← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

مِنْهُم باللقب أَيْضا. وَفِيه: اخْتلف عَليّ ابْن شهَاب، فَرَوَاهُ عَنهُ مَالك وحفاظ أَصْحَابه كَمَا هُوَ الْمَذْكُور هَهُنَا، وَاقْتصر بَعضهم فِي الرِّوَايَة عَنهُ على أحد الرجلَيْن، وَقَالَ بعض أَصْحَاب مَالك: عَن سعيد بن الْمسيب بدل أبي سَلمَة، وَأبي عبد الله الْأَغَر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: الْأَعْرَج بدل الْأَغَر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: الْأَعْرَج بدل الْأَغَر. قيل: هَذَا تَصْحِيف. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة صَحِيح، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من أوجه كَثِيرَة عَن أبي هُرَيْرَة (عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: ينزل الله تَعَالَى حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَهَذَا أصح الرِّوَايَات. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: وَقد روى فِي ذَلِك خمس رِوَايَات. أَصَحهَا: مَا صَححهُ التِّرْمِذِيّ، وَقد اتّفق عَلَيْهَا مَالك بن أنس وَإِبْرَاهِيم بن سعد وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَمعمر بن رَاشد وَيُونُس بن يزِيد ومعاذ بن يحيى الصَّدَفِي وَعبيد الله بن أبي زِيَاد وَعبد الله بن زِيَاد بن سمْعَان وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر، كلهم عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة وَأبي سَلمَة وَأبي عبد الله، إلَاّ أَن ابْن سمْعَان وَابْن أبي الْأَخْضَر لم يذكرَا أَبَا سَلمَة فِي الْإِسْنَاد، وَزَاد ابْن أبي الْأَخْضَر بدله: عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ، كلهم عَن أبي هُرَيْرَة، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَعْمَش: عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَمُحَمّد ابْن عَمْرو: عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَيحيى بن أبي كثير: عَن أبي جَعْفَر عَن أبي هُرَيْرَة. وَقد قيل: إِن أَبَا جَعْفَر هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن. الرِّوَايَة الثَّانِيَة: هِيَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: ينزل الله إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كل لَيْلَة حِين يمْضِي ثلث اللَّيْل الأول. .) الحَدِيث، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة مَنْصُور وَشعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي مُسلم الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد عِنْد مُسلم. الرِّوَايَة الثَّالِثَة: حِين يبْقى نصف اللَّيْل الآخر، وَهِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَهَكَذَا رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَنهُ بِلَفْظ: (إِذا كَانَ شطر اللَّيْل. .) الحَدِيث، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق عَن سعيد المَقْبُري عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا مضى شطر اللَّيْل) . الرِّوَايَة الرَّابِعَة: التَّقْيِيد بالشطر أَو الثُّلُث الْأَخير إِمَّا على الشَّك أَو وُقُوع هَذَا مرّة وَهَذَا مرّة، وَهِي رِوَايَة سعيد، بن مرْجَانَة (عَن أبي هُرَيْرَة: ينزل الله تَعَالَى شطر اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَو ثلث اللَّيْل الآخر. الرِّوَايَة الْخَامِسَة: لتقييد بِمُضِيِّ نصف اللَّيْل أَو ثلثه، وَهِي رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا مضى نصف اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير عَن سُهَيْل ابْن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا ذهب ثلث اللَّيْل أَو نصفه) . فَإِن قلت: كَيفَ طَرِيق الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات الَّتِي ظَاهرهَا الِاخْتِلَاف؟ قلت: أما رِوَايَة من لم يعين الْوَقْت فَلَا تعَارض بَينهَا وَبَين من عين، وَأما من عين الْوَقْت وَاخْتلفت ظواهر رواياتهم فقد صَار بعض الْعلمَاء إِلَى التَّرْجِيح، كالترمذي على مَا ذكرنَا، إلاّ أَنه عبر بالأصح، فَلَا يَقْتَضِي تَضْعِيف غير تِلْكَ الرِّوَايَة لما تَقْتَضِيه صِيغَة: أفعل، من الِاشْتِرَاك. وَأما القَاضِي عِيَاض فَعبر فِي التَّرْجِيح بِالصَّحِيحِ، فَاقْتضى ضعف الرِّوَايَة الْأُخْرَى، ورده النَّوَوِيّ بِأَن مُسلما رَوَاهَا فِي (صَحِيحه) بِإِسْنَاد لَا يطعن فِيهِ عَن صحابيين، فَكيف يضعفها؟ وَإِذا أمكن الْجمع وَلَو على وَجه فَلَا يُصَار إِلَى التَّضْعِيف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي، ﷺ ، أعلم بِأحد الْأَمريْنِ فِي وَقت فَأخْبر بِهِ، ثمَّ أعلم بِالْآخرِ فِي وَقت آخر فَأعْلم بِهِ، وَسمع أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْخَبَرَيْنِ فنقلهما جَمِيعًا، وَسمع أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خبر الثُّلُث الأول فَقَط، فأخبريه مَعَ أبي هُرَيْرَة كَمَا رَوَاهُ مُسلم فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة، وَهَذَا ظَاهر. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله، وَفِي الدَّعْوَات عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ وَفِي السّنة عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني. ذكر من أخرجه من غير أبي هُرَيْرَة: قَالَ التِّرْمِذِيّ، بعد أَن أخرج هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ بن أبي طَالب، وَأبي سعيد وَرِفَاعَة الْجُهَنِيّ وَجبير بن مطعم وَابْن مَسْعُود وَأبي الدَّرْدَاء وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ. قلت: وَفِي الْبَاب، عَن جَابر بن عبد الله وَعبادَة بن

стр. 2067

الصَّامِت وَعقبَة بن عَامر وَعَمْرو بن عَنْبَسَة وَأبي الْخطاب وَأبي بكر الصّديق وَأنس بن مَالك وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ومعاذ ابْن جبل وَأبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس ونواس بن سمْعَان وَأمه سَلمَة وجد عبد الحميد بن سَلمَة. أما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب (السّنة) من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة، ولأخرت الْعشَاء الْآخِرَة إِلَى ثلث اللَّيْل، فَإِنَّهُ إِذا مضى ثلث اللَّيْل الأول هَبَط الله إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَلم يزل هُنَاكَ حَتَّى يطلع الْفجْر، فَيَقُول الْقَائِل: ألَا سَائل يعْطى سُؤَاله؟ ألَا دَاع يُجَاب؟) وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من طَرِيق أهل الْبَيْت من رِوَايَة الْحُسَيْن بن مُوسَى بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن جده جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن على، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِن الله ينزل فِي كل لَيْلَة جُمُعَة من أول اللَّيْل إِلَى آخِره إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، وَفِي سَائِر اللَّيَالِي من الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل فيأمر ملكا يُنَادي: هَل من سَائل فَأعْطِيه؟ هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ؟ يَا طَالب الْخَيْر أقبل، وَيَا طَالب الشَّرّ أقصر) . وَفِي إِسْنَاده من يجهل. وَأما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة من رِوَايَة الْأَغَر أبي مُسلم (عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة: إِن الله يُمْهل حَتَّى إِذا ذهب ثلث اللَّيْل الأول ينزل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا) الحَدِيث. وَأما حَدِيث رِفَاعَة الْجُهَنِيّ، فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عَطاء بن يسَار عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِي، ﷺ : (إِن الله يُمْهل حَتَّى إِذا ذهب من اللَّيْل نصفه أَو ثُلُثَاهُ، قَالَ: لَا يسْأَل عَن عبَادي غَيْرِي) الحَدِيث، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَنهُ. وَأما حَدِيث جُبَير بن مطعم فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَنهُ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: هَل من سَائل فَأعْطِيه؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ؟) وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من هَذَا الْوَجْه وَزَاد: (حَتَّى يطلع الْفجْر) . وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن أبي الْأَحْوَص عَن ابْن مَسْعُود: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (إِذا كَانَ ثلث اللَّيْل الْبَاقِي يهْبط الله، ، إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ تفتح أَبْوَاب السَّمَاء، ثمَّ يبسط يَده فَيَقُول: هَل من سَائل يعْطى سُؤَاله؟ وَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يسطع الْفجْر) . وَأما حَدِيث أبي الدَّرْدَاء فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْكَبِير) و (الْوسط) من رِوَايَة زِيَاد بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَن فضَالة بن عبيد عَن أبي الدَّرْدَاء، قَالَ: قَالَ ﷺ : (ينزل الله تَعَالَى فِي آخر ثَلَاث سَاعَات يبْقين من اللَّيْل، فَينْظر فِي السَّاعَة الأولى مِنْهُنَّ فِي الْكتاب الَّذِي لَا ينظر فِيهِ غَيره، فَيَمْحُو مَا يَشَاء وَيثبت، وَينظر فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فِي جنَّة عدن وَهِي مَسْكَنه الَّذِي يسكن لَا يكون مَعَه فِيهَا إلاّ الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء وَالصِّدِّيقُونَ، وفيهَا مَا لم يره أحد وَلَا خطر على قلب بشر، ثمَّ يهْبط آخر سَاعَة من اللَّيْل فَيَقُول: ألَا مُسْتَغْفِر يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ ألَا سَائل يسألني فَأعْطِيه؟ ألَا دَاع يدعوني فأستجيب لَهُ حَتَّى يطلع الْفجْر؟ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ (الْإِسْرَاء: ٨٧) . فيشهده الله وَمَلَائِكَته) ، قَالَ الطَّبَرَانِيّ: وَهُوَ حَدِيث مُنكر. وَأما حَدِيث عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ فَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن الْحسن عَن عُثْمَان ابْن أبي الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يُنَادي منادٍ كل لَيْلَة: هَل من دَاع فيستجاب لَهُ؟ هَل من سَائل فَيعْطى؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ؟ حَتَّى يطلع الْفجْر) ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) بِلَفْظ: (تفتح أَبْوَاب السَّمَاء نصف اللَّيْل فينادي منادٍ) فَذكره. وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (كتاب السّنة) وَأَبُو الشيح ابْن حبَان أَيْضا فِي (كتاب السّنة) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك (عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا لثلث اللَّيْل فَيَقُول: ألَا عبد من عبَادي يدعوني فأستجيب لَهُ؟ أَلا ظَالِم لنَفسِهِ يدعوني فَأغْفِر لَهُ؟ ألَا مقتر عَلَيْهِ فأرزقه؟ ألَا مظلوم يستعز بِي فأنصره؟ ألَا عان يدعوني فأفك عَنهُ؟ فَيكون ذَاك مَكَانَهُ حَتَّى يضيء الْفجْر، ثمَّ يَعْلُو ب (رَبنَا إِلَى السَّمَاء الْعليا على كرسيه) ، وَهُوَ حَدِيث مُنكر، فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْجَعْفَرِي، يرويهِ عَن عبد الله بن سَلمَة بن أسلم، بِضَم اللَّام، والجعفري مُنكر الحَدِيث، قَالَه أَبُو حَاتِم، وَعبد الله بن سَلمَة ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ أَبُو نعيم: مَتْرُوك. وَأما حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة يحيى بن إِسْحَاق (عَن عبَادَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ينزل رَبنَا، ﵎، إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل، فَيَقُول: ألَا عبد من عبَادي؟) الحَدِيث نَحْو حَدِيث جَابر، وَفِي آخِره، حَتَّى يصبح

стр. 2068

الصُّبْح ثمَّ يَعْلُو، ، على كرسيه) ، وَفِي إِسْنَاده فُضَيْل بن سُلَيْمَان النميري، وَهُوَ وَإِن أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فقد قَالَ فِيهِ ابْن معِين لَيْسَ بِثِقَة. وَأما حَدِيث عقبَة بن عَامر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَنهُ، قَالَ: (أَقبلنَا مَعَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِذا مضى ثلث اللَّيْل، أَو قَالَ نصف اللَّيْل، ينزل الله ، إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: لَا أسأَل عَن عبَادي أحدا غَيْرِي) ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَفِيه نظر. وَأما حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي (كتاب السّنة) من رِوَايَة جرير بن عُثْمَان، قَالَ: حَدثنَا سليم بن عَامر بن عَمْرو بن عَنْبَسَة، قَالَ: (أتيت رَسُول الله ﷺ فَقلت: يَا رَسُول الله. .) الحَدِيث، وَفِيه: (إِن الرب، ، يتدلى من جَوف اللَّيْل) ، زَاد فِي رِوَايَة الآخر: (فَيغْفر إلاّ مَا كَانَ من الشّرك) ، زَاد فِي رِوَايَة: (وَالْبَغي وَالصَّلَاة مَشْهُودَة حَتَّى تطلع الشَّمْس) . وَأما حَدِيث أبي الْخطاب فَرَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (كتاب السّنة) بِإِسْنَادِهِ (عَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يُقَال لَهُ أَبُو الْخطاب، أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن الْوتر، فَقَالَ: أحب إِلَيّ أَن أوتر نصف اللَّيْل، إِن الله يهْبط من السَّمَاء الْعليا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: هَل من مذنب؟ هَل من مُسْتَغْفِر؟ هَل من دَاع؟ حَتَّى إِذا طلع الْفجْر ارْتَفع) . قَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم وَابْن عبد الْبر أَبُو الْخطاب، لَهُ صُحْبَة وَلَا يعرف اسْمه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ينزل) ، بِفَتْح الْيَاء، فعل مضارع: وَالله، مَرْفُوع بِهِ. وَقَالَ ابْن فورك: ضبط لنا بعض أهل النَّقْل هَذَا الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ بِضَم الْيَاء من: ينزل، يَعْنِي: من الْإِنْزَال. وَذكر أَنه ضبط عَمَّن سمع مِنْهُ من الثِّقَات الضابطين. وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ: قد قَيده بعض النَّاس بذلك فَيكون معدى إِلَى مفعول مَحْذُوف، أَي: ينزل الله ملكا. قَالَ: وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الله، ، يُمْهل حَتَّى يمْضِي شطر اللَّيْل الأول ثمَّ يَأْمر مناديا يَقُول: هَل من دَاع فيستجاب لَهُ. .؟) الحَدِيث، وَصَححهُ عبد الْحق وَحمل صَاحب (الْمُفْهم) الحَدِيث على النُّزُول الْمَعْنَوِيّ على رِوَايَة مَالك عَنهُ عِنْد مُسلم، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: (يتنزل رَبنَا) ، بِزِيَادَة: تَاء، بعد: يَاء المضارعة، فَقَالَ: كَذَا صحت الرِّوَايَة هُنَا، وَهِي ظَاهِرَة فِي النُّزُول الْمَعْنَوِيّ وإليها يرد (ينزل) ، على أحد التأويلات، وَمعنى ذَلِك أَن مُقْتَضى عَظمَة الله وجلاله واستغنائه أَن لَا يعبأ بحقير ذليل فَقير، لَكِن ينزل بِمُقْتَضى كرمه ولطفه لِأَن يَقُول: من يقْرض غير عدوم وَلَا ظلوم، وَيكون قَوْله: (إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا) ، عبارَة عَن الْحَالة الْقَرِيبَة إِلَيْنَا، وَالدُّنْيَا بِمَعْنى: الْقُرْبَى، وَالله أعلم. ثمَّ الْكَلَام هُنَا على أَنْوَاع. الأول: احْتج بِهِ قوم على إِثْبَات الْجِهَة لله تَعَالَى، وَقَالُوا: هِيَ جِهَة الْعُلُوّ، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك: ابْن قُتَيْبَة وَابْن عبد الْبر، وَحكي أَيْضا عَن أبي مُحَمَّد بن أبي زيد القيرواني، وَأنكر ذَلِك جُمْهُور الْعلمَاء لِأَن القَوْل بالجهة يُؤَدِّي إِلَى تحيز وإحاطة، وَقد تَعَالَى الله عَن ذَلِك. الثَّانِي: أَن الْمُعْتَزلَة أَو أَكْثَرهم: كجهم بن صَفْوَان وَإِبْرَاهِيم بن صَالح وَمَنْصُور بن طَلْحَة والخوارج، أَنْكَرُوا صِحَة تِلْكَ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب، وَهُوَ مُكَابَرَة، وَالْعجب أَنهم أولُوا مَا ورد من ذَلِك فِي الْقُرْآن وأنكروا مَا ورد فِي الحَدِيث إِمَّا جعلا وَإِمَّا عنادا. وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) : عَن مُوسَى بن دَاوُد، قَالَ: قَالَ لي عباد ابْن عوام، قدم علينا شريك بن عبد الله مُنْذُ نَحْو من خمسين سنة، قَالَ: فَقل: يَا أَبَا عبد الله إِن عندنَا قوما من الْمُعْتَزلَة يُنكرُونَ هَذِه الْأَحَادِيث؟ قَالَ: فَحَدثني نَحْو عشرَة أَحَادِيث فِي هَذَا، وَقَالَ: أما نَحن فقد أَخذنَا ديننَا هَذَا عَن التَّابِعين عَن أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فهم عَمَّن أخذُوا؟ وَقد وَقع بَين إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَبَين إِبْرَاهِيم بن صَالح المعتزلي، وَبَينه وَبَين مَنْصُور بن طَلْحَة أَيْضا مِنْهُم كَلَام، بعضه عِنْد عبد الله بن طَاهِر بن عبد الله المعتزلي، وَبَعضه عِنْد أَبِيه طَاهِر بن عبد الله. قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: جمعني وَهَذَا المبتدع، يَعْنِي إِبْرَاهِيم بن صَالح، مجْلِس الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر، فَسَأَلَنِي الْأَمِير عَن أَخْبَار النُّزُول فسردتها، فَقَالَ إِبْرَاهِيم: كفرت بِرَبّ ينزل من سَمَاء إِلَى سَمَاء. فَقلت: آمَنت بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء. قَالَ: فَرضِي عبد الله كَلَامي وَأنكر عَليّ آبراهيم، وَقد أَخذ إِسْحَاق كَلَامه هَذَا من الفضيل بن عِيَاض، ﵀، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا قَالَ الجهمي: أَنا أكفر بِرَبّ ينزل ويصعد، فَقلت: آمَنت بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء، ذكره أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي (كتاب السّنة) ذكر فِيهِ: عَن أبي زرْعَة، قَالَ: هَذِه الْأَحَادِيث المتواترة عَن رَسُول الله ﷺ : إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، قد رَوَاهُ عدَّة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، وَهِي عندنَا صِحَاح قَوِيَّة. قَالَ رَسُول الله ﷺ : (ينزل) وَلم يقل: كَيفَ ينزل، فَلَا نقُول: كَيفَ ينزل؟ نقُول، كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ . وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ قَالَ: سَمِعت أَبَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله الْمُزنِيّ يَقُول:

стр. 2069

حَدِيث النُّزُول قد ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ من وُجُوه صَحِيحَة، وَورد فِي التَّنْزِيل مَا يصدقهُ، وَهُوَ قَوْله: ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ (الْفجْر: ٢٢) . الثَّالِث: أَن قوما أفرطوا فِي تَأْوِيل هَذِه الْأَحَادِيث حَتَّى كَاد أَن تخرج إِلَى نوع من التحريف، وَمِنْهُم من فصل بَين مَا يكون تَأْوِيله قَرِيبا مُسْتَعْملا فِي كَلَام الْعَرَب، وَبَين مَا يكون بَعيدا مَهْجُورًا، وَأولُوا فِي بعض وفوضوا فِي بعض، وَنقل ذَلِك عَن مَالك. الرَّابِع: أَن الْجُمْهُور سلكوا فِي هَذَا الْبَاب الطَّرِيق الْوَاضِحَة السالمة، وأجروا على مَا ورد مُؤمنين بِهِ منزهين لله تَعَالَى عَن التَّشْبِيه والكيفية، وهم: الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَمَكْحُول وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَاللَّيْث بن سعد وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة وَغَيرهم من أَئِمَّة الدّين. وَمِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة: مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) : قَرَأت بِخَط الإِمَام أبي عُثْمَان الصَّابُونِي، عقيب حَدِيث النُّزُول: قَالَ الاستاذ أَبُو مَنْصُور يَعْنِي الجمشاذي: وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي قَوْله: (ينزل الله) ، فَسئلَ أَبُو حنيفَة فَقَالَ: بِلَا كَيفَ، وَقَالَ حَمَّاد بن زيد: نُزُوله إقباله. وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الِاعْتِقَاد) بِإِسْنَادِهِ إِلَى يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: قَالَ لي مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي: لَا يُقَال للْأَصْل: لِمَ وَلَا كَيفَ، وروى بِإِسْنَادِهِ إِلَى الرّبيع بن سُلَيْمَان، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: الأَصْل كتاب أَو سنة أَو قَول بعض أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَو إِجْمَاع النَّاس قلت: لَا شكّ أَن النُّزُول انْتِقَال الْجِسْم من فَوق إِلَى تَحت، واا منزه عَن ذَلِك، فَمَا ورد من ذَلِك فَهُوَ من المتشابهات، فَالْعُلَمَاء فِيهِ على قسمَيْنِ: الأول: المفوضة: يُؤمنُونَ بهَا ويفوضون تَأْوِيلهَا إِلَى الله، ، مَعَ الْجَزْم بتنزيهه عَن صِفَات النُّقْصَان. وَالثَّانِي: المؤولة: يؤولون بهَا على مَا يَلِيق بِهِ بِحَسب المواطن، فأولوا بِأَن معنى: ينزل الله: ينزل ى مره أَو مَلَائكَته، وَبِأَنَّهُ اسْتِعَارَة، وَمَعْنَاهُ: التلطف بالداعين والإجابة لَهُم وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا الحَدِيث من أَحَادِيث الصِّفَات، مَذْهَب السّلف فِيهِ الْإِيمَان بهَا وإجراؤها على ظَاهرهَا وَنفي الْكَيْفِيَّة عَنهُ: لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير، وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ، لما ثَبت بالقواطع الْعَقْلِيَّة أَنه منزه عَن الجسمية والتحيز امْتنع عَلَيْهِ النُّزُول على معنى الِانْتِقَال من مَوضِع أَعلَى إِلَى مَا هُوَ أَخفض مِنْهُ، فَالْمُرَاد دنو رَحمته، وَقد رُوِيَ: يهْبط الله من السَّمَاء الْعليا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، أَي: ينْتَقل من مُقْتَضى صِفَات الْجلَال الَّتِي تَقْتَضِي الأنفة من الأراذل وقهر الْأَعْدَاء والانتقام من العصاة إِلَى مُقْتَضى صِفَات الْإِكْرَام للرأفة وَالرَّحْمَة وَالْعَفو، وَيُقَال: لَا فرق بَين الْمَجِيء والإتيان وَالنُّزُول إِذا أضيف إِلَى جسم يجوز عَلَيْهِ الْحَرَكَة والسكون والنقلة الَّتِي هِيَ تَفْرِيغ مَكَان وشغل غَيره، فَإِذا أضيف ذَلِك إِلَى من لَا ليق بِهِ الِانْتِقَال وَالْحَرَكَة، كَانَ تَأْوِيل ذَلِك على حسب مَا يَلِيق بنعته وَصفته تَعَالَى. فالنزول: لُغَة، يسْتَعْمل لمعان خَمْسَة مُخْتَلفَة: بِمَعْنى الِانْتِقَال: ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا﴾ (الْفرْقَان: ٨٤) . و: الْإِعْلَام ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين﴾ (الشُّعَرَاء: ٣٩١) . أَي: أعلم بِهِ الرّوح الْأمين مُحَمَّدًا ﷺ ، وَبِمَعْنى: القَوْل ﴿سَأُنْزِلُ مثل مَا أنزل الله﴾ (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي سأقول مثل مَا قَالَ، والإقبال على الشَّيْء، وَذَلِكَ مُسْتَعْمل فِي كَلَامهم جَار فِي عرفهم، يَقُولُونَ: نزل فلَان من مَكَارِم الأخلاف إِلَى دنيها، وَنزل قدر فلَان عِنْد فلَان إِذا انخفض، وَبِمَعْنى: نزُول الحكم، من ذَلِك قَوْلهم: كُنَّا فِي خير وَعدل حَتَّى نزل بِنَا بَنو فلَان، أَي: حكم، وَذَلِكَ كُله مُتَعَارَف عِنْد أهل اللُّغَة: وَإِذا كَانَت مُشْتَركَة فِي الْمَعْنى وَجب حمل مَا وصف بِهِ الرب، ﷻ ، من النُّزُول على مَا يَلِيق بِهِ من بعض هَذِه الْمعَانِي، وَهُوَ: إقباله على أهل الأَرْض بِالرَّحْمَةِ والاستيقاظ بالتذكير والتنبيه الَّذِي يلقى فِي الْقُلُوب، والزواجر الَّتِي تزعجهم إِلَى الإقبال على الطَّاعَة. ووجدناه، تَعَالَى، خص بالمدح المستغفرين بالأسحار، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وبالأسحار هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: ٨١) [/ ح. قَوْله: ، وَفِي بعض النّسخ: ﵎ ، وهما جملتان معترضتان بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل وظرفه: لما أسْند مَا لَا يَلِيق إِسْنَاده بِالْحَقِيقَةِ إِلَى الله تَعَالَى، وأتى بِمَا يدل على التَّنْزِيه على سَبِيل الِاعْتِرَاض. قَوْله: (حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَعند مُسلم: (ثلث اللَّيْل الأول) ، وَفِي لفظ: (شطر اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل الْأَخير) ، وَهَهُنَا سِتّ رِوَايَات: الأولى: هِيَ الَّتِي هَهُنَا وَهِي: ثلث اللَّيْل الأول. الثَّانِيَة: إِذا مضى الثُّلُث الأول. الثَّالِثَة: الثُّلُث الأول أَو النّصْف. الرَّابِعَة: النّصْف. الْخَامِسَة: النّصْف أَو الثُّلُث الْأَخير. السَّادِسَة: الْإِطْلَاق، والمطلقة مِنْهَا تحمل على الْمقيدَة، وَالَّتِي بِحرف الشَّك، فالمجزوم بِهِ مقدم على الْمَشْكُوك فِيهِ. فَإِن قلت: إِذا كَانَت كلمة: أَو، للترديد بَين حَالين، كَيفَ يجمع بذلك بَين الرِّوَايَات؟ قلت: يجمع بِأَن ذَلِك يَقع بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحول، لكَون أَوْقَات اللَّيْل تخْتَلف فِي الزَّمَان وَفِي الْآفَاق باخْتلَاف تقدم دُخُول اللَّيْل عِنْد قوم وتأخره عَنهُ آخَرين، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ من وَجه آخر عَن قريب. فَإِن قلت: مَا وَجه التحصيص بِالثُّلثِ الْأَخير الَّذِي

стр. 2070

رَجحه جمَاعَة على غَيره من الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة؟ قلت: لِأَنَّهُ وَقت التَّعَرُّض لنفحات رَحْمَة الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ زمَان عبَادَة أهل الْإِخْلَاص، وروى أَن آخر اللَّيْل أفضل للدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار، وروى محَارب بن دثار عَن عَمه أَنه كَانَ يَأْتِي الْمَسْجِد فِي السحر ويمر بدار ابْن مَسْعُود، فَسَمعهُ يَقُول: أللهم إِنَّك أَمرتنِي فأطعت، وَدَعَوْتنِي فأجبت، وَهَذَا سحر فَاغْفِر لي، فَسئلَ ابْن مَسْعُود عَن ذَلِك؟ فَقَالَ: إِن يَعْقُوب ﷺ أخر الدُّعَاء لِبَنِيهِ إِلَى السحر. فَقَالَ: ﴿سَوف اسْتغْفر لكم﴾ (يُوسُف: ٨٩) . وروى أَن دَاوُد ﷺ سَأَلَ جِبْرِيل ﵇: أَي اللَّيْل أسمع؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، غير أَن الْعَرْش يَهْتَز فِي السحر. قَوْله: (الآخر) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وارتفاعه على أَنه صفة للثلث. قَوْله: (من يدعوني) الْمَذْكُور هَهُنَا الدُّعَاء وَالسُّؤَال وَالِاسْتِغْفَار، وَالْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة أَن الْمَطْلُوب: إِمَّا لدفع الْمضرَّة، وَإِمَّا لجلب الْخَيْر، وَالثَّانِي إِمَّا ديني أَو دنياوي، فَفِي لفظ الاسْتِغْفَار إِشَارَة إِلَى الأول، وَفِي السُّؤَال إِشَارَة إِلَى الثَّانِي وَفِي الدُّعَاء إِشَارَة إِلَى الثَّالِث. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين الدُّعَاء وَالسُّؤَال؟ قلت: الْمَطْلُوب إِمَّا لدفع غير الملائم، وَإِمَّا لجلب الملائم، وَذَلِكَ إِمَّا دُنْيَوِيّ وَإِمَّا ديني، فالاستغفار وَهُوَ طلب ستر الذُّنُوب، إِشَارَة إِلَى الأول، وَالسُّؤَال إِلَى الثَّانِي، وَالدُّعَاء إِلَى الثَّالِث، لَا وَالدُّعَاء مَا لَا طلب فِيهِ نَحْو قَوْلنَا: يَا الله يَا رَحْمَن، وَالسُّؤَال هُوَ الطّلب، وَالْمَقْصُود وَاحِد، وَاخْتِلَاف الْعبارَات لتحقيق الْقَضِيَّة وتأكيدها. قَوْله: (فأستجيب لَهُ) ، يجوز فِيهِ النصب وَالرَّفْع: أما النصب فعلى جَوَاب الِاسْتِفْهَام، وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: فَأَنا أستجيب لَهُ، وَكَذَا الْكَلَام فِي قَوْله: فَأعْطِيه فَأغْفِر لَهُ) . وَأعلم أَن السِّين فِي: (فأستجيب) لَيْسَ للطلب، بل هُوَ بِمَعْنى: أُجِيب وَذَلِكَ، لتحول الْفَاعِل إِلَى أصل الْفِعْل نَحْو: استحجر الطين فَإِن قلت: لَيْسَ فِي وعد الله خلف وَكثير من الداعين لَا يُسْتَجَاب لَهُم؟ قلت: إِنَّمَا ذَاك لوُقُوع الْخلَل فِي شَرط من شُرُوط الدُّعَاء مثل: الِاحْتِرَاز فِي الْمطعم وَالْمشْرَب والملبس، أَو لاستعجال الدَّاعِي، أَو يكون الدُّعَاء بإثم أَو قطيعة رحم، أَو تحصل الْإِجَابَة ويتأخر الْمَطْلُوب إِلَى وَقت آخر يُرِيد الله وُقُوع الْإِجَابَة فِيهِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة. ٥١ - (بابُ منْ نامَ أوَّلَ اللَّيْلِ وَأحْيَا آخِرَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من نَام أول اللَّيْل وأحي آخِره بِالصَّلَاةِ أَو بِقِرَاءَة الْقُرْآن أَو بِالذكر. وقالَ سَلْمَانُ لأِبِي الدَّرّدَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَمْ فَلَمَّا كانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ قُمْ قَالَ النبيُّ ﷺ صَدَقَ سَلْمَانُ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن سلمَان الْفَارِسِي أَمر لأبي الدَّرْدَاء بِالنَّوْمِ فِي أول اللَّيْل، ويالقيام فِي آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق مُخْتَصر من حَدِيث طَوِيل أوردهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب من حَدِيث أبي جُحَيْفَة، قَالَ: (آخى رَسُول الله ﷺ بَين سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، أقرى سلمَان أَبَا الدَّرْدَاء فَرَأى أم الدَّرْدَاء مبتذلة، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنك، قَالَت: أَخُوك أَبُو الدَّرْدَاء لَيْسَ لَهُ حَاجَة فِي الدُّنْيَا، فجَاء أَبُو الدَّرْدَاء فَصنعَ لَهُ طَعَاما، فَقَالَ: كل فَإِنِّي صَائِم، قَالَ: مَا أَنا بآكل حَتَّى تَأْكُل، فَأكل، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل ذهب أَبُو الدَّرْدَاء يقوم، فَقَالَ: نم، فَنَامَ فَذهب يقوم، فَقَالَ: نم، فَلَمَّا كَانَ آخر اللَّيْل قَالَ سلمَان: قُم الْآن. قَالَ: فصلينا، فَقَالَ سلمَان: إِن لِرَبِّك عَلَيْك حَقًا. وَلِنَفْسِك حَقًا، ولأهلك عَلَيْك حَقًا، فأعط كل ذِي حق حَقه، فَأتى النَّبِي ﷺ ، فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : صدق سلمَان) . ٦٤١١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ وحدَّثني سُلَيْمَانُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ قَالَ سألْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَيْفَ كانَ صَلاةُ النبيِّ بِاللَّيْلِ قالَتْ كانَ يَنامُ أوَّلَهُ ويَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يرْجِعُ إلَى فِراشِهِ فإذَا أذَّنَ المُؤَذَّنُ وَثَبَ فَإِن كانَ بِهِ حاجَةٌ اغْتَسَلَ وَإلَاّ تَوَضِّأَ وخَرَجَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ ينَام أَوله وَيقوم آخِره) . ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ.

стр. 2071

الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثالثٍّ سُلَيْمَان بن حَرْب الواشحي. الرَّابِع: أَبُو إِسْحَاق السبيعِي عَمْرو بن عبد الله. الْخَامِس: الْأسود بن يزِيد. السَّادِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: شَيْخَانِ للْبُخَارِيّ كِلَاهُمَا بصريان وَشعْبَة واسطي وَأَبُو إِسْحَاق وَالْأسود كوفيان. وَفِيه: حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد: وَفِي رِوَايَة أبي ذَر قَالَ أَبُو الْوَلِيد: وَهَذَا يدل على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه مُعَلّق. وَالثَّانِي: أَن سِيَاق البُخَارِيّ الحَدِيث على لفظ سُلَيْمَان بن حَرْب، وَالتَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي خَليفَة عَن أبي الْوَلِيد. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَأخرجه مُسلم: حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس، قَالَ: حَدثنَا زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق (ح) وَحدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ: أخبرنَا أَبُو خَيْثَمَة (عَن أبي إِسْحَاق قَالَ: سَأَلت الْأسود بن يزِيد عَمَّا حدثته عَائِشَة عَن صَلَاة رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَت: كَانَ ينَام أول اللَّيْل ويحيي آخِره، ثمَّ إِن كَانَت لَهُ حَاجته ثمَّ ينَام، فَإِذا كَانَ عِنْد النداء الأول قَالَت: وثب، وَلَا وَالله مَا قَالَت: قَامَ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ المَاء، وَلَا وَالله مَا قَالَت: اغْتسل، وَأَنا أعلم مَا تُرِيدُ، وَإِن لم يكن جنبا تَوَضَّأ وضوء الرجل للصَّلَاة ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَإِن كَانَ لَهُ حَاجَة قضى حَاجته) ، يَعْنِي: الْجِمَاع، وَجَوَاب: إِن الَّذِي هُوَ جَزَاء الشَّرْط مَحْذُوف، تَقْدِيره: فَإِن كَانَت لَهُ حَاجَة قضى حَاجته. وَقَوله: (اغْتسل) ، لَيْسَ بِجَوَاب، وَإِنَّمَا هُوَ يدل على الْمَحْذُوف، وَفِي رِوَايَة مُسلم الْجَواب مَذْكُور كَمَا ترَاهُ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا حَدِيث يغلط فِي مَعْنَاهُ الْأسود، فَإِن الْأَخْبَار الْجِيَاد: (كَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينَام وَهُوَ جنب تَوَضَّأ وَأمر بذلك من سَأَلَهُ) . قيل: لم يرد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِهَذَا أَن حَدِيث الْبَاب غلط، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن أَبَا إِسْحَاق حدث بِهِ عَن الْأسود بِلَفْظ آخر غلط فِيهِ، وَالَّذِي أنكرهُ الْحفاظ على أبي إِسْحَاق فِي هَذَا الحَدِيث هُوَ مَا رَوَاهُ الثَّوْريّ عَنهُ بِلَفْظ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ ينَام وَهُوَ جنب من غير أَن يمس مَاء) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: يرَوْنَ هَذَا غَلطا من أبي إِسْحَاق. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَنه ﷺ كَانَ ينَام جنبا قبل أَن يغْتَسل. وَفِيه: الاهتمام فِي الْعِبَادَة والإقبال عَلَيْهَا بالنشاط، وَلَفْظَة الْوُثُوب تدل عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَكلمَة: الْفَاء، تدل على أَنه ﷺ كَانَ يقْضِي حَاجته من نِسَائِهِ بعد إحْيَاء اللَّيْل، وَهُوَ الجدير بِهِ ﷺ إِذْ الْعِبَادَة مُقَدّمَة على غَيرهَا. ٦١ - (بابُ قِيَامِ النبيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وغَيْرِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قيام النَّبِي ﷺ ، أَي: صلَاته بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَان أَي: فِي ليَالِي رَمَضَان وَغَيره. ٧٤١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرِّحْمانِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَيْفَ كانَتْ صَلَاةُ رسولِ الله ﷺ فِي رَمَضَانَ فقَالَتْ مَا كانَ رسولُ الله ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أرْبَعا فَلَا تَسَلْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أرْبَعا فَلَا تَسَلْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثا قَالَتْ عائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله أتنَامُ قَبْلَ أنْ تُوتِرَ فَقَالَ يَا عائشَةُ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي صفة النَّبِي ﷺ عَن القعْنبِي. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن بن عِيسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة بن سعيد وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث

стр. 2072

بن مِسْكين. ذكر من أخرجه من غير عَائِشَة: وَفِي هَذَا الْبَاب عَن أنس وَجَابِر بن عبد الله وحجاج بن عَمْرو وَحُذَيْفَة وَزيد بن خَالِد وَصَفوَان بن الْمُعَطل وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَعلي بن أبي طَالب وَالْفضل بن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة ابْن الحكم السّلمِيّ وَأبي أَيُّوب وخباب وَأم سَلمَة وصحابي لم يسم. أما حَدِيث أنس: فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة جُنَادَة بن مَرْوَان، قَالَ: حَدثنَا الْحَارِث بن النُّعْمَان، قَالَ: سَمِعت أنس بن مَالك يَقُول: كَانَ رَسُول الله ﷺ يحيى اللَّيْل بثمان رَكْعَات ركوعهن كقراءتهن وسجودهن كقراءتهن، وَيسلم بَين كل رَكْعَتَيْنِ، وجنادة اتهمه أَبُو حَاتِم. وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى من رِوَايَة شُرَحْبِيل بن سعد أَنه سمع جَابر بن عبد الله قَالَ: (أَقبلنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ زمن الْحُدَيْبِيَة) ، وَفِيه: (ثمَّ صلى بعْدهَا) أَي: بعد الْعَتَمَة، (ثَلَاث عشرَة سَجْدَة) وشرحبيل وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَضَعفه غير وَاحِد. وَأما حَدِيث حجاج بن عَمْرو فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة كثير بن الْعَبَّاس عَنهُ، قَالَ: (أيحسب أحدكُم إِذا قَامَ من اللَّيْل يُصَلِّي حَتَّى يصبخ أَن قد تهجد، إِنَّمَا التَّهَجُّد الصَّلَاة بعد رقدة ثمَّ الصَّلَاة بعد رقدة ثمَّ الصَّلَاة بعد رقدة، تِلْكَ كَانَت صَلَاة رَسُول الله ﷺ . وَأما حَدِيث حُذَيْفَة، فَرَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر فِي (كتاب قيام اللَّيْل) من رِوَايَة عبد الْملك بن عُمَيْر عَن ابْن عَم حُذَيْفَة (عَن حُذَيْفَة، قَالَ: قُمْت إِلَى جنب رَسُول الله ﷺ فَقَرَأَ السَّبع الطوَال فِي سبع رَكْعَات. .) الحَدِيث. وَأما حَدِيث زيد بن خَالِد، فَرَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل من رِوَايَة عبد الله بن قيس بن مخرمَة (عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ، أَنه قَالَ: لأرمقن صَلَاة رَسُول الله، ﷺ ، فصلى رَكْعَتَيْنِ خفيفتين، ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ طويلتين طويلتين، ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ وهما دون اللَّتَيْنِ قبلهمَا، ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ وهما دون اللَّتَيْنِ قبلهمَا، ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ وهما دون اللَّتَيْنِ قبلهمَا، ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ وهما دون اللَّتَيْنِ قبلهمَا، ثمَّ أوتر فَذَلِك ثَلَاث عشرَة رَكْعَة) . وَأما حَدِيث صَفْوَان بن الْمُعَطل فَرَوَاهُ أَحْمد فِي زياداته على الْمسند وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة أبي بكر ابْن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث (عَن صَفْوَان بن الْمُعَطل السّلمِيّ، قَالَ: كنت مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر. .) الحَدِيث، وَفِي آخِره: (حَتَّى صلى إِحْدَى عشرَة رَكْعَة) . وَأما حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس فَرَوَاهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة، فَرَوَاهُ البُخَارِيّ ذكره فِي: بَاب كَيفَ صَلَاة النَّبِي ﷺ ، وَأما حَدِيث عبد الله بن عمر فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه) وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عَامر الشّعبِيّ، قَالَ: (سَأَلت عبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن صَلَاة رَسُول الله ﷺ بِاللَّيْلِ فَقَالَا: ثَلَاث عشرَة، مِنْهَا ثَمَان بِاللَّيْلِ ويوتر بِثَلَاث وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْفجْر) . وَأما حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب، فَرَوَاهُ أَحْمد فِي زياداته على الْمسند من رِوَايَة أبي إِسْحَاق عَن عَاصِم بن ضَمرَة (عَن عَليّ، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي من اللَّيْل سِتّ عشرَة رَكْعَة سوى الْمَكْتُوبَة) ، وَإِسْنَاده حسن. وَأما حَدِيث الْفضل بن عَبَّاس فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة شريك بن عبد الله بن أبي نمر عَن كريب (عَن الْفضل بن عَبَّاس، قَالَ: بت لَيْلَة عِنْد النَّبِي ﷺ لأنظر كَيفَ يُصَلِّي، فَقَامَ فَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ قِيَامَة مثل رُكُوعه وركوعه مثل سُجُوده، ثمَّ نَام فَذكره، وَفِيه: فَلم يزل يفعل هَذَا حَتَّى صلى عشر رَكْعَات، ثمَّ قَامَ فصلى سَجْدَة وَاحِدَة فأوتر بهَا) . وَأما حَدِيث مُعَاوِيَة بن الحكم فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن مُعَاوِيَة بن الحكم قَالَ مثل حَدِيث مَالك فِي صَلَاة رَسُول الله ﷺ إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، واضطجاعه على شقَّه الْأَيْمن. وَأما حَدِيث أبي أَيُّوب فَرَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة وَاصل بن السَّائِب عَن أبي سُورَة (عَن أبي أَيُّوب: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا قَامَ يُصَلِّي من اللَّيْل صلى أَربع رَكْعَات فَلَا يتَكَلَّم وَلَا يَأْمر بِشَيْء وَيسلم من كل رَكْعَتَيْنِ) . وَأما حَدِيث خباب بن الْأَرَت فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة عبد الله بن خباب عَن أَبِيه، وَكَانَ شهد بَدْرًا مَعَ رَسُول الله ﷺ : أَنه راقب رَسُول الله ﷺ اللَّيْلَة كلهَا حَتَّى كَانَ مَعَ الْفجْر، فَلَمَّا سلم رَسُول الله ﷺ من صلَاته جَاءَهُ خباب فَقَالَ: (يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي لقد صليت اللَّيْلَة صَلَاة مَا رَأَيْتُك صليت نَحْوهَا؟ قَالَ رَسُول الله ﷺ : أجل إِنَّهَا صَلَاة رغب ورهب) . وَأما حَدِيث أم سَلمَة فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة ابْن أبي مليكَة (عَن يعلى بن مَالك أَنه سَأَلَ أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: وَمَا لكم وَصلَاته؟ كَانَ يُصَلِّي وينام قدر مَا صلى، ثمَّ يُصَلِّي قدر مَا نَام، ثمَّ ينَام قدر مَا يُصَلِّي حَتَّى يصبح) ، ولأم سَلمَة حَدِيث آخر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَاب الْوتر. وَأما حَدِيث الرجل الَّذِي لم يسم

стр. 2073

فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة حميد بن عبد الرَّحْمَن: (أَن رجلا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالَ: قلت وَأَنا فِي سفر مَعَ النَّبِي ﷺ : وَالله لأرمقن رَسُول الله ﷺ للصَّلَاة حَتَّى أرى فعله) ، الحَدِيث: (ثمَّ قَامَ فصلى حَتَّى قلت: صلى قدر مَا نَام، ثمَّ اضْطجع حَتَّى قلت: قد نَام قدر مَا صلى، ثمَّ اسْتَيْقَظَ فَفعل كَمَا فعل أول مرّة، وَقَالَ مثل مَا قَالَ، فَفعل رَسُول الله ﷺ ثَلَاث مرار قبل الْفجْر) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي رَمَضَان) ، أَي: فِي ليَالِي رَمَضَان، قَوْله: (فَلَا تسْأَل عَن حسنهنَّ) ، مَعْنَاهُ: هن فِي نِهَايَة من كَمَال الْحسن والطول مستغنيان لظُهُور حسنهنَّ وطولهن عَن السُّؤَال عَنْهُن وَالْوَصْف. قَوْله: (أَرْبعا) أَي: أَربع رَكْعَات. قَوْله: (أتنام؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار والاستعلام. قَوْله: (وَلَا ينَام قلبِي) لَيْسَ فِيهِ مُعَارضَة لما مضى فِي: بَاب الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم، أَنه ﷺ نَام حَتَّى فَاتَت صَلَاة الصُّبْح، وطلعت الشَّمْس لِأَن طُلُوع الشَّمْس مُتَعَلق بِالْعينِ لَا بِالْقَلْبِ، إِذْ هُوَ من المحسوسات لَا من المعقولات. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن عمله ﷺ كَانَ دِيمَة شهر رَمَضَان وَغَيره، وَأَنه كَانَ إِذا عمل عملا أثْبته وداوم عَلَيْهِ. وَفِيه: تَعْمِيم الْجَواب عِنْد السُّؤَال عَن شَيْء لِأَن أَبَا سَلمَة إِنَّمَا سَأَلَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن صَلَاة رَسُول الله ﷺ فِي رَمَضَان خَاصَّة، فأجابت عَائِشَة بأعم من ذَلِك، وَذَلِكَ لِئَلَّا يتَوَهَّم السَّائِل أَن الْجَواب مُخْتَصّ بِمحل السُّؤَال دون غَيره، فَهُوَ كَقَوْلِه ﷺ : (هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ والحل ميته) د لما سَأَلَهُ السَّائِل عَن حَالَة ركُوب الْبَحْر وَمَعَ رَاكِبه مَاء قَلِيل يخَاف الْعَطش إِن تَوَضَّأ، فَأجَاب بطهورية مَاء الْبَحْر حَتَّى لَا يخْتَص الحكم بِمن هَذِه حَاله، وَفِي قَوْلهَا: (يُصَلِّي أَرْبعا) ، حجَّة لأبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أَن الْأَفْضَل فِي التَّنَفُّل بِاللَّيْلِ أَربع رَكْعَات بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة، وَفِيه حجَّة عَن منع ذَلِك كمالك ﵀ وَفِي قَوْلهَا ثمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا حجَّة لاصطحابنا فِي أَن الْوتر ثَلَاث رَكْعَات بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة لِأَن ظَاهر الْكَلَام يَقْتَضِي ذَلِك فَلَا يعدل عَن الظَّاهِر إلَاّ بِدَلِيل فَإِن قلت: قد ثَبت إيتار النَّبِي ﷺ بِرَكْعَة وَاحِدَة، وَثَبت أَيْضا قَوْله ﷺ : (وَمن شَاءَ أوتر بِوَاحِدَة) قلت: سلمنَا ذَلِك، وَلكنه إِن تِلْكَ الرَّكْعَة الْوَاحِدَة توتر الشفع الْمُتَقَدّم لَهَا، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ: حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف، قَالَ: أخبرنَا مَالك عَن نَافِع وَعبد الله بن دِينَار (عَن ابْن عمر: أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن صَلَاة اللَّيْل؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى، فَإِذا خشِي أحدكُم الصُّبْح صلى رَكْعَة وَاحِدَة توتر لَهُ مَا قد صلى) . وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِي مَوْضِعه مستقصىً إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَفِيه: أَنه ﷺ لَا ينْتَقض وضوؤه بِالنَّوْمِ لكَون قلبه لَا ينَام، وَهَذَا من خَصَائِص الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح من قَوْله: (وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء تنام أَعينهم وَلَا تنام قُلُوبهم) ، وَفِيه: أَن النّوم نَاقض للطَّهَارَة. وَفِيه: تَفْصِيل قد مر بَيَانه. وَفِيه: أَن صلَاته ﷺ كَانَت مُتَسَاوِيَة فِي جَمِيع السّنة بَين مَا يستفتح بِهِ الصَّلَاة وَمَا بعد ذَلِك. فَإِن قلت: فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث عَائِشَة وَزيد ابْن خَالِد وَأبي هُرَيْرَة استفتاح صَلَاة اللَّيْل بِرَكْعَتَيْنِ خفيفتين. وَثَبت أَيْضا فِي الصَّحِيح من حَدِيث حُذَيْفَة صلَاته فِي أول قِيَامه من اللَّيْل بِسُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان؟ قلت: يجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يفعل كلا من الْأَمريْنِ بالتسوية بَين الرَّكْعَات. الأسئلة والأجوبة مِنْهَا: أَنه ثَبت فِي الصَّحِيح من حَدِيث عَائِشَة أَنه ﷺ (ان إِذا دخل الْعشْر الْأَوَاخِر يجْتَهد فِيهِ مَا لَا يجْتَهد فِي غَيره) ، وَفِي الصَّحِيح أَيْضا من حَدِيثهَا: (كَانَ إِذا دخل الْعشْر أَحَي اللَّيْل وَأَيْقَظَ أَهله وجد وَشد المئزر) ، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يزِيد فِي الْعشْر الْأَخير على عَادَته، فَكيف يجمع بَينه وَبَين حَدِيث الْبَاب؟ فَالْجَوَاب أَن الزِّيَادَة فِي الْعشْر الْأَخير تحمل على التَّطْوِيل دون الزِّيَادَة فِي الْعدَد. وَمِنْهَا: أَن الرِّوَايَات اخْتلفت عَن عَائِشَة فِي عدد رَكْعَات صَلَاة النَّبِي ﷺ بِاللَّيْلِ، وَفِي مِقْدَار مَا يجمعه مِنْهَا بِتَسْلِيم، فَفِي حَدِيث الْبَاب: إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، وَفِي رِوَايَة هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أَبِيه: (كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل ثَلَاث عشرَة رَكْعَة يُوتر من ذَلِك بِخمْس لَا يجلس فِي شَيْء إلَاّ فِي آخرهَا) ، وَفِي رِوَايَة مَسْرُوق: (أَنه سَأَلَهَا عَن صَلَاة رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: سبع وتسع وَإِحْدَى عشرَة سوى رَكْعَتي الْفجْر) ، وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم عَن الْأسود (عَن عَائِشَة: أَنه كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ تسع رَكْعَات) ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. وَالْجَوَاب: إِن من عدهَا ثَلَاث عشرَة أَرَادَ بركعتي الْفجْر، وَصرح بذلك فِي رِوَايَة الْقَاسِم (عَن عَائِشَة: كَانَت صلَاته ﷺ من اللَّيْل عشر رَكْعَات ويوتر

стр. 2074

بِسَجْدَة ويركع رَكْعَتي الْفجْر) ، فَتلك ثَلَاث عشرَة رَكْعَة. وَأما رِوَايَة سبع وتسع فَهِيَ فِي حَالَة كبره، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَأما مِقْدَار مَا يجمعه من الرَّكْعَات بِتَسْلِيمِهِ فَفِي رِوَايَة: كَانَ يسلم بَين رَكْعَتَيْنِ ويوتر بِوَاحِدَة، وَفِي رِوَايَة: (يُوتر من ذَلِك بِخمْس لَا يجلس فِي شَيْء إلَاّ فِي آخرهَا) ، وَفِي رِوَايَة: (يُصَلِّي تسع رَكْعَات لَا يجلس فِيهَا إلَاّ فِي الثَّامِنَة) ، وَالْجمع بَين هَذَا الِاخْتِلَاف أَنه ﷺ فعل جَمِيع ذَلِك فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة. وَمِنْهَا: أَنه اخْتلفت أَيْضا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب فِي عدد صلَاته، فَفِي حَدِيث زيد بن خَالِد وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأم سَلمَة: ثَلَاث عشرَة رَكْعَة، وَفِي حَدِيث الْفضل وَصَفوَان بن الْمُعَطل وَمُعَاوِيَة ابْن الحكم وَابْن عمر وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس: إِحْدَى عشرَة، وَفِي حَدِيث أنس: ثَمَان رَكْعَات، وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة: سبع رَكْعَات، وَفِي حَدِيث أبي أَيُّوب: أَربع رَكْعَات، وَكَذَلِكَ فِي بعض طرق حَدِيث حُذَيْفَة، وَأكْثر مَا فِيهَا حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سِتّ عشرَة رَكْعَة. الْجَواب: بِأَن ذَلِك بِحَسب مَا شَاهد الروَاة كَذَلِك، فَرُبمَا زَاد وَرُبمَا نقص، وَرُبمَا فرق قيام اللَّيْل مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، وَمن عد ذَلِك تسعا أسقط رَكْعَة الْوتر، وم زَاد على ثَلَاث عشرَة رَكْعَة فَيكون قد عد سنة الْعشَاء أَو رَكْعَتي الْفجْر أَو عدهما جَمِيعًا، وَعَلِيهِ يحمل مَا رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك فِي (الزّهْد وَالرَّقَائِق) فِي حَدِيث مُرْسل: أَنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل سبع عشرَة رَكْعَة. ٨٤١١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّي قَالَ حَدثنَا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ مَا رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يَقْرأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلاةِ اللَّيْلِ جالِسا حَتَّى إذَا كَبِرَ قرَأ جالِسا فإذَا بَقِيَ عَلَيْهِ منَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ أوْ أرْبَعُونَ آيَة قامَ فَقَرَأَهُنَّ ثُمَّ رَكَعَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من صَلَاة اللَّيْل) ، وَهِي: قيام اللَّيْل الَّذِي سَمَّاهُ فِي التَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى بن عبيد، يعرف بالزمن. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان الْأَحول. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان وَهِشَام وَأَبوهُ مدنيان. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن يحيى بن سعيد بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَالِسا) نصب على الْحَال فِي موضِعين. قَوْله: (كبر) ، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أسن، وَكَانَ ذَلِك قبل مَوته ﷺ بعام، وَأما: كبر، بِضَم الْبَاء فَهُوَ بِمَعْنى: عظم. قَوْله: (أَو أَرْبَعُونَ) شكّ من الرَّاوِي. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: فِي قَوْله: (حَتَّى إِذا بَقِي عَلَيْهِ) إِلَى آخِره، رد على من اشْترط على من افْتتح النَّفْل قَاعِدا أَن يرْكَع قَاعِدا، وَإِذا افْتتح قَائِما أَن يرْكَع قَائِما، وَهُوَ محكي عَن أَشهب الْمَالِكِي. وَفِيه: جَوَاز النَّافِلَة جَالِسا، وَاخْتلف فِي كيفيته، فَعَن أبي حنيفَة: يقْعد فِي حَال الْقِرَاءَة كَمَا يقْعد فِي سَائِر الصَّلَاة، وَإِن شَاءَ تربع وَإِن شَاءَ احتبى، وَعَن أبي يُوسُف: يحتبي، وَعنهُ: يتربع إِن شَاءَ، وَعَن مُحَمَّد: يتربع وَعَن زفر: يقْعد كَمَا فِي التَّشَهُّد، وَعَن أبي حنيفَة، فِي صَلَاة اللَّيْل: يتربع من أول الصَّلَاة إِلَى آخرهَا، وَعَن أبي يُوسُف: إِذا جَاءَ وَقت الرُّكُوع وَالسُّجُود يقْعد كَمَا يقْعد فِي تشهد الْمَكْتُوبَة، وَعنهُ: يرْكَع متربعا. قَالَ فِي (الْمُغنِي) : الْأَمْرَانِ جائزان، جَاءَا عَن النَّبِي ﷺ على مَا روته عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، والإقعاء مَكْرُوه والافتراض عِنْد الشَّافِعِيَّة أفضل من التربع على أظهر الْأَقْوَال، وَفِي رِوَايَة: ينصب ركبته اليمني كالقارىء بَين يَدي المقرىء، وَعند مَالك: يتربع، ذكره الْقَرَافِيّ فِي (الذَّخِيرَة) وَفِي (الْمُغنِي) : عِنْد أَحْمد يقْعد متربعا فِي حَال الْقيام، ويثني رجلَيْهِ فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود. وَقَالَ: الْقعُود فِي حق النَّبِي ﷺ كالقيام فِي حَالَة الْقُدْرَة، تَشْرِيفًا لَهُ وتخصيصا. ٧١ - (بابُ فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وفَضْلِ الصَّلاةِ بعْدَ الوُضُوءِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَانه فَضِيلَة الطّهُور، وَهُوَ الْوضُوء بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب فضل الطّهُور بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَفضل الصَّلَاة عِنْد الطّهُور بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، وَفِي بعض النّسخ: بعد الْوضُوء، مَوضِع: عِنْد الطّهُور، وَفِي بَعْضهَا: بَاب

стр. 2075

فضل الصَّلَاة عِنْد الطّهُور بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، وَهُوَ الشق الثَّانِي من رِوَايَة الْكشميهني، وَعَلِيهِ اقْتصر الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأكْثر الشُّرَّاح. ٩٤١١ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامةَ عنْ أبِي حَيَّانَ عَنْ أبِي زُرْعَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلاةِ الفَجْرِ يَا بِلالُ حَدِّثْنِي بِأرْجى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإسْلَامِ فإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ قَالَ مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أرْجى عِنْدِي أنِّي لَمْ أتَطَهَّرْ طُهُورا فِي ساعَةِ لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ إلَاّ صَلَّيْتُ بِذالِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أنْ أُصَلِّيَ. مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تتأتى إلَاّ فِي الشق الثَّانِي من رِوَايَة الْكشميهني، وَهُوَ قَوْله: (وَفضل الصَّلَاة عِنْد الطّهُور بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار) . ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْحَاق بن نصر، وَهُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، فَالْبُخَارِي يروي عَنهُ فِي (الْجَامِع) فِي غير مَوضِع، لكنه تَارَة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، وَتارَة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن نصر فينسبه إِلَى جده. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة. الثَّالِث: أَبُو حَيَّان، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: واسْمه يحيى بن سعيد، وَوَقع فِي (التَّوْضِيح) : يحيى بن حَيَّان وَهُوَ غلط. الرَّابِع: أَبُو زرْعَة، اسْمه هرم بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: ذكر الرَّاوِي باسم جده. وَفِيه: ثَلَاثَة من الروَاة مذكورون بالكنية وَآخر من الصَّحَابَة. وَفِيه: أَن شَيْخه بخاري وَأَبُو أُسَامَة وَأَبُو حَيَّان وَأَبُو زرْعَة كوفيون. وَقَالَ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبيد بن يعِيش وَأبي كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء، كِلَاهُمَا عَن أبي أُسَامَة، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه عَن أبي حَيَّان بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي عَن أبي أُسَامَة بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ لِبلَال) ، هُوَ: ابْن رَبَاح الْمُؤَذّن. قَوْله: (فِي صَلَاة الْفجْر) ، إِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك وَقع فِي الْمَنَام، لِأَن عَادَته ﷺ أَنه كَانَ يقص مَا رَآهُ غَيره من أَصْحَابه بعد صَلَاة الْفجْر، على مَا يَأْتِي فِي كتاب التَّعْبِير. قَوْله: (بأرجى عمل) أَرْجَى: على وزن: أفعل التَّفْضِيل، بِمَعْنى الْمَفْعُول، لَا بِمَعْنى الْفَاعِل، وأضيف إِلَى الْعَمَل لِأَنَّهُ الدَّاعِي إِلَيْهِ. وَهُوَ السَّبَب فِيهِ. قَوْله: (فِي الْإِسْلَام) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (حَدثنِي بأرجى عمل عملته عنْدك فِي الْإِسْلَام مَنْفَعَة) ، قَوْله: (فَإِنِّي سَمِعت دف نعليك بَين يَدي فِي الْجنَّة) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَإِنِّي سَمِعت اللَّيْلَة خشف نعليك بَين يَدي) قَوْله: (فِي الْجنَّة) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (حفيف نعليك) ، وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم على شَرط الشَّيْخَيْنِ: (يَا بِلَال، بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة؟) دخلت البارحة فَسمِعت خشخشتك أَمَامِي) ، وَعند أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ. (فَإِنِّي سَمِعت خشخشة نعليك) والخشخشة الْحَرَكَة الَّتِي لَهَا صَوت كصوت السِّلَاح، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن: دوِي نعليك) ، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة، يَعْنِي: صوتهما. وَأما الدُّف فَهُوَ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء. قَالَ ابْن سَيّده: الدفيف، سير لين، دف يدف دفيفا، ودف الْمَاشِي على وَجه الأَرْض إِذا جد، ودف الطَّائِر وأدف: ضرب جَنْبَيْهِ بجناحيه. وَقيل: هُوَ إِذا حرك جناحيه وَرجلَاهُ فِي الأَرْض. وَزعم أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي (المغيث) : أَن حَدِيث بِلَال هَذَا: (سَمِعت دف نعليك) أَي: حفيفهما، وَمَا يحس من صوتهما عِنْد وطئهما، وَذكره صَاحب (التَّتِمَّة) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَأَصله: السّير السَّرِيع، وَقد يُقَال: دف نعليك، بِالدَّال الْمُهْملَة ومعناهما: قريب. قَوْله: (أَنِّي) بِفَتْح الْهمزَة، وَكلمَة: من، مقدرَة قبلهَا ليَكُون صلَة أفعل التَّفْضِيل، وَجَاز الفاصلة بالظرف بَين أفعل وصلته، هَذَا مَا قَالَه الْكرْمَانِي، وتحريره: أَن أفعل التَّفْضِيل لَا يسْتَعْمل فِي الْكَلَام إلَاّ بِأحد الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة وَهِي: الْألف وَاللَّام، وَالْإِضَافَة، وَكلمَة: من. وَهَهُنَا لفظ: (أَرْجَى) ، أفعل التَّفْضِيل كَمَا قُلْنَا، وَهِي خَالِيَة عَن هَذِه الْأَشْيَاء فَقدر كلمة: من، تَقْدِيره: مَا عملت عملا أرجىء من أَنِّي لم أتطهر طهُورا، أَي: لم أتوضأ وضُوءًا، وَهُوَ يتَنَاوَل الْغسْل أَيْضا. قَوْله: وَجَاز الفاصلة بالظرف، أَرَادَ بالفاصلة هُنَا قَوْله: (عِنْدِي) فَإِنَّهُ ظرف فصل بِهِ بَين كلمة: (أرجىء) وَبَين كلمة: من، الْمقدرَة. فَافْهَم. قَوْله: (طهُورا) ، بِضَم الطَّاء، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (طهُورا تَاما) ، ويحترز بالتمام عَن الْوضُوء اللّغَوِيّ وَهُوَ: غسل الْيَدَيْنِ، لِأَنَّهُ قد يفعل ذَلِك لطرد النّوم. قَوْله: (فِي سَاعَة) ، بِالتَّنْوِينِ. قَوْله:

стр. 2076

(ليل) ، بِالْجَرِّ بدل من: سَاعَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (من ليل أَو نَهَار) . قَوْله: (مَا كتب لي) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهُوَ جملَة فِي مَحل النصب، وَفِي رِوَايَة: (مَا كتب الله لي) ، أَي: مَا قدر، وَهُوَ أَعم من الْفَرْض وَالنَّفْل. قَوْله: (أَن أُصَلِّي) فِي مَحل الرّفْع على رِوَايَة البُخَارِيّ، وعَلى رِوَايَة مُسلم فِي مَحل النصب. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الصَّلَاة أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان، لقَوْل بِلَال: إِنَّه مَا عمل عملا أَرْجَى مِنْهُ. وَفِيه: دَلِيل على أَن الله تَعَالَى يعظم المجازاة على مَا يسر بِهِ العَبْد بَينه وَبَين ربه مِمَّا لَا يطلع عَلَيْهِ أحد، وَقد اسْتحبَّ ذَلِك الْعلمَاء ليدخرها وليبعدها عَن الرِّيَاء. وَفِيه: فَضِيلَة الْوضُوء وفضيلة الصَّلَاة عَقِيبه لِئَلَّا يبْقى الْوضُوء خَالِيا عَن مَقْصُوده. وَفِيه: فَضِيلَة بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلذَلِك بوب عَلَيْهِ مُسلم حَيْثُ قَالَ: بَاب فَضَائِل بِلَال بن رَبَاح مولى أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، ثمَّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور. وَفِيه: سُؤال الصَّالِحين عَن عمل تِلْمِيذه ليحضه عَلَيْهِ ويرقبه فِيهِ إِن كَانَ حسنا وإلَاّ فينهاه. وَفِيه: أَن الْجنَّة مخلوقة مَوْجُودَة الْآن، خلاف وَمِنْهُم: لمن أنكر ذَلِك من الْمُعْتَزلَة. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على جَوَاز هَذِه الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة، وَهُوَ عُمُوم قَوْله: (فِي سَاعَة) ، بالتنكير أَي: فِي كل سَاعَة، ورد بِأَن الْأَخْذ بِعُمُوم هَذَا لَيْسَ بِأولى من الْأَخْذ بِعُمُوم النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة. وَقَالَ ابْن التِّين: لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّة فَيحمل على تَأْخِير الصَّلَاة قَلِيلا ليخرج وَقت الْكَرَاهَة، أَو أَنه كَانَ يُؤَخر الطّهُور إِلَى خُرُوج وَقت الْكَرَاهَة، وَاعْترض بَعضهم بقوله: لَكِن عِنْد التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة من حَدِيث بُرَيْدَة فِي نَحْو هَذِه الْقَضِيَّة: (مَا أصابني حدث قطّ إلَاّ تَوَضَّأت عِنْده) ، وَلأَحْمَد من حَدِيثه: (مَا أحدثت إلَاّ تَوَضَّأت وَصليت رَكْعَتَيْنِ) ، فَدلَّ على أَنه كَانَ يعقب الْحَدث بِالْوضُوءِ، وَالْوُضُوء بِالصَّلَاةِ فِي أَي وَقت كَانَ. انْتهى قلت: حَدِيث بُرَيْدَة الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ذكره التِّرْمِذِيّ فِي مَنَاقِب عمر ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن حُرَيْث أَبُو عمار الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن الْحُسَيْن بن وَاقد، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن بُرَيْدَة، قَالَ: (حَدثنِي أَبُو بُرَيْدَة، قَالَ: أصبح رَسُول الله ﷺ فَدَعَا بِلَالًا. فَقَالَ: يَا بِلَال بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة؟ مَا دخلت الْجنَّة قطّ إلَاّ سَمِعت خشخشتك أَمَامِي؟ قَالَ، دخلت البارحة الْجنَّة فَسمِعت خشخشتك أَمَامِي، فَأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب، فَقلت: لمن هَذَا الْقصر؟ قَالُوا: لرجل من الْعَرَب. فَقلت: أَنا عَرَبِيّ، لمن هَذَا الْقصر، قَالُوا: لرجل من قُرَيْش، فَقلت: أَنا قرشي، لمن هَذَا الْقصر؟ قَالُوا: لرجل من أمة مُحَمَّد ﷺ ، فَقلت: أَنا مُحَمَّد، لمن هَذَا الْقصر؟ قَالُوا: لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَقَالَ بِلَال: يَا رَسُول الله: مَا أَذِنت قطّ إلَاّ صليت رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أصابني حدث قطّ إلَاّ تَوَضَّأت عِنْدهَا، وَرَأَيْت أَن لله عَليّ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : بهما) . وَأما جَوَاب هَذَا الْمُعْتَرض فَمَا مر ذكره الْآن، وَهُوَ قَوْلنَا: ورد بِأَن الْأَخْذ بِعُمُوم هَذَا ... إِلَى آخِره، وَيجوز أَن تكون أَخْبَار النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة بعد هَذَا الحَدِيث. الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قَالَه الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَذَا السماع لَا بُد أَن يكون فِي النّوم، إِذْ لَا يدْخل أحد الْجنَّة إلَاّ بعد الْمَوْت؟ قلت: يحْتَمل كَونه فِي حَال الْيَقَظَة، وَقد صرح فِي أول كتاب الصَّلَاة أَنه: دخل فِيهَا لَيْلَة الْمِعْرَاج. انْتهى. قلت: فِي كلاميه تنَاقض لَا يخفى لِأَنَّهُ ذكر أَولا أَن دُخُوله ﷺ الْجنَّة فِي حَال اليقظمة مُحْتَمل، ثمَّ قَالَ ثَانِيًا: فالتحقيق أَنه دَخلهَا لَيْلَة الْمِعْرَاج، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن قَوْله: لَا يدْخل أحد الْجنَّة إلَاّ بعد الْمَوْت، لَيْسَ على عُمُومه، أَو نقُول: هَذَا على عُمُومه وَلكنه فِي حق من كَانَ من عَالم الْكَوْن وَالْفساد وَالنَّبِيّ ﷺ لما جَاوز السَّمَوَات السَّبع وَبلغ إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى خرج من أَن يكون من أهل هَذَا الْعَالم، فَلَا يمْتَنع بعد هَذَا دُخُوله الْجنَّة قبل الْمَوْت، وَقد تفردت بِهَذَا الْجَواب. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ يسْبق بِلَال النَّبِي ﷺ فِي دُخُول الْجنَّة، وَالْجنَّة مُحرمَة على من يدْخل فِيهَا قبل دُخُوله ﷺ ؟ وَالْجَوَاب فِيمَا ذكره الْكرْمَانِي بقوله: وَأما بِلَال فَلم يلْزم مِنْهُ أَنه دخل فِيهَا، إِذْ فِي الْجنَّة طرق السماع والدف بَين يَدَيْهِ، وَقد يكون خَارِجا عَنْهَا. واستبعد بَعضهم هَذَا الْجَواب بقوله: لِأَن السِّيَاق يشْعر بِإِثْبَات فَضِيلَة بِلَال لكَونه جعل السَّبَب الَّذِي بلغه إِلَى ذَلِك مَا ذكره من مُلَازمَة التطهر وَالصَّلَاة، وَإِنَّمَا تثبت لَهُ الْفَضِيلَة بِأَن يكون رئي دَاخل الْجنَّة لَا خَارِجا عَنْهَا، ثمَّ أكد كَلَامه بِحَدِيث بُرَيْدَة الْمَذْكُور. قلت: التَّحْقِيق فِيهِ أَن رُؤْيَة النَّبِي ﷺ إِيَّاه فِي الْجنَّة حق، لِأَن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء حق. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: ويروى أَن رُؤْيا

стр. 2077

الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَحي. وَأما سبق بِلَال النَّبِي ﷺ فِي الدُّخُول فِي هَذِه الصُّورَة فَلَيْسَ هُوَ من حَيْثُ الْحَقِيقَة، وَإِنَّمَا هُوَ بطرِيق التَّمْثِيل لِأَن عَادَته فِي الْيَقَظَة أَنه كَانَ يمشي أَمَامه، فَلذَلِك تمثل لَهُ فِي الْمَنَام، وَلَا يلْزم من ذَلِك السَّبق الْحَقِيقِيّ فِي الدُّخُول. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن دُخُول بِلَال الْجنَّة وَحُصُول هَذِه المنقبة لَهُ إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب تطهره عِنْد كل حدث وَصلَاته عِنْد كل وضوء بِرَكْعَتَيْنِ، كَمَا صرح بِهِ فِي آخر حَدِيث بُرَيْدَة، بقوله: (بهما) ، أَي: بالتطهر عِنْد كل حدث وَالصَّلَاة بِرَكْعَتَيْنِ عِنْد كل وضوء، وَقد جَاءَ: (إِن أحدكُم لَا يدْخل الْجنَّة بِعَمَلِهِ؟) قلت: أصل الدُّخُول برحمة الله تَعَالَى، وَزِيَادَة الدَّرَجَات والتفاوت فِيهَا بِحَسب الْأَعْمَال، وَكَذَا يُقَال فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ (النَّحْل: ٢٣) . ٨١ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي العِبَادَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة التَّشْدِيد، وَهُوَ تحمل الْمَشَقَّة الزَّائِدَة فِي الْعِبَادَة، وَذَلِكَ لمخافة الفتور والإملال، وَلِئَلَّا يَنْقَطِع الْمَرْء عَنْهَا، فَيكون كَأَنَّهُ رَجَعَ فِيمَا بذله من نَفسه وتطوع بِهِ. ٠٥١١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ دَخَلَ النبيُّ ﷺ فإذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ مَا هاذا الحَبْلُ قالُوا هاذا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فإذَا فَتَرَتْ تعَلَّقَتْ فَقَالَ النبيُّ ﷺ لَا حُلْوهُ لِيُصَلِّ أحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فإذَا فعترَ فَلْيَقْعُد. مطابقته للتَّرْجَمَة وَهُوَ إِنْكَاره ﷺ على فعل زَيْنَب فِي شدها الْحَبل لتتعلق عِنْد الفتور. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين، واسْمه عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري المقعد. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد التنوري أَبُو عُبَيْدَة. الثَّالِث: عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب الْبنانِيّ الْأَعْمَى. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم بصريون. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بكنيته، وَشَيخ شَيْخه مَذْكُور بِلَا نِسْبَة. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن شَيبَان بن فروخ. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، كِلَاهُمَا فِيهِ عَن عمرَان بن مُوسَى، وَذكر الْحميدِي هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن مُسلما أَيْضا أخرجه كَمَا ذكرنَا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخل النَّبِي ﷺ أَي: الْمَسْجِد، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (فَإِذا حَبل) كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (بَين الساريتين) أَي: الاسطوانتين، وكأنهما كَانَتَا معهودتين، فَلذَلِك ذكرهمَا بِالْألف وَاللَّام الَّتِي للْعهد، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (بَين ساريتين) ، بِلَا ألف وَلَام. قَوْله: (لِزَيْنَب) ، ذكر الْخَطِيب فِي مبهماته أَن زَيْنَب هَذِه هِيَ: زَيْنَب بنت جحش الأَسدِية المدنية زوج النَّبِي ﷺ ، وَهِي الَّتِي أنزل الله تَعَالَى فِي شَأْنهَا: ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ (الْأَحْزَاب: ٧٣) . مَاتَت سنة عشْرين، وَتَبعهُ الْكرْمَانِي، وَذكره هَكَذَا. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أَن ابْن أبي شيبَة رَوَاهُ كَذَلِك، وَلَيْسَ فِي (مُسْنده) وَلَا فِي (مُصَنفه) غير ذكر زَيْنَب مُجَرّدَة، وروى أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث عَن شيخين لَهُ، عَن إِسْمَاعِيل بن علية فَقَالَ أَحدهمَا: زَيْنَب، وَلم ينسبها، وَقَالَ الآخر: حمْنَة بنت جحش، وَهِي أُخْت زَيْنَب بنت جحش زوج النَّبِي ﷺ ، وروى أَحْمد من طَرِيق حَمَّاد عَن حميد عَن أنس أَنَّهَا: حمْنَة بنت جحش، وَوَقع فِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق شُعْبَة عَن عبد الْعَزِيز فَقَالُوا: مَيْمُونَة بنت الْحَارِث، وَهِي رِوَايَة شَاذَّة قلت: لَا مَانع من تعدد الْقَضِيَّة. قَوْله: (فَإِذا فترت) ، بِفَتْح الْفَاء وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، أَي: إِذا كسلت عَن الْقيام (تعلّقت) أَي: بالحبل، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَإِذا فترت أَو كسلت) بِالشَّكِّ. قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَا) يحْتَمل أَن تكون كلمة: لَا، هَذِه للنَّفْي أَي: لَا يكون هَذَا الْحَبل أَو لَا يمد، وَيحْتَمل أَن تكون للنَّهْي، أَي: لَا تفعلوه، وَسَقَطت هَذِه الْكَلِمَة فِي رِوَايَة مُسلم، قَوْله: (حلوة) بِضَم الْحَاء وَاللَّام الْمُشَدّدَة، أَمر للْجَمَاعَة من الْحل. قَوْله: (ليصل) ، بِكَسْر اللَّام. قَوْله: (نشاطه) ، بِفَتْح النُّون، أَي: ليصل أحدكُم مُدَّة نشاطه، فَيكون انتصابه بِنَزْع الْخَافِض. وروى: (بنشاطه) ، أَي: ملتبسا بِهِ. قَوْله: (فَإِذا فتر فليقعد) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد:

стр. 2078

(فَإِذا كسل أَو فتر فليقعد) ، ظَاهر السِّيَاق يدل على أَن الْمَعْنى أَنه: إِذا عيى عَن الْقيام، وَهُوَ يُصَلِّي فليقعد. فيستفاد مِنْهُ جَوَاز الْقعُود فِي أثْنَاء الصَّلَاة بعد افتتاحها قَائِما. وَقَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون أَمر بالقعود عَن الصَّلَاة، يَعْنِي ترك مَا عزم عَلَيْهِ من التَّنَفُّل قلت: هَذَا احْتِمَال بعيد غير ناشيء عَن دَلِيل، وَظَاهر الْكَلَام يُنَافِيهِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْحَث على الاقتصاد فِي الْعِبَادَة وَالنَّهْي عَن التعمق وَالْأَمر بالإقبال عَلَيْهَا بنشاطه. وَفِيه: أَنه إِذا فتر فِي الصَّلَاة يقْعد حَتَّى يذهب عَنهُ الفتور. وَفِيه: إِزَالَة الْمُنكر بِالْيَدِ لمن يتَمَكَّن مِنْهُ. وَفِيه: جَوَاز تنفل النِّسَاء فِي الْمَسْجِد، فَإِن زَيْنَب كَانَت تصلي فِيهِ فَلم يُنكر عَلَيْهَا. وَفِيه: كَرَاهَة التَّعَلُّق بالحبل فِي الصَّلَاة. وَفِيه: دَلِيل على أَن الصَّلَاة جَمِيع اللَّيْل مَكْرُوهَة، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور، وَرُوِيَ عَن جمَاعَة من السّلف أَنه: لَا بَأْس بِهِ، وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى، إِذا لم ينم عَن الصُّبْح. ١٥١١ - قَالَ وقَال عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَتْ عِنْدِي امْرَأةٌ مِنْ بَنِي أسَدٍ فدَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ مَنْ هاذِهِ قُلْتُ فُلَانَةُ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِهَا فَقَالَ مَهْ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأعْمَالِ فإنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا. (أنظر الحَدِيث ٣٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ زجرهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله: (مَه) إِلَى آخِره، فَإِن حَاصِل مَعْنَاهُ النَّهْي عَن التَّشْدِيد فِي الْعِبَادَة، وَرِجَاله على هَذَا الْوَجْه قد مروا غير مرّة، وَهَذَا تَعْلِيق رَوَاهُ فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب أحب الدّين إِلَى الله أَدْوَمه، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا يحيى عَن هِشَام، قَالَ: أَخْبرنِي أبي (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَن النَّبِي ﷺ دخل عَلَيْهَا وَعِنْدهَا امْرَأَة. .) الحَدِيث. قَوْله: قَالَ عبد الله) هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: حَدثنَا عبد الله، وَهَكَذَا فِي (الْمُوَطَّأ) رِوَايَة القعْنبِي. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: تفرد القعْنبِي بروايته عَن مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) دون بَقِيَّة رُوَاته، فَإِنَّهُم اقتصروا مِنْهُ على طرف مُخْتَصر، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيث مُحَمَّد بن غَالب عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وَوَقع فِي آخِره: رَوَاهُ البُخَارِيّ، قَالَ: قَالَ عبد الله بن مسلمة، وأسنده الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق يُونُس عَن ابْن وهب عَن مَالك، وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة. قَوْله: (فُلَانَة) ، غير منصرف، وَاسْمهَا: حولاء، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وبالمد. وَكَانَت عطارة. قَوْله: (اللَّيْل) نصب على الظَّرْفِيَّة، ويروى: (بِاللَّيْلِ) أَي: فِي اللَّيْل. قَوْله: (فَذكر) ، بفاء الْعَطف، و: ذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بِصِيغَة الْمَعْلُوم من الْمُضَارع، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ على صِيغَة الْمَجْهُول للمذكر من الْمُضَارع، وَلكُل وَاحِد مِنْهَا وَجه، فرواية الْمُسْتَمْلِي من قَول عُرْوَة أَو من دونه، وَفِي رِوَايَة الآخرين يحْتَمل أَن يكون من كَلَام عَائِشَة، وعَلى كل حَال هُوَ تَفْسِير لقولها: (لَا تنام اللَّيْل) . قَوْله: (مَه) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء، وَمَعْنَاهُ: أكفف،. قَوْله: (عَلَيْكُم) ، اسْم فعل مَعْنَاهُ: الزموا. قَوْله: (مَا تطيقون) ، مَرْفُوع أَو مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (الْأَعْمَال) عَام فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا، وَحمله الْبَاجِيّ وَغَيره على الصَّلَاة خَاصَّة، لِأَن الحَدِيث ورد فِيهَا، وَحمله على الْعُمُوم أولى. لِأَن الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ. قَوْله: (لَا يمل) ، بِفَتْح الْمِيم: أَي لَا يتْرك الثَّوَاب حَتَّى تتركوا الْعَمَل بالملل، وَهُوَ من بَاب المشاكلة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب الْمَذْكُور مُسْتَوفى. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الاقتصاد فِي الْعِبَادَة والحث عَلَيْهِ. وَفِيه: النَّهْي عَن التعمق. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تغلوا فِي دينكُمْ﴾ (النِّسَاء: ١٧١، الْمَائِدَة: ٧٧) . وَالله أرْحم بِالْعَبدِ من نَفسه وَإِنَّمَا كره التَّشْدِيد فِي الْعِبَادَة خشيَة الفتور، والملالة. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٨٢) . وَقَالَ: ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ (الْحَج: ٨٧) . وَفِيه: مدح الشَّخْص بِالْعَمَلِ الصَّالح. ٩١ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ تَرْكِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ كَانَ يَقُومُهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة ترك قيام اللَّيْل، وَهُوَ الصَّلَاة فِيهِ لمن كَانَ لَهُ عَادَة بِالْقيامِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يشْعر بِالْإِعْرَاضِ عَن الْعِبَادَة. ٢٥١١ - حدَّثنا عَبَّاسُ بنُ الحُسَيْنِ قَالَ حدَّثَنَا مُبَشِّرٌ عنِ الأَوْزَاعِيِّ ح وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ

стр. 2079

مُقَاتِلٍ أبُو الحَسَنِ قَالَ أخبرناعَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرحْمانِ قَالَ حدَّثنِي عَبْدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ لي رسولُ الله ﷺ يَا عَبْدَ الله لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (يَا عبد الله لَا تكن مثل فلَان. .) إِلَى آخِره. ذكر رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة: الأول: عَبَّاس، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة وبالسين الْمُهْملَة: ابْن الْحُسَيْن، بِالتَّصْغِيرِ: أَبُو الْفضل الْبَغْدَادِيّ الْقَنْطَرِي، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: مُبشر، بِلَفْظ إسم الْفَاعِل، ضد الْمُنْذر ابْن إِسْمَاعِيل الْحلَبِي، مَاتَ سنة مِائَتَيْنِ. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن الْمروزِي المجاور بِمَكَّة. الْخَامِس: عبد الله بن الْمُبَارك. السَّادِس: يحيى بن أبي كثير. السَّابِع: أَبُو سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّامِن: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: إسنادان أَحدهمَا عَن عَبَّاس وَالْآخر عَن مُحَمَّد بن مقَاتل. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: فِي سِيَاق عبد الله التَّصْرِيح بِالْحَدِيثِ فِي جَمِيع الْإِسْنَاد فَحصل الْأَمْن من تَدْلِيس الْأَوْزَاعِيّ وَشَيْخه. وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه عَبَّاس بغدادي، ومبشر حَلَبِيّ، وَالْأَوْزَاعِيّ شَامي، وَمُحَمّد بن مقَاتل وَشَيْخه عبد الله مروزيان وَيحيى بن أبي كثير يمامي وطائي، وَاسم أبي كثير: صَالح، وَقيل: دِينَار، وَقيل غير ذَلِك، وَأَبُو سَلمَة مدنِي. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ أخرج عَن عَبَّاس ابْن الْحُسَيْن هُنَا وَفِي الْجِهَاد فَقَط. وَفِيه: أَن شَيْخه مُحَمَّد بن مقَاتل من أَفْرَاد البُخَارِيّ. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْدِيّ عَن عَمْرو بن أبي سَلمَة بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ، وَعَن الْحَارِث بن أَسد عَن بشر بن بكر عَن الْأَوْزَاعِيّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مثل فلَان) ، لم يدر من هُوَ، وَالظَّاهِر أَن الْإِبْهَام من أحد الروَاة. وَقَالَ بَعضهم: وَكَانَ إِبْهَام مثل هَذَا لقصد السّتْر عَلَيْهِ، وَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ لم يقْصد شَيخا معينا، وَإِنَّمَا أَرَادَ تنفير عبد الله بن عَمْرو من الصَّنِيع الْمَذْكُور. قلت: كل ذَلِك غير موجه. أما قَوْله: السّتْر عَلَيْهِ، فَغير سديد، لِأَن قيام اللَّيْل لم يكن فرضا على فلَان الْمَذْكُور، فَلَا يكون بِتَرْكِهِ عَاصِيا حَتَّى يستر عَلَيْهِ. وَأما قَوْله: وَيحْتَمل إِلَى آخِره، فأبعد من الأول على مَا لَا يخفى، لِأَن الشَّخْص إِذا لم يكن معينا كَيفَ ينفر غَيره من صَنِيعه؟ وَأما قَوْله: أَرَادَ تنفير عبد الله، فَكَانَ الْأَحْسَن فِيهِ أَن يُقَال: أَرَادَ ترغيب عبد الله فِي قيام اللَّيْل حَتَّى لَا يكون مثل من كَانَ قَائِما مِنْهُ ثمَّ تَركه. قَوْله: (من اللَّيْل) ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين لفظ: من، مَوْجُودا، بل اللَّفْظ: كَانَ يقوم اللَّيْل، أَي: فِي اللَّيْل، وَالْمرَاد فِي جُزْء من أَجْزَائِهِ فَتكون: من، بِمَعْنى: فِي، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة﴾ (الْجُمُعَة: ٩) . أَي: فِي يَوْم الْجُمُعَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن قيام اللَّيْل لَيْسَ بِوَاجِب، إِذْ لَو كَانَ وَاجِبا لم يكتف لتاركه بِهَذَا الْقدر، بل كَانَ يذمه أبلغ الذَّم، وَقَالَ ابْن حبَان: فِيهِ جَوَاز ذكر الشَّخْص بِمَا فِيهِ من عيب إِذا قصد بذلك التحذير من صَنِيعه. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الدَّوَام على مَا اعتاده الْمَرْء من الْخَيْر من غير تَفْرِيط. وَفِيه: الْإِشَارَة إِلَى كَرَاهَة قطع الْعِبَادَة وَإِن لم تكن وَاجِبَة. وَقَالَ هِشَامٌ حدَّثنا ابنُ أبي العِشْرِين قَالَ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيى عنْ عُمَرَ بنِ الحَكَمِ بنِ ثَوْبَانَ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ بِهاذا مِثْلَهُ هِشَام: هُوَ ابْن عمار الدِّمَشْقِي الْحَافِظ، خطيب دمشق، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَاسم ابْن أبي الْعشْرين: عبد الحميد بن حبيب ضد الْعَدو كَاتب الْأَوْزَاعِيّ، كنيته أَبُو سعيد الدِّمَشْقِي ثمَّ الْبَيْرُوتِي، وَقد تكلم فِيهِ غير وَاحِد. وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير الْمَذْكُور فِي السَّنَد الأول، وَعمر بن الحكم، بِفَتْح الْكَاف: ابْن ثَوْبَان، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون

стр. 2080

الْوَاو وبالباء الْمُوَحدَة وبالنون: الْحِجَازِي الْمدنِي مَاتَ سنة سبع عشرَة وَمِائَة، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن أبي حسان وَمُحَمّد بن مُحَمَّد، قَالَا: حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا عبد الحميد بن أبي الْعشْرين حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ فَذكره، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : ومتابعة هِشَام أسندها الْإِسْمَاعِيلِيّ. قلت: لَيْسَ هَذَا بمتابعة، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيق كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَفَائِدَته التَّنْبِيه على أَن زِيَادَة عمر بن الحكم بن ثَوْبَان بن يحيى وَأبي سَلمَة من الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد لِأَن يحيى قد صرح بِسَمَاعِهِ من أبي سَلمَة وَلَو كَانَ بَينهمَا وَاسِطَة لم يُصَرح بِالتَّحْدِيثِ. قَوْله: (بِهَذَا مثله) ، هَذَا رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: بِهَذَا، فَقَط. وَتَابَعَهُ عَمْرُو بنُ أبِي سَلَمَةَ عنِ الأَوْزَاعِيِّ أَي: تَابع ابْن أبي الْعشْرين على زِيَادَة عمر بن الحكم عَمْرو بن أبي سَلمَة، بِفَتْح اللَّام: أَبُو حَفْص الشَّامي، توفّي سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة مُسلم عَن أَحْمد بن يُوسُف بن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ، قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بن أبي سَلمَة عَن الْأَوْزَاعِيّ قِرَاءَة، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن أبي كثير عَن ابْن الحكم بن ثَوْبَان، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن عبد الله ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يَا عبد الله لَا تكن مثل فلَان، كَانَ يقوم اللَّيْل، فَترك قيام اللَّيْل. ٠٢ - (بابٌ) هَكَذَا وَقع لفظ: بَاب، بِغَيْر تَرْجَمَة، وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْفَصْل من الْبَاب الَّذِي قبله، وَقد جرت عَادَة المصنفين أَن يكتبوا بَابا فِي حكم من الْأَحْكَام ثمَّ يكتبوا عَقِيبه فصل فيريدوا بِهِ انْفِصَال هَذَا الحكم عَمَّا قبله، وَلكنه مُتَعَلق بِهِ فِي نفس الْأَمر. ٣٥١١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍ وعنْ أبِي العَبَّاسِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ لي النبيُّ ﷺ ألَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ قُلْتُ إنِّي أفْعلُ ذالِكَ قَالَ فإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذالِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ وَإنَّ لِنَفْسِكَ حقَّا وَلأِهْلِكَ حَقّا فَصُمْ وَأفْطِرْ وَقُمْ ونَمْ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ أمره ﷺ بِالصَّوْمِ والإفطار وَالْقِيَام وَالنَّوْم، وَلَا شكّ أَنه يَقْتَضِي ترك التَّشْدِيد فِي ذَلِك. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: أَبُو الْعَبَّاس اسْمه السَّائِب، بِالسِّين الْمُهْملَة: ابْن فروخ، بِفَتْح الْفَاء وَضم الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالخاء الْمُعْجَمَة: الشَّاعِر الْأَعْمَى. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن سُفْيَان وعمرا وَأَبا الْعَبَّاس مكيون، وَفِيه: عَمْرو عَن أبي الْعَبَّاس، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي، فِي (مُسْنده) : عَن سُفْيَان حَدثنَا عَمْرو سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن خَلاد بن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن سُفْيَان نَحْو حَدِيث عَليّ وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن أبي كريب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع وَفِي بعض النّسخ عَن قُتَيْبَة بدل هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن الْحسن الدرهمي وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن إِبْرَاهِيم بن الْحسن وَعَن مُحَمَّد بن عبيد الله وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد بالقصة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ألم أخبر؟) الْهمزَة للاستفهام، وَلكنه خرج من الِاسْتِفْهَام الْحَقِيقِيّ، فَمَعْنَاه هُنَا حمل الْمُخَاطب على

стр. 2081

الْإِقْرَار بِأَمْر قد اسْتَقر عِنْده ثُبُوته. وَقَوله: (أُخبر) على صِيغَة الْمَجْهُول لنَفس الْمُتَكَلّم وَحده. قَوْله: (أَنَّك) بِفَتْح الْهمزَة لِأَنَّهُ مفعول ثَان للإخبار. قَوْله: (اللَّيْل) مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة، وَكَذَلِكَ: النَّهَار. قَوْله: (هجمت) ، بِفَتْح الْجِيم أَي: غارت أَو ضعف بصرها لِكَثْرَة السهر. قَوْله: (ونفهت) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْفَاء أَي: كلت وأعيت، وَقَيده الشَّيْخ قطب الدّين بِفَتْح الْفَاء، وَحكى الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن أَبَا يعلى رَوَاهُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بدل النُّون، وَقَالَ: إِنَّه ضَعِيف، وَزَاد الدَّاودِيّ بعد قَوْله: (هجمت عَيْنك وَنحل جسمك ونفهت نَفسك) . قَوْله: (وَإِن لنَفسك حَقًا) يَعْنِي: مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الضرورات البشرية مِمَّا أَبَاحَهُ الله إِلَى الْإِنْسَان من الْأكل وَالشرب والراحة الَّتِي يقوم بهَا بدنه لتَكون أعون على عبَادَة ربه. قَوْله: (ولأهلك حَقًا) يَعْنِي من النّظر لَهُم فِيمَا لَا بُد لَهُم من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَالْمرَاد من الْأَهْل الزَّوْجَة أَو أَعم من ذَلِك مِمَّن تلْزمهُ نَفَقَته، وَسَيَأْتِي فِي الصّيام زِيَادَة فِيهِ من وَجه آخر نَحْو قَوْله: (وَإِن لعينك عَلَيْك حَقًا) . وَفِي رِوَايَة: (فَإِن لزورك عَلَيْك حَقًا) ، المُرَاد من الزُّور: الضَّيْف. قَوْله: (حَقًا) فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالنّصب لِأَنَّهُ اسْم: (إِن) ، وَخَبره مقدم عَلَيْهِ، وَهُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بِالرَّفْع فيهمَا، وَوَجهه أَن يكون: (حق) ، مَرْفُوعا على الِابْتِدَاء. وَقَوله: (لنَفسك) مقدما خَبره، وَالْجُمْلَة خبر إِن، وَاسم إِن ضمير الشَّأْن محذوفا، تَقْدِيره: إِن الشَّأْن لنَفسك حق، وَنَظِيره قَوْله ﷺ : (إِن من أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقيام المصورون) ، الأَصْل إِنَّه أَي: إِن الشَّأْن. قَوْله: (فَصم وَأفْطر) أَي: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَصم فِي بعض الْأَيَّام وَأفْطر فِي بَعْضهَا، وَكَانَ هَذَا إِشَارَة إِلَى صَوْم دَاوُد ﷺ . قَوْله: (وقم) : بِضَم الْقَاف أَمر من: قَامَ بِاللَّيْلِ. لأجل الْعِبَادَة أَي: فِي بعض اللَّيْل، أَو فِي بعض اللَّيَالِي. قَوْله: (ونم) ، بِفَتْح النُّون أَمر من النّوم أَي: فِي بعض اللَّيْل، وَهَذَا كُله أَمر ندب وإرشاد. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز تحديث الْمَرْء بِمَا عزم عَلَيْهِ من فعل الْخَيْر. وَفِيه: تفقد الإِمَام أُمُور رَعيته كلياتها وجرئياتها، وتعليمهم مَا يصلحهم. وَفِيه: تَعْلِيل الحكم لمن فِيهِ أَهْلِيَّة ذَلِك. وَفِيه: أَن الأولى فِي الْعِبَادَات تَقْدِيم الْوَاجِبَات على المندوبات. وَفِيه: أَن من تكلّف الزِّيَادَة وَتحمل الْمَشَقَّة على مَا طبع عَلَيْهِ يَقع لَهُ الْخلَل فِي الْغَالِب، وَرُبمَا يغلب ويعجز. وَفِيه: الحض على مُلَازمَة الْعِبَادَة من غير تحمل الْمَشَقَّة المؤدية إِلَى التّرْك، لِأَنَّهُ ﷺ مَعَ كراهيته التَّشْدِيد لعبد الله بن عَمْرو على نَفسه حض على الاقتصاد فِي الْعِبَادَة، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: إجمع بَين المصلحتين فَلَا تتْرك حق الْعِبَادَة وَلَا الْمَنْدُوب بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا تضيع حق نَفسك وَأهْلك وزورك. ١٢ - (بابُ فَضْلِ منْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من تعار، وتعار، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْعين الْمُهْملَة وَبعد الْألف رَاء مُشَدّدَة، وَأَصله: تعارر، لِأَنَّهُ على وزن: تفَاعل، وَلما اجْتمعت الرآن ادغمت إِحْدَاهمَا فِي الْأُخْرَى. وَقَالَ ابْن سَيّده: عر الظليم يعر عرارا، وعار معارة وعرارا: صَاح، والتعار: السهر والتقلب على الْفراش لَيْلًا مَعَ كَلَام. وَفِي (الموعب) : يُقَال مِنْهُ: تعار يتعار، وَيُقَال: لَا يكون ذَلِك إلَاّ مَعَ كَلَام وَصَوت، وَقَالَ ابْن التِّين: ظَاهر الحَدِيث أَن تعار: اسْتَيْقَظَ، لِأَنَّهُ قَالَ: (من تعار فَقَالَ) ، فعطف القَوْل بِالْفَاءِ على تعار، وَقيل: تعار تقلب فِي فرَاشه، وَلَا يكون إلَاّ يقظة مَعَ كَلَام يرفع بِهِ صَوته عِنْد انتباهه وتمطيه، وَقيل: الأنين عِنْد التمطي بأثر الانتباه، وَعَن ثَعْلَب: اخْتلف النَّاس فِي تعار، فَقَالَ قوم: انتبه، وَقَالَ قوم: تكلم، وَقَالَ قوم: علم، وَقَالَ بَعضهم: تمطى وَأَن. ٤٥١١ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ قَالَ أخبرنَا الوَلِيدُ عنِ الأوزَاعِيِّ قَالَ حدَّثني عُمَيْرُ بنُ هانِىءٍ قَالَ حدَّثني جُنَادةُ بنُ أبِي أُمَيَّةَ قَالَ حدَّثني عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ منْ تعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ لَا إِلَه إلَاّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ الحَمْدُ لله وسُبْحَانَ الله وَلَا إلاهَ إلَاّ الله وَالله أكْبَرُ ولَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَاّ بِالله ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فإنْ تَوَضَّأ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهَا جُزْء مِنْهُ. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث إِلَّا الْقبُول، والترجمة فِي فضل الصَّلَاة قلت: إِذا قبلت يثبت

стр. 2082

لَهَا الْفضل. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: صَدَقَة بن الْفضل أَبُو الْفضل الْمروزِي، مر فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم أَبُو الْعَبَّاس الْقرشِي الدِّمَشْقِي، مر فِي الصَّلَاة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع: عُمَيْر، بِالتَّصْغِيرِ، ابْن هانىء، بالنُّون بَين الْألف والهمزة: الدِّمَشْقِي الْعَبْسِي، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عَليّ بن حجر، قَالَ: حَدثنَا مسلمة بن عَمْرو، قَالَ: كَانَ عُمَيْر بن هانىء يُصَلِّي كل يَوْم ألف سَجْدَة، ويسبح كل يَوْم مئة ألف تَسْبِيحَة، قتل سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة. الْخَامِس: جُنَادَة، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف النُّون: ابْن أبي أُميَّة الْأَزْدِيّ ثمَّ الزهْرَانِي، وَيُقَال: الدوسي، أَبُو عبد الله الشَّامي، وَاسم أبي أُميَّة: كثير، وَقَالَ خَليفَة: إسمه مَالك، لَهُ ولأبيه صُحْبَة، وَيُقَال: لَا صُحْبَة لَهُ، وَقَالَ الْعجلِيّ: شَامي تَابِعِيّ ثِقَة من كبار التَّابِعين، سكن الْأُرْدُن. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ سنة ثَمَانِينَ، وَكَذَا قَالَ خَليفَة. السَّادِس: عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم شَامِيُّونَ، غير أَن شَيْخه مروزي. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ على قَول من يَقُول بِصُحْبَة جُنَادَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ على قَول من يَقُول: لَا صُحْبَة لجنادة. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الدِّمَشْقِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن مصفى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رزمة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدُّعَاء عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير) روى عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ فِيهِ: إِنَّه (خير مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي) وروى عَنهُ أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ: (من قَالَ ذَلِك فِي يَوْم مائَة مرّة كَانَت لَهُ عدل عشر رِقَاب، وكتبت لَهُ مائَة حَسَنَة، ومحيت عَنهُ مائَة سَيِّئَة، وَكَانَت لَهُ حرْزا من الشَّيْطَان يَوْمه ذَلِك حَتَّى يُمْسِي وَلم يَأْتِ أحد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ إلَاّ أحد عمل أَكثر من عمله ذَلِك) . قَوْله: (الْحَمد ﷺ وَسُبْحَان الله) زَاد فِي رِوَايَة كَرِيمَة: (وَلَا إِلَه إِلَّا الله) ، وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَلم تخْتَلف الرِّوَايَات فِي البُخَارِيّ على تَقْدِيم الْحَمد على التَّسْبِيح، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ على الْعَكْس، وَالظَّاهِر أَنه من تصرف الروَاة. وَأخرج مَالك عَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: (الْبَاقِيَات الصَّالِحَات) ، قَول العَبْد ذَلِك بِزِيَادَة: (لَا إِلَه إِلَّا الله) وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: (هن) : (سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر) جعلهَا أَرْبعا. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لي أَو دَعَا) كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ، وَيحْتَمل أَن تكون كلمة: أَو، للتنويع، وَلَكِن يعضد الْوَجْه الأول مَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظ: (ثمَّ قَالَ: رب اغْفِر لي غفر لَهُ، أَو قَالَ: فَدَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ) ، شكّ الْوَلِيد بن مُسلم. قَوْله: (اسْتُجِيبَ لَهُ) كَذَا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِزِيَادَة: لَهُ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة غَيره لفظ: لَهُ. قَوْله: (فَإِن تَوَضَّأ قبل صلَاته تَقْدِيره فَإِن تَوَضَّأ وَصلى قبلت صلَاته، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت: (فَإِن تَوَضَّأ وَصلى) ، وَكَذَا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَزَاد فِي أَوله: (فَإِن هُوَ عزم فَقُمْ فَتَوَضَّأ وَصلى) ، وَقَالَ ابْن بطال: وعد الله تَعَالَى على لِسَان نبيه ﷺ : أَن من اسْتَيْقَظَ من نَومه لهجا لِسَانه بتوحيد الله والإذعان لَهُ بِالْملكِ وَالِاعْتِرَاف بنعمته يحمده عَلَيْهَا وينزهه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ بتسبيحه والخضوع لَهُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيم لَهُ بِالْعَجزِ عَن الْقُدْرَة إِلَّا بعونه أَنه إِذا دَعَاهُ أَجَابَهُ، وَإِذا صلى قبلت صلَاته، فَيَنْبَغِي لمن بلغه هَذَا الحَدِيث أَن يغتنم بِهِ الْعَمَل ويخلص نِيَّته لرَبه تَعَالَى. ٥٥١١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي الهَيْثَمُ ابنُ أبي سِنَانٍ أَنه سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَهْوَ يَقُصُّ فِي قَصَصِهِ وَهْوَ يَذْكُرُ رسولَ الله ﷺ إنَّ أخَا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ يَعْنِي بِذالِكَ عَبْدَ الله بنَ رَوَاحَةَ (وَفِينَا رَسُولُ الله يَتْلُو كِتَابَهُ ... إذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ ساطِعٌ) (أرَانَا الهُداي بَعْدَ العَماى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أنَّ مَا قَالَ واقعُ) (يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عنْ فِرَاشِهِ ... إذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ) (الحَدِيث ٥٥١١ طرفه فِي: ١٥١٦) .

стр. 2083

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ((يبيت يُجَافِي جنبه عَن فرَاشه)) لِأَن مجافاة جنبه عَن الْفراش وَهُوَ إبعاده عَنهُ بِسَبَب التعار، وَكَانَ ذَلِك إِمَّا للصَّلَاة وَإِمَّا للذّكر وَقِرَاءَة الْقُرْآن. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن بكير هُوَ يحيى ابْن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: الْهَيْثَم، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره مِيم: ابْن أبي سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالنونين بَينهمَا ألف. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن يحيى وَاللَّيْث مصريان وَيُونُس أيلي وَابْن شهَاب والهيثم مدنيان. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى جده. وَفِيه: أَن الْهَيْثَم من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن اصبغ بن الْفرج. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهُوَ يقص) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، أَي: الْهَيْثَم سمع أَبَا هُرَيْرَة حَال كَونه يقص، من قصّ يقص قصا وقصصا، بِفَتْح الْقَاف، والقص فِي اللُّغَة: الْبَيَان، والقاص هُوَ الَّذِي يذكر الْأَخْبَار والحكايات. قَوْله: (فِي قصصه) ، بِكَسْر الْقَاف جمع: قصَّة، وَيجوز الْفَتْح، وَالْمعْنَى: سمع الْهَيْثَم أَبَا هُرَيْرَة وَهُوَ يقص فِي جملَة قصصه أَي: مواعظه، الَّتِي كَانَ يذكر بهَا أَصْحَابه، وَيتَعَلَّق الْجَار وَالْمَجْرُور بقوله: (سمع) . قَوْله: (وَهُوَ يذكر) ، جملَة حَالية أَيْضا أَي: وَالْحَال أَن أَبَا هُرَيْرَة يذكر رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (إِن أَخا لكم) الْقَائِل لهَذَا هُوَ رَسُول الله ﷺ ، وَالْمعْنَى: أَن الْهَيْثَم سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول وَهُوَ يعظ، وانجر كَلَامه إِلَى أَن ذكر رَسُول الله ﷺ وَذكر مَا قَالَه من قَوْله ﷺ : (إِن أَخا لكم لَا يَقُول الرَّفَث) ، أَي: الْبَاطِل من القَوْل وَالْفُحْش، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك حِين أنْشد عبد الرَّحْمَن بن رَوَاحَة الإبيات الْمَذْكُورَة، فَدلَّ ذَلِك أَن حسن الشّعْر مَحْمُود كحسن الْكَلَام، فَظهر من ذَلِك أَن قَوْله ﷺ : (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا حَتَّى يرِيه خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الشّعْر الَّذِي فِيهِ الْبَاطِل والهجو من القَوْل لِأَنَّهُ ﷺ قد نفى عَن ابْن رَوَاحَة بقوله هَذِه الأبيات قَول الرَّفَث، فَإِذا لم يكن من الرَّفَث فَهُوَ فِي حيّز الْحق، وَالْحق مَرْغُوب فِيهِ مأجور عَلَيْهِ صَاحبه، وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ فِي سِيَاق الحَدِيث مَا يشْعر بِأَن ذَلِك من قَوْله ﷺ ، بل هُوَ ظَاهر أَنه كَلَام أبي هُرَيْرَة قلت: الَّذِي يسْتَخْرج المُرَاد من معنى التَّرْكِيب على وفْق مَا يَقْتَضِيهِ من حَيْثُ الْإِعْرَاب يعلم أَن الْقَائِل هُوَ النَّبِي ﷺ ، وَأَبُو هُرَيْرَة ناقل لَهُ، وَأَنه مدح من النَّبِي ﷺ لِابْنِ رَوَاحَة، وَبَيَان: أَن من الشّعْر مَا هُوَ حسن وَإِن كل الشّعْر لَيْسَ بمذموم. قَوْله: (يَعْنِي بذلك) يَعْنِي: يُرِيد بقوله: (إِن أَخا لكم عبد الله ابْن رَوَاحَة) ، وَقَائِل هَذَا التَّفْسِير يحْتَمل أَن يكون الْهَيْثَم، وَيحْتَمل أَن يكون الزُّهْرِيّ، وَالْأول أوجه، وَعبد الله بن رَوَاحَة، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْوَاو وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن ثَعْلَبَة بن امرىء الْقَيْس بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ الخزرجي، من بني الْحَارِث، يكنى أَبَا مُحَمَّد، وَيُقَال: أَبَا رَوَاحَة، وَيُقَال: أَبَا عَمْرو، وَكَانَ بَقِيَّة بني الْحَارِث من الْخَزْرَج، شهد بَدْرًا وأحدا وَسَائِر الْمشَاهد مَعَ رَسُول لله ﷺ إلَاّ الْفَتْح وَمَا بعده لِأَنَّهُ قتل قبله، وَهُوَ أحد الْأُمَرَاء فِي غَزْوَة مُؤْتَة، وَكَانَ سنة ثَمَان من الْهِجْرَة، وَاسْتشْهدَ فِيهَا. قَوْله: (وَفينَا رَسُول الله. .) إِلَى آخِره، بَيَان لما قَالَه عبد الله بن رَوَاحَة، وَالْمَذْكُور هُنَا ثَلَاثَة أَبْيَات، وَهِي من الطَّوِيل، وأجزاؤه ثَمَانِيَة: وَهِي: فعولن مفاعيلن. . إِلَى آخِره. (وَفينَا) أَي: بَيْننَا رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (يَتْلُو كِتَابه) أَرَادَ بِهِ الْقُرْآن، وَالْجُمْلَة حَالية. قَوْله: (إِذا انْشَقَّ) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: (كَمَا انْشَقَّ) . قَوْله: (مَعْرُوف) فَاعل (انْشَقَّ) . قَوْله: (سَاطِع) صفة: لمعروف (وَمن الْفجْر) بَيَان لَهُ، وَهُوَ من سَطَعَ الصُّبْح إِذا ارْتَفع، وَكَذَا سطعت الرَّائِحَة وَالْغُبَار، وَأَرَادَ بِهِ أَنه يَتْلُو كتاب الله وَقت انْشِقَاق الْوَقْت الساطع من الْفجْر. قَوْله: (الْهدى) مفعول ثَان. (لأرانا) . قَوْله: (بعد الْعَمى) ، أَي: بعد الضَّلَالَة، وَلَفظ الْعَمى مستعار مِنْهَا. قَوْله: (بِهِ) أَي: بِالنَّبِيِّ ﷺ . قَوْله: (يُجَافِي) أَي: يباعد، وَهِي جملَة حَالية، ومجافاته جنبه عَن الْفراش كِنَايَة عَن صلَاته بِاللَّيْلِ. قَوْله: (إِذا استثقلت) أَي: حِين استثقلت بالمشركين (الْمضَاجِع) جمع مَضْجَع، وَكَأَنَّهُ لمح بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع يدعونَ رَبهم خوفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ﴾ (السَّجْدَة: ٦١) . قَوْله: (تَتَجَافَى) (السَّجْدَة: ٦١) . أَي: ترْتَفع وتتنحى ﴿عَن الْمضَاجِع﴾ (السَّجْدَة: ٦١) . عَن الْفرش ومواضع النّوم ﴿يدعونَ رَبهم﴾ (السَّجْدَة: ٦١) . أَي: داعين رَبهم عابدين لَهُ لأجل خوفهم من سخطه

стр. 2084

وطمعهم فِي رَحمته. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: ﴿تَتَجَافَى جنُوبهم﴾ (السَّجْدَة: ٦١) . لذكر الله كلما استيقظوا ذكرُوا الله إِمَّا فِي الصَّلَاة وَإِمَّا فِي قيام أَو قعُود وعَلى جنُوبهم فهم لَا يزالون يذكرُونَ الله، وَعَن مَالك بن دِينَار: سَأَلت أنسا عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جنُوبهم﴾ (السَّجْدَة:) . فَقَالَ أنس: كَانَ أنَاس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يصلونَ من صَلَاة الْمغرب إِلَى صَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة، فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع﴾ (السَّجْدَة: ٦١) . وَعَن أبي الدَّرْدَاء وَالضَّحَّاك أَنَّهَا صَلَاة الْعشَاء وَالصُّبْح فِي جمَاعَة. قَوْله: ﴿يُنْفقُونَ﴾ (السَّجْدَة: ٦١) . أَي: يتصدقون، وَقيل: يزكون. تابَعَهُ عُقَيْلٌ أَي: تَابع يُونُس عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَفِي رِوَايَة ابْن شهَاب: عَن الْهَيْثَم، وَرِوَايَة عقيل هَذِه أخرجهَا الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من طَرِيق سَلامَة بن روح عَن عَمه عقيل بن خَالِد عَن ابْن شهَاب، فَذكر مثل رِوَايَة يُونُس. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبرنِي الزُّهْرِيُّ عنْ سَعِيدٍ وَالأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الزبيدِيّ، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الدَّال الْمُهْملَة: هُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد الْحِمصِي. وَالزهْرِيّ: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم. وَسَعِيد هُوَ ابْن الْمسيب. والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى أَن فِي الْإِسْنَاد الْمَذْكُور اخْتِلَافا عَن الزُّهْرِيّ فَإِن يُونُس وعقيلاً اتفقَا على أَن شيخ الزُّهْرِيّ فِيهِ هُوَ الْهَيْثَم ابْن أبي سِنَان وَخَالَفَهُمَا الزبيدِيّ حَيْثُ جعل شيخ الزُّهْرِيّ فِيهِ سعيد بن الْمسيب وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، فَالطَّرِيقَانِ صَحِيحَانِ، لِأَن كلهم حفاظ ثِقَات، وَلَكِن الطَّرِيق الأول أرجح لمتابعة عقيل ليونس، بِخِلَاف طَرِيق الزبيدِيّ. قَوْله: (وَقَالَ الزبيدِيّ) مُعَلّق، وَصله البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الصَّغِير) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) أَيْضا من طَرِيق عبد الله بن سَالم الْحِمصِي عَنهُ، وَلَفظه (أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَقُول فِي قصصه: إِن أَخَاكُم كَانَ يَقُول شعرًا لَيْسَ بالرفث، وَهُوَ عبد الله بن رَوَاحَة. .) فَذكر الأبيات، قَالَ بَعضهم: هُوَ يبين أَن قَوْله فِي الرِّوَايَة الأولى من كَلَام أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا بِخِلَاف مَا جزم بِهِ ابْن بطال. قلت: يحْتَمل أَن أَبَا هُرَيْرَة لما كَانَ فِي أثْنَاء وعظه أجْرى ذكر مَا قَالَه ﷺ فِي مدح عبد الله بن رَوَاحَة، وَلكنه طوى إِسْنَاده إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَكَثِيرًا مَا كَانَت الصَّحَابَة يَفْعَلُونَ هَكَذَا، فَمثل هَذَا، وَإِن كَانَ مَوْقُوفا فِي الصُّورَة، فَفِي الْحَقِيقَة هُوَ مَوْصُول. ٦٥١١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ رَأيْتُ عَلَى عَهْدِ النبيِّ ﷺ كأنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إسْتَبْرَقٍ فكأنِّي لَا أرِيدِ مَكانا مِنَ الجَنَّةِ إلَاّ طارَتْ إلَيْهِ وَرَأيْتُ كأنَّ اثنَيْنِ أتَيَانِي أرَادَا أنْ يَذْهَبَا بِي إلَى النَّارَ فتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فقالَ لَمْ تُرَعْ خَلِّيَا عَنْهُ. فقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النبيِّ ﷺ إحْدَى رُؤْيَايَ فَقالَ النبيُّ ﷺ نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ الله لَوْ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. وكانُ عبد الله ﵁ يُصَلِّي من اللَّيْل لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الرُّؤيَا أنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ فَقالَ النبيُّ ﷺ أرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَتْ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ فَمَنْ كانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَكَانَ عبد الله يُصَلِّي من اللَّيْل) ، وَكَانَت صلَاته غَالِبا بعد أَن تعار من اللَّيْل، فَهَذَا عين التَّرْجَمَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن مُعلى بن أَسد عَن وهيب. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن خلف بن هِشَام وَأبي الرّبيع الزهْرَانِي وَأبي كَامِل الجحدري، ثَلَاثَتهمْ عَن حَمَّاد، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن أَحْمد بن منيع عَن إِسْمَاعِيل بن علية. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن أَحْمد بن عبد الله وَعَن الْحَارِث بن عُمَيْر، أربعتهم عَنهُ بِهِ.

стр. 2085

قَوْله: (استبرق) ، بِفَتْح الْهمزَة، وَهُوَ الديباج الغليظ فَارسي مُعرب. قَوْله: (طارت إِلَيْهِ) وَفِي التَّعْبِير بِلَفْظ: (إلَاّ طارت بِي إِلَيْهِ) ، قَوْله: (كَأَن اثْنَيْنِ) ، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح النُّون، ويروى: (كَأَن آتيين) على صِيغَة اسْم الْفَاعِل للتثنية من الْإِتْيَان. قَوْله: (يذهبا بِي) من الإذهاب من بَاب الإفعال، ويروى من الذّهاب مُتَعَدٍّ بِحرف الْجَرّ، وَالْفرق بَينهمَا أَنه لَا بُد فِي الثَّانِي من المصاحبة. قَوْله: (لم ترع) مَجْهُول مضارع الروع، أَي: لَا يكون بك خوف. قَوْله: (رُؤْيَايَ) اسْم جنس مُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم، ويروى مثنى مُضَاف إِلَيْهِ مدغم. قَوْله: (فَكَانَ عبد الله يُصَلِّي من اللَّيْل) كَلَام نَافِع. قَوْله: (وَكَانُوا) ، أَي: الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (إِنَّهَا) أَي: لَيْلَة الْقدر. قَوْله: (قد تواطت) هَكَذَا فِي جَمِيع النّسخ، وَأَصله مَهْمُوز أَي: تواطأت، على وزن: تفاعلت، لكنه سهل، وَفِي أصل الدمياطي: تواطأت، بِالْهَمْز وَمَعْنَاهُ: توافقت. قَوْله: (فليتحرها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر) ، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (من الْعشْر الْأَوَاخِر) . ٢٢ - (بابُ المُدَاوَمَةِ فِي رَكْعَتَيْ الفَجْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان المداومة فِي رَكْعَتي صَلَاة الْفجْر سفرا وحضرا. ٩٥١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ ابنُ أبِي أيُّوبَ قَالَ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عِرَاكِ بنِ مالِكٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ عَائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ صَلَّى النبيُّ ﷺ العِشَاءُ ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ وَرَكْعَتَيْنِ جالِسا ورَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ ولَمْ يَكُنْ يَدَعْهُمَا أبَدا. (أنظر الحَدِيث ٩١١) . مطابقته فِي قَوْله: (وَلم يكن يدعهما أبدا) . فَافْهَم. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن يزِيد، من الزِّيَادَة، أَبُو عبد الرَّحْمَن، مر فِي: بَاب بَين كل أذانين صَلَاة. الثَّانِي: سعيد بن أبي أَيُّوب، وَاسم أبي أَيُّوب مِقْلَاص، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وبالصاد الْمُهْملَة: مَاتَ سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة. الثَّالِث: جَعْفَر بن ربيعَة بن شُرَحْبِيل الْقرشِي، مَاتَ سنة خمس أَو سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: عرَاك، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالكاف: ابْن مَالك، مر فِي: بَاب الصَّلَاة على الْفراش. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من نَاحيَة الْبَصْرَة سكن مَكَّة وَسَعِيد مصري وجعفر من أهل مصر وعراك وَأَبُو سَلمَة مدنيان. قَوْله: (عَن عرَاك بن مَالك عَن أبي سَلمَة) خَالفه اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب فَرَوَاهُ عَن جَعْفَر بن ربيعَة عَن أبي سَلمَة لم يذكر بَينهمَا أحدا، أخرجه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ، وَكَأن جعفرا أَخذه عَن أبي سَلمَة بِوَاسِطَة ثمَّ حمله عَنهُ وليزيد شيخ البُخَارِيّ إِسْنَاد آخر فِيهِ، رَوَاهُ عَن عرَاك بن مَالك عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أخرجه مُسلم، فَكَانَ لعراك فِيهِ شَيْخَانِ، وَالَّذِي رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق عرَاك، فَقَالَ: حَدثنِي قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا لَيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عرَاك (عَن عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي ثَلَاث عشرَة رَكْعَة بركعتي الْفجْر) . ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن نصر بن الْجَهْضَمِي، وجعفر بن مُسَافر التنيسِي كِلَاهُمَا عَن أبي عبد الرَّحْمَن المقرى بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمقري عَن أَبِيه بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ثمَّ صلى) ، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (وَصلى) ، بواو الْعَطف. قَوْله: (ثَمَان رَكْعَات) ، بِفَتْح النُّون وَهُوَ شَاذ وَفِي أَكثر النّسخ: (ثَمَانِي رَكْعَات) على الأَصْل. قَوْله: (جَالِسا) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (بَين النداءين) أَي: الْأَذَان للصبح وَالْإِقَامَة، وَفِي رِوَايَة اللَّيْث: (ثمَّ يُمْهل حَتَّى يُؤذن بِالْأولَى من الصُّبْح فيركع رَكْعَتَيْنِ) ، وَلمُسلم من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خفيفتين بَين النداء وَالْإِقَامَة من صَلَاة الصُّبْح) . قَوْله: (وَلم يكن يدعهما) ، أَي: لم يكن النَّبِي ﷺ يتْرك رَكْعَتي الصُّبْح اللَّتَيْنِ بَين النداءين، قَوْله: (أبدا) أَي: دَائِما. قيل: انتصابه على الظَّرْفِيَّة بِمَعْنى: دهرا، وَقيل: هُوَ مَوْضُوع على النصب كَمَا فِي طرا وقاطبة.

стр. 2086

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: تَأْكِيد رَكْعَتي الْفجْر وأنهما من أشرف التَّطَوُّع لمواظبته، ﷺ ، عَلَيْهِمَا وملازمته لَهما، وَعند الْمَالِكِيَّة خلاف: هَل هِيَ سنة أَو من الرغائب؟ فَالصَّحِيح عِنْدهم أَنَّهَا سنة، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الْعلمَاء، وَذهب الْحسن الْبَصْرِيّ إِلَى وُجُوبهَا وَهُوَ شَاذ لَا أصل لَهُ، نَقله صَاحب (التَّوْضِيح) فَإِن قلت: الَّذِي ذكرته يدل على الْوُجُوب كَمَا قَالَه الْحسن، وَلِهَذَا ذكر المرغيناني عَن أبي حنيفَة أَنَّهَا وَاجِبَة. وَفِي (جَامع المحبوبي) : روى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: لَو صلى سنة الْفجْر قَاعِدا بِلَا عذر لَا يجوز؟ قلت: إِنَّمَا لم يقل بِوُجُوبِهَا لِأَنَّهُ، ﷺ ، سَاقهَا مَعَ سَائِر السّنَن فِي حَدِيث المثابرة، هَكَذَا قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَيْسَ فِيهِ مَا يشفي العليل، وَقد روى أَحَادِيث كَثِيرَة فِي رَكْعَتي الْفجْر مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا تدعوا رَكْعَتي الفحر وَلَو طردتكم الْخَيل) أَي: الفرسان، وَهَذَا كِنَايَة عَن الْمُبَالغَة وحث عَظِيم على مواظبتهما، وَبِه اسْتدلَّ أَصْحَابنَا أَن الرجل إِذا انْتهى إِلَى الإِمَام فِي صَلَاة الْفجْر وَهُوَ لم يصل رَكْعَتي الْفجْر إِن خشِي أَن تفوته رَكْعَة وَيدْرك الْأُخْرَى يُصَلِّي رَكْعَتي الْفجْر عِنْد بَاب الْمَسْجِد ثمَّ يدْخل، وَلَا يتركهما، وَأما إِذا خشِي فَوت الْفَرْض فَحِينَئِذٍ يدْخل مَعَ الإِمَام وَلَا يُصَلِّي. ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي الْوَقْت الَّذِي يقضيهما فِيهِ، فأظهر أَقْوَال الشَّافِعِي: يقْضِي مُؤَبَّدًا وَلَو بعد الصُّبْح، وَهُوَ قَول عَطاء وطاووس، وَرِوَايَة عَن ابْن عمر وأبى ذَلِك مَالك وَنَقله عَن ابْن بطال عَن أَكثر الْعلمَاء، وَقَالَت طَائِفَة: يقضيهما بعد طُلُوع الشَّمْس، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَرِوَايَة الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي، وَقَالَ مَالك وَمُحَمّد بن الْحسن: يقضيهما بعد الطُّلُوع إِن أحب. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: لَا يقضيهما. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث سعيد بن هِشَام (عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ نَحوه، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث سعيد بن هِشَام (عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي شَأْن الرَّكْعَتَيْنِ عِنْد طُلُوع الْفجْر: لَهما أحب من الدُّنْيَا جَمِيعًا) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي زِيَاد الْكِنْدِيّ (عَن بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه حَدثهُ أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ ليؤذنه بِصَلَاة الْغَدَاة) الحَدِيث، وَفِيه: (أَن بِلَالًا قَالَ لَهُ: أَصبَحت جدا، قَالَ: أَصبَحت جدا؟ قَالَ: لَو أَصبَحت أَكثر مِمَّا أَصبَحت لركعتهما وأحسنتهما وأجملتهما) وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث يسَار مولى ابْن عمر عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا صَلَاة بعد الْفجْر إلَاّ سَجْدَتَيْنِ) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث لَا صَلَاة بعد طُلُوع الْفجْر إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، من رِوَايَة مطر الْوراق عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ (قَالَ: لَا صَلَاة إِذا طلع الْفجْر إلَاّ رَكْعَتَيْنِ) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة زيد بن مُحَمَّد عَن نَافِع عَن ابْن عمر (عَن حَفْصَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، إِذا طلع الْفجْر لَا يُصَلِّي إلَاّ رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة رشيد بن كريب عَن أَبِيه عَن جده (عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله : ﴿وَمن اللَّيْل فسبحه وإدبار النُّجُوم﴾ (الطّور: ٩٤) . قَالَ: رَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ من حَدِيث قيس بن فَهد (رَآهُ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي بعد صَلَاة الْفجْر رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي لم أكن صليت الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قبلهمَا فصليتهما الْآن، فَسكت رَسُول الله ﷺ قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِمُتَّصِل، وَأخرجه ابْن أبي خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَلَفظه: (مَا هَاتَانِ الركعتان؟ قَالَ: يَا رَسُول الله رَكعَتَا الْفجْر لم أكن أصليهما فهما هَاتَانِ. قَالَ: فَسكت عَنهُ) . وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٣٢ - (بابُ الضَّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِّ الفَجْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الضجعة إِلَى آخِره، والضجعة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسرهَا، وَالْفرق بَينهمَا أَن الْكسر يدل على الْهَيْئَة وَالْفَتْح على الْمرة، من: ضجع يضجع ضجعا وضجوعا، إِذا وضع جنبه بِالْأَرْضِ. ٠٦١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي أيُّوبَ قالَ حدَّثني أبُو الأسْوَدِ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النبيُّ ﷺ إذَا صلَّى

стр. 2087

رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَشَيْخه وَشَيخ شَيْخه قد ذكرُوا فِي الْبَاب السَّابِق، وَأَبُو الْأسود، ضد الْأَبْيَض: اسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمَشْهُور بيتيم عُرْوَة مر فِي: بَاب الْجنب يتَوَضَّأ، وَعُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب على أَنْوَاع: الأول: أَن هَذَا الحَدِيث يدل على أَن الِاضْطِجَاع بعد رَكْعَتي الْفجْر، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَنْهَا: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى رَكْعَتي الْفجْر، فَإِن كنت مستيقظة حَدثنِي وإلَاّ اضْطجع) . فَهَذَا يدل على أَنه تَارَة يضطجع قبل، وَتارَة بعد، وَتارَة لَا يضطجع. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي مضى فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْوتر، يدل على أَنه قبلهمَا، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ) ، فَذكره مكررا ثمَّ قَالَ: (ثمَّ أوتر ثمَّ اضْطجع حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذّن فَقَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ خرج فصلى الصُّبْح) وَهَذَا يُصَرح بِأَن اضطجاعه كَانَ قبل رَكْعَتي الْفجْر، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه: كَانَ إِذا صلى رَكْعَتي الْفجْر اضْطجع، والتوفيق بَين هَذِه الرِّوَايَات أَن الرِّوَايَة الَّتِي تدل على أَنه قبل رَكْعَتي الْفجْر لَا تَسْتَلْزِم نَفْيه بعدهمَا، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَة الَّتِي تدل على أَنه بعدهمَا لَا تَسْتَلْزِم نَفْيه قبلهمَا، أَو يحمل تَركه إِيَّاه قبلهمَا أَو بعدهمَا على بَيَان الْجَوَاز إِذا ثَبت التّرْك، وَإِذا أمكن الْجمع بَين الْأَحَادِيث الْمُخَالف بَعْضهَا بَعْضًا فِي الظَّاهِر تحمل على وَجه التَّوْفِيق بَينهمَا، لِأَن الْعَمَل بِالْكُلِّ مَعَ الْإِمْكَان أولى من إهمال بَعْضهَا. النَّوْع الثَّانِي: فِي أَن هَذِه الضجعة سنة أَو مُسْتَحبَّة أَو وَاجِبَة أَو غير ذَلِك؟ فَفِيهِ اخْتِلَاف الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَمن بعدهمْ على سِتَّة أَقْوَال. أَحدهَا: أَنه سنة، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : وَالصَّحِيح أَو الصَّوَاب أَن الِاضْطِجَاع بعد سنة الْفجْر سنة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن) : وَقد أَشَارَ الشَّافِعِي إِلَى أَن الِاضْطِجَاع الْمَنْقُول فِي الْأَحَادِيث للفصل بَين النَّافِلَة وَالْفَرِيضَة، وَسَوَاء كَانَ ذَلِك الْفَصْل بالاضطجاع أَو التحدث أَو التَّحَوُّل من ذَلِك الْمَكَان إِلَى غَيره أَو غَيره، والاضطجاع غير مُتَعَيّن فِي ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : الْمُخْتَار الِاضْطِجَاع. القَوْل الثَّانِي: أَنه مُسْتَحبّ، وروى ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، وهم: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَرَافِع بن خديج وَأنس بن مَالك وَأَبُو هُرَيْرَة، وَإِلَيْهِ ذهب جمَاعَة من التَّابِعين، وهم: مُحَمَّد بن سِيرِين وَعُرْوَة وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَعُرْوَة بن الزبير وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن وخارجة بن زيد بن ثَابت وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة وَسليمَان بن يسَار، وَكَانُوا يضطجعون على أَيْمَانهم بَين رَكْعَتي الْفجْر وَصَلَاة الصُّبْح. القَوْل الثَّالِث: أَنه وَاجِب، مفترض لَا بُد من الْإِتْيَان بِهِ، وَهُوَ قَول أبي مُحَمَّد بن حزم، فَقَالَ: وَمن ركع رَكْعَتي الْفجْر لم تجزه صَلَاة الصُّبْح إلَاّ بِأَن يضطجع على جنبه الْأَيْمن بَين سَلَامه من رَكْعَتي الْفجْر وَبَين تكبيره لصَلَاة الصُّبْح، وَسَوَاء ترك الضجعة عمدا أَو نِسْيَانا، وَسَوَاء صلاهَا فِي وَقتهَا أَو صلاهَا قَاضِيا لَهَا من نِسْيَان أَو نوم، وَإِن لم يصل رَكْعَتي الْفجْر لم يلْزمه أَن يضطجع، وَاسْتدلَّ فِيهِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسَدّد وَأَبُو كَامِل وَعبيد الله بن عَمْرو بن ميسرَة، قَالُوا: حَدثنَا عبد الْوَاحِد حَدثنَا الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا صلى أحدكُم الرَّكْعَتَيْنِ قبل الصُّبْح فليضطجع على يَمِينه. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه (عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صلى رَكْعَتي الْفجْر اضْطجع) ، فَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد يخبر عَن أمره، وَمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه يخبر عَن فعله، وَأَجَابُوا عَن هَذَا بأجوبة. الأول: أَن عبد الْوَاحِد الرَّاوِي عَن الْأَعْمَش قد تكلم فِيهِ، فَعَن يحيى: أَنه لَيْسَ بِشَيْء، وَعَن عَمْرو بن عَليّ الفلاس: سَمِعت أَبَا دَاوُد قَالَ: عمد عبد الْوَاحِد إِلَى أَحَادِيث كَانَ يرسلها الْأَعْمَش فوصلها، يَقُول: حَدثنَا الْأَعْمَش حَدثنَا مُجَاهِد فِي كَذَا وَكَذَا. الثَّانِي: أَن الْأَعْمَش قد عنعن وَهُوَ مُدَلّس. الثَّالِث: أَنه لما بلغ ذَلِك ابْن عمر قَالَ: أَكثر أَبُو هُرَيْرَة على نَفسه حَتَّى حدث بِهَذَا الحَدِيث. الرَّابِع: أَن الْأَئِمَّة حملُوا الْأَمر الْوَارِد فِيهِ على الِاسْتِحْبَاب، وَقيل فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: إِنَّه مَعْلُول لم يسمعهُ أَبُو صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَبَين الْأَعْمَش وَبَين أبي صَالح كَلَام، وَنسب هَذَا القَوْل إِلَى ابْن الْعَرَبِيّ، وَقَالَ الْأَثْرَم: سَمِعت أَحْمد يسْأَل عَن الِاضْطِجَاع؟ قَالَ: مَا أَفعلهُ أَنا. قلت: فَإِن فعله رجل ثمَّ سكت كَأَنَّهُ لم يعبه إِن فعله، قيل لَهُ: لِمَ لَا تَأْخُذ بِهِ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ حَدِيث يثبت. قلت: لَهُ حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: رَوَاهُ بَعضهم مُرْسلا. فَإِن قلت: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد

стр. 2088

احْتج بِهِ الْأَئِمَّة السِّتَّة وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن سعد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان؟ قلت: سلمنَا ذَلِك، وَلَكِن الْأَجْوِبَة الْبَاقِيَة تَكْفِي لدفع الْوُجُوب بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة. القَوْل الرَّابِع: أَنه بِدعَة، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ من الصَّحَابَة: عبد الله بن مَسْعُود وَابْن عمر على اخْتِلَاف عَنهُ، فروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من رِوَايَة إِبْرَاهِيم قَالَ: قَالَ عبد الله: مَا بَال الرجل إِذا صلى الرَّكْعَتَيْنِ يتمعك كَمَا تتمعك الدَّابَّة وَالْحمار، إِذا سلم فقد فصل، وروى أَيْضا ابْن أبي شيبَة من رِوَايَة مُجَاهِد، قَالَ: صَحِبت ابْن عمر فِي السّفر والحضر فَمَا رَأَيْته اضْطجع بعد الرَّكْعَتَيْنِ: وَمن رِوَايَة سعيد بن الْمسيب قَالَ: رأى ابْن عمر رجلا يضطجع بَين الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: أحصبوه، وَمن رِوَايَة أبي مجلز، قَالَ: سَأَلت ابْن عمر عَن ضجعة الرجل على يَمِينه بعد الرَّكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الْفجْر؟ قَالَ: يتلعب بكم الشَّيْطَان، وَمن رِوَايَة زيد الْعمي عَن أبي الصّديق النَّاجِي، قَالَ: رأى ابْن عمر قوما اضطجعوا بعد رَكْعَتي الْفجْر، فَأرْسل إِلَيْهِم فنهاهم، فَقَالُوا: نُرِيد بذلك السّنة، فَقَالَ ابْن عمر: إرجع إِلَيْهِم فَأخْبرهُم أَنَّهَا بِدعَة. وَمِمَّنْ كره ذَلِك من التَّابِعين: الْأسود بن زيد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: وَقَالَ: هِيَ ضجعة الشَّيْطَان، وَسَعِيد بن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير، وَمن الْأَئِمَّة: مَالك ابْن أنس وَحَكَاهُ القَاضِي عِيَاض عَنهُ وَعَن جُمْهُور الْعلمَاء. القَوْل الْخَامِس: إِنَّه خلاف الأولى، روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن الْحسن أَنه كَانَ لَا يُعجبهُ الِاضْطِجَاع بعد رَكْعَتي الْفجْر. القَوْل السَّادِس: أَنه لَيْسَ مَقْصُودا لذاته، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود الْفَصْل بَين رَكْعَتي الْفجْر وَبَين الْفَرِيضَة إِمَّا باضطجاع أَو حَدِيث أَو غير ذَلِك، وَهُوَ محكي عَن الشَّافِعِي كَمَا ذكرنَا. النَّوْع الثَّالِث: أَنه على قَول من يرَاهُ مُسْتَحبا أَو سنة أَن يكون على يَمِينه لوُرُود الحَدِيث بِهِ، كَذَلِك، وَهل تحصل سنة الِاضْطِجَاع بِكَوْنِهِ على شقَّه الإيسر، أما مَعَ الْقُدْرَة على ذَلِك فَالظَّاهِر أَنه لَا تحصل بِهِ السّنة لعدم مُوَافَقَته لِلْأَمْرِ، وَأما إِذا كَانَ بِهِ ضَرَر فِي الشق الْأَيْمن لَا يُمكن مَعَه الِاضْطِجَاع أَو يُمكن لَكِن مَعَ مشقة، فَهَل يضطجع على الْيَسَار إو يُشِير إِلَى الِاضْطِجَاع على الْجَانِب الْأَيْمن لعَجزه عَن كَمَاله كَمَا يفعل من عجز عَن الرُّكُوع وَالسُّجُود فِي الصَّلَاة؟ قَالَ شَيخنَا زين الدّين: لم أر لِأَصْحَابِنَا فِيهِ نصا وَجزم ابْن حزم بِأَنَّهُ يُشِير إِلَى الِاضْطِجَاع على الْجَانِب الْأَيْمن وَلَا يضطجع على الْأَيْسَر. النَّوْع الرَّابِع: فِي الْحِكْمَة على الْجَانِب الْأَيْمن، وَهِي أَن الْقلب فِي جِهَة الْيَسَار، فَإِذا نَام على الْيَسَار استغرق فِي النّوم لاستراحته بذلك، وَإِذا نَام على جِهَة الْيَمين تعلق فِي نَومه فَلَا يسْتَغْرق. ٤٢ - (بابُ مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ ولَمْ يَضْطَجِعْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من تحدث بعد رَكْعَتي الْفجْر، وَالْحَال أَنه لم يضطجع، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى أَن الاضطجاح لم يكن إلَاّ للفصل بَين رَكْعَتي الْفجْر وَبَين الْفَرِيضَة، وَأَن الْفَصْل أعمل من أَن يكون بالاضطجاع أَو بِالْحَدِيثِ أَو بالتحول من مَكَانَهُ. ١٦١١ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ الحَكَمِ قَالَ حدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثني سالِمٌ أبُو النَّضْرِ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذَا صلَّى فإنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حدَّثَنِي وَإلَاّ اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ كَانَ إِذا صلى رَكْعَتي الفحر، وَكَانَت عَائِشَة مستيقظة كَانَ يتحدث مَعهَا، وَلَا يضطجع، فَدلَّ ذَلِك أَن الِاضْطِجَاع لَا يتَعَيَّن للفصل كَمَا ذكرنَا. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الحكم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين: الْعَبْدي، بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: النَّيْسَابُورِي، مَاتَ سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: واسْمه سَالم بن أبي أُميَّة، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر الْقرشِي التَّيْمِيّ. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه نيسابوري كَمَا ذكرنَا، وسُفْيَان مكي وَسَالم وَأَبُو سَلمَة مدنيان.

стр. 2089

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن عمر ونضر بن عَليّ سُفْيَان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن يُوسُف بن عِيسَى عَن عبد الله بن إِدْرِيس، كِلَاهُمَا عَن مَالك عَن أبي النَّضر نَحوه، وَلَفظه: (قَالَت كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى رَكْعَتي الْفجْر فَإِن كَانَت لَهُ إِلَيّ حَاجَة كلمني وإلَاّ خرج إِلَى الصَّلَاة) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن يحيى بن حَكِيم عَن بشر بن عمر عَن مَالك بن أنس بِلَفْظ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قضى صلَاته من آخر اللَّيْل، فَإِن كنت مستيقظة حَدثنِي، وَإِن كنت نَائِمَة إيقظني وَصلى الرَّكْعَتَيْنِ ثمَّ اضْطجع حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن فيؤذنه بِصَلَاة الصُّبْح فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ خفيفتين ثمَّ يخرج إِلَى الصَّلَاة) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا صلى) ، أَي: رَكْعَتي الْفجْر. قَوْله: (وَإِلَّا) أَي: وَإِن لم أكن مستيقظة اضْطجع. قَوْله: (حَتَّى نودى) من النداء على صِيغَة الْمَجْهُول، هَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (حَتَّى يُؤذن) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة على صِيغَة الْمَجْهُول. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْحجَّة لمن نفى وجوب الِاضْطِجَاع، وَمِنْه اسْتدلَّ بَعضهم على عدم اسْتِحْبَابه، ورد بِأَنَّهُ لَا يلْزم من تَركه ﷺ حِين كَون عَائِشَة مستيقظة عدم الِاسْتِحْبَاب، وَإِنَّمَا تَركه فِي ذَلِك يدل على عدم الْوُجُوب. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد من طَرِيق مَالك أَن كَلَامه ﷺ لعَائِشَة كَانَ بعد فَرَاغه من صَلَاة اللَّيْل، وَقبل أَن يُصَلِّي رَكْعَتي الْفجْر؟ قلت: لَا مَانع من أَن يكلمها قبل رَكْعَتي الْفجْر وبعدهما، وَأَن بعض الروَاة عَن مَالك اقْتصر على هَذَا، وَاقْتصر بَعضهم على الآخر، وَفِيه أَنه: لَا بَأْس بالْكلَام بعد رَكْعَتي الْفجْر مَعَ أَهله وَغَيرهم من الْكَلَام الْمُبَاح، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقد روى الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْوَلِيد بن مُسلم (قَالَ: كنت مَعَ مَالك بن أنس نتحدث بعد طُلُوع الْفجْر وَبعد رَكْعَتي الْفجْر، ويفتي بِهِ أَنه لَا بَأْس بذلك، وَقَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: وَلَيْسَ فِي السُّكُوت فِي ذَلِك الْوَقْت فضل مأثور، إِنَّمَا ذَلِك بعد صَلَاة الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس) . وَفِي (التَّوْضِيح) اخْتلف السّلف فِي الْكَلَام بعد رَكْعَتي الْفجْر فَقَالَ نَافِع: كَانَ ابْن عمر رُبمَا يتَكَلَّم بعدهمَا، وَعَن الْحسن وَابْن سِيرِين مثله، وَكره الْكُوفِيُّونَ الْكَلَام قبل صَلَاة الْفجْر إلَاّ بِخَير، وَكَانَ مَالك يتَكَلَّم فِي الْعلم بعد رَكْعَتي الْفجْر، فَإِذا سلم من الصُّبْح لم يتَكَلَّم مَعَ أحد حَتَّى تطلع الشَّمْس. وَقَالَ مُجَاهِد: رأى ابْن مَسْعُود رجلا يكلم آخر بعد رَكْعَتي الْفجْر، فَقَالَ: إِمَّا أَن تذكر الله وَإِمَّا أَن تسكت، وَعَن سعيد بن جُبَير مثله، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: كَانُوا يكْرهُونَ الْكَلَام بعْدهَا، وَهُوَ قَول عَطاء، وَسُئِلَ جَابر بن زيد: هَل يفرق بَين صَلَاة الْفجْر وَبَين الرَّكْعَتَيْنِ قبلهَا بِكَلَام؟ قَالَ: لَا إلَاّ أَن يتَكَلَّم بحاجة إِن شَاءَ، ذكر هَذِه الْآثَار ابْن أبي شيبَة. وَالْقَوْل الأول أولى بِشَهَادَة السّنة الثَّابِتَة لَهُ، ولأقول لأحد مَعَ السّنة، وَذكر بعض الْعلمَاء أَن الْحِكْمَة فِي كَلَامه ﷺ لعَائِشَة وَغَيرهَا من نِسَائِهِ بعد رَكْعَتي الْفجْر أَن يَقع الْفَصْل بَين صَلَاة الْفَرْض وَصَلَاة النَّفْل بِكَلَام أَو اضطجاع، وَلذَلِك نهى الَّذِي وصل بَين صَلَاة الصُّبْح وَغَيرهَا بقوله: (آالصبح أَرْبعا؟) وكما جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (إِذا صلى أحدكُم الْجُمُعَة فَلَا يصلها بِصَلَاة حَتَّى يتَكَلَّم أَو يخرج) ، وكما نهى عَن تقدم رَمَضَان بِصَوْم، وَعَن تشييعة بِصَوْم، بِتَحْرِيم صَوْم يَوْم الْعِيد ليتميز الْفَرْض من النَّفْل. فَإِن قلت: الْفَصْل حَاصِل بِخُرُوجِهِ من حجر نِسَائِهِ إِلَى الْمَسْجِد، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتي الْفجْر فِي بَيته، وَقد اكْتفى فِي الْفَصْل فِي سنة الْجُمُعَة بِخُرُوجِهِ من الْمَسْجِد، فَيَنْبَغِي أَن يَكْتَفِي فِي الْفَصْل بِخُرُوجِهِ من بَيته إِلَى الْمَسْجِد. قلت: لما كَانَت حجر أَزوَاجه شارعة فِي الْمَسْجِد لم ير الْفَصْل بِالْخرُوجِ مِنْهَا، بل فصل بالاضطجاع إو بالْكلَام أَو بهما جَمِيعًا. ٥٢ - (بابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي النَّفْل أَنه يُصَلِّي مثنى مثنى، يَعْنِي: رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، كل رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَة، ومثنى الثَّانِي تَأْكِيد لِأَنَّهُ دَاخل فِي حَده، إِذْ مَعْنَاهُ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَعَن هَذَا قَالُوا: إِن مثنى معدول عَن اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، فَفِيهِ الْعدْل وَالصّفة، ثمَّ إِطْلَاق قَوْله: (مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّع مثنى مثنى) يتَنَاوَل تطوع اللَّيْل وتطوع النَّهَار، وَقد وَقع فِي أَكثر النّسخ هَذَا الْبَاب بعد: بَاب مَا يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر، لِأَن الْأَبْوَاب الْمُتَعَلّقَة بركعتي الْفجْر سِتَّة أَبْوَاب، أَولهَا: بَاب المداومة على رَكْعَتي الْفجْر، وَآخِرهَا: بَاب مَا يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر.

стр. 2090

وَذكر هَذِه السِّتَّة مُتَوَالِيَة هُوَ الْأَنْسَب، وَلَك وَقع هَذَا الْبَاب أَعنِي: بَاب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّع مثنى مثنى بَين هَذِه الْأَبْوَاب السِّتَّة فِي بعض النّسخ. قيل: الظَّاهِر أَن ذَلِك وَقع من بعض الروَاة. قلت: لم يراع البُخَارِيّ التَّرْتِيب بَين أَكثر الْأَبْوَاب فِي غير هَذَا الْموضع، وَهَذَا أَيْضا من ذَلِك، وَلَيْسَ يتَعَلَّق بمراعاة تَرْتِيب الْأَبْوَاب جلّ الْمَقْصُود. قالَ مُحَمَّدُ ويُذْكَرُ ذالِكَ عنْ عَمَّارٍ وأبِي ذَرٍّ وَأنَسٍ وَجَابِرِ بنِ زَيْدٍ وعِكْرَمَةَ وَالزُّهْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى مَا ذكره من قَوْله: مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّع مثنى مثنى، وَقد ذكر هُنَا سِتَّة أنفس من ثَلَاثَة من الصَّحَابَة وهم: عمار وَأَبُو ذَر وَأنس، وَثَلَاثَة من التَّابِعين وهم: جَابر بن زيد وَعِكْرِمَة وَالزهْرِيّ، وكل ذَلِك بتعليق. أما عمار: فقد روى عَنهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أوتر قبل أَن تنام، وَصَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى) . وَفِي إِسْنَاده الرّبيع بن بدر وَهُوَ ضَعِيف. وَأما من فعله هُوَ فقد رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن همام (عَن عمار بن يَاسر أَنه: دخل الْمَسْجِد فصلى رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) وَأما أَبُو ذَر، فقد روى عَنهُ ابْن أبي شيبَة من فعله من طَرِيق مَالك بن أَوْس عَنهُ، أَنه: دخل الْمَسْجِد فَأتى سَارِيَة فصلى عِنْدهَا رَكْعَتَيْنِ) ، وَلم أَقف على شَيْء رُوِيَ عَنهُ من قَوْله مَرْفُوعا أَو مَوْقُوفا. وَأما أنس: فقد روى عَنهُ البُخَارِيّ فِيمَا مضى فِي: بَاب هَل يُصَلِّي الإِمَام بِمن حضر؟ حَدثنَا آدم قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: (حَدثنَا أنس بن سِيرِين، قَالَ: سَمِعت أنسا يَقُول: قَالَ رجل من الْأَنْصَار: إِنِّي لَا أَسْتَطِيع الصَّلَاة مَعَك وَكَانَ رجلا ضخما فَصنعَ للنَّبِي، ﷺ ، طَعَاما فَدَعَاهُ إِلَى منزله، فَبسط لَهُ حَصِيرا ونضح طرف الْحَصِير، فصلى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ. .) الحَدِيث. وَفِي هَذَا الْبَاب عَن عَمْرو بن عَنْبَسَة أخرجه أَحْمد عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى) ، وَعَن ابْن عَبَّاس روى عَنهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى) . وَأما الثَّلَاثَة من التَّابِعين وهم: جَابر بن زيد أَبُو الشعْثَاء الْبَصْرِيّ، وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ فقد علق البُخَارِيّ عَنْهُم بقوله: وَيذكر وَلم أَقف إلَاّ على مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن حرمي بن عمَارَة (عَن أبي خلدَة قَالَ: رَأَيْت عِكْرِمَة دخل الْمَسْجِد فصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) . وَقَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيد الأنْصَارِيُّ مَا أدْرَكْتُ فُقَهَاءَ أرْضِنَا إلَاّ يُسَلمُونَ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنَ النَّهَارِ يحيى بن سعيد بن قيس أَبُو سعيد الْأنْصَارِيّ البُخَارِيّ الْمَدِينِيّ، قَاضِي الْمَدِينَة: سمع أنس بن مَالك، وروى من كبار التَّابِعين أقدمه أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور الْعرَاق وولاه الْقَضَاء بالهاشمية، وَقيل: إِنَّه تولى الْقَضَاء بِبَغْدَاد، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة. قَوْله: (أَرْضنَا) أَرَادَ بهَا الْمَدِينَة، وَمن فُقَهَاء أرضه: الزُّهْرِيّ وَنَافِع وَسَعِيد بن الْمسيب وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وجعفر ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، والصادق وَرَبِيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز وَآخَرُونَ، وروى عَن هَؤُلَاءِ وَغَيرهم. قَوْله: (فِي كل اثْنَتَيْنِ) أَي: فِي كل رَكْعَتَيْنِ. ٥٢ - (بابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي النَّفْل أَنه يُصَلِّي مثنى مثنى، يَعْنِي: رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، كل رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَة، ومثنى الثَّانِي تَأْكِيد لِأَنَّهُ دَاخل فِي حَده، إِذْ مَعْنَاهُ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَعَن هَذَا قَالُوا: إِن مثنى معدول عَن اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، فَفِيهِ الْعدْل وَالصّفة، ثمَّ إِطْلَاق قَوْله: (مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّع مثنى مثنى) يتَنَاوَل تطوع اللَّيْل وتطوع النَّهَار، وَقد وَقع فِي أَكثر النّسخ هَذَا الْبَاب بعد: بَاب مَا يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر، لِأَن الْأَبْوَاب الْمُتَعَلّقَة بركعتي الْفجْر سِتَّة أَبْوَاب، أَولهَا: بَاب المداومة على رَكْعَتي الْفجْر، وَآخِرهَا: بَاب مَا يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر. وَذكر هَذِه السِّتَّة مُتَوَالِيَة هُوَ الْأَنْسَب، وَلَك وَقع هَذَا الْبَاب أَعنِي: بَاب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّع مثنى مثنى بَين هَذِه الْأَبْوَاب السِّتَّة فِي بعض النّسخ. قيل: الظَّاهِر أَن ذَلِك وَقع من بعض الروَاة. قلت: لم يراع البُخَارِيّ التَّرْتِيب بَين أَكثر الْأَبْوَاب فِي غير هَذَا الْموضع، وَهَذَا أَيْضا من ذَلِك، وَلَيْسَ يتَعَلَّق بمراعاة تَرْتِيب الْأَبْوَاب جلّ الْمَقْصُود. قالَ مُحَمَّدُ ويُذْكَرُ ذالِكَ عنْ عَمَّارٍ وأبِي ذَرٍّ وَأنَسٍ وَجَابِرِ بنِ زَيْدٍ وعِكْرَمَةَ وَالزُّهْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى مَا ذكره من قَوْله: مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّع مثنى مثنى، وَقد ذكر هُنَا سِتَّة أنفس من ثَلَاثَة من الصَّحَابَة وهم: عمار وَأَبُو ذَر وَأنس، وَثَلَاثَة من التَّابِعين وهم: جَابر بن زيد وَعِكْرِمَة وَالزهْرِيّ، وكل ذَلِك بتعليق. أما عمار: فقد روى عَنهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أوتر قبل أَن تنام، وَصَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى) . وَفِي إِسْنَاده الرّبيع بن بدر وَهُوَ ضَعِيف. وَأما من فعله هُوَ فقد رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن همام (عَن عمار بن يَاسر أَنه: دخل الْمَسْجِد فصلى رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) وَأما أَبُو ذَر، فقد روى عَنهُ ابْن أبي شيبَة من فعله من طَرِيق مَالك بن أَوْس عَنهُ، أَنه: دخل الْمَسْجِد فَأتى سَارِيَة فصلى عِنْدهَا رَكْعَتَيْنِ) ، وَلم أَقف على شَيْء رُوِيَ عَنهُ من قَوْله مَرْفُوعا أَو مَوْقُوفا. وَأما أنس: فقد روى عَنهُ البُخَارِيّ فِيمَا مضى فِي: بَاب هَل يُصَلِّي الإِمَام بِمن حضر؟ حَدثنَا آدم قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: (حَدثنَا أنس بن سِيرِين، قَالَ: سَمِعت أنسا يَقُول: قَالَ رجل من الْأَنْصَار: إِنِّي لَا أَسْتَطِيع الصَّلَاة مَعَك وَكَانَ رجلا ضخما فَصنعَ للنَّبِي، ﷺ ، طَعَاما فَدَعَاهُ إِلَى منزله، فَبسط لَهُ حَصِيرا ونضح طرف الْحَصِير، فصلى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ. .) الحَدِيث. وَفِي هَذَا الْبَاب عَن عَمْرو بن عَنْبَسَة أخرجه أَحْمد عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى) ، وَعَن ابْن عَبَّاس روى عَنهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى) . وَأما الثَّلَاثَة من التَّابِعين وهم: جَابر بن زيد أَبُو الشعْثَاء الْبَصْرِيّ، وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ فقد علق البُخَارِيّ عَنْهُم بقوله: وَيذكر وَلم أَقف إلَاّ على مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن حرمي بن عمَارَة (عَن أبي خلدَة قَالَ: رَأَيْت عِكْرِمَة دخل الْمَسْجِد فصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) . وَقَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيد الأنْصَارِيُّ مَا أدْرَكْتُ فُقَهَاءَ أرْضِنَا إلَاّ يُسَلمُونَ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنَ النَّهَارِ يحيى بن سعيد بن قيس أَبُو سعيد الْأنْصَارِيّ البُخَارِيّ الْمَدِينِيّ، قَاضِي الْمَدِينَة: سمع أنس بن مَالك، وروى من كبار التَّابِعين أقدمه أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور الْعرَاق وولاه الْقَضَاء بالهاشمية، وَقيل: إِنَّه تولى الْقَضَاء بِبَغْدَاد، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة. قَوْله: (أَرْضنَا) أَرَادَ بهَا الْمَدِينَة، وَمن فُقَهَاء أرضه: الزُّهْرِيّ وَنَافِع وَسَعِيد بن الْمسيب وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وجعفر ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، والصادق وَرَبِيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز وَآخَرُونَ، وروى عَن هَؤُلَاءِ وَغَيرهم. قَوْله: (فِي كل اثْنَتَيْنِ) أَي: فِي كل رَكْعَتَيْنِ. ٢٦١١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي المَوَالِي عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله عَنْهُمَا قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرآنِ يَقُولُ إذَا هَمَّ أحَدُكُمْ بِالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُل اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَخِيرُكُ بِعِلْمِكَ وَأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأسْألُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ فَإنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أقْدِرُ وتَعْلَمُ وَلا أعْلَمُ وأنْتَ علَاّمُ الغُيُوبِ اللَّهُم إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هاذَا الأمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي ومَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أمْرِي أوْ قَالَ عاجِلِ أمْرِي وآجِلِهِ فاقْدُرْهُ لِي ويَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فيهِ وَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هاذا الأمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي ومَعَاشِي وعَاقِبَةِ أمْرِي أوْ قالَ فِي عاجِلِ أمْرِي وَآجِلِهِ فاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثُمْ أرْضِنِي. قَالَ ويُسَمِّي حاجَتَهُ.

стр. 2091

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليركع رَكْعَتَيْنِ من غير الْفَرِيضَة) ، وَقد أمره ﷺ بِرَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يتَنَاوَل كَونهمَا بِاللَّيْلِ أَو بِالنَّهَارِ. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن أبي الموَالِي، بِفَتْح الْمِيم: أَبُو مُحَمَّد، مولى عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِي (تَهْذِيب الْكَمَال) : أَن أَبَا الموَالِي اسْمه زيد. الثَّالِث: مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الانكدار ابْن عبد الله أَبُو بكر، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: جَابر بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الموَالِي مِمَّا تفرد بِحَدِيث الاستخارة، وَأَن البُخَارِيّ تفرد بِهِ. وَفِيه: أَن شَيْخه بلخي وَعبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد مدنيان. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن أبي مُصعب مطرف بن عبد الله وَفِي التَّوْحِيد عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي وَعبد الرَّحْمَن ابْن مقَاتل خَال القعْنبِي وَمُحَمّد ابْن عِيسَى بن الطباع. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ، وَالنَّسَائِيّ فِي النِّكَاح وَفِي النعوت وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث جَابر حسن صَحِيح غَرِيب لَا نعرفه إلَاّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي الموَالِي، وَهُوَ شيخ مدنِي ثِقَة، روى عَنهُ سُفْيَان حَدِيثا، وَقد روى عَن عبد الرَّحْمَن غير وَاحِد من الْأَئِمَّة انْتهى. قلت: حكم التِّرْمِذِيّ على حَدِيث جَابر بِالصِّحَّةِ تبعا للْبُخَارِيّ فِي إِخْرَاجه فِي الصَّحِيح، وَصَححهُ أَيْضا ابْن حبَان، وَمَعَ ذَلِك فقد ضعفه أَحْمد بن حَنْبَل، فَقَالَ: إِن حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي الموَالِي فِي الاستخارة مُنكر، وَقَالَ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) فِي تَرْجَمته: وَالَّذِي أنكر عَلَيْهِ حَدِيث الاستخارة، وَقد رَوَاهُ غير وَاحِد من الصَّحَابَة، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: كَأَن ابْن عدي أَرَادَ بذلك أَن لحديثه هَذَا شَاهدا من حَدِيث غير وَاحِد من الصَّحَابَة، فَخرج بذلك أَن يكون فَردا مُطلقًا، وَقد وَثَّقَهُ جُمْهُور أهل الْعلم. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَيحيى بن معِين وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ، وَزَاد أَبُو زرْعَة: صَدُوق. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عقيب ذكره هَذَا الحَدِيث: وَفِي الْبَاب عَن ابْن مَسْعُود وَأبي أَيُّوب. وَقَالَ شَيخنَا وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن أبي بكر الصّديق وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَسَعِيد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة صَالح بن مُوسَى الطلحي عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة (عَن عبد الله، قَالَ: علمنَا رَسُول الله ﷺ الاستخارة، قَالَ: إِذا أَرَادَ أحدكُم أمرا فَلْيقل) : اللَّهُمَّ إنس أستخيرك بعلمك. .) فَذكره وَلم يقل: الْعَظِيم، وَقدم قَوْله: (وَتعلم) على قَوْله: (وتقدر) ، وَقَالَ: (فَإِن كَانَ هَذَا الَّذِي أُرِيد خيرا فِي ديني وعاقبة أَمْرِي فيسره لي، وَإِن كَانَ غير ذَلِك خيرا لي فاقدر لي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ، يَقُول ثمَّ يعزم) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من طَرِيق أُخْرَى. وَأما حَدِيث أبي أَيُّوب فَأخْرجهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة الْوَلِيد بن أبي الْوَلِيد أَن أَيُّوب بن خَالِد بن أبي أَيُّوب حَدثهُ عَن أَبِيه عَن جده أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (أكتم الْخطْبَة، ثمَّ تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ صل مَا كتب الله لَك ثمَّ احْمَد رَبك ومجده ثمَّ قل: اللَّهُمَّ إِنَّك تقدر وَلَا أقدر. .) الحَدِيث إِلَى قَوْله: (الغيوب) وَبعده: (فَإِن رَأَيْت لي فِي فُلَانَة، تسميها باسمها، خيرا فِي دنياي وآخرتي فَاقْض لي بهَا، أَو قَالَ: فاقدرها لي) . لفظ رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ. وَقَالَ ابْن حبَان: (خيرالي فِي ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها لي، وَإِن كَانَ غَيرهَا خيرا لي مِنْهَا فِي ديني ودنياي وآخرتي فَاقْض لي ذَلِك) . وَأَيوب وخَالِد ذكرهمَا ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) . وَأما حَدِيث أبي بكر: فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات من رِوَايَة زنفل بن عبد الله عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة (عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا أَرَادَ أمرا قَالَ: اللَّهُمَّ خر لي واختر لي) . وَقَالَ: غَرِيب لَا نعرفه إلَاّ من حَدِيث زنفل، وَهُوَ ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث. وَأما حَدِيث أبي سعيد: فَأخْرجهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي من طَرِيق ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي عِيسَى بن عبد الله بن مَالك عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء بن يسَار (عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: إِذا أَرَادَ أحدهم أمرا فَلْيقل: اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك بعلمك. .) الحَدِيث على نَحْو حَدِيث جَابر، وَقَالَ فِي آخِره: (ثمَّ قدر لي الْخَيْر أَيْنَمَا كَانَ، لَا حول وَلَا قُوَّة إلَاّ بِاللَّه) . إِسْنَاده صَحِيح. وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) من هَذَا الْوَجْه. وَأما حَدِيث سعد بن أبي وَقاص: رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى فِي (مسانيدهم) من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد

стр. 2092

ابْن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه عَن جده سعد بن أبي وَقاص، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من سَعَادَة ابْن آدم استخارته الله تَعَالَى. .) الحَدِيث، وَلَا يَصح إِسْنَاده. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فأخرجهما الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) بِإِسْنَادِهِ عَنْهُمَا، قَالَا: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنَا الاستخارة كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن: اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك. .) الحَدِيث، إِلَى آخر قَوْله: (علام الغيوب) وَزَاد بعده: (أللهم مَا قضيت عَليّ من قَضَاء فَاجْعَلْ عاقبته إِلَى خير) ، وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَفِيه عبد الله بن هانىء مُتَّهم بِالْكَذِبِ. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة: فَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من رِوَايَة أبي الْفضل ابْن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا أَرَادَ أحدكُم أمرا فَلْيقل: أللهم إِنِّي أستخيرك. .) فَذكره وَلم يقل: الْعَظِيم، وَفِي آخِره: (ورضني بقدرك) ، قَالَ ابْن حبَان: أَبُو الْفضل اسْمه شبْل بن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن، مُسْتَقِيم الْأَمر فِي الحَدِيث، وَقد ضعفه ابْن عدي، فَقَالَ: حدث بِأَحَادِيث لَهُ غير مَحْفُوظَة مَنَاكِير، وَأورد لَهُ هَذَا الحَدِيث وَقَالَ: إِنَّه مُنكر لَا يحدث بِهِ غير شبْل. وَأما حَدِيث أنس، فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الصَّغِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة عبد القدوس بن حبيب عَن الْحسن عَن أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَا خَابَ من استخار، وَلَا نَدم من اسْتَشَارَ، وَلَا عَال من اقتصد) ، وَقَالَ: لم يروه عَن الْحسن إلَاّ عبد القدوس، تفرد بِهِ وَلَده عبد السَّلَام. انْتهى. وَعبد القدوس أَجمعُوا على تَركه، وَكذبه الفلاس، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: عبد السَّلَام وَأَبوهُ ضعيفان. ذكر اخْتِلَاف أَلْفَاظ حَدِيث جَابر وَغَيره إِسْنَادًا ومتنا: فَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد، وَرِوَايَة لأبي دَاوُد أَيْضا التَّصْرِيح بِسَمَاع عبد الرَّحْمَن بن أبي الموَالِي عَن ابْن الْمُنْكَدر، وبسماع ابْن الْمُنْكَدر لَهُ عَن جَابر. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات (فِي الْأُمُور كلهَا كالسورة من الْقُرْآن) ، وَلم يقل فِيهِ: (من غير الْفَرِيضَة) . وَقَالَ فِيهِ: (ثمَّ رضني بِهِ) ، وَقَالَ فِي كتاب التَّوْحِيد: (كَانَ يعلم أَصْحَابه الاستخارة) أَي: صَلَاة الاستخارة، (فِي الْأُمُور كلهَا) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح: (وأستعينك بقدرتك) وَلم يقل أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه: (فِي الْأُمُور كلهَا) ، وَزَاد أَبُو دَاوُد بعد قَوْله: (ومعاشي ومعادي) ، وللطبراني فِي (الْأَوْسَط) فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود: (وَأَسْأَلك من فضلك الْوَاسِع) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يعلمنَا الاستخارة) أَي: صَلَاة الاستخارة، ودعاءها، وَهِي طلب الْخيرَة على وزن العنبة اسْم من قَوْلك: اخْتَارَهُ الله. وَفِي (النِّهَايَة) : خار الله لَك أَي: أَعْطَاك مَا هُوَ خير لَك، قَالَ: والخيرة، بِكَوْن الْيَاء الِاسْم مِنْهُ، وَأما بِالْفَتْح فَهُوَ الِاسْم من قَوْلك: اخْتَارَهُ الله. وَمُحَمّد ﷺ خيرة الله من خلقه يُقَال بِالْفَتْح والسكون، وَهُوَ من بَاب الاستفعال، وَهُوَ فِي (لِسَان الْعَرَب) على معَان: مِنْهَا: سُؤال الْفِعْل، وَالتَّقْدِير: أطلب مِنْك الْخَيْر، فِيمَا هَمَمْت بِهِ، وَالْخَيْر هُوَ كل معنى زَاد نَفعه على ضره. قَوْله: (فِي الْأُمُور كلهَا) دَلِيل على الْعُمُوم، وَأَن الْمَرْء لَا يحتقر أمرا لصغره وَعدم الاهتمام بِهِ فَيتْرك الاستخارة فِيهِ، فَرب أَمر يستخف بأَمْره فَيكون فِي الْإِقْدَام عَلَيْهِ ضَرَر عَظِيم، أَو فِي تَركه، وَلذَلِك قَالَ ﷺ : (ليسأل أحدكُم ربه حَتَّى فِي شسع نَعله. قَوْله: (كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن) ، دَلِيل على الاهتمام بِأَمْر الاستخارة، وَأَنه متأكد مرغب فِيهِ. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن تجب الإستخارة اسْتِدْلَالا بتشبيه ذَلِك بتعليم السُّورَة من الْقُرْآن. كَمَا اسْتدلَّ بَعضهم على وجوب التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة بقول ابْن مَسْعُود: كَانَ يعلمنَا التَّشَهُّد كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن. قلت: الَّذِي دلّ على وجوب التَّشَهُّد الْأَمر فِي قَوْله: (فَلْيقل التَّحِيَّات لله) ، الحَدِيث؟ فَإِن قلت: هَذَا أَيْضا فِيهِ أَمر، وَهُوَ قَوْله: (فليركع رَكْعَتَيْنِ ثمَّ ليقل) ؟ قلت: الْأَمر فِي هَذَا مُعَلّق بِالشّرطِ، وَهُوَ قَوْله: (إا هم أحدكُم بِالْأَمر) فَإِن قلت: إِنَّمَا يُؤمر بِهِ عِنْد إِرَادَة ذَلِك لَا مُطلقًا، كَمَا قَالَ فِي التَّشَهُّد: (وَإِذا صلى أحدكُم فَلْيقل التَّحِيَّات لله) ؟ قلت: التَّشَهُّد جُزْء من الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة، فَيُؤْخَذ الْوُجُوب من قَوْله: (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) فَأَما الاستخارة فتدل على عدم وُجُوبهَا الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الدَّالَّة على انحصار فرض الصَّلَاة فِي الْخمس. فَإِن قلت: فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يكون الْوتر وَاجِبا، وَمَعَ هَذَا هُوَ وَاجِب، بل الْمَنْقُول عَن أبي حنيفَة أَنه فرض قلت: قد قَامَت الْأَدِلَّة من الْخَارِج على وجوب الْوتر كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. قَوْله: (إِذا هم) أَي: إِذا قصد. قَوْله: (فليركع رَكْعَتَيْنِ) ، أَي: فَليصل رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ ذكر الْجُزْء وَإِرَادَة الْكل، لِأَن الرُّكُوع جُزْء من أَجزَاء الصَّلَاة. قَوْله: فِي غير الْفَرِيضَة) دَلِيل

стр. 2093

على أَنه لَا تحصل سنة صَلَاة الاستخارة بِوُقُوع الدُّعَاء بعد صَلَاة الْفَرِيضَة لتقييد ذَلِك فِي النَّص بِغَيْر الْفَرِيضَة. قَوْله: (ثمَّ ليقل اللَّهُمَّ) إِلَى آخِره، دَلِيل على أَنه لَا يضر تَأْخِير دُعَاء الاستخارة عَن الصَّلَاة مَا لم يطلّ الْفَصْل. قَوْله: (بعلمك) الْبَاء فِيهِ وَفِي قَوْله: (بقدرتك) للتَّعْلِيل، أَي: بأنك أعلم وأقدر، قَالَه شَيخنَا زين الدّين. وَقَالَ الْكرْمَانِي يحْتَمل أَن تكون للاستعانة، وَأَن تكون للاستعطاف كَمَا فِي قَوْله: ﴿رب بِمَا أَنْعَمت عَليّ﴾ (الْقَصَص: ٧١) . أَي: بِحَق علمك وقدرتك الشاملين. قَوْله: (وأستقدرك) أَي: أطلب مِنْك أَن تجْعَل لي قدرَة عَلَيْهِ. قَوْله: (وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم) كل عَطاء الرب ﷻ فضل، فَإِنَّهُ لَيْسَ لأحد عَلَيْهِ حق فِي نعمه وَلَا فِي شَيْء، فَكل مَا يهب فَهُوَ زِيَادَة مُبتَدأَة من عِنْده لم يقابلها منا عوض فِيمَا مضى، وَلَا يقابلها فِيمَا يسْتَقْبل، فَإِن وفْق للشكر وَالْحَمْد فَهُوَ نعْمَة مِنْهُ وَفضل يفْتَقر إِلَى حمد وشكر، وَهَكَذَا إِلَى غير نِهَايَة، خلاف مَا تعتقده المبتدعة الَّتِي تَقول: إِنَّه وَاجِب على الله تَعَالَى أَن يبتدىء العَبْد بِالنعْمَةِ وَقد خلق لَهُ الْقُدْرَة، وَهِي بَاقِيَة فِيهِ دائمة لَهُ أبدا يَعْصِي ويطيع. قَوْله: (وَأَنت علام الغيوب) الْمَعْنى: أَنا أطلب مستأنفا لَا يُعلمهُ إلَاّ أَنْت، فَهَب لي مِنْهُ مَا ترى أَنه خير لي فِي ديني ومعيشتي وعاجل أَمْرِي وآجله، وَهَذِه أَرْبَعَة أَقسَام خير يكون لَهُ فِي دينه دون دُنْيَاهُ، وَخير لَهُ فِي دُنْيَاهُ خَاصَّة وَلَا تعرض فِي دينه، وَخير فِي العاجل وَذَلِكَ يحصل فِي الدُّنْيَا، وَلَكِن فِي الْآخِرَة أولى، وَخير فِي الآجل وَهُوَ أفضل، وَلَكِن إِذا اجْتمعت الْأَرْبَعَة فَذَلِك الَّذِي يَنْبَغِي للْعَبد أَن يسْأَل ربه، وَمن دُعَاء النَّبِي ﷺ : (اللَّهُمَّ أصلح ديني الَّذِي هُوَ عصمَة أَمْرِي، وَأصْلح لي دنياي الَّتِي فِيهَا معاشي وَأصْلح لي آخرتي الَّتِي إِلَيْهَا معادي، وَاجعَل الْحَيَاة زِيَادَة لي فِي كل خير، وَالْمَوْت رَاحَة لي من كل شَرّ، إِنَّك على كل شَيْء قدير) . قَوْله: (ومعاشي) ، المعاش والمعيشة وَاحِد، يستعملان مصدرا وإسما. وَفِي (الْمُحكم) : الْعَيْش الْحَيَاة، عَاشَ عَيْشًا وعيشة ومعيشا ومعاشا وعيشوشة، ثمَّ قَالَ: المعيش والمعاش والمعيشة مَا يعاش بِهِ. قَوْله: (أَو قَالَ) هُوَ شكّ من بعض الروَاة. قَوْله: (فاقدره لي) أَي: فقدره، يُقَال: قدرت الشَّيْء أقدره، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، قدرا، من التَّقْدِير. قَالَ شهَاب الدّين الْقَرَافِيّ فِي كتاب (أنوار البروق) : يتَعَيَّن أَن يُرَاد بالتقدير هُنَا التَّيْسِير، فَمَعْنَاه: فيسره. قَوْله: (وَبَارك لي فِيهِ) أَي: أدمه وضاعفه. قَوْله: (واصرفه عني واصرفني عَنهُ) أَي: لَا تعلق بالي بِهِ وتطلبه، وَمن دُعَاء بعض أهل الطَّرِيق: اللَّهُمَّ لَا تتعب بدني فِي طلب مَا لم يقدر لي، وَيُقَال: مَعْنَاهُ طلب الْأَكْمَل من وُجُوه انصراف مَا لَيْسَ فِيهِ خيرة عَنهُ، وَلم يكتف بسؤال صرف أحد الْأَمريْنِ لِأَنَّهُ قد يصرف الله خَيره عَن المستخير عَن ذَلِك الْأَمر بِأَن يَنْقَطِع طلبه لَهُ، وَذَلِكَ الْأَمر الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خيرة يَطْلُبهُ، فَرُبمَا أدْركهُ. وَقد يصرف الله عَن المستخير ذَلِك الْأَمر وَلَا يصرف قلب العَبْد عَنهُ، بل يبْقى متطلبا متشوقا إِلَى حُصُوله، فَلَا يطيب لَهُ خاطره، فَإِذا صرف كل مِنْهُمَا عَن الآخر كَانَ ذَلِك أكمل، وَلذَلِك قَالَ فِي آخِره: (فاقدر لي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ، ثمَّ رضني بِهِ) . لِأَنَّهُ إِذا قدر لَهُ الْخَيْر وَلم يرض بِهِ كَانَ منكدر الْعَيْش آثِما بِعَدَمِ رِضَاهُ بِمَا قدره الله لَهُ، مَعَ كَونه خيرا لَهُ، والرضى سُكُون النَّفس إِلَى الْقدر وَالْقَضَاء. قَوْله: (ويسمي حَاجته) أَي: فِي أثْنَاء الدُّعَاء عِنْد ذكرهَا بِالْكِنَايَةِ عَنْهَا فِي قَوْله: إِن كَانَ هَذَا الْأَمر) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: اسْتِحْبَاب صَلَاة الاستخارة وَالدُّعَاء الْمَأْثُور بعْدهَا فِي الْأُمُور الَّتِي لَا يدْرِي العَبْد وَجه الصَّوَاب فِيهَا، أما مَا هُوَ مَعْرُوف خَيره: كالعبادات وصنائع الْمَعْرُوف، فَلَا حَاجَة للاستخارة فِيهَا، نعم، قد يستخار فِي الْإِتْيَان بِالْعبَادَة فِي وَقت مَخْصُوص؛ كَالْحَجِّ، مثلا فِي هَذِه السّنة لاحْتِمَال عدوٍّ أَو فتْنَة أَو حصر عَن الْحَج، وَكَذَلِكَ يحسن أَن يستخار فِي النَّهْي عَن الْمُنكر كشخص متمرد عاتٍ يخْشَى بنهيه حُصُول ضَرَر عَظِيم عَام أَو خَاص، وَإِن كَانَ جَاءَ فِي الحَدِيث: (إِن أفضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر) ، لَكِن إِن خشِي ضَرَرا عَاما للْمُسلمين فَلَا يُنكر، وَإِن خشِي على نَفسه فَلهُ الْإِنْكَار، وَلَكِن يسْقط الْوُجُوب. وَفِيه فِي: قَوْله: (فليركع رَكْعَتَيْنِ) ، دَلِيل على أَن السّنة للإستخارة كَونهَا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا تجزىء الرَّكْعَة الْوَاحِدَة فِي الْإِتْيَان بِسنة الإستخارة، وَهل يجزىء فِي ذَلِك أَن يُصَلِّي أَرْبعا أَو أَكثر بِتَسْلِيمَة يحْتَمل أَن يُقَال: يجزىء ذَلِك لقَوْله فِي حَدِيث أبي أَيُّوب: (ثمَّ صل مَا كتب الله لَك) ، فَهُوَ دَال على أَن الزِّيَادَة على الرَّكْعَتَيْنِ لَا تضر. وَفِيه: مَا كَانَ من شفقته ﷺ بأمته وإرشادهم إِلَى مصالحهم دينا وَدُنْيا. وَفِيه: فِي قَوْله: (فليركع رَكْعَتَيْنِ) اسْتِحْبَاب ذَلِك، فِي كل وَقت إلَاّ فِي وَقت الْكَرَاهَة، وَكَذَلِكَ عِنْد الشَّافِعِيَّة فِي الْأَصَح. وَفِيه: دلَالَة على أَن العَبْد لَا يكون قَادِرًا، إلَاّ بِالْفِعْلِ لَا قبله، كَمَا تَقول الْقَدَرِيَّة، وَقَالَ ابْن بطال: الْقُوَّة وَالْقُدْرَة من صِفَات الذَّات، وَالْقُدْرَة وَالْقُوَّة بِمَعْنى وَاحِد مترادفا فَإِن فالباري، تَعَالَى، لم يزل قَادِرًا قَوِيا

стр. 2094

ذَا قدرَة وَقُوَّة. وَقَالَ: وَذكر الْأَشْعَرِيّ أَن الْقُدْرَة وَالْقُوَّة والاستطاعة اسْم، وَلَا يجوز أَن يُوصف بِأَنَّهُ مستطيع لعدم التَّوْقِيف بذلك، وَإِن كَانَ قد جَاءَ الْقُرْآن بالاستطاعة فَقَالَ: ﴿هَل يَسْتَطِيع رَبك﴾ (الْمَائِدَة: ٢١١) . وَإِنَّمَا هُوَ خبر عَنْهُم، وَلَا يَقْتَضِي إِثْبَات صفة لَهُ. وَفِيه: تَصْرِيح بعقيدة أهل السّنة، فَإِنَّهُ نفى الْعلم عَن العَبْد وَالْقُدْرَة، وهما موجودان، وَذَلِكَ تنَاقض فِي بادىء الرَّأْي، وَالْحق فِيهِ الِاعْتِرَاف بِأَن الْعلم لله تَعَالَى، وَالْقُدْرَة لَهُ، وَلَيْسَ للْعَبد من ذَلِك شَيْء إلَاّ مَا خلق لَهُ، يَقُول: يَا رب تقدر قبل أَن تخلق فِي الْقُدْرَة، وتقدر مَعَ خلقهَا، وتقدر بعْدهَا، وَأَنت على الْحَقِيقَة فِي الْأُمُور كلهَا تصرف، وَتحل لمقدوراتك، وَكَذَلِكَ فِي الْعلم. وَفِيه: أَنه يجب على الْمُؤمن رد الْأُمُور كلهَا إِلَى الله تَعَالَى وَصرف أزمتها والتبرء من الْحول وَالْقُوَّة إِلَيْهِ وَأَن لَا يروم شَيْئا من دَقِيق الْأُمُور وَلَا جليلها حَتَّى يسْأَل الله فِيهِ، ويسأله أَن يحملهُ فِيهِ على الْخَيْر، وَيصرف عَنهُ الشَّرّ إذعانا بالافتقار إِلَيْهِ فِي كل أمره، والتزاما لذاته بالعبودية لَهُ، وتبركا لاتباع سنة سيد الْمُرْسلين فِي الاستخارة، وَرُبمَا قدر مَا هُوَ خير وَيَرَاهُ شرا نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم﴾ (الْبَقَرَة: ٦١٢) . وَفِيه فِي قَوْله: (وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر شَرّ لي) حجَّة على الْقَدَرِيَّة الَّذين زَعَمُوا أَن الله لَا يخلق الشَّرّ تَعَالَى الله عَمَّا يفترون، فقد بَان فِي هَذَا الحَدِيث أَن الله تَعَالَى هُوَ الْمَالِك للشر والخالق لَهُ، وَهُوَ الْمَدْعُو لصرفه عَن العَبْد من نَفسه، وَمَا يقدر على اختراعه دون أَن يقدر الله عَلَيْهِ؟ فَإِن قلت: هَل يسْتَحبّ تكْرَار الاستخارة فِي الْأَمر الْوَاحِد إِذا لم يظْهر لَهُ وَجه الصَّوَاب فِي الْفِعْل أَو التّرْك مَا لم ينشرح صَدره لما يفعل؟ قلت: بلَى يسْتَحبّ تكْرَار الصَّلَاة وَالدُّعَاء لذَلِك، وَقد ورد فِي حَدِيث تكْرَار الاستخارة سبعا فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة لِابْنِ السّني من رِوَايَة إِبْرَاهِيم ابْن الْبَراء، قَالَ: (حَدثنِي أبي عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : يَا أنس إِذا هَمَمْت بِأَمْر فاستخر رَبك فِيهِ سبع مَرَّات ثمَّ انْظُر إِلَى الَّذِي يسْبق إِلَى قَلْبك، فَإِن الْخَيْر فِيهِ) . قَالَ النَّوَوِيّ: فِي (الْأَذْكَار) : إِسْنَاده غَرِيب، وَفِيه من لَا أعرفهم، قَالَ شَيخنَا زين الدّين: كلهم معروفون، وَلَكِن بَعضهم مَعْرُوف بالضعف الشَّديد وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن الْبَراء، والبراء هُوَ ابْن النَّضر ابْن أنس بن مَالك، وَقد ذكره فِي (الضُّعَفَاء) الْعقيلِيّ وَابْن حبَان وَابْن عدي والأزدي. قَالَ الْعقيلِيّ: يحدث عَن الثِّقَات بِالْبَوَاطِيل. وَقَالَ ابْن حبَان: شيخ كَانَ يَدُور بِالشَّام يحدث عَن الثِّقَات بالموضوعات: لَا يجوز ذكره إلَاّ على مثل الْقدح فِيهِ. وَقَالَ ابْن عدي: ضَعِيف جدا، حدث بِالْبَوَاطِيل، فعلى هَذَا فَالْحَدِيث سَاقِط لَا حجَّة فِيهِ، نعم، قد يسْتَدلّ للتكرار بِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه يسْتَحبّ أَن يقْرَأ فِي رَكْعَتي الإستخارة فِي الأولى بعد الْفَاتِحَة: قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَة: قل هُوَ الله أحد، وَقد سبقه إِلَى ذَلِك الْغَزالِيّ، فَإِنَّهُ ذكره فِي الْإِحْيَاء كَمَا ذكره النَّوَوِيّ: وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: لم أجد فِي شَيْء من طرق أَحَادِيث الاستخارة تعْيين مَا يقْرَأ فيهمَا. ٣٦١١ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ عَبْدِ الله بنِ سَعِيدٍ عنْ عَامِرِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ سَمِعَ أبَا قَتَادَةَ بنَ رَبْعِيٍّ الأنْصَارِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ إذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. (أنظر الحَدِيث ٤٤٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) ، وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب إِذا دخل الْمَسْجِد فليركع رَكْعَتَيْنِ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن عَامر بن عبد الله بن الزبير: عَن عَمْرو بن سليم الزرقي عَن أبي قَتَادَة: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فليركع رَكْعَتَيْنِ قبل أَن يجلس) . فَانْظُر إِلَى التَّفَاوُت بَينهمَا فِي الْمَتْن والإسناد، والمكي بن إِبْرَاهِيم بن بشر بن فرقد البرجمي التَّمِيمِي الْحَنْظَلِي الْبَلْخِي، تقدم فِي: بَاب إِثْم من كذب على النَّبِي، ﷺ ، وَعبد الله بن سعيد بن أبي هِنْد الْمَدِينِيّ، مَاتَ سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن سليم، بِضَم السِّين وَفتح اللَّام: الزرقي، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وبالقاف، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنسبة. ٤٦١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي

стр. 2095

طَلْحَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ صَلَّى لَنَا رسولُ الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (رَكْعَتَيْنِ) ، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه وَبَعض الْمَتْن قد تقدما فِي: بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير، وَفِي (التَّوْضِيح) : هَذَا الحَدِيث ثَابت فِي بعض النّسخ، وَفِي أصل الدمياطي أَيْضا، وَهُوَ مُخْتَصر من حَدِيث تقدم فِي: بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير. ٥٦١١ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي سالِمٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسولِ الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظهْرِ ورَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ ورَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ ورَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ ورَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد تقدم حَدِيث ابْن عمر فِي: بَاب الصَّلَاة قبل الْجُمُعَة وَبعدهَا، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف، قَالَ: أخبرنَا مَالك عَن نَافِع (عَن عبد الله بن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي قبل الظّهْر رَكْعَتَيْنِ وَبعدهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبعد الْمغرب رَكْعَتَيْنِ فِي بَيته، وَبعد الْعشَاء رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة حَتَّى ينْصَرف فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ) ، فَانْظُر التَّفَاوُت بَينهمَا فِي الْمَتْن والإسناد، وَيحيى بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، مر فِي كتاب الْوَحْي، وَعقيل بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. ٦٦١١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ أخبرنَا شُعْبَةُ قَالَ أخبرنَا عَمْرُو بنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رسولُ الله وَأما حَدِيث وَهْوَ يَخْطُبُ إذَا جاءَ أحَدُكُمْ وَالإمَامُ يَخْطُبُ أوْ قَدْ خرَجَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ. (أنظر الحَدِيث ٠٣٩ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد تقدم حَدِيث جَابر هَذَا فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب من جَاءَ وَالْإِمَام يخْطب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله: حَدثنَا سُفْيَان (عَن عَمْرو سمع جَابِرا، قَالَ: دخل رجل يَوْم الْجُمُعَة وَالنَّبِيّ، ﷺ ، يخْطب، فَقَالَ: أصليت؟ قَالَ: لَا، قَالَ: قُم فصل رَكْعَتَيْنِ) . وَأخرج أَيْضا فِي الْبَاب الَّذِي قبله عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن عبد الله. . الحَدِيث. ٧٦١١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سَيْفٌ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدا يَقُولُ أُتِيَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي مَنْزِلِهِ فَقِيلَ لَهُ هاذَا رسولُ الله ﷺ قَدْ دَخَلَ الكَعْبَةَ قَالَ فأقْبَلْتُ فأجِدُ رسولَ الله ﷺ قَدْ خَرَجَ وَأجِدُ بِلالاً عِنْدَ البَابِ قائِما فَقُلْتُ يَا بِلَالُ أصَلِّي رسولُ الله ﷺ فِي الكَعْبَةِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فأيْنَ قَالَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الأسْطُوَانَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وجهِ الكَعْبَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب قَول الله : ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ، وَقَالَ: حَدثنَا مُسَدّد، قَالَ: حَدثنَا يحيى عَن سيف، قَالَ: سَمِعت مُجَاهدًا أَتَى ابْن عمر، فَقيل لَهُ: الحَدِيث، فَاعْتبر التَّفَاوُت بَينهمَا فِي الْمَتْن والإسناد. قَوْله: (فأجد) ، كَانَ الْقيَاس أَن يَقُول: فَوجدت، لَكِن عدل عَنهُ لاستحضاره صُورَة الوجدان وحكاية عَنْهَا. قَوْله: (ثمَّ خرج) يحْتَمل أَن يكون من تَتِمَّة كَلَام بِلَال، زِيَادَة على الْجَواب، وَإِن يكون كَلَام ابْن عمر. قَوْله: (فِي وَجه الْكَعْبَة) ، أَي: بَابهَا. قَالَ أبُو عَبْدَ الله قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أوْصَانِي النبيُّ ﷺ بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى هَذَا قِطْعَة من حَدِيث ذكره فِي: بَاب صَلَاة الضُّحَى فِي الْحَضَر، قَالَ: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: حَدثنَا عَبَّاس هُوَ الْجريرِي عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أَوْصَانِي خليلي ﷺ بِثَلَاث لَا أدعهم حَتَّى أَمُوت: صَوْم ثَلَاثَة

стр. 2096

أَيَّام من كل شهر، وَصَلَاة الضُّحَى، ونوم على وتر) وَذكره أَيْضا فِي: بَاب صِيَام أَيَّام الْبيض. قَالَ: حَدثنَا أَبُو معمر حَدثنَا عبد الْوَارِث حَدثنَا أَبُو التياح، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عُثْمَان (عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أَوْصَانِي خليلي ﷺ بِثَلَاث: صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، وركعتي الضحى وَأَن أوتر قبل أَن أَنَام) . وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن شَيبَان بن فروخ عَن عبد الْوَارِث عَن أبي التياح، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَعَن مُحَمَّد بن عَليّ وَعَن بشر بن هِلَال، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب صَلَاة الضُّحَى فِي الْحَضَر عَن قريب. وَقَالَ عِتْبَانُ غَدَا عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ وَأبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا بَعْدَما امْتَدَّ النَّهَارُ وصَفَفْنَا وراءَهُ فرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ هَذَا أَيْضا قِطْعَة من حَدِيث تقدم فِي بَاب الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت، مطولا، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن عفير، قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث قَالَ: حَدثنِي عقيل عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي مَحْمُود بن الرّبيع الْأنْصَارِيّ أَن عتْبَان بن مَالك، وَهُوَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ مِمَّن شهد بَدْرًا من الْأَنْصَار، أَنه: (أَتَى رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله قد أنْكرت بَصرِي. .) ، الحَدِيث إِلَى آخِره بِطُولِهِ، وَذكره أَيْضا مطولا فِي: بَاب صَلَاة النَّوَافِل جمَاعَة، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ مستقصىً إِن شَاءَ الله تَعَالَى عَن قريب. ٦٢ - (بابُ الحَدِيثِ يَعْنِي بَعْدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة الحَدِيث بعد صَلَاة رَكْعَتي الْفجْر يَعْنِي السّنة. ٨٦١١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ أبُو النِّضْرِ حدَّثني أبي عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فإنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حدَّثَنِي وَإلَاّ اضْطَجَعَ قُلْتُ لِسُفْيَانَ قَالَ بَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ. قَالَ سُفْيَانُ هُوَ ذَاكَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن كنت مستيقظة حَدثنِي) ، وَذكر هَذَا الحَدِيث عَن قريب بقوله: بَاب من تحدث بعد الرَّكْعَتَيْنِ وَلم يضطجع، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَاسم: أَبُو النَّضر، سَالم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً هُنَاكَ. قَوْله: (قلت لِسُفْيَان) الْقَائِل هُوَ عَليّ بن عبد الله، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (قَالَ بَعضهم) أَرَادَ بِالْبَعْضِ هَذَا مَالك بن أنس، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق بشر بن عمر عَن مَالك أَنه سَأَلَهُ عَن الرجل يتَكَلَّم بعد طُلُوع الْفجْر، فَحَدثني عَن سَالم فَذكره، قَوْله: (هُوَ ذَاك) أَي: الْأَمر ذَاك. ٧٢ - (بابُ تَعَاهُدِ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ وَمنْ سَمّاهُمَا تَطَوُّعا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تعاهد رَكْعَتي الْفجْر وهما سنة الْفجْر، والتعاهد التعهد، لِأَن التفاعل لَا يكون إلَاّ بَين الْقَوْم، والتعهد بالشَّيْء التحفظ بِهِ وتجديد الْعَهْد بِهِ. قَوْله: (وَمن سَمَّاهَا) ، بإفراد الضَّمِير رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي أَي: وَمن سمى سنة الْفجْر، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (وَمن سماهما) ، بضمير التَّثْنِيَة يرجع إِلَى رَكْعَتي الْفجْر. قَوْله: (تَطَوّعا) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان: لسماها. فَإِن قلت: أطلق على سنة الْفجْر تَطَوّعا، وَفِي حَدِيث الْبَاب الْمَذْكُور: النَّوَافِل؟ قلت: المُرَاد من النَّوَافِل التطوعات، وَقَالَ بَعضهم: أوردهُ فِي الْبَاب بِلَفْظ: النَّوَافِل، وَفِي التَّرْجَمَة، ذكر: تَطَوّعا، إِشَارَة إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه يَعْنِي: بِلَفْظ التَّطَوُّع. قلت: قد ذكرنَا الْآن وَجه ذَلِك، فَلَا حَاجَة إِلَى مَا ذكره من الْخَارِج. ٩٦١١ - حدَّثنا بَيَانُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا يحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءٍ عنْ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْر عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمْ يَكُنِ النبيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ منَ

стр. 2097

النَّوَافِلِ أشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدا عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: بَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف نون: ابْن عَمْرو، بِفَتْح الْعين: العابد أَبُو مُحَمَّد، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: عبد الْملك ابْن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: عَطاء بن أبي رَبَاح. الْخَامِس: عبيد بن عُمَيْر بِالتَّصْغِيرِ فيهمَا أَبُو عَاصِم اللَّيْثِيّ الْقَاص. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بخاري، وَأَنه من أَفْرَاده، وَيحيى بَصرِي وَابْن جريج وَعَطَاء وَعبيد مكيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. قَوْله: (عَن عَطاء) وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن يحيى عَن ابْن جريج: حَدثنِي عَطاء. قَوْله: (عَن عبيد بن عُمَيْر) ، فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة: عَن يحيى بن حَكِيم عَن يحيى بن سعيد بِسَنَدِهِ: أَخْبرنِي عبيد بن عُمَيْر. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن الزهير بن حَرْب عَن يحيى، وَعَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصى فِي: بَاب المداومة فِي رَكْعَتي الْفجْر، عَن قريب. ٨٢ - (بابُ مَا يُقْرأ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يقْرَأ فِي سنة الْفجْر، و: يقْرَأ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَيجوز أَن يكون على صِيغَة الْمَعْلُوم أَيْضا أَي: مَا يقْرَأ الْمُصَلِّي، وَلَيْسَ بإضمار: قبل الذّكر، لِأَن الْقَرِينَة دَالَّة عَلَيْهِ. ٠٧١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.. قيل: لَا مُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين هَذِه التَّرْجَمَة حَتَّى قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: كَانَ حق هَذِه التَّرْجَمَة أَن تكون: تَخْفيف رَكْعَتي الْفجْر. وَقَالَ بَعضهم: وَلما ترْجم بِهِ المُصَنّف وَجه. وَوَجهه هُوَ أَنه أَشَارَ إِلَى خلاف من زعم أَنه لَا يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر أصلا، فنبه على أَنه لَا بُد من الْقِرَاءَة، وَلَو وصفت عَائِشَة الصَّلَاة بِكَوْنِهَا خَفِيفَة فَكَأَنَّهَا أَرَادَت قِرَاءَة الفتحة فَقَط، أَو قرَاءَتهَا من شَيْء يسير غَيرهَا، وَلم يثبت عِنْده على شَرطه تعْيين مَا يقْرَأ بِهِ فيهمَا. انْتهى. (قلت) هَذَا كَلَام لَيْسَ لَهُ وَجه أصلا من وُجُوه. الأول: أَن قَوْله أَشَارَ إِلَى خلاف من زعم أَنه لَا يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر أصلا رجم بِالْغَيْبِ، فليت شعري بِمَاذَا أَشَارَ بِمَا يدل عَلَيْهِ متن الحَدِيث أَو من الْخَارِج، فَالْأول، لَا يَصح، لِأَن الْكَلَام مَا سيق لَهُ. وَالثَّانِي: لَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ لَا يُفِيد مَقْصُوده. الثَّانِي: أَن قَوْله: فنبه على أَنه لَا بُد من الْقِرَاءَة، غير صَحِيح، لِأَن الَّذِي دلّ على أَنه لَا بُد من الْقِرَاءَة مَا هُوَ؟ وَكَون عَائِشَة وصفت الرَّكْعَتَيْنِ المذكورتين بالخفة لَا يسْتَلْزم أَن يقْرَأ فيهمَا، لَا بُد، بل هُوَ مُحْتَمل للْقِرَاءَة وَعدمهَا. الثَّالِث: أَن قَوْله: فَكَأَنَّهَا أَرَادَت قِرَاءَة الْفَاتِحَة فَقَط، كَلَام واهٍ، لِأَنَّهُ أَي دَلِيل يدل بِوَجْه من وُجُوه الدلالات على أَنَّهَا أَرَادَت قِرَاءَة الْفَاتِحَة فَقَط؟ أَو قرَاءَتهَا مَعَ شَيْء يسير غَيرهَا؟ وَالرَّابِع: قَوْله: وَلم يثبت عِنْده على شَرطه تعْيين مَا يقْرَأ بِهِ فيهمَا، يرد بإنه لما لم يثبت ذَلِك، فَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَن تكون التَّرْجَمَة بقوله: مَا يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر، لِأَن السُّؤَال بِكَلِمَة: مَا، يكون عَن الْمَاهِيّة، وماهية الْقِرَاءَة فِي رَكْعَتي الْفجْر تَعْيِينهَا، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يعين ذَلِك. وتعسف الْكرْمَانِي فِي هَذَا الْموضع حَيْثُ قَالَ: قَوْله: خفيفتين، هُوَ مَحل مَا يدل على التَّرْجَمَة، إِذْ يعلم من لفظ الخفة أَنه لم يقْرَأ إلَاّ الْفَاتِحَة فَقَط أَو مَعَ أقصر قصار الْمفصل انْتهى قلت: سُبْحَانَ الله، لَيْت شعري من أَيْن يعلم من لفظ الخفة أَنه، ﷺ ، قَرَأَ فيهمَا؟ وَإِذا سلمنَا أَنه، قَرَأَ فيهمَا، فَمن أَيْن يعلم أَنه قَرَأَ الْفَاتِحَة وَحدهَا، أَو مَعَ شَيْء من قصار الْمفصل؟ فَإِن قلت: الْمَعْهُود شرعا وَعَادَة أَن لَا صَلَاة إلَاّ بِالْقِرَاءَةِ؟ قلت: ذهب جمَاعَة، مِنْهُم أَبُو بكر بن الْأَصَم وَابْن علية وَطَائِفَة من الظَّاهِرِيَّة: أَن لَا قِرَاءَة إلَاّ فِي رَكْعَتي الْفجْر، وَاحْتَجُّوا

стр. 2098

فِي ذَلِك بِحَدِيث عَائِشَة الَّذِي يَأْتِي عَن قريب، وَفِيه: (حَتَّى إِنِّي لأقول: هَل قَرَأَ بِأم الْقُرْآن؟) قُلْنَا: سلمنَا أَن لَا صَلَاة إِلَّا بِالْقِرَاءَةِ، وَمَا اعْتبرنَا خلاف هَؤُلَاءِ، وَلَكِن تعْيين قِرَاءَة الْفَاتِحَة فيهمَا من أَيْن؟ فَإِن قَالُوا: بقوله ﷺ : (لَا صَلَاة إلَاّ بِفَاتِحَة الْكتاب) ؟ قُلْنَا: يُعَارضهُ مَا روى فِي صَلَاة الْمُسِيء حَيْثُ قَالَ لَهُ: (فَكبر ثمَّ إقرأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن) ، فَهَذَا يُنَافِي تعْيين قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة مُطلقًا، إِذْ لَو كَانَت قرَاءَتهَا متعينة لأَمره النَّبِي ﷺ بذلك، بل هُوَ صَرِيح فِي الدّلَالَة على أَن الْفَرْض مُطلق الْقِرَاءَة، كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيُمكن أَن يُوَجه وَجه الْمُطَابقَة بَين حَدِيث الْبَاب وَبَين التَّرْجَمَة بِأَن يُقَال: إِن كلمة: مَا، فِي الأَصْل للاستفهام عَن مَاهِيَّة الشَّيْء، مثلا: إِذا قلت مَا الأنسان مَعْنَاهُ؟ مَا ذَاته وَحَقِيقَته؟ فَجَوَابه: حَيَوَان نَاطِق، وَقد يستفهم بهَا عَن صفة الشَّيْء نَحْو قلوه تَعَالَى: ﴿وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى﴾ (طه: ٧١) . وَمَا لَوْنهَا؟ وَهَهُنَا أَيْضا قَوْله: مَا يقْرَأ؟ اسْتِفْهَام عَن صفة الْقِرَاءَة فِي رَكْعَتي الْفجْر هَل هِيَ قَصِيرَة أَو طَوِيلَة؟ فَقَوله: (خفيفتين) يدل على أَنَّهَا كَانَت قَصِيرَة، إِذْ لَو كَانَت طَوِيلَة لما وصفت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بقولِهَا: (خفيفتين) . وَأما تعْيين هَذِه الْقِرَاءَة فيهمَا فقد علم بِأَحَادِيث أُخْرَى. مِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن عمر، أخرجه التِّرْمِذِيّ فَقَالَ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان، وَأَبُو عمار قَالَا: حَدثنَا أَبُو أَحْمد الزبيرِي حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن مُجَاهِد (عَن ابْن عمر، قَالَ: رمقت النَّبِي ﷺ شهرآ فَكَانَ يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر: قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَقل هُوَ الله أحد) . وَقَالَ: حَدِيث ابْن عمر حَدِيث حسن، وَأَبُو أَحْمد الزبيرِي ثِقَة حَافظ، واسْمه: مُحَمَّد بن عبد الله بن الزبير الْأَسدي الْكُوفِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أَحْمد بن سِنَان وَمُحَمّد بن عبَادَة كِلَاهُمَا عَن أبي أَحْمد الزبيرِي، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة عمار بن زُرَيْق عَن أبي إِسْحَاق فَزَاد فِي إِسْنَاده إِبْرَاهِيم بن مهَاجر بَين أبي إِسْحَاق وَبَين مُجَاهِد. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا من رِوَايَة عَاصِم ابْن بَهْدَلَة عَن ذَر وَأبي وَائِل، (عَن عبد الله قَالَ: مَا أحصي مَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الْفجْر: بقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَقل هُوَ الله أحد) . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أخرجه الْبَزَّار من رِوَايَة مُوسَى بن خلف عَن قَتَادَة (عَن أنس: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر: قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ وَقل هُوَ الله أحد) ، وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة: أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة يزِيد ابْن كيسَان عَن أبي حَازِم (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَرَأَ فِي رَكْعَتي الْفجْر: قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ وَقل هُوَ الله أحد) . وَلأبي هُرَيْرَة حَدِيث آخر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة أبي الْغَيْب، واسْمه: سَالم، (عَن أبي هُرَيْرَة: أَنه سمع النَّبِي، ﷺ ، يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر: ﴿قل آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ (آل عمرَان: ٤٨) . فِي الرَّكْعَة الأولى وبهذه الْآيَة ﴿رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ (آل عمرَان: ٣٥) . أَو ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٩١١ وفاطر: ٤٢) . شكّ من الرَّاوِي. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس: أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة سعيد بن يسَار (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر: ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣١) . وَالَّتِي فِي آل عمرَان: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ (آل عمرَان: ٤٦) . لفظ مُسلم وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد (إِن كثيرا مِمَّا كَانَ يقْرَأ رَسُول الله، ﷺ ، فِي رَكْعَتي الْفجْر ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣١) . الْآيَة، قَالَ: هَذِه فِي الرَّكْعَة الأولى، وَفِي الرَّكْعَة الْآخِرَة: ﴿آمنا بِاللَّه وَأشْهد بِأَنا مُسلمُونَ﴾ (آل عمرَان: ٢٥٢ والمائدة: ١١١) . وَقَالَ النَّسَائِيّ: كَانَ يقْرَأ فِي رَكْعَتي الْفجْر فِي الأولى مِنْهُمَا الْآيَة الَّتِي فِي الْبَقَرَة: ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣١) . وَالْبَاقِي نَحوه. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ عبد الله بن جَعْفَر: أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة أَصْرَم بن حَوْشَب عَن إِسْحَاق بن وَاصل عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ (عَن عبد الله بن جَعْفَر، قَالَ: كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر والركعتين، بعد الْمغرب،: قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَقل هُوَ الله أحد) . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ جَابر بن عبد الله: أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من رِوَايَة طَلْحَة بن خِدَاش (عَن جَابر بن عبد الله: أَن رجلا قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتي الْفجْر، فَقَرَأَ فِي الأولى: قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، حَتَّى انْقَضتْ السُّورَة، فَقَالَ النَّبِي، ﷺ ، هَذَا عبد عرف ربه، وَقَرَأَ فِي الْآخِرَة: قل هُوَ الله أحد، حَتَّى انْقَضتْ السُّورَة، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ ، هَذَا عبد آمن بربه. قَالَ طَلْحَة: فَأَنا أحب أَقرَأ بِهَاتَيْنِ السورتين فِي هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ) . وَأما رجال حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور فقد ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي، وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة كِلَاهُمَا عَن

стр. 2099

مَالك بِهِ. قَوْله: (ثَلَاث عشرَة رَكْعَة. .) إِلَى آخِره، يدل على أَن رَكْعَتي الْفجْر خَارِجَة من الثَّلَاث عشرَة، وَقد تقدم فِي أول صَلَاة اللَّيْل أَنا دَاخِلَة فِيهَا، وَذكر فِي: بَاب قيام النَّبِي، ﷺ ، أَنه مَا كَانَ يزِيد فِي رَمَضَان وَلَا غَيره على إِحْدَى عشرَة رَكْعَة. وَقد مر التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات فِيمَا مضى. ١٧١١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثَنَا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَمَّتِهِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النبيُّ ﷺ (ح) وحدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حَدثنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيى هُوَ ابنُ سَعِيدٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَمْرَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النبيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إنِّي لأَقُولُ هَلْ قَرَأ بِأُمِّ الكِتَابِ. مطابقته للتَّرْجَمَة توجه بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ للْحَدِيث السَّابِق. ذكر رِجَاله: وهم تِسْعَة، لِأَنَّهُ رَوَاهُ من طَرِيقين: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: غنْدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وَضمّهَا فِي آخِره رَاء، وَهُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر أبي عبد الله الْهُذلِيّ صَاحب الكرابيس. الثَّالِث: شُعْبَة ابْن الْحجَّاج. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة، وَيُقَال ابْن أبي زُرَارَة الْأنْصَارِيّ البُخَارِيّ، وَيُقَال مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة، قَالَ كَاتب الْوَاقِدِيّ: توفّي سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة. الْخَامِس: عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة. السَّادِس: أَحْمد بن يُونُس، هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس بن عبد الله بن قيس أَبُو عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي. السَّابِع: زُهَيْر بن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ. الثَّامِن: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. التَّاسِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه العنعنة فِي سِتَّة مَوَاضِع وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن مُحَمَّد بن بشار وغندر بصريان، وَشعْبَة واسطي، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن وَيحيى بن سعيد مدنيان، وَأحمد بن يُونُس وَزُهَيْر كوفيان. وَفِيه: عَن عمته عمْرَة أَي: عَن عمَّة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سعد، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن بن سعد، تكون عمَّة أَبِيه لَا عمَّة نَفسه. وَفِيه: وَحدثنَا أَحْمد بن يُونُس، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، قَالَ: وَحدثنَا أبي، قَالَ البُخَارِيّ: وَحدثنَا أَحْمد، وَفِيه أحد الروَاة مَذْكُور بلقبه، وراويان مذكوران بِلَا نِسْبَة، وراو مَذْكُور بِنِسْبَة مفسرة. وَفِيه: فِي الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن يُونُس عَن عمْرَة، الظَّاهِر أَنه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الأول، وَذكر أَبُو مَسْعُود أَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث هُوَ أَبُو الرِّجَال مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن حَارِثَة بن النُّعْمَان، وَيُقَال: ابْن عبد الله بن حَارِثَة الْأنْصَارِيّ البُخَارِيّ، لقب بِأبي الرِّجَال لِأَن لَهُ عشرَة أَوْلَاد رجال، وجده حَارِثَة بَدْرِي، وَسبب اشْتِبَاه ذَلِك على أبي مَسْعُود أَنه روى عَن عمْرَة، وَعمرَة أمه، لكنه لم يرو عَنْهَا هَذَا الحَدِيث، وَلِأَنَّهُ روى عَنهُ يحيى بن سعيد، وَشعْبَة وَقد نبه على ذَلِك الْخَطِيب، فَقَالَ فِي حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن عمته عمْرَة عَن عَائِشَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْفجْر وَمن قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: عَن شُعْبَة عَن أبي الرِّجَال مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن فقد وهم، لِأَن شُعْبَة لم يرو عَن أبي الرِّجَال شَيْئا، وَكَذَلِكَ من قَالَ عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن أمه عمْرَة، وَذكر الجياني أَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أَرْبَعَة من تَابِعِيّ أهل الْمَدِينَة، اسماؤهم مُتَقَارِبَة وطبقتهم وَاحِدَة وحديثهم مخرج فِي الْكِتَابَيْنِ: الأول: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان عَن جَابر، وَأبي سَلمَة، روى عَنهُ يحيى بن أبي كثير. وَالثَّانِي: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن نَوْفَل، أَبُو الْأسود يَتِيم عُرْوَة. وَالثَّالِث: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، يَعْنِي ابْن زُرَارَة. وَالرَّابِع: مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن أَبُو الرِّجَال. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التابعية عَن الصحابية.

стр. 2100

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قبل الصُّبْح) أَي: قبل صَلَاة الصُّبْح وهما سنة صَلَاة الصُّبْح. قَوْله: (إِنِّي) ، بِكَسْر الْهمزَة. قَوْله: (لأقول) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (بِأم الْقُرْآن) ، هَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: (بِأم الْكتاب) ، وَفِي رِوَايَة مَالك: (قَرَأَ بِأم الْقُرْآن أم لَا؟) وَأم الْقُرْآن: الْفَاتِحَة، سميت بِهِ لِأَن أم الشَّيْء أَصله، وَهِي مُشْتَمِلَة على كليات مَعَاني الْقُرْآن الثَّلَاث: مَا يتَعَلَّق بالمبدأ وَهُوَ الثَّنَاء على الله تَعَالَى، وبالمعاش وَهُوَ الْعِبَادَة، وبالمعاد وَهُوَ الْجَزَاء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَيْسَ معنى قَول عَائِشَة: إِنِّي لأقول: هَل قَرَأَ بِأم الْقُرْآن؟ أَنَّهَا شكت فِي قِرَاءَته، ﷺ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه كَانَ يُطِيل فِي النَّوَافِل، فَلَمَّا خفف فِي قِرَاءَة رَكْعَتي الْفجْر صَار كَأَنَّهُ لم يقْرَأ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيرهمَا من الصَّلَوَات. قلت: كلمة: هَل، حرف مَوْضُوع لطلب التَّصْدِيق الإيجابي دون التصوري وَدون التَّصْدِيق السلبي، فَدلَّ هَذَا على أَنَّهَا مَا شكت فِي قِرَاءَته مُطلقًا، وتقييدها بِالْفَاتِحَةِ من أَيْن؟ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى عَن قريب. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْمُبَالغَة فِي تَخْفيف رَكْعَتي الصُّبْح، وَلكنهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَادَته ﷺ من إطالته صَلَاة اللَّيْل، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْقِرَاءَة فِي رَكْعَتي الْفجْر على أَرْبَعَة مَذَاهِب حَكَاهَا الطَّحَاوِيّ. أَحدهَا: لَا قِرَاءَة فيهمَا، كَمَا ذكرنَا فِي أول الْبَاب عَن جمَاعَة. الثَّانِي: يُخَفف الْقِرَاءَة فيهمَا بِأم الْقُرْآن خَاصَّة، رُوِيَ ذَلِك عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك. الثَّالِث: يُخَفف بِقِرَاءَة أم الْقُرْآن وَسورَة قَصِيرَة، رَوَاهُ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. الرَّابِع: لَا بَأْس بتطويل الْقِرَاءَة فيهمَا، رُوِيَ ذَلِك عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُجاهد، وَعَن أبي حنيفَة: رُبمَا قَرَأت فيهمَا حزبين من الْقُرْآن، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: الْمُسْتَحبّ قِرَاءَة سُورَة الْإِخْلَاص فِي رَكْعَتي الْفجْر، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ ذَلِك من الصَّحَابَة: عبد الله بن مَسْعُود، وَمن التَّابِعين: سعيد بن جُبَير وَمُحَمّد بن سِيرِين وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ وسُويد بن غَفلَة وغينم بن قيس، وَمن الْأَئِمَّة: الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ نَص عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيّ وَقَالَ مَالك: أما أَنا فَلَا أَزِيد فيهمَا على أم الْقُرْآن فِي كل رَكْعَة رَوَاهُ عَنهُ ابْن الْقَاسِم، وروى ابْن وهب عَنهُ أَنه لَا يقْرَأ فيهمَا إلَاّ بِأم الْقُرْآن. وَحكى ابْن عبد الْبر عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: لَا بَأْس أَن يقْرَأ مَعَ أم الْقُرْآن سُورَة قَصِيرَة. قَالَ: روى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَيْضا مثله. ثمَّ إِن الْحِكْمَة فِي تخفيفه ﷺ رَكْعَتي الْفجْر الْمُبَادرَة إِلَى صَلَاة الصُّبْح فِي أول الْوَقْت، وَبِه جزم صَاحب الْمُفْهم، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ استفتاح صَلَاة النَّهَار بِرَكْعَتَيْنِ خفيفتين، كَمَا كَانَ يستفتح قيام اللَّيْل بِرَكْعَتَيْنِ خفيفتين، ليتأهب ويستعد للتفرغ للْفَرض أَو لقِيَام اللَّيْل الَّذِي هُوَ أفضل الصَّلَوَات بعد المكتوبات، كَمَا ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) وَخص بعض الْعلمَاء اسْتِحْبَاب التَّخْفِيف فِي رَكْعَتي الْفجْر بِمن لم يتَأَخَّر عَلَيْهِ بعض حزبه الَّذِي اعْتَادَ الْقيام بِهِ فِي اللَّيْل، فَإِن بَقِي عَلَيْهِ شَيْء قَرَأَ فِي رَكْعَتي الْفجْر، فروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: لَا بَأْس أَن يُطِيل رَكْعَتي الْفجْر يقْرَأ فيهمَا من حزبه إِذا فَاتَهُ، وَعَن مُجَاهِد أَيْضا قَالَ: لَا بَأْس أَن يُطِيل رَكْعَتي الْفجْر. وَقَالَ الثَّوْريّ: إِن فَاتَهُ شَيْء من حزبه بِاللَّيْلِ فَلَا بَأْس أَن يقْرَأ فيهمَا وَيطول. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: رُبمَا قَرَأت فِي رَكْعَتي الْفجْر حزبي من اللَّيْل، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) مُرْسلا من رِوَايَة سعيد بن جُبَير، قَالَ: (كَانَ النَّبِي، ﷺ ، رُبمَا أَطَالَ رَكْعَتي الْفجْر) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَفِي إِسْنَاده رجل من الْأَنْصَار لم يسم. فَائِدَة: التَّطْوِيل فِي الصَّلَاة مرغب فِيهِ لقَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح (أفضل الصَّلَاة طول الْقُنُوت) ، وَلقَوْله، ﷺ ، أَيْضا فِي الصَّحِيح: (إِن طول صَلَاة الرجل سمة من فقهه) أَي: عَلامَة، وَلقَوْله، ﷺ ، فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَيْضا (إِذا صلى أحدكُم لنَفسِهِ فليطول مَا شَاءَ) إلَاّ أَنه قد اسْتثْنى من ذَلِك مَوَاضِع اسْتحبَّ الشَّارِع فِيهَا التَّخْفِيف: مِنْهَا: رَكعَتَا الْفجْر لما ذكرنَا. وَمِنْهَا: تَحِيَّة الْمَسْجِد إِذا دخل يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب ليتفرغ لسَمَاع الْخطْبَة، وَهَذِه مُخْتَلف فِيهَا. وَمِنْهَا: استفتاح صَلَاة اللَّيْل بِرَكْعَتَيْنِ خفيفتين، وَذَلِكَ للتعجيل بِحل عقد الشَّيْطَان، فَإِن الْعقْدَة الثَّالِثَة تنْحَل بِصَلَاة رَكْعَتَيْنِ، فَلذَلِك أَمر بِهِ، وَأما فعله، ﷺ ، ذَلِك فللتشريع ليقتدى بِهِ وإلَاّ فَهُوَ مَعْصُوم مَحْفُوظ من الشَّيْطَان، وَأما تَخْفيف الإِمَام فقد علله، ﷺ ، بقوله: (فَإِن وَرَاءه السقيم والضعيف وَذَا الْحَاجة) ، وَالله تَعَالَى أعلم بِحَقِيقَة الْحَال، وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب.

стр. 2101

(كتاب التَّطَوُّعِ) أَي: هَذِه أَبْوَاب فِي بَيَان أَحْكَام التَّطَوُّع من الصَّلَوَات وَلَا تُوجد هَذِه التَّرْجَمَة فِي غَالب نسخ البُخَارِيّ، وَهِي تَنْفَع وَلَا تضر. ٩٢ - (بابُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّطَوُّع من الصَّلَوَات بعد الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة، أَي: الْفَرِيضَة، وَاكْتفى بِقَيْد البعيدية مَعَ أَن فِي أَحَادِيث هَذِه الْأَبْوَاب بَيَان التَّطَوُّع قبل الْفَرِيضَة أَيْضا إِلَى شدَّة احْتِيَاج الاهتمام فِي أَدَاء التطوعات بعد الْفَرَائِض، أَو هُوَ من بَاب الِاكْتِفَاء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سرابيل تقيكم الْحر﴾ (النَّحْل: ١٨) . . ٢٧١١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أخبرنَا نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وسَجْدَتَيْنِ بعْدَ الظهْرِ وسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ وسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ وسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ فأمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ. قَالَ ابنُ أبي الزِّنَادِ عنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عَنْ نافِعٍ بَعْدَ العِشَاءِ فِي أهْلِهِ. تابَعَهُ كَثِيرُ بنُ فَرْقَدٍ وأيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ. وحدَّثتني أُخْتِي حَفْصَةُ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الفَجْرُ وكانَتْ سَاعَةً لَا أدْخُلُ عَلَى النبيِّ ﷺ فِيهَا. (أنظر الحَدِيث ٨١٦ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن البعدية مَذْكُورَة فِيهِ فِي خَمْسَة مَوَاضِع. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَأخرجه مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبيد الله بن سعيد، قَالَا: حَدثنَا يحيى وَهُوَ ابْن سعيد عَن عبيد الله قَالَ أَخْبرنِي نَافِع عَن ابْن عمر وحَدثني أَبُو بكر بن أبي شيبَة قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة، قَالَ: حَدثنَا عبيد الله عَن نَافِع (عَن ابْن عمر قَالَ: صليت مَعَ النَّبِي ﷺ قبل الظّهْر سَجْدَتَيْنِ وَبعدهَا سَجْدَتَيْنِ، وَبعد الْمغرب سَجْدَتَيْنِ وَبعد الْعشَاء سَجْدَتَيْنِ، وَبعد الْجُمُعَة سَجْدَتَيْنِ، فَأَما الْمغرب وَالْعشَاء وَالْجُمُعَة فَصليت مَعَ النَّبِي ﷺ فِي بَيته) . وَقد مر حَدِيث ابْن عمر أَيْضا فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّع مثنى مثنى، رَوَاهُ عَن يحيى بن بكير عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن سَالم (عَن عبد الله بن عمر قَالَ: صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ . .) الحَدِيث، وَسَيَأْتِي بعد أَرْبَعَة أَبْوَاب فِي: بَاب الرَّكْعَتَيْنِ قبل الظّهْر، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع (عَن ابْن عمر قَالَ: حفظت من النَّبِي ﷺ عشر رَكْعَات. .) الحَدِيث، وَقد مر حَدِيث ابْن عمر أَيْضا فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْجُمُعَة وَقبلهَا، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي قبل الظّهْر رَكْعَتَيْنِ. .) الحَدِيث. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (صليت مَعَ النَّبِي ﷺ ، المُرَاد من الْمَعِيَّة هَذِه مُجَرّد الْمُتَابَعَة فِي الْعدَد، وَهُوَ أَن ابْن عمر صلى رَكْعَتَيْنِ وَحده كَمَا صلى ﷺ رَكْعَتَيْنِ لَا أَنه اقْتدى بِهِ، ﷺ ، فيهمَا. قَوْله: (سَجْدَتَيْنِ) أَي: رَكْعَتَيْنِ، عبر عَن الرُّكُوع بِالسُّجُود. قَوْله: (فَأَما الْمغرب) أَي: فَأَما سنة الْمغرب، وَكلمَة: أما، للتفصيل وقسيمها مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ السِّيَاق أَي: وَأما الْبَاقِيَة فَفِي الْمَسْجِد. فَإِن قلت: فِي رِوَايَته عَن ابْن عمر فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْجُمُعَة. (وَكَانَ لَا يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة حَتَّى ينْصَرف فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ) ، وَهَهُنَا: (وسجدتين بعد الْجُمُعَة) ، يَعْنِي: وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ بعد صَلَاة الْجُمُعَة، فَبين الرِّوَايَتَيْنِ تنافٍ ظَاهرا؟ قلت: قَوْله: (حَتَّى ينْصَرف) ، من الِانْصِرَاف عَن الشَّيْء وَهُوَ أَعم من الِانْصِرَاف إِلَى الْبَيْت، وَلَئِن سلمنَا فالاختلاف إِنَّمَا كَانَ لبَيَان جَوَاز الْأَمريْنِ. قَوْله: (وحدثتني أُخْتِي حَفْصَة) أَي: قَالَ ابْن عمر: حَدَّثتنِي أُخْتِي حَفْصَة بنت عمر بن الْخطاب زوج النَّبِي ﷺ . قَوْله: (سَجْدَتَيْنِ) فِي رِوَايَة الْكشميهني: (رَكْعَتَيْنِ) . قَوْله: (وَكَانَت سَاعَة) أَي: كَانَت السَّاعَة

стр. 2102

الَّتِي بعد طُلُوع الْفجْر سَاعَة لَا يدْخل أحد على النَّبِي ﷺ فِيهَا، وَقَائِل ذَلِك هُوَ ابْن عمر أَيْضا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَنَّهُ ﷺ لم يكن يشْتَغل فِيهَا بالخلائق. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن السّنة قبل الظّهْر رَكْعَتَانِ، وَلَكِن روى البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن الْمُنْتَشِر (عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ لَا يدع أَرْبعا قبل الظّهْر) . وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة خَالِد الْحذاء (عَن عبد الله بن شَقِيق، قَالَ: سَأَلت عَائِشَة عَن صَلَاة رَسُول الله ﷺ عَن تطوعه؟ فَقَالَت: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قبل الظّهْر أَرْبعا) . وروى التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عَاصِم بن حَمْزَة (عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي قبل الظّهْر أَرْبعا وَبعدهَا رَكْعَتَيْنِ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث عَليّ حَدِيث حسن، وَقَالَ أَيْضا: وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، وَمن بعده يختارون أَن يُصَلِّي الرجل قبل الظّهْر أَربع رَكْعَات، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَإِسْحَاق، وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه حَدِيث أم حَبِيبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ النَّبِي ﷺ : (من صلى فِي يَوْم ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة تَطَوّعا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة) ، وَزَاد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: (أَرْبعا قبل الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ بعْدهَا وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء وَرَكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الْغَدَاة) . وللنسائي فِي رِوَايَة: (وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْعَصْر) بدل: (وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء) ، وَكَذَلِكَ عِنْد ابْن حبَان فِي صَحِيحه، وَرَوَاهُ عَن ابْن خُزَيْمَة بِسَنَدِهِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ، وَجمع الْحَاكِم فِي لَفظه بَين الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ فِيهِ: (وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْعَصْر وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء) . وَكَذَلِكَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) وَاحْتج أَصْحَابنَا بِهَذَا الحَدِيث أَن السّنَن الْمُؤَكّدَة فِي الصَّلَوَات الْخمس اثْنَتَا عشرَة: رَكْعَتَانِ قبل الْفجْر وَأَرْبع قبل الظّهْر وَبعدهَا رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ وركعتان بعد الْمغرب وَبعد الْعشَاء، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: ذهب الْأَكْثَرُونَ، يَعْنِي من أَصْحَاب الشَّافِعِي، إِلَى أَن الرَّوَاتِب عشر رَكْعَات، وَهِي: رَكْعَتَانِ قبل الصُّبْح، وركعتان قبل الظّهْر وركعتان بعْدهَا، وركعتان بعد الْمغرب وركعتان بعد الْعشَاء. قَالَ: وَمِنْهُم من زَاد على الْعشْر رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ قبل الظّهْر بقوله ﷺ : (من ثابر على اثْنَتَيْ عشرَة رَكْعَة من السّنة بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة) . وَفِيه: (سَجْدَتَيْنِ بعد الظّهْر) يَعْنِي رَكْعَتَيْنِ، وَقد روى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان، قَالَ قَالَت أم حَبِيبَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من حَافظ على أَربع رَكْعَات قبل الظّهْر وَأَرْبع بعْدهَا حرم على النَّار) ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب، والتوفيق بَين الْحَدِيثين أَن النَّبِي ﷺ صلى بعد الظّهْر رَكْعَتَيْنِ مرّة، وَصلى بعد الظّهْر أَرْبعا مرّة، بَيَانا للْجُوَاز، وَاخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِي الْأَعْدَاد مَحْمُول على توسعة الْأَمر فِيهَا، وَأَن لَهَا أقل وَأكْثر فَيحصل أقل السّنة بِالْأَقَلِّ، وَلَكِن الِاخْتِيَار فعل الْأَكْثَر الْأَكْمَل، وَقد عد جمع من الشَّافِعِيَّة الْأَرْبَع قبل الظّهْر من الرَّوَاتِب وَحكى عَن الرَّافِعِيّ أَنه حكى عَن الْأَكْثَرين أَن راتبة الظّهْر رَكْعَتَانِ قبلهَا وركعتان بعْدهَا، وَمِنْهُم من قَالَ: رَكْعَتَانِ من الْأَرْبَع بعْدهَا راتبة وركعتان مُسْتَحبَّة بِاتِّفَاق الْأَصْحَاب. وَمذهب الشَّافِعِي فِي هَذَا الْبَاب أَن السّنَن عِنْد الصَّلَوَات الْخمس عشر رَكْعَات: قبل الظّهْر رَكْعَتَانِ، وَقد مر عَن قريب، وَبِه قَالَ أَحْمد وَمن الشَّافِعِيَّة من قَالَ أدنى الْكَمَال ثَمَان فأسقط سنة الْعشَاء، وَقَالَ النَّوَوِيّ: نَص عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيّ، وَمِنْهُم من قَالَ: اثْنَتَا عشرَة رَكْعَة، فَجعل قبل الظّهْر أَرْبعا، والأكمل عِنْد الشَّافِعِيَّة ثَمَانِي عشرَة رَكْعَة، زادوا: قبل الْمغرب رَكْعَتَيْنِ وَبعدهَا رَكْعَتَيْنِ وأربعا قبل الْعَصْر. وَفِي (الْمُهَذّب) : أدنى الْكَمَال عشر رَكْعَات، وَأتم الْكَمَال ثَمَانِي عشرَة، وَفِي اسْتِحْبَاب الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب وَجْهَان: قيل باستحبابهما وَقيل لَا تستحبان، وَبِه قَالَ أَصْحَابنَا، ثمَّ الْأَرْبَع قبل الظّهْر بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة عندنَا لما روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أَربع قبل الظّهْر لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيم تفتح لَهُنَّ أَبْوَاب السَّمَاء) ، وَعند الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد: يُصليهَا بتسليمتين، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَنه ﷺ كَانَ يصليهن بتسليمتين) ، وَالْجَوَاب عَنهُ أَن معنى قَوْله: (بتسليمتين) يَعْنِي بتشهدين، فَسمى التَّشَهُّد تَسْلِيمًا لما فِيهِ من السَّلَام، كَمَا سمى التَّشَهُّد لما فِيهِ من الشَّهَادَة، وَقد رُوِيَ هَذَا التَّأْوِيل عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه (وسجدتين بعد الْمغرب) أَي: وَرَكْعَتَيْنِ بعد صَلَاة الْمغرب، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عبد الله بن بُرَيْدَة عَن عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (صلوا قبل الْمغرب رَكْعَتَيْنِ. .) الحَدِيث، وَاخْتلف السّلف فِي النَّفْل قبل الْمغرب، فَأَجَازَهُ طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاء وحجتهم

стр. 2103

هَذَا الحَدِيث، وَرُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَغَيرهم أَنهم كَانُوا لَا يصلونها، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: هِيَ بِدعَة، والْحَدِيث مَحْمُول على أَنه كَانَ فِي أول الْإِسْلَام ليتبين خُرُوج الْوَقْت الْمنْهِي عَن الصَّلَاة فِيهِ بمغيب الشَّمْس. وَفِيه: (وسجدتين بعد الْعشَاء) ، أَي: وَرَكْعَتَيْنِ بعد صَلَاة الْعشَاء، وَرُوِيَ سعيد بن مَنْصُور فِي (سنَنه) من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى قبل الظّهْر أَرْبعا كَانَ كَأَنَّمَا تهجد من ليلته، وَمن صَلَّاهُنَّ بعد الْعشَاء كَانَ كمثلهن من لَيْلَة الْقدر) . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من قَول عَائِشَة: (قَالَت: من صلى أَرْبعا بعد الْعشَاء كَانَ كمثلهن من لَيْلَة الْقدر) . وَفِي (الْمَبْسُوط) : لَو صلى أَرْبعا بعد الْعشَاء فَهُوَ أفضل، لحَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا وموقوفا أَنه ﷺ قَالَ: (من صلى بعد الْعشَاء أَربع رَكْعَات كن كمثلهن من لَيْلَة الْقدر) . وَفِيه (وسجدتين بعد الْجُمُعَة) ، أَي: وَرَكْعَتَيْنِ بعد صَلَاة الْجُمُعَة: وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من كَانَ مِنْكُم مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل أَرْبعا) ، قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا وَبَقِيَّة الْأَرْبَعَة، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم، وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه كَانَ يُصَلِّي قبل الْجُمُعَة أَرْبعا وَبعدهَا أَرْبعا، وَقد رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه أَمر أَن يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَرْبعا، وَذهب سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك إِلَى قَول ابْن مَسْعُود، وَقَالَ إِسْحَاق: إِن صلى فِي الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة صلى أَرْبعا، وَإِن صلى فِي بَيته صلى رَكْعَتَيْنِ، وَمِمَّنْ فعل من الصَّحَابَة رَكْعَتَيْنِ بعد الْجُمُعَة عمرَان بن حُصَيْن، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي وَأحمد، قَالَ شَيخنَا: وَلم يرد الشَّافِعِي وَأحمد بذلك إلَاّ بَيَان أقل مَا يسْتَحبّ وإلَاّ فقد استحبها أَكثر من ذَلِك، فنص الشَّافِعِي فِي (الْأُم) على أَنه يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة أَربع رَكْعَات، ذكره فِي: بَاب صَلَاة الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ من اخْتِلَاف عَليّ وَابْن مَسْعُود، وَلَيْسَ ذَلِك اخْتِلَاف قَول عَنهُ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان الأولى والأكمل كَمَا فِي سنة الظّهْر، وَقد صرح بِهِ صَاحب (الْمُهَذّب) وَالنَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) وَفِي (التَّحْقِيق) . وَأما أَحْمد فَنقل عَنهُ ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) أَنه قَالَ: إِن شَاءَ صلى بعد الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ وَإِن شَاءَ صلى أَرْبعا، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: وَإِن شَاءَ سِتا وَكَانَ ابْن مَسْعُود وَالنَّخَعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي يرَوْنَ أَن يُصَلِّي بعْدهَا أَرْبعا لحَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَعَن عَليّ وَأبي مُوسَى وَعَطَاء وَمُجاهد وَحميد بن عبد الرَّحْمَن وَالثَّوْري أَنه يُصَلِّي سِتا. وَفِيه: قَول ابْن عمر: (فَأَما الْمغرب وَالْعشَاء فَفِي بَيته أَرْبعا) وَقد اخْتلف فِي ذَلِك، فروى قوم من السّلف، مِنْهُم: زيد بن ثَابت وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أَنَّهُمَا كَانَا يركعان رَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب فِي بيوتهما، وَقَالَ الْعَبَّاس بن سهل بن سعد: لقد أدْركْت زمن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ،. وَإِنَّا لنسلم من الْمغرب فَلَا أرى رجلا وَاحِدًا يُصَلِّيهمَا فِي الْمَسْجِد: كَانُوا يبتدرون أَبْوَاب الْمَسْجِد فيصلونهما فِي بُيُوتهم. وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان: إِنَّهُم كَانُوا يؤخرون الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب إِلَى بُيُوتهم، وَكَانُوا يؤخرونها حَتَّى تشتبك النُّجُوم،، وَرُوِيَ عَن طَائِفَة أَنهم كَانُوا يتنفلون النَّوَافِل كلهَا فِي بُيُوتهم دون الْمَسْجِد، وَرُوِيَ عَن عُبَيْدَة أَنه كَانَ لَا يُصَلِّي بعد الْفَرِيضَة شَيْئا حَتَّى يَأْتِي أَهله، وَقَالَ ابْن بطال: قيل: إِنَّمَا كره الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد لِئَلَّا يرى جَاهِل عَالما يُصليهَا فِيهِ فيراها فَرِيضَة، أَو لِئَلَّا يخلي منزله من الصَّلَاة فِيهِ، أَو حذرا على نَفسه من الرِّيَاء، فَإِذا سلم من ذَلِك فَالصَّلَاة فِي الْمَسْجِد حَسَنَة، وَقد بَين بَعضهم عِلّة كَرَاهَة من كرهه، وَمن ذَلِك مَا قَالَه مَسْرُوق، قَالَ: كُنَّا نَقْرَأ فِي الْمَسْجِد فنقوم نصلي فِي الصَّفّ، قَالَ عبد الله: صلوا فِي بُيُوتكُمْ لَا يرونكم النَّاس فيرون أَنَّهَا سنة. فَائِدَة: لَيْسَ فِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْمَذْكُور النَّفْل قبل الْعَصْر، وروى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (رحم الله امْرأ صلى قبل الْعَصْر أَرْبعا) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب حسن، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (كَانَ يُصَلِّي قبل الْعَصْر أَربع رَكْعَات يفصل بَينهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ على الْمَلَائِكَة المقربين وَمن تَبِعَهُمْ من الْمُسلمين وَالْمُؤمنِينَ) . وَقَالَ: حَدِيث عَليّ حَدِيث حسن، وَأخرجه بَقِيَّة أَصْحَاب السّنَن مَعَ اخْتِلَاف، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مُجَاهِد، (عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: جِئْت وَرَسُول الله ﷺ قَاعد فِي أنَاس من أَصْحَابه، مِنْهُم عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فأدركت آخر الحَدِيث وَرَسُول الله ﷺ يَقُول: من صلى أَربع رَكْعَات قبل الْعَصْر لم تمسه النَّار) ، وَفِيه عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق ضَعِيف، وروى أَبُو نعيم من حَدِيث الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صلى قبل الْعَصْر أَربع رَكْعَات غفر الله لَهُ مغْفرَة عزما) ، وَالْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة على الصَّحِيح، وروى أَبُو يعلى من حَدِيث عبد الله بن عَنْبَسَة، يَقُول:

стр. 2104

سَمِعت أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان تَقول قَالَ رَسُول الله ﷺ (من حَافظ على أَربع رَكْعَات قبل الْعَصْر بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة) ، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة عَطاء بن أبي رَبَاح عَن أم سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من صلى أَربع رَكْعَات قبل الْعَصْر حرم الله بدنه على النَّار) ، وَقَالَ شَيخنَا: وَفِيه اسْتِحْبَاب أَربع رَكْعَات قبل الْعَصْر، وَهُوَ كَذَلِك، وَقَالَ صَاحب (الْمُهَذّب) : إِن الْأَفْضَل أَن يُصَلِّي قبلهَا أَرْبعا، قَالَ النَّوَوِيّ فِي (شَرحه) : إِنَّهَا سنة، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الْمُؤَكّد مِنْهُ. وَقَالَ فِي (شرح مُسلم) : إِنَّه لَا خلاف فِي استحبابها عِنْد أَصْحَابنَا، وَجزم الشَّيْخ فِي التَّنْبِيه بِأَن من الرَّوَاتِب قبل الْعَصْر أَربع رَكْعَات، وَمِمَّنْ كَانَ يُصليهَا أَرْبعا من الصَّحَابَة: عَليّ بن أبي طَالب، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانُوا يصلونَ أَرْبعا قبل الْعَصْر، وَلَا يرونها من السّنة، وَمِمَّنْ كَانَ لَا يُصَلِّي قبل الْعَصْر شَيْئا: سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن مَنْصُور وَقيس بن أبي حَازِم وَأَبُو الْأَحْوَص، وَسُئِلَ الشّعبِيّ عَن الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْعَصْر؟ فَقَالَ: إِن كنت تعلم أَنَّك تصليهما قبل أَن تقيم فصل، وَكَلَام الشّعبِيّ يدل على أَنهم كَانُوا يعجلون صَلَاة الْعَصْر، وَأَن من ترك الصَّلَاة قبلهَا إِنَّمَا كَانَ خشيَة أَن تُقَام الصَّلَاة وَهُوَ فِي النَّافِلَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: وَالصَّوَاب عندنَا أَن الْأَفْضَل فِي التَّنَفُّل قبل الْعَصْر بِأَرْبَع رَكْعَات لصِحَّة الْخَبَر بذلك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي، ﷺ . تابَعَهُ كَثِيرُ بنُ فَرْقَدٍ وَأيُّوبُ عنْ نَافِعٍ أَي: تَابع عبيد الله الْمَذْكُور كثير بن فرقد، وَكثير ضد الْقَلِيل، وفرقد، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف، وَقد مر فِي: بَاب النَّحْر بالمصلى. قَوْله: (وَأَيوب) أَي: تَابعه أَيْضا أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَسَتَأْتِي هَذِه الْمُتَابَعَة بعد أَرْبَعَة أَبْوَاب، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع (عَن ابْن عمر، قَالَ: حفظت من النَّبِي، ﷺ الحَدِيث. وَقَالَ ابنُ أبِي الزِّنَادِ عنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ نَافِعٍ بَعْدَ العِشَاءِ فِي أهْلِهِ ابْن أبي الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد، وَأَبُو الزِّنَاد اسْمه عبد الله بن ذكْوَان، ومُوسَى بن عقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف، مر فِي: بَاب إسباغ الْوضُوء. قَوْله: (عَن نَافِع) أَي: عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: (بعد الْعشَاء فِي أَهله) بدل قَوْله: (فِي بَيته) ، فِي حَدِيث الْبَاب، وَقَوله: (تَابعه كثير) إِلَى آخِره. قَوْله: (وَقَالَ ابْن أبي الزِّنَاد) ، هَكَذَا وَقع فِي عدَّة نسخ، وَكَذَا ذكره أَبُو نعيم فِي مستخرجه، وَوَقع فِي بعض النّسخ بعد. قَوْله: (فَأَما الْمغرب وَالْعشَاء فَفِي بَيته، قَالَ ابْن أبي الزِّنَاد) إِلَى آخِره، وَبعد قَوْله: (تَابعه كثير بن فرقد وَأَيوب عَن نَافِع) . فَافْهَم. ٠٣ - (بابُ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّع بَعْدَ المَكْتُوبَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من لم يتَنَفَّل بعد صَلَاة الْمَكْتُوبَة أَي: الْمَفْرُوضَة، لأجل الْإِعْلَام لأمته ﷺ أَن التَّطَوُّع لَيْسَ بِلَازِم. ٤٧١١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفيَانُ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ سَمِعتْ أَبَا الشَّعْثاءِ جابِرا قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ صلَّيْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ ثَمانِيا جَمِيعا وسَبْعا جَمِيعا قُلْتُ يَا أَبَا الشَّعثاءِ أظُنُّهُ أخَّرَ الظُّهْرَ وعَجَّلَ العَصْرَ وعَجَّلَ العِشاءَ وأخَّرَ المَغْربَ قَالَ وَأنَا أظُنُّهُ. (أنظر الحَدِيث ٣٤٥ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لما صلى ثمانيا جَمِيعًا أَي: الظّهْر وَالْعصر، فهم من ذَلِك أَنه لم يفصل بَينهمَا بتطوع، إِذْ لَو فصل لزم عدم الْجمع بَينهمَا، فَصدق أَنه صلى الظّهْر الَّذِي هِيَ الْمَكْتُوبَة وَلم يتَطَوَّع بعْدهَا، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي قَوْله: (وَسبعا جَمِيعًا) ، أَي: الْمغرب وَالْعشَاء، وَلم يتَطَوَّع بعد الْمغرب وإلَاّ لم تَكُونَا مجتمعتين، وَأما التَّطَوُّع بعد الثَّانِيَة فمسكوت عَنهُ، وَعدم ذكره يدل على عَدمه ظَاهرا.

стр. 2105

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا كلهم، وَعلي بن عبد الله بن الْمَدِينَة، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَمْرو بن دِينَار وَأَبُو الشعْثَاء، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة وبالمد: وَهُوَ كنية جَابر بن زيد، وَقد مر فِي: بَاب الْغسْل بالصاع. والْحَدِيث أخرجه فِي: بَاب الْمَوَاقِيت، فِي: بَاب تَأْخِير الظّهْر إِلَى الْعَصْر، عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي، ﷺ ، صلى بِالْمَدِينَةِ سبعا وثمانيا: الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء، فَقَالَ أَيُّوب: لَعَلَّه فِي لَيْلَة مطيرة، قَالَ: عَسى، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً هُنَاكَ. ١٣ - (بابُ صَلاةِ الضُّحى فِي السَّفَرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الضُّحَى حَال كَون الَّذِي يُصَلِّي فِي السّفر، وَالضُّحَى، بِالضَّمِّ وَالْقصر: فَوق الضحوة، وَهِي ارْتِفَاع أول النَّهَار، و: الضحاء، بِالْفَتْح وَالْمدّ هُوَ إِذا علت الشَّمْس إِلَى ربع السَّمَاء فَمَا بعده. ٥٧١١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيى عنْ شُعْبَةَ عنْ تَوْبَةَ عنْ مُورِّقٍ قَالَ قُلْتُ ل ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أتُصَلِّي الضُّحَى قَالَ لَا قُلْتُ فَعُمَرُ قَالَ لَا قُلْتُ فأبُو بَكْرٍ قَالَ لَا قُلْتُ فالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ لَا إخالُهُ. قَالَ ابْن بطال: لَيْسَ هَذَا الحَدِيث من هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا يصلح فِي: بَاب من لم يصل الضُّحَى، وَأَظنهُ من غلط النَّاسِخ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا يَلِيق بِالْبَابِ الَّذِي بعده لَا بِهَذَا الْبَاب، وَقَالَ غَيرهمَا: إِن فِي تَوْجِيه ذَلِك مَا فِيهِ من التعسفات الَّتِي لَا تشفي العليل، وَلَا تروي الغليل، حَتَّى قَالَ بَعضهم: يظْهر لي أَن البُخَارِيّ أَشَارَ بالترجمة الْمَذْكُورَة إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق الضَّحَّاك بن عبد الله الْقرشِي (عَن أنس بن مَالك قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ، صلى فِي السّفر سبْحَة الضُّحَى ثَمَان رَكْعَات) ، فَأَرَادَ أَن تردد ابْن عمر فِي كَونه صلاهَا أَولا، لَا يَقْتَضِي رد مَا جزم بِهِ أنس، بل يُؤَيّدهُ حَدِيث أم هانىء فِي ذَلِك. انْتهى. قلت: لَو ظهر لَهُ تَوْجِيه هَذِه التَّرْجَمَة على وَجه يقبله السَّامع لما قَالَ قولا تنفر عَنهُ سجية ذَوي الأفهام، فليت شعري كَيفَ يَقُول: إِن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى حَدِيث أنس الَّذِي فِيهِ الْإِثْبَات الْمُقَيد، وَحَدِيث الْبَاب الَّذِي فِيهِ النَّفْي الْمُطلق؟ ثمَّ يَقُول: فَأَرَادَ أَن تردد ابْن عمر. . إِلَى آخِره؟ فَكيف يَقُول: إِنَّه تردد؟ بل جزم بِالنَّفْيِ فَيَقْتَضِي ظَاهرا رد مَا جزم بِهِ أنس بالإثبات. فَمن لَهُ نظر وَمَعْرِفَة بهيئة التَّرْكِيب. كَيفَ يَقُول بِأَن ابْن عمر تردد فِي هَذَا؟ والتردد لَا يكون إلَاّ بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات. وَهُوَ قد جزم بِالنَّفْيِ مَعَ تكْرَار حرف النَّفْي أَربع مَرَّات، وَيُمكن أَن يُوَجه وَجه بالاستئناس بَين التَّرْجَمَة وحديثي الْبَاب اللَّذين أَحدهمَا: عَن ابْن عمر، وَالْآخر عَن أم هانىء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِأَن يُقَال: معنى التَّرْجَمَة: بَاب صَلَاة الضُّحَى فِي السّفر هَل يُصَلِّي أَو لَا؟ فَذكر حَدِيث ابْن عمر إِشَارَة إِلَى النَّفْي مُطلقًا، وَحَدِيث أم هانىء إِشَارَة إِلَى الْإِثْبَات مُطلقًا، ثمَّ يبْقى طلب التَّوْفِيق بَين الْحَدِيثين، فَيُقَال: عدم رُؤْيَة ابْن عمر من الشَّيْخَيْنِ وَمن النَّبِي ﷺ صَلَاة الضُّحَى لَا يسْتَلْزم عدم الْوُقُوع مِنْهُم فِي نفس الْأَمر، أَو يكون المُرَاد من نفي ابْن عمر نفي المداومة لَا نفي الْوُقُوع أصلا، وَنَظِير ذَلِك مَا قَالَت عَائِشَة فِي حَدِيثهَا الْمُتَّفق عَلَيْهِ: (مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يسبح سبْحَة الضُّحَى وَإِنِّي لأسبحها) ، وَفِي رِوَايَة: (لاستحبها) ، وَمَعَ هَذَا ثَبت عَنْهَا فِي (صَحِيح مُسلم) أَنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبعا، فمرادها من النَّفْي عدم المداومة. وَحكى النَّوَوِيّ فِي (الْخُلَاصَة) عَن الْعلمَاء: أَن معنى قَول عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (مَا رَأَيْته يسبح سبْحَة الضُّحَى) ، أَي: لم يداوم عَلَيْهَا، وَكَانَ يُصليهَا فِي بعض الْأَوْقَات فَتَركهَا فِي بَعْضهَا خشيَة أَن تفرض. قَالَ: وَبِهَذَا يجمع بَين الْأَحَادِيث. فَإِن قلت: يُعَكر على هَذَا مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر من الْجَزْم بِكَوْنِهَا محدثة، وَكَونهَا بِدعَة أما الأول: فَمَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور بِإِسْنَاد صَحِيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: إِنَّهَا محدثة، وَإِنَّهَا لمن أحسن مَا أَحْدَثُوا. وَأما الثَّانِي: فَمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَن الحكم بن الْأَعْرَج، قَالَ: سَأَلت ابْن عمر عَن صَلَاة الضُّحَى؟ فَقَالَ: بِدعَة، نعمت الْبِدْعَة. قلت: أجَاب القَاضِي عَنهُ: أَنَّهَا بِدعَة، أَي: ملازمتها وإظهارها فِي الْمَسَاجِد مِمَّا لم يكن يعْهَد، لَا سِيمَا وَقد قَالَ: ونعمت الْبِدْعَة، قَالَ: وَرُوِيَ عَنهُ: مَا ابتدع الْمُسلمُونَ بِدعَة أفضل من صَلَاة الضُّحَى، كَمَا قَالَ عمر فِي صَلَاة التَّرَاوِيح: لَا إِنَّهَا بِدعَة
следующие страницы →