Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
(يهجع) ، أَي: ينَام من الهجوع، وَهُوَ النّوم. قَوْله: (وَيذكر ذَلِك) ، أَي: يذكر ابْن عمر التحصيب عَن النَّبِي ﷺ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن روح عَن صَخْر بن جوَيْرِية عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ يرى التحصيب سنة، وَكَانَ يُصَلِّي الظّهْر يَوْم النَّفر بالحصبة، قَالَ: قد حصب رَسُول الله ﷺ وَالْخُلَفَاء بعده. وَالله أعلم.
٩٤١ - (بابُ مَنْ نَزَلَ بِذِي طُوىً إذَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة نزُول من نزل بِذِي طوى إِذا رَجَعَ من مَكَّة مُتَوَجها إِلَى مقْصده، وَأما النُّزُول بِذِي طوى للداخل مَكَّة فقد مر بَيَانه فِي: بَاب الِاغْتِسَال عِنْد الدُّخُول فِي مَكَّة، وَفِي: بَاب دُخُول مَكَّة لَيْلًا أَو نَهَارا، وَقد وَقع سَهْو عَن الدَّاودِيّ حَيْثُ جعل ذَا طوى هُوَ المحصب، وَظن أَن الْمبيت مُتحد فيهمَا.
٩٦٧١ - وقالَ محَمَّدُ بنُ عِيسَى قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ كانَ إذَا أقْبَلَ باتَ بِذِي طُوىً حَتَّى إذَا أصْبَحَ دَخَلَ وإذَا نَفَرَ مَرَّ بِذِي طُوَىً وباتَ بِها حَتَّى يُصْبِحَ وكانَ يَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
(انْظُر الحَدِيث ١٩٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِذا نفر مر بِذِي طوى) إِلَى آخِره.
وَرِجَاله خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن عِيسَى بن الطباع أَبُو جَعْفَر أَخُو إِسْحَاق الْبَصْرِيّ، سكن الشَّام وَمَات فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وروى عَنهُ فِي الرِّدَّة. الثَّانِي: حَمَّاد، وَاخْتلف فِيهِ فَجزم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنه حَمَّاد بن سَلمَة، وَجزم الْمزي أَنه حَمَّاد بن يزِيد الثَّالِث أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: نَافِع. الْخَامِس: عبد الله بن عمر، وَقد مضى طرف من هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الِاغْتِسَال لدُخُول مَكَّة.
قَوْله: (وَإِذا نفر مر بِذِي طوى) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، (وَإِذا نفر مر من ذِي طوى) إِلَى آخِره، قَالَ ابْن بطال: وَلَيْسَ هَذَا أَيْضا من مَنَاسِك الْحَج.
٠٥١ - (بابُ التِّجَارَةِ أيَّامَ الْمَوْسِمِ والْبَيْعِ فِي أسْوَاقِ الجَاهِلِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز التِّجَارَة فِي أَيَّام الْمَوْسِم، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَكسر السِّين، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: سمي موسم الْحَج موسما لِأَنَّهُ معلم يجْتَمع إِلَيْهِ النَّاس، وَهُوَ مُشْتَقّ من السِّمة، وَهِي الْعَلامَة. قَوْله: (وَالْبيع) ، بِالْجَرِّ عطف على التِّجَارَة أَي: وَفِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة البيع أَيْضا فِي أسواق الْجَاهِلِيَّة، وأسواق الْجَاهِلِيَّة أَرْبَعَة، وَهِي: عكاظ، وَذُو الْمجَاز، ومجنة وحباشة.
وَأما عكاظ فَهُوَ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْكَاف وَبعد الْألف ظاء مُعْجمَة، قَالَ الرشاطي: هِيَ صحراء مستوية لَا علم فِيهَا وَلَا جبل، إلَاّ مَا كَانَ من الأنصاب الَّتِي كَانَت بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَبهَا من دِمَاء الْبدن كالأرحاء الْعِظَام، وَقَالَ مُحَمَّد بن حبيب: عكاظ بِأَعْلَى نجد، قريب من عَرَفَات، وَقَالَ غَيره: عكاظ وَرَاء قرن الْمنَازل بمرحلة من طَرِيق صنعاء، وَهِي من عمل الطَّائِف، وعَلى بريد مِنْهَا وأرضها لبني نصر، واتخذت سوقا بعد الْفِيل بِخمْس عشرَة سنة، وَتركت عَام خرجت الحرورية بِمَكَّة مَعَ الْمُخْتَار بن عَوْف سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة إِلَى هَلُمَّ جرا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عكاظ فِيمَا بَين نَخْلَة والطائف إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ: الفتق، بِضَم الْفَاء وَالتَّاء الْمُثَنَّاة وبالقاف، وَبِه أَمْوَال ونخل لثقيف، بَينه وَبَين الطَّائِف عشرَة أَمْيَال، فَكَانَ سوق عكاظ يقوم صبح هِلَال ذِي الْقعدَة عشْرين يَوْمًا. وعكاظ مُشْتَقّ من قَوْلك: عكظت الرجل عكظا إِذا قهرته بحجتك، لأَنهم كَانُوا يتفاخرون هُنَاكَ بالفخر وَكَانَت بعكاظ وقائع مرّة بعد مرّة، وبعكاظ رأى رَسُول الله ﷺ قس بن سَاعِدَة، وَحفظ كَلَامه وَكَانَ يتَّصل بعكاظ بلد تسمى: ركبة، بهَا عين تسمى: عين خليص، وَكَانَ ينزلها من الصَّحَابَة: قدامَة بن عمار الْكلابِي، ولقيط بن ضَمرَة الْعقيلِيّ، وَمَالك بن نَضْلَة الحبشي.
وَأما ذُو الْمجَاز: فقد ذكر ابْن إِسْحَاق: أَنَّهَا كَانَت بِنَاحِيَة عَرَفَة إِلَى جَانبهَا، وَعَن ابْن الْكَلْبِيّ أَنه كَانَ لهذيل على فَرسَخ من عَرَفَة، وَقَالَ الرشاطي: كَانَ ذُو الْمجَاز سوقا من أسواق الْعَرَب، وَهُوَ عَن يَمِين الْموقف بِعَرَفَة قَرِيبا من كبكب، وَهُوَ سوق مَتْرُوك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذُو الْمجَاز بِلَفْظ ضد الْحَقِيقَة مَوضِع بمنى كَانَ بِهِ سوق فِي الْجَاهِلِيَّة، وَهَذَا غير صَحِيح، لِأَن الطَّبَرِيّ روى
стр. 2907
عَن مُجَاهِد أَنهم كَانُوا لَا يبيعون وَلَا يبتاعون فِي الْجَاهِلِيَّة بِعَرَفَة وَلَا منى.
وَأما مجنة، فَهِيَ: بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَتَشْديد النُّون، وَهِي على أَمْيَال: مسيرَة من مَكَّة بِنَاحِيَة مر الظهْرَان، وَيُقَال: هِيَ على بريد من مَكَّة، وَهِي لكنانة وبأرضها، وشامة وطفيل جبلان مشرفان عَلَيْهَا، سميت بهَا لبساتين تتصل بهَا، وَهِي الْجنان، وَيحْتَمل أَن يكون من مجن يمجن، سميت بذلك لِأَن ضربا من المجون كَانَ بهَا.
وَأما حُبَاشَة: فَهِيَ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف شين مُعْجمَة، وَكَانَت بِأَرْض بارق نَحْو قنونا، بِفَتْح الْقَاف وَضم النُّون المخففة وَبعد الْوَاو الساكنة نون أُخْرَى، مَقْصُورَة من مَكَّة إِلَى جِهَة الْيمن على سِتّ مراحل، وَلم يذكر هَذَا فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ لم يكن من مواسم الْحَج، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَام فِي شهر رَجَب. وَقَالَ الرشاطي: هِيَ أكبر أسواق تهَامَة. كَانَ يقوم ثَمَانِيَة أَيَّام فِي السّنة. قَالَ حَكِيم بن حزَام، وَقد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يحضرها واشتريت مِنْهُ فِيهَا بزا من بز تهَامَة، وَقَالَ الفاكهي: وَلم تزل هَذِه الْأَسْوَاق قَائِمَة فِي الْإِسْلَام إِلَى أَن كَانَ أول من ترك مِنْهَا سوق عكاظ فِي زمن الْخَوَارِج سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة، وَآخر مَا ترك مِنْهَا سوق حُبَاشَة فِي زمن دَاوُد بن عِيسَى بن مُوسَى العباسي فِي سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة، وروى الزبير بن بكار فِي (كتاب النّسَب) من طَرِيق حَكِيم بن حزَام أَنَّهَا، أَي: سوق عكاظ، كَانَت تُقَام صبح هِلَال ذِي الْقعدَة إِلَى أَن يمْضِي عشرُون يَوْمًا، قَالَ: ثمَّ يقوم سوق مجنة عشرَة أَيَّام إِلَى هِلَال ذِي الْحجَّة، ثمَّ يقوم سوق ذُو الْمجَاز ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ يتوجهون إِلَى منى لِلْحَجِّ، وَفِي حَدِيث أبي الزبير (عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ لبث عشر سِنِين يتبع النَّاس فِي مَنَازِلهمْ فِي الْمَوْسِم بمجنة وعكاظ يبلغ رسالات ربه) الحَدِيث. أخرجه أَحْمد وَغَيره.
٠٧٧١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ الهَيْثَمِ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ كانَ ذُو المَجَازِ وعُكاظٌ مَتْجَرَ الناسِ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا جاءَ الإسْلَامُ كأنَّهُمْ كَرِهُوا ذالِكَ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنُ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ. (الْبَقَرَة: ٨٩١) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعُثْمَان بن الْهَيْثَم، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: أَبُو عَمْرو الْمُؤَذّن الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ. وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَعلي بن عبد الله، وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان عَنهُ بِهِ.
قَوْله: (متجر النَّاس) ، بِفَتْح الْمِيم أَي: مَكَان تِجَارَتهمْ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: أسواقا فِي الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (كَأَنَّهُمْ) أَي: كَانَ الْمُسلمين. قَوْله: (كَرهُوا ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (فكأنهم تأثموا) . أَي: خشبوا الْوُقُوع فِي الْإِثْم للاشتغال فِي أَيَّام النّسك بِغَيْر الْعِبَادَة. قَوْله: (حَتَّى نزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح﴾ ) (الْبَقَرَة: ٨٩١) . وروى أَبُو دَاوُد وَغَيره من حَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالُوا: كَانُوا يَتَّقُونَ الْبيُوع وَالتِّجَارَة فِي الْمَوْسِم وَالْحج، يَقُولُونَ: أَيَّام ذكر، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٨٩١) . وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، حَدثنَا هَيْثَم أخبرنَا حجاج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٨٩١) . فِي مواسم الْحَج، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة: لَا حرج عَلَيْكُم فِي الشِّرَاء وَالْبيع قبل الْإِحْرَام وَبعده، وَهَكَذَا روى الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فِي مواسم الْحَج) هَذِه قِرَاءَة ابْن عَبَّاس، قَالَ وَكِيع: حَدثنَا طَلْحَة بن عَمْرو الْحَضْرَمِيّ عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يقْرَأ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٨٩١) . فِي مواسم الْحَج وَرَوَاهُ عبد بن حميد عَن مُحَمَّد بن الْفضل عَن حَمَّاد بن زيد عَن عبد الله ابْن أبي زيد: سَمِعت ابْن الزبير يقْرَأ، فَذكر مثله سَوَاء، وَهَكَذَا فَسرهَا مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَقَتَادَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالربيع بن أنس وَغَيرهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (فِي مواسم الْحَج) كَلَام الرَّاوِي ذكره تَفْسِيرا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة، وَقَالَ بَعضهم: فَاتَهُ مَا زَاده المُصَنّف فِي آخر حَدِيث ابْن عُيَيْنَة فِي الْبيُوع. قَرَأَهَا ابْن عَبَّاس وَرَوَاهُ ابْن أبي عمر فِي (مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة. وَقَالَ فِي آخِره: وَكَذَلِكَ كَانَ ابْن عَبَّاس يقْرؤهَا. انْتهى. قلت: نعم، ذهل الْكرْمَانِي عَن هَذَا، وَلَكِن قَوْله ذكره تَفْسِيرا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة لَهُ وَجه، لِأَن مُجَاهدًا وَمن ذَكَرْنَاهُمْ مَعَه فسروها هَكَذَا فجعلوها تَفْسِيرا وَلم يجعلوها قِرَاءَة، وَمَعَ هَذَا على تَقْدِير كَونهَا قِرَاءَة فَهِيَ من الْقِرَاءَة الشاذة وَحكمهَا عِنْد الْأَئِمَّة حكم التَّفْسِير. وَقَالَ أَحْمد: حَدثنَا أَسْبَاط
стр. 2908
أخبرنَا الْحسن بن عَمْرو الْفُقيْمِي (عَن أبي أُمَامَة التَّيْمِيّ، قَالَ: قلت لِابْنِ عمر: إِنَّا نكرِي، فَهَل لنا من حج؟ قَالَ أَلَيْسَ تطوفون بِالْبَيْتِ فَتَأْتُونَ الْمُعَرّف وترمون الْجمار وتحلقون رؤوسكم؟ . قَالَ: قُلْنَا: بلَى. فَقَالَ ابْن عمر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهُ عَن الَّذِي سَأَلتنِي عَنهُ فَلم يجبهُ حَتَّى نزل جِبْرِيل، ﵊، بِهَذِهِ الْآيَة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ (الْبَقَرَة: الْآيَة: ٨٩١) . فَدَعَاهُ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: أَنْتُم حجاج) .
١٥١ - (بابُ الإدْلاجِ مِنَ الْمُحَصَّبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الإدلاج من المحصب، وأصل الإدلاج الإدتلاج، فقلبت التَّاء دَالا وأدغمت الدَّال فِي الدَّال، فَصَارَ: الإدلاج، بتَشْديد الدَّال، وَهُوَ السّير فِي آخر اللَّيْل. وَأما الإدلاج بِسُكُون الدَّال فَهُوَ السّير فِي أول اللَّيْل، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَالصَّوَاب التَّشْدِيد لِأَن المُرَاد هُنَا هُوَ السّير فِي آخر اللَّيْل، لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الرحيل من مَكَان الْمبيت بالمحصب سحرًا، وَقد ذكرنَا أَن المحصب هُوَ الأبطح، وَيُسمى الْبَطْحَاء أَيْضا.
١٧٧١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ عَنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ حاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ فقالَتْ مَا أُرَانِي إلَاّ حابِسَتُكُمْ قَالَ النبيُّ ﷺ عَقْرَى حَلْقَى أطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قِيلَ نَعَمْ قَالَ فانْفِرِي..
لما كَانَت الْقِصَّة فِي حَدِيث حَفْص بن غياث وَحَدِيث محَاضِر متحدة، وَكَانَ حَدِيث محَاضِر مطابقا للتَّرْجَمَة فِي قَوْله (فلقيناه مدلجاً) بتَشْديد الدَّال أَي سَائِر من آخر اللَّيْل صَار حَدِيث حَفْص أَيْضا مطابقاً للتَّرْجَمَة.
من هَذِه الْحَيْثِيَّة وَإِن لم يكن فِيهِ مُطَابقَة صَرِيحًا.
وَرِجَاله سِتَّة: الأول: عمر بن حَفْص أَبُو حَفْص النَّخعِيّ. الثَّانِي: أَبوهُ حَفْص بن غياث بن طلق بن مُعَاوِيَة. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. الْخَامِس: الْأسود بن يزِيد. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
وَهَؤُلَاء كلهم إِلَّا عَائِشَة كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الاب وَرِوَايَة الرَّاوِي عَن خَاله، وَهُوَ إِبْرَاهِيم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى، وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب ثَلَاثَتهمْ عَن أبي مُعَاوِيَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن عبيد الله الغيلاني، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد.
قَوْله: (حَاضَت صَفِيَّة) هِيَ بنت حييّ زوج النَّبِي ﷺ مَعْنَاهُ أَن صَفِيَّة حَاضَت قبل طواف الْوَدَاع، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِي ﷺ الِانْصِرَاف إِلَى الْمَدِينَة، (قَالَت: مَا أَرَانِي) أَي: مَا أَظن نَفسِي إلَاّ حابستكم لانتظار طهري وطوافي للوداع، فَإِنِّي لم أطف للوداع، وَقد حِضْت فَلَا يمكنني الطّواف الْآن، وظنت أَن طواف الْوَدَاع لَا يسْقط عَن الْحَائِض، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أما كنت طفتِ طواف الْإِفَاضَة يَوْم النَّحْر؟ قَالَت، بلَى. قَالَ: يَكْفِيك ذَلِك، لِأَنَّهُ هُوَ الطّواف الَّذِي هُوَ ركن لَا بُد لكل أحد مِنْهُ. وَأما طواف الْوَدَاع فَلَا يجب على الْحَائِض، وَتَفْسِير: عقرى حلقى، قد مر غير مرّة. قَوْله: (أطافت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (فانفري) أَي: إرحلي.
٢٧٧١ - قَالَ أبُو عَبْدِ الله وزَادَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثنا محاضِرٌ قَالَ حَدثنَا الأعْمَشُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عَن عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ لَا نَذْكُرُ إلَاّ الحَجَّ فَلَمَّا قَدِمْنا أمرَنَا أَن نَحِلَّ فَلَمَّا كانَتُ لَيْلَةُ النَّفْرِ حاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فقالَ النبيُّ ﷺ حَلْقَى عَقْرَى مَا أُرَاهَا إلَاّ حابِسَتِكُمْ ثُمَّ قَالَ كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قالَتْ نَعَمْ قَالَ فانْفِرِي قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إنِّي لَمْ أكُنْ حَلَلْتُ قَالَ فاعْتَمِرِي مِنَ التَّنْعِيمِ فخَرَجَ معَهَا أخُوهَا فلَقِيناهُ مُدِّلجا فَقَالَ مَوْعِدُكِ مَكانَ كذَا وكذَا.
.
стр. 2909
وَقد ذكرنَا وَجه الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (وَزَادَنِي مُحَمَّد) أَي: فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقد اخْتلف فِي مُحَمَّد هَذَا، فَزعم الجياني أَن مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ الذهلي، وَاقْتصر عَلَيْهِ الْمزي فِي تهذيبه) فَقَالَ: يُقَال: الذهلي وَوَقع فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن السكن: مُحَمَّد بن سَلام. ومحاضر، بِضَم الْمِيم على وزن اسْم الْفَاعِل من المحاضرة من الْحُضُور ضد الْغَيْبَة: ابْن الْمُوَرِّع، بِضَم الْمِيم وَفتح الْوَاو وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: الْهَمدَانِي اليامي، مَاتَ سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ، اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ، وَأخرج لَهُ مُسلم فَرد حَدِيث (من يدعوني فأستجيب لَهُ؟) الحَدِيث، وَهُوَ صَدُوق مُغفل، قَالَ أَحْمد: كَانَ مغفلاً جدا. وَقيل: لم يخرج البُخَارِيّ عَنهُ إلَاّ تَعْلِيقا، لَكِن ظَاهر هَذَا الْموضع الْوَصْل.
قَوْله: (مَا أَرَاهَا) أَي: مَا أرى صَفِيَّة إلَاّ حابستكم عَن النَّفر. قَوْله: (كنت طفت؟) أَصله: أَكنت طفت بالاستفهام عَن طوافها يَوْم النَّحْر. قَوْله: (فاعتمري) أَي: قَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : فاعتمري، وَإِنَّمَا أمرهَا بالاعتمار لتطييب قَلبهَا حِين أَرَادَت أَن تكون لَهَا عمْرَة مُنْفَرِدَة مُسْتَقلَّة كَمَا لسَائِر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَإِنَّمَا خص التَّنْعِيم بِالذكر مَعَ أَن جَمِيع جِهَات الْحل سَوَاء فِيهِ وَالْإِحْرَام من التَّنْعِيم غير وَاجِب أما لِأَنَّهُ كَانَ أسهل عَلَيْهَا، وَأما لغَرَض آخر. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض بِوُجُوب الْإِحْرَام مِنْهُ، قَالَ: وَهُوَ مِيقَات الْمُعْتَمِر من مَكَّة. قَوْله: (فَخرج مَعهَا أَخُوهَا) ، أَي: فَخرج مَعَ عَائِشَة خوها عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَوْله: (فلقيناه) أَي: لَقينَا النَّبِي ﷺ ، قَائِل هَذَا هُوَ عَائِشَة أَرَادَت أَنَّهَا وأخاها لقيا النَّبِي ﷺ مدلجا أَي: حَال كَونه مدلجا، أَي سائرا من آخر اللَّيْل فَإِنَّهُمَا لما رجعا إِلَى الْمنزل بعد أَن قَضَت عَائِشَة الْعمرَة صادفا النَّبِي ﷺ مُتَوَجها إِلَى طواف الْوَدَاع، وَقد ذكرنَا أَن مدلجا بتَشْديد الدَّال وَهُوَ السّير من آخر اللَّيْل، وَأما الإدلاج بِسُكُون الدَّال فَهُوَ السّير من أول اللَّيْل، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (فَقَالَ موعدك) أَي: قَالَ النَّبِي لعَائِشَة: موعدك، وَأَرَادَ بِهِ مَوضِع الْمنزلَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْموعد هُوَ مَوضِع تكلم بِهَذَا رَسُول الله ﷺ ووعدها الِاجْتِمَاع لمَكَان كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّهُ مَكَان وَفَاء الْعَهْد. قلت: الْموعد مصدر ميمي بِمَعْنى الْمَوْعُود وَالْمَكَان مُقَدرا، والوعد الَّذِي فِي ضمن اسْم الْمَكَان هُوَ بِمَعْنى الْمَوْعُود. انْتهى. قلت: فِيهِ تعسف لَا يخفى، وَالْحَاصِل أَنه ﷺ لما لقيهمَا قَالَ لعَائِشَة: مَوضِع الْمنزلَة كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي تكون الملاقاة هُنَاكَ حَتَّى إِذا عَاد النَّبِي ﷺ من طَوَافه للوداع يجْتَمع بهَا هُنَاكَ للرحيل، وَالله تَعَالَى أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٢ - (أبوابُ العُمْرَةِ)
١ - (وجوبُ العُمْرَةِ وفَضْلُهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الْعمرَة، وَلَيْسَت الْبَسْمَلَة مَذْكُورَة فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَإِنَّمَا التَّرْجَمَة هَكَذَا فِي رِوَايَته عَن الْمُسْتَمْلِي: أَبْوَاب الْعمرَة، بَاب وجوب الْعمرَة وفضلها، وَعند الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَته غير أبي ذَر سقط. قَوْله: (أَبْوَاب الْعمرَة) وَفِي كتاب أبي نعيم فِي الْمُسْتَخْرج) : كتاب الْعمرَة، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، بَاب الْعمرَة وفضلها، فَقَط أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان الْعمرَة وَفِي بَيَان فَضلهَا.
وَالْعمْرَة فِي اللُّغَة: الزِّيَارَة، يُقَال اعْتَمر فَهُوَ مُعْتَمر أَي زار وَقصد، وَقيل: إِنَّهَا مُشْتَقَّة من عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام، وَفِي الشَّرْع الْعمرَة: زِيَارَة الْبَيْت الْحَرَام بِشُرُوط مَخْصُوصَة، ذكرت فِي كتب الْفِقْه.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَيْسَ أحَدٌ إلَاّ وعَلَيْهِ حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ
لما كَانَت التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على بَيَان وجوب الْعمرَة وَبَيَان فَضلهَا قدم بَيَان وُجُوبهَا أَولا، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِهَذَا التَّعْلِيق الَّذِي ذكره عَن عبد الله بن عمر، وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن ابْن جريج عَن نَافِع: أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول: (لَيْسَ من خلق الله تَعَالَى أحد إلَاّ وَعَلِيهِ حجَّة وَعمرَة واجبتان) ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم من طَرِيق ابْن جريج عَن نَافِع عَنهُ مثله بِزِيَادَة: (من اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِك سَبِيلا، فَمن زَاد على هَذَا فَهُوَ تطوع وَخير) . وَقَالَ سعيد بن أبي
стр. 2910
عرُوبَة فِي (الْمَنَاسِك) عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان. وَقَالَ بَعضهم: وَجزم المُصَنّف بِوُجُوب الْعمرَة، وَهُوَ متابع فِي ذَلِك للمشهور عَن الشَّافِعِي وَأحمد وَغَيرهمَا من أهل الْأَثر. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: الْعمرَة سنَّة لَا نعلم أحدا رخص فِي تَركهَا، لَيْسَ فِيهَا شَيْء ثَابت بِأَنَّهَا تطوع. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي لَا يُرِيد بِهِ أَنَّهَا لَيست بواجبة، بِدَلِيل قَوْله: لَا نعلم أحدا رخص فِي تَركهَا، لِأَن السنَّة الَّتِي يُرِيد بهَا خلاف الْوَاجِب يرخص فِي تَركهَا قطعا، والسنَّة تطلق وَيُرَاد بهَا الطَّرِيقَة، وَغير سنة الرَّسُول ﷺ انْتهى. قلت: كَأَن شَيخنَا حمل قَول الشَّافِعِي: الْعمرَة سنة، على معنى أَنَّهَا سنّة لَا يجوز تَركهَا بِدَلِيل قَوْله: (لَيْسَ فِيهَا شَيْء ثَابت بِأَنَّهَا تطوع، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا لم يثبت أَنَّهَا تطوع يكون معنى قَوْله: إنَّها سنَّة أَي: سنة وَاجِبَة لَا يرخض فِي تَركهَا، وَالَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي أَنه لَيْسَ بِثَابِت هُوَ مُرْسل أبي صَالح الْحَنَفِيّ، فقد روى الرّبيع عَن الشَّافِعِي أَن سعيد بن سَالم القداح قد احْتج بِأَن سُفْيَان الثَّوْريّ أخبرهُ عَن يَعْقُوب بن إِسْحَاق عَن أبي صَالح الْحَنَفِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (الْحَج جِهَاد وَالْعمْرَة تطوع) ، قلت: هَذَا مُنْقَطع، فصح قَوْله أَنه لَيْسَ بِثَابِت.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إنَّها لَقَرِينَتُها فِي كِتَابِ الله ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) .
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس: (إِن الْعمرَة لقَرِينَة الْحجَّة فِي كتاب الله تَعَالَى) يَعْنِي: مذكورتان مَعًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَقد أَمر الله تَعَالَى بإتمامهما، وَالْأَمر للْوُجُوب، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الشَّافِعِي فِي مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار: سَمِعت طاووسا يَقُول: سَمِعت ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: وَالله إِنَّهَا لقرينتها فِي كتاب الله: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَقَالَ المانعون للواجوب: ظَاهر السِّيَاق إِكْمَال أفعالها بعد الشُّرُوع فيهمَا، وَلِهَذَا قَالَ بعده: ﴿فَأن أحصرتم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: صددتم عَن الْوُصُول إِلَى الْبَيْت، ومنعتم من أتمامهما، وَلِهَذَا اتّفق الْعلمَاء على أَن الشُّرُوع فِي الْحَج وَالْعمْرَة مُلْزم، سَوَاء قيل بِوُجُوب الْعمرَة أَو باستحبابها، وَقَالَ شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن أبي سَلمَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ فِي هَذِه الْآيَة: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَالَ: أَن تحرم من دويرة أهلك، وَكَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وطاووس عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، أَنه قَالَ: تمامهما أَن تحرم من أهلك لَا تُرِيدُ إلَاّ الْحَج وَالْعمْرَة، وتهل من الْمِيقَات، لَيْسَ أَن تخرج لتِجَارَة وَلَا لحَاجَة حَتَّى إِذا كنت قَرِيبا من مَكَّة. قلت: لَو احتججت أَو اعْتَمَرت، وَذَلِكَ يجزىء، وَلَكِن التَّمام أَن تخرج لَهُ وَلَا تخرج لغيره. وَقَرَأَ الشّعبِيّ: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . بِرَفْع الْعمرَة، قَالَ: وَلَيْسَت بواجبة.
وَمِمَّنْ قَالَ بفرضية الْعمرَة من الصَّحَابَة: عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله بن عمر وَعبد الله بن مَسْعُود وَجَابِر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمن التَّابِعين وَغَيرهم: عَطاء وطاووس وَمُجاهد وَعلي بن الْحُسَيْن وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَعبد الله بن شَدَّاد وَابْن الحبيب وَابْن الجهم، وَاحْتج هَؤُلَاءِ أَيْضا بِأَحَادِيث أُخْرَى. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن مُسلم عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِن الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان لَا يَضرك بِأَيِّهِمَا بدأت) . قلت: الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف، رَوَاهُ هِشَام بن حسان عَن ابْن سِيرِين عَن زيد. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة حبيب بن أبي عمْرَة عَن عَائِشَة بنت طَلْحَة (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قلت: يَا رَسُول الله ﴿على النِّسَاء جِهَاد؟ قَالَ: نعم﴾ عَلَيْهِنَّ جِهَاد لَا قتال فِيهِ الْحَج وَالْعمْرَة) . قلت: أخرجه البُخَارِيّ وَلم يذكر فِيهِ الْعمرَة. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة قُتَيْبَة عَن ابْن لَهِيعَة عَن عَطاء (عَن جَابر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان واجبتان) . قلت: قَالَ ابْن عدي: هُوَ عَن ابْن لَهِيعَة عَن عَطاء غير مَحْفُوظ، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ ابْن لَهِيعَة: غير مُحْتَج بِهِ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَمْرو بن أَوْس (عَن أبي رزين الْعقيلِيّ: أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله! إِن أبي شيخ كَبِير لَا يَسْتَطِيع الْحَج وَالْعمْرَة، وَلَا الظعن، قَالَ: حج عَن أَبِيك وَاعْتمر) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأَبُو رزين اسْمه: لَقِيط بن عَامر قلت: أمره بِأَن يعْتَمر عَن غَيره. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يُونُس بن مُحَمَّد عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه عَن يحيى بن يعمر عَن ابْن عمر (عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: بَينا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله ﷺ فِي أنَاس، إِذْ جَاءَ رجل لَيْسَ عَلَيْهِ سحناء سفر) فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالَ: يَا مُحَمَّد
стр. 2911
مَا الأسلام؟ فَقَالَ) الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتحج وتعتمر) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا إِسْنَاد ثَابت أخرجه مُسلم بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: زِيَادَة صَحِيحَة، وَأخرجه أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) والجوزقي وَالْحَاكِم أَيْضا قلت: المُرَاد بِإِخْرَاج مُسلم لَهُ أَنه أخرج الْإِسْنَاد هَكَذَا، وَلم يسق لفظ هَذِه الرِّوَايَة، وَإِنَّمَا أحَال بِهِ على الطّرق الْمُتَقَدّمَة إِلَى يحيى بن يعمر بقوله كنحو حَدِيثهمْ، وَذكر أَبُو عَمْرو عَن الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة: أَن الْعمرَة لَيست بواجبة وروى ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَعنهُ أَنَّهَا سنة. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا: الْعمرَة سنة وَيَنْبَغِي أَن يَأْتِي بهَا عقيب الْفَرَاغ من أَفعَال الْحَج، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث جَابر (أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن الْعمرَة أَوَاجِبَة هِيَ قَالَ: لَا، وَإِن تَعْتَمِرُوا هُوَ أفضل) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. فَإِن قلت: قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَفِي تَصْحِيحه لَهُ نظر، فَإِن فِي سَنَده الْحجَّاج بن أَرْطَاة وَلم يحْتَج بِهِ الشَّيْخَانِ فِي (صَحِيحَيْهِمَا) . وَقَالَ ابْن حبَان: تَركه ابْن الْمُبَارك وَيحيى الْقطَّان وَابْن معِين وَأحمد، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يحْتَج بِهِ، وَإِنَّمَا روى هَذَا الحَدِيث مَوْقُوفا على جَابر، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَفعه ضَعِيف. قلت: قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد فِي كتاب (الإِمَام) : وَهَذَا الحكم بالتصحيح فِي رِوَايَة الْكَرْخِي لكتاب التِّرْمِذِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: حسن لَا غير، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: لَعَلَّ التِّرْمِذِيّ إِنَّمَا حكم عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ لمجيئه من وَجه آخر، فقد رَوَاهُ يحيى بن أَيُّوب عَن عبد الله ابْن عمر عَن أبي الزبير، (عَن جَابر، قلت: يَا رَسُول الله ﴿الْعمرَة فَرِيضَة كَالْحَجِّ؟ قَالَ: لَا، وَإِن تعتمر خير لَك) . ذكره صَاحب (الإِمَام) ، وَقَالَ: اعْترض عَلَيْهِ بِضعْف عبد الله بن عمر الْعمريّ. قلت: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يحيى بن أَيُّوب عَن عبيد الله بن الْمُغيرَة عَن أبي الزبير (عَن جَابر، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله﴾ الْعمرَة وَاجِبَة فريضتها كفريضة الْحَج؟ قَالَ: لَا، وَإِن تعتمر خير لَك) . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة يحيى بن أَيُّوب عَن عبيد الله غير مَنْسُوب عَن أبي الزبير، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ عبيد الله بن الْمُغيرَة، تفرد بِهِ عَن أبي الزبير، وَوهم الباغندي فِي قَوْله: عبيد الله بن عمر، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: (الْحَج جِهَاد وَالْعمْرَة تطوع) ، وروى عبد الْبَاقِي بن قَانِع من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ نَحوه، وَكَذَا روى عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ نَحوه. ثمَّ إعلم أَن الشَّافِعِي ذهب إِلَى اسْتِحْبَاب تكْرَار الْعمرَة فِي السّنة الْوَاحِدَة مرَارًا، وَقَالَ مَالك وَأَصْحَابه: يكره أَن يعْتَمر فِي السّنة الْوَاحِدَة أَكثر من عمْرَة وَاحِدَة، وَقَالَ ابْن قدامَة: قَالَ آخَرُونَ: لَا يعْتَمر فِي شهر أَكثر من عمْرَة وَاحِدَة، وَعند أبي حنيفَة: تكره الْعمرَة فِي خَمْسَة أَيَّام: يَوْم عَرَفَة، والنحر، وَأَيَّام التَّشْرِيق. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: تكره فِي أَرْبَعَة أَيَّام عَرَفَة، والتشريق.
٣٧٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنُ سُمَيٍّ مَوْلَى أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمان عنْ أبي صالِحِ السَّمَّانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ الْعُمْرَةُ إلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا والحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَاّ الجَنَّةُ.
قد ذكرنَا أَن التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على وجوب الْعمرَة وفضلها، وَذكر مَا يدل على وُجُوبهَا، وهما الأثران الْمَذْكُورَان عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ ذكر هُنَا عَن أبي هُرَيْرَة مَا يدل على فَضلهَا، وَقد بوب التِّرْمِذِيّ بَابا فِي فضل الْعمرَة، فَقَالَ: بَاب مَا جَاءَ فِي فضل الْعمرَة، ثمَّ روى حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور عَن أبي كريب عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن سمي إِلَى آخِره، نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، وَأخرجه مُسلم أَيْضا كَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَأخرجه أَيْضا النَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن سمي، وَمن رِوَايَة سُهَيْل بن أبي صَالح عَن سمي، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن سمي، وَهُوَ مَشْهُور من حَدِيث سمي، وَهُوَ بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء، وَقد مر فِي الصَّلَاة.
وَأَبُو صَالح السمان هُوَ ذكْوَان الزيات، وَقد تكَرر ذكره. قَوْله: (الْعمرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا) ، أَي: من الذُّنُوب دون الْكَبَائِر كَمَا فِي قَوْله: (الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة كَفَّارَة لما بَينهمَا) . وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن تكون إِلَى بِمَعْنى: مَعَ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَى أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٢) . و ﴿من أَنْصَارِي إِلَى الله﴾ (آل عمرَان: ٢٥، الصَّفّ: ٤١) . فَإِن قلت: الَّذِي يكفر مَا بَين العمرتين: الْعمرَة الأولى أَو الْعمرَة الثَّانِيَة؟ قلت: ظَاهر الحَدِيث أَن الْعمرَة الأولى هِيَ المكفرة، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي
стр. 2912
وَقع الْخَبَر عَنْهَا أَنَّهَا تكفر، وَلَكِن الظَّاهِر من حَيْثُ الْمَعْنى أَن الْعمرَة الثَّانِيَة هِيَ الَّتِي تكفر مَا قبلهَا إِلَى الْعمرَة الَّتِي قبلهَا، فَإِن التَّكْفِير قبل وُقُوع الذَّنب خلاف الظَّاهِر. قَوْله: (وَالْحج المبرور) ، المبرور من: بره إِذا أحسن إِلَيْهِ ثمَّ قيل: بر الله عمله، إِذا قبله كَأَنَّهُ أحسن إِلَى عمله بِأَن قبله وَلم يردهُ. وَاخْتلفُوا فِي المُرَاد بِالْحَجِّ المبرور، فَقيل: هُوَ الَّذِي لَا يخالطه شَيْء من مأثم، وَقيل: هُوَ المتقبل، وَقيل: هُوَ الَّذِي لَا رِيَاء فِيهِ وَلَا سمعة وَلَا رفث وَلَا فسوق، وَقيل: الَّذِي لم يتعقبه مَعْصِيّة، وَقد ورد تَفْسِير الْحَج المبرور بِغَيْر هَذِه الْأَقْوَال، وَهُوَ مَا روى مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ (قَالَ: الْحَج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إلَاّ الْجنَّة، فَقيل: يَا رَسُول الله! مَا بر الْحَج؟ قَالَ: إفشاء السَّلَام وإطعام الطَّعَام) . وَفِي رِوَايَة فِيهِ بدل (إفشاء السَّلَام: وَطيب الْكَلَام) ، وَفِي رِوَايَة: (ولين الْكَلَام) وَهُوَ فِي (مُسْند) أَحْمد. قَوْله: (لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجنَّة) أَي: لَا يقصر لصَاحبه من الْجَزَاء على تَكْفِير بعض ذنُوبه، بل لَا بُد أَن يدْخل الْجنَّة،
وَقد ورد فِي ثَوَاب الْحَج وَالْعمْرَة أَحَادِيث: مِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث شَقِيق عَن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (تابعوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة فَإِنَّهُمَا ينفيان الْفقر والذنُوب كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد وَالذَّهَب وَالْفِضَّة، وَلَيْسَ للحجة المبرورة ثَوَاب إلَاّ الْجنَّة) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا، وَلما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدِيث ابْن مَسْعُود حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود، وَقَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عمر وعامر بن ربيعَة وَأبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن حُبَيْش وَأم سَلمَة وَجَابِر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قلت: حَدِيث عمر رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ : (تابعوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة فَإِن الْمُتَابَعَة بَينهمَا تَنْفِي الْفقر والذنُوب كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد) . وَحَدِيث عَامر بن ربيعَة رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (تابعوا) ، فَذكره. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه الْجَمَاعَة خلا أَبَا دَاوُد من طرق عَن مَنْصُور. وَحَدِيث عبد الله بن حُبَيْش الْخَثْعَمِي رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَليّ الْأَزْدِيّ عَن عبيد بن عُمَيْر (عَن عبد الله بن حُبَيْش الْخَثْعَمِي أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ: أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ: إِيمَان لَا شكّ فِيهِ، وَجِهَاد لَا غلُول فِيهِ، وَحجَّة مبرورة) . وَذكر الحَدِيث، وَأَصله عِنْد أبي دَاوُد ﵀. وَحَدِيث أم سَلمَة رَوَاهُ الْحَارِث بن أبي أُسَامَة فِي (مُسْنده) : حَدثنَا يزِيد بن هَارُون حَدثنَا قَاسم بن الْفضل عَن أبي جَعْفَر عَن أم سَلمَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الْحَج جِهَاد كل ضَعِيف) ، وَأَبُو جَعْفَر هُوَ الباقر، اسْمه مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن، وَلم يسمع من أم سَلمَة. وَحَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر مَرْفُوعا: (تابعوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة) .
٢ - (بابُ مَنِ اعْتَمَرَ قَبْلَ الحَجِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من اعْتَمر قبل أَن يحجّ، هَل يجْزِيه أم لَا؟
٤٧٧١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ أنَّ عِكْرَمَةَ بنَ خالِدٍ سألَ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الحَجِّ فَقَالَ لَا بأسَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد بن ثَابت عَن عُثْمَان بن مَسْعُود بن يزِيد أَبُو الْحسن الْخُزَاعِيّ الْمروزِي الْمَعْرُوف بِابْن شبويه، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: روى عَنهُ البُخَارِيّ، مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بطرسوس، قَالَه الْحَافِظ الدمياطي، وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا أَحْمد بن مُحَمَّد هُوَ ابْن مرْدَوَيْه. قلت: هُوَ أَحْمد بن مُوسَى أَبُو الْعَبَّاس، يُقَال لَهُ مرْدَوَيْه السمسار الْمروزِي، وَذكره ابْن أبي خَيْثَمَة فِيمَن قدم بَغْدَاد، وَمَات فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ. الرَّابِع: عِكْرِمَة بن خَالِد بن الْعَاصِ بن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم، مَاتَ سنة أَربع عشرَة وَمِائَة. الْخَامِس: عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي عَاصِم عَن ابْن جريج.
стр. 2913
وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج أَيْضا عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن مخلد بن يزِيد وَيحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة، كِلَاهُمَا عَن ابْن جريج.
قَوْله: (أَن عِكْرِمَة بن خَالِد سَأَلَ ابْن عمر) ، قيل: هَذَا السِّيَاق يَقْتَضِي أَن هَذَا الْإِسْنَاد مُرْسل، لِأَن ابْن جريج لم يدْرك زمَان سُؤال عِكْرِمَة لِابْنِ عمر. انْتهى. قلت: عدم إِدْرَاك ابْن جريج سُؤال عِكْرِمَة عَن ابْن عمر لَا يسْتَلْزم نفي سَماع ابْن جريج عَن عِكْرِمَة هَذَا. قَوْله: (لَا بَأْس) ، يَعْنِي: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء إِذا اعْتَمر قبل أَن يحجّ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة: لَا بَأْس على أحد أَن يعْتَمر قبل أَن يحجّ.
قَالَ عِكْرِمَةُ قَالَ ابنُ عُمَرَ اعْتَمَرَ النبيُّ ﷺ قَبْلَ أنْ يَحُّجَّ
عِكْرِمَة هُوَ ابْن خَالِد الْمَذْكُور، وَهُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور.
وَقَالَ إبرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ إسْحَاقَ قَالَ حدَّثني عِكْرِمَةُ ابنُ خالِدٍ قَالَ سألْتُ ابنَ عُمَرَ مُثْلَهُ
إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ الْقرشِي الْمدنِي، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ بِبَغْدَاد، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسبعين سنة، وَابْن إِسْحَاق هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار صَاحب (الْمَغَازِي) ذكر هَذَا التَّعْلِيق عَن ابْن إِسْحَاق الْمُصَرّح بالاتصال تَقْوِيَة لما قبلهَا، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق أَحْمد عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَلَفظه: (حَدثنِي عِكْرِمَة بن خَالِد بن الْعَاصِ المَخْزُومِي، قَالَ: قدمت الْمَدِينَة فِي نفر من أهل مَكَّة فَلَقِيت عبد الله بن عمر، فَقلت: إِنَّا لم نحج قطّ، أفنعتمر من الْمَدِينَة؟ قَالَ: نعم، وَمَا يمنعكم من ذَلِك، فقد اعْتَمر رَسُول الله ﷺ عمْرَة كلهَا قبل حجه؟ قَالَ: فاعتمرنا) .
حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ قَالَ حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ عِكْرِمَةُ بنُ خالِدٍ سألْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مِثْلَهُ.
عَمْرو بن عَليّ بن بَحر بن كَبِير أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم: الشَّيْبَانِيّ أَبُو عَاصِم النَّبِيل الْبَصْرِيّ، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَهَذَا من ابْن عمر قد يدل أَن فرض الْحَج نزل قبل اعتماره، إِذْ لَو اعْتَمر قبله مَا صَحَّ استدلاله على مَا ذكره، وَيتَفَرَّع على ذَلِك فرض الْحَج: هَل هُوَ على الْفَوْر أَو التَّرَاخِي؟ وَالَّذِي جنح إِلَيْهِ ابْن عمر يدل على أَنه على التَّرَاخِي، وَهُوَ الَّذِي تعضده الْأُصُول أَن فِي فرض الْحَج سَعَة وفسحة، وَلَو كَانَ وقته مضيقا لوَجَبَ إِذا أَخّرهُ إِلَى سنة أُخْرَى أَن يكون قَضَاء لَا أَدَاء، فَلَمَّا ثَبت أَن يكون أَدَاء فِي أَي وَقت أَتَى بِهِ، علم أَنه لَيْسَ على الْفَوْر. انْتهى. قلت: هَذَا أَخذه من كَلَام ابْن بطال، وَفِي دَعْوَاهُ أَنه على التَّرَاخِي، بِمَا ذكره نظر لِأَنَّهُ يلْزم من صِحَة تَقْدِيم أحد النُّسُكَيْنِ على الآخر نفي الْفَوْرِيَّة، وَفِيه خلاف قد ذَكرْنَاهُ فِي أول الْحَج، وَالله أعلم.
٣ - (بابٌ كم اعْتَمَرَ النبيُّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: كم اعْتَمر النَّبِي، ﷺ ، يَعْنِي: كم لَهُ عمْرَة؟
٥٧٧١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عَن منْصُورٍ عنْ مجَاهِدٍ قَالَ دَخَلْتُ أنَا وعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ فَإِذا عَبْدُ الله بنُ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا جالِسٌ إلَى حُجْرَةِ عائِشَةَ وإذَا أُناسٌ يُصَلُّونَ فِي المَسْجِدِ صَلَاةَ الضُّحَى قَالَ فَسَألْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ فَقال بِدْعَةٌ ثُمَّ قالَ لَهُ كَمِ اعْتَمَرَ رسولُ الله ﷺ قَالَ أرْبَعٌ إحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ فَكَرِهْنَا أنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ وسَمِعْنَا اسْتِنانَ عائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنينَ فِي الحُجْرَةِ فقالَ عُرْوَةُ يَا أُمَّاهُ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ ألَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمانِ قالَتْ مَا يَقُولُ قَالَ يَقُولُ إنَّ
стр. 2914
رَسُولَ الله ﷺ اعْتَمَرَ أرْبَعَ عُمُرَاتٍ إحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ قالَتْ يَرْحَمُ الله أبَا عَبْدِ الرَّحْمانِ مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إلَاّ وهُوَ شَاهِدُهُ وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَط.
مطابقته فِي قَوْله: (كم اعْتَمر؟) ، وَفِي قَوْله: (اعْتَمر أَربع عمرات) وَفِي كَونهَا ثَلَاثًا على قَول عَائِشَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير ... إِلَى آخِره نَحوه، غيران فِي رِوَايَته (وَالنَّاس يصلونَ صَلَاة الضحي) وَفِي هُنَا أَن نكذبه ونرد عَلَيْهِ) قَوْله (دخلت أَنا وعدوه) إِلَى آخِره فِيهِ دفع لما ذكره يحيى بن سعيد وَابْن معِين وَأَبُو حَاتِم فِي آخَرين أَن مُجَاهدًا لم يسمع من عَائِشَة. قَوْله: (الْمَسْجِد) ، يَعْنِي: مَسْجِد الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة. قَوْله: (فَإِذا) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة، و: عبد الله، مُبْتَدأ، و: جَالس، خَبره وَكَذَلِكَ: وَإِذا، الثَّانِيَة للمفاجأة وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (نَاس) بِغَيْر ألف فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (وَإِذا أنَاس) بِالْألف وهما بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (قَالَ: فَسَأَلْنَاهُ عَن صلَاتهم) أَي: فسألنا ابْن عمر عَن صَلَاة هَؤُلَاءِ الَّذين يصلونَ فِي الْمَسْجِد. قَوْله: (بِدعَة) أَي: صلَاتهم بِدعَة، وَإِنَّمَا قَالَ: بِدعَة، وَإِنَّمَا الْبِدْعَة إِحْدَاث مَا لم يكن فِي عهد رَسُول الله ﷺ ، وَقد ثَبت أَنه ﷺ صلى صَلَاة الضُّحَى فِي بَيت أم هانىء، وَقد مر فِي: بَاب صَلَاة الضُّحَى، لِأَن الظَّاهِر أَنَّهَا لم تثبت عِنْده فَلذَلِك أطلق عَلَيْهَا الْبِدْعَة، وَقيل: أَرَادَ أَنَّهَا من الْبدع المستحسنة، كَمَا قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي صَلَاة التَّرَاوِيح، نعمت الْبِدْعَة هَذِه، وَقيل: أَرَادَ أَن إظهارها فِي الْمَسْجِد والاجتماع لَهَا هُوَ الْبِدْعَة، لَا أَن نفس تِلْكَ الصَّلَاة بِدعَة، وَهَذَا هُوَ الْأَوْجه. قَوْله: (قَالَ أَربع) ، كَذَا هُوَ مَرْفُوعا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (أَرْبعا) ، وَلَقَد نقل الْكرْمَانِي وَغَيره عَن ابْن مَالك فِي وَجه هَذَا الرّفْع وَالنّصب مَا فِيهِ تعسف جدا، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: إِن وَجه الرّفْع هُوَ أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: الَّذِي اعتمره النَّبِي ﷺ أَربع أَي: أَربع عمر، وَوجه النصب على أَن يكون خبر كَانَ محذوفا، تَقْدِيره: الَّذِي اعتمره كَانَ أَرْبعا قَوْله: (وَسَمعنَا استنان عَائِشَة) ، قيل: استنانها سواكها. وَقيل: اسْتِعْمَالهَا المَاء. قَالَ ابْن فَارس: سننت المَاء على وَجْهي إِذا أَرْسلتهُ إرْسَالًا إلَاّ أَن يكون اسْتنَّ، لم تستعمله الْعَرَب إلَاّ فِي السِّوَاك، وَقيل: مَعْنَاهُ سمعنَا حس مُرُور السِّوَاك على أسنانها. قلت: فِيهِ مَا فِيهِ، وَفِي رِوَايَة عَطاء عَن عُرْوَة عِنْد مُسلم، قَالَ: (وَإِنَّا لنسمع ضربهَا بِالسِّوَاكِ تستن) . قَوْله: (يَا أُمَّاهُ) ، كَذَا هُوَ بِالْألف وَالْهَاء الساكنة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (يَا أمه) ، بِحَذْف الْألف. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة قَوْله: (يَا أم الْمُؤمنِينَ) بعد أَن قَالَ (يَا أُمَّاهُ) أَرَادَ بقوله (يَا أُمَّاهُ) الْمَعْنى الْأَخَص لكَون عَائِشَة خَالَته وَأَرَادَ بقوله يَا أم الْمُؤمنِينَ الْمَعْنى الْأَعَمّ لكَونهَا أم الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (أَبُو عبد الرَّحْمَن) ، هُوَ كنية عبد الله بن عمر قَوْله: (عمرات) ، يجوز ضم الْمِيم فِيهَا وسكونها، وَبِضَمِّهَا كَمَا فِي عَرَفَات وحجرات. قَوْله: (إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَب) ، أَي: إِحْدَى العمرات كَانَت فِي شهر رَجَب. قَوْله: (يرحم الله أَبَا عبد الرَّحْمَن) ، ذكرته بكنيته تَعْظِيمًا لَهُ. قَوْله: (مَا اعْتَمر) أَي: النَّبِي ﷺ : (عمْرَة قطّ إلَاّ وَهُوَ) أَي: ابْن عمر شَاهده، أَي حَاضر مَعَه، وَقَالَت ذَلِك مُبَالغَة فِي نسبته إِلَى النسْيَان، وَلم تنكر عَائِشَة على ابْن عمر إلَاّ قَوْله: (إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَب) .
وَاعْلَم أَن إِحْدَى العمرات فِي رِوَايَة مَنْصُور عَن مُجَاهِد (كَانَت فِي رَجَب) ، وَخَالفهُ أَبُو إِسْحَاق فَرَوَاهُ عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر قَالَ: (اعْتَمر النَّبِي ﷺ مرَّتَيْنِ، فَبلغ ذَلِك عَائِشَة، فَقَالَت: اعْتَمر أَربع مَرَّات) . أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد، فَجعل مَنْصُور الِاخْتِلَاف فِي شهر الْعمرَة وَأَبُو إِسْحَاق جعل الِاخْتِلَاف فِي عدد الاعتمار، وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب: اعْتَمر النَّبِي ﷺ فِي ذِي الْقعدَة قبل أَن يحجّ مرَّتَيْنِ، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) بِإِسْنَاد على شَرط الشَّيْخَيْنِ، من حَدِيث عَائِشَة: أَنه ﷺ اعْتَمر فِي شَوَّال: أخرجه مَالك فِي (موطئِهِ) أَيْضا، وَفِي (سنَن الدَّارَقُطْنِيّ) من حَدِيثهَا: (أَنه ﷺ اعْتَمر فِي رَمَضَان) ، وَهُوَ غَرِيب. قَالَ ابْن بطال: وَالصَّحِيح أَنه اعْتَمر ثَلَاثًا، وَالرَّابِعَة إِنَّمَا تجوز نسبتها إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمر النَّاس بهَا، وعملت بِحَضْرَتِهِ لَا أَنه اعْتَمَرَهَا بِنَفسِهِ، فَيدل على صِحَة ذَلِك أَن عَائِشَة ردَّتْ على ابْن عمر قَوْله، (وَقَالَت: مَا اعْتَمر فِي رَجَب قطّ) . وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: إِنَّه وهم من ابْن عمر لإِجْمَاع الْمُسلمين أَنه اعْتَمر ثَلَاثًا، وروى الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن هِشَام بن عُرْوَة (عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ اعْتَمر ثَلَاث عمر: عمْرَة فِي شَوَّال، وعمرتين فِي ذِي الْقعدَة) ، والْحَدِيث عِنْد أبي دَاوُد من رِوَايَة دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن عَن هِشَام، إلَاّ
стр. 2915
أَنه قَالَ: (اعْتَمر عمْرَة فِي ذِي الْقعدَة وَعمرَة فِي شَوَّال) وروى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من رِوَايَة عمر بن ذَر عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (اعْتَمر النَّبِي ﷺ ثَلَاث عمر كلهَا فِي ذِي الْقعدَة) . وَقَالَ شَيخنَا: كَأَن عَائِشَة تُرِيدُ وَالله أعلم بِعُمْرَة شَوَّال عمْرَة الْحُدَيْبِيَة، وَالصَّحِيح إِنَّمَا كَانَت فِي ذِي الْقعدَة، كَمَا فِي حَدِيث أنس فِي الصَّحِيح، وَإِلَيْهِ ذهب الزُّهْرِيّ وَنَافِع مولى ابْن عمر وَقَتَادَة ومُوسَى بن عقبَة وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَغَيرهم، وَاخْتلف فِيهِ على عُرْوَة بن الزبير، فروى هِشَام ابْنه عَنهُ: أَنَّهَا كَانَت فِي شَوَّال، وروى ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود عَنهُ: أَنَّهَا كَانَت فِي ذِي الْقعدَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هُوَ الصَّحِيح، وَقد عد النَّاس هَذِه فِي عمْرَة ﷺ وَإِن كَانَ صد عَن الْبَيْت فَنحر الْهَدْي وَحلق.
وَأما الْعمرَة الثَّانِيَة، فَهِيَ أَيْضا فِي ذِي الْقعدَة سنة سبع وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ فِيمَا علمت، قَالَه نَافِع مولى ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَسليمَان التَّيْمِيّ وَعُرْوَة بن الزبير ومُوسَى بن عقبَة وَابْن شهَاب وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَغَيرهم، لَكِن ذكر ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : أَنَّهَا كَانَت فِي رَمَضَان، وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي (كتاب العري) وَلم ينْقل ذَلِك أحد غَيره، وَالْمَشْهُور أَنَّهَا فِي ذِي الْقعدَة. وَعند الدَّارَقُطْنِيّ: (خرج مُعْتَمِرًا فِي رَمَضَان) . وَقَالَ الْمُحب: فلعلها الَّتِي فعلهَا فِي شَوَّال وَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا فِي رَمَضَان. وروى أَبُو بكر بن أبي دَاوُد فِي (فَوَائده) من حَدِيث ابْن عمر: (أَن النَّبِي، ﷺ ، اعْتَمر قبل حجَّته عمرتين أَو ثَلَاثًا، إِحْدَى عُمَرِهِ فِي رَمَضَان) ، وَلَعَلَّه أَرَادَ ابْتِدَاء إِحْرَامه بهَا، وَتسَمى عمْرَة الْقَضَاء، وَعمرَة الْقَضِيَّة، وَعمرَة الْقصاص. وَسميت عمْرَة الْقَضَاء، لِأَنَّهُ، ﷺ ، قَاضِي أهل مَكَّة عَام الْحُدَيْبِيَة على أَن يعْتَمر الْعَام الْمقبل، لِأَن الْمُسلمين قضوها عَن عمْرَة الْحُدَيْبِيَة. وَعَن ابْن عمر: لم تكن هَذِه الْعمرَة قَضَاء، وَلَكِن شرطا على الْمُسلمين أَن يعتمروا الْقَابِل فِي الشَّهْر الَّذِي صدهم الْمُشْركُونَ فِيهِ. وَسميت: عمْرَة الْقصاص، لِأَن الله، ، أنزل فِي تِلْكَ الْعمرَة ﴿الشَّهْر الْحَرَام بالشهر الْحَرَام والحرمات قصاص﴾ (الْبَقَرَة: ٤٩١) . فَاعْتَمَرَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي الشَّهْر الْحَرَام الَّذِي صد فِيهِ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون من الْقصاص الَّذِي هُوَ أَخذ الْحق، فكأنهم اقتصوا، أَي: اخذوا فِي السّنة الثَّانِيَة مَا مَنعهم الْمُشْركُونَ من الْحق فِي كَمَال عمرهم.
وَأما الْعمرَة الثَّالِثَة فَهِيَ فِي ذِي الْقعدَة أَيْضا سنة ثَمَان، وَهِي: عمْرَة الْجِعِرَّانَة، قَالَ ذَلِك عُرْوَة بن الزبير ومُوسَى بن عقبَة وَغَيرهمَا، وَهُوَ كَذَلِك. وَفِي (الصَّحِيح) من حَدِيث أنس: أَنَّهَا كَانَت فِي ذِي الْقعدَة، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : إِن عمْرَة الْجِعِرَّانَة كَانَت فِي شَوَّال. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: وَلم ينْقل ذَلِك أحد غَيره فِيمَا علمت، وَالْمَشْهُور أَنَّهَا فِي ذِي الْقعدَة. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: إِن الثَّلَاث كَانَت فِي ذِي الْقعدَة.
وَأما الْعمرَة الرَّابِعَة فَهِيَ الَّتِي مَعَ حجَّته، ﷺ ، وَكَانَت أفعالها فِي الْحجَّة بِلَا خلاف، لِأَن النَّبِي، ﷺ ، قدم مَكَّة فِي الرَّابِع من ذِي الْحجَّة. وَأما إحرامها فَالصَّحِيح أَنه كَانَ فِي ذِي الْقعدَة، لأَنهم خَرجُوا لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، كَمَا فِي (الصَّحِيح) . وَكَانَ إِحْرَامه فِيهَا فِي وَادي العقيق كَمَا فِي (الصَّحِيح) ، وَذَلِكَ قبل أَن يدْخل ذُو الْحجَّة. وَقيل: كَانَ إِحْرَامه لَهَا فِي ذِي الْحجَّة، لِأَن فِي بعض طرق الحَدِيث: (خرجنَا موافين لهِلَال ذِي الْحجَّة) ، وَالصَّحِيح الأول، وَأسْقط بَعضهم عمرته هَذِه فَجَعلهَا ثَلَاث عمر، وَهُوَ الَّذِي صَححهُ القَاضِي عِيَاض.
وَلَا شكّ أَنه ﷺ لم يعْتَمر عَام حجَّة الْوَدَاع عمْرَة مُفْردَة لَا قبل الْحَج وَلَا بعده، أما قبله فَلِأَنَّهُ لم يحل حَتَّى فرغ من الْحَج، وَأما بعده فَلم ينْقل أَنه اعْتَمر، فَلم يبْق إلَاّ أَنه قرن الْحَج بِعُمْرَة، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب جمعا بَين الْأَحَادِيث، إلَاّ أَنه أحرم أَولا بِالْحَجِّ، ثمَّ أَدخل عَلَيْهِ الْعمرَة بالعقيق لما جَاءَهُ جِبْرِيل، ﵇. وَقَالَ: صلِّ فِي هَذَا الْوَادي الْمُبَارك، وَقل: عمْرَة فِي حجَّة، وَلِهَذَا اخْتلفت الصَّحَابَة فِي عدد عمره، فَمن قَالَ: أَرْبعا فَهَذَا وَجهه، وَمن قَالَ: ثَلَاثًا أسقط الْأَخِيرَة لدُخُول أفعالها فِي الْحَج، وَمن قَالَ: اعْتَمر عمرتين أسقط الْعمرَة الأولى، وَهِي: عمْرَة الْحُدَيْبِيَة، لكَوْنهم صدوا عَنْهَا، وَأسْقط الْأَخِيرَة لدخولها فِي أَعمال الْحَج، وَأثبت عمْرَة الْقَضِيَّة وَعمرَة الْجِعِرَّانَة.
٧٧٧١ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَطاءٌ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ سألْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ مَا اعْتَمَرَ رسولُ الله ﷺ فِي رَجَبٍ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٧٧١ وطرفه) .
هَذَا من تَعْلِيق الحَدِيث السَّابِق لإنكار عَائِشَة على ابْن عمر فِي كَون عمرته فِي رَجَب، وَهنا أَيْضا أنْكرت اعتماره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 2916
فِي رَجَب بقولِهَا: وَمَا اعْتَمر فِي رَجَب قطّ، وَأوردهُ مُخْتَصرا عَن أبي عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك، بن مخلد عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَطاء بن أبي رَبَاح. وَأخرجه مُسلم مطولا، فَقَالَ: حَدثنَا هَارُون بن عبد الله، قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي، قَالَ: (أخبرنَا ابْن جريج، قَالَ: سَمِعت عَطاء يخبر، قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير، قَالَ: كنت أَنا وَابْن عمر مستندين إِلَى حجرَة عَائِشَة، وَأَنا أسمع ضربهَا بِالسِّوَاكِ تستن، قَالَ: فَقلت: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن ﴿اعْتَمر النَّبِي، ﷺ ، فِي رَجَب؟ قَالَ: نعم، فَقلت لعَائِشَة: أَي أُمَّاهُ﴾ أَلا تسمعين مَا يَقُول أَبُو عبد الرَّحْمَن؟ قَالَت: وَمَا يَقُول؟ قلت: يَقُول: اعْتَمر النَّبِي، ﷺ ، فِي رَجَب. فَقَالَت: يغْفر الله لأبي عبد الرَّحْمَن، لعمري مَا اعْتَمر فِي رَجَب، وَمَا اعْتَمر فِي عمْرَة إلَاّ وَأَنه لمعه. قَالَ: وَابْن عمر يسمع، فَمَا قَالَ: لَا وَلَا نعم، سكت) . فَإِن قلت: نفت عَائِشَة وَأثبت ابْن عمر، وَالْقَاعِدَة تَقْدِيم الْإِثْبَات على النَّفْي، فَهَلا حكم لِابْنِ عمر على عَائِشَة؟ قلت: إِن إِثْبَات ابْن عمر كَونهَا فِي رَجَب يُعَارضهُ إِثْبَات آخر، وَهُوَ كَونهَا فِي ذِي الْقعدَة، فكلاهما نافٍ لوقت ومثبت لوقت آخر، فعائشة، وَإِن نفت رَجَب، فقد أَثْبَتَت كَونهَا فِي ذِي الْقعدَة، وَقد اتّفقت عَائِشَة وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس على نفي الزِّيَادَة فِي عدد عمره ﷺ على أَربع، وأثبتت عَائِشَة كَون الثَّلَاثَة فِي ذِي الْقعدَة خلا الَّتِي فِي حجَّته، فترجح إِثْبَات عَائِشَة لذَلِك، فَإِن إِثْبَات ابْن عَبَّاس أَيْضا كَذَلِك، وَانْفَرَدَ ابْن عمر بِإِثْبَات رَجَب، فَكَانَ إِثْبَات عَائِشَة مَعَ ابْن عَبَّاس أقوى من إِثْبَات ابْن عمر وَحده، وانضم لذَلِك كَون عَائِشَة أنْكرت عَلَيْهِ مَا أثْبته من الاعتمار فِي رَجَب، وَسكت، فَوَجَبَ الْمصير إِلَى قَول عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. فَإِن قلت: قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا الحَدِيث لَا يدْخل فِي: بَاب كم اعْتَمر، وَإِنَّمَا يدْخل فِي: بَاب مَتى اعْتَمر، ﷺ ؟ قلت: أجَاب بَعضهم بِأَن غَرَض البُخَارِيّ الطَّرِيق الأولى، وَإِنَّمَا أورد هَذَا لينبه على الْخلاف فِي السِّيَاق، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : بل دَاخل فِيهِ، وَالزَّمَان وَقع اسْتِطْرَادًا. قلت: الْأَوْجه فِي ذَلِك مَا ذكرته فِي أول شرح الحَدِيث أَنه من تَعْلِيق الحَدِيث السَّابِق، وداخل فِي عداده، فالترجمة تَشْمَل الْكل. فَافْهَم.
٨٧٧١ - حدَّثنا حَسَّانُ بنُ حَسَّانَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ قَالَ سَألْتُ أنَسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كَمِ اعْتَمَرَ النبيُّ ﷺ قَالَ أرْبَعٌ عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَّةِ فِي ذِي القَعْدَةِ حَيْثُ صَدَّهُ المُاشْرِكُونَ وعُمْرةٌ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ وعُمْرَةُ الجِعْرَانَةِ إذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ أُرَاهُ حُنَيْنٍ قُلْتُ كَمْ حَجَّ قَالَ واحِدَةً..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَحسان بن حسان أَبُو عَليّ الْبَصْرِيّ، سكن مَكَّة وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَقَالَ: مَاتَ سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ.، وَهَمَّام، بتَشْديد الْمِيم: ابْن يحيى بن دِينَار العوزي الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة.
وَأخرجه أَيْضا عَن أبي الْوَلِيد فِيهِ، وَفِي الْجِهَاد وَفِي الْمَغَازِي عَن هذبة بن خَالِد، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن هدبة وَعَن أبي مُوسَى عَن عبد الصَّمد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي الْوَلِيد وهدبة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَقَالَ: حسن صَحِيح.
قَوْله: (أَربع) أَي: الَّذِي اعتمره أَربع عمر. قَوْله: (عمْرَة الْحُدَيْبِيَة) ، أَي: من الْأَرْبَع عمْرَة الْحُدَيْبِيَة، وَهِي بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره هَاء، وَكثير من الْمُحدثين يشددون هَذِه الْيَاء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هِيَ قَرْيَة كَبِيرَة من مَكَّة، سميت ببئر هُنَاكَ، وَقَالَ الصغاني: الْحُدَيْبِيَة، بتَخْفِيف الْيَاء: مِثَال دويهية، بِئْر على مرحلة من مَكَّة، مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: سميت الْحُدَيْبِيَة بشجرة حدباء هُنَاكَ. قَوْله: (حَيْثُ صده) ، أَي: مَنعه الْمُشْركُونَ من دُخُول مَكَّة، وَهُوَ فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة، وَكَانَت فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ بِلَا خلاف، نَص على ذَلِك الزُّهْرِيّ وَآخَرُونَ. قَوْله: (وَعمرَة الْجِعِرَّانَة) فِيهَا لُغَتَانِ إِحْدَاهمَا: كسر الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء المخففة. وَبعد الْألف نون، وَالثَّانيَِة: كسر الْعين وَتَشْديد الرَّاء، وَإِلَى التَّخْفِيف ذهب الْأَصْمَعِي وَصَوَّبَهُ الْخطابِيّ، وَقَالَ فِي (تَصْحِيف الْمُحدثين) : إِن هَذَا مِمَّا ثقلوه وَهُوَ مخفف، وَحكى القَاضِي عَن ابْن الْمَدِينِيّ. قَالَ: أهل الْمَدِينَة يثقلونه، وَأهل الْعرَاق يخففونه، وَهِي
стр. 2917
مَا بَين الطَّائِف وَمَكَّة، وَهِي إِلَى مَكَّة أقرب. قَوْله: (إِذْ قسم) أَي: حِين قسم غنيمَة، وغنيمة مَنْصُوب بِلَا تَنْوِين بِلَفْظ قسم لِأَنَّهُ مُضَاف فِي نفس الْأَمر إِلَى حنين. قَوْله: (أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة أَي: أَظُنهُ، معترض بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ، وَكَانَ الرَّاوِي طَرَأَ عَلَيْهِ شكّ فَأدْخل لفظ: أرَاهُ، بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ، وَقد رَوَاهُ مُسلم عَن هدبة عَن همام بِغَيْر شكّ، فَقَالَ: حَيْثُ قسم غَنَائِم حنين، وَيَوْم حنين كَانَت غَزْوَة هوَازن، وحنين وادٍ بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاثَة أَمْيَال، وَكَانَت فِي سنة ثَمَان، وَهِي سنة غَزْوَة الْفَتْح، وَكَانَت غَزْوَة هوَازن بعد الْفَتْح فِي خَامِس شَوَّال. فَإِن قلت: سَأَلَ قَتَادَة عَن أنس: كم اعْتَمر النَّبِي ﷺ ؟ فَأجَاب بقوله: أَربع، وَلَيْسَ فِي حَدِيثه إلَاّ ذكر ثَلَاث؟ قلت: سقط من هَذِه الرِّوَايَة أَعنِي: رِوَايَة حسان الْمَذْكُورَة ذكر الْعمرَة الرَّابِعَة، وَلِهَذَا روى البُخَارِيّ بعد رِوَايَة أبي الْوَلِيد، وفيهَا ذكر الرَّابِعَة، وَهُوَ قَوْله: (وَعمرَة مَعَ حجَّته) على مَا يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَكَذَا أخرجه مُسلم من طَرِيق عبد الصَّمد عَن هِشَام، فَظهر بِهَذَا أَن التَّقْصِير فِيهِ من حسان شيخ البُخَارِيّ.
وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: أَيْن الرَّابِعَة؟ قلت: هِيَ دَاخِلَة فِي الْحَج، لِأَن رَسُول الله ﷺ إِمَّا متمتع أَو قَارن أَو مُفْرد، وَأفضل الْأَنْوَاع الْإِفْرَاد. وَلَا بُد فِيهِ من الْعمرَة فِي تِلْكَ السّنة، وَرَسُول الله ﷺ لَا يتْرك الْأَفْضَل. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ مَا ادّعى أَنه الْأَفْضَل مُتَّفقا عَلَيْهِ بَين الْعلمَاء، فَكيف ينْسب فعل ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ ؟ انْتهى. قلت: مَا ادّعى الْكرْمَانِي الْأَفْضَلِيَّة عِنْد الْجَمِيع، وَإِنَّمَا مُرَاده أَن الْإِفْرَاد أفضل مُطلقًا بِنَاء على زَعمه ومعتقد إِمَامه، فَلَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ الْإِنْكَار. وَلَكِن ترديد الْكرْمَانِي بقوله: إِمَّا متمتع أَو قَارن أَو مُفْرد؟ غير موجه لأَنهم وَإِن كَانُوا اخْتلفُوا فِيهِ وَلَكِن أَكْثَرهم على أَفضَلِيَّة الْقرَان. وَكَيف لَا وَقد تظاهرت الرِّوَايَات وتكاثرت عَن قوم خُصُوصا عَن أنس بِأَنَّهُ، ﷺ ، دخل فِي الْعمرَة وَالْحج جَمِيعًا؟ وَهُوَ عين الْقرَان، فَكَانَ أفضل الْأَنْوَاع القِران. وَقد قَالَ ابْن حزم: سِتَّة عشر من الثِّقَات اتَّفقُوا على أنس على أَن لفظ النَّبِي، ﷺ ، كَانَ إهلالاً بِحجَّة وَعمرَة مَعًا. وصرحوا عَن أنس أَنه سمع ذَلِك مِنْهُ، ﷺ ، وهم: بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ، وَأَبُو قلَابَة، وَحميد الطَّوِيل، وَأَبُو قزعة وثابت الْبنانِيّ، وَحميد بن هِلَال، وَيحيى بن أبي إِسْحَاق، وَقَتَادَة، وَأَبُو أَسمَاء، وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَمصْعَب بن سليم، وَمصْعَب بن عبد الله بن الزبْرِقَان، وَسَالم بن أبي الْجَعْد، وَأَبُو قدامَة، وَزيد بن أسلم، وَعلي بن زيد. وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ عَن تِسْعَة مِنْهُم، وَقد شرحنا جَمِيع ذَلِك فِي شرحنا (شرح مَعَاني الْآثَار) فَمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهَا فَليرْجع إِلَيْهِ. وَمن جملَة من أخرج مِنْهُم الطَّحَاوِيّ رِوَايَة أبي أَسمَاء عَن أنس، قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُميَّة، قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن مُوسَى وَابْن نفَيْل، قَالَا: حَدثنَا أَبُو خَيْثَمَة عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي أَسمَاء (عَن أنس، قَالَ: خرجنَا نصرخ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قدمنَا مَكَّة أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نَجْعَلهَا عمْرَة، وَقَالَ: لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت لجعلتها عمْرَة، وَلَكِنِّي سقت الْهَدْي وقرنت الْحَج وَالْعمْرَة) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَأحمد أَيْضا نَحْو رِوَايَة الطَّحَاوِيّ، فَهَذَا مُصَرح بِأَنَّهُ ﷺ ذكر بِلَفْظ: أَنه كَانَ قَارنا، وَوَافَقَ قَوْله فعله، فَدلَّ قطعا أَن الْقرَان أفضل فَكيف يَدعِي الْكرْمَانِي وَغَيره مِمَّن نحى نَحوه بِأَن أفضل الْأَنْوَاع الْإِفْرَاد، وَلَيْسَ مَا وَرَاء عبادان قَرْيَة، وَالْوُقُوف على حَظّ النَّفس مُكَابَرَة.
٩٧٧١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتادَةَ قَالَ سألْتُ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَقَالَ اعْتَمَرَ النبيُّ ﷺ حَيْثُ رَدُّوهُ ومِنَ القَابِلِ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَّةِ وعُمْرَةً فِي ذِي القَعْدَةِ وعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ..
هَذَا بِعَيْنِه هُوَ الحَدِيث الأول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَغير أَنه روى الأول عَن حسان عَن همام، وروى هَذَا عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، وَفِيه ذكر الْعُمر الْأَرْبَعَة بِخِلَاف الأول، فَإِن الرَّابِعَة فِيهِ سَاقِطَة، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وَمن الْقَابِل) أَي: وَمن الْعَام الْقَابِل، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا أرَاهُ وهما، لِأَن الَّتِي ردُّوهُ فِيهَا هِيَ عمْرَة الْحُدَيْبِيَة، وَأما الَّتِي من قَابل فَلم يردوه مِنْهَا، ورد عَلَيْهِ بِأَن كلا مِنْهُمَا كَانَ من الْحُدَيْبِيَة.
٣٥٧ - (حَدثنَا هدبة قَالَ حَدثنَا همام وَقَالَ اعْتَمر أَربع عمر فِي ذِي الْقعدَة إِلَّا الَّتِي اعْتَمر
стр. 2918
مَعَ حجَّته عمرته من الْحُدَيْبِيَة وَمن الْعَام الْمقبل وَمن الْجِعِرَّانَة حَيْثُ قسم غَنَائِم حنين وَعمرَة مَعَ حجَّته) هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أنس أخرجه عَن هدبة بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن خَالِد الْقَيْسِي مر فِي كتاب الصَّلَاة عَن همام بن يحيى قَوْله " وَقَالَ اعْتَمر " أَي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَهُوَ عَن قَتَادَة عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأخرجه مُسلم عَن هداب بن خَالِد وَهُوَ هدبة الْمَذْكُور فَقَالَ حَدثنَا هداب بن خَالِد قَالَ حَدثنَا همام قَالَ حَدثنَا قَتَادَة أَن أنسا أخبرهُ أَن رَسُول الله ﷺ َ - اعْتَمر أَربع عمر كُلهنَّ فِي ذِي الْقعدَة إِلَّا الَّتِي مَعَ حجَّته عمْرَة من الْحُدَيْبِيَة وزمن الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقعدَة وَعمرَة من الْعَام الْمقبل فِي ذِي الْقعدَة وَعمرَة من جعرانة حَيْثُ قسم غَنَائِم حنين فِي ذِي الْقعدَة وَعمرَة مَعَ حجَّته " قَوْله " أَربع عمر فِي ذِي الْقعدَة " يَعْنِي كُلهنَّ كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم ثمَّ اسْتثْنى من ذَلِك عمرته الَّتِي كَانَت مَعَ حجَّته فَإِنَّهَا كَانَت فِي ذِي الْحجَّة وَاعْترض ابْن التِّين فِي هَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ هُوَ كَلَام زَائِد لِأَنَّهُ عد الْعمرَة الَّتِي مَعَ حجَّته فِي الحَدِيث فَكيف يستثنيها أَولا وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَ قَالَ فِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا ثَلَاث وَالرَّابِعَة عمرته فِي حجَّته انْتهى (قلت) لَا إِشْكَال فِيهِ وَلَا هَذَا الْجَواب بسديد وَإِنَّمَا الْجَواب أَنه اسْتثِْنَاء صَحِيح لِأَن الِاسْتِثْنَاء بعض مِمَّا يتَنَاوَلهُ صدر الْكَلَام وَصدر الْكَلَام يشْعر بِأَن عمره الْأَرْبَع كَانَت فِي ذِي الْقعدَة ثمَّ اسْتثْنى مِنْهُ عمرته الَّتِي كَانَت مَعَ حجَّته لِأَنَّهَا كَانَت فِي ذِي الْحجَّة ثمَّ بَين الْأَرْبَع الْمَذْكُورَة بقوله " عمرته من الْحُدَيْبِيَة " أَي أَولهَا عمرته من الْحُدَيْبِيَة قَوْله " وَمن الْعَام الْمقبل " أَي وَالثَّانيَِة عمرته من الْعَام الْمقبل قَوْله " وَمن الْجِعِرَّانَة " أَي وَالثَّالِثَة من الْجِعِرَّانَة وَهَذِه الثَّلَاث كَانَت فِي ذِي الْقعدَة قَوْله " وعمرته مَعَ حجَّته " أَي الرَّابِعَة عمرته الَّتِي كَانَت مَعَ حجَّته وَكَانَت فِي ذِي الْحجَّة -
١٨٧١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ قَالَ حدَّثنا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ يُوسُفَ عنْ أبِيهِ عَنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سألْتُ مَسْرُوقا وعَطاءً ومجاهِدا فَقالُوا اعْتَمَرَ رسولُ الله ﷺ فِي ذِي القَعْدَةِ قَبلَ أنُ يَحُجَّ وَقَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ اعْتَمَرَ رسولُ الله ﷺ فِي ذِي القَعْدَةِ قَبْلَ أنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم تِسْعَة: الأول: أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم بن دِينَار أَبُو عبد الله الأودي، مَاتَ فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن مسلمة، بِفَتْح الميمين وَاللَّام. الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي السبيعِي. الرَّابِع: أَبوهُ يُوسُف بن إِسْحَاق. الْخَامِس: أَبُو إِسْحَاق واسْمه عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. السَّادِس: مَسْرُوق ابْن الأجدع. السَّابِع: عَطاء بن أبي رَبَاح. الثَّامِن: مُجَاهِد بن جُبَير. التَّاسِع: الْبَراء بن عَازِب.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن هَؤُلَاءِ كلهم كوفيون إلَاّ عَطاء ومجاهدا فَإِنَّهُمَا مكيان. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي إِسْحَاق (عَن الْبَراء أَن النَّبِي ﷺ اعْتَمر فِي ذِي الْقعدَة) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على عدد عمره فِي ذِي الْقعدَة، هَل اعْتَمر فِيهِ مرّة أَو مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وروى أَبُو يعلى من حَدِيث أبي إِسْحَاق (عَن الْبَراء قَالَ: اعْتَمر رَسُول الله، ﷺ ، قبل أَن يحجّ) ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على عدد عمره، وَلَا مَا يدل على وَقت عمرته من أَي شهر، وَالصَّحِيح أَن عمره الثَّلَاث كَانَت فِي ذِي الْقعدَة، وَقيل: اعْتَمر مرَّتَيْنِ فِي شَوَّال، وَعمرَة فِي ذِي الْقعدَة.
стр. 2919
٤ - (بابُ عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل عمْرَة تفعل فِي شهر رَمَضَان، دلّ على هَذَا حَدِيث البابد فَلهَذَا اقْتصر على هَذَا اتلقدر من التَّرْجَمَة، وَلم يُصَرح فِيهَا بِشَيْء، وَقَالَ بَعضهم: لم يُصَرح فِي التَّرْجَمَة بفضيلة وَلَا غَيرهَا، وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى مَا رُوِيَ (عَن عَائِشَة، قَالَت: خرجت مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي عمْرَة فِي رَمَضَان فَأفْطر وَصمت، وَقصر وَأَتْمَمْت) الحَدِيث، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ إِسْنَاده حسن، وَقَالَ صَاحب (الْهَدْي) إِنَّه غلط لِأَن النَّبِي ﷺ لم يعْتَمر فِي رَمَضَان، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَيُمكن حمله على أَن قَوْلهَا فِي رَمَضَان مُتَعَلق بقولِهَا: خرجت وَيكون المُرَاد سفر فتح مَكَّة، فَإِنَّهُ كَانَ فِي رَمَضَان. انْتهى. قلت: هَذَا كُله تعسف وَتصرف بِغَيْر وَجه بطرِيق تخمين، فَمن قَالَ: إِن البُخَارِيّ وقف على حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور حَتَّى يُشِير إِلَيْهِ، وَقَوله: وَيُمكن حَملَة إِلَى آخِره مستبعد جدا لِأَن ذكر الْإِمْكَان هُنَا غير موجه أصلا، لِأَن قَوْلهَا فِي رَمَضَان يتَعَلَّق بقولِهَا: خرجت قطعا، فَمَا الْحَاجة فِي ذكر ذَلِك بالإمكان؟ وَلَا يساعده أَيْضا قَوْله؟ فَإِنَّهُ أَي: فَإِن فتح مَكَّة كَانَ فِي رَمَضَان فِي اعتذاره عَن البُخَارِيّ فِي اقْتِصَاره فِي التَّرْجَمَة على قَوْله: عمْرَة فِي رَمَضَان لِأَن عمرته فِي تِلْكَ السّنة لم تكن فِي رَمَضَان، بل كَانَت فِي ذِي الْقعدَة، فَإِنَّهُ أَيْضا صرح بقوله: وَاعْتمر النَّبِي، ﷺ ، فِي تِلْكَ السّنة من الْجِعِرَّانَة لَكِن فِي ذِي الْقعدَة.
٢٨٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يخْبِرُنا يَقُولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ لإِمْرَأةٍ مِنَ الأنْصَارِ سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَنَسِيتُ اسْمَها مَا مَنَعَكَ أنْ تَحُجِّينَ مَعَنَا قالَتْ كانَ لَنَا ناضِحٌ فَرَكِبَهُ أبُو فُلانٍ وابْنُهُ لِزَوْجِهَا وابْنِهَا وتَرَكَ ناضِحا نَنْضَحُ علَيْهِ قَالَ فإذَا كانَ رَمضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ فإنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ أوْ نَحْوا مِمَّا قالَ.
(الحَدِيث ٢٨٧١ طرفه فِي: ٣٦٨١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اعتمري فِيهِ) أَي: فِي رَمَضَان ... إِلَى آخِره.
وَرِجَاله: قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن سُفْيَان بن حبيب، وَفِي الصَّوْم عَن عمرَان بن يزِيد.
قَوْله: (عَن عَطاء) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (أَخْبرنِي عَن عَطاء) . قَوْله: (يخبرنا يَقُول) جملتان وقعتا حَالا، و: يَقُول، من الْأَحْوَال المترادفة أَو المتداخلة. قَوْله: (فنسيت اسْمهَا) ، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج، قَالَ شَيخنَا زين الدّين فِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك مَعَ أَن الذِّهْن لَا يتَبَادَر إلَاّ إِلَى عَطاء أَنه هُوَ الْقَائِل، لِأَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب حج النِّسَاء، من طَرِيق حبيب الْمعلم عَن عَطاء، فسماها. وَلَفظه: (لما رَجَعَ النَّبِي ﷺ من حجَّته قَالَ لأم سِنَان الْأَنْصَارِيَّة: مَا مَنعك من الْحَج؟) الحَدِيث. فَعلم من هَذَا أَن الْمَرْأَة المبهمة فِي قَوْله (لامْرَأَة من الْأَنْصَار) هِيَ أم سِنَان الْأَنْصَارِيَّة، وَقد ورد فِي بعض طرق حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ ذَلِك لأم سليم، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من رِوَايَة يَعْقُوب بن عَطاء عَن أَبِيه (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَت أم سليم إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت: حج أَبُو طَلْحَة وَابْنه، وتركاني، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : يَا أم سليم! عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة) . وَيَعْقُوب هَذَا هُوَ ابْن عَطاء بن أبي رَبَاح، وَفِي تَرْجَمته: روى ابْن عدي هَذَا الحَدِيث فِي (الْكَامِل) وروى قَول أَحْمد: فِيهِ ضعف، وَقَول ابْن معِين: ضَعِيف الحَدِيث، وَلَيْسَ بمتروك. قَوْله: (إِن تحجين مَعنا) ، هَكَذَا هُوَ بالنُّون فِي رِوَايَة كَرِيمَة، والأصيلي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (أَن تحجي، بِحَذْف النُّون، وَهَذَا هُوَ الأَصْل، لِأَن: أَن، ناصبة فتحذف النُّون فِيهِ، وَقيل: كثيرا يسْتَعْمل بِدُونِ النصب، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إلَاّ أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ (الْبَقَرَة: ٧٣٢) . على قِرَاءَة من قَرَأَ بِسُكُون الْوَاو فِي: يعْفُو، وَكَقَوْلِه: ﴿أَن يتم الرضَاعَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣٢) . بِالرَّفْع على قِرَاءَة مُجَاهِد. قَوْله: (نَاضِح) ، بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: هُوَ الْبَعِير الَّذِي يستقى عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن بطال: الناضح: الْبَعِير أَو الثور أَو الْحمار الَّذِي يَسْتَقِي عَلَيْهِ، لَكِن المُرَاد هُنَا الْبَعِير
стр. 2920
لتصريحه فِي رِوَايَة بكر بن عبد الْمُزنِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أبي دَاوُد بِكَوْنِهِ جملا فَإِن قلت: وَلَو لم يُصَرح بذلك فِي الحَدِيث، فَإِن المُرَاد بِهِ الْبَعِير، لأَنهم لَا يستعملون غَالِبا فِي السواقي إلَاّ البعران. قَوْله: (وَابْنه) أَي: ابْن أبي فلَان. قَوْله: (لزَوجهَا وَابْنهَا) الضَّمِير فيهمَا يرجع إِلَى الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة من الْأَنْصَار، وَرِوَايَة مُسلم توضح معنى هَذَا، وَهِي قَوْله: (قَالَت: ناضحان كَانَا لأبي فلَان، زَوجهَا، حج هُوَ وَابْنه على أَحدهمَا، وَكَانَ الآخر يسْقِي نخلا لنا) . وَهُوَ معنى قَوْله: (وَترك ناضحا ننضح عَلَيْهِ) ، بِكَسْر الضَّاد، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (قَالَت: لم يكن لنا إلَاّ ناضحان، فحج أَبُو وَلَدهَا وَابْنهَا على نَاضِح، وَترك لنا ناضحا ننضح عَلَيْهِ) الحَدِيث، قَوْله: (فَإِن عمْرَة فِي رَمَضَان حجَّة) وارتفاع حجَّة على أَنه خبر ان تَقْدِيره كحجة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم وَهِي قَوْله: (فَإِن عمْرَة فِيهِ تعدل حجَّة) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لمُسلم: (فعمرة فِي رَمَضَان تقضي حجَّة، أَو حجَّة معي) . وَكَأن البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى هَذَا بقوله: (أَو نَحوا مِمَّا قَالَ) أَي: النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: ظَاهره يَقْتَضِي أَن عمْرَة فِي رَمَضَان تقوم مقَام حجَّة الْإِسْلَام، فَهَل هُوَ كَذَلِك؟ قلت: مَعْنَاهُ: كحجة الْإِسْلَام فِي الثَّوَاب، والقرينة الْإِجْمَاع على عدم قِيَامهَا مقَامهَا. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: إِن الشَّيْء يشبه بالشَّيْء، وَيجْعَل عدله إِذا أشبهه فِي بعض الْمعَانِي لَا جَمِيعهَا، لِأَن الْعمرَة لَا يقْضى بهَا فرض الْحَج، وَلَا النّذر، وَنقل التِّرْمِذِيّ عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَن معنى هَذَا الحَدِيث نَظِير مَا جَاءَ أَن ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) . تعدل ثلث الْقُرْآن، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: حَدِيث الْعمرَة هَذَا صَحِيح، وَهُوَ فضل من الله ونعمة، فقد أدْركْت الْعمرَة منزلَة الْحَج بانضمام رَمَضَان إِلَيْهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فِيهِ أَن ثَوَاب الْعَمَل يزِيد بِزِيَادَة شرف الْوَقْت، كَمَا يزِيد بِحُضُور الْقلب وبخلوص الْقَصْد. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَن عمْرَة فَرِيضَة فِي رَمَضَان كحجة فَرِيضَة، وَعمرَة نَافِلَة فِي رَمَضَان كحجة نَافِلَة، وَقَالَ ابْن التِّين. قَوْله: (كحجة) ، يحْتَمل أَن يكون على بَابه، وَيحْتَمل أَن يكون لبركة رَمَضَان، وَيحْتَمل أَن يكون مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْمَرْأَة. وَقد قَالَ بعض الْمُتَقَدِّمين: بِأَنَّهُ مَخْصُوص بِهَذِهِ الْمَرْأَة، فروى أَحْمد بن منيع فِي (مُسْنده) بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير عَن امْرَأَة من الْأَنْصَار، يُقَال لَهَا أم سِنَان: أَنَّهَا أَرَادَت الْحَج، فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالَ سعيد بن جُبَير: وَلَا نعلم لهَذِهِ الْمَرْأَة وَحدهَا) ، وَوَقع عِنْد أبي دَاوُد من حَدِيث يُوسُف بن عبد الله بن سَلام عَن أم معقل فِي آخر حَدِيثهَا: (فَكَانَت تَقول: الْحَج حجَّة وَالْعمْرَة عمْرَة، وَقد قَالَ هَذَا رَسُول الله ﷺ لي، فَمَا أَدْرِي إليَّ خَاصَّة أَو للنَّاس عَامَّة؟) انْتهى. وَالظَّاهِر حمله على الْعُمُوم.
وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْأسود بن يزِيد عَن ابْن أم معقل عَن أم معقل عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة) ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد من وَجه آخر من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن مهَاجر (عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: أَخْبرنِي رَسُول مَرْوَان الَّذِي أرسل إِلَى أم معقل، قَالَ: قَالَت أم معقل: كَانَ أَبُو معقل حَاجا مَعَ النَّبِي ﷺ ، فَلَمَّا قدم قَالَت أم معقل: قد علمت أَن عَليّ حجَّة) الحَدِيث، وَفِيه: (عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة) . وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن امْرَأَة من بني أَسد يُقَال لَهَا: أم معقل، فَذكره وَلم يذكر رَسُول مَرْوَان، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فَجعله من مُسْند أبي معقل، وَلم يقل عَن أم معقل وَابْن أبي معقل الَّذِي لم يسم فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ اسْمه معقل كَذَا ورد مُسَمّى فِي كتاب الصَّحَابَة لِابْنِ مَنْدَه من طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن معقل ابْن أبي معقل عَن أم معقل. قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة) ، وَمَعْقِل هَذَا مَعْدُود فِي الصَّحَابَة من أهل الْمَدِينَة، قَالَ مُحَمَّد بن سعد: صحب النَّبِي ﷺ وروى عَنهُ، وَهُوَ معقل بن أبي معقل بن نهيك بن أساف بن عدي بن زيد ابْن جشم بن حَارِثَة، وَقيل: إِن اسْم أبي معقل الْهَيْثَم، وَأم معقل لم يدر اسْمهَا، وَهِي أسدية من بني أَسد بن خُزَيْمَة، وَقيل: أنصارية، وَقيل: أشجعية. قَالَ التِّرْمِذِيّ: بعد أَن روى حَدِيث أم معقل، وَفِي الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة وَأنس ووهب بن خنبش وَيُقَال: هرم ابْن خنبش قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَقد مر. وَحَدِيث جَابر أخرجه ابْن مَاجَه عَنهُ: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة) . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَحَدِيث أنس رَوَاهُ أَبُو أَحْمد بن عدي فِي (الْكَامِل) عَنهُ أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول: (عمْرَة فِي رَمَضَان كحجة معي) وَفِي إِسْنَاده مقَال. وَحَدِيث وهب بن خنبش
стр. 2921
رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة سُفْيَان عَن بَيَان وَجَابِر عَن الشّعبِيّ عَن وهب بن خنبش، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة) .
قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن يُوسُف بن عبد الله بن سَلام وَأبي طليق وَأم طليق. فَحَدِيث يُوسُف بن عبد الله أخرجه النَّسَائِيّ عَن حَدِيث ابْن الْمُنْكَدر، قَالَ: سَمِعت يُوسُف بن عبد الله بن سَلام قَالَ: (قَالَ النَّبِي ﷺ لرجل من الْأَنْصَار وَامْرَأَته اعتمرا فِي رَمَضَان: فَإِن عمْرَة فِيهِ كحجة) . وَحَدِيث أبي طليق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث طلق بن حبيب (عَن أبي طليق: أَن امْرَأَته أم طليق قَالَت: يَا نَبِي الله ﴿مَا يعدل الْحَج مَعَك؟ قَالَ: عمْرَة فِي رَمَضَان) . وَحَدِيث أم طليق رَوَاهُ ابْن مَنْدَه فِي كتاب (معرفَة الصَّحَابَة) من رِوَايَة أبي كريب، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان عَن الْمُخْتَار بن فلفل عَن طلق بن حبيب (عَن أبي طليق: أَن امْرَأَته وَهِي أم طليق قَالَت لَهُ، وَله جمل وناقة: أَعْطِنِي جملك أحج عَلَيْهِ﴾ فَقَالَ: هُوَ حبيس فِي سَبِيل الله، ثمَّ إِنَّهَا سَأَلت رَسُول الله ﷺ : مَا يعدل الْحَج؟ فَقَالَ: عمْرَة فِي رَمَضَان) . قَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: وَيجوز أَن يكون هَذَا الطَّرِيق أَيْضا من حَدِيث أبي طليق لَا من حَدِيثهَا، وَقد قيل: إِن أم طليق هِيَ أم معقل، لَهَا كنيتان حَكَاهُ ابْن عبد الْبر عَن بَعضهم فِي تَرْجَمَة أم معقل، وَقَالَ شَيخنَا: وَقد رَأَيْت فِي كَلَام بَعضهم أَن أم سِنَان الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هِيَ أم معقل هَذِه، قَالَ: وَفِيه نظر قلت: يُمكن أَن يكون وَجه النّظر مَا قَالَه بَعضهم أَن أم سِنَان أنصارية، وَأم معقل أسدية، وَلَكِن قد قيل: إِنَّهَا أنصارية، فعلى هَذَا القَوْل تكون الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هِيَ أم عقيل.
٥ - (بابُ العُمْرَةِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ وغَيْرِهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي مَشْرُوعِيَّة الْعمرَة لَيْلَة الحصبة، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي تلِي لَيْلَة النَّفر الْأَخير، وَالْمرَاد بهَا لَيْلَة الْمبيت بالمحصب. قَوْله: (وَغَيرهَا) أَي: وَغير لَيْلَة الحصبة، وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن الْحَاج إِذا تمّ حجه بعد انْقِضَاء أَيَّام التَّشْرِيق يجوز لَهُ أَن يعْتَمر، وَاخْتلف السّلف فِي الْعمرَة فِي أَيَّام الْحَج، فروى عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَادِهِ عَن مُجَاهِد، قَالَ: سُئِلَ عمر وَعلي وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن الْعمرَة لَيْلَة الحصبة، فَقَالَ عمر: هِيَ خير من لَا شَيْء، وَقَالَ عَليّ: من مِثْقَال ذرة، وَنَحْوه، وَقَالَت عَائِشَة: الْعمرَة على قدر النَّفَقَة. انْتهى. كَأَنَّهَا أشارت بذلك إِلَى أَن الْخُرُوج لقصد الْعمرَة من الْبَلَد إِلَى مَكَّة أفضل من الْخُرُوج من مَكَّة إِلَى أدنى الْحل، وَذَلِكَ أَنه يحْتَاج إِلَى نَفَقَة كَثِيرَة فِي خُرُوجه من بَلَده إِلَى مَكَّة لأجل الْعمرَة، بِخِلَاف حَالَة خُرُوجه من مَكَّة إِلَى الْحل، وَعَن عَائِشَة أَيْضا، لِأَن أَصوم ثَلَاثَة أَيَّام أَو أَتصدق على عشرَة مَسَاكِين أحب إِلَيّ من أَن أعتمر بِالْعُمْرَةِ الَّتِي اعْتَمَرت من التَّنْعِيم. وَقَالَ طَاوُوس فِيمَن اعْتَمر بعد الْحَج: لَا أَدْرِي أيعذبون عَلَيْهَا أم يؤجرون؟ وَقَالَ عَطاء بن السَّائِب: اعتمرنا بعد الْحَج، فعاب ذَلِك علينا سعيد بن جُبَير، وَأَجَازَ ذَلِك آخَرُونَ. وروى ابْن عُيَيْنَة عَن الْوَلِيد بن هِشَام، قَالَ: سَأَلت أم الدَّرْدَاء عَن الْعمرَة بعد الْحَج، فأمرتني بهَا. وَسُئِلَ عَطاء عَن عمْرَة التَّنْعِيم قَالَ هِيَ تَامَّة وتجزيه وَقَالَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد عمْرَة الْمحرم تَامَّة وَقد روى مثل هَذَا الْمَعْنى قَالَ تمت الْعمرَة السّنة كلهَا إلَاّ يَوْم عَرَفَة والنحر، وَأَيَّام التَّشْرِيق للْحَاج وَغَيره، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْعمرَة جَائِزَة السّنة كلهَا إلَاّ يَوْم عَرَفَة وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق. قلت: فَذهب أَصْحَابنَا أَن الْعمرَة تجوز فِي جَمِيع السّنة إلَاّ أَنَّهَا تكره فِي الْأَيَّام الْمَذْكُورَة. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: لَا تكره فِي وَقت مَا، وَعند مَالك: تكره فِي أشهر الْحَج.
٣٨٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ قَالَ أخبرنَا أبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ عَنْ أبيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرجْنَا معَ رسُولِ الله ﷺ مُوَافِينَ لِهِلالِ ذِي الحِجَّةِ فَقَالَ لَنَا مَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يِهِلَّ بِالحَجِّ فَلْيُهِلَّ ومَنْ أحَبَّ أنْ يِهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بَعُمْرَةٍ فَلَوْلَا أنِّي أهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ قالَتْ فَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بَعُمْرَةٍ ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وكُنْتُ مِمَّنْ أهَلَّ
стр. 2922
بِعُمْرَةٍ فأظَلَّنِي يَوْمَ عَرَفَةَ وأنَا حَائِضٌ فَشَكَوْتُ إلَى النبيِّ ﷺ فَقال ارْفُضِي عُمْرَتَكِ وانْقُضِي رَأسَكِ وامْتَشِطِي وأَهِلِّي بالحَجِّ فلَمَّا كانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمانِ إِلَى التَّنْعِيمِ فأهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الحصبة) إِلَى آخِره، وَهَذَا الحَدِيث قد مر غير مرّة، وَذكره فِي كتاب الْحيض فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم الضَّرِير الْبَصْرِيّ، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة، وَأَبُو عُرْوَة ابْن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (موافين) أَي: مكملين ذَا الْقعدَة مُسْتَقْبلين لهِلَال ذِي الْحجَّة. قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: وافى فلَان: إِذا أَتَى. وَيُقَال: وفى: إِذا تمّ. وَقد سبق الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى وَعند التَّرْجَمَة أَيْضا، وَمن حَدِيث الْبَاب اسْتحبَّ مَالك للْحَاج أَن يعْتَمر حَتَّى تغيب الشَّمْس من آخر أَيَّام التَّشْرِيق، لِأَنَّهُ ﷺ قد كَانَ وعد عَائِشَة بِالْعُمْرَةِ، وَقَالَ لَهَا: كوني فِي حجك، عَسى الله أَن يرزقكها، وَلَو اسْتحبَّ لَهَا الْعمرَة فِي أَيَّام التَّشْرِيق لأمرها بِالْعُمْرَةِ فِيهَا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَإِنَّمَا كرهت الْعمرَة فِيهَا للْحَاج خَاصَّة لِئَلَّا يدْخل عملا على عمل، لِأَنَّهُ لم يكمل عمل الْحَج بعد، وَمن أحرم بِالْحَجِّ فَلَا يحرم بِالْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ لَا تُضَاف الْعمرَة إِلَى الْحَج عِنْد مَالك وَطَائِفَة من الْعلمَاء. وَأما من لَيْسَ بحاج فَلَا يمْنَع من ذَلِك. فَإِن قلت: قد روى أَبُو مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة فِي هَذَا الْبَاب: (وَكنت مِمَّن أهلَّ بِعُمْرَة) ، وروى مثله يحيى الْقطَّان عَن هِشَام فِي الْبَاب بعد هَذَا وَهَذَا بِخِلَاف مَا تقدم عَن عَائِشَة أَنَّهَا أهلت بِالْحَجِّ. قلت: أَحَادِيث عَائِشَة قد أشكلت على الْأَئِمَّة قَدِيما، فَمنهمْ من جعل الِاضْطِرَاب فِيهَا من قبلهَا، وَمِنْهُم من جعله من قبل الروَاة عَنْهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى غير مرّة.
٦ - (بابُ عُمْرَةِ التنْعِيمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْعمرَة من التَّنْعِيم: هَل يتَعَيَّن لمن كَانَ بِمَكَّة أم لَا؟ وَإِذا لم يتَعَيَّن هَل لَهَا فضل على الاعتمار من غَيرهَا من جِهَات الْحل أَو لَا؟ وَتَفْسِير التَّنْعِيم مر غير مرّة.
٤٨٧١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفيانُ عَنْ عَمْرٍ وسَمِعَ عَمْرَو بنَ أوْسٍ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أخبرهُ أنَّ النبيُّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يُرْدِفَ عائِشَةَ ويُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً سَمِعْتُ عَمْرا كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَمْرٍ و.
(الحَدِيث ٤٨٧١ طرفه فِي: ٥٨٩٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويعمرها من التَّنْعِيم) ، وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَعَمْرو بن أَوْس، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره سين مُهْملَة، الثَّقَفِيّ الْمَكِّيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد ابْن عبد الله بن نمير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيهِ عَن يحيى بن مُوسَى وَمُحَمّد بن يحيى بن أبي عَمْرو. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي قدامَة عبيد الله بن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه، رَحمَه الله تَعَالَى فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن يردف) أَي: بِأَن يردف، وَأَن، مَصْدَرِيَّة أَي: بالإرداف، وَمَعْنَاهُ أمره أَن يركب عَائِشَة أُخْته وَرَاءه على نَاقَته. قَوْله: (ويعمرها) ، بِضَم الْيَاء من الإعمار، أَي: وَأَن يعمرها، وَقَالَ بَعضهم: ويعمرها من التَّنْعِيم، مَعْطُوف على قَوْله: (أمره أَن يردف) ، وَهَذَا يدل على أَن إعمارها من التَّنْعِيم كَانَ بِأَمْر النَّبِي ﷺ قلت: هَذَا كَلَام عَجِيب، لِأَن كَون عطف: يعمرها على قَوْله: يردف لَا يشك فِيهِ أحد وَلَا نزاع فِيهِ. وَقَوله: وَهَذَا يدل على أَن إعمارها من التَّنْعِيم، كَأَن بِأَمْر النَّبِي ﷺ أعجب من ذَاك، لِأَن قَوْله: (ويعمرها) دَاخل فِي حكم: أَن يردف بِأَمْر رَسُول الله ﷺ ، فَيكون قَوْله: يعمرها أَيْضا بِأَمْر رَسُول الله، ﷺ ، وَهَذَا صَرِيح، وَلم يكتف هَذَا الْقَائِل بِهَذَا حَتَّى قَالَ: وأصرح مِنْهُ
стр. 2923
مَا أخرجه أَبُو اود من طَرِيق حَفْصَة بنت عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر عَن أَبِيهَا: (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: يَا عبد الرَّحْمَن، أرْدف أختك عَائِشَة، فأعمرها من التَّنْعِيم) الحَدِيث. قَوْله: (سَمِعت عمرا) إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن فِيهِ ثُبُوت السماع صَرِيحًا بِخِلَاف الَّذِي فِي السَّنَد الْمَذْكُور، لِأَنَّهُ مُعَنْعَن حَيْثُ قَالَ سُفْيَان: عَن عَمْرو، مَعَ أَن جَمِيع معنعنات البُخَارِيّ مَحْمُولَة على السماع. وَوَقع عِنْد الْحميدِي عَن سُفْيَان، حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار، وَقَالَ سُفْيَان: هَذَا مِمَّا يعجب شُعْبَة، يَعْنِي التَّصْرِيح بالإخبار فِي جَمِيع الْإِسْنَاد.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الْمُعْتَمِر الْمَكِّيّ لَا بُد لَهُ من الْخُرُوج إِلَى الْحل ثمَّ يحرم مِنْهُ، وَإِنَّمَا عين التَّنْعِيم هُنَا دون الْمَوَاضِع الَّتِي خَارج الْحرم لِأَن التَّنْعِيم أقرب إِلَى الْحل من غَيرهَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : ويجزىء أقل الْحل وَهُوَ التَّنْعِيم، وأفضله عندنَا الْجِعِرَّانَة، ثمَّ الْحُدَيْبِيَة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَذهب قوم إِلَى أَن الْعمرَة لمن كَانَ بِمَكَّة لَا وَقت لَهَا غير التَّنْعِيم، وَجعلُوا التَّنْعِيم خَاصَّة وقتا لعمرة أهل مَكَّة. وَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لَهُم أَن يُجَاوِزُوهُ، كَمَا لَا يَنْبَغِي لغَيرهم أَن يجاوزوا ميقاتا وقته لَهُم رَسُول الله ﷺ ، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: الْوَقْت لأهل مَكَّة الَّذِي يحرمُونَ مِنْهُ بِالْعُمْرَةِ الحِلّ فَمن أَي الْحل أَحْرمُوا أجزاهم ذَلِك، والتنعيم وَغَيره عِنْدهم فِي ذَلِك سَوَاء، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ قد يجوز أَن يكون، ﷺ ، قصد إِلَى التَّنْعِيم فِي ذَلِك لقُرْبه لَا أَن غَيره لَا يجزىء، وَقد رُوِيَ من حَدِيث عَائِشَة أَنه، ﷺ ، قَالَ لعبد الرَّحْمَن: (إحمل أختك فأخرجها من الْحرم) . قَالَت: وَالله مَا ذكر الْجِعِرَّانَة وَلَا التَّنْعِيم، فَكَانَ أدنى مَا فِي الْحرم التَّنْعِيم، فَأَهْلَلْت بِعُمْرَة، فَأخْبرت أَنه ﷺ لم يقْصد إلَاّ الْحل لَا موضعا معينا، وَقصد التَّنْعِيم لقُرْبه، فَثَبت أَن وَقت أهل مَكَّة لعمرتهم هُوَ الْحل، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ. وَمن ذَلِك: مَا اسْتدلَّ بِهِ على أَن أفضل جِهَات الْحل التَّنْعِيم، ورد بِأَن إِحْرَام عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، من التَّنْعِيم إِنَّمَا وَقع لكَونه أقرب جِهَات الْحل إِلَى الْحرم، كَمَا ذكرنَا، لَا أَنه الْأَفْضَل. وَمن ذَلِك: جَوَاز الْخلْوَة بالمحارم سفرا أَو حضرا، وإرداف الْمحرم لمحرمه مَعَه. فَافْهَم.
٥٨٧١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا عَبدُ الوَهَّابِ بنُ عَبْدِ المَجِيدِ عنْ حَبيبٍ المُعَلِّمِ عنْ عَطاءٍ قَالَ حدَّثني جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ أهَلَّ وأصْحَابُهُ بالحَجِّ ولَيْسَ مَعَ أحَدٍ مِنْهُمْ هَديٌ غيْرَ النبيِّ ﷺ وطَلْحَةَ وكانَ عَلِيٌّ قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ ومَعَهُ الهَدْيُ فَقالَ أهْلَلْتُ بِما أَهَلَّ بِهِ رسولُ الله ﷺ وأنَّ النبيَّ ﷺ أذِنَ لأِصْحَابِهِ أنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا ويَحِلُّوا إلَاّ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيِ فقَالُوا نَنْطَلِقُ إِلَى مِنىً وذَكَرُ أحَدِنا يَقْطُرُ فبَلَغَ النبيَّ ﷺ فقالَ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ ولَوْلَا أنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ وأنَّ عائِشَةَ حاضَتْ فَنَسَكَتْ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ قَالَ فَلَمَّا طهُرَتْ وطافَتْ قالَتْ يَا رَسُولَ الله أتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ وأنْطَلِقُ بِالحَجِّ فأمَرَ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ أبِي بَكْرٍ أنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنْعِيمِ فاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ فِي ذِي الحَجَّةِ وأنَّ سُرَاقَةَ بنَ مَالِكٍ بنِ جُعْشُمٍ لَقِيَ النبيَّ ﷺ وهْوَ بالعَقَبةِ وهْوَ يَرْمِيهَا فَقَالَ ألَكُمْ هاذِهِ خَاصَّةً يَا رسولَ الله قَالَ لَا بَلْ لِلأبَدِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأمر عبد الله بن أبي بكر أَن يخرج مَعهَا إِلَى التَّنْعِيم) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّمَنِّي عَن الْحسن بن عمر هُوَ ابْن شَقِيق عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن عَطاء، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج أَيْضا عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ بِهِ.
قَوْله: (وَطَلْحَة) هُوَ ابْن عبيد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمدنِي أَبُو مُحَمَّد، أحد الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ، وَهُوَ عطف على النَّبِي ﷺ ، أَي: وَغير طَلْحَة، وَالْحَاصِل أَنه لم يكن هدي إلَاّ مَعَ النَّبِي ﷺ وَمَعَ طَلْحَة فَقَط، فَإِن قلت: مَا تَقول فِيمَا رَوَاهُ أَحْمد وَمُسلم وَغَيرهمَا
стр. 2924
من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة: إِن الْهَدْي كَانَ مَعَ النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر وَذَوي الْيَسَار) ؟ وروى البُخَارِيّ أَيْضا، على مَا سَيَأْتِي، من طَرِيق أَفْلح عَن الْقَاسِم بِلَفْظ: (وَرِجَال من أَصْحَابه ذَوي قُوَّة) ، الحَدِيث. وَهَذَا يُخَالف مَا رَوَاهُ جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؟ قلت: التَّوْفِيق بَينهمَا بِأَن يحمل على أَن كلا مِنْهُمَا قد ذكر مَا شَاهده واطلع عَلَيْهِ، وَقد روى مُسلم أَيْضا من طَرِيق مُسلم القري، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء، عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذَا الحَدِيث، وَكَانَ طَلْحَة مِمَّن سَاق الْهَدْي فَلم يحل، وَهَذَا يشْهد لحَدِيث جَابر فِي ذكر طَلْحَة فِي ذَلِك، وَيشْهد أَيْضا لحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي أَن طَلْحَة لم ينْفَرد بذلك، وداخل فِي قَوْلهَا (وَذَوي الْيَسَار) ، وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث أَسمَاء بنت أبي بكر أَن الزبير كَانَ مِمَّن كَانَ مَعَه هدي. قَوْله: (وَكَانَ على قدم من الْيمن) ، وَفِي رِوَايَة ابْن جريج عَن عَطاء عِنْد مُسلم (من سعايته) . قَوْله: (وَمَعَهُ الْهَدْي) جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (أَهلَلْت بِمَا أهل بِهِ رَسُول الله ت) ، ويروى (بِمَا أهل بِهِ النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة ابْن جريج عَن عَطاء عَن جَابر وَعَن ابْن جريج عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذَا الحَدِيث عِنْد البُخَارِيّ فِي الشّركَة: (فَقَالَ أَحدهمَا يَقُول: لبيْك بِمَا أهل بِهِ رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ الآخر: لبيْك بِحجَّة رَسُول الله، ﷺ ، فَأمره أَن يُقيم على إِحْرَامه وإشراكه فِي الْهَدْي) وَقد مضى بَيَان ذَلِك فِي: بَاب من أهل فِي زمن النَّبِي، ﷺ ، بإهلال النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (وَأَن النَّبِي، ﷺ ، أذن لأَصْحَابه أَن يجعلوها عمْرَة) ، زَاد ابْن جريج عَن عَطاء فِيهِ (وأصيبوا النِّسَاء. قَالَ عَطاء: وَلم يعزم عَلَيْهِم، وَلَكِن أحلهن لَهُم) يَعْنِي إتْيَان النِّسَاء، لِأَن من لَازم الْإِحْلَال إِبَاحَة إتْيَان النِّسَاء، وَقد مضى الْبَحْث فِيهِ فِي آخر: بَاب التَّمَتُّع وَالْقرَان. قَوْله: (أَن يجعلوها) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْحَج فِي قَوْله: (أهلَّ وَأَصْحَابه بِالْحَجِّ) إِلَّا أَنه أنثه بِاعْتِبَار الْحجَّة. قَوْله: (يطوفوا بِالْبَيْتِ) . قَوْله: (ثمَّ يقصروا) عطف على: (يطوفوا) وَقَوله: (ويحلوا) عطف على مَا قبله إِلَّا من كَانَ مَعَه الْهَدْي، فَلَا يحل. وَفِي رِوَايَة مُسلم، (قَالَ عَطاء: قَالَ جَابر: فَقدم النَّبِي ﷺ صبح رَابِعَة مَضَت من ذِي الْحجَّة فَأمرنَا أَن نحل. قَالَ عَطاء: قَالَ: حلوا وأصيبوا النِّسَاء. قَالَ عَطاء: وَلم يعزم عَلَيْهِم وَلَكِن أحلهن لَهُم، فَقُلْنَا: لما لم يكن بَيْننَا وَبَين عَرَفَة إلَاّ خمس أمرنَا أَن نفضي إِلَى نسائنا فنأتي عَرَفَة تقطر مذاكيرنا بالمني، قَالَ: يَقُول جَابر بِيَدِهِ: كَأَنِّي أنظر إِلَى قَوْله بِيَدِهِ يحركها، قَالَ: فَقَامَ النَّبِي، ﷺ ، فِينَا فَقَالَ: قد علمْتُم أَنِّي أَتْقَاكُم لله وأصدقكم وأبركم، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحللت كَمَا تحِلُّونَ، وَلَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت لم أسق الْهَدْي، فحلوا. فَحَلَلْنَا وَسَمعنَا وأطعنا) الحَدِيث. قَوْله: (فَقَالُوا) أَي: أَصْحَابه. قَوْله: (وَذكر أَحَدنَا يقطر) جملَة حَالية أَي: يقطر بالمني، إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك لِأَنَّهُ شقّ عَلَيْهِم أَن يحلوا وَرَسُول الله ﷺ محرم، وَلم يعجبهم أَن يَرْغَبُوا بِأَنْفسِهِم عَن نَفسه ويتركوا الِاقْتِدَاء بِهِ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ ولعلهم إِنَّمَا شقّ عَلَيْهِم لإفضائهم إِلَى النِّسَاء قبل انْقِضَاء الْمَنَاسِك. قَوْله: (فَبلغ النَّبِي ﷺ أَي: بلغه مَا قَالُوا من القَوْل الْمَذْكُور. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: النَّبِي ﷺ قَالَ تطييبا لقُلُوبِهِمْ: (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا أهديت) ، أَي: لَو علمت فِي الأول مَا علمت فِي الآخر مَا سقت الْهَدْي وأحللت وتمتعت، والمقدمة الأولى لِلتَّمَنِّي عَمَّا فَاتَ، وَالثَّانيَِة لحكم الْحَال، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَي لَو عنَّ لي هَذَا الرَّأْي الَّذِي رَأَيْته آخرا لأمرتكم بِهِ فِي أول أَمْرِي. قَوْله: (وَأَن عَائِشَة حَاضَت) ، عطف على أَن الْمَذْكُورَة فِي أول الحَدِيث، وَكَانَ حَيْضهَا بسرف قبل دُخُولهمْ مَكَّة، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي الزبير (عَن جَابر: أَن دُخُول النَّبِي ﷺ عَلَيْهَا وشكواها ذَلِك لَهُ كَانَ يَوْم التَّرويَة) . وروى مُسلم أَيْضا من طَرِيق مُجَاهِد عَن عَائِشَة أَن طهرهَا كَانَ بِعَرَفَة، وَفِي رِوَايَة الْقَاسِم عَنْهَا: (وطهرت صَبِيحَة لَيْلَة عَرَفَة حِين قدمنَا منى) ، وَله من طَرِيق آخر: (فَخرجت فِي حجتي حَتَّى نزلنَا منى فتطرهت ثمَّ طفنا بِالْبَيْتِ. .) الحَدِيث، واتفقت الرِّوَايَات كلهَا على أَنَّهَا طافت طواف الْإِفَاضَة يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وَأَن سراقَة) ، عطف على أَن الَّتِي قبله، وسراقة، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالقاف: ابْن مَالك بن جعْشم، بِضَم الْجِيم والشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين بَينهمَا: الْكِنَانِي المدلجي، مر فِي: بَاب من أهلَّ فِي زمن النَّبِي
стр. 2925
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَهُوَ بِالْعقبَةِ) جملَة حَالية أَي: وَالنَّبِيّ ﷺ كَانَ بعقبة منى. قَوْله: (وَهُوَ يرميها) جملَة حَالية أَيْضا أَي: وَالنَّبِيّ، ﷺ ، يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: سراقَة. قَوْله: (ألكم هَذِه؟) أَي: هَذِه الفعلة، وَهِي جعل الْحَج عمْرَة أَو الْعمرَة فِي أشهر الْحَج، وَالْألف فِي: (ألكم؟) للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، أَرَادَ أَن هَذِه الفعلة مَخْصُوصَة بكم فِي هَذِه السّنة أَو لكم ولغيركم أبدا؟ فَأجَاب النَّبِي، ﷺ ، بقوله: (لِلْأَبَد) وَفِي رِوَايَة يزِيد بن زُرَيْع (لنا هَذِه خَاصَّة؟) وَفِي رِوَايَة جَعْفَر عِنْد مُسلم: (فَقَامَ سراقَة فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿ألعامنا هَذَا أم لِلْأَبَد؟ فشبك أَصَابِعه وَاحِدَة فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: دخلت الْعمرَة فِي الْحَج، مرَّتَيْنِ لَا بل لأبد الْأَبَد) .
وَقَالَ النَّوَوِيّ: اخْتلف الْعلمَاء فِي مَعْنَاهُ على أَقْوَال: أَصَحهَا، وَبِه قَالَ جمهورهم: مَعْنَاهُ أَن الْعمرَة يجوز فعلهَا فِي أشهر الْحَج. الثَّانِي: مَعْنَاهُ جَوَاز القِران، وَتَقْدِير الْكَلَام دخلت أَفعَال الْعمرَة فِي أَفعَال الْحَج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَالثَّالِث: تَأْوِيل بعض الْقَائِلين بِأَن الْعمرَة لَيست وَاجِبَة، قَالُوا: مَعْنَاهُ سُقُوط الْعمرَة، وَمعنى دُخُولهَا فِي الْحَج سُقُوط وُجُوبهَا، وَهَذَا ضَعِيف أَو بَاطِل، وَسِيَاق الحَدِيث يَقْتَضِي بُطْلَانه. وَالرَّابِع: تَأْوِيل بعض أهل الظَّاهِر أَن مَعْنَاهُ جَوَاز فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَهَذَا أَيْضا ضَعِيف، ورد هَذَا بِأَن سِيَاق السُّؤَال يُقَوي هَذَا التَّأْوِيل، بل الظَّاهِر أَن السُّؤَال وَقع عَن الْفَسْخ، وَفِيه نظر.
وَقَالَ النَّوَوِيّ أَيْضا اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْفَسْخ هَل هُوَ خَاص للصحابة تِلْكَ السّنة خَاصَّة أم بَاقٍ لَهُم ولغيرهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَيجوز لكل من أحرم بِحَجّ وَلَيْسَ مَعَه هدي أَن يقلب إِحْرَامه عمْرَة ويتحلل بأعمالها؟ وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حنيفَة وجماهير الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف: هُوَ مُخْتَصّ بهم فِي تِلْكَ السّنة، لَا يجوز بعْدهَا، وَإِنَّمَا أمروا بِهِ تِلْكَ السّنة ليخالفوا مَا كَانَت عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة من تَحْرِيم الْعمرَة فِي أشهر الْحَج. وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ للجماهير حَدِيث أبي ذَر الَّذِي رَوَاهُ مُسلم كَانَت فِي الْحَج لأَصْحَاب مُحَمَّد، ﷺ ، خَاصَّة يَعْنِي: فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وروى النَّسَائِيّ عَن الْحَارِث بن بِلَال عَن أَبِيه، قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله﴾ فسخ الْحَج لنا خَاصَّة أم للنَّاس عَامَّة؟ فَقَالَ: بل لنا خَاصَّة) . وَأما الَّذِي فِي حَدِيث سراقَة (ألعامنا هَذَا أم لِلْأَبَد؟ . فَقَالَ: لَا بل لِلْأَبَد) . فَمَعْنَاه جَوَاز الاعتمار فِي أشهر الْحَج وَالْقرَان كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَمن فَوَائِد الحَدِيث الْمَذْكُور جَوَاز التَّمَتُّع وَتَعْلِيق الْإِحْرَام بِإِحْرَام الْغَيْر، وَجَوَاز قَول: لَو، فِي التأسف على فَوَات أُمُور الدّين، والمصالح. وَأما الحَدِيث فِي: أَن لَو تفتح عمل الشَّيْطَان، فَمَحْمُول على التأسف فِي حظوظ الدُّنْيَا.
٧ - (بابُ الاعْتِمَارِ بَعْدَ الحَجِّ بِغَيْرِ هَدْيٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الاعتمار فِي أشهر الْحَج بعد الْفَرَاغ من الْحَج بِغَيْر هدي يلْزمه.
٦٨٧١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا هِشامٌ قَالَ أخْبَرَنِي أبي قَالَ أخْبَرَتْنِي عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالٍ ذِي الحَجَّةِ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ منْ أحَبَّ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ ومَنْ أحَبَّ أنْ يِهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيُهِلَّ ولَوْلَا أنِّي أهْدَيْتُ لأَهْلَلْتِ بِعُمْرَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ ومِنْهُمْ منْ أهَلَّ بِحَجَّةٍ وكُنْتُ مِمَّنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحِضْتُ قَبْلَ أنْ أدْخُلَ مَكَّةَ فأدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وأنَا حَائِضٌ فَشَكَوْتُ إلَى رَسولِ الله ﷺ فَقَالَ دَعي عُمْرَتَكِ وانْقضِي رَأْسَكِ وامْتَشِطِي وأهِلِّي بالحَجِّ ففَعَلْتُ فَلَمَّا كانَتْ لَيْلَة الحَصْبَةِ أرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمانِ إلَى التَّنْعِيمِ فأرْدَفَهَا فأهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتها فقَضَى الله حَجَّهَا وعُمْرَتَها ولَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذالِكَ هَدْيٌ ولَا صَدَقَةٌ ولَا صَوْمٌ.
.
стр. 2926
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأهلت بِعُمْرَة) إِلَى آخر الحَدِيث.
وَهَذَا الحَدِيث قد أخرجه فِي مَوَاضِع خُصُوصا بِعَين هَذَا الْمَتْن فِي كتاب الْحيض فِي: بَاب نقض الْمَرْأَة شعرهَا عِنْد غسل الْمَحِيض، عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَيْضا فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَهُوَ: بَاب امتشاط الْمَرْأَة عِنْد غسلهَا من الْمَحِيض، عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن إِبْرَاهِيم عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَفِي: بَاب كَيفَ تهل الْحَائِض بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة، عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب إِذا حَاضَت الْمَرْأَة بَعْدَمَا أفاضت، عَن أبي النُّعْمَان عَن أبي عوَانَة عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب الْعمرَة لَيْلَة الحصبة، عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب عمْرَة الْقَضَاء عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب عَن حبيب الْمعلم عَن عَطاء عَن جَابر، وَفِيه قصَّة عَائِشَة، وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى الْقطَّان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام عَن عَائِشَة، وَقد مر الْكَلَام فِي هَذِه الطّرق كلهَا مُسْتَوفى، ولنذكر بعض شَيْء من ذَلِك.
قَوْله: (موافين لهِلَال ذِي الْحجَّة) ، أَي: قرب طلوعه، وَقد مضى أَنَّهَا قَالَت: (خرجنَا لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة) وَالْخمس قريبَة من آخر الشَّهْر فوافاهم الْهلَال وهم فِي الطَّرِيق لأَنهم دخلُوا مَكَّة فِي الرَّابِع من ذِي الْحجَّة. قَوْله: (لأهللت بِعُمْرَة) ، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: (لأحللت) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: بِحَجّ. قَوْله: (فأردفها) ، فِيهِ الْتِفَات لِأَن الأَصْل أَن يُقَال: فاردفني. قَوْله: (مَكَان عمرتها) ، يَعْنِي مَكَان عمرتها الَّتِي أَرَادَت أَن تكون مُنْفَرِدَة عَن الْحَج. قَوْله: (فَقضى الله حجتها وعمرتها) إِلَى آخِره، قيل: الظَّاهِر أَن ذَلِك من قَول عَائِشَة، لَكِن صرح فِي كتاب الْحيض فِي: بَاب نقض الْمَرْأَة شعرهَا فِي آخر هَذَا الحَدِيث، قَالَ هِشَام: وَلم يكن فِي شَيْء من ذَلِك هدي وَلَا صَوْم وَلَا صَدَقَة. وَقَالَ ابْن بطال: قَوْله: (فَقضى الله حَجهَا) إِلَى آخِره، لَيْسَ من قَول عَائِشَة، وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام هِشَام بن عُرْوَة، حدث بِهِ هَكَذَا فِي الْعرَاق. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَلم يذكر ذَلِك أحد غَيره، وَلَا يَقُوله الْفُقَهَاء، وَاسْتدلَّ بَعضهم بِهَذَا أَن عَائِشَة لم تكن قارنة، إِذْ لَو كَانَت قارنة لوَجَبَ عَلَيْهَا الْهَدْي للقران. وَأجِيب: بِأَن هَذَا الْكَلَام مدرج من قَول هِشَام، كَأَنَّهُ نفى ذَلِك بِحَسب علمه، وَلَا يلْزم من ذَلِك نَفْيه فِي نفس الْأَمر، وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: معنى قَوْله: (لم يكن فِي شَيْء من ذَلِك هدي) أَي: فِي تَركهَا لعمل الْعمرَة الأولى وإدراجها لَهَا فِي الْحَج وَلَا فِي عمرتها الَّتِي اعتمرتها من التَّنْعِيم أَيْضا. انْتهى. قلت: لِأَن عمرتها بعد انْقِضَاء الْحَج، وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن من اعْتَمر بعد انْقِضَاء الْحَج وَخُرُوج أَيَّام التَّشْرِيق أَنه لَا هدي عَلَيْهِ فِي عمرته، لِأَنَّهُ لَيْسَ بمتمتع، وَإِنَّمَا الْمُتَمَتّع من اعْتَمر فِي أشهر الْحَج وَطَاف للْعُمْرَة قبل الْوُقُوف، وَأما من اعْتَمر بعد يَوْم النَّحْر، فقد وَقعت عمرته فِي غير أشهر الْحَج، فَلذَلِك ارْتَفع حكم الْهَدْي عَنْهَا فَإِن قلت: الصَّحِيح من قَول مَالك أَن أشهر الْحَج: شَوَّال وَذُو الْقعدَة وَعشر لَيَال من ذِي الْحجَّة، وَمَعَ هَذَا لم يكن عَلَيْهَا هدي فِي حَجهَا؟ قلت: لِأَنَّهَا كَانَت مُفْردَة، على مَا رُوِيَ عَنْهَا الْقَاسِم وَعُرْوَة، وَلم يَأْخُذ بذلك مَالك، بل كَانَت عِنْده قارنة ولزمها لذَلِك هدي القِران، وَلم يَأْخُذ أَبُو حنيفَة أَيْضا بذلك لِأَنَّهَا كَانَت عِنْده رافضة لعمرتها، والرافضة عِنْده عَلَيْهَا دم للرفض، وَعَلَيْهَا عمر. وَالله المتعال أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٨ - (بابُ أجْرِ العُمْرَةِ عَلَى قَدْرِ النَّصْبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن أجر الْعمرَة على قدر النصب، بِفَتْح النُّون وَالصَّاد الْمُهْملَة: أَي التَّعَب.
٧٨٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ وعنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ قالَا قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا يَا رسولَ الله يَصْدُرُ النَّاسُ بنُسُكَيْنِ وأصْدُرُ بنُسُكٍ فَقيلَ لَهَا انْتَظِرِي فإذَا طَهُرْتِ فاخْرُجِي إلَى التَّنْعِيمِ فأهِلِّي ثُمَّ ائتِينَا بِمَكَانِ كذَا وكَذَا ولَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أوْ نَصَبكِ.
.
стр. 2927
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَأخرجه من طَرِيقين. أَحدهمَا: عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع الْعَبْسِي الْبَصْرِيّ عَن عبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق عَن عَائِشَة. وَالْآخر: عَن مُسَدّد عَن يزِيد ابْن زُرَيْع عَن عبد الله بن عون عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود النَّخعِيّ عَن عَائِشَة. وَأخرجه مُسلم حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة. قَالَ: حَدثنَا ابْن علية عَن ابْن عون عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن أم الْمُؤمنِينَ، وَعَن الْقَاسِم (عَن أم الْمُؤمنِينَ قَالَت: قلت يَا رَسُول الله! يصدر النَّاس بنسكين وأصدر بنسكٍ واحدٍ؟ قَالَ: انتظري فَإِذا طهرت فاخرجي إِلَى التَّنْعِيم فأهلي مِنْهُ، ثمَّ ألقينا عِنْد كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَظُنهُ قَالَ: غَدا، وَلكنهَا على قدر نصبك أَو نَفَقَتك) . وَحدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي عدي عَن ابْن عون عَن الْقَاسِم وَإِبْرَاهِيم، قَالَ: لَا أعرف حَدِيث أَحدهمَا من الآخر، إِن أم الْمُؤمنِينَ قَالَت: يَا رَسُول الله يصدر النَّاس بنسكين ... فَذكر الحَدِيث. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج أَيْضا عَن أَحْمد بن منيع عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَنهُ بالإسنادين جَمِيعًا عَن أم الْمُؤمنِينَ، وَقَالَ: لَا أحفظ حَدِيث هَذَا من حَدِيث هَذَا. وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي عَن حُسَيْن بن حسن عَن ابْن عون عَن الْقَاسِم وَإِبْرَاهِيم كِلَاهُمَا، عَن أم الْمُؤمنِينَ، وَلم يذكر الْأسود.
قَوْله: (قَالَا) أَي: الْقَاسِم وَالْأسود. قَوْله: (يصدر النَّاس) ، أَي: يرجع النَّاس، من الصُّدُور وَهُوَ الرُّجُوع، وَفعله من بَاب نصر ينصر. قَوْله: (بنسكين) أَي: بِحجَّة وَعمرَة. قَوْله: (وأصدر بنسك؟) أَي: وأرجع أَنا بِحجَّة. قَوْله: (فَقيل لَهَا) أَي: لعَائِشَة، ويروى: (فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَإِذا طهرت) ، بِضَم الْهَاء وَفتحهَا. قَوْله: (ثمَّ ائتينا) ، بِصِيغَة الْمُؤَنَّث من الْإِتْيَان، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (ثمَّ ألقينا) كَمَا مر. قَوْله: (بمَكَان كَذَا وَكَذَا) ، وَأَرَادَ بِهِ الأبطح، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: بِحَبل كَذَا) ، بِالْحَاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَرِوَايَة غَيره بِالْجِيم. قَوْله: (وَلكنهَا) أَي: وَلَكِن عمرتك على قدر نَفَقَتك أَو نصبك أَي: أَو على قدر نصبك، أَي: تعبك. وَكلمَة أَو، إِمَّا للتنويع فِي كَلَام الرَّسُول ﷺ ، أَو شكّ من الرَّاوِي، وَقد روى فِيهِ مَا يدل على كل وَاحِد من النَّوْعَيْنِ، فَيدل على أَنَّهَا للشَّكّ مَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا من طَرِيق أَحْمد بن منيع عَن إِسْمَاعِيل: (على قدر نصبك أَو على قدر تعبك) . وَفِي رِوَايَة لَهُ من طَرِيق حُسَيْن بن حسن: (على قدر نَفَقَتك أَو نصبك) . أَو كَمَا قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، وَيدل على أَنَّهَا للتنويع مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم من طَرِيق هشيم عَن ابْن عون بِلَفْظ: (إِن لَك من الْأجر على قدر نصبك ونفقتك) ، بواو الْعَطف، ثمَّ معنى هَذَا الْكَلَام أَن الثَّوَاب فِي الْعِبَادَة يكثر بِكَثْرَة النصب وَالنَّفقَة.
وَقَالَ ابْن عبد السَّلَام: هَذَا لَيْسَ بمطرد، فقد تكون بعض الْعِبَادَة أخف من بعض، وَهِي أَكثر فضلا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَان كقيام لَيْلَة الْقدر بِالنِّسْبَةِ لقِيَام ليَالِي من رَمَضَان غَيرهَا. وبالنسبة للمكان كَصَلَاة رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِالنِّسْبَةِ لصَلَاة رَكْعَات فِي غَيره. وبالنسبة إِلَى شرف الْعِبَادَة الْمَالِيَّة والبدنية كَصَلَاة الْفَرِيضَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَكثر من عدد ركعاتها أَو من قرَاءَتهَا، وَنَحْو ذَلِك من صَلَاة النَّافِلَة، وكدرهم من الزَّكَاة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَكثر مِنْهُ من التَّطَوُّع. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَا يمْنَع الإطراد، لِأَن الْكَثْرَة الْحَاصِلَة فِي الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لَيست من ذَاتهَا، وَإِنَّمَا هِيَ بِحَسب مَا يعرض لَهَا من الْأُمُور الْمَذْكُورَة. فَافْهَم فَإِنَّهُ دَقِيق، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالنّصب الَّذِي لَا يذمه الشَّرْع، وَكَذَا النَّفَقَة. وَفِي (التَّوْضِيح) أَفعَال الْبر كلهَا على قدر الْمَشَقَّة وَالنَّفقَة، وَلِهَذَا اسْتحبَّ الشَّافِعِي وَمَالك الْحَج رَاكِبًا، ومصداق ذَلِك فِي كتاب الله فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله﴾ (التَّوْبَة: ٠٢) . وَفِي هَذَا فضل الْغنى وإنفاق المَال فِي الطَّاعَات، وَلما فِي قمع النَّفس عَن شهواتها من الْمَشَقَّة على النَّفس، ووعد الله الصابرين فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ (الزمر: ٠١) . وبظاهر الحَدِيث الْمَذْكُور اسْتدلَّ على أَن الاعتمار لمن كَانَ بِمَكَّة من جِهَة الْحل الْقَرِيبَة أقل أجرا من الاعتمار من جِهَته الْبَعِيدَة. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي (الْإِمْلَاء) : أفضل بقاع الْحل للاعتمار الْجِعِرَّانَة، لِأَن النَّبِي ﷺ أحرم مِنْهَا، ثمَّ التَّنْعِيم لِأَنَّهُ أذن لعَائِشَة مِنْهَا. انْتهى. قلت: اعتماره ﷺ من الْجِعِرَّانَة لم يكن بِالْقَصْدِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ حِين رَجَعَ من الطَّائِف مجتازا إِلَى الْمَدِينَة، وَأذنه لعَائِشَة من التنيعم لكَونهَا أقرب وأسهل عَلَيْهَا من غَيرهَا.
стр. 2928
٩ - (بابُ المُعْتَمِرِ إذَا طافَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ خَرَجَ هَلْ يُجْزِئهُ مِنْ طَوَافِ الوَدَاعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي باين حكم الْمُعْتَمِر إِذا طَاف إِلَى آخِره، وَجَوَاب: هَل، مَحْذُوف تَقْدِيره: يجْزِيه ويغني طواف الْعمرَة عَن طواف الْوَدَاع. وَقَالَ بَعضهم: كَأَن البُخَارِيّ لما لم يكن فِي حَدِيث عَائِشَة التَّصْرِيح بِأَنَّهَا مَا طافت للوداع بعد طواف الْعمرَة لم يثبت الحكم فِي التَّرْجَمَة. انْتهى. قلت: الحَدِيث يدل على أَن طواف الْعمرَة يُغني عَن طواف الْوَدَاع، وَإِن لم يدل على ذَلِك صَرِيحًا، إِذْ لَو كَانَ لَا بُد من طواف الْوَدَاع لذكره النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث، وَلم يذكر إلَاّ طواف الْعمرَة.
٨٨٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا أفْلَحُ بنُ حُمَيْدٍ عنِ القَاسِمِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بالحَجِّ فِي أشْهُرِ الحَجِّ وَفِي حُرُمِ الحَجِّ فنَزَلْنَا بِسَرِفَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ لأِصْحَابِهِ منْ لَمْ يَكُنْ معَهُ هَدْيٌ فأحَبَّ أنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَة فَلْيَفْعَلْ ومنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ فلَا وكانَ معَ النبيِّ ﷺ ورِجَالٌ مِنْ أصْحَابِهِ ذَوِي قُوِّةٍ الهَدْيَ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً فَدَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ ﷺ وأنَا أبْكِي فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ قُلْتُ سَمِعْتِكَ تَقُولُ لأِصْحَابِكَ مَا قُلْتَ فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ قَالَ وَمَا شأنُك قُلْتُ لَا أصَلِّي قَالَ فَلَا يُضِرُّكِ أنْتِ مِنْ بَناتِ آدَمَ كُتِبَ عَلَيْكِ مَا كُتِبَ علَيْهِنَّ فَكونِي فِي حَجَّتِكِ عَسَى الله أَن يَرْزُقَكِهَا قالَتْ فكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنىً فنَزَلْنَا المُحَصَّبَ فدَعَا عبْدَ الرَّحْمانِ فقالَ اخْرُجْ بِأُخْتِكَ إلَى الحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا أنْتَظِرْ كَمَا هَهُنَا فأتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فقالَ فرَغْتُمَا قُلْتُ نَعَمْ فَنادَى بالرَّحِيلِ فِي أصْحَابِهِ فارْتَحَلَ النَّاسُ ومنْ طافَ بالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ خَرَجَ مُتَوَجِّها إلَى المَدِينَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فلتهل بِعُمْرَة) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار عَن أبي بكر الْحَنَفِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن نمير عَن إِسْحَاق بن سُلَيْمَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري، وغالب مَا فِيهِ من الْأَحْكَام قد ذكر فِيمَا مضى مفرقا.
قَوْله: (وَفِي حرم الْحَج) بِضَم الْحَاء وَالرَّاء، وَهِي الْحَالَات والأماكن والأوقات الَّتِي لِلْحَجِّ، وَرُوِيَ، بِفَتْح الرَّاء جمع حُرْمَة أَي مُحرمَات الْحَج. قَوْله: (بسرف) أَي: فِي سرف، وَقد فسرناه غير مرّة، وَهُوَ مَكَان بِقرب مَكَّة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت: (سرف) ، بِحَذْف الْبَاء، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق إِسْحَاق بن عِيسَى بن الطباع عَن أَفْلح. قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي ﷺ لأَصْحَابه: من لم يكن مَعَه هدي) ظَاهره أَنه أَمر لأَصْحَابه بِفَسْخ الْحَج إِلَى الْعمرَة. فَإِن قلت: قَوْله هَذَا كَانَ بسرف، وَفِي غير هَذِه الرِّوَايَة أَن قَوْله لَهُم ذَلِك كَانَ بعد دُخُوله مَكَّة؟ قلت: يحْتَمل التَّعَدُّد. قَوْله: (وَرِجَال) ، بِالْجَرِّ عطف على النَّبِي ﷺ ، قَوْله: (ذَوي قُوَّة) ، صفة لقَوْله: (أَصْحَابه) . قَوْله: (الْهَدْي) مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم: كَانَ. قَوْله: (وَأَنا أبْكِي) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فمنعت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (الْعمرَة) ، مَنْصُوب على نزع الْخَافِض أَي: من الْعمرَة. قَوْله: (لَا أُصَلِّي) ، كِنَايَة عَن الْحيض، وَهِي من ألطف الْكِنَايَات. قَوْله: (كتب عَلَيْك) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (كتب الله عَلَيْك) . وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (فكوني فِي حجتك) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (فِي حجك) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (فَعَسَى الله) ، ويروى (عَسى الله) ، بِدُونِ الْفَاء. قَوْله: (فنزلنا) المحصب وَهُوَ الأبطح، وَفِيه اخْتِصَار أظهرته رِوَايَة مُسلم بِلَفْظ: (حَتَّى نزلنَا منى فتطهرت ثمَّ طفت بِالْبَيْتِ فَنزل رَسُول الله ﷺ المحصب) . قَوْله: (فَدَعَا عبد الرَّحْمَن) ، هُوَ ابْن أبي بكر أَخُو عَائِشَة، رَضِي
стр. 2929
الله تَعَالَى عَنْهُم، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر. قَوْله: (اخْرُج بأختك إِلَى الْحرم) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (من الْحرم) وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (فأتينا فِي جَوف اللَّيْل) ، ويروى: (فَجِئْنَا من جَوف اللَّيْل) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (من آخر اللَّيْل) . قَوْله: (وَمن طَاف بِالْبَيْتِ) ، هَذَا من عطف الْخَاص على الْعَام، لِأَن النَّاس أَعم من الطائفين، قيل: يحْتَمل أَن يكون: من طَاف صفة النَّاس، وتوسط العاطف بَينهمَا، وَهَذَا جَائِز. وَنقل عَن سِيبَوَيْهٍ أَنه أجَاز: مَرَرْت بزيد وَصَاحِبك، إِذا أُرِيد بالصاحب زيد الْمَذْكُور، فَوَقع الْوَاو بَين الصّفة والموصوف، وَقيل: الظَّاهِر أَن فِيهِ تحريفا، وَالصَّوَاب فارتحل النَّاس ثمَّ طَاف بِالْبَيْتِ، أَي النَّبِي ﷺ قبل صَلَاة الصُّبْح، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد من طَرِيق أبي بكر الْحَنَفِيّ عَن أَفْلح، بِلَفْظ: (فَأذن فِي أَصْحَابه بالرحيل، فارتحل فَمر بِالْبَيْتِ قبل صَلَاة الصُّبْح، فَطَافَ بِهِ حَتَّى خرج ثمَّ انْصَرف مُتَوَجها إِلَى الْمَدِينَة) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَأذن فِي أَصْحَابه بالرحيل، فَخرج فَمر بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ قبل صَلَاة الصُّبْح ثمَّ خرج إِلَى الْمَدِينَة) ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ من هَذَا الْوَجْه فِي: بَاب: ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات﴾ (الْبَقَرَة: ٧٩١) . بِلَفْظ: (فارتحل النَّاس مُتَوَجها إِلَى الْمَدِينَة) . قَوْله: (مُتَوَجها) من التَّوَجُّه من بَاب التفعل، هَذِه رِوَايَة ابْن عَسَاكِر، وَفِي رِوَايَة غَيره: (موجها) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْوَاو وَتَشْديد الْجِيم: من التَّوْجِيه، وَهُوَ الِاسْتِقْبَال تِلْقَاء وَجه. فَافْهَم، وَالله تَعَالَى أعلم.
٠١ - (بابٌ يَفْعَلُ فِي العُمْرَةِ مَا يَفْعَلُ فِي الحَجِّ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَنه يفعل فِي الْعمرَة من التروك مَا يفعل فِي الْحَج، أَو مَا يفعل فِي الْعمرَة بعض مَا يفعل فِي الْحَج لَا كلهَا، وَيفْعل، فِي الْمَوْضِعَيْنِ يجوز أَن يكون على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَأَن يكون على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا بِكَلِمَة: فِي الْعمرَة، وَفِي الْحَج، رِوَايَة المستميلي والكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا، يفعل بِالْعُمْرَةِ مَا يفعل بِالْحَجِّ.
٩٨٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا عَطاءٌ قَالَ حدَّثني صَفْوَانُ بنُ يَعْلَى ابنِ أميَّةَ يَعْنِي عَنْ أبِيهِ أنَّ رجُلاً أتَى النبيَّ ﷺ وهُوَ بالجِعْرَانَةِ وعَلَيهِ جُبَّةٌ وعلَيْهِ أثَرُ الخَلُوقِ أوْ قَالَ صُفْرَةٌ فَقَالَ كَيْفَ تَأْمُرُنِي أنْ أصْنَعَ فِي عُمرَتِي فأنْزَلَ الله علَى النبيِّ ﷺ فَسُتِرَ بِثَوْبٍ وَوَدِدْتُ أنِّي قَدْ رَأيْتُ النبيَّ ﷺ وقَدْ أُنْزِلَ علَيْهِ الوَحْيُ فَقَالَ عُمَرُ تَعالَ أيَسُرُّكَ أنْ تَنْظُرَ إِلَى النبيِّ ﷺ وقَدْ أنْزَلَ الله علَيْهِ الوَحْيَ قُلْتُ نَعَمْ فرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ فنَظَرْتُ إلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ وأحْسِبُهُ قالَ كَغَطِيطِ البَكْرِ فلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ أيْنَ السَّائِلُ عَنِ العُمْرَةِ اخْلَعْ عنْكَ الجُبَّةَ واغْسِلْ أثَرَ الْخُلُوقِ عَنْكَ وأنْقَ الصُّفُرَةَ واصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واصنع فِي عمرتك كَمَا تصنع فِي حجك) . وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي أَوَائِل الْحَج فِي: بَاب غسل الخلوق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي عَاصِم عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى إِلَى آخِره، وَأخرجه هَهُنَا: عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن همام بن يحيى الْبَصْرِيّ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح. . إِلَى آخِره.
قَوْله: (الخلوق) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام المضمومة وبالقاف ضرب من الطّيب. قَوْله: صفرَة، بِالْجَرِّ عطف على الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو الْمُضَاف. قَوْله: (فَأنْزل الله على النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . على مَا روى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) : أَن الْمنزل حِينَئِذٍ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَجه الدّلَالَة على ذَلِك هُوَ أَن الله تَعَالَى أَمر بالإتمام، وَهُوَ يتَنَاوَل الهيئات وَالصِّفَات. قَوْله: (أَيَسُرُّك؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَضم السِّين. قَوْله: (وَقد أنزل الله) ، فِي مَوضِع الْحَال. قَوْله: (لَهُ غطيط) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهُوَ: النخير وَالصَّوْت الَّذِي فِيهِ البحوحة. قَوْله: (وَأَحْسبهُ) أَي: وَأَظنهُ. قَوْله: (الْبكر) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ: الفتي من الْإِبِل، والبكرة الفتاة، والقلوص بِمَنْزِلَة الْجَارِيَة، وَالْبَعِير كالأنسان، والناقة كَالْمَرْأَةِ. قَوْله: (فَلَمَّا سُرِّي) بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة والمخففة أَي: كشف، وانسرى:
стр. 2930
أَي: انْكَشَفَ. قَوْله: (وأنقِ) أَمر من الأنقاء، وَهُوَ التَّطْهِير. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (واتَّقِ) من الاتقاء، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة الْمُشَدّدَة، وَهُوَ الحذر. ويروى: (ألقِ) ، من الْإِلْقَاء وَهُوَ الرَّمْي. قَوْله: (واصنع فِي عمرتك كَمَا تصنع فِي حجك) أَي: كصنعك فِي حجك من اجْتِنَاب الْمُحرمَات وَمن أَعمال الْحَج إلَاّ الْوُقُوف، فَلَا وقُوف فِيهَا وَلَا رمي، وأركانها أَرْبَعَة: الْإِحْرَام وَالطّواف وَالسَّعْي وَالْحلق أَو التَّقْصِير.
٠٩٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ أنَّهُ قَالَ قُلْتُ لِ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النبيِّ ﷺ وأنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ أرَأيْتِ قَوْلَ الله ﵎ إنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَلَا أُرَى عَلَى أحَدٍ شَيْئا أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَقالَتْ عائِشَةُ كَلَاّ لَوْ كانَتْ كَما تَقُولُ كانَتْ فَلَا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الأنْصَارِ كانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وكَانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ فَلَمَّا جَاءَ الإسْلامُ سَألُوا رسولَ الله ﷺ عنْ ذَلِكَ فأنْزَلَ الله تَعالى إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي أَنه يصنع فِي حجه من السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب وجوب الصَّفَا والمروة، بأطول مِنْهُ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة ... إِلَى آخِره، وَقد مرت مباحثه هُنَاكَ مستوفاة. قَوْله: (وَأَنا يَوْمئِذٍ حَدِيث السن) يُرِيد لم يكن لَهُ بعد فِقْهٌ وَلَا علم من سنَن رَسُول الله ﷺ مِمَّا يتَأَوَّل بِهِ نَص الْكتاب وَالسّنة. قَوْله: (كلاًّ) هِيَ كلمة ردع، أَي: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك. قَوْله: (كَمَا تَقول) أَي: عدم وجوب السَّعْي. قَوْله: (مَنَاة) ، بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف النُّون: اسْم صنم. قَوْله: (حَذْو قديد) ، أَي: محاذيه، و: قديد، بِضَم الْقَاف: مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. قَوْله: (يتحرجون) ، يَعْنِي: يحترزون من الْإِثْم الَّذِي فِي الطّواف باعتقادهم، أَو يحترزونه لأجل الطّواف، أَو مَعْنَاهُ: يتكلفون الْحَرج فِي الطّواف ويرونه فِيهِ.
زَادَ سُفْيَانُ وَأبُو مُعَاوِيَةَ عنْ هِشَامٍ مَا أتَمَّ الله حَجَّ امْرِىءٍ ولَا عُمْرَتَهُ مَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ
أَي: زَاد سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي: الضَّرِير عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: (مَا أتم الله حج امرىء. .) إِلَى آخِره. أما رِوَايَة سُفْيَان فوصلها الطَّبَرِيّ من طَرِيق وَكِيع عَنهُ عَن هِشَام، فَذكر الْوُقُوف فَقَط. وَأما رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة فوصلها مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة، قَالَ: قلت لَهَا: إِنِّي لأَظُن رجلا لم يطف بَين الصَّفَا والمروة، مَا ضره؟ قَالَت: لِمَ قلت؟ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر فَلَا جنَاح عَلَيْهِ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٩١) . إِلَى آخر الْآيَة، قَالَت: (مَا أتم الله حج امرىء وَلَا عمرته لم يطف بَين الصَّفَا والمروة) الحَدِيث بِطُولِهِ.
١١ - (بابٌ مَتَى يَحِلُّ المُعْتَمِرُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَتى يخرج الْمُعْتَمِر من إِحْرَامه، وَقد أبهم الحكم لِأَن فِي حل الْمُعْتَمِر من عمرته خلافًا، فمذهب ابْن عَبَّاس أَنه يحل بِالطّوافِ، وَإِلَيْهِ ذهب إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَعند الْبَعْض: إِذْ دخل الْمُعْتَمِر الْحرم حل وَإِن لم يطف وَلم
стр. 2931
يسع، وَله أَن يفعل كل مَا حرم على الْمحرم، وَيكون الطّواف وَالسَّعْي فِي حَقه كالرمي وَالْمَبِيت فِي حق الْحَاج، وَهَذَا مَذْهَب شَاذ. وَقَالَ ابْن بطال: لَا أعلم خلافًا بَين أَئِمَّة الْفَتْوَى: أَن الْمُعْتَمِر لَا يحل حَتَّى يطوف وَيسْعَى.
وَقَالَ عَطاءٌ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أمَرَ النبيُّ ﷺ أصْحَابَهُ أنْ يَجْعَلُوها عُمْرَةً ويَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا ويحِلُّوا
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه فهم من قَوْله ﷺ : (إِن الْمُعْتَمِر لَا يحل حَتَّى يطوف وَيقصر) . فَإِن قلت: لم يذكر السَّعْي هُنَا؟ قلت: مُرَاده من قَوْله (ويطوفوا) أَي: بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة لِأَن جَابر أَجْزم بِأَن الْمُعْتَمِر لَا يحل لَهُ أَن يخرج امْرَأَته حَتَّى يطوف بَين الصَّفَا والمروة، فَعلم من هَذَا أَن المُرَاد من الطّواف فِي قَوْله: (ويطوفوا) أَعم من الطّواف بِالْبَيْتِ وَمن الطّواف بَين الصَّفَا والمروة، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب عمْرَة التَّنْعِيم.
١٩٧١ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ جَريرٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي أوْفَى قَالَ اعْتَمَرَ رسولُ الله ﷺ واعْتَمَرْنَا مَعَهُ فلَمَّا دخَلَ مَكَّةَ وطُفْنَا مَعَهُ وأتَى الصَّفَا والمَرْوَةَ وأتيْنَاها معَهُ وكُنَّا نَسْتُرُهُ من أهلِ مكَّةَ أنْ يَرْمِيَهُ أحَدٌ فَقَالَ لَهُ صاحِبٌ لِي أكانَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ قَالَ لَا. قالَ فحَدِّثْنَا مَا قَالَ لِخَدِيحَةَ قَالَ بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنَ الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ ولَا نَصَبَ.
(الحَدِيث ٢٩٧١ طرفه فِي: ٩١٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله أَرْبَعَة الأول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه. الثَّانِي: جرير بن عبد الحميد. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ الْكُوفِي، وَاسم أبي خَالِد سعد، وَيُقَال: هُرْمُز، وَيُقَال: كثير، مَاتَ سنة أَربع أَو خمس أَو سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع: عبد الله بن أبي أوفى، وَاسم أبي أوفى عَلْقَمَة، مَاتَ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ أحد من روى عَنهُ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول الْمُنكر المتعصب.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن مُسَدّد، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن نمير، وَعَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد وَعَن تَمِيم بن الْمُنْتَصر، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن ابْن نمير.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن جرير) ، وَقَالَ ابْن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) : أخبرنَا جرير. قَوْله: (اعْتَمر رَسُول الله ﷺ أَي: عمْرَة الْقَضَاء. قَوْله: (وأتيناها) ، ويروى: (وأتيناهما) أَي: الصَّفَا والمروة، وَهَذَا هُوَ الأَصْل، وَوجه إِفْرَاد الضَّمِير على تَقْدِير: أَتَيْنَا بقْعَة الصَّفَا والمروة. قَوْله: (وأتى الصَّفَا والمروة) أَي: سعى بَينهمَا. قَوْله: (أَن يرميه أحد) أَي: مَخَافَة أَن يرميه أحد من الْمُشْركين. قَوْله: (قَالَ لَهُ صَاحب لي) أَي: قَالَ إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور لعبد الله بن أبي أوفى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أَكَانَ) أَي: أَكَانَ النَّبِي ﷺ (دخل الْكَعْبَة؟ قَالَ: لَا) أَي: لم يدْخل الْكَعْبَة فِي تِلْكَ الْعمرَة، وَلَيْسَ المُرَاد نفي دُخُوله مُطلقًا، لِأَنَّهُ ثَبت دُخُوله فِي غير هَذَا الْحَالة. قَوْله: (فحدثنا) بِلَفْظ الْأَمر. قَوْله: (لِخَدِيجَة) هِيَ: بنت خويلد زوج النَّبِي ﷺ . قَوْله: (بِبَيْت) قَالَ الْخطابِيّ: أَي بقصر. قَوْله: (من الْجنَّة) ، ويروى: (فِي الْجنَّة) . بِكَلِمَة: فِي. قَوْله: (لَا صخب) ، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ الصياح (وَالنّصب) بالنُّون التَّعَب، وَمعنى نفي الصخب وَالنّصب أَنه مَا من بَيت فِي الدُّنْيَا يجْتَمع فِيهِ أَهله إلَاّ كَانَ بَينهم صخب وجلبة، وإلَاّ كَانَ فِي بنائِهِ وإصلاحه نصب وتعب، فَأخْبر أَن قُصُور أهل الْجنَّة بِخِلَاف ذَلِك لَيْسَ فِيهَا شَيْء من الْآفَات الَّتِي تعتري أهل الدُّنْيَا.
وَفِيه من الْفَوَائِد: أَن الْعمرَة لَا بُد فِيهَا من الطّواف وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة. وَفِيه: بَيَان فَضِيلَة خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
٣٦٩ - (حَدثنَا الْحميدِي قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ سَأَلنَا ابْن عمر ﵄ عَن رجل طَاف بِالْبَيْتِ فِي عمْرَة وَلم يطف بَين الصَّفَا والمروة أَيَأتِي امْرَأَته فَقَالَ قدم النَّبِي ﷺ َ -
стр. 2932
فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا وَصلى خلف الْمقَام رَكْعَتَيْنِ وَطَاف بَين الصَّفَا والمروة سبعا وَقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة قَالَ وَسَأَلنَا جَابر بن عبد الله ﵄ فَقَالَ لَا يقربنها حَتَّى يطوف بَين الصَّفَا والمروة) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الْمُعْتَمِر لَا يحل حَتَّى يطوف بَين الصَّفَا والمروة سبعا بَعْدَمَا طَاف بِالْبَيْتِ سبعا كَمَا يخبر بِهِ حَدِيث ابْن عمر وَجَابِر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب قَول الله ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد وبعين هَذَا الْمَتْن من غير زِيَادَة وَهَذَا نَادِر جدا والْحميدِي بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم هُوَ عبد الله بن الزبير نِسْبَة إِلَى أحد أجداده حميد وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ قَوْله " فِي عمْرَة " وَفِي رِوَايَة أبي ذَر " فِي عمرته " قَوْله " أَيَأتِي امْرَأَته " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار أَي يُجَامِعهَا قَوْله " لَا يقربنها " أَي لَا يباشرنها بَينهمَا وَهُوَ بنُون التَّأْكِيد وَالْمرَاد نهي الْمُبَاشرَة بِالْجِمَاعِ ومقدماته لَا مُجَرّد الْقرب مِنْهَا قَوْله " فَطَافَ بَين الصَّفَا والمروة " أَي سعى بَينهمَا وَإِطْلَاق الطّواف على السَّعْي إِنَّمَا هُوَ للمشاكلة وَيجوز أَن يكون لكَونه نوعا من الطّواف قَوْله " إسوة " بِكَسْر الْهمزَة وَضمّهَا قَوْله " قَالَ وَسَأَلنَا جَابِرا " الْقَائِل هُوَ عَمْرو بن دِينَار. وَفِيه وجوب السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَصَلَاة رَكْعَتَيْنِ بعد الطّواف خلق الْمقَام
٥٩٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شعبَةُ عنْ قَيسِ بنِ مُسْلِمٍ عنْ طَارِقِ بنِ شِهَابٍ عنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَدِمْتُ على النبيِّ ﷺ بالْبَطْحَاءِ وهُوَ مُنِيخٌ فَقَالَ أحَجَجْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِما أهْلَلْتَ قُلْتُ لَبَّيْكَ بِإهْلَالٍ كَإهْلَالِ النبيِّ ﷺ قَالَ أحْسَنْتَ طُفْ بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ ثُمَّ أحلَّ فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ ثُمَّ أتَيْتُ امْرَأةً مِنْ قَيْسٍ فَفَلَتْ رَأسِي ثُمَّ أهْلَلْتُ بالحَجِّ فكُنْتُ أُفْتِي بِهِ حَتَّى كانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَقَالَ إنْ أخَذْنَا بِكِتَابِ الله فإنَّهُ يأمُرُنَا بالتَّمَامِ وإنْ أخذْنَا بِقَوْلِ النبيِّ ﷺ فإنَّهُ لَمُ يحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (طف بِالْبَيْتِ وبالصفا والمروة ثمَّ أحل) فَإِنَّهُ يخبر أَن الْمُعْتَمِر يحل بعد الطّواف بِالْبَيْتِ وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب من أهل فِي زمن النَّبِي ﷺ كإهلال النَّبِي ﷺ ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق بن شهَاب عَن أبي مُوسَى، وَهنا أخرجه: عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.
قَوْله: (منيخ) أَي: رَاحِلَته، وَهُوَ كِنَايَة عَن النُّزُول بهَا. قَوْله: (أحججت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام أَي: هَل أَحرمت بِالْحَجِّ أَو نَوَيْت الْحَج؟ قَوْله: (ففلت رَأْسِي) أَي: ففتشت رَأْسِي واستخرجت مِنْهُ الْقمل، وَهُوَ على وزن: رمت، وَأَصله، فليت، قلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، ثمَّ حذفت لالتقاء الساكنين فَصَارَ: فَلت، على وزن: فعت، لِأَن الْمَحْذُوف مِنْهُ لَام الْفِعْل، وَذَلِكَ كَمَا فعل فِي رمت وَنَحْوه من معتل اللَّام. قَوْله: (يَأْمُرنَا بالتمام) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (يَأْمر) . قَوْله: (حَتَّى يبلغ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى بلغ) ، بِلَفْظ الْمَاضِي.
وَاحْتج الطَّبَرِيّ بِهَذَا الحَدِيث على أَن من زعم أَن الْمُعْتَمِر يحل من عمرته إِذا أكمل عمرته ثمَّ جَامع قبل أَن يحلق أَنه مُفسد لعمرته، فَقَالَ: أَلا ترى قَوْله ﷺ لأبي مُوسَى: (طف بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة ثمَّ أحل) . وَلم يقل: طف بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة وَقصر من شعرك أَو إحلق ثمَّ أحل، فَتبين بذلك أَن الْحلق وَالتَّقْصِير ليسَا من النّسك، وَإِنَّمَا هما من مَعَاني الْإِحْلَال، كَمَا أَن لبس الثِّيَاب وَالطّيب بعد طواف الْمُعْتَمِر بِالْبَيْتِ وسعيه من مَعَاني إحلاله، فَتبين فَسَاد قَول من زعم
стр. 2933
أَن الْمُعْتَمِر إِذا جَامع قبل الْحلق بعد طَوَافه وسعيه أَنه مُفسد عمرته، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَلَا أحفظ ذَلِك عَن غَيره. وَقَالَ مَالك وَالثَّوْري والكوفيون: عَلَيْهِ الْهَدْي، وَقَالَ عَطاء: يسْتَغْفر الله وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَفِي حَدِيث أبي مُوسَى بَيَان فَسَاد من قَالَ: إِن الْمُعْتَمِر إِن خرج من الْحرم قبل أَن يقصر أَن عَلَيْهِ دَمًا، وَإِن كَانَ طَاف وسعى قبل خُرُوجه مِنْهُ. وَفِيه: أَيْضا أَنه ﷺ إِنَّمَا أذن لأبي مُوسَى بالإحلال من عمرته بعد الطّواف وَالسَّعْي، فَبَان بذلك أَن من حل مِنْهَا قبل ذَلِك فقد أَخطَأ وَخَالف السّنة. واتضح بِهِ فَسَاد قَول من زعم أَن الْمُعْتَمِر إِذا دخل الْحرم فقد حل، وَله أَن يلبس ويتطيب وَيعْمل مَا يعمله الْحَلَال. وَهُوَ قَول ابْن عمر وَابْن الْمسيب وَعُرْوَة وَالْحسن، وَاخْتلف الْعلمَاء إِذا وطىء الْمُعْتَمِر بعد طَوَافه وَقبل سَعْيه، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر: عَلَيْهِ الْهَدْي وَعمرَة أُخْرَى مَكَانهَا، وَيتم عمرته الَّتِي أفسدها. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَوَافَقَهُمْ أَبُو حنيفَة إِذا جَامع بعد أَرْبَعَة أَشْوَاط بِالْبَيْتِ، أَنه يقْضِي مَا بَقِي من عمرته وَعَلِيهِ دم، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَهَذَا الحكم لَا دَلِيل عَلَيْهِ إلَاّ الدَّعْوَى قلت.
٦٩٧١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عِيسَى قَالَ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخبرنَا عَمْرٌ وعنْ أبِي الأسْوَدِ أنَّ عَبْدَ الله مَوْلَى أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قَالَ حدَّثَهُ أنَّهُ كانَ يَسْمَعُ أسْمَاءَ تَقُولُ كلَّمَا مَرَّتْ بالحَجُونِ صَلَّى الله على مُحَمَّدٍ لَقَدْ نَزَلْنَا معَهُ هاهُنا وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ قَلِيلٌ ظَهْرُنا قَلِيلَةٌ أزْوَادُنا فاعْتَمَرْتُ أَنا وأُخْتِي عائشَةُ والزُّبَيرُ وفُلانٌ وفُلَانٌ فلَمَّا مَسَحْنا الْبَيْتَ أحْلَلْنَا ثُمَّ أهْلَلْنَا مِنَ العَشِيِّ بالحَجِّ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَمَّا مسحنا الْبَيْت أَحللنَا) ، لِأَن مَعْنَاهُ: لما طفنا بِالْبَيْتِ أَحللنَا أَي: صرنا حَلَالا. وَالطّواف ملزوم للمسح عرفا. فَإِن قلت: الْمُعْتَمِر إِنَّمَا يحل بعد الطّواف وَبعد السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَالْحلق أَيْضا، فَكيف يكون هَذَا؟ قلت: حذف ذَلِك مِنْهُ للْعلم بِهِ كَمَا يُقَال: لما زنى فلَان رجم، وَالتَّقْدِير لما أحصن وزني رجم.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: أَحْمد بن عِيسَى، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة: أَحْمد بن عِيسَى مَنْسُوبا وَهُوَ أَحْمد بن عِيسَى بن حسان أَبُو عبد الله التسترِي، مصري الأَصْل. كَانَ يتجر إِلَى تستر، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ ابْن قَانِع: مَاتَ بسر من رأى، تكلم فِيهِ يحيى بن معِين، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: حَدثنَا أَحْمد غير مَنْسُوب يحدث عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع، كَذَا من غير نِسْبَة، وَاخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ قوم: إِنَّه أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أخي عبد الله بن وهب، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّه أَحْمد ابْن صَالح أَو أَحْمد بن عِيسَى، وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي، أَحْمد بن وهب هُوَ ابْن أخي ابْن وهب، وَقَالَ أَبُو عبد الله ابْن مَنْدَه: كل مَا قَالَ البُخَارِيّ فِي الْجَامِع حَدثنَا أَحْمد عَن ابْن وهب هُوَ أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ، وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن فِي (الصَّحِيح) شَيْئا وَإِذا حدث عَن أَحْمد بن عِيسَى نسبه، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا أَحْمد بن صَالح. وَقد أخرجه مُسلم عَن أَحْمد بن عِيسَى عَن ابْن وهب. الثَّانِي: عبد الله بن وهب. الثَّالِث: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن الْحَارِث. الرَّابِع: أَبُو الْأسود هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمَشْهُور بيتيم عُرْوَة بن الزبير. الْخَامِس: عبد الله بن كيسَان أَبُو عَمْرو، مولى أَسمَاء بنت أبي بكر. السَّادِس: أَسمَاء بنت أبي بكر.
السَّادِس أَسمَاء بنت أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن رجال هَذَا الْإِسْنَاد نصفهم مصريون ونصفهم مدنيون. وَفِيه: أَن عبد الله الْمَذْكُور لَيْسَ لَهُ عِنْد البُخَارِيّ غير حديثين: أَحدهمَا هَذَا، وَالْآخر مضى فِي: بَاب من قدم ضعفة أَهله فَافْهَم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي وَأحمد بن عِيسَى، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بالحجون) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الْجِيم المخففة وَفِي آخِره نون، قَالَ الْبكْرِيّ: الْحجُون على وزن: فعول، مَوضِع بِمَكَّة عِنْد المحصب، وَهُوَ الْجَبَل المشرف بحذاء الْمَسْجِد الَّذِي على شعب الجزارين إِلَى مَا بَين
стр. 2934
الحوضين اللَّذين فِي حَائِط عَوْف وعَلى الْحجُون سَقِيفَة زِيَاد بن عبد الله أحد بني الْحَارِث بن كَعْب، وَكَانَ على مَكَّة. وَيُقَال: الْحجُون مَقْبرَة أهل مَكَّة تجاه دَار أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ على ميل وَنصف من مَكَّة، وَأغْرب السُّهيْلي فَقَالَ: الْحجُون على فَرسَخ وَثلث من مَكَّة، وَهُوَ غلط ظَاهر، وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ، وَعند الْمقْبرَة الْمَعْرُوفَة بالمعلاة على يسَار الدَّاخِل إِلَى مَكَّة وَيَمِين الْخَارِج مِنْهَا. وروى الْوَاقِدِيّ عَن إشياخه: أَن قصي بن كلاب لما مَاتَ دفن بالحجون فتدافن النَّاس بعده بِهِ. قَوْله: (صلى الله على مُحَمَّد) ، مقول قَوْله: (تَقول كلما مرت) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كلما مرت بالحجون تَقول: صلى الله تَعَالَى على رَسُوله وَسلم) . قَوْله: (خفاف) ، بِكَسْر الْخَاء جمع خَفِيف، وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة: (خفاف الحقائب) ، وَهُوَ جمع حقيبة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وبالقاف وَالْبَاء الْمُوَحدَة: وَهِي مَا احتقبه الرَّاكِب خَلفه من حوائحه فِي مَوضِع الرديف. قَوْله: (قَلِيل طهرنا) أَي: مراكبنا. قَوْله: (فاعتمرت أَنا وأختي) أَي: بعد أَن فسخوا الْحَج إِلَى الْعمرَة. قَوْله: (وَالزُّبَيْر) أَي: الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث صَفِيَّة بنت شيبَة (عَن أَسمَاء بنت أبي بكر، قَالَت: خرجنَا محرمين، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : من كَانَ مَعَه هدي فَليقمْ على إِحْرَامه، وَمن لم يكن مَعَه هدي فليحلل، فَلم يكن معي هدي فحللت، وَكَانَ مَعَ الزبير هدي فَلم يحل) الحَدِيث. فَهَذَا يُخَالف رِوَايَة عبد الله مولى أَسمَاء، لِأَنَّهُ ذكر الزبير مَعَ من أحل. قلت: أجَاب النَّوَوِيّ بِأَن إِحْرَام الزبير بِالْعُمْرَةِ وتحلله مِنْهَا كَانَ فِي غير حجَّة الْوَدَاع، واستبعده بَعضهم، وَقَالَ: الْمُرَجح عِنْد البُخَارِيّ رِوَايَة عبد الله مولى أَسمَاء، فَلذَلِك اقْتصر على إخْرَاجهَا دون رِوَايَة صَفِيَّة بنت شيبَة. قلت: هَذَا مُسلم قد أخرج كليهمَا مَعَ مَا فيهمَا من الِاخْتِلَاف، وَلَا وَجه فِي الْجمع بَينهمَا إلَاّ بِمَا قَالَه النَّوَوِيّ. فَإِن قلت: فِيهِ إِشْكَال آخر، وَهُوَ أَن أَسمَاء ذكرت عَائِشَة فِيمَن طَاف، وَالْحَال أَنَّهَا كَانَت حِينَئِذٍ حَائِضًا. قلت: قيل: يحْتَمل أَنَّهَا أشارت إِلَى عمْرَة عَائِشَة الَّتِي فعلتها بعد الْحَج مَعَ أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن من التَّنْعِيم. قَالَ القَاضِي: هَذَا خطأ، لِأَن فِي الحَدِيث التَّصْرِيح بِأَن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع، قيل: لَا وَجه فِي ذَلِك إلَاّ أَن يُقَال: إِنَّمَا لم تستثن أَسمَاء عَائِشَة لشهرة قصَّتهَا، وَفِيه بُعد أَيْضا، نعم إِنَّمَا هَذَا يَتَأَتَّى إِذا قُلْنَا: كَانَت عَائِشَة طَاهِرَة حِين ذكرت أَسمَاء إِيَّاهَا وعطفتها على نَفسهَا فِي قَوْلهَا: (اعْتَمَرت أَنا وأختي عَائِشَة، ثمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا الْحيض) ، ثمَّ إِنَّهَا لم تستثنها فِي قَوْلهَا: (فَلَمَّا مسحنا الْبَيْت) ، لشهرتها أَنَّهَا كَانَت حَائِضًا فِي ذَلِك الْوَقْت، أَو نسيت أَن تستثنيها، فَافْهَم. قَوْله: (وَفُلَان وَفُلَان) ، كَأَنَّهَا سمَّت جمَاعَة عرفتهم مِمَّن لم يسق الْهَدْي، وَلم توقف على تعيينهم. قَوْله: (فَلَمَّا مسحنا الْبَيْت،) أَي: طفنا بِالْبَيْتِ، وَقد ذكرنَا أَن من لَازم الطّواف الْمسْح عَادَة، فَيكون من قبيل ذكر اللَّازِم وَإِرَادَة الْمَلْزُوم، وَقد ذكرنَا وَجه طي ذكر السَّعْي عَن قريب. فَإِن قلت: لَمْ تَذكر أَسمَاء الْحلق مَعَ أَنه نسك؟ قلت: لَا يلْزم من عدم ذكرهَا إِيَّاه ترك فعله، فَإِن الْقِصَّة وَاحِدَة، وَقد ثَبت الْأَمر بالتقصير فِي عدَّة أَحَادِيث. . وَالله أعلم.
٢١ - (بابُ مَا يَقُولُ إذَا رَجَعَ مِنَ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ أوِ الغَزْوِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَقُول الْحَاج إِذا رَجَعَ من حجه أَو عمرته. قَوْله: (أَو الْغَزْو) ، أَي: وَفِيمَا يَقُول الْغَازِي إِذا رَجَعَ من غَزوه.
٧٩٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أوْ حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأرْضِ ثلاثَ تَكْبِيراتٍ ثُمَّ يَقُولُ لَا إلاهَ إلَاّ الله وحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهُوَ علَى كُلَّ شيْءٍ قَدِيرُ آيِبُونَ تَائِبُونَ عابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حامِدُونَ صدق الله وعْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ وهَزَمَ الأحْزَابَ وحْدَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة هِيَ أَنه تَفْسِير لَهَا، وَهُوَ ظَاهر.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن إِسْمَاعِيل، وَأخرجه
стр. 2935
مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن ابْن أبي عمر عَن معن بن عِيسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين، وَلَفظ مُسلم: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قفل من الجيوش أَو السَّرَايَا أَو الْحَج أَو الْعمرَة إِذا أوفى على ثنية أَو فدفد كبر ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ: لَا إلاهَ إلَاّ الله) إِلَى آخِره، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْبَراء وَصَححهُ، وروى أَبُو نعيم الْحَافِظ (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لرجل يُرِيد سفرا: أوصيك بتقوى الله وَالتَّكْبِير على كل شرف) . وَعَن أنس: (كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا علا شرفا قَالَ: أللهم لَك الشّرف على كل شرف، وَلَك الْحَمد على كل حَال) . وَعَن ابْن عَبَّاس: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا رَجَعَ من سَفَره قَالَ: آيبون تائبون لربنا حامدون. فَإِذا دخل على أَهله قَالَ: توبا توبا أوبا أوبا، لَا يُغَادر علينا حوبا) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ (عَن جَابر: كُنَّا إِذا سافرنا مَعَ النَّبِي ﷺ إِذا صعدنا كبرنا، وَإِذا هبطنا سبَّحنا) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا قفل) ، قَالَ فِي (الْمُحكم) قفل الْقَوْم: يقفلون قفولاً، وَرجل قافل من قوم قفال، والقفول: الرُّجُوع. وَفِي (شرح الفصيح) لِابْنِ هِشَام: الْقَافِلَة الراجعة، فَإِن كَانَت خَارِجَة فَهِيَ الصائبة، سميت بذلك على وَجه التفاؤل كَأَنَّهَا تصيب كل مَا خرجت إِلَيْهِ. وَفِي (الْجَامِع) : يقفلون ويقفلون وَلَا يكون القافل إلَاّ الرَّاجِع إِلَى وَطنه. وَفِي (الفصيح) : أقفلت الْجند وقفلوا هم. وَفِي (النِّهَايَة) : يُقَال للسَّفر قفول فِي الذّهاب والمجيء. وَأكْثر مَا يستعملون فِي الرُّجُوع، وَيُقَال: قفل إِذا رَجَعَ، وَمِنْه تسمى الْقَافِلَة. قَوْله: (على كل شرف) ، بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْمَكَان العالي. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جبل مشرف عَال. وَقَالَ الْفراء: أشرف الشَّيْء علا وارتفع. وَفِي (الْمُحكم) أشرف الشَّيْء وَعلا الشَّيْء: علاهُ، وأشرف عَلَيْهِ. قَوْله: (آيبون) ، أَي: رَاجِعُون إِلَى الله، وَفِيه إِيهَام معنى الرُّجُوع إِلَى الوطن، يُقَال: آب إِلَى الشَّيْء أوبا وإيابا أَي: رَجَعَ، وأوبته إِلَيْهِ وأبت بِهِ. وَقيل: لَا يكون الإياب إلَاّ الرُّجُوع إِلَى أَهله لَيْلًا وَفِي (الْمعَانِي) عَن أبي زيد: آب يؤب إيابا وإيابة إِذا تهَيَّأ للذهاب وتجهز. وَقَالَ غَيره: آب يئيب آييبا وإيتيب إيتابا إِذا تهَيَّأ. وارتفاع (آيبون) على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: نَحن آيبون، وَكَذَا ارْتِفَاع (تائبون) و (عَابِدُونَ) و (ساجدون) . قَوْله: (تائبون) من التَّوْبَة، وَهُوَ رُجُوع عَمَّا هُوَ مَذْمُوم شرعا إِلَى مَا هُوَ مَحْمُود شرعا. قَوْله: (لربنا) إِمَّا خَاص بقوله: (ساجدون) ، وَإِمَّا عَام لسَائِر الصِّفَات على سَبِيل التَّنَازُع. قَوْله: (وَهزمَ الْأَحْزَاب) أَي: هَزَمَهُمْ يَوْم الْأَحْزَاب. والأحزاب هم الطَّائِفَة المتفرقة الَّذين اجْتَمعُوا على رَسُول الله، ﷺ ، على بَاب الْمَدِينَة، فَهَزَمَهُمْ الله تَعَالَى بِلَا مقاتلة وإيجاف خيل وَلَا ركاب. وَقَالَ عِيَاض: وَيحْتَمل أَن يُرِيد أحزاب الْكَفَرَة فِي جَمِيع الْأَيَّام والمواطن، وَيحْتَمل أَن يُرِيد الدُّعَاء كَأَنَّهُ قَالَ: أللهم افْعَل ذَلِك وَحدك، وَخص اسْتِعْمَال هَذَا الذّكر هُنَا لِأَنَّهُ أفضل مَا قَالَه النَّبِيُّونَ قبله.
وَفِيه من الْفِقْه: اسْتِعْمَال حمد الله تَعَالَى وَالْإِقْرَار بنعمه والخضوع لَهُ وَالثنَاء عَلَيْهِ عِنْد الْقدوم من الْحَج وَالْجهَاد على مَا وهب من تَمام الْمَنَاسِك، وَمَا رزق من النَّصْر على الْعَدو، وَالرُّجُوع إِلَى الوطن سَالِمين، وَكَذَلِكَ إِحْدَاث حمد الله تَعَالَى وَالشُّكْر لَهُ على مَا يحدث لِعِبَادِهِ من نعمه، فقد رَضِي من عباده بِالْإِقْرَارِ لَهُ بالوحدانية والخضوع لَهُ بالربوبية، وَالْحَمْد وَالشُّكْر عوضا عَمَّا وهبهم من نعمه تفضلاً عَلَيْهِم وَرَحْمَة لَهُم. وَفِيه: بَيَان أَن نَهْيه عَن السجع فِي الدُّعَاء على غير التَّحْرِيم لوُجُود السجع فِي دُعَائِهِ وَدُعَاء أَصْحَابه، وَيحْتَمل أَن يكون نَهْيه عَن السجع مُخْتَصًّا بِوَقْت الدُّعَاء خشيَة أَن يشْتَغل الدَّاعِي بِطَلَب الْأَلْفَاظ الْمُنَاسبَة للسجع ورعاية الفواصل عَن إخلاص النِّيَّة وإفراغ الْقلب فِي الدُّعَاء وَالِاجْتِهَاد فِيهِ.
٣١ - (بابُ اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ والثَّلاثَةَ علَى الدَّابَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِقْبَال الْحَاج القادمين. قَالَ الْكرْمَانِي: لفظ القادمين بِالْجمعِ صفة للْحَاج. لِأَن الْحَاج فِي معنى الْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿سامرا تهجرون﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٧٦) . قلت: الْحَاج فِي الأَصْل مُفْرد، يُقَال: رجل جاج وَامْرَأَة حَاجَة وَرِجَال حجاج وَنسَاء حواج، وَرُبمَا أطلق الْحَاج على الْجَمَاعَة مجَازًا واتساعا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: السامر نَحْو الْحَاضِر فِي الْإِطْلَاق على الْجمع. قَوْله: (وَالثَّلَاثَة) : قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ الثَّلَاثَة عطف على الِاسْتِقْبَال. قلت: تَقْدِيره على هَذَا اسْتِقْبَال الثَّلَاثَة حَال كَونهم على الدَّابَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا الغلامين، أَي: وَفِي بعض النّسخ: بَاب اسْتِقْبَال الْحَاج الغلامين، ثمَّ قَالَ: وتوجيهه مَعَ إشكاله أَن يقْرَأ الْحَاج، بِالنّصب
стр. 2936
وَيكون الِاسْتِقْبَال مُضَافا إِلَى الغلامين، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿قتل أَوْلَادهم شركاؤهم﴾ (الْأَنْعَام: ٧٣١) . بِنصب أولادَهم وجر الشُّرَكَاء، وَيكون الِاسْتِقْبَال مُضَافا إِلَى الغلامين، والحاج مفعول. فَإِن قلت: لفظ استقبله يُفِيد عكس ذَلِك؟ قلت: الِاسْتِقْبَال إِنَّمَا هُوَ من الطَّرفَيْنِ.
٨٩٧١ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا قَدِمَ النبيُّ ﷺ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فحَملَ واحِدا بَيْنَ يَدَيْهِ وآخَرَ خَلْفَهُ.
التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على جزئين فمطابقة الحَدِيث للجزء الثَّانِي ظَاهِرَة، وَلِهَذَا وضع البُخَارِيّ تَرْجَمَة بالجزء الثَّانِي قبيل كتاب الْأَدَب، فَقَالَ: بَاب الثَّلَاثَة على الدَّابَّة، وَأورد فِيهَا هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه على مَا تقف عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَأما مطابقته للجزء الأول فبطريق دلَالَة عُمُوم اللَّفْظ، وَلَيْسَ المُرَاد من طَرِيق الْعُمُوم مَا قَالَه بَعضهم بقوله لِأَن قدومه ﷺ مَكَّة أَعم من أَن يكون فِي حج أَو عمْرَة أَو غَزْو، لِأَن هَذَا الَّذِي ذكره لَيْسَ بداخل فِي هَذَا الْبَاب، وَهُوَ كَلَام طائح. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَكَون التَّرْجَمَة لتلقي القادم من الْحَج، والْحَدِيث دَال على تلقي القادم لِلْحَجِّ وَلَيْسَ بَينهمَا تخَالف لاتِّفَاقهمَا من حَيْثُ المعني. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن كَون التَّرْجَمَة لنلقي القادم من الْحَج، بل هِيَ لتلقي القادم لِلْحَجِّ. والْحَدِيث يطابقه، وَهَذَا الْقَائِل ذهل وَظن أَن التَّرْجَمَة وضعت لتلقي القادم من الْحَج وَلَيْسَ كَذَلِك، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَو علم أَن لفظ الِاسْتِقْبَال فيالترجمة مصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله، وَالْفَاعِل ذكره مطوي لما كَانَ يحْتَاج إِلَى قَوْله: وَكَون التَّرْجَمَة ... إِلَى آخِره.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُعلى، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة: ابْن أَسد أَبُو الْهَيْثَم الْعمي. الثَّانِي: يزِيد بن زُرَيْع، بِضَم الزَّاي، وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث: خَالِد الْحذاء. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الْخَامِس: عبد الله ابْن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن الثَّلَاثَة الأول بصريون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن مُسَدّد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن يزِيد بن زُرَيْع.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أغيلمة) ، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة. قَالَ الْخطابِيّ: هُوَ تَصْغِير غلمة، وَكَانَ الْقيَاس: غليمة، لكِنهمْ ردُّوهُ إِلَى أفعلة فَقَالُوا: أغيلمة، كَمَا قَالُوا: أصيبية، فِي تَصْغِير صبية. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْغُلَام جمعه: غلمة، وتصغيرها: أغيلمة، على غير مكبره وَكَأَنَّهُم صغروا أغلمة وَإِن كَانُوا لم يقولوه، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أغلمة، بِفَتْح الْألف جمع غُلَام، وَالْمرَاد بأغيلمة بني عبد الْمطلب صبيانهم. قَوْله: (فَحمل وَاحِدًا) أَي: فَحمل النَّبِي، ﷺ ، وَاحِدًا من أغيلمة بني عبد الْمطلب بَين يَدَيْهِ (وَآخر) أَي: وَحمل آخر مِنْهُم خَلفه، وَكَانَ ﷺ على نَاقَته.
وَفِيه: جَوَاز ركُوب الثَّلَاثَة فَأكْثر على دَابَّة عِنْد الطَّاقَة، وَمَا روى من كَرَاهَة ركُوب الثَّلَاثَة على دَابَّة لَا يَصح، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) . وَفِيه: تلقي القادمين من الْحَج إِكْرَاما لَهُم وتعظيما لِأَنَّهُ ﷺ لم يُنكر تلقيهم، بل سر بِهِ لحمله مِنْهُم بَين يَدَيْهِ وَخَلفه. انْتهى. قلت: هَذَا أَيْضا ذهل مثل ذَاك الْقَائِل الْمَذْكُور عَن قريب، وَذَلِكَ أَنه لَيْسَ فِيهِ تلقي القادمين من الْحَج، بل فِيهِ تلقي القادمين لِلْحَجِّ، كَمَا ذَكرْنَاهُ، نعم، يُمكن أَن يُؤْخَذ مِنْهُ تلقي القادمين من الْحَج، وَكَذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ من قدم من جِهَاد أَو سفر، لِأَن فِي ذَلِك تأنيسا لَهُم وتطييبا لقُلُوبِهِمْ.
٤١ - (بابُ القُدُومِ بِالغَدَاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب قدوم الْمُسَافِر إِلَى منزله بِالْغَدَاةِ أَي بغدوة النَّهَار.
٩٩٧١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ الحَجَّاجِ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِيَاضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذَا خَرَجَ إلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ
стр. 2937
وإذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي وباتَ حَتَّى يُصْبِحَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي: بَاب خُرُوج النَّبِي ﷺ على طَرِيق الشَّجَرَة فِي أَوَائِل كتاب الْحَج فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أنس بن عِيَاض ... إِلَى آخِره، وَهَهُنَا أخرجه: عَن أَحْمد بن الْحجَّاج، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْجِيم الأولى، يكنى بِأبي الْعَبَّاس الذهلي الشَّيْبَانِيّ، مَاتَ يَوْم عَاشُورَاء من سنة ثِنْتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده.
٥١ - (بابُ الدُّخُولِ بِالعَشِيِّ)
أَي: هَذَا بَاب دُخُول الْمُسَافِر إِلَى أَهله بالْعَشي، وَهُوَ من وَقت الزَّوَال إِلَى غرُوب الشَّمْس، وَيُطلق أَيْضا على مَا بعد الْغُرُوب إِلَى الْعَتَمَة، وَلَكِن المُرَاد هُنَا الأول، وَإِنَّمَا ذكر هَذِه التَّرْجَمَة عقيب التَّرْجَمَة الأولى ليبين أَن الدُّخُول فِي الْغَدَاة لَا يتَعَيَّن، وَإِنَّمَا لَهُ الدُّخُول بِالْغَدَاةِ والعشي، والمنهي عَنهُ هُوَ الدُّخُول لَيْلًا، كَمَا سَيَأْتِي بَيَان الْعلَّة فِيهِ فِي حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٠٠٨١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أهْلَهُ كانَ لَا يَدْخُلُ إلَاّ غُدْوَةً أوْ عَشِيَّةً
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو عَشِيَّة) ، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَهَمَّام بن يحيى العوذي الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن يزِيد بن هَارُون، وَعَن زُهَيْر بن حَرْب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن هَارُون بن عبد الله.
قَوْله: (لَا يطْرق) ، بِضَم الرَّاء من الطروق، وَهُوَ الْإِتْيَان بِاللَّيْلِ، يَعْنِي: لَا يدْخل على أَهله لَيْلًا إِذا قدم من سفر، وَإِنَّمَا كَانَ يدْخل غدْوَة النَّهَار أَو عشيته وَقد مضى تَفْسِيرهَا. وَفِي بعض النّسخ: (كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يطْرق أَهله لَيْلًا) وَالأَصَح: لَا يطْرق أَهله بِدُونِ لفظ لَيْلًا، لِأَن الطروق لَا يكون إلَاّ بِاللَّيْلِ، كَمَا ذكرنَا فَإِن قلت: فِي حَدِيث جَابر الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا الْبَاب: (نهى أَن يطْرق أَهله لَيْلًا؟) قلت: هَذَا يكون للتَّأْكِيد أَو يكون على لُغَة من قَالَ: إِن طرق يسْتَعْمل بِالنَّهَارِ أَيْضا، حَكَاهُ ابْن فَارس.
٥١ - (بابُ الدُّخُولِ بِالعَشِيِّ)
أَي: هَذَا بَاب دُخُول الْمُسَافِر إِلَى أَهله بالْعَشي، وَهُوَ من وَقت الزَّوَال إِلَى غرُوب الشَّمْس، وَيُطلق أَيْضا على مَا بعد الْغُرُوب إِلَى الْعَتَمَة، وَلَكِن المُرَاد هُنَا الأول، وَإِنَّمَا ذكر هَذِه التَّرْجَمَة عقيب التَّرْجَمَة الأولى ليبين أَن الدُّخُول فِي الْغَدَاة لَا يتَعَيَّن، وَإِنَّمَا لَهُ الدُّخُول بِالْغَدَاةِ والعشي، والمنهي عَنهُ هُوَ الدُّخُول لَيْلًا، كَمَا سَيَأْتِي بَيَان الْعلَّة فِيهِ فِي حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٠٠٨١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أهْلَهُ كانَ لَا يَدْخُلُ إلَاّ غُدْوَةً أوْ عَشِيَّةً
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو عَشِيَّة) ، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَهَمَّام بن يحيى العوذي الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن يزِيد بن هَارُون، وَعَن زُهَيْر بن حَرْب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن هَارُون بن عبد الله.
قَوْله: (لَا يطْرق) ، بِضَم الرَّاء من الطروق، وَهُوَ الْإِتْيَان بِاللَّيْلِ، يَعْنِي: لَا يدْخل على أَهله لَيْلًا إِذا قدم من سفر، وَإِنَّمَا كَانَ يدْخل غدْوَة النَّهَار أَو عشيته وَقد مضى تَفْسِيرهَا. وَفِي بعض النّسخ: (كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يطْرق أَهله لَيْلًا) وَالأَصَح: لَا يطْرق أَهله بِدُونِ لفظ لَيْلًا، لِأَن الطروق لَا يكون إلَاّ بِاللَّيْلِ، كَمَا ذكرنَا فَإِن قلت: فِي حَدِيث جَابر الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا الْبَاب: (نهى أَن يطْرق أَهله لَيْلًا؟) قلت: هَذَا يكون للتَّأْكِيد أَو يكون على لُغَة من قَالَ: إِن طرق يسْتَعْمل بِالنَّهَارِ أَيْضا، حَكَاهُ ابْن فَارس.
٦١ - (بابٌ لَا يَطْرُقُ أهْلَهُ إذَا بلَغَ المَدِينَةَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن القادم من سفر لَا يطْرق أَهله إِذا بلغ الْمَدِينَة، أَي الْبَلَد الَّذِي يقْصد دُخُولهَا، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: إِذا دخل الْمَدِينَة يَعْنِي إِذا أَرَادَ دُخُولهَا لَا يطْرق لَيْلًا، وَالْحكمَة فِيهِ مبينَة فِي حَدِيث جَابر، ذكره البُخَارِيّ مطولا فِي: بَاب عشرَة النِّسَاء، وَهِي كَرَاهَة أَن يهجم مِنْهَا على مَا يقبح عِنْده اطِّلَاعه عَلَيْهِ، فَيكون سَببا إِلَى بغضها وفراقها، فنبه النَّبِي ﷺ على مَا تدوم بِهِ الإلفة بَينهم وتتأكد الْمحبَّة، فَيَنْبَغِي لمن أَرَادَ الْأَخْذ بأدب أَن يجْتَنب مُبَاشرَة أَهله فِي حَال البذاذة وَغير النَّظَافَة، وَأَن لَا يتَعَرَّض لرؤية عَورَة يكرهها مِنْهَا، ألَا يُرَى أَن الله تَعَالَى أَمر من لم يبلغ الْحلم بالاستئذان فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة فِي الآبية، لما كَانَت هَذِه الْأَوْقَات أَوْقَات التجرد وَالْخلْوَة، خشيَة الإطلاع على العورات وَمَا يكره النّظر إِلَيْهِ.
١٠٨١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ محَارِبٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ نهَى النبيُّ ﷺ أَن يَطْرُقَ أهْلَهُ لَيْلاً..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومحارب، بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: ابْن دثار ضد الشعار السدُوسِي الْكُوفِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن آدم، وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن حَفْص بن عمر وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن عَمْرو بن مَنْصُور.
قَوْله: (نهى النَّبِي، ﷺ النَّهْي للتنزيه لَا للتَّحْرِيم،
стр. 2938
وَذَلِكَ لِئَلَّا يكون كمن يتطلب عثراتها، أَو يُرِيد كشف أستارها. قَوْله: (أَن يطْرق) أَي: عَن أَن يطْرق، أَي: عَن الطروق وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وانتصاب لَيْلًا على الظَّرْفِيَّة.
٧١ - (بابُ مَنْ أسْرَعَ ناقَتَهُ إذَا بلغَ المَدِينَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أسْرع نَاقَته قَالَ الْكرْمَانِي: أَصله أسْرع بناقته، فنصب بِنَزْع الْخَافِض مِنْهُ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أسْرع نَاقَته لَيْسَ بِصَحِيح، وَالصَّوَاب أسْرع بناقته، يَعْنِي: لَا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ، وَإِنَّمَا يتَعَدَّى بِالْبَاء. قلت: كل مِنْهُمَا ذهل عَمَّا قَالَه صَاحب (الْمُحكم) إِن أسْرع يتَعَدَّى بِنَفسِهِ وَيَتَعَدَّى بِالْبَاء، وَلم يطلعا على ذَلِك، فأوله الْكرْمَانِي بِمَا ذكره، وَخَطأَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ، فَلَو وَقفا على ذَلِك لما تعسفا، وَفِي بعض النّسخ: بَاب من يسْرع نَاقَته، بِلَفْظ الْمُضَارع.
٢٠٨١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أخبرَنِي حُمَيْدٌ أنَّهُ سَمِعَ أنَسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يقُولُ كانَ رسولُ الله ﷺ إذَا قدِمَ مِنْ سَفَرٍ فأبْصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ أوْضَعَ ناقَتَهُ وإنْ كانَتْ دَابَّةً حرَّكَهَا.
(الحَدِيث ٢٠٨١ طرفه فِي: ٦٨٨١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أوضع نَاقَته) أَي: أسْرع السّير، وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ ابْن أبي كثير الْمدنِي أَخُو إِسْمَاعِيل، وَحميد هُوَ الطَّوِيل.
والْحَدِيث انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ نعم فِي مُسلم: (عَن أنس لما وصف فَقَوله، ﵊، من خَيْبَر: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا جدر الْمَدِينَة، غشينا إِلَيْهَا فرفعنا مطيتنا، وَرفع رَسُول الله، ﷺ ، مطيته.
قَوْله: (فأبصر دَرَجَات الْمَدِينَة) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَالرَّاء وَالْجِيم: جمع دَرَجَة، وَالْمرَاد: طرقها المرتفعة. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : يَعْنِي الْمنَازل، وَالْأَشْبَه الجدرات. والدرجات هِيَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (دوحات) ، بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا حاء مُهْملَة: جمع دوحة، وَهِي الشَّجَرَة الْعَظِيمَة المتسعة، وَيجمع أَيْضا على: دوح وأدواح جمع الْجمع. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الدوائح العظائم وَكَأَنَّهُ جمع دائحة، وَإِن لم يتَكَلَّم بِهِ، والدوحة: المظلة الْعَظِيمَة، والدوح بِغَيْر هَاء الْبَيْت الضخم الْكَبِير من الشّعْر، وَفِي (شرح المعلقات) لأبي بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي، يُقَال: شَجَرَة دوحة إِذا كَانَت عَظِيمَة كَثِيرَة الْوَرق والأغصان. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الدوح الْعِظَام من الشَّجَرَة من أَي نوع كَانَ من الشّجر. قَوْله: (أوضع نَاقَته) ، يُقَال: وضع الْبَعِير أَي أسْرع فِي مَشْيه، وأوضعه رَاكِبه أَي: حمله على السّير السَّرِيع. قَوْله: (وَإِن كَانَت دَابَّة) ، كَانَ فِيهِ تَامَّة، وَالدَّابَّة أَعم من النَّاقة وَقَوله: (حركها) جَوَاب: إِن.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله زَادَ الحَارِثُ بنُ عُمَيْرٍ عنْ حُمَيْدٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا
أَبُو عَبْد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، والْحَارث بن عُمَيْر مصغر عَمْرو الْبَصْرِيّ، نزل مَكَّة. وَأَرَادَ أَن الْحَارِث بن عُمَيْر روى الحَدِيث الْمَذْكُور عَن حميد الْمَذْكُور عَن أنس، وَزَاد فِي رِوَايَته: (حركها من حبها) أَي: حرك دَابَّته بِسَبَب حب الْمَدِينَة وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الإِمَام أَحْمد، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق حَدثنَا الْحَارِث بن عُمَيْر عَن حميد الطَّوِيل (عَن أنس: أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ إِذا قدم من سفر فَنظر إِلَى جدرات الْمَدِينَة أوضع نَاقَته، وَإِن كَانَ على دَابَّة حركها من حبها) . وروى هَذِه اللَّفْظَة أَيْضا التِّرْمِذِيّ عَن عَليّ بن حجر: أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن حميد عَن أنس، وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب.
وَفِيه: دلَالَة على فضل الْمَدِينَة وعَلى مَشْرُوعِيَّة حب الوطن والحنة إِلَيْهِ.
حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ قَالَ جُدُرَاتٍ
وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن جَعْفَر بن أبي كثير الْمدنِي، والجدرات، بِضَم الْجِيم وَالدَّال: جمع جدر، بِضَمَّتَيْنِ جمع: جِدَار. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: جدران، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الدَّال وَفِي آخِره نون، جمع جِدَار. وَقد أورد البُخَارِيّ طَرِيق قُتَيْبَة هَذَا فِي فَضَائِل الْمَدِينَة بِلَفْظ الْحَارِث بن عُمَيْر، إلَاّ أَنه قَالَ: رَاحِلَته، بدل: نَاقَته.
стр. 2939
تابَعَهُ الحَارِثُ بنُ عُمَيْرٍ
أَي: تَابع إِسْمَاعِيل الْحَارِث بن عُمَيْر فِي قَوْله: جدرات، وروى أَحْمد رِوَايَة الْحَارِث كَمَا ذَكرنَاهَا عَن قريب.
٨١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وٍّ أتُوا البُيُوتَ مِنْ أبْوَابِهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٨١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة.
٣٠٨١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ نَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ فِينَا كانَتِ الأنْصَارُ إذَا حَجُّوا فَجَاؤا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أبْوَابِ بُيُوتِهِمْ ولَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا فَجاءَ رَجُلٌ منَ الأنْصَارِ فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بابِهِ فَكَأنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وأتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أبْوَابِهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٨١) .
(الحَدِيث ٣٠٨١ طرفه فِي: ٢١٥٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبيد الله السبيعِي الْكُوفِي ﵀.
قَوْله: (كَانَت الْأَنْصَار إِذا حجُّوا فجاؤا) ، قَالَ بَعضهم: هَذَا ظَاهر فِي اخْتِصَاص ذَلِك بالأنصار؟ قلت: لَا نسلم دَعْوَى الِاخْتِصَاص فِي ذَلِك، لِأَن هَذَا إِخْبَار عَن الْأَنْصَار أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَلَا يلْزم من ذَلِك نفي ذَلِك عَن غَيرهم، وَقد روى ابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم فِي (صَحِيحَيْهِمَا) من طَرِيق عمار بن زُرَيْق عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان (عَن جَابر، قَالَ: كَانَت قُرَيْش تدعى الحمس، وَكَانُوا يدْخلُونَ من الْأَبْوَاب فِي الْإِحْرَام، وَكَانَت الْأَنْصَار وَسَائِر الْعَرَب لَا يدْخلُونَ من الْأَبْوَاب، فَبَيْنَمَا رَسُول الله، ﷺ ، فِي بُسْتَان فَخرج من بَابه، فَخرج مَعَه قُطْبَة بن عَامر الْأنْصَارِيّ، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله إِن قُطْبَة رجل فَاجر، فَإِنَّهُ خرج مَعَك من الْبَاب. فَقَالَ: مَا حملك على ذَلِك؟ قَالَ: رَأَيْتُك فعلته فَفعلت كَمَا فعلت، قَالَ: إِنِّي أحمس. قَالَ: فَإِن ديني دينك، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة) . وَفِي (تَفْسِير) مقَاتل بن سُلَيْمَان: كَانَت الْأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا أحرم أحدهم بِالْحَجِّ أَو الْعمرَة وَهُوَ من أهل الْمدر، وَهُوَ مُقيم فِي أَهله لم يدْخل منزله من قبل الْبَاب، وَلَكِن يوضع لَهُ سلم فيصعد عَلَيْهِ وينحدر مِنْهُ، أَو يتسور من الْجِدَار أَو ينقب بعض جدره، فَيدْخل مِنْهُ وَيخرج، فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يتَوَجَّه إِلَى مَكَّة محرما، وَإِن كَانَ من أهل الْوَبر دخل وَخرج من وَرَاء بَيته، وَأَن النَّبِي، ﷺ ، دخل يَوْمًا نخلا لبني النجار، وَدخل مَعَه قُطْبَة بن عَامر بن حَدِيدَة الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ من قبل الْجِدَار، وَهُوَ محرم، فَلَمَّا خرج النَّبِي ﷺ من الْبَاب وَهُوَ محرم خرج مَعَه قُطْبَة من الْبَاب، فَقَالَ رجل: هَذَا قُطْبَة! فَقَالَ النَّبِي ﷺ : مَا حملك أَن تخرج من الْبَاب وَأَنت محرم؟ فَقَالَ: يَا نَبِي الله رَأَيْتُك خرجت من الْبَاب وَأَنت محرم، فَخرجت مَعَك، وديني دينك. فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : خرجت لِأَنِّي من الحمس. فَقَالَ قُطْبَة: إِن كنت أحمس فَأَنا أحمس، وَقد رضيت بهداك. فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبر﴾ (الْبَقَرَة: ٩٨١) . قَوْله: (فجَاء رجل) ، قيل: إِنَّه هُوَ قُطْبَة بن عَامر الْمَذْكُور. وَقيل: هُوَ رِفَاعَة بن تَابُوت، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ عبد بن حميد وَابْن جرير الطَّبَرِيّ من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن قيس بن جرير أَن النَّاس كَانُوا إِذا أَحْرمُوا وَلم يدخلُوا حَائِطا من بَابه وَلَا دَارا من بَابهَا، فَدخل رَسُول الله، ﷺ ، وَأَصْحَابه دَارا، وَكَانَ رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ رِفَاعَة بن تَابُوت، فجَاء فتسور الْحَائِط، ثمَّ دخل على رَسُول الله، ﷺ ، فَلَمَّا خرج من بَاب الدَّار خرج مَعَه رِفَاعَة، فَقَالَ لَهُ النَّبِي، ﷺ : مَا حملك على ذَلِك؟ قَالَ: رَأَيْتُك خرجت مِنْهُ فَخرجت. فَقَالَ، ﷺ : إِنِّي أحمس. فَقَالَ الرجل: إِن ديننَا وَاحِد، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. قلت: هَذَا مُرْسل، وَحَدِيث جَابر مُسْند وَهُوَ أقوى. فَإِن قلت: هَل يجوز أَن يحمل على التَّعَدُّد؟ قلت: لَا مَانع من هَذَا، وَلَكِن ثمَّة مَانع آخر لِأَن رِفَاعَة بن تَابُوت مَعْدُود فِي الْمُنَافِقين، وَهُوَ الَّذِي هبت الرّيح الْعَظِيمَة لمَوْته، كَمَا وَقع فِي (صَحِيح مُسلم) مُبْهما، وَفِي غَيره مُفَسرًا، فَيتَعَيَّن أَن يكون ذَلِك الرجل قُطْبَة بن عَامر، وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا أَن فِي مُرْسل الزُّهْرِيّ عِنْد الطَّبَرِيّ: فَدخل رجل من الْأَنْصَار من بني سَلمَة، وَقُطْبَة من بني سَلمَة، بِخِلَاف رِفَاعَة. قَوْله: (من قبل بَابه) ، بِكَسْر الْقَاف
стр. 2940
وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (فَكَأَنَّهُ عير) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة على صِيغَة الْمَجْهُول من التعيير. وَهُوَ التعييب. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال، عيره كَذَا، والعامة تَقول: عيره بِكَذَا، قَوْله: (فَنزلت) أَي: هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبر بِأَن تَأْتُوا الْبيُوت من ظُهُورهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٨١) . الْآيَة. وَحَدِيث الْبَاب يدل على أَن سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة مَا ذكر فِيهِ. وروى عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم فِي (تَفْسِيره) : حَدثنَا زيد بن حباب عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة: سَمِعت مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ يَقُول: كَانَ الرجل إِذا اعْتكف لم يدْخل منزله من بَاب الْبَيْت، فَنزلت الْآيَة. وَحدثنَا عِصَام بن رواد حَدثنَا آدم عَن ابْن شيبَة عَن عَطاء، قَالَ: كَانَ أهل يثرب إِذا رجعُوا من عِنْدهم دخلُوا الْبيُوت من ظُهُورهَا، ويريدون أَن ذَلِك أدنى إِلَى الْبر، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبر﴾ (الْبَقَرَة: ٩٨١) . الْآيَة. وَحدثنَا الْحسن بن أَحْمد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن بشار، حَدثنِي سرُور بن الْمُغيرَة عَن عباد بن مَنْصُور عَن الْحسن، قَالَ: كَانَ أَقوام من أهل الْجَاهِلِيَّة إِذا أَرَادَ أحدهم سفرا أَو خرج من بَيته يُرِيد سفرا، ثمَّ بدا لَهُ من بعد خُرُوجه أَن يُقيم ويدع سَفَره الَّذِي خرج لَهُ لم يدْخل الْبَيْت من بَابه، وَلَكِن يتسوره من قبل ظَهره تسورا، فَنزلت الْآيَة. وَقَالَ الزّجاج: كَانَ قوم من قُرَيْش وَجَمَاعَة مَعَهم من الْعَرَب إِذا خرج الرجل مِنْهُم فِي حَاجَة فَلم يقضها وَلم يَتَيَسَّر لَهُ رَجَعَ فَلم يدْخل من بَاب بَيته سنة يفعل ذَلِك طيرة، فأعلمهم الله تَعَالَى أَن هَذَا غير بر. وَقَالَ النَّسَفِيّ: كَانَت الحمس، وهم المشددون على أنفسهم من بني خُزَاعَة وَبني كنَانَة فِي الْجَاهِلِيَّة وبدء الأسلام، إِذا أَحْرمُوا أَو اعتكفوا لم يدخلُوا بُيُوتهم من أَبْوَابهَا، فَإِن كَانَت فِي بُيُوتهم من الْخيام رفعوا ذيولها، وَإِن كَانَت من الْمدر نقبوا فِي ظُهُور بُيُوتهم فَدَخَلُوا مِنْهَا، أَو من قبل السَّطْح. وَقَالُوا: لَا ندخل بُيُوتًا من الْبَاب حَتَّى ندخل بَيت الله، وَكَانَ مِنْهُم من لَا يستظل تَحت سقف بعد إِحْرَامه، وَلَا يدْخل بَيْتا من بَابه وَلَا من خَلفه، وَلَكِن يصعد السَّطْح فيأمر بحاجته من السَّطْح، وَهَذِه الْأَشْيَاء وضعوها من عِنْد أنفسهم من غير شرع، فعرفهم الله تَعَالَى أَن هَذَا التَّشْدِيد لَيْسَ ببر، وَلَا قربَة. وَفِي (التلويج) وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ من أهل التَّفْسِير: إِنَّهُم الحمس، وهم قوم من قُرَيْش، وَبَنُو عَامر بن صعصعة وَثَقِيف وخزاعة كَانُوا إِذا أَحْرمُوا لَا يأفطون الأقط، وَلَا يَنْتَفِعُونَ الْوَبر، وَلَا يسلون السّمن، وَإِذا خرج أحدهم من الْإِحْرَام لم يدْخل من بَاب بَيته، فَنزلت الْآيَة. فَإِن قلت: مَتى نزلت الْآيَة الْمَذْكُورَة؟ قلت: روى أَبُو جَعْفَر فِي (تَفْسِيره) : حَدثنَا عَمْرو بن هَارُون، حَدثنَا عَمْرو بن حَمَّاد حَدثنَا أَسْبَاط (عَن السّديّ: كَانَ نَاس من الْعَرَب إِذا حجُّوا لم يدخلُوا بُيُوتهم من أَبْوَابهَا، كَانُوا ينقبون من أدبارها، فَلَمَّا حج سيدنَا رَسُول الله ﷺ حجَّة الْوَدَاع، أقبل يمشي وَمَعَهُ رجل من أُولَئِكَ، وَهُوَ مُسلم، فَلَمَّا بلغ النَّبِي ﷺ بَاب الْبَيْت احْتبسَ الرجل خَلفه، وَقَالَ يَا رَسُول الله! إِنِّي أحمس. يَقُول: محرم، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَأَنا أَيْضا أحمس، فَادْخُلْ فَدخل الرجل فَنزلت الْآيَة) وروى ابْن جرير من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن الْقِصَّة وَقعت أول مَا قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة، وَفِي إِسْنَاده ضعف، وَجَاء فِي مُرْسل الزُّهْرِيّ أَن ذَلِك وَقع فِي عمْرَة الْحُدَيْبِيَة.
٩١ - (بابٌ السَّفرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب، قيل: أَشَارَ البُخَارِيّ بإيراد هَذِه التَّرْجَمَة فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْحَج وَالْعمْرَة إِلَى أَن الْإِقَامَة فِي الْأَهْل أفضل من المجاهدة، ورد بِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيث عَائِشَة، بِلَفْظ: (إِذا قضى أحدكُم حجه فليعجل إِلَى أَهله) . قلت: لَا وَجه لما ذكرُوا، بل الْوَجْه أَن الْمَذْكُور فِي الْأَبْوَاب السَّبْعَة الْمَذْكُورَة قبل هَذَا الْبَاب كلهَا وَاقع فِي ضمن السّفر، وَالسّفر لَا يَخْلُو عَن مشقة من كل وَجه، فَنَاسَبَ أَن يُنَبه على شَيْء من حَال السّفر، فَذكر هَذَا الحَدِيث. (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) ، وَترْجم عَلَيْهِ، وَرُوِيَ: (السّفر قِطْعَة من النَّار) ، وَلَا أعلم صِحَّته.
٤٠٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ عنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ يَمْنَعُ أحَدَكُمْ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ونَوْمَهُ فإذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أهلِهِ.
стр. 2941
مطابقته للتَّرْجَمَة هِيَ أَنه جعل التَّرْجَمَة جُزْءا من الحَدِيث، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَسمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: القريشي المَخْزُومِي أَبُو عبد الله الْمدنِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن يُوسُف. وَفِي الْأَطْعِمَة عَن أبي نعيم. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن القعْنبِي، وَإِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس، وَأبي مُصعب الزُّهْرِيّ وَمَنْصُور بن أبي مُزَاحم، وقتيبة بن سعيد وَيحيى بن يحيى، كلهم عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَمُحَمّد بن الْمثنى، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن سعيد عَن مَالك بِهِ.
ذكر رجال هَذَا الحَدِيث قَالَ أَبُو عمر: هَذَا حَدِيث تفرد بِهِ مَالك عَن سمي، وَلَا يَصح لغيره، وَانْفَرَدَ بِهِ سمي أَيْضا فَلَا يحفظ عَن غَيره، وَهَكَذَا هُوَ فِي (الْمُوَطَّأ) عِنْد جمَاعَة الروَاة بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَرَوَاهُ ابْن مهْدي عَن بشر بن عمر عَن مَالك مُرْسلا، وَكَانَ وَكِيع يحدث بِهِ عَن مَالك حينا مُرْسلا، وحينا يسْندهُ كَمَا فِي (الْمُوَطَّأ) والمسند صَحِيح ثَابت احْتِيَاج النَّاس إِلَيْهِ عَن مَالك، وَلَيْسَ لَهُ غير هَذَا الْإِسْنَاد من وَجه يَصح، وروى عبيد الله بن المنتاب عَن سُلَيْمَان بن إِسْحَاق الطلحي عَن هَارُون الْفَروِي عَن عبد الْملك بن الْمَاجشون، قَالَ: قَالَ مَالك: مَا بَال أهل الْعرَاق يَسْأَلُونِي عَن حَدِيث: (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) ، قيل لَهُ: لم يروه غَيْرك، فَقَالَ: لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا حدثت بِهِ، وَرَوَاهُ عِصَام بن رواد بن الْجراح عَن أَبِيه عَن مَالك عَن ربيعَة عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَعَن مَالك عَن سمي عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَا: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) قَالَ أَبُو عَمْرو: حَدِيث رواد عَن مَالك عَن ربيعَة عَن الْقَاسِم غير مَحْفُوظ، لَا أعلم رَوَاهُ عَن مَالك غَيره، وَهُوَ (خطأ) وَلَيْسَ رواد مِمَّن يحْتَج وَلَا يعول عَلَيْهِ، وَقد رَوَاهُ خَالِد بن مخلد وَمُحَمّد بن جَعْفَر الْوَركَانِي عَن مَالك عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَا يَصح لمَالِك عَن سُهَيْل عِنْدِي إلَاّ أَنه لَا يبعد أَن يكون عَن سُهَيْل أَيْضا، وَلَيْسَ بِمَعْرُوف لمَالِك عَنهُ، وَقد روى عَن عَتيق بن يَعْقُوب عَن مَالك عَن أبي النَّضر مولى عمر بن عبيد الله عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَلَا يَصح أَيْضا عِنْدِي، وَإِنَّمَا هُوَ مَالك عَن سمي لَا عَن سُهَيْل وَلَا ربيعَة، وَلَا عَن أبي النَّضر. وَقد رَوَاهُ بعض الضُّعَفَاء عَن مَالك، فَقَالَ: وليتخذ لأَهله هَدِيَّة وَإِن لم يلق إلَاّ حجرا فليلقه فِي مخلاته. قَالَ: وَالْحِجَارَة يَوْمئِذٍ يضْرب بهَا القداح. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هَذِه زِيَادَة مُنكرَة لَا تصح، وَرَوَاهُ ابْن سمْعَان عَن زيد بن أسلم عَن جمْهَان عَن أبي هُرَيْرَة، يرفعهُ: (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) وَابْن سمْعَان كَانَ مَالك يرميه بِالْكَذِبِ، قَالَ: وَقد روينَاهُ عَن الدَّرَاورْدِي عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد صَالح، لَكِن لَا تقوى الْحجَّة بِهِ، وَفِيه: (وَإِذا عرستم فتجنبوا الطَّرِيق فَإِنَّهَا مأوى الْهَوَام وَالدَّوَاب) .
قَوْله: (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) أَي: جُزْء مِنْهُ، وَالْمرَاد بِالْعَذَابِ الْأَلَم الناشيء عَن الْمَشَقَّة. قَوْله: (يمْنَع أحدكُم) ، جملَة استئنافية، فَلذَلِك فصلها عَمَّا قبلهَا، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب عَمَّا يُقَال: لم كَانَ السّفر كَذَلِك؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ يمْنَع أحدكُم طَعَامه، أَي لَذَّة طَعَامه. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد أَنه يمنعهُ الطَّعَام فِي الْوَقْت الَّذِي يَسْتَوْفِيه مِنْهُ لغدائه وعشائه، وَالنَّوْم كَذَلِك يمنعهُ فِي وقته، وَاسْتِيفَاء الْقدر الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ. وَقد ورد التَّعْلِيل فِي رِوَايَة سعيد المَقْبُري بِلَفْظ: (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب لِأَن الرجل يشْتَغل فِيهِ عَن صلَاته وصيامه) الحَدِيث، وَالْمرَاد بِالْمَنْعِ فِي الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لَيْسَ منع حَقِيقَتهَا، وَإِنَّمَا المُرَاد منع كمالها على مَا لَا يخفى، وَيُؤَيّد مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: (لَا يهنأ أحدكُم نَومه وَلَا طَعَامه وَلَا شرابه) ، وَفِي حَدِيث ابْن عمر عِنْد ابْن عدي: (فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَوَاء (إلَاّ سرعَة السّير) . قَوْله: (فَإِذا قضى نهمته) ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء أَي: حَاجته، وَقَالَ ابْن التِّين: وضبطناه أَيْضا بِكَسْر النُّون. وَفِي (الموعب) : النهمة: بُلُوغ الهمة بالشَّيْء، وَهُوَ منهوم بِكَذَا، أَي مولع لَا ينشرح وَتقول: قضيت مِنْهُ نهمتي، أَي: حَاجَتي، وَعَن أبي زيد: المنهوم، الَّذِي يمتلىء بَطْنه، وَلَا تَنْتَهِي حَاجته وَعَن أبي الْعَبَّاس: نهم ونهم. بِمَعْنى. قَوْله: (فليعجل إِلَى أَهله) ، وَفِي رِوَايَة عَتيق ابْن يَعْقُوب، وَسَعِيد المَقْبُري: (فليعجل الرُّجُوع إِلَى أَهله) ، وَفِي رِوَايَة مُصعب (فليعجل الكرة إِلَى أَهله) ، وَفِي حَدِيث عَائِشَة: (فليعجل الرحلة إِلَى أَهله فَإِنَّهُ أعظم لأجره) .
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: كَرَاهَة التغرب عَن الْأَهْل بِغَيْر حَاجَة، واستحباب استعجال الرُّجُوع، وَلَا سِيمَا من يخْشَى عَلَيْهِم الضَّيْعَة بالغيبة وَلما فِي الْإِقَامَة فِي الْأَهْل من الرَّاحَة الْمعينَة على صَلَاح الدّين وَالدُّنْيَا، وَلما فِيهَا من تَحْصِيل الْجَمَاعَات وَالْجمعَات وَالْقُوَّة على الْعِبَادَات. وَالْعرب تشبه الرجل فِي أَهله بالأمير. وَقيل: فِي قَوْله تَعَالَى:
стр. 2942
﴿وجعلكم ملوكا﴾ (آل عمرَان: ٠٢) . قَالَ: من كَانَ لَهُ دَار وخادم فَهُوَ دَاخل فِي معنى الْآيَة. وَقد أخبر الله تَعَالَى بلطف مَحل الْأزْوَاج من أَزوَاجهنَّ بقوله: ﴿وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة﴾ (الرّوم: ١٢) . فَقيل: الْمَوَدَّة الْجِمَاع وَالرَّحْمَة الْوَلَد. فَإِن قلت: روى وَكِيع عَن مَالك عَن سمي عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَو يعلم النَّاس مَا لمسافر لأصبحوا على الظّهْر سفرا، إِن الله لينْظر إِلَى الْغَرِيب فِي كل يَوْم مرَّتَيْنِ) . وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مَرْفُوعا: (سافروا تغنموا) . وَفِي رِوَايَة: (تُرْزَقُوا) . ويروى: (سافروا تصحوا) . فَهَذَا معَارض لحَدِيث الْبَاب. قلت: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ أَبُو عمر: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا أصل لَهُ من حَدِيث مَالك وَلَا غَيره. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس وَابْن عمر فقد قَالَ ابْن بطال: لَا تعَارض بَينه وَبَين حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من الصِّحَّة بِالسَّفرِ لما فِيهِ من الرياضة أَن لَا يكون قِطْعَة من الْعَذَاب لما فِيهِ من الْمَشَقَّة فَصَارَ كالدواء المر المعقب للصِّحَّة، وَإِن كَانَ فِي تنَاوله الْكَرَاهَة.
واستنبط مِنْهُ الْخطابِيّ: تغريب الزَّانِي لِأَنَّهُ قد أَمر بتعذيبه، وَالسّفر من جملَة الْعَذَاب، وَفِيه مَا فِيهِ على مَا لَا يخفى.
٠٢ - (بابُ المُسَافِرِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ يُعَجِّلُ إلَى أهْلِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمُسَافِر إِذا جد بِهِ السّير أَي: إِذا اهتم بِهِ وأسرع فِيهِ، يُقَال: جد يجد من بَاب نصر ينصر، وجد يجد من بَاب ضرب يضْرب. قَوْله: (يعجل إِلَى أَهله) جَوَاب: إِذا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والنسفي: (ويعجل إِلَى أَهله) . بِالْوَاو، وَالْجَوَاب حِينَئِذٍ مَحْذُوف، تَقْدِيره: مَاذَا يصنع؟ ويعجل، بِضَم الْيَاء من: بَاب التَّعْجِيل، ويروى: (تعجل) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من بَاب التعجل.
٣٨١ - (حَدثنَا سعيد بن أبي مَرْيَم قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ أَخْبرنِي زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ كنت مَعَ عبد الله بن عمر ﵄ بطرِيق مَكَّة فَبَلغهُ عَن صَفِيَّة بنت أبي عبيد شدَّة وجع فأسرع السّير حَتَّى إِذا كَانَ بعد غرُوب الشَّفق نزل فصلى الْمغرب وَالْعَتَمَة جمع يبنهما ثمَّ قَالَ إِنِّي رَأَيْت النَّبِي ﷺ َ - إِذا جد بِهِ السّير أخر الْمغرب وَجمع بَينهمَا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب تَقْصِير الصَّلَاة فِي بَاب يُصَلِّي الْمغرب ثَلَاثًا فِي السّفر وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصى وَصفِيَّة بنت أبي عبيد الثقفية زَوْجَة عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَكَانَت من الصَّالِحَات العابدات توفيت فِي حَيَاة عبد الله بن عَمْرو وَأَبُو عبيد بن مَسْعُود بن عَمْرو بن عُمَيْر بن عَوْف بن عُبَيْدَة بن غيرَة بن عَوْف بن ثَقِيف الثَّقَفِيّ وَذكر أَبُو عمر أَبَا عبيد هَذَا من الصَّحَابَة وَقَالَ الذَّهَبِيّ أَبُو عبيد بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ وَالِد الْمُخْتَار الْكذَّاب وَصفِيَّة أسلم فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ - وَأمره عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على جَيش كثيف وَقَالَ لَا يبعد أَن يكون لَهُ رُؤْيَة وَكَانَ شَابًّا شجاعا خَبِيرا بِالْحَرْبِ والمكيدة مَاتَ فِي وقْعَة جسر الَّذِي يُسمى جسر أبي عبيد وَكَانَ اجْتمع جَيش كثير من الْفرس وَمَعَهُمْ أفيلة كَثِيرَة وَأمر أَبُو عبيد الْمُسلمين أَن يقتلُوا الفيلة أَولا فاحتوشوها فَقَتَلُوهَا عَن آخرهَا وَقد قدمت الْفرس بَين أَيْديهم فيلا أَبيض عَظِيما فَقدم إِلَيْهِ أَبُو عبيد فَضَربهُ بِالسَّيْفِ فَقطع زلومه فَحمل الْفِيل وَحمل عَلَيْهِ فتخبطه بِرجلِهِ فَقتله ووقف فَوْقه وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة وَابْنه الْمُخْتَار ولد عَام الْهِجْرَة وَلَيْسَت لَهُ صُحْبَة وَلَا رِوَايَة حَدِيث وَكَانَ مَعَ أَبِيه يَوْم الجسر وَكَانَ خارجيا ثمَّ صَار زيد يَأْثَم صَار شِيعِيًّا وَكَانَ ممخرقا ابتدع أَشْيَاء كَانَ يزْعم أَن جِبْرِيل ﵊ يَأْتِيهِ بِالْوَحْي وَكَانَ قد وَقع بَينه وَبَين مُصعب بن الزبير حروب فآخر الْأَمر قَتَلُوهُ وجاؤا بِرَأْسِهِ إِلَى مُصعب ﵁ وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة -
стр. 2943
٧٢ - (كتابُ المُحْصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ)
أَي: هَذِه أَبْوَاب فِي بَيَان أَحْكَام الْمحصر وَأَحْكَام جَزَاء الصَّيْد الَّذِي يتَعَرَّض إِلَيْهِ الْمحرم، وَثبتت الْبَسْمَلَة لجَمِيع الروَاة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أَبْوَاب، بِلَفْظ الْجمع وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب، بِالْإِفْرَادِ.
وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولَا تَحْلِقُوا رُؤوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (الْمحصر) ، أَي: وَفِي بَيَان المُرَاد من قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن أحصرتم ﴿ (الْبَقَرَة: ٦٩١) .
الْكَلَام هَهُنَا على أَنْوَاع:
الأول فِي معنى الْحصْر والإحصار. الْإِحْصَار: الْمَنْع وَالْحَبْس عَن الْوَجْه الَّذِي يَقْصِدهُ، يُقَال: أحصره الْمَرَض أَو السُّلْطَان إِذا مَنعه عَن مقْصده، فَهُوَ محصر،، والحصر الْحَبْس، يُقَال: حصره إِذا حَبسه فَهُوَ مَحْصُور، وَقَالَ القَاضِي إِسْمَاعِيل: الظَّاهِر أَن الْإِحْصَار بِالْمرضِ والحصر بالعدو، وَمِنْه: فَلَمَّا حصر رَسُول الله، ﷺ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن أحصرتم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَقَالَ الْكسَائي: يُقَال من الْعَدو: حصر فَهُوَ مَحْصُور، وَمن الْمَرَض: أحْصر فَهُوَ محصر، وَحكى عَن الْفراء أَنه أجَاز كل وَاحِد مِنْهُمَا مَكَان الآخر، وَأنكر الْمبرد والزجاج، وَقَالا: هما مُخْتَلِفَانِ فِي الْمَعْنى، وَلَا يُقَال فِي الْمَرَض: حصره، وَلَا فِي الْعَدو: أحصره، وَإِنَّمَا هَذَا كَقَوْلِهِم حَبسه إِذا جعله فِي الْحَبْس، وأحبسه أَي عرضه للحبس، وَقَتله أوقع بِهِ الْقَتْل، وأقتله أَي عرضه للْقَتْل، وَكَذَلِكَ حصره: حَبسه، وأحصره، عرضه للحصر.
النَّوْع الثَّانِي: فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة: ذكرُوا أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي سنة سِتّ، أَي: عَام الْحُدَيْبِيَة حِين حَال الْمُشْركُونَ بَين رَسُول الله ﷺ وَبَين الْوُصُول إِلَى الْبَيْت، وَأنزل الله فِي ذَلِك سُورَة الْفَتْح بكمالها، وَأنزل لَهُم رخصَة أَن يذبحوا مَا مَعَهم من الْهَدْي، وَكَانَ سبعين بَدَنَة، وَأَن يتحللوا من إحرامهم، فَعِنْدَ ذَلِك أَمرهم، ﵇، أَن يذبحوا مَا مَعَهم من الْهَدْي وَأَن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا، فَلم يَفْعَلُوا انتظارا للنسخ، حَتَّى خرج فحلق رَأسه، فَفعل النَّاس، وَكَانَ مِنْهُم من قصّ رَأسه وَلم يحلقه، فَلذَلِك قَالَ ﷺ : (رحم الله المحلقين! قَالُوا: والمقصرين يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ فِي الثَّالِثَة: والمقصرين) ، وَقد كَانُوا اشْتَركُوا فِي هديهم ذَلِك كل سَبْعَة فِي بَدَنَة، وَكَانُوا ألفا وَأَرْبَعمِائَة، وَكَانَ منزلهم بِالْحُدَيْبِية خَارج الْحرم، وَقيل: بل كَانُوا على طرف الْحلم.
النَّوْع الثَّالِث فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: قَوْله: ﴿فَإِن أحصرتم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: منعتم عَن تَمام الْحَج وَالْعمْرَة فحللتم: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: فَعَلَيْكُم مَا اسْتَيْسَرَ ﴿من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: مَا تيَسّر مِنْهُ، يُقَال: يسر الْأَمر واستيسر، كَمَا يُقَال: صَعب واستصعب. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْهَدْي جمع هَدِيَّة، كَمَا يُقَال فِي جدية السرج جدي، وقرىء: من الْهَدْي، بِالتَّشْدِيدِ جمع هَدِيَّة، كمطية ومطي، وَحَاصِل الْمَعْنى: فَإِن منعتم من الْمُضِيّ إِلَى الْبَيْت وَأَنْتُم محرمون بِحَجّ أَو عمْرَة فَعَلَيْكُم إِذا أردتم التَّحَلُّل مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي من بعير أَو بقرة أَو شَاة. قَوْله: ﴿وَلَا تحلقوا رؤوسكم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . عطف على قَوْله: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَلَيْسَ مَعْطُوفًا على قَوْله: ﴿فَإِن أحصرتم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . كَمَا زَعمه ابْن جرير، لِأَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه عَام الْحُدَيْبِيَة لما حصرهم كفار قُرَيْش عَن الدُّخُول إِلَى الْحرم حَلقُوا وذبحوا هديهم خَارج الْحرم، وَأما فِي حَال الْأَمْن والوصول إِلَى الْحرم فَلَا يجوز الْحلق حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله، ويفرغ الناسك من أَفعَال الْحَج وَالْعمْرَة إِن كَانَ قَارنا أَو من فعل أَحدهمَا إِن كَانَ مُفردا أَو مُتَمَتِّعا.
النَّوْع الرَّابِع: اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي الْحصْر، بِأَيّ شَيْء يكون، وَبِأَيِّ معنى يكون، فَقَالَ قوم وهم عَطاء بن أبي رَبَاح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ: يكون الْحصْر بِكُل حَابِس من مرض أَو غَيره من عَدو وَكسر وَذَهَاب نَفَقَة وَنَحْوهَا مِمَّا يمنعهُ عَن الْمُضِيّ إِلَى الْبَيْت، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر. وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت. وَقَالَ آخَرُونَ، وهم اللَّيْث بن سعد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: لَا يكون الْإِحْصَار إِلَّا بالعدو فَقَط، وَلَا يكون بِالْمرضِ، وَهُوَ قَول عبد الله بن عمر. وَقَالَ الْجَصَّاص فِي (كتاب الْأَحْكَام) وَقد اخْتلف السّلف فِي حكم الْمحصر على ثَلَاثَة أنحاء، رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس: الْعَدو وَالْمَرَض سَوَاء، يبْعَث دَمًا، وَيحل بِهِ إِذا أنحر فِي الْحرم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه. وَالثَّانِي: قَول ابْن عمر إِن الْمَرِيض لَا يحل وَلَا يكون محصورا إِلَّا بالعدو، وَهُوَ قَول
стр. 2944
مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَالثَّالِث: قَول ابْن الزبير وَعُرْوَة بن الزبير: إِن الْمَرَض والعدو سَوَاء لَا يحل إِلَّا بِالطّوافِ، وَلَا نعلم لَهما مُوَافقا من فُقَهَاء الْأَمْصَار. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) : مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ أَن الْمحصر بِالْمرضِ لَا يحل دون الْبَيْت، وَسَوَاء عِنْد مَالك شَرط عِنْد إِحْرَامه التَّحَلُّل للمرض أَو لم يشْتَرط. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَهُ شَرطه. وَقَالَ أَبُو عمر: الْإِحْصَار عِنْد أهل الْعلم على وُجُوه: مِنْهَا: الْمحصر بالعدو. وَمِنْهَا: بالسلطان الجائر. وَمِنْهَا: الْمَرَض وَشبهه. فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابهما: من أحصره الْمَرَض فَلَا يحله إِلَّا الطّواف بِالْبَيْتِ، وَمن حصر بعدو فَإِنَّهُ ينْحَر هَدْيه حَيْثُ حصر ويتحلل وينصرف وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ إلَاّ أَن تكون ضَرُورَة فيحج الْفَرِيضَة، وَلَا خلاف بَين الشَّافِعِي وَمَالك وأصحابهما فِي ذَلِك. وَقَالَ ابْن وهب وَغَيره: كل من حبس عَن الْحَج بَعْدَمَا يحرم بِمَرَض أَو حِصَار من الْعَدو أَو خَافَ عَلَيْهِ الْهَلَاك فَهُوَ محصر، فَعَلَيهِ مَا على الْمحصر، وَلَا يحل دون الْبَيْت، وَكَذَلِكَ من أَصَابَهُ كسر وبطن متحرق. وَقَالَ مَالك: أهل مَكَّة فِي ذَلِك كَأَهل الْآفَاق، لِأَن الْإِحْصَار عِنْده فِي الْمَكِّيّ الْحَبْس عَن عَرَفَة خَاصَّة، قَالَ: فَإِن احْتَاجَ الْمَرِيض إِلَى دَوَاء تداوى بِهِ وافتدى، وَهُوَ على إِحْرَامه لَا يحل من شَيْء مِنْهُ حَتَّى يبرأ من مَرضه، فَإِذا برىء من مَرضه مضى إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ سبعا وسعى بَين الصَّفَا والمروة وَحل من حجه أَو عمرته. وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا كُله قَول الشَّافِعِي أَيْضا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، ﵀: إِذا نحر الْمحصر هَدْيه هَل يحلق رَأسه أم لَا؟ فَقَالَ قوم: لَيْسَ عَلَيْهِ أَن يحلق لِأَنَّهُ قد ذهب عَنهُ النّسك كُله، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد. وَقَالَ آخَرُونَ: بل يحلق فَإِن لم يحلق فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَهَذَا قَول أبي يُوسُف. وَقَالَ آخَرُونَ: يحلق وَيجب عَلَيْهِ مَا يجب على الْحَاج والمعتمر، وَهُوَ قَول مَالك.
النَّوْع الْخَامِس فِي الاحتجاجات فِي هَذَا الْبَاب: احْتج الشَّافِعِي وَمن تَابعه فِي هَذَا الْبَاب بِمَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس وَابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس وَابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس: لَا حصر إلَاّ حصر الْعَدو، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي (مُسْنده) عَن ابْن عَبَّاس: لَا حصر إلَاّ حصر الْعَدو. فَأَما من أَصَابَهُ مرض أَو وجع أَو ضلال فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء. قَالَ: وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وطاووس وَالزهْرِيّ وَزيد بن أسلم نَحْو ذَلِك، وَاحْتج أَبُو حنيفَة وَمن تَابعه فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا يحيى بن سعيد حَدثنَا حجاج الصَّواف عَن يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة عَن الْحجَّاج بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من كسر أَو عرج فقد حل وَعَلِيهِ حجَّة أُخْرَى، قَالَ: فَذكرت ذَلِك لِابْنِ عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة، فَقَالَا: صدق) . فقد أخرجه الْأَرْبَعَة من حَدِيث يحيى بن أبي كثير بِهِ. وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَابْن مَاجَه: (من عرج أَو كسر أَو مرض) ، فَذكر مَعْنَاهُ، وَرَوَاهُ عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) ، ثمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن الزبير وعلقمة وَسَعِيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير وَمُجاهد وَالنَّخَعِيّ وَعَطَاء وَمُقَاتِل بن حبَان أَنهم قَالُوا: بالإحصار من عَدو أَو مرض أَو كسر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْإِحْصَار من كل شَيْء آذاه قلت: وَفِي الْمَسْأَلَة قَول ثَالِث حَكَاهُ ابْن جرير وَغَيره، وَهُوَ أَنه: لَا حصر بعد النَّبِي ﷺ .
النَّوْع السَّادِس: فِي حكم الْهَدْي: فَقَالَ ابْن عَبَّاس: من الْأزْوَاج الثَّمَانِية من الْإِبِل وَالْبَقر والمعز والضأن. وَقَالَ الثَّوْريّ عَن حبيب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَالَ شَاة، وَكَذَا قَالَ عَطاء وَمُجاهد وطاووس وَأَبُو الْعَالِيَة وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل بن حبَان مثل ذَلِك، وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو سعيد الْأَشَج حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن يحيى بن سعيد عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة وَابْن عمر أَنَّهُمَا كَانَا لَا يريان مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي إلَاّ من الْإِبِل وَالْبَقر وَقد رُوِيَ عَن سَالم وَالقَاسِم وَعُرْوَة بن الزبير وَسَعِيد بن جُبَير نَحْو ذَلِك، وَقيل: الظَّاهِر أَن مُسْتَند هَؤُلَاءِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ قصَّة الْحُدَيْبِيَة، فَإِنَّهُ لم ينْقل عَن أحد مِنْهُم إِنَّه ذبح فِي تحلله ذَاك شَاة، وَإِنَّمَا ذَبَحُوا الْإِبِل وَالْبَقر. فَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) : (عَن جَابر، قَالَ: أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نشترك فِي الْإِبِل وَالْبَقر، كل سَبْعَة منَّا فِي بقرة) . وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَالَ: بِقدر يسارته. وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: إِن كَانَ مُوسِرًا فَمن الْإِبِل، وإلَاّ فَمن الْبَقر، وإلَاّ فَمن الْغنم.
стр. 2945
وَقَالَ عطَاءٌ الإحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ بِحَسَبِهِ
هَذَا التَّعْلِيق عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، وَصله ابْن أبي شيبَة حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن ابْن جريج عَن عَطاء، قَالَ: لَا إحصار إلَاّ من مرض أَو عَدو أَو أَمر حَابِس.
قالَ أبُو عَبْدِ الله حَصُورا لَا يَأتِي النِّسَاءَ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. وَكَانَ دأبه أَنه إِذا ذكر: لفظا جَاءَ فِي الْقُرْآن من مَادَّة ذكر مَا هُوَ بصدده، وَكَانَ الْمَذْكُور هُوَ لفظ الْمحصر فِي التَّرْجَمَة، وَفِي الْآيَة لفظ: أحصرتم، وَذكر: حصورا، الَّذِي جَاءَ فِي الْقُرْآن أَيْضا. وَهُوَ فِي قَوْله : ﴿إِن الله يبشرك بِيَحْيَى مُصدقا بِكَلِمَة من الله وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا من الصَّالِحين﴾ (آل عمرَان: ٩٣) . ثمَّ إِنَّه فسر الحصور بقوله: ﴿لَا يَأْتِي النِّسَاء﴾ (آل عمرَان: ٨٣) . وروى هَذَا التَّفْسِير ابْن مَسْعُود. وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد وَأبي الشعْثَاء وعطية الْعَوْفِيّ، وَعَن أبي الْعَالِيَة وَالربيع بن أنس: هُوَ الَّذِي لَا يُولد لَهُ. وَقَالَ الضَّحَّاك: هُوَ الَّذِي لَا يُولد لَهُ وَلَا مَال لَهُ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا يحيى بن الْمُغيرَة أخبرنَا جرير عَن قَابُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس فِي الحصور الَّذِي لَا ينزل المَاء، وَقد روى ابْن أبي حَاتِم فِي هَذَا حَدِيثا غَرِيبا. فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو جَعْفَر بن غَالب الْبَغْدَادِيّ حَدثنِي سعيد بن سُلَيْمَان حَدثنَا عباد يَعْنِي ابْن الْعَوام عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن ابْن الْعَاصِ لَا يدْرِي عبد الله أَو عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (آل عمرَان: ٩٣) . قَالَ: ثمَّ تنَاول شَيْئا من الأَرْض، فَقَالَ: كَانَ ذكره مثل هَذَا، وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر فِي (تَفْسِيره) : حَدثنَا أَحْمد بن دَاوُد السجسْتانِي حَدثنَا سُوَيْد بن سعيد حَدثنَا عَليّ بن مسْهر عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب، قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَا من عبد يلقى الله أَلا ذَا ذَنْب إِلَّا يحيى بن زَكَرِيَّا فَإِن الله يَقُول: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (آل عمرَان: ٩٣) .) قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ ذكره مثل هدبة الثَّوْب، وَأَشَارَ بأنمله وَذبح ذبحا) . وروى ابْن أبي حَاتِم أَيْضا بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (كل ابْن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عَلَيْهِ إِن شَاءَ أَو يرحمه إلَاّ يحيى بن زَكَرِيَّا، ﵉، فَإِنَّهُ كَانَ ﴿سيدا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا من الصَّالِحين﴾ (آل عمرَان: ٩٣) . ثمَّ أَهْوى النَّبِي ﷺ إِلَى قذاة من الأَرْض فَأَخذهَا، وَقَالَ: كَانَ ذكره مثل هَذِه القذاة) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إعلم أَن ثَنَاء الله تَعَالَى على يحيى بِأَنَّهُ حصور لَيْسَ كَمَا قَالَه بَعضهم: إِنَّه كَانَ هيوبا أَو لَا ذكر لَهُ، بل أنكر حذاق الْمُفَسّرين ونقاد الْعلمَاء، وَقَالُوا: هَذَا نقيصة وعيب، وَلَا يَلِيق بالأنبياء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه مَعْصُوم من الذُّنُوب، أَي: لَا يَأْتِيهَا كَأَنَّهُ حصر عَنْهَا. وَقيل: مَانِعا نَفسه عَن الشَّهَوَات، وَقيل: لَيست لَهُ شَهْوَة فِي النِّسَاء، وَالْمَقْصُود أَنه مدح يحيى بِأَنَّهُ حصور لَيْسَ أَنه لَا يَأْتِي النِّسَاء كَمَا قَالَه بَعضهم، بل مَعْنَاهُ: أَنه مَعْصُوم عَن الْفَوَاحِش والقاذورات، وَلَا يمْنَع ذَلِك من تَزْوِيجه بِالنسَاء الْحَلَال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النَّسْل من دُعَاء زَكَرِيَّا، ﵊، حَيْثُ قَالَ: ﴿هَب لي من لَدُنْك ذُرِّيَّة طيبَة﴾ (آل عمرَان: ٨٣) . كَأَنَّهُ سَأَلَ ولدا لَهُ ذُرِّيَّة ونسل وعقب، وَالله تَعَالَى أعلم.
١ - (بابٌ إذَا أُحْصِرَ الْمُعْتَمِرُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أحْصر الْمُعْتَمِر، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الرَّد على من قَالَ: إِن التَّحَلُّل بالإحصار يخْتَص بالحاج بِخِلَاف الْمُعْتَمِر فَإِنَّهُ لَا يتَحَلَّل بذلك، بل يسْتَمر على إِحْرَامه حَتَّى يطوف بِالْبَيْتِ، لِأَن السّنة كلهَا وَقت للْعُمْرَة فَلَا يخْشَى فَوَاتهَا بِخِلَاف الْحَج. رُوِيَ ذَلِك عَن مَالك، وَهُوَ محكي عَن مُحَمَّد بن سِيرِين وَبَعض الظَّاهِرِيَّة، وَاحْتج لَهُم إِسْمَاعِيل القَاضِي بِمَا أخرجه بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي قلَابَة، قَالَ: خرجت مُعْتَمِرًا فَوَقَعت عَن رَاحِلَتي فَانْكَسَرت، فَأرْسلت إِلَى ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، فَقَالَا: لَيْسَ لَهَا وَقت كَالْحَجِّ، يكون على إِحْرَامه حَتَّى يصل إِلَى الْبَيْت، وَقَضِيَّة الْحُدَيْبِيَة حجَّة تقضي عَلَيْهِم، وَالله أعلم.
٣٨٢ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف أخبرنَا مَالك عَن نَافِع أَن عبد الله بن عمر ﵄ حِين خرج إِلَى مَكَّة مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَة قَالَ إِن صددت عَن الْبَيْت صنعت كَمَا صنعنَا مَعَ
следующие страницы →