Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
رَضِي الله عَنْهَا وَهِي خَالَته قَالَ فاضطجعت على عرض الوسادة واضطجع رَسُول الله ﷺ َ - وَأَهله فِي طولهَا فَنَامَ رَسُول الله ﷺ َ - حَتَّى انتصف اللَّيْل أَو قبله بِقَلِيل أَو بعده بِقَلِيل ثمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُول الله ﷺ َ - فَجَلَسَ يمسح النّوم عَن وَجهه بيدَيْهِ ثمَّ قَرَأَ الْعشْر آيَات خَوَاتِيم سُورَة آل عمرَان ثمَّ قَامَ إِلَى شن معلقَة فَتَوَضَّأ مِنْهَا فَأحْسن وضوأه ثمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ عبد الله بن عَبَّاس ﵄ فصنعت مثل مَا صنع ثمَّ ذهبت فَقُمْت إِلَى جنبه فَوضع رَسُول الله ﷺ َ - يَده الْيُمْنَى على رَأْسِي وَأخذ بأذني الْيُمْنَى يفتلها بِيَدِهِ فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أوتر ثمَّ اضْطجع حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذّن فَقَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ خفيفتين ثمَّ خرج فصلى الصُّبْح) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَأخذ بأذني الْيُمْنَى " وَذَلِكَ لإدارته من الْجَانِب الْأَيْسَر إِلَى الْجَانِب الْأَيْمن وَذَلِكَ من مصلحَة الصَّلَاة وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي اثنى عشر موضعا أَولهَا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس فِي بَاب قِرَاءَة الْقُرْآن بعد الْحَدث وَغَيره فِي كتاب الْوضُوء وَقد تكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ
(بَاب مَا ينْهَى من الْكَلَام فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ينْهَى من الْكَلَام فِي الصَّلَاة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ والكشميهني بَاب مَا ينْهَى عَنهُ من الْكَلَام
٢٢١ - (حَدثنَا ابْن نمير قَالَ حَدثنَا ابْن فُضَيْل قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ﵁ أَنه قَالَ كُنَّا نسلم على النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَيرد علينا فَلَمَّا رَجعْنَا من عِنْد النَّجَاشِيّ سلمنَا عَلَيْهِ فَلم يرد علينا وَقَالَ إِن فِي الصَّلَاة شغلا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَلم يرد علينا " إِلَى آخِره. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير بِضَم النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء أَبُو عبد الرَّحْمَن الْهَمدَانِي رَيْحَانَة الْعرَاق مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي مُحَمَّد بن فُضَيْل بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة مر فِي بَاب صَوْم رَمَضَان من كتاب الْإِيمَان. الثَّالِث سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. الْخَامِس عَلْقَمَة بن قيس. السَّادِس عبد الله بن مَسْعُود (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رجال إِسْنَاده كلهم كوفيون وَفِيه أَنه ذكر شَيْخه بنسبته إِلَى جده لِأَن اسْم أَبِيه عبد الله كَمَا ذكرنَا الْآن وَقد تكلّف الْكرْمَانِي فِي هَذَا فَقَالَ مَا حَاصله أَنه ذكره فِي بَاب إتْيَان مَسْجِد قبَاء أَنه عبد الله لَا مُحَمَّد فَكيف يفرق بَينهمَا ثمَّ قَالَ يحصل الْفرق بِذكر شيوخهما وَمَعْرِفَة طبقتهما وتاريخ وفاتهما وَلَعَلَّ غَرَض البُخَارِيّ فِي مثل هَذَا الْإِبْهَام التَّرْغِيب فِي معرفَة طَبَقَات الرِّجَال وامتحان استحضارهم وَنَحْو ذَلِك انْتهى (قلت) الْمَذْكُور فِي بَاب إتْيَان مَسْجِد قبَاء ابْن نمير فَقَط وَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْبَاب الْمَذْكُور ابْن نمير فِي موضِعين وَالْكل وَاحِد غير أَنه تَارَة ينْسب إِلَى أَبِيه وَتارَة إِلَى جده وَفِيه أَن الْمَذْكُور من الرِّجَال اثْنَان بِابْن فلَان أَحدهمَا مَنْسُوب إِلَى جده وَالْآخر مَنْسُوب إِلَى أَبِيه وَفِيه وَاحِد مَذْكُور بلقبه وَثَلَاثَة مذكورون بِلَا نِسْبَة. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي هِجْرَة الْحَبَشَة عَن يحيى بن حَمَّاد عَن أبي عوَانَة وَفِي الصَّلَاة عَن عبد الله بن أبي شيبَة وَعَن ابْن نمير عَن إِسْحَق بن مَنْصُور عَن هريم بن سُفْيَان وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر وَابْن نمير وَأبي سعيد الْأَشَج أربعتهم عَن ابْن فُضَيْل بِهِ وَعَن ابْن نمير عَن
стр. 2137
إِسْحَاق بن مَنْصُور بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن ابْن نمير عَن فُضَيْل بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن بشر بن الْمفضل عَن شُعْبَة عَنهُ بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " كُنَّا نسلم على النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ فِي الصَّلَاة " وَفِي رِوَايَة أبي وَائِل " كُنَّا نسلم فِي الصَّلَاة ونأمر بحاجاتنا " وَفِي رِوَايَة أبي الْأَحْوَص " خرجت فِي حَاجَة وَنحن يسلم بَعْضنَا على بعض فِي الصَّلَاة " قَوْله " وَهُوَ فِي الصَّلَاة " جملَة حَالية قَوْله " فَيرد علينا " أَي يرد السَّلَام علينا وَهُوَ فِي الصَّلَاة قَوْله " فَلَمَّا رَجعْنَا من عِنْد النَّجَاشِيّ بِفَتْح النُّون وَقيل بِكَسْرِهَا وكل من ملك الْحَبَشَة يُسمى النَّجَاشِيّ كَمَا يُسمى كل من ملك الرّوم قيصرا وكل من ملك الْفرس يُسمى كسْرَى وكل من ملك التّرْك يُسمى خافانا وكل من ملك الْهِنْد يُسمى بطلميوسا وكل من ملك الْيمن يُسمى تبعا وَقَالَ ابْن إِسْحَاق لما احْتمل الْمُسلمُونَ من أَذَى الْكفَّار وَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِم قصد بَعضهم الْهِجْرَة فِرَارًا بدينهم من الْفِتْنَة قَالَ وَلما رأى رَسُول الله ﷺ َ - مَا يُصِيب أَصْحَابه من الْبلَاء وَمَا هُوَ فِيهِ من الْعَافِيَة بمكانه من الله تَعَالَى وَمن عَمه أبي طَالب وَأَنه لَا يقدر على أَن يمنعهُم مِمَّا هم فِيهِ من الْبلَاء قَالَ لَهُم لَو خَرجْتُمْ إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَإِن بهَا ملكا لَا يظلم عِنْده أحد وَهِي أَرض صدق حَتَّى يَجْعَل الله لكم فرجا مِمَّا أَنْتُم فِيهِ فَخرج عِنْد ذَلِك الْمُسلمُونَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى أَرض الْحَبَشَة مَخَافَة الْفِتْنَة وفرارا إِلَى الله تَعَالَى بدينهم فَكَانَت أول هِجْرَة فِي الْإِسْلَام وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَت هجرتهم إِلَى الْحَبَشَة فِي رَجَب سنة خمس من النُّبُوَّة وَأَن أول من هَاجر مِنْهُم أحد عشر رجلا وَأَرْبع نسْوَة وَأَنَّهُمْ انْتَهوا إِلَى الْبَحْر مَا بَين ماش وراكب فاستأجروا سفينة بِنصْف دِينَار إِلَى الْحَبَشَة وهم عُثْمَان بن عَفَّان وَامْرَأَته رقية بنت رَسُول الله ﷺ َ - وَأَبُو حُذَيْفَة بن عتبَة وَامْرَأَته سهلة بنت سُهَيْل وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَمصْعَب بن عُمَيْر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأَبُو سَلمَة بن عبد الْأسد وَامْرَأَته أم سَلمَة بنت أبي أُميَّة وَعُثْمَان بن مَظْعُون وعامر بن ربيعَة الْعَنزي وَامْرَأَته ليلى بنت أبي حثْمَة وَأَبُو سُبْرَة بن أبي دِرْهَم وحاطب بن عَمْرو وَسُهيْل بن بَيْضَاء وَعبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَقَالَ ابْن جرير وَقَالَ الْآخرُونَ كَانُوا اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ رجلا سوى نِسَائِهِم وَأَبْنَائِهِمْ وعمار بن يَاسر يشك فِيهِ فَإِن كَانَ فيهم فقد كَانُوا ثَلَاثَة وَثَمَانِينَ رجلا وَلما رجعُوا من عِنْد النَّجَاشِيّ كَانَ رجوعهم من عِنْده إِلَى مَكَّة وَذَلِكَ أَن الْمُسلمين الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ أَنهم هَاجرُوا إِلَى الْحَبَشَة بَلغهُمْ أَن الْمُشْركين أَسْلمُوا فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّة فوجدوا الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك وَاشْتَدَّ الْأَذَى عَلَيْهِم فَخَرجُوا إِلَيْهَا أَيْضا فَكَانُوا فِي الْمرة الثَّانِيَة أَضْعَاف الأولى وَكَانَ ابْن مَسْعُود مَعَ الْفَرِيقَيْنِ وَاخْتلف فِي مُرَاده بقوله فَلَمَّا رَجعْنَا هَل أَرَادَ الرُّجُوع الأول أَو الثَّانِي فمالت جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ إِلَى الأول وَقَالُوا تَحْرِيم الْكَلَام كَانَ بِمَكَّة وحملوا حَدِيث زيد بن أَرقم على أَنه وَقَومه لم يبلغهم النّسخ وَقَالُوا لَا مَانع من أَن يتَقَدَّم الحكم ثمَّ تنزل الْآيَة بوفقه ومالت طَائِفَة إِلَى التَّرْجِيح فَقَالُوا بترجيح حَدِيث ابْن مَسْعُود فَإِنَّهُ حكى لفظ النَّبِي ﷺ َ - بِخِلَاف زيد فَلم يحكه وَقَالَت طَائِفَة إِنَّمَا أَرَادَ ابْن مَسْعُود رُجُوعه الثَّانِي وَقد ورد أَنه قدم الْمَدِينَة وَالنَّبِيّ ﷺ َ - يتجهز إِلَى بدر وروى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود قَالَ بعثنَا رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى النَّجَاشِيّ ثَمَانِينَ رجلا فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِي آخِره " فتعجل عبد الله بن مَسْعُود فَشهد بَدْرًا " وَقَالَ ابْن إِسْحَق إِن الْمُؤمنِينَ وهم بِالْحَبَشَةِ لما بَلغهُمْ أَن النَّبِي ﷺ َ - هَاجر إِلَى الْمَدِينَة رَجَعَ مِنْهُم إِلَى مَكَّة ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ رجلا فَمَاتَ مِنْهُم رجلَانِ بِمَكَّة وَحبس بهَا مِنْهُم سَبْعَة وَتوجه إِلَى الْمَدِينَة أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ رجلا فَشَهِدُوا بَدْرًا فَبَان من ذَلِك أَن ابْن مَسْعُود كَانَ من هَؤُلَاءِ وَأَن اجْتِمَاعهم بِالنَّبِيِّ ﷺ َ - كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَوْله " شغلا " بِضَم الشين والغين وبسكون الْغَيْن والتنوين فِيهِ للتنويع أَي نوعا من الشّغل لَا يَلِيق مَعَه الِاشْتِغَال بِغَيْرِهِ قَالَه الْكرْمَانِي وَيجوز أَن يكون للتعظيم أَي شغلا عَظِيما وَهُوَ اشْتِغَال بِاللَّه تَعَالَى دون غَيره فِي مثل هَذِه الْحَالة (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ دلَالَة على أَن الْكَلَام كَانَ مُبَاحا فِي الصَّلَاة ثمَّ حرم وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث زيد بن أَرقم الْآتِي ذكره وَاخْتلفُوا مَتى حرم فَقَالَ قوم بِمَكَّة وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث ابْن مَسْعُود ورجوعه من عِنْد النَّجَاشِيّ إِلَى مَكَّة وَقَالَ آخَرُونَ بِالْمَدِينَةِ بِدَلِيل حَدِيث زيد بن أَرقم فَإِنَّهُ من الْأَنْصَار أسلم بِالْمَدِينَةِ وَسورَة الْبَقَرَة مَدَنِيَّة وَقَالُوا ابْن مَسْعُود لما عَاد إِلَى مَكَّة من
стр. 2138
الْحَبَشَة رَجَعَ إِلَى النَّجَاشِيّ إِلَى الْحَبَشَة فِي الْهِجْرَة الثَّانِيَة ثمَّ ورد على رَسُول الله ﷺ َ - بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يتجهز لبدر وَقَالَ الْخطابِيّ إِنَّمَا نسخ الْكَلَام بعد الْهِجْرَة بِمدَّة يسيرَة وَأجَاب الْأَولونَ بِأَنَّهُ قَالَ فَلَمَّا رَجعْنَا من عِنْد النَّجَاشِيّ وَلم يقل فِي الْمرة الثَّانِيَة وحملوا حَدِيث زيد على أَنه إِخْبَار عَن الصَّحَابَة الْمُتَقَدِّمين كَمَا يَقُول الْقَائِل قتلناكم وهزمناكم يعنون الْآبَاء والأجداد ورد قَول الْخطابِيّ بتعذر التَّارِيخ وَفِيه نظر لِأَن فِي حَدِيث جَابر الَّذِي رَوَاهُ مُسلم " بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ َ - فِي حَاجَة ثمَّ أَدْرَكته وَهُوَ يُصَلِّي فَسلمت عَلَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيّ فَلَمَّا فرغ قَالَ إِنَّك سلمت آنِفا وَأَنا أُصَلِّي فَهُوَ الَّذِي مَنَعَنِي أَن أُكَلِّمك " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَفِي لفظ " كَانَ ذَلِك وَهُوَ منطلق إِلَى بني المصطلق " وَهَذَا يرد أَيْضا مَا قَالَه ابْن حبَان من قَوْله توهم من لم يحكم صناعَة الْعلم أَن نسخ الْكَلَام فِي الصَّلَاة كَانَ بِالْمَدِينَةِ لحَدِيث زيد بن أَرقم وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة كَانَ مُبَاحا إِلَى أَن رَجَعَ ابْن مَسْعُود وَأَصْحَابه من عِنْد النَّجَاشِيّ فوجدوا إِبَاحَة الْكَلَام قد نسخت وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ مُصعب بن عُمَيْر يقري الْمُسلمين ويفقههم وَكَانَ الْكَلَام بِالْمَدِينَةِ مُبَاحا كَمَا كَانَ فِي مَكَّة فَلَمَّا نسخ ذَلِك بِمَكَّة تَركه النَّاس بِالْمَدِينَةِ فَحكى زيد ذَلِك الْفِعْل لَا أَن نسخ الْكَلَام كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ ابْن حبَان فِي مَوضِع آخر بِأَن زيد بن أَرقم أَرَادَ بقوله " كُنَّا نتكلم " من كَانَ يُصَلِّي خلف النَّبِي ﷺ َ - بِمَكَّة من الْمُسلمين ورد هَذَا أَيْضا بِأَنَّهُم مَا كَانُوا بِمَكَّة يَجْتَمعُونَ إِلَّا نَادرا وَبِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ " كَانَ الرجل إِذا دخل الْمَسْجِد فَوَجَدَهُمْ يصلونَ سَأَلَ الَّذِي إِلَى جنبه فيخبره بِمَا فَاتَهُ فَيَقْضِي ثمَّ يدْخل مَعَهم حَتَّى جَاءَ معَاذ يَوْمًا فَدخل فِي الصَّلَاة " فَذكر الحَدِيث وَهَذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قطعا لِأَن أَبَا أُمَامَة ومعاذ بن جبل إِنَّمَا أسلما بِالْمَدِينَةِ (فَإِن قلت) فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور إِشْكَال على قَول أبي حنيفَة حَيْثُ قَالَ الْمُصَلِّي إِذا سلم عَلَيْهِ لَا يرد بِلَفْظ وَلَا بِإِشَارَة (قلت) حَدِيث جَابر رُوِيَ بِوُجُوه مُخْتَلفَة. مِنْهَا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ حَدثنَا أَحْمد بن دَاوُد قَالَ حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا هِشَام بن أبي عبد الله قَالَ حَدثنَا أَبُو الزبير " عَن جَابر قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي سفر فَبَعَثَنِي فِي حَاجَة فَانْطَلَقت إِلَيْهَا ثمَّ رجعت إِلَيْهِ وَهُوَ على رَاحِلَته فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ ورأيته يرْكَع وَيسْجد فَلَمَّا سلم رد عَليّ " فَهَذَا جَابر بن عبد الله يخبر أَن رَسُول الله ﷺ َ - لم يرد عَلَيْهِ وَأَنه لما فرغ من صلَاته رد عَلَيْهِ وروى أَيْضا مرّة عَن أبي بكرَة عَن أبي دَاوُد عَن هِشَام فَذكر بِإِسْنَادِهِ مثله غير أَنه لم يقل فَلم يرد عَليّ وَقَالَ " فَلَمَّا فرغ من صلَاته قَالَ أما إِنَّه لم يَمْنعنِي أَن أرد عَلَيْك إِلَّا أَنِّي كنت أُصَلِّي " فَأَخْبرنِي هَذَا أَن رَسُول الله ﷺ َ - لم يرد عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة فَدلَّ ذَلِك على أَن تِلْكَ الْإِشَارَة الَّتِي كَانَت مِنْهُ فِي الصَّلَاة لم تكن ردا وَإِنَّمَا كَانَت نهيا (فَإِن قلت) روى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن جَابر من رِوَايَة الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان قَالَ سَمِعت جَابِرا يَقُول مَا أحب أَن أسلم على الرجل وَهُوَ يُصَلِّي وَلَو سلم عَليّ لرددت عَلَيْهِ (قلت) هُوَ كره أَن يسلم على الْمُصَلِّي وَقد كَانَ سلم على رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ يُصَلِّي فَأَشَارَ إِلَيْهِ فَلَو كَانَت الْإِشَارَة الَّتِي كَانَت من النَّبِي ﷺ َ - رد السَّلَام عَلَيْهِ إِذا لما كره ذَلِك لِأَن رَسُول الله ﷺ َ - لم يَنْهَهُ عَنهُ وَلكنه إِنَّمَا كره ذَلِك لِأَن إِشَارَة النَّبِي ﷺ َ - تِلْكَ كَانَت عِنْده نهيا لَهُ عَن السَّلَام عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي (فَإِن قلت) قد قَالَ وَلَو سلم عَليّ لرددت (قلت) لَهُ أفقال جَابر لرددت فِي الصَّلَاة قد يجوز أَن يكون أَرَادَ بقوله " لرددت " أَي بعد فراغي من الصَّلَاة قَالَ الطَّحَاوِيّ وَقد دلّ على ذَلِك من مذْهبه مَا حَدثنَا عَليّ بن زيد قَالَ حَدثنَا مُوسَى بن دَاوُد قَالَ حَدثنَا همام قَالَ سَأَلَ سُلَيْمَان بن مُوسَى عَطاء أسألت جَابِرا عَن الرجل يسلم عَلَيْك وَأَنت تصلي فَقَالَ لَا ترد عَلَيْهِ حَتَّى تقضي صَلَاتك فَقَالَ نعم ثمَّ الْأَئِمَّة اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب فَقَالَ قوم مِنْهُم يرد السَّلَام نطقا وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن أبي هُرَيْرَة وَجَابِر وَالْحسن وَسَعِيد بن الْمسيب وَقَتَادَة وَإِسْحَاق وَمِنْهُم من قَالَ يسْتَحبّ رده بِالْإِشَارَةِ وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَقيل يرد فِي نَفسه روى ذَلِك عَن أبي حنيفَة أَيْضا وَقَالَ قوم يرد بعد السَّلَام وَهُوَ قَول عَطاء وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن أبي ذَر وَأبي الْعَالِيَة وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا يرد لَا فِي الْحَال وَلَا بعد الْفَرَاغ وَقَالَت طَائِفَة من الظَّاهِرِيَّة إِذا كَانَت الْإِشَارَة مفهمة قطعت عَلَيْهِ صلَاته لما رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " التَّسْبِيح للرِّجَال والتصفيق
стр. 2139
للنِّسَاء وَمن أَشَارَ فِي صلَاته إِشَارَة تفهم مِنْهُ ليعدها " رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا وَلَفظه " فليعدلها " ثمَّ قَالَ وَهَذَا الحَدِيث وهم وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن هانىء سُئِلَ أَحْمد عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ لَا يثبت إِسْنَاده لَيْسَ بِشَيْء وَأعله ابْن الْجَوْزِيّ بِابْن إِسْحَاق فِي سَنَده وَقَالَ أَبُو غطفان مَجْهُول وَهُوَ فِي إِسْنَاده أَيْضا قَالَ صَاحب التَّحْقِيق أَبُو غطفان هُوَ ابْن طريف وَيُقَال ابْن مَالك المري قَالَ عَبَّاس الدوري سَمِعت ابْن معِين يَقُول فِيهِ ثِقَة وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي الكنى أَبُو غطفان ثِقَة قيل اسْمه سعد وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَأخرج لَهُ مُسلم فِي صَحِيحه فَحِينَئِذٍ يكون إِسْنَاد الحَدِيث صَحِيحا وَأَبُو دَاوُد لم يبين كَيْفيَّة الْوَهم فَلَا يَبْنِي عَلَيْهِ شَيْء فَإِن كَانَ قَول أبي دَاوُد من جِهَة أبي غطفان فقد بَينا حَاله وتعليل ابْن الْجَوْزِيّ بِابْن إِسْحَق لَيْسَ بِشَيْء لِأَن ابْن إِسْحَاق من الثِّقَات الْكِبَار عِنْد الْجُمْهُور
٢٢٢ - (حَدثنَا ابْن نمير قَالَ حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور قَالَ حَدثنَا هريم بن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - نَحوه) هَذَا طَرِيق آخر للْحَدِيث الْمَذْكُور وَابْن نمير هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الأول وَإِسْحَاق بن مَنْصُور السَّلُولي بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم اللَّام الأولى نِسْبَة إِلَى سلول قَبيلَة من هوَازن وهريم بِضَم الْهَاء وَفتح الرَّاء مصغر هرم بن سُفْيَان البَجلِيّ أَبُو مُحَمَّد وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان بن مهْرَان وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم كوفيون قَوْله " نَحوه " أَي نَحْو طَرِيق مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره وَأخرجه مُسلم أَيْضا بالطريقين أَحدهمَا من طَرِيق ابْن فُضَيْل عَن الْأَعْمَش وَالْآخر عَن ابْن نمير عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور السَّلُولي وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود فَقَالَ أَبُو دَاوُد حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أبان حَدثنَا عَاصِم عَن أبي وَائِل " عَن عبد الله قَالَ كُنَّا نسلم فِي الصَّلَاة ونأمر بحاجتنا فَقدمت على رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ يُصَلِّي فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ السَّلَام فأخذني مَا قدم وَحدث فَلَمَّا قضى رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ إِن الله تَعَالَى يحدث من أمره مَا يَشَاء وَإِن الله قد أحدث من أمره أَن لَا تكلمُوا فِي الصَّلَاة فَرد عَليّ السَّلَام " وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيق أبي الْأَحْوَص عَنهُ فَقَالَ الطَّحَاوِيّ حَدثنَا عَليّ بن شيبَة قَالَ حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى قَالَ حَدثنَا إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص " عَن عبد الله قَالَ خرجت فِي حَاجَة وَنحن يسلم بَعْضنَا على بعض فِي الصَّلَاة فَلَمَّا رجعت فَسلمت فَلم يرد عَليّ وَقَالَ إِن فِي الصَّلَاة شغلا " وَقَالَ ابْن مَاجَه حَدثنَا أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ حَدثنَا النَّضر بن شُمَيْل حَدثنَا يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص " عَن عبد الله قَالَ كُنَّا نسلم فِي الصَّلَاة فَقيل لنا إِن فِي الصَّلَاة شغلا " وَأَبُو وَائِل شَقِيق ابْن سَلمَة وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي وَأَبُو الْأَحْوَص عَوْف بن مَالك
٢٢٣ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى قَالَ أخبرنَا عِيسَى هُوَ ابْن يُونُس عَن إِسْمَاعِيل عَن الْحَارِث بن شبيل عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ قَالَ لي زيد بن أَرقم إِن كُنَّا لنتكلم فِي الصَّلَاة على عهد النَّبِي ﷺ َ - يكلم أَحَدنَا صَاحبه بحاجته حَتَّى نزلت ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ " وَالْأَمر بِالسُّكُوتِ نهي عَن الْكَلَام. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد بن زادان التَّمِيمِي الْفراء أَبُو إِسْحَق مر فِي الْحيض. الثَّانِي عِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي مر فِي بَاب من صلى بِالنَّاسِ وَذكر حَاجَة. الثَّالِث إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ وَاسم أبي خَالِد سعد وَيُقَال هُرْمُز مر فِي الْإِيمَان. الرَّابِع الْحَارِث بن شبيل بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وباللام البَجلِيّ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث. الْخَامِس أَبُو عَمْرو بِفَتْح الْعين الشَّيْبَانِيّ واسْمه سعيد بن إِيَاس مر فِي بَاب
стр. 2140
فضل الصَّلَاة لوَقْتهَا. السَّادِس زيد بن أَرقم بِفَتْح الْهمزَة وَالْقَاف وَسُكُون الرَّاء الْأنْصَارِيّ الخزرجي مَاتَ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن شَيْخه رازي والبقية كوفيون وَفِيه أحد الروَاة مُفَسّر بنسبته إِلَى أَبِيه وَالْآخر مَذْكُور بِلَا نِسْبَة وَالْآخر مَذْكُور بِالْكِتَابَةِ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عِيسَى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع وَفِي التَّفْسِير أَيْضا كَذَلِك وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَفِي التَّفْسِير عَن سُوَيْد بن نصر (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ " لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن زيد بن أَرقم غير هَذَا الحَدِيث قَوْله " إِن كُنَّا لنتكلم " كلمة إِن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَاللَّام فِي " لنتكلم " للتَّأْكِيد قَوْله " يكلم أَحَدنَا " جملَة استئنافية كَأَنَّهَا جَوَاب عَن قَول الْقَائِل كَيفَ كُنْتُم تتكلمون فَقَالَ يكلم أَحَدنَا صَاحبه بحاجته وَفِي لفظ " وَيسلم بَعْضنَا على بعض " وَعند مُسلم " ونهينا عَن الْكَلَام " وَلَفظ التِّرْمِذِيّ " كُنَّا نتكلم خلف رَسُول الله ﷺ َ - فِي الصَّلَاة يكلم الرجل منا صَاحبه إِلَى جنبه حَتَّى نزلت ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ قَالَ فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ ونهينا عَن الْكَلَام " قَوْله ﴿حَافظُوا﴾ أَي واظبوا وداوموا قَوْله ﴿الْوُسْطَى﴾ أَي الفضلى من قَوْلهم الْأَفْضَل الْأَوْسَط وَلذَلِك أفردت وعطفت على الصَّلَوَات لانفرادها بِالْفَضْلِ فالصفة بالوسطى أَي الفضلى وَارِدَة للإشعار بعلية الحكم قَوْله ﴿قَانِتِينَ﴾ نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي ﴿قومُوا﴾ واشتقاقه من الْقُنُوت وَهُوَ يرد لمعان كَثِيرَة بِمَعْنى الطَّاعَة والخشوع وَالصَّلَاة وَالدُّعَاء وَالْعِبَادَة وَالْقِيَام وَطول الْقيام وَقَالَ ابْن بطال الْقُنُوت فِي هَذِه الْآيَة بِمَعْنى الطَّاعَة والخشوع لله تَعَالَى وَلَفظ الرَّاوِي يشْعر بِأَن المُرَاد بِهِ السُّكُوت لِأَن حمله على مَا يشْعر بِهِ كَلَام الرَّاوِي أولى وأرجح لِأَن المشاهدين للوحي والتنزيل يعلمُونَ سَبَب النُّزُول وَقَول الصَّحَابِيّ فِي الْآيَة نزلت فِي كَذَا يتنزل منزلَة الْمسند وَقَالَ عِكْرِمَة كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فنهوا عَنْهَا قَوْله " فَأمرنَا " على صِيغَة الْمَجْهُول وَالْفَاء فِيهِ تشعر بتعليل مَا سبق وَأَيْضًا كلمة حَتَّى الَّتِي فِي قَوْله " حَتَّى نزلت " تشعر بذلك لِأَنَّهَا للغاية (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) وَهُوَ على وُجُوه. فِيهِ الدّلَالَة على أَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة كَانَ مُبَاحا فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخ لِأَن الْمُصَلِّي مُنَاد لرَبه فَالْوَاجِب عَلَيْهِ أَن لَا يقطع مناجاته بِكَلَام مَخْلُوق وَأَن يقبل على ربه ويلتزم الْخُشُوع ويعرض عَمَّا سوى ذَلِك وَقد ذكرنَا عَن قريب أَنه مَتى حرم وَالْحُرْمَة بقوله ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ أَي ساكنين على مَا ذكرنَا وَأَرَادَ بقوله " فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ " أَي عَن جَمِيع أَنْوَاع كَلَام الْآدَمِيّين. وَأجْمع الْعلمَاء على أَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة عَامِدًا عَالما بِتَحْرِيمِهِ لغير مصلحتها أَو لغير إنقاذ هَالك أَو شبهه مُبْطل للصَّلَاة وَأما الْكَلَام لمصلحتها فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد تبطل الصَّلَاة وَجوزهُ الْأَوْزَاعِيّ وَبَعض أَصْحَاب مَالك وَطَائِفَة قَليلَة واعتبرت الشَّافِعِيَّة ظُهُور حرفين وَإِن لم يَكُونَا مفهمين وَأما النَّاسِي فَلَا تبطل صلَاته بالْكلَام الْقَلِيل عِنْد الشَّافِعِي وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَالْجُمْهُور وَعند أَصْحَابنَا تبطل وَقَالَ النَّوَوِيّ دليلنا حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فَإِن كثر كَلَام النَّاسِي فَفِيهِ وَجْهَان مشهوران لِأَصْحَابِنَا أصَحهمَا تبطل صلَاته لِأَنَّهُ نَادِر وَأما كَلَام الْجَاهِل إِذا كَانَ قريب عهد بِالْإِسْلَامِ فَهُوَ ككلام النَّاسِي فَلَا تبطل صلَاته بقليله وَأجَاب بعض أَصْحَابنَا أَن حَدِيث قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيث ابْن مَسْعُود وَزيد بن أَرقم لِأَن ذَا الْيَدَيْنِ قتل يَوْم بدر كَذَا رُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ وَإِن قصَّته فِي الصَّلَاة كَانَت قبل بدر وَلَا يمْنَع من هَذَا كَون أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ وَهُوَ مُتَأَخّر الْإِسْلَام عَن بدر لِأَن الصَّحَابِيّ قد يروي مَا لَا يحضرهُ بِأَن يسمعهُ من النَّبِي ﷺ َ - أَو من صَحَابِيّ آخر (فَإِن قلت) قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب مَا يسْتَدلّ بِهِ على أَنه لَا يجوز أَن يكون حَدِيث ابْن مَسْعُود فِي تَحْرِيم الْكَلَام نَاسِخا لحَدِيث أبي هُرَيْرَة وَغَيره وَذَلِكَ لتقدم حَدِيث عبد الله وَتَأَخر حَدِيث أبي هُرَيْرَة (قلت) ذكر أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد أَن الصَّحِيح فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه لم يكن إِلَّا بِالْمَدِينَةِ وَبهَا نهى عَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة وَقد روى حَدِيثه بِمَا يُوَافق حَدِيث زيد بن أَرقم وصحبة زيد لرَسُول الله ﷺ َ - كَانَت بِالْمَدِينَةِ وَسورَة الْبَقَرَة مَدَنِيَّة (فَإِن قلت) فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس
стр. 2141
مَسْعُود الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَاصِم بن بَهْدَلَة قَالَ الْبَيْهَقِيّ صاحبا الصَّحِيح توقيا رِوَايَته لسوء حفظه (قلت) رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه وَلَيْسَ فِي حَدِيث عَاصِم فَلَمَّا رَجعْنَا من أَرض الْحَبَشَة إِلَى مَكَّة بل يحْتَمل أَن يُرِيد فَلَمَّا رَجعْنَا من أَرض الْحَبَشَة إِلَى الْمَدِينَة ليتفق حَدِيثه مَعَ حَدِيث زيد بن أَرقم وَقَالَ صَاحب الْكَمَال وَغَيره هَاجر ابْن مَسْعُود إِلَى الْحَبَشَة ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَلِهَذَا قَالَ الْخطابِيّ إِنَّمَا نسخ الْكَلَام بعد الْهِجْرَة بِمدَّة يسيرَة وَهَذَا يدل على اتِّفَاق حَدِيث ابْن مَسْعُود وَزيد بن أَرقم على أَن التَّحْرِيم كَانَ بِالْمَدِينَةِ (فَإِن قلت) قد ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْمعرفَة عَن الشَّافِعِي أَن فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه مر على النَّبِي ﷺ َ - بِمَكَّة قَالَ فَوَجَدَهُ يُصَلِّي فِي فنَاء الْكَعْبَة الحَدِيث (قلت) لم يذكر ذَلِك أحد من أهل الحَدِيث غير الشَّافِعِي وَلم يذكر سَنَده لينْظر فِيهِ وَلم يجد لَهُ الْبَيْهَقِيّ سندا مَعَ كَثْرَة تتبعه وانتصاره لمَذْهَب الشَّافِعِي وَذكر الطَّحَاوِيّ فِي أَحْكَام الْقُرْآن أَن مهاجرة الْحَبَشَة لم يرجِعوا إِلَّا إِلَى الْمَدِينَة وَأنكر رجوعهم إِلَى دَار قد هَاجرُوا مِنْهَا لأَنهم منعُوا من ذَلِك وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله ﷺ َ - فِي حَدِيث سعد " وَلَا تردهم على أَعْقَابهم " (فَإِن قلت) قَالَ الْبَيْهَقِيّ الَّذِي قتل ببدر هُوَ ذُو الشمالين وَأما ذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي أخبر النَّبِي ﷺ َ - بسهوه فَإِنَّهُ بَقِي بعد النَّبِي ﷺ َ - كَذَا ذكره شَيخنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ ثمَّ خرج عَنهُ بِسَنَدِهِ إِلَى معدي بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنِي شُعَيْب بن مطير عَن أَبِيه ومطير حَاضر فَصدقهُ قَالَ شُعَيْب يَا أبتاه أَخْبَرتنِي أَن ذَا الْيَدَيْنِ لقيك بِذِي خشب فأخبرك أَن رَسُول الله ﷺ َ - الحَدِيث ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ بعض الروَاة فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة " فَقَالَ ذُو الشمالين يَا رَسُول الله أقصرت الصَّلَاة " وَكَانَ شَيخنَا أَبُو عبد الله يَقُول كل من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ فَإِن ذَا الشمالين تقدم مَوته وَلم يعقب وَلَيْسَ لَهُ راو (قلت) قَالَ السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب ذُو الْيَدَيْنِ وَيُقَال لَهُ ذُو الشمالين لِأَنَّهُ كَانَ يعْمل بيدَيْهِ جَمِيعًا وَفِي الْفَاصِل للرامهرمزي ذُو الْيَدَيْنِ وَذُو الشمالين قد قيل أَنَّهُمَا وَاحِد وَقَالَ ابْن حبَان فِي الثِّقَات ذُو الْيَدَيْنِ وَيُقَال لَهُ أَيْضا ذُو الشمالين ابْن عبد عَمْرو بن نَضْلَة الْخُزَاعِيّ حَلِيف بن زهرَة والْحَدِيث الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ على بَقَاء ذِي الْيَدَيْنِ بعد النَّبِي ﷺ َ - ضَعِيف لِأَن معدي بن سُلَيْمَان مُتَكَلم فِيهِ قَالَ أَبُو زرْعَة واهي الحَدِيث وَقَالَ ابْن حبَان يروي المقلوبات عَن الثِّقَات والملزوقات عَن الْأَثْبَات لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد وَشُعَيْب مَا عرفنَا حَاله ووالده مطير لم يكْتب حَدِيثه وَقَالَ الذَّهَبِيّ لم يَصح حَدِيثه وَفِيه الْأَمر بالمحافظة على الصَّلَوَات وَالْأَمر للْوُجُوب وروى التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدثنَا مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الْكُوفِي حَدثنَا زيد بن أَرقم الْحباب أخبرنَا مُعَاوِيَة بن صَالح حَدثنِي سليم بن عَامر قَالَ سَمِعت أَبَا أُمَامَة يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يخْطب فِي حجَّة الْوَدَاع فَقَالَ اتَّقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زَكَاة أَمْوَالكُم وَأَطيعُوا إِذا أَمركُم تدْخلُوا جنَّة ربكُم وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول إِن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة من عمله صلَاته " الحَدِيث. وَفِيه الْأَمر بالمحافظة على الصَّلَاة الْوُسْطَى وَذكر الْعلمَاء فِيهِ عشْرين قولا الأول أَن الصَّلَاة الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْر وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس وَأبي بن كَعْب وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَمْرو فِي رِوَايَة وَسمرَة بن جُنْدُب وَأم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَقَالَ ابْن حزم وَلَا يَصح عَن عَليّ وَلَا عَن عَائِشَة غير هَذَا أصلا وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَالزهْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير وَأبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَيُونُس وَقَتَادَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَالضَّحَّاك بن مُزَاحم وَعبيد بن مَرْيَم وذر بن حُبَيْش وَمُحَمّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ وَآخَرين وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ هُوَ مَذْهَب جُمْهُور التَّابِعين وَقَالَ أَبُو عمر هُوَ قَول أَكثر أهل الْأَثر وَقَالَ ابْن عَطِيَّة عَلَيْهِ جُمْهُور النَّاس وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ الصَّوَاب من ذَلِك مَا تظاهرت بِهِ الْأَخْبَار من أَنَّهَا الْعَصْر وَقَالَ أَبُو عمر وَإِلَيْهِ ذهب عبد الْملك بن حبيب وَقَالَ التِّرْمِذِيّ هُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء من الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي لصِحَّة الْأَحَادِيث فِيهِ (قلت) من
стр. 2142
الْأَحَادِيث فِي ذَلِك حَدِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عِنْد مُسلم عَنهُ أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم الخَنْدَق " شغلونا عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر " وَحَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عِنْد مُسلم أَيْضا عَنهُ " حبس الْمُشْركُونَ النَّبِي ﷺ َ - عَن صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس فَقَالَ حبسونا عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى " وَحَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عِنْد مُسلم أَيْضا " عَن أبي يُونُس مولى عَائِشَة أَمرتنِي عَائِشَة أَن أكتب لَهَا مُصحفا وَقَالَت إِذا بلغت هَذِه الْآيَة فَآذِنِّي حَافظُوا على الصَّلَوَات قَالَ فَلَمَّا بلغتهَا آذَنتهَا فَأَمْلَتْ على حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَصَلَاة الْعَصْر وَقَالَت سَمعتهَا من رَسُول الله ﷺ َ - " (قلت) كَذَا وَقع عِنْد مُسلم " وَصَلَاة الْعَصْر " بواو الْعَطف وَوَقع فِي رِوَايَة أبي بكر عبد الله بن أبي دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث السجسْتانِي من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن قبيصَة بن ذُؤَيْب قَالَ فِي مصحف عَائِشَة حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر يَعْنِي بِلَا وَاو وَفِي كتاب ابْن حزم روينَا من طَرِيق ابْن مهْدي عَن أبي سهل مُحَمَّد بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ عَن الْقَاسِم عَنْهَا فَذَكرته بِغَيْر وَاو قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ أصح رِوَايَة عَن عَائِشَة وَأَبُو سهل ثِقَة (قلت) وَفِيه رد لما قَالَه أَبُو عمر لم يخْتَلف فِي حَدِيث عَائِشَة فِي ثُبُوت الْوَاو قَالَ وعَلى تَقْدِير صِحَّته يُجَاب عَنهُ بأَشْيَاء. مِنْهَا أَنه من أَفْرَاد مُسلم وَحَدِيث عَليّ مُتَّفق عَلَيْهِ. الثَّانِي أَن من أثبت الْوَاو امْرَأَة ومسقطها جمَاعَة كَثِيرَة. الثَّالِث مُوَافقَة مذهبها لسُقُوط الْوَاو. الرَّابِع مُخَالفَة الْوَاو للتلاوة وَحَدِيث عَليّ مُوَافق. الْخَامِس حَدِيث عَليّ يُمكن فِيهِ الْجمع وحديثها لَا يُمكن فِيهِ الْجمع إِلَّا بترك غَيره. السَّادِس مُعَارضَة رِوَايَتهَا بِرِوَايَة الْبَراء بن عَازِب عِنْد مُسلم " نزلت هَذِه الْآيَة (حَافظُوا على الصَّلَوَات وَصَلَاة الْعَصْر) فقرأناها مَا شَاءَ الله ثمَّ نسخهَا الله فَنزلت ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ فَقَالَ رجل هِيَ إِذا صَلَاة الْعَصْر فَقَالَ الْبَراء قد أَخْبَرتك كَيفَ نزلت وَكَيف نسخت ". السَّابِع تكون الْوَاو زَائِدَة كَمَا زيدت عِنْد بَعضهم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وليكون من القانتين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ نصرف الْآيَات وليقولوا درست﴾ وَقَالَ الْأَخْفَش فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا جاؤها وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ لِأَن الْجَواب فتحت وَقيل أَن الْعَطف فِيهِ من بَاب التَّخْصِيص والتفضيل والتنبيه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال﴾ ﴿فَإِن قلت﴾ قد حصل مَا ذكرت من التَّخْصِيص فِي الْعَطف وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ فَوَجَبَ أَن يكون الْعَطف الثَّانِي وَهُوَ قَوْله (وَصَلَاة الْعَصْر) مغايرا لَهُ (قلت) لما اخْتلف اللفظان كَانَ الثَّانِي للتَّأْكِيد وَالْبَيَان كَمَا تَقول جَاءَنِي زيد الْكَرِيم والعاقل فتعطف إِحْدَى الصفتين على الْأُخْرَى وَمِنْهَا حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب عِنْد التِّرْمِذِيّ عَنهُ " عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر " وَعند أَحْمد " أَن النَّبِي ﷺ َ - سُئِلَ عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى قَالَ هِيَ صَلَاة الْعَصْر " وَفِي لفظ قَالَ " ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا أَنَّهَا هِيَ الْعَصْر " وَعند الْحَاكِم محسنا من حَدِيث خبيب بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه سُلَيْمَان بن سَمُرَة عَن سَمُرَة يرفعهُ " وأمرنا أَن نحافظ على الصَّلَوَات كُلهنَّ وأوصانا بِالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ونبأنا أَنَّهَا صَلَاة الْعَصْر " وَحَدِيث حَفْصَة عِنْد أبي عمر فِي التَّمْهِيد بِسَنَد صَحِيح وَفِي الاستذكار اخْتلف فِي رَفعه وَفِي ثُبُوت الْوَاو فِيهِ أَنَّهَا أمرت كاتبها بكتب مصحف فَإِذا بلغ هَذِه الْآيَة يستأذنها فَلَمَّا بلغَهَا أَمرته بكتب حَافظُوا على الصَّلَاة الْوُسْطَى وَصَلَاة الْعَصْر ورفعته إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَرَوَاهُ هِشَام عَن جَعْفَر بن إِيَاس عَن رجل حَدثهُ عَن سَالم عَنْهَا وَلم يثبت الْوَاو قَالَ وَالصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر وَحَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن أبي ليلى عَن الحكم عَن مقسم وَسَعِيد بن جُبَير عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - يَوْم الخَنْدَق " شغلونا عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى مَلأ الله قُبُورهم وأجوافهم نَارا " وَفِي كتاب الْمَصَاحِف لِابْنِ أبي دَاوُد من حَدِيث أبي إِسْحَق عَن عبيد بن مَرْيَم سمع ابْن عَبَّاس قَرَأَ هَذِه الْحُرُوف " حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَصَلَاة الْعَصْر " وَفِي كتاب ابْن حزم من هَذِه الطَّرِيق صَلَاة الْعَصْر أبغير وَاو ثمَّ قَالَ كَذَا قَالَه وَكِيع وَحَدِيث ابْن عمر عِنْد أبي عبيد الله مُحَمَّد بن يحيى بن مَنْدَه الْأَصْبَهَانِيّ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن عَامر بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أبي حَدثنَا يَعْقُوب القمي عَن عَنْبَسَة بن سعيد الرَّازِيّ عَن ابْن أبي ليلى وَلَيْث عَن نَافِع عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ " الموتور أَهله وَمَاله من وتر صَلَاة الْوُسْطَى فِي جمَاعَة وَهِي صَلَاة الْعَصْر " وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد ابْن خُزَيْمَة
стр. 2143
فِي صَحِيحه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " صَلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر " وَحَدِيث أبي هِشَام بن عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس عِنْد ابْن جَعْفَر الطَّبَرِيّ من حَدِيث كهيل بن حَرْمَلَة سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَة عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى فَقَالَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا كَمَا اختلفتم فِيهَا وَنحن بِفنَاء بَيت رَسُول الله ﷺ َ - وَفينَا الرجل الصَّالح أَبُو هَاشم بن عتبَة فَقَالَ أَنا أعلم ذَلِك فَقَامَ فَاسْتَأْذن على رَسُول الله ﷺ َ - فَدخل عَلَيْهِ ثمَّ خرج إِلَيْنَا فَقَالَ أخبرنَا أَنَّهَا صَلَاة الْعَصْر قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كتاب الصَّحَابَة أَبُو هَاشم هَذَا لَهُ حديثان حسنان. وَقَالَ الذَّهَبِيّ أَبُو هَاشم بن عتبَة بن ربيعَة العبشمي أَخُو أبي حُذَيْفَة وأخو مُصعب بن عُمَيْر لأمه أسلم يَوْم الْفَتْح وَسكن الشَّام وَكَانَ صَالحا توفّي فِي زمن عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَحَدِيث أم حَبِيبَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عِنْد الطَّبَرِيّ أَيْضا من رِوَايَة شُتَيْر بن شكيل عَنْهَا عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ يَوْم الخَنْدَق " شغلونا عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غربت الشَّمْس " وَحَدِيث رجل من الصَّحَابَة عِنْده أَيْضا قَالَ " أَرْسلنِي أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَأَنا غُلَام صَغِير إِلَى النَّبِي ﷺ َ - أسأله عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى فَأخذ أُصْبُعِي الصَّغِير فَقَالَ هَذِه الْفجْر وَقبض الَّتِي تَلِيهَا فَقَالَ هَذِه الظّهْر ثمَّ قبض الْإِبْهَام فَقَالَ هَذِه الْمغرب ثمَّ قبض الَّتِي تَلِيهَا فَقَالَ هَذِه الْعشَاء ثمَّ قَالَ أَي أصابعك بقيت فَقلت الْوُسْطَى فَقَالَ أَي الصَّلَاة بقيت فَقلت الْعَصْر قَالَ هِيَ الْعَصْر " وَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ عَن أَحْمد بن إِسْحَاق حَدثنَا أَبُو أَحْمد حَدثنَا عبد السَّلَام مولى أبي مَنْصُور حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن يزِيد الدِّمَشْقِي قَالَ " كنت جَالِسا عِنْد عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان فَقَالَ يَا فلَان اذْهَبْ إِلَى فلَان فَقل لَهُ أيش سَمِعت من رَسُول الله ﷺ َ - فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى فَقَالَ رجل جَالس أَرْسلنِي " فَذكره وَحَدِيث أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فِي كتاب الْمَصَاحِف لِابْنِ أبي دَاوُد أَنَّهَا " قَالَت لكاتب يكْتب لَهَا مُصحفا إِذا كتبت حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى فاكتبها الْعَصْر " وَرَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق وَكِيع عَن دَاوُد بن قيس عَن عبد الله بن رَافع عَن أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَحَدِيث أنس بن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " شغلونا عَن صَلَاة الْعَصْر الَّتِي غفل عَنْهَا سُلَيْمَان بن دَاوُد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب " ذكره إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي فِي تَفْسِيره عَن أبان عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (القَوْل الثَّانِي) إِن الصَّلَاة الْوُسْطَى الْمغرب وَهُوَ قَول قبيصَة بن ذِئْب قَالَ أَبُو عمر هَذَا لَا أعلم قَالَه غير قبيصَة قَالَ أَلا ترى أَنَّهَا لَيست بِأَقَلِّهَا وَلَا أَكْثَرهَا وَلَا تقصر فِي السّفر وَأَن رَسُول الله ﷺ َ - لم يؤخرها عَن وَقتهَا وَلم يعجلها قَالَ أَبُو جَعْفَر وَجه قَوْله أَنه يُرِيد التَّوَسُّط الَّذِي هُوَ يكون صفة للشَّيْء الَّذِي يكون عدلا بَين الْأَمريْنِ كَالرّجلِ المعتدل الْقَامَة. (الثَّالِث) أَنَّهَا الْعشَاء الْأَخِيرَة وَهُوَ قَول الْمَازرِيّ وَزعم الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة أَن السّلف لم ينْقل عَن أحد مِنْهُم هَذَا القَوْل قَالَ وَقد ذكره بعض الْمُتَأَخِّرين (الرَّابِع) أَنَّهَا الصُّبْح وَهُوَ قَول جَابر بن عبد الله ومعاذ بن جبل وَابْن عَبَّاس فِي قَول وَابْن عمر فِي قَول وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَعِكْرِمَة وَمُجاهد وَالربيع بن أنس وَمَالك بن أنس وَالشَّافِعِيّ فِي قَول وَقَالَ أَبُو عمر وَمِمَّنْ قَالَ الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الصُّبْح عبد الله بن عَبَّاس وَهُوَ أصح مَا رُوِيَ عَنهُ فِي ذَلِك وَهُوَ قَول طَاوس وَمَالك وَأَصْحَابه وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث جَابر بن زيد " عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أدْلج النَّبِي ﷺ َ - ثمَّ عرس فَلم يَسْتَيْقِظ حَتَّى طلعت الشَّمْس أَو بَعْضهَا فَلم يصل حَتَّى ارْتَفَعت الشَّمْس وَهِي الصَّلَاة الْوُسْطَى " وَفِي حَدِيث صَالح أبي الْخَلِيل عَن جَابر بن زيد " عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ صَلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْفجْر " وَعَن أبي رَجَاء قَالَ " صليت مَعَ ابْن عَبَّاس صَلَاة الْغَدَاة فِي مَسْجِد الْبَصْرَة فقنت بِنَا قبل الرُّكُوع وَقَالَ هَذِه الصَّلَاة صَلَاة الْوُسْطَى الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ " قَالَ الطَّحَاوِيّ وَقد خُولِفَ ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة فيمَ نزلت ثمَّ روى حَدِيث زيد بن أَرقم الْمَذْكُور فِيمَا مضى (قلت) المخالفون لِابْنِ عَبَّاس فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة زيد بن أَرقم من الصَّحَابَة وَمن التَّابِعين مُجَاهِد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَجَابِر بن زيد فَإِنَّهُم أخبروا أَن الْقُنُوت الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ بِصُورَة الْأَمر هُوَ السُّكُوت عَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة لأَنهم كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِيهَا وَلَيْسَ هُوَ الْقُنُوت الَّذِي كَانَ يفعل فِي صَلَاة الصُّبْح فَلَا يُسمى حِينَئِذٍ بِسَبَب ذَلِك لصَلَاة الصُّبْح الصَّلَاة الْوُسْطَى على أَن عَمْرو بن مَيْمُون وَالْأسود وَسَعِيد بن جُبَير وَعمْرَان بن الْحَارِث قَالُوا لم يقنت ابْن عَبَّاس فِي الْفجْر وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُصَنفه حَدثنَا وَكِيع قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن وَاقد مولى زيد بن خليدة عَن سعيد بن جُبَير " عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُمَا
стр. 2144
كَانَا لَا يقنتان فِي الْفجْر " حَدثنَا هشيم قَالَ أخبرنَا حُصَيْن عَن عمرَان بن الْحَارِث قَالَ " صليت مَعَ ابْن عَبَّاس فِي دَاره صَلَاة الصُّبْح فَلم يقنت قبل الرُّكُوع وَلَا بعده ". (الْخَامِس) أَنَّهَا إِحْدَى الصَّلَوَات الْخمس وَلَا تعرف بِعَينهَا رُوِيَ عَن ابْن عمر من طَرِيق صَحِيحَة قَالَ نَافِع سَأَلَ رجل ابْن عمر عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى فَقَالَ هِيَ مِنْهُنَّ فحافظوا عَلَيْهِنَّ كُلهنَّ وبنحوه قَالَ الرّبيع بن خَيْثَم وَزيد بن ثَابت فِي رِوَايَة وَشُرَيْح القَاضِي وَنَافِع وَقَالَ النقاش قَالَت طَائِفَة هِيَ الْخمس وَلم تميز أَي صَلَاة هِيَ قَالَ أَبُو عمر كل وَاحِدَة من الْخمس وسطى لِأَن قبل كل وَاحِدَة صَلَاتَيْنِ وَبعدهَا صَلَاتَيْنِ. (السَّادِس) أَنَّهَا هِيَ الْخمس إِذْ هِيَ الْوُسْطَى من الدّين كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " بني الْإِسْلَام على خمس " قَالُوا فَهِيَ الْوُسْطَى من الْخمس رُوِيَ ذَلِك عَن مُعَاوِيَة بن جبل وَعبد الرَّحْمَن بن غنم فِيمَا ذكر النقاش وَفِي كتاب الْحَافِظ أبي الْحسن عَليّ بن الْمفضل قيل ذَلِك لِأَنَّهَا وسط الْإِسْلَام أَي خِيَاره وَكَذَلِكَ قَالَه عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (السَّابِع) أَنَّهَا هِيَ الْمُحَافظَة على وَقتهَا قَالَه ابْن أبي حَاتِم فِي كتاب التَّفْسِير حَدثنَا أَبُو سعيد الْأَشَج حَدثنَا الْمحَاربي وَابْن فُضَيْل عَن الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق أَنه قَالَ ذَلِك. (الثَّامِن) أَنَّهَا مواقيتها وَشَرطهَا وأركانها وتلاوة الْقُرْآن فِيهَا وَالتَّكْبِير وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وَالتَّشَهُّد وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ َ - فَمن فعل ذَلِك فقد أتمهَا وحافظ عَلَيْهَا قَالَه مقَاتل بن حبَان قَالَ ابْن أبي حَاتِم أَنبأَنَا بِهِ مُحَمَّد بن الْفضل حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن شَقِيق أخبرنَا مُحَمَّد بن مُزَاحم عَن بكر بن مَعْرُوف عَنهُ وَذكر أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس نَحوه (التَّاسِع) أَنَّهَا الْجُمُعَة خَاصَّة حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره لما اخْتصّت بِهِ دون غَيرهَا وَقَالَ ابْن سَيّده فِي الْمُحكم لِأَنَّهَا أفضل الصَّلَوَات وَمن قَالَ خلاف هَذَا فقد أَخطَأ إِلَّا أَن يَقُوله بِرِوَايَة يسندها إِلَى سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ -. (الْعَاشِر) أَنَّهَا الْجُمُعَة يَوْم الْجُمُعَة وَفِي سَائِر الْأَيَّام الظّهْر حَكَاهُ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن مقسم فِي تَفْسِيره. (الْحَادِي عشر) أَنَّهَا صلاتان الصُّبْح وَالْعشَاء وَعَزاهُ ابْن مقسم فِي تَفْسِيره لأبي الدَّرْدَاء لقَوْله ﷺ َ - " لَو يعلمُونَ مَا فِي الْعَتَمَة وَالصُّبْح " الحَدِيث. (الثَّانِي عشر) أَنَّهَا الْعَصْر وَالصُّبْح وَهُوَ قَول أبي بكر الْمَالِكِي الْأَبْهَرِيّ (الثَّالِث عشر) أَنَّهَا الْجَمَاعَة فِي جَمِيع الصَّلَوَات حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ. (الرَّابِع عشر) أَنَّهَا الْوتر. (الْخَامِس عشر) أَنَّهَا صَلَاة الضُّحَى. (السَّادِس عش) أَنَّهَا صَلَاة الْعِيدَيْنِ. (السَّابِع عشر) أَنَّهَا صَلَاة عيد الْفطر. (الثَّامِن عشر) أَنَّهَا صَلَاة الْخَوْف. (التَّاسِع عشر) أَنَّهَا صَلَاة عيد الْأَضْحَى. (الْعشْرُونَ) أَنَّهَا المتوسطة بَين الطول وَالْقصر وأصحها الْعَصْر للأحاديث الصَّحِيحَة الَّتِي ذَكرنَاهَا وَالْبَاقِي بَعْضهَا ضَعِيف وَبَعضهَا مَرْدُود وَقد أمرنَا بِالسُّكُوتِ وَفِي مُسلم ونهينا عَن الْكَلَام قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يُعْطي أَن الْأَمر بالشَّيْء منهى عَن ضِدّه وَقد اخْتلف الأصوليون فِيهِ قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْأَمر إِذا اقْتضى فعلا فالنهي عَن تَركه لَا يُعْطِيهِ الْأَمر بِذَاتِهِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِيهِ أَن الِامْتِثَال لَا يَأْتِي إِلَّا بترك الضِّدّ وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين الْأَمر بِالسُّكُوتِ منَاف لعدم السُّكُوت بِالذَّاتِ وَهُوَ الْمُسَمّى بالنقيض فَلَا نزاع فِي دلَالَة الْأَمر عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جزؤه وَأما الْكَلَام فَهُوَ ضِدّه وَهُوَ مَحل النزاع بَيْننَا وَبَين الْمُعْتَزلَة فَأكْثر أَصْحَابنَا على أَن الْأَمر بالشَّيْء يدل على النَّهْي عَن ضِدّه وَذهب جُمْهُور الْمُعْتَزلَة وَكثير من أَصْحَابنَا إِلَى عدم دلَالَته عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ صَاحب المحصل وَأما مَا حَكَاهُ صَاحب الْحَاصِل وَتَبعهُ الْبَيْضَاوِيّ من مُوَافقَة أَكثر أَصْحَابنَا لجمهور الْمُعْتَزلَة فَلَيْسَ بجيد ودلالته عَلَيْهِ بالالتزام فَإِن دلَالَة الِالْتِزَام دلَالَته على خَارج عَنهُ (قلت) ذهب بعض الشَّافِعِيَّة وَالْقَاضِي أَبُو بكر أَولا إِلَى أَن الْأَمر بالشَّيْء عين النَّهْي عَن ضِدّه وَقَالَ القَاضِي آخرا وَكثير من الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الْأَمر بالشَّيْء يسْتَلْزم النَّهْي عَن ضِدّه لِأَنَّهُ عينه إِذْ اللَّازِم غير الْمَلْزُوم وَذهب إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَبَاقِي الْمُعْتَزلَة إِلَى أَنه لَا حكم لكل وَاحِد مِنْهُمَا فِي ضِدّه أصلا بل هُوَ مسكوت عَنهُ وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص وَهُوَ مَذْهَب عَامَّة الْعلمَاء من أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب الشَّافِعِي وَأهل الحَدِيث أَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه إِذا كَانَ لَهُ ضد وَاحِد كالأمر بِالْإِيمَان نهي عَن الْكفْر وَإِن كَانَ لَهُ أضداد كالأمر بِالْقيامِ لَهُ أضداد من الْقعُود وَالرُّكُوع وَالسُّجُود والاضطجاع يكون الْأَمر بِهِ نهيا عَن جَمِيع أضداده كلهَا وَقَالَ بَعضهم يكون نهيا عَن وَاحِد مِنْهَا غير معِين وَفصل بَعضهم بَين الْأَمر للْإِيجَاب فَقَالَ أَمر الْإِيجَاب يكون نهيا عَن ضد الْمَأْمُور بِهِ وَعَن
стр. 2145
أضداده لكَونه مَانِعا من فعل الْوَاجِب وَأمر النّدب لَا يكون كَذَلِك فَكَانَت أضداد الْمَنْدُوب غير مَنْهِيّ عَنْهَا لَا نهي تَحْرِيم وَلَا نهي تَنْزِيه وَمن لم يفصل جعل أَمر النّدب نهيا عَن ضِدّه فَهِيَ ندب حَتَّى يكون الِامْتِنَاع عَن ضد الْمَنْدُوب مَنْدُوبًا كَمَا يكون فعله وَأما النَّهْي عَن الشَّيْء فَأمر بضده إِن كَانَ لَهُ ضد وَاحِد باتفاقهم كالنهي عَن الْكفْر أَمر بِالْإِيمَان وَإِن كَانَ لَهُ أضداد فَعِنْدَ بعض أَصْحَابنَا وَبَعض أَصْحَاب الحَدِيث يكون أمرا بالأضداد كلهَا كَمَا فِي جَانب الْأَمر وَعند عَامَّة أَصْحَابنَا وَعَامة أَصْحَاب الحَدِيث يكون أمرا بِوَاحِد من الأضداد غير معِين وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه يُوجب حُرْمَة ضِدّه وَقَالَ بَعضهم يدل على حُرْمَة ضِدّه وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء يدل على كَرَاهَة ضِدّه وَقَالَ بَعضهم يُوجب كَرَاهَة ضِدّه ومختار القَاضِي الإِمَام أبي زيد وشمس الْأَئِمَّة وفخر الْإِسْلَام وَمن تَابعهمْ أَنه يَقْتَضِي كَرَاهَة ضِدّه وَالنَّهْي عَن الشَّيْء يَنْبَغِي أَن يكون ضِدّه فِي معنى سنة مُؤَكدَة فَافْهَم (فَإِن قلت) فَإِذا كَانَ قَوْله أمرنَا بِالسُّكُوتِ دَالا على النَّهْي عَن الْكَلَام فَمَا فَائِدَة ذكر النَّهْي عَن الْكَلَام فِي قَوْله " فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ ونهينا عَن الْكَلَام " (قلت) التَّصْرِيح أبلغ من دلَالَة الِالْتِزَام فَاقْتضى التَّصْرِيح بِهِ نفي الْخلاف الْمَعْرُوف فِيهِ (فَإِن قلت) الْألف وَاللَّام فِي قَوْله " أمرنَا بِالسُّكُوتِ " لماذا (قلت) للْعهد لَا للْعُمُوم وَهِي رَاجِعَة إِلَى قَوْله " يكلم الرجل صَاحبه إِلَى جنبه " أَي فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ عَمَّا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ من ذَلِك وَكَذَلِكَ الْألف وَاللَّام فِي قَوْله " ونهينا عَن الْكَلَام " أَي عَن مُخَاطبَة الْآدَمِيّين وَحمل ابْن دَقِيق الْعِيد الْألف وَاللَّام فِي الْكَلَام على الْعُمُوم وَفِيه نظر لِأَن النَّهْي عَن الْكَلَام مَخْصُوص بمخاطبة الْآدَمِيّين بِدَلِيل حَدِيث مُعَاوِيَة بن الحكم أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَطاء بن يسَار عَنهُ قَالَ " بَينا أَنا أُصَلِّي مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذْ عطس رجل من الْقَوْم فَقلت لَهُ يَرْحَمك الله فَرَمَانِي الْقَوْم بِأَبْصَارِهِمْ " الحَدِيث وَفِيه أَنه ﷺ َ - قَالَ " إِن هَذِه الصَّلَاة لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن "
(بَاب مَا يجوز من التَّسْبِيح وَالْحَمْد فِي الصَّلَاة للرِّجَال)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز من قَول سُبْحَانَ الله وَقَول الْحَمد لله فِي أثْنَاء الصَّلَاة للرِّجَال إِذا نابهم شَيْء فِيهَا نَحْو مَا إِذا رأى الْمُصَلِّي أَن إِمَامه يفعل شَيْئا فِي غير مَحَله يَقُول سُبْحَانَ الله ليسمع الإِمَام ذَلِك وَيرجع إِلَى الصَّوَاب وَإِنَّمَا قيد ذَلِك بِالرِّجَالِ لِأَن النِّسَاء إِذا نابهن شَيْء فِي الصَّلَاة يصفقن لقَوْله ﷺ َ - " التَّسْبِيح للرِّجَال والتصفيق للنِّسَاء " على مَا يَأْتِي بعد بَاب مُفردا وَيدخل فِي هَذَا مَا إِذا فتح على إِمَامه لَا تفْسد صلَاته
٢٢٤ - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة قَالَ حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم عَن أَبِيه عَن سهل ﵁ قَالَ خرج النَّبِي ﷺ َ - يصلح بَين بني عَمْرو بن عَوْف وحانت الصَّلَاة فجَاء بِلَال أَبَا بكر ﵄ فَقَالَ حبس النَّبِي ﷺ َ - فتؤم النَّاس قَالَ نعم إِن شِئْتُم فَأَقَامَ بِلَال الصَّلَاة فَتقدم أَبُو بكر ﵁ فصلى فجَاء النَّبِي ﷺ َ - يمشي فِي الصُّفُوف يشقها شقا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفّ الأول فَأخذ النَّاس بالتصفيح قَالَ سهل هَل تَدْرُونَ مَا التصفيح هُوَ التصفيق وَكَانَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَا يلْتَفت فِي صلَاته فَلَمَّا أَكْثرُوا الْتفت فَإِذا النَّبِي ﷺ َ - فِي الصَّفّ فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانك فَرفع أَبُو بكر يَدَيْهِ فَحَمدَ الله ثمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءه وَتقدم النَّبِي ﷺ َ - فصلى) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه ذكر هَذَا الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي بَاب من دخل ليؤم النَّاس فجَاء الإِمَام الأول وَفِيه " من نابه شَيْء فِي الصَّلَاة فليسبح فَإِنَّهُ إِذا سبح الْتفت إِلَيْهِ وَإِنَّمَا التصفيق للنِّسَاء " وَذكر هَذِه التَّرْجَمَة هَهُنَا على هَذَا الْوَجْه اكْتِفَاء بِمَا ذكر هُنَاكَ لِأَن الحَدِيث وَاحِد على أَنه ذكره فِي سَبْعَة مَوَاضِع مترجما فِي كل مَوضِع بِمَا يُنَاسِبه وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ مستقصى وَالشَّارِح هَهُنَا على قسمَيْنِ مِنْهُم من لم يتَعَرَّض قطّ لوجه هَذِه التَّرْجَمَة وَلَا لوجه مناسبتها للْحَدِيث مِنْهُم صَاحب التَّلْوِيح والتوضيح وَمِنْهُم من ذكر شَيْئا لَا يُسَاوِي سَمَاعه مِنْهُم الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ قَالَ (فَإِن قلت) ذكر فِي التَّرْجَمَة لفظ التَّسْبِيح والْحَدِيث لَا يدل عَلَيْهِ (قلت)
стр. 2146
علم من الْحَمد بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ إِلَى آخِره وَلم يذكر شَيْئا تَحْتَهُ طائل وَمِنْهُم من قَالَ أَرَادَ إِلْحَاق التَّسْبِيح بِالْحَمْد لجامع الذّكر لِأَن الَّذِي فِي الحَدِيث الَّذِي سَاقه ذكر التَّحْمِيد دون التَّسْبِيح وَاعْتَرضهُ بَعضهم وَقَالَ بل الحَدِيث مُشْتَمل عَلَيْهِمَا لكنه سَاقه هُنَا مُخْتَصرا وَقد تقدم فِي بَاب من دخل ليؤم النَّاس فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة انْتهى (قلت) هَؤُلَاءِ كَأَنَّهُمْ فَهموا أَن المُرَاد من التَّرْجَمَة جَوَاز التَّسْبِيح وَالْحَمْد فِي الصَّلَاة مُطلقًا وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن مُرَاده الْإِتْيَان بِلَفْظ التَّسْبِيح لمن نابه شَيْء وَهُوَ فِي الصَّلَاة بِدَلِيل قَيده للرِّجَال فَإِنَّهُ ترْجم هَهُنَا بقوله بَاب مَا يجوز إِلَى آخِره وَفِيه قيد بقوله للرِّجَال ثمَّ ترْجم للنِّسَاء بِبَاب آخر وَهُوَ قَوْله بَاب التصفيق للنِّسَاء وَلَو كَانَ مُرَاده من التَّرْجَمَة الْإِطْلَاق فِي ذَلِك لما قَيده بقوله للرِّجَال فَإِن التَّسْبِيح وَالْحَمْد وَنَحْوهمَا لأمر نابه فِي الصَّلَاة يجوز للرِّجَال وَالنِّسَاء مَا لم يَقع جَوَابا لشَيْء آخر وَأما قَوْله فِي التَّرْجَمَة وَالْحَمْد فللتنبيه على أَن الَّذِي ينوبه شَيْء وَهُوَ فِي الصَّلَاة إِذا حمد الله عوض سُبْحَانَ الله فَإِنَّهُ يجوز لِأَن الْغَرَض من ذَلِك التَّنْبِيه على عرُوض أَمر لَا مُجَرّد التَّسْبِيح وَالْحَمْد لِأَن مُجَرّد التَّسْبِيح وَالْحَمْد وَنَحْوهمَا لَا يضر صَلَاة الْمُصَلِّي إِذا لم يَقع جَوَابا وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَفِيه يَعْنِي فِي هَذَا الحَدِيث أَن التَّسْبِيح جَائِز للرِّجَال وَالنِّسَاء عِنْدَمَا ينزل بهم من حَاجَة إِلَّا يرى أَن النَّاس أَكْثرُوا بالتصفيق لأبي بكر ليتأخر للنَّبِي ﷺ َ - وَبِهَذَا قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ أَن من سبح فِي صلَاته لشَيْء ينوبه أَو أَشَارَ إِلَى إِنْسَان فَإِنَّهُ لَا يقطع صلَاته وَخَالف فِي ذَلِك أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (قلت) لَا نسلم أَن أَبَا حنيفَة خَالف فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي خَالف فَإِن مَذْهَب أبي حنيفَة أَنه إِذا سبح أَو حمد جَوَابا لإِنْسَان فَإِنَّهُ يقطع لِأَنَّهُ يكون كلَاما وَأما إِذا وَقع شَيْء من ذَلِك لغير جَوَاب فَلَا يضر ذَلِك لِأَن الصَّلَاة هِيَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيح ثمَّ أَنهم فَهموا أَن حمد أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاة إِنَّمَا كَانَ لأمر نابه وَهُوَ فِي الصَّلَاة وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ حمد الله على مَا أَمر بِهِ رَسُول الله ﷺ َ - وَقد صرح بِهِ فِي الحَدِيث فِي بَاب من دخل ليؤم النَّاس حَيْثُ قَالَ فَلَمَّا أَكثر النَّاس التصفيق فَرَأى رَسُول الله ﷺ َ - فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ - أَن امْكُث مَكَانك فَرفع أَبُو بكر يَدَيْهِ فَحَمدَ الله على مَا أمره رَسُول الله ﷺ َ - من ذَلِك على أَن ابْن الْجَوْزِيّ ادّعى أَنه أَشَارَ بالشكر وَالْحَمْد بِيَدِهِ وَلم يتَكَلَّم ثمَّ إِن البُخَارِيّ روى حَدِيث هَذَا الْبَاب عَن عبد الله بن مسلمة بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام ابْن قعنب التَّيْمِيّ الْحَارِثِيّ وَقد تقدم غير مرّة عَن عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم وَاسم أبي حَازِم بالزاي سَلمَة بن دِينَار الْمَدِينِيّ عَن أَبِيه سَلمَة عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ وَأخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي حَازِم بن دِينَار عَن سهل بن سعد وَقد تكلمنا هُنَاكَ على مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَنْوَاع فلنذكر هُنَا مَا هُوَ المهم وَإِن وَقع فِيهِ بعض التّكْرَار فَإِنَّهُ لَا يضر لبعد الْمسَافَة قَوْله " يصلح " حَال منتظرة قَوْله " وحانت الصَّلَاة " أَي حضرت وحلت قَوْله " حبس النَّبِي ﷺ َ - " أَي تَأَخّر هُنَاكَ لأجل الصُّلْح قَوْله " يمشي " حَال أَيْضا وَكَذَلِكَ قَوْله " يشقها " أَي حَال يشق الصُّفُوف قَوْله " فَقَالَ سهل " وَهُوَ سهل بن سعد الْمَذْكُور قَوْله " هُوَ التصفيق " تَفْسِير لقَوْله " مَا التصفيح وَاحْتج بِهِ بَعضهم على أَن التصفيح والتصفيق بِمَعْنى وَاحِد وَبِه صرح الْخطابِيّ والجوهري وَأَبُو عَليّ القالي وَآخَرُونَ حَتَّى ادّعى ابْن حزم نفي الْخلاف فِي ذَلِك وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن القَاضِي عِيَاض حكى أَنه بِالْحَاء الضَّرْب بِظَاهِر إِحْدَى الْيَدَيْنِ على الْأُخْرَى وبالقاف بباطنها على بَاطِن الْأُخْرَى وَقيل بِالْحَاء الضَّرْب بأصبعين للإنذار والتنبيه وبالقاف بجميعها للهو واللعب وَأغْرب الدَّاودِيّ فَزعم أَن الصَّحَابَة ضربوا بأكفهم على أَفْخَاذهم قَالَ القَاضِي عِيَاض كَأَنَّهُ أَخذه من حَدِيث مُعَاوِيَة بن الحكم الَّذِي أخرجه مُسلم فَفِيهِ " وَجعلُوا يضْربُونَ بِأَيْدِيهِم على أَفْخَاذهم "
(بَاب من سمى قوما أَو سلم فِي الصَّلَاة على غَيره مُوَاجهَة وَهُوَ لَا يعلم)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من سمى قوما بِذكر أسمائهم أَو سلم فِي صلَاته على غَيره مُوَاجهَة بِفَتْح الْجِيم وَهِي نصب على المصدرية وَالْحَال أَنه لَا يعلم أَي الْمُسلم عَلَيْهِ لَا يعلم يَعْنِي لَا يسمع السَّلَام وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين لفظ مُوَاجهَة وَإِنَّمَا هُوَ وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَقيل فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ على غير بِالتَّنْوِينِ بِلَا هَاء الضَّمِير وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض النّسخ على غَيره مُوَاجهَة بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل الْمُضَاف إِلَى الضَّمِير وَإِضَافَة الْغَيْر إِلَيْهِ (فَإِن قلت) لم يبين فِي التَّرْجَمَة حكم الْبَاب مَا هُوَ أجواز أَو بطلَان (قلت)
стр. 2147
كَأَنَّهُ ترك ذَلِك لاشتباه الْأَمر فِيهِ وَلَكِن قيل الظَّاهِر الْجَوَاز وَأَن شَيْئا فِي ذَلِك لَا يبطل الصَّلَاة لِأَنَّهُ ﷺ َ - لم يَأْمُرهُم بِالْإِعَادَةِ فِيهِ إِنَّمَا علمهمْ مَا يستقبلون (قلت) وَفِيه نظر لِأَن هَذَا مَنْسُوخ وَقد كَانَ ذَلِك مقررا عِنْدهم ثمَّ مَنعهم النَّبِي ﷺ َ - عَن ذَلِك وَأمرهمْ بِمَا يَقُولُونَ فنسخ هَذَا ذَاك
٢٢٥ - (حَدثنَا عَمْرو بن عِيسَى قَالَ حَدثنَا أَبُو عبد الصَّمد عبد الْعَزِيز بن عبد الصَّمد قَالَ حَدثنَا حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي وَائِل عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁. قَالَ كُنَّا نقُول التَّحِيَّة فِي الصَّلَاة ونسمي وَيسلم بَعْضنَا على بعض فَسَمعهُ رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ قُولُوا التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَإِنَّكُم إِذا فَعلْتُمْ ذَلِك فقد سلمتم على كل عبد لله صَالح فِي السَّمَاء وَالْأَرْض) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " كُنَّا نقُول التَّحِيَّة فِي الصَّلَاة ونسمي وَيسلم بَعْضنَا على بعض " وللترجمة جزآن أَحدهمَا قَوْله من سمى قوما وَقد مر فِي بَاب مَا يتَخَيَّر من الدُّعَاء بعد التَّشَهُّد فِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أَيْضا قَالَ " كُنَّا إِذا كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي الصَّلَاة قُلْنَا السَّلَام على الله من عباده السَّلَام على فلَان وَفُلَان " الحَدِيث وَفِي رِوَايَة عَنهُ " قُلْنَا السَّلَام على جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل " والجزء الآخر هُوَ قَوْله " أوسلم فِي الصَّلَاة " إِلَى آخِره وَهُوَ المُرَاد من قَوْله " وَيسلم بَعْضنَا على بعض ". (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عَمْرو بن عِيسَى أَبُو عُثْمَان الضبعِي بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة الأدي بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الدَّال. الثَّانِي عبد الْعَزِيز بن عبد الصَّمد الْعمي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم. الثَّالِث حُصَيْن بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة ابْن عبد الرَّحْمَن مر فِي بَاب الْأَذَان بعد ذهَاب الْوَقْت. الرَّابِع أَبُو وَائِل واسْمه شَقِيق بن سَلمَة. الْخَامِس عبد الله بن مَسْعُود (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ بَصرِي وَكَذَلِكَ عبد الْعَزِيز بَصرِي وحصين وَأَبُو وَائِل كوفيان وَفِيه عبد الْعَزِيز مَذْكُورا أَولا بالكنية ثمَّ بَين باسمه وَهُوَ مَذْكُور أَيْضا بنسبته إِلَى عَم قَبيلَة من بني تَمِيم وَفِيهِمْ كَثْرَة وَمن الروَاة زيد الْعمي وَهُوَ لقب لَهُ لِأَنَّهُ كلما كَانَ يسْأَل عَن شَيْء قَالَ حَتَّى أسأَل عمي (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن مُحَمَّد بن معمر عَن قبيصَة بن عقبَة كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن حُصَيْن بِهِ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي فِي بَاب التَّشَهُّد فِي الْأَخِيرَة وَفِي بَاب مَا يتَخَيَّر من الدُّعَاء بعد التَّشَهُّد قَوْله " التَّحِيَّة " بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء وَقَوله " فِي الصَّلَاة " خَبره ويروى التَّحِيَّة بِالنّصب على أَنه مفعول قُلْنَا (فَإِن قلت) مقول القَوْل لَا بُد أَن يكون جملَة (قلت) قد يَقع مُفردا إِذا كَانَ عبارَة عَن الْجُمْلَة كَمَا فِي قَوْلك قلت قصَّة وَقلت خَبرا وَكَذَلِكَ هَهُنَا التَّحِيَّة بِالنّصب عبارَة عَن قَوْلهم السَّلَام على فلَان قَوْله " إِذا فَعلْتُمْ ذَلِك " أَي إِذا قُلْتُمُوهَا قَوْله " صَالح " بِالْجَرِّ صفة عبد وَلَفْظَة " لله " مُعْتَرضَة بَينهمَا
(بَاب التصفيق للنِّسَاء)
يجوز فِي بَاب الْإِضَافَة إِلَى التصفيق وَيجوز فِيهِ التَّنْوِين بِقطعِهِ عَن الْإِضَافَة فالتقدير فِي الأول هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن التصفيق للنِّسَاء وَفِي الثَّانِي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ التصفيق للنِّسَاء وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب
٢٢٦ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ التَّسْبِيح للرِّجَال والتصفيق للنِّسَاء)
стр. 2148
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا عين الحَدِيث وجزء مِنْهُ. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الْخَامِس أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن الْمثنى وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَهِشَام بن عمار كلهم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَفِي التَّوْضِيح وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على أَن سنة الرجل إِذا نابه شَيْء فِي الصَّلَاة التَّسْبِيح وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي النِّسَاء فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنَّهَا تصفيق وَهُوَ ظَاهر الحَدِيث وَبِه قَالَ إِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك حَكَاهَا ابْن شعْبَان عَنهُ وَهُوَ مَذْهَب النَّخعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا تَسْبِيح وَهُوَ قَول مَالك وَتَأَول أَصْحَابه قَوْله " إِنَّمَا التصفيق للنِّسَاء " أَنه من شأنهن فِي غير الصَّلَاة فَهُوَ على وَجه الذَّم فَلَا تَفْعَلهُ الْمَرْأَة وَلَا الرجل فِي الصَّلَاة وَيَردهُ مَا ورد فِي حَدِيث حَمَّاد بن زيد عَن أبي حَازِم فِي بَاب الْأَحْكَام بِصِيغَة الْأَمر " فليسبح الرِّجَال وليصفق النِّسَاء " وَإِنَّمَا كره لَهَا التَّسْبِيح لِأَن صَوتهَا فتْنَة وَلِهَذَا منعت من الْأَذَان والإمامة والجهر بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاة
٢٢٧ - (حَدثنَا يحيى قَالَ أخبرنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - التَّسْبِيح للرِّجَال والتصفيق للنِّسَاء) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا جُزْء من الحَدِيث وَيحيى هُوَ ابْن جَعْفَر الْبَلْخِي وَقَالَ الْكرْمَانِي يحيى إِمَّا يحيى بن مُوسَى الختي بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَإِمَّا يحيى بن جَعْفَر الْبَلْخِي قَالَ الكلاباذي إنَّهُمَا يرويان عَن وَكِيع فِي الْجَامِع وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَأَبُو حَازِم بالزاي سَلمَة بن دِينَار وَقد مر الْكَلَام فِي الحَدِيث وَفِي بعض النّسخ يُوجد هُنَا عقيب هَذَا الْبَاب بَاب من صفق جَاهِلا من الرِّجَال فِي صلَاته لم تفْسد صلَاته قَالَ وَفِيه سهل بن سعد عَن النَّبِي ﷺ َ - وَلَيْسَ هَذَا بموجود فِي كثير من النّسخ وَلِهَذَا أنكر بذلك بعض الشُّرَّاح وَمَعْنَاهُ على تَقْدِير وجوده أَن التصفيق وَظِيفَة النِّسَاء فَمن صفق من الرِّجَال جَاهِلا بذلك فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَة صلَاته لِأَنَّهُ ﷺ َ - لم يَأْمر من صفق بِالْإِعَادَةِ وَذَلِكَ لكَونه عملا يَسِيرا وَبِه لَا تفْسد الصَّلَاة على مَا عرف
(بَاب من رَجَعَ الْقَهْقَرَى فِي صلَاته أَو تقدم بِأَمْر ينزل بِهِ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمُصَلِّي الَّذِي رَجَعَ الْقَهْقَرَى فِي صلَاته وَقَالَ ابْن الْأَثِير الْقَهْقَرَى هُوَ الْمَشْي إِلَى خلف من غير أَن يُعِيد وَجهه إِلَى جِهَة مَشْيه قيل أَنه من بَاب الْقَهْر وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْقَهْقَرَى الرُّجُوع إِلَى خلف فَإِذا قلت رجعت الْقَهْقَرَى فكأنك قلت رجعت الرُّجُوع الَّذِي يعرف بِهَذَا الِاسْم لِأَن الْقَهْقَرَى ضرب من الرُّجُوع (قلت) فعلى هَذَا انتصابه على المصدرية من غير لَفظه قَوْله " أَو تقدم " أَي تقدم الْمُصَلِّي إِلَى قُدَّام لأجل أَمر ينزل بِهِ
(رَوَاهُ سهل بن سعد عَن النَّبِي ﷺ َ -) أَي روى كل وَاحِد من رُجُوع الْمُصَلِّي الْقَهْقَرَى فِي صلَاته وتقدمه لأمر ينزل بِهِ سهل بن سعد وروى ذَلِك البُخَارِيّ عَن سهل فِي بَاب الصَّلَاة فِي الْمِنْبَر والسطوح فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فَقَالَ حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ أخبرنَا أَبُو حَازِم قَالُوا سَأَلُوا سهل بن سعد من أَي شَيْء الْمِنْبَر الحَدِيث وَفِيه " فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ - أَي على الْمِنْبَر إِلَى أَن قَالَ فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَكبر وَقَامَ النَّاس خَلفه فَقَرَأَ وَركع وَركع النَّاس خَلفه ثمَّ رفع رَأسه ثمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فَسجدَ على الأَرْض ثمَّ عَاد إِلَى الْمِنْبَر ثمَّ قَرَأَ ثمَّ ركع ثمَّ رفع رَأسه ثمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سجد بِالْأَرْضِ فَهَذَا شَأْنه " وَقَالَ بَعضهم يُشِير بذلك يَعْنِي بقوله رَوَاهُ سهل بن سعد عَن النَّبِي ﷺ َ - إِلَى حَدِيثه الْمَاضِي قَرِيبا فَفِيهِ " فَرفع أَبُو بكر يَده فَحَمدَ الله ثمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى " وَأما قَوْله " أَو تقدم " فَهُوَ مَأْخُوذ من الحَدِيث أَيْضا وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ َ - وقف فِي الصَّفّ الأول خلف أبي بكر على إِرَادَة الائتمام بِهِ فَامْتنعَ أَبُو بكر من ذَلِك فَتقدم النَّبِي ﷺ َ - وَرجع أَبُو بكر من موقف الإِمَام
стр. 2149
إِلَى موقف الْمَأْمُوم انْتهى (قلت) الَّذِي قَالَه يردهُ الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي " رَوَاهُ " يفهم ذَلِك من لَهُ أدنى ذوق من أَحْوَال تركيب الْكَلَام وَلذَلِك أعدنا الضَّمِير فِيهِ إِلَى مَا قدرناه وَصَاحب التَّلْوِيح أَيْضا ذهل فِي هَذَا وَقَالَ بعد قَوْله " رَوَاهُ سهل " هَذَا الحَدِيث تقدم مُسْندًا فِي بَاب مَا يجوز من التَّسْبِيح فِي الصَّلَاة ثمَّ قَالَ وَفِي قَوْله " رَوَاهُ سهل " عَن النَّبِي ﷺ َ - فِيهِ نظر وَذَلِكَ أَنه إِنَّمَا شَاهد الْفِعْل وَهُوَ التَّقَدُّم من سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - والتأخر من أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ثمَّ قَالَ الْقَائِل الْمَذْكُور وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِحَدِيث سهل مَا تقدم فِي الْجُمُعَة من صلَاته ﷺ َ - على الْمِنْبَر ونزوله الْقَهْقَرَى حَتَّى سجد فِي أصل الْمِنْبَر ثمَّ عَاد إِلَى مقَامه (قلت) قَوْله يحْتَمل غير سديد لِأَن البُخَارِيّ مَا أَرَادَ إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَهُوَ الْمُنَاسب لما ذكره وَلَا يُقَال فِي مثل هَذَا بِالِاحْتِمَالِ
٢٢٨ - (حَدثنَا بشر بن مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا عبد الله. قَالَ يُونُس. قَالَ الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي أنس بن مَالك أَن الْمُسلمين بَيْنَمَا هم فِي الْفجْر يَوْم الِاثْنَيْنِ وَأَبُو بكر ﵁ يُصَلِّي بهم ففجأهم النَّبِي ﷺ َ - وَقد كشف ستر حجرَة عَائِشَة ﵂ فَنظر إِلَيْهِم وهم صُفُوف فَتَبَسَّمَ يضْحك فنكص أَبُو بكر ﵁ على عَقِبَيْهِ وَظن أَن رَسُول الله ﷺ َ - يُرِيد أَن يخرج إِلَى الصَّلَاة وهم الْمُسلمُونَ أَن يفتتنوا فِي صلَاتهم فَرحا بِالنَّبِيِّ ﷺ َ - حِين رَأَوْهُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَن أَتموا ثمَّ دخل الْحُجْرَة وأرخى السّتْر وَتُوفِّي ذَلِك الْيَوْم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي التَّقَدُّم يسْتَأْنس من قَوْله " ففجأهم النَّبِي ﷺ َ - " وَهَذَا يدل على أَنه ﷺ َ - اتَّصل بالصف فلولا ذَلِك لما نكص أَبُو بكر على عَقِبَيْهِ ومطابقته فِي التَّأَخُّر فِي قَوْله " فنكص أَبُو بكر على عَقِبَيْهِ " والْحَدِيث مر فِي بَاب أهل الْعلم وَالْفضل أَحَق بِالْإِمَامَةِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس وَعَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن عبد الْعَزِيز عَن أنس وَذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ. وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالراء ابْن مُحَمَّد الْمروزِي قد مر فِي بَاب بَدْء الْوَحْي وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك وَقد تكَرر ذكره وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم قَوْله " قَالَ يُونُس قَالَ الزُّهْرِيّ " أَي قَالَ قَالَ يُونُس قَالَ الزُّهْرِيّ وَهِي تحذف خطأ فِي الِاصْطِلَاح لَا نطقا قَوْله " بَيْنَمَا هم " أَي الصَّحَابَة فِي صَلَاة الْفجْر والْحَدِيث الَّذِي فِيهِ " مروا أَبَا بكر " كَانَت صَلَاة الْعشَاء وَالَّذِي فِيهِ " خرج يهادي بَين اثْنَيْنِ " كَانَت صَلَاة الظّهْر قَوْله " وَأَبُو بكر " الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله " ففجأهم " بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا أَي فاجأهم وَقَالَ ابْن التِّين كَذَا وَقع فِي الأَصْل بِالْألف وَحقه أَن يكْتب بِالْيَاءِ لِأَن عينه مَكْسُورَة كوطئهم (قلت) إِذا كسرت عينه يُقَال فَجِئَهُمْ وَإِذا فتحت يُقَال فجأهم قَوْله " كشف ستر حجرَة عَائِشَة " كَذَا هُوَ فِي أصل الْحَافِظ الدمياطي بِخَطِّهِ وَكَذَا فِي الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي سَمَاعنَا إِسْقَاط لفظ حجرَة قَوْله " فنكص " بالصَّاد وبالسين الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي رَجَعَ بِحَيْثُ لم يستدبر الْقبْلَة وَهُوَ الرُّجُوع إِلَى الوراء قَوْله " فَرحا " نصب على التَّعْلِيل وَيجوز أَن يكون حَالا على تَأْوِيل فرحين قَوْله " أَن أَتموا " أَن مَصْدَرِيَّة أَي أَشَارَ بالإتمام
(بَاب إِذا دعت الْأُم وَلَدهَا فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا دعت الْأُم وَلَدهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاة وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره هَل تجب إجابتها أم لَا وَإِذا وَجَبت هَل تبطل الصَّلَاة أَو لَا وَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ خلاف فَلذَلِك لم يذكر الْجَواب
٢٢٩ - (وَقَالَ اللَّيْث حَدثنِي جَعْفَر عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - نادت امْرَأَة ابْنهَا وَهُوَ فِي صومعة قَالَت يَا جريج قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وصلاتي
стр. 2150
قَالَت يَا جريج قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وصلاتي قَالَت يَا جريج قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وصلاتي قَالَت اللَّهُمَّ لَا يَمُوت جريج حَتَّى ينظر فِي وَجه المياميس وَكَانَت تأوي إِلَى صومعته راعية ترعى الْغنم فَولدت فَقيل لَهَا مِمَّن هَذَا الْوَلَد قَالَت من جريج نزل من صومعته قَالَ جريج أَيْن هَذِه الَّتِي تزْعم أَن وَلَدهَا لي قَالَ يَا بابوس من أَبوك قَالَ راعي الْغنم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول اللَّيْث بن سعد. الثَّانِي جَعْفَر بن ربيعَة بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة الْقرشِي. الثَّالِث عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج. الرَّابِع أَبُو هُرَيْرَة (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن اللَّيْث وَشَيْخه مصريان وَعبد الرَّحْمَن مدنِي وَهَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ لِأَنَّهُ لم يدْرك اللَّيْث وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ أخبرنَا أَبُو بكر الْمروزِي حَدثنَا عَاصِم بن عَليّ حَدثنَا اللَّيْث عَن جَعْفَر بن ربيعَة الحَدِيث مطولا وَفِيه " لَا أماتك الله حَتَّى تنظر فِي وَجهك زواني الْمَدِينَة فَعرف أَن ذَلِك يُصِيبهُ فَلَمَّا مروا بِهِ على بَيت الزواني خرجن يضحكن فَتَبَسَّمَ فَقَالُوا لم يضْحك حَتَّى مر بالزواني " وَوَصله أَبُو نعيم أَيْضا حَدثنَا أَبُو بكر بن خَلاد حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن ملْحَان حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن جَعْفَر وأسنده البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب (وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذْ انتبذت من أَهلهَا) حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا جرير بن حَازِم عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " لم يتَكَلَّم فِي المهد إِلَّا ثَلَاثَة عِيسَى وَكَانَ فِي بني إِسْرَائِيل رجل يُقَال لَهُ جريج كَانَ يُصَلِّي فَجَاءَتْهُ أمه فدعته فَقَالَ أجيبها أَو أُصَلِّي فَقَالَت اللَّهُمَّ لَا تمته حَتَّى تريه وُجُوه المومسات وَكَانَ جريج فِي صومعته فتعرضت لَهُ امْرَأَة وكلمته فَأبى فَأَتَت رَاعيا فأمكنته من نَفسهَا فَولدت غُلَاما فَقيل لَهَا مِمَّن فَقَالَت من جريج فَأتوهُ فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه فَتَوَضَّأ وَصلى ثمَّ أَتَى الْغُلَام فَقَالَ من أَبوك قَالَ الرَّاعِي قَالُوا نَبْنِي صومعتك من ذهب قَالَ لَا إِلَّا من طين " الحَدِيث. (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي بَاب بر الْوَالِدين وَدُعَاء الوالدة على الْوَلَد حَدثنَا شَيبَان بن فروخ حَدثنَا سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة حَدثنَا حميد بن هِلَال عَن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ " كَانَ جريج يتعبد فِي صومعته فَجَاءَت أمه فَقَالَت يَا جريج أَنا أمك كلمني فصادفته يُصَلِّي فَقَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وصلاتي فَاخْتَارَ صلَاته فَرَجَعت ثمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَة فَقَالَت يَا جريج أَنا أمك فكلمني فَقَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وصلاتي فَاخْتَارَ صلَاته فَقَالَت اللَّهُمَّ إِن هَذَا جريج وَهُوَ ابْني وَإِنِّي كَلمته فَأبى أَن يكلمني اللَّهُمَّ لَا تمته حَتَّى تريه وُجُوه المومسات قَالَ وَلَو دعت عَلَيْهِ أَن يفتن لفتن وَكَانَ راعي ضَأْن يأوي إِلَى ديره قَالَ فَخرجت امْرَأَة من الْقرْيَة فَوَقع عَلَيْهَا الرَّاعِي فَحملت فَولدت غُلَاما فَقيل لَهَا مَا هَذَا قَالَت من صَاحب هَذَا الدَّيْر قَالَ فجاؤا بفؤسهم ومساحيهم فَنَادَوْهُ فصادفوه وَهُوَ يُصَلِّي فَلم يكلمهم قَالَ فَأخذُوا يهدمون ديره فَلَمَّا رأى ذَلِك نزل إِلَيْهِم فَقَالُوا لَهُ سل هَذِه فَتَبَسَّمَ ثمَّ مسح رَأس الصَّبِي فَقَالَ من أَبوك قَالَ أبي راعي الضَّأْن فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك مِنْهُ قَالُوا لَهُ نَبْنِي مَا هدمناه من ديرك بِالذَّهَب وَالْفِضَّة قَالَ لَا وَلَكِن أعيدوه تُرَابا كَمَا كَانَ " وَأخرجه أَيْضا من طَرِيق جرير بن حَازِم عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لم يتَكَلَّم فِي المهد " الحَدِيث وَفِيه " وَكَانَت امْرَأَة بغي يتَمَثَّل بحسنها فَقَالَت إِن شِئْتُم لأفتننه لكم فتعرضت لَهُ فَلم يلْتَفت إِلَيْهَا فَأَتَت رَاعيا كَانَ يأوي إِلَى صومعته فأمكنته من نَفسهَا فَوَقع عَلَيْهَا فَحملت فَلَمَّا ولدت قَالَت هُوَ من جريج فَأتوهُ فاستنزلوه وهدموا صومعته وَجعلُوا يضربونه فَقَالَ مَا شَأْنكُمْ قَالُوا زَنَيْت بِهَذِهِ الْبَغي فَولدت مِنْك فَقَالَ أَيْن الصَّبِي فجاؤا بِهِ فَقَالَ دَعونِي حَتَّى أُصَلِّي فصلى فَلَمَّا انْصَرف أَتَى الصَّبِي فطعن فِي بَطْنه وَقَالَ يَا غُلَام من أَبوك قَالَ فلَان الرَّاعِي قَالَ فَأَقْبَلُوا على جريج يقبلونه ويتمسحون بِهِ وَقَالُوا نَبْنِي لَك صومعتك من ذهب قَالَ لَا أعيدوها من طين كَمَا كَانَت فَفَعَلُوا " الحَدِيث وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم كَمَا ذكرنَا وَذكر الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي كِتَابه تَنْبِيه الغافلين كَانَ جريج رَاهِبًا فِي بني إِسْرَائِيل يعبد الله فِي صومعته فَجَاءَتْهُ أمه يَوْمًا وَهُوَ قَائِم فِي الصَّلَاة فنادته يَا جريج فَلم يجبها لاشتغاله بِصَلَاتِهِ فَقَالَت ابتلاك الله بالمومسات يَعْنِي الزواني وَكَانَت امْرَأَة فِي تِلْكَ الْبَلدة خرجت لحاجتها
стр. 2151
فَأَخذهَا راعي الْغنم فواقعها عِنْد صومعة جريج فَحملت مِنْهُ وَكَانَ أهل تِلْكَ الْبَلدة يعظمون أَمر الزِّنَا فَظهر أَمر تِلْكَ الْمَرْأَة فِي الْبَلَد فَلَمَّا وضعت حملهَا أخبر الْملك أَن امْرَأَة قد ولدت من الزِّنَا فَدَعَاهَا فَقَالَ من أَيْن لَك هَذَا الْوَلَد قَالَت من جريج الراهب قد واقعني فَبعث الْملك أعوانه إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَنَادَوْهُ فَلم يجبهم حَتَّى جَاءُوا إِلَيْهِ بالمرور وهدموا صومعته وَجعلُوا فِي عُنُقه حبلا وجاؤا بِهِ إِلَى الْملك فَقَالَ لَهُ الْملك إِنَّك قد جعلت نَفسك عابدا ثمَّ تهتك حَرِيم النَّاس وتتعاطى مَا لَا يحل لَك قَالَ أَي شَيْء فعلت قَالَ إِنَّك قد زَنَيْت بِامْرَأَة كَذَا فَقَالَ لم أفعل فَلم يصدقوه وَحلف على ذَلِك وَلم يصدقوه فَقَالَ ردوني إِلَى أُمِّي فَردُّوهُ إِلَى أمه فَقَالَ لَهَا يَا أُمَّاهُ إِنَّك قد دَعَوْت الله عَليّ أفاستجاب الله دعاءك فادعي الله أَن يكْشف عني بدعائك فَقَالَت أمه اللَّهُمَّ إِن كَانَ جريج إِنَّمَا أَخَذته بدعوتي فاكشف عَنهُ فَرجع جريج إِلَى الْملك فَقَالَ أَيْن هَذِه الْمَرْأَة وَأَيْنَ الصَّبِي فجاؤا بِالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيّ فَسَأَلُوهَا فَقَالَت بلَى هَذَا الَّذِي فعل بِي فَوضع جريج يَده على رَأس الصَّبِي وَقَالَ بِحَق الَّذِي خلق أَن تُخبرنِي من أَبوك فَتكلم الصَّبِي بِإِذن الله تَعَالَى وَقَالَ إِن أبي فلَان الرَّاعِي فَلَمَّا سَمِعت الْمَرْأَة بذلك اعْترفت وَقَالَت كنت كَاذِبَة وَإِنَّمَا فعل بِي فلَان الرَّاعِي وَفِي رِوَايَة أَن الْمَرْأَة كَانَت حَامِلا لم تضع بعد فَقَالَ لَهَا أَيْن أصبتك قَالَت تَحت شَجَرَة وَكَانَت الشَّجَرَة بِجنب صومعته قَالَ جريج أخرجُوا إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَة ثمَّ قَالَ يَا شَجَرَة أَسأَلك بِالَّذِي خلقك أَن تخبريني من زنا بِهَذِهِ الْمَرْأَة فَقَالَ كل غُصْن مِنْهَا راعي الْغنم ثمَّ طعن بِأُصْبُعِهِ فِي بَطنهَا وَقَالَ يَا غُلَام من أَبوك فَنَادَى من بَطنهَا أبي راعي الضَّأْن فَاعْتَذر الْملك إِلَى جريج الراهب وَقَالَ إيذن لي ابْني صومعتك بِالذَّهَب قَالَ لَا قَالَ بِالْفِضَّةِ قَالَ لَا وَلكنه بالطين كَمَا كَانَت فبنوه بالطين وَفِي كتاب الْبر والصلة لعبد الله بن الْمُبَارك من حَدِيث الْحسن أَن اسْمه كَانَ جَريا وَأَنَّهُمْ لما أحاطوا بِهِ قَالَ بِاللَّه أما أنظرتموني ليَالِي أدعوا الله فأنظروه ليَالِي الله أعلم كم هِيَ فَأَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامه فَقَالَ لَهُ إِذا اجْتمع النَّاس فاطعن فِي بطن الْمَرْأَة وَقل أيتها السخلة من أَنْت وَمن أَبوك فَإِنَّهُ سَيَقُولُ راعي الْغنم فَلَمَّا أصبح طعن فِي بطن الْمَرْأَة وَقَالَ أيتها السخلة من أَبوك قَالَت راعي الْغنم قَالَ الْحسن ذكر لي أَن مولودا لم يتَكَلَّم فِي بطن أمه إِلَّا هَذَا وَعِيسَى ﵊ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " وَهُوَ فِي صومته " الْوَاو فِيهِ للْحَال والصومعة على وزن فوعلة من صمعت إِذا دققت لِأَنَّهَا دقيقة الرَّأْس قَوْله " جريج " بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره جِيم أَيْضا قَوْله " اللَّهُمَّ أُمِّي وصلاتي " أَي اجْتمع إِجَابَة أُمِّي وإتمام صَلَاتي فوفقني لأفضلهما قَوْله " لَا يَمُوت جريج " نفي فِي معنى الدُّعَاء قَوْله " حَتَّى ينظر " بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " المياميس " جمع مومسة وَهِي الْفَاجِرَة المتجاهرة بِهِ وَفِي التَّلْوِيح المياميس الزواني والفاجرات الْوَاحِدَة مومسة وَالْجمع مومسات ومياميس وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ إِثْبَات الْيَاء فِيهِ غلط وَالصَّوَاب حذفهَا (قلت) لَيْسَ بغلط لِأَن الْعَرَب يشبعون الكسرة فَتَصِير فِي صُورَة الْيَاء وَقَالَ ابْن قرقول وبالياء روينَا وَكَذَا ذكره أَصْحَاب الْعَرَبيَّة وَرَوَاهُ السماك المياميس بِضَم الْمِيم وَقَالَ الْقَزاز قد يُقَال للخدم مومسات قَوْله " يابابوس " كلمة يَا حرف نِدَاء وبابوس بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى مَضْمُومَة وَبعد الْوَاو الساكنة سين مُهْملَة قَالَ الْقَزاز هُوَ الصَّغِير ووزنه فاعول فاؤه وعينه من جنس وَاحِد وَهُوَ قَلِيل وَقيل هُوَ اسْم أعجمي وَقيل هُوَ عَرَبِيّ وَقَالَ الدَّاودِيّ هُوَ اسْم ذَلِك الْوَلَد بِعَيْنِه وَقَالَ ابْن بطال هُوَ الرَّضِيع وَقَالَ الْكرْمَانِي لَو صحت الرِّوَايَة بِكَسْر السِّين وتنوينها يكون كنية لَهُ وَمَعْنَاهُ يَا أَبَا شدَّة (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ دلَالَة على أَن الْكَلَام لم يكن مَمْنُوعًا فِي الصَّلَاة فِي شريعتهم فَلَمَّا لم يجب أمه وَالْحَال أَن الْكَلَام مُبَاح لَهُ أستجيبت دَعْوَة أمه فِيهِ وَقد كَانَ الْكَلَام مُبَاحا أَيْضا فِي شريعتنا أَولا حَتَّى نزلت ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ فَأَما الْآن فَلَا يجوز للْمُصَلِّي إِذا دعت أمه أَو غَيرهَا أَن يقطع صلَاته لقَوْله ﷺ َ - " لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق " وَحقّ الله الَّذِي شرع فِيهِ آكِد من حق الْأَبَوَيْنِ حَتَّى يفرع مِنْهُ لَكِن الْعلمَاء يستحبون أَن يُخَفف صلَاته ويجيب أَبَوَيْهِ وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَصرح أَصْحَابنَا فَقَالُوا من خَصَائِص النَّبِي ﷺ َ - أَنه لَو دَعَا إنْسَانا وَهُوَ فِي الصَّلَاة وَجب عَلَيْهِ الْإِجَابَة وَلَا تبطل صلَاته وَحكى الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر ثَلَاثَة أوجه فِي إِجَابَة أحد الْوَالِدين. أَحدهَا لَا تجب الْإِجَابَة. ثَانِيهَا تجب وَتبطل.
стр. 2152
ثَالِثهَا تجب وَلَا تبطل وَالظَّاهِر عدم الْوُجُوب إِن كَانَت الصَّلَاة فرضا وَقد ضَاقَ الْوَقْت وَقَالَ عبد الْملك بن حبيب كَانَت صلَاته نَافِلَة وَإجَابَة أمه أفضل من النَّافِلَة وَكَانَ الصَّوَاب إجابتها لِأَن الِاسْتِمْرَار فِي صَلَاة النَّقْل تطوع وَإجَابَة أمه وبرها وَاجِب وَكَانَ يُمكنهُ أَن يخففها ويجيبها قيل لَعَلَّه خشِي أَن تَدعُوهُ إِلَى مُفَارقَة صومعته وَالْعود إِلَى الدُّنْيَا وتعلقاتها وَفِي الْوُجُوب فِي حق الْأُم حَدِيث مُرْسل رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن حَفْص بن غياث عَن ابْن أبي ذِئْب عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " إِذا دعتك أمك فِي الصَّلَاة فأجبها وَإِن دعَاك أَبوك فَلَا تجبه " وَقَالَ مَكْحُول رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَنهُ وَقَالَ الْعَوام سَأَلت مُجَاهدًا عَن الرجل تَدعُوهُ أمه أَو أَبوهُ فِي الصَّلَاة قَالَ يجيبهما وَعَن مَالك إِذا منعته أمه عَن شُهُود الْعشَاء فِي جمَاعَة لم يطعها وَإِن منعته عَن الْجِهَاد أطاعها وَالْفرق ظَاهر لِأَن الْأَمْن غَالب فِي الأول دون الثَّانِي وَفِي كتاب الْبر والصلة عَن الْحسن فِي الرجل تَقول لَهُ أمه أفطر قَالَ يفْطر وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء وَله أجر الصَّوْم وَإِذا قَالَت أمه لَهُ لَا تخرج إِلَى الصَّلَاة فَلَيْسَ لَهَا فِي هَذَا طَاعَة لِأَن هَذَا فرض وَقَالُوا إِن مُرْسل ابْن الْمُنْكَدر الْفُقَهَاء على خِلَافه وَلم يعلم بِهِ قَائِل غير مَكْحُول وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ إِذا دَعَتْهُ أمه فليجبها يَعْنِي بالتسبيح وَبِمَا أُبِيح للْمُصَلِّي الْإِجَابَة بِهِ وَقَالَ ابْن حبيب من أَتَاهُ أَبوهُ ليكلمه وَهُوَ فِي نَافِلَة فليخفف وَيسلم وَيتَكَلَّم وَفِي الِاحْتِجَاج لمن يَقُول أَن الزِّنَا يحرم كَمَا يحرم وَطْء الْحَلَال قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهُوَ رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك فِي الْمُدَوَّنَة وَفِي الْمُوَطَّأ عَكسه لَا يحرم الزِّنَا حَلَالا قَالَ ويستدل بِهِ أَيْضا على أَن الْمَخْلُوق من مَاء الزَّانِي لَا تحل للزاني أم أمهَا وَهُوَ الْمَشْهُور وَقَالَ ابْن الْمَاجشون أَنَّهَا تحل وَوجه التَّمَسُّك على الْمَسْأَلَتَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ َ - حكى عَن جريج أَنه نسب الزِّنَا للزاني وَصدق الله نسبته بِمَا خلق لَهُ من الْعَادة فَكَانَت تِلْكَ النِّسْبَة صَحِيحَة فَيلْزم على هَذَا أَن تجْرِي بَينهمَا أَحْكَام الْأُبُوَّة والبنوة من التَّوَارُث والولايات وَغير ذَلِك وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن لَا توارث بَينهمَا فَلم تصح تِلْكَ النِّسْبَة وَالْمرَاد من ذَلِك تَبْيِين هَذَا الصَّغِير من مَاء من كَانَ وَسَماهُ أَبَاهُ مجَازًا أَو يكون فِي شرعهم أَنه يلْحقهُ وَفِيه دلَالَة على صِحَة وُقُوع الكرامات من الْأَوْلِيَاء وَهُوَ قَول جُمْهُور أهل السّنة وَالْعُلَمَاء خلافًا للمعتزلة وَقد نسب لبَعض الْعلمَاء إنكارها وَالَّذِي نظنه بهم أَنهم مَا أَنْكَرُوا أَصْلهَا لتجويز الْعقل لَهَا وَلما وَقع فِي الْكتاب وَالسّنة وأخبار صالحي هَذِه الْأمة مَا يدل على وُقُوعهَا وَإِنَّمَا مَحل الْإِنْكَار ادِّعَاء وُقُوعهَا مِمَّن لَيْسَ مَوْصُوفا بشروطها وَلَا هُوَ أهل لَهَا. وَفِيه أَن كَرَامَة الْوَلِيّ قد تقع بِاخْتِيَارِهِ وَطَلَبه وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد جمَاعَة الْمُتَكَلِّمين كَمَا فِي حَدِيث جريج. وَمِنْهُم من قَالَ لَا تقع بِاخْتِيَارِهِ وَطَلَبه. وَفِيه أَن الْكَرَامَة قد تقع بخوارق الْعَادَات على جَمِيع أَنْوَاعهَا وَمنعه بَعضهم وأدعى أَنَّهَا تخْتَص بِمثل إِجَابَة دُعَاء وَنَحْوه قَالَ بعض الْعلمَاء هَذَا غلط من قَائِله وإنكار للحس. فِيهِ دلَالَة على أَن من أَخذ بالشدة فِي أُمُور الْعِبَادَات كَانَ أفضل إِذا علم من نَفسه قُوَّة على ذَلِك لِأَن جريجا دَعَا الله فِي الْتِزَام الْخُشُوع لَهُ فِي صلَاته وفضله على الاستجابة لأمه فعاقبه الله تَعَالَى على ترك الاستجابة لَهَا بِمَا ابتلاه الله بِهِ من دَعْوَة أمه عَلَيْهِ ثمَّ أرَاهُ فضل مَا آثره من مُنَاجَاة ربه والتزام الْخُشُوع لَهُ أَن جعل لَهُ آيَة معْجزَة فِي كَلَام الطِّفْل فخلصه بهَا من محنة دَعْوَة أمه عَلَيْهِ. وَفِيه أَن من ابتلى بشيئين يسْأَل الله تَعَالَى أَن يلقِي فِي قلبه الْأَفْضَل ويحمله على أولي الْأَمريْنِ فَإِن جريجا لما ابْتُلِيَ بشيئين وَهُوَ قَوْله " اللَّهُمَّ أُمِّي وصلاتي " فَاخْتَارَ الْتِزَام مُرَاعَاة حق الله تَعَالَى على حق أمه وَقَالَ ابْن بطال قد يُمكن أَن يكون جريج نَبيا لِأَنَّهُ كَانَ فِي زمن تمكن النُّبُوَّة فِيهِ وروى اللَّيْث بن سعد عَن يزِيد بن حُوسِبَ عَن أَبِيه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول " لَو كَانَ جريج الراهب فَقِيها عَالما لعلم أَن إِجَابَة أمه خير من عبَادَة ربه " قَالَ صَاحب التَّوْضِيح وحوشب هَذَا هُوَ ابْن طخمة بِالْمِيم الْحِمْيَرِي (قلت) قَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَجْرِيد الصَّحَابَة حَوْشَب بن طخنة وَقيل طخمة يَعْنِي بِالْمِيم الْحِمْيَرِي الْأَلْهَانِي يعرف بِذِي ظليم أسلم على عهد النَّبِي ﷺ َ - وعداده فِي أهل الْيمن وَكَانَ مُطَاعًا فِي قومه كتب إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ - فِي قتل الْأسود الْعَنسِي وَفِي تَارِيخ دمشق كَانَ على رجالة حمص يَوْم صفّين ثمَّ قَالَ حَوْشَب لَهُ صُحْبَة وَله حَدِيث فَفِي مُسْند الشاميين فِي مُسْند أَحْمد وَلَعَلَّه الأول ثمَّ قَالَ حَوْشَب بن يزِيد الفِهري مَجْهُول روى عَنهُ ابْنه يزِيد فِي ذكر جريج الراهب وَفِيه عظم بر الْوَالِدين وَأَن دعاءهما مستجاب وَعَن هَذَا قَالَ الْعلمَاء إِن إكرامهما وَاجِب وَلَو كَانَا كَافِرين حَتَّى روى عَن ابْن عَبَّاس أَن لَهُ أَن يزور قبر وَالِديهِ وَلَو كَانَا كَافِرين وَتجب نفقتهما على الْوَلَد
стр. 2153
مَعَ اخْتِلَاف الدّين عِنْد أَصْحَابنَا وَقَالَ أَبُو عبد الْملك وَهَذَا من عجائب بني إِسْرَائِيل يَعْنِي أَمر جريج وَهَذَا من أَخْبَار الْآحَاد وَفِي صَحِيح مُسلم " لم يتَكَلَّم فِي المهد إِلَّا ثَلَاثَة عِيسَى ابْن مَرْيَم وَصَاحب جريج وَالصَّبِيّ الَّذِي قَالَت أمه وَرَأَتْ رجلا لَهُ شارة اللَّهُمَّ اجْعَل ابْني مثله فَنزع الثدي من فَمه وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تجعلني مثله " (فَإِن قلت) ظَاهر هَذَا يَقْتَضِي الْحصْر وَمَعَ هَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس شَاهد يُوسُف كَانَ فِي المهد قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَعَن الضَّحَّاك تكلم فِي المهد أَيْضا يحيى بن زَكَرِيَّا ﵉ وَفِي حَدِيث صُهَيْب أَنه لما خدد الْأُخْدُود تَقَاعَسَتْ امْرَأَة عَن الْأُخْدُود فَقَالَ لَهَا صبيها وَهُوَ يرتضع مِنْهَا يَا أمه اصْبِرِي فَإنَّك على الْحق (قلت) الْجَواب عَن ذَلِك بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين فِي الصَّحِيح لَيْسَ فِيهَا خلاف وَالْبَاقُونَ مُخْتَلف فيهم وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة كَانَ صَاحب يُوسُف ذَا لحية وَقَالَ مُجَاهِد الشَّاهِد هُوَ الْقَمِيص وَالْجَوَاب الآخر أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ ذَلِك أَولا ثمَّ أطلعه الله على غَيرهم وَقد يُقَال التَّنْصِيص على الشَّيْء باسمه الْعلم لَا يَقْتَضِي الْخُصُوص سَوَاء كَانَ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ باسمه الْعدَد مَقْرُونا أَو لم يكن (قلت) الْخلاف فِيهِ مَشْهُور
(بَاب مسح الْحَصَا فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مسح الْحَصَاة فِي الصَّلَاة وَفِي بعض النّسخ مسح الْحَصَى وَلم يبين فِي التَّرْجَمَة حكمه هَل هُوَ مُبَاح أَو مَكْرُوه أَو غير جَائِز للِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِيهِ
٢٣٠ - (حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ حَدثنَا شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة قَالَ حَدثنِي معيقيب أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ فِي الرجل يُسَوِّي التُّرَاب حَيْثُ يسْجد قَالَ إِن كنت فَاعِلا فَوَاحِدَة) قيل لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن الْمَذْكُور فِي الحَدِيث التُّرَاب وَفِي التَّرْجَمَة الْحَصَى (قلت) قَالَ الْكرْمَانِي الْغَالِب فِي التُّرَاب الْحَصَى فَيلْزم من تَسْوِيَة التُّرَاب مسح الْحَصَى (قلت) فِيهِ نظر لِأَن الْحَصَى رُبمَا تكون غريقة فِي التُّرَاب عِنْد كَونهَا فِيهِ فَلَا يَقع عَلَيْهَا الْمسْح وَقيل ترْجم بالحصى وَفِي الحَدِيث التُّرَاب لينبه على إِلْحَاق الْحَصَى بِالتُّرَابِ فِي الِاقْتِصَار على التَّسْوِيَة مرّة وَقيل أَشَارَ بذلك إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه بِلَفْظ الْحَصَى كَمَا أخرجه مُسلم من طَرِيق وَكِيع عَن هِشَام الدستوَائي عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة " عَن معيقيب قَالَ ذكر النَّبِي ﷺ َ - الْمسْح فِي الْمَسْجِد يَعْنِي الْحَصَى قَالَ إِن كنت لَا بُد فَاعِلا فَوَاحِدَة " وَفِي لفظ لَهُ فِي الرجل يُسَوِّي التُّرَاب حَيْثُ يسْجد قَالَ " إِن كنت فَاعِلا فَوَاحِدَة " وَقيل لما كَانَ فِي الحَدِيث يَعْنِي وَلَا يدْرِي أَهِي قَول الصَّحَابِيّ أَو غَيره عدل البُخَارِيّ إِلَى ذكر الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا التُّرَاب (قلت) الْأَوْجه أَن يُقَال جَاءَ فِي الحَدِيث لفظ الْحَصَى وَلَفظ التُّرَاب فَأَشَارَ بالترجمة إِلَى الْحَصَى وَبِالْحَدِيثِ إِلَى التُّرَاب ليشْمل الِاثْنَيْنِ (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول أَبُو نعيم بِضَم النُّون الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي شَيبَان بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة ابْن عبد الرَّحْمَن. الثَّالِث يحيى بن أبي كثير. الرَّابِع أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الْخَامِس معيقب بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الْقَاف بعْدهَا بَاء مُوَحدَة ابْن أبي فَاطِمَة الدوسي حَلِيف بني عبد شمس أسلم قَدِيما كَانَ على خَاتم رَسُول الله ﷺ َ - وَاسْتَعْملهُ الشَّيْخَانِ على بَيت المَال وأصابه الجذام فَجمع لَهُ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْأَطِبَّاء فعالجوه فَوقف الْمَرَض وَهُوَ الَّذِي سقط من يَده خَاتم النَّبِي ﷺ َ - أَيَّام عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي بِئْر أريس فَلم يُوجد فمذ سقط الْخَاتم اخْتلفت الْكَلِمَة وَتُوفِّي فِي آخر خلَافَة عُثْمَان وَقيل توفّي فِي سنة أَرْبَعِينَ فِي خلَافَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه كُوفِي وشيبان بَصرِي سكن الْكُوفَة وَيحيى يمامي وَأَبُو سَلمَة مدنِي وَفِيه أَن معيقيبا لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث فَقَط وَقَالَ ابْن التِّين وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة أحد أَجْذم غَيره (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم
стр. 2154
فِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى عَن يحيى الْقطَّان وَعَن أبي بكر أبي وَكِيع وَعَن عبيد الله بن عمر القواريري وَعَن أبي بكر عَن الْحسن بن مُوسَى عَن شَيبَان بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن الْحسن بن الحريث وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُوَيْد بن نصر وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن دُحَيْم وَمُحَمّد بن الصَّباح (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " عَن أبي سَلمَة " وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى حَدثنِي أَبُو سَلمَة قَوْله " فِي الرجل " أَي فِي شَأْن الرجل وَذكر الرجل لِأَنَّهُ الْغَالِب وَإِلَّا فَالْحكم جَار فِي الذّكر وَالْأُنْثَى من الْمُكَلّفين قَوْله " يُسَوِّي التُّرَاب " جملَة حَالية من الرجل قَوْله " حَيْثُ يسْجد " يَعْنِي فِي الْمَكَان الَّذِي يسْجد فِيهِ قَوْله " قَالَ " أَي الرَّسُول ﷺ َ - قَوْله " إِن كنت فَاعِلا " أَي مسويا للتراب وَلَفظ الْفِعْل أَعم الْأَفْعَال وَلِهَذَا اسْتعْمل لفظ فاعلون فِي مَوضِع مؤدون فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون﴾ قَوْله " فَوَاحِدَة " بِالنّصب على إِضْمَار الناصب تَقْدِيره فامسح وَاحِدَة وَيجوز أَن تكون مَنْصُوبَة على أَنَّهَا صفة لمصدر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير إِن كنت فَاعِلا فافعل فعلة وَاحِدَة يَعْنِي مرّة وَاحِدَة وَكَذَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ " إِن كنت فَاعِلا فَمرَّة وَاحِدَة " وَيجوز رَفعهَا على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف أَي ففعلة وَاحِدَة تَكْفِي وَيجوز أَن تكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي الْمَشْرُوع فعلة وَاحِدَة (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ الرُّخْصَة بمسح الْحَصَى فِي الصَّلَاة مرّة وَاحِدَة وَمِمَّنْ رخص بِهِ فِيهَا أَبُو ذَر وَأَبُو هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة وَكَانَ ابْن مَسْعُود وَابْن عمر يفعلانه فِي الصَّلَاة وَبِه قَالَ من التَّابِعين إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو صَالح وَحكى الْخطابِيّ فِي المعالم كَرَاهَته عَن كثير من الْعلمَاء وَمِمَّنْ كرهه من الصَّحَابَة عمر بن الْخطاب وَجَابِر وَمن التَّابِعين الْحسن الْبَصْرِيّ وَجُمْهُور الْعلمَاء بعدهمْ وَحكى النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم اتِّفَاق الْعلمَاء على كَرَاهَته لِأَنَّهُ يُنَافِي التَّوَاضُع وَلِأَنَّهُ يشغل الْمُصَلِّي (قلت) فِي حكايته الِاتِّفَاق نظر فَإِن مَالِكًا لم ير بِهِ بَأْسا وَكَانَ يَفْعَله فِي الصَّلَاة وَفِي التَّلْوِيح رُوِيَ عَن جمَاعَة من السّلف أَنهم كَانُوا يمسحون الْحَصَى لموْضِع سجودهم مرّة وَاحِدَة وكرهوا مَا زَاد عَلَيْهَا وَذهب أهل الظَّاهِر إِلَى تَحْرِيم مَا زَاد على الْمرة الْوَاحِدَة وَقَالَ ابْن حزم فرض عَلَيْهِ أَن لَا يمسح الْحَصَى وَمَا يسْجد عَلَيْهِ إِلَّا مرّة وَاحِدَة وَتركهَا أفضل لَكِن يُسَوِّي مَوضِع سُجُوده قبل دُخُوله فِي الصَّلَاة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ " إِذا قَامَ أحدكُم إِلَى الصَّلَاة فَلَا يمسح الْحَصَى فَإِن الرَّحْمَة تواجهه " وَرَوَاهُ أَيْضا بَقِيَّة الْأَرْبَعَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث أبي ذَر حَدِيث حسن وتعليل النَّهْي عَن مسح الْحَصَى بِكَوْن الرَّحْمَة تواجهه يدل على أَن النَّهْي حكمته أَن لَا يشْتَغل خاطره بِشَيْء يلهيه عَن الرَّحْمَة المواجهة لَهُ فيفوته حَظه وَفِي معنى مسح الْحَصَى مسح الْجَبْهَة من التُّرَاب والطين والحصى فِي الصَّلَاة وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ " مَا أحب أَن لي حمر النعم وَأَنِّي مسحت مَكَان جبيني من الْحَصَى إِلَّا أَن يغلبني فامسح مسحة " وَفِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الْمُتَّفق عَلَيْهِ " أَن النَّبِي ﷺ َ - انْصَرف عَن الصَّلَاة وعَلى جَبهته أثر المَاء والطين من صَبِيحَة إِحْدَى وَعشْرين " قَالَ القَاضِي عِيَاض وَكره السّلف مسح الْجَبْهَة فِي الصَّلَاة وَقبل الِانْصِرَاف يَعْنِي من الْمَسْجِد مِمَّا يتَعَلَّق بهَا من تُرَاب وَنَحْوه وَحكى ابْن عبد الْبر عَن سعيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَنهم كَانُوا يكْرهُونَ أَن يمسح الرجل جَبهته قبل أَن ينْصَرف وَيَقُولُونَ هُوَ من الْجفَاء وَقَالَ ابْن مَسْعُود أَربع من الْجفَاء أَن تصلي إِلَى غير ستْرَة أَو تمسح جبهتك قبل أَن تَنْصَرِف أَو تبول قَائِما أَو تسمع الْمُنَادِي ثمَّ لَا تجيبه
(بَاب بسط الثَّوْب فِي الصَّلَاة للسُّجُود)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان بسط الْمُصَلِّي ثَوْبه فِي الصَّلَاة ليسجد عَلَيْهِ وَلم يبين حكمه طلبا للْعُمُوم بِأَن يفعل ذَلِك وَهُوَ فِي الصَّلَاة أَو يَفْعَله قبل أَن يدْخل فِيهَا
٢٣١ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا بشر قَالَ حَدثنَا غَالب عَن بكر بن عبد الله عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ كُنَّا نصلي مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي شدَّة الْحر فَإِذا لم يسْتَطع أَحَدنَا أَن
стр. 2155
يُمكن وَجهه من الأَرْض بسط ثَوْبه فَسجدَ عَلَيْهِ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث قد مر بشرحه فِي بَاب السُّجُود على الثَّوْب فِي شدَّة الْحر فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك عَن بشر بن الْمفضل عَن غَالب الْقطَّان إِلَى آخِره وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة
(بَاب مَا يجوز من الْعَمَل فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز فعله فِي الصَّلَاة
٢٣٢ - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة قَالَ حَدثنَا مَالك عَن أبي النَّضر عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كنت أمد رجْلي فِي قبْلَة النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ يُصَلِّي فَإِذا سجد غمزني فرفعتها فَإِذا قَامَ مددتها) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يدل على أَن الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة لَا يُفْسِدهَا وَقد مر الحَدِيث فِي بَاب الصَّلَاة على الْفراش فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن أبي النَّضر إِلَى آخِره وَأَبُو النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة اسْمه سَالم
٢٣٣ - (حَدثنَا مَحْمُود قَالَ حَدثنَا شَبابَة قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه صلى صَلَاة قَالَ إِن الشَّيْطَان عرض لي فَشد عَليّ ليقطع الصَّلَاة عَليّ فأمكنني الله مِنْهُ فذعته وَلَقَد هَمَمْت أَن أوثقه إِلَى سَارِيَة حَتَّى تصبحوا فتنظروا إِلَيْهِ فَذكرت قَول سُلَيْمَان ﵇ رب هَب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي فَرده الله خاسئا ثمَّ قَالَ النَّضر بن شُمَيْل فذعته بِالذَّالِ أَي خنقته وفدعته من قَول الله تَعَالَى ﴿يَوْم يدعونَ﴾ أَي يدْفَعُونَ وَالصَّوَاب فدعته إِلَّا أَنه كَذَا قَالَ بتَشْديد الْعين وَالتَّاء) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فدعته " لِأَن مَعْنَاهُ دَفعته فِي قَول على مَا نذكرهُ عَن قريب وَكَانَ ذَلِك عملا يَسِيرا وَقد مر الحَدِيث فِي بَاب الْأَسير أَو الْغَرِيم يرْبط فِي الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن اسحق بن إِبْرَاهِيم عَن روح وَمُحَمّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد إِلَى آخِره وشبابة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى مَفْتُوحَة وَفِي آخِره هَاء ابْن سوار الْفَزارِيّ مر فِي آخر كتاب الْحيض وَلَفظه هُنَاكَ " أَن عفريتا من الْجِنّ تفلت عَليّ " (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " فَشد عَليّ " أَي حمل يُقَال شدّ فِي الْحَرْب يشد بِالْكَسْرِ وَضَبطه بَعضهم بِالْمُعْجَمَةِ أَعنِي الدَّال وأظن أَنه غلط قَوْله " يقطع الصَّلَاة " جملَة وَقعت حَالا وَهَذِه رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا " ليقطع " بلام التَّعْلِيل قَوْله " فذعته " الْفَاء للْعَطْف وذعته فعل مَاض للمتكلم وَحده بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة من ألذعت بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهُوَ الخنق ويروى " فدعته " من الدع بِالدَّال وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ الدّفع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يدعونَ إِلَى نَار جَهَنَّم﴾ أَي يدْفَعُونَ وعَلى هَذَا أصل دعت دععت وأدغم الْعين فِي التَّاء وَيُقَال معنى ذعته بِالْمُعْجَمَةِ مرغته فِي التُّرَاب قَوْله " وَلَقَد هَمَمْت " أَي قصدت قَوْله " أَن أوثقه " كلمة أَن مَصْدَرِيَّة أَي قصدت أَن أربطه قَوْله " إِلَى سَارِيَة " أَي أسطوانة قَوْله " فتنظروا " وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي " أَو تنظروا إِلَيْهِ " بِكَلِمَة الشَّك قَوْله " خاسئا " نصب على الْحَال أَي مطرودا متحيرا وَهَهُنَا أسئلة. الأول فِي أَي صُورَة عرض لَهُ الشَّيْطَان (قلت) روى عبد الرَّزَّاق أَنه كَانَ فِي صُورَة هر وَهَذَا معنى قَوْله " فأمكنني الله مِنْهُ " أَي صوره لي فِي صُورَة هر مشخصا يُمكنهُ أَخذه.
стр. 2156
الثَّانِي قيل مُجَرّد هَذَا الْقدر يَعْنِي ربطه إِلَى سَارِيَة لَا يُوجب عدم اخْتِصَاص الْملك لِسُلَيْمَان ﵊ إِذْ المُرَاد بِملك لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده مَجْمُوع مَا كَانَ لَهُ من تسخير الرِّيَاح وَالطير والوحش وَنَحْوه وَأجِيب بِأَنَّهُ أَرَادَ الِاحْتِرَاز عَن الشَّرِيك فِي جنس ذَلِك الْملك. الثَّالِث ثَبت أَن الشَّيْطَان يفر من ظلّ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأَنه يسْلك فجا غير فجه ففراره عَنهُ ﷺ َ - بِالطَّرِيقِ الأولى وَأجِيب بِأَن المُرَاد من فراره من ظلّ عمر لَيْسَ حَقِيقَة الْفِرَار بل بَيَان قُوَّة عمر وصلابته على قهر الشَّيْطَان وَهنا صَرِيح أَنه ﷺ َ - قهره وطرده غَايَة الْإِمْكَان وَفِي بعض النّسخ عقيب الحَدِيث عَن النّظر من شُمَيْل " فذعته " بِالذَّالِ أَي خنقته وفدعته من قَول الله ﴿يَوْم يدعونَ﴾ أَي يدْفَعُونَ وَالصَّوَاب " فدعته " أَي بِالْمُهْمَلَةِ إِلَّا أَنه كَذَا قَالَ بتَشْديد الْعين وَالتَّاء (وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ) أَن الْعَمَل الْيَسِير لَا يفْسد الصَّلَاة وَأخذُوا من ذَلِك جَوَاز أَخذ البرغوث والقملة وَدفع الْمَار بَين يَدَيْهِ وَالْإِشَارَة والالتفات الْخَفِيف وَالْمَشْي الْخَفِيف وَقتل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا كُله إِذا لم يقْصد الْمُصَلِّي بذلك الْعَبَث فِي صلَاته وَلَا التهاون بهَا وَمِمَّنْ أجَاز أَخذ القملة وقتلها فِي الصَّلَاة الْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيّ وَقَالَ أَبُو يُوسُف قد أَسَاءَ وَصلَاته تَامَّة وَكره اللَّيْث قَتلهَا فِي الْمَسْجِد وَلَو قَتلهَا لم يكن عَلَيْهِ شَيْء وَقَالَ مَالك لَا يَقْتُلهَا فِي الْمَسْجِد وَلَا يَطْرَحهَا فِيهِ وَلَا يدفنها فِي الصَّلَاة وَقَالَ الطَّحَاوِيّ لَو حك بدنه لم يكره كَذَلِك أَخذ القملة وطرحها وَرخّص فِي قتل الْعَقْرَب فِي الصَّلَاة ابْن عمر وَالْحسن وَالْأَوْزَاعِيّ وَاخْتلف قَول مَالك فِيهِ فَمرَّة كرهه وَمرَّة أجَازه وَقَالَ لَا بَأْس بقتلها إِذا آذته وَكَذَا الْحَيَّة وَالطير يرميه بِحجر يتَنَاوَلهُ من الأَرْض فَإِن لم يطلّ ذَلِك لم تبطل صلَاته وَأَجَازَ قتل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب فِي الصَّلَاة الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَكره قتل الْعَقْرَب فِي الصَّلَاة إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسُئِلَ مَالك عَمَّن يمسك عنان فرسه فِي الصَّلَاة وَلَا يتَمَكَّن من وضع يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ قَالَ أَرْجُو أَن يكون خَفِيفا وَلَا يبعد ذَلِك وروى عَليّ بن زِيَاد عَن مَالك فِي الْمُصَلِّي يخَاف على صبي يقرب من نَار فَذهب إِلَيْهِ فَقَالَ إِن انحرف عَن الْقبْلَة ابتدا وَإِن لم ينحرف بنى وَسُئِلَ أَحْمد عَن رجل أَمَامه ستْرَة فَسَقَطت فَأَخذهَا وركزها قَالَ أَرْجُو أَن لَا يكون بِهِ بَأْس فَذكر لَهُ عَن ابْن الْمُبَارك أَنه أَمر رجلا صنع ذَلِك بِالْإِعَادَةِ قَالَ لَا آمره بِالْإِعَادَةِ وَأَرْجُو أَن يكون خَفِيفا وَأَجَازَ مَالك وَالشَّافِعِيّ حمل الصَّبِي فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَهُوَ قَول أبي ثَوْر (قلت) عندنَا يكره حمل الصَّبِي فِي الصَّلَاة وَإِن كَانَ بِعُذْر لَا يكره
(بَاب إِذا انفلتت الدَّابَّة فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا انفلتت الدَّابَّة فِي حَال الصَّلَاة الانفلات والإفلات والتفلت التَّخَلُّص من الشَّيْء فَجْأَة من غير تمكث وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره إِذا انفلتت الدَّابَّة وَهُوَ فِي الصَّلَاة مَاذَا يصنع
(وَقَالَ قَتَادَة إِن أَخذ ثَوْبه يتبع السَّارِق ويدع الصَّلَاة) مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن دَابَّة الْمُصَلِّي إِذا انفلتت لَهُ أَن يتبعهَا على مَا يَجِيء فَكَذَلِك إِذا أَخذ السَّارِق ثَوْبه وَهُوَ فِي الصَّلَاة لَهُ أَن يتبعهُ وَيقطع صلَاته فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة تَأْخُذ الْمُطَابقَة والأثر مُعَلّق وَوَصله عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة بِمَعْنَاهُ وَزَاد " فَيرى صَبيا على بِئْر فيتخوف أَن يسْقط فِيهَا قَالَ ينْصَرف لَهُ " قَوْله " ويدع " أَي يتْرك الصَّلَاة
٢٣٣ - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ حَدثنَا الْأَزْرَق بن قيس قَالَ كُنَّا بالأهواز نُقَاتِل الحرورية فَبينا أَنا على جرف نهر إِذا رجل يُصَلِّي وَإِذا لجام دَابَّته بِيَدِهِ فَجعلت الدَّابَّة تنازعه وَجعل يتبعهَا. قَالَ شُعْبَة هُوَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ فَجعل رجل من الْخَوَارِج يَقُول اللَّهُمَّ افْعَل بِهَذَا الشَّيْخ فَلَمَّا انْصَرف الشَّيْخ قَالَ إِنِّي سَمِعت قَوْلكُم وَإِنِّي غزوت مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - سِتّ غزوات
стр. 2157
أَو سبع غزوات أَو ثَمَان وَشهِدت تيسيره وَإِنِّي أَن كنت أَن أراجع مَعَ دَابَّتي أحب إِلَيّ من أَن أدعها ترجع إِلَى مألفها فَيشق عَليّ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَجعلت الدَّابَّة تتنازعه وَجعل يتبعهَا " (ذكر رِجَاله) فِيهِ خمس أنفس آدم بن أبي إِيَاس وَشعْبَة بن الْحجَّاج والأزرق بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الزَّاي ابْن قيس الْحَارِثِيّ الْبَصْرِيّ وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ ورجلان أَحدهمَا هُوَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ فسره شُعْبَة بقوله هُوَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ واسْمه نَضْلَة بن عبيد أسلم قَدِيما وَنزل الْبَصْرَة وَرُوِيَ أَنه مَاتَ بهَا ورد أَنه مَاتَ بنيسابور وَرُوِيَ أَنه مَاتَ فِي مفازة بَين سجستان وهراة وَقَالَ خَليفَة بن خياط وافي خُرَاسَان وَمَات بهَا بعد سنة أَربع وَسِتِّينَ وَقَالَ غَيره مَاتَ فِي آخر خلَافَة مُعَاوِيَة أَو فِي أَيَّام يزِيد بن مُعَاوِيَة وَالْآخر مَجْهُول وَهُوَ قَوْله " فَجعل رجل من الْخَوَارِج " وَإسْنَاد هَذَا كُله بِالتَّحْدِيثِ بِصِيغَة الْجمع وَتفرد بِهِ البُخَارِيّ عَن الْجَمَاعَة (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " بالأهواز " بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْهَاء وبالزاي قَالَه الْكرْمَانِي هِيَ أَرض خوزستان وَقَالَ صَاحب الْعين الأهواز سبع كور بَين الْبَصْرَة وَفَارِس لكل كورة مِنْهَا اسْم ويجمعها الأهواز وَلَا تنفرد وَاحِدَة مِنْهَا بهوز فِي وَفِي الْمُحكم لَيْسَ للأهواز وَاحِد من لَفظه وَقَالَ ابْن خردابة هِيَ بِلَاد وَاسِعَة مُتَّصِلَة بِالْجَبَلِ وأصبهان وَقَالَ الْبكْرِيّ بلد يجمع سبع كور كورة الأهواز وجندي وسابور والسوس وسرق ونهر بَين ونهر تيرى وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ يُقَال لَهَا الْآن سوق الأهواز وَقَالَ بَعضهم الأهواز بَلْدَة مَعْرُوفَة بَين الْبَصْرَة وَفَارِس فتحت أَيَّام عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (قلت) قَوْله بَلْدَة لَيْسَ كَذَلِك بل هِيَ بِلَاد كَمَا ذكرنَا قَوْله " الحرورية " بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى المخففة نِسْبَة إِلَى حروراء اسْم قَرْيَة يمد وَيقصر وَقَالَ الرشاطي حروراء قَرْيَة من قرى الْكُوفَة والحرورية صنف من الْخَوَارِج ينسبون إِلَى حروراء اجْتَمعُوا بهَا فَقَالَ لَهُم عَليّ مَا نسميكم قَالَ أَنْتُم الحرورية لاجتماعكم بحروراء وَالنّسب إِلَى مثل حروراء أَن يُقَال حروراوي وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي آخِره ألف التَّأْنِيث الممدودة وَلكنه حذفت الزَّوَائِد تَخْفِيفًا فَقيل الحروري وَكَانَ الَّذِي يُقَاتل الحرورية إِذْ ذَاك الْمُهلب بن أبي صفرَة كَمَا فِي رِوَايَة عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة عَن الْإِسْمَاعِيلِيّ وَذكر مُحَمَّد بن قدامَة الْجَوْهَرِي فِي كِتَابه أَخْبَار الْخَوَارِج أَن ذَلِك كَانَ فِي خمس وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة وَكَانَ الْخَوَارِج قد حاصروا أهل الْبَصْرَة مَعَ نَافِع بن الْأَزْرَق حَتَّى قتل وَقتل من أُمَرَاء الْبَصْرَة جمَاعَة إِلَى أَن ولي عبد الله بن الزبير بن الْحَارِث بن عبد الله بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي على الْبَصْرَة وَولي الْمُهلب بن أبي صفرَة على قتال الْخَوَارِج وَفِي الْكَامِل لأبي الْعَبَّاس الْمبرد أَن الْخَوَارِج تجمعت بالأهواز مَعَ نَافِع بن الْأَزْرَق سنة أَربع وَسِتِّينَ فَلَمَّا قتل نَافِع وَابْن عُبَيْس رَئِيس الْمُسلمين من جِهَة ابْن الزبير ثمَّ خرج إِلَيْهِم حَارِثَة بن بدر ثمَّ أرسل إِلَيْهِم ابْن الزبير عُثْمَان بن عبيد الله ثمَّ توفّي القياع فَبعث إِلَيْهِم الْمُهلب بن أبي صفرَة وكل من هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء يمكثون مَعَهم فِي الْقِتَال حينا فَلَعَلَّ ذَلِك انْتهى إِلَى سنة خمس وَهُوَ يُعَكر على من قَالَ أَن أَبَا بَرزَة توفّي سنة سِتِّينَ وَأكْثر مَا قيل سنة أَربع قَوْله " فَبينا " أَصله بَين أَشْعَث فَتْحة النُّون فَصَارَت ألفا يُقَال بَينا وبينما وهما ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة ويضافان إِلَى جملَة من مُبْتَدأ وَخبر وَفعل وفاعل ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى وَالْجَوَاب هُنَا هُوَ قَوْله " إِذا رجل يُصَلِّي والأفصح فِي جوابهما أَلا يكون فِيهِ إِذا وَإِذا تَقول بَينا زيد جَالس دخل عَلَيْهِ عَمْرو وَإِذ دخل عَلَيْهِ عَمْرو وَإِذا دخل عَلَيْهِ عَمْرو " قَوْله " إِنَّا " مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله " على جرف نهر جرف " بِضَم الْجِيم وَالرَّاء وبسكونها أَيْضا وَفِي آخِره فَاء وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي أكله السَّيْل وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " على حرف نهر " بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء أَي على جَانِبه وَوَقع فِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد عَن الْأَزْرَق فِي الْأَدَب " كُنَّا على شاطيء نهر قد نضب عَنهُ المَاء " أَي زَالَ وَفِي رِوَايَة مهْدي ابْن مَيْمُون عَن الْأَزْرَق عَن مُحَمَّد بن قدامَة " كنت فِي ظلّ قصر مهْرَان بالأهواز على شط دجيل " وَبَين هَذَا تَفْسِير النَّهر فِي رِوَايَة البُخَارِيّ والدجيل بِضَم الدَّال وَفتح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف فِي آخِره لَام وَهُوَ نهر ينشق من دجلة نهر بَغْدَاد قَوْله " إِذا رجل " كلمة إِذا فِي الْمَوْضِعَيْنِ للمفاجأة وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني " إِذا جَاءَ رجل " قَوْله " قَالَ شُعْبَة " هُوَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ أَي الرجل الْمُصَلِّي وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمقَام أَن الْأَزْرَق بن قيس الَّذِي يروي عَنهُ
стр. 2158
شُعْبَة لم يسم الرجل شُعْبَة وَلَكِن رَوَاهُ ابو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده عَن شُعْبَة فَقَالَ فِي آخِره " فَإِذا هُوَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ " وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن مَرْزُوق عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ " فجَاء أَبُو بَرزَة " وَفِي رِوَايَة حَمَّاد فِي الْأَدَب " فجَاء أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ على فرس فصلى وخلاها فَانْطَلَقت فاتبعها " وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الْأَزْرَق بن قيس " أَن أَبَا بَرزَة الْأَسْلَمِيّ مَشى إِلَى دَابَّته وَهُوَ فِي الصَّلَاة " الحَدِيث وَبَين مهْدي بن مَيْمُون فِي رِوَايَته أَن تِلْكَ الصَّلَاة كَانَت صَلَاة الْعَصْر وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن مَرْزُوق " فمضت الدَّابَّة فِي قبلته فَانْطَلق أَبُو بَرزَة حَتَّى أَخذهَا ثمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرِي " قَوْله " افْعَل بِهَذَا الشَّيْخ " دُعَاء عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ " فَإِذا شيخ يُصَلِّي قد عمد إِلَى عنان دَابَّته فَجعله فِي يَده فنكصت الدَّابَّة فنكص مَعهَا ومعنا رجل من الْخَوَارِج فَجعل يسبه " وَفِي رِوَايَة مهْدي قَالَ " أَلا ترى إِلَى هَذَا الْحمار " وَفِي رِوَايَة حَمَّاد " انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخ ترك صلَاته من أجل فرس " قَوْله " أَو ثَمَانِي " بِغَيْر ألف وَلَا تَنْوِين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " أَو ثَمَانِي " وَقَالَ بن مَالك الأَصْل ثَمَانِي غزوات فَحذف الْمُضَاف وَأبقى الْمُضَاف إِلَيْهِ على حَاله وَقد رَوَاهُ عَمْرو بن مَرْزُوق بِلَفْظ " سبع غزوت " بِغَيْر شكّ قَوْله " وَشهِدت تيسيره " أَي تسهيله على النَّاس وغالب النّسخ على هَذَا قَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض الرِّوَايَات كل سيره أَي سَفَره وَفِي بَعْضهَا " شهدب سيره " بِكَسْر السِّين وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف جمع السِّيرَة وَحكى ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ أَنه وَقع عِنْده " وَشهِدت تستر " بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون السِّين اسْم مَدِينَة بحوزستان من بِلَاد الْعَجم وَمَعْنَاهُ وَشهِدت فتحهَا وَكَانَت فتحت فِي أَيَّام عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي سنة سبع عشرَة من الْهِجْرَة قَوْله " وَإِنِّي إِن كنت أَن أرجع " نقل بَعضهم عَن السُّهيْلي أَنه قَالَ " إِنِّي " وَمَا بعْدهَا اسْم مُبْتَدأ " وَأَن أرجع " اسْم مبدل فِي الِاسْم الأول " وَأحب " خبر عَن الثَّانِي وَخبر كَانَ مَحْذُوف أَي إِنِّي إِن كنت رَاجعا أحب إِلَيّ (قلت) مَا أَظن أَن السُّهيْلي أعرب بِهَذَا الْإِعْرَاب فَكيف يَقُول إِنِّي وَمَا بعْدهَا اسْم وَهِي جملَة (فَإِن قيل) أَرَادَ أَنه جملَة اسمية مُؤَكدَة بِأَن يُقَال لَهُ الْمُبْتَدَأ اسْم مُفْرد وَالْجُمْلَة لَا تقع مُبْتَدأ وَكَذَلِكَ قَوْله " وَأَن أرجع " لَيْسَ باسم فَكيف يَقُول اسْم مبدل وَهَذَا تصرف من لم يمس شَيْئا من علم النَّحْو وَالَّذِي يُقَال أَن الْيَاء فِي إِنِّي اسْم إِن فِي إِن كنت شَرْطِيَّة وَاسم كَانَ هُوَ الضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ وَكلمَة أَن بِالْفَتْح مَصْدَرِيَّة تقدر لَام الْعلَّة فِيمَا قبلهَا وَالتَّقْدِير وَإِن كنت لِأَن أرجع وَقَوله " أحب " خبر كَانَ وَهَذِه الْجُمْلَة الشّرطِيَّة سدت مسد خبر أَن فِي " إِنِّي " وَذَلِكَ لِأَن رُجُوعه إِلَى دَابَّته وانطلاقه إِلَيْهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاة أحب إِلَيْهِ من أَن يَدعهَا أَي يَتْرُكهَا ترجع إِلَى مألفها بِفَتْح اللَّام أَي معلفها فَيشق عَلَيْهِ وَكَانَ منزله بَعيدا إِذا صلاهَا وَتركهَا لم يكن يَأْتِي إِلَى أَهله إِلَى اللَّيْل لبعد الْمسَافَة وَقد صرح بذلك فِي رِوَايَة حَمَّاد فَقَالَ " إِن منزلي متراخ " أَي متباعد " فَلَو صليت وتركتها " أَي الْفرس " لم آتٍ أَهلِي إِلَى اللَّيْل لبعد الْمَكَان " (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَالَ ابْن بطال لَا خلاف بَين الْفُقَهَاء أَن من أفلتت دَابَّته وَهُوَ فِي الصَّلَاة أَنه يقطع الصَّلَاة ويتبعها وَقَالَ مَالك من خشِي على دَابَّته الْهَلَاك أَو على صبي رَآهُ فِي الْمَوْت فليقطع صلَاته وروى ابْن الْقَاسِم عَنهُ فِي مُسَافر أفلتت دَابَّته وَخَافَ عَلَيْهَا أَو على صبي أَو أعمى أَن يَقع فِي بِئْر أَو نَار أَو ذكر مَتَاعا يخَاف أَن يتْلف فَذَلِك عذر يُبِيح لَهُ أَن يسْتَخْلف وَلَا تفْسد على من خَلفه شَيْئا وَلَا يجوز أَن يفعل هَذَا أَبُو بَرزَة دون أَن يُشَاهِدهُ من النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ ابْن التِّين وَالصَّوَاب أَنه إِذا كَانَ لَهُ شَيْء لَهُ قدر يخْشَى فَوَاته يقطع وَإِن كَانَ يَسِيرا فعادته على صلَاته أولى من صِيَانة قدر يسير من مَاله هَذَا حكم الْفَذ وَالْمَأْمُوم فَأَما الإِمَام فَفِي كتاب سَحْنُون إِذا صلى رَكْعَة ثمَّ انفلتت دَابَّته وَخَافَ عَلَيْهَا أَو على صبي أَو أعمى أَن يقعا فِي الْبِئْر وَذكر مَتَاعا لَهُ يخَاف تلفه فَذَلِك عذر يُبِيح لَهُ أَن يسْتَخْلف وَلَا يفْسد على من خَلفه شَيْئا وعَلى قَول أَشهب إِن لم يعد وَاحِد مِنْهُم بني قِيَاسا على قَوْله إِذا خرج لغسل دم رَآهُ فِي ثَوْبه وَأحب إِلَيّ أَن يسْتَأْنف وَإِن بنى أَجزَاء (قلت) ذكر مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِي السّير الْكَبِير حَدِيث الْأَزْرَق بن قيس أَنه رأى أَبَا بَرزَة يُصَلِّي آخِذا بعنان فرسه حَتَّى صلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْسَلَّ قياد فرسه من يَده فَمضى الْفرس إِلَى الْقبْلَة فَتَبِعَهُ أَبُو بَرزَة حَتَّى أَخذ بقياده ثمَّ رَجَعَ ناكصا على عَقِبَيْهِ حَتَّى صلى الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ قَالَ مُحَمَّد ﵀ وَبِهَذَا نَأْخُذ الصَّلَاة تجزي مَعَ مَا صنع لَا يُفْسِدهَا الَّذِي صنع لِأَنَّهُ رَجَعَ على عَقِبَيْهِ وَلم يستدبر الْقبْلَة بِوَجْهِهِ حَتَّى لَو جعلهَا خلف ظَهره فَسدتْ صلَاته ثمَّ لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث فصل بَين الْمَشْي الْقَلِيل وَالْكثير فَهَذَا يبين لَك أَن الْمَشْي فِي الصَّلَاة مُسْتَقْبل الْقبْلَة لَا يُوجب فَسَاد الصَّلَاة وَإِن كثر وَبَعض مَشَايِخنَا أولُوا هَذَا الحَدِيث وَاخْتلفُوا فِيمَا بَينهم فِي التَّأْوِيل
стр. 2159
فَمنهمْ من قَالَ تَأْوِيله أَنه لم يُجَاوز مَوضِع سُجُوده فإمَّا إِذا جَاوز ذَلِك فَإِن صلَاته تفْسد لِأَن مَوضِع سُجُوده فِي الفضاء مُصَلَّاهُ وَكَذَلِكَ مَوضِع الصُّفُوف فِي الْمَسْجِد وخطاه فِي مُصَلَّاهُ عَفْو وَمِنْهُم من قَالَ تَأْوِيله أَن مَشْيه لم يكن متلاصقا بل مَشى خطْوَة فسكن ثمَّ مَشى خطْوَة وَذَلِكَ قَلِيل وَأَنه لَا يُوجب فَسَاد الصَّلَاة أما إِذا كَانَ الْمَشْي متلاصقا تفْسد وَإِن لم يستدبر الْقبْلَة لِأَنَّهُ عمل كثير وَمن الْمَشَايِخ من أَخذ بِظَاهِر الحَدِيث وَلم يقل بِالْفَسَادِ قل الْمَشْي أَو كثر اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن تفْسد صلَاته إِذا كثر الْمَشْي إِلَّا أَنا تركنَا الْقيَاس بِحَدِيث أبي بَرزَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأَنه خص بِحَالَة الْعذر فَفِي غير حَالَة الْعذر يعْمل بقضية الْقيَاس
٢٣٤ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة. قَالَ قَالَت عَائِشَة خسفت الشَّمْس فَقَامَ النَّبِي ﷺ َ - فَقَرَأَ سُورَة طَوِيلَة ثمَّ ركع فَأطَال ثمَّ رفع رَأسه ثمَّ استفتح بِسُورَة أُخْرَى ثمَّ ركع حَتَّى قَضَاهَا وَسجد ثمَّ فعل ذَلِك فِي الثَّانِيَة ثمَّ قَالَ إنَّهُمَا آيتان من آيَات الله فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فصلوا حَتَّى يفرج عَنْكُم لقد رَأَيْت فِي مقَامي هَذَا كل شَيْء وعدته حَتَّى لقد رَأَيْت أُرِيد أَن آخذ قطفا من الْجنَّة حِين رَأَيْتُمُونِي جعلت أتقدم وَلَقَد رَأَيْت جَهَنَّم يحطم بَعْضهَا بَعْضًا حِين رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرت وَرَأَيْت فِيهَا عَمْرو بن لحي وَهُوَ الَّذِي سيب السوائب) قَالَ الْكرْمَانِي تعلق الحَدِيث بالترجمة هُوَ أَن فِيهِ مذمة تسييب السوائب مُطلقًا سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو لَا (قلت) مَا أبعد هَذَا الْوَجْه أَو تعلق الحَدِيث بالترجمة فِي قَوْله " جعلت أتقدم " وَفِي قَوْله " تَأَخَّرت " وَذَلِكَ لِأَن فِي الحَدِيث السَّابِق ذكر انفلات فرس أبي بَرزَة وَأَنه تقدم من مَوضِع سُجُوده وَمَشى ثمَّ تَأَخّر وَرجع الْقَهْقَرِي وَفِي هَذَا الحَدِيث أَيْضا التَّقَدُّم والتأخر وَهَذَا الْمِقْدَار يقنع بِهِ وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي صَلَاة الْكُسُوف بِوُجُوه مُخْتَلفَة. مِنْهَا أَنه رَوَاهُ من رِوَايَة يُونُس عَن ابْن شهَاب وَهُوَ الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ من رِوَايَة اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء ولنذكر هَهُنَا مَا يحْتَاج إِلَيْهِ هَهُنَا فَقَوله " عبد الله " هُوَ ابْن الْمُبَارك وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم قَوْله " حَتَّى قَضَاهَا " أَي الرَّكْعَة وَالْقَضَاء هَهُنَا بِمَعْنى الْفَرَاغ وَالْأَدَاء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة﴾ أَي أدّيت قَوْله " ذَلِك " أَي الْمَذْكُور من القيامين والركوعين فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة قَوْله " أَنَّهُمَا " قَالَ الْكرْمَانِي أَي الخسوف والكسوف (قلت) ليسَا بمذكورين غير أَن قَوْلهَا " خسفت الشَّمْس " يدل على الْكُسُوف وَالظَّاهِر أَن الضَّمِير يرجع إِلَى الشَّمْس وَالْقَمَر كَمَا جَاءَ صَرِيحًا " إِن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله تَعَالَى " وَالشَّمْس مَذْكُورَة وَالْقَمَر لما كَانَ كَالشَّمْسِ فِي ذَلِك كَانَ كالمذكور قَوْله " فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك " أَي الخسوف الَّذِي دلّ عَلَيْهِ قَوْلهَا " خسفت " والخسوف يسْتَعْمل فِيهَا جَمِيعًا كَمَا مر فِي بَاب الْكُسُوف قَوْله " وعدته " بِضَم الْوَاو على صِيغَة الْمَجْهُول ويروى " وعدت " بِلَا ضمير فِي آخِره وعَلى الْوَجْهَيْنِ هِيَ جملَة فِي مَحل الْخَفْض لِأَنَّهَا صفة لقَوْله " شَيْء " وَفِي رِوَايَة ابْن وهب عَن يُونُس فِي رِوَايَة مُسلم " وعدتم " قَوْله " حَتَّى لقد رَأَيْته " كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بالضمير الْمَنْصُوب بعد رَأَيْت وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِلَا ضمير وَفِي رِوَايَة مُسلم " لقد رَأَيْتنِي " قَوْله " أُرِيد " جملَة حَالية وَكلمَة أَن فِي أَن آخذ مَصْدَرِيَّة وَفِي رِوَايَة جَابر " حَتَّى تناولت مِنْهَا قطفا فقصرت يَدي عَنهُ " قَوْله " قطفا " بِكَسْر الْقَاف وَهُوَ العنقود من الْعِنَب ويفسر ذَلِك حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الْكُسُوف وَقد تقدم قَوْله " جعلت " أَي طفقت قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) لم قَالَ هُنَا بِلَفْظ " جعلت " وَلم يقل فِي التَّأَخُّر بِهِ بل قَالَ " تَأَخَّرت " (قلت) لِأَن التَّقَدُّم كَاد أَن يَقع بِخِلَاف التَّأَخُّر فَإِنَّهُ قد وَقع وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بقوله وَقد وَقع التَّصْرِيح بِوُقُوع التَّقَدُّم والتأخر جَمِيعًا فِي حَدِيث جَابر عِنْد مُسلم وَلَفظه " لقد جِيءَ بالنَّار ودلكم حِين رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرت
стр. 2160
مَخَافَة أَن يُصِيبنِي من لفحها " وَفِيه " ثمَّ جِيءَ بِالْجنَّةِ وذلكم حِين رَأَيْتُمُونِي تقدّمت حَتَّى قُمْت فِي مقَامي " (قلت) لَا يرد عَلَيْهِ مَا قَالَه لِأَن جعلت فِي قَوْله هَهُنَا بِمَعْنى طفقت كَمَا ذكرنَا وَبني السُّؤَال وَالْجَوَاب عَلَيْهِ وَجعل الَّذِي بِمَعْنى طفق من أَفعاله المقاربة من الْقسم الَّذِي وضع للدلالة على الْمَشْرُوع فِي الْخَبَر وَقد علم أَن أَفعَال المقاربة على ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحدهَا هَذَا وَالثَّانِي مَا وضع للدلالة على قرب الْخَبَر وَهُوَ ثَلَاثَة كَاد وَقرب وأوشك وَالثَّالِث مَا وضع للدلالة على رجائه نَحْو عَسى وَأَيْضًا لَا يلْزم أَن يكون حَدِيث عَائِشَة مثل حَدِيث جَابر من كل الْوُجُوه وَإِن كَانَ الأَصْل متحدا قَوْله " يحطم " بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة قَوْله " عَمْرو بن لحي " بِضَم اللَّام وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسَيَجِيءُ فِي قصَّة خُزَاعَة أَنه ﷺ َ - قَالَ " رَأَيْت عَمْرو بن عَامر الْخُزَاعِيّ يجر قصبه فِي النَّار " وَكَانَ أول من سيب السوائب والسوائب جمع سائبة وَهِي الَّتِي كَانُوا يسيبونها لآلهتهم فَلَا يحل عَلَيْهَا شَيْء (فَإِن قلت) السوائب هِيَ المسيبة فَكيف يُقَال سيب السوائب (قلت) مَعْنَاهُ سيب النوق الَّتِي تسمى بالسوائب وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا جعل الله من بحيرة وَلَا سائبة﴾ كَانَ يَقُول الرجل إِذا قدمت من سَفَرِي أَو بَرِئت من مرضِي فناقتي سائبة أَي لَا تركب وَلَا تطرد عَن مَاء وَلَا عَن مرعى
(بَاب مَا يجوز من البزاق والنفخ فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز من البزاق أَي من رمى البزاق وَجَاء فِيهِ الزَّاي وَالصَّاد وَكِلَاهُمَا لُغَة قَوْله " والنفخ " أَي مَا يجوز من النفخ وَقَالَ بَعضهم أَشَارَ المُصَنّف إِلَى أَن بعض ذَلِك يجوز وَبَعضه لَا يجوز فَيحْتَمل أَنه يرى التَّفْرِقَة بَين مَا إِذا حصل من كل مِنْهُمَا كَلَام مفهم أم لَا (قلت) لَا نسلم أَن التَّرْجَمَة تدل على مَا ذكره وَإِنَّمَا تدل ظَاهرا على أَن كل وَاحِد من البصاق والنفخ جَائِز فِي الصَّلَاة مُطلقًا وَذكره بعد ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن عمر وَيدل على جَوَاز النفخ وَمَا رَوَاهُ عَن ابْن عمر يدل على جَوَاز البصاق لِأَن كلا مِنْهُمَا صَرِيح فِيمَا يدل عَلَيْهِ من غير قيد والآن نذْكر مَذَاهِب الْعلمَاء فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(وَيذكر عَن عبد الله بن عَمْرو نفخ النَّبِي ﷺ َ - فِي سُجُوده فِي كسوف) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَفِيه مَا يدل على مَا ذكرنَا لِأَنَّهُ ذكره مُطلقًا وَاعْترض أَبُو عبد الْملك بِأَن البُخَارِيّ ذكر النفخ وَلم يذكر فِيهِ حَدِيثا (قلت) هَذَا عَجِيب مِنْهُ فَكَأَنَّهُ لم يطلع على مَا ذكر عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَهُوَ تَعْلِيق أسْندهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب عَن أَبِيه " عبد الله بن عَمْرو قَالَ انكسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ َ - " الحَدِيث وَفِيه " ثمَّ نفخ فِي آخر سُجُوده فَقَالَ أُفٍّ أُفٍّ " إِلَى آخِره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَقَالَ صَحِيح وَإِنَّمَا ذكره البُخَارِيّ بِصِيغَة التمريض لِأَنَّهُ من رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب عَن أَبِيه لِأَنَّهُ مُخْتَلف فِيهِ فِي الِاحْتِجَاج بِهِ وَقد اخْتَلَط فِي آخر عمره لَكِن أوردهُ ابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ عَنهُ وَهُوَ مِمَّن سمع مِنْهُ قبل اخْتِلَاطه وَأَبوهُ وَثَّقَهُ الْعجلِيّ وَابْن حبَان وَلَيْسَ هُوَ من شَرط البُخَارِيّ وَقد فسر النفخ فِي الحَدِيث بقوله " فَقَالَ أُفٍّ أُفٍّ " بتسكين الْفَاء وأف لَا تكون كلَاما حَتَّى تشدد الْفَاء فَتكون على ثَلَاثَة أحرف من التأفيف وَهُوَ قَوْلك أُفٍّ لكذا فَأَما أُفٍّ وَالْفَاء فِيهِ خَفِيفَة فَلَيْسَ بِكَلَام والنافخ لَا يخرج الْفَاء مُشَدّدَة وَلَا يكَاد يُخرجهَا فَاء صَادِقَة من مخرجها وَلكنه يفشها من غير إطباق الشّفة على الشّفة وَمَا كَانَ كَذَلِك لَا يكون كلَاما وَبِهَذَا اسْتدلَّ أَبُو يُوسُف على أَن الْمُصَلِّي إِذا قَالَ فِي صلَاته أُفٍّ أَو آه أَو أَخ لَا تفْسد صلَاته وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد تفْسد لِأَنَّهُ من كَلَام النَّاس وأجابا بِأَن هَذَا كَانَ ثمَّ نسخ وَذكر ابْن بطال أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي النفخ فِي الصَّلَاة فكرهه طَائِفَة وَلم يوجبوا على من نفخ إِعَادَة رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَالنَّخَعِيّ وَهُوَ رِوَايَة عَن ابْن زِيَاد وَعَن مَالك أَنه قَالَ أكره النفخ فِي الصَّلَاة وَلَا يقطعهَا كَمَا يقطع الْكَلَام وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَأَشْهَب وَأحمد وَإِسْحَاق وَقَالَت طَائِفَة هُوَ بِمَنْزِلَة الْكَلَام يقطع الصَّلَاة رُوِيَ ذَلِك عَن سعيد بن جُبَير وَهُوَ قَول مَالك فِي الْمُدَوَّنَة وَفِيه قَول ثَالِث وَهُوَ أَن النفخ إِن كَانَ يسمع فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْكَلَام يقطع الصَّلَاة وَهَذَا قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد وَالْقَوْل الأول أولى لحَدِيث ابْن عَمْرو قَالَ وَيدل على صِحَة هَذَا أَيْضا اتِّفَاقهم على جَوَاز النفخ والبصاق فِي الصَّلَاة وَلَيْسَ فِي النفخ من النُّطْق بِالْفَاءِ والهمزة أَكثر مِمَّا فِي البصاق من النُّطْق بِالْفَاءِ وَالتَّاء اللَّتَيْنِ فيهمَا من رمى البصاق وَلما
стр. 2161
اتَّفقُوا على جَوَاز الصَّلَاة فِي البصاق جَازَ النفخ فِيهَا إِذْ لَا فرق بَينهمَا فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بحروف وَلذَلِك ذكر البُخَارِيّ حَدِيث البصاق فِي هَذَا الْبَاب ليستدل على جَوَاز النفخ لِأَنَّهُ لم يسند حَدِيث ابْن عَمْرو وَاعْتمد على الِاسْتِدْلَال من حَدِيث النخامة والبصاق وَهُوَ اسْتِدْلَال حسن (قلت) يُعَكر عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه بِإِسْنَاد جيد أَنه قَالَ " النفخ فِي الصَّلَاة كَلَام " وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح أَنه قَالَ " والنفخ فِي الصَّلَاة يقطع الصَّلَاة " وروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يخْشَى أَن يكون كلَاما يَعْنِي النفخ فِي الصَّلَاة وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين ﵀ وَفرق أَصْحَابنَا فِي النفخ بَين أَن يبين مِنْهُ حرفان أم لَا فَإِن بَان مِنْهُ حرفان وَهُوَ عَامِد عَالم بِتَحْرِيمِهِ بطلت صلَاته وَإِلَّا فَلَا وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن مَالك وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن وَأحمد بن حَنْبَل وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا تبطل إِلَّا أَن يُرِيد بِهِ التأفيف وَهُوَ قَول أُفٍّ وَقَالَ ابْن الْمُنْذر ثمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُف فَقَالَ لَا تبطل صلَاته مُطلقًا وَحكى ابْن الْعَرَبِيّ وَغَيره عَن مَالك خلافًا وَأَنه قَالَ فِي الْمُخْتَصر النفخ كَلَام لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَة لَا يقطع الصَّلَاة وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ من الْمَالِكِيَّة لَيْسَ لَهُ حُرُوف هجاء فَلَا يقطع الصَّلَاة وَقَالَ شَيخنَا وَمَا حكيناه عَن أَصْحَابنَا هُوَ الَّذِي جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة فِي شرح الْمُهَذّب ثمَّ أَنه حكى الْخلاف فِيهِ فِي الْمِنْهَاج تبعا للمحرر فَقَالَ فِيهِ وَالْأَصْل أَن التنحنح والضحك والبكاء والأنين والنفخ إِن ظهر بِهِ حرفان بطلت وَإِلَّا فَلَا
٢٣٦ - (حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ َ - رأى نخامة فِي قبْلَة الْمَسْجِد فتغيظ على أهل الْمَسْجِد وَقَالَ إِن الله قبل أحدكُم فَإِذا كَانَ فِي صلَاته فَلَا يبزقن أَو قَالَ لَا يتنخعن ثمَّ نزل فحتها بِيَدِهِ وَقَالَ ابْن عمر ﵄ إِذا بزق أحدكُم فليبزق على يسَاره) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع إِلَى آخِره وَلَفظه هُنَاكَ " رأى بصاقا فِي جِدَار الْقبْلَة فحكه ثمَّ أقبل على النَّاس فَقَالَ إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يبصق قبل وَجه فَإِن الله قبل وَجهه إِذا صلى " وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ قَوْله " قبل أحدكُم " بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي مُقَابل قَوْله " أَو قَالَ لَا يتنخعن " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " لَا يبزق بَين يَدَيْهِ " وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض الرِّوَايَة " وَلَا يتنخمن " من النخامة بِضَم النُّون وَهُوَ مَا يخرج من الصَّدْر قَوْله " فحتها " بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ويروى " فحكها " بِالْكَاف ومعناهما وَاحِد قَوْله " وَقَالَ ابْن عمر " إِلَى آخِره مَوْقُوف قَوْله " عَن يسَاره " هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني بِلَفْظ عَن وَفِي رِوَايَة غَيره " على يسَاره " بِلَفْظ على وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق اسحق بن أبي إِسْرَائِيل عَن حَمَّاد بن زيد بِلَفْظ " لَا يبزقن أحدكُم بَين يَدَيْهِ وَلَكِن ليبزق خَلفه أَو عَن شِمَاله أَو تَحت قدمه " وَهَذَا الْمَوْقُوف عَن ابْن عمر قد رُوِيَ عَن أنس مَرْفُوعا
٢٣٧ - (حَدثنَا مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا غنْدر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ سَمِعت قَتَادَة عَن أنس ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إِذا كَانَ فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربه فَلَا يبزقن بَين يَدَيْهِ وَلَا عَن يَمِينه وَلَكِن عَن شِمَاله تَحت قدمه الْيُسْرَى) مطابقته للتَّرْجَمَة أَكثر وضوحا من مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق لَهَا لِأَن فِيهِ إِبَاحَة البزاق فِي الصَّلَاة عَن شِمَاله تَحت قدمه الْيُسْرَى وَفِي ذَاك عَن ابْن عمر مَوْقُوفا وَهَذَا الحَدِيث أَيْضا قد مر فِي بَاب ليبصق عَن يسَاره أَو تَحت قدمه الْيُسْرَى رَوَاهُ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - " إِن الْمُؤمن إِذا كَانَ فِي الصَّلَاة فَإِنَّمَا يُنَاجِي ربه فَلَا يبزقن بَين يَدَيْهِ وَلَا عَن يَمِينه وَلَكِن عَن يسَاره أَو تَحت قدمه " وَرَوَاهُ أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن حميد " عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ َ - رأى نخامة فِي الْقبْلَة فشق ذَلِك عَلَيْهِ " الحَدِيث وَقد مر الْكَلَام فِي أَحَادِيث أنس هُنَاكَ مُسْتَوْفِي بِجَمِيعِ مَا يتَعَلَّق
стр. 2162
بهَا وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث هُوَ مُحَمَّد بن بشار الْعَبْدي الْبَصْرِيّ وَقد مر غير مرّة وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ يكنى أَبَا عبد الله وَقد مر غير مرّة قَوْله " إِذا كَانَ " أَي الْمُؤمن فِي الصَّلَاة كَمَا ورد فِي الحَدِيث الآخر لأنس هَكَذَا كَمَا ذَكرْنَاهُ إِلَى أَن قَوْله " فَإِنَّهُ " أَي فَإِن الْمُصَلِّي لدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ
(بَاب من صفق جَاهِلا من الرِّجَال فِي صلَاته لم تفْسد صلَاته)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من صفق حَال كَونه جَاهِلا بِنَفْي كَون التصفيق للرِّجَال وَأَنه للنِّسَاء قَوْله " من الرِّجَال " بَيَان لقَوْله " من " فَإِن كلمة من للعقلاء تَشْمَل الذُّكُور وَالْإِنَاث وَأَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أَن الرجل إِذا صفق فِي الصَّلَاة عِنْد حُدُوث نائبة لَا تفْسد صلَاته إِذا كَانَ جَاهِلا وَقيد بذلك لِأَنَّهُ إِذا صفق عَامِدًا تفْسد صلَاته بقضية الْقَيْد الْمَذْكُور وَالدَّلِيل على عدم الْفساد فِي حَالَة الْجَهْل أَنه ﷺ َ - لم يَأْمُرهُم بِالْإِعَادَةِ فِي حَدِيث سهل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
(فِيهِ سهل بن سعد ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ -) قد مر حَدِيث سهل فِي بَاب التصفيق للنِّسَاء أخرجه عَن يحيى عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد قَالَ قَالَ ﷺ َ - " التَّسْبِيح للرِّجَال والتصفيق للنِّسَاء " وَسَيَأْتِي حَدِيث سهل بن سعد أَيْضا فِي بَاب الْإِشَارَة فِي الصَّلَاة قبل كتاب الْجَنَائِز وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب التصفيق للنِّسَاء
(بَاب إِذا قيل للْمُصَلِّي تقدم أَو انْتظر فانتظر فَلَا بَأْس)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قيل للْمُصَلِّي تقدم أَي قبل رفيقك أَو انْتظر أَي أَو قيل لَهُ انْتظر أَي تَأَخّر عَنهُ هَكَذَا فسره ابْن بطال وَكَأَنَّهُ أَخذ ذَلِك من حَدِيث الْبَاب وَفِيه فَقيل للنِّسَاء " لَا ترفعن رؤسكن حَتَّى يَسْتَوِي الرِّجَال جُلُوسًا " فمقتضاه تقدم الرِّجَال على النِّسَاء وتأخرهن عَنْهُم وَاعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ على البُخَارِيّ هُنَا بقوله ظن أَي البُخَارِيّ أَن المخاطبة للنِّسَاء وَقعت بذلك وَهن فِي الصَّلَاة وَلَيْسَ كَمَا ظن بل هُوَ شَيْء قيل لَهُنَّ قبل أَن يدخلن فِي الصَّلَاة وَأجَاب بَعضهم عَن ذَلِك نصْرَة للْبُخَارِيّ بقوله أَن البُخَارِيّ لم يُصَرح بِكَوْن ذَلِك قيل لَهُنَّ وَهن دَاخل الصَّلَاة أَو خَارِجهَا وَالَّذِي يظْهر أَن النَّبِي ﷺ َ - وصاهن بِنَفسِهِ أَو بِغَيْرِهِ بالانتظار الْمَذْكُور قبل أَن يدخلن فِيهَا على علم انْتهى (قلت) الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور وَالْجَوَاب عَنهُ كِلَاهُمَا واهيان أما الِاعْتِرَاض فَلَيْسَ بوارد لِأَن نَفْيه ظن البُخَارِيّ بذلك غير صَحِيح لِأَن ظَاهر متن الحَدِيث يَقْتَضِي مَا نسبه إِلَى البُخَارِيّ من الظَّن بل هُوَ أَمر ظَاهر وَلَيْسَ بِظَنّ لِأَن قَوْله ﷺ َ - " فَقيل للنِّسَاء " إِلَى آخر بفاء الْعَطف على مَا قبله يَقْتَضِي أَن هَذَا القَوْل قيل لَهُنَّ وَالنَّاس يصلونَ مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فَالظَّاهِر أَنَّهُنَّ كن مَعَ النَّاس فِي الصَّلَاة وَإِن كَانَ يحْتَمل أَن يكون هَذَا القَوْل لَهُنَّ عِنْد شروعهن فِي الصَّلَاة مَعَ النَّاس وَلَا يلْتَفت إِلَى الِاحْتِمَال إِذا كَانَ غير ناشىء عَن دَلِيل وَأما الْجَواب فَكَذَلِك هُوَ غير سديد لِأَن قَوْله وَالَّذِي يظْهر إِلَى آخِره غير ظَاهر لَا من التَّرْجَمَة وَلَا من حَدِيث الْبَاب أما التَّرْجَمَة فَلَا شَيْء فِيهَا من الدّلَالَة على ذَلِك وَأما متن الحَدِيث فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا لفظ قيل بِصِيغَة الْمَجْهُول فَمن أَيْن ظهر أَنه ﷺ َ - هُوَ الَّذِي وصاهن بِهِ بِنَفسِهِ أَو بِغَيْرِهِ وَلَا فِيهِ شَيْء يدل على أَن ذَلِك كَانَ قبل دخولهن فِي الصَّلَاة بل الَّذِي يظْهر من ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ بقضية تركيب متن الحَدِيث فَافْهَم فَإِنَّهُ بحث دَقِيق
٢٣٨ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير قَالَ أخبرنَا سُفْيَان عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد ﵁. قَالَ كَانَ النَّاس يصلونَ مَعَ النَّبِي ﷺ َ - وهم عاقدوا أزرهم على رقابهم من الصغر فَقيل للنِّسَاء لَا ترفعن رؤسكن حَتَّى يَسْتَوِي الرِّجَال جُلُوسًا) مطابقته للتَّرْجَمَة على مَا قيل أَن النِّسَاء قيل لَهُنَّ ذَلِك أما فِي الصَّلَاة أَو قبلهَا فَإِن كَانَ فِيهَا فقد أَفَادَ الْمَسْأَلَتَيْنِ خطاب الْمُصَلِّي وتربصه بِمَا لَا يضر وَإِن كَانَ قبلهَا أَفَادَ جَوَاز الِانْتِظَار والْحَدِيث أخرجه فِي بَاب إِذا كَانَ الثَّوْب ضيقا وَقَالَ حَدثنَا مُسَدّد قَالَ
стр. 2163
حَدثنَا يحيى عَن سُفْيَان قَالَ حَدثنَا أَبُو حَازِم عَن سهل بن سعد إِلَى آخِره نَحوه قَوْله " على رقابهم " وَهُنَاكَ " على أَعْنَاقهم " قَوْله " من الصغر " أَي من صغر الثِّيَاب وَهَذَا فِي أول الْإِسْلَام حِين الْقلَّة ثمَّ جَاءَ الْفتُوح وَهُنَاكَ فِي مَوضِع من الصغر كَهَيئَةِ الصّبيان وَتقدم قِطْعَة مِنْهُ أَيْضا فِي بَاب عقد الْإِزَار على الْقَفَا مُعَلّقا وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفِي وَفِي التَّوْضِيح وَفِيه تقدم الرِّجَال بِالسُّجُود على النِّسَاء لأَنهم إِذا لم يرفعن رُؤْسهنَّ حَتَّى يَسْتَوِي الرِّجَال جُلُوسًا فقد تقدموهن بذلك وصرن منتظرات لَهُم وَفِيه جَوَاز وُقُوع فعل الْمَأْمُوم بعد الإِمَام بِمدَّة وَيصِح ائتمامه كمن زوحم وَلم يقدر على الرُّكُوع وَالسُّجُود حَتَّى قَامَ النَّاس (قلت) هَذَا مَبْنِيّ على مَذْهَب إِمَامه وَعِنْدنَا إِذا لم يُشَارك الْمَأْمُوم الإِمَام فِي ركن من أَرْكَان الصَّلَاة وَلَو فِي جُزْء مِنْهُ لَا تصح صلَاته قَالَ وَفِيه جَوَاز سبق الْمَأْمُومين بَعضهم لبَعض فِي الْأَفْعَال وَلَا يضر ذَلِك (قلت) نعم لَا يضر ذَلِك وَلَكِن من أَيْن فهم هَذَا من الحَدِيث قَالَ وَفِيه إنصات الْمُصَلِّي لخَبر يُخبرهُ. وَفِيه جَوَاز الْفَتْح على الْمُصَلِّي وَإِن كَانَ الفاتح فِي غير صلَاته (قلت) هَذَا عندنَا على أَرْبَعَة أَقسَام بِحَسب الْقِسْمَة الْعَقْلِيَّة الأول أَن لَا يكون المستفتح وَلَا الفاتح فِي الصَّلَاة وَهَذَا لَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ وَالثَّانِي أَن يكون كِلَاهُمَا فِي الصَّلَاة ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون الصَّلَاة متحدة بِأَن يكون المستفتح إِمَامًا والفاتح مَأْمُوما أَو لَا يكون فَفِي الأول الَّذِي هُوَ الْقسم الثَّالِث لَا تفْسد صَلَاة كل مِنْهُمَا وَفِي الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْقسم الرَّابِع تفْسد صَلَاة كل وَاحِد مِنْهُمَا لِأَنَّهُ تَعْلِيم وَتعلم وَقَالَ بَعضهم وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز انْتِظَار الإِمَام فِي الرُّكُوع لمن يدْرك الرَّكْعَة وَفِي التَّشَهُّد لإدراك الصَّلَاة (قلت) مَذْهَبنَا فِي هَذَا على التَّفْصِيل وَهُوَ أَن الإِمَام إِذا كَانَ يعلم الجائي لَيْسَ لَهُ أَن ينتظره إِلَّا إِذا خَافَ من شَره وَإِن كَانَ لَا يعلم فَلَا بَأْس بالانتظار ليدركه
(بَاب لَا يرد السَّلَام فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الْمُصَلِّي لَا يرد السَّلَام على الْمُسلم فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ خطاب آدَمِيّ
٢٣٩ - (حَدثنَا عبد الله بن أبي شيبَة قَالَ حَدثنَا ابْن فُضَيْل عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله. قَالَ كنت أسلم على النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَيرد عَليّ فَلَمَّا رَجعْنَا سلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ. وَقَالَ إِن فِي الصَّلَاة شغلا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَلم يرد عَليّ " وَقد مضى الحَدِيث فِي بَاب مَا ينْهَى عَنهُ من الْكَلَام وَأخرجه عَن ابْن نمير عَن ابْن فُضَيْل عَن الْأَعْمَش وَقد مضى هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء وَعبد الله هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي شيبَة الْكُوفِي الْحَافِظ أَخُو عُثْمَان بن أبي شيبَة مَاتَ فِي الْمحرم سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَابْن فُضَيْل بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة مر فِي كتاب الْإِيمَان وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود وَحكى ابْن بطال الْإِجْمَاع أَنه لَا يرد السَّلَام نطقا وَاخْتلفُوا هَل يرد إِشَارَة فكرهه طَائِفَة رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَرخّص فِيهِ طَائِفَة روى ذَلِك عَن سعيد بن الْمسيب وَقَتَادَة وَالْحسن وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة أجَازه وَفِي أُخْرَى كرهه وَعند طَائِفَة إِذا فرغ من الصَّلَاة يرد وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي السَّلَام على الْمُصَلِّي فكره ذَلِك قوم رُوِيَ ذَلِك " عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لَو دخلت على قوم وهم يصلونَ مَا سلمت عَلَيْهِم " وَقَالَ أَبُو مجلز السَّلَام على الْمُصَلِّي عجز وَكَرِهَهُ عَطاء وَالشعْبِيّ رَوَاهُ ابْن وهيب عَن مَالك وَبِه قَالَ إِسْحَاق ورخصت فِيهِ طَائِفَة رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَهُوَ قَول مَالك فِي الْمُدَوَّنَة وَقَالَ لَا يكره السَّلَام عَلَيْهِ فِي فَرِيضَة وَلَا نَافِلَة وَفعله أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى
٢٤٠ - (حَدثنَا أَبُو معمر قَالَ حَدثنَا عبد الْوَارِث قَالَ حَدثنَا كثير بن شنظير عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ َ - فِي حَاجَة لَهُ فَانْطَلَقت ثمَّ رجعت وَقد قضيتها فَأتيت النَّبِي ﷺ َ - فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ فَوَقع فِي قلبِي مَا الله أعلم بِهِ فَقلت فِي نَفسِي لَعَلَّ رَسُول الله ﷺ َ - وجد عَليّ أَنِّي أَبْطَأت عَلَيْهِ ثمَّ سلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ
стр. 2164
فَوَقع فِي قلبِي أَشد من الْمرة الأولى ثمَّ سلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ فَقَالَ إِنَّمَا مَنَعَنِي أَن أرد عَلَيْك أَنِّي كنت أُصَلِّي وَكَانَ على رَاحِلَته مُتَوَجها إِلَى غير الْقبْلَة) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول أَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج واسْمه ميسرَة التَّمِيمِي المقعد. الثَّانِي عبد الْوَارِث بن سعيد التنوري. الثَّالِث كثير ضد قَلِيل ابْن شنظير بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء. الرَّابِع عَطاء بن أبي رَبَاح. الْخَامِس جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته بصريون وَفِيه شنظير وَهُوَ علم وَالِد كثير وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَة السيء الْخلق ولقب كثير أَبُو قُرَّة. (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي كَامِل عَن حَمَّاد وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن مُعلى بن مَنْصُور. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " فِي حَاجَة " بَين مُسلم من طَرِيق أبي الزبير عَن جَابر أَن ذَلِك كَانَ فِي غَزْوَة بني المصطلق قَوْله " فَلم يرد عَليّ " وَفِي رِوَايَة مُسلم الْمَذْكُورَة " فَقَالَ لي بِيَدِهِ هَكَذَا " وَفِي رِوَايَة أُخْرَى " فَأَشَارَ إِلَيّ " فَإِذا كَانَ كَذَلِك يحمل قَول جَابر فِي وَرِوَايَة البُخَارِيّ " فَلم يرد عَليّ " أَي بِاللَّفْظِ وَكَانَ جَابِرا لم يعرف أَولا أَن المُرَاد بِالْإِشَارَةِ الرَّد عَلَيْهِ فَلذَلِك قَالَ " فَوَقع فِي قلبِي مَا الله أعلم بِهِ " أَي من الْحزن وَكَأَنَّهُ أبهم ذَلِك إشعارا بِأَنَّهُ لَا يدْخل من شدته تَحت الْعبارَة قَوْله " مَا الله أعلم بِهِ " كلمة مَا فَاعل لقَوْله " وَقع " وَلَفْظَة " الله " مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله " أعلم بِهِ " قَوْله " وجد عَليّ " بِفَتْح الْوَاو وَالْجِيم مَعْنَاهُ غضب يُقَال وجد عَلَيْهِ يجد وجدا وموجدة وَوجد ضالته يجدهَا وجدانا إِذا رَآهَا ولقيها وَوجد يجد جدة أَي اسْتغنى غنى لَا فقر بعده وَوجدت بفلانة وجدا إِذا أحببتها حبا شَدِيدا قَوْله " إِنِّي أَبْطَأت " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " أَن أَبْطَأت " بنُون خَفِيفَة قَوْله " فَرد عَليّ " أَي بعد أَن فرغ من صلَاته قَوْله " مَا مَنَعَنِي أَن أرد عَلَيْك " أَي السَّلَام " إِلَّا أَنِّي كنت أُصَلِّي " قَوْله " وَكَانَ على رَاحِلَته مُتَوَجها إِلَى غير الْقبْلَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " فَرَجَعت وَهُوَ يُصَلِّي على رَاحِلَته وَوَجهه على غير الْقبْلَة ". وَمِمَّا يُسْتَفَاد أَمنه إِثْبَات الْكَلَام النفساني وَأَن الْكَبِير إِذا وَقع مِنْهُ مَا يُوجب حزنا يظْهر سَببه ليندفع ذَلِك وَجَوَاز صَلَاة النَّفْل على الرَّاحِلَة إِلَى غير الْقبْلَة. وَفِيه كَرَاهَة السَّلَام على الْمُصَلِّي وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب
(بَاب رفع الْأَيْدِي فِي الصَّلَاة لأمر نزل بِهِ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم رفع الْأَيْدِي فِي الصَّلَاة لأجل أَمر نزل بِهِ
٢٤١ - (حَدثنَا قُتَيْبَة قَالَ حَدثنَا عبد الْعَزِيز عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد ﵁ قَالَ بلغ رَسُول الله ﷺ َ - أَن بني عَمْرو بن عَوْف بقباء كَانَ بَينهم شَيْء فَخرج يصلح بَينهم فِي أنَاس من أَصْحَابه فحبس رَسُول الله ﷺ َ - وحانت الصَّلَاة فجَاء بِلَال إِلَى أبي بكر ﵄ فَقَالَ يَا أَبَا بكر إِن رَسُول الله ﷺ َ - قد حبس وَقد حانت الصَّلَاة فَهَل لَك أَن تؤم النَّاس قَالَ نعم إِن شِئْت فَأَقَامَ بِلَال الصَّلَاة وَتقدم أَبُو بكر ﵁ فَكبر للنَّاس وَجَاء رَسُول الله ﷺ َ - يمشي فِي الصُّفُوف يشقها شقا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفّ فَأخذ النَّاس فِي التصفيح قَالَ سهل التصفيح هُوَ التصفيق. قَالَ وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ لَا يلْتَفت فِي صلَاته فَلَمَّا أَكثر النَّاس الْتفت فَإِذا رَسُول الله ﷺ َ - فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرهُ أَن يُصَلِّي فَرفع أَبُو بكر رَضِي الله عِنْده يَده فَحَمدَ الله ثمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرِي وَرَاءه حَتَّى قَامَ فِي الصَّفّ وَتقدم رَسُول الله ﷺ َ - فصلى للنَّاس فَلَمَّا فرغ
стр. 2165
أقبل على النَّاس فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس مالكم حِين نابكم شَيْء فِي الصَّلَاة أَخَذْتُم بالتصفيح إِنَّمَا التصفيح للنِّسَاء من نابه شَيْء فِي صلَاته فَلْيقل سُبْحَانَ الله ثمَّ الْتفت إِلَى أبي بكر ﵁ فَقَالَ يَا أَبَا بكر مَا مَنعك أَن تصلي للنَّاس حِين أَشرت إِلَيْك قَالَ أَبُو بكر مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أبي قُحَافَة أَن يُصَلِّي بَين يَدي رَسُول الله ﷺ َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَرفع أَبُو بكر يَدَيْهِ " وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي بَاب من دخل ليؤم النَّاس فجَاء الإِمَام الأول وَرَوَاهُ هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي حَازِم بن دِينَار عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أَن رَسُول الله ﷺ َ - ذهب إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف ليصلح بَينهم إِلَى آخِره وَعبد الْعَزِيز هُنَاكَ هُوَ ابْن أبي حَازِم وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصى قَوْله " وحانت " أَي حضرت وَالْوَاو فِيهِ للْحَال وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " وَقد حانت الصَّلَاة " قَوْله " قد حبس " أَي تعوق هُنَاكَ قَوْله " إِن شِئْتُم " هَذِه رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَفِي رِوَايَة غَيره " إِن شِئْت " قَوْله " فِي الصَّفّ " هَذِه رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره " من الصَّفّ " قَوْله " فَرفع أَبُو بكر يَدَيْهِ " هَذِه رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره " يَده " بِالْإِفْرَادِ قَوْله " من نابه شَيْء " أَي من نزل بِهِ أَمر من الْأُمُور قَوْله " حَيْثُ أَشرت إِلَيْك " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " حِين أَشرت إِلَيْك "
(بَاب الخصر فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الخصر فِي الصَّلَاة والخصر بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَهُوَ أَن يضع يَده على خاصرته فِي الصَّلَاة
٢٤٢ - (حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان قَالَ حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁. قَالَ نهي عَن الخصر فِي الصَّلَاة. وَقَالَ هِشَام وَأَبُو هِلَال عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ -)
٢٤٣ - (حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ قَالَ حَدثنَا يحيى قَالَ حَدثنَا هِشَام قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁. قَالَ نهي أَن يُصَلِّي الرجل مُخْتَصرا) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث بِطرقِهِ للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول فِي رِجَاله وهم تِسْعَة. الأول أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الملقب بعارم. الثَّانِي حَمَّاد بن زيد. الثَّالِث أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس هِشَام بن حسان أَبُو عبد الله القردسي بِضَم الْقَاف مَاتَ سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة. السَّادِس أَبُو هِلَال مُحَمَّد بن سليم الرَّاسِبِي بالراء وبالسين الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة. السَّابِع عَمْرو بن عَليّ الصَّيْرَفِي الفلاس. الثَّامِن يحيى بن سعيد الْقطَّان. التَّاسِع أَبُو هُرَيْرَة (النَّوْع الثَّانِي فِي لطائف إِسْنَاده) هَذِه الطّرق فِيهَا التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع وفيهَا العنعنة فِي سَبْعَة مَوَاضِع وفيهَا القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع وفيهَا أَن رواتها بصريون وفيهَا أَبُو هِلَال وَقد أدخلهُ البُخَارِيّ فِي الضُّعَفَاء وَاسْتشْهدَ بِهِ هَهُنَا وَرُوِيَ لَهُ فِي كتاب الْقِرَاءَة خلف الإِمَام وَغَيره وفيهَا أَن الطَّرِيق الأول مُسْند وَلكنه مَوْقُوف ظَاهرا وَلَكِن فِي الْحَقِيقَة مَرْفُوع لِأَن قَوْله نهي وَإِن كَانَ بِضَم النُّون على صِيغَة الْمَجْهُول لَكِن الناهي هُوَ النَّبِي ﷺ َ - كَمَا فِي الطَّرِيق الثَّانِي وَهُوَ رِوَايَة هِشَام وَقد صلها البُخَارِيّ لَكِن وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي نهى بِفَتْح النُّون على الْبناء للْفَاعِل وَلكنه لم يسمه وَقد رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق أبي أُسَامَة عَن هِشَام بِلَفْظ " نهى النَّبِي ﷺ َ - أَن يُصَلِّي الرجل مُخْتَصرا "
стр. 2166
النَّوْع الثَّالِث فِيمَن أخرجه غَيره رَوَاهُ مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي أُسَامَة وَأبي خَالِد الْأَحْمَر وَعَن الحكم بن مُوسَى عَن ابْن الْمُبَارك وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن يَعْقُوب بن كَعْب عَن مُحَمَّد بن سَلمَة الْحَرَّانِي وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام بن حسان. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن اسحق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير بن عبد الحميد النَّوْع الرَّابِع فِي اخْتِلَاف أَلْفَاظه فَفِي إِحْدَى روايتي البُخَارِيّ نهى عَن الخصر وَفِي الْأُخْرَى مُخْتَصرا وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني مخصرا بتَشْديد الصَّاد وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ متخصرا بِزِيَادَة التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد " نهى عَن الِاخْتِصَار " وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ " نهى عَن التخصر ". النَّوْع الْخَامِس فِي مَعْنَاهُ وَقد ذكرنَا أَن الخصر وضع الْيَد على الخاصرة وَقَوله " مُخْتَصرا " من الِاخْتِصَار وَقد فسره التِّرْمِذِيّ بقوله والاختصار هُوَ أَن يضع الرجل يَده على خاصرته فِي الصَّلَاة وَكَأَنَّهُ أَرَادَ نفس الِاخْتِصَار الْمنْهِي عَنهُ وَإِلَّا فحقيقة الِاخْتِصَار لَا تتقيد بِكَوْنِهَا فِي الصَّلَاة وَفَسرهُ أَبُو دَاوُد عقيب حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَقَالَ يَعْنِي أَن يضع يَده على خاصرته وَمَا فسره بِهِ التِّرْمِذِيّ فسره بِهِ مُحَمَّد بن سِيرِين رَاوِي الحَدِيث فِيمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام عَن مُحَمَّد وَهُوَ أَن يضع يَده على خاصرته وَهُوَ يُصَلِّي وَكَذَا فسره هِشَام فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَنهُ وَحكى الْخطابِيّ وَغَيره قولا آخر فِي تَفْسِير الِاخْتِصَار وَهُوَ أَن يمسك بيدَيْهِ مخصرة أَي عَصا يتَوَكَّأ عَلَيْهَا وَأنْكرهُ ابْن الْعَرَبِيّ وَعَن الْهَرَوِيّ فِي الغريبين وَابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة وَهُوَ أَن يختصر السُّورَة فَيقْرَأ من آخرهَا آيَة أَو آيَتَيْنِ وَحكى الْهَرَوِيّ أَيْضا وَهُوَ أَن يحذف فِي الصَّلَاة فَلَا يمد قِيَامهَا وركوعها وسجودها وَقيل يختصر الْآيَات الَّتِي فِيهَا السَّجْدَة فِي الصَّلَاة فَيسْجد فِيهَا وَالْقَوْل الأول هُوَ الْأَصَح وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا هناد بن السّري عَن وَكِيع عَن سعيد بن زِيَاد عَن زِيَاد بن صبيح الْحَنَفِيّ قَالَ " صليت إِلَى جنب ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَوضعت يَدي على خاصرتي فَلَمَّا صلى قَالَ هَذَا الصلب فِي الصَّلَاة وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - ينْهَى عَنهُ " قَوْله " هَذَا الصلب " أَي شبه الصلب لِأَن المصلوب يمد بَاعه على الْجذع وهيئة الصلب فِي الصَّلَاة أَن يضع يَدَيْهِ على خاصرته ويجافي بَين عضديه فِي الْقيام النَّوْع السَّادِس فِي الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَن الخصر فَقيل لِأَن إِبْلِيس أهبط مُخْتَصرا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من طَرِيق حميد بن هِلَال مَوْقُوفا قيل لِأَن الْيَهُود تكْثر من فعله فَنهى عَنهُ كَرَاهَة للتشبه بهم أخرجه البُخَارِيّ فِي ذكر بني إِسْرَائِيل من رِوَايَة أبي الْفَتْح عَن مَسْرُوق " عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا كَانَت تكره أَن يضع يَده على خاصرته تَقول أَن الْيَهُود تَفْعَلهُ " زَاد ابْن أبي شيبَة فِي رِوَايَة لَهُ " فِي الصَّلَاة " وَفِي رِوَايَة أُخْرَى " لَا تشبهوا باليهود " وَقيل لِأَنَّهُ رَاحَة أهل النَّار كَمَا روى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه عَن مُجَاهِد قَالَ " وضع الْيَدَيْنِ على الحقو استراحة أهل النَّار " وروى ابْن أبي شيبَة أَيْضا من رِوَايَة خَالِد بن معدان " عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا رَأَتْ رجلا وَاضِعا يَده على خاصرته فَقَالَت هَكَذَا أهل النَّار فِي النَّار " وَهَذَا مُنْقَطع وَقد جَاءَ ذَلِك من حَدِيث مَرْفُوع رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس عَن هِشَام بن حسان عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " الِاخْتِصَار فِي الصَّلَاة رَاحَة أهل النَّار " وَظَاهر هَذَا الْإِسْنَاد الصِّحَّة إِلَّا أَن الطَّبَرَانِيّ رَوَاهُ فِي الْأَوْسَط فَأدْخل بَين عِيسَى بن يُونُس وَبَين هِشَام عبد الله بن الْأَزْوَر وَقَالَ لم يروه عَن هِشَام إِلَّا عبد الله بن الْأَزْوَر تفرد بِهِ عِيسَى بن يُونُس وَعبد الله بن الْأَزْوَر ضعفه الْأَزْدِيّ وَالله أعلم. وَقيل لِأَنَّهُ فعل المختالين والمتكبرين قَالَه الْمُهلب بن أبي صفرَة وَقيل لِأَنَّهُ شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أَيْديهم على الخواصر إِذا قَامُوا فِي المآثم قَالَه الْخطابِيّ النَّوْع السَّابِع فِي حكم الخصر فِي الصَّلَاة اخْتلفُوا فِيهِ فكرهه ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُجاهد وَأَبُو مجلز وَآخَرُونَ وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَذهب أهل الظَّاهِر إِلَى تَحْرِيم الِاخْتِصَار فِي الصَّلَاة عملا بِظَاهِر الحَدِيث (أسئلة وأجوبة) مِنْهَا مَا قيل أَن حَدِيث أم قيس بنت مُحصن عِنْد أبي دَاوُد من رِوَايَة هِلَال بن يسَاف قَالَ فِيهِ فدفعنا
стр. 2167
إِلَى وابصة بن معبد فَإِذا هُوَ مُعْتَمد على عَصا فِي صلَاته فَقُلْنَا بعد أَن سلمنَا فَقَالَ حَدَّثتنِي أم قيس بنت مُحصن " أَن رَسُول الله ﷺ َ - لما أسن وَحمل اللَّحْم اتخذ عمودا فِي مُصَلَّاهُ يعْتَمد عَلَيْهِ " انْتهى يُعَارض قَول من يُفَسر الِاخْتِصَار الْمنْهِي عَنهُ بإمساك الْمُصَلِّي مخصرة يتَوَكَّأ عَلَيْهَا وَأجِيب بِأَن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح فَلَا يُقَاوم الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ والْحَدِيث وَإِن كَانَ أَبُو دَاوُد سكت عَنهُ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن عبد السَّلَام بن عبد الرَّحْمَن بن صَخْر الوابصي عَن أَبِيه وَعبد الرَّحْمَن بن صَخْر هَذَا لم يروه عَنهُ سوى وَلَده عبد السَّلَام قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد فِي الإِمَام وَقَالَ الْمزي فِي التَّهْذِيب أَن عبد السَّلَام لم يدْرك أَبَاهُ وَجَوَاب آخر هُوَ أَن يكون النَّهْي فِي حق من فعله بِغَيْر عذر بل للاستراحة وَحَدِيث أم قيس مَحْمُول على من فعل ذَلِك لعذر من كبر السن وَالْمَرَض وَنَحْوهمَا وَهَكَذَا قَالَ أَصْحَابنَا وَاسْتَدَلُّوا بِهِ على أَن الضَّعِيف وَالشَّيْخ الْكَبِير إِذا كَانَ قَادِرًا على الْقيام مُتكئا على شَيْء يُصَلِّي قَائِما مُتكئا وَلَا يقْعد وروى أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُصَنفه حَدثنَا مَرْوَان بن مُعَاوِيَة " عَن عبد الرَّحْمَن بن عرَاك ابْن مَالك عَن أَبِيه قَالَ أدْركْت النَّاس فِي شهر رَمَضَان يرْبط لَهُم الحبال يتمسكون بهَا من طول الْقيام " وَحدثنَا وَكِيع عَن عِكْرِمَة بن عمار رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " عَن عَاصِم بن سميح قَالَ رَأَيْت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يُصَلِّي مُتكئا على عَصا " وَحدثنَا وَكِيع " عَن أبان بن عبد الله البَجلِيّ قَالَ رَأَيْت أَبَا بكر بن أبي مُوسَى يُصَلِّي مُتكئا على عَصا " وَمِنْهَا مَا قيل أَن صَاحب الْإِكْمَال ذكر فِي حَدِيث آخر " المختصرون يَوْم الْقِيَامَة على وُجُوههم النُّور ثمَّ قَالَ هم الَّذين يصلونَ بِاللَّيْلِ ويضعون أَيْديهم على خواصرهم من التَّعَب " قَالَ وَقيل يأْتونَ يَوْم الْقِيَامَة مَعَهم أَعمال يتكؤن عَلَيْهَا مَأْخُوذ من المخصرة وَهِي الْعَصَا وَأجَاب عَنهُ شَيخنَا زين الدّين ﵀ هَذَا الحَدِيث لَا أعلم لَهُ أصلا وَهُوَ مُخَالف للأحاديث الصَّحِيحَة فِي النَّهْي عَن ذَلِك وعَلى تَقْدِير وُرُوده يكون المُرَاد أَن يكون بِأَيْدِيهِم مخاصر يختصرون وَيجوز أَن تكون أَعْمَالهم تجسد لَهُم كَمَا ورد فِي بعض الْأَعْمَال وَفِي حَدِيث عبد الله بن أنيس " إِن أقل النَّاس يَوْمئِذٍ المتخصرون " أَي يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير فِي قصَّة قَتله لخَالِد بن سُفْيَان الْهُذلِيّ وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ خَالِد بن نُبيح من بني هُذَيْل وَأَنه ﷺ َ - أعطَاهُ عَصا فَقَالَ أمسك هَذِه عَنْك يَا عبد الله بن أنيس وَفِيه أَنه سَأَلَهُ لم أَعْطَيْتنِي هَذِه قَالَ آيَة بيني وَبَيْنك يَوْم الْقِيَامَة وَإِن أقل النَّاس المتخصرون يَوْمئِذٍ وَفِيه أَنَّهَا دفنت مَعَه. وَمِنْهَا مَا قيل أَنه لَيْسَ لأهل النَّار المخلدين فِيهَا رَاحَة وَكَيف يذكر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ " الِاخْتِصَار فِي الصَّلَاة رَاحَة أهل النَّار " (وَأجِيب) بِأَن أهل النَّار فِي النَّار على هَذِه الْحَالة وَلَا مَانع من ذَلِك أَنهم يختصرون لقصد الرَّاحَة وَلَا رَاحَة لَهُم فِي ذَلِك.
(بَاب تفكر الرجل الشَّيْء فِي الصَّلَاة)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان تفكر الرجل الشَّيْء والتفكر مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله وَقَوله الشَّيْء مَفْعُوله وَفِي بعض النّسخ شَيْئا وَهُوَ أَيْضا مفعول وَقيد الرجل وَقع إتفاقيا لِأَن الْمُكَلّفين كلهم فِيهِ سَوَاء قَالَ الْمُهلب التفكر أَمر غَالب لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ فِي الصَّلَاة وَلَا فِي غَيرهَا لما جعل الله للشَّيْطَان من السَّبِيل على الْإِنْسَان وَلَكِن إِن كَانَ فِي أَمر أخروي ديني فَهُوَ أخف مِمَّا يكون فِي أَمر دنياوي.
(وَقَالَ عمر ﵁ إِنِّي لأجهز جيشي وَأَنا فِي الصَّلَاة) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن قَول عمر هَذَا يدل على أَنه يتفكر حَال جَيْشه فِي الصَّلَاة وَهَذَا أَمر أخروي وَهَذَا تَعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن حَفْص عَن عَاصِم عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَنهُ بِلَفْظ " إِنِّي لأجهز جيوشي وَأَنا فِي الصَّلَاة " وَقَالَ ابْن التِّين إِنَّمَا هَذَا فِيمَا يقل فِيهِ التفكر كَانَ يَقُول أجهز فلَانا أقدم فلَانا أخرج من الْعدَد كَذَا وَكَذَا فَيَأْتِي على مَا يُرِيد فِي أقل شَيْء من المفكرة فَأَما إِذا تَابع الْفِكر وَأكْثر حَتَّى لَا يدْرِي كم صلى فَهَذَا لاه فِي صلَاته فَيجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة انْتهى. قيل هَذَا الْإِطْلَاق لَيْسَ على وَجهه وَقد جَاءَ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَا يأباه فروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عُرْوَة ابْن الزبير قَالَ قَالَ عمر " إِنِّي لأحسب جِزْيَة الْبَحْرين وَأَنا فِي الصَّلَاة " وروى صَالح بن أَحْمد بن حَنْبَل فِي كتاب الْمسَائِل عَن أَبِيه من طَرِيق همام
стр. 2168
ابْن الْحَارِث " أَن عمر صلى الْمغرب فَلم يقْرَأ فَلَمَّا انْصَرف قَالُوا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك لم تقْرَأ فَقَالَ إِنِّي حدثت نَفسِي وَأَنا فِي الصَّلَاة بعير جهزتها من الْمَدِينَة حَتَّى دخلت الشَّام ثمَّ أعادوا وَأعَاد الْقِرَاءَة " وَمن طَرِيق عِيَاض الْأَشْعَرِيّ قَالَ صلى عمر الْمغرب فَلم يقْرَأ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى إِنَّك لم تقْرَأ فَأقبل على عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَقَالَ صدق فَأَعَادَ فَلَمَّا فرغ قَالَ لَا صَلَاة لَيست فِيهَا قِرَاءَة إِنَّمَا شغلني عير جهزتها إِلَى الشَّام فَجعلت أتفكر فِيهَا فَهَذَا يدل على أَنه إِنَّمَا أعَاد لتَركه الْقِرَاءَة لَا لكَونه مُسْتَغْرقا فِي الْفِكر وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من طَرِيق ضَمْضَم بن حوس " عَن عبد الله بن حَنْظَلَة الراهب أَن عمر صلى الْمغرب فَلم يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى فَلَمَّا كَانَ الثَّانِيَة قَرَأَ بِفَاتِحَة الْكتاب مرَّتَيْنِ فَلَمَّا فرغ وَسلم سجد سَجْدَتي السَّهْو ".
٢٤٤ - (حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور قَالَ حَدثنَا روح قَالَ حَدثنَا عمر هُوَ ابْن سعيد. قَالَ أَخْبرنِي ابْن أبي مليكَة عَن عقبَة بن الْحَارِث ﵁. قَالَ صليت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - الْعَصْر فَلَمَّا سلم قَامَ سَرِيعا فَدخل على بعض نِسَائِهِ ثمَّ خرج وَرَأى مَا فِي وُجُوه الْقَوْم من تعجبهم لسرعته فَقَالَ ذكرت وَأَنا فِي الصَّلَاة تبرا عندنَا فَكرِهت أَن يُمْسِي أَو يبيت عندنَا فَأمرت بقسمته) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " ذكرت وَأَنا فِي الصَّلَاة تبرا عندنَا " وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ َ - تفكر فِي أَمر ذَاك التبر وَهُوَ فِي الصَّلَاة وَمَعَ هَذَا لم يعد الصَّلَاة وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي بَاب من صلى بِالنَّاسِ فَذكر حَاجَة فتخطاهم رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن عبيد عَن عِيسَى بن يُونُس عَن عمر بن سعيد إِلَى آخِره وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء مُسْتَوْفِي. وروح بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة مر فِي بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من كتاب الْإِيمَان وَعمر بن سعيد هُوَ ابْن أبي حُسَيْن الْمَكِّيّ وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن أبي مليكَة مصغر الملكة وَعقبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف ابْن الْحَارِث مر فِي بَاب الرحلة فِي الْمَسْأَلَة النَّازِلَة وَفِي الْبَاب الْمَذْكُور.
٢٤٥ - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن جَعْفَر عَن الْأَعْرَج قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا أذن بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان لَهُ ضراط حَتَّى لَا يسمع التأذين فَإِذا سكت الْمُؤَذّن أقبل فَإِذا ثوب أدبر فَإِذا سكت أقبل فَلَا يزَال بالمريء يَقُول لَهُ أذكر مَا لم يكن يذكر حَتَّى لَا يدْرِي كم صلى قَالَ أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن إِذا فعل ذَلِك أحدكُم فليسجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعد وسَمعه أَبُو سَلمَة من أبي هُرَيْرَة ﵁ مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَلَا يزَال بالمريء يَقُول لَهُ أذكر مَا لم يكن يذكر حَتَّى لَا يدْرِي كم صلى " وَهَذَا يتفكر أَشْيَاء حَتَّى لَا يعلم كم رَكْعَة صلاهَا وَهَذَا لَا يقْدَح فِي صِحَة الصَّلَاة مَا لم يتْرك شَيْئا من أَرْكَانهَا وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي بَاب فضل التأذين رَوَاهُ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة إِلَى آخِره وَلَيْسَ فِيهِ قَالَ أَبُو سَلمَة إِلَى آخِره. وجعفر هُوَ ابْن ربيعَة الْمصْرِيّ والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز قَوْله " قَالَ أَبُو سَلمَة " إِلَى آخِره تَعْلِيق وطرف من حَدِيث أخرجه فِي الْبَاب السَّادِس من الْأَبْوَاب الَّتِي عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور وَفِي الْبَاب السَّابِع أَيْضا على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلَا يظنّ ظان أَن هَذِه الزِّيَادَة من رِوَايَة جَعْفَر بن ربيعَة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور وَلَكِن من رِوَايَة يحيى بن كثير عَن أبي سَلمَة وَرِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنهُ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا وستقف عَلَيْهِ فِي الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٢٤٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى قَالَ حَدثنَا عُثْمَان بن عمر قَالَ أَخْبرنِي ابْن أبي ذِئْب
стр. 2169
عَن سعيد المَقْبُري قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ يَقُول النَّاس أَكثر أَبُو هُرَيْرَة فَلَقِيت رجلا فَقلت بِمَا قَرَأَ رَسُول الله ﷺ َ - البارحة فِي الْعَتَمَة فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقلت ألم تشهدها قَالَ بلَى قلت لَكِن أَنا أَدْرِي قَرَأَ سُورَة كَذَا وَكَذَا) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن ذَلِك الرجل كَانَ متفكرا فِي الصَّلَاة بفكر دُنْيَوِيّ حَتَّى لم يضْبط مَا قَرَأَهُ رَسُول الله ﷺ َ - فِيهَا وَيجوز أَن يكون من حَيْثُ أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ متفكرا بِأَمْر الصَّلَاة حَتَّى ضبط مَا قَرَأَهُ رَسُول الله ﷺ َ -. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مُحَمَّد بن الْمثنى بن عبيد أَبُو مُوسَى الْمَعْرُوف بالزمن. الثَّانِي عُثْمَان بن عمر بن فَارس الْعَبْدي. الثَّالِث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أبي ذِئْب. الرَّابِع سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري وَقد تكَرر ذكره. الْخَامِس أَبُو هُرَيْرَة. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَفِيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان وَابْن أبي ذِئْب وَسَعِيد مدنيان وَفِيه قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي هُرَيْرَة وَفِيه أَن هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " يَقُول النَّاس أَكثر أَبُو هُرَيْرَة " أَي من الرِّوَايَة عَن النَّبِي ﷺ َ - وروى الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل من طَرِيق أبي مُصعب عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن دِينَار عَن ابْن أبي ذِئْب بِلَفْظ " أَن النَّاس قَالُوا قد أَكثر أَبُو هُرَيْرَة من الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ َ - وَإِنِّي كنت ألزمهُ لشبع بَطْني فَلَقِيت رجلا فَقلت لَهُ بِأَيّ سُورَة " فَذكر الحَدِيث وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن أبي فديك عَن ابْن أبي ذِئْب فِي أول هَذَا الحَدِيث " حفظت من رَسُول الله ﷺ َ - وعاءين " الحَدِيث " وَفِيه أَن النَّاس قَالُوا أَكثر أَبُو هُرَيْرَة " فَذكره وَتقدم فِي الْعلم من طَرِيق الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة " أَن النَّاس يَقُولُونَ أَكثر أَبُو هُرَيْرَة وَالله لَوْلَا آيتان فِي كتاب الله مَا حدثت " وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِل الْبيُوع من طَرِيق سعيد ابْن الْمسيب وَأبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ " إِنَّكُم تَقولُونَ أَن أَبَا هُرَيْرَة أَكثر " الحَدِيث قَوْله " بِمَ " بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة بِغَيْر ألف لأبي ذَر وَهُوَ الْمَعْرُوف وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين " بِمَا " بِإِثْبَات الْألف وَهُوَ قَلِيل قَوْله " البارحة " نصب على الظّرْف وَهِي اللَّيْلَة الْمَاضِيَة قَوْله " فِي الْعَتَمَة " وَهِي الْعشَاء الْآخِرَة قَوْله " ألم تشهد " بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام ويروى " لم تشهد " بِدُونِ الْهمزَة (وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ) إتقان أبي هُرَيْرَة وَشدَّة ضَبطه وَفِيه إكثار أبي هُرَيْرَة وَهُوَ لَيْسَ بِعَيْب إِذا لم يخْش مِنْهُ قلَّة الضَّبْط وَمن النَّاس من لَا يكثر وَلَا يضْبط مثل هَذَا الرجل لم يحفظ مَا قَرَأَهُ رَسُول الله ﷺ َ - فِي الْعَتَمَة وَفِيه مَا يدل على أَنه قد يجوز أَن يَنْفِي الشَّيْء عَمَّن لم يحكمه لِأَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ للرجل ألم تشهدها يُرِيد شُهُودًا تَاما فَقَالَ الرجل بلَى شهدتها كَمَا يُقَال للصانع إِذا لم يحسن صَنعته مَا صنعت شَيْئا يُرِيدُونَ الإتقان وللمتكلم مَا قلت شَيْئا إِذا لم يعلم مَا يَقُول
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
(بَاب مَا جَاءَ فِي السَّهْو إِذا قَامَ من رَكْعَتي الْفَرِيضَة)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي أَمر السَّهْو الْوَاقِع فِي الصَّلَاة إِذا قَامَ الْمُصَلِّي من رَكْعَتي الْفَرِيضَة وَلم يجلس عقبيهما وَهَذَا بَيَانه إِذا وَقع وَحكمه فِي حَدِيث الْبَاب. والسهو الْغَفْلَة عَن الشَّيْء وَذَهَاب الْقلب إِلَى غَيره وَقَالَ بَعضهم وَفرق بَعضهم بَين السَّهْو وَالنِّسْيَان وَلَيْسَ بِشَيْء (قلت) هَذَا الَّذِي قَالَه لَيْسَ بِشَيْء بل بَينهمَا فرق دَقِيق وَهُوَ أَن السَّهْو أَن يَنْعَدِم لَهُ شُعُور وَالنِّسْيَان لَهُ فِيهِ شُعُور ثمَّ اعْلَم أَن لَفْظَة بَاب سَاقِطَة فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والأصيلي وَأبي الْوَقْت " من رَكْعَتي الْفَرْض "
٢٤٧ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَن عبد الله بن بُحَيْنَة ﵁ أَنه قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ َ - قَامَ من اثْنَتَيْنِ من الظّهْر لم يجلس بَينهمَا فَلَمَّا قضى صلَاته سجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم بعد ذَلِك)
стр. 2170
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " قَامَ من اثْنَتَيْنِ من الظّهْر " وَهُوَ معنى قَوْله فِي التَّرْجَمَة إِذا قَامَ من رَكْعَتي الْفَرِيضَة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة ذكرُوا غير مرّة وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن هُرْمُز الْأَعْرَج وَوَقع كَذَا عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَفِي رِوَايَة غَيرهَا عَن الْأَعْرَج وَلم يَقع اسْمه وبحينة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَفِي آخِره هَاء وَهُوَ اسْم أم عبد الله وَقيل اسْم أم أَبِيه فَيَنْبَغِي أَن يكْتب ابْن بُحَيْنَة بِأَلف وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي بَاب من لم ير التَّشَهُّد الأول وَاجِبا وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَن هَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة (ذكر مَعْنَاهُ وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَحْكَام) قَوْله " قَامَ من اثْنَتَيْنِ " أَي من رَكْعَتَيْنِ من صَلَاة الظّهْر وَفِي مُسْند السراج من حَدِيث ابْن إِسْحَق عَن الزُّهْرِيّ " الظّهْر أَو الْعَصْر " وَمن حَدِيث أبي مُعَاوِيَة عَن يحيى مثله وَمن حَدِيث سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ أَي إِحْدَى صَلَاتي الْعشي قَوْله " لم يجلس بَينهمَا " أَي بَين هَاتين الثِّنْتَيْنِ اللَّتَيْنِ هما الركعتان الأوليان وَبَين الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ قَوْله " فَلَمَّا قضى صلَاته " أَي لما فرغ مِنْهَا قَوْله " بعد ذَلِك " أَي بعد أَن سجد سَجْدَتَيْنِ وهما سجدتا السَّهْو. وَاحْتج قوم بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث أَن سُجُود السَّهْو قبل السَّلَام مُطلقًا فِي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَهُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي وَرُوِيَ ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة وَالزهْرِيّ وَمَكْحُول وَرَبِيعَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ والسائب الْقَارِي وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَزعم أَبُو الْخطاب أَنَّهَا رِوَايَة عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَلَهُم أَحَادِيث أُخْرَى فِي ذَلِك مِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يَقُول " إِذا سَهَا أحدكُم فِي صلَاته " الحَدِيث وَفِيه " فليسجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم " وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي سعيد قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته " الحَدِيث وَفِيه " فليسجد سَجْدَتَيْنِ من قبل أَن يسلم ". وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن عجلَان أَن مُعَاوِيَة سَهَا فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس بعد أَن أتم الصَّلَاة وَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول " من نسي شَيْئا من صلَاته فليسجد مثل هَاتين السَّجْدَتَيْنِ ". وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمخْرج عِنْد السِّتَّة وَفِيه زِيَادَة " فليسجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم ثمَّ ليسلم ". وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته " الحَدِيث وَفِيه " فَإِذا فرغ فَلم يبْق إِلَّا التَّسْلِيم فليسجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس ثمَّ ليسلم ". وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود عَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " إِذا كنت فِي صَلَاة فشككت فِي ثَلَاث أَو أَربع " وَفِيه " وتشهدت ثمَّ سجدت سَجْدَتَيْنِ وَأَنت جَالس قبل أَن تسلم ثمَّ تشهدت أَيْضا ثمَّ تسلم ". وَذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري إِلَى أَن السُّجُود يكون بعد السَّلَام فِي الزِّيَادَة وَالنَّقْص وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص وَابْن مَسْعُود وعمار وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَأنس بن مَالك وَالنَّخَعِيّ وَابْن أبي ليلى وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقد مر فِيمَا مضى وَفِيه " فَأَتمَّ رَسُول الله ﷺ َ - مَا بَقِي من الصَّلَاة ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس بعد التَّسْلِيم ". وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَحَادِيث أُخْرَى. مِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الشّعبِيّ قَالَ " صلى بِنَا الْمُغيرَة بن شُعْبَة فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فسبح بِهِ الْقَوْم وَسبح بهم فَلَمَّا صلى بَقِيَّة صلَاته سلم ثمَّ سجد سَجْدَتي السَّهْو وَهُوَ جَالس ثمَّ حَدثهمْ أَن رَسُول الله ﷺ َ - فعل بهم مثل الَّذِي فعل ". وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن " أَن رَسُول الله ﷺ َ - صلى الْعَصْر فَسلم فِي ثَلَاث رَكْعَات فَقَامَ رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق قد ذكر لَهُ صَنِيعه فَقَالَ أصدق هَذَا قَالُوا نعم فصلى رَكْعَة ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم " وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن صَالح بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ " صليت خلف أنس بن مَالك صَلَاة فَسَهَا فِيهَا فَسجدَ بعد السَّلَام ثمَّ الْتفت إِلَيْنَا وَقَالَ أما إِنِّي لم أصنع إِلَّا كَمَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - يصنع ". وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات " عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ صليت مَعَ عبد الله بن الزبير الْمغرب فَسلم فِي الرَّكْعَتَيْنِ ثمَّ قَامَ يسبح بِهِ الْقَوْم فصلى بهم الرَّكْعَة ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ قَالَ فَأتيت ابْن عَبَّاس من فوري فَأَخْبَرته فَقَالَ لله أَبوك مَا مَاطَ عَن سنة رَسُول الله ﷺ َ - ". وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " من شكّ فِي صلَاته فليسجد سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا يسلم ". وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
стр. 2171
وَابْن مَاجَه وَأحمد فِي مُسْنده وَعبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه من حَدِيث ثَوْبَان عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ " لكل سَهْو سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يسلم " وَبِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث قَتَادَة " عَن أنس فِي الرجل يهم فِي صلَاته لَا يدْرِي أزاد أم نقص قَالَ يسْجد سَجْدَتَيْنِ بعد السَّلَام " (فَإِن قلت) قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة روى عَن الزُّهْرِيّ أَنه ادّعى نسخ السُّجُود بعد السَّلَام وأسنده الشَّافِعِي عَنهُ ثمَّ أكده بِحَدِيث مُعَاوِيَة أَنه ﷺ َ - سجدهما قبل السَّلَام رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه قَالَ وصحبة مُعَاوِيَة مُتَأَخِّرَة (قلت) قَول الزُّهْرِيّ مُنْقَطع وَهُوَ غير حجَّة عِنْدهم وَقَالَ الطرطوشي هَذَا لَا يَصح عَن الزُّهْرِيّ وَفِي إِسْنَاده أَيْضا مطرف بن مَازِن قَالَ يحيى كَذَّاب وَقَالَ النَّسَائِيّ غير ثِقَة وَقَالَ ابْن حبَان لَا تجوز الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا للاعتبار (فَإِن قلت) قَالُوا المُرَاد بِالسَّلَامِ فِي الْأَحَادِيث الَّتِي جَاءَت بِالسُّجُود بعد السَّلَام هُوَ السَّلَام على النَّبِي ﷺ َ - فِي التَّشَهُّد أَو يكون تَأْخِيرهَا على سَبِيل السَّهْو (قلت) هَذَا بعيد جدا مَعَ أَنه معَارض بِمثلِهِ وَهُوَ أَن يُقَال حَدِيثهمْ قبل السَّلَام يكون على سَبِيل السَّهْو وَيحْتَمل حَدِيثهمْ على السَّلَام الْمَعْهُود الَّذِي يخرج بِهِ عَن الصَّلَاة وَهُوَ سَلام التَّحَلُّل وَيبْطل أَيْضا حملهمْ على السَّلَام الَّذِي فِي التشهدان سُجُود السَّهْو لَا يكون إِلَّا بعد التسليمتين اتِّفَاقًا. وَأما الْجَواب عَن أَحَادِيثهم فَنَقُول أما حَدِيث الْبَاب وَهُوَ حَدِيث ابْن بُحَيْنَة فَهُوَ يخبر عَن فعله ﷺ َ - وَفِي أحاديثنا مَا يخبر عَن قَوْله فَالْعَمَل بقوله أولى على أَنه قد تعَارض فعلاه لِأَن فِي أَحَادِيثهم أَنه ﷺ َ - سجد للسَّهْو قبل السَّلَام وَفِي أحاديثنا سجد بعد السَّلَام فَفِي مثل هَذَا الْمصير إِلَى قَوْله أولى وَقد يُقَال أَن سُجُوده بعد السَّلَام إِنَّمَا كَانَ لبَيَان الْجَوَاز قبل السَّلَام لَا لبَيَان الْمسنون وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة وَللشَّافِعِيّ قَول آخر أَنه يتَخَيَّر إِن شَاءَ قبل السَّلَام وَإِن شَاءَ بعده وَالْخلاف عندنَا فِي الْأَجْزَاء وَقيل فِي الْأَفْضَل وَادّعى الْمَاوَرْدِيّ اتِّفَاق الْفُقَهَاء يَعْنِي جَمِيع الْعلمَاء عَلَيْهِ وَقَالَ صَاحب الذَّخِيرَة للحنفية لَو سجد قبل السَّلَام جَازَ عندنَا قَالَ الْقَدُورِيّ هَذَا فِي رِوَايَة الْأُصُول قَالَ وروى عَنْهُم أَنه لَا يجوز لِأَنَّهُ أَدَّاهُ قبل وقته وَوجه رِوَايَة الْأُصُول أَنه فعل حصل فِي مُجْتَهد فِيهِ فَلَا يحكم بفساده وَهَذَا لَو أمرناه بِالْإِعَادَةِ يتَكَرَّر عَلَيْهِ السُّجُود وَلم يقل بِهِ أحد من الْعلمَاء وَذكر صَاحب الْهِدَايَة أَن هَذَا الْخلاف فِي الْأَوْلَوِيَّة وَذكر ابْن عبد الْبر كلهم يَقُولُونَ لَو سجد قبل السَّلَام فِيمَا يجب السُّجُود بعده أَو بعده فِيمَا يجب قبله لَا يضر وَهُوَ مُوَافق لنقل الْمَاوَرْدِيّ الْمَذْكُور آنِفا وَقَالَ الْحَازِمِي طَرِيق الْإِنْصَاف أَن نقُول أما حَدِيث الزُّهْرِيّ الَّذِي فِيهِ دلَالَة على النّسخ فَفِيهِ انْقِطَاع فَلَا يَقع مُعَارضا للأحاديث الثَّابِتَة وَأما بَقِيَّة الْأَحَادِيث فِي السُّجُود قبل السَّلَام وَبعده قولا وفعلا فَهِيَ وَإِن كَانَت ثَابِتَة صَحِيحَة فَفِيهَا نوع من تعَارض غير أَن تَقْدِيم بَعْضهَا على بعض غير مَعْلُوم رِوَايَة صَحِيحَة مَوْصُولَة وَالْأَشْبَه حمل الْأَحَادِيث على التَّوَسُّع وَجَوَاز الْأَمريْنِ انْتهى. وَأما حَدِيث أبي سعيد فَإِن مُسلما أخرجه مُنْفَردا بِهِ وَرَوَاهُ مَالك مُرْسلا (فَإِن قلت) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ القَوْل لمن وَصله (قلت) قَالَ الْبَيْهَقِيّ الأَصْل الْإِرْسَال. وَأما حَدِيث مُعَاوِيَة فَإِن النَّسَائِيّ أخرجه من حَدِيث ابْن عجلَان عَن مُحَمَّد بن يُوسُف مولى عُثْمَان عَن أَبِيه عَنهُ ثمَّ قَالَ ويوسف لَيْسَ بِمَشْهُور. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَهُوَ مَنْسُوخ. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ من حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن مَكْحُول عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس وَرَوَاهُ أَبُو عَليّ الطوسي فِي الْأَحْكَام عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا ابْن علية حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق حَدثنِي مَكْحُول أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ فَذكره وَقَالَ الدراقطني رَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن إِسْحَق عَن مَكْحُول مُرْسلا وَرَوَاهُ ابْن علية وَعبد الله بن نمير والمحاربي عَن ابْن إِسْحَق عَن مَكْحُول مُرْسلا وَوَصله يرجع إِلَى حُسَيْن بن عبد الله وَإِسْمَاعِيل بن مُسلم وَكِلَاهُمَا ضعيفان. وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَإِن أَبَا عُبَيْدَة رَوَاهُ عَن أَبِيه وَلم يسمع مِنْهُ وَبقيت هُنَا أَحْكَام أُخْرَى. الأول أَن فِي مَحل سَجْدَتي السَّهْو خَمْسَة أَقْوَال الْقَوْلَانِ للحنفية وَالشَّافِعِيَّة ذكرناهما. وَالثَّالِث مَذْهَب الْمَالِكِيَّة فَإِن عِنْدهم إِن كَانَ للنقصان فَقبل السَّلَام وَإِن كَانَ للزِّيَادَة فَبعد السَّلَام وَهُوَ قَول للشَّافِعِيّ. وَالرَّابِع مَذْهَب الْحَنَابِلَة أَنه يسْجد قبل السَّلَام فِي الْمَوَاضِع الَّتِي سجد فِيهَا رَسُول الله ﷺ َ - وَبعد السَّلَام فِي الْمَوَاضِع الَّتِي سجد فِيهَا بعد السَّلَام وَمَا كَانَ من السُّجُود فِي غير تِلْكَ الْمَوَاضِع يسْجد لَهُ أبدا قبل السَّلَام. وَالْخَامِس مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة أَنه لَا يسْجد للسَّهْو إِلَّا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي سجد فِيهَا رَسُول الله ﷺ َ - فَقَط وَغير ذَلِك إِن كَانَ فرضا أَتَى بِهِ وَإِن كَانَ ندبا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء. والمواضع الَّتِي سجد فِيهَا رَسُول الله ﷺ َ - خَمْسَة. أَحدهَا قَامَ من ثِنْتَيْنِ على مَا جَاءَ بِهِ فِي حَدِيث
стр. 2172
ابْن بُحَيْنَة. وَالثَّانِي سلم من ثِنْتَيْنِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ. وَالثَّالِث سلم من ثَلَاث كَمَا جَاءَ بِهِ فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن. وَالرَّابِع أَنه صلى خمْسا كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَالْخَامِس السُّجُود على الشَّك كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الحكم الثَّانِي أَن فِي الحَدِيث دلَالَة على سنية التَّشَهُّد الأول وَالْجُلُوس لَهُ إِذْ لَو كَانَا واجبين لما جبرا بِالسُّجُود كالركوع وَغَيره وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حنيفَة كَذَا نَقله صَاحب التَّوْضِيح عَن أبي حنيفَة فَإِن كَانَ مُرَاده من السّنة السّنة الْمُؤَكّدَة يَصح النَّقْل عَنهُ لِأَن السّنة الْمُؤَكّدَة فِي قُوَّة الْوَاجِب وَفِي الْمُحِيط قَالَ الْكَرْخِي والطَّحَاوِي وَبَعض الْمُتَأَخِّرين الْقعدَة الأولى وَاجِبَة وَقِرَاءَة التَّشَهُّد فِيهَا سنة عِنْد بعض الْمَشَايِخ وَهُوَ الأقيس وَعند بَعضهم وَاجِبَة وَهُوَ الْأَصَح وَقِرَاءَة التَّشَهُّد فِي الْقعدَة الْأَخِيرَة وَاجِبَة بالِاتِّفَاقِ الحكم الثَّالِث فِي أَن التَّكْبِير مَشْرُوع لسجود السَّهْو بِالْإِجْمَاع وَفِي التَّوْضِيح مَذْهَبنَا أَن تَكْبِير الصَّلَوَات كلهَا سنة غير تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فَهُوَ ركن وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَأَبُو حنيفَة يُسمى تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَاجِبَة وَفِي رِوَايَة عَن أَحْمد والظاهرية أَن كلهَا وَاجِبَة (قلت) مَذْهَب أبي حنيفَة أَن تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فرض وَنحن نفرق بَين الْفَرْض وَالْوَاجِب وَلكنه شَرط أَو ركن فعندنا شَرط وَعند الشَّافِعِي ركن كَمَا عرف فِي مَوْضِعه الحكم الرَّابِع فِي أَنه هَل يتَشَهَّد فِي سُجُود السَّهْو أم لَا فعندنا يتَشَهَّد وَعند الشَّافِعِي فِي الصَّحِيح لَا يتَشَهَّد كَمَا فِي سُجُود التِّلَاوَة والجنازة وَقَالَ ابْن قدامَة إِن كَانَ قبل السَّلَام يسلم عقيب التَّكْبِير وَإِن كَانَ بعده يتَشَهَّد وَيسلم قَالَ وَبِه قَالَ ابْن مَسْعُود وَقَتَادَة وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم وَحَمَّاد وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَعَن النَّخعِيّ يتَشَهَّد وَلَا يسلم وَعَن أنس وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَعَطَاء لَيْسَ فيهمَا تشهد وَلَا تَسْلِيم وَعَن سعد بن أبي وَقاص وعمار وَابْن أبي ليلى وَابْن سِيرِين وَابْن الْمُنْذر فيهمَا تَسْلِيم بِغَيْر تشهد وَقَالَ ابْن الْمُنْذر التَّسْلِيم فيهمَا ثَابت من غير وَجه وَفِي ثُبُوت التَّشَهُّد عَنهُ نظر وَقَالَ أَبُو عمر لَا أحفظه مَرْفُوعا من وَجه صَحِيح وَعَن عَطاء إِن شَاءَ يتَشَهَّد وَيسلم وَإِن شَاءَ لم يفعل (قلت) عندنَا يسلم ثِنْتَيْنِ وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأحمد وَيسلم عَن يَمِينه وشماله وَفِي الْمُحِيط يَنْبَغِي أَن يسلم وَاحِدَة عَن يَمِينه وَهُوَ قَول الْكَرْخِي وَبِه قَالَ النَّخعِيّ كالجنازة وَفِي الْبَدَائِع يسلم تِلْقَاء وَجهه فِي صفة السَّلَام فهما رِوَايَتَانِ عَن مَالك الحكم الْخَامِس فِي أَنه لَا يتَكَرَّر السُّجُود فَإِنَّهُ ﷺ َ - لما ترك التَّشَهُّد الأول وَالْجُلُوس لَهُ اكْتفى بسجدتين وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم وَعَن الْأَوْزَاعِيّ إِذا سَهَا عَن شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين يُكَرر وَيسْجد أَرْبعا وَقَالَ ابْن أبي ليلى يتَكَرَّر السُّجُود بِتَكَرُّر السَّهْو وَقَالَ ابْن أبي حَازِم وَعبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة إِذا كَانَ عَلَيْهِ سهوان فِي صَلَاة وَاحِدَة مِنْهُ مَا يسْجد لَهُ قبل السَّلَام وَمِنْه مَا يسْجد لَهُ بعد السَّلَام فليفعلهما الحكم السَّادِس فِي أَن سُجُود السَّهْو فِي التَّطَوُّع كالفرض سَوَاء وَقَالَ ابْن سِيرِين وَقَتَادَة لَا سُجُود فِي التَّطَوُّع وَهُوَ قَول غَرِيب ضَعِيف للشَّافِعِيّ الحكم السَّابِع فِي أَن مُتَابعَة الإِمَام عِنْد الْقيام من هَذَا الْجُلُوس وَاجِبَة أم لَا فَذكر فِي التَّوْضِيح أَنَّهَا وَاجِبَة وَقد وَقع كَذَلِك فِي الحَدِيث وَيجوز أَن يَكُونُوا علمُوا حكم هَذِه الْحَادِثَة أَو لم يعلمُوا فَسَبحُوا فَأَشَارَ إِلَيْهِم أَن يقومُوا نعم اخْتلفُوا فِيمَن قَامَ من اثْنَتَيْنِ سَاهِيا هَل يرجع إِلَى الْجُلُوس فَقَالَت طَائِفَة بِهَذَا الحَدِيث أَن من استتم قَائِما واستقل من الأَرْض فَلَا يرجع وليمض فِي صلَاته وَإِن لم يستو قَائِما جلس وروى ذَلِك عَن عَلْقَمَة وَقَتَادَة وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة وَالشَّافِعِيّ وَقَالَت طَائِفَة إِذا فَارَقت إليته الأَرْض وَإِن لم يعتدل فَلَا يرجع ويتمادى وَيسْجد قبل السَّلَام رَوَاهُ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك فِي الْمَجْمُوعَة وَقَالَت طَائِفَة يقْعد وَإِن كَانَ استتم قَائِما رُوِيَ ذَلِك عَن النُّعْمَان بن بشير وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ إِلَّا أَن النَّخعِيّ قَالَ يجلس مَا لم يستتم الْقِرَاءَة وَقَالَ الْحسن مَا لم يرْكَع وَقد روى عَن
стр. 2173
عمر وَابْن مَسْعُود وَمُعَاوِيَة وَسَعِيد والمغيرة بن شُعْبَة وَعقبَة بن عَامر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَنهم قَامُوا من اثْنَتَيْنِ فَلَمَّا ذكرُوا بعد الْقيام لم يجلسوا وَقَالُوا أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يفعل ذَلِك وَفِي قَول أَكثر الْعلمَاء أَن من رَجَعَ إِلَى الْجُلُوس بعد قِيَامه من ثِنْتَيْنِ أَنه لَا تفْسد صلَاته إِلَّا مَا ذكر ابْن أبي زيد عَن سَحْنُون أَنه قَالَ أفسد الصَّلَاة رُجُوعه وَالصَّوَاب قَول الْجَمَاعَة الحكم الثَّامِن فِيمَن سَهَا فِي سَجْدَتي السَّهْو لَا سَهْو عَلَيْهِ قَالَه النَّخعِيّ وَالْحكم وَحَمَّاد والمغيرة وَابْن أبي ليلى وَالْحسن الحكم التَّاسِع أَن سُجُود السَّهْو وَاجِب عِنْد أبي حنيفَة لوُجُود الْأَمر بِهِ فِي غير حَدِيث لقَوْله ﷺ َ - فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمُتَّفق عَلَيْهِ " فَإِذا وجد ذَلِك أحدكُم فليسجد سَجْدَتَيْنِ " وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَن سُجُود السَّهْو سنة يجوز تَركه والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ وَقَالَ ابْن شبْرمَة فِي رجل نسي سَجْدَتي السَّهْو حَتَّى يخرج من الْمَسْجِد قَالَ يُعِيد الصَّلَاة (فَإِن قلت) روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ َ - لم يسْجد يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ (قلت) فِي إِسْنَاده عبد الله بن عمر الْعمريّ وَهُوَ مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَئِن سلمنَا صِحَّته فَإِنَّهُ لَا يُقَاوم حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَافْهَم
٢٤٨ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك بن أنس عَن ابْن شهَاب عَن عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَن عبد الله بن بُحَيْنَة ﵁ أَنه قَالَ صلى لنا رَسُول الله ﷺ َ - رَكْعَتَيْنِ من بعض الصَّلَوَات ثمَّ قَامَ فَلم يجلس فَنَامَ النَّاس مَعَه فَلَمَّا قضى صلَاته ونظرنا تَسْلِيمه كبر قبل التَّسْلِيم فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس ثمَّ سلم) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " صلى لنا رَسُول الله ﷺ َ - رَكْعَتَيْنِ من بعض الصَّلَوَات ثمَّ قَامَ " وَهَذَا الحَدِيث نَحْو الحَدِيث الأول غير أَن مَالِكًا يروي عَن يحيى بن سعيد فِيهِ وَهَهُنَا يروي عَن ابْن شهَاب وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَفِيه زِيَادَة وَفِي أَكثر النّسخ هَذَا الحَدِيث مَذْكُور قبل الحَدِيث الأول قَوْله " من بعض الصَّلَوَات " بَين ذَلِك فِي الحَدِيث السَّابِق أَنَّهَا صَلَاة الظّهْر قَوْله " ثمَّ قَامَ " أَي إِلَى الثَّالِثَة وَزَاد الضَّحَّاك بن عُثْمَان عَن الْأَعْرَج " فَسَبحُوا بِهِ فَمضى حَتَّى فرغ من صلَاته " أخرجه ابْن خُزَيْمَة قَوْله " فَلَمَّا قضى صلَاته " أَي لما فرغ مِنْهَا وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْقَضَاء الَّذِي يُقَابل الْأَدَاء قَوْله " ونظرنا تَسْلِيمه " أَي انتظرنا وَفِي رِوَايَة شُعَيْب " وانتظر النَّاس تَسْلِيمه " قَوْله " وَهُوَ جَالس " جملَة اسمية وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي " فَسجدَ " قَوْله " ثمَّ سلم " زَاد فِي رِوَايَة يحيى بن سعيد " ثمَّ سلم بعد ذَلِك " وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة اللَّيْث " وسجدهما النَّاس مَعَه مَكَان مَا نسي من الْجُلُوس " (وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَشْيَاء) الأول فِي قَوْله " فَلَمَّا قضى صلَاته " دلَالَة على أَن السَّلَام لَيْسَ من الصَّلَاة حَتَّى لَو أحدث بعد أَن جلس وَقبل أَن يسلم تمت صلَاته وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَقَالَ بَعضهم وَتعقب بِأَن السَّلَام لما كَانَ للتحليل من الصَّلَاة كَانَ الْمُصَلِّي إِذا انْتهى إِلَيْهِ كمن فرغ من صلَاته وَيدل على ذَلِك قَوْله فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من طَرِيق جمَاعَة من الثِّقَات عَن يحيى بن سعيد عَن الْأَعْرَج " حَتَّى إِذا فرغ من الصَّلَاة إِلَّا أَن يسلم " فَدلَّ أَن بعض الروَاة حذف الِاسْتِثْنَاء لوضوحه وَالزِّيَادَة من الْحَافِظ مَقْبُولَة انْتهى (قلت) أَصْحَابنَا مَا اكتفوا بِهَذَا فِي عدم فَرضِيَّة السَّلَام حَتَّى يذكر هَذَا الْقَائِل التعقب بل احْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث " عبد الله بن مَسْعُود أَن نَبِي الله ﷺ َ - أَخذ بِيَدِهِ فَعلمه التَّشَهُّد " وَفِي آخِره " إِذا قلت هَذَا أَو قضيت هَذَا فقد قضيت صَلَاتك إِن شِئْت أَن تقوم وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأحمد فِي مُسْنده وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَإِسْحَاق فِي مُسْنده وَهَذَا يُنَافِي فَرضِيَّة السَّلَام فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ ﷺ َ - خير الْمُصَلِّي بعد الْقعُود بقوله " إِن شِئْت " أَي آخِره وهم تمسكوا بقوله ﷺ َ - " تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم " وَمَعْنَاهُ لَا يخرج من الصَّلَاة إِلَّا بِهِ وَنحن نمْنَع إِثْبَات الْفَرْضِيَّة بِخَبَر الْوَاحِد على أَن مدَار هَذَا الحَدِيث على عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل وعَلى أبي سُفْيَان من طَرِيق ابْن شهَاب وَكِلَاهُمَا ضعيفان وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل أَنه يجوز للراوي حذف شَيْء من الحَدِيث لوضوحه وَكَيف يجوز التَّصَرُّف فِي كَلَام النَّبِي ﷺ َ - بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان وَلَا سِيمَا فِي بَاب الْأَحْكَام
стр. 2174
الثَّانِي فِيهِ الدّلَالَة على مَشْرُوعِيَّة سَجْدَتي السَّهْو وَأَن الْمَشْرُوع سَجْدَتَانِ فَلَو اقْتصر على سَجْدَة وَاحِدَة سَاهِيا أَو عَامِدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء وَذكر بَعضهم أَنه لَو تَركهَا عَامِدًا بطلت صلَاته لِأَنَّهُ تعمد الْإِتْيَان بِسَجْدَة زَائِدَة لَيست مَشْرُوعَة (قلت) كَيفَ تبطل الصَّلَاة إِذا زَاد فِيهَا شَيْئا من جِنْسهَا الثَّالِث فِيهِ أَن سَجْدَتي السَّهْو قبل السَّلَام وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ مَعَ حججه فِيمَا مضى. الرَّابِع فِيهِ أَن الْمَأْمُوم يسْجد مَعَ الإِمَام سَجْدَتي السَّهْو إِذا سَهَا الإِمَام وَإِن سَهَا الْمَأْمُوم لم يلْزمه وَلَا الإِمَام وَفِي مَبْسُوط أبي الْيُسْر وَيسْجد الْمَسْبُوق مَعَ الإِمَام للسَّهْو سَوَاء أدْركهُ فِي الْقعدَة أَو فِي وسط الصَّلَاة الْخَامِس فِيهِ أَن السَّهْو وَالنِّسْيَان جائزان على الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وأزكى السَّلَام فِيمَا طَرِيقه التشريع. السَّادِس فِيهِ أَن مَحل سَجْدَتي السَّهْو آخر الصَّلَاة.
(بَاب إِذا صلى خمْسا)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا صلى الْمُصَلِّي الرّبَاعِيّة خمس رَكْعَات وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى التَّفْرِقَة بَين مَا إِذا كَانَ السَّهْو بِالنُّقْصَانِ وَبَين مَا إِذا كَانَ بِالزِّيَادَةِ فَفِي الْبَاب الأول كَانَ السُّجُود قبل السَّلَام وَفِي هَذَا بعد السَّلَام وَإِلَى التَّفْرِقَة ذهب مَالك كَمَا ذَكرْنَاهُ.
٢٤٩ - (حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن الحكم عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - صلى الظّهْر خمْسا فَقيل لَهُ أَزِيد فِي الصَّلَاة فَقَالَ وَمَا ذَاك قَالَ صليت خمْسا فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سلم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمضى هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه فِي بَاب مَا جَاءَ فِي الْقبْلَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن شُعْبَة عَن الحكم إِلَى آخِره وَهنا عَن أبي الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن الحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتيبة عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة بن قيس عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ والتفاوت بَينهمَا يسير سندا ومتنا فَاعْتبر ذَلِك بِالنّظرِ وَأخرجه أَيْضا فِي بَاب التَّوَجُّه نَحْو الْقبْلَة بأطول مِنْهُ عَن عُثْمَان عَن جرير عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة قَالَ قَالَ عبد الله صلى النَّبِي ﷺ َ - إِلَى آخِره وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَن حَدِيث عُثْمَان أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَحَدِيث أبي الْوَلِيد أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. فَلفظ مُسلم " أَن النَّبِي ﷺ َ - صلى الظّهْر خمْسا فَلَمَّا سلم قيل أَزِيد فِي الصَّلَاة قَالَ وَمَا ذَاك قَالُوا صليت خمْسا فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ لَهُ " صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ َ - خمْسا فَقُلْنَا يَا رَسُول الله أَزِيد فِي الصَّلَاة قَالَ وَمَا ذَاك قَالُوا صليت خمْسا قَالَ إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ أذكر كَمَا تذكرُونَ وأنسى كَمَا تنسون ثمَّ سجد سَجْدَتي السَّهْو " وَفِي لفظ لَهُ " صلى رَسُول الله ﷺ َ - فَزَاد أَو نقص قَالَ إِبْرَاهِيم وَالوهم مني فَقيل يَا رَسُول الله أَزِيد فِي الصَّلَاة شَيْء فَقَالَ إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسي أحدكُم فليسجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس ثمَّ تحول رَسُول الله ﷺ َ - فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ لَهُ " أَن النَّبِي ﷺ َ - سجد سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام وَالْكَلَام " وَفِي لفظ لَهُ " قَالَ صلينَا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فإمَّا زَاد أَو نقص قَالَ إِبْرَاهِيم وأيم الله مَا جَاءَ ذَاك إِلَّا من قبلي قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله أحدث فِي الصَّلَاة شَيْء قَالَ لَا قَالَ قُلْنَا لَهُ الَّذِي صنع فَقَالَ إِذا زَاد الرجل أَو نقص فليسجد سَجْدَتَيْنِ قَالَ ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ أبي دَاوُد قَالَ " صلى رَسُول الله ﷺ َ - الظّهْر خمْسا " وَالْبَاقِي نَحْو لفظ البُخَارِيّ وَفِي لفظ لَهُ " قَالَ عبد الله صلى رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ إِبْرَاهِيم فَلَا أَدْرِي أزاد أم نقص فَلَمَّا سلم قيل يَا رَسُول الله أحدث فِي الصَّلَاة شَيْء قَالَ وَمَا ذَاك قَالُوا صليت كَذَا وَكَذَا قَالَ فَثنى رجلَيْهِ واستقبل الْقبْلَة فَسجدَ بهم سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم فَلَمَّا انْفَتَلَ أقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ أَنه لَو أحدث فِي الصَّلَاة شَيْء أنبأتكم بِهِ وَلَكِن إِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسيت فذكروني وَإِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فليتحر الصَّوَاب فليتم عَلَيْهِ ثمَّ ليسلم ثمَّ ليسجد سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ لَهُ " فَإِذا نسي أحدكُم فليسجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ تحول فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ لَهُ " قَالَ عبد الله صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ َ - خمْسا فَلَمَّا انْفَتَلَ توشوش الْقَوْم بَينهم فَقَالَ
стр. 2175
مَا شَأْنكُمْ قَالُوا يَا رَسُول الله هَل زيد فِي الصَّلَاة قَالَ لَا قَالُوا فَإنَّك قد صليت خمْسا فَانْفَتَلَ فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ قَالَ إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ أنسى كَمَا تنسون " وَلَفظ التِّرْمِذِيّ " أَن النَّبِي ﷺ َ - صلى الظّهْر خمْسا فَقيل لَهُ أَزِيد فِي الصَّلَاة فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سلم " وَفِي لفظ لَهُ " سجد سَجْدَتَيْنِ بعد الْكَلَام " وَلَفظ النَّسَائِيّ " قَالَ عبد الله صلى رَسُول الله ﷺ َ - فَزَاد أَو نقص فَقيل يَا رَسُول الله هَل حدث فِي الصَّلَاة شَيْء قَالَ لَو حدث فِي الصَّلَاة شَيْء أنبأتكموه وَلَكِنِّي إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ أنسى كَمَا تنسون فَأَيكُمْ مَا شكّ فِي صلَاته فَلْينْظر أَحْرَى ذَلِك إِلَى الصَّوَاب فليتم عَلَيْهِ ثمَّ ليسلم وَيسْجد سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ لَهُ " صلى رَسُول الله ﷺ َ - فَزَاد فِيهَا أَو نقص فَلَمَّا سلم قُلْنَا يَا نَبِي الله هَل حدث فِي الصَّلَاة شَيْء قَالَ وَمَا ذَاك قَالَ فَذَكرنَا لَهُ الَّذِي فعل فَثنى رجله فَاسْتقْبل الْقبْلَة فَسجدَ سَجْدَتي السَّهْو ثمَّ أقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ لَو حدث فِي الصَّلَاة شَيْء لأنبأتكم بِهِ ثمَّ قَالَ إِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَأَيكُمْ أنسى فِي صلَاته شَيْئا فليتحر الَّذِي يرى أَنه هُوَ صَوَاب ثمَّ يسلم ثمَّ يسْجد سَجْدَتي السَّهْو " وَفِي لفظ لَهُ " إِذا أوهم أحدكُم فِي صلَاته فليتحر أقرب ذَلِك من الصَّوَاب ثمَّ ليتم عَلَيْهِ ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ " وَلَفظ ابْن مَاجَه " قَالَ عبد الله صلى رَسُول الله ﷺ َ - صَلَاة لَا نَدْرِي أزاد أَو نقص فَسَأَلَ فحدثاه فَثنى رجله واستقبل الصَّلَاة وَسجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ أقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ لَو حدث فِي الصَّلَاة شَيْء لأنبأتكموه وَإِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسيت فذكروني وَأَيكُمْ مَا شكّ فِي الصَّلَاة فليتحر أقرب ذَلِك من الصَّوَاب فَيتم عَلَيْهِ وَيسْجد سَجْدَتَيْنِ " وَقد استقصينا الْكَلَام فِي هَذَا فِي بَاب التَّوَجُّه نَحْو الْقبْلَة (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " صلى الظّهْر خمْسا " أَي خمس رَكْعَات فَهُنَا جزم بِأَن الَّذِي صلى كَانَ خمْسا وَقد مر فِي بَاب التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة فِي رِوَايَة مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم وَفِيه قَالَ إِبْرَاهِيم لَا أَدْرِي زَاد أَو نقص قَوْله " قيل لَهُ " أَي لرَسُول الله ﷺ َ - قَوْله أَزِيد الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار قَوْله " وَمَا ذَاك " أَي وَمَا سؤالكم عَن الزِّيَادَة فِي الصَّلَاة قَوْله " فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ " أَي للسَّهْو قَوْله " بَعْدَمَا سلم " كلمة مَا مَصْدَرِيَّة أَي بعد سَلام الصَّلَاة (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) هَذَا الحَدِيث حجَّة لأبي حنيفَة وَأَصْحَابه أَن سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام وَإِن كَانَت للزِّيَادَة وَقَالَ بَعضهم وَتعقب بِأَنَّهُ لم يعلم بِزِيَادَة الرَّكْعَة إِلَّا بعد السَّلَام حِين سَأَلُوهُ هَل زيد فِي الصَّلَاة وَقد اتّفق الْعلمَاء فِي هَذِه الصُّورَة على أَن سُجُود السَّهْو بعد السَّلَام لتعذره قبله لعدم علمه بالسهو ورد بِأَنَّهُ وَقع فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود هَذَا فِي لفظ مُسلم فِي الزِّيَادَة أَنه أَمر بالإتمام وَالسَّلَام ثمَّ بسجدتي السَّهْو وَهُوَ قَوْله " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فليتحر الصَّوَاب فليتم عَلَيْهِ ثمَّ ليسلم ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ " وَالشَّكّ بالسهو غير الْعلم بِهِ وعورض بِأَنَّهُ معَارض بِحَدِيث أبي سعيد عِنْد مُسلم وَلَفظه " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فَلم يدر كم صلى فليطرح الشَّك وليبن على مَا استيقن ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ قبل أَن يسلم " وَأجِيب بِأَن التَّعَارُض إِذا كَانَ بَين الْقَوْلَيْنِ يُصَار إِلَى جَانب الْفِعْل لسلامته عَن الْمعَارض وَإِذا كَانَ بَين القَوْل وَالْفِعْل يُصَار إِلَى جَانب القَوْل لقُوته أَو يُقَال كَانَ ذَلِك مِنْهُ ﷺ َ - لبَيَان الْجَوَاز والتوسع فِي الْأَمريْنِ وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة لَا حجَّة للعراقيين فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود لأَنهم خالفوه فَقَالُوا إِن جلس الْمُصَلِّي فِي الرَّابِعَة مِقْدَار التَّشَهُّد يُضَاف إِلَى الْخَامِسَة سادسة ثمَّ سلم وَسجد للسَّهْو وَإِن لم يجلس فِي الرَّابِعَة لم تصح صلَاته وَلم ينْقل فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود إِضَافَة سادسة وَلَا إِعَادَة وَلَا بُد من أَحدهمَا عِنْدهم وَيحرم على الْعَالم أَن يُخَالف السّنة بعد علمه بهَا (قلت) لَا نسلم أَنهم خالفوه فَلَو وقف هَذَا الْمُعْتَرض على مدارك هَذِه الصُّورَة لما قَالَ ذَلِك. الْمدْرك الأول أَن الْقعدَة الْأَخِيرَة فرض عِنْدهم فَلَو ترك شخص فرضا من فروض الصَّلَاة تبطل صلَاته. الْمدْرك الثَّانِي أَنه حِين قَامَ إِلَى السَّادِسَة بعد الْقعُود صَار شَارِعا فِي صَلَاة أُخْرَى بِنَاء على التَّحْرِيمَة الأولى لِأَنَّهَا شَرط عِنْدهم وَلَيْسَ بِرُكْن. الْمدْرك الثَّالِث أَن الصَّلَاة بِرَكْعَة وَاحِدَة منهية عِنْدهم كَمَا ثَبت ذَلِك فِي مَوْضِعه فَإِذا كَانَ كَذَلِك فبالضرورة من إِضَافَة رَكْعَة أُخْرَى إِلَيْهَا ليخرج عَن البتيراء. الْمدْرك الرَّابِع أَن التَّسْلِيم فِي آخر الصَّلَاة غير فرض عِنْدهم فبتركه لَا تبطل صلَاته فَإِذا وقف أحد على هَذِه المدارك لَا يصدر مِنْهُ هَذَا الِاعْتِرَاض وَيحرم عَلَيْهِ أَن ينْسب أحدا إِلَى مُخَالفَة السّنة بعد الْعلم بهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي قَوْله " أَزِيد فِي الصَّلَاة " دَلِيل لمَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَالْجُمْهُور من السّلف وَالْخلف أَن من زَاد فِي صلَاته رَكْعَة نَاسِيا لم تبطل صلَاته بل إِن علم بعد السَّلَام فقد مَضَت صلَاته صَحِيحَة وَيسْجد للسَّهْو وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا
следующие страницы →