس أخرجه الْبَزَّار أَيْضا وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط " فَقيل لَهُ أَلَيْسَ قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أخرجه الطَّبَرَانِيّ الصَّغِير " فَقيل لَهُ يَا رَسُول الله أوليس الله قد غفر لَك " وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بن بشير أخرجه الطَّبَرَانِيّ " فَقيل يَا رَسُول الله أوليس الله قد غفر لَك " وَفِي حَدِيث أبي جُحَيْفَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير " فَقيل يَا رَسُول الله قد غفر الله لَك " وَأما بَيَان الْقَائِل فَفِي حَدِيث عَائِشَة " لم تصنع هَذَا يَا رَسُول الله وَقد غفر الله لَك " وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة " فَقيل لَهُ أتتكلف هَذَا " قَوْله " أَفلا أكون عبدا شكُورًا " الْفَاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة بَيَان أَن الشُّكْر سَبَب للمغفرة والتهجد هُوَ الشُّكْر فَلَا يتْركهُ (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَن أَخذ الْإِنْسَان على نَفسه بالشدة فِي الْعِبَادَة وَإِن أضرّ ذَلِك بِبدنِهِ وَله أَن يَأْخُذ بِالرُّخْصَةِ ويكلف نَفسه بِمَا سمحت إِلَّا أَن الْأَخْذ بالشدة أفضل لِأَنَّهُ إِذا فعل ﷺ َ - وَقد غفر لَهُ فَكيف من لم يعلم أَنه اسْتحق النَّار أم لَا وَإِنَّمَا ألزم الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أنفسهم شدَّة الْخَوْف لعلمهم عَظِيم نعْمَة الله عَلَيْهِم وَأَنه ابتدأهم بهَا قبل اسْتِحْقَاقهَا فبذلوا مجهودهم فِي شكره مَعَ أَن حُقُوق الله تَعَالَى أعظم من أَن يقوم بهَا الْعباد وَقَالَ بعض الْعلمَاء مَا ورد فِي الْقُرْآن وَالسّنة من ذكر ذَنْب لبَعض الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كَقَوْلِه ﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ وَنَحْو ذَلِك فَلَيْسَ لنا أَن نقُول ذَلِك فِي غير الْقُرْآن وَالسّنة حَيْثُ ورد ويؤول ذَلِك على ترك الأولى وَسميت ذنوبا لعظم مقدارهم كَمَا قَالَ بَعضهم حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين وعَلى هَذَا فَمَا وَجه قَول من سَأَلَهُ من الصَّحَابَة بقوله " أتتكلف هَذَا وَقد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَالْجَوَاب أَن من سَأَلَهُ عَن ذَلِك إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا وَقع فِي سُورَة الْفَتْح وَلَعَلَّ بعض الروَاة اختصر عزو ذَلِك إِلَى الله لما جَاءَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة " تفعل ذَلِك وَقد جَاءَك من الله أَن قد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَلَك أَن تَقول دلّ قَوْله " وَمَا تَأَخّر " على انْتِفَاء الذَّنب لِأَن مَا لم يَقع إِلَى الْآن لَا يُسمى ذَنبا فِي الْخَارِج وَأَرَادَ الله تأمينه بذلك لشدَّة خَوفه حَيْثُ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - " إِنِّي لأعلمكم بِاللَّه وأشدكم لَهُ خشيَة " فَأَرَادَ لَو وَقع مِنْك ذَنْب لَكَانَ مغفورا وَلَا يلْزم من فرض ذَلِك وُقُوعه وَالله تَعَالَى أعلم. وَفِي " أَفلا أكون عبدا شكُورًا " أَن الشُّكْر يكون بِالْعَمَلِ كَمَا يكون بِاللِّسَانِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا﴾ فَإِذا وَفقه الله تَعَالَى لعمل صَالح شكر ذَلِك بِعَمَل آخر ثمَّ يكون شكر ذَلِك الْعلم الثَّانِي بِعَمَل آخر ثَالِث فيتسلسل ذَلِك إِلَى غير نِهَايَة (بَاب من نَام عِنْد السحر) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من نَام عِنْد السحر وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ والكشميهني " عِنْد السّحُور " السحر بِفتْحَتَيْنِ قبيل الصُّبْح تَقول لَقيته سحرنَا هَذَا إِذا أردْت بِهِ سحر ليلتك لم تصرفه لِأَنَّهُ معدول عَن الْألف وَاللَّام وَهُوَ معرفَة وَقد غلب عَلَيْهِ التَّعْرِيف بِغَيْر إِضَافَة وَلَا ألف وَلَام وَإِذا أردْت بِسحر بكرَة صرفته كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا آل لوط نجيناهم بِسحر﴾ والسحور مَا يتسحر بِهِ وَهُوَ أَيْضا لَا يكون إِلَّا قبيل الصُّبْح وَلكُل وَاحِد من الرِّوَايَتَيْنِ وَجه وَلَكِن عِنْد السحر أوجه وَأقرب ١٦٠ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار أَن عَمْرو بن أَوْس أخبرهُ أَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ﵄ أخبرهُ أَن رَسُول الله

стр. 2050

- ﷺ َ - قَالَ أحب الصَّلَاة إِلَى الله صَلَاة دَاوُد ﵇ وَأحب الصّيام إِلَى الله صِيَام دَاوُد وَكَانَ ينَام نصف اللَّيْل وَيقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا) مطابقته للتَّرْجَمَة " وينام سدسه " وَهُوَ النّوم عِنْد السحر كَمَا سنبينه عَن قريب (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع عَمْرو بن أَوْس الثَّقَفِيّ الْمَكِّيّ مَاتَ سنة أَرْبَعَة وَتِسْعين وَفِي تذهيب التَّهْذِيب عَمْرو بن أَوْس الثَّقَفِيّ الطَّائِفِي ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَقَالَ بَعضهم هُوَ تَابِعِيّ كَبِير وَوهم من ذكره فِي الصَّحَابَة وَإِنَّمَا الصُّحْبَة لِأَبِيهِ وَذكر الذَّهَبِيّ عَمْرو بن أَوْس فِي تَجْرِيد الصَّحَابَة وَقَالَ عَمْرو بن أَوْس الثَّقَفِيّ الطَّائِفِي لَهُ وفادة وَرِوَايَة روى عَنهُ ابْنه عُثْمَان. الْخَامِس عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه مدنِي والبقية مكيون وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وعَلى قَول من يَقُول أَن عَمْرو بن أَوْس من الصَّحَابَة يكون فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن قُتَيْبَة وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد بن عِيسَى ومسدد ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه ابْن ماجة فِي الصَّوْم عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الشَّافِعِي الْمَكِّيّ عَن سُفْيَان بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " لَهُ " أَي لعبد الله بن عَمْرو قَوْله " أحب الصَّلَاة إِلَى الله " لَفْظَة أحب بِمَعْنى المحبوب وَهُوَ قَلِيل إِذْ غَالب أفعل التَّفْضِيل أَن يكون بِمَعْنى الْفَاعِل وَإِطْلَاق الْمحبَّة على الله تَعَالَى كِنَايَة عَن إِرَادَة الْخَيْر قَوْله " صَلَاة دَاوُد ﵇ " وَقَالَ الْمُهلب كَانَ دَاوُد ﵊ يجم نفس بنوم أول اللَّيْل ثمَّ يقوم فِي الْوَقْت الَّذِي يُنَادي فِيهِ الرب هَل من سَائل فَأعْطِيه سؤله هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ ثمَّ يسْتَدرك من النّوم مَا يستريح بِهِ من نصب الْقيام فِي بَقِيَّة اللَّيْل وَإِنَّمَا صَار ذَلِك أحب إِلَى الله من أجل الْأَخْذ بالرفق على النُّفُوس الَّتِي يخْشَى مِنْهَا السَّآمَة الَّتِي هِيَ سَبَب ترك الْعِبَادَة وَالله يحب أَن يديم فَضله ويوالي إحسانه وَقيل يُرَاد بقوله " أحب الصَّلَاة إِلَى الله صَلَاة دَاوُد " من عدا النَّبِي ﷺ َ - لقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا﴾ الْآيَات وَفِيه نظر لِأَن هَذَا الْأَمر قد نسخ وَفِي كتاب الْمحَامِلِي وَإِن صلى بعض اللَّيْل فَأَي وَقت أفضل فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَن يُصَلِّي جَوف اللَّيْل وَالثَّانِي وَقت السحر ليُصَلِّي بِهِ صَلَاة الْفجْر قَوْله " وَأحب الصّيام إِلَى الله صِيَام دَاوُد " ظَاهره أَنه أفضل من صَوْم الدَّهْر عِنْد عدم التضرر وَلَا شكّ أَن الْمُكَلف لم يتعبد بالصيام خَاصَّة بل بِهِ وبالحج وبالجهاد وَغير ذَلِك فَإِذا استفرغ جهده فِي الصَّوْم خَاصَّة انْقَطَعت قوته وَبَطلَت سَائِر الْعِبَادَات فَأمر أَن يستبقي قوته قَوْله " وَكَانَ " أَي دَاوُد ﵊ وَهَذَا بَيَان صلَاته وَقَوله " ويصوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا " بَيَان صِيَامه ١٦١ - (حَدثنِي عَبْدَانِ قَالَ أَخْبرنِي أبي عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث قَالَ سَمِعت أبي قَالَ سَمِعت مسروقا قَالَ سَأَلت عَائِشَة ﵂ أَي الْعَمَل كَانَ أحب إِلَى النَّبِي ﷺ َ - قَالَت الدَّائِم قلت مَتى كَانَ يقوم قَالَت يقوم إِذا سمع الصَّارِخ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " إِذا سمع الصَّارِخ " والصارخ هُوَ الديك وَإِنَّمَا كَانَ يصْرخ فِي حُدُود الثُّلُث الْأَخير وَوقت السحر فِيهِ (ذكر رِجَاله) وهم سَبْعَة الأول عَبْدَانِ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عبد الله وعبدان لقب عَلَيْهِ وَقد مر فِي كتاب الْوَحْي الثَّانِي أَبوهُ عُثْمَان بن جبلة بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة مر فِي بَاب تَضْييع الصَّلَاة عَن وَقتهَا الثَّالِث شُعْبَة بن الْحجَّاج وَقد تكَرر ذكره الرَّابِع أَشْعَث بِسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره تَاء مُثَلّثَة الْخَامِس أَبوهُ أَبُو الشعْثَاء واسْمه سليم بن أسود الْمحَاربي السَّادِس مَسْرُوق بن الأجدع

стр. 2051

السَّابِع عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه السماع فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه السُّؤَال فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن شَيْخه مروزي سكن الْبَصْرَة وَأَبوهُ كَذَلِك وَشعْبَة واسطي وَأَشْعَث وَأَبوهُ ومسروق كوفيون وَفِيه أَن شَيْخه مَذْكُور بلقبه وَفِيه رِوَايَة الابْن عَن الْأَب فِي موضِعين وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصحابية. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب عَن مُحَمَّد عَن أبي الْأَحْوَص وَأخرجه فِي الرقَاق أَيْضا عَن عَبْدَانِ عَن أَبِيه وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هناد عَن أبي الْأَحْوَص بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الرَّازِيّ وهناد بن السّري كِلَاهُمَا عَن أبي الْأَحْوَص وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن صدران (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " الدَّائِم " مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَهُوَ من الدَّوَام وَهُوَ الْمُلَازمَة الْعُرْفِيَّة لَا شُمُول الْأَزْمِنَة لِأَنَّهُ مُتَعَذر وَمَا ذَاك إِلَّا تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق وَيُقَال الدَّوَام على الْعَمَل الْقَلِيل يكون أَكثر وَإِذا تكلّف الْمَشَقَّة فِي الْعَمَل انْقَطع عَنهُ فَيكون أقل قَوْله " الصَّارِخ " أَي الديك والصرخة الصَّيْحَة الشَّدِيدَة قَالَ مُحَمَّد بن نَاصِر جرت الْعَادة بِأَن الديك يَصِيح عِنْد نصف اللَّيْل غَالِبا وَقَالَ ابْن التِّين هُوَ مُوَافق لقَوْل ابْن عَبَّاس نصف اللَّيْل أَو قبله بِقَلِيل أَو بعده بِقَلِيل وَقَالَ ابْن بطال الصَّارِخ يصْرخ عِنْد ثلث اللَّيْل فَكَانَ دَاوُد ﵊ يتحَرَّى الْوَقْت الَّذِي يُنَادي الله فِيهِ هَل من سَائل كَذَا وَالْمرَاد من الدَّوَام قِيَامه كل لَيْلَة فِي ذَلِك الْوَقْت لَا الدَّوَام الْمُطلق (قلت) وَبِهَذَا يُجَاب عَمَّا يُقَال الصَّارِخ يدل على عدم الدَّوَام فَيكون مناقضا لقَوْله " الدَّائِم " (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ الْحَث على المداومة على الْعَمَل وَإِن قَلِيله الدَّائِم خير من كثير يَنْقَطِع وَذَلِكَ لِأَن مَا يَدُوم عَلَيْهِ بِلَا مشقة وملل تكون النَّفس بِهِ أنْشد وَالْقلب منشرحا بِخِلَاف مَا يتعاطاه من الْأَعْمَال الشاقة فَإِنَّهُ بصدد أَن يتْركهُ كُله أَو بعضه أَو يَفْعَله بِغَيْر الانشراح فيفوته خير كثير وَفِيه الاقتصاد فِي الْعِبَادَة وَالنَّهْي عَن التعمق فِيهَا. ١٦٢ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ أخبرنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن الْأَشْعَث قَالَ إِذا سمع الصَّارِخ قَامَ فصلى) هَذَا حَدِيث آخر فِي الحَدِيث السَّابِق رَوَاهُ عَن مُحَمَّد وَهُوَ ابْن سَلام وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَمُحَمّد بن سَلام وَكَذَا نسبه أَبُو عَليّ بن السكن قَالَ الجياني فِي نُسْخَة أبي ذَر عَن أبي أَحْمد الْحَمَوِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَالم وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ مُحَمَّد ابْن سَالم وسَاق الحَدِيث حَدثنَا مُحَمَّد بن سَالم وعَلى سَالم عَلامَة الْحَمَوِيّ قَالَ وَسَأَلت عَنهُ أَبَا ذَر فَقَالَ أرَاهُ ابْن سَلام وسها فِيهِ أَبُو مُحَمَّد الْحَمَوِيّ وَلَا أعلم فِي طبقَة البُخَارِيّ مُحَمَّد بن سَالم وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن مُحَمَّد بن يحيى الْمروزِي حَدثنَا خلف بن هِشَام حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أَشْعَث عَن أَبِيه عَن مَسْرُوق وَالْأسود قَالَ سَأَلت عَائِشَة الحَدِيث ثمَّ قَالَ وَلم يذكر البُخَارِيّ بعد أَشْعَث فِي هَذَا أحدا وَأَبُو الْأَحْوَص اسْمه سَلام بن سليم الْكُوفِي مر فِي بَاب النَّحْر بالمصلى وَأخرجه مُسلم من طَرِيقه فَقَالَ حَدثنِي هناد بن السّري قَالَ حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أَشْعَث عَن أَبِيه " عَن مَسْرُوق قَالَ سَأَلت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن عمل رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَت كَانَ يحب الدَّائِم قَالَ قلت أَي حِين كَانَ يُصَلِّي فَقَالَت كَانَ إِذا سمع الصَّارِخ قَامَ فصلى " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا حَدثنَا إِبْرَاهِيم أخبرنَا أَبُو الْأَحْوَص وَحدثنَا هناد عَن أبي الْأَحْوَص وَهَذَا حَدِيث إِبْرَاهِيم عَن أَشْعَث عَن أَبِيه " عَن مَسْرُوق قَالَ سَأَلت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن صَلَاة رَسُول الله ﷺ َ - فَقلت لَهَا أَي حِين كَانَ يُصَلِّي قَالَت كَانَ إِذا سمع الصُّرَاخ قَامَ فصلى " قَوْله " إِذا سمع الصُّرَاخ " أَي صياح الديك وَهَذَا يدل على أَن قِيَامه ﷺ َ - كَانَ يكون فِي الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل لِأَن الديك مَا يكثر الصياح إِلَّا فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِنَّمَا اخْتَار ﷺ َ - هَذَا الْوَقْت لِأَنَّهُ وَقت نزُول الرَّحْمَة وَوقت السّكُون وهدو الْأَصْوَات. ١٦٣ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد قَالَ ذكر أبي عَن أبي سَلمَة

стр. 2052

عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت مَا ألفاه السحر عِنْدِي إِلَّا نَائِما تَعْنِي النَّبِي ﷺ َ -) - مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن نَومه ﷺ كَانَ عِنْد السحر. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري الَّذِي يُقَال لَهُ التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد. الثَّالِث: أَبوهُ سعد بن إِبْرَاهِيم. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الرِّوَايَة بطرِيق الذّكر وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أبي تَوْبَة فَقَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحسن بن سُفْيَان عَن جُمُعَة بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن عَمه أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بِهِ. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عَمه وَهُوَ سعد بن إِبْرَاهِيم يرْوى عَن عَمه كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، فَإِن سعد بن إِبْرَاهِيم من أجلة التَّابِعين وفقهائهم وصالحيهم. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصحابية. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي كريب عَن مُحَمَّد بن بشر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي تَوْبَة الرّبيع بن نَافِع عَن إِبْرَاهِيم بن سعد، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا ألفاه) ، بِالْفَاءِ أَي: مَا وجده، يُقَال: الفيت الشَّيْء أَي: وجدته، وتلافيته أَي: تداركته. قَالَ تَعَالَى: ﴿وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب﴾ (يُوسُف: ٥٢) . أَي: وجداه. قَوْله: (السحر) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل (الفاه) ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: ألفاه، رَاجع إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَلَا يُقَال: إِنَّه إِضْمَار قبل الذّكر لِأَن أَبَا سَلمَة كَانَ سَأَلت عَائِشَة عَن نوم النَّبِي ﷺ وَقت السحر بعد رَكْعَتي الْفجْر، وكانتا فِي ذكر النَّبِي ﷺ ، وَأَيْضًا فسرت عَائِشَة الضَّمِير بقولِهَا: تَعْنِي النَّبِي ﷺ فَإِن قلت: وَقت السحر يُطلق على قبيل الصُّبْح عِنْد أهل اللُّغَة، وَأَيْضًا اشتقاق السّحُور مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يجوز إلاّ قبل انفجار الصُّبْح، فَهَل كَانَ نَومه فِي هَذَا الْوَقْت أَو فِي غَيره؟ قلت: قَالَ بَعضهم: المُرَاد نَومه بعد الْقيام الَّذِي مبدؤه عِنْد سَماع الصَّارِخ. انْتهى. وَالَّذِي يظْهر لي أَنه اضطجاعه بعد رَكْعَتي الْفجْر، وعَلى هَذَا ترْجم مُسلم فَقَالَ: بَاب الِاضْطِجَاع بعد رَكْعَتي الْفجْر، ثمَّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا ابْن بشر عَن مسعر عَن سعد عَن أبي سَلمَة (عَن عَائِشَة مَا ألفى رَسُول الله ﷺ السحر على فِرَاشِي أَو عِنْدِي إلاّ نَائِما) . وَيُؤَيّد مَا ذَكرْنَاهُ تَرْجَمَة الْبَاب الَّذِي عقيب الْبَاب الْمَذْكُور، يظْهر ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ، وَذكر بعض من يعتني بشرح الْأَحَادِيث فِي (شرح سنَن أبي دَاوُد) فِي تَفْسِير هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (مَا ألفاه السحر عِنْدِي إِلَّا نَائِما) يَعْنِي: مَا أَتَى عَلَيْهِ السحر عِنْدِي إلاّ وَهُوَ نَائِم، فعلى هَذَا كَانَت صلَاته بِاللَّيْلِ، وَفعله فِيهِ إِلَى السحر، وَيُقَال: هَذَا النّوم هُوَ النّوم الَّذِي كَانَ دَاوُد، ﵊، ينَام، وَهُوَ أَنه كَانَ ينَام أول اللَّيْلَة ثمَّ يقوم فِي الْوَقْت الَّذِي يُنَادي فِيهِ الله، ، هَل من سَائل؟ ثمَّ يسْتَدرك من النّوم مَا يستريح بِهِ من نصب الْقيام فِي اللَّيْل، وَهَذَا هُوَ النّوم عِنْد السحر، على مَا بوب لَهُ البُخَارِيّ، وَقَالَ ابْن التِّين: قَوْلهَا: (إلاّ نَائِما) أَي: مُضْطَجعا على جنبه، لِأَنَّهَا قَالَت فِي حَدِيث آخر: (فَإِن كنت يقظانة حدَّثني وإلاّ اضْطجع حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُنَادِي للصَّلَاة) ، فَيحصل بالضجعة الرَّاحَة من نصب الْقيام، وَلما يستقبله من طول صَلَاة الصُّبْح، فَلهَذَا كَانَ ينَام عِنْد السحر. وَقَالَ ابْن بطال: النّوم وَقت السحر كَانَ يَفْعَله النَّبِي ﷺ فِي اللَّيَالِي الطوَال، وَفِي غير شهر رَمَضَان، لِأَنَّهُ قد ثَبت عَنهُ تَأْخِير السّحُور، على مَا يَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بعده. ٨ - (بابُ مَنْ تَسَحَّرَ ثُمَّ قامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ يَنَمْ حَتَّى صَلَّى الصبْحَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من تسحر ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة، أَي: صَلَاة الصُّبْح، فَلم ينم بعد التسحر حَتَّى صلى الصُّبْح، هَذِه التَّرْجَمَة على هَذَا الْوَجْه فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب من تسحر فَلم ينم حَتَّى صلى الصُّبْح.

стр. 2053

٤٣١١ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا رَوْحٌ قَالَ حدَّثنا سعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ وَزَيْدَ بنَ ثَابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ تَسَحَّرا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قامَ نَبِيُّ الله ﷺ إلَى الصَّلاةِ فصَلَّى قُلْنَا لأِنَسٍ كَمْ كانَ بَيْنِ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ. قَالَ كَقَدْرِ مَا يَقْرأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. (أنظر الحَدِيث ٦٧٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب وَقت الْفجْر، فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَمْرو ابْن عَاصِم عَن همام عَن قَتَادَة عَن أنس، وَأخرجه أَيْضا هُنَاكَ: عَن الْحسن بن الصَّباح سمع روح بن عبَادَة، قَالَ: حَدثنَا سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس، وَهنا أخرجه: عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن روح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. ٩ - (بابُ طُولِ الصَّلَاةِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان طول الصَّلَاة فِي قيام اللَّيْل، هَذِه التَّرْجَمَة على هَذَا الْوَجْه للحموي وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب طول الْقيام فِي صَلَاة اللَّيْل، قَالَ بَعضهم: وَفِي حَدِيث الْبَاب مُوَافق لرِوَايَة الْحَمَوِيّ، لِأَنَّهُ دَال على طول الصَّلَاة لَا على طول الْقيام بِخُصُوصِهِ، إلاّ أَن طول الصَّلَاة يسْتَلْزم طول الْقيام، لِأَن غير الْقيام كالركوع مثلا لَا يكون أطول من الْقيام. قلت: لَا نسلم أَن طول الصَّلَاة يسْتَلْزم طول الْقيام، فَمن أَيْن الْمُلَازمَة؟ فَرُبمَا يطول الْمُصَلِّي رُكُوعه وَسُجُوده أطول من قِيَامه، وَهُوَ غير مَمْنُوع لَا شرعا وَلَا عقلا، وَقَوله: (كالركوع) ، مثلا: لَا يكون أطول من الْقيام غير مُسلم، لِأَن عدم كَون الرُّكُوع أطول من الْقيام مَمْنُوع، كَمَا ذكرنَا. ٥٣١١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ لَيْلَةً فَلَمْ يَزَلْ قائِما حَتَّى هَمَمْتُ بِأمْرِ سَوْءٍ قُلْنَا وَمَا هَمَمْتُ أنْ أقْعُدَ وَأذَرَ النبيَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة الدّلَالَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سُلَيْمَان بن حَرْب أَبُو أَيُّوب الواشحي، حكى البرقاني عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَن سُلَيْمَان بن حَرْب تفرد بِرِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: أَبُو وَائِل، اسْمه شَقِيق بن سَلمَة الْأَسدي. الْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشعْبَة واسطي وَالْأَعْمَش وَأَبُو وَائِل كوفيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن جرير وَعَن إِسْمَاعِيل ابْن الْخَلِيل وسُويد بن سعيد، كِلَاهُمَا عَن عَليّ بن مسْهر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن سُفْيَان بن وَكِيع وَعَن مَحْمُود بن غيلَان عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن عبد الله بن عَامر وسُويد بن سعيد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَتَّى هَمَمْت) أَي: قصدت. قَوْله: (بِأَمْر سوء) ، يجوز فِيهِ إِضَافَة أَمر إِلَى سوء، وَيجوز أَن يكون: سوء صفة لأمر، وَهَذَا السوء من جِهَة ترك الْأَدَب، وَصُورَة الْمُخَالفَة، وَإِن كَانَ الْقعُود جَائِزا فِي النَّفْل مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام. قَوْله: (وأذر النَّبِي ﷺ أَي: أتركه، أَرَادَ أَن يقْعد لَا أَنه يخرج عَن الصَّلَاة، وَهَذِه اللَّفْظَة أمات الْعَرَب ماضيها كَمَا فِي: يدع. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن بطال، ﵀، فِيهِ: دَلِيل على طول الْقيام فِي صَلَاة اللَّيْل، لِأَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ جلدا قَوِيا محافظا على الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَمَا هم بالقعود إلاّ عَن طول كثير، وَقد اخْتلف الْعلمَاء: هَل الْأَفْضَل فِي صَلَاة التَّطَوُّع طول الْقيام أَو كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود؟ فَذهب بَعضهم إِلَى أَن كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود أفضل، وَاحْتَجُّوا

стр. 2054

فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم عَن ثَوْبَان: أفضل الْأَعْمَال كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود، قَالَه النَّبِي ﷺ ، وَلما سَأَلَهُ ربيعَة بن كَعْب مرافقته فِي الْجنَّة، قَالَ: (أَعنِي على نَفسك بِكَثْرَة السُّجُود) ، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: (مَا من عبد يسْجد لله سَجْدَة إلَاّ كتب الله، ، لَهُ بهَا حَسَنَة ومحا عَنهُ بهَا سَيِّئَة، وَرفع لَهَا بهَا دَرَجَة، فاستكثروا من السُّجُود) . وروى ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث كثير بن مرّة: (أَن أَبَا فَاطِمَة حَدثهُ، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله ﴿أَخْبرنِي بِعَمَل أستقيم عَلَيْهِ وأعمله﴾ قَالَ: عَلَيْك بِالسُّجُود فَإنَّك لَا تسْجد لله سَجْدَة إلَاّ رفعك الله بهَا دَرَجَة وَحط عَنْك بهَا خَطِيئَة) وَبِمَا روى الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا فَهد، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن عبد الحميد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص وخديج عَن أبي إِسْحَاق (عَن الْمخَارِق، قَالَ: خرجنَا حجاجا فمررنا بالربذة، فَوَجَدنَا أَبَا ذَر قَائِما يُصَلِّي، فرأيته لَا يُطِيل الْقيام وَيكثر الرُّكُوع وَالسُّجُود، فَقلت لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: مَا ألوت أَن أحسن أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من ركع رَكْعَة وَسجد سَجْدَة رَفعه الله بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة) . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي (مُسْنده) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) . قلت: أَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم، وخديج بن مُعَاوِيَة ضعفه النَّسَائِيّ، وَقَالَ أَحْمد: لَا أعلم إلَاّ هيرا. وَاسم أبي إِسْحَاق: عَمْرو ابْن عبد الله السبيعِي، والمخارق، بِضَم الْمِيم: غير مَنْسُوب، قَالَ الذَّهَبِيّ: مَجْهُول. وَفِي (التَّكْمِيل) ؛ وَثَّقَهُ ابْن حبَان، والربذة: قَرْيَة من قرى الْمَدِينَة بهَا قبر أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسم أبي ذَر: جُنْدُب بن جُنَادَة الْغِفَارِيّ. قَوْله: (مَا ألوت) أَي: مَا قصرت، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه: (رأى فَتى وَهُوَ يُصَلِّي وَقد أَطَالَ صلَاته، فَلَمَّا انْصَرف مِنْهَا قَالَ: من يعرف هَذَا؟ قَالَ رجل: أَنا. فَقَالَ عبد الله: لَو كنت أعرفهُ لأمرته أَن يُطِيل الرُّكُوع وَالسُّجُود، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: إِذا قَامَ العَبْد يُصَلِّي أَتَى بذنوبه فَجعلت على رَأسه وعاتقه، فَكلما ركع أَو سجد تساقطت عَنهُ) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَيَقُول أهل هَذِه الْمقَالة: قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: فِي قَول، وَأحمد فِي رِوَايَة، وَمُحَمّد بن الْحسن، ويحكى ذَلِك عَن ابْن عمر، وَذهب قوم إِلَى أَن طول الْقيام أفضل، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور من التَّابِعين وَغَيرهم، وَمِنْهُم مَسْرُوق وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حنيفَة. وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَأحمد فِي رِوَايَة، وَقَالَ أَشهب: هُوَ أحب إِلَيّ لِكَثْرَة الْقِرَاءَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث الْبَاب، وَبِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر: (سُئِلَ رَسُول الله ﷺ : أَي الصَّلَاة أفضل؟ قَالَ: طول الْقُنُوت) . وَأَرَادَ بِهِ طول الْقيام، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن حبش الْخَثْعَمِي: (إِن النَّبِي ﷺ سُئِلَ: أَي الصَّلَاة أفضل؟ فَقَالَ: طول الْقيام) . وَهَذَا يُفَسر قَوْله ﷺ : (طول الْقُنُوت) وَإِن كَانَ الْقُنُوت يَأْتِي بِمَعْنى: الْخُشُوع وَغَيره. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث الْمَذْكُور أَنه يَنْبَغِي الْأَدَب مَعَ الْأَئِمَّة الْكِبَار، وَأَن مُخَالفَة الإِمَام أَمر سوء، قَالَ تَعَالَى: ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ (النُّور:) . الْآيَة. ٦٣١١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمرَ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ عَبْدِ الله عنْ حُصَيْنٍ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أَن النبيَّ ﷺ كانَ إذَا قامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فاهُ بِالسِّوَاكِ.. قَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث لَا دخل لَهُ فِي الْبَاب لِأَن شوص الْفَم لَا يدل على طول الصَّلَاة. قَالَ: وَيُمكن أَن يكون ذَلِك من غلط النَّاسِخ، فَكَتبهُ فِي غير مَوْضِعه أَو أَن البُخَارِيّ أعجلته الْمنية عَن تَهْذِيب كِتَابه وتصفحه، وَله فِيهِ مَوَاضِع مثل هَذَا تدل على أَنه مَاتَ قبل تَحْرِير الْكتاب. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ أَن حُذَيْفَة روى قَالَ: (صليت مَعَ النَّبِي ﷺ ذَات لَيْلَة فَافْتتحَ الْبَقَرَة، فَقلت: يرْكَع عِنْد الْمِائَة فَمضى، فَقلت: يُصَلِّي بهَا فِي رَكْعَة فَمضى. .) الحَدِيث. فَكَأَنَّهُ لما قَالَ: يتهجد، وَذكر حَدِيثه فِي السِّوَاك، وَكَانَ يتَسَوَّك حِين يقوم من النّوم، وَلكُل صَلَاة فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى طول الْقيام، أَو يحمل على أَن فِي الحَدِيث إِشَارَة من جِهَة أَن اسْتِعْمَال السِّوَاك حِينَئِذٍ يدل على مَا يُنَاسِبه من إِكْمَال الْهَيْئَة وَالتَّأَهُّب لِلْعِبَادَةِ، وَذَلِكَ دَلِيل على طول الْقيام، إِذْ النَّافِلَة المخففة لَا يتهيأ لَهَا هَذَا التهيؤ الْكَامِل. انْتهى. وَقيل: أَرَادَ بِهَذَا الحَدِيث استحضار حَدِيث حُذَيْفَة الْمَذْكُور الَّذِي أخرجه مُسلم، وَإِنَّمَا لم يُخرجهُ لكَونه على غير شَرطه. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون بيض التَّرْجَمَة بِحَدِيث

стр. 2055

حُذَيْفَة، فضم الحَدِيث الَّذِي بعده إِلَى الحَدِيث الَّذِي قبله. انْتهى. قلت: هَذِه كلهَا تعسفات لَا طائل تحتهَا، أما ابْن بطال فَإِنَّهُ لم يذكر شَيْئا مَا فِي تَوْجِيه وضع هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا ذكر وَجْهَيْن: أَحدهمَا: نِسْبَة هَذَا إِلَى الْغَلَط من النَّاسِخ، وَهَذَا بعيد، لِأَن النَّاسِخ لم يَأْتِ بِهَذَا الحَدِيث من عِنْده وَكتبه هُنَا. وَالثَّانِي: أَنه اعتذر من جِهَة البُخَارِيّ بِأَنَّهُ لم يدْرك تحريره، وَفِيه نوع نِسْبَة إِلَى التَّقْصِير، وَأما كَلَام ابْن الْمُنِير فَإِنَّهُ لَا يجدي شَيْئا فِي تَوْجِيه هَذَا الْموضع، لِأَن حَاصِل مَا ذكره من الطول هُوَ الْخَارِج عَن مَاهِيَّة الصَّلَاة، وَلَيْسَ المُرَاد من التَّرْجَمَة مُطلق الطول، وَإِنَّمَا المُرَاد هُوَ الطول الْكَائِن فِي هَيْئَة الصَّلَاة، وَأما الْقَائِل الَّذِي وَجه بقوله: أَرَادَ بِهَذَا الحَدِيث استحضار حَدِيث حُذَيْفَة، فَإِنَّهُ تَوْجِيه بعيد، لِأَن استحضار حَدِيث أَجْنَبِي بِالْوَجْهِ الَّذِي ذكره لَا يدل على الْمُطَابقَة، وَأما كَلَام بَعضهم، فاحتمال بعيد، لِأَن تبييض التَّرْجَمَة لحَدِيث حُذَيْفَة لَا وَجه لَهُ أصلا لعدم الْمُنَاسبَة، وَلَكِن يُمكن أَن يعْتَذر عَن البُخَارِيّ فِي وَضعه هَذَا الحَدِيث هُنَا بِوَجْه مِمَّا يسْتَأْنس بِهِ، وَهُوَ أَن التَّرْجَمَة فِي طول الْقيام فِي صَلَاة اللَّيْل وَحَدِيث حُذَيْفَة فِيهِ الْقيام للتهجد، والتهجد فِي اللَّيْل غَالِبا يكون بطول الصَّلَاة، وَطول الصَّلَاة غَالِبا يكون بطول الْقيام، فِيهَا وَإِن كَانَ يَقع أَيْضا بطول الرُّكُوع وَالسُّجُود. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو عمر الحوضي. الثَّانِي: خَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان. الثَّالِث: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أَبُو الْهُذيْل: مر فِي: بَاب الْأَذَان بعد ذهَاب الْوَقْت. الرَّابِع: أَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. الْخَامِس: حُذَيْفَة بن الْيَمَان. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه بَصرِي وخَالِد واسطي وحصين وَأَبُو وَائِل كوفيان. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي: بَاب السِّوَاك، فِي كتاب الْوضُوء عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. قَوْله: (يشوص) أَي: يدلك أَو يغسل. ٠١ - (بابٌ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ وكَيْفَ كانَ النبيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة صَلَاة اللَّيْل وَفِي بعض النّسخ: بَاب كَيفَ كَانَ صَلَاة النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَكَيف كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ) ، وَفِي بعض النّسخ: (وَكم كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ؟) وَفِي بَعْضهَا: (من اللَّيْل) . ٧٣١١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله نَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ إنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رسولَ الله كَيْفَ صَلاةُ اللَّيْلِ قَالَ مَثْنَى مَثْنَى فإذَا خِفْتَ الصُّبْحَ قأوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ.. مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث قد مر ذكره فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْوتر، أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع وَعبد الله بن ديار (عَن ابْن عمر: أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن صَلَاة اللَّيْل؟ . .) الحَدِيث. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً. ١٦٨ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن شُعْبَة قَالَ حَدثنِي أَبُو جَمْرَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَت صَلَاة النَّبِي ﷺ َ - ثَلَاث عشرَة رَكْعَة يَعْنِي بِاللَّيْلِ) مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ أَيْضا فِي أول أَبْوَاب الْوتر وَيحيى هُوَ الْقطَّان وَأَبُو جَمْرَة بِالْجِيم وَالرَّاء الْمُهْملَة واسْمه نصر بن عمرَان الضبعِي - ٩٣١١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله قَالَ أخبرنَا إسْرَائِيلُ عنْ أبي حَصينٍ عنْ يَحْيى بنِ وَثَّابٍ عنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ سألْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنْ صَلَاةِ رسولِ الله صلى الله

стр. 2056

عَلَيْهِ وَسلم بِاللَّيْلِ سَبْعٌ وتِسْعٌ وَإحْدَى عَشْرَةَ سِوَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ. مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة كَمَا فِي الحَدِيث السَّابِق. ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: إِسْحَاق. قَالَ الجياني: لم أَجِدهُ مَنْسُوبا لأحد من رُوَاة الْكتاب، وَذكر أَبُو نصر أَن إِسْحَاق الْحَنْظَلِي يروي عَن عبيد الله بن مُوسَى فِي (الْجَامِع) وَيُرِيد ذَلِك أَن أَبَا نعيم أخرجه كَذَلِك ثمَّ قَالَ فِي آخِره: رَوَاهُ، يَعْنِي البُخَارِيّ، عَن إِسْحَاق عَن عبيد الله، وَكَذَا ذكره الدمياطي أَنه هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، لَكِن الْإِسْمَاعِيلِيّ رَوَاهُ فِي كِتَابه عَن إِسْحَاق بن سيار النصيبيني عَن عبيد الله، وَإِسْحَاق هَذَا صَدُوق ثِقَة، قَالَه ابْن أبي حَاتِم، لَكِن لَيْسَ لَهُ رِوَايَة فِي الْكتب السِّتَّة، وَلَا ذكره البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه الْكَبِير) فَتعين أَنه الأول. الثَّانِي: عبيد الله ابْن مُوسَى بن باذام أَبُو مُحَمَّد. الثَّالِث: إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي. الرَّابِع: أَبُو حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ، واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي. الْخَامِس: يحيى بن وثاب، بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة. السَّادِس: مَسْرُوق بن الأجدع. السَّابِع: عَائِشَة، أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي والبقية كلهم كوفيون. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ روى عَن عبد الله بن مُوسَى فِي هَذَا الحَدِيث بِوَاسِطَة، وَهُوَ من كبار مشايخه. وَقد روى عَنهُ فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي بِلَا وَاسِطَة، وَكَأَنَّهُ لم يَقع لَهُ سَماع مِنْهُ فِي هَذَا الحَدِيث، وَفِيه: أَنه لَيْسَ فِي (الصَّحِيح) من هُوَ مكني بِأبي الْحصين غَيره. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وهم: أَبُو حُصَيْن وَيحيى ومسروق. وَفِيه: ثَلَاثَة ذكرُوا بِلَا نِسْبَة مُطلقًا وَوَاحِد بِالْكِنَايَةِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: دلّ هَذَا الحَدِيث أَنه، ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل سبع رَكْعَات وتسع رَكْعَات، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث يحيى بن الجزار عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنه يُصَلِّي من اللَّيْل تسعا، فَلَمَّا أسن صلى سبعا، وَدلّ أَيْضا أَنه كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عشرَة رَكْعَة سوى رَكْعَتي الْفجْر، وهما سنة، فَتكون الْجُمْلَة ثَلَاث عشرَة رَكْعَة. فَإِن قلت: فِي (الْمُوَطَّأ) : من حَدِيث هِشَام عَنْهَا أَنه: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاث عشرَة رَكْعَة، ثمَّ يُصَلِّي إِذا سمع نِدَاء الصُّبْح رَكْعَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي: بَاب مَا يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك بِهِ، فَتكون الْجُمْلَة خمس عشرَة رَكْعَة. قلت: لَعَلَّ ثَلَاث عشرَة بِإِثْبَات سنة الْعشَاء الَّتِي بعْدهَا. أَو أَنه عد الرَّكْعَتَيْنِ الخفيفتين عِنْد الِافْتِتَاح أَو الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْوتر جَالِسا. فَإِن قلت: رُوِيَ فِي: بَاب قيام النَّبِي، ﷺ ، فِي رَمَضَان: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن سعيد عَن أبي سَلمَة أَنه سَأَلَ عَائِشَة، فَقَالَت: (مَا كَانَ يزِيد فِي رَمَضَان وَلَا غَيره على إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، يُصَلِّي أَرْبعا لَا تسْأَل عَن حسنهنَّ وطولهن،. ثمَّ يُصَلِّي أَرْبعا فَلَا تسْأَل عَن حسنهنَّ وطولهن، ثمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا) وَأخرجه مُسلم أَيْضا قلت: يحْتَمل أَنَّهَا نسيت رَكْعَتي الْفجْر أَو مَا عدتهما مِنْهَا. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة الْقَاسِم عَنْهَا، كَمَا يَأْتِي عقيب حَدِيث مَسْرُوق عَنْهَا: كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل ثَلَاث عشرَة، مِنْهَا الْوتر وركعتا الْفجْر، وَفِي رِوَايَة مُسلم أَيْضا من هَذَا الْوَجْه: كَانَت صلَاته عشر رَكْعَات ويوتر بِسَجْدَة، ويركع رَكْعَتي الْفجْر، فَتلك ثَلَاث عشرَة؟ قلت: حَدِيث الْقَاسِم عَنْهَا مَحْمُول على أَن ذَلِك كَانَ غَالب حَاله، وَأما حَدِيث مَسْرُوق عَنْهَا فمرادها أَن ذَلِك وَقع مِنْهُ فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة، فَتَارَة كَانَ يُصَلِّي سبعا، وَتارَة تسعا، وَتارَة إِحْدَى عشرَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أشكلت رِوَايَات عَائِشَة على كثير من أهل الْعلم حَتَّى نسب بَعضهم حَدِيثهَا إِلَى الِاضْطِرَاب، وَقَالَ: إِنَّمَا يَتَأَتَّى الِاضْطِرَاب لَو أَنَّهَا أخْبرت عَن وَقت مَخْصُوص، أَو كَانَ الرَّاوِي عَنْهَا وَاحِدًا، وَقَالَ عِيَاض: يحْتَمل أَن إخبارها بِإِحْدَى عشرَة مِنْهُنَّ الْوتر فِي الْأَغْلَب، وَبَاقِي رِوَايَاتهَا إِخْبَار مِنْهَا مَا كَانَ يَقع نَادرا فِي بعض الْأَوْقَات بِحَسب اتساع الْوَقْت وضيقه، بطول قِرَاءَة أَو نوم أَو بِعُذْر مرض أَو غَيره، أَو عِنْد كبر السن، أَو تَارَة تعد الرَّكْعَتَيْنِ الخفيفتين فِي أول الْقيام، وَتارَة لَا تعدهما. وَقَالَ ابْن عبد الْبر، رَحمَه الله تَعَالَى: وَأهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن الِاضْطِرَاب عَنْهَا فِي الْحَج وَالرّضَاع وَصَلَاة النَّبِي ﷺ بِاللَّيْلِ وَقصر صَلَاة الْمُسَافِر لم يَأْتِ ذَلِك إلاّ مِنْهَا، لِأَن الروَاة عَنْهَا حفاظ، وَكَأَنَّهَا أخْبرت بذلك فِي أَوْقَات مُتعَدِّدَة وأحوال مُخْتَلفَة. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذِه الْأَحَادِيث: أَن قيام اللَّيْل سنة مسنونة

стр. 2057

٠٤١١ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى اقال أخبرنَا حَنْظَلَةُ عنِ القاسمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النبيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الوِتْرُ وَرَكْعَتا الفَجْرِ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد قُلْنَا عَن قريب: إِن البُخَارِيّ، ﵀، روى حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن عبيد الله بن مُوسَى فِيمَا قيل عَن إِسْحَاق عَن عبيد الله هَذَا، وَهنا روى عَنهُ بِلَا وَاسِطَة، وَهُوَ يروي عَن حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة، وَاسم أبي سُفْيَان: الْأسود بن عبد الرَّحْمَن، مَاتَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة، وَقد مر فِي أول كتاب الْإِيمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن ابْن أبي عدي،. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد ابْن سَلمَة الْمرَادِي عَن عبد الله بن وهب، ثَلَاثَتهمْ عَن حَنْظَلَة بِهِ. قَوْله: (ثَلَاث عشرَة) مَبْنِيّ على الْفَتْح، وَأَجَازَ الْفراء سُكُون الشين من عشرَة. قَوْله: (مِنْهَا) أيَّ من ثَلَاث عشرَة. ١١ - (بابُ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيلِ وَنَوْمِهِ وَمَا نُسْخَ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قيام النَّبِي ﷺ أَي: صلَاته بِاللَّيْلِ. قَوْله: (من نَومه) وَفِي بعض النّسخ: (ونومه) ، بواو الْعَطف. قَوْله: (وَمَا نسخ) أَي: بَاب أَيْضا فِي بَيَان مَا نسخ من قيام اللَّيْل. وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يَا أيُّهَا المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إلَاّ قَلِيلاً نِصْفُهُ أوُ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أوْ زِدْ عَليهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أشَدُّ وِطاءً وَأقْوَمُ قِيلاً إنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحا طَوِيلاً (ع المزمل: ١ ٧) . وقَوْلُهُ: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فاقْرَؤا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأقْرِضُوا الله قَرْضا حَسَنا وَمَا تُقَدِّمُوا لأِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ الله هُوَ خَيْرا وَأعْظَمَ أجْرا وَاسْتَغْفِرُوا الله إنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المزمل: ٠٢) . وَقَوله: بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (وَمَا نسخ من قيام اللَّيْل) وَهُوَ إِلَى آخِره دَاخل فِي التَّرْجَمَة. قَوْله : ﴿يَا أَيهَا المزمل﴾ يَعْنِي: الملتف فِي ثِيَابه، وَأَصله المتزمل، وَهُوَ الَّذِي يتزمل فِي الثِّيَاب، وكل من التف فِي ثَوْبه فقد تزمل، قلبت التَّاء زايا وأدغمت الزَّاي فِي الزَّاي، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: ﴿يَا أَيهَا المزمل﴾ أَي: يَا مُحَمَّد قد زملت الْقُرْآن، وقرىء المتزمل على الأَصْل، والمزمل، بتَخْفِيف الزَّاي وَفتح الْمِيم وَكسرهَا، على أَنه اسْم فَاعل، أَو اسْم مفعول من زمله، وَهُوَ الَّذِي زمله غَيره أَو زمل نَفسه، وَكَانَ رَسُول الله، ﷺ ، نَائِما بِاللَّيْلِ متزملاً فِي قطيفة،، فنبه وَنُودِيَ بهَا. وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا سُئِلت: مَا كَانَ تزميله؟ قَالَت: كَانَ مِرْطًا طوله أَربع عشرَة ذِرَاعا وَنصفه عَليّ وَأَنا نَائِمَة، وَنصفه عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَسُئِلت: مَا كَانَ؟ فَقَالَت: وَالله مَا كَانَ خَزًّا وَلَا قَزًّا وَلَا مرعزا وَلَا إبْريسَمًا وَلَا صُوفًا، وَكَانَ سداه شعرًا وَلحمَته وَبرا، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، ثمَّ قَالَ: وَقيل: دخل على خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقد جِئْت فرقا أول مَا أَتَاهُ جِبْرِيل، ﵇، وبوادره ترْعد، فَقَالَ: زَمِّلُونِي، وحسبت أَنه عرض لَهُ، فَبَيْنَمَا هوكذلك إِذْ ناداه جِبْرِيل، ﵇، يَا أَيهَا المزمل. وَعَن عِكْرِمَة: أَن الْمَعْنى: يَا أَيهَا الَّذِي زمل أمرا عَظِيما، أَي: حمله، والزمل: الْحمل، وازدمله: احتمله. انْتهى. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) أَشَارَ إِلَى أَن القَوْل الأول نِدَاء بِمَا يهجن إِلَيْهِ الْحَالة الَّتِي كَانَ النَّبِي ﷺ عَلَيْهَا من التزميل فِي قطيفة، واستعداده للاشتغال فِي النّوم، كَمَا يفعل من لَا يهمه أَمر وَلَا يعنيه شَأْن، فَأمر أَن يخْتَار على الهجود والتهجد، وعَلى التزمل التشمر، والتخفف لِلْعِبَادَةِ والمجاهدة فِي الله ، فَلَا جرم أَن رَسُول الله ﷺ قد تشمر لذَلِك مَعَ أَصْحَابه حق التشمر، وَأَقْبلُوا على إحْيَاء لياليهم، ورفضوا لَهُ الرقاد والدعاة وَجَاهدُوا

стр. 2058

فِيهِ حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم، واصفرت ألوانهم، وَظَهَرت السيماء فِي وُجُوههم، وترقى أَمرهم إِلَى حد رَحِمهم لَهُ رَبهم، فَخفف عَنْهُم. وَأَشَارَ إِلَى أَن القَوْل الثَّانِي: وَهُوَ قَوْله: وَعَن عَائِشَة، لَيْسَ بتهجين بل هُوَ ثَنَاء عَلَيْهِ وتحسين لحالته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَأمره أَن يَدُوم على ذَلِك. قَوْله: ﴿قُم اللَّيْل إلَاّ قَلِيلا﴾ أَي: مِنْهُ، قَالَ أَبُو بكر الأدفوي: للْعُلَمَاء فِيهِ أَقْوَال: الأول: أَنه لَيْسَ بِفَرْض، يدل على ذَلِك أَن بعده: ﴿نصفه أَو انقص مِنْهُ قَلِيلا أَو زد عَلَيْهِ﴾ وَلَيْسَ كَذَلِك يكون الْفَرْض، وَإِنَّمَا هُوَ ندب. وَالثَّانِي: أَنه هُوَ حتم. وَالثَّالِث: أَنه فرض على النَّبِي ﷺ وَحده، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: وَقَالَ الْحسن وَابْن سِيرِين: صَلَاة اللَّيْل فَرِيضَة على كل مُسلم، وَلَو قدر حلب شَاة. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: قَالَا ذَلِك لقَوْله تَعَالَى: ﴿فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ ، وَقَالَ الشَّافِعِي، ﵀: سَمِعت بعض الْعلمَاء يَقُول: إِن الله تَعَالَى أنزل فرضا فِي الصَّلَاة قبل فرض الصَّلَوَات الْخمس، فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا﴾ الْآيَة، ثمَّ نسخ هَذَا بقوله: ﴿فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ ثمَّ احْتمل قَوْله: ﴿فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ أَن يكون فرضا ثَانِيًا، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ نَافِلَة لَك﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٧) . فَوَجَبَ طلب الدَّلِيل من السّنة على أحد الْمَعْنيين، فوجدن سنة النَّبِي ﷺ أَن لَا وَاجِب من الصَّلَوَات إلاّ الْخمس. قَالَ أَبُو عمر: قَول بعض التَّابِعين: قيام اللَّيْل فرض وَلَو قدر حلب شَاة، قَول شَاذ مَتْرُوك لإِجْمَاع الْعلمَاء أَن قيام اللَّيْل نسخ بقوله: ﴿علم إِن لن تحصوه. .﴾ الْآيَة. وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة: افْترض الْقيام فِي أول هَذِه الصُّورَة على رَسُول الله ﷺ وعَلى أَصْحَابه حولا حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم، وَأمْسك الله خاتمتها إثني عشر شهرا، ثمَّ نزل التَّخْفِيف فِي آخرهَا، فَصَارَ قيام اللَّيْل تَطَوّعا بعد أَن كَانَ فَرِيضَة، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَزيد بن أسلم وَآخَرين، فِيمَا حكى عَنْهُم النّحاس، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) : ﴿قُم اللَّيْل﴾ يَعْنِي: قُم اللَّيْل كُله إلاّ قَلِيلا مِنْهُ، فَاشْتَدَّ ذَلِك على النَّبِي، ﷺ ، وعَلى أَصْحَابه وَقَامُوا اللَّيْل كُله وَلم يعرفوا مَا حد الْقَلِيل، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿نصفه أَو انقص مِنْهُ قَلِيلا﴾ فَاشْتَدَّ ذَلِك أَيْضا على النَّبِي، ﷺ ، وعَلى أَصْحَابه فَقَامُوا اللَّيْل كُله حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم، وَذَلِكَ قبل الصَّلَوَات الْخمس، فَفَعَلُوا ذَلِك سنة، فَأنْزل الله تَعَالَى ناسختها فَقَالَ: ﴿علم أَن لن تحصوه﴾ يَعْنِي: قيام اللَّيْل من الثُّلُث وَالنّصف، وَكَانَ هَذَا قبل أَن تفرض الصَّلَوَات الْخمس، فَلَمَّا فرضت الْخمس نسخت هَذِه كَمَا نسخت الزَّكَاة كل صَدَقَة، وَصَوْم رَمَضَان كل صَوْم، وَفِي (تَفْسِير ابْن الْجَوْزِيّ) : كَانَ الرجل يسهر طول اللَّيْل مَخَافَة أَن يقصر فِيمَا أَمر بِهِ من قيام ثُلثي اللَّيْل أَو نصفه أَو ثلثه، فشق عَلَيْهِم ذَلِك، فَخفف الله عَنْهُم بعد سنة، وَنسخ وجوب التَّقْدِير بقوله: ﴿علم أَن لن تحصوه فَتَابَ عَلَيْكُم فاقرؤا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ أَي: صلوا مَا تيَسّر من الصَّلَاة، وَلَو قدر حلب شَاة، ثمَّ نسخ وجوب قيام اللَّيْل بالصلوات الْخمس بعد سنة أُخْرَى، فَكَانَ بَين الْوُجُوب وَالتَّخْفِيف سنة، وَبَين الْوُجُوب والنسخ بِالْكُلِّيَّةِ سنتَانِ. ثمَّ إِعْرَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا﴾ على مَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: ﴿نصفه﴾ بدل ﴿من اللَّيْل﴾ و ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ اسْتثِْنَاء من النّصْف، كَأَنَّهُ قَالَ: قُم أقل من نصف اللَّيْل وَالضَّمِير فِي ﴿مِنْهُ﴾ و ﴿عَلَيْهِ﴾ لِلنِّصْفِ، وَالْمعْنَى التَّخْيِير بَين أَمريْن: بَين أَن يقوم أقل من نصف اللَّيْل على الْبَتّ، وَبَين أَن يخْتَار أحد الْأَمريْنِ، وهما النُّقْصَان من النّصْف وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ، وَإِن شِئْت جعلت: نصفه، بَدَلا من: قَلِيلا، وَكَانَ تخييرا بَين ثَلَاث: بَين قيام النّصْف بِتَمَامِهِ، وَبَين النَّاقِص، وَبَين قيام الزَّائِد عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وصف النّصْف بالقلة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكل. قَوْله: ﴿ورتل الْقُرْآن ترتيلاً﴾ يَعْنِي ترسل فِيهِ. وَقَالَ الْحسن: بَينه، إِذا قرأته. وَقَالَ الضَّحَّاك: إقرأ حرفا حرفا، وروى مُسلم من حَدِيث حَفْصَة: أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يرتل السُّورَة حَتَّى تكون أطول من أطول مِنْهَا، وَعَن مُجَاهِد: رتل بعضه على إِثْر بعض على تؤدة، وَعَن ابْن عَبَّاس: بَينه بَيَانا، وَعنهُ: إقرأه على هينتك ثَلَاث آيَات وأربعا وخمسا، وَقَالَ قَتَادَة: تثبت فِيهِ تثبتا، وَقيل: فَصله تَفْصِيلًا وَلَا تعجل فِي قِرَاءَته. وَقَالَ أَبُو بكر بن طَاهِر: تدبر فِي لطائف خطابه، وطالب نَفسك بِالْقيامِ بأحكامه، وقلبك بفهم مَعَانِيه، وسرك بالإقبال عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلاً﴾ أَي: الْقُرْآن يثقل الله فَرَائِضه وحدوده، وَيُقَال: هُوَ ثقيل على من خَالفه، وَيُقَال: هُوَ ثقيل فِي الْمِيزَان، خَفِيف على اللِّسَان، وَيُقَال: إِن نُزُوله ثقيل كَمَا قَالَ: ﴿لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل﴾ (الْحَشْر: ١٢) . الْآيَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يَعْنِي بالْقَوْل الثقيل: الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من الْأَوَامِر والنواهي الَّتِي هِيَ تكاليف شاقة ثَقيلَة على الْمُكَلّفين، خَاصَّة على رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ متحملها بِنَفسِهِ ومحملها لأمته، فَهِيَ أثقل عَلَيْهِ وأنهض لَهُ. قَوْله: ﴿إِن ناشئة اللَّيْل﴾ قَالَ السَّمرقَنْدِي: يَعْنِي سَاعَات اللَّيْل، وَهِي مَأْخُوذَة من: نشأت أَي: ابتدأت شَيْئا بعد شَيْء، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن سَاعَات اللَّيْل الناشئة فَاكْتفى

стр. 2059

بِالْوَصْفِ عَن الِاسْم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ناشئة اللَّيْل النَّفس الناشئة بِاللَّيْلِ الَّتِي تنشأ من مضجعها إِلَى الْعِبَادَة، أَي: تنهض وترفع من نشأت السَّحَاب إِذا ارْتَفَعت، وَنَشَأ من مَكَانَهُ وَنشر إِذا نَهَضَ، أَو: قيام اللَّيْل، على أَن الناشئة مصدر من نَشأ إِذا أَقَامَ ونهض على فاعلة كالعاقبة. قَوْله: ﴿هِيَ أَشد وطأ﴾ قَالَ السَّمرقَنْدِي: يَعْنِي: أثقل على الْمُصَلِّي من سَاعَات النَّهَار، فَأخْبر أَن الثَّوَاب على قدر الشدَّة، قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن عَامر: أَشد وطاء، بِكَسْر الْوَاو وَمد الْألف، وَالْبَاقُونَ بِنصب الْوَاو بِغَيْر مد، فَمن قَرَأَ بِالْكَسْرِ يَعْنِي: أَشد مواطاة، أَي: مُوَافقَة بِالْقَلْبِ والسمع، يَعْنِي: أَن الْقِرَاءَة فِي اللَّيْل يتواطأ فِيهَا قلب الْمُصَلِّي وَلسَانه وسَمعه على التفهم، وَمن قَرَأَ بِالنّصب أبلغ فِي الْقيام وَأبين فِي القَوْل. قَوْله: ﴿وأقوم قيلا﴾ يَعْنِي: أثبت للْقِرَاءَة، وَعَن الْحسن: أبلغ فِي الْخَبَر وَأَمْنَع من هَذَا الْعَدو. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أقوم قيلاً. أَشد مقَالا وَأثبت قِرَاءَة لهدوِّ الْأَصْوَات. وَعَن أنس: أَنه قَرَأَ: وأصوب قيلاً د فَقيل لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَة إِنَّمَا هِيَ أقوم قيلاً. فَقَالَ: إِن أقوم وأهيأ وَاحِد. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : أقوم قيلاً، أصح قولا وَأَشد استقامة وصوابا بالفراغ الْقلب، وَقيل: أعجل إِجَابَة للدُّعَاء. قَوْله: ﴿إِن لَك فِي النَّهَار سبحا طَويلا﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سبحا: تَصرفا وتقلبا فِي مهماتك وشواغلك، وَقَالَ السَّمرقَنْدِي: سبحا فراغا طَويلا تقضي حوائجك فِيهِ، ففرغ نَفسك لصَلَاة اللَّيْل. وَعَن السّديّ: سبحا طَويلا أَي: تَطَوّعا كثيرا كَأَنَّهُ جعله من السبحة، وَهِي النَّافِلَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أما الْقِرَاءَة بِالْخَاءِ فاستعارة من: سبخ الصُّوف، وَهُوَ نفشه وَنشر أَجْزَائِهِ لانتشار الْهم وتفرق الْقلب بالشواغل، كلفه بِقِيَام اللَّيْل، ثمَّ ذكر الْحِكْمَة فِيمَا كلفه مِنْهُ، وَهُوَ: أَن اللَّيْل أَهْون على المواطأة وَأَشد للْقِرَاءَة لهدوِّ الرجل وخفوت الصَّوْت، وَأَنه أجمع للقلب وأهم لنشر الْهم من النَّهَار، لِأَنَّهُ وَقت تَفْرِيق الهموم وتوزع الخواطر والتقلب فِي حوائج المعاش والمعاد. قَوْله: ﴿علم أَن لن تحصوه﴾ هَذَا مُرْتَبِط بِمَا قبله، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَبك يعلم أَنَّك تقوم أدنى من ثُلثي اللَّيْل وَنصفه وَثلثه وَطَائِفَة من الَّذين مَعَك وَالله يقدر اللَّيْل وَالنَّهَار علم أَن لن تحصوه﴾ أَي: علم الله أَن لن تُطِيقُوا قيام اللَّيْل، وَقيل: الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى مصدر مُقَدّر، أَي: علم أَن لَا يَصح مِنْكُم ضبط الْأَوْقَات، وَلَا يَتَأَتَّى حِسَابهَا بالتعديل والتسوية إلاّ أَن تَأْخُذُوا بالأوسع للِاحْتِيَاط، وَذَلِكَ شاق عَلَيْكُم بَالغ مِنْكُم. قَوْله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُم﴾ عبارَة عَن الترخيص فِي ترك الْقيام الْمُقدر. قَوْله: ﴿فاقرأوا مَا تيَسّر﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: عبر عَن الصَّلَاة بِالْقِرَاءَةِ، لِأَنَّهَا بعض أَرْكَانهَا، كَمَا عبر عَنْهَا بِالْقيامِ وَالرُّكُوع وَالسُّجُود، يُرِيد: فصلوا مَا تيَسّر عَلَيْكُم من صَلَاة اللَّيْل، وَهَذَا نَاسخ للْأولِ، ثمَّ نسخا جَمِيعًا بالصلوات الْخمس، وَقيل: هِيَ قِرَاءَة الْقُرْآن بِعَينهَا. قيل: يقْرَأ مائَة آيَة، وَمن قَرَأَ مائَة آيَة فِي لَيْلَة لم يحاجه الْقُرْآن. وَقيل: من قَرَأَ مائَة آيَة كتب من القانتين. وَقيل: خمسين آيَة، وَقد بَين الْحِكْمَة فِي النّسخ بقوله: ﴿علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى﴾ لَا يقدرُونَ على قيام اللَّيْل ﴿وَآخَرُونَ يضْربُونَ فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: يسافرون فِي الأَرْض ﴿يَبْتَغُونَ من فضل الله﴾ يَعْنِي: فِي طلب الْمَعيشَة يطْلبُونَ الرزق من الله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله﴾ يَعْنِي: يجاهدون فِي طَاعَة الله تَعَالَى. قَوْله: ﴿فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ أَي: من الْقُرْآن. قيل: فِي صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء. قَوْله: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة﴾ أَي: الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة. ﴿وَآتوا الزَّكَاة﴾ الْوَاجِبَة، وَقيل: زَكَاة الْفطر، وَإِنَّمَا وَجَبت بعد ذَلِك، وَمن فَسرهَا بِالزَّكَاةِ الْوَاجِبَة جعل آخر السُّورَة مدنيا. قَوْله: ﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ قيل: يُرِيد سَائِر الصَّدقَات المستحبة، وَسَماهُ قرضا تَأْكِيدًا للجزاء. وَقيل: تصدقوا من أَمْوَالكُم بنية خَالِصَة من مَال حَلَال. قَوْله: ﴿وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير﴾ يَعْنِي: مَا تَعْمَلُونَ من الْأَعْمَال الصَّالِحَة وتتصدقون بنية خَالِصَة ﴿تَجِدُوهُ عِنْد الله﴾ يَعْنِي: تَجِدُونَ ثَوَابه فِي الْآخِرَة. قَوْله: (هُوَ خيرا﴾ ثَانِي مفعولي: وجد، وَهُوَ فصل، وَجَاز وَإِن لم يَقع بَين معرفتين، لِأَن أفعل من أشبه فِي امْتِنَاعه من حُرُوف التَّعْرِيف بالمعرفة. قَوْله: ﴿وَاسْتَغْفرُوا الله﴾ يَعْنِي: أطلبوا من الله لذنوبكم الْمَغْفِرَة، وَقيل: اسْتَغْفرُوا الله من تَقْصِير وذنب وَقع مِنْكُم. ﴿إِن الله غَفُور﴾ لمن تَابَ ﴿رَحِيم﴾ لمن اسْتغْفر. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَشَأَ قامَ بالحَبَشِيَّة هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد بن حميد الْكَجِّي فِي (تَفْسِيره) بِسَنَد صَحِيح عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير (عَن ابْن عَبَّاس: ﴿إِن ناشئة اللَّيْل﴾ (المزمل: ٦) . قَالَ هُوَ بِكَلَام الحبشية: نَشأ قَامَ) . وأنبأنا عبد الْملك بن عَمْرو عَن رَافع

стр. 2060

ابْن عَمْرو عَن ابْن أبي مليكَة: (سُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن ناشئة اللَّيْل﴾ (المزمل: ٦) . فَقَالَ أَي اللَّيْل قُمْت فقد أنشأت) وَفِي عبد أَيْضا: عَن أبي ميسرَة، قَالَ: هُوَ كَلَام الْحَبَشَة: نَشأ قَامَ، وَعَن أبي مَالك: قيام اللَّيْل بِلِسَان الْحَبَشَة: ناشئة، وَعَن قَتَادَة وَالْحسن وَأبي مجلز: كل شَيْء بعد الْعشَاء: ناشئة، وَقَالَ مُجَاهِد: إِذا قُمْت من اللَّيْل تصلي فَهِيَ ناشئة، وَفِي رِوَايَة: أَي سَاعَة تهجد فِيهَا. وَقَالَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة: هِيَ قيام اللَّيْل. وَعَن عَاصِم: ناشئة اللَّيْل، مَهْمُوزَة الْيَاء، وَفِي (الْمجَاز) لأبي عُبَيْدَة: ناشئة اللَّيْل ناشئة بعد ناشئة. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: ناشئة اللَّيْل: أول ساعاته. وَيُقَال: أول مَا ينشأ من اللَّيْل من الطَّاعَات هِيَ النشيئة. وَفِي (الْمُحكم) : الناشئة أول النَّهَار وَاللَّيْل. وَقيل: الناشئة إِذا نمت من أول اللَّيْل نومَة، ثمَّ قُمْت، وَفِي (كتاب الْهَرَوِيّ) : كل مَا حدث بِاللَّيْلِ وبدا فَهُوَ ناشىء، وَقد نَشأ وَالْجمع: ناشئة. وَاخْتلف الْعلمَاء، هَل فِي الْقُرْآن شَيْء بِغَيْر الْعَرَبيَّة؟ فَذهب بَعضهم، إِلَى أَن غير الْعَرَبيَّة مَوْجُود فِي الْقُرْآن: كسجيل وفردوس وناشئة، وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَيْسَ الْقُرْآن شَيْء بِغَيْر الْعَرَبيَّة، وَقَالُوا: مَا ورد من ذَلِك فَهُوَ من توَافق اللغتين، فعلى هَذَا لفظ، ناشئة، إِمَّا مصدر على وزن: فاعلة، كعاقبة من نَشأ إِذا قَامَ، أَو هُوَ: اسْم فَاعل، صفة لمَحْذُوف تَقْدِيره: النَّفس الناشئة، كَمَا نقلنا عَن الزَّمَخْشَرِيّ عَن قريب. وِطَاءً قَالَ مُوَاطأةَ القُرآنِ أشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وقَلْبِهِ لِيُوَاطِؤُا لِيُوَافِقُوا وَفِي بعض النّسخ: وطاءً قَالَ مواطأة أَي: قَالَ البُخَارِيّ: معنى: وطأ مواطأة لِلْقُرْآنِ، وَفِي بعض النّسخ: مواطأة لِلْقُرْآنِ يَعْنِي: إِن ناشئة اللَّيْل، هُوَ أَشد مواطاة لِلْقُرْآنِ، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله عبد بن حميد من طَرِيق مُجَاهِد. وَقَالَ أَشد وطاء، أَي: يُوَافق سَمعك وبصرك وقلبك بعضه بَعْضًا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (ليواطؤا ليوافقوا) هَذَا من تَفْسِير بَرَاءَة من قَوْله تَعَالَى: ﴿يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما ليواطؤا عدَّة مَا حرم الله﴾ (التَّوْبَة: ٧٣) . الْآيَة، وَذكر أَن مَعْنَاهُ: ليوافقوا، وَإِنَّمَا ذكره هَهُنَا تَأْكِيدًا لتفسيره: وطاء، وَقد وَصله الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس، لَكِن بِلَفْظ: (ليشابهوا) . ١٤١١ - عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني محَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ كانَ رسولُ الله ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنُّ أنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ شَيْئا ويَصُومُ حَتَّى نَظُنُّ أنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئا وكانَ لَا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَليا إلَاّ رَأيْتَهُ نائِما إلَاّ رَأيْتَهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ لإنشاء أَن ترَاهُ من اللَّيْل مُصَليا إلاّ رَأَيْته) ، وَهُوَ قيام اللَّيْل. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الْعَزِيز عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير ضد الْقَلِيل مر فِي كتاب الْحيض. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء: ابْن أبي حميد الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين مَاضِيا ومضارعا. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَهُوَ وَمُحَمّد بن جَعْفَر مدنيان، وَحميد بَصرِي. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن لَا يَصُوم مِنْهُ) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل النصب على أَنه مفعول: يظنّ، قَوْله: (مِنْهُ شَيْئا) ، أَي: من الشَّهْر شَيْئا من الصَّوْم، وَلَفظه: شَيْئا، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا لَيْسَ فِيهِ هَذَا اللَّفْظ. قَوْله: (وَكَانَ) أَي: رَسُول الله ﷺ ، قَوْله: (وَلَا نَائِما) أَي: وَلَا تشَاء أَن ترَاهُ من اللَّيْل نَائِما إلاّ رَأَيْته نَائِما. وَالَّذِي يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث: أَن صلَاته ونومه ﷺ كَانَ يخْتَلف بِاللَّيْلِ، وَلَا يَتَرَتَّب وقتا معينا بل بِحَسب مَا تيَسّر لَهُ الْقيام. فَإِن قلت: يُعَارضهُ حَدِيث عَائِشَة: (كَانَ إِذا سمع الصَّارِخ قَامَ) . قلت: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخْبرت بِحَسب مَا اطَّلَعت عَلَيْهِ، لِأَن صَلَاة اللَّيْل غَالِبا كَانَت تقع مِنْهُ فِي الْبَيْت، وَخبر أنس مَحْمُول على مَا وَرَاء ذَلِك. تابَعَهُ سُلَيْمَانُ وأبُو خالِدٍ الأحْمَرُ عنْ حُمَيْدٍ أَي: تَابع مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد سُلَيْمَان ذكر خلف أَنه ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ وَلَاء.

стр. 2061

قَوْله: (وَأَبُو خَالِد) عطف عَلَيْهِ، أَي: وتابع مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد أَبُو خَالِد سُلَيْمَان بن حبَان الملقب بالأحمر، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، بواو الْعَطف، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون سُلَيْمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحْتَمل أَن تكون الْوَاو زَائِدَة فَإِن أَبَا خالدٍ الْأَحْمَر اسْمه سُلَيْمَان. قلت: هَذَا كَلَام غير موجه، لِأَن زِيَادَة: وَاو، الْعَطف نادرة، بِخِلَاف الأَصْل، سِيمَا الحكم بذلك بِالِاحْتِمَالِ فَلَا يلْزم من كَون اسْم أبي خَالِد سُلَيْمَان أَن يكون سُلَيْمَان الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِيَّاه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: وَأَبُو خَالِد بِالْوَاو، فَلَا بُد أَن يُقَال: سُلَيْمَان الْمَذْكُور غير سُلَيْمَان المكنى بِأبي خَالِد، ولولاه لَكَانَ شخصا وَاحِدًا مَذْكُورا بالإسم والكنية وَالصّفة، أما مُتَابعَة سُلَيْمَان فَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب مَا يذكر من صَوْم النَّبِي ﷺ : حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد (عَن أنس أَن أنسا يَقُول: كَانَ رَسُول الله ﷺ يفْطر من الشَّهْر) الحَدِيث، وَفِي آخِره قَالَ سُلَيْمَان عَن حميد إِنَّه سَأَلَ أنسا فِي الصَّوْم، وَأما مُتَابعَة أبي خَالِد فقد ذكرهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الصّيام، وَنَذْكُر مَا فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٢١ - (بابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قافِيَةِ الرَّأسِ إذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عقد الشَّيْطَان على قافية رَأس النَّائِم إِذا نَام، وَلم يصل، وقافية الرَّأْس: قَفاهُ، وقافية كل شَيْء آخِره، قَالَه الْأَزْهَرِي وَغَيره. ٢٤١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِك عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ يعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قافِيةِ رَأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كلَّ عُقْدَةٍ علَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ فإنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحلَّتْ عُقْدَةٌ فانْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فأصْبَحَ نَشِيطا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإلَاّ أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ. (الحَدِيث ٢٤١١ طرفه فِي: ٩٦٢٣) . اعْترض بِأَنَّهُ لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الحَدِيث مُطلق والترجمة مُقَيّدَة، وَأجِيب: بِأَن مُرَاده أَن اسْتِدَامَة العقد إِنَّمَا يكون على ترك الصَّلَاة، وَجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعْقد عَلَيْهِ لزوَال أَثَره، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الصَّلَاة المنفية فِي التَّرْجَمَة صَلَاة الْعشَاء، فَيكون التَّقْدِير: إِذا لم يصل الْعشَاء، فَكَأَنَّهُ يرى أَن الشَّيْطَان إِنَّمَا يفعل ذَلِك لمن نَام قبل صَلَاة الْعشَاء، بِخِلَاف من صلاهَا، وَلَا سِيمَا فِي الْجَمَاعَة. انْتهى. قلت: قَوْله: (إِذا لم يصل) أَعم من أَن لَا يُصَلِّي الْعشَاء أَو غَيرهَا من صَلَاة اللَّيْل، وَلَا قرينَة لتقييدها بالعشاء، وَظَاهر الحَدِيث يدل على أَن العقد يكون عِنْد النّوم، سَوَاء صلى قبله أَو لم يصل، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن زَنْجوَيْه فِي كتاب الْفَضَائِل من حَدِيث أبي لَهِيعَة عَن أبي عشانة، سمع عقبَة بن عَامر يَقُول عَن النَّبِي ﷺ : (لَا يقوم أحدكُم من اللَّيْل يعالج طهوره وَعَلِيهِ عقد، فَإِذا وضأ يَده انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ وَجهه انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا مسح بِرَأْسِهِ انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ رجلَيْهِ انْحَلَّت عقدَة) . وَمن حَدِيث ابْن لَهِيعَة أَيْضا عَن أبي الزبير (عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: لَيْسَ فِي الأَرْض نفس من ذكر وَأُنْثَى إلاّ وعَلى رَأسه جرير معقدة، فَإِن اسْتَيْقَظَ فَتَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة، وَإِن اسْتَيْقَظَ وَصلى حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يصل وَلم يتَوَضَّأ أَصبَحت العقد كَمَا هِيَ) . والجرير: بِفَتْح الْجِيم: الْحَبل. وَفِي (كتاب الثَّوَاب) لآدَم بن أبي إِيَاس الْعَسْقَلَانِي، من حَدِيث الرّبيع بن صبيح: عَن الْحسن قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَا من عبد ينَام إلاّ وعَلى رَأسه ثَلَاث عقد، فَإِن هُوَ تعار من اللَّيْل فسبح الله وحمده وَهَلله وَكبره حلت عقدَة، وَإِن عزم الله لَهُ فَقَامَ وَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يفعل شَيْئا من ذَلِك حَتَّى يصبح أصبح وَالْعقد كلهَا كَمَا هِيَ) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز،. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا.

стр. 2062

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يعْقد الشَّيْطَان) الْكَلَام فِي العقد والشيطان. أما العقد فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْحَقِيقَة بِمَعْنى السحر للْإنْسَان، وَمنعه من الْقيام كَمَا يعْقد السَّاحر من سحره، وَأكْثر مَا يَفْعَله النِّسَاء تَأْخُذ إِحْدَاهُنَّ الْخَيط فتعقد مِنْهُ عقدا وتتكلم عَلَيْهَا بالكلمات فيتأثر المسحور عِنْد ذَلِك، كَمَا أخبر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم ﴿وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ (الفلق: ٤) . فَالَّذِي خذل يعْمل فِيهِ وَالَّذِي وفْق يصرف عَنهُ، وَالدَّلِيل على كَونه على الْحَقِيقَة مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَمُحَمّد بن نصر من طَرِيق صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (على قافية رَأس أحدكُم حَبل فِيهِ ثَلَاث عقد) ، وروى أَحْمد من طَرِيق الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِذا نَام أحدكُم عقد على رَأسه بجرير) ، وروى ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (مَا من ذكر وَلَا أُنْثَى إلاّ على رَأسه جرير مَعْقُود حِين يرقد) ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْمجَاز كَأَنَّهُ شبه فعل الشَّيْطَان بالنائم بِفعل السَّاحر بالمسحور، وَقيل: هُوَ من عقد الْقلب وتصميمه فَكَأَنَّهُ يوسوس بِأَن عَلَيْك لَيْلًا طَويلا فَيتَأَخَّر عَن الْقيام بِاللَّيْلِ، وَقَالَ صَاحب (النِّهَايَة) : المُرَاد مِنْهُ تثقيله فِي النّوم وإطالته، فَكَأَنَّهُ قد سد عَلَيْهِ سدا وَعقد عَلَيْهِ عقدا. وَقَالَ ابْن بطال: قد فسر رَسُول الله ﷺ ، معنى العقد بقوله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) ، فَكَأَنَّهُ يَقُولهَا إِذا أَرَادَ النَّائِم الاستيقاظ. وَقَالَ ابْن بطال أَيْضا: وَرَأَيْت لبَعض من فسر هَذَا الحَدِيث العقد الثَّلَاث هِيَ: الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم. وَقَالَ أَلا يرى أَنه من أَكثر الْأكل وَالشرب أَنه يكثر النّوم لذَلِك؟ واستبعد بَعضهم هَذَا القَوْل لقَوْله فِي الحَدِيث: (إِذا هُوَ نَام) ، فَجعل العقد حِينَئِذٍ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ مثل، واستعاره من عقد بني آدم، وَلَيْسَ المُرَاد العقد نَفسهَا، وَلَكِن لما كَانَ بَنو آدم يمْنَعُونَ بعقدهم ذَلِك تصرف من يحاول فِيمَا عقده كَأَن هَذَا مثله من الشَّيْطَان للنائم الَّذِي لَا يقوم من نَومه إِلَى مَا يحب من ذكر الله تَعَالَى وَالصَّلَاة. وَأما الشَّيْطَان: فَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس، وَيكون فَاعل ذَلِك القرين أَو غَيره من أعوان الشَّيْطَان. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ رَأس الشَّيَاطِين وَهُوَ إِبْلِيس لَعنه الله. قلت: يُعَكر عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا: أَن النائمين عَن قيام اللَّيْل كثير لَا يُحْصى، فإبليس لَا يلحقهم بذلك إلاّ أَن يكون جَوَاز نِسْبَة ذَلِك إِلَيْهِ لكَونه آمرا لأعوانه بذلك، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَيْهِ وَالْآخر: أَن مَرَدَة الشَّيَاطِين يصفدون فِي شهر رَمَضَان وأكبرهم إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة. قَوْله: (على قافية رَأس أحدكُم) أَي: مُؤخر عُنُقه، وَقد ذكرنَا أَن قافية كل شَيْء مؤخره، وَمِنْه قافية القصيدة، وَفِي (الْمُحكم) : القافية: هِيَ الْقَفَا، وَقيل: هِيَ وسط الرَّأْس. قَوْله: (إِذا هُوَ نَام) ، أَي: حِين نَام، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا: (إِذا هُوَ نَام) ، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي (إِذا هُوَ نَائِم) على وزن اسْم الْفَاعِل، وَقَالَ بَعضهم: وَالْأول أصوب وَهُوَ الَّذِي فِي (الْمُوَطَّأ) قلت: رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لَا تدل على أَن ذَلِك أصوب، بل الظَّاهِر أَن رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي أصوب لِأَنَّهَا جملَة إسمية وَالْخَبَر فِيهَا إسم. قَوْله: (ثَلَاث عقد) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: (يعْقد) ، وَالْعقد، بِضَم الْعين وَفتح الْقَاف: جمع عقدَة. قَوْله: (يضْرب على كل عقدَة) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (على مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَمعنى يضْرب، يضْرب بِيَدِهِ على كل عقدَة، ذكر هَذَا تَأْكِيدًا وإحكاما لما يَفْعَله، وَقيل: يضْرب بالرقاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف﴾ (الْكَهْف: ١١) . وَمَعْنَاهُ: حجب الْحس عَن النَّائِم حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظ. قَوْله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) أَي: يضْرب قَائِلا: عَلَيْك ليل طَوِيل، وَوَقع فِي جَمِيع رِوَايَات البُخَارِيّ هَكَذَا: (ليل طَوِيل) بِالرَّفْع فيهمَا، فارتفاع: ليل، بِالِابْتِدَاءِ، و: عَلَيْك، خَبره مقدما وارتفاع: طَوِيل، بالوصفية. وَيجوز أَن يكون ارْتِفَاع: ليل، بِفعل مَحْذُوف وَتَقْدِيره: بَقِي عَلَيْك ليل طَوِيل، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل الْمَحْذُوف، أَي: يضْرب كل عقدَة قَائِلا هَذَا الْكَلَام، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي مُصعب فِي (الْمُوَطَّأ) عَن مَالك: (عَلَيْك لَيْلًا طَويلا) ، وَهِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فِي رِوَايَة مُسلم. قَالَ عِيَاض: رِوَايَة الْأَكْثَرين عَن مُسلم بِالنّصب على الإغراء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرّفْع أولى من جِهَة الْمَعْنى لِأَنَّهُ الأمكن فِي الْغرُور من حَيْثُ إِنَّه يُخبرهُ عَن طول اللَّيْل: ثمَّ يَأْمُرهُ بالرقاد بقوله: (فارقد) ، وَإِذا نصب على الإغراء لم يكن فِيهِ إلاّ الْأَمر بملازمة طول الرقاد، وَحِينَئِذٍ يكون قَوْله: (فارقد) ضائعا. قلت: لَا نسلم أَنه يكون ضائعا، بل يكون تَأْكِيدًا ثمَّ إِن مَقْصُود الشَّيْطَان بذلك تسويفه بِالْقيامِ والإلباس عَلَيْهِ. قَوْله (فَذكر الله انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ وَكَذَلِكَ قَوْله: (فَإِن تَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ. وَقَوله: (فَإِن صلى انْحَلَّت عقدَة) بِضَم الْعين بِلَفْظ الْجمع هَذَا الاخلاف فِيهِ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَوَقع لبَعض رُوَاة الْمُوَطَّأ بِالْإِفْرَادِ وَذكر ابْن قرقول انه اخْتلف فِي الْأَخِيرَة مِنْهَا، فَوَقع فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لِابْنِ وضاح

стр. 2063

انْحَلَّت عقد) على الْجمع، وَكَذَا ضبطناه فِي البُخَارِيّ وَفِي غَيرهمَا: (عقدَة) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَالْجمع أولى لَا سِيمَا وَقد جَاءَ مُسلم فِي الأولى: عقدَة وَفِي الثَّانِيَة: عقدان، وَفِي الثَّالِثَة: انْحَلَّت العقد. قَوْله: (أصبح نشيطا) أَي: لسروره بِمَا وَفقه الله تَعَالَى من الطَّاعَة وَطيب النَّفس لما بَارك الله لَهُ فِي نَفسه وتصرفه فِي كل أُمُوره، وَبِمَا زَالَ عَنهُ من عقد الشَّيْطَان. قَوْله: (وإلاّ أصبح خَبِيث النَّفس) يَعْنِي: بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اعتاده أَو نَوَاه من فعل الْخَيْر. قَوْله: (كسلان) يَعْنِي: بِبَقَاء أثر تثبيط الشَّيْطَان عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَن مُقْتَضى (وإلَاّ أصبح) أَن من لم يجمع الْأُمُور الثَّلَاثَة: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَهُوَ دَاخل تَحت من يصبح خبيثا كسلان وَإِن أَتَى بِبَعْضِهَا. قلت: فعلى هَذَا تَقْدِير الْكَلَام: وَإِن لم يذكر وَلم يتَوَضَّأ وَلم يصل يصبح خَبِيث النَّفس كسلان. الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِن أَبَا بكر وَأَبا هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَا يوتران أول اللَّيْل وينامان آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد: الَّذِي ينَام وَلَا نِيَّة لَهُ فِي الْقيام، وَأما من صلى من النَّافِلَة مَا قدر لَهُ ونام بنية الْقيام فَلَا يدْخل فِي ذَلِك، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : بِدَلِيل قَوْله، ﷺ : (مَا من امرىء يكون لَهُ صَلَاة بلَيْل فغلبه عَلَيْهَا نوم إلَاّ كتب لَهُ أجر صلَاته، وَكَانَ نَومه صَلَاة) . ذكره ابْن التِّين قلت: روى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فِي: بَاب من نوى أَن يُصَلِّي من اللَّيْل، من حَدِيث شُعْبَة، قَالَ أَبُو ذَر وَأَبُو الدَّرْدَاء، شكّ شُعْبَة: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (مَا من عبد يحدث نَفسه بِقِيَام سَاعَة من اللَّيْل فينام عَنْهَا إلَاّ كَانَ نَومه صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْهِ وَكتب لَهُ أجر مَا نوى) . وَمِنْهَا مَا قيل: فِي هَذَا الحَدِيث مَا يُعَارض قَوْله، ﷺ : (لَا يَقُولَن أحدكُم خبثت نَفسِي؟) وَأجِيب: بِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن إِضَافَة الْمَرْء ذَلِك إِلَى نَفسه كَرَاهَة لتِلْك الْكَلِمَة، وَهَذَا الحَدِيث وَقع ذما لفعله، وَلكُل من الْخَبَرَيْنِ وَجه، وَقَالَ الْبَاجِيّ: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين اخْتِلَاف لِأَنَّهُ نهي عَن إِضَافَة ذَلِك إِلَى النَّفس، لكَون الْخبث فَمَعْنَى فَسَاد الدّين، وَوصف بعض الْأَفْعَال بذلك تحذيرا مِنْهَا وتنفيرا. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا فَائِدَة تَقْيِيد العقد بِالثلَاثِ؟ وَأجِيب: بإنه أما تَأْكِيد وَإِمَّا لِأَن مَا ينْحل بِهِ العقد ثَلَاثَة أَشْيَاء: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَكَانَ الشَّيْطَان منع عَن كل وَاحِد مِنْهَا بعقدة عقدهَا على قافيته. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه تَخْصِيص قافية الرَّأْس بِضَرْب العقد عَلَيْهَا. وَأجِيب بِأَنَّهَا مَحل الواهمة وَمحل تصرفها، وَهِي أطوع القوى للشَّيْطَان وأسرعها إِجَابَة لدعوته. وَمِنْهَا مَا قيل: أَنه قد يظنّ أَن بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره أَن قارىء آيَة الْكُرْسِيّ عِنْد نَومه لَا يقربهُ شَيْطَان تعَارض؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد من العقد إِن كَانَ أمرا معنويا، وَمن الْقرب أمرا حسيا أَو بِالْعَكْسِ، فَلَا إِشْكَال، وَإِن كَانَ كِلَاهُمَا معنويا أَو بِالْعَكْسِ فَيكون أَحدهمَا مَخْصُوصًا، وَالْأَقْرَب أَن يكون حَدِيث الْبَاب مَخْصُوصًا بِمن لم يقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ لطرد الشَّيْطَان. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الذّكر يطرد الشَّيْطَان، وَكَذَا الْوضُوء وَالصَّلَاة، وَلَا يتَعَيَّن للذّكر شَيْء مَخْصُوص لَا يجزىء غَيره، بل كل مَا يصدق عَلَيْهِ، ذكر الله تَعَالَى أَجزَأَهُ، وَيدخل فِيهِ تِلَاوَة الْقُرْآن، وَأولى مَا يذكر فِيهِ مَا سَيَجِيءُ فِي: بَاب فضل من تعار من اللَّيْل، إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت: كَيفَ حكم الْجنب؟ فَهَل تحل عقدته بِالْوضُوءِ؟ قلت: لَا تحل إلاّ بالاغتسال وَتَخْصِيص الْوضُوء بِالذكر لكَونه الْغَالِب، وَالتَّيَمُّم يقوم مقامهما عِنْد جَوَازه، وَالله أعلم. ٣٤١١ - حدَّثنا مُؤَمِّلُ بنُ هِشَامٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا عَوفٌ قَالَ حدَّثنا أبُو رَجَاءٍ قَالَ حدَّثَنَا سَمْرَةُ بنُ جُنْدَبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبيِّ ﷺ فِي الرُّؤيَا قَالَ أمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأسُهُ بِالحَجَرِ فإنَّهُ يَأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنَامُ عنِ الصَّلَاة المَكْتُوبَةِ.. زعم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن حَدِيث سَمُرَة هَذَا لَا يدْخل فِي هَذَا الْبَاب لِأَن رفض الْقُرْآن لَيْسَ ترك الصَّلَاة بِاللَّيْلِ. قلت: حفظ شَيْئا وَغَابَ عَنهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ، فَفِي الحَدِيث: (وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) ، وَالْمرَاد مِنْهَا الْعشَاء الْآخِرَة، فَأَي مُنَاسبَة تطلب بِأَكْثَرَ من هَذَا؟ ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُؤَمل، بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول: ابْن هِشَام الْبَصْرِيّ ختن شَيْخه إِسْمَاعِيل بن علية، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام، وَعليَّة اسْم أمه، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم الْأَسدي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث أَو أَربع وَتِسْعين وَمِائَة بِبَغْدَاد. الثَّالِث: عَوْف الْأَعرَابِي، مر فِي: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان. الرَّابِع: أَبُو رَجَاء، بخفة الْجِيم وبالمد: اسْمه عمرَان بن ملْحَان العطاردي.

стр. 2064

الْخَامِس: سَمُرَة بن جُنْدُب، بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا، مر فِي آخر كتاب الْحيض. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: الْإِسْنَاد كُله بِصِيغَة التحديث فِي صُورَة الْجمع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم بصريون. وَفِيه: سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ بعنعنة. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: إِسْمَاعِيل مَذْكُور باسم أمه. وَفِيه: عَوْف مَذْكُور بِغَيْر نِسْبَة. وَفِيه: أَبُو رَجَاء مَذْكُور بكنيته. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ مقطعا فِي مَوَاضِع، وَتَمَامه يَأْتِي فِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز، وَأخرجه فِي الْبيُوع وَالْجهَاد وبدء الْخلق وَالْأَدب وَأَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي التَّفْسِير وَفِي التَّعْبِير. وَأخرجه مُسلم فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن بشار وَبُنْدَار مُخْتَصرا كَمَا هَهُنَا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُعْتَمر عَن عَوْف بِتَمَامِهِ وَفِي التَّفْسِير عَن جمَاعَة عَن عَوْف بِأَكْثَرَ الحَدِيث. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يثلغ) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح اللَّام وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: يكسر، قَالَ الْجَوْهَرِي: أَي ثلغ رَأسه يثلغه، بِفَتْح اللَّام فيهمَا: ثلغا أَي: شدخه، والشدخ: كسر الشَّيْء الأجوف. قلت: كلمة: أما، لَا بُد لَهَا من قسيم فَمَا هُوَ هَهُنَا؟ قلت: قد قلت لَك أَن البُخَارِيّ قد قطع هَذَا الحَدِيث، وَسَيَأْتِي تَمَامه فِي: بَاب الْجَنَائِز، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (فيرفضه) ، بِضَم الْفَاء وَكسرهَا أَي: يتْرك حفظه وَالْعَمَل بِهِ، وَأما الَّذِي يتْرك حفظ حرفه وَيعْمل بمعاني فَلَيْسَ برافض لَهُ، وَأما الَّذِي يرفض كليهمَا فَذَاك لعقد الشَّيْطَان فِيهِ، فَوَقَعت الْعقُوبَة فِي مَوضِع الْمعْصِيَة. قَوْله: (وينام عَن الصَّلَاة) ، يَعْنِي ذاهلاً عَنْهَا حَتَّى يخرج وَقتهَا وتفوت مِنْهُ. قَوْله: (الْمَكْتُوبَة) أَي: الْمَفْرُوضَة، وَأَرَادَ بهَا: صَلَاة الْعشَاء. وَقيل: أَرَادَ بهَا صَلَاة الصُّبْح لِأَنَّهَا الَّتِي تبطل بِالنَّوْمِ. ٣١ - (بابُ إذَا نامَ ولَمْ يُصَلِّ بالَ الشَّيْطَانُ فِي أذُنِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا نَام ... إِلَى آخِره. وَوَقعت هَذِه التَّرْجَمَة للمستملي وَحده، وللباقين: بَاب، فَقَط من غير ذكر شَيْء، فَكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَة فصل للباب السَّابِق، وتعلقه بِهِ ظَاهر، وَهُوَ فِي قَوْله فِي الحَدِيث السَّابِق: (وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) ، وَهنا فِي قَوْله: مَا زَالَ نَائِما حَتَّى أصبح) . ٤٤١١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الأحْوَصِ قَالَ حدَّثنا مَنْصُورٌ عنْ أبِي وائِلٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قالَ ذُكِرَ عِنْدَ النبيِّ ﷺ رَجُلُ فَقِيلَ مَا زَالَ نائِما حَتَّى أصْبَحَ مَا قامَ إلَى الصَّلَاةِ فقالَ بالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ. (الحَدِيث ٤٤١١ طرفه فِي: ٠٧٢٣) . مطابقته للباب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين ظَاهِرَة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي أظهر. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْأَحْوَص: سَلام بن سليم، وَمَنْصُور ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي، وَأَبُو الْأَحْوَص وَمَنْصُور وَأَبُو وَائِل كوفيون. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة إِبْلِيس عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عُثْمَان وَإِسْحَاق كِلَاهُمَا عَن جرير بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن عبد الْعَزِيز عبد الصَّمد عَنهُ بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن جرير بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَقيل: مَا زَالَ نَائِما) أَي: قَالَ رجل مِمَّن كَانَ فِي الْمجْلس: مَا زَالَ هَذَا الرجل نَائِما حَتَّى أصبح. وَفِي رِوَايَة جرير عَن مَنْصُور فِي بَدْء الْخلق: (رجل نَام لَيْلَة حَتَّى أصبح) . قَوْله: (مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة) ، اللَّام فِيهِ للْجِنْس، وَيجوز أَن تكون للْعهد، وَيُرَاد بهَا الْمَكْتُوبَة، وَهُوَ الظَّاهِر كَمَا قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ حَيْثُ قَالَ: هَذَا عندنَا نَام عَن الْفَرِيضَة. وَأخرج ابْن حبَان من طَرِيق سُفْيَان، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن حَدثنَا عَليّ بن حَرْب أخبرنَا الهاشم بن يزِيد الحرمي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سَلمَة بن كهيل عَن أبي الْأَحْوَص (عَن عبد الله، قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن رجل نَام حَتَّى أصبح

стр. 2065

قَالَ: بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنه) . قَوْله: (فِي أُذُنه) بِضَم الذَّال وسكونها، وَفِي رِوَايَة جرير: (فِي أُذُنَيْهِ) ، بالتثنية. وَاخْتلفُوا فِي معنى قَوْله: (بَال الشَّيْطَان) ، فَقيل: هُوَ على حَقِيقَته. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا مَانع من حَقِيقَته لعدم الإحالة فِيهِ لِأَنَّهُ ثَبت أَنه يَأْكُل وَيشْرب وينكح، فَلَا مَانع من أَن يَبُول. وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ تَمْثِيل، شبه تثاقل نَومه وإغفاله عَن الصَّلَاة بِحَال من يبال فِي أُذُنه فيثقل سَمعه وَيفْسد حسه. قَالَ: وَإِن كَانَ المُرَاد حَقِيقَة عين الْبَوْل من الشَّيْطَان نَفسه فَلَا يُنكر ذَلِك إِن كَانَت لَهُ هَذِه الصّفة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هُوَ اسْتِعَارَة عَن تحكمه فِيهِ وانقياده لَهُ. وَقَالَ التوريشتي: يحْتَمل أَن يُقَال: إِن الشَّيْطَان مَلأ سَمعه بالأباطيل فأحدث فِي أُذُنه وقرا عَن اسْتِمَاع دَعْوَة الْحق، وَقيل: هُوَ كِنَايَة عَن استهانة الشَّيْطَان وَالِاسْتِخْفَاف بِهِ، فَإِن من عَادَة المستخف بالشَّيْء أَن يَبُول عَلَيْهِ لِأَنَّهُ من شدَّة استخفافه بِهِ يَتَّخِذهُ كالكنيف الْمعد للبول. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ أفسد، يُقَال: بَال فِي كَذَا أَي: أفسد، وَالْعرب تكنى عَن الْفساد بالبول. قَالَ الراجز: (بَال سُهَيْل فِي الفضيخ ففسد) وَوَقع فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث عِنْد أَحْمد، قَالَ الْحسن: إِن بَوْله وَالله لثقيل، وروى مُحَمَّد بن نصر من طَرِيق قيس ابْن أبي حَازِم (عَن ابْن مَسْعُود: حسب رجل من الخيبة وَالشَّر أَن ينَام حى يصبح وَقد بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنه) ، وَهُوَ مَوْقُوف صَحِيح الْإِسْنَاد. فَإِن قلت: لم خص الْأذن بِالذكر وَالْعين أنسب بِالنَّوْمِ؟ قلت: قَالَ الطَّيِّبِيّ: إِشَارَة إِلَى ثقل النّوم، فَإِن المسامع هِيَ موارد الانتباه، وَخص الْبَوْل من الأخبثين لِأَنَّهُ أسهل مدخلًا فِي التجاويف وأوسع نفوذا فِي الْعُرُوق فيورث الكسل فِي جَمِيع الْأَعْضَاء. ٤١ - (بابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء فِي الصَّلَاة من آخر اللَّيْل، وَهُوَ الثُّلُث الْأَخير مِنْهُ. قَوْله: (فِي الصَّلَاة) ، بِكَلِمَة: فِي، رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره، بَاب الدُّعَاء وَالصَّلَاة، بِحرف: وَاو، الْعَطف. وقَالَ الله ﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ أَي مَا يَنَامُونَ ﴿وبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: ٧١، ٨١) . وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: وَقَول الله، ، فعلى هَذِه تكون هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة من جملَة التَّرْجَمَة على مَا لَا يخفى، وَزَاد الْأصيلِيّ بعد قَوْله: ﴿مَا يهجعون﴾ (الذاريات: ٧١، ٨١) . أَي: مَا ينامون، يُقَال: هجع يهجع هجوعا، وَهُوَ: النّوم بِاللَّيْلِ دون النَّهَار، وَرجل هاجع من قوم هجع وهجوع، وَامْرَأَة هاجعة من نسْوَة هجع وهواجع وهاجعات. وَفِي (الْمُحكم) : قد يكون الهجوع بَين نوم، وَقوم هجع وهجوع وَنسَاء هجع وهجوع وهواجع وهاجعات جمع الْجمع. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الهاجع كل نَائِم. وَفِي (الْكَامِل) : التهجاع النومة الْخَفِيفَة. ٥٤١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ أبِي شِهَابٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ وأبِي عَبْدِ الله الأغَرِّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ لَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي أَن التَّرْجَمَة فِي الدُّعَاء فِي آخر اللَّيْل، والْحَدِيث يخبر أَن من دَعَا فِي ذَلِك الْوَقْت يستجيب الله تَعَالَى دعاءه. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد ابْن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أَبُو عبد الله الْأَغَر، بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء: واسْمه سلمَان الثَّقَفِيّ والأغر لقبه. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون، غير أَن ابْن سَلمَة سكن الْبَصْرَة. وَفِيه: ابْن شهَاب مَذْكُور بنسبته إِلَى جده. وَفِيه: ثَلَاثَة مذكورون بالكنية وَوَاحِد

стр. 2066

مِنْهُم باللقب أَيْضا. وَفِيه: اخْتلف عَليّ ابْن شهَاب، فَرَوَاهُ عَنهُ مَالك وحفاظ أَصْحَابه كَمَا هُوَ الْمَذْكُور هَهُنَا، وَاقْتصر بَعضهم فِي الرِّوَايَة عَنهُ على أحد الرجلَيْن، وَقَالَ بعض أَصْحَاب مَالك: عَن سعيد بن الْمسيب بدل أبي سَلمَة، وَأبي عبد الله الْأَغَر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: الْأَعْرَج بدل الْأَغَر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: الْأَعْرَج بدل الْأَغَر. قيل: هَذَا تَصْحِيف. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة صَحِيح، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من أوجه كَثِيرَة عَن أبي هُرَيْرَة (عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: ينزل الله تَعَالَى حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَهَذَا أصح الرِّوَايَات. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: وَقد روى فِي ذَلِك خمس رِوَايَات. أَصَحهَا: مَا صَححهُ التِّرْمِذِيّ، وَقد اتّفق عَلَيْهَا مَالك بن أنس وَإِبْرَاهِيم بن سعد وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَمعمر بن رَاشد وَيُونُس بن يزِيد ومعاذ بن يحيى الصَّدَفِي وَعبيد الله بن أبي زِيَاد وَعبد الله بن زِيَاد بن سمْعَان وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر، كلهم عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة وَأبي سَلمَة وَأبي عبد الله، إلَاّ أَن ابْن سمْعَان وَابْن أبي الْأَخْضَر لم يذكرَا أَبَا سَلمَة فِي الْإِسْنَاد، وَزَاد ابْن أبي الْأَخْضَر بدله: عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ، كلهم عَن أبي هُرَيْرَة، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَعْمَش: عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَمُحَمّد ابْن عَمْرو: عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَيحيى بن أبي كثير: عَن أبي جَعْفَر عَن أبي هُرَيْرَة. وَقد قيل: إِن أَبَا جَعْفَر هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن. الرِّوَايَة الثَّانِيَة: هِيَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: ينزل الله إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كل لَيْلَة حِين يمْضِي ثلث اللَّيْل الأول. .) الحَدِيث، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة مَنْصُور وَشعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي مُسلم الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد عِنْد مُسلم. الرِّوَايَة الثَّالِثَة: حِين يبْقى نصف اللَّيْل الآخر، وَهِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَهَكَذَا رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَنهُ بِلَفْظ: (إِذا كَانَ شطر اللَّيْل. .) الحَدِيث، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق عَن سعيد المَقْبُري عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا مضى شطر اللَّيْل) . الرِّوَايَة الرَّابِعَة: التَّقْيِيد بالشطر أَو الثُّلُث الْأَخير إِمَّا على الشَّك أَو وُقُوع هَذَا مرّة وَهَذَا مرّة، وَهِي رِوَايَة سعيد، بن مرْجَانَة (عَن أبي هُرَيْرَة: ينزل الله تَعَالَى شطر اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَو ثلث اللَّيْل الآخر. الرِّوَايَة الْخَامِسَة: لتقييد بِمُضِيِّ نصف اللَّيْل أَو ثلثه، وَهِي رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا مضى نصف اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير عَن سُهَيْل ابْن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا ذهب ثلث اللَّيْل أَو نصفه) . فَإِن قلت: كَيفَ طَرِيق الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات الَّتِي ظَاهرهَا الِاخْتِلَاف؟ قلت: أما رِوَايَة من لم يعين الْوَقْت فَلَا تعَارض بَينهَا وَبَين من عين، وَأما من عين الْوَقْت وَاخْتلفت ظواهر رواياتهم فقد صَار بعض الْعلمَاء إِلَى التَّرْجِيح، كالترمذي على مَا ذكرنَا، إلاّ أَنه عبر بالأصح، فَلَا يَقْتَضِي تَضْعِيف غير تِلْكَ الرِّوَايَة لما تَقْتَضِيه صِيغَة: أفعل، من الِاشْتِرَاك. وَأما القَاضِي عِيَاض فَعبر فِي التَّرْجِيح بِالصَّحِيحِ، فَاقْتضى ضعف الرِّوَايَة الْأُخْرَى، ورده النَّوَوِيّ بِأَن مُسلما رَوَاهَا فِي (صَحِيحه) بِإِسْنَاد لَا يطعن فِيهِ عَن صحابيين، فَكيف يضعفها؟ وَإِذا أمكن الْجمع وَلَو على وَجه فَلَا يُصَار إِلَى التَّضْعِيف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي، ﷺ ، أعلم بِأحد الْأَمريْنِ فِي وَقت فَأخْبر بِهِ، ثمَّ أعلم بِالْآخرِ فِي وَقت آخر فَأعْلم بِهِ، وَسمع أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْخَبَرَيْنِ فنقلهما جَمِيعًا، وَسمع أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خبر الثُّلُث الأول فَقَط، فأخبريه مَعَ أبي هُرَيْرَة كَمَا رَوَاهُ مُسلم فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة، وَهَذَا ظَاهر. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله، وَفِي الدَّعْوَات عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ وَفِي السّنة عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني. ذكر من أخرجه من غير أبي هُرَيْرَة: قَالَ التِّرْمِذِيّ، بعد أَن أخرج هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ بن أبي طَالب، وَأبي سعيد وَرِفَاعَة الْجُهَنِيّ وَجبير بن مطعم وَابْن مَسْعُود وَأبي الدَّرْدَاء وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ. قلت: وَفِي الْبَاب، عَن جَابر بن عبد الله وَعبادَة بن

стр. 2067

الصَّامِت وَعقبَة بن عَامر وَعَمْرو بن عَنْبَسَة وَأبي الْخطاب وَأبي بكر الصّديق وَأنس بن مَالك وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ومعاذ ابْن جبل وَأبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس ونواس بن سمْعَان وَأمه سَلمَة وجد عبد الحميد بن سَلمَة. أما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب (السّنة) من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة، ولأخرت الْعشَاء الْآخِرَة إِلَى ثلث اللَّيْل، فَإِنَّهُ إِذا مضى ثلث اللَّيْل الأول هَبَط الله إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَلم يزل هُنَاكَ حَتَّى يطلع الْفجْر، فَيَقُول الْقَائِل: ألَا سَائل يعْطى سُؤَاله؟ ألَا دَاع يُجَاب؟) وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من طَرِيق أهل الْبَيْت من رِوَايَة الْحُسَيْن بن مُوسَى بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن جده جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن على، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِن الله ينزل فِي كل لَيْلَة جُمُعَة من أول اللَّيْل إِلَى آخِره إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، وَفِي سَائِر اللَّيَالِي من الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل فيأمر ملكا يُنَادي: هَل من سَائل فَأعْطِيه؟ هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ؟ يَا طَالب الْخَيْر أقبل، وَيَا طَالب الشَّرّ أقصر) . وَفِي إِسْنَاده من يجهل. وَأما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة من رِوَايَة الْأَغَر أبي مُسلم (عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة: إِن الله يُمْهل حَتَّى إِذا ذهب ثلث اللَّيْل الأول ينزل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا) الحَدِيث. وَأما حَدِيث رِفَاعَة الْجُهَنِيّ، فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عَطاء بن يسَار عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِي، ﷺ : (إِن الله يُمْهل حَتَّى إِذا ذهب من اللَّيْل نصفه أَو ثُلُثَاهُ، قَالَ: لَا يسْأَل عَن عبَادي غَيْرِي) الحَدِيث، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَنهُ. وَأما حَدِيث جُبَير بن مطعم فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَنهُ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: هَل من سَائل فَأعْطِيه؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ؟) وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من هَذَا الْوَجْه وَزَاد: (حَتَّى يطلع الْفجْر) . وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن أبي الْأَحْوَص عَن ابْن مَسْعُود: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (إِذا كَانَ ثلث اللَّيْل الْبَاقِي يهْبط الله، ، إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ تفتح أَبْوَاب السَّمَاء، ثمَّ يبسط يَده فَيَقُول: هَل من سَائل يعْطى سُؤَاله؟ وَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يسطع الْفجْر) . وَأما حَدِيث أبي الدَّرْدَاء فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْكَبِير) و (الْوسط) من رِوَايَة زِيَاد بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَن فضَالة بن عبيد عَن أبي الدَّرْدَاء، قَالَ: قَالَ ﷺ : (ينزل الله تَعَالَى فِي آخر ثَلَاث سَاعَات يبْقين من اللَّيْل، فَينْظر فِي السَّاعَة الأولى مِنْهُنَّ فِي الْكتاب الَّذِي لَا ينظر فِيهِ غَيره، فَيَمْحُو مَا يَشَاء وَيثبت، وَينظر فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فِي جنَّة عدن وَهِي مَسْكَنه الَّذِي يسكن لَا يكون مَعَه فِيهَا إلاّ الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء وَالصِّدِّيقُونَ، وفيهَا مَا لم يره أحد وَلَا خطر على قلب بشر، ثمَّ يهْبط آخر سَاعَة من اللَّيْل فَيَقُول: ألَا مُسْتَغْفِر يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ ألَا سَائل يسألني فَأعْطِيه؟ ألَا دَاع يدعوني فأستجيب لَهُ حَتَّى يطلع الْفجْر؟ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ (الْإِسْرَاء: ٨٧) . فيشهده الله وَمَلَائِكَته) ، قَالَ الطَّبَرَانِيّ: وَهُوَ حَدِيث مُنكر. وَأما حَدِيث عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ فَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن الْحسن عَن عُثْمَان ابْن أبي الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يُنَادي منادٍ كل لَيْلَة: هَل من دَاع فيستجاب لَهُ؟ هَل من سَائل فَيعْطى؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ؟ حَتَّى يطلع الْفجْر) ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) بِلَفْظ: (تفتح أَبْوَاب السَّمَاء نصف اللَّيْل فينادي منادٍ) فَذكره. وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (كتاب السّنة) وَأَبُو الشيح ابْن حبَان أَيْضا فِي (كتاب السّنة) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك (عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا لثلث اللَّيْل فَيَقُول: ألَا عبد من عبَادي يدعوني فأستجيب لَهُ؟ أَلا ظَالِم لنَفسِهِ يدعوني فَأغْفِر لَهُ؟ ألَا مقتر عَلَيْهِ فأرزقه؟ ألَا مظلوم يستعز بِي فأنصره؟ ألَا عان يدعوني فأفك عَنهُ؟ فَيكون ذَاك مَكَانَهُ حَتَّى يضيء الْفجْر، ثمَّ يَعْلُو ب (رَبنَا إِلَى السَّمَاء الْعليا على كرسيه) ، وَهُوَ حَدِيث مُنكر، فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْجَعْفَرِي، يرويهِ عَن عبد الله بن سَلمَة بن أسلم، بِضَم اللَّام، والجعفري مُنكر الحَدِيث، قَالَه أَبُو حَاتِم، وَعبد الله بن سَلمَة ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ أَبُو نعيم: مَتْرُوك. وَأما حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة يحيى بن إِسْحَاق (عَن عبَادَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ينزل رَبنَا، ﵎، إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل، فَيَقُول: ألَا عبد من عبَادي؟) الحَدِيث نَحْو حَدِيث جَابر، وَفِي آخِره، حَتَّى يصبح

стр. 2068

الصُّبْح ثمَّ يَعْلُو، ، على كرسيه) ، وَفِي إِسْنَاده فُضَيْل بن سُلَيْمَان النميري، وَهُوَ وَإِن أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فقد قَالَ فِيهِ ابْن معِين لَيْسَ بِثِقَة. وَأما حَدِيث عقبَة بن عَامر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَنهُ، قَالَ: (أَقبلنَا مَعَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِذا مضى ثلث اللَّيْل، أَو قَالَ نصف اللَّيْل، ينزل الله ، إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: لَا أسأَل عَن عبَادي أحدا غَيْرِي) ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَفِيه نظر. وَأما حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي (كتاب السّنة) من رِوَايَة جرير بن عُثْمَان، قَالَ: حَدثنَا سليم بن عَامر بن عَمْرو بن عَنْبَسَة، قَالَ: (أتيت رَسُول الله ﷺ فَقلت: يَا رَسُول الله. .) الحَدِيث، وَفِيه: (إِن الرب، ، يتدلى من جَوف اللَّيْل) ، زَاد فِي رِوَايَة الآخر: (فَيغْفر إلاّ مَا كَانَ من الشّرك) ، زَاد فِي رِوَايَة: (وَالْبَغي وَالصَّلَاة مَشْهُودَة حَتَّى تطلع الشَّمْس) . وَأما حَدِيث أبي الْخطاب فَرَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (كتاب السّنة) بِإِسْنَادِهِ (عَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يُقَال لَهُ أَبُو الْخطاب، أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن الْوتر، فَقَالَ: أحب إِلَيّ أَن أوتر نصف اللَّيْل، إِن الله يهْبط من السَّمَاء الْعليا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: هَل من مذنب؟ هَل من مُسْتَغْفِر؟ هَل من دَاع؟ حَتَّى إِذا طلع الْفجْر ارْتَفع) . قَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم وَابْن عبد الْبر أَبُو الْخطاب، لَهُ صُحْبَة وَلَا يعرف اسْمه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ينزل) ، بِفَتْح الْيَاء، فعل مضارع: وَالله، مَرْفُوع بِهِ. وَقَالَ ابْن فورك: ضبط لنا بعض أهل النَّقْل هَذَا الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ بِضَم الْيَاء من: ينزل، يَعْنِي: من الْإِنْزَال. وَذكر أَنه ضبط عَمَّن سمع مِنْهُ من الثِّقَات الضابطين. وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ: قد قَيده بعض النَّاس بذلك فَيكون معدى إِلَى مفعول مَحْذُوف، أَي: ينزل الله ملكا. قَالَ: وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الله، ، يُمْهل حَتَّى يمْضِي شطر اللَّيْل الأول ثمَّ يَأْمر مناديا يَقُول: هَل من دَاع فيستجاب لَهُ. .؟) الحَدِيث، وَصَححهُ عبد الْحق وَحمل صَاحب (الْمُفْهم) الحَدِيث على النُّزُول الْمَعْنَوِيّ على رِوَايَة مَالك عَنهُ عِنْد مُسلم، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: (يتنزل رَبنَا) ، بِزِيَادَة: تَاء، بعد: يَاء المضارعة، فَقَالَ: كَذَا صحت الرِّوَايَة هُنَا، وَهِي ظَاهِرَة فِي النُّزُول الْمَعْنَوِيّ وإليها يرد (ينزل) ، على أحد التأويلات، وَمعنى ذَلِك أَن مُقْتَضى عَظمَة الله وجلاله واستغنائه أَن لَا يعبأ بحقير ذليل فَقير، لَكِن ينزل بِمُقْتَضى كرمه ولطفه لِأَن يَقُول: من يقْرض غير عدوم وَلَا ظلوم، وَيكون قَوْله: (إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا) ، عبارَة عَن الْحَالة الْقَرِيبَة إِلَيْنَا، وَالدُّنْيَا بِمَعْنى: الْقُرْبَى، وَالله أعلم. ثمَّ الْكَلَام هُنَا على أَنْوَاع. الأول: احْتج بِهِ قوم على إِثْبَات الْجِهَة لله تَعَالَى، وَقَالُوا: هِيَ جِهَة الْعُلُوّ، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك: ابْن قُتَيْبَة وَابْن عبد الْبر، وَحكي أَيْضا عَن أبي مُحَمَّد بن أبي زيد القيرواني، وَأنكر ذَلِك جُمْهُور الْعلمَاء لِأَن القَوْل بالجهة يُؤَدِّي إِلَى تحيز وإحاطة، وَقد تَعَالَى الله عَن ذَلِك. الثَّانِي: أَن الْمُعْتَزلَة أَو أَكْثَرهم: كجهم بن صَفْوَان وَإِبْرَاهِيم بن صَالح وَمَنْصُور بن طَلْحَة والخوارج، أَنْكَرُوا صِحَة تِلْكَ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب، وَهُوَ مُكَابَرَة، وَالْعجب أَنهم أولُوا مَا ورد من ذَلِك فِي الْقُرْآن وأنكروا مَا ورد فِي الحَدِيث إِمَّا جعلا وَإِمَّا عنادا. وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) : عَن مُوسَى بن دَاوُد، قَالَ: قَالَ لي عباد ابْن عوام، قدم علينا شريك بن عبد الله مُنْذُ نَحْو من خمسين سنة، قَالَ: فَقل: يَا أَبَا عبد الله إِن عندنَا قوما من الْمُعْتَزلَة يُنكرُونَ هَذِه الْأَحَادِيث؟ قَالَ: فَحَدثني نَحْو عشرَة أَحَادِيث فِي هَذَا، وَقَالَ: أما نَحن فقد أَخذنَا ديننَا هَذَا عَن التَّابِعين عَن أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فهم عَمَّن أخذُوا؟ وَقد وَقع بَين إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَبَين إِبْرَاهِيم بن صَالح المعتزلي، وَبَينه وَبَين مَنْصُور بن طَلْحَة أَيْضا مِنْهُم كَلَام، بعضه عِنْد عبد الله بن طَاهِر بن عبد الله المعتزلي، وَبَعضه عِنْد أَبِيه طَاهِر بن عبد الله. قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: جمعني وَهَذَا المبتدع، يَعْنِي إِبْرَاهِيم بن صَالح، مجْلِس الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر، فَسَأَلَنِي الْأَمِير عَن أَخْبَار النُّزُول فسردتها، فَقَالَ إِبْرَاهِيم: كفرت بِرَبّ ينزل من سَمَاء إِلَى سَمَاء. فَقلت: آمَنت بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء. قَالَ: فَرضِي عبد الله كَلَامي وَأنكر عَليّ آبراهيم، وَقد أَخذ إِسْحَاق كَلَامه هَذَا من الفضيل بن عِيَاض، ﵀، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا قَالَ الجهمي: أَنا أكفر بِرَبّ ينزل ويصعد، فَقلت: آمَنت بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء، ذكره أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي (كتاب السّنة) ذكر فِيهِ: عَن أبي زرْعَة، قَالَ: هَذِه الْأَحَادِيث المتواترة عَن رَسُول الله ﷺ : إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، قد رَوَاهُ عدَّة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، وَهِي عندنَا صِحَاح قَوِيَّة. قَالَ رَسُول الله ﷺ : (ينزل) وَلم يقل: كَيفَ ينزل، فَلَا نقُول: كَيفَ ينزل؟ نقُول، كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ . وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ قَالَ: سَمِعت أَبَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله الْمُزنِيّ يَقُول:

стр. 2069

حَدِيث النُّزُول قد ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ من وُجُوه صَحِيحَة، وَورد فِي التَّنْزِيل مَا يصدقهُ، وَهُوَ قَوْله: ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ (الْفجْر: ٢٢) . الثَّالِث: أَن قوما أفرطوا فِي تَأْوِيل هَذِه الْأَحَادِيث حَتَّى كَاد أَن تخرج إِلَى نوع من التحريف، وَمِنْهُم من فصل بَين مَا يكون تَأْوِيله قَرِيبا مُسْتَعْملا فِي كَلَام الْعَرَب، وَبَين مَا يكون بَعيدا مَهْجُورًا، وَأولُوا فِي بعض وفوضوا فِي بعض، وَنقل ذَلِك عَن مَالك. الرَّابِع: أَن الْجُمْهُور سلكوا فِي هَذَا الْبَاب الطَّرِيق الْوَاضِحَة السالمة، وأجروا على مَا ورد مُؤمنين بِهِ منزهين لله تَعَالَى عَن التَّشْبِيه والكيفية، وهم: الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَمَكْحُول وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَاللَّيْث بن سعد وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة وَغَيرهم من أَئِمَّة الدّين. وَمِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة: مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) : قَرَأت بِخَط الإِمَام أبي عُثْمَان الصَّابُونِي، عقيب حَدِيث النُّزُول: قَالَ الاستاذ أَبُو مَنْصُور يَعْنِي الجمشاذي: وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي قَوْله: (ينزل الله) ، فَسئلَ أَبُو حنيفَة فَقَالَ: بِلَا كَيفَ، وَقَالَ حَمَّاد بن زيد: نُزُوله إقباله. وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الِاعْتِقَاد) بِإِسْنَادِهِ إِلَى يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: قَالَ لي مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي: لَا يُقَال للْأَصْل: لِمَ وَلَا كَيفَ، وروى بِإِسْنَادِهِ إِلَى الرّبيع بن سُلَيْمَان، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: الأَصْل كتاب أَو سنة أَو قَول بعض أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَو إِجْمَاع النَّاس قلت: لَا شكّ أَن النُّزُول انْتِقَال الْجِسْم من فَوق إِلَى تَحت، واا منزه عَن ذَلِك، فَمَا ورد من ذَلِك فَهُوَ من المتشابهات، فَالْعُلَمَاء فِيهِ على قسمَيْنِ: الأول: المفوضة: يُؤمنُونَ بهَا ويفوضون تَأْوِيلهَا إِلَى الله، ، مَعَ الْجَزْم بتنزيهه عَن صِفَات النُّقْصَان. وَالثَّانِي: المؤولة: يؤولون بهَا على مَا يَلِيق بِهِ بِحَسب المواطن، فأولوا بِأَن معنى: ينزل الله: ينزل ى مره أَو مَلَائكَته، وَبِأَنَّهُ اسْتِعَارَة، وَمَعْنَاهُ: التلطف بالداعين والإجابة لَهُم وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا الحَدِيث من أَحَادِيث الصِّفَات، مَذْهَب السّلف فِيهِ الْإِيمَان بهَا وإجراؤها على ظَاهرهَا وَنفي الْكَيْفِيَّة عَنهُ: لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير، وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ، لما ثَبت بالقواطع الْعَقْلِيَّة أَنه منزه عَن الجسمية والتحيز امْتنع عَلَيْهِ النُّزُول على معنى الِانْتِقَال من مَوضِع أَعلَى إِلَى مَا هُوَ أَخفض مِنْهُ، فَالْمُرَاد دنو رَحمته، وَقد رُوِيَ: يهْبط الله من السَّمَاء الْعليا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، أَي: ينْتَقل من مُقْتَضى صِفَات الْجلَال الَّتِي تَقْتَضِي الأنفة من الأراذل وقهر الْأَعْدَاء والانتقام من العصاة إِلَى مُقْتَضى صِفَات الْإِكْرَام للرأفة وَالرَّحْمَة وَالْعَفو، وَيُقَال: لَا فرق بَين الْمَجِيء والإتيان وَالنُّزُول إِذا أضيف إِلَى جسم يجوز عَلَيْهِ الْحَرَكَة والسكون والنقلة الَّتِي هِيَ تَفْرِيغ مَكَان وشغل غَيره، فَإِذا أضيف ذَلِك إِلَى من لَا ليق بِهِ الِانْتِقَال وَالْحَرَكَة، كَانَ تَأْوِيل ذَلِك على حسب مَا يَلِيق بنعته وَصفته تَعَالَى. فالنزول: لُغَة، يسْتَعْمل لمعان خَمْسَة مُخْتَلفَة: بِمَعْنى الِانْتِقَال: ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا﴾ (الْفرْقَان: ٨٤) . و: الْإِعْلَام ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين﴾ (الشُّعَرَاء: ٣٩١) . أَي: أعلم بِهِ الرّوح الْأمين مُحَمَّدًا ﷺ ، وَبِمَعْنى: القَوْل ﴿سَأُنْزِلُ مثل مَا أنزل الله﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي سأقول مثل مَا قَالَ، والإقبال على الشَّيْء، وَذَلِكَ مُسْتَعْمل فِي كَلَامهم جَار فِي عرفهم، يَقُولُونَ: نزل فلَان من مَكَارِم الأخلاف إِلَى دنيها، وَنزل قدر فلَان عِنْد فلَان إِذا انخفض، وَبِمَعْنى: نزُول الحكم، من ذَلِك قَوْلهم: كُنَّا فِي خير وَعدل حَتَّى نزل بِنَا بَنو فلَان، أَي: حكم، وَذَلِكَ كُله مُتَعَارَف عِنْد أهل اللُّغَة: وَإِذا كَانَت مُشْتَركَة فِي الْمَعْنى وَجب حمل مَا وصف بِهِ الرب، ﷻ ، من النُّزُول على مَا يَلِيق بِهِ من بعض هَذِه الْمعَانِي، وَهُوَ: إقباله على أهل الأَرْض بِالرَّحْمَةِ والاستيقاظ بالتذكير والتنبيه الَّذِي يلقى فِي الْقُلُوب، والزواجر الَّتِي تزعجهم إِلَى الإقبال على الطَّاعَة. ووجدناه، تَعَالَى، خص بالمدح المستغفرين بالأسحار، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وبالأسحار هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: ٨١) [/ ح. قَوْله: ، وَفِي بعض النّسخ: ﵎ ، وهما جملتان معترضتان بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل وظرفه: لما أسْند مَا لَا يَلِيق إِسْنَاده بِالْحَقِيقَةِ إِلَى الله تَعَالَى، وأتى بِمَا يدل على التَّنْزِيه على سَبِيل الِاعْتِرَاض. قَوْله: (حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَعند مُسلم: (ثلث اللَّيْل الأول) ، وَفِي لفظ: (شطر اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل الْأَخير) ، وَهَهُنَا سِتّ رِوَايَات: الأولى: هِيَ الَّتِي هَهُنَا وَهِي: ثلث اللَّيْل الأول. الثَّانِيَة: إِذا مضى الثُّلُث الأول. الثَّالِثَة: الثُّلُث الأول أَو النّصْف. الرَّابِعَة: النّصْف. الْخَامِسَة: النّصْف أَو الثُّلُث الْأَخير. السَّادِسَة: الْإِطْلَاق، والمطلقة مِنْهَا تحمل على الْمقيدَة، وَالَّتِي بِحرف الشَّك، فالمجزوم بِهِ مقدم على الْمَشْكُوك فِيهِ. فَإِن قلت: إِذا كَانَت كلمة: أَو، للترديد بَين حَالين، كَيفَ يجمع بذلك بَين الرِّوَايَات؟ قلت: يجمع بِأَن ذَلِك يَقع بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحول، لكَون أَوْقَات اللَّيْل تخْتَلف فِي الزَّمَان وَفِي الْآفَاق باخْتلَاف تقدم دُخُول اللَّيْل عِنْد قوم وتأخره عَنهُ آخَرين، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ من وَجه آخر عَن قريب. فَإِن قلت: مَا وَجه التحصيص بِالثُّلثِ الْأَخير الَّذِي

стр. 2070

رَجحه جمَاعَة على غَيره من الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة؟ قلت: لِأَنَّهُ وَقت التَّعَرُّض لنفحات رَحْمَة الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ زمَان عبَادَة أهل الْإِخْلَاص، وروى أَن آخر اللَّيْل أفضل للدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار، وروى محَارب بن دثار عَن عَمه أَنه كَانَ يَأْتِي الْمَسْجِد فِي السحر ويمر بدار ابْن مَسْعُود، فَسَمعهُ يَقُول: أللهم إِنَّك أَمرتنِي فأطعت، وَدَعَوْتنِي فأجبت، وَهَذَا سحر فَاغْفِر لي، فَسئلَ ابْن مَسْعُود عَن ذَلِك؟ فَقَالَ: إِن يَعْقُوب ﷺ أخر الدُّعَاء لِبَنِيهِ إِلَى السحر. فَقَالَ: ﴿سَوف اسْتغْفر لكم﴾ (يُوسُف: ٨٩) . وروى أَن دَاوُد ﷺ سَأَلَ جِبْرِيل ﵇: أَي اللَّيْل أسمع؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، غير أَن الْعَرْش يَهْتَز فِي السحر. قَوْله: (الآخر) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وارتفاعه على أَنه صفة للثلث. قَوْله: (من يدعوني) الْمَذْكُور هَهُنَا الدُّعَاء وَالسُّؤَال وَالِاسْتِغْفَار، وَالْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة أَن الْمَطْلُوب: إِمَّا لدفع الْمضرَّة، وَإِمَّا لجلب الْخَيْر، وَالثَّانِي إِمَّا ديني أَو دنياوي، فَفِي لفظ الاسْتِغْفَار إِشَارَة إِلَى الأول، وَفِي السُّؤَال إِشَارَة إِلَى الثَّانِي وَفِي الدُّعَاء إِشَارَة إِلَى الثَّالِث. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين الدُّعَاء وَالسُّؤَال؟ قلت: الْمَطْلُوب إِمَّا لدفع غير الملائم، وَإِمَّا لجلب الملائم، وَذَلِكَ إِمَّا دُنْيَوِيّ وَإِمَّا ديني، فالاستغفار وَهُوَ طلب ستر الذُّنُوب، إِشَارَة إِلَى الأول، وَالسُّؤَال إِلَى الثَّانِي، وَالدُّعَاء إِلَى الثَّالِث، لَا وَالدُّعَاء مَا لَا طلب فِيهِ نَحْو قَوْلنَا: يَا الله يَا رَحْمَن، وَالسُّؤَال هُوَ الطّلب، وَالْمَقْصُود وَاحِد، وَاخْتِلَاف الْعبارَات لتحقيق الْقَضِيَّة وتأكيدها. قَوْله: (فأستجيب لَهُ) ، يجوز فِيهِ النصب وَالرَّفْع: أما النصب فعلى جَوَاب الِاسْتِفْهَام، وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: فَأَنا أستجيب لَهُ، وَكَذَا الْكَلَام فِي قَوْله: فَأعْطِيه فَأغْفِر لَهُ) . وَأعلم أَن السِّين فِي: (فأستجيب) لَيْسَ للطلب، بل هُوَ بِمَعْنى: أُجِيب وَذَلِكَ، لتحول الْفَاعِل إِلَى أصل الْفِعْل نَحْو: استحجر الطين فَإِن قلت: لَيْسَ فِي وعد الله خلف وَكثير من الداعين لَا يُسْتَجَاب لَهُم؟ قلت: إِنَّمَا ذَاك لوُقُوع الْخلَل فِي شَرط من شُرُوط الدُّعَاء مثل: الِاحْتِرَاز فِي الْمطعم وَالْمشْرَب والملبس، أَو لاستعجال الدَّاعِي، أَو يكون الدُّعَاء بإثم أَو قطيعة رحم، أَو تحصل الْإِجَابَة ويتأخر الْمَطْلُوب إِلَى وَقت آخر يُرِيد الله وُقُوع الْإِجَابَة فِيهِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة. ٥١ - (بابُ منْ نامَ أوَّلَ اللَّيْلِ وَأحْيَا آخِرَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من نَام أول اللَّيْل وأحي آخِره بِالصَّلَاةِ أَو بِقِرَاءَة الْقُرْآن أَو بِالذكر. وقالَ سَلْمَانُ لأِبِي الدَّرّدَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَمْ فَلَمَّا كانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ قُمْ قَالَ النبيُّ ﷺ صَدَقَ سَلْمَانُ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن سلمَان الْفَارِسِي أَمر لأبي الدَّرْدَاء بِالنَّوْمِ فِي أول اللَّيْل، ويالقيام فِي آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق مُخْتَصر من حَدِيث طَوِيل أوردهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب من حَدِيث أبي جُحَيْفَة، قَالَ: (آخى رَسُول الله ﷺ بَين سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، أقرى سلمَان أَبَا الدَّرْدَاء فَرَأى أم الدَّرْدَاء مبتذلة، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنك، قَالَت: أَخُوك أَبُو الدَّرْدَاء لَيْسَ لَهُ حَاجَة فِي الدُّنْيَا، فجَاء أَبُو الدَّرْدَاء فَصنعَ لَهُ طَعَاما، فَقَالَ: كل فَإِنِّي صَائِم، قَالَ: مَا أَنا بآكل حَتَّى تَأْكُل، فَأكل، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل ذهب أَبُو الدَّرْدَاء يقوم، فَقَالَ: نم، فَنَامَ فَذهب يقوم، فَقَالَ: نم، فَلَمَّا كَانَ آخر اللَّيْل قَالَ سلمَان: قُم الْآن. قَالَ: فصلينا، فَقَالَ سلمَان: إِن لِرَبِّك عَلَيْك حَقًا. وَلِنَفْسِك حَقًا، ولأهلك عَلَيْك حَقًا، فأعط كل ذِي حق حَقه، فَأتى النَّبِي ﷺ ، فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : صدق سلمَان) . ٦٤١١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ وحدَّثني سُلَيْمَانُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ قَالَ سألْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَيْفَ كانَ صَلاةُ النبيِّ بِاللَّيْلِ قالَتْ كانَ يَنامُ أوَّلَهُ ويَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يرْجِعُ إلَى فِراشِهِ فإذَا أذَّنَ المُؤَذَّنُ وَثَبَ فَإِن كانَ بِهِ حاجَةٌ اغْتَسَلَ وَإلَاّ تَوَضِّأَ وخَرَجَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ ينَام أَوله وَيقوم آخِره) . ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ.
следующие страницы →