Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي الزبير عَن ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ أخر طواف الزِّيَارَة إِلَى اللَّيْل، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن ابْن مهْدي. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن بكر بن خلف، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: وَأَبُو الزبير سمع من ابْن عَبَّاس، وَفِي سَمَاعه عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا نظر، قَالَه البُخَارِيّ فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض مَا رَوَاهُ ابْن عمر وَجَابِر وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي ﷺ أَنه طَاف يَوْم النَّحْر نَهَارا؟ وَالْحَدِيثَانِ عَن ابْن عمر وَجَابِر عِنْد مُسلم. أما حَدِيث ابْن عمر فَإِنَّهُ أخرجه من طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن عبيد الله ابْن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله ﷺ أَفَاضَ يَوْم النَّحْر ثمَّ رَجَعَ فصلى الظّهْر بمنى، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَأما حَدِيث جَابر فَإِنَّهُ أخرجه من رِوَايَة جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن جَابر فِي الحَدِيث الطَّوِيل وَفِيه: (ثمَّ ركب رَسُول الله ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْت فصلى بِمَكَّة الظّهْر) الحَدِيث. وَأما حَدِيث عَائِشَة فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق ابْن إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة قَالَت: أَفَاضَ رَسُول الله ﷺ من آخر يَوْمه حِين صلى الظّهْر ثمَّ رَجَعَ إِلَى منى فَمَكثَ بهَا ليَالِي التَّشْرِيق) .
فَهَذِهِ الْأَحَادِيث تدل على أَنه طَاف طواف الزِّيَارَة يَوْم النَّحْر، وَحَدِيث الْبَاب يدل على أَنه أَخّرهُ إِلَى اللَّيْل. قلت: أُجِيب عَن هَذَا بِوُجُوه. الأول: إِن الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة يحمل على الْيَوْم الأول، وَحَدِيث الْبَاب يحمل على بَقِيَّة الْأَيَّام. الْوَجْه الثَّانِي: أَن حَدِيث الْبَاب يحمل على أَنه أخر ذَلِك إِلَى مَا بعد الزَّوَال، فَكَانَ مَعْنَاهُ: أخر طواف الزِّيَارَة إِلَى الْعشي، وَأما الْحمل على مَا بعد الْغُرُوب فبعيد جدا لما ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة من أَنه ﷺ طَاف يَوْم النَّحْر نَهَارا وَشرب من سِقَايَة زَمْزَم. الْوَجْه الثَّالِث: مَا ذكره ابْن حبَان من أَنه ﷺ رمى جَمْرَة الْعقبَة وَنحر ثمَّ تطيب للزيارة ثمَّ أَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ طواف الزِّيَارَة، ثمَّ رَجَعَ إِلَى منى فصلى الظّهْر بهَا وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء، ورقد رقدة بهَا، ثمَّ ركب إِلَى الْبَيْت ثَانِيًا وَطَاف بِهِ طَوافا آخر بِاللَّيْلِ. فَإِن قلت: روى أَحْمد فِي (مُسْنده) : عَن عَائِشَة وَابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ زار لَيْلًا؟ قلت: الظَّاهِر أَن المُرَاد مِنْهُ طواف الْوَدَاع أَو طواف زِيَارَة مَحْضَة، وَقد ورد حَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يزور الْبَيْت كل لَيْلَة من ليَالِي منى فَإِن قلت: مَا تَقول فِي الحَدِيث الَّذِي أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله، ﷺ ، أذن لأَصْحَابه فزاروا الْبَيْت يَوْم النَّحْر ظَهره، وزار رَسُول الله ﷺ مَعَ نِسَائِهِ لَيْلًا؟ قلت: هَذَا حَدِيث غَرِيب جدا، فَلَا يُعَارض الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة الْمَشْهُورَة.
ويُذْكَرْ عَنْ أبِي حَسَّانَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَزُورُ البَيْتَ أيَّامَ مِنىً
أَبُو حسان: اسْمه مُسلم بن عبد الله الْعَدوي الْبَصْرِيّ الْمَشْهُور بالأجرد، وَيُقَال لَهُ: الْأَعْرَج أَيْضا، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الْحسن بن عَبْدَانِ: أَنبأَنَا أَحْمد بن عبيد الصفار حَدثنَا المعمري حَدثنَا ابْن عرْعرة قَالَ: دفع إِلَيْنَا معَاذ بن هِشَام كتابا قَالَ: سمعته من أبي وَلم يقرأه، قَالَ: فَكَانَ فِيهِ: عَن قَتَادَة عَن أبي حسان عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يزور الْبَيْت كل لَيْلَة مَا دَامَ بمنى، قَالَ: وَمَا رَأَيْت أحدا واطأه عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من طَرِيق قَتَادَة عَنهُ، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ فِي (الْعِلَل) : روى قَتَادَة حَدِيثا غَرِيبا لَا نَحْفَظهُ عَن أحد من أَصْحَاب قَتَادَة إلَاّ من حَدِيث هِشَام، فنسخته من كتاب ابْنه معَاذ بن هِشَام، وَلم أسمعهُ مِنْهُ عَن أَبِيه عَن قَتَادَة: حَدثنِي أَبُو حسان عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يزور الْبَيْت كل لَيْلَة مَا أَقَامَ بمنى، وَقَالَ الْأَثْرَم: قلت لِأَحْمَد: تحفظ عَن قَتَادَة؟ فَذكر هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: كتبوه من كتاب معَاذ، قلت: فَإِن هُنَا إنْسَانا يزْعم أَنه سَمعه من معَاذ، فَأنْكر ذَلِك وَأَشَارَ الْأَثْرَم بذلك إِلَى إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عرْعرة، فَإِن من طَرِيقه أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد. قلت: ولرواية أبي حسان هَذِه شَاهد مُرْسل أخرجه ابْن أبي شيبَة عَن ابْن أبي عُيَيْنَة: حَدثنَا ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه أَن النَّبِي، ﷺ كَانَ يفِيض كل لَيْلَة، يَعْنِي: ليَالِي منى.
٢٣٧١ - وقالَ لَنا أبُو نُعَيْمِ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عَنْ عُبَيْدِ الله عَن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ
стр. 2872
طافَ طَوَافا واحِدا ثُمَّ يَقِيلُ ثُمَّ يأتِي مِنىً يَعْنِي يَوْمَ النَّحْرِ ورفَعَهْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا عُبَيْدُ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ يَأْتِي منى يَوْم النَّحْر) ، وَمُقْتَضَاهُ أَن يكون خرج مِنْهَا إِلَى مَكَّة لأجل الطّواف قبل ذَلِك. وَأَبُو نعيم هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، ودكين لقب عَمْرو بن حَمَّاد وَالِد الْفضل الْقرشِي التَّيْمِيّ الْكُوفِي الْأَحول، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْعمريّ.
قَوْله: (وَرَفعه قَالَ) أَي: أَبُو نعيم، رفع الحَدِيث الْمَذْكُور عبد الرَّزَّاق إِلَى رَسُول الله ﷺ وَوصل التَّعْلِيق الْمَذْكُور مُسلم: أَنبأَنَا مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي، ﷺ ، أَفَاضَ يَوْم النَّحْر ثمَّ رَجَعَ فصلى الظّهْر بمنى، وَيذكر أَن النَّبِي ﷺ فعله، وَهَذَا صَرِيح أَنه ﷺ صلى الظّهْر يَوْم النَّحْر بمنى. وَفِي (الصَّحِيح) أَيْضا من حَدِيث جَابر: فصلى يَوْم النَّحْر بِمَكَّة الظّهْر، قَالَ ابْن حزم: وَكَذَا قالته عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَهَذَا هُوَ الْفَصْل الَّذِي أشكل علينا الْفَصْل فِيهِ لصِحَّة الطّرق فِي كل ذَلِك، وَلَا شكّ فِي أَن أحد الْخَبَرَيْنِ وهم، وَلَا نَدْرِي أَيهمَا هُوَ. انْتهى. قلت: الْأَحَادِيث كلهَا صَحِيحَة وَلَا شَيْء من وهم فِي ذَلِك أصلا، وَذَلِكَ لِأَن رُجُوعه، ﷺ ، إِلَى منى، فِي وَقت الظّهْر مُمكن، لِأَن النَّهَار كَانَ طَويلا. وَإِن كَانَ قد صدر مِنْهُ، ﷺ ، فِي صدر هَذَا النَّهَار، وَأَحَادِيث عَائِشَة لَيست ناصة أَنه، ﷺ ، صلى الظّهْر بِمَكَّة، بل مُحْتَملَة أَن كَانَ الْمَحْفُوظ فِي الرِّوَايَة حَتَّى صلى الظّهْر، وَإِن كَانَت الرِّوَايَة: حِين صلى الظّهْر، وَهُوَ الْأَشْبَه، فَإِن ذَلِك على أَنه، ﷺ ، صلى الظّهْر بمنى، قبل أَن يذهب إِلَى الْبَيْت، وَهُوَ مُحْتَمل، وَالله أعلم. وَقَالَ محب الدّين الطَّبَرِيّ: الْجمع بَين الرِّوَايَات كلهَا مُمكن، إِذْ يحْتَمل أَن يكون صلَّى مُنْفَردا فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ، ثمَّ مَعَ جمَاعَة فِي الآخر، أَو صلى بِأَصْحَابِهِ بمنى، ثمَّ أَفَاضَ فَوجدَ قوما لم يصلوا فصلى بهم، ثمَّ لما رَجَعَ إِلَى منى، وجد قوما آخَرين فصلى بهم لِأَنَّهُ، ﷺ ، لَا يتقدمه أحد فِي الصَّلَاة، أَو كرر الصَّلَاة بِمَكَّة وَمنى ليتبين جَوَاز الْأَمريْنِ فِي هَذَا الْيَوْم توسعة على الْأمة، وَيجوز أَن يكون أذن فِي الصَّلَاة فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ فنسبت إِلَيْهِ. فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع بَين حَدِيث الْبَاب وَبَين الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أم سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِن هَذَا الْيَوْم أرخص الله تَعَالَى لكم إِذا رميتم الْجَمْرَة أَن تحلوا يَعْنِي: من كل شَيْء حرمتم إلَاّ النِّسَاء، فَإِذا أمسيتم قبل أَن تطوفوا صرتم حرما كهيئتكم قبل أَن ترموا الْجَمْرَة حَتَّى تطوفوا بِهِ) فَفِي هَذَا الحَدِيث إِن من أخَّر طواف الْإِفَاضَة حَتَّى أَمْسَى عَاد محرما كَمَا كَانَ قبل رمي الْجَمْرَة، يحرم عَلَيْهِ لبس الْمخيط وَغَيره من مُحرمَات الْإِحْرَام. قلت: حَدِيث أم سَلمَة هَذَا شَاذ، أَجمعُوا على ترك الْعَمَل بِهِ. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: وَهَذَا حكم لَا أعلم أحدا قَالَ بِهِ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ مَنْسُوخ وَالْإِجْمَاع، وَإِن كَانَ لَا ينْسَخ، فَهُوَ يدل على وجود نَاسخ وَإِن لم يظْهر، وَالله أعلم.
٣٣٧١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَر بنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأعْرَجِ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فأفَضْنا يَوْمَ النَّحْرِ فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ فأرَادَ النبيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِهِ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله أنَّهَا حائِضٌ قَالَ حَابَسَتُنا هِي قالُوا يَا رَسولَ الله أفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ اخْرُجُوا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأفضنا يَوْم النَّحْر) ، لِأَن مَعْنَاهُ: طفنا طواف الْإِفَاضَة يَوْم النَّحْر.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: جَعْفَر بن ربيعَة ابْن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة الْقرشِي. الرَّابِع: الْأَعْرَج واسْمه عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ، عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن الثَّلَاثَة الأول من الروَاة مصريون والاثنان مدنيان. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور
стр. 2873
بنسبته إِلَى جده، وَاللَّيْث مَذْكُور مُجَردا وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز مَذْكُور بلقبه.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فأفضنا) ، من الْإِفَاضَة أَي: طفنا طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (صَفِيَّة) هِيَ بنت حييّ بن أَخطب أم الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ مِنْهَا) أَي: من صَفِيَّة: (مَا يُرِيد الرجل من أَهله) أَي: من زَوجته، وَهَذَا كِنَايَة عَن إِرَادَة الْجِمَاع، وَهَذَا من محَاسِن مُرَاعَاة عَائِشَة طرق كَلَامهَا حَيْثُ لم تصرح باسم من أَسمَاء الْجِمَاع. قَوْله: (حابستنا هِيَ) جملَة إسمية فَقَوله: (هِيَ) مُبْتَدأ، و (حابستنا) خَبره، وَلَا يجوز الْعَكْس إلَاّ أَن يُقَال: الْهمزَة مقدرَة قبل: حابستنا، فَيجوز الْأَمر أَن حِينَئِذٍ لِأَن كلمة: هِيَ، وَإِن كَانَت مضمرة لَكِنَّهَا ظَاهِرَة. قَوْله: (قَالَ: اخْرُجُوا) أَي: قَالَ رَسُول الله ﷺ لما سمع مِنْهُم أَنهم قَالُوا أفاضت صَفِيَّة يَوْم النَّحْر: أخرجُوا، وَكَانَ ظن أَنَّهَا لم تطف طواف الزِّيَارَة فتحبسهم إِلَى أَن تطهر فَتَطُوف طواف الزِّيَارَة، فَلَمَّا قَالُوا: إِنَّهَا أفاضت يَوْم النَّحْر قَالَ لَهُم: أخرجُوا يَعْنِي: إرحلوا، وَرخّص لَهَا فِي ترك طواف الْوَدَاع لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِب على قَول أَكثر الْعلمَاء إلَاّ خلافًا شاذا يرْوى عَن بعض السّلف أَنَّهَا لَا تنفر حَتَّى تودع، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : إِذا ترك طواف الْوَدَاع لزمَه دم، هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِي، وَبِه قَالَ أَكثر الْعلمَاء، فَهُوَ وَاجِب. وَقَالَ مَالك وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر: هُوَ سنة لَا شَيْء فِي تَركه، وَعَن مُجَاهِد رِوَايَتَانِ كالمذهبين.
وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث مَا قَالَه الْقُرْطُبِيّ، قَوْله: (حابستنا هِيَ) دَلِيل أَن الكري يحبس على الَّتِي حَاضَت وَلم تطف طواف الْإِفَاضَة حَتَّى تطهر، وَهُوَ قَول مَالك، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يحبس عَلَيْهَا كري، ولتكر حملهَا أَو يحمل مَكَانهَا غَيرهَا، وَهَذَا كُله فِي الْأَمْن وَوُجُود ذِي الْمحرم، وَأما مَعَ الْخَوْف أَو عدم ذِي الْمحرم فَلَا تحبس بِاتِّفَاق، إِذْ لَا يُمكن أَن يسير بهَا وَحدهَا، وَيفْسخ الْكرَى وَلَا يحبس عَلَيْهَا الرّفْقَة. وَمن فَوَائده: أَن فِي قَوْلهَا: (فَأَرَادَ مِنْهَا مَا يُرِيد الرجل من أَهله) : أَنه لَا بَأْس بالإعلام بذلك، وَإِنَّمَا الْمَكْرُوه أَن يَغْشَاهَا حَيْثُ يُسمع أَو يُرى.
ويُذْكَرُ عَنِ القَاسِمِ وَعُرْوَةَ والأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أفاضَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ النَّحْرِ
أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ الصِّيغَة إِلَى أَن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن لم ينْفَرد عَن عَائِشَة فِي رِوَايَته عَنْهَا بذلك، أما طَرِيق الْقَاسِم فقد أخرجه مُسلم: حَدثنَا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قَالَ: حَدثنَا أَفْلح عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: كُنَّا نتخوف أَن تحيض صَفِيَّة قبل أَن تفيض. قَالَت: فجاءنا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: أحابستنا صَفِيَّة؟ فَقُلْنَا: قد أفاضت قَالَ: فَلَا إِذن) . وَأما طَرِيق عُرْوَة فَأخْرجهُ البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من طَرِيق شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن صَفِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حَاضَت بَعْدَمَا أفاضت. . الحَدِيث على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من طَرِيق اللَّيْث عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة وَعُرْوَة عَن عَائِشَة، قَالَت: حَاضَت صَفِيَّة ... الحَدِيث، وَفِي آخِره، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : فلتنفروا. وَأما طَرِيق الْأسود فَأخْرجهُ البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي: بَاب الإدلاج من المحصب، بِلَفْظ: حَاضَت صَفِيَّة ... الحَدِيث، وَفِيه: أطافت يَوْم النَّحْر؟ قيل: نعم قَالَ: فانفري. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من تسع طرق وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الْحيض من حَدِيث عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله، ﷺ : إِن صَفِيَّة بنت حييّ قد حَاضَت. قَالَ رَسُول الله ﷺ لَعَلَّهَا تحبسنا إِن لم تكن طافت معكن؟ قَالُوا: بلَى. قَالَ فاخرجي) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
٠٣١ - (بابٌ إذَا رَمَى بَعْدَ مَا أمْسَى أوْ حَلَقَ قَبْلَ أنْ يَذْبَحَ ناسِيا أوْ جَاهِلاً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا رمى الْحَاج جَمْرَة الْعقبَة بَعْدَمَا أَمْسَى، أَي: بعد مَا دخل فِي الْمسَاء يَعْنِي إِذا رَمَاهَا لَيْلًا، وَيُطلق الْمسَاء على مَا بعد الزَّوَال أَيْضا على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، أَو حلق يَوْم النَّحْر قبل أَن يذبح هَدْيه. قَوْله: (نَاسِيا) ، نصب على الْحَال، وأوجاهلاً) كَذَلِك عطف عَلَيْهِ، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا حرج عَلَيْهِ، وَلم يذكرهُ اكْتِفَاء بِمَا ذكر فِي الحَدِيث أَو سكت عَنهُ إِشَارَة إِلَى أَن فِيهِ خلافًا. وَهَذِه التَّرْجَمَة تشْتَمل على حكمين: أَحدهمَا: رمي جَمْرَة الْعقبَة بِاللَّيْلِ،
стр. 2874
وَالْآخر: الْحلق قبل الذّبْح، وكل مِنْهُمَا إِمَّا نَاسِيا أَو جَاهِلا يحكمه. أما الأول: فقد أجمع الْعلمَاء أَن من رمى جَمْرَة الْعقبَة من طُلُوع الشَّمْس إِلَى الزَّوَال يَوْم النَّحْر فقد أصَاب سنتها ووقتها الْمُخْتَار. وَأَجْمعُوا أَن من رَمَاهَا يَوْم النَّحْر قبل المغيب فقد رَمَاهَا فِي وَقت لَهَا، وَإِن لم يكن ذَلِك مستحسنا لَهُ، وَاخْتلفُوا فِيمَن أخر رميها حَتَّى غربت الشَّمْس من يَوْم النَّحْر، فَذكر ابْن الْقَاسِم أَن مَالِكًا كَانَ مرّة يَقُول: عَلَيْهِ دم، وَمرَّة لَا يرى عَلَيْهِ شَيْئا، وَقَالَ الثَّوْريّ: من أَخّرهَا عَامِدًا إِلَى اللَّيْل فَعَلَيهِ دم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ: يرميها من الْغَد وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَقد أَسَاءَ، سَوَاء تَركهَا عَامِدًا أَو نَاسِيا لَا شَيْء عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن قدامَة: إِن أخر جَمْرَة الْعقبَة إِلَى اللَّيْل لَا يرميها حَتَّى تَزُول الشَّمْس من الْغَد، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَإِسْحَاق. وَقَالَ الشَّافِعِي وَمُحَمّد وَابْن الْمُنْذر وَيَعْقُوب: يَرْمِي لَيْلًا، لقَوْله: وَلَا حرج، وَلأبي حنيفَة: أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: من فَاتَهُ الرَّمْي حَتَّى تغيب الشَّمْس فَلَا يرم حَتَّى تَزُول الشَّمْس من الْغَد، وَإِذا رمى جَمْرَة الْعقبَة قبل طُلُوع الْفجْر يَوْم النَّحْر فَأكْثر الْعلمَاء على أَنه لَا يجزىء وَعَلِيهِ الْإِعَادَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَأبي ثَوْر وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق. وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح وَابْن أبي مليكَة وَعِكْرِمَة بن خَالِد وَجَمَاعَة المكيين: يجْزِيه وَلَا إِعَادَة على من فعله وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه: إِذا كَانَ الرَّمْي بعد نصف اللَّيْل جَازَ، فَإِن رَمَاهَا بعد طُلُوع الْفجْر وَقبل طُلُوع الشَّمْس فَجَائِز عِنْد الْأَكْثَرين، مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر. وَقَالَ مُجَاهِد وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ: لَا يرميها إلَاّ بعد طُلُوع الشَّمْس وَأما الثَّانِي: فَإِن من حلق قبل أَن يذبح فجمهور الْعلمَاء على أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ قَالَه عَطاء وطاووس وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة وَمُجاهد وَالْحسن وَقَتَادَة، وَهُوَ قَول مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر وَأحمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَمُحَمّد بن جرير. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: من حلق قبل أَن يذبح اهراق دَمًا. وَقَالَ أَبُو الشعْثَاء: عَلَيْهِ الْفِدْيَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: عَلَيْهِ دم وَإِن كَانَ قَارنا فدمان. وَقَالَ زفر: على الْقَارِن إِذا حلق قبل الذّبْح ثَلَاثَة دِمَاء: دم للقران وَدَمَانِ للحلق. قبل النَّحْر. وَاخْتلفُوا فِيمَن حلق قبل أَن يَرْمِي، فَإِن مَالِكًا وَأَصْحَابه اخْتلفُوا فِي إِيجَاب الْفِدْيَة، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه: من قدم شَيْئا أَو أَخّرهُ فَعَلَيهِ دم، وَلَا يَصح ذَاك عَنهُ، وَعَن إِبْرَاهِيم وَجَابِر بن زيد مثل قَول مَالك فِي إِيجَاب الْفِدْيَة على من حلق قبل أَن يَرْمِي، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين، وَقَالَ الشَّافِعِي، وَأَبُو ثَوْر وَأحمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد والطبري: لَا شَيْء على من حلق قبل أَن يَرْمِي، وَلَا على من قدم شَيْئا أَو أَخّرهُ سَاهِيا مِمَّا يفعل يَوْم النَّحْر. وَعَن الْحسن وطاووس: لَا شَيْء على من حلق قبل أَن يَرْمِي، مثل قَول الشَّافِعِي وَمن تَابعه، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح: من قدم نسكا قبل نسك فَلَا حرج، وَرُوِيَ ذَلِك عَن سعيد بن جُبَير وطاووس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة، وَذكر ابْن الْمُنْذر عَن الشَّافِعِي: من حلق قبل أَن يَرْمِي أَن عَلَيْهِ دَمًا، وَزعم أَن ذَلِك حفظه عَن الشَّافِعِي وَهُوَ خطأ عَن الشَّافِعِي، وَالْمَشْهُور من مذْهبه أَنه: لَا شَيْء على من قدم أَو أخر شَيْئا من أَعمال الْحَج كلهَا إِذا كَانَ سَاهِيا.
٤٣٧١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ طَاوُسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ والْحَلْقَ والرَّمْيِ والتَّقْدِيمِ والتَّأخِيرِ فَقَالَ لَا حَرَجَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، والْحَدِيث كَذَلِك فيهمَا. فَإِن قلت: قيد فِي التَّرْجَمَة كَونه نَاسِيا أَو جَاهِلا، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث ذَلِك؟ قلت: جَاءَ فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ذَلِك، وَهُوَ الَّذِي ذكره فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ بقوله: (فَقَالَ رجل: لم أشعر فحلقت قبل أَن أذبح، قَالَ: إذبح، وَلَا حرج، فجَاء آخر فَقَالَ: لم أشعر فنحرت قبل أَن أرمي. قَالَ: إرم وَلَا حرج) الحَدِيث، فَإِن قَوْله: لم أشعر، يَقْتَضِي عدم الشُّعُور، وَهُوَ أَعم من أَن يكون بِجَهْل أَو بنسيان، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ذَلِك لِأَن أصل الحَدِيث وَاحِد. وَإِن كَانَ الْمخْرج مُتَعَددًا.
وَرِجَال الحَدِيث الْمَذْكُور قد ذكرُوا غير مرّة، ووهيب بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله بن طَاوُوس.
وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن بهز ابْن أَسد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن الْمُعَلَّى بن أَسد كِلَاهُمَا عَن وهيب بِهِ. قَوْله: (والتقديم) أَي: تَقْدِيم بعض هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة على بعض وتأخيرها عَنهُ. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: قَالَ النَّبِي، ﷺ : (لَا حرج) أَي: لَا إِثْم
стр. 2875
فِيهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ مَا ملخصه: إِن هَذَا القَوْل لَهُ احْتِمَالَانِ أَحدهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون ﷺ أَبَاحَ ذَلِك لَهُ توسعة وترفيها فِي حَقه، فَيكون للْحَاج أَن يقدم مَا شَاءَ وَيُؤَخر مَا شَاءَ. وَالْآخر: أَنه يحْتَمل أَن يكون قَوْله ﷺ (لَا حرج) مَعْنَاهُ: لَا إِثْم عَلَيْكُم فِيمَا فعلتموه من هَذَا لأنكم فعلتموه على الْجَهْل مِنْكُم لَا على الْقَصْد مِنْكُم خلاف السّنة، وَكَانَت السّنة خلاف هَذَا، وَالْحكم على الِاحْتِمَال الثَّانِي وَهُوَ أَنه ﷺ أسقط عَنْهُم الْحَرج وأعذرهم لأجل النسْيَان وَعدم الْعلم، لَا أَنه أَبَاحَ لَهُم ذَاك حَتَّى إِن لَهُم أَن يَفْعَلُوا ذَلِك فِي الْعمد، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: (سُئِلَ رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ بَين الْجَمْرَتَيْن عَن رجل حلق قبل أَن يَرْمِي. قَالَ: لَا حرج، وَعَن رجل ذبح قبل أَن يَرْمِي، قَالَ: لَا حرج، ثمَّ قَالَ: عباد الله وضع الله الضّيق والحرج، وتعلموا مَنَاسِككُم فَإِنَّهَا من دينكُمْ) فذل ذَلِك على أَن الْحَرج الَّذِي رَفعه الله عَنْهُم إِنَّمَا كَانَ لجهلهم بِأَمْر الْمَنَاسِك لَا لغير ذَلِك، وَذَلِكَ لِأَن السَّائِلين كَانُوا أُنَاسًا أعرابا لَا علم لَهُم بالمناسك، فأجابهم رَسُول الله، ﷺ ، بقوله: لَا حرج، يَعْنِي فِيمَا فَعلْتُمْ بِالْجَهْلِ. لَا أَنه أَبَاحَ لَهُم ذَلِك فِيمَا بعد. وَنفي الْحَرج لَا يسْتَلْزم نفي وجوب الْقَضَاء أَو الْفِدْيَة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمن فعل ذَلِك فَعَلَيهِ دم. وَالله أعلم.
وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَن وجوب الْفِدْيَة يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَلَو كَانَ وَاجِبا لبينه ﷺ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ وَقت الْحَاجة فَلَا يجوز تَأْخِيره. قلت: إِلَّا ثمَّ دَلِيل أقوى من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحلقوا رؤسكم حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَبِه احْتج النَّخعِيّ؟ فَقَالَ: فَمن حلق قبل الذّبْح اهراق دَمًا، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَنهُ بِسَنَد صَحِيح، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل: أُجِيب بِأَن المُرَاد ببلوغ مَحَله وُصُوله إِلَى الْموضع الَّذِي يحل ذبحه فِيهِ فقد حصل، وَإِنَّمَا يتم المُرَاد أَن لَو قَالَ: وَلَا تحلقوا حَتَّى تنحروا. انْتهى. قلت: لَيْسَ المُرَاد الْكُلِّي مُجَرّد الْبلُوغ إِلَى الْمحل الَّذِي يذبح فِيهِ، بل الْمَقْصد الْكُلِّي الذّبْح، وَلِهَذَا لَو بلغ وَلم يذبح يجب عَلَيْهِ الْفِدْيَة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَاحْتج الطَّحَاوِيّ أَيْضا بقول ابْن عَبَّاس من قدم شَيْئا من نُسكه أَو أَخّرهُ فليهرق لذَلِك دَمًا. قَالَ: وَهُوَ أحد من روى أَن لَا حرج، فَدلَّ على أَن المُرَاد بِنَفْي الْحَرج نفي الْإِثْم فَقَط. أُجِيب: بِأَن الطَّرِيق بذلك إِلَى ابْن عَبَّاس فِيهَا ضعف، فَإِن ابْن أبي شيبَة أخرجهَا وفيهَا إِبْرَاهِيم بن مهَاجر، وَفِيه مقَال. انْتهى. قلت: لَا نسلم ذَلِك، فَإِن إِبْرَاهِيم ابْن مهَاجر روى لَهُ مُسلم، وَفِي (الْكَمَال) روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ البُخَارِيّ، وَرُوِيَ عَنهُ مثل الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَالْأَعْمَش وَآخَرُونَ، فَلَا اعْتِبَار لذكر ابْن الْجَوْزِيّ إِيَّاه فِي الضُّعَفَاء، وَلَئِن سلمنَا مَا ادَّعَاهُ هَذَا الْقَائِل فِي هَذَا الطَّرِيق فقد رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من طَرِيق آخر لَيْسَ فِيهِ كَلَام، فَقَالَ: حَدثنَا نصر بن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا الخصيب، قَالَ: حَدثنَا وهيب عَن أَيُّوب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس مثله، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس نَحوه.
٥٣٧١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يُسْئَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنىً فيَقُولْ لَا حَرَجَ فسَألَهُ رَجُلٌ فَقَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحْ ولَا حَرَجَ وَقَالَ رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أمْسَيْتُ فَقَالَ لَا حَرَجَ..
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ عَن يزِيد بن زُرَيْع أبي مُعَاوِيَة الْبَصْرِيّ عَن خَالِد بن مهْرَان الْحذاء الْبَصْرِيّ عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث؟ قلت: فِي قَوْله: (بعد مَا أمسيت) أَي: بعد مَا دخلت فِي الْمسَاء، وَالْمرَاد بِهِ مَا بعد الزَّوَال، لِأَنَّهُ لُغَة الْعَرَب، يسمون مَا بعده مسَاء وعشاء ورواحا، وروى مَالك عَن ربيعَة عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَنه قَالَ: مَا أدْركْت النَّاس إلَاّ وهم يصلونَ الظّهْر بعشي، وَإِنَّمَا يُرِيد تَأْخِيرهَا عَن الْوَقْت الَّذِي فِي شدَّة الْحر إِلَى وَقت الْإِبْرَاد الَّذِي أَمر بِهِ الشَّارِع، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
стр. 2876
(بابُ الفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الجَمْرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْفتيا على الدَّابَّة عِنْد جَمْرَة الْعقبَة، يُقَال: استفتيت الْفَقِيه فِي مَسْأَلَة فأفتاني، قَالَ الْجَوْهَرِي: والإسم الْفتيا والفتوة، وَقد ذكر البُخَارِيّ بَابَيْنِ فِي كتاب الْعلم أَحدهمَا: بَاب الْفتيا وَهُوَ وَاقِف على ظهر الدَّابَّة أَو غَيرهَا، وَأورد فِيهِ حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. وَالْآخر: بَاب السُّؤَال والفتيا عِنْد رمي الْجمار، وَأورد فِيهِ أَيْضا حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَأورد هَهُنَا أَيْضا حَدِيث عبد الله بن عَمْرو الْمَذْكُور فِي الْبَابَيْنِ، وَهَذَا مِنْهُ نَادِر غَرِيب.
٦٣٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عِيسَى بنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وأنَّ رسولَ الله ﷺ وقفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فجَعَلُوا يَسْألُونهُ فَقَالَ رجُلٌ لَمْ أشْعُرْ فحَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ ولَا حَرَجَ فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ لَمْ أشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ قَالَ ارمِ ولَا حَرَجَ فَما سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عنْ شَيْءٍ قُدِّمَ ولَا أُخِّرَ إلَاّ قالَ افْعَلْ ولَا حَرَجَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وقف فِي حجَّة الْوَدَاع) ، لِأَن مَعْنَاهُ: وقف على نَاقَته، وَقد صرح بِهِ عبد الله بن عَمْرو فِي رِوَايَته الْأُخْرَى فِي هَذَا الْبَاب لِأَن البُخَارِيّ روى حَدِيثه فِي هَذَا الْبَاب بِثَلَاثَة أوجه الأول: وقف فِي حجَّة الْوَدَاع. وَالثَّانِي: أَنه شهد النَّبِي ﷺ وَهُوَ يخْطب. وَالثَّالِث: وقف رَسُول الله ﷺ على نَاقَته. وَقَوله: (فِي التَّرْجَمَة على الدَّابَّة) يتَنَاوَل النَّاقة، وَأما دلَالَته على أَنه كَانَ عِنْد الْجَمْرَة فَمن حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أَيْضا الَّذِي أخرجه فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب السُّؤَال والفتيا عِنْد الْجمار، عَن عِيسَى بن طَلْحَة عَن عبد الله بن عمر وَقَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ عِنْد الْجَمْرَة وَهُوَ يسْأَل ... الحَدِيث، وَهُوَ وَاحِد والراوي وَاحِد.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، فالثلاثة الأول ذكرُوا غير مرّة، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ، مَاتَ سنة مائَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون إلَاّ عبد الله بن يُوسُف فَإِنَّهُ تنيسي وَأَصله من دمشق وَأَنه من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الْفتيا وَهُوَ على ظهر الدَّابَّة فِي كتاب الْعلم أَن هَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة. وَقد ذكرنَا أَيْضا تعدد مَوْضِعه لكل مِنْهُم، وتكلمنا على مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَشْيَاء هُنَاكَ، ونتكلم أَيْضا على بعض مَا فاتنا هُنَاكَ.
فَقَوله: (مَالك عَن ابْن شهَاب) كَذَا فِي (الْمُوَطَّأ) وَعند النَّسَائِيّ من طَرِيق يحيى الْقطَّان: عَن مَالك حَدثنِي الزُّهْرِيّ. قَوْله: (عَن عِيسَى) فِي رواي صَالح بن كيسَان: حَدثنِي عِيسَى، قَوْله: (عَن عبد الله) ، فِي رِوَايَة صَالح: أَنه سمع عبد الله، وَفِي رِوَايَة ابْن جريج، وَهِي الثَّانِيَة: أَن عبد الله حَدثهُ. قَوْله: (وقف) فِي رِوَايَة ابْن جرير: أَنه شهد النَّبِي ﷺ أَنه وقف، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا الحَدِيث لَا يَقْتَضِي رفع الْحَرج فِي غير الْمَسْأَلَتَيْنِ المذكورتين الْمَنْصُوص عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَة مَالك، لِأَنَّهُ صرح جَوَابا للسؤال، فَلَا يدْخل فِيهِ غَيره. انْتهى. قلت: هَذَا عَجِيب مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ ذهل عَن قَوْله: فِي بَقِيَّة الحَدِيث (فَمَا سُئِلَ عَن شَيْء وَقدم وَلَا أخر إِلَّا قَالَ: إفعل وَلَا حرج) ، فَإِن قلت: يُمكن أَنه حمل هَذَا الْمُبْهم على مَا ذكر؟ قلت: يرد ذَلِك رِوَايَة ابْن جريج وَأَشْبَاه ذَلِك، كَمَا يَجِيء فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا الحَدِيث إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٣١٨ - (حَدثنَا سعيد بن يحيى بن سعيد قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا ابْن جريج قَالَ حَدثنِي الزُّهْرِيّ عَن عِيسَى بن طَلْحَة عَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ﵁ حَدثهُ أَنه شهد النَّبِي ﷺ َ - يخْطب يَوْم النَّحْر فَقَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ كنت أَحسب أَن كَذَا قبل كَذَا ثمَّ قَامَ آخر فَقَالَ كنت أَحسب أَن كَذَا قبل كَذَا حلقت قبل أَن أنحر نحرت قبل أَن أرمي وَأَشْبَاه
стр. 2877
ذَلِك فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - افْعَل وَلَا حرج لَهُنَّ كُلهنَّ فَمَا سُئِلَ يَوْمئِذٍ عَن شَيْء إِلَّا قَالَ افْعَل وَلَا حرج) مطابقته التَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله " يخْطب يَوْم النَّحْر " لِأَن فِي رِوَايَة صَالح بن كيسَان وَمعمر على رَاحِلَته (فَإِن قلت) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ إِن صَالح بن كيسَان تفرد بقوله " على رَاحِلَته " (قلت) لَيْسَ كَمَا قَالَ فقد ذكر ذَلِك يُونُس عِنْد مُسلم وَمعمر عِنْد أَحْمد كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ وَقد أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى ذَلِك بقوله " تَابعه معمر عَن الزُّهْرِيّ " أَي فِي قَوْله " وقف على رَاحِلَته " (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس. الثَّانِي أَبوهُ يحيى بن سعيد الْمَذْكُور. الثَّالِث عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس عِيسَى بن طَلْحَة ابْن عبيد الله. السَّادِس عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه بغدادي وَأَبوهُ كُوفِي وَابْن جريج مكي وَالزهْرِيّ وَعِيسَى مدنيان وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَقد ذكرنَا تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره فِي كتاب الْعلم فِي بَاب الْفتيا وَهُوَ على ظهر الدَّابَّة. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " شهد النَّبِي ﷺ َ - " أَي حَضَره قَوْله " يخْطب يَوْم النَّحْر " جملَة فعلية وَقعت حَالا أَي يخْطب على رَاحِلَته كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة صَالح بن كيسَان وَمعمر بن رَاشد قَوْله " فَقَامَ إِلَيْهِ رجل " لم يدر اسْمه قَالَ شَيخنَا زين الدّين ﵀ اخْتلفت أَلْفَاظ حَدِيث عبد الله بن عمر وَفِي مَكَان هَذَا السُّؤَال وَوَقفه فِي الصَّحِيحَيْنِ " وقف فِي حجَّة الْوَدَاع بمنى للنَّاس يسألونه " وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ " رَأَيْته عِنْد الْجَمْرَة وَهُوَ يسْأَل " وَفِي رِوَايَة لَهُ " وقف على نَاقَته " وَعند مُسلم " أَتَاهُ رجل يَوْم النَّحْر وَهُوَ وَاقِف عِنْد الْجَمْرَة " وَفِي رِوَايَة لَهُ " رَأَيْته على نَاقَته بمنى " وَفِي رِوَايَة لَهُ " بَيْنَمَا هُوَ يخْطب يَوْم النَّحْر " وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه قَالَ لنا أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي مَا وجدت يخْطب إِلَّا فِي حَدِيث ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ حسن انْتهى وَجه الْجمع بَينهمَا أَنه لَا اخْتِلَاف فِي الْمَكَان فَقَوله " بمنى " لَا يُنَافِيهِ قَوْله " عِنْد الْجَمْرَة " لِأَنَّهَا أول منى وَقَوله " على نَاقَته " مَعَ قَوْله " يخْطب " لَا مُنَافَاة أَيْضا بَينهمَا إِذْ قد يكون خطب على رَاحِلَته وَقَالَ الدَّاودِيّ حِكَايَة عَن مَالك معنى يخْطب أَي وقف للنَّاس يعلمهُمْ لَا أَنَّهَا من خطب الْحَج قَالَ شَيخنَا وَيحْتَمل أَنه كَانَ فِي خطْبَة يَوْم النَّحْر وَهِي الْخطْبَة الثَّالِثَة من خطب الْحَج وَأما قَوْله " يَوْم النَّحْر " فَهُوَ معَارض لرِوَايَة البُخَارِيّ لحَدِيث ابْن عَبَّاس " رميت بَعْدَمَا أمسيت " فَهَذَا يدل على أَن السُّؤَال كَانَ بعد الْمسَاء إِمَّا فِي اللَّيْل وَإِمَّا فِي الْيَوْم الَّذِي يَلِيهِ أَو مَا بعده انْتهى (قلت) لَا مُعَارضَة لأَنا قد ذكرنَا أَن الْمسَاء يُطلق على مَا يُطلق عَلَيْهِ العشى والرواح والعشى يُطلق على مَا بعد الزَّوَال وَذكر ابْن حزم فِي حجَّة الْوَدَاع أَن هَذِه الأسئلة كَانَت بعد عوده إِلَى منى من إفَاضَة يَوْم النَّحْر وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ يحْتَمل أَنَّهَا تَكَرَّرت قبله وَبعده وَفِي اللَّيْل وَالله أعلم وَقَالَ القَاضِي عِيَاض يحْتَمل أَن ذَلِك فِي موضِعين أَحدهمَا وقف على رَاحِلَته عِنْد الْجَمْرَة وَلم يقل فِي هَذَا الْوَجْه أَنه خطب وَإِنَّمَا فِيهِ أَنه وقف وَسُئِلَ وَالثَّانِي بعد صَلَاة الظّهْر يَوْم النَّحْر وقف للخطبة فَخَطب وَهِي إِحْدَى خطب الْحَج الْمَشْهُورَة يعلمهُمْ فِيهَا مَا بَين أَيْديهم من الْمَنَاسِك وَقَالَ النَّوَوِيّ وَهَذَا الِاحْتِمَال هُوَ الصَّوَاب قَوْله " فَقَالَ كنت أَحسب أَن كَذَا قبل كَذَا " أَي كنت أَظن مثلا أَن النَّحْر قبل الرَّمْي وَله نَظَائِر أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله " وَأَشْبَاه ذَلِك " أَي من الْأَشْيَاء الَّتِي كَانَ يحسبها على خلاف الأَصْل وَوَقع ذَلِك بعبارات مُخْتَلفَة فَفِي رِوَايَة يُونُس عِنْد مُسلم " لم أشعر أَن الرَّمْي قبل الْحلق فنحرت قبل أَن أرمي وَقَالَ آخر لم أشعر أَن النَّحْر قبل الْحلق فحلقت قبل أَن أنحر " وَفِي رِوَايَة ابْن جريج " كنت أَحسب أَن كَذَا قبل كَذَا " وَوَقع فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة عَن الزُّهْرِيّ عِنْد مُسلم " حلقت قبل أَن أرمي وَقَالَ آخر أفضت إِلَى الْبَيْت قبل أَن أرمي " وَفِي حَدِيث معمر عِنْد أَحْمد زِيَادَة الْحلق قبل الرَّمْي وَأَيْضًا فحاصل مَا فِي حَدِيث عبد الله بن عمر وَالسُّؤَال عَن أَرْبَعَة أَشْيَاء الْحلق قبل الذّبْح وَالْحلق قبل الرَّمْي والنحر قبل الرَّمْي والإفاضة قبل الرَّمْي والأولان فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا وَعند الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا السُّؤَال عَن الْحلق قبل الرَّمْي وَكَذَا فِي حَدِيث جَابر وَفِي حَدِيث أبي سعيد عِنْد
стр. 2878
الطَّحَاوِيّ السُّؤَال عَن منى والإفاضة مَعًا قبل الْحلق وَفِي حَدِيث جَابر الَّذِي علقه البُخَارِيّ فِيمَا مضى السُّؤَال عَن السَّعْي قبل الطّواف قَوْله " لَهُنَّ كُلهنَّ " اللَّام فِيهِ إِمَّا مُتَعَلق يُقَال أَي قَالَ لأجل هَذِه الْأَفْعَال كُلهنَّ افْعَل وَلَا حرج أَو مُتَعَلق بِمَحْذُوف نَحْو قَالَ يَوْم النَّحْر لَهُنَّ أَو مُتَعَلق بِلَا حرج أَي لَا حرج لأجلهن عَلَيْك قَوْله " عَن شَيْء " أَي من الْأُمُور الَّتِي هِيَ وظائف يَوْم النَّحْر.
٨٣٧١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا أبِي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني عِيسَى بنُ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بنَ عَمْرِو بنِ العاصِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ وقَفَ رسولُ الله ﷺ عَلَى ناقَتِهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ..
هَذَا طَرِيق ثَالِث للْحَدِيث الْمَذْكُور عَن إِسْحَاق، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: إِسْحَاق مُجَردا غير مَنْسُوب، وَنسبه أَبُو عَليّ بن السكن. فَقَالَ: إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَب، لِأَن أَبَا نعيم يروي من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن شيرويه عَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب، وَابْن شيرويه يروي عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه بِسَنَدِهِ، وَلم يعلم لَهُ رِوَايَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ابْن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، روى عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد، يروي عَن صَالح بن كيسَان مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز، يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
وَفِيه: من اللطائف: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب، وَرِوَايَة ثَلَاثَة من التَّابِعين، يروي بَعضهم عَن بعض، وهم صاحل وَالزهْرِيّ وَعِيسَى. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ صَالح بعد الْأَرْبَعين وَالْمِائَة، وَكَانَ تابعيا، رأى عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (وقف رَسُول الله ﷺ على نَاقَته) قَالَ ابْن عبد الْبر: فِي وقُوف النَّبِي، ﷺ ، على نَاقَته مَعَ مَا رُوِيَ عَن جَابر وَغَيره دلَالَة لما استحبه حماعة مِنْهُم الشَّافِعِي وَمَالك قَالُوا: رمى جَمْرَة الْعقبَة رَاكِبًا، قَالَ مَالك: وَفِي غير يَوْم النَّحْر مَاشِيا، وَعَن أبي حنيفَة: يرميها كلهَا مَاشِيا أَو رَاكِبًا. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: ثَبت أَن النَّبِي ﷺ رمى الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر رَاكِبًا. وَقَالَ ابْن حزم: يرميها كلهَا رَاكِبًا. قلت: يرد هَذَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مصححا عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِنَّه كَانَ إِذا رمى الْجمار مَشى إِلَيْهَا ذَاهِبًا وراجعا، ويخبر أَن النَّبِي ﷺ يفعل ذَلِك، وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَكثر أهل الْعلم. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: يركب يَوْم النَّحْر وَيَمْشي فِي الْأَيَّام الَّتِي بعد يَوْم النَّحْر. انْتهى.
وَقد أجمع الْعلمَاء على جَوَاز الْأَمريْنِ مَعًا وَاخْتلفُوا فِي الْأَفْضَل من ذَلِك، فَذهب أَحْمد إِسْحَاق إِلَى اسْتِحْبَاب الرَّمْي مَاشِيا، وروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَابر بن عبد الله أَنه كَانَ يكره أَن يركب إِلَى شَيْء من الْجمار إلَاّ من ضَرُورَة، وَذهب مَالك إِلَى اسْتِحْبَاب الْمَشْي فِي رمي أَيَّام التَّشْرِيق، وَأما جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر فيرميها على حسب حَاله كَيفَ كَانَ، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: لَيْسَ من سنة الرَّمْي الرّكُوب لَهُ وَلَا التَّرَجُّل، وَلَكِن يَرْمِي الرجل على هَيئته الَّتِي يكون حِينَئِذٍ عَلَيْهَا من ركُوب أَو مشي، وَلَا ينزل إِن كَانَ رَاكِبًا لرمي، وَلَا يركب إِن كَانَ مَاشِيا، وَأما الْأَيَّام بعْدهَا فَيَرْمِي مَاشِيا لِأَن النَّاس نازلون مَنَازِلهمْ بمنى فيمشون للرمي وَلَا يركبون، لِأَنَّهُ خُرُوج عَن التَّوَاضُع حِينَئِذٍ، هَذَا مَذْهَب مَالك. انْتهى وَاخْتَارَ بَعضهم الرّكُوب فِي الْيَوْم الأول والأخير وَالْمَشْي فِيمَا بَينهمَا، وروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: رمي الْجمار ركُوب يَوْمَيْنِ ومشي يَوْمَيْنِ، وَحمله الْبَيْهَقِيّ على ركُوب الْيَوْم الأول والأخير، وَحكى النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) عَن الشَّافِعِي وموافقيه: أَنه يسْتَحبّ لمن وصل منى رَاكِبًا أَن يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر رَاكِبًا، وَلَو رَمَاهَا مَاشِيا جَازَ، وَأما من وَصلهَا مَاشِيا فيرميها مَاشِيا، قَالَ: وَهَذَا فِي يَوْم النَّحْر، وَأما اليومان الْأَوَّلَانِ من أَيَّام التَّشْرِيق فَالسنة أَن يَرْمِي فيهمَا جَمِيعًا الجمرات مَاشِيا، وَفِي الْيَوْم الثَّالِث يَرْمِي رَاكِبًا. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: كل رمي بعده رمي كرمي الْجَمْرَتَيْن الأولى وَالْوُسْطَى فِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة يَرْمِي مَاشِيا، وَإِن لم يكن بعده رمي كرمي جَمْرَة الْعقبَة، والجمرة الْأَخِيرَة فِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة، فَيَرْمِي رَاكِبًا. هَذَا هُوَ الْفَضِيلَة، وَأما الْجَوَاز فثابت كَيفَ مَا كَانَ.
стр. 2879
تابَعَهُ مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ
أَي: تَابع صَالح بن كيسَان معمر بن رَاشد فِي رِوَايَة عَن الزُّهْرِيّ. وَأخرج مُسلم هَذِه الْمُتَابَعَة عَن ابْن أبي عمر وَعبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد: (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ على نَاقَته بمنى فجَاء رجل. .) الحَدِيث.
٢٣١ - (بابُ الْخطْبَةِ أيَّامَ مِنىً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الْخطْبَة أَيَّام منى، قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا الرّد على من زعم أَن يَوْم النَّحْر لَا خطْبَة فِيهِ للْحَاج، وَأَن الْمَذْكُور فِي هَذَا الحَدِيث من قبيل الْوَصَايَا الْعَامَّة لَا على أَنه من شَعَائِر الْحَج، فَأَرَادَ البُخَارِيّ أَن يبين أَن الرَّاوِي قد سَمَّاهَا خطْبَة كَمَا سمي الَّتِي وَقعت فِي عَرَفَات خطْبَة، وَقد اتَّفقُوا على مَشْرُوعِيَّة الْخطْبَة بِعَرَفَات، فَكَأَنَّهُ ألحق الْمُخْتَلف فِيهِ بالمتفق عَلَيْهِ. انْتهى. قلت: أَرَادَ هَذَا الْقَائِل بِهَذَا الرَّد على الطَّحَاوِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْخطْبَة الْمَذْكُورَة لَيست من متعلقات الْحَج لِأَنَّهُ لم يذكر فِيهَا شَيْئا من أُمُور الْحَج، وَإِنَّمَا ذكر فِيهَا وَصَايَا عَامَّة، وَلم ينْقل أحد أَنه علمهمْ شَيْئا من الَّذِي يتَعَلَّق بِيَوْم النَّحْر، فَعرفنَا أَنَّهَا لم تقصد لأجل الْحَج. انْتهى. قلت: رد هَذَا الْقَائِل عَن الطَّحَاوِيّ أَو على غَيره مِمَّن قَالَ مثل مَا قَالَ الطَّحَاوِيّ مَرْدُود عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يذكر شَيْئا أصلا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور من أُمُور الْحَج، وَإِنَّمَا فعل ذَلِك من أجل تَبْلِيغ مَا ذكره لِكَثْرَة الْجمع الَّذِي الَّذِي اجْتمع من أقاصي الدُّنْيَا، هَكَذَا قَالَ ابْن الْقصار أَيْضا، ثمَّ قَالَ: فَظن الَّذِي رَآهُ أَنه خطب، وَقَالَ بَعضهم، نصْرَة للقائل الْمَذْكُور: وَأجِيب بِأَنَّهُ ﷺ نبه فِي الْخطْبَة الْمَذْكُورَة على تَعْظِيم يَوْم النَّحْر، وعَلى تَعْظِيم شهر ذِي الْحجَّة، وعَلى تَعْظِيم الْبَلَد الْحَرَام، وَقد جزم الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بتسميتها خطْبَة فَلَا يلْتَفت إِلَى تَأْوِيل غَيرهم. انْتهى. قلت: لَيْت شعري مَا وَجه هَذَا الَّذِي ذكره أَن يكون جَوَابا؟ وتعظيم هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لَيْسَ لَهُ دخل فِي أُمُور الْحَج، وتعظيم هَذِه الْأَشْيَاء غير مُقَيّد بأوقات الْحَج، بل يجب تعظيمها مُطلقًا. وَقَوله: وَقد جزم الصَّحَابَة ... إِلَى آخِره، دَعْوَى بِلَا دَلِيل. على أَنا نقُول: إِن تسميتهم للتبليغ الْمَذْكُور خطْبَة لَيست على حَقِيقَة الْخطْبَة الْمَعْهُودَة الْمُشْتَملَة على أَشْيَاء شَتَّى، وَقَالَ بَعضهم فِي الرَّد على الطَّحَاوِيّ فِي قَوْله: وَلم ينْقل أحد أَنه، ﵇، علمهمْ شَيْئا من أُمُور الْحَج، بقوله: وَأما قَول الطَّحَاوِيّ: وَلم ينْقل أحد ... إِلَى آخِره، لَا يَنْفِي وُقُوع ذَلِك أَو شَيْء مِنْهُ فِي نفس الْأَمر، بل قد ثَبت فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه شهد النَّبِي، ﷺ ، يخْطب يَوْم النَّحْر وَذكر فِيهِ السُّؤَال عَن تَقْدِيم بعض الْمَنَاسِك على بعض، فَكيف سَاغَ للطحاوي هَذَا النَّفْي الْمُطلق مَعَ رِوَايَته هُوَ حَدِيث عبد الله بن عَمْرو؟ انْتهى. قلت: كَيفَ سَاغَ لهَذَا الْقَائِل أَن يحط على الطَّحَاوِيّ بفهمه كَلَامه على غير أَصله؟ فَإِنَّهُ لم ينف مُطلقًا، وَإِنَّمَا مُرَاده نفي دلَالَة حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب على أَنه خطْبَة وَقعت يَوْم النَّحْر، وَلَا يلْزم من هَذَا أَن يَنْفِي نفيا مُطلقًا، وتأييد رده عَلَيْهِ بِحَدِيث عبد الله بن عَمْرو يُؤَيّد ضعف مَا فهمه من كَلَامه، لِأَن حَدِيث عبد الله بن عَمْرو لَيْسَ فِيهِ مَا يدل صَرِيحًا على لفظ: خطب، فَإِن لفظ البُخَارِيّ وَمُسلم: (وقف فِي حجَّة الْوَدَاع فَجعلُوا يسألونه) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لمُسلم: (وقف رَسُول الله، ﷺ ، على رَاحِلَته فَطَفِقَ نَاس يسألونه) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ (أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: حلقت قبل أَن أذبح) الحَدِيث، وَلَيْسَ فِي شَيْء من هَذِه الْأَلْفَاظ مَا يدل على أَنه خطْبَة، وَإِنَّمَا هُوَ سُؤال وَجَوَاب وَتَعْلِيم وَتعلم، فَلَا يُسمى هَذَا خطْبَة، وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي أَحَادِيث أُخْرَى غير حَدِيث عبد الله بن عَمْرو مَا يدل على أَنه خطْبَة، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (قَالَ: جَاءَ رجل، يَا رَسُول الله! حلقت قبل أَن أنحر) الحَدِيث، وروى النَّسَائِيّ عَن جَابر: (أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله ذبحت قبل أَن أرمي) الحَدِيث، وروى ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ عَن جَابر أَيْضا يَقُول: (قعد رَسُول الله ﷺ بمنى يَوْم النَّحْر للنَّاس، فَجَاءَهُ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي حلقت قبل أَن أذبح. .) ، وروى الْأَئِمَّة السِّتَّة، خلا التِّرْمِذِيّ، عَن ابْن عَبَّاس من طَرِيق وَلَيْسَ فِيهَا مَا يدل على أَنه خطْبَة، فروى الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ قيل لَهُ فِي الذّبْح وَالْحلق وَالرَّمْي والتقديم وَالتَّأْخِير، قَالَ: لَا حرج) ، وروى البُخَارِيّ وَأَصْحَاب السّنَن، خلا التِّرْمِذِيّ، من رِوَايَة عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (كَانَ النَّبِي
стр. 2880
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُسأب يَوْم النَّحْر بمنى) الحَدِيث، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة مَنْصُور عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن حلق) الحَدِيث، وروى البُخَارِيّ من رِوَايَة عَطاء أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، (قَالَ رجل للنَّبِي، ﷺ : زرت قبل أَن أرمي. .) الحَدِيث، فَهَذِهِ كلهَا سُؤَالَات وأجوبة، وَقد مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله مَا يُوضح مَا ذَكرْنَاهُ هُنَا.
٣٢٠ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنِي يحيى بن سعيد قَالَ حَدثنَا فُضَيْل بن غَزوَان قَالَ حَدثنَا عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ َ - خطب النَّاس يَوْم النَّحْر فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس أَي يَوْم هَذَا قَالُوا يَوْم حرَام قَالَ فَأَي بلد هَذَا قَالُوا بلد حرَام قَالَ فَأَي شهر هَذَا قَالُوا شهر حرَام قَالَ فَإِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي بلدكم هَذَا فِي شهركم هَذَا فَأَعَادَهَا مرَارًا ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ اللَّهُمَّ هَل بلغت اللَّهُمَّ هَل بلغت قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لوصيته إِلَى أمته فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " خطب النَّاس يَوْم النَّحْر " وَقد ذكرنَا أَن قَوْله " خطب " لَيْسَ من الْخطْبَة الْمَعْهُودَة وَإِطْلَاق الْخطْبَة عَلَيْهِ بِاعْتِبَار أَنَّهَا فِي الأَصْل كَلَام وَقَول وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ وَيحيى هُوَ الْقطَّان وفضيل بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن غَزوَان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الزَّاي وبالنون فِي آخِره وَفِيه أَن شيخ وَعِكْرِمَة مدنيان وَيحيى بَصرِي وفضيل كُوفِي والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن أَحْمد بن أشكاب وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بِهِ. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " خطب النَّاس يَوْم النَّحْر " قد ذكرنَا أَن إِطْلَاق لفظ الْخطْبَة لَيْسَ على حَقِيقَة الْخطْبَة الْمَعْهُودَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَمر من أُمُور الْحَج كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَالْخطْبَة الْحَقِيقِيَّة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس مَا رَوَاهُ جَابر بن زيد عَنهُ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يخْطب بِعَرَفَات كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب فَهَذِهِ الْخطْبَة الْحَقِيقِيَّة لِأَن فِيهَا تَعْلِيم النَّاس الْوُقُوف بِعَرَفَة والمزدلفة والإفاضة مِنْهَا وَرمي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر وَالذّبْح وَالْحلق وَطواف الزِّيَارَة وَلَيْسَ فِي خطْبَة يَوْم النَّحْر شَيْء من ذَلِك وَإِنَّمَا هِيَ سُؤَالَات وأجوبة كَمَا ذكرنَا وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث الهرماس بن زِيَاد وَأبي أُمَامَة عِنْد أبي دَاوُد وَحَدِيث جَابر بن عبد الله عِنْد أَحْمد " خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم النَّحْر فَقَالَ أَي يَوْم أعظم حُرْمَة " الحَدِيث وَإِطْلَاق الْخطْبَة فِي كل ذَلِك لَيْسَ على حَقِيقَته قَوْله " فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس " خطاب لمن كَانَ مَعَه فِي ذَلِك الْوَقْت وَوَصِيَّة أَيْضا للشاهدين بِأَن يبلغُوا الغائبين كَمَا يَأْتِي ذَلِك عَن قريب قَوْله " أَي يَوْم هَذَا " خرج مخرج الِاسْتِفْهَام وَالْمرَاد بِهِ التَّقْدِير لِأَنَّهُ أبلغ وَكَذَلِكَ الاستفهامان الْآخرَانِ قَوْله " قَالُوا يَوْم حرَام " يَعْنِي يحرم فِيهِ الْقِتَال وتوصيف الْيَوْم بالحرام مجَاز مُرْسل من قبيل قَوْلهم رجل عدل لِأَن الْحَرَام لَيْسَ عين الْيَوْم وَإِنَّمَا هُوَ الَّذِي يَقع فِيهِ من الْقِتَال وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي قَوْله " بلد حرَام وَشهر حرَام " وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) الْمُسْتَفَاد من الحَدِيث الأول وَهُوَ حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنهم أجابوه بِأَنَّهُ يَوْم حرَام وَمن الثَّانِي وَهُوَ حَدِيث أبي بكرَة أَنهم سكتوا عَنهُ وفوضوه إِلَيْهِ فَمَا التَّوْفِيق بَينهمَا (قلت) السُّؤَال الثَّانِي فِيهِ فخامة لَيست فِي الأول بِسَبَب زِيَادَة لفظ أَتَدْرُونَ فَلهَذَا سكتوا فِيهِ بِخِلَاف الأول وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ يَوْم كَذَا بعد أَن قَالَ ﷺ َ - أَلَيْسَ هَذَا يَوْم النَّحْر وَكَذَا فِي أَخَوَيْهِ فالسكوت كَانَ أَولا وَالْجَوَاب بِالتَّعْيِينِ كَانَ آخرا انْتهى ووفق بَعضهم بَين الْحَدِيثين بقوله لعلهما وَاقِعَتَانِ ورده بَعضهم بقوله وَلَيْسَ بِشَيْء لِأَن الْخطْبَة يَوْم النَّحْر إِنَّمَا تشرع مرّة وَاحِدَة وَقد قَالَ فِي كل مِنْهُمَا أَن ذَلِك كَانَ يَوْم النَّحْر انْتهى (قلت) لَيْسَ لهَذَا الرَّد وَجه لِأَنَّهُ لَا مَانع من تعدد الْقَضِيَّة وَقَوله لِأَن الْخطْبَة يَوْم النَّحْر إِلَى آخِره
стр. 2881
بِنَاء على أَن الْخطْبَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس على حَقِيقَتهَا على زعمهم وَهَذَا لَا يَقُول بِهِ خصمهم قَوْله " وَأَعْرَاضكُمْ " جمع عرض بِكَسْر الْعين وَهُوَ مَا يحميه الْإِنْسَان وَيلْزمهُ الْقيام بِهِ قَالَه أَبُو عَمْرو وَقَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ مَا يمدح بِهِ ويذم وَقيل الْعرض الْحسب وَقيل النَّفس فَإِن الْعرض يُقَال للنَّفس وللحسب يُقَال فلَان نقي الْعرض أَي بَرِيء أَن يشْتم أَو يعاب وَالْعرض رَائِحَة الْجَسَد أَو غَيره طيبَة أَو خبيثة وَفِي شرح السّنة لَو كَانَ المُرَاد من الْأَعْرَاض النُّفُوس لَكَانَ تَكْرَارا لِأَن ذكر الدِّمَاء كَاف إِذْ المُرَاد بهَا النُّفُوس وَقَالَ الطَّيِّبِيّ الظَّاهِر أَن المُرَاد بالأعراض الْأَخْلَاق النفسانية وَذكر فِي النِّهَايَة الْعرض مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه وَلما كَانَ مَوضِع الْعرض النَّفس قَالَ من قَالَ الْعرض النَّفس إطلاقا للمحل على الْحَال وَحين كَانَ الْمَدْح نِسْبَة الشَّخْص إِلَى الْأَخْلَاق الحميدة والذم نسبته إِلَى الذميمة سَوَاء كَانَت فِيهِ أَو لَا قَالَ من قَالَ الْعرض الْخلق إطلاقا الِاسْم اللَّازِم على الْمَلْزُوم قَوْله " كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا " إِنَّمَا شبهها فِي الْحُرْمَة بِهَذِهِ الْأَشْيَاء لأَنهم كَانُوا لَا يرَوْنَ اسْتِبَاحَة تِلْكَ الْأَشْيَاء وانتهاك حرمتهَا بِحَال وَقيل مثل بِالْيَوْمِ وبالشهر وبالبلد لتوكيد تَحْرِيم مَا حرم من الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض قَوْله " فَأَعَادَهَا مرَارًا " أَي أعَاد الْمَذْكُورَات مرَارًا وَأقله أَن يكون ثَلَاث مَرَّات قَوْله " ثمَّ رفع رَأسه " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه ثمَّ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء قَوْله " اللَّهُمَّ هَل بلغت " إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ فرضا عَلَيْهِ ﷺ َ - أَن يبلغ وَمِنْه سميت حجَّة الْبَلَاغ قَوْله " إِنَّهَا لوصيته " أَي أَن الْكَلِمَات الَّتِي قَالَهَا لوصيته إِلَى أمته يُرِيد بذلك قَوْله ﷺ َ - " فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب " إِلَى آخر الحَدِيث وَالْمرَاد بِالشَّاهِدِ الْحَاضِر فِي ذَلِك الْمجْلس وَقَوله قَالَ ابْن عَبَّاس فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لوصيته إِلَى أمته قسم من ابْن عَبَّاس صدر بِهِ كَلَامه للتَّأْكِيد وَهُوَ إِلَى آخر كَلَامه معترض بَين قَوْله ﷺ َ - " هَل بلغت " وَبَين قَوْله " فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب " وَاللَّام فِي قَوْله " لوصيته " مَفْتُوحَة وَهِي لَام التَّأْكِيد وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَذكرنَا أَن الضَّمِير فِي أَنَّهَا يرجع إِلَى الْكَلِمَات الَّتِي قَالَهَا وَهِي " فليبلغ الشَّاهِد " إِلَى آخِره وَالضَّمِير وَإِن كَانَ مقدما فِي الذّكر فالقرينة تدل على أَنه مُؤخر فِي الْمَعْنى قَوْله " لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا " قَالَ الْكرْمَانِي أَي كالكفار أَو لَا يكفر بَعْضكُم بَعْضًا فتستحقوا الْقِتَال وَقَالَ الطَّيِّبِيّ أَي لَا تكن أفعالكم شَبيهَة بأعمال الْكفَّار فِي ضرب رِقَاب الْمُسلمين (قلت) ذكرُوا فِيهِ أقوالا. الأول كفر فِي حق المستحل بِغَيْر حق. الثَّانِي كفر النِّعْمَة وَحقّ الْإِسْلَام. الثَّالِث يقرب من الْكفْر وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ. الرَّابِع فعل كَفعل الْكفَّار. الْخَامِس حَقِيقَة الْكفْر يَعْنِي لَا تكفرُوا بل دوموا مُسلمين. السَّادِس المتكفرين بِالسِّلَاحِ يُقَال للابس السِّلَاح كَافِر. السَّابِع لَا يكفر بَعْضكُم بَعْضًا فتستحلوا قتال بَعْضكُم بَعْضًا (فَإِن قلت) مَا معنى قَوْله بعدِي وهم لَو رجعُوا فِي زَمَانه ﷺ َ - كَانَ لَهُم هَذَا الَّذِي ذكره لَهُم (قلت) إِنَّه ﷺ َ - قد علم أَنهم لَا يرجعُونَ فِي حَيَاته أَو أَرَادَ بعد فراقي من موقفي هَذَا أَو الْمَعْنى بعد حَياتِي قَوْله " يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض " الرِّوَايَة بِرَفْع الْبَاء وَيصِح بِهِ الْمَقْصُود وَقَالَ عِيَاض وَضَبطه بَعضهم بِسُكُون الْبَاء وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء على تَقْدِير شَرط مضمن أَي أَن ترجعوا بعدِي وَقَالَ الطَّيِّبِيّ يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض جملَة مستأنفة مبينَة لقَوْله " فَلَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا " فَيَنْبَغِي أَن يحمل على الْعُمُوم وَأَن يُقَال لَا يظلم بَعْضكُم بَعْضًا فَلَا تسفكوا دماءكم وَلَا تهتكوا أعراضكم وَلَا تستبيحوا أَمْوَالكُم وَنَحْوه أَي فِي إِطْلَاق الْخَاص وَإِرَادَة الْعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما﴾ انْتهى (قلت) هَذَا كُله فِي شرح قَوْله ﷺ َ - " لَا ترجعوا بعدِي ضلالا " لِأَن الْمَتْن الَّذِي شَرحه وَهُوَ متن الْمشكاة وَقع " ضلالا " ثمَّ قَالَ ويروى " كفَّارًا " ثمَّ نقل كَلَام صَاحب الْمظهر بقوله يَعْنِي إِذا فَارَقت الدُّنْيَا فاثبتوا بعدِي على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ من الْإِيمَان وَالتَّقوى وَلَا تظلموا أحدا وَلَا تَحَارَبُوا الْمُسلمين وَلَا تَأْخُذُوا أَمْوَالهم بِالْبَاطِلِ فَإِن هَذِه الْأَفْعَال من الضَّلَالَة والعدول من الْحق إِلَى الْبَاطِل ثمَّ قَالَ الطَّيِّبِيّ بعد ذَلِك مَا ذكرنَا عَنهُ من قَوْله جملَة مستأنفة إِلَى آخِره (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَأحمد على أَن الْخطْبَة يَوْم النَّحْر سنة وَقَالَ ابْن قدامَة وَعَن بعض أَصْحَابنَا لَا يخْطب فِيهِ وَهُوَ مَذْهَب مَالك قلت الْخطْبَة عِنْد أَصْحَابنَا فِي الْحَج فِي ثَلَاثَة أَيَّام الأولى فِي الْيَوْم السَّابِع من
стр. 2882
ذِي الْحجَّة وَالثَّانيَِة بِعَرَفَات يَوْم عَرَفَة وَالثَّالِثَة بمنى فِي الْيَوْم الْحَادِي عشر وَعند زفر يخْطب فِي ثَلَاثَة أَيَّام مُتَوَالِيَة أَولهَا يَوْم التَّرويَة وَقَالَ ابْن الْمُنْذر خطب سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم السَّابِع وَكَذَا أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَرَأَ سُورَة بَرَاءَة عَلَيْهِم رَوَاهُ ابْن عمر. وَفِي التَّلْوِيح وَأما الْخطب الَّتِي وَردت فِي الْآثَار أَيَّام الْحَج فَمِنْهَا خطْبَة يَوْم التَّرويَة وَهُوَ الْيَوْم الثَّامِن من ذِي الْحجَّة وَهُوَ يُوَافق قَول زفر لِأَن الْجَمَاعَة لَا يرَوْنَ فِيهِ خطْبَة بل الْخطْبَة الأولى قبل يَوْم التَّرويَة بِيَوْم وَهُوَ الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَقَالَ عَطاء أدركتهم يخرجُون وَلَا يخطبون بِمَكَّة قَالَ ابْن الْمُنْذر قَول مَالك كَقَوْل عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ الْخطب الْمَشْرُوعَة فِي الْحَج عندنَا أَرْبَعَة أَولهَا بِمَكَّة عِنْد الْكَعْبَة فِي الْيَوْم السَّابِع قَالَ وَهِي مسنونة عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بعد صَلَاة الظّهْر وَالثَّانيَِة بِبَطن عُرَنَة يَوْم عَرَفَة وَالثَّالِثَة يَوْم النَّحْر وَالرَّابِعَة يَوْم النَّفر وَهُوَ الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام التَّشْرِيق وَكلهَا أَفْرَاد إِلَّا الَّتِي يَوْم عَرَفَات فَإِنَّهَا خطبتان بعد صَلَاة الظّهْر وَقبل الصَّلَاة انْتهى. وَمِنْهَا خطْبَة يَوْم عَرَفَة لما رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر " حَتَّى إِذا زَالَت الشَّمْس أَمر بالقصواء فرحلت فَأتى بطن الْوَادي فَخَطب " وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث زيد بن أسلم عَن رجل من بني ضميرَة عَن أَبِيه أَو عَمه قَالَ " رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ على الْمِنْبَر يَوْم عَرَفَة وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر يرفعهُ " فَلَمَّا أَتَى عَرَفَة " فَذكر كلَاما. وَفِيه " حَتَّى إِذا كَانَ عِنْد صَلَاة الظّهْر رَاح مهجرا فَجمع بَين الظّهْر وَالْعصر ثمَّ خطب النَّاس " الحَدِيث وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث قيس بن الْمطلب أَن النَّبِي ﷺ َ - خطب بِعَرَفَة وروى أَحْمد من حَدِيث نبيط أَنه رَآهُ ﷺ َ - وَاقِفًا بِعَرَفَة على بعير أَحْمَر يخْطب فَسَمعهُ يَقُول أَي يَوْم أحرم قَالُوا هَذَا الْيَوْم قَالَ فَأَي بلد أحرم قَالُوا هَذَا الْبَلَد قَالَ فَأَي شهر أحرم قَالُوا هَذَا الشَّهْر " الحَدِيث وَعَن العداء بن خَالِد " رَأَيْت النَّبِي ﷺ َ - يخْطب بِعَرَفَات وَهُوَ قَائِم وَهُوَ يُنَادي بِأَعْلَى صَوته يَا أَيهَا النَّاس أَي يَوْم هَذَا " الحَدِيث وروى ابْن ماجة من حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ على نَاقَته بِعَرَفَات أَتَدْرِي أَي يَوْم هَذَا الحَدِيث وروى الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه من حَدِيث ابْن عَبَّاس " لما وقف النَّبِي ﷺ َ - بِعَرَفَة أَمر ربيعَة بن أُميَّة بن خلف فَقَامَ تَحت نَاقَته فَقَالَ اُصْرُخْ أَيهَا النَّاس أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا فَصَرَخَ فَقَالَ النَّاس الشَّهْر الْحَرَام " الحَدِيث. وَمِنْهَا خطْبَة يَوْم النَّحْر رَوَاهَا جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم الهرماس بن زِيَاد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ " رَأَيْت النَّبِي ﷺ َ - يخْطب النَّاس على نَاقَته الجدعاء يَوْم الْأَضْحَى " وروى عَن أبي أُمَامَة قَالَ سَمِعت خطْبَة رَسُول الله ﷺ َ - بمنى يَوْم النَّحْر وروى عَن عبد الرَّحْمَن بن معَاذ التَّيْمِيّ قَالَ " خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ َ - وَنحن بمنى " وروى عَن رَافع بن عَمْرو الْمُزنِيّ قَالَ " رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - يخْطب النَّاس بمنى حِين ارْتَفع الضُّحَى على بغلة شهباء " الحَدِيث وروى ابْن أبي شيبَة عَن مَسْرُوق أَن النَّبِي ﷺ َ - خطبهم يَوْم النَّحْر. وَمِنْهَا خطْبَة الْيَوْم الْحَادِي عشر من ذِي الْحجَّة وَقَالَ ابْن حزم وخطب النَّاس أَيْضا يَعْنِي سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم الْأَحَد ثَانِي يَوْم النَّحْر وَهُوَ يَوْم الرؤس وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَهُوَ أول أَيَّام التَّشْرِيق وَهُوَ يَوْم النَّفر وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث سرا بنت نَبهَان قَالَت " خَطَبنَا النَّبِي ﷺ َ - يَوْم الرؤس فَقَالَ أَي يَوْم هَذَا قُلْنَا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ أَلَيْسَ أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق " وَعَن رجلَيْنِ من بني بكر " رَأينَا رَسُول الله ﷺ َ - يخْطب بَين أوساط أَيَّام التَّشْرِيق وَنحن عِنْد رَاحِلَته " وروى أَحْمد من حَدِيث أبي حرَّة الرقاشِي " عَن عمر قَالَ كنت آخذ بزمام نَاقَة رَسُول الله ﷺ َ - فِي أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق أذود عَنهُ النَّاس فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس هَل تَدْرُونَ فِي أَي شهر أَنْتُم " الحَدِيث وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث كَعْب بن عَاصِم الْأَشْعَرِيّ " أَن رَسُول الله ﷺ َ - خطب بمنى أَوسط أَيَّام الْأَضْحَى " وَقَالَ ابْن الْمَوَّاز هَذِه الْخطْبَة بعد الظّهْر من غير جُلُوس فِيهَا وَلَا قِرَاءَة جهرية فِي شَيْء من صلَاتهَا. وَمِنْهَا خطْبَة يَوْم الأكارع وَقَالَ ابْن حزم وَقد رُوِيَ أَيْضا أَنه ﷺ َ - خطبهم يَوْم الِاثْنَيْنِ وَهُوَ يَوْم الأكارع وَأوصى بذوي الْأَرْحَام خيرا وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن الرّبيع بن أبي سُبْرَة عَن أَبِيه عَن جده " أَن رَسُول الله ﷺ َ - خطب وسط أَيَّام التَّشْرِيق " قَالَ ابْن قدامَة يَعْنِي يَوْم النَّفر الأول وروى عَن أبي هُرَيْرَة
стр. 2883
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه كَانَ يخْطب الْعشْر كُله وَفِي المُصَنّف وَكَذَلِكَ ابْن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا -
٠٤٧١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي عَمْرٌ وَقَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَخْطُبُ بَعَرَفَاتٍ..
لَيْسَ لَهُ مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهرا وَلَكِن لما روى عَن ابْن عَبَّاس خطْبَة النَّبِي ﷺ يَوْم النَّحْر وَهُوَ من أَيَّام منى مطابقا للتَّرْجَمَة، ذكر هَذَا الحَدِيث أَيْضا هَهُنَا لكَونه عَن ابْن عَبَّاس، ويستأنس بِهَذَا الْمِقْدَار فِي وَجه الْمُطَابقَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حَفْص بن عمر بن الْحَارِث الحوضي. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: جَابر بن زيد أَبُو الشعْثَاء الْأَزْدِيّ اليحمدي. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه بَصرِي وَأَن شُعْبَة واسطي وَأَن عمرا مكي وَأَن جَابِرا بَصرِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره هَذَا الحَدِيث طرف من حَدِيث سَيَأْتِي فِي: بَاب لبس الْخُفَّيْنِ للْمحرمِ، وَأخرجه البُخَارِيّ عَن حَفْص بن عمر وَأبي الْوَلِيد وآدَم فرقهم، ثَلَاثَتهمْ عَن شُعْبَة، وَأخرجه فِي اللبَاس عَن أبي نعيم وَمُحَمّد بن يُوسُف كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن مُحَمَّد بن عمر الرَّازِيّ وَعَن أبي كريب وَعَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَأبي الرّبيع الزهْرَانِي، ثَلَاثَتهمْ عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن يحيى بن يحيى عَن هشيم وَعَن عَليّ بن خشرم وَعَن عَليّ ابْن حجر وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن أَيُّوب بن مُحَمَّد الْوزان وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَفِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن عَمْرو بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحَج عَن هِشَام بن عمار وَمُحَمّد بن الصَّباح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت عَن قريب.
تابَعَهُ ابنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍ
وَأي: تَابع شُعْبَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَفِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن عَمْرو بن دِينَار، وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح: مُرَاد البُخَارِيّ بِأَنَّهُ تَابعه فِي الْخطْبَة خَاصَّة دون ذكر عَرَفَات ويوضحه قَول مُسلم: وَأخرجه من طرق
إِلَى عَمْرو بن دِينَار لم يذكر وَاحِد مِنْهُم يخْطب بِعَرَفَات غير شُعْبَة.
١٤٧١ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدثنَا أبُو عامِرٍ قَالَ حَدثنَا قرَّةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرينَ قَالَ أخبرَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي بَكْرَةَ ورَجُلٌ أفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ حَمِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي بَكْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ خَطَبَنا النبيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ أتَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ هاذَا قُلْنَا الله ورسُولُهُ أعْلَمُ فَسَكَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمهِ قَالَ ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ قُلْنا بَلَى قَالَ أيُّ شَهْرٍ هذَا قُلْنا الله ورسولُهُ أعْلَمُ فسكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قالَ أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر قُلْنَا بلَى قُلْنَا أَي شهر هَذَا قُلْنَا الله وَرَسُوله أعلم فَسكت حَتَّى ذننا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه فَقَالَ أَلَيْسَ ذُو الْحجَّة قُلْنَا بلَى قَالَ أَي بلد هَذَا قُلْنَا الله وَرَسُوله أعلم فَسكت حَتَّى ظننا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه قَالَ ألَيْسَتْ بالْبَلدَةِ الحَرَامِ قُلْنَا بَلَى قَالَ فإنَّ دَمَاءَكُمْ وأمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذَا فِي شَهْرِكُمْ هاذا فِي بلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ ألَا هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا نعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبُ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ.
.
стр. 2884
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي. الثَّانِي: أَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو الْعَقدي. الثَّالِث: قُرَّة، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء: ابْن خَالِد أَبُو مُحَمَّد السدُوسِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين وَقد تكَرر ذكره. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَاسم أبي بكرَة نفيع بن الْحَارِث بن كلدة. السَّادِس: حميد بن عبد الرَّحْمَن. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ حميد بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، وَقَالَ بَعضهم هُوَ حميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي، وَإِنَّمَا كَانَ عِنْد ابْن سِيرِين أفضل من عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة لكَون عبد الرَّحْمَن دخل فِي الولايات، وَكَانَ حميد زاهدا. قلت: كل وَاحِد من حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي سمع من أبي بكرَة وَسمع مِنْهُ مُحَمَّد بن سِيرِين وَلم يظْهر لي أَيهمَا المُرَاد هَهُنَا. السَّابِع: أبوبكرة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ نفيع الْمَذْكُور.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وبصيغة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بخاري وَأَن أَبَا عَامر وقرة وَمُحَمّد بن سِيرِين وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة بصريون، وَحميد بن عبد الرَّحْمَن إِن كَانَ هُوَ الْحِمْيَرِي فَهُوَ بَصرِي وَإِن كَانَ ابْن عَوْف فَهُوَ مدنِي. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين وهم: مُحَمَّد بن سِيرِين وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَحميد بن عبد الرَّحْمَن.
وَقد ذكرنَا تعدده وَمن أخرجه غَيره فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : رب مبلغ أوعى من سامع.
ذكر مَعْنَاهُ: مِمَّا لم نذكرهُ هُنَاكَ. قَوْله: (وَرجل) ، بِالرَّفْع لَا غير عطفا على عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (أفضل فِي نَفسِي من عبد الرَّحْمَن) يَعْنِي من ابْن أبي بكرَة. قَوْله: (حميد بن عبد الرَّحْمَن) ، ارْتِفَاع حميد على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ حميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي. قَوْله: (أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر) ، بِنصب يَوْم على أَنه خبر: لَيْسَ، أَي: لَيْسَ الْيَوْم يَوْم النَّحْر، وَيجوز الرّفْع على أَنه إسم لَيْسَ وَالتَّقْدِير: أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر هَذَا الْيَوْم. قَوْله: (أَلَيْسَ ذُو الْحجَّة) ، بِالرَّفْع اسْم: لَيْسَ، وخبرنا مَحْذُوف أَي: لَيْسَ ذُو الْحجَّة هَذَا الشَّهْر، وَيجوز فِيهِ فتح الْحَاء وَكسرهَا. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : فتح الْحَاء أشهر. قلت: نَقله عَن صَاحب (التَّلْوِيح) وَهُوَ نَقله عَن الْقَزاز، وَفِي (المثلث) لِابْنِ سَيّده جَعلهمَا سَوَاء، وَلَكِن فِي ألسن الْعَامَّة الكسرة أشهر. قَوْله: (أليست بالبلدة الْحَرَام) ، الضَّمِير فِي: أليست، يرجع إِلَى الْبَلَد فِي قَوْله: (أَي بلد هَذَا) . قَالَ الْجَوْهَرِي: الْبَلَد والبلدة وَاحِد الْبِلَاد والبلدان، وَإِنَّمَا وصف الْبَلدة بالحرام، والبلدة تؤنث لِأَن لفظ الْحَرَام اضمحل مِنْهُ معنى الوصفية وَصَارَ إسما. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة لم يُوجد لفظ الْحَرَام، وَقَالَ التوربشتي: وَجه تَسْمِيَتهَا بالبلدة، وَهِي تقع على سَائِر الْبلدَانِ أَنَّهَا الْبَلدة الجامعة للخير الْمُسْتَحقَّة أَن تسمى بِهَذَا الإسم لتفوقها سَائِر مسميات أحناسها تفوق الْكَعْبَة فِي تَسْمِيَتهَا بِالْبَيْتِ سَائِر مسميات أجناسها حَتَّى كَأَنَّهَا هِيَ الْمحل الْمُسْتَحق للإقامة بهَا. وَقَالَ ابْن جني: من عَادَة الْعَرَب أَن يوقعوا على الشَّيْء الَّذِي يختصونه بالمدح اسْم الْجِنْس، ألَا تراهم كَيفَ سموا الْكَعْبَة بِالْبَيْتِ، وَكتاب سِيبَوَيْهٍ بِالْكتاب، وَقَالَ الْخطابِيّ: يُقَال: إِن الْبَلدة خَاص لمَكَّة، أَو: اللَّام، للْعهد عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أمرت أَن أعبد رب هَذِه الْبَلدة الَّذِي حرمهَا﴾ (النَّمْل: ١٩) . إِلَى قَوْله: ﴿إِلَى يَوْم تلقونَ﴾ ، بِفَتْح يَوْم وكسره مَعَ التَّنْوِين وَعَدَمه، وَترك التَّنْوِين مَعَ الْكسر هُوَ الَّذِي ثَبت بِهِ الرِّوَايَة. قَوْله: (اللَّهُمَّ اشْهَدْ) ، لما كَانَ التَّبْلِيغ فرضا عَلَيْهِ أشهد الله تَعَالَى أَنه أدّى مَا أوجبه عَلَيْهِ. قَوْله: (فَرب مبلغ) بِفَتْح اللَّام الْمُشَدّدَة، أَي: رب شخص بلغه كَلَامي كَانَ أحفظ لَهُ وَأفهم لمعناه من الَّذِي نَقله. قَوْله: (أوعى) ، أَي: أحفظ. فَإِن قلت: كلمة رب أَصْلهَا للتقليل، وَقد تسْتَعْمل للتكثير فَأَيّهمَا المُرَاد هُنَا؟ قلت: الظَّاهِر أَن المُرَاد معنى التقليل تدل عَلَيْهِ الرِّوَايَة الَّتِي تقدّمت فِي كتاب الْعلم، عَسى أَن يبلغ من هُوَ أوعى لَهُ مِنْهُ.
وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: وجوب تَبْلِيغ الْعلم على الْكِفَايَة، وَقد يتَعَيَّن فِي حق بعض النَّاس. وَفِيه: تَأْكِيد التَّحْرِيم وتغليظه بأبلغ مُمكن من تكْرَار وَنَحْوه. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة ضرب الْمثل وإلحاق النظير بالنظير ليَكُون أوضح للسامع.
٢٤٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدثنَا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ قَالَ أخبرنَا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ زَيْدٍ عنْ أبيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ بِمِنىً أتدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ هاذَا
стр. 2885
قَالُوا الله ورسُولُهُ أعْلَمُ فَقال فإنَّ هذَا يَوْمٌ حَرَامٌ أفَتَدْرُونَ أيُّ بَلَدٍ هاذا قالُوا الله ورسولُهُ أعْلَمُ قَالَ بَلَدٌ حَرَامٌ أفَتَدْرُونَ أيُّ شَهْرٍ هذَا قالُوا الله ورسولُه أعْلَمُ قَالَ شَهْرٌ حرامٌ قَالَ فإنَّ الله حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وأمْوالَكُمْ وأعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُم هذَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (قَالَ النَّبِي ﷺ بمنى) لِأَن قَوْله بِهَذِهِ الْكَلِمَات أَعنِي قَوْله: (أفتدرون) إِلَى آخِره عبارَة عَن خطْبَة بمنى، وَلَكِن لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْخطْبَة الْحَقِيقِيَّة الَّتِي فِيهَا شَيْء من مَنَاسِك الْحَج، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْبَاب.
وَرِجَاله: خَمْسَة، مِنْهُم: عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد يروي عَن أَبِيه مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَمُحَمّد يروي عَن جده عبد الله بن عَمْرو، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي الْفِتَن عَن حجاج بن منهال، وَفِي الْأَدَب عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب، وَفِي الْحُدُود عَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن سُلَيْمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حَرْمَلَة بن يحيى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأبي بكر بن خَلاد وَعَن عبيد الله بن معَاذ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن أبي الْوَلِيد بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُحَاربَة عَن أَحْمد بن عبد الله بن الحكم وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن دُحَيْم.
قَوْله: (بمنى) ، فِي مَحل النصب على الْحَال، وَالْبَاء، بِمَعْنى: فِي. قَوْله: (أفتدرون؟) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْقَاسِم الْمُطَرز عَن مُحَمَّد بن الْمثنى شيخ البُخَارِيّ قَالَ: أوتدرون.
وقالَ هِشَامُ بنُ الْغَازِ أَخْبرنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وقَفَ النبيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ بِهَذَا وَقَالَ هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ فَطَفِقَ النبيُّ ﷺ يَقُولُ أللَّهُمَّ اشْهَدْ وودَّعَ النَّاسَ فقالُوا هاذِهِ حَجَّةُ الوَدَاعِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِشَام بن الْغَاز، بالغين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي بِلَفْظ الْفَاعِل من الْغَزْو بِحَذْف الْيَاء وإثباتها: ابْن ربيعَة، بِفَتْح الرَّاء: الجرشِي بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء وبالشين الْمُعْجَمَة، مَاتَ سنة سبع وَخمسين وَمِائَة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو دَاوُد: حَدثنَا المؤمل بن الْفضل عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن هِشَام بن الْغَاز، قَالَ: حَدثنَا نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَن رَسُول الله ﷺ وقف يَوْم النَّحْر فِي الْحجَّة الَّتِي حج فِيهَا، فَقَالَ: أَي يَوْم هَذَا؟ فَقَالُوا: يَوْم النَّحْر. فَقَالَ: هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا وَالطَّبَرَانِيّ.
قَوْله: (بَين الجمرات) ، بِفَتْح الْجِيم وَالْمِيم: جمع جَمْرَة، وَفِيه تعْيين الْمَكَان الَّذِي وقف فِيهِ، كَمَا أَن فِي الرِّوَايَة الَّتِي قبلهَا تعْيين الزَّمَان، وكما أَن فِي حَدِيثي ابْن عَبَّاس وَأبي بكرَة تعين الْيَوْم. وَوَقع تعْيين الْوَقْت فِي الْيَوْم فِي رِوَايَة رَافع بن عَمْرو الْمُزنِيّ عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَلَفظه: (رَأَيْت النَّبِي ﷺ يخْطب النَّاس بمنى حِين ارْتَفع الضُّحَى) الحَدِيث. قَوْله: (فِي الْحجَّة الَّتِي حج) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: (فِي حجَّته الَّتِي حج) ، وللطبراني: (فِي حجَّة الْوَدَاع) . قَوْله: (بِهَذَا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: وقف متلبسا بِهَذَا الْكَلَام الْمَذْكُور، واستغرب بَعضهم من الْكرْمَانِي هَذَا التَّفْسِير، وَقَالَ: بِهَذَا، أَي: بِالْحَدِيثِ الَّذِي تقدم من طَرِيق مُحَمَّد بن زيد عَن جده. قلت: فِي طَرِيق مُحَمَّد بن زيد عَن جده، (قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم) . وَفِي طَرِيق هِشَام بن الْغَاز الَّذِي وَصله أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، قَالُوا: (يَوْم النَّحْر) ، وَهَذَا كَمَا ترى مُخْتَلف، لِأَن طَرِيق مُحَمَّد بن زيد فِيهِ التَّفْوِيض، وَفِي طَرِيق هِشَام الْجَواب بِيَوْم النَّحْر. فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا، وَكَانَ فِي طَرِيق هِشَام: ورد اللفظان الْمَذْكُورَان أَعنِي التَّفْوِيض وَالْجَوَاب. وَفِي تَعْلِيق البُخَارِيّ عَنهُ اللَّفْظ هُوَ التَّفْوِيض، فَلذَلِك فسر الْكرْمَانِي لَفْظَة: بِهَذَا، بقوله: أَي وقف متلبسا بِهَذَا الْكَلَام الْمَذْكُور، وَأَرَادَ بالْكلَام الْمَذْكُور قَوْلهم: الله وَرَسُوله أعلم، وَهُوَ التَّفْوِيض، وَهَذَا هُوَ الْوَجْه فَلَا ينْسب إِلَى الاستغراب لِأَن كلمة: الْبَاء، فِي قَوْله: بِهَذَا. تتَعَلَّق بقوله: وقف النَّبِي ﷺ . وَمن تَأمل سر التراكيب لم يزغ عَن طَرِيق الصَّوَاب. قَوْله: (وَقَالَ: هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) أَي: يَوْم النَّحْر، هَذَا هُوَ يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، وَاخْتلفُوا فِيهِ فَقيل: هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ:
стр. 2886
الْحَج الْأَكْبَر، وَالْعمْرَة يُقَال لَهَا الْحَج الْأَصْغَر. وَقيل: الْحَج الَّذِي كَانَ رَسُول الله ﷺ هُوَ وَاقِفًا فِيهِ: الْحَج الْأَكْبَر، وَقيل إِنَّمَا قَالَ: ﵊: (هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) لِاجْتِمَاع الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين فِيهِ، وموافقته لأعياد أهل الْكتاب.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَج الْأَكْبَر: حَدثنَا عبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد حَدثنَا أبي عَن أَبِيه عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الْحَارِث (عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: سَأَلت رَسُول الله، ﷺ ، عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر؟ فَقَالَ: يَوْم النَّحْر) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى أَيْضا عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَوْقُوفا، وَقَالَ: وَهُوَ الْأَصَح. قلت: انْفَرد التِّرْمِذِيّ بِإِخْرَاجِهِ مَرْفُوعا وموقوفا، وَقد رُوِيَ من غير طَرِيق ابْن إِسْحَاق عَن أبي إِسْحَاق مَرْفُوعا، وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من رِوَايَة مُغيرَة الضَّبِّيّ، وَمن رِوَايَة الْأَجْلَح كِلَاهُمَا عَن أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي الْبَاب عَن عبد الله بن عمر، وَقد ذكر الْآن وَعَن أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ، قَالَ: (بَعَثَنِي أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَن يُؤذن يَوْم النَّحْر بمنى أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان) . وَيَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَالْحج الْأَكْبَر الْحَج. وَعَن عبد الله بن أبي أوفى رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (يَوْم الْأَضْحَى يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) . وَفِي إِسْنَاده ضعف. وَعَن عَمْرو بن الْأَحْوَص رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث طَوِيل فِي الْفِتَن وَالتَّفْسِير عَنهُ قَالَ: (سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي حجَّة الْوَدَاع، فَقَالَ: أَي يَوْم هَذَا قَالُوا: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) . وَعَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: (قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ على نَاقَة حَمْرَاء مخطومة، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا؟ قَالُوا: يَوْم النَّحْر. قَالَ: صَدقْتُمْ يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) . وَقد ورد أَن الْحَج الْأَكْبَر يَوْم عَرَفَة، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من رِوَايَة ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن قيس (عَن الْمسور بن مخرمَة، قَالَ: خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَات، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أما بعد فَإِن هَذَا الْيَوْم يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) ، وَلَا يُعَارض هَذَا الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة لمجيئها من عدَّة طرق صَحِيحَة، بِخِلَاف حَدِيث الْمسور لِأَنَّهُ فَردا، وتؤول هَذَا كتأويل قَوْله: (الْحَج عَرَفَة) ، على معنى أَن الْوُقُوف هُوَ المهم من أَفعاله، لكَون الْحَج يفوت بفواته، وَكَذَلِكَ قَوْله: (يَوْم النَّحْر يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) ، بِمَعْنى أَن أَكثر أَفعَال الْحَج من الرَّمْي وَالْحلق وَالطّواف فِيهِ، وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) لشَيْخِنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي يَوْم الْحَج الْأَكْبَر على أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يَوْم النَّحْر، وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعبد الله بن أبي أوفى وَالشعْبِيّ وَمُجاهد. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يَوْم عَرَفَة، ويروى ذَلِك عَن عمر وَابْنه عبد الله بن عمر. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه أَيَّام الْحَج كلهَا، وَقد يعبر عَن الزَّمَان بِالْيَوْمِ كَقَوْلِهِم: يَوْم بُعَاث وَيَوْم الْجمل وَيَوْم صفّين وَنَحْو ذَلِك، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ. وَقَالَ مُجَاهِد: الْأَكْبَر الْقرَان، والأصغر الْإِفْرَاد، وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من رِوَايَة الْحسن عَن سَمُرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم حج أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) . زَاد فِي رِوَايَة: (بِالنَّاسِ) .
قَوْله: (فَطَفِقَ النَّبِي، ﷺ ، يَقُول) إعلم أَن طفق من أَفعَال المقاربة، وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع: مِنْهَا: مَا وضع للدلالة على الشُّرُوع فِي الْخَبَر، وَكلمَة طفق من هَذَا الْقَبِيل، وَهُوَ يعْمل عمل كَاد إلَاّ أَن خَبره يجب أَن يكون جملَة، وَهَهُنَا قَول: يَقُول، جملَة وَقعت خَبرا لَهُ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: طفق يفعل كَذَا يطفق طفقا، أَي: جعل يفعل. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وطفقا يخصفان﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٢ وطه: ١٢١) . قَالَ الْأَخْفَش: وَبَعْضهمْ يَقُول: طفق، بِالْفَتْح، يطفق طفوقا. انْتهى. قلت: الأول: من بَاب علم يعلم، وَالثَّانِي: من بَاب ضرب يضْرب، فَافْهَم. وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَغَيره بَين قَوْله: (يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) ، وَبَين قَوْله: (فَطَفِقَ) من الزِّيَادَة وَهِي قَوْله: (ودماؤكم وَأَمْوَالكُمْ عَلَيْكُم حرَام كَحُرْمَةِ هَذَا الْبَلَد فِي هَذَا الْيَوْم) . قَوْله: (فودع النَّاس) ، لِأَنَّهُ علم أَنه لَا يتَّفق لَهُ بعد هَذَا وَقْفَة أُخْرَى وَلَا اجْتِمَاع آخر مثل ذَلِك، وَسبب ذَلِك مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ: (أَنه أنزلت ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح) (الْفَتْح: ١) . على رَسُول الله ﷺ فِي وسط أَيَّام التَّشْرِيق، وَعرف أَنه الْوَدَاع فَأمر براحلته الْقَصْوَاء فرحلت لَهُ، فَركب فَوقف بِالْعقبَةِ وَاجْتمعَ النَّاس إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِن كل دم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا زيد بن الْحباب حَدثنَا مُوسَى بن عُبَيْدَة، الربذي حَدثنِي صَدَقَة بن يسَار (عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: إِن هَذِه السُّورَة نزلت على رَسُول الله ﷺ أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق بمنى وَهُوَ فِي حجَّة الْوَدَاع ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ (الْفَتْح: ١) . حَتَّى خَتمهَا، فَعرف رَسُول الله، ﷺ ، أَنه
стр. 2887
الْوَدَاع) الحَدِيث بِطُولِهِ، ومُوسَى بن عُبَيْدَة ضَعِيف. قَوْله: (فَقَالُوا) أَي الصَّحَابَة: هَذِه الْحجَّة حجَّة الْوَدَاع، والوداع بِفَتْح الْوَاو، وَجَاء بِكَسْرِهَا.
٣٣١ - (بابٌ هَلْ يَبِيتُ أصْحَابُ السِّقَايَةِ أوْ غَيْرُهُمْ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنىً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يبيت أَصْحَاب السِّقَايَة، وَهِي المَاء الْمعد للشُّرْب، وسقاية الْعَبَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام مَشْهُورَة. قَوْله: (أَو غَيرهم) ، أَي: أَو غير أَصْحَاب السِّقَايَة مِمَّن كَانَ لَهُ عذر من مرض أَو شغل كالحطابين والرعاء، وَالْبَاء فِي: بِمَكَّة، تتَعَلَّق بقوله: يبيت. وليالي، مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ جَوَاب الِاسْتِفْهَام؟ قلت: الظَّاهِر أَنه اكْتفى بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب عَن ذكر الْجَواب. وَقيل: يحْتَمل أَن البُخَارِيّ لَا يرى ذَلِك إلَاّ لأهل السِّقَايَة خَاصَّة وحدهم، كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْبَعْض، وَيحْتَمل أَن يكون طرد الْإِبَاحَة فِي ذَلِك لأَصْحَاب الْأَعْذَار، كَمَا أُبِيح لأَصْحَاب السِّقَايَة، فَلذَلِك لم يذكر الْجَواب.
٣٤٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ بنِ مَيْمُونٍ قَالَ حَدثنَا عِيسَى بنُ يُونُسَ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا رَخَّصَ النبيُّ ﷺ ..
أخرج حَدِيث ابْن عمر هَذَا من ثَلَاثَة طرق، وَاقْتصر عَلَيْهِ فِي الطَّرِيق الأول بقوله: رخص، وَفِي الثَّانِي بقوله: أذن، وَلم يعلم الترخيص وَالْأُذن فِيمَا ذَا، وَبَين ذَلِك فِي الطَّرِيق الثَّالِث كَمَا يَجِيء عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ومطابقتها للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَال هَذَا خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن عبيد، مصغر: العَبْد، ابْن مَيْمُون مولى هَارُون بن يزِيد بن مهَاجر بن قنفذ الْمدنِي الْمَشْهُور بِمُحَمد بن أبي عباد وَهُوَ من أَفْرَاده. الثَّانِي: عِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق، واسْمه عَمْرو بن عبد الله الْهَمدَانِي الْكُوفِي. الثَّالِث: عبيد الله الْعمريّ، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (رخص النَّبِي، ﷺ جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَالْمَفْعُول مَحْذُوف تَقْدِيره: رخص فِي البيتوتة ليَالِي منى بِمَكَّة لأهل السِّقَايَة. وَقد مر الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب مستقصىً فِي: بَاب سِقَايَة الْحَاج، فَإِنَّهُ أخرج حَدِيث ابْن عمر هُنَاكَ من طَرِيق عبيد الله عَن نَافِع، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنهُ.
٤٤٧١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى قَالَ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ بَكْرٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ أذِنَ..
هَذَا طَرِيق ثَان عَن يحيى بن مُوسَى بن عبد ربه بن سَالم أبي زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: خت، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن مُحَمَّد بن بكر بن عُثْمَان البرْسَانِي الْبَصْرِيّ عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عبيد الله الْعمريّ عَن نَافِع.
وَأخرجه مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن حَاتِم وَعبد بن حميد، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج عَن عبيد الله عَن نَافِع.
قَوْله: (أذن) أَي: أذن للْعَبَّاس بن عبد الْمطلب للسقاية بِأَن يبيت ليَالِي منى بِمَكَّة.
٥٤٧١ - قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ نمَيْرٍ قَالَ حَدثنَا أبِي قَالَ حَدثنَا عُبَيْدُ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ العَبَّاسَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ اسْتَأْذَنَ النبيَّ ﷺ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيالِي مِنىً مِنْ أجْلِ سِقَايَتِهِ فأذِنَ لَهُ..
هَذَا طَرِيق ثَالِث أخرجه عَن مُحَمَّد بن نمير، بِضَم النُّون وَفتح الْمِيم إِلَى آخِره، وَمضى هَذَا فِي بَاب سِقَايَة الْحَاج عَن ابْن عمر بِلَفْظ: (اسْتَأْذن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب رَسُول الله ﷺ أَن يبيت بِمَكَّة ليَالِي منى من أجل سقايته فَأذن لَهُ) . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر السّنة أَن يبيت النَّاس بمنى ليَالِي أَيَّام التَّشْرِيق إلَاّ من أرخص لَهُ رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك، فَإِنَّهُ أرخص للْعَبَّاس أَن يبيت بِمَكَّة
стр. 2888
لأجل سقايته، وأرخص لرعاء الْإِبِل وأرخص لمن أَرَادَ التَّعْجِيل أَن ينفر فِي النَّفر الأول.
وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِيمَن بَات لَيْلَة منى بِمَكَّة من غير من رخص لَهُ، فَقَالَ مَالك: عَلَيْهِ دم، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن بَات لَيْلَة أطْعم عَنْهَا مِسْكينا، وَإِن بَات ليَالِي منى كلهَا أَحْبَبْت أَن يهريق دَمًا، وَجعل أَبُو حنيفَة، رَحمَه الله تَعَالَى، وَأَصْحَابه لَا شَيْء عَلَيْهِ إِن كَانَ يَأْتِي منى، وَيَرْمِي الْجمار، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
تابَعَهُ أبُو أسَامَةَ وعُقْبَةُ بنُ خَالِدٍ وأبُو ضَمْرَةَ
أَي: تَابع مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا ابْن نمير وَأَبُو أُسَامَة، قَالَا: حَدثنَا عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَحدثنَا ابْن نمير، وَاللَّفْظ لَهُ، قَالَ: حَدثنَا أبي قَالَ: حَدثنَا عبيد الله، قَالَ: حَدثنِي نَافِع (عَن ابْن عمر أَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب اسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ أَن يبيت بِمَكَّة ليَالِي منى من أجل سقايته، فَأذن لَهُ.
قَوْله: (وَعقبَة بن خَالِد) عطف على قَوْله: (أَبُو أُسَامَة) أَي: تَابع ابْن نمير أَيْضا عقبَة بن خَالِد أَبُو مَسْعُود الْكُوفِي. وَأخرج مُتَابَعَته عُثْمَان بن أبي شيبَة فِي مُسْنده عَنهُ.
قَوْله: (وَأَبُو ضَمرَة) عطف على مَا قبله أَي: تَابع ابْن نمير أَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم، واسْمه أنس بن عِيَاض.
وَقد أخرج البُخَارِيّ فِي: بَاب سِقَايَة الْحَاج عَن عبد الله بن أبي الْأسود عَن أبي ضَمرَة عَن عبيد الله عَن نَافِع الحَدِيث. وَإِنَّمَا ذكر البُخَارِيّ هَذِه المتابعات هُنَا بعد أَن روى هَذَا الحَدِيث من ثَلَاث طرق لأجل شكّ وَقع فِي رِوَايَة يحيى بن سعيد الْقطَّان فِي وَصله، وَقد أخرجه أَحْمد عَن يحيى عَن عبيد الله عَن نَافِع، قَالَ: لَا أعلمهُ إلَاّ عَن ابْن عمر، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: وصل هَذَا الحَدِيث بِلَا شكّ فِيهِ الدَّرَاورْدِي، وَعلي بن مسْهر وَأَبُو حَمْزَة وَعقبَة بن خَالِد وَمُحَمّد بن فليح ومُوسَى بن عقبَة عَن عبيد الله وأرسله ابْن الْمُبَارك عَن عبيد الله.
٤٣١ - (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وَقت رمي الْجمار، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن حَدِيث الْبَاب لَا يدل إلَاّ على بَيَان وَقت الْجمار.
وَقَالَ جابِرٌ رَمَى النبيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحىً ورمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهَذَا مُعَلّق وَصله مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر وَابْن إِدْرِيس عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير (عَن جَابر، قَالَ: رمى رَسُول الله ﷺ الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر ضحى وَأما بعد فَإِذا زَالَت الشَّمْس) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة يحيى بن سعيد، وَالتِّرْمِذِيّ عَن عَليّ بن خشرم: حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير (عَن جَابر، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يَرْمِي يَوْم النَّحْر ضحى وَأما بعد ذَلِك فَبعد زَوَال الشَّمْس) . وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة عبد الله بن إِدْرِيس.
قَوْله: (ضحى) الرِّوَايَة فِيهِ بِالتَّنْوِينِ على أَنه مَصْرُوف، وَهُوَ مَذْهَب النُّحَاة من أهل الْبَصْرَة، سَوَاء قصد التَّعْرِيف أَو التنكير. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول: لَقيته ضحى وضحى إِذا أردْت بِهِ ضحى يَوْمك لم تنونه، وَأما وَقت الضُّحَى بِالضَّمِّ وَالْقصر. فَقَالَ الْجَوْهَرِي: ضحوة النَّهَار بعد طُلُوع الشَّمْس، ثمَّ بعده الضُّحَى وَهُوَ حِين تشرق الشَّمْس مَقْصُور يؤنث وَيذكر، فَمن أنث ذهب إِلَى أَنَّهَا جمع: ضحوة، وَمن ذكر ذهب إِلَى أَنه إسم على فعل مثل صرد ونغر، وَهُوَ ظرف غير مُتَمَكن مثل: سحر. قَالَ: ثمَّ بعده الضحاء مَمْدُود مُذَكّر، وَهُوَ عِنْد ارْتِفَاع النَّهَار الْأَعْلَى. قَوْله: (وَرمى بعد ذَلِك بعد الزَّوَال) يَعْنِي رمي الْجمار أَيَّام التَّشْرِيق.
وَيُسْتَفَاد من الحَدِيث حكمان: الأول: أَن وَقت رمي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر ضحى اقْتِدَاء بِهِ، ﷺ . وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْمُسْتَحبّ أَن يَرْمِي بعد طُلُوع الشَّمْس ثمَّ يَأْتِي بباقي الْأَعْمَال فَيَقَع الطّواف فِي ضحوة النَّهَار. انْتهى. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: وَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ مُخَالف للْحَدِيث على مُقْتَضى تَفْسِير أهل اللُّغَة أَن ضحوة النَّهَار مُتَقَدّمَة على الضُّحَى، وَهَذَا وَقت الِاخْتِيَار، وَأما أول وَقت الْجَوَاز فَهُوَ بعد طُلُوع الشَّمْس، وَهَذَا مَذْهَبنَا لما روى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، ﷺ ، أَنه قَالَ: أَي بني لَا ترموا
стр. 2889
الْجَمْرَة حَتَّى تطلع الشَّمْس. وَأما آخِره فَإلَى غرُوب الشَّمْس، وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز الرَّمْي بعد النّصْف الْأَخير من اللَّيْل، وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) لشَيْخِنَا: وَأما آخر وَقت رمي جَمْرَة الْعقبَة فَاخْتلف فِيهِ كَلَام الرَّافِعِيّ، فَجزم فِي (الشَّرْح الصَّغِير) أَنه يَمْتَد إِلَى الزَّوَال، قَالَ: وَالْمَذْكُور فِي (النِّهَايَة) جزما امتداده إِلَى الْغُرُوب، وَحكى وَجْهَيْن فِي امتداده إِلَى الْفجْر: أصَحهمَا: أَنه لَا يَمْتَد. وَكَذَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) وَفِي (التَّوْضِيح) : رمي جَمْرَة الْعقبَة من أَسبَاب التَّحَلُّل عندنَا، وَلَيْسَ بِرُكْن، خلافًا لعبد الْملك الْمَالِكِي حَيْثُ قَالَ: من خرجت عَنهُ أَيَّام منى وَلم يرم جَمْرَة الْعقبَة بَطل حجه، فَإِن ذكر بعد غرُوب شمس يَوْم النَّحْر فَعَلَيهِ دم، وَإِن تذكر بعد فَعَلَيهِ بَدَنَة، وَقَالَ ابْن وهب: لَا شَيْء عَلَيْهِ مَا دَامَت أَيَّام منى. وَفِي (الْمُحِيط) أَوْقَات رمي جَمْرَة الْعقبَة ثَلَاثَة: مسنون بعد طُلُوع الشَّمْس، ومباح بعد زَوَالهَا إِلَى غُرُوبهَا، ومكروه وَهُوَ الرَّمْي بِاللَّيْلِ. وَلَو لم يرم حَتَّى دخل اللَّيْل فَعَلَيهِ أَن يرميها فِي اللَّيْل، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَعَن أبي يُوسُف، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ: لَا يَرْمِي فِي اللَّيْل وَعَلِيهِ دم، وَلَو لم يرمِ فِي يَوْم النَّحْر حَتَّى أصبح من الْغَد رَمَاهَا وَعَلِيهِ دم عِنْد أبي حنيفَة، خلافًا لَهما.
الحكم الثَّانِي: هُوَ أَن الرَّمْي فِي أَيَّام التَّشْرِيق مَحَله بعد زَوَال الشَّمْس، وَهُوَ كَذَلِك، وَقد اتّفق عَلَيْهِ الْأَئِمَّة. وَخَالف أَبُو حنيفَة فِي الْيَوْم الثَّالِث مِنْهَا، فَقَالَ: يجوز الرَّمْي فِيهِ قبل الزَّوَال اسْتِحْسَانًا. وَقَالَ: إِن رمى فِي الْيَوْم الأول أَو الثَّانِي قبل الزَّوَال أعَاد، وَفِي الثَّالِث يجْزِيه. وَقَالَ عَطاء وطاووس: يجوز فِي الثَّلَاثَة قبل الزَّوَال، وَاتفقَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: أَنه إِذا مَضَت أَيَّام التَّشْرِيق وَغَابَتْ الشَّمْس من آخرهَا فقد فَاتَ الرَّمْي، وَيجْبر ذَلِك بِالدَّمِ.
٦٤٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا مِسْغَرٌ عَنْ وَبَرَةَ قَالَ سألْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَتَى أرْمِي الجِمَارَ قَالَ إذَا رَمَى إمَامُكَ فأرْمِهْ فأعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْألَةَ قَالَ كُنَّا نَتَحَيَّنُ فإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من الَّذِي ذَكرْنَاهُ قبل هَذَا، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن ومسعر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالراء ابْن كدام، مر فِي كتاب الْوضُوء، وبرة، بِالْوَاو وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء المفتوحات على وزن شَجَرَة: ابْن عبد الرَّحْمَن الْمسلي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا لَام، وَكلهمْ كوفيون.
وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عبد الله بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ عَن سُفْيَان ومسعر.
قَوْله: (مَتى أرمي الْجمار؟) ، يَعْنِي: فِي غير يَوْم الْأَضْحَى. قَوْله: (إِذا رمى إمامك) أَرَادَ بِهِ الْأَمِير الَّذِي على الْحَج، وَكَانَ ابْن عمر خَافَ عَلَيْهِ أَن يُخَالف الْأَمِير فَيحصل لَهُ مِنْهُ ضَرَر، فَلَمَّا أعَاد إِلَيْهِ الْمَسْأَلَة لم يَسعهُ الكتمان، فَأعلمهُ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي زمن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فارمه) ، بهاء سَاكِنة لِأَنَّهَا هَاء السكت، والْحَدِيث رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن مسعر بِهَذَا الْإِسْنَاد، فَقَالَ فِيهِ: (فَقلت لَهُ: أَرَأَيْت إِن أخر إمامي؟) أَي: الرَّمْي، فَذكر لَهُ الحَدِيث، أخرجه ابْن أبي عمر فِي (مُسْنده) عَنهُ وَمن طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَلَفظه: (فَإِذا زاغت الشَّمْس) ، أَو زَالَت. قَوْله: (كُنَّا نتحيَّن) على وزن: نتفعل، من: الْحِين، وَهُوَ الزَّمَان أَي: نراقب الْوَقْت. قَوْله: (فَإِذا زَالَت الشَّمْس رمينَا) أَي: فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَعند الْجُمْهُور: لَا يجوز الرَّمْي فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَهِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة إلَاّ بعد الزَّوَال. وَقَالَ عَطاء وطاووس: يجْزِيه فِيهَا قبل الزَّوَال، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَاتَّفَقُوا أَنه إِذا مَضَت أَيَّام التَّشْرِيق وَغَابَتْ الشَّمْس من آخرهَا فقد فَاتَ الرَّمْي، وَيجْبر بِالدَّمِ. وَقَالَ ابْن قدامَة: إِذا أخر رمي يَوْم إِلَى يَوْم بعده أَو أخر الرَّمْي كُله إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق ترك السّنة، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَعند أبي حنيفَة: إِن ترك حَصَاة أَو حصاتين أَو ثَلَاثًا إِلَى الْغَد رَمَاهَا وَعَلِيهِ لكل حَصَاة نصف صَاع، وَإِن ترك أَرْبعا إِلَى الْغَد فَعَلَيهِ دم، وَالله أعلم.
٥٣١ - (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رمي الْجمار من بطن الْوَادي، وَأَرَادَ بِهِ رمي جمار الْعقبَة يَوْم النَّحْر، وَهَذَا هُوَ صفة رمي جَمْرَة الْعقبَة وَهِي أَن يَرْمِي من بطن الْوَادي من أَسْفَل إِلَى أَعلَى. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن عَطاء أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يعلوا إِذا رمى الْجَمْرَة؟ قلت: هَذَا فِي الْجَمْرَتَيْن الآخرتين، وَأما فِي جَمْرَة الْعقبَة فَمن بطن الْوَادي.
стр. 2890
٧٤٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخْبرَنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ يَزيدَ قَالَ رَمَى عَبْدُ الله منْ بَطْنِ الوَادِي فَقُلْتُ يابا عَبْدِ الرَّحْمانِ إنَّ نَاسا يَرْمُونَها مِنْ فَوْقِهَا فقَال والَّذِي لَا إل هـ غَيْرُهُ هاذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن كثير ضد الْقَلِيل وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ. السَّادِس: عبد الله بن مَسْعُود.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وسُفْيَان مكي والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن خَاله لِأَن عبد الرَّحْمَن هُوَ خَال إِبْرَاهِيم. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وَهُوَ الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم وَعبد الرَّحْمَن.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسَدّد وَعَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب وَعَن منْجَاب بن الْحَارِث، وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن ابْن أبي عمر وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَبُنْدَار وَابْن الْمثنى، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيحيى بن يحيى كِلَاهُمَا عَن أبي المحياة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن يُوسُف بن عِيسَى، وهناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بِهِ وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي وَمَالك بن الْخَلِيل وَعَن مُجَاهِد بن مُوسَى وَعَن هناد عَن أبي المحياة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رمى عبد الله) ، أَي ابْن مَسْعُود أَي: رمى جَمْرَة الْعقبَة من بطن الْوَادي، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: لما أَتَى عبد الله جَمْرَة الْعقبَة استبطن الْوَادي، أَي: وقف فِي بطن الْوَادي. قَوْله: (يَا با عبد الرَّحْمَن) أَصله: يَا أَبَا، بِالْهَمْزَةِ وعادتهم تسهيل الْهمزَة فِي هَذَا، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن كنية عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (وَالَّذِي لَا إل هـ غَيره. .) إِلَى آخِره، حلف ابْن مَسْعُود من غير دَاع لذَلِك لأجل تَأْكِيد كَلَامه، وَذَلِكَ أَنه لما سمع من عبد الرَّحْمَن بن يزِيد مَا نقل عَن هَؤُلَاءِ الَّذين يرْمونَ جَمْرَة الْعقبَة من فَوق الْوَادي على خلاف مَا يَفْعَله الشَّارِع صَعب عَلَيْهِ ذَلِك، وَكَرِهَهُ مِنْهُم، وَأنكر عَلَيْهِم غَايَة الْإِنْكَار حَتَّى أَلْجَأَهُ ذَلِك إِلَى الْيمن. ثمَّ الْحِكْمَة فِي ذكر ابْن مَسْعُود لسورة الْبَقَرَة دون غَيرهَا من السُّور، وَإِن كَانَ قد أنزل عَلَيْهِ كل السُّور، وَأَن مُعظم الْمَنَاسِك مَذْكُور فِي سُورَة الْبَقَرَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: من هُنَا رمى من أنزل عَلَيْهِ أُمُور الْمَنَاسِك وَأخذ عَنهُ الشَّرْع فَهُوَ أولى وأحق بالاتباع مِمَّن رمى الْجَمْرَة من فَوْقهَا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن السّنة رمي جَمْرَة الْعقبَة من بطن الْوَادي، وَلَو رَمَاهَا من أَسْفَلهَا كره. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَلَو رَمَاهَا من أَسْفَلهَا جَازَ. وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يرميها من فَوْقهَا ثمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا يرميها إلَاّ من أَسْفَلهَا وَقَالَ ابْن بطال رمى جَمْرَة الْعقبَة من حَيْثُ يَتَيَسَّر من الْعقبَة من أَو أَسْفَلهَا أَو أَعْلَاهَا أَو أوسطها، كل ذَلِك وَاسع، والموضع الَّذِي يخْتَار بهَا بطن الْوَادي من أجل حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَكَانَ جَابر بن عبد الله يرميها من بطن الْوَادي، وَبِه قَالَ عَطاء وَسَالم، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَالك، فرميها من أَسْفَلهَا أحب إِلَيّ. وَقد روى عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه جَاءَ والزحام عِنْد الْجَمْرَة، فَصَعدَ فَرَمَاهَا من فَوْقهَا. وَفِيه: أَنه لَا يكره قَول الرجل سُورَة الْبَقَرَة وَسورَة آل عمرَان، وَنَحْو ذَلِك وَهُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء إلَاّ مَا حكى عَن بعض التَّابِعين كَرَاهَة ذَلِك، وَأَنه يَنْبَغِي أَن يُقَال السُّورَة الَّتِي يذكر فِيهِ كَذَا، وَالأَصَح قَول الْجُمْهُور لقَوْله ﷺ : (من قَرَأَ الْآيَتَيْنِ من آخر سُورَة الْبَقَرَة فِي لَيْلَة كفتاه) . وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المرفوعة.
وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ الوَلِيدِ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ بِهاذَا
стр. 2891
هَذَا تَعْلِيق وَصله عبد الرَّحْمَن بن مَنْدَه بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي، هَذَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٦٣١ - (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ بِسَبْعِ حَصَياتٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن عدد رمي الْجمار إِنَّمَا هُوَ بِسبع حَصَيَات، بِفَتْح الصَّاد وَالْيَاء، جمع حَصَاة وَهُوَ الصَّوَاب بِخِلَاف مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي الْحسن: حصايات.
ذكَرَهُ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: ذكر السَّبع عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، وَوَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب إِذا رمى الْجَمْرَتَيْن، وَهُوَ الْبَاب الرَّابِع بعد هَذَا الْبَاب على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله.
٨٤٧١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ انْتَهَى إلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى جعَلَ الْبَيْتَ عَن يَسَارِهِ ومِنىً عَنْ يَمِينِهِ ورَمَى بِسَبْعٍ وَقَالَ هاكَذا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورَةُ البَقَرَةِ ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عُيَيْنَة، بِضَم الْعين وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَوَقع فِي بعض النّسخ مَذْكُورا عَن الحكم بن عتيبة وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ.
قَوْله: (إِلَى الْجَمْرَة الْكُبْرَى) هِيَ جَمْرَة الْعقبَة آخر الجمرات الثَّلَاث بِالنِّسْبَةِ إِلَى المتوجه من منى إِلَى مَكَّة. قَوْله: (وَمنى عَن يَمِينه) أَي: وَجعل منى عَن يَمِينه. قَوْله: (وَرمى بِسبع) ، أَي: بِسبع حَصَيَات.
وَيُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن رمي الْجَمْرَة لَا بُد أَن يكون بِسبع حَصَيَات، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء وَذهب عَطاء إِلَى أَنه إِن رمى بِخمْس أَجزَاء، وَقَالَ مُجَاهِد إِن رمى بست فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَاحْتج من قَالَ بذلك بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث سعد بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (رَجعْنَا فِي الْحجَّة مَعَ النَّبِي، ﷺ ، وبعضنا يَقُول: رميت بست حَصَيَات، وبعضنا يَقُول: رميت بِسبع، فَلم يُعِبْ بعضُنا على بعض) ، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة أبي مجلز، قَالَ: سَأَلت ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن شَيْء من أَمر الْجمار، فَقَالَ: مَا أَدْرِي، رَمَاهَا رَسُول الله ﷺ بست أَو سبع؟ وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن الْوَاجِب سبع، كَمَا صحّح من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَجَابِر وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهم. وَأجِيب: عَن حَدِيث سعد: بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْنَد، وَعَن حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَنه ورد على الشَّك من ابْن عَبَّاس، وَشك الشاك لَا يقْدَح فِي جزم الْجَازِم، فَإِنَّهُ رَمَاهَا بِأَقَلّ من سبع حَصَيَات، فَذهب الْجُمْهُور فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض إِلَى أَن عَلَيْهِ دَمًا، وَهُوَ قَول مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَذهب الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر إِلَى أَن تَارِك حَصَاة مدا من طَعَام، وَفِي اثْنَتَيْنِ مَدين، وَفِي ثَلَاث فَأكْثر دَمًا. وَللشَّافِعِيّ قَول آخر: إِن فِي الْحَصَاة ثلث دم، وَله قَول آخر: إِن فِي الْحَصَاة درهما.
وَذهب أَبُو حنيفَة وصاحباه إِلَى أَنه إِن ترك أَكثر من نصف الجمرات الثَّلَاث فَعَلَيهِ دم، وَإِن ترك أقل من نصفهَا فَفِي كل حَصَاة نصف صَاع، وَعَن طَاوُوس إِن رمى سِتا يطعم تَمْرَة أَو لقْمَة. وَذكر الطَّبَرِيّ عَن بَعضهم: أَنه لَو ترك رمي جَمِيعهنَّ بعد أَن يكبر عِنْد كل جَمْرَة سبع تَكْبِيرَات أَجزَأَهُ ذَلِك، وَقَالَ: إِنَّمَا جعل الرَّمْي فِي ذَلِك بالحصى سَببا لحفظ التَّكْبِيرَات السَّبع، كَمَا جعل عقد الْأَصَابِع بالتسبيح سَببا لحفظ الْعدَد، وَذكر عَن يحيى ابْن سعيد أَنه سُئِلَ عَن الخرز والنوى يسبح بِهِ؟ قَالَ: حسن، قد كَانَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تَقول: إِنَّمَا الْحَصَى للجمار ليحفظ بِهِ التَّكْبِيرَات. وَقَالَ الحكم وَحَمَّاد: من نسي جَمْرَة أَو جمرتين أَو حصاتين يهريق دَمًا. وَقَالَ عَطاء من نسي شَيْئا من رمي الْجمار فَذكر لَيْلًا أَو نَهَارا فَيلْزم مَا نسي، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن مَضَت أَيَّام التَّشْرِيق فَعَلَيهِ دم. وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ مَالك: إِن نسي حَصَاة من الْجَمْرَة حَتَّى ذهبت أَيَّام الرَّمْي ذبح شَاة، وَإِن نسي جَمْرَة تَامَّة ذبح بقرة.
وَاخْتلفُوا فِيمَن
стр. 2892
رمى سبع حَصَيَات فِي كل مرّة وَاحِدَة. فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يجْزِيه إلَاّ عَن حَصَاة وَاحِدَة وَيَرْمِي بعْدهَا سِتا. وَقَالَ عَطاء: تجزيه عَن السَّبع، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة كَمَا فِي سياط الْحَد سَوْطًا سَوْطًا، ومجتمعة إِذا علم وُصُول الْكل إِلَى بدنه، هَذَا الَّذِي ذكر عَن أبي حنيفَة ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) . وَذكر فِي (الْمُحِيط) : وَلَو رمى إِحْدَى الْجمار بِسبع حَصَيَات رمية وَاحِدَة فَهِيَ بِمَنْزِلَة حَصَاة، وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يَرْمِي سِتّ مَرَّات. قلت: الْعُمْدَة فِي النَّقْل عَن صَاحب مَذْهَب من الْمذَاهب على نقل صَاحب من أَصْحَاب ذَلِك الْمَذْهَب.
وَمن فَوَائده: أَنه يَرْمِي الْجَمْرَة وَهُوَ يَجْعَل الْبَيْت عَن يسَاره وَمنى عَن يَمِينه، وَهُوَ أحد الْوُجُوه للشَّافِعِيَّة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الصَّحِيح من مَذْهَبنَا، قَالَ: وَبِه قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء، وَفِي وَجه: أَنه يستدبر الْقبْلَة وَيسْتَقْبل الْجَمْرَة مِمَّا يَلِي مَكَّة، وَتَكون منى أَيْضا أَمَامه، وَبِه قطع الشَّيْخ أَبُو حَامِد، وَفِي وَجه: يسْتَقْبل الْقبْلَة وَيجْعَل الْجَمْرَة على يَمِينه وَمنى خلف ظَهره. وَمِنْهَا: أَنه لَا بُد من مُسَمّى الرَّمْي وَأَنه لَا يَكْفِي الْوَضع، وَهُوَ كَذَلِك عِنْد الْجُمْهُور، وَحكى القَاضِي عِيَاض عَن الْمَالِكِيَّة: أَن الطرح والوضع لَا يجزىء. قَالَ: وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي يجزىء الطرح وَلَا يجزء الْوَضع. قَالَ: ووافقنا أَبُو ثَوْر إلَاّ أَنه قَالَ: إِن كَانَ يُسَمِّي الطرح رميا أَجزَأَهُ، وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَيْضا عَن بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه يَكْفِي الْوَضع. قلت: قَالَ صَاحب (الْمُحِيط) : وضع الْحَصَاة لَا يجْزِيه عَن الرَّمْي ويجزيه طرحها لِأَنَّهُ رمى حَقِيقَة. وَمِنْهَا: أَن المُرَاد بِسبع جمرات وَهِي الحصيات. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يجوز الرَّمْي بِكُل مَا كَانَ من جنس الأَرْض: كالحجر والمدر، وَالْمرَاد السبج وَكسر الآحر، وَلَا يجوز بِمَا لَيْسَ من جنس الأَرْض: كالذهب وَالْفِضَّة واللؤلؤ والعنبر، وَذهب دَاوُد إِلَى جَوَازه بِكُل شَيْء حَتَّى بالبعرة والعصفور الْمَيِّت، وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: لَا يجوز إلَاّ بالحصى، وَقَالَ أَحْمد: لَا يجوز بِالْحجرِ الْكَبِير.
٧٣١ - (بابُ مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ فجَعَلَ الْبَيْتَ عنْ يَسَارِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من رمى جَمْرَة الْعقبَة وَهِي الْجَمْرَة الْكُبْرَى، وَجعل الْبَيْت عَن يسَاره وَجعل منى عَن يَمِينه. قَوْله: (فَجعل) ويروى: (وَجعل) بِالْوَاو.
٩٤٧١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدثنَا الحَكَمُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ أنَّهُ حَجَّ مَعَ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فرَآهُ يَرْمِي الجَمرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَياتٍ فجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ ومِنىً عنْ يَمِينِه ثُمَّ قَالَ هَذا مَقامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورَةُ الْبَقَرَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. أخرجه عَن آدم ابْن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن الحجم بن عتيبة عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي الحَدِيث السَّابِق.
٨٣١ - (بابٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الْحَاج إِذا رمى جَمْرَة الْعقبَة يكبر مَعَ كل حَصَاة تَكْبِيرَة.
قالَهُ ابنُ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: قَالَ بِالتَّكْبِيرِ مَعَ كل حَصَاة عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَاوِيا عَن النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي: بَاب إِذا رمى الْجَمْرَتَيْن، يقوم، يَأْتِي بعد هَذَا الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب.
٠٥٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ عَبْدِ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ الحَجَّاجَ يَقُولُ علَى المِنْبَرِ السُّورَةَ الَّتي يُذْكَرُ فِيها الْبَقَرةُ والسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ والسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ قَالَ فَذَكَرْتُ ذالِكَ لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ يَزِيدَ أنَّهُ كانَ معَ ابنِ
стр. 2893
مَسْعُودَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حِينَ رمَى جَمرَةَ الْعَقَبَةِ فاسْتَبْطَنَ الوَادِي حَتَّى إذَا حاذَى بالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا فرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قالَ مِنْ هاهُنَا والَّذِي لَا إِلاهَ غَيْرُهُ قامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يكبر مَعَ كل حَصَاة) ، وَهَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد الْبَصْرِيّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَالْحجاج هُوَ ابْن يُوسُف نَائِب عبد الْملك بن مَرْوَان بالعراق.
قَوْله: (قَالَ سَمِعت الْحجَّاج يَقُول) هَذَا حِكَايَة عَن الْأَعْمَش عَن الْحجَّاج لأجل إِظْهَار خطئه، وَلم يقْصد بِهِ الرِّوَايَة عَنهُ لِأَنَّهُ لم يكن أَهلا لذَلِك، وأصل الْقَضِيَّة أَن الْأَعْمَش سمع الْحجَّاج يَقُول وَهُوَ على الْمِنْبَر: السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة وَالسورَة الَّتِي تذكر فِيهَا آل عمرَان وَالسورَة الَّتِي تذكر فِيهَا النِّسَاء، وَلم يقل: سُورَة الْبَقَرَة وَسورَة آل عمرَان وَسورَة النِّسَاء، وَلم ير بِإِضَافَة السُّورَة إِلَى الْبَقَرَة وَلَا إِلَى آل عمرَان وَلَا إِلَى النِّسَاء، وَنَحْو ذَلِك. وروى النَّسَائِيّ بِلَفْظ: لَا تَقولُوا: سُورَة الْبَقَرَة، قولا: السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة. وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن الْأَعْمَش، قَالَ: سَمِعت الْحجَّاج بن يُوسُف يَقُول وَهُوَ يخْطب على الْمِنْبَر: ألفوا الْقُرْآن كَمَا أَلفه جِبْرِيل، ﵇، السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة، وَالسورَة الَّتِي تذكر فِيهَا آل عمرَان. قَالَ: فَلَقِيت إِبْرَاهِيم فَأَخْبَرته بقوله، فَسَبهُ، ثمَّ قَالَ: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن يزِيد أَنه حج مَعَ عبد الله بن مَسْعُود فَأتى جَمْرَة الْعقبَة، فاستبطن الْوَادي فاستعرضها فَرَمَاهَا من بطن الْوَادي بِسبع حَصَيَات، يكبر مَعَ كل حَصَاة. قَالَ: فَقلت: يابا عبد الرَّحْمَن إِن النَّاس يَرْمُونَهَا من فَوْقهَا؟ فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إل هـ غَيره مقَام الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة. انْتهى. وَلما قَالَ الْأَعْمَش لإِبْرَاهِيم مَا قَالَ، وحدثه إِبْرَاهِيم عَن عبد الرَّحْمَن، رد عَلَيْهِ بذلك وَأظْهر خطأ الْحجَّاج عَلَيْهِ مَا يسْتَحق، وَقَالَ عِيَاض: إِن كَانَ الْحجَّاج أَرَادَ بقوله: كَمَا أَلفه جِبْرِيل، ﵇، تأليف الْآي فِي كل سُورَة ونظمها على مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآن فِي الْمُصحف، فَهُوَ إِجْمَاع الْمُسلمين، أَجمعُوا أَن ذَلِك تأليف سيدنَا رَسُول الله ﷺ وَإِن كَانَ يُرِيد تأليف السُّورَة بَعْضهَا على أثر بعض، فَهُوَ قَول بعض الْفُقَهَاء والقراء، وَخَالفهُم جمَاعَة من الْمُحَقِّقين، وَقَالُوا: بل هُوَ اجْتِهَاد من الْأمة وَلَيْسَ بتوقيف، وَقَالَ أَبُو الْفضل: تَقْدِيم الْحجَّاج سُورَة النِّسَاء على آل عمرَان فِي رِوَايَة مُسلم دَلِيل على أَنه لم يرد إلَاّ نظم الْآي، لِأَن الْحجَّاج إِنَّمَا كَانَ يتبع مصحف عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا يُخَالِفهُ. قَوْله: (حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة) ، هِيَ الْجَمْرَة الْكُبْرَى وَلَيْسَت هِيَ من منى بل هِيَ حد منى من جِهَة مَكَّة، وَهِي الَّتِي بَايع النَّبِي ﷺ الْأَنْصَار عِنْدهَا على الْهِجْرَة، والجمرة اسْم لمجتمع الْحَصَى، سميت بذلك لِاجْتِمَاع النَّاس بهَا، فَيَقُول: تجمر بَنو فلَان إِذا اجْتَمعُوا. وَقيل: إِن الْعَرَب تسمي الْحَصَى الصغار جمارا، فَسَمت الشَّيْء بلازمه. قَوْله: (فاستبطن الْوَادي) أَي: دخل فِي بطن الْوَادي. قَوْله: (حَتَّى إِذا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ) أَي: قابلها، وَالْبَاء فِيهِ زَائِدَة، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ هُنَاكَ شَجَرَة عِنْد الْجَمْرَة. وَقد روى ابْن أبي شيبَة عَن الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب قَالَ: رَأَيْت الْقَاسِم وسالما ونافعا يرْمونَ من الشَّجَرَة، وَمن طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْأسود: أَنه كَانَ إِذا جاور الشَّجَرَة رمى جَمْرَة الْعقبَة من تَحت غُصْن من أَغْصَانهَا. قَوْله: (اعترضها) أَي: الشَّجَرَة. قَالَ بَعضهم: قلت: مَعْنَاهُ أَتَاهَا من عرضهَا، نبه عَلَيْهِ الدَّاودِيّ. قَوْله: (فَرمى) ، أَي: الْجَمْرَة. قَوْله: (يكبر) جملَة حَالية.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مِنْهَا: لَا بُد من رمي سبع بحصات. وَمِنْهَا: التَّكْبِير مَعَ كل حَصَاة، وَأَجْمعُوا على اسْتِحْبَابه فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض، وَأَنه لَو ترك التَّكْبِير أَجزَأَهُ إِجْمَاعًا وَفِيه نظر، لِأَن بَعضهم يعده وَاجِبا. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يكبر مَعَ كل حَصَاة، وَيَقُول: بِسم الله وَالله أكبر رغما للشَّيْطَان وَحزبه، وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول، كلما رمى حَصَيَات: أللهم إهدني بِالْهدى، وقني بالتقوى، وَاجعَل الْآخِرَة خيرا لي من الأولى. وَكَانَ ابْن مَسْعُود وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يَقُولَانِ عِنْد ذَلِك: أللهم اجْعَلْهُ حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: فَإِن سبح لَا شَيْء عَلَيْهِ.
стр. 2894
٩٣١ - (بابُ منْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ولَمْ يَقِفْ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من رمى جَمْرَة الْعقبَة، وَالْحَال أَنه لم يقف عِنْدهَا.
قالَهُ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: قَالَ عبد الله بن عمر عَن النَّبِي، ﷺ ، أَنه كَانَ يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة وَلَا يقف عِنْدهَا. أخرج البُخَارِيّ هَذَا مُسْندًا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب، وَقد روى أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده نَحوه، وَلَا يعرف فِيهِ خلاف.
٠٤١ - (بابٌ إذَا رَمىَ الجَمْرَتَيْنِ يَقُومُ ويُسْهِلُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا رمى الْجَمْرَتَيْن، وهما الْجَمْرَة الأولى وَالثَّانيَِة غير جَمْرَة الْعقبَة. قَوْله: (يقوم) أَي: يقف عِنْدهمَا طَويلا. وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار مَا يقف عِنْد الْجَمْرَة الأولى، فَكَانَ ابْن مَسْعُود يقف عِنْدهَا قدر قِرَاءَة سُورَة الْبَقَرَة مرَّتَيْنِ، وَعَن ابْن عمر: كَانَ يقف عِنْدهَا قدر قِرَاءَة سُورَة الْبَقَرَة عِنْد الْجَمْرَتَيْن، وَعَن أبي مجلز قَالَ: كَانَ ابْن عمر يشبر ظله ثَلَاثَة أشبار ثمَّ يَرْمِي، وَقَامَ عِنْد الْجَمْرَتَيْن قدر قِرَاءَة سُورَة يُوسُف، وَكَانَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يقف بِقدر قِرَاءَة سُورَة من المئين، وَلَا تَوْقِيف فِي ذَلِك عِنْد الْعلمَاء، وَإِنَّمَا هُوَ ذكر وَدُعَاء، فَإِن لم يقف وَلم يدع فَلَا حرج عَلَيْهِ عِنْد أَكثر الْعلمَاء إلَاّ الثَّوْريّ فَإِنَّهُ اسْتحبَّ أَن يطعم شَيْئا أَو يهريق دَمًا. قَوْله: (ويسهل) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، أَي: يقْصد السهل من الأَرْض وَهُوَ الْمَكَان المصطحب الَّذِي لَا ارْتِفَاع فِيهِ. قَوْله: (مُسْتَقْبل الْقبْلَة) كَلَام إضافي وَقع حَالا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يُسهل أَن ينزل إِلَى السهل من بطن الْوَادي، يُقَال: أسهل الْقَوْم إِذا نزلُوا من الْجَبَل إِلَى السهل.
١٥٧١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا طَلحَةُ بنُ يَحْيَى قَالَ حَدثنَا يُونسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ كانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَياتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إثْرِ كُلِّ حَصاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلاً ويَدْعُو ويَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى ثُمَّ يأخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُّ ويَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلاً ويَدْعُو ويَرْفَعُ يَدَيْهِ طَوِيلاً ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي ولَا يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ هاكَذَا رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَذكره أَيْضا فِي بَابَيْنِ بعده، وَعُثْمَان بن أبي شيبَة هُوَ أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة، وَطَلْحَة بن يحيى بن النُّعْمَان بن أبي عَيَّاش الزرقي الْأنْصَارِيّ الْمَدِينِيّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي هَذَا الْكتاب غير هَذَا الحَدِيث. فَإِن قلت: فِيهِ مقَال، فَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِقَوي، وَلِهَذَا لم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا قلت: وَثَّقَهُ ابْن معِين، على أَن البُخَارِيّ لم يحْتَج بِهِ وَحده، فقد استظهر بمتابعة سُلَيْمَان بن بِلَال فِي الْبَاب الَّذِي بعده، وبمتابعة عُثْمَان بن عمر أَيْضا، كِلَاهُمَا عَن يُونُس، وتابعهم عبد الله بن عمر النميري عَن يُونُس عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.
قَوْله: (الْجَمْرَة الدُّنْيَا) ، بِضَم الدَّال أَو بِكَسْرِهَا أَي: الْقَرِيبَة إِلَى جِهَة مَسْجِد الْخيف، وَهِي أولى الجمرات الَّتِي ترمي من ثَانِي يَوْم النَّحْر، وَهِي أقرب الجمرات من منى وأبعدها من مَكَّة. قَوْله: (على إِثْر كل حَصَاة) إِثْر الشَّيْء، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة: عقيبة. قَوْله: (حَتَّى يسهل) ، بِنصب اللَّام بِتَقْدِير: أَن، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله:
стр. 2895
(فَيقوم طَويلا) ، وَفِي رِوَايَة سلميان بن بِلَال: فَيقوم قيَاما طَويلا. قَوْله: (وَيرْفَع يَدَيْهِ) أَي: فِي الدُّعَاء، وَهَذَا يدل على مَشْرُوعِيَّة رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الدُّعَاء، وروى مَالك مَنعه فِي جَمِيع المشاعر، وروى فِي الاسْتِسْقَاء: (رَافعا يَدَيْهِ وَقد جعل بطونهما إِلَى الأَرْض، ﷺ . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا أعلم أحدا أنكر ذَلِك غير مَالك فَإِن ابْن الْقَاسِم حكى عَنهُ أَنه لم يكن يعرف رفع الْيَدَيْنِ هُنَالك قَالَ وَاتِّبَاع السّنة أفضل وَقيل يرفع حَكَاهُ ابْن التِّين وَابْن الْحَاجِب. قَوْله: (ثمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى) أَي: الْجَمْرَة الْوُسْطَى. قَوْله: (ثمَّ يَأْخُذ ذَات الشمَال) ، بِكَسْر الشين أَي: جَانب الشمَال. قَوْله: (ثمَّ يَرْمِي جَمْرَة ذَات الْعقبَة) ، هِيَ جَمْرَة الْعقبَة. وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بن عمر: (ثمَّ يَأْتِي الْجَمْرَة الَّتِي عِنْد الْعقبَة) . قَوْله: (ثمَّ ينْصَرف) ، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان: (وَلَا يقف عِنْدهَا) .
١٤١ - (بابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ جَمْرَةِ الدُّنْيا والوُسْطَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الْيَدَيْنِ عِنْد جَمْرَة الدُّنْيَا أَي: الْقَرِيبَة إِلَى مَسْجِد الْخيف، وَالْوُسْطَى هِيَ الْجَمْرَة الثَّانِيَة بَين الْجَمْرَة الأولى وجمرة الْعقبَة.
٢٤١ - (بابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء عِنْد الْجَمْرَتَيْن الأولى وَالثَّانيَِة.
٣٥٧١ - وقالَ مُحَمَّدٌ حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذَا رَمَى الجَمْرَةَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنىً يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَياتٍ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ تَقَدَّمَ أمامَها فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ رَافِعا يَدَيْهِ يَدْعُو وكانَ يُطِيلُ الوُقُوفَ ثُمَّ يأتِي الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ فيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ مِمَّا يَلِي الوَادِي فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعا يَدَيْهِ يَدْعُو ثُمَّ يأتِي الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عِنْدَ كْلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَنْصَرِفُ ولَا يَقِفُ عِنْدَهَا. قالَ الزُّهْرِيُّ سَمِعْتُ سَالِمَ بنَ عَبْدِ الله يُحَدِّثُ مِثْلَ هاذَا عنْ أبِيهِ عنِ النَّبِيِّ ﷺ وكانَ ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
(انْظُر الحَدِيث ١٥٧١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (رَافعا يَدَيْهِ يَدْعُو) .
وَرِجَاله أَرْبَعَة الأول: مُحَمَّد، ذكره مُجَردا عَن نسبه، وَاخْتلف فِيهِ،
стр. 2896
فَقَالَ أَبُو عَليّ بن السكن: هُوَ مُحَمَّد بن بشار، وَقَالَ الكلاباذي: هُوَ مُحَمَّد بن بشار أَو مُحَمَّد بن الْمثنى. قَالَ: وروى البُخَارِيّ أَيْضا فِي (جَامعه) عَن مُحَمَّد بن عبد الله الذهلي، وَقَالَ بَعضهم: وَجزم غَيره بِأَنَّهُ الْهُذلِيّ. قلت: لم أر أحدا جزم بِهِ، وَإِنَّمَا وَقع الِاخْتِلَاف فِي هَؤُلَاءِ المحمدين، فَقَالَ ابْن السكن: هُوَ مُحَمَّد بن بشار وَلم يجْزم بِهِ، وَقَالَ الكلاباذي بِالشَّكِّ بَين مُحَمَّد بن بشار وَبَين مُحَمَّد ابْن الْمثنى. قَالَ: وروى البُخَارِيّ فِي (جَامعه) أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله الذهلي وَلم يجْزم بِأحد مِنْهُم. الثَّانِي: عُثْمَان بن عمر بن فَارس الْعَبْدي الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. فَإِن قلت: مَا تَقول فِي هَذَا الحَدِيث؟ هَل هُوَ مُسْند أم مُرْسل؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا من مَرَاسِيل الزُّهْرِيّ، وَلَا يصير مُسْندًا بِمَا ذكره آخرا لِأَنَّهُ قَالَ: يحدث بِمثلِهِ لَا بِنَفسِهِ. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمصدر بِهِ الْبَاب، وَلَا اخْتِلَاف بَين أهل الحَدِيث بِأَن الْإِسْنَاد بِمثل هَذَا السِّيَاق مَوْصُول، وغايته أَنه من تَقْدِيم الْمَتْن على بعض السَّنَد، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي جَوَاز ذَلِك، ثمَّ قَالَ: وَأغْرب الْكرْمَانِي، فَقَالَ: وَنقل مَا قَالَه الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَنهُ، ثمَّ قَالَ: وَلَيْسَ مُرَاد الْمُحدث بقوله: فِي هَذَا بِمثلِهِ إلَاّ نَفسه، ثمَّ احْتج فِي دَعْوَاهُ بِمَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن نَاجِية عَن ابْن الْمثنى وَغَيره عَن عُثْمَان بن عمر، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ الزُّهْرِيّ: سَمِعت سالما يحدث بِهَذَا عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ ، فَعرف أَن المُرَاد بقوله: بِمثلِهِ: نَفسه. انْتهى. قلت: لَيْت شعري من أَيْن هَذَا التَّصَرُّف، وَكَيف يَصح احتجاجه فِي دَعْوَاهُ بِحَدِيث الْإِسْمَاعِيلِيّ، فَإِن الزُّهْرِيّ فِيهِ صرح بِالسَّمَاعِ عَن سَالم، وَسَالم صرح بِالتَّحْدِيثِ عَن أَبِيه، وَأَبوهُ صرح عَن النَّبِي ﷺ ، فَكيف يدل هَذَا على أَن المُرَاد بقوله بِمثلِهِ نَفسه؟ وَهَذَا شَيْء عَجِيب، لِأَن بَين قَوْله: يحدث بِهَذَا عَن أَبِيه، وَبَين قَوْله: يحدث مثل هَذَا عَن أَبِيه، فرقا عَظِيما لِأَن مثل الشَّيْء غَيره، فَكيف يكون نَفسه؟ تيقظ فَأَنَّهُ مَوضِع التَّأَمُّل. قَوْله: (رَافعا يَدَيْهِ) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (يَدْعُو) جملَة وَقعت حَالا أَيْضا إِمَّا من الْأَحْوَال المتداخلة أَو المترادفة. وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت آنِفا.
٣٤١ - (بابُ الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ الجِمَارِ والحَلْقِ قَبْلَ الإفَاضَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِعْمَال الطّيب بعد رمي جَمْرَة الْعقبَة وَبعد الْحلق قبل الْإِفَاضَة أَي: قبل طواف الزِّيَارَة وَهُوَ طواف الرُّكْن، وَإِنَّمَا لم يشر إِلَى الحكم فِي ذَلِك فِي التَّرْجَمَة لأجل الْخلاف فِيهِ. قَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا أُبِيح للْحَاج بعد رمي جَمْرَة الْعقبَة قبل الطّواف بِالْبَيْتِ، فروى عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن الزبير وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَنه يحل لَهُ كل شَيْء إلَاّ النِّسَاء، وَهُوَ قَول سَالم وطاووس وَالنَّخَعِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِحَدِيث الْبَاب، وروى عَن ابْن عمر وَابْنه: أَنه يحل لَهُ كل شَيْء إلَاّ النِّسَاء وَالطّيب وَقَالَ مَالك يحل لَهُ كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء وَالصَّيْد. وَفِي (الْمُدَوَّنَة) : أكره لمن رمى جَمْرَة الْعقبَة أَن يتطيب حَتَّى يفِيض فَإِن فعل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. قلت: مَذْهَب عُرْوَة بن الزبير وَجَمَاعَة من السّلف، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَنه لَا يحل للْحَاج اللبَاس وَالطّيب يَوْم النَّحْر وَإِن رمى جَمْرَة الْعقبَة وَحلق وَذبح حَتَّى تحل لَهُ النِّسَاء، وَلَا تحل لَهُ النِّسَاء حَتَّى يطوف طواف الزِّيَارَة. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يحيى بن عُثْمَان، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف، قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن أم قيس بنت مُحصن، قَالَت: دخل عَليّ عكاشة بن مُحصن وَآخر فِي منى مسَاء يَوْم الْأَضْحَى، فَنَزَعَا ثيابهما وتركا الطّيب. فَقلت: مَا لَكمَا؟ فَقَالَا: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ لنا: من لم يفضِ إِلَى الْبَيْت من عَشِيَّة هَذِه فَليدع الثِّيَاب وَالطّيب. وَقَالَ عَلْقَمَة وَسَالم وطاووس وَعبيد الله بن الْحسن وخارجة بن زيد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي (الصَّحِيح) وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق: إِذا رمى الْمحرم جَمْرَة الْعقبَة ثمَّ حلق حل لَهُ كل شَيْء كَانَ مَحْظُورًا بِالْإِحْرَامِ إلَاّ النِّسَاء.
وَاخْتلفُوا فِي حكم الطّيب. فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَأحمد فِي رِوَايَة: حكم الطّيب حكم اللبَاس فَيحل كَمَا يحل اللبَاس. وَقَالَ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة: حكم الطّيب حكم الْجِمَاع فَلَا يحل لَهُ حَتَّى يحل الْجِمَاع. وَاحْتج أَبُو حنيفَة وَمن مَعَه بِحَدِيث الْبَاب. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَاحْتج الطَّحَاوِيّ لأَصْحَابه بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مَرْفُوعا: (إِذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطّيب وَالثيَاب وكل شَيْء إلَاّ النِّسَاء) . وَفِيه الْحجَّاج بن أَرْطَأَة، وَبِحَدِيث الْحسن الْبَصْرِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَلم يسمع مِنْهُ، (قَالَ: إِذا رميتم الْجَمْرَة فقد حل لكم
стр. 2897
كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء. فَقَالَ لَهُ رجل: وَالطّيب؟ فَقَالَ: أما أَنا فقد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يضمخ رَأسه بالمسك. أفطيب هُوَ؟ قلت: سُبْحَانَ الله. آثَار التعصب الْبَاطِل لَا تَخْلُو عَنْهُم، فَلم لم يذكر صَاحب (التَّوْضِيح) حَدِيث الْبَاب فِي احتجاج الطَّحَاوِيّ لأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، فَإِنَّهُ احْتج لَهُم أَولا بِحَدِيث الْبَاب، وَأخرجه من طرق، وَاحْتج أَيْضا بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) وَصدر كَلَامه بِهِ، وغمز بقوله: وَفِيه الْحجَّاج بن أَرْطَأَة، فَمَا للحجاج بن أَرْطَأَة وَقد احتجت بِهِ الْأَرْبَعَة وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا أخرج حَدِيثه؟ وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ طعن فِيهِ بِأَن الْحسن الْبَصْرِيّ لم يسمع من ابْن عَبَّاس، فَإِنَّهُ لَيْسَ بالْحسنِ الْبَصْرِيّ، وَإِنَّمَا هُوَ الْحسن العرني، وَقد روى عَن يحيى بن معِين أَن الْحسن العرني لم يسمع من ابْن عَبَّاس، وَغَيره قَالَ: سمع مِنْهُ، فالمثبت أولى من النَّافِي على مَا عرف، وَقد ذهل صَاحب (التَّوْضِيح) وَلم يفرق بَين الْبَصْرِيّ والعرني، وَمَعَ هَذَا فَحَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَأما الْجَواب عَن حَدِيث أم قيس، أُخْت عكاشة بن مُحصن، فَإِنَّهُ لَا يُعَارض حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لِأَن حَدِيث عَائِشَة فِيهِ من الصِّحَّة مَا لَيْسَ فِي حَدِيث أم قيس، وَفِيه ابْن لَهِيعَة وَهُوَ ضَعِيف، وَحَدِيثه هَذَا شَاذ.
٤٤١ - (بابُ طَوَافِ الوَدَاعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم طواف الْوَدَاع، وَإِنَّمَا أضمر الحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب.
٥٥٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنِ ابنِ طَاووسِ عَنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أُمِرَ النَّاسُ أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بالْبَيْتِ إلَاّ أنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَن يكون آخر عَهدهم بِالْبَيْتِ) ، وَهُوَ لَا يكون إلَاّ بِالطّوافِ، وَهُوَ فِي آخر الْعَهْد طواف الْوَدَاع.
وَرِجَاله: تكَرر ذكرهم، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله بن طَاوُوس.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم، فَعَن قريب يَأْتِي، وَأخرجه أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن مُعلى بن أَسد. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن سعيد بن مَنْصُور وَأبي بكر بن أبي شيبَة، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمقري، والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَعَن جَعْفَر بن مُسَافر مُخْتَصرا.
قَوْله: (أَمر النَّاس) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وأصل الْكَلَام: أَمر النَّبِي، ﷺ ، النَّاس أَن يكون آخر عَهدهم بِالْبَيْتِ. وَرَوَاهُ مُسلم نَحوه عَن سُفْيَان عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن سُلَيْمَان الْأَحول عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (كَانَ النَّاس يَنْصَرِفُونَ فِي كل وَجه، فَقَالَ رَسُول الله،
стр. 2898
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا ينصرفن أحدكُم حَتَّى يكون آخر عَهده بِالْبَيْتِ) . قَالَ زُهَيْر: يَنْصَرِفُونَ كل، وَجه وَلم يقل: فِي. وروى مُسلم أَيْضا من رِوَايَة الْحسن بن مُسلم (عَن طَاوُوس، قَالَ: كنت مَعَ ابْن عَبَّاس إِذْ قَالَ زيد بن ثَابت: تَعْنِي أَن تصدر الْحَائِض قبل أَن يكون آخر عهدها بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: أما لَا فسل فُلَانَة الْأَنْصَارِيَّة، هَل أمرهَا بذلك رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: فَرجع زيد إِلَى ابْن عَبَّاس يضْحك، وَهُوَ يَقُول: مَا أَرَاك إلَاّ قد صدقت!) . وَفِي رِوَايَة: (فَسَأَلَهَا زيد ثمَّ رَجَعَ وَهُوَ يضْحك، فَقَالَ ... الحَدِيث كَمَا حَدَّثتنِي) . وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: (أرسل زيد إِلَى ابْن عَبَّاس: إِنِّي وجدت الَّذِي قلت كَمَا قلت، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِنِّي لأعْلم قَول رَسُول الله ﷺ للنِّسَاء، وَلَكِن أَحْبَبْت أَن أَقُول مَا فِي كتاب الله تَعَالَى، ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة: ﴿ثمَّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (الْحَج: ٩٢) . فقد قَضَت التفث ووفت النّذر وطافت بِالْبَيْتِ فَمَا بَقِي) . قَوْله: (أما لَا) بِكَسْر الْهمزَة وَفتح اللَّام وبالإمالة الْخفية، وَهُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور. قَالَ القَاضِي: ضَبطه الطَّبَرِيّ والأصيلي بِكَسْر اللَّام، قَالَ: وَالْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب فتحهَا إلَاّ على لُغَة من يمِيل. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي قَوْلهم: إفعل هَذَا إِمَّا لَا، مَعْنَاهُ: إفعله إِن كنت لَا تفعل غَيره. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أصل هَذِه الْكَلِمَة أَن وَمَا، فأدغمت النُّون فِي الْمِيم، وَمَا زَائِدَة فِي اللَّفْظ لَا حكم لَهَا، وَقد أمالت الْعَرَب: لَا، إمالة خُفْيَة. قَالَ: والعوام يشبعون إمالتها فَتَصِير ألفها يَاء، وَهُوَ خطأ، وَمَعْنَاهُ: إِن لم تفعل هَذَا فَلْيَكُن هَذَا. قَوْله: (بِالْبَيْتِ) خبر: كَانَ، يَعْنِي طواف الْوَدَاع لَا بُد أَن يكون آخر الْعَهْد بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ وَاجِب يلْزم بِتَرْكِهِ دم على الصَّحِيح عندنَا، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء. وَقَالَ مَالك وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر: هُوَ سنة لَا شَيْء فِي تَركه. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: هُوَ وَاجِب على الآفاقي دون الْمَكِّيّ والميقاتي، وَمن دونهم، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: أحب إليَّ أَن يطوف الْمَكِّيّ لِأَنَّهُ يخْتم الْمَنَاسِك، وَلَا يجب على الْحَائِض وَالنُّفَسَاء، وَلَا على الْمُعْتَمِر لِأَن وُجُوبه عرف نصا فِي الْحَج، فَيقْتَصر عَلَيْهِ وَلَا على فَائت الْحَج، لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ الْعمرَة وَلَيْسَ لَهَا طواف الْوَدَاع، وَقَالَ مَالك: إِنَّمَا أَمر النَّاس أَن يكون آخر نسكهم الطّواف لقَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك وَمن يعظم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا من تقوى الْقُلُوب﴾ (الْحَج: ٢٣) . وَقَالَ: ﴿ثمَّ محلهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق﴾ (الْحَج: ٣٣) . فَمحل الشعائر كلهَا وانقضاؤها بِالْبَيْتِ الْعَتِيق. قَالَ: وَمن أخَّر طواف الْوَدَاع وَخرج وَلم يطف، إِن كَانَ قَرِيبا رَجَعَ فَطَافَ، وَإِن لم يرجع فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَقَالَ عَطاء وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أظهر قوليه، وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: إِن كَانَ قَرِيبا رَجَعَ فَطَافَ، وَإِن تبَاعد مضى وإهراق دَمًا.
وَاخْتلفُوا فِي حد الْقرب، فَروِيَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رد رجلا من مر الظهْرَان وَلم يكن ودع، وَبَين مر الظهْرَان وَمَكَّة ثَمَانِيَة عشر ميلًا، وَعند أبي حنيفَة يرجع مَا لم يبلغ الْمَوَاقِيت، وَعند الشَّافِعِي: يرجع من مَسَافَة لَا تقصر فِيهَا الصَّلَاة. وَعند الثَّوْريّ: يرجع مَا لم يخرج من الْحرم. وَاخْتلفُوا فِيمَن ودع ثمَّ بدا لَهُ فِي شِرَاء حَوَائِجه. فَقَالَ عَطاء: يُعِيد حَتَّى يكون آخر عَهده الطّواف بِالْبَيْتِ وبنحوه. قَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يَشْتَرِي بعض حَوَائِجه وَطَعَامه فِي السُّوق، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن أَقَامَ يَوْمًا أَو نَحوه أعَاد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَو ودع وَأقَام شهرا أَو أَكثر أَجزَأَهُ. وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ.
٦٥٧١ - حدَّثنا أصبَغُ بنُ الفَرَجِ قَالَ أخْبَرَنا ابنُ وَهْبٍ عنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ عَنْ قَتَادَةَ أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثهُ أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ والمَغْرِبَ والْعِشَاءِ ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بالمحَصَّبِ ثُمَّ رَكِبَ إلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ.
(الحَدِيث ٦٥٧١ طرفه فِي: ٤٦٧١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ ركب إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ) لِأَن المُرَاد بِهِ طواف الْوَدَاع. فَإِن قلت: مَا وَجه قَوْله: إِنَّه صلى الظّهْر بالمحصب وَرمي هَذَا الْيَوْم يكون بعد الزَّوَال؟ قلت: لَا بُعد فِي هَذَا، لِأَنَّهُ ﷺ رمى فنفر فَنزل المحصب فصلى الظّهْر بِهِ، والْحَدِيث من أَفْرَاده. وَرِجَاله قد ذكرُوا وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ تكلم أَحْمد فِي حَدِيث عَمْرو عَن قَتَادَة أَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حدث أَن رَسُول الله ﷺ ، فَلهَذَا أَتَى البُخَارِيّ بالمتابعة أَيْضا. قَوْله: (بالمحصب) الْبَاء فِيهِ مُتَعَلق بقوله: صلى، وَقَوله: ثمَّ رقد عطف عَلَيْهِ، والمحصب، بِفَتْح الصَّاد الْمُشَدّدَة: اسْم لمَكَان متسع بَين منى وَمَكَّة، وَهُوَ بَين الجبلين إِلَى الْمَقَابِر، سمي بِهِ لِاجْتِمَاع الْحَصْبَاء فِيهِ بِحمْل السَّبِيل إِلَيْهِ.
стр. 2899
تابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني خالِدٌ عنْ سَعِيدٍ عنْ قَتادَةَ أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثَهُ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: تَابع عَمْرو بن الْحَارِث فِي رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث عَن قَتَادَة اللَّيْث بن سعد وَذكر هَذِه الْمُتَابَعَة الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث عَن اللَّيْث عَن خَالِد بن يزِيد السكْسكِي عَن سعيد بن أبي هِلَال، وهما قد تقدما فِي أول كتاب الْوضُوء، وَذكر الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ أَن خَالِدا تفرد بِهَذَا الحَدِيث عَن سعيد، وَأَن اللَّيْث تفرد بِهِ عَن خَالِد، وَأَن سعيد بن أبي هِلَال لم يروِ عَن قَتَادَة عَن أنس غير هَذَا.
٥٤١ - (بابٌ إذَا حاضَتِ المَرْأةُ بَعْدَما أفَاضَتْ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَرْأَة إِذا حَاضَت بَعْدَمَا أفاضت، يَعْنِي: بَعْدَمَا طافت طواف الْإِفَاضَة الَّذِي هُوَ ركن وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يجب عَلَيْهَا طواف الْوَدَاع أم يسْقط عَنْهَا بِسَبَب الْحيض، وَإِذا وَجب هَل يجْبر بِدَم أم لَا.
٧٥٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القَاسِمِ عنْ أبِيهِ عَن عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النبيِّ ﷺ حاضَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ أحَابِسَتُنَا هِيَ قالُوا إنَّهَا قَدْ أفَاضَتْ قَالَ فَلَا إِذا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَنَّهَا أفاضت قَالَ: فَلَا إِذا) ، وَجه ذَلِك أَن حَاصِل الْمَعْنى أَن طواف الْوَدَاع سَاقِط عَن الْحَائِض لِأَنَّهُ ﷺ لما أخبر عَن صَفِيَّة أَنَّهَا حَاضَت قَالَ: أحابستنا هِيَ؟ فَلَمَّا أخبر أَنَّهَا قد أفاضت من قبل أَن تحيض، قَالَ: فَلَا إِذا، أَي: فَلَا تحبسنا حِينَئِذٍ، لِأَنَّهَا أدَّت الْفَرْض الَّذِي هُوَ ركن الْحَج. وَهَذَا قَول عوام أهل الْعلم، وَخَالف فِي ذَلِك طَائِفَة، فَقَالُوا: لَا يحل لأحد أَن ينفر حَتَّى يطوف طواف الْوَدَاع، وَلم يعذروا فِي ذَلِك حَائِضًا بحيضها، ذكره الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: رُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَابْن عمر وَزيد بن ثَابت، فَإِنَّهُم أمروا الْحَائِض بالْمقَام إِذا كَانَت حَائِضًا لطواف الْوَدَاع، فكأنهم أوجبوه عَلَيْهَا كَمَا يجب عَلَيْهَا طواف الْإِفَاضَة، وَأسْندَ ابْن الْمُنْذر عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى نَافِع (عَن ابْن عمر، ققال: طافت امْرَأَة بِالْبَيْتِ يَوْم النَّحْر ثمَّ حَاضَت، فَأمر عمر بحبسها بِمَكَّة بعد أَن ينفر النَّاس حَتَّى تطهر وَتَطوف بِالْبَيْتِ) . ثمَّ قَالَ: وَقد ثَبت رُجُوع ابْن عمر وَزيد بن ثَابت عَن ذَلِك، وَبَقِي عمر فخالفناه لثُبُوت حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، وَقد روى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد: كَانَ الصَّحَابَة يَقُولُونَ: إِذا أفاضت الْمَرْأَة قبل أَن تحيض فقد فرغت، إلَاّ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: آخر عهدها بِالْبَيْتِ، وَقد وَافق عمر على رِوَايَة ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ غَيره، فروى أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ والطَّحَاوِي، وَاللَّفْظ لأبي دَاوُد. من طَرِيق الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن عبد الله بن أَوْس الثَّقَفِيّ، فَقَالَ: أتيت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَسَأَلته عَن الْمَرْأَة تَطوف بِالْبَيْتِ يَوْم النَّحْر، ثمَّ تحيض؟ قَالَ: ليكن آخر عهدها بِالْبَيْتِ. فَقَالَ الْحَارِث، كَذَلِك أفتاني رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ عمر: أربت عَن يَديك! سَأَلتنِي عَن شَيْء سَأَلت عَنهُ رَسُول الله ﷺ لكيما أخالفه، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَلَفظه: (خَرَرْت عَن يَديك) ، وَمعنى: أربت عَن يَديك، سَقَطت إرابك، وَهُوَ جمع أرب، وَهُوَ الْعُضْو، وَمعنى خَرَرْت سَقَطت، وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن هَذَا الحَدِيث بِأَنَّهُ نسخ بِحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور، وَبِحَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس: أَمر النَّاس أَن يكون آخر عَهدهم بِالْبَيْتِ، إلَاّ أَنه قد خفف عَن الْمَرْأَة الْحَائِض. وَأخرجه مُسلم أَيْضا. فَإِن قلت: روى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن سُلَيْمَان وَهُوَ ابْن أبي مُسلم الْأَحول عَن طَاوُوس (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ النَّاس ينفرون من كل وَجه، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا ينفرن أحد حَتَّى يكون آخر عَهده الطّواف بِالْبَيْتِ) ، وَهَذِه الرِّوَايَة لَا تدل على سُقُوط طواف الْوَدَاع عَن أحد. قلت: هَذَا مُطلق، وَالْأول مُقَيّد فَيحمل الْمُطلق على الْمُقَيد.
стр. 2900
قَوْله: (حَاضَت) أَي: بعد أَن أفاضت يَوْم النَّحْر. قَوْله: (فَذكرت) أَي: عَائِشَة، وروى: (فَذكر) على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله: (أحابستنا؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، أَي: أمانعتنا من التَّوَجُّه من مَكَّة فِي الْوَقْت الَّذِي أردنَا التَّوَجُّه فِيهِ ظنا مِنْهُ ﷺ أَنَّهَا مَا طافت طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (إِنَّهَا أفاضت) أَي: طافت طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (قَالَ: فَلَا إِذا) أَي: قَالَ ﷺ : أَي فَلَا حبس علينا حِينَئِذٍ.
٩٥٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ سألُوا ابنَ عَبَّاسَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ امْرَأةٍ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ قالَ لَهُمْ تَنْفِرُ قَالُوا لَا نَأخُذُ بِقَوْلِكَ ونَدَعُ قَوْلَ زَيْدٍ قَالَ إذَا قَدِمْتُمُ المَدِينَةِ فَسَلُوا فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَسَألُوا فَكانَ فِيمَنْ سَألُوا أُمَّ سُلَيْمٍ فَذَكَرَتْ حَدِيثَ صَفِيَّةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَذكرت حَدِيث صَفِيَّة) على مَا لَا يخفى، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
قَوْله: (إِن أهل الْمَدِينَة) أَي: بعض أَهلهَا، لِأَن كلهم مَا سَأَلُوهُ، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب بِلَفْظ: (إِن نَاسا من أهل الْمَدِينَة) . قَوْله: (قَالَ لَهُم: تنفر) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس للَّذين سَأَلُوهُ: تنفر هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي طافت ثمَّ حَاضَت. قَوْله: فَنَدَع، بِالْفَاءِ وَنصب: نَدع، لِأَنَّهُ جَوَاب النَّفْي، ويروى: (وَنَدع) ، بِالْوَاو. قَوْله: (قَول زيد) ، هُوَ زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي رِوَايَة عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ أفتيتنا أَو لم تفتنا، زيد بن ثَابت يَقُول: لَا تنفر. قَوْله: (فَكَانَ فِيمَن سَأَلُوا أم سليم) وَفِي رِوَايَة الثَّقَفِيّ: (فسألوا أم سليم وَغَيرهَا) . وَأم سليم، بِضَم السِّين: هِيَ أم أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَوْله: (فَذكرت) أَي: أم سليم كَذَا ذكره مُخْتَصرا. وَسَاقه الثَّقَفِيّ بِتَمَامِهِ قَالَ: (فَأَخْبَرتهمْ أَن عَائِشَة قَالَت لصفية أَفِي الخيبة أَنْت أَنَّك لحابستنا؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا ذَاك؟ قَالَت عَائِشَة: صَفِيَّة حَاضَت. قيل: إِنَّهَا قد أفاضت قَالَ: فَلَا إِذا، فَرَجَعُوا إِلَى ابْن عَبَّاس، فَقَالُوا: وجدنَا الحَدِيث كَمَا حَدَّثتنَا) .
رَوَاهُ خَالِدٌ وقَتادَةُ عنْ عِكْرِمَةَ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور خَالِد الْحذاء، وَقَتَادَة أَيْضا عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، فرواية خَالِد وَصلهَا الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق مُعلى بن مَنْصُور عَن هشيم عَنهُ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِذا طافت يَوْم النَّحْر ثمَّ حَاضَت فلتنفر، وَقَالَ زيد بن ثَابت: لَا تنفر حَتَّى تطهر وَتَطوف بِالْبَيْتِ، ثمَّ أرسل زيد بعد ذَلِك إِلَى ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَنِّي وجدت الَّذِي قلت كَمَا قلت، وَرِوَايَة قَتَادَة وَصلهَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدثنَا هِشَام هُوَ الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة قَالَ: اخْتلف ابْن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت فِي الْمَرْأَة إِذا حَاضَت وَقد طافت بِالْبَيْتِ يَوْم النَّحْر، فَقَالَ زيد: يكون آخر عهدها بِالْبَيْتِ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: تنفر إِن شَاءَت، فَقَالَت الْأَنْصَار: لَا نتابعك يَا ابْن عَبَّاس وَأَنت تخَالف زيدا، فَقَالَ: سلوا صاحبتكم أم سليم، فَقَالَت: حِضْت بَعْدَمَا طفت بِالْبَيْتِ، فَأمرنِي رَسُول الله ﷺ : أَن انفري، وحاضت صَفِيَّة، فَقَالَت لَهَا عَائِشَة: حبستنا! فَأمرهَا النَّبِي ﷺ أَن تنفر. وَقَالَ بَعضهم: طَرِيق قَتَادَة هَذِه هِيَ المحفوظة، وَقد شَذَّ عباد بن الْعَوام فَرَوَاهُ عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن أنس مُخْتَصرا فِي قصَّة أم سليم، أخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيقه، انْتهى. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا سعيد ابْن سُلَيْمَان الوَاسِطِيّ قَالَ: حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن سعيد عَن قَتَادَة (عَن أنس أَن أم سليم حَاضَت بَعْدَمَا أفاضت يَوْم النَّحْر، فَأمرهَا النَّبِي ﷺ أَن تنفر) ، إِسْنَاده صَحِيح، وَرِجَاله ثِقَات، فَمَا باله أَن يكون شاذا، وَطَرِيق قَتَادَة لَا يُنَافِي أَن يكون طَرِيق غَيره مَحْفُوظَة.
٠٦٧١ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ طَاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أنْ تَنْفِرَ إذَا أفَاضَتْ. وَقَالَ وسَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقولُ إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ
стр. 2901
ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ إنَّ النبيَّ ﷺ رَخَّصَ لَهُنَّ.
(انْظُر الحَدِيث ٠٣٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (رخص للحائض أَن تنفر إِذا أفاضت) لِأَن الْحَاصِل من مَعْنَاهُ أَن الْحَائِض إِذا طافت طواف الزِّيَارَة، تنفر وَلَا شَيْء عَلَيْهَا. وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الفراهيدي، ووهيب بِضَم الْوَاو: وَهُوَ ابْن خَالِد وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله، والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب الْمَرْأَة تحيض بعد الْإِفَاضَة فِي كتاب الْحيض، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُعلى بن أَسد عَن وهيب إِلَى آخِره نَحوه، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (رخص) على بِنَاء الْمَجْهُول، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (رخص رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (بعد) ، بِضَم الدَّال أَي: بعد أَن قَالَ: لَا تنفر، وَكَانَ ذَلِك قبل موت ابْن عمر بعام على مَا يَجِيء. قَوْله: (إِن النَّبِي، ﷺ ، رخص لَهُنَّ) أَي: للْحيض، وَهَذَا من مَرَاسِيل الصَّحَابَة. فَإِن ابْن عمر لم يسمعهُ من النَّبِي ﷺ ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو صَالح، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث، قَالَ: حَدثنَا عقيل (عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي طَاوُوس الْيَمَانِيّ أَنه سمع عبد الله بن عمر يسْأَل عَن حبس النِّسَاء عَن الطّواف بِالْبَيْتِ إِذا حضن قبل النَّفر وَقد أفضن يَوْم النَّحْر؟ فَقَالَ: إِن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَت تذكر من رَسُول الله ﷺ رخصَة النِّسَاء، وَذَلِكَ قبل موت عبد الله بعام) إِسْنَاده صَحِيح، وَأَبُو صَالح عبد الله بن صَالح وراق اللَّيْث وَشَيخ البُخَارِيّ، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يُفْتِي بمنعهن عَن النَّفر إلَاّ بِالطّوافِ، ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك حِين بلغه خبر عَائِشَة قبل مَوته بِسنة. قَوْله: (قَالَ: وَسمعت ابْن عمر) أَي: قَالَ طَاوُوس: سَمِعت عبد الله بن عمر، وَقَوله هَذَا بِالْإِسْنَادِ الأول بَينه النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته، وَكَذَلِكَ الْقَائِل فِي قَوْله: سمعته يَقُول بعد هُوَ طَاوُوس الْمَذْكُور فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَن ابْن عمر سمع ذَلِك عَن النَّبِي، ﷺ ، وَإِنَّمَا أخبر عَن النَّبِي ﷺ أَنه رخص لَهُنَّ، أَي: للنِّسَاء اللَّاتِي حضن بعد أَن طفن طواف الزِّيَارَة أَن يتركن طواف الْوَدَاع، وَهَذَا هُوَ عين الْإِرْسَال. فَافْهَم.
٢٦٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا أبُو عُوَانَةَ عنْ مَنْصُورَ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ ﷺ ولَا نُرَى إلَاّ الحَجَّ فَقَدِمَ النبيُّ ﷺ فطَافَ بِالْبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةَ ولَمْ يَحِلَّ وكانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَطافَ مَنْ كانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَحَاضَتْ هِيَ فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا فَلَمَّا كانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ لَيْلَةُ النَّفْرِ قالَتْ يَا رسولَ الله كُلُّ أصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ غَيْرِي قَالَ مَا كُنْتِ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ لَيالِيَ قَدِمْنَا قُلْتُ لَا قَالَ فاخْرُجِي مَعَ أخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ فأهِلِّي بِعُمْرَةٍ ومَوْعِدُك مَكانَ كَذا وكَذَا فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمانِ إلَى التَّنْعِيمِ فأهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ وحاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالَ النبيُّ ﷺ عَقْرَى حَلْقَى إنَّكِ لَحَابِسَتُنَا أمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قالَتْ بَلَى قَالَ فَلَا بَأسَ انْفِري فَلَقِيتُهُ مُصْعِدا عَلَى أهْلِ مَكَّةَ وأنَا مُنْهَبِطَةٌ أوْ أَنا مُصْعِدَةٌ وهْوَ مُنْهَبِطٌ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ قُلْتُ لَا. وتَابَعَهُ جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ لَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وحاضت صَفِيَّة) ، إِلَى قَوْله: إنفري فَإِن فِيهِ: حَاضَت صَفِيَّة بَعْدَمَا أفاضت، والترجمة: بَاب إِذا حَاضَت الْمَرْأَة بَعْدَمَا أفاضت، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي أول: بَاب التَّمَتُّع والإقران، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن ابْن عمر عَن جرير عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم ... إِلَى آخِره نَحوه، وَهَهُنَا أخرجه: عَن أبي النُّعْمَان بن الْمُنْذر عَن السدُوسِي عَن أبي عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَبعد الْألف نون سَاكِنة، واسْمه الوضاح بن عبد الله عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد، وتكلمنا هُنَاكَ بِمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأُمُور، ولنتكلم هُنَا بِمَا لم نذكرهُ هُنَاكَ، وَإِن وَقع بعض التّكْرَار.
стр. 2902
فَقَوله: (لَيْلَة الحصبة) ، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: لَيْلَة الْحَصْبَاء. قَوْله: (لَيْلَة النَّفر) ، عطف بَيَان لليلة الحصبة، والنفر، بِفَتْح النُّون وَإِسْكَان الْفَاء وَبِفَتْحِهَا أَيْضا. قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: يَوْم النَّفر وَلَيْلَة النَّفر لليوم النذي ينفر النَّاس فِيهِ من منى، وَهُوَ بعد يَوْم النَّفر، وَقيل: ليَالِي الْمبيت بمنى الَّتِي تتقدم النَّفر من منى قبلهَا، فَهِيَ شَبيهَة بليلة عَرَفَة. وَقيل: فِيهِ رد على من قَالَ: كل لَيْلَة تسبق يَوْمهَا إلَاّ لَيْلَة عَرَفَة، فَإِن يَوْمهَا يسبقها، فقد شاركتها لَيْلَة النَّفر فِي ذَلِك. قَوْله: (مَا كنت تطوفي بِالْبَيْتِ) ، أصل: تطوفي: تطوفين. فحذفت مِنْهُ النُّون تَخْفِيفًا. وَقيل: حذفهَا من غير ناصب أَو جازم لُغَة فصيحة. قَوْله: (قلت: لَا) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي: (قلت: بلَى) . وَهِي مَحْمُولَة على أَن المُرَاد: مَا كنت أَطُوف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا تَوْجِيه بلَى، إِذْ تكون حِينَئِذٍ متمتعة. فَلم أمرهَا بِالْعُمْرَةِ؟ فَأجَاب: بِأَن: بلَى، تسْتَعْمل بِحَسب الْعرف اسْتِعْمَال نعم، مقررا لما سبق، فَمَعْنَاه كمعنى كلمة النَّفْي. قَوْله: (وحاضت صَفِيَّة) أَي: فِي أَيَّام منى، وَسَيَأْتِي فِي: بَاب الإدلاج من المحصب، أَن حَيْضهَا كَانَ لَيْلَة النَّفر، وَعند مُسلم، زَاد الحكم عَن إِبْرَاهِيم: (لما أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَن ينفر إِذا صَفِيَّة على بَاب خبائها كئيبة حزينة، فَقَالَ: عقري) الحَدِيث.
قَوْله: (عقرى حلقى) على وزن: فعلى: بِغَيْر تَنْوِين، هَكَذَا فِي الرِّوَايَة، وَيجوز فِي اللُّغَة التَّنْوِين، وَصَوَّبَهُ أَبُو عبيد لِأَن مَعْنَاهُ الدُّعَاء: بالعقر وَالْحلق، كَمَا يُقَال: سقيا ورعيا، وَنَحْو ذَلِك من المصادر الَّتِي يدعى بهَا. وَقد مر تَفْسِيره على أَقْوَال مُتعَدِّدَة فِي: بَاب التَّمَتُّع والإقران. قَوْله: (فَلَا بَأْس انفري) هَذَا تَفْسِير لقَوْله فِي الرِّوَايَة الَّتِي مَضَت فِي أول الْبَاب، فَلَا إِذا، وَفِي رِوَايَة أبي سَلمَة قَالَ: أخرجُوا. وَفِي رِوَايَة عمْرَة قَالَ: اخْرُجِي، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة فِي الْمَغَازِي، فلتنفر، ومعانيها مُتَقَارِبَة، وَالْمرَاد بهَا كلهَا الرحيل من منى إِلَى جِهَة الْمَدِينَة. قَوْله: (مصعدا) بِمَعْنى، صاعدا إِذا صعد لُغَة فِي صعد. قَوْله: (وَقَالَ مُسَدّد) إِلَى آخِره، تَعْلِيق لم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَثَبت لغيره. قَوْله: (وَتَابعه جرير) ، أَي: تَابع مُسَددًا جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر فِي قَوْله: (لَا) ، أما رِوَايَة مُسَدّد فَفِي مُسْنده بِرِوَايَة أبي خَليفَة عَنهُ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عوَانَة فَذكر الحَدِيث بِسَنَدِهِ وَمَتنه، وَقَالَ فِيهِ: (مَا كنت طفت ليَالِي قدمنَا) ، وَأما رِوَايَة جرير عَن مَنْصُور فوصلها البُخَارِيّ فِي: بَاب التَّمَتُّع والإقران عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَنهُ، وَقَالَ فِيهِ: (وَمَا كنت طفت ليَالِي قدمنَا مَكَّة؟ قلت: لَا) . وَالْغَرَض من السُّؤَال أَنَّك مَا كنتِ متمتعة، فَلَمَّا قَالَت: لَا، كَمَا رَوَاهُ مُسَدّد، أمرهَا بِالْعُمْرَةِ. فَإِن قلت: لَا يلْزم من نفي التَّمَتُّع الِاحْتِيَاج إِلَى الْعمرَة لاحْتِمَال أَن تكون قارنة. قلت: الْأَكْثَر على أَنَّهَا كَانَت قارنة، وَرِوَايَة مُسلم صَرِيحَة بقرانها، وأمرها رَسُول الله ﷺ بِالْعُمْرَةِ نَافِلَة تطييبا لقلبها حَيْثُ أَرَادَت أَن تكون لَهَا عمْرَة مُنْفَرِدَة مُسْتَقلَّة، وَأما إِن كَانَت مُفْردَة فَالْأَمْر بِالْعُمْرَةِ إِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الْإِيجَاب.
وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: أَن طواف الْإِفَاضَة ركن، وَأَن طواف الْوَدَاع وَاجِب. وَقَالَ بَعضهم، وَأَن الطَّهَارَة شَرط لصِحَّة الطّواف. قلت: لَا نسلم ذَلِك، فَإِن هَذَا الحَدِيث لَا يدل على ذَلِك. وَمِنْهَا: أَنه يلْزم أَمِير الْحَاج أَن يُؤَخر الرحيل لأجل من تحيض مِمَّن لم تطف للإفاضة، ورد هَذَا بِاحْتِمَال أَن إِرَادَة النَّبِي ﷺ تَأْخِير الرحيل إِكْرَاما لصفية، كَمَا احْتبسَ بِالنَّاسِ على عقد عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قلت: روى الْبَزَّار من حَدِيث جَابر، وَأخرجه الثَّقَفِيّ فِي فَوَائده من طَرِيق أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (أميران وليسا بأميرين: من تبع جَنَازَة فَلَيْسَ لَهُ أَن ينْصَرف حَتَّى تدفن أَو يَأْذَن أَهلهَا، وَالْمَرْأَة تحج أَو تعتمر مَعَ قوم فتحيض قبل طواف الرُّكْن، فَلَيْسَ لَهُم أَن ينصرفوا حَتَّى تطهر أَو تَأذن لَهُم) . قلت: إِسْنَاد كل مِنْهُمَا إِسْنَاد ضَعِيف جدا، وَلَئِن سلمنَا صحتهما فَلَا دلَالَة لَهما على الْوُجُوب، وَقد ذكر مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) أَنه يلْزم الْجمال أَن يحبس لَهَا إِلَى انْقِضَاء أَكثر مُدَّة الْحيض، وَكَذَا على النُّفَسَاء، وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن الْمَوَّاز بِأَن فِيهِ تعريضا للْفَسَاد: كَقطع الطَّرِيق، وأجابه القَاضِي عِيَاض بِأَن مَحل ذَلِك أَمن الطَّرِيق، كَمَا أَن مَحَله أَن يكون مَعَ الْمَرْأَة محرم، وَالله أعلم.
٦٤١ - (بابُ منْ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بالأبْطَحِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من صلى صَلَاة الْعَصْر يَوْم النَّفر، وَهُوَ يَوْم الرُّجُوع من منى. قَوْله: (بِالْأَبْطح) وَهُوَ الْبَطْحَاء الَّتِي بَين مَكَّة وَمنى، وَهِي مَا انبطح من الْوَادي واتسع، وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا: المحصب والمعرس، وَحدهَا مَا بَين الجبلين إِلَى الْمقْبرَة.
٣٦٧١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ
стр. 2903
عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ قَالَ سألْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ قَالَ أخبِرْني بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عنِ النبيِّ ﷺ أيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَالَ بِمِنى قُلْتُ فأيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ قَالَ بالأبْطَحِ افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ امَرَاؤكَ.
(انْظُر الحَدِيث ٣٥٦١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بِالْأَبْطح) ، أَي: صلى الْعَصْر بِالْأَبْطح، والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب أَيْن صلى الظّهْر يَوْم التَّرويَة؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن إِسْحَاق الْأَزْرَق عَن سُفْيَان عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع إِلَى آخِره، وَأخرجه هَهُنَا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن إِسْحَاق بن يُوسُف بن يَعْقُوب الْأَزْرَق الوَاسِطِيّ عَن عبد الْعَزِيز بنُ رُفيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالعين الْمُهْملَة، وَلما أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين ذكرهمَا وَوضع لكل طَرِيق تَرْجَمَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (يَوْم التَّرويَة) ، وَهُوَ الْيَوْم الثَّامِن من ذِي الْحجَّة.
٤٦٧١ - حدَّثنا عَبْدُ المُتَعَالِ بنُ طالِبٍ قَالَ حَدثنَا ابنُ وهْبٍ قَالَ أخبرنِي عَمْرُو بنُ الحَارِثِ أنَّ قَتادَةَ حدَّثَهُ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثهُ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ والْمَغْرِبَ والْعِشَاءَ ورَقَدَ رَقْدَةً بالمحصَّبِ ثُمَّ رَكِبَ إلَى البَيْتِ فَطافَ بِهِ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٥٧١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالْعصر) أَي: وَصلى الْعَصْر أَيْضا بالمحصب وَهُوَ الأبطح، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي: بَاب طواف الْوَدَاع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أصبغ بن الْفرج عَن عَمْرو بن الْحَارِث إِلَى آخِره، وَأخرجه هَهُنَا: عَن عبد المتعال بِالْيَاءِ، وحذفها ابْن طَالب الْأنْصَارِيّ الْبَغْدَادِيّ، مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ عَن عبد الله بن وهب إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (فَطَافَ بِهِ) أَي: بِالْبَيْتِ طواف الْوَدَاع.
٧٤١ - (بابُ المُحَصَّبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم النُّزُول بالمحصب، وَهُوَ الأبطح، وَهُوَ بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الأبطح والبطحاء وَخيف بني كنَانَة اسْم لشَيْء وَاحِد.
٥٦٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشامٍ عنْ أبيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنَّما كانَ مَنْزِلٌ يَنْزِلُهُ النبيُّ ﷺ لِيَكُونَ أسْمَحَ لِخُرُوجِهِ تَعْنِي بالأبْطَحِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير ابْن الْعَوام، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق يزِيد بن هَارُون عَن سُفْيَان حَدثنَا هِشَام.
قَوْله: (إِنَّمَا كَانَ منزل) ، ويروى: (منزلا) على أَنه خبر: كَانَ، أَي: إِنَّمَا كَانَ المحصب منزلا ينزله النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ من السّنة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق عبيد الله ابْن نمير عَن هِشَام عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة، قَالَت: نزُول الأبطح لَيْسَ بِسنة، إِنَّمَا نزله رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ أسمح لِخُرُوجِهِ إِذا خرج) . قَوْله: (اسمح) أَي: أسهل لتوجهه إِلَى الْمَدِينَة ليستوي فِي ذَلِك البطىء والمعتدل، وَيكون مبيتهم وقيامهم من السحر ورحيلهم بأجمعهم إِلَى الْمَدِينَة. فَإِن قلت: مَا وَجه الرّفْع فِي: منزل؟ قلت: فِيهِ وُجُوه: الأول: أَن يَجْعَل: مَا، فِي: إِنَّمَا، بِمَعْنى: الَّذِي، وَاسم كَانَ الضَّمِير الَّذِي فِيهِ يعود على المحصب، وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن الْمنزل الَّذِي كَانَ المحصب إِيَّاه منزل، فَيكون ارْتِفَاع منزل بِكَوْنِهِ خبر: إِن. الثَّانِي: أَن تكون: مَا، كَافَّة، ومنزل اسْم كَانَ، وخبرها ضمير عَائِد إِلَى المحصب، فَحذف الضَّمِير لَكِن يلْزم أَن يكون الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة، وَذَلِكَ جَائِز. الثَّالِث: أَن يكون منزلا مَنْصُوبًا فِي اللَّفْظ إلَاّ أَنه كتب بِالْألف على اللُّغَة الربيعية. قَوْله: (بِالْأَبْطح) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (الأبطح) ، بِلَا بَاء، وَالْبَاء فِي الرِّوَايَة الَّتِي هِيَ فِيهَا تتَعَلَّق بقوله: (ينزل) ، وَقَالَ الْخطابِيّ: التحصيب هُوَ أَنه إِذا نفر من منى إِلَى مَكَّة للتوديع يُقيم بالمحصب حَتَّى يهجع بِهِ سَاعَة، ثمَّ يدْخل مَكَّة، وَلَيْسَ بِشَيْء، أَي:
стр. 2904
لَيْسَ بنسك من مَنَاسِك الْحَج، إِنَّمَا نزل رَسُول الله ﷺ للاستراجة. وَقَالَ الْحَافِظ زكي الدّين عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ: التحصيب مُسْتَحبّ عِنْد جَمِيع الْعلمَاء، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَفِيه نظر لِأَن التِّرْمِذِيّ حكى اسْتِحْبَابه عَن بعض أهل الْعلم، وَحكى النَّوَوِيّ اسْتِحْبَابه عَن مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَالْجُمْهُور، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَقد كَانَ من أهل الْعلم من لَا يستحبه فَكَانَت أَسمَاء وَعُرْوَة ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لَا يحصبان، حَكَاهُ ابْن عبد الْبر فِي (الاستذكار) عَنْهُمَا، وَكَذَلِكَ سعيد بن جُبَير، فَقيل لإِبْرَاهِيم: إِن سعيد بن جُبَير لَا يَفْعَله، فَقَالَ: قد كَانَ يَفْعَله، ثمَّ بدا لَهُ، وَقَالَ ابْن بطال: وَكَانَت عَائِشَة لَا تحصب وَلَا أَسمَاء، وَهُوَ مَذْهَب عُرْوَة.
٦٦٧١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌ وعنْ عَطاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشِيْءٍ إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رسولُ الله ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه بَيَان حكم المحصب، وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح.
وَأخرجه مُسلم أَيْضا من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس نَحوه، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن عَليّ بن حجر عَن سُفْيَان، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عَن عَمْرو إِلَى آخِره، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَن هَذَا حَدِيث عَليّ بن حجر، قَالَ ابْن عَسَاكِر: يَعْنِي تفرد بِهِ، وَابْن عُيَيْنَة سَمعه من حسن بن صَالح عَن عَمْرو، وَلَكِن كَذَا قَالَ ابْن حجر، وَهُوَ وهم مِنْهُ، فقد رَوَاهُ ابْن أبي عمر وَعبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء وَجَمَاعَة غَيرهمَا، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث أبي خَيْثَمَة حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة حَدثنَا عَمْرو، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ من طَرِيق عبد الله ابْن الزبير: حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا عَمْرو، فقد صرح أَبُو خَيْثَمَة والْحميدِي عَن سُفْيَان بِالتَّحْدِيثِ من عَمْرو فَانْتفى مَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ، وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عمر قَالَ: (كَانَ النَّبِي، ﷺ ، وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ينزلون بِالْأَبْطح) . قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَائِشَة وَأبي رَافع وَابْن عَبَّاس. قلت: حَدِيث عَائِشَة أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة، وَحَدِيث أبي رَافع أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن صَالح بن كيسَان عَن سُلَيْمَان بن يسَار (عَن أبي رَافع، قَالَ: لم يَأْمُرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أنزل الأبطح حِين خرج من منى، وَلَكِن جِئْت فَضربت قُبَّته فجَاء فَنزل) قلت: وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي أُسَامَة وَأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيثهمْ، وَقَالَ بعض الْعلمَاء: كَانَ نُزُوله ﷺ بالمحصب شكرا لله تَعَالَى على الظُّهُور بعد الاختفاء، وعَلى إِظْهَار دين الله تَعَالَى بَعْدَمَا أَرَادَ الْمُشْركُونَ من إخفائه، وَإِذا تقرر أَن نزُول المحصب لَا تعلق لَهُ بالمناسك فَهَل يسْتَحبّ لكل أحد أَن ينزل فِيهِ إِذا مر بِهِ؟ يحْتَمل أَن يُقَال باستحبابه مُطلقًا، وَيحْتَمل أَن يُقَال باستحبابه للْجمع الْكثير، وَإِظْهَار الْعِبَادَة فِيهِ إِظْهَارًا لشكر الله تَعَالَى على رد كيد الْكفَّار، وَإِبْطَال مَا أرادوه. وَالله أعلم.
٨٤١ - (بابُ النُّزُولِ بِذِي طُوىً قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ والنُّزُولْ بالْبَطْجَاءِ الَّتِي بِذي الحُلَيْفَةِ إذَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نزُول الْحَاج بِذِي طوى قبل دُخُوله مَكَّة اتبَاعا للنَّبِي ﷺ فِي نُزُوله بمنازله جَمِيعًا، وَلَا يخْتَص ذَلِك بالمحصب. قَوْله: (بِذِي طوى) بِدُونِ الْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: بِذِي الطوى، بِالْألف وَاللَّام، وَيجوز فِي الطَّاء الحركات الثَّلَاث، والأفضح فتحهَا، وَيجوز صرف طوى وَمنعه، وَهُوَ مَوضِع بِأَسْفَل مَكَّة فِي صوب طَرِيق الْعمرَة الْمُعْتَادَة، وَقيل: هُوَ بَين مَكَّة والتنعيم، وَكلمَة: أَن، فِي قَوْله: قبل أَن يدْخل، مَصْدَرِيَّة أَي: قبل دُخُوله مَكَّة. قَوْله: (وَالنُّزُول) ، بِالْجَرِّ عطف على النُّزُول الأول. قَوْله: (الَّتِي بِذِي الحليفة) صفة الْبَطْحَاء، وَاحْترز بِهِ عَن الْبَطْحَاء الَّتِي بَين مَكَّة وَمنى، وَقيل: الْبَطْحَاء بِالْمدِّ: هُوَ التُّرَاب الَّذِي فِي مسيل المَاء. وَقيل: إِنَّه مجْرى السَّيْل إِذا جف واستحجر، والبطحاء الَّتِي بِذِي الحليفة مَعْرُوفَة عِنْد أهل الْمَدِينَة وَغَيرهم بالعرس. قَوْله: (إِذا رَجَعَ) ، أَي: الْحَاج من مَكَّة وَتوجه إِلَى الْمَدِينَة.
٧٦٧١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدَّثنا مُوسى بنُ عُقْبَةَ عنْ نَافِعٍ
стр. 2905
أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ يَبِيتُ بِذِي طُوىً بَيْنَ الثَّنْيَتَيْنِ ثُمَّ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنْيَةِ الَّتِي بِأعْلَى مَكَّةَ وكانَ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ حاجّا أوْ مُعْتَمرا لَمْ يُنِخْ ناقَتَهُ إلَاّ عِنْدَ بابِ المَسْجِدِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَأتِي الرُّكْنَ الأسْوَدَ فَيَبْدأ بِهِ ثُمَّ يَطُوفْ سَبْعا ثَلَاثًا سعيا وأربَعا مَشْيا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَنْطَلِقُ قَبْلَ أنْ يَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهِ فَيَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ وكانَ إذَا صَدَرَ عنِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ أناخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الحُلَيْفَةِ الَّتِي كانَ النبيُّ ﷺ يُنِيخُ بِها.
(انْظُر الحَدِيث ١٩٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يبيت بِذِي طوى) ، وَفِي قَوْله: (وَكَانَ إِذا صدر عَن الْحَج) إِلَى آخِره.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم، واسْمه أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ مَشْهُور باسمه وكنيته.
قَوْله: (بَين الثنيتين) ، وَهِي تَثْنِيَة ثنية وَهِي طَرِيق الْعقبَة. قَوْله: (لم ينخ) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر النُّون: من أَنَاخَ ينيخ إِذا برك جمله، وَالرَّاحِلَة النَّاقة الَّتِي تصلح لِأَن ترحل، وَقيل: هِيَ الْمركب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى. قَوْله: (بَاب الْمَسْجِد) أَي: الْمَسْجِد الْحَرَام. قَوْله: (فَيَأْتِي الرُّكْن الْأسود) ، أَي الرُّكْن الَّذِي فِيهِ الْحجر الْأسود. قَوْله: (سبعا) ، أَي: سبع مَرَّات. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: يطوف من السَّبع ثَلَاث مَرَّات، قَوْله: (سعيا) أَي: ساعيا، نصب على الْحَال، وَيجوز أَن يكون انتصابه على أَنه صفة لثلاثا. قَوْله: (وأربعا) أَي: يطوف أَربع مَرَّات من السَّبع مشيا. وَيجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَان فِي: سعيا. قَوْله: (سَجْدَتَيْنِ) أَي: رَكْعَتَيْنِ، من بَاب إِطْلَاق إسم الْجُزْء على الْكل، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (رَكْعَتَيْنِ) ، على الأَصْل. قَوْله: (وَكَانَ إِذا صدر) أَي: رَجَعَ مُتَوَجها نَحْو الْمَدِينَة. قَوْله: (بهَا) أَي: بِذِي الحليفة، ثمَّ اعْلَم أَن النُّزُول بِذِي طوى قبل أَن يدْخل مَكَّة وَالنُّزُول بالبطحاء الَّتِي بِذِي الحليفة عِنْد رُجُوعه لَيْسَ بِشَيْء من مَنَاسِك الْحَج، فَإِن شَاءَ فعله وَإِن شَاءَ تَركه.
٨٦٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ قَالَ سُئِلَ عُبَيْدُ الله عنِ المُحَصَّبِ قَالَ فَحدثنا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ قَالَ نَزَلَ بِها رسولُ الله ﷺ وعُمَرُ وابنُ عُمَرَ. وعنْ نافِعٍ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ يُصَلِّي بِها يَعْنِي الْمُحَصَّبَ الظُّهْرَ والعَصْرَ أحْسِبُهُ قَالَ والْمَغْرِبَ قَالَ خالِدٌ لَا أشُكُّ فِي العِشَاءِ ويَهْجَعُ هَجْعَةً ويَذْكُرُ ذالِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
لَا مُطَابقَة بني هَذَا الحَدِيث والترجمة إلَاّ من وَجه يُؤْخَذ تَقْرِيبًا، وَهُوَ أَن بَين حَدِيثي الْبَاب مُنَاسبَة من حَيْثُ إِن كلا مِنْهُمَا يتَضَمَّن أمرا غير لَازم، وَذَلِكَ أَن الحَدِيث الأول فِيهِ النُّزُول بِذِي طوى قبل الدُّخُول فِي مَكَّة، وبالبطحاء الَّتِي بِذِي الحليفة إِذا رَجَعَ من مَكَّة وكل مِنْهُمَا غير لَازم، وَلَا هما من مَنَاسِك الْحَج، وَكَذَلِكَ الحَدِيث الثَّانِي فِيهِ النُّزُول بالمحصب، وَهُوَ أَيْضا غير لَازم، وَلَا هُوَ من مَنَاسِك الْحَج، وَكَذَلِكَ فِي كل مِنْهُمَا، يرويهِ نَافِع عَن فعل ابْن عمر، فبهذين الاعتبارين تحققت الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين، والْحَدِيث الأول مُطَابق للتَّرْجَمَة، وَالثَّانِي مُطَابق للْأولِ، ومطابق المطابق لشَيْء مُطَابق لذَلِك الشَّيْء. فَافْهَم فَإِنَّهُ دَقِيق.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي، مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: خَالِد بن الْحَارِث أَبُو عُثْمَان الهُجَيْمِي. الثَّالِث: عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه وخَالِد بصريان وَعبيد الله وَنَافِع مدنيان.
قَوْله: (نزل بهَا) ، أَي: بالمحصب، وَهَذَا من مرسلات نَافِع، وَعَن عمر مُنْقَطع وَعَن ابْن عمر مَوْصُول، وَيحْتَمل أَن يكون نَافِع سمع ذَلِك من ابْن عمر، فَيكون الْجَمِيع مَوْصُولا. قَوْله: (أَحْسبهُ) ، أَي: أَظن يَعْنِي الشَّك إِنَّمَا هُوَ فِي الْمغرب لَا فِي الْعشَاء. قَوْله: (وَعَن نَافِع) غير مُعَلّق لِأَنَّهُ مَعْطُوف على الْإِسْنَاد الَّذِي قبله. قَوْله:
стр. 2906
(يهجع) ، أَي: ينَام من الهجوع، وَهُوَ النّوم. قَوْله: (وَيذكر ذَلِك) ، أَي: يذكر ابْن عمر التحصيب عَن النَّبِي ﷺ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن روح عَن صَخْر بن جوَيْرِية عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ يرى التحصيب سنة، وَكَانَ يُصَلِّي الظّهْر يَوْم النَّفر بالحصبة، قَالَ: قد حصب رَسُول الله ﷺ وَالْخُلَفَاء بعده. وَالله أعلم.
٩٤١ - (بابُ مَنْ نَزَلَ بِذِي طُوىً إذَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة نزُول من نزل بِذِي طوى إِذا رَجَعَ من مَكَّة مُتَوَجها إِلَى مقْصده، وَأما النُّزُول بِذِي طوى للداخل مَكَّة فقد مر بَيَانه فِي: بَاب الِاغْتِسَال عِنْد الدُّخُول فِي مَكَّة، وَفِي: بَاب دُخُول مَكَّة لَيْلًا أَو نَهَارا، وَقد وَقع سَهْو عَن الدَّاودِيّ حَيْثُ جعل ذَا طوى هُوَ المحصب، وَظن أَن الْمبيت مُتحد فيهمَا.
٩٦٧١ - وقالَ محَمَّدُ بنُ عِيسَى قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ كانَ إذَا أقْبَلَ باتَ بِذِي طُوىً حَتَّى إذَا أصْبَحَ دَخَلَ وإذَا نَفَرَ مَرَّ بِذِي طُوَىً وباتَ بِها حَتَّى يُصْبِحَ وكانَ يَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
(انْظُر الحَدِيث ١٩٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِذا نفر مر بِذِي طوى) إِلَى آخِره.
وَرِجَاله خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن عِيسَى بن الطباع أَبُو جَعْفَر أَخُو إِسْحَاق الْبَصْرِيّ، سكن الشَّام وَمَات فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وروى عَنهُ فِي الرِّدَّة. الثَّانِي: حَمَّاد، وَاخْتلف فِيهِ فَجزم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنه حَمَّاد بن سَلمَة، وَجزم الْمزي أَنه حَمَّاد بن يزِيد الثَّالِث أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: نَافِع. الْخَامِس: عبد الله بن عمر، وَقد مضى طرف من هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الِاغْتِسَال لدُخُول مَكَّة.
قَوْله: (وَإِذا نفر مر بِذِي طوى) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، (وَإِذا نفر مر من ذِي طوى) إِلَى آخِره، قَالَ ابْن بطال: وَلَيْسَ هَذَا أَيْضا من مَنَاسِك الْحَج.
٠٥١ - (بابُ التِّجَارَةِ أيَّامَ الْمَوْسِمِ والْبَيْعِ فِي أسْوَاقِ الجَاهِلِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز التِّجَارَة فِي أَيَّام الْمَوْسِم، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَكسر السِّين، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: سمي موسم الْحَج موسما لِأَنَّهُ معلم يجْتَمع إِلَيْهِ النَّاس، وَهُوَ مُشْتَقّ من السِّمة، وَهِي الْعَلامَة. قَوْله: (وَالْبيع) ، بِالْجَرِّ عطف على التِّجَارَة أَي: وَفِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة البيع أَيْضا فِي أسواق الْجَاهِلِيَّة، وأسواق الْجَاهِلِيَّة أَرْبَعَة، وَهِي: عكاظ، وَذُو الْمجَاز، ومجنة وحباشة.
وَأما عكاظ فَهُوَ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْكَاف وَبعد الْألف ظاء مُعْجمَة، قَالَ الرشاطي: هِيَ صحراء مستوية لَا علم فِيهَا وَلَا جبل، إلَاّ مَا كَانَ من الأنصاب الَّتِي كَانَت بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَبهَا من دِمَاء الْبدن كالأرحاء الْعِظَام، وَقَالَ مُحَمَّد بن حبيب: عكاظ بِأَعْلَى نجد، قريب من عَرَفَات، وَقَالَ غَيره: عكاظ وَرَاء قرن الْمنَازل بمرحلة من طَرِيق صنعاء، وَهِي من عمل الطَّائِف، وعَلى بريد مِنْهَا وأرضها لبني نصر، واتخذت سوقا بعد الْفِيل بِخمْس عشرَة سنة، وَتركت عَام خرجت الحرورية بِمَكَّة مَعَ الْمُخْتَار بن عَوْف سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة إِلَى هَلُمَّ جرا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عكاظ فِيمَا بَين نَخْلَة والطائف إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ: الفتق، بِضَم الْفَاء وَالتَّاء الْمُثَنَّاة وبالقاف، وَبِه أَمْوَال ونخل لثقيف، بَينه وَبَين الطَّائِف عشرَة أَمْيَال، فَكَانَ سوق عكاظ يقوم صبح هِلَال ذِي الْقعدَة عشْرين يَوْمًا. وعكاظ مُشْتَقّ من قَوْلك: عكظت الرجل عكظا إِذا قهرته بحجتك، لأَنهم كَانُوا يتفاخرون هُنَاكَ بالفخر وَكَانَت بعكاظ وقائع مرّة بعد مرّة، وبعكاظ رأى رَسُول الله ﷺ قس بن سَاعِدَة، وَحفظ كَلَامه وَكَانَ يتَّصل بعكاظ بلد تسمى: ركبة، بهَا عين تسمى: عين خليص، وَكَانَ ينزلها من الصَّحَابَة: قدامَة بن عمار الْكلابِي، ولقيط بن ضَمرَة الْعقيلِيّ، وَمَالك بن نَضْلَة الحبشي.
وَأما ذُو الْمجَاز: فقد ذكر ابْن إِسْحَاق: أَنَّهَا كَانَت بِنَاحِيَة عَرَفَة إِلَى جَانبهَا، وَعَن ابْن الْكَلْبِيّ أَنه كَانَ لهذيل على فَرسَخ من عَرَفَة، وَقَالَ الرشاطي: كَانَ ذُو الْمجَاز سوقا من أسواق الْعَرَب، وَهُوَ عَن يَمِين الْموقف بِعَرَفَة قَرِيبا من كبكب، وَهُوَ سوق مَتْرُوك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذُو الْمجَاز بِلَفْظ ضد الْحَقِيقَة مَوضِع بمنى كَانَ بِهِ سوق فِي الْجَاهِلِيَّة، وَهَذَا غير صَحِيح، لِأَن الطَّبَرِيّ روى
стр. 2907
عَن مُجَاهِد أَنهم كَانُوا لَا يبيعون وَلَا يبتاعون فِي الْجَاهِلِيَّة بِعَرَفَة وَلَا منى.
وَأما مجنة، فَهِيَ: بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَتَشْديد النُّون، وَهِي على أَمْيَال: مسيرَة من مَكَّة بِنَاحِيَة مر الظهْرَان، وَيُقَال: هِيَ على بريد من مَكَّة، وَهِي لكنانة وبأرضها، وشامة وطفيل جبلان مشرفان عَلَيْهَا، سميت بهَا لبساتين تتصل بهَا، وَهِي الْجنان، وَيحْتَمل أَن يكون من مجن يمجن، سميت بذلك لِأَن ضربا من المجون كَانَ بهَا.
وَأما حُبَاشَة: فَهِيَ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف شين مُعْجمَة، وَكَانَت بِأَرْض بارق نَحْو قنونا، بِفَتْح الْقَاف وَضم النُّون المخففة وَبعد الْوَاو الساكنة نون أُخْرَى، مَقْصُورَة من مَكَّة إِلَى جِهَة الْيمن على سِتّ مراحل، وَلم يذكر هَذَا فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ لم يكن من مواسم الْحَج، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَام فِي شهر رَجَب. وَقَالَ الرشاطي: هِيَ أكبر أسواق تهَامَة. كَانَ يقوم ثَمَانِيَة أَيَّام فِي السّنة. قَالَ حَكِيم بن حزَام، وَقد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يحضرها واشتريت مِنْهُ فِيهَا بزا من بز تهَامَة، وَقَالَ الفاكهي: وَلم تزل هَذِه الْأَسْوَاق قَائِمَة فِي الْإِسْلَام إِلَى أَن كَانَ أول من ترك مِنْهَا سوق عكاظ فِي زمن الْخَوَارِج سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة، وَآخر مَا ترك مِنْهَا سوق حُبَاشَة فِي زمن دَاوُد بن عِيسَى بن مُوسَى العباسي فِي سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة، وروى الزبير بن بكار فِي (كتاب النّسَب) من طَرِيق حَكِيم بن حزَام أَنَّهَا، أَي: سوق عكاظ، كَانَت تُقَام صبح هِلَال ذِي الْقعدَة إِلَى أَن يمْضِي عشرُون يَوْمًا، قَالَ: ثمَّ يقوم سوق مجنة عشرَة أَيَّام إِلَى هِلَال ذِي الْحجَّة، ثمَّ يقوم سوق ذُو الْمجَاز ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ يتوجهون إِلَى منى لِلْحَجِّ، وَفِي حَدِيث أبي الزبير (عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ لبث عشر سِنِين يتبع النَّاس فِي مَنَازِلهمْ فِي الْمَوْسِم بمجنة وعكاظ يبلغ رسالات ربه) الحَدِيث. أخرجه أَحْمد وَغَيره.
٠٧٧١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ الهَيْثَمِ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ كانَ ذُو المَجَازِ وعُكاظٌ مَتْجَرَ الناسِ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا جاءَ الإسْلَامُ كأنَّهُمْ كَرِهُوا ذالِكَ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنُ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ. (الْبَقَرَة: ٨٩١) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعُثْمَان بن الْهَيْثَم، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: أَبُو عَمْرو الْمُؤَذّن الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ. وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَعلي بن عبد الله، وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان عَنهُ بِهِ.
قَوْله: (متجر النَّاس) ، بِفَتْح الْمِيم أَي: مَكَان تِجَارَتهمْ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: أسواقا فِي الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (كَأَنَّهُمْ) أَي: كَانَ الْمُسلمين. قَوْله: (كَرهُوا ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (فكأنهم تأثموا) . أَي: خشبوا الْوُقُوع فِي الْإِثْم للاشتغال فِي أَيَّام النّسك بِغَيْر الْعِبَادَة. قَوْله: (حَتَّى نزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح﴾ ) (الْبَقَرَة: ٨٩١) . وروى أَبُو دَاوُد وَغَيره من حَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالُوا: كَانُوا يَتَّقُونَ الْبيُوع وَالتِّجَارَة فِي الْمَوْسِم وَالْحج، يَقُولُونَ: أَيَّام ذكر، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٨٩١) . وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، حَدثنَا هَيْثَم أخبرنَا حجاج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٨٩١) . فِي مواسم الْحَج، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة: لَا حرج عَلَيْكُم فِي الشِّرَاء وَالْبيع قبل الْإِحْرَام وَبعده، وَهَكَذَا روى الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فِي مواسم الْحَج) هَذِه قِرَاءَة ابْن عَبَّاس، قَالَ وَكِيع: حَدثنَا طَلْحَة بن عَمْرو الْحَضْرَمِيّ عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يقْرَأ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٨٩١) . فِي مواسم الْحَج وَرَوَاهُ عبد بن حميد عَن مُحَمَّد بن الْفضل عَن حَمَّاد بن زيد عَن عبد الله ابْن أبي زيد: سَمِعت ابْن الزبير يقْرَأ، فَذكر مثله سَوَاء، وَهَكَذَا فَسرهَا مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَقَتَادَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالربيع بن أنس وَغَيرهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (فِي مواسم الْحَج) كَلَام الرَّاوِي ذكره تَفْسِيرا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة، وَقَالَ بَعضهم: فَاتَهُ مَا زَاده المُصَنّف فِي آخر حَدِيث ابْن عُيَيْنَة فِي الْبيُوع. قَرَأَهَا ابْن عَبَّاس وَرَوَاهُ ابْن أبي عمر فِي (مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة. وَقَالَ فِي آخِره: وَكَذَلِكَ كَانَ ابْن عَبَّاس يقْرؤهَا. انْتهى. قلت: نعم، ذهل الْكرْمَانِي عَن هَذَا، وَلَكِن قَوْله ذكره تَفْسِيرا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة لَهُ وَجه، لِأَن مُجَاهدًا وَمن ذَكَرْنَاهُمْ مَعَه فسروها هَكَذَا فجعلوها تَفْسِيرا وَلم يجعلوها قِرَاءَة، وَمَعَ هَذَا على تَقْدِير كَونهَا قِرَاءَة فَهِيَ من الْقِرَاءَة الشاذة وَحكمهَا عِنْد الْأَئِمَّة حكم التَّفْسِير. وَقَالَ أَحْمد: حَدثنَا أَسْبَاط
стр. 2908
أخبرنَا الْحسن بن عَمْرو الْفُقيْمِي (عَن أبي أُمَامَة التَّيْمِيّ، قَالَ: قلت لِابْنِ عمر: إِنَّا نكرِي، فَهَل لنا من حج؟ قَالَ أَلَيْسَ تطوفون بِالْبَيْتِ فَتَأْتُونَ الْمُعَرّف وترمون الْجمار وتحلقون رؤوسكم؟ . قَالَ: قُلْنَا: بلَى. فَقَالَ ابْن عمر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهُ عَن الَّذِي سَأَلتنِي عَنهُ فَلم يجبهُ حَتَّى نزل جِبْرِيل، ﵊، بِهَذِهِ الْآيَة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ (الْبَقَرَة: الْآيَة: ٨٩١) . فَدَعَاهُ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: أَنْتُم حجاج) .
١٥١ - (بابُ الإدْلاجِ مِنَ الْمُحَصَّبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الإدلاج من المحصب، وأصل الإدلاج الإدتلاج، فقلبت التَّاء دَالا وأدغمت الدَّال فِي الدَّال، فَصَارَ: الإدلاج، بتَشْديد الدَّال، وَهُوَ السّير فِي آخر اللَّيْل. وَأما الإدلاج بِسُكُون الدَّال فَهُوَ السّير فِي أول اللَّيْل، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَالصَّوَاب التَّشْدِيد لِأَن المُرَاد هُنَا هُوَ السّير فِي آخر اللَّيْل، لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الرحيل من مَكَان الْمبيت بالمحصب سحرًا، وَقد ذكرنَا أَن المحصب هُوَ الأبطح، وَيُسمى الْبَطْحَاء أَيْضا.
١٧٧١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ عَنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ حاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ فقالَتْ مَا أُرَانِي إلَاّ حابِسَتُكُمْ قَالَ النبيُّ ﷺ عَقْرَى حَلْقَى أطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قِيلَ نَعَمْ قَالَ فانْفِرِي..
لما كَانَت الْقِصَّة فِي حَدِيث حَفْص بن غياث وَحَدِيث محَاضِر متحدة، وَكَانَ حَدِيث محَاضِر مطابقا للتَّرْجَمَة فِي قَوْله (فلقيناه مدلجاً) بتَشْديد الدَّال أَي سَائِر من آخر اللَّيْل صَار حَدِيث حَفْص أَيْضا مطابقاً للتَّرْجَمَة.
من هَذِه الْحَيْثِيَّة وَإِن لم يكن فِيهِ مُطَابقَة صَرِيحًا.
وَرِجَاله سِتَّة: الأول: عمر بن حَفْص أَبُو حَفْص النَّخعِيّ. الثَّانِي: أَبوهُ حَفْص بن غياث بن طلق بن مُعَاوِيَة. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. الْخَامِس: الْأسود بن يزِيد. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
وَهَؤُلَاء كلهم إِلَّا عَائِشَة كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الاب وَرِوَايَة الرَّاوِي عَن خَاله، وَهُوَ إِبْرَاهِيم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى، وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب ثَلَاثَتهمْ عَن أبي مُعَاوِيَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن عبيد الله الغيلاني، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد.
قَوْله: (حَاضَت صَفِيَّة) هِيَ بنت حييّ زوج النَّبِي ﷺ مَعْنَاهُ أَن صَفِيَّة حَاضَت قبل طواف الْوَدَاع، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِي ﷺ الِانْصِرَاف إِلَى الْمَدِينَة، (قَالَت: مَا أَرَانِي) أَي: مَا أَظن نَفسِي إلَاّ حابستكم لانتظار طهري وطوافي للوداع، فَإِنِّي لم أطف للوداع، وَقد حِضْت فَلَا يمكنني الطّواف الْآن، وظنت أَن طواف الْوَدَاع لَا يسْقط عَن الْحَائِض، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أما كنت طفتِ طواف الْإِفَاضَة يَوْم النَّحْر؟ قَالَت، بلَى. قَالَ: يَكْفِيك ذَلِك، لِأَنَّهُ هُوَ الطّواف الَّذِي هُوَ ركن لَا بُد لكل أحد مِنْهُ. وَأما طواف الْوَدَاع فَلَا يجب على الْحَائِض، وَتَفْسِير: عقرى حلقى، قد مر غير مرّة. قَوْله: (أطافت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (فانفري) أَي: إرحلي.
٢٧٧١ - قَالَ أبُو عَبْدِ الله وزَادَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثنا محاضِرٌ قَالَ حَدثنَا الأعْمَشُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عَن عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ لَا نَذْكُرُ إلَاّ الحَجَّ فَلَمَّا قَدِمْنا أمرَنَا أَن نَحِلَّ فَلَمَّا كانَتُ لَيْلَةُ النَّفْرِ حاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فقالَ النبيُّ ﷺ حَلْقَى عَقْرَى مَا أُرَاهَا إلَاّ حابِسَتِكُمْ ثُمَّ قَالَ كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قالَتْ نَعَمْ قَالَ فانْفِرِي قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إنِّي لَمْ أكُنْ حَلَلْتُ قَالَ فاعْتَمِرِي مِنَ التَّنْعِيمِ فخَرَجَ معَهَا أخُوهَا فلَقِيناهُ مُدِّلجا فَقَالَ مَوْعِدُكِ مَكانَ كذَا وكذَا.
.
стр. 2909
وَقد ذكرنَا وَجه الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (وَزَادَنِي مُحَمَّد) أَي: فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقد اخْتلف فِي مُحَمَّد هَذَا، فَزعم الجياني أَن مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ الذهلي، وَاقْتصر عَلَيْهِ الْمزي فِي تهذيبه) فَقَالَ: يُقَال: الذهلي وَوَقع فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن السكن: مُحَمَّد بن سَلام. ومحاضر، بِضَم الْمِيم على وزن اسْم الْفَاعِل من المحاضرة من الْحُضُور ضد الْغَيْبَة: ابْن الْمُوَرِّع، بِضَم الْمِيم وَفتح الْوَاو وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: الْهَمدَانِي اليامي، مَاتَ سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ، اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ، وَأخرج لَهُ مُسلم فَرد حَدِيث (من يدعوني فأستجيب لَهُ؟) الحَدِيث، وَهُوَ صَدُوق مُغفل، قَالَ أَحْمد: كَانَ مغفلاً جدا. وَقيل: لم يخرج البُخَارِيّ عَنهُ إلَاّ تَعْلِيقا، لَكِن ظَاهر هَذَا الْموضع الْوَصْل.
قَوْله: (مَا أَرَاهَا) أَي: مَا أرى صَفِيَّة إلَاّ حابستكم عَن النَّفر. قَوْله: (كنت طفت؟) أَصله: أَكنت طفت بالاستفهام عَن طوافها يَوْم النَّحْر. قَوْله: (فاعتمري) أَي: قَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : فاعتمري، وَإِنَّمَا أمرهَا بالاعتمار لتطييب قَلبهَا حِين أَرَادَت أَن تكون لَهَا عمْرَة مُنْفَرِدَة مُسْتَقلَّة كَمَا لسَائِر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَإِنَّمَا خص التَّنْعِيم بِالذكر مَعَ أَن جَمِيع جِهَات الْحل سَوَاء فِيهِ وَالْإِحْرَام من التَّنْعِيم غير وَاجِب أما لِأَنَّهُ كَانَ أسهل عَلَيْهَا، وَأما لغَرَض آخر. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض بِوُجُوب الْإِحْرَام مِنْهُ، قَالَ: وَهُوَ مِيقَات الْمُعْتَمِر من مَكَّة. قَوْله: (فَخرج مَعهَا أَخُوهَا) ، أَي: فَخرج مَعَ عَائِشَة خوها عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَوْله: (فلقيناه) أَي: لَقينَا النَّبِي ﷺ ، قَائِل هَذَا هُوَ عَائِشَة أَرَادَت أَنَّهَا وأخاها لقيا النَّبِي ﷺ مدلجا أَي: حَال كَونه مدلجا، أَي سائرا من آخر اللَّيْل فَإِنَّهُمَا لما رجعا إِلَى الْمنزل بعد أَن قَضَت عَائِشَة الْعمرَة صادفا النَّبِي ﷺ مُتَوَجها إِلَى طواف الْوَدَاع، وَقد ذكرنَا أَن مدلجا بتَشْديد الدَّال وَهُوَ السّير من آخر اللَّيْل، وَأما الإدلاج بِسُكُون الدَّال فَهُوَ السّير من أول اللَّيْل، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (فَقَالَ موعدك) أَي: قَالَ النَّبِي لعَائِشَة: موعدك، وَأَرَادَ بِهِ مَوضِع الْمنزلَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْموعد هُوَ مَوضِع تكلم بِهَذَا رَسُول الله ﷺ ووعدها الِاجْتِمَاع لمَكَان كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّهُ مَكَان وَفَاء الْعَهْد. قلت: الْموعد مصدر ميمي بِمَعْنى الْمَوْعُود وَالْمَكَان مُقَدرا، والوعد الَّذِي فِي ضمن اسْم الْمَكَان هُوَ بِمَعْنى الْمَوْعُود. انْتهى. قلت: فِيهِ تعسف لَا يخفى، وَالْحَاصِل أَنه ﷺ لما لقيهمَا قَالَ لعَائِشَة: مَوضِع الْمنزلَة كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي تكون الملاقاة هُنَاكَ حَتَّى إِذا عَاد النَّبِي ﷺ من طَوَافه للوداع يجْتَمع بهَا هُنَاكَ للرحيل، وَالله تَعَالَى أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٢ - (أبوابُ العُمْرَةِ)
١ - (وجوبُ العُمْرَةِ وفَضْلُهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الْعمرَة، وَلَيْسَت الْبَسْمَلَة مَذْكُورَة فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَإِنَّمَا التَّرْجَمَة هَكَذَا فِي رِوَايَته عَن الْمُسْتَمْلِي: أَبْوَاب الْعمرَة، بَاب وجوب الْعمرَة وفضلها، وَعند الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَته غير أبي ذَر سقط. قَوْله: (أَبْوَاب الْعمرَة) وَفِي كتاب أبي نعيم فِي الْمُسْتَخْرج) : كتاب الْعمرَة، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، بَاب الْعمرَة وفضلها، فَقَط أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان الْعمرَة وَفِي بَيَان فَضلهَا.
وَالْعمْرَة فِي اللُّغَة: الزِّيَارَة، يُقَال اعْتَمر فَهُوَ مُعْتَمر أَي زار وَقصد، وَقيل: إِنَّهَا مُشْتَقَّة من عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام، وَفِي الشَّرْع الْعمرَة: زِيَارَة الْبَيْت الْحَرَام بِشُرُوط مَخْصُوصَة، ذكرت فِي كتب الْفِقْه.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَيْسَ أحَدٌ إلَاّ وعَلَيْهِ حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ
لما كَانَت التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على بَيَان وجوب الْعمرَة وَبَيَان فَضلهَا قدم بَيَان وُجُوبهَا أَولا، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِهَذَا التَّعْلِيق الَّذِي ذكره عَن عبد الله بن عمر، وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن ابْن جريج عَن نَافِع: أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول: (لَيْسَ من خلق الله تَعَالَى أحد إلَاّ وَعَلِيهِ حجَّة وَعمرَة واجبتان) ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم من طَرِيق ابْن جريج عَن نَافِع عَنهُ مثله بِزِيَادَة: (من اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِك سَبِيلا، فَمن زَاد على هَذَا فَهُوَ تطوع وَخير) . وَقَالَ سعيد بن أبي
стр. 2910
عرُوبَة فِي (الْمَنَاسِك) عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان. وَقَالَ بَعضهم: وَجزم المُصَنّف بِوُجُوب الْعمرَة، وَهُوَ متابع فِي ذَلِك للمشهور عَن الشَّافِعِي وَأحمد وَغَيرهمَا من أهل الْأَثر. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: الْعمرَة سنَّة لَا نعلم أحدا رخص فِي تَركهَا، لَيْسَ فِيهَا شَيْء ثَابت بِأَنَّهَا تطوع. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي لَا يُرِيد بِهِ أَنَّهَا لَيست بواجبة، بِدَلِيل قَوْله: لَا نعلم أحدا رخص فِي تَركهَا، لِأَن السنَّة الَّتِي يُرِيد بهَا خلاف الْوَاجِب يرخص فِي تَركهَا قطعا، والسنَّة تطلق وَيُرَاد بهَا الطَّرِيقَة، وَغير سنة الرَّسُول ﷺ انْتهى. قلت: كَأَن شَيخنَا حمل قَول الشَّافِعِي: الْعمرَة سنة، على معنى أَنَّهَا سنّة لَا يجوز تَركهَا بِدَلِيل قَوْله: (لَيْسَ فِيهَا شَيْء ثَابت بِأَنَّهَا تطوع، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا لم يثبت أَنَّهَا تطوع يكون معنى قَوْله: إنَّها سنَّة أَي: سنة وَاجِبَة لَا يرخض فِي تَركهَا، وَالَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي أَنه لَيْسَ بِثَابِت هُوَ مُرْسل أبي صَالح الْحَنَفِيّ، فقد روى الرّبيع عَن الشَّافِعِي أَن سعيد بن سَالم القداح قد احْتج بِأَن سُفْيَان الثَّوْريّ أخبرهُ عَن يَعْقُوب بن إِسْحَاق عَن أبي صَالح الْحَنَفِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (الْحَج جِهَاد وَالْعمْرَة تطوع) ، قلت: هَذَا مُنْقَطع، فصح قَوْله أَنه لَيْسَ بِثَابِت.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إنَّها لَقَرِينَتُها فِي كِتَابِ الله ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) .
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس: (إِن الْعمرَة لقَرِينَة الْحجَّة فِي كتاب الله تَعَالَى) يَعْنِي: مذكورتان مَعًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَقد أَمر الله تَعَالَى بإتمامهما، وَالْأَمر للْوُجُوب، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الشَّافِعِي فِي مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار: سَمِعت طاووسا يَقُول: سَمِعت ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: وَالله إِنَّهَا لقرينتها فِي كتاب الله: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَقَالَ المانعون للواجوب: ظَاهر السِّيَاق إِكْمَال أفعالها بعد الشُّرُوع فيهمَا، وَلِهَذَا قَالَ بعده: ﴿فَأن أحصرتم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: صددتم عَن الْوُصُول إِلَى الْبَيْت، ومنعتم من أتمامهما، وَلِهَذَا اتّفق الْعلمَاء على أَن الشُّرُوع فِي الْحَج وَالْعمْرَة مُلْزم، سَوَاء قيل بِوُجُوب الْعمرَة أَو باستحبابها، وَقَالَ شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن أبي سَلمَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ فِي هَذِه الْآيَة: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَالَ: أَن تحرم من دويرة أهلك، وَكَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وطاووس عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، أَنه قَالَ: تمامهما أَن تحرم من أهلك لَا تُرِيدُ إلَاّ الْحَج وَالْعمْرَة، وتهل من الْمِيقَات، لَيْسَ أَن تخرج لتِجَارَة وَلَا لحَاجَة حَتَّى إِذا كنت قَرِيبا من مَكَّة. قلت: لَو احتججت أَو اعْتَمَرت، وَذَلِكَ يجزىء، وَلَكِن التَّمام أَن تخرج لَهُ وَلَا تخرج لغيره. وَقَرَأَ الشّعبِيّ: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . بِرَفْع الْعمرَة، قَالَ: وَلَيْسَت بواجبة.
وَمِمَّنْ قَالَ بفرضية الْعمرَة من الصَّحَابَة: عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله بن عمر وَعبد الله بن مَسْعُود وَجَابِر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمن التَّابِعين وَغَيرهم: عَطاء وطاووس وَمُجاهد وَعلي بن الْحُسَيْن وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَعبد الله بن شَدَّاد وَابْن الحبيب وَابْن الجهم، وَاحْتج هَؤُلَاءِ أَيْضا بِأَحَادِيث أُخْرَى. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن مُسلم عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِن الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان لَا يَضرك بِأَيِّهِمَا بدأت) . قلت: الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف، رَوَاهُ هِشَام بن حسان عَن ابْن سِيرِين عَن زيد. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة حبيب بن أبي عمْرَة عَن عَائِشَة بنت طَلْحَة (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قلت: يَا رَسُول الله ﴿على النِّسَاء جِهَاد؟ قَالَ: نعم﴾ عَلَيْهِنَّ جِهَاد لَا قتال فِيهِ الْحَج وَالْعمْرَة) . قلت: أخرجه البُخَارِيّ وَلم يذكر فِيهِ الْعمرَة. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة قُتَيْبَة عَن ابْن لَهِيعَة عَن عَطاء (عَن جَابر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان واجبتان) . قلت: قَالَ ابْن عدي: هُوَ عَن ابْن لَهِيعَة عَن عَطاء غير مَحْفُوظ، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ ابْن لَهِيعَة: غير مُحْتَج بِهِ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَمْرو بن أَوْس (عَن أبي رزين الْعقيلِيّ: أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله! إِن أبي شيخ كَبِير لَا يَسْتَطِيع الْحَج وَالْعمْرَة، وَلَا الظعن، قَالَ: حج عَن أَبِيك وَاعْتمر) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأَبُو رزين اسْمه: لَقِيط بن عَامر قلت: أمره بِأَن يعْتَمر عَن غَيره. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يُونُس بن مُحَمَّد عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه عَن يحيى بن يعمر عَن ابْن عمر (عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: بَينا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله ﷺ فِي أنَاس، إِذْ جَاءَ رجل لَيْسَ عَلَيْهِ سحناء سفر) فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالَ: يَا مُحَمَّد
следующие страницы →