Полный текст (7 603 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
مطابقته للتَّرْجَمَة هِيَ أَنه جعل التَّرْجَمَة جُزْءا من الحَدِيث، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَسمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: القريشي المَخْزُومِي أَبُو عبد الله الْمدنِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن يُوسُف. وَفِي الْأَطْعِمَة عَن أبي نعيم. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن القعْنبِي، وَإِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس، وَأبي مُصعب الزُّهْرِيّ وَمَنْصُور بن أبي مُزَاحم، وقتيبة بن سعيد وَيحيى بن يحيى، كلهم عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَمُحَمّد بن الْمثنى، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن سعيد عَن مَالك بِهِ.
ذكر رجال هَذَا الحَدِيث قَالَ أَبُو عمر: هَذَا حَدِيث تفرد بِهِ مَالك عَن سمي، وَلَا يَصح لغيره، وَانْفَرَدَ بِهِ سمي أَيْضا فَلَا يحفظ عَن غَيره، وَهَكَذَا هُوَ فِي (الْمُوَطَّأ) عِنْد جمَاعَة الروَاة بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَرَوَاهُ ابْن مهْدي عَن بشر بن عمر عَن مَالك مُرْسلا، وَكَانَ وَكِيع يحدث بِهِ عَن مَالك حينا مُرْسلا، وحينا يسْندهُ كَمَا فِي (الْمُوَطَّأ) والمسند صَحِيح ثَابت احْتِيَاج النَّاس إِلَيْهِ عَن مَالك، وَلَيْسَ لَهُ غير هَذَا الْإِسْنَاد من وَجه يَصح، وروى عبيد الله بن المنتاب عَن سُلَيْمَان بن إِسْحَاق الطلحي عَن هَارُون الْفَروِي عَن عبد الْملك بن الْمَاجشون، قَالَ: قَالَ مَالك: مَا بَال أهل الْعرَاق يَسْأَلُونِي عَن حَدِيث: (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) ، قيل لَهُ: لم يروه غَيْرك، فَقَالَ: لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا حدثت بِهِ، وَرَوَاهُ عِصَام بن رواد بن الْجراح عَن أَبِيه عَن مَالك عَن ربيعَة عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَعَن مَالك عَن سمي عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَا: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) قَالَ أَبُو عَمْرو: حَدِيث رواد عَن مَالك عَن ربيعَة عَن الْقَاسِم غير مَحْفُوظ، لَا أعلم رَوَاهُ عَن مَالك غَيره، وَهُوَ (خطأ) وَلَيْسَ رواد مِمَّن يحْتَج وَلَا يعول عَلَيْهِ، وَقد رَوَاهُ خَالِد بن مخلد وَمُحَمّد بن جَعْفَر الْوَركَانِي عَن مَالك عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَا يَصح لمَالِك عَن سُهَيْل عِنْدِي إلَاّ أَنه لَا يبعد أَن يكون عَن سُهَيْل أَيْضا، وَلَيْسَ بِمَعْرُوف لمَالِك عَنهُ، وَقد روى عَن عَتيق بن يَعْقُوب عَن مَالك عَن أبي النَّضر مولى عمر بن عبيد الله عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَلَا يَصح أَيْضا عِنْدِي، وَإِنَّمَا هُوَ مَالك عَن سمي لَا عَن سُهَيْل وَلَا ربيعَة، وَلَا عَن أبي النَّضر. وَقد رَوَاهُ بعض الضُّعَفَاء عَن مَالك، فَقَالَ: وليتخذ لأَهله هَدِيَّة وَإِن لم يلق إلَاّ حجرا فليلقه فِي مخلاته. قَالَ: وَالْحِجَارَة يَوْمئِذٍ يضْرب بهَا القداح. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هَذِه زِيَادَة مُنكرَة لَا تصح، وَرَوَاهُ ابْن سمْعَان عَن زيد بن أسلم عَن جمْهَان عَن أبي هُرَيْرَة، يرفعهُ: (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) وَابْن سمْعَان كَانَ مَالك يرميه بِالْكَذِبِ، قَالَ: وَقد روينَاهُ عَن الدَّرَاورْدِي عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد صَالح، لَكِن لَا تقوى الْحجَّة بِهِ، وَفِيه: (وَإِذا عرستم فتجنبوا الطَّرِيق فَإِنَّهَا مأوى الْهَوَام وَالدَّوَاب) .
قَوْله: (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) أَي: جُزْء مِنْهُ، وَالْمرَاد بِالْعَذَابِ الْأَلَم الناشيء عَن الْمَشَقَّة. قَوْله: (يمْنَع أحدكُم) ، جملَة استئنافية، فَلذَلِك فصلها عَمَّا قبلهَا، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب عَمَّا يُقَال: لم كَانَ السّفر كَذَلِك؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ يمْنَع أحدكُم طَعَامه، أَي لَذَّة طَعَامه. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد أَنه يمنعهُ الطَّعَام فِي الْوَقْت الَّذِي يَسْتَوْفِيه مِنْهُ لغدائه وعشائه، وَالنَّوْم كَذَلِك يمنعهُ فِي وقته، وَاسْتِيفَاء الْقدر الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ. وَقد ورد التَّعْلِيل فِي رِوَايَة سعيد المَقْبُري بِلَفْظ: (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب لِأَن الرجل يشْتَغل فِيهِ عَن صلَاته وصيامه) الحَدِيث، وَالْمرَاد بِالْمَنْعِ فِي الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لَيْسَ منع حَقِيقَتهَا، وَإِنَّمَا المُرَاد منع كمالها على مَا لَا يخفى، وَيُؤَيّد مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: (لَا يهنأ أحدكُم نَومه وَلَا طَعَامه وَلَا شرابه) ، وَفِي حَدِيث ابْن عمر عِنْد ابْن عدي: (فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَوَاء (إلَاّ سرعَة السّير) . قَوْله: (فَإِذا قضى نهمته) ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء أَي: حَاجته، وَقَالَ ابْن التِّين: وضبطناه أَيْضا بِكَسْر النُّون. وَفِي (الموعب) : النهمة: بُلُوغ الهمة بالشَّيْء، وَهُوَ منهوم بِكَذَا، أَي مولع لَا ينشرح وَتقول: قضيت مِنْهُ نهمتي، أَي: حَاجَتي، وَعَن أبي زيد: المنهوم، الَّذِي يمتلىء بَطْنه، وَلَا تَنْتَهِي حَاجته وَعَن أبي الْعَبَّاس: نهم ونهم. بِمَعْنى. قَوْله: (فليعجل إِلَى أَهله) ، وَفِي رِوَايَة عَتيق ابْن يَعْقُوب، وَسَعِيد المَقْبُري: (فليعجل الرُّجُوع إِلَى أَهله) ، وَفِي رِوَايَة مُصعب (فليعجل الكرة إِلَى أَهله) ، وَفِي حَدِيث عَائِشَة: (فليعجل الرحلة إِلَى أَهله فَإِنَّهُ أعظم لأجره) .
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: كَرَاهَة التغرب عَن الْأَهْل بِغَيْر حَاجَة، واستحباب استعجال الرُّجُوع، وَلَا سِيمَا من يخْشَى عَلَيْهِم الضَّيْعَة بالغيبة وَلما فِي الْإِقَامَة فِي الْأَهْل من الرَّاحَة الْمعينَة على صَلَاح الدّين وَالدُّنْيَا، وَلما فِيهَا من تَحْصِيل الْجَمَاعَات وَالْجمعَات وَالْقُوَّة على الْعِبَادَات. وَالْعرب تشبه الرجل فِي أَهله بالأمير. وَقيل: فِي قَوْله تَعَالَى:
стр. 2942
﴿وجعلكم ملوكا﴾ (آل عمرَان: ٠٢) . قَالَ: من كَانَ لَهُ دَار وخادم فَهُوَ دَاخل فِي معنى الْآيَة. وَقد أخبر الله تَعَالَى بلطف مَحل الْأزْوَاج من أَزوَاجهنَّ بقوله: ﴿وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة﴾ (الرّوم: ١٢) . فَقيل: الْمَوَدَّة الْجِمَاع وَالرَّحْمَة الْوَلَد. فَإِن قلت: روى وَكِيع عَن مَالك عَن سمي عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَو يعلم النَّاس مَا لمسافر لأصبحوا على الظّهْر سفرا، إِن الله لينْظر إِلَى الْغَرِيب فِي كل يَوْم مرَّتَيْنِ) . وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مَرْفُوعا: (سافروا تغنموا) . وَفِي رِوَايَة: (تُرْزَقُوا) . ويروى: (سافروا تصحوا) . فَهَذَا معَارض لحَدِيث الْبَاب. قلت: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ أَبُو عمر: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا أصل لَهُ من حَدِيث مَالك وَلَا غَيره. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس وَابْن عمر فقد قَالَ ابْن بطال: لَا تعَارض بَينه وَبَين حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من الصِّحَّة بِالسَّفرِ لما فِيهِ من الرياضة أَن لَا يكون قِطْعَة من الْعَذَاب لما فِيهِ من الْمَشَقَّة فَصَارَ كالدواء المر المعقب للصِّحَّة، وَإِن كَانَ فِي تنَاوله الْكَرَاهَة.
واستنبط مِنْهُ الْخطابِيّ: تغريب الزَّانِي لِأَنَّهُ قد أَمر بتعذيبه، وَالسّفر من جملَة الْعَذَاب، وَفِيه مَا فِيهِ على مَا لَا يخفى.
٠٢ - (بابُ المُسَافِرِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ يُعَجِّلُ إلَى أهْلِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمُسَافِر إِذا جد بِهِ السّير أَي: إِذا اهتم بِهِ وأسرع فِيهِ، يُقَال: جد يجد من بَاب نصر ينصر، وجد يجد من بَاب ضرب يضْرب. قَوْله: (يعجل إِلَى أَهله) جَوَاب: إِذا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والنسفي: (ويعجل إِلَى أَهله) . بِالْوَاو، وَالْجَوَاب حِينَئِذٍ مَحْذُوف، تَقْدِيره: مَاذَا يصنع؟ ويعجل، بِضَم الْيَاء من: بَاب التَّعْجِيل، ويروى: (تعجل) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من بَاب التعجل.
٣٨١ - (حَدثنَا سعيد بن أبي مَرْيَم قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ أَخْبرنِي زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ كنت مَعَ عبد الله بن عمر ﵄ بطرِيق مَكَّة فَبَلغهُ عَن صَفِيَّة بنت أبي عبيد شدَّة وجع فأسرع السّير حَتَّى إِذا كَانَ بعد غرُوب الشَّفق نزل فصلى الْمغرب وَالْعَتَمَة جمع يبنهما ثمَّ قَالَ إِنِّي رَأَيْت النَّبِي ﷺ َ - إِذا جد بِهِ السّير أخر الْمغرب وَجمع بَينهمَا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب تَقْصِير الصَّلَاة فِي بَاب يُصَلِّي الْمغرب ثَلَاثًا فِي السّفر وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصى وَصفِيَّة بنت أبي عبيد الثقفية زَوْجَة عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَكَانَت من الصَّالِحَات العابدات توفيت فِي حَيَاة عبد الله بن عَمْرو وَأَبُو عبيد بن مَسْعُود بن عَمْرو بن عُمَيْر بن عَوْف بن عُبَيْدَة بن غيرَة بن عَوْف بن ثَقِيف الثَّقَفِيّ وَذكر أَبُو عمر أَبَا عبيد هَذَا من الصَّحَابَة وَقَالَ الذَّهَبِيّ أَبُو عبيد بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ وَالِد الْمُخْتَار الْكذَّاب وَصفِيَّة أسلم فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ - وَأمره عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على جَيش كثيف وَقَالَ لَا يبعد أَن يكون لَهُ رُؤْيَة وَكَانَ شَابًّا شجاعا خَبِيرا بِالْحَرْبِ والمكيدة مَاتَ فِي وقْعَة جسر الَّذِي يُسمى جسر أبي عبيد وَكَانَ اجْتمع جَيش كثير من الْفرس وَمَعَهُمْ أفيلة كَثِيرَة وَأمر أَبُو عبيد الْمُسلمين أَن يقتلُوا الفيلة أَولا فاحتوشوها فَقَتَلُوهَا عَن آخرهَا وَقد قدمت الْفرس بَين أَيْديهم فيلا أَبيض عَظِيما فَقدم إِلَيْهِ أَبُو عبيد فَضَربهُ بِالسَّيْفِ فَقطع زلومه فَحمل الْفِيل وَحمل عَلَيْهِ فتخبطه بِرجلِهِ فَقتله ووقف فَوْقه وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة وَابْنه الْمُخْتَار ولد عَام الْهِجْرَة وَلَيْسَت لَهُ صُحْبَة وَلَا رِوَايَة حَدِيث وَكَانَ مَعَ أَبِيه يَوْم الجسر وَكَانَ خارجيا ثمَّ صَار زيد يَأْثَم صَار شِيعِيًّا وَكَانَ ممخرقا ابتدع أَشْيَاء كَانَ يزْعم أَن جِبْرِيل ﵊ يَأْتِيهِ بِالْوَحْي وَكَانَ قد وَقع بَينه وَبَين مُصعب بن الزبير حروب فآخر الْأَمر قَتَلُوهُ وجاؤا بِرَأْسِهِ إِلَى مُصعب ﵁ وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة -
стр. 2943
٧٢ - (كتابُ المُحْصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ)
أَي: هَذِه أَبْوَاب فِي بَيَان أَحْكَام الْمحصر وَأَحْكَام جَزَاء الصَّيْد الَّذِي يتَعَرَّض إِلَيْهِ الْمحرم، وَثبتت الْبَسْمَلَة لجَمِيع الروَاة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أَبْوَاب، بِلَفْظ الْجمع وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب، بِالْإِفْرَادِ.
وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولَا تَحْلِقُوا رُؤوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (الْمحصر) ، أَي: وَفِي بَيَان المُرَاد من قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن أحصرتم ﴿ (الْبَقَرَة: ٦٩١) .
الْكَلَام هَهُنَا على أَنْوَاع:
الأول فِي معنى الْحصْر والإحصار. الْإِحْصَار: الْمَنْع وَالْحَبْس عَن الْوَجْه الَّذِي يَقْصِدهُ، يُقَال: أحصره الْمَرَض أَو السُّلْطَان إِذا مَنعه عَن مقْصده، فَهُوَ محصر،، والحصر الْحَبْس، يُقَال: حصره إِذا حَبسه فَهُوَ مَحْصُور، وَقَالَ القَاضِي إِسْمَاعِيل: الظَّاهِر أَن الْإِحْصَار بِالْمرضِ والحصر بالعدو، وَمِنْه: فَلَمَّا حصر رَسُول الله، ﷺ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن أحصرتم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَقَالَ الْكسَائي: يُقَال من الْعَدو: حصر فَهُوَ مَحْصُور، وَمن الْمَرَض: أحْصر فَهُوَ محصر، وَحكى عَن الْفراء أَنه أجَاز كل وَاحِد مِنْهُمَا مَكَان الآخر، وَأنكر الْمبرد والزجاج، وَقَالا: هما مُخْتَلِفَانِ فِي الْمَعْنى، وَلَا يُقَال فِي الْمَرَض: حصره، وَلَا فِي الْعَدو: أحصره، وَإِنَّمَا هَذَا كَقَوْلِهِم حَبسه إِذا جعله فِي الْحَبْس، وأحبسه أَي عرضه للحبس، وَقَتله أوقع بِهِ الْقَتْل، وأقتله أَي عرضه للْقَتْل، وَكَذَلِكَ حصره: حَبسه، وأحصره، عرضه للحصر.
النَّوْع الثَّانِي: فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة: ذكرُوا أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي سنة سِتّ، أَي: عَام الْحُدَيْبِيَة حِين حَال الْمُشْركُونَ بَين رَسُول الله ﷺ وَبَين الْوُصُول إِلَى الْبَيْت، وَأنزل الله فِي ذَلِك سُورَة الْفَتْح بكمالها، وَأنزل لَهُم رخصَة أَن يذبحوا مَا مَعَهم من الْهَدْي، وَكَانَ سبعين بَدَنَة، وَأَن يتحللوا من إحرامهم، فَعِنْدَ ذَلِك أَمرهم، ﵇، أَن يذبحوا مَا مَعَهم من الْهَدْي وَأَن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا، فَلم يَفْعَلُوا انتظارا للنسخ، حَتَّى خرج فحلق رَأسه، فَفعل النَّاس، وَكَانَ مِنْهُم من قصّ رَأسه وَلم يحلقه، فَلذَلِك قَالَ ﷺ : (رحم الله المحلقين! قَالُوا: والمقصرين يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ فِي الثَّالِثَة: والمقصرين) ، وَقد كَانُوا اشْتَركُوا فِي هديهم ذَلِك كل سَبْعَة فِي بَدَنَة، وَكَانُوا ألفا وَأَرْبَعمِائَة، وَكَانَ منزلهم بِالْحُدَيْبِية خَارج الْحرم، وَقيل: بل كَانُوا على طرف الْحلم.
النَّوْع الثَّالِث فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: قَوْله: ﴿فَإِن أحصرتم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: منعتم عَن تَمام الْحَج وَالْعمْرَة فحللتم: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: فَعَلَيْكُم مَا اسْتَيْسَرَ ﴿من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: مَا تيَسّر مِنْهُ، يُقَال: يسر الْأَمر واستيسر، كَمَا يُقَال: صَعب واستصعب. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْهَدْي جمع هَدِيَّة، كَمَا يُقَال فِي جدية السرج جدي، وقرىء: من الْهَدْي، بِالتَّشْدِيدِ جمع هَدِيَّة، كمطية ومطي، وَحَاصِل الْمَعْنى: فَإِن منعتم من الْمُضِيّ إِلَى الْبَيْت وَأَنْتُم محرمون بِحَجّ أَو عمْرَة فَعَلَيْكُم إِذا أردتم التَّحَلُّل مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي من بعير أَو بقرة أَو شَاة. قَوْله: ﴿وَلَا تحلقوا رؤوسكم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . عطف على قَوْله: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَلَيْسَ مَعْطُوفًا على قَوْله: ﴿فَإِن أحصرتم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . كَمَا زَعمه ابْن جرير، لِأَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه عَام الْحُدَيْبِيَة لما حصرهم كفار قُرَيْش عَن الدُّخُول إِلَى الْحرم حَلقُوا وذبحوا هديهم خَارج الْحرم، وَأما فِي حَال الْأَمْن والوصول إِلَى الْحرم فَلَا يجوز الْحلق حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله، ويفرغ الناسك من أَفعَال الْحَج وَالْعمْرَة إِن كَانَ قَارنا أَو من فعل أَحدهمَا إِن كَانَ مُفردا أَو مُتَمَتِّعا.
النَّوْع الرَّابِع: اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي الْحصْر، بِأَيّ شَيْء يكون، وَبِأَيِّ معنى يكون، فَقَالَ قوم وهم عَطاء بن أبي رَبَاح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ: يكون الْحصْر بِكُل حَابِس من مرض أَو غَيره من عَدو وَكسر وَذَهَاب نَفَقَة وَنَحْوهَا مِمَّا يمنعهُ عَن الْمُضِيّ إِلَى الْبَيْت، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر. وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت. وَقَالَ آخَرُونَ، وهم اللَّيْث بن سعد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: لَا يكون الْإِحْصَار إِلَّا بالعدو فَقَط، وَلَا يكون بِالْمرضِ، وَهُوَ قَول عبد الله بن عمر. وَقَالَ الْجَصَّاص فِي (كتاب الْأَحْكَام) وَقد اخْتلف السّلف فِي حكم الْمحصر على ثَلَاثَة أنحاء، رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس: الْعَدو وَالْمَرَض سَوَاء، يبْعَث دَمًا، وَيحل بِهِ إِذا أنحر فِي الْحرم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه. وَالثَّانِي: قَول ابْن عمر إِن الْمَرِيض لَا يحل وَلَا يكون محصورا إِلَّا بالعدو، وَهُوَ قَول
стр. 2944
مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَالثَّالِث: قَول ابْن الزبير وَعُرْوَة بن الزبير: إِن الْمَرَض والعدو سَوَاء لَا يحل إِلَّا بِالطّوافِ، وَلَا نعلم لَهما مُوَافقا من فُقَهَاء الْأَمْصَار. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) : مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ أَن الْمحصر بِالْمرضِ لَا يحل دون الْبَيْت، وَسَوَاء عِنْد مَالك شَرط عِنْد إِحْرَامه التَّحَلُّل للمرض أَو لم يشْتَرط. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَهُ شَرطه. وَقَالَ أَبُو عمر: الْإِحْصَار عِنْد أهل الْعلم على وُجُوه: مِنْهَا: الْمحصر بالعدو. وَمِنْهَا: بالسلطان الجائر. وَمِنْهَا: الْمَرَض وَشبهه. فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابهما: من أحصره الْمَرَض فَلَا يحله إِلَّا الطّواف بِالْبَيْتِ، وَمن حصر بعدو فَإِنَّهُ ينْحَر هَدْيه حَيْثُ حصر ويتحلل وينصرف وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ إلَاّ أَن تكون ضَرُورَة فيحج الْفَرِيضَة، وَلَا خلاف بَين الشَّافِعِي وَمَالك وأصحابهما فِي ذَلِك. وَقَالَ ابْن وهب وَغَيره: كل من حبس عَن الْحَج بَعْدَمَا يحرم بِمَرَض أَو حِصَار من الْعَدو أَو خَافَ عَلَيْهِ الْهَلَاك فَهُوَ محصر، فَعَلَيهِ مَا على الْمحصر، وَلَا يحل دون الْبَيْت، وَكَذَلِكَ من أَصَابَهُ كسر وبطن متحرق. وَقَالَ مَالك: أهل مَكَّة فِي ذَلِك كَأَهل الْآفَاق، لِأَن الْإِحْصَار عِنْده فِي الْمَكِّيّ الْحَبْس عَن عَرَفَة خَاصَّة، قَالَ: فَإِن احْتَاجَ الْمَرِيض إِلَى دَوَاء تداوى بِهِ وافتدى، وَهُوَ على إِحْرَامه لَا يحل من شَيْء مِنْهُ حَتَّى يبرأ من مَرضه، فَإِذا برىء من مَرضه مضى إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ سبعا وسعى بَين الصَّفَا والمروة وَحل من حجه أَو عمرته. وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا كُله قَول الشَّافِعِي أَيْضا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، ﵀: إِذا نحر الْمحصر هَدْيه هَل يحلق رَأسه أم لَا؟ فَقَالَ قوم: لَيْسَ عَلَيْهِ أَن يحلق لِأَنَّهُ قد ذهب عَنهُ النّسك كُله، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد. وَقَالَ آخَرُونَ: بل يحلق فَإِن لم يحلق فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَهَذَا قَول أبي يُوسُف. وَقَالَ آخَرُونَ: يحلق وَيجب عَلَيْهِ مَا يجب على الْحَاج والمعتمر، وَهُوَ قَول مَالك.
النَّوْع الْخَامِس فِي الاحتجاجات فِي هَذَا الْبَاب: احْتج الشَّافِعِي وَمن تَابعه فِي هَذَا الْبَاب بِمَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس وَابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس وَابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس: لَا حصر إلَاّ حصر الْعَدو، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي (مُسْنده) عَن ابْن عَبَّاس: لَا حصر إلَاّ حصر الْعَدو. فَأَما من أَصَابَهُ مرض أَو وجع أَو ضلال فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء. قَالَ: وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وطاووس وَالزهْرِيّ وَزيد بن أسلم نَحْو ذَلِك، وَاحْتج أَبُو حنيفَة وَمن تَابعه فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا يحيى بن سعيد حَدثنَا حجاج الصَّواف عَن يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة عَن الْحجَّاج بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من كسر أَو عرج فقد حل وَعَلِيهِ حجَّة أُخْرَى، قَالَ: فَذكرت ذَلِك لِابْنِ عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة، فَقَالَا: صدق) . فقد أخرجه الْأَرْبَعَة من حَدِيث يحيى بن أبي كثير بِهِ. وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَابْن مَاجَه: (من عرج أَو كسر أَو مرض) ، فَذكر مَعْنَاهُ، وَرَوَاهُ عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) ، ثمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن الزبير وعلقمة وَسَعِيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير وَمُجاهد وَالنَّخَعِيّ وَعَطَاء وَمُقَاتِل بن حبَان أَنهم قَالُوا: بالإحصار من عَدو أَو مرض أَو كسر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْإِحْصَار من كل شَيْء آذاه قلت: وَفِي الْمَسْأَلَة قَول ثَالِث حَكَاهُ ابْن جرير وَغَيره، وَهُوَ أَنه: لَا حصر بعد النَّبِي ﷺ .
النَّوْع السَّادِس: فِي حكم الْهَدْي: فَقَالَ ابْن عَبَّاس: من الْأزْوَاج الثَّمَانِية من الْإِبِل وَالْبَقر والمعز والضأن. وَقَالَ الثَّوْريّ عَن حبيب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَالَ شَاة، وَكَذَا قَالَ عَطاء وَمُجاهد وطاووس وَأَبُو الْعَالِيَة وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل بن حبَان مثل ذَلِك، وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو سعيد الْأَشَج حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن يحيى بن سعيد عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة وَابْن عمر أَنَّهُمَا كَانَا لَا يريان مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي إلَاّ من الْإِبِل وَالْبَقر وَقد رُوِيَ عَن سَالم وَالقَاسِم وَعُرْوَة بن الزبير وَسَعِيد بن جُبَير نَحْو ذَلِك، وَقيل: الظَّاهِر أَن مُسْتَند هَؤُلَاءِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ قصَّة الْحُدَيْبِيَة، فَإِنَّهُ لم ينْقل عَن أحد مِنْهُم إِنَّه ذبح فِي تحلله ذَاك شَاة، وَإِنَّمَا ذَبَحُوا الْإِبِل وَالْبَقر. فَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) : (عَن جَابر، قَالَ: أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نشترك فِي الْإِبِل وَالْبَقر، كل سَبْعَة منَّا فِي بقرة) . وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَالَ: بِقدر يسارته. وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: إِن كَانَ مُوسِرًا فَمن الْإِبِل، وإلَاّ فَمن الْبَقر، وإلَاّ فَمن الْغنم.
стр. 2945
وَقَالَ عطَاءٌ الإحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ بِحَسَبِهِ
هَذَا التَّعْلِيق عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، وَصله ابْن أبي شيبَة حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن ابْن جريج عَن عَطاء، قَالَ: لَا إحصار إلَاّ من مرض أَو عَدو أَو أَمر حَابِس.
قالَ أبُو عَبْدِ الله حَصُورا لَا يَأتِي النِّسَاءَ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. وَكَانَ دأبه أَنه إِذا ذكر: لفظا جَاءَ فِي الْقُرْآن من مَادَّة ذكر مَا هُوَ بصدده، وَكَانَ الْمَذْكُور هُوَ لفظ الْمحصر فِي التَّرْجَمَة، وَفِي الْآيَة لفظ: أحصرتم، وَذكر: حصورا، الَّذِي جَاءَ فِي الْقُرْآن أَيْضا. وَهُوَ فِي قَوْله : ﴿إِن الله يبشرك بِيَحْيَى مُصدقا بِكَلِمَة من الله وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا من الصَّالِحين﴾ (آل عمرَان: ٩٣) . ثمَّ إِنَّه فسر الحصور بقوله: ﴿لَا يَأْتِي النِّسَاء﴾ (آل عمرَان: ٨٣) . وروى هَذَا التَّفْسِير ابْن مَسْعُود. وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد وَأبي الشعْثَاء وعطية الْعَوْفِيّ، وَعَن أبي الْعَالِيَة وَالربيع بن أنس: هُوَ الَّذِي لَا يُولد لَهُ. وَقَالَ الضَّحَّاك: هُوَ الَّذِي لَا يُولد لَهُ وَلَا مَال لَهُ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا يحيى بن الْمُغيرَة أخبرنَا جرير عَن قَابُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس فِي الحصور الَّذِي لَا ينزل المَاء، وَقد روى ابْن أبي حَاتِم فِي هَذَا حَدِيثا غَرِيبا. فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو جَعْفَر بن غَالب الْبَغْدَادِيّ حَدثنِي سعيد بن سُلَيْمَان حَدثنَا عباد يَعْنِي ابْن الْعَوام عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن ابْن الْعَاصِ لَا يدْرِي عبد الله أَو عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (آل عمرَان: ٩٣) . قَالَ: ثمَّ تنَاول شَيْئا من الأَرْض، فَقَالَ: كَانَ ذكره مثل هَذَا، وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر فِي (تَفْسِيره) : حَدثنَا أَحْمد بن دَاوُد السجسْتانِي حَدثنَا سُوَيْد بن سعيد حَدثنَا عَليّ بن مسْهر عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب، قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَا من عبد يلقى الله أَلا ذَا ذَنْب إِلَّا يحيى بن زَكَرِيَّا فَإِن الله يَقُول: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (آل عمرَان: ٩٣) .) قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ ذكره مثل هدبة الثَّوْب، وَأَشَارَ بأنمله وَذبح ذبحا) . وروى ابْن أبي حَاتِم أَيْضا بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (كل ابْن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عَلَيْهِ إِن شَاءَ أَو يرحمه إلَاّ يحيى بن زَكَرِيَّا، ﵉، فَإِنَّهُ كَانَ ﴿سيدا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا من الصَّالِحين﴾ (آل عمرَان: ٩٣) . ثمَّ أَهْوى النَّبِي ﷺ إِلَى قذاة من الأَرْض فَأَخذهَا، وَقَالَ: كَانَ ذكره مثل هَذِه القذاة) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إعلم أَن ثَنَاء الله تَعَالَى على يحيى بِأَنَّهُ حصور لَيْسَ كَمَا قَالَه بَعضهم: إِنَّه كَانَ هيوبا أَو لَا ذكر لَهُ، بل أنكر حذاق الْمُفَسّرين ونقاد الْعلمَاء، وَقَالُوا: هَذَا نقيصة وعيب، وَلَا يَلِيق بالأنبياء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه مَعْصُوم من الذُّنُوب، أَي: لَا يَأْتِيهَا كَأَنَّهُ حصر عَنْهَا. وَقيل: مَانِعا نَفسه عَن الشَّهَوَات، وَقيل: لَيست لَهُ شَهْوَة فِي النِّسَاء، وَالْمَقْصُود أَنه مدح يحيى بِأَنَّهُ حصور لَيْسَ أَنه لَا يَأْتِي النِّسَاء كَمَا قَالَه بَعضهم، بل مَعْنَاهُ: أَنه مَعْصُوم عَن الْفَوَاحِش والقاذورات، وَلَا يمْنَع ذَلِك من تَزْوِيجه بِالنسَاء الْحَلَال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النَّسْل من دُعَاء زَكَرِيَّا، ﵊، حَيْثُ قَالَ: ﴿هَب لي من لَدُنْك ذُرِّيَّة طيبَة﴾ (آل عمرَان: ٨٣) . كَأَنَّهُ سَأَلَ ولدا لَهُ ذُرِّيَّة ونسل وعقب، وَالله تَعَالَى أعلم.
١ - (بابٌ إذَا أُحْصِرَ الْمُعْتَمِرُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أحْصر الْمُعْتَمِر، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الرَّد على من قَالَ: إِن التَّحَلُّل بالإحصار يخْتَص بالحاج بِخِلَاف الْمُعْتَمِر فَإِنَّهُ لَا يتَحَلَّل بذلك، بل يسْتَمر على إِحْرَامه حَتَّى يطوف بِالْبَيْتِ، لِأَن السّنة كلهَا وَقت للْعُمْرَة فَلَا يخْشَى فَوَاتهَا بِخِلَاف الْحَج. رُوِيَ ذَلِك عَن مَالك، وَهُوَ محكي عَن مُحَمَّد بن سِيرِين وَبَعض الظَّاهِرِيَّة، وَاحْتج لَهُم إِسْمَاعِيل القَاضِي بِمَا أخرجه بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي قلَابَة، قَالَ: خرجت مُعْتَمِرًا فَوَقَعت عَن رَاحِلَتي فَانْكَسَرت، فَأرْسلت إِلَى ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، فَقَالَا: لَيْسَ لَهَا وَقت كَالْحَجِّ، يكون على إِحْرَامه حَتَّى يصل إِلَى الْبَيْت، وَقَضِيَّة الْحُدَيْبِيَة حجَّة تقضي عَلَيْهِم، وَالله أعلم.
٣٨٢ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف أخبرنَا مَالك عَن نَافِع أَن عبد الله بن عمر ﵄ حِين خرج إِلَى مَكَّة مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَة قَالَ إِن صددت عَن الْبَيْت صنعت كَمَا صنعنَا مَعَ
стр. 2946
رَسُول الله ﷺ َ - فَأهل بِعُمْرَة من أجل أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ أهل بِعُمْرَة عَام الْحُدَيْبِيَة) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن ابْن عمر صنع فِي عمرته كَمَا صنع رَسُول الله ﷺ َ - عَام الْحُدَيْبِيَة وَهِي سنة سِتّ حِين صده الْمُشْركُونَ عَن إيصاله إِلَى الْبَيْت فَإِنَّهُ تحلل وَنحر وَحلق كَمَا ذكرنَا. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله وفرقه وَأخرجه أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى قَوْله " عَن نَافِع أَن عبد الله ابْن عمر " الحَدِيث فِيهِ اخْتِلَاف لِأَن هَذَا يدل على أَن نَافِعًا روى عَن عبد الله بِغَيْر وَاسِطَة وَإسْنَاد الْحَدِيثين الْمَذْكُورين فِي هَذَا الْبَاب عقيب هَذَا الْإِسْنَاد أَولهمَا يدل على أَن نَافِعًا روى عَن سَالم وَعبيد الله ابْني عبد الله بن عمر عَن أَبِيهِمَا فَذكر الحَدِيث وَالثَّانِي يدل على أَن نَافِعًا روى عَن بعض بني عبد الله فلأجل هَذَا الِاخْتِلَاف ذكر البُخَارِيّ الإسنادين الْمَذْكُورين عقيب الْإِسْنَاد الأول على مَا يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَوْله " مُعْتَمِرًا " وَذكر فِي الْمُوَطَّأ من هَذَا الْوَجْه خرج إِلَى مَكَّة يُرِيد الْحَج فَقَالَ إِن صددت فَذكره وَلَا اخْتِلَاف فِيهِ فَإِنَّهُ خرج أَولا يُرِيد الْحَج فَلَمَّا ذكرُوا لَهُ أَمر الْفِتْنَة أحرم بِالْعُمْرَةِ ثمَّ قَالَ مَا شَأْنهمَا إِلَّا وَاحِد فأضاف إِلَيْهَا الْحَج فَصَارَ قَارنا قَوْله " فِي الْفِتْنَة " أَرَادَ بهَا فتْنَة الْحجَّاج حِين نزل ابْن الزبير لقتاله وَقد مر فِي بَاب طواف الْقَارِن من طَرِيق اللَّيْث عَن نَافِع بِلَفْظ " حِين نزل الْحجَّاج بِابْن الزبير " وَفِي لفظ مُسلم " حِين نزل الْحجَّاج لقِتَال ابْن الزبير " قَوْله " إِن صددت " أَي منعت وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول وَقَالَ هَذَا الْكَلَام جَوَابا لقَوْل من قَالَه لَهُ أَنا نَخَاف أَن يُحَال بَيْنك وَبَين الْبَيْت كَمَا أوضحته الرِّوَايَة الَّتِي بعد هَذِه قَوْله " كَمَا صنعنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - " وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة فَقَالَ " لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة إِذا أصنع كَمَا صنع " وَزَاد فِي رِوَايَة اللَّيْث عَن نَافِع فِي بَاب طواف الْقَارِن كَمَا صنع رَسُول الله ﷺ َ - " قَوْله " فَأهل " أَي ابْن عمر وَالْمرَاد أَنه رفع صَوته بالإهلال والتلبية قَوْله " من أجل أَن النَّبِي ﷺ َ - " إِلَى آخِره ويروى " من أجل أَن رَسُول الله ﷺ َ - " قَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَاهُ أَنه أَرَادَ إِن صددت عَن الْبَيْت وأحصرت تحللت من الْعمرَة كَمَا تحلل النَّبِي ﷺ َ - من الْعمرَة وَقَالَ القَاضِي عِيَاض يحْتَمل أَن المُرَاد أهل بِعُمْرَة كَمَا أهل النَّبِي ﷺ َ - بِعُمْرَة وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ الْأَمريْنِ أَي من الإهلال والإحلال وَهُوَ الْأَظْهر قَوْله " بِعُمْرَة " زَاد فِي رِوَايَة جوَيْرِية " من ذِي الحليفة " وَفِي رِوَايَة أَيُّوب الْمَاضِيَة " فَأهل بِعُمْرَة من الدَّار " وَالْمرَاد بِالدَّار الْمنزل الَّذِي نزله بِذِي الحليفة قيل يحْتَمل أَن يحمل على الدَّار الَّتِي بِالْمَدِينَةِ (قلت) فعلى هَذَا التَّوْفِيق بَينهمَا بِأَن يُقَال أَنه أهل بِالْعُمْرَةِ من دَاخل بَيته ثمَّ أظهرها بعد أَن اسْتَقر بِذِي الحليفة -
٧٠٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بنِ أسْمَاءَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ أنَّ عُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله وسَالِمَ بنَ عَبْدِ الله قالَ أخْبَرَاهُ أنَّهُمَا كَلَّما عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَيَالِيَ نَزَلَ الْجَيْشَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقالَا لَا يَضُرُّكَ أنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ وإنَّا نَخَافُ أنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وبَيْنَ الْبَيْتِ فَقَالَ خَرَجْنَا مَعَ رسُولِ الله ﷺ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ فَنَحَرَ النبيُّ ﷺ هَدْيَهُ وحَلَقَ رَأسَهُ واشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ الْعُمْرَةَ إنْ شَاَءَ الله أنْطَلِقُ فإنْ خُلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَ البَيْتِ طُفْتُ وإنْ حِيلَ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ وأنَا معَهُ فأهَلَّ بِالعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ قالَ إنَّمَا شَأنُهُمَا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ وأهْدَى وكانَ يَقُولُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوافا واحِدا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَإِن حيل بيني وَبَينه فعلت كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ ، وَرَسُول الله ﷺ حل من عمرته حَتَّى أَنه نحر هَدْيه وَحلق، فَدلَّ أَن الْمُعْتَمِر إِذا أحْصر بِحل كَمَا يحل الْحَاج إِذا أحْصر، وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي: بَاب طواف الْقَارِن
стр. 2947
بأوضح مِنْهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
وَعبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء بن عبيد الضبعِي الْبَصْرِيّ ابْن أخي جوَيْرِية بن أَسمَاء، وَجُوَيْرِية تَصْغِير جَارِيَة بِالْجِيم، وَهُوَ من الْأَلْفَاظ الْمُشْتَركَة بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء.
قَوْله: (أخبراه) أَي: عبيد الله وَسَالم ابْنا عبد الله بن عمر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا بدل عبيد الله: عبد الله مكبرا، وَهُوَ الْمُوَافق للرواية الَّتِي بعده فِي بَاب النَّحْر قبل الْحلق وهما أَخَوان، والمصغر أكبر مِنْهُ. قَوْله: (الْجَيْش) هُوَ جَيش الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ، كَانَ نَائِب عبد الْملك بن مَرْوَان. قَوْله: (أشهدكم أَنِّي قد أوجبت) ، أَي: ألزمت نَفسِي ذَلِك، وَكَانَ أَرَادَ تَعْلِيم من يُرِيد الِاقْتِدَاء بِهِ، وإلَاّ فالتلفظ لَيْسَ بِشَرْط. قَوْله: (إِن شَاءَ الله) ، هَذَا تبرك وَلَيْسَ بتعليق، لِأَنَّهُ كَانَ جازكا بِالْإِحْرَامِ بِقَرِينَة: (أشهدكم) ، وَيحْتَمل أَن يكون مُنْقَطِعًا عَمَّا قبله، وَيكون ابْتِدَاء لشرط وَالْجَزَاء: انْطلق. قَوْله: (إِن شَأْنهمَا وَاحِد) أَي: أَن أَمر الْعمرَة وَالْحج وَاحِد فِي جَوَاز التَّحَلُّل مِنْهُمَا بالإحصار. قَوْله: (طَوافا وَاحِدًا) . قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: لَا يحْتَاج الْقَارِن إِلَى طوافين، بل يحل بِطواف وَاحِد. قلت: هَذَا التَّفْسِير لأجل نصْرَة مذْهبه، وَقد قَامَت دَلَائِل أُخْرَى أَن الْقَارِن يحْتَاج إِلَى طوافين وسعيين وتكلمنا فِي هَذَا الْبَاب فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة، فَلْينْظر فِيهِ هُنَاكَ.
وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد: أَن الصَّحَابَة كَانُوا يستعملون الْقيَاس ويحتجون بِهِ، وَأَن الْمحصر بالعدو جَازَ لَهُ التَّحَلُّل سَوَاء كَانَ عَن حجَّة أَو عمْرَة، وَأَنه ينْحَر هَدْيه ويحلق رَأسه أَو يقصر مِنْهُ. وَفِيه: جَوَاز إِدْخَال الْحَج على الْعمرَة، لَكِن شَرطه عِنْد الْجُمْهُور أَن يكون قبل الشُّرُوع فِي طواف الْعمرَة، وَعند الْحَنَفِيَّة إِن كَانَ قبل مُضِيّ أَرْبَعَة أَشْوَاط صَحَّ، وَعند الْمَالِكِيَّة بعد تَمام الطّواف. وَنقل ابْن عبد الْبر أَن أَبَا ثَوْر شَذَّ فَمنع إِدْخَال الْحَج على الْعمرَة، قِيَاسا على منع إِدْخَال الْعمرَة على الْحَج. وَفِيه: أَن الْقَارِن يهدي، وَقَالَ ابْن حزم: لَا هدي على الْقَارِن. وَفِيه: جَوَاز الْخُرُوج إِلَى النّسك فِي الطَّرِيق المظنون خَوفه إِذا رجى السَّلامَة، قَالَه أَبُو عمر بن عبد الْبر، ﵀.
٨٠٨١ - حدَّثني مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حَدثنَا جُوَيْرِيَّةُ عنْ نافِعٍ أنَّ بَعْضَ بَنِي عَبْدِ الله قَالَ لَهُ لَوْ أقَمْتَ بِهاذا..
هَذَا وَجه آخر فِي الحَدِيث السَّابِق أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي عَن جوَيْرِية بن أَسمَاء عَن نَافِع أَن بعض بني عبد الله، وَهُوَ إِمَّا سَالم أَو عبد الله أَو عبيد الله أَبنَاء عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
قَوْله: (قَالَ لَهُ) ، أَي: قَالَ بعض بني عبد الله لعبد الله بن عمر. قَوْله: (لَو أَقمت بِهَذَا) ، أَي: لَو أَقمت بِهَذَا الْمَكَان أَو فِي هَذَا الْعَام، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِك حِين أَرَادَ عبد الله أَن يعْتَمر، فَقَالُوا لَهُ: نَخَاف أَن يُحَال بَيْنك وَبَين الْبَيْت، لِأَنَّهُ كَانَ فِي تِلْكَ السّنة نزُول الْحجَّاج بالجيش على ابْن الزبير، كَمَا ذَكرْنَاهُ. فَإِن قلت: أَيْن جَوَاب لَو؟ قلت: مَحْذُوف تَقْدِيره: لَو أَقمت فِي هَذِه السّنة لَكَانَ خيرا، أَو نَحْو ذَلِك، وَيجوز أَن تكون: لَو، لِلتَّمَنِّي فَلَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب.
٩٠٨١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى بنُ صالِحٍ قَالَ حَدثنَا مُعَاوِيَةُ بنُ سَلَاّمٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ أبِي كَثيرٍ عنْ عِكْرِمَةَ قَالَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قدْ أُحْصِرَ رسولُ الله ﷺ فحَلَقَ رَأسَهُ وجامَعَ نِسَاءَهُ ونَحَرَ هَدْيَهُ حَتَّى اعْتَمَرَ عَاما قابِلاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ يدل على أَن الْمُعْتَمِر يحصره، ذكر مُحَمَّد هَذَا غير مَنْسُوب فِي جَمِيع الرِّوَايَات، وَاخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْحَاكِم: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا مُحَمَّد هُوَ الذهلي، فَلذَلِك جزم الْحَاكِم بِهِ، وَقَالَ أَبُو مَسْعُود، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن واره، وَذكر الكلاباذي عَن ابْن أبي سعيد أَنه أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ، وَذكر أَنه رَآهُ فِي أصل عَتيق، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغاني. وَيحيى بن صَالح أَبُو زَكَرِيَّاء الْحِمصِي، وَمُعَاوِيَة ابْن سَلام، بتَشْديد: الحبشي، مر فِي أَوَائِل الْكُسُوف. وَهَذَا الحَدِيث فِيهِ حذف يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن السكن فِي (كتاب الصَّحَابَة) ، قَالَ: حَدثنِي هَارُون بن عِيسَى وَحدثنَا الصغاني هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق أحد شُيُوخ مُسلم حَدثنَا يحيى بن صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة بن سَلام عَن يحيى ابْن أبي كثير قَالَ سَأَلت عِكْرِمَة فَقَالَ: قَالَ عبد الله بن رَافع مولى أم سَلمَة: أَنا سَأَلت الْحجَّاج بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ عَمَّن حبس
стр. 2948
وَهُوَ محرم، فَقَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من عرج أَو كسر أَو حبس فليجزىء مثلهَا، وَهُوَ فِي حل، قَالَ: فَحدثت بِهِ أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ: صدق، وحدثته ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: قد حصر رَسُول الله ﷺ فحلق وَنحر هَدْيه وجامع نِسَاءَهُ حَتَّى اعْتَمر قَابلا) ، فَعرف بِهَذَا الْمِقْدَار الَّذِي حذفه البُخَارِيّ من هَذَا الحَدِيث، وَإِنَّمَا حذفه لِأَن هَذَا الزَّائِد لَيْسَ على شَرطه، لِأَنَّهُ قد اخْتلف فِي حَدِيث الْحجَّاج بن عَمْرو على يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة مَعَ كَون عبد الله بن رَافع لَيْسَ من شَرط البُخَارِيّ، مَعَ أَن الَّذِي حذفه لَيْسَ بَعيدا عَن الصِّحَّة، لِأَن عبد الله بن رَافع ثِقَة، وَإِن لم يخرج لَهُ البُخَارِيّ. وَحَدِيث الْحجَّاج بن عَمْرو هَذَا أخرجه الْأَرْبَعَة أَيْضا، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسَدّد، قَالَ: حَدثنَا يحيى عَن حجاج الصَّواف، قَالَ لي يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة، قَالَ: سَمِعت الْحجَّاج بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من كسر أَو عرج فقد حل وَعَلِيهِ الْحَج من قَابل، فَسَأَلت ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة عَن ذَلِك؟ فَقَالَا: صدق) . وَفِي لفظ لَهُ: (من عرج أَو كسر أَو مرض) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور أخبرنَا روح بن عبَادَة أخبرنَا حجاج الصَّواف حَدثنَا يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة، قَالَ: حَدثنِي الْحجَّاج بن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من كسر أَو عرج فَقل حل وَعَلِيهِ حجَّة أُخْرَى، فَذكرت ذَلِك لأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس، فَقَالَا: صدق) . وَفِي لفظ: (من عرج أَو كسر أَو مرض) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن، وَقَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا أَحْمد بن مسْعدَة، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن الْحجَّاج الصَّواف عَن يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة عَن الْحجَّاج بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من عرج أَو كسر فقد حل وَعَلِيهِ حجَّة أُخْرَى. فَسَأَلت ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة عَن ذَلِك؟ فَقَالَا: صدق. وَأخْبرنَا شُعَيْب بن يُوسُف النَّسَائِيّ وَأخْبرنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَا: حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن حجاج الصَّواف عَن يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة عَن الْحجَّاج بن عَمْرو قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من كسر أَو عرج فقد حل وَعَلِيهِ الْحَج من قَابل) . وَسَأَلنَا ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة فَقَالَا: صدق وَقَالَ ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن سعيد وَابْن علية عَن حجاج بن أبي عُثْمَان، قَالَ: حَدثنِي يحيى بن كثير. قَالَ: حَدثنِي عِكْرِمَة، قَالَ: حَدثنِي الْحجَّاج بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: (من كسر أَو عرج فقد حل وَعَلِيهِ حجَّة أُخْرَى فَحدث بِهِ ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة، فَقَالَا: صدق.
قَوْله: (قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس) ، ويروى: (فَقَالَ ابْن عَبَّاس) . بفاء الْعَطف وَوَجهه أَن يكون عطفا على مُقَدّر تَقْدِيره سَأَلته عَنهُ، فَقَالَ: قَوْله: (حَتَّى اعْتَمر) ويروى: (ثمَّ اعْتَمر. قَوْله: (عَاما) نصب على الظّرْف، (وقابلاً) صفته.
٢ - (بابُ الإحْصَارِ فِي الحَجِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْإِحْصَار فِي الْحَج. قيل: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى أَن الْإِحْصَار فِي عهد النَّبِي ﷺ ، إِنَّمَا وَقع فِي الْعمرَة، فقاس الْعلمَاء الْحَج على ذَلِك، وَهُوَ من الْإِلْحَاق بِنَفْي الْفَارِق، وَهُوَ من أقوى الأقيسة. قلت: لما بَين فِي الْبَاب السَّابِق الْإِحْصَار فِي الْعمرَة، بَين عَقِيبه الْإِحْصَار فِي الْحَج، وَذكر فِي كل مِنْهُمَا حَدِيثا، فَلَا حَاجَة إِلَى إِثْبَات حكم الْإِحْصَار فِي الْحَج بِالْقِيَاسِ.
٠١٨١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيَّ قَالَ أخبرَنِي سَالِمٌ قَالَ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ ألَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رسُولِ الله ﷺ إنْ حُبِسَ أحَدُكُمْ عنِ الحَجِّ طافَ بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَاما قابِلاً فَيُهْدِي أوْ يَصُومَ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن حبس أحدكُم عَن الْحَج) ، وَالْحَبْس عَن الْحَج هُوَ الْإِحْصَار فِيهِ، وَأحمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى أَبُو الْعَبَّاس، يُقَال لَهُ: مرْدَوَيْه السمسار الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَسَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ عَن أَحْمد عَن عَمْرو
стр. 2949
ابْن السَّرْح والْحَارث بن مِسْكين كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب قَوْله: (أَلَيْسَ حسبكم سنة رَسُول الله ﷺ ؟) أَي: أَلَيْسَ يكفيكم سنة رَسُول الله ﷺ ؟ لِأَن معنى الْحسب الْكِفَايَة، وَمِنْه: حَسبنَا الله أَي: كافينا، وحسبكم مَرْفُوع لِأَنَّهُ إسم: لَيْسَ، وسنَّة رَسُول الله كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه خبر: لَيْسَ، وَقَالَ عِيَاض: ضَبطنَا سنة بِالنّصب على الإختصاص أَو على إِضْمَار فعل، أَي: تمسكوا، وَشبهه. وَقَالَ السُّهيْلي: من نصب سنة فَهُوَ بإضمار الْأَمر كَأَنَّهُ قَالَ: إلزموا سنة نَبِيكُم. وَقَالَ بَعضهم: خبر: حسبكم، فِي قَوْله: (طَاف بِالْبَيْتِ) . قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل خبر لَيْسَ على وَجه نصب سنة على قَول عِيَاض والسهيلي. قَوْله: (طَاف بِالْبَيْتِ) وَهُوَ أَيْضا سد مسد جَوَاب الشَّرْط. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: إِذا كَانَ محصرا فَكيف يطوف بِالْبَيْتِ؟ قلت: المُرَاد من قَوْله: (ان حبس) الْحَبْس عَن الْوُقُوف بِعَرَفَة قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير، لِأَن معنى: (طَاف بِالْبَيْتِ) أَي: إِذا أمكنه ذَلِك، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق: (إِن حبس أحدا مِنْكُم حَابِس عَن الْبَيْت فَإِذا وصل إِلَيْهِ طَاف بِهِ) . قَوْله: (وبالصفا والمروة) ، أَي: طَاف بهما، أَي: سعى بَين الصَّفَا والمروة. قَوْله: (فيهدي) أَي: يذبح شَاة، إِذْ التَّحَلُّل لَا يحصل إلَاّ بنية التَّحَلُّل وَالذّبْح وَالْحلق، وَإِن لم يجد الْهَدْي يَصُوم بدله بِعَدَد أَمْدَاد الطَّعَام الَّذِي يحصل من قِيمَته. قلت: هَكَذَا ذكره الْكرْمَانِي، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَمن تَابعه، فَإِن عِنْده حكم الْمَكِّيّ والغريب سَوَاء فِي الْإِحْصَار، فيطوف وَيسْعَى وَيحل وَلَا عمْرَة عَلَيْهِ على ظَاهر حَدِيث ابْن عمر، وأوجبها مَالك على الْمحصر الْمَكِّيّ وعَلى من أنشأ من مَكَّة، وَعند أبي حنيفَة: لَا يكون محصرا من بلغ مَكَّة، لِأَن الْمحصر عِنْده من منع الْوُصُول إِلَى مَكَّة وحيل بَينه وَبَين الطّواف وَالسَّعْي، فيفعل مَا فعل الشَّارِع من الْإِحْلَال من مَوْضِعه، وَأما من بلغَهَا فَحكمه عِنْده كمن فَاتَهُ الْحَج: يحل بِعُمْرَة وَعَلِيهِ الْحَج من قَابل، وَلَا هدي عَلَيْهِ لِأَن الْهَدْي لجبر مَا أدخلهُ على نَفسه، وَمن حبس عَن الْحَج فَلم يدْخل على نَفسه نقصا. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: إِذا أحْصر الْمَكِّيّ فَلَا بُد لَهُ من الْوُقُوف بِعَرَفَة، وَإِن تعسر بعشي. وَفِي حَدِيث ابْن عمر رد عَلَيْهِ لِأَن الْمحصر لَو وقف بِعَرَفَة لم يكن محصرا، ألَا يرى قَول ابْن عمر: طَاف بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة، وَلم يذكر الْوُقُوف بِعَرَفَة.
وَعَن عَبْدِ الله قَالَ أخبرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني سالِمٌ عنِ ابنِ عُمَرَ نَحْوَهُ
عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن عبد الله بن الْمُبَارك حدث بِهِ تَارَة عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ، وَتارَة عَن معمر عَنهُ. فَإِن قلت: قَوْله: وَعَن عبد الله، مَعْطُوف على: مَاذَا؟ قلت: قيل: إِنَّه مَعْطُوف على الْإِسْنَاد الأول، وَلَيْسَ هُوَ بمعلق كَمَا ادَّعَاهُ بَعضهم. قلت: كَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْبَعْضِ الْمُحب الطَّبَرِيّ، وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك أَخْبرنِي معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه أَنه كَانَ يُنكر الِاشْتِرَاط فِي الْحَج، وَيَقُول: أَلَيْسَ حسبكم سنة نَبِيكُم ﷺ ؟ قلت: يُرِيد بِهِ عدم الِاشْتِرَاط كَمَا هُوَ مُبين عِنْد النَّسَائِيّ من رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه أَنه كَانَ يُنكر الِاشْتِرَاط فِي الْحَج، وَيَقُول: أما حسبكم سنة نَبِيكُم أَنه لم يشْتَرط؟ وَهَكَذَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: (أما حسبكم سنة نَبِيكُم ﷺ أَنه لم يشْتَرط؟) فَإِن قلت: روى مُسلم من رِوَايَة رَبَاح بن أبي مَعْرُوف عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس (أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ لضباعة: حجي واشترطي أَن محلي حَيْثُ حبستني) . وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَة أَيْضا، فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن عباد بن الْعَوام، وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة ثَبت بن يزِيد الْأَحول عَن هِلَال بن خباب، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن زِيَاد بن أَيُّوب الْبَغْدَادِيّ: حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن هِلَال بن خباب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: (أَن ضباعة بنت الزبير أَتَت النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله! إِنِّي أُرِيد الْحَج أفأشترط؟ قَالَ: نعم. قَالَت: كَيفَ أَقُول؟ قَالَ: قولي لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك محلي من الأَرْض حَيْثُ تحبسني) . وَأخرجه أَيْضا مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن طَاوُوس وَعِكْرِمَة كِلَاهُمَا (عَن ابْن عَبَّاس: أَن ضباعة بنت الزبير بن عبد الْمطلب أَتَت رَسُول الله ﷺ فَقَالَت إِنِّي امْرَأَة ثَقيلَة، فَإِنِّي أُرِيد الْحَج فَمَا تَأْمُرنِي؟ قَالَ: أَهلِي واشترطي أَن محلي حَيْثُ حبستني) ، وَلما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن جَابر وَأَسْمَاء بنت أبي بكر وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قلت: أما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة هِشَام الدستوَائي عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لضباعة بنت الزبير: (حجي واشترطي أَن محلي حَيْثُ حبستني) . وَأما
стр. 2950
حَدِيث أَسمَاء فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه على الشَّك من رِوَايَة عُثْمَان بن حَكِيم عَن أبي بكر بن عبد الله بن الزبير عَن جدته، قَالَ: لَا أَدْرِي أَسمَاء بنت أبي بكر أَو سعدى بنت عَوْف، (أَن رَسُول الله ﷺ دخل على ضباعة بنت عبد الْمطلب فَقَالَ: مَا يمنعك يَا عمتاه من الْحَج؟ فَقَالَت: أَنا امْرَأَة سقيمة، وَأَنا أَخَاف الْحَبْس ﴿قَالَ: فأحرمي واشترطي أَن محلك حَيْثُ حبست) . وَهَكَذَا أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ عَن جدته لم يسمهَا. وَأما حَدِيث عَائِشَة فمتفق عَلَيْهِ على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَحَدِيث ضباعة لَهُ طرق: مِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب (عَن ضباعة بنت الزبير، قَالَت: قلت: يَا رَسُول الله﴾ إِنِّي أُرِيد الْحَج فَكيف أهل بِالْحَجِّ؟ قَالَ: قولي: أللهم إِنِّي أهل بِالْحَجِّ إِن أَذِنت لي بِهِ، وأعنتني عَلَيْهِ، ويسرته لي، وَإِن حبستني فعمرة، وَإِن حبستني عَنْهُمَا فمحلي حَيْثُ حبستني) ، وضباعة بنت الزبير بن عبد الْمطلب، وَهِي ابْنة عَم النَّبِي، ﷺ ، وَوَقع عِنْد ابْن مَاجَه: ضباعة بنت عبد الْمطلب، وَذَلِكَ نِسْبَة إِلَى جدها، وَوَقع فِي (الْوَسِيط) للغزالي عِنْد ذكر هَذَا الحَدِيث: أَنَّهَا ضباعة الأسْلَمِيَّة، وَهُوَ غلط، وَإِنَّمَا هِيَ هاشمية.
وَقد ضعف بعض لمالكية أَحَادِيث الِاشْتِرَاط فِي الْحَج، فَحكى القَاضِي عِيَاض عَن الْأصيلِيّ قَالَ: لَا يثبت عِنْدِي فِي الِاشْتِرَاط إِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: قَالَ النَّسَائِيّ: لَا أعلم سَنَده عَن الزُّهْرِيّ غير معمر، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: وَمَا قَالَه الْأصيلِيّ غلط فَاحش، فقد ثَبت وَصَحَّ من حَدِيث عَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَغَيرهمَا على مَا مر.
وَاخْتلفُوا فِي مَشْرُوعِيَّة الِاشْتِرَاط، فَقيل: وَاجِب لظَاهِر الْأَمر، وَهُوَ قَول الظَّاهِرِيَّة. وَقيل: مُسْتَحبّ وَهُوَ قَول أَحْمد، وَغلط من حكى الْإِنْكَار عَنهُ. وَقيل: جَائِز، وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَقطع بِهِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد. وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ضباعة بنت الزبير، قَالَ: وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم، يرَوْنَ الِاشْتِرَاط فِي الْحَج، وَيَقُولُونَ: إِن اشْترط لغَرَض لَهُ كَمَرَض أَو عذر فَلهُ أَن يحل وَيخرج من إِحْرَامه، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقيل: هُوَ قَول جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ قَالَ بِهِ عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَعبد الله بن مَسْعُود وعمار بن يَاسر وَعَائِشَة وَأم سَلمَة وَجَمَاعَة من التَّابِعين، وَذهب بعض التَّابِعين وَمَالك وَأَبُو حنيفَة إِلَى أَنه: لَا يَصح الِاشْتِرَاط، وحملوا الحَدِيث على أَنه قَضِيَّة عين، وَأَن ذَلِك مَخْصُوص بضباعة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَلم يَرَ بعض أهل الْعلم الِاشْتِرَاط فِي الْحَج. وَقَالُوا: إِن اشْترط فَلَيْسَ لَهُ أَن يخرج من إِحْرَامه فيرونه كمن لم يشْتَرط. قلت: حكى الْخطابِيّ ثمَّ الرَّوْيَانِيّ من الشَّافِعِيَّة الْخُصُوص بضباعة، وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَن مَعْنَاهُ: محلي حَيْثُ حَبَسَنِي الْمَوْت، أَي: إِذا أدركتني الْوَفَاة انْقَطع إحرامي. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه ظَاهر الْفساد وَلم يبين وَجهه. وَالله أعلم.
٣ - (بابُ النَّحْرِ قَبْلَ الحَلْقِ فِي الحَصْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز النَّحْر قبل الْحلق فِي حَال الْحصْر، وَلم يشر إِلَى بَيَان الحكم فِي التَّرْجَمَة اكْتِفَاء بِحَدِيث الْبَاب، فَإِنَّهُ يدل على جَوَاز النَّحْر قبل الْحلق فِي حَالَة الْإِحْصَار.
١١٨١ - حدَّثنا مَحْمودٌ قالَ حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيَّ عنْ عُرْوَةَ عَنِ المِسْوَرِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أنْ يَحْلِق وأمَرَ أصْحَابَهُ بِذالِكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ومحمود هُوَ ابْن غيلَان أَبُو أَحْمد الْعَدوي الْمروزِي، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: هُوَ ابْن رَاشد، والمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وبالراء: ابْن مخرمَة بن نَوْفَل الْقرشِي الزُّهْرِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن، لَهُ ولأبيه صُحْبَة، مَاتَ سنة أَربع وَسِتِّينَ وَصلى عَلَيْهِ ابْن الزبير بالحجون.
وَهَذَا الحَدِيث طرف من حَدِيث طَوِيل أخرجه البُخَارِيّ فِي الشُّرُوط على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَلَفظه فِي أَوَاخِر الحَدِيث: (فَلَمَّا فرغ من قَضِيَّة الْكتاب، قَالَ رَسُول الله ﷺ لأَصْحَابه: قومُوا فَانْحَرُوا، ثمَّ احْلقُوا) الحَدِيث.
وَفِيه: أَن نحر الْمحصر قبل الْحلق يجوز، والْحَدِيث حجَّة على مَالك فِي قَوْله: إِنَّه لَا هدي على الْمحصر. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تحلقوا رؤوسكم حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَالْخطاب للمحصرين، وَمُقْتَضَاهُ أَن الْحلق لَا يقدم على النَّحْر فِي مَحَله. قلت: بُلُوغ الْهَدْي الْمحل إمَّا زَمَانا أَو مَكَانا لَا يسْتَلْزم نَحره، وَمحل هدي
стр. 2951
الْمحصر هُوَ حَيْثُ أحْصر فقد بلغ مَحَله، وَثَبت أَنه، ﵇، تحلل بِالْحُدَيْبِية وَنحر بهَا، وَهِي من الْحل لَا من الْحرم. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة: أَن دم الْإِحْصَار يتوقت بِالْحرم وَهُوَ الْمَكَان لَا بِيَوْم النَّحْر، وَهُوَ الزَّمَان لإِطْلَاق النَّص وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد يتَوَقَّف بِالزَّمَانِ وَالْمَكَان كَمَا فِي الْحلق، وَهَذَا الْخلاف فِي الْمحصر بِالْحَجِّ وَأما دم الْمحصر بِالْعُمْرَةِ فَلَا يتوقت بِالزَّمَانِ بِلَا خلاف بَينهم، وبالهدي لَا يتَحَلَّل الْمحصر عِنْد أبي يُوسُف، وَلَا بُد لَهُ من الْحلق بعد النَّحْر لِأَنَّهُ إِن عجر عَن أَدَاء الْمَنَاسِك لم يعجز عَن الْحلق، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد: يتَحَلَّل بِالذبْحِ لإِطْلَاق النَّص.
٢١٨١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرحِيمِ قَالَ أخبرنَا أبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ عنْ عُمْرَ بنِ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيِّ قَالَ وحدَّثَ نافِعٌ أنَّ عَبْدَ الله وسَالِما كَلَّمَا عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُعْتَمِرِينَ فَحال كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ البَيْتِ فنَحَرَ رسُولُ الله ﷺ بُدْنَهُ وحَلَقَ رَأسَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَنحر رَسُول الله ﷺ بدنه وَحلق رَأسه) ، والْحَدِيث قد مضى بأتم مِنْهُ فِي: بَاب إِذا أحْصر الْمُعْتَمِر، قبل هَذَا الْبَاب بِبَاب، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى كَانَ يُقَال لَهُ: صَاعِقَة صَاحب السابري، وَهُوَ من أَفْرَاده وشجاع ابْن الْوَلِيد بن قيس الْكُوفِي سكن بَغْدَاد، وَعمر بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، مر فِي: بَاب من لم يتَطَوَّع فِي السّفر، وَعبد الله هُوَ ابْن عبد الله بن عمر. قَوْله: (بدنه) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة جمع: بَدَنَة.
٤ - (بابُ منْ قَالَ لَيْسَ عَلىَ الْمُحْصَرِ بَدَلٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ: لَيْسَ على الْمحصر، بدل، أَي: عوض، أَي: قَضَاء لما أحْصر فِيهِ من حج أَو عمْرَة.
وَقَالَ رَوْحٌ عنِ ابنِ نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إنَّما الْبَدَلُ عَلَى منْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ فأمَّا منْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أوْ غيْرُ ذَلِكَ فإنَّهُ يَحِلُّ ولَا يَرْجِعُ وإنْ كانَ معَهُ هِدْيٌ وهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ إنْ كانَ لَا يَسْتَطيعُ أنْ يَبعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّمَا الْبَدَل على من نقص حجه) ، وروح، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْوَاو: ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وشبل، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة: ابْن عباد، بِفَتْح الْعين: الْمَكِّيّ تلميذ ابْن كثير فِي الْقِرَاءَة، وَكَانَ قدريا، وَابْن أبي نجيح هُوَ عبد الله بن أبي نجيح، بِفَتْح النُّون، وَقد مر غير مرّة.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (تَفْسِيره) عَن روح بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَهُوَ مَوْقُوف على ابْن عَبَّاس.
قَوْله: (بالتلذذ) أَي: بِالْجِمَاعِ. قَوْله: (عذر) ، بِضَم الْعين وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: عَدو من الْعَدَاوَة، قَالَ الْكرْمَانِي: الْعذر الْوَصْف الطارىء على الْمُكَلف الْمُنَاسب للتسهيل عَلَيْهِ، وَلَعَلَّه أَرَادَ بِهِ هَهُنَا نوعا مِنْهُ كالمرض ليَصِح عطف (أَو غير ذَلِك) ، عَلَيْهِ نَحْو نفاد نَفَقَته أَو سرقتها. قَوْله: (وَلَا يرجع) أَي: وَلَا يقْضِي، وَهَذَا فِي النَّفْل، إِذْ الْفَرِيضَة بَاقِيَة فِي ذمَّته كَمَا كَانَت، وَعَلِيهِ أَن يرجع لأَجلهَا فِي سنة أُخْرَى، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس نَحْو هَذَا، رَوَاهُ ابْن جرير من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَفِيه: (فَإِن كَانَت حجَّة الْإِسْلَام فَعَلَيهِ قَضَاؤُهَا، وَإِن كَانَت غير الْفَرِيضَة فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ) . قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين حج النَّفْل الَّذِي يفْسد بِالْجِمَاعِ، فَإِنَّهُ يجب قَضَاؤُهُ، وَالنَّفْل الَّذِي يفوت عَنهُ بِسَبَب الْإِحْصَار؟ قلت: ذَلِك بتقصير، وَهَذَا بِدُونِ تَقْصِيره، وَعند أبي حنيفَة: إِذا تحلل الْمحصر لزمَه الْقَضَاء سَوَاء كَانَ نفلا أَو فرضا، وَهَذِه مَسْأَلَة اخْتِلَاف بَين الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ. فَقَالَ الْجُمْهُور: يذبح الْمحصر الْهَدْي حَيْثُ يحل، سَوَاء كَانَ فِي الْحل أَو الْحرم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يذبحه إِلَّا
стр. 2952
فِي الْحرم، وَفصل الْآخرُونَ كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس هُنَا. فَإِن قلت: مَا سَبَب الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك؟ قلت: منشأ الِاخْتِلَاف فِيهِ هَل نحر النَّبِي ﷺ الْهَدْي بِالْحُدَيْبِية فِي الْحل أَو فِي الْحرم؟ وَكَانَ عَطاء يَقُول: لم ينْحَر يَوْم الْحُدَيْبِيَة إلَاّ فِي الْحرم، وَوَافَقَهُ ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ غَيره من أهل الْمَغَازِي: إِنَّمَا نحر فِي الْحل وَأَبُو حنيفَة أَخذ بقول عَطاء، وَفِي (الاستذكار) : قَالَ عَطاء وَابْن إِسْحَاق: لم ينْحَر ﷺ هَدْيه يَوْم الْحُدَيْبِيَة إلَاّ فِي الْحرم.
وَقَالَ مالِكٌ وغَيْرَهُ يَنْحَرُ هَدْيَهُ ويَحْلِقُ فِي أيِّ مَوْضِعٍ كانَ ولَا قَضاءَ عَلَيْهِ لأنَّ النبيَّ ﷺ وأصْحَابَهُ بالْحُدَيْبِيَّةِ نَحَرُوا وحلَقُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ وقَبْلَ أنْ يَصِلَ الْهَدْيُ إِلَى الْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ أحَدا أنْ يَقْضُوا شَيْئا ولَا يَعُودُوا لَهُ والْحُدَيْبِيَّةُ خارِجُ الحَرَمِ
الَّذِي قَالَ مَالك مَذْكُور فِي (موطئِهِ) وَلَفظه: (أَنه بلغه أَن رَسُول الله، ﷺ ، حل هُوَ وَأَصْحَابه بِالْحُدَيْبِية فنحروا الْهَدْي وحلقوا رؤوسهم وحلوا من كل شَيْء قبل أَن يطوفوا بِالْبَيْتِ، وَقبل أَن يصل إِلَيْهِ الْهَدْي) . ثمَّ لم نعلم أَن رَسُول الله ﷺ أَمر أحدا من أَصْحَابه وَلَا مِمَّن كَانَ مَعَه أَن يقضوا شَيْئا، وَلَا أَن يعودوا لشَيْء. قَوْله: (وَغَيره) أَي غير مَالك، قَالَ بَعضهم: الَّذِي يظْهر لي أَنه عَنى بِهِ الشَّافِعِي لِأَن قَوْله فِي آخِره: (وَالْحُدَيْبِيَة خَارج الْحرم) هُوَ كَلَام الشَّافِعِي فِي (الام) . انْتهى. قلت: قَوْله: (وَالْحُدَيْبِيَة خَارج الْحرم) لَا يدل على أَن المُرَاد من الْغَيْر هُوَ الشَّافِعِي، لِأَن الشَّافِعِي نقل عَنهُ أَيْضا أَن بعض الْحُدَيْبِيَة فِي الْحل وَبَعضهَا فِي الْحرم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك كَيفَ يجوز أَن يتْرك الْموضع الَّذِي من الْحرم من الْحُدَيْبِيَة وينحر فِي الْحل، وَالْحَال أَن بُلُوغ الْكَعْبَة صفة للهدي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَقد قَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن أبي عُمَيْس عَن عَطاء قَالَ: كَانَ منزل النَّبِي ﷺ يَوْم الْحُدَيْبِيَة فِي الْحرم، فَإِذا كَانَ منزل النَّبِي ﷺ فِي الْحرم كَيفَ ينْحَر هَدْيه فِي الْحل؟ وَهَذَا محَال. قَوْله: (فِي أَي مَوضِع كَانَ) ، ويروى: (فِي أَي الْمَوَاضِع) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ أَي: الْحصْر لَا الْحلق؟ قلت: إِنَّمَا فسر بِهَذَا لأجل مذْهبه وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الضَّمِير فِي: كَانَ، يرجع إِلَى الْحلق الَّذِي يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (ويحلق) . قَوْله: (وَلَا يعودوا لَهُ) كلمة: لَا، زَائِدَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿مَا مَنعك أَن لَا تسْجد﴾ (الْأَعْرَاف: ٢١) . قَوْله: (وَالْحُدَيْبِيَة خَارج الْحرم) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذِه الْجُمْلَة يحْتَمل أَن تكون من تَتِمَّة كَلَام مَالك، وَأَن تكون من كَلَام البُخَارِيّ، وغرضه الرَّد على من قَالَ؛ لَا يجوز النَّحْر حَيْثُ أحْصر، بل يجب الْبَعْث إِلَى الْحرم، فَلَمَّا ألزموا بنحر رَسُول الله ﷺ أجابوا بِأَن الْحُدَيْبِيَة إِنَّمَا هِيَ من الْحرم، فَرد ذَلِك عَلَيْهِم. انْتهى. قلت: هَذِه الْجُمْلَة، سَوَاء كَانَت من كَلَام مَالك أَو من كَلَام البُخَارِيّ، لَا تدل على غَرَضه، لِأَن كَون الْحُدَيْبِيَة خَارج الْحرم لَيْسَ مجمعا عَلَيْهِ، وَقد روى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة (عَن الْمسور: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ بِالْحُدَيْبِية خباؤه فِي الْحل وَمُصَلَّاهُ فِي الْحرم) . وَلَا يجوز فِي قَول أحد من الْعلمَاء لمن قدر على دُخُول شَيْء من الْحرم أَن ينْحَر هَدْيه دون الْحرم، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن مَرْوَان والمسور بن مخرمَة، قَالَا: (خرج رَسُول الله ﷺ زمن الْحُدَيْبِيَة فِي بضع عشرَة مائَة من أَصْحَابه) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (وَكَانَ مضطربه فِي الْحل وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْحرم) . انْتهى. قلت: المضطرب هُوَ الْبناء الَّذِي يضْرب ويقام على أوتاد مَضْرُوبَة فِي الأَرْض، والخباء بِكَسْر الْخَاء: بَيت من صوف أَو وبر، وَالْجمع: أخبية، وَإِذا كَانَ من شعر يُسمى: بَيْتا.
٣١٨١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ نافًعٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرا فِي الفِتْنَةِ إنْ صُدِدْتُ عنِ الْبَيْتِ صنَعْنا كَما صَنَعْنَا معَ رسولِ الله ﷺ فأهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أجْلِ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ أهَلَّ بِعُمْرَة عامَ الحُدَيْبِيَّةِ ثُمَّ أنَّ عَبْدَ الله
стр. 2953
ابنَ عُمَرَ نظَرَ فِي أمْرِهِ فَقَالَ مَا أمْرُهُمَا إلَاّ وَاحدٌ فالْتَفَتَ إلَى أصْحَابِهِ فَقَالَ مَا أمْرُهُمَا إلَاّ وَاحِدٌ أشْهِدُكُمْ أنَّي قَدْ أوْجَبْتُ الحَجُ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ طافَ لَهُمَا طَوافا واحِدا ورَأى أنَّ ذَلِكَ مُجْزِيا عَنْهُ وأهْدَى..
قيل: مطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفظه مَا يدل على التَّرْجَمَة. قلت: لما كَانَت قصَّة صده، ﷺ ، بِالْحُدَيْبِية مَشْهُورَة وَأَنَّهُمْ لم يؤمروا بِالْقضَاءِ فِي ذَلِك علم من ذَلِك أَن الْبَدَل لَا يلْزم الْمحصر، وَهَذَا الْقدر كَاف فِي الْمُطَابقَة. وَهَذَا الحَدِيث وَمَا فِيهِ من المباحث قد مرا فِي: بَاب إِذا أحْصر الْمُعْتَمِر.
قَوْله: (ثمَّ طَاف لَهما) أَي: لِلْحَجِّ وَالْعمْرَة. قَوْله: (مجزئا عَنهُ) ، بِضَم الْمِيم: من الْإِجْزَاء وَهُوَ الْأَدَاء الْكَافِي لسُقُوط التَّعَبُّد، ومجزئا بِالنّصب رِوَايَة كَرِيمَة، وَوَجهه أَن يكون خبر كَانَ محذوفا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَغَيره: (مجزىء) ، بِالرَّفْع على أَنه خبر: أَن، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي عِنْدِي أَن النصب من خطأ الْكَاتِب، فَإِن أَصْحَاب (الْمُوَطَّأ) اتَّفقُوا على رِوَايَته بِالرَّفْع على الصَّوَاب. قلت: نِسْبَة الْكَاتِب إِلَى الْخَطَأ خطأ، وَإِنَّمَا يكون خطأ لَو لم يكن لَهُ وَجه فِي الْعَرَبيَّة، واتفاق أَصْحَاب (الْمُوَطَّأ) على الرّفْع لَا يسْتَلْزم كَون النصب خطأ، على أَن دَعْوَى اتِّفَاقهم على الرّفْع لَا دَلِيل لَهَا.
٥ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أوْ بِهِ أذَىً مِنْ رَأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أوْ صَدَقَةِ أوْ نُسُكٍ﴾ .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَهَذِه قِطْعَة من آيَة أَولهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة ﷺ ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَآخِرهَا: ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وتشتمل على أَحْكَام شَتَّى. مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . فَإِن هَذِه نزلت فِي كَعْب بن عجْرَة لما حمل إِلَى النَّبِي ﷺ وَالْقمل يَتَنَاثَر فِي وَجهه، على مَا يَجِيء بَيَانه عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: من كَانَ بِهِ مرض يحوجه إِلَى الْحلق ﴿أَو بِهِ أَذَى من الْحلق﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَهُوَ الْقمل والجراحة. قَوْله: ﴿ففدية﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَي: فَعَلَيهِ إِذا حلق فديَة من صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام، أَو صَدَقَة على سِتَّة مَسَاكِين لكل مِسْكين نصف صَاع من بر. قَوْله: ﴿أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . جمع نسيكة، وَهِي الذَّبِيحَة، أَعْلَاهَا بَدَنَة، وأوسطها بقرة، وَأَدْنَاهَا شَاة. وَهل هِيَ على التَّخْيِير أَو لَا؟ فِيهِ خلاف، يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وهْوَ مُخَيَّرٌ وأمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أيَّامٍ
الضَّمِير أَعنِي قَوْله: (هُوَ) يرجع إِلَى كل وَاحِد من الْمَرِيض وَمن بِهِ أَذَى فِي رَأسه. قَوْله: (مُخَيّر) يَعْنِي: بَين الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة، فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة وَهِي: صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام، وَالصَّدَََقَة على سِتَّة مَسَاكِين، وَذبح شَاة. قَوْله: (وَأما الصَّوْم) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وَأما الصّيام) ، على لفظ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن وَكلمَة: إِمَّا تفصيلية تَقْتَضِي القسيم وَهُوَ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَأما الصَّدَقَة فَهِيَ إطهام سِتَّة مَسَاكِين، وَأما النّسك فأقله شَاة.
٤١٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفُ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ حُمَيْدِ بنِ قَيْسٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنْ رسولِ الله ﷺ أنَّهُ قَالَ لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ قَالَ نَعَمْ يَا رسولَ الله فَقَالَ رسولُ الله ﷺ احْلِقْ رَأسَكَ وصُمْ ثلاثَةَ أيَّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أوِ انْسُكُ بِشَاةٍ. .
مطابقته لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة ظَاهِرَة، وَحميد مصغر الْحَمد بن قيس أَبُو صَفْوَان مولى عبد الله بن الزبير الْأَعْرَج الْقَارِي، مَاتَ فِي خلَافَة السفاح، وَكَعب بن عجْرَة، بِضَم الْعين، وَقد مر فِي كتاب الصَّلَاة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي الْحَج عَن أبي نعيم وَعَن أبي الْوَلِيد وَعَن إِسْحَاق وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف، فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَة وَمَعَ عبد الله
стр. 2954
ابْن يُوسُف خَمْسَة أخرج عَنْهُم فِي الْحَج على التوالي، وَأخرجه أَيْضا فِي الطِّبّ عَن قبيصَة وَعَن أبي عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي عبد الله أَيْضا، وَفِي النذور عَن أَحْمد بن يُونُس، وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن الْحسن بن خلف وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي الطِّبّ أَيْضا عَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن عبيد الله بن عمر القواريري وَأبي الرّبيع الزهْرَانِي وَعَن عَليّ بن حجر وَزُهَيْر ابْن حَرْب وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن ابْن أبي عمر وَعَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ أَيْضا عَن وهب بن بَقِيَّة وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعَن قُتَيْبَة وَعَن القعْنبِي عَن مَالك وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن عمر، وَفِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن حجر فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مُحَمَّد ابْن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى، وَفِيه وَفِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه من رِوَايَة أُسَامَة بن زيد عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَن كَعْب بن عجْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر اخْتِلَاف أَلْفَاظه: قد مَضَت رِوَايَة البُخَارِيّ: (لَعَلَّك أذاك هوامك؟) وَفِي لفظ: (تؤذيك هوامك؟) وَفِي لفظ مُسلم: (أتؤذيك هوَام رَأسك؟) . وَفِي لفظ أبي دَاوُد: (قد أذاك هوَام رَأسك؟) . وَفِي لفظ: (أصابني هوَام فِي رَأْسِي وَأَنا مَعَ النَّبِي ﷺ عَام الْحُدَيْبِيَة حَتَّى تخوفت على بَصرِي) ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: (أتؤذيك هوامك هَذِه؟) . وَلَفظ النَّسَائِيّ: (أتؤذيك هوامك؟) وَفِي لفظ أَحْمد: (تؤذيك هوَام رَأسك؟) وَفِي لفظ لَهُ: (فَأرْسل إِلَيّ فدعاني، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: لقد أَصَابَك بلَاء وَنحن لَا نشعر، أدعوا إِلَى الْحجام، فحلقني) . وَمن لَفظه: (وَقع الْقمل فِي رَأْسِي ولحيتي حَتَّى حاجبي وشاربي) ، وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ (وقف عَليّ رَسُول الله، ﷺ ، بِالْحُدَيْبِية ورأسي يتهافت قملاً) . وَفِي لفظ: (وَالْقمل يتهافت لماء جمعه وَفِي لفظ (فَقل رَأسه ولحيته) وَفِي لفظ يَتَنَاثَر على وَجْهي) ، وَفِي لفظ: (رَآهُ وقمله يسْقط على وَجهه) ، ولفط مُسلم رَأسه يتهافت قملاً وَفِي لفظ النَّسَائِيّ: (وَالْقمل يَتَنَاثَر على وَجْهي أَو حاجبي) ، وَفِي لفظ: (ورأسي يتهافت قملاً) . وَفِي لفظ للطبراني (مر بِي وَعلي وفرة من أصل كل شَعْرَة إِلَى فرعها قمل وصيبان) ، وَفِي لفظ: (حَتَّى تخوفت على بَصرِي، فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة) . وَفِي لفظ للطبري: (فحك رَأْسِي بإصبعه فانتثر مِنْهُ الْقمل) ، وَفِي لفظ فِي (مقامات التَّنْزِيل) : (فَوَقع الْقمل فِي رَأْسِي ولحيي حَتَّى وَقع فِي حاجبي) ، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: (أحلق رَأسك وصم) إِلَى آخِره، وَفِي لفظ لَهُ: (فَأمره أَن يحلق وَهُوَ بِالْحُدَيْبِية) ، وَفِي لفظ: (فَدَعَا الحلاق فحلقه ثمَّ أَمرنِي بِالْفِدَاءِ) ، وَفِي لفظ: (فَاحْلِقْ وصم ثَلَاثَة أَيَّام) ، وَفِي لفظ مُسلم: (فَاحْلِقْ رَأسك وَأطْعم فرقا بَين سِتَّة مَسَاكِين) وَفِي لفظ: (إحلق ثمَّ اذْبَحْ شَاة نسكا) ، وَفِي لفظ: (فَدَعَا الحلاف فحلق رَأسه) ، وَفِي لفظ أبي دَاوُد: (فدعاني رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ لي: احْلق رَأسك وصم ثَلَاثَة أَيَّام) ، وَفِي لفظ لِلتِّرْمِذِي: (إحلق وَأطْعم فرقا) ، وَفِي لفظ للنسائي: (فَاحْلِقْ رَأسك وانسك نسيكة) ، وَفِي لفظ ابْن مَاجَه: (أَمرنِي النَّبِي، ﷺ ، حِين آذَانِي الْقمل أَن أحلق رَأْسِي وَأَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام) . وَفِي لفظ للطبراني: (إحلق واهد هَديا) ، وَفِي لفظ لَهُ: (اهد بقرة وأشعرها وقلدها فَافْتدى ببقرة) ، وَفِي لفظ: (مر بِهِ فَأمره أَن يحلق، وجاءه الْوَحْي فَقَالَ، ﷺ : إِن شِئْت فَصم ثَلَاثَة أَيَّام) . وَفِي لفظ: (أنسك مَا تيَسّر) . وَفِي لفظ: (أَو إذبح ذَبِيحَة) . وَفِي لفظ: (فَاحْلِقْ أَو جزه إِن شِئْت وَأطْعم سِتَّة مَسَاكِين) . وروى الواحدي فِي (أَسبَاب النُّزُول) من رِوَايَة الْمُغيرَة بن صقْلَابٍ، قَالَ: حَدثنَا عمر بن قيس الْمَكِّيّ عَن عَطاء (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما نزلنَا الْحُدَيْبِيَة جَاءَ كَعْب بن عجْرَة، تنثر هوَام رَأسه على جَبهته، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! هَذَا الْقمل قد أكلني، قَالَ: إحلق وافده. قَالَ: فحلق كَعْب وَنحر بقرة، فَأنْزل الله فِي ذَلِك الْوَقْت: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَالَ ابْن عَبَّاس: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الصّيام ثَلَاثَة أَيَّام والنسك شَاة وَالصَّدَََقَة الْفرق بَين سِتَّة مَسَاكِين لكل مِسْكين مدَّان) . وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: هَذَا حَدِيث شَاذ مُنكر، وَعمر بن قيس هُوَ الْمَعْرُوف بِسَنَد مُنكر الحَدِيث، وَلم ينْقل أَن ابْن عَبَّاس كَانَ فِي عمر الْحُدَيْبِيَة وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن ابْن عَبَّاس لم يكن مَعَ النَّبِي ﷺ فِي إِحْرَام إلَاّ فِي حجَّة الْوَدَاع، وَمن الْمُنكر قَوْله: (وَنحر بقرة) ، فَفِي (الصَّحِيح) (أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ: أتجد شَاة؟ قَالَ: لَا، وَإنَّهُ أَمر بِالصَّوْمِ أَو الْإِطْعَام) . انْتهى. قلت: الحَدِيث يدل على أَن ابْن عَبَّاس
стр. 2955
كَانَ مَعَ النَّبِي، ﷺ ، فِي عمْرَة الْحُدَيْبِيَة، وَالشَّافِعِيّ يَنْفِي، والمثبت مقدم. وَأما نحر الْبَقَرَة فقد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَعَلَّك آذَاك؟) وَفِي لفظ لَهُ: (حملت إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَفِي لفظ: (وقف عَليّ رَسُول الله ﷺ بِالْحُدَيْبِية) . وَفِي لفظ: (إِنَّه ﷺ رَآهُ وَأَنه يسْقط على وَجهه) ، وَفِي لفظ: (مرَّ بِي النَّبِي ﷺ ، وَفِي لفظ لمُسلم: (قَالَ: فَأَتَيْته، قَالَ: أدنه) . وَفِي لفظ لَهُ: (مر بِهِ النَّبِي ﷺ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِية قبل أَن يدْخل مَكَّة وَهُوَ محرم) . فَإِن قلت: مَا الْجمع بَين اخْتِلَاف هَذِه الرِّوَايَات والقصة وَاحِدَة؟ قلت: لَا تعَارض فِي شَيْء من ذَلِك، أما لفظ: (لَعَلَّك آذَاك؟) فساكت عَن قيد، وَأما بَقِيَّة الْأَلْفَاظ فوجهها أَنه مر بِهِ وَهُوَ محرم فِي أول الْأَمر وَسَأَلَهُ عَن ذَلِك، ثمَّ حمل إِلَيْهِ ثَانِيًا بإرساله إِلَيْهِ، وَأما إِتْيَانه فَبعد الْإِرْسَال، وَأما رَأَيْته إِيَّاه فَلَا بُد مِنْهَا فِي الْكل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي قَوْله: (لَعَلَّك آذَاك هوامك؟) هَذَا سُؤال عَن تَحْقِيق الْعلَّة الَّتِي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا الحكم، فَلَمَّا أخبرهُ بالمشقة الَّتِي نالته أمره بِالْحلقِ، والهوام، بتَشْديد الْمِيم: جمع هَامة وَهِي مَا تدب من الأحناش، وَالْمرَاد بهَا ملا يلازم جَسَد الْإِنْسَان غَالِبا إِذا طَال عَهده بالتنظيف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَا يَقع هَذَا الإسم إلَاّ على الْمخوف من الأحناش، وَالْمرَاد بهَا الْقمل، لِأَنَّهُ يهم على الرَّأْس أَي: يدب قلت: إِنَّمَا قَالَ: وَالْمرَاد بهَا الْقمل، لِأَنَّهُ هُوَ الْمَذْكُور فِي كثير من الرِّوَايَات. قَوْله: (إحلق رَأسك) ، أمره بِالْحلقِ وَهُوَ إِزَالَة شعر الرَّأْس، أَعم من أَن يكون بالوسى وبالمقص أَو بالنورة أَو غير ذَلِك. قَوْله: (أَو أطْعم سِتَّة مَسَاكِين) لَيْسَ فِيهِ بَيَان قدر الْإِطْعَام، وَسَيَأْتِي الْبَيَان فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (أَو أنسك بِشَاة) ، هَكَذَا وَقعت رِوَايَة الْأَكْثَرين: بِشَاة، بِالْبَاء، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَو أنسك شَاة) ، بِغَيْر بَاء، وعَلى الأول تَقْدِيره: تقرب بِشَاة، فَلذَلِك عداهُ بِالْبَاء، وعَلى الثَّانِي تَقْدِيره: إذبح.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من الْأَحْكَام: مِنْهَا: جَوَاز الْحلق للْمحرمِ للْحَاجة مَعَ الْكَفَّارَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة الْكَرِيمَة، وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: أَنه لَيْسَ فِيهِ تعرض لغير حلق الرَّأْس من سَائِر شُعُور الْجَسَد، وَقد أوجب الْعلمَاء الْفِدْيَة بحلق سَائِر شُعُور الْبدن لِأَنَّهَا فِي معنى حلق الرَّأْس إلَاّ دَاوُد الظَّاهِرِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تجب الْفِدْيَة إلَاّ بحلق الرَّأْس فَقَط، وَحكى الرَّافِعِيّ عَن الْمحَامِلِي: أَن فِي رِوَايَة عَن مَالك لَا تتَعَلَّق الْفِدْيَة بِشعر الْبدن.
وَمِنْهَا: أَنه أَمر بحلق شعر نَفسه، فَلَو حلق الْمحرم شعر حَلَال فَلَا فديَة على وَاحِد مِنْهُمَا عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَحكى عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: لَيْسَ للْمحرمِ أَن يحلق شعر الْحَلَال، فَإِن فعل فَعَلَيهِ صَدَقَة.
وَمِنْهَا: أَنه إِذا حلق رَأسه أَو لبس أَو تطيب عَامِدًا من غير ضَرُورَة، فقد حكى ابْن عبد الْبر فِي (الاستذكار) عَن أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وأصحابهما، وَأَبُو ثَوْر: أَن عَلَيْهِ دَمًا لَا غير، وَأَنه لَا يُخَيّر إلَاّ فِي الضَّرُورَة، وَقَالَ مَالك: بئس مَا فعل وَعَلِيهِ الْفِدْيَة، وَهُوَ مُخَيّر فِيهَا. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَمَا حَكَاهُ عَن الشَّافِعِي وَأَصْحَابه لَيْسَ بجيد، بل الْمَعْرُوف عَنْهُم وجوب الْفِدْيَة، كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ، كَمَا أوجبوا الْكَفَّارَة فِي الْيَمين الْغمُوس، بل أولى بِالْوُجُوب.
وَمِنْهَا: أَنه أطلق الْحلق لكعب بن عجْرَة وَلَكِن لضرورته، ولغير الضَّرُورَة لَا يجوز للْمحرمِ حَتَّى إِذا حلق من غير ضَرُورَة يلْزمه الْفِدْيَة، سَوَاء كَانَ عَامِدًا أَو نَاسِيا أَو عَالما أَو جَاهِلا، وَذهب إِسْحَاق وَدَاوُد إِلَى أَنه: لَا شَيْء على النَّاسِي.
وَمِنْهَا: أَنه قدم الْحلق على الصَّوْم وَالْإِطْعَام، وَفِي الْآيَة قدم الصَّوْم، فَهَل يفهم مِنْهُ وجوب التَّرْتِيب أَو المُرَاد الْأَفْضَلِيَّة فِيمَا قدم فِي الْآيَة والْحَدِيث؟ وَالْجَوَاب أَن الحَدِيث اخْتلفت أَلْفَاظه فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، فَفِي حَدِيث الْبَاب قدم الْحلق، وَفِي الحَدِيث الآخر قدم الصَّوْم، حَيْثُ قَالَ: (صم ثَلَاثَة أَيَّام أَو تصدق بفرق بَين سِتَّة مَسَاكِين أَو أنسك مَا تيَسّر) . وَهَذَا مُوَافق لِلْآيَةِ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (قَالَ أَيُّوب: فَلَا أَدْرِي بِأَيّ ذَلِك بَدَأَ) . وَفِي رِوَايَة لَهُ: (إذبح شَاة نسكا أَو صم ثَلَاثَة أَيَّام أَو أطْعم. .) الحَدِيث، وعَلى هَذَا فَلَا فضل فِي تَقْدِيم أحد الْأَنْوَاع على بَعْضهَا من هَذَا الحَدِيث، لَكِن قد يسْتَدلّ بِتَقْدِيم الشَّاة فِي الْكَفَّارَة الْمرتبَة على أَفضَلِيَّة تَقْدِيم الذّبْح فِي غير الْمرتبَة.
وَمِنْهَا: أَنه خَيره بَين الصَّوْم وَالْإِطْعَام وَالذّبْح، وَقَالَ أَبُو عمر: عَامَّة الْآثَار عَن كَعْب وَردت بِلَفْظ التَّخْيِير، وَهُوَ نَص الْقُرْآن الْعَظِيم، وَعَلِيهِ مضى عمل الْعلمَاء فِي كل الْأَمْصَار، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي (تَفْسِيره) عَن أبي سعيد الْأَشَج: حَدثنَا حَفْص
стр. 2956
الْمحَاربي عَن لَيْث عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَالَ إِذا كَانَ أَو، أَو بأية أخذت أجزأك. قَالَ: وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وطاووس والجنيد وَحميد الْأَعْرَج وَالنَّخَعِيّ وَالضَّحَّاك نَحْو ذَاك، وَذهب أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر إِلَى أَن التَّخْيِير لَا يكون إلَاّ فِي الضَّرُورَة، فَإِن فعل ذَلِك من غير ضَرُورَة فَعَلَيهِ دم، وَفِي (صَحِيح مُسلم) رِوَايَة عبد الْكَرِيم صَرِيحَة فِي التَّخْيِير حَيْثُ قَالَ: أَي ذَلِك فعلت أجزأك ﴿كَذَا رِوَايَة أبي دَاوُد الَّتِي فِيهَا: إِن شِئْت وَإِن شِئْت، ووافقها رِوَايَة عبد الْوَارِث عَن أبي نجيح، أخرجهَا مُسَدّد فِي (مُسْنده) وَمن طَرِيقه الطَّبَرَانِيّ، لَكِن رِوَايَة عبد الله بن مُغفل الَّتِي تَأتي عَن قريب تَقْتَضِي أَن التَّخْيِير إِنَّمَا هُوَ بَين الْإِطْعَام وَالصِّيَام لمن لم يجد النّسك. وَلَفظه، (قَالَ: أتجد شَاة؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَصم أَو أطْعم) . وَلأبي دَاوُد فِي رِوَايَة أُخْرَى: (أَمَعَك دم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِن شِئْت فَصم) ، وَنَحْوه: للطبراني من طَرِيق عَطاء عَن كَعْب، وَوَافَقَهُمْ أَبُو الزبير عَن مُجَاهِد عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَزَاد بعد قَول: (مَا أجد هَديا. قَالَ: فأطعم﴾ قَالَ: مَا أجد؟ قَالَ: صم) ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) : فِيهِ دَلِيل على أَن من وجد نسكا لَا يَصُوم، يَعْنِي وَلَا يطعم، لَكِن لَا أعرف من قَالَ بذلك من الْعلمَاء إلَاّ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَغَيره عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: النّسك شَاة، فَإِن لم يجد قومت الشَّاة دَرَاهِم، وَالدَّرَاهِم طَعَاما فَتصدق بِهِ، أَو صَامَ لكل نصف صَاع يَوْمًا. أخرجه من طَرِيق الْأَعْمَش عَنهُ، قَالَ: فَذَكرته لإِبْرَاهِيم، فَقَالَ: سَمِعت عَلْقَمَة مثله، فَحِينَئِذٍ يحْتَاج إِلَى الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ، وَقد جمع بَينهمَا بأوجه: مِنْهَا مَا قَالَ: أَبُو عمر: إِن فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى تَرْجِيح التَّرْتِيب لَا لإيجابه، وَمِنْهَا مَا قَالَ النَّوَوِيّ: لَيْسَ المُرَاد أَن الصّيام أَو الْإِطْعَام لَا يجزىء إلَاّ لفاقد الْهَدْي، بل المُرَاد بِهِ أَنه استخبره: هَل مَعَه هدي أَو لَا؟ فَإِن كَانَ واجده أعلمهُ أَنه مُخَيّر بَينه وَبَين الصّيام وَالْإِطْعَام، وَإِن لم يجده أعلمهُ أَنه مُخَيّر بَينهمَا. وَمِنْهَا مَا قَالَه بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ لما أذن لَهُ فِي حلق رَأسه بِسَبَب أَذَى أفتاه بِأَن يكفر بِالذبْحِ على سَبِيل الإجتهاد مِنْهُ ﷺ أَو بِوَحْي غير متلوٍّ، فَلَمَّا أعلمهُ أَنه لَا يجد نزلت الْآيَة بالتخيير بَين الذّبْح وَالْإِطْعَام وَالصِّيَام، فخيره حِينَئِذٍ بَين الصّيام وَالْإِطْعَام لعلمه بِأَنَّهُ لَا ذبح مَعَه، فصَام لكَونه لم يكن مَعَه مَا يطعمهُ، ويوضح ذَلِك رِوَايَة مُسلم فِي حَدِيث عبد الله ابْن مُغفل حَيْثُ قَالَ: (أتجد شَاة؟ قَالَ: لَا، فَنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . فَقَالَ: صم ثَلَاثَة أَيَّام أَو أطْعم) . وَفِي رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي، قَالَ: (صم ثَلَاثَة أَيَّام أَو أطْعم سِتَّة مَسَاكِين. قَالَ: وَكن قد علم أَنه لَيْسَ عِنْدِي مَا أنسك بِهِ) . وَنَحْوه فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَن كَعْب. فَإِن قلت: سِيَاق الْآيَة يشْعر بِأَن يقدم الصّيام على غَيره؟ قلت: لَيْسَ ذَلِك لكَونه أفضل فِي هَذَا الْمقَام من غَيره، بل السرّ فِيهِ أَن الصَّحَابَة الَّذين خوطبوا شفاها بذلك كَانَ أَكْثَرهم يقدر على الصّيام أَكثر مِمَّا يقدر على الذّبْح وَالْإِطْعَام.
وَمِنْهَا: أَن الصَّوْم ثَلَاثَة أَيَّام، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا ابْن أبي عمرَان حَدثنَا عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن أَشْعَث عَن الْحسن فِي قَوْله: ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَالَ: إِذا كَانَ بالمحرم أَذَى من رَأسه حلق وافتدى بِأَيّ هَذِه الثَّلَاثَة شَاءَ، وَالصِّيَام عشرَة أَيَّام، وَالصَّدَََقَة على عشرَة مَسَاكِين لكل مِسْكين مكوكان مكوك من تمر ومكوك من بر، والنسك شَاة، وَقَالَ قَتَادَة عَن الْحسن وَعِكْرِمَة. فِي قَوْله: ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . قَالَ: إطْعَام عشرَة مَسَاكِين، وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) : وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ من سعيد بن جُبَير وعلقمة وَالْحسن وَعِكْرِمَة قَولَانِ غَرِيبَانِ فيهمَا نظر، لِأَنَّهُ قد ثبتَتْ السّنة فِي حَدِيث كَعْب بن عجْرَة: (فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام لَا عشرَة، وَقَالَ أَبُو عمر فِي (الاستذكار) : رُوِيَ عَن الْحسن وَعِكْرِمَة وَنَافِع صَوْم عشرَة أَيَّام، قَالَ: وَلم يتابعهم أحد من الْعلمَاء على ذَلِك.
وَمِنْهَا: أَن الْإِطْعَام لسِتَّة مَسَاكِين، وَلَا يجزىء أقل من سِتَّة، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَحكى عَن أبي حنيفَة أَنه: يجوز أَن يدْفع إِلَى مِسْكين وَاحِد، وَالْوَاجِب فِي الْإِطْعَام لكل لمسكين نصف صَاع من أَي شَيْء كَانَ الْمخْرج فِي الْكَفَّارَة قمحا أَو شَعِيرًا أَو تَمرا، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَدَاوُد، وَحكي عَن الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة تَخْصِيص ذَلِك بالقمح، وَأَن الْوَاجِب من الشّعير وَالتَّمْر صَاع لكل مِسْكين. وَحكى ابْن عبد الْبر عَن أبي حنيفَة وَأَصْحَابه كَقَوْل مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَعند أَحْمد فِي رِوَايَة: إِن الْوَاجِب فِي الْإِطْعَام لكل مِسْكين مدَّ من قَمح أَو مدان من تمر أَو شعير.
стр. 2957
وَمِنْهَا: مَا احْتج بِعُمُوم الحَدِيث مَالك على أَن الْفِدْيَة يَفْعَلهَا حَيْثُ شَاءَ، سَوَاء فِي ذَلِك الصّيام وَالْإِطْعَام وَالْكَفَّارَة، لِأَنَّهُ لم يعين لَهُ موضعا للذبح أَو الْإِطْعَام، وَلَا يجوز تَأَخّر الْبَيَان عَن وَقت الْبَيَان، وَقد اتّفق الْعلمَاء فِي الصَّوْم أَن لَهُ أَن يَفْعَله حَيْثُ شَاءَ لَا يخْتَص ذَلِك بِمَكَّة وَلَا بِالْحرم، وَأما النّسك وَالْإِطْعَام فجوزهما مَالك أَيْضا كَالصَّوْمِ، وخصص الشَّافِعِي ذَلِك بِمَكَّة أَو بِالْحرم، وَاخْتلف فِيهِ قَول أبي حنيفَة، فَقَالَ مرّة: يخْتَص بذلك الدَّم دون الْإِطْعَام، وَقَالَ مرّة: يختصان جَمِيعًا بذلك، وَقَالَ هشيم: أخبرنَا لَيْث عَن طَاوُوس أَنه كَانَ يَقُول: مَا كَانَ من دم أَو إطْعَام فبمكة، وَمَا كَانَ من صِيَام فَحَيْثُ شَاءَ. وَكَذَا قَالَ عَطاء وَمُجاهد وَالْحسن.
وَمِنْهَا: مَا قَالَ شَيخنَا زين الدّين: يسْتَثْنى من عُمُوم التَّخْيِير فِي كَفَّارَة الأذي حكم العَبْد إِذا احْتَاجَ إِلَى الْحلق، فَإِن فَرْضه الصَّوْم على الْجَدِيد سَوَاء أحرم بِغَيْر إِذن سَيّده أَو بِإِذْنِهِ، فَإِن الْكَفَّارَة لَا تجب على السَّيِّد كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ، وَلَو ملكه السَّيِّد لم يملكهُ على الْجَدِيد، وعَلى الْقَدِيم يملكهُ.
٦ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالى ﴿أوْ صَدقَةٍ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَهْيَ إطْعَامُ سِتَّةِ مَساكِينَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير الصَّدَقَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو صَدَقَة﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . لِأَنَّهَا مُبْهمَة. وفسرها بقوله: (وَهِي إطْعَام سِتَّة مَسَاكِين) .
٥١٨١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدثنَا سَيْفٌ قَالَ حدَّثني مُجَاهِدٌ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ أبِي لَيْلَى قَالَ أنَّ كَعْبَ بنَ عَجْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ وقَفَ عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ بالْحُدَيْبِيَّةِ ورَاسِي يَتَهَافَتُ قَمْلاً فَقَالَ يُؤْذِيكَ هَوَامُكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فاحْلِقْ رَأسَكَ أوْ قالَ احْلِقْ قَالَ فِيَّ نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أوْ بِهِ أَذَى مِنْ رأسِهِ إِلَى آخِرهَا فَقَالَ النبيُّ ﷺ صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ أوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ أوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو تصدق بفرق بَين سِتَّة) فَإِنَّهُ تَفْسِير لقَوْله تَعَالَى: ﴿أَو صَدَقَة﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . فِي الْآيَة الْمَذْكُور، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وَقد تكَرر ذكره، وَسيف، بِلَفْظ الْآلَة القاطعة: ابْن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ تقدم فِي أَبْوَاب الْقبْلَة.
قَوْله: (عَليّ) ، بتَشْديد الْيَاء الْمَفْتُوحَة، (وَرَسُول الله) ، بِالرَّفْع فَاعل: وقف، وَالْبَاء فِي: بِالْحُدَيْبِية، بِمَعْنى فِي ظرفية. قَوْله: (ورأسي يتهافت) جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَمعنى: يتهافت، بِالْفَاءِ يتساقط شَيْئا فَشَيْئًا، وَهُوَ مَأْخُوذ من: الهفت، بِسُكُون الْفَاء. وَفِي (الْمُحكم) : الهفت تساقط الشَّيْء قِطْعَة قِطْعَة كالثلج والرذاذ وَنَحْوهمَا، وتهافت الْفراش فِي النَّار تساقطه، وتهافت الْقَوْم تساقطوا موتا، وتهافتوا عَلَيْهِ: تتابعوا وانتصاب: قملاً، على التَّمْيِيز. قَوْله: (أَو احْلق) شكّ من الرَّاوِي ومفعوله مَحْذُوف. قَوْله: (فِي) ، بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء الْمَفْتُوحَة. قَوْله: (بفرق) ، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتحهَا: وَهُوَ مكيال مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ سِتَّة عشر رطلا.
وَقَالَ الْأَزْهَرِي: كَلَام الْعَرَب بِفَتْح الرَّاء، والمحدثون قد يسكنونه. وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عِنْد أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا: (وَالْفرق: ثَلَاثَة آصَع) . وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي قلَابَة عَن ابْن أبي ليلى: (وَأطْعم ثَلَاثَة آصَع من تمر على سِتَّة مَسَاكِين) ، وآصع، بِمد الْهمزَة وَضم الصَّاد: جمع صَاع على الْقلب، لِأَن الْقيَاس فِي جمعه: أصوع، بقصر الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد بعْدهَا واوا مَضْمُومَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَإِن شِئْت أبدلت من الْوَاو المضمومة همزَة، فَقلت: أصؤع، وَحكى الْوَجْهَانِ كَذَلِك فِي آدور وآدر، جمع: دَار، وَذكر ابْن مكي فِي كتاب (تثقيف اللِّسَان) : أَن قَوْلهم: آصَع، بِالْمدِّ لحن من خطأ الْعَوام، وَأَن صَوَابه: آصوع، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا غلط مِنْهُ مَرْدُود وَذُهُول. قلت: الْقيَاس مَا ذكره ابْن مكي، وَأما الَّذِي ورد فَمَحْمُول على الْقلب، ووزنه على هَذَا: أعفل، فَافْهَم. وَفِي الصَّاع لُغَتَانِ: التَّذْكِير والتأنيث، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي وَغَيره.
قَوْله: (بَين سِتَّة) أَي بَين سِتَّة مَسَاكِين قَوْله: (أَو أنسك) على صِيغَة الْأَمر من نسك إِذا ذبح، وَهُوَ رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة غَيرهَا: (أَو نسك) ، بِلَفْظ الِاسْم وَالْأول هُوَ الْمُنَاسب لأخوته، أللهم إلَاّ أَن يُقَال: أَو أنسك بنسك، قَالَ الْكرْمَانِي: أَو هُوَ من بَاب:
(علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا)
قَوْله: (بِمَا تيَسّر) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَغَيره: (مِمَّا تيَسّر) ، وَأَصله
стр. 2958
من مَا تيَسّر، فحذفت النُّون وأدغمت الْمِيم فِي الْمِيم أَي: مِمَّا تيَسّر من أَنْوَاع الْهَدْي.
٧ - (بابٌ الإطْعَامُ فِي الْفِدْيَةِ نِصْفَ صَاعٍ)
أَي: هَذَا بَاب، التَّنْوِين، يذكر فِيهِ الْإِطْعَام فِي الْفِدْيَة نصف صَاع، فالإطعام مُبْتَدأ، وَنصف صَاع خَبره أَي: نصف لكل مِسْكين. وَقَالَ بَعضهم: يُشِير بذلك إِلَى الرَّد على من فرق فِي ذَلِك بَين الْقَمْح وَغَيره. قلت: لَيْسَ فِيهِ إِشَارَة إِلَى ذَلِك. لِأَن قَوْله: (نصف صَاع) يُرَاد بِهِ نصف صَاع من قَمح، لِأَن نصف صَاع عِنْد الْإِطْلَاق ينْصَرف إِلَى الْقَمْح، وَلَا خلاف فِيهِ، وَيُؤَيّد هَذَا مَا فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث كَعْب أَيْضا: (أَو إطْعَام سِتَّة مَسَاكِين نصف صَاع نصف صَاع طَعَاما لكل مِسْكين) . فَقَوله: (طَعَاما) ، يبين أَن المُرَاد من نصف صَاع هُوَ الْقَمْح، وَبِه يفرق بَين الْقَمْح وَغَيره، وَيرد بِهَذَا على الْقَائِل الْمَذْكُور فِي قَوْله: يُشِير بذلك إِلَى الرَّد على من فرق بَين الْقَمْح وَغَيره.
٦١٨١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بن الأصْبَهَانِيِّ عنْ عَبْدِ الله بنِ مَعْقِلٍ قَالَ جَلَسْتُ إلَى كَعْبٍ بنِ عُجْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فسَألْتُهُ عنِ الْفِدْيَةِ فَقَالَ نزَلَتْ فِيَّ خاصَّةٍ وَهْيَ لَكمْ عامَّةٍ حُمِلْتُ إلَى رسولِ الله ﷺ والْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ مَا كُنْتُ أُرى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أرَى أوْ مَا كُنْتُ أرَى الجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أرَى تَجِدُ شَاة فَقُلْتُ لَا فَقَالَ صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لكل مِسْكين نصف صَاع) ، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن الْأَصْبَهَانِيّ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا وبالباء الْمُوَحدَة وَالْفَاء أَرْبَعَة أوجه: وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الْكُوفِي، وَأَصله من أَصْبَهَان، وَعبد الله ابْن معقل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف وباللام: ابْن مقرن، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة: التَّابِعِيّ الْكُوفِي، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر عَن عدي بن حَاتِم، مَاتَ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ من الْهِجْرَة.
قَوْله: (جَلَست إِلَى كَعْب بن عجْرَة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق غنْدر عَن شُعْبَة: (وَهُوَ فِي الْمَسْجِد) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد بن بهز: (قعدت إِلَى كَعْب بن عجْرَة فِي هَذَا الْمَسْجِد) ، وَزَاد فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن قرم عَن ابْن الْأَصْبَهَانِيّ: (يَعْنِي مَسْجِد الْكُوفَة) ، وَمعنى: جَلَست إِلَى كَعْب، انْتهى جلوسي إِلَى كَعْب. قَوْله: (نزلت فيَّ) بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء أَي: نزلت الْآيَة المرخصة لحلق الرَّأْس، ومقصوده أَنه من بَاب خُصُوص السَّبَب وَعُمُوم اللَّفْظ. قَوْله: (حملت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَالْقمل يَتَنَاثَر) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أُرى الوجع) ، بِضَم الْهمزَة أَي: أَظن. (وَأرى) الثَّانِي، بِفَتْح الْهمزَة بِمَعْنى أبْصر. قَوْله: (يبلغ بك) بِصِيغَة الْمُضَارع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي، وَعند غَيرهمَا: (بلغ بك) ، بِصِيغَة الْمَاضِي. قَوْله: (الْجهد) ، بِفَتْح الْجِيم: الْمَشَقَّة، وَفِيه شكّ من الرَّاوِي، هَل قَالَ: الوَجع أَو الجَهد؟ وَقَالَ النَّوَوِيّ: ضم الْجِيم لُغَة فِي الْمَشَقَّة أَيْضا. وَكَذَا حَكَاهُ عِيَاض عَن ابْن دُرَيْد. قَالَ صَاحب (الْعين) بِالضَّمِّ: الطَّاقَة، وبالفتح الْمَشَقَّة، فَتعين الْفَتْح هُنَا. قَوْله: (تَجِد شَاة؟) خطاب لكعب، وَالْمعْنَى: هَل تَجِد شَاة؟ قَوْله: (فَقلت: لَا) أَي: لَا أجد. قَوْله: (فَقَالَ: صم) أَي: فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ: صم، وَهُوَ أَمر من صَامَ يَصُوم. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْفَاء للتَّرْتِيب، وَلَكِن لفظ الْقُرْآن ورد على التَّخْيِير؟ قلت: التَّخْيِير إِنَّمَا هُوَ عِنْد وجود الشَّاة، وَأما عِنْد عدمهَا فَبين أحد الْأَمريْنِ لَا بَين الثَّلَاثَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: فَلَيْسَ المُرَاد أَن الصَّوْم لَا يجزىء إلَاّ لعادم الْهَدْي، بل هُوَ مَحْمُول على أَنه سَأَلَ عَن النّسك، فَإِن وجده أخبرهُ بِأَنَّهُ مُخَيّر بَين الثَّلَاث، وَإِن عَدمه فَهُوَ مُخَيّر بَين اثْنَيْنِ. قَوْله: (لكل مِسْكين نصف صَاع) أَي: من قَمح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه فِي رِوَايَة أَحْمد عَن بهز عَن شُعْبَة: (نصف صَاع طَعَام) وأصرح مِنْهُ مَا رَوَاهُ بشر بن عمر عَن شُعْبَة: (نصف صَاع حِنْطَة) ، فَهَذَا يدل على صِحَة الْفرق بَين الْقَمْح وَغَيره. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ عَن أَحْمد بن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ عَن أبي الْوَلِيد، شيخ البُخَارِيّ فِيهِ: (لكل مِسْكين نصف صَاع تمر) . قلت: الْمَحْفُوظ عَن شُعْبَة أَنه قَالَ: فِي الحَدِيث (نصف صَاع من طَعَام) وَالِاخْتِلَاف عَلَيْهِ فِي كَونه تَمرا أَو غَيره، من تصرف الروَاة.
стр. 2959
٨ - (بابٌ النُّسُكُ شَاةٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن النّسك الْمَذْكُور فِي الْآيَة هُوَ شَاة، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ من طَرِيق الْمُغيرَة عَن مُجَاهِد فِي آخر هَذَا الحَدِيث: فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) . والنسك شَاة. وَقَالَ أَبُو عمر: كل من ذكر النّسك فِي هَذَا الحَدِيث مُفَسرًا فَإِنَّمَا ذكرُوا شَاة، وَهُوَ أَمر لَا خلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء. قَالَ بَعضهم: يُعَكر عَلَيْهِ مَا أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق نَافِع عَن رجل من الْأَنْصَار عَن كَعْب بن عجْرَة أَنه أصَاب أَذَى، فحلق، فَأمره النَّبِي ﷺ أَن يهدي بقرة. وروى الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبد الْوَهَّاب بن بخت عَن نَافِع (عَن ابْن عمر، قَالَ: حلق كَعْب بن عجْرَة رَأسه، فَأمره رَسُول الله ﷺ أَن يفتدي فَافْتدى ببقرة) . وروى عبد بن حميد من طَرِيق أبي معشر عَن نَافِع (عَن ابْن عمر، قَالَ: افتدى كَعْب من أَذَى كَانَ بِرَأْسِهِ، فحلقه ببقرة قلدها وأشعرها) . وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق ابْن أبي ليلى عَن نَافِع عَن سُلَيْمَان بن يسَار، قيل لِابْنِ كَعْب بن عجْرَة: مَا صنع أَبوك حَيْثُ أَصَابَهُ الْأَذَى فِي رَأسه؟ قَالَ: ذبح بقرة. قلت: هَذَا كُله لَا يُسَاوِي مَا ثَبت فِي (الصَّحِيح) من أَن الَّذِي أَمر بِهِ كَعْب وَفعله فِي النّسك إِنَّمَا هُوَ شَاة، وَقد قَالَ شَيخنَا زين الدّين ﵀: لفظ الْبَقَرَة مُنكر شَاذ، وَقَالَ ابْن حزم: وَخبر كَعْب بن عجْرَة الصَّحِيح فِيمَا رَوَاهُ ابْن أبي ليلى، وَالْبَاقُونَ روايتهم مضطربة موهومة، فَوَجَبَ ترك مَا اضْطربَ فِيهِ وَالرُّجُوع إِلَى رِوَايَة عبد الرَّحْمَن الَّتِي لم تضطرب، وَلَو كَانَ مَا ذكر فِي هَذِه الْأَخْبَار عَن قضايا شَتَّى لوَجَبَ الْأَخْذ بجميعها وَضم بَعْضهَا ءلى بعض، وَلَا يُمكن هُنَا جمعهَا لِأَنَّهَا كلهَا فِي قصَّة وَاحِدَة فِي مقَام وَاحِد فِي رجل وَاحِد فِي وَقت وَاحِد، فَوَجَبَ أَخذ مَا رَوَاهُ أَبُو قلَابَة وَالشعْبِيّ عَن عبد الرَّحْمَن عَن كَعْب، لثقتهما، وَلِأَنَّهَا مبينَة لسَائِر الْأَحَادِيث.
٧١٨١ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حَدثنَا رَوْحٌ قَالَ حدَّثنا شِبْلٌ عنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبي لَيْلَى عنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ رآهُ وأنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقال أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ قَالَ نَعَمْ فأمَرَهُ أنْ يَحْلِقَ وهْوَ بِالْحُدَيْبِيَّةِ ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا وهُمْ عَلَى طَمَعٍ أنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فأنْزَلَ الله الفِدْيَةَ فأمَرَهُ رسولُ الله ﷺ أنْ يُطْعِمَ فَرَقا بَيْنَ سَتَّةٍ أوْ يُهْدِي شَاةً أوْ يَصُومَ ثلاثَةَ أيَّامٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو يهدي شَاة) ، وَإِسْحَاق، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ ابْن مَنْصُور الكوسج، وَقيل: هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه وروح بن عبَادَة. وشبل، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عباد الْمَكِّيّ، وَابْن أبي نجيح: هُوَ عبد الله بن أبي نجيح الْمَكِّيّ.
قَوْله: (رَآهُ) أَي: رأى رَسُول الله ﷺ كَعْب بن عجْرَة. قَوْله: (وَأَنه) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْقمل، والسياق يدل عَلَيْهِ، قَالَه الْكرْمَانِي. وَقَالَ: إِمَّا يرجع إِلَى كَعْب، كَأَن نَفسه تسْقط مُبَالغَة فِي كَثْرَة الْقمل وَكَثْرَة الوجع والأذى، وَبَعْضهمْ جعل الضَّمِير فِي: يسْقط رَاجعا إِلَى الْقمل، وَأَنه مَحْذُوف وأكد كَلَامه بِمَا ثَبت كَذَلِك فِي بعض الرِّوَايَات، يَعْنِي: (وَأَن كَعْبًا يسْقط الْقمل على وَجهه) ، وَله وَجه حسن دلّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة عَن مُحَمَّد بن معمر عَن روح بِلَفْظ: (رَآهُ وقمله يسْقط على وَجهه) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أبي حُذَيْفَة عَن شبْل: (رأى قملاً يتساقط على وَجهه) . قَوْله: (يسْقط) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن وَأبي ذَر: (ليسقط) بِزِيَادَة لَام التَّأْكِيد. قَوْله: (وَلم يتَبَيَّن لَهُم) ، أَي: لم يظْهر لمن كَانُوا فِي الْحُدَيْبِيَة مَعَ النَّبِي، ﷺ ، بعد فِي ذَلِك الْوَقْت أَنهم يحلونَ بهَا. أَي: بِالْحُدَيْبِية، لأَنهم كَانُوا على طمع أَن يدخلُوا مَكَّة. قيل: هَذِه الزِّيَادَة ذكرهَا الرَّاوِي لبَيَان أَن الْحلق كَانَ لاستباحة مَحْظُور بِسَبَب الْأَذَى لَا لقصد التَّحَلُّل بالحصر. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: فِيهِ دَلِيل أَن من كَانَ على رَجَاء من الْوُصُول إِلَى الْبَيْت أَن عَلَيْهِ أَن يُقيم حَتَّى ييئس من الْوُصُول إِلَيْهِ فَيحل، وَاتَّفَقُوا على أَن من ييئس من الْوُصُول وَجَاز لَهُ أَن يحل فتمادى على إِحْرَامه ثمَّ أمكنه أَن يصل إِن عَلَيْهِ أَن يمْضِي إِلَى الْبَيْت ليتم نُسكه. قَوْله: (فَأنْزل الله الْفِدْيَة) ظَاهره
стр. 2960
أَن النُّزُول بعد الحكم. وَفِي رِوَايَة عبد الله بن معقل: أَن النُّزُول قبل الحكم. قَالَ عِيَاض: يحمل على أَنه حكم عَلَيْهِ بِالْكَفَّارَةِ بِوَحْي غير متلوٍ. ثمَّ نزل الْقُرْآن بِبَيَان ذَلِك. قَوْله: (أَن يطعم فرقا بَين سِتَّة) ، قد مر تَفْسِير الْفرق عَن قريب، أَي: أمره أَن يطعم من الطَّعَام قدر فرق مِنْهُ بَين سِتَّة مَسَاكِين. قَوْله: (أَو يهدي شَاة) أطلق على الْفِدْيَة بِالشَّاة اسْم الْهَدْي، وَبِه يرد على من منع ذَلِك.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قد ذكرنَا فِي أول أَحَادِيث الْبَاب أحكاما كَثِيرَة من حَدِيث كَعْب، وَنَذْكُر هُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ، فَمن ذَلِك: مَا احْتج بِهِ مَالك فِي قَوْله: (وَلم يتَبَيَّن لَهُم) إِلَى آخِره، على وجوب الْكَفَّارَة على الْمَرْأَة تَقول فِي رَمَضَان، غَدا حيضتي. وعَلى الرجل يَقُول: غَدا يَوْم حماي، فيفطران ثمَّ ينْكَشف الْأَمر بالحمى وَالْحيض، كَمَا قَالَا إِن عَلَيْهِمَا الْكَفَّارَة. لِأَن الَّذِي كَانَ فِي علم الله أَنهم يحلونَ بِالْحُدَيْبِية لم يسْقط عَن كَعْب الْكَفَّارَة الَّتِي وَجَبت عَلَيْهِ بِالْحلقِ قبل أَن ينْكَشف الْأَمر.
وَمِنْه: أَن قَوْله: (إحلق) ، يحْتَمل النّدب وَالْإِبَاحَة. قَالَ ابْن التِّين: وَهَذَا يدل على أَن إِزَالَة الْقمل عَن الرَّأْس مَمْنُوعَة، وَيجب بِهِ الْفِدْيَة، وَكَذَلِكَ الْجَسَد عِنْد مَالك. ثمَّ قَالَ: وَقَالَ الشَّافِعِي: أَخذ القملة من الْجَسَد مُبَاح، وَفِي أَخذهَا من الرَّأْس الْفِدْيَة لأجل ترفهه لَا لأجل القملة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهَذَا غَرِيب، فَإِن الشَّافِعِي قَالَ: من قتل قملة تصدق بلقمة، وَهُوَ على وَجه الِاسْتِحْبَاب.
وَمِنْه: أَن النّسك هَهُنَا شَاة، فَلَو تبرع بِأَكْثَرَ من هَذَا جَازَ.
وَمِنْه: أَن صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام لَا يجوز فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَبِه قَالَ عَطاء فِي رِوَايَة، وَسَعِيد بن جُبَير وطاووس وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَاللَّيْث بن سعد وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) اخْتلف السّلف فِيمَن لم يجد الْهَدْي وَلم يصم الْأَيَّام الثَّلَاثَة قبل يَوْم النَّحْر، فَقَالَ عمر وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم وطاووس: لَا يجْزِيه إلَاّ الْهَدْي، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد. وَقَالَ ابْن عمر وَعَائِشَة: يَصُوم أَيَّام منى، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب: يَصُوم بعد أَيَّام التَّشْرِيق، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي.
وَمِنْه: أَن السّنة مبينَة لمجمل الْكتاب لإِطْلَاق الْفِدْيَة فِي الْقُرْآن وتقييدها بِالسنةِ.
وَمِنْه: تلطف الْكَبِير بِأَصْحَابِهِ وعنايته بأحوالهم وتفقده لَهُم، وَإِذا رأى بِبَعْض أَصْحَابه ضَرَرا سَأَلَ عَنهُ وأرشده إِلَى الْمخْرج عَنهُ.
وَمِنْه: أَن بعض الْمَالِكِيَّة استنبطوا مِنْهُ إِيجَاب الْفِدْيَة على من تعمد حلق رَأسه بِغَيْر عذر، فَإِن إِيجَابهَا على الْمَعْذُور من بَاب التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى، لَكِن لَا يلْزم من ذَلِك التَّسْوِيَة بَين الْمَعْذُور وَغَيره، وَمن ثمَّة قَالَ الشَّافِعِي: وَجُمْهُور الْعلمَاء لَا يتَخَيَّر الْعَامِد، بل يلْزمه الدَّم، وَخَالف فِي ذَلِك أَكثر الْمَالِكِيَّة، وَاحْتج لَهُم الْقُرْطُبِيّ، بقوله فِي حَدِيث كَعْب: (أَو اذْبَحْ نسكا) . قَالَ: فَهَذَا يدل على أَنه لَيْسَ بِهَدي. قَالَ: فعلى هَذَا يجوز أَن يذبحها حَيْثُ شَاءَ، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا دلَالَة فِيهِ، إِذْ لَا يلْزم من تَسْمِيَتهَا نسكا أَو نسيكة أَن لَا تسمى هَديا؟ أَو لَا يعْطى حكم الْهَدْي؟ وَقد وَقع تَسْمِيَتهَا: هَديا، فِي هَذَا الْبَاب حَيْثُ قَالَ: (وَيهْدِي شَاة) ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (واهدِ هَديا) ، وَفِي رِوَايَة للطبراني: (هَل لَك هدي؟ قلت: لَا أجد) ، وَهَذَا يدل على أَن ذَلِك من تصرف الروَاة، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة مُسلم: (أَو اذْبَحْ شَاة) .
٨١٨١ - وعَنْ محَمَّدِ بنِ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا ورْقَاءُ عنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي لَيْلَى عنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ رآهُ وقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ مثْلَهُ..
ظَاهره التَّعْلِيق وَلكنه عطف على روح، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن إِسْحَاق رَوَاهُ عَن روح، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وَكَذَا وَقع فِي تَفْسِير إِسْحَاق، وورقاء هُوَ ابْن عمر بن كُلَيْب أَبُو بشر الْيَشْكُرِي، وَيُقَال: الشَّيْبَانِيّ، أَصله من خوارزم، وَيُقَال:
стр. 2961
من الْكُوفَة نزل الْمَدَائِن، وَقد مر فِي الْوضُوء، وَفِي الأَصْل الورقاء تَأْنِيث الأورق. قَوْله: (وقمله) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (مثله) أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور.
٩ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الحَدِيث فِي الرَّفَث فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج فَلَا رفص وَلَا فسوق وَلَا جِدَال فِي الْحَج﴾ (الْبَقَرَة: ٧٩١) .
٩١٨١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شعْبَةُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ منْ حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلم يرْفث) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سُلَيْمَان بن حَرْب، ضد الصُّلْح أَبُو أَيُّوب الواشجي، وواشج حَيّ من الأزد قَاضِي مَكَّة. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر أَبُو غياث. الرَّابِع: أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، الْأَشْجَعِيّ، واسْمه سلمَان مولى عزة الأشجعية. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشعْبَة واسطي وَمَنْصُور وَأَبُو حَازِم كوفيان، وَعلل بَعضهم هَذَا الْإِسْنَاد بالاختلاف على مَنْصُور لِأَن الْبَيْهَقِيّ أوردهُ من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مَنْصُور عَن هِلَال بن يسَاف عَن أبي حَازِم، زَاد فِيهِ رجلا، وَأجِيب: بِأَن منصورا صرح بِسَمَاعِهِ لَهُ من أبي حَازِم الْمَذْكُور فِي رِوَايَة صَحِيحَة حَيْثُ قَالَ: عَن مَنْصُور سَمِعت أَبَا حَازِم، وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون مَنْصُور قد سَمعه أَولا من هِلَال عَن أبي حَازِم، ثمَّ لَقِي أَبَا حَازِم فَسَمعهُ مِنْهُ، فَحدث بِهِ على الْوَجْهَيْنِ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَزُهَيْر بن حَرْب وَعَن سعيد بن مَنْصُور وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن ابْن الْمثنى عَن غنْدر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي عمار الْمروزِي، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من حج هَذَا الْبَيْت) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة جرير عَن مَنْصُور: (من أَتَى هَذَا الْبَيْت) . قيل: هُوَ أَعم من قَوْله: (من حج) . قلت: لفظ: حج، مَعْنَاهُ قصد وَهُوَ أَيْضا أَعم من أَن يكون لِلْحَجِّ أَو الْعمرَة. قَوْله: (هَذَا الْبَيْت) يدل على أَنه، ﷺ ، إِنَّمَا قَالَه وَهُوَ فِي مَكَّة، لِأَن: بِهَذَا، يشار إِلَى الْحَاضِر. قَوْله: (فَلم يرْفث) ، بِضَم الْفَاء وَكسرهَا وَفتحهَا، وَالْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة وَعند أهل اللُّغَة: يرْفث، بِضَم الْفَاء من بَاب: نصر ينصر، وَيَرْفث بِكَسْر الْفَاء حَكَاهُ صَاحب (الْمَشَارِق) ، فَيكون من بَاب: ضرب يضْرب، وَيَرْفث بِفَتْح الْفَاء يكون من بَاب: علم يعلم، وَفِيه لُغَة أُخْرَى: يرْفث، بِضَم الْيَاء وَكسر الْفَاء من: أرفث. حَكَاهُ ابْن الْقُوطِيَّة وَابْن طريف فِي (الْأَفْعَال) ، على أَنه جَاءَ على فعل وأفعل، والرفث، بِفَتْح الْفَاء الِاسْم، وَأَصله ذكر بِإِسْكَان الْفَاء، والرفث يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْجِمَاع، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْفُحْش، وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ ذكر الْجِمَاع، وَقيل: المُرَاد بِهِ ذَلِك مَعَ النِّسَاء لَا مطلقه، وَقد اخْتلف فِي المُرَاد بالرفث فِي الحَدِيث على هَذِه الْأَقْوَال: قَالَ الْأَزْهَرِي: هِيَ كلمة جَامِعَة لكل مَا يُرِيد الرجل من الْمَرْأَة، وَالْفَاء فِي: (فَلم يرْفث) ، عطف على الشَّرْط، أَعنِي قَوْله: (من حج) ، وَجَوَابه قَوْله: (رَجَعَ) ، أَي: رَجَعَ إِلَى بَلَده. قَوْله: (وَلم يفسق) ، من الفسوق وَهُوَ الْخُرُوج عَن حُدُود الشَّرِيعَة، وَأَصله الْخُرُوج، يُقَال: فسقت الْخَشَبَة عَن مَكَانهَا إِذا زَالَت، فالفاسق خَارج عَن الطَّاعَة، وَقيل: لم يفسق أَي لم يذبح لغير الله تَعَالَى على الْخلاف فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا رفث وَلَا فسوق﴾ (الْبَقَرَة: ٧٩١) . وَقيل الْفسق مَا ؤصابه من محارم الله وَقيل قَول الزُّور قيل السباب (فَإِن قلت)
لم يذكر فِيهِ الْجِدَال مَعَ أَنه مَذْكُور فِي الْقُرْآن. قلت: لِأَن المجادلة ارْتَفَعت بَين الْعَرَب وقريش فِي مَوضِع الْوُقُوف
стр. 2962
بِعَرَفَة والمزدلفة، فَأسْلمت قُرَيْش وَارْتَفَعت المجادلة، ووقف الْكل بِعَرَفَة. قَوْله: (كَمَا وَلدته أمه) ، الْجَار وَالْمَجْرُور حَال، أَي مشابها لنَفسِهِ فِي الْبَرَاءَة عَن الذُّنُوب فِي يَوْم الْولادَة، أَو يكون معنى: رَجَعَ، صَار والظرف خَبره، وَقَوله فِي الحَدِيث الْآتِي: (كَيَوْم) بِالْفَتْح وَالْكَسْر جَائِز، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) ، وَمعنى اللَّفْظَيْنِ قريب، وَظَاهره الصَّغَائِر والكبائر. وَقَالَ صَاحب (الْمُفْهم) : هَذَا يتَضَمَّن غفران الصَّغَائِر والكبائر والتبعات، وَيُقَال: هَذَا فِيمَا يتَعَلَّق بِحَق الله، لِأَن مظالم النَّاس تحْتَاج إِلَى استرضاء الْخُصُوم. فَإِن قلت: العَبْد مَأْمُور باجتناب مَا ذكر فِي كل الْحَالَات، فَمَا معنى تَخْصِيص حَالَة الْحَج؟ قلت: لِأَن ذَلِك مَعَ الْحَج أسمج وأقبح، كلبس الْحَرِير فِي الصَّلَاة.
٠١ - (بابُ قَولِ الله ﴿ولَا فُسُوقَ ولَا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٩١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي الحَدِيث فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا فسوق﴾ (الْبَقَرَة: ٧٩١) .
٠٢٨١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنْ مَنْصُورِ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ منْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَم يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسقْ رَجَعَ كَيَومَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ..
هَذَا بِعَيْنِه هُوَ الحَدِيث السَّابِق قبل هَذَا الْبَاب غير أَنه أخرج ذَاك: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور، وَهَذَا أخرجه: عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور إِلَى آخِره، وَغير أَن هُنَاكَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، وَهنا: قَالَ النَّبِي، ﷺ ، وَغير أَن هُنَاكَ: كَمَا وَلدته أمه، وَهنا: كَيَوْم وَلدته أمه. فَإِن قلت: من أَيْن قلت: إِن سُفْيَان فِي الْإِسْنَاد هُوَ الثَّوْريّ؟ وَقد أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور؟ قلت: نَص الْبَيْهَقِيّ على أَن سُفْيَان فِي رِوَايَة البُخَارِيّ هُوَ الثَّوْريّ، لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَن أبي الْحسن بن بَشرَان عَن أبي الْحسن عَليّ بن بكر الْمصْرِيّ عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي مَرْيَم عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور، فَذكر الحَدِيث وَقَالَ: رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (الصَّحِيح) عَن الْفرْيَابِيّ، وَكَذَا قَالَه أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ، فَإِذا كَانَ كَمَا نصا عَلَيْهِ فسفيان هُوَ الثَّوْريّ، قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) وَالله أعلم.
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم
٨٢ - (كتاب جَزَاء الصَّيْد)
وقَوْلِ الله تعَالى ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ
هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بالبسملة أَولا، ثمَّ بِالْبَابِ الْمَذْكُور، ثمَّ بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقتلُوا الصَّيْد﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَزَاء الصَّيْد إِذا بَاشر الْمحرم قَتله، وَأَشَارَ بقوله: وَنَحْوه، أَي: وَنَحْو جَزَاء الصَّيْد إِلَى: تنفير صيد الْحرم، وَإِلَى عضد شَجَره، وَغير ذَلِك مِمَّا يُبينهُ بَابا بَابا، ولغير أبي ذَر هَكَذَا.
١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ومٍ نْ قتَلَهُ مِنْكْمْ مُتَعَمِّدا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النِّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَسَاكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاما لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ ومنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ وَالله عَزِيزٌ ذِو انْتِقَامٍ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتاعا لَكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما واتَّقُوا الله الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ )
سرد البُخَارِيّ من سُورَة الْمَائِدَة من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقتلُوا الصَّيْد وَأَنْتُم حرم﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . إِلَى قَوْله: ﴿إِلَيْهِ تحشرون﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَلم يذكر فِيهِ حَدِيثا إِمَّا اكْتِفَاء بِمَا فِي الَّذِي ذكره، وَإِمَّا أَنه لم يظفر بِحَدِيث مَرْفُوع فِي جَزَاء الصَّيْد على شَرطه.
ثمَّ الْكَلَام هَهُنَا على أَنْوَاع:
الأول فِي سَبَب النُّزُول: قَالَ مقَاتل فِي (تَفْسِيره) : كَانَ أَبُو الْيُسْر، واسْمه عَمْرو بن مَالك الْأنْصَارِيّ، محرما فِي عَام الْحُدَيْبِيَة بِعُمْرَة
стр. 2963
فَقتل حمَار وَحش، فَنزلت فِيهِ: ﴿لَا تقتلُوا الصَّيْد وَأَنْتُم حرم﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَقَالَ ابْن إِسْحَاق ومُوسَى بن عقبَة والواقدي، وَآخَرُونَ: نزلت فِي كَعْب بن عَمْرو وَكَانَ محرما فِي عَام الْحُدَيْبِيَة، فَقتل حمَار وَحش.
النَّوْع الثَّانِي: فِي الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب: قَوْله: ﴿وَأَنْتُم حرم﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَالْحرم جمع حرَام كردح جمع رداح، يُقَال رجل حرَام وَامْرَأَة حرَام. ﴿مُتَعَمدا﴾ نصب على الْحَال، والتعمد أَن يقْتله وَهُوَ ذَاكر لإحرامه، وعالم بِأَن مَا يقْتله مِمَّا حرم عَلَيْهِ قَتله. قَوْله: ﴿فجزاء مثل مَا قتل﴾ بِرَفْع: جَزَاء، وَمثل، جَمِيعًا بِمَعْنى: فعيله جَزَاء يماثل مَا قتل من الصَّيْد، وَقَرَأَ بَعضهم بِالْإِضَافَة أَعنِي بِإِضَافَة جَزَاء إِلَى قَوْله: ﴿مثل﴾ وَحكى ابْن جرير عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَرَأَهَا: ﴿فَجَزَاؤُهُ مثل مَا قتل﴾ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء على الْإِضَافَة، وَأَصله: فجزاء مثل مَا قتل، بِنصب: مثلى، بِمَعْنى: فَعَلَيهِ أَن يجزىء مثل مَا قتل، ثمَّ أضيف كَمَا تَقول: عجبت من ضرب زيد، أَثم من ضرب زيد؟ وَقَرَأَ السّلمِيّ على الأَصْل، وَقَرَأَ مُحَمَّد بن مقَاتل، فجزاء مثل مَا قتل بنصبهما بِمَعْنى فليجز جَزَاء مثل مَا قتل. قَوْله: ﴿من النعم﴾ ، وَهِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، فَإِن انْفَرَدت الْإِبِل وَحدهَا قيل لَهَا: نعم، قَالَ الْفراء:: هُوَ ذكر لَا يؤنث. وَقَرَأَ الْحسن: ﴿من النعم﴾ بِسُكُون الْعين استثقل الْحَرَكَة على حرف الْحلق فسكنه. قَوْله: يحكم بِهِ أَي بِالْمثلِ قَوْله ذُو عدل يَعْنِي حكمان عادلان من الْمُسلمين وذوا تَشْبِيه ذومعنى صَاحب قَوْله ﴿هَديا﴾ ، حَال عَن جَزَاء فِيمَن وَصفه بِمثل، لِأَن الصّفة خصصته فقربته من الْمعرفَة، أَو بدل عَن مثل فِيمَن نَصبه، أَو عَن مجله فِيمَن جَرّه، وَيجوز أَن ينْتَصب حَالا من الضَّمِير فِي: بِهِ، وَالْهَدْي: مَا يهدي إِلَى الْحرم من النعم. قَوْله: ﴿بَالغ الْكَعْبَة﴾ صفة لهديا، وَلَا يمْنَع من ذَلِك، لِأَن إِضَافَته غير حَقِيقِيَّة، وَمعنى: بُلُوغه الْكَعْبَة أَن يذبح بِالْحرم. قَوْله: ﴿أَو كَفَّارَة﴾ ، عطف على: ﴿فجزاء﴾ أَي: فَعَلَيهِ كَفَّارَة، وارتفاعه فِي الأَصْل على الِابْتِدَاء وَخَبره مقدما مُقَدّر، قَوْله: ﴿طَعَام مَسَاكِين﴾ مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ طَعَام مَسَاكِين، وَيجوز أَن يكون بَدَلا من كَفَّارَة، أَو عطف بَيَان وقرىء: ﴿كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين﴾ بِالْإِضَافَة كَأَنَّهُ قيل: أَو كَفَّارَة من طَعَام مَسَاكِين، كَقَوْلِك: خَاتم فضَّة، وَقَرَأَ الْأَعْرَج: ﴿أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين﴾ بِالْإِضَافَة كَأَنَّهُ قيل: أَو كَفَّارَة من طَعَام مَسَاكِين، كَقَوْلِك: خَاتم فضَّة، وَقَرَأَ الْأَعْرَج: ﴿أَو كَفَّارَة طَعَام مِسْكين﴾ ، بِالْإِفْرَادِ لِأَنَّهُ وَاحِد، دَال على الْجِنْس. قَوْله: ﴿أَو عدل ذَلِك﴾ عطف على مَا قبله، وقرىء (أَو عدل ذَلِك) ، بِكَسْر الْعين، وَالْفرق بَينهمَا أَن عدل الشَّيْء بِالْفَتْح مَا عادله من غير جنسه: كَالصَّوْمِ وَالْإِطْعَام، وعدله بِالْكَسْرِ مَا عدل بِهِ فِي الْمِقْدَار، وَمِنْه: عدلا الْحمل لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا عدل بِالْآخرِ حَتَّى اعتدلا، كَأَن المفتوح تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ والمكسور بِمَعْنى الْمَفْعُول بِهِ، كالذبح، وَنَحْوهمَا الْحمل وَالْحمل. قَوْله: ﴿ذَلِك﴾ إِشَارَة إِلَى الطَّعَام. قَوْله: ﴿صياما﴾ نصب على التَّمْيِيز للعدل، كَقَوْلِك: لي مثله رجلا، قَوْله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ اللَّام تتَعَلَّق بقوله: ﴿فجزاء﴾ أَي: فَعَلَيهِ أَن يجازي أَو يكفر ليذوق سوق عَاقِبَة هتكه لحُرْمَة الْإِحْرَام، والوبال الضَّرَر وَالْمَكْرُوه الَّذِي ينَال فِي الْعَاقِبَة من عمل سوء لثقله عَلَيْهِ، قَوْله: ﴿عَفا الله عَمَّا سلف﴾ أَي عَمَّا سلف لكم من الصَّيْد فِي حَال الْإِحْرَام قبل أَن تراجعوا رَسُول الله ﷺ وتسألوه عَن جَوَازه وَقيل: ﴿عَفا الله عَمَّا سلف﴾ فِي زمَان الْجَاهِلِيَّة لمن أحسن فِي الْإِسْلَام وَاتبع شرع الله وَلم يرتكب الْمعْصِيَة. قَوْله: ﴿وَمن عَاد﴾ أَي: إِلَى قتل الصَّيْد وَهُوَ محرم بعد نزُول النَّهْي عَنهُ، فينتقم الله مِنْهُ. قَوْله: ﴿فينتقم﴾ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ ينْتَقم الله مِنْهُ، فَلذَلِك دخلت الْفَاء، وَنَحْوه: ﴿فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف﴾ (الْجِنّ: ٣١) . يَعْنِي: ينْتَقم مِنْهُ فِي الْآخِرَة. وَقَالَ ابْن جريج: (قلت لعطاء: مَا عَفا الله عَمَّا سلف؟ قَالَ: عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة. قَالَ: قلت: وَمن عَاد فينتقم الله مِنْهُ؟ قَالَ: وَمن عَاد فِي الْإِسْلَام فينتقم مِنْهُ، وَعَلِيهِ مَعَ ذَلِك الْكَفَّارَة، قَالَ: قلت: فَهَل للعود من حد تعلمه؟ قَالَ: لَا، قلت: ترى حَقًا على الإِمَام أَن يُعَاقِبهُ؟ قَالَ: لَا، هُوَ ذَنْب أذنبه فِيمَا بَينه وَبَين الله ، وَلَكِن يفتدي) رَوَاهُ ابْن جرير، وَقيل: مَعْنَاهُ. فينتقم الله مِنْهُ بِالْكَفَّارَةِ، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَعَطَاء قَوْله: ﴿وَالله عَزِيز ذُو انتقام﴾ يَعْنِي) ذُو معاقبة لمن عَصَاهُ، على مَعْصِيَته إِيَّاه. قَوْله: ﴿أحل لكم﴾ أَي: أحل الْمَأْكُول مِنْهُ وَهُوَ السّمك. وَحده عِنْد أبي حنيفَة وَعند ابْن أبي ليلى: جَمِيع مَا يصاد فِيهِ، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة، وَسَعِيد بن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير فِي قَوْله: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر﴾ مَا يصاد مِنْهُ طريا، وَطَعَامه مَا يتزود مِنْهُ ملحا يَابسا. وَعَن ابْن عَبَّاس فِي الْمَشْهُور عَنهُ: صَيْده: مَا أَخذ مِنْهُ حَيا، و: طَعَامه: مَا لَفظه مَيتا. وَهَكَذَا رُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق، وَزيد بن ثَابت وَعبد الله بن عمر وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَعِكْرِمَة وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَقَالَ سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة: عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن عِكْرِمَة عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: طَعَامه كل مَا فِيهِ، رَوَاهُ ابْن
стр. 2964
جرير وَابْن أبي حَاتِم، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: طَعَامه مَا لَفظه حَيا أَو حسر عَنهُ فَمَاتَ، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، وَقَالَ ابْن جرير: وَقد ورد فِي ذَلِك خبر وَبَعْضهمْ يرويهِ مَوْقُوفا. حَدثنَا هناد بن السّري، قَالَ: حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد ابْن عَمْرو حَدثنَا أَبُو سَلمَة (عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه مَتَاعا لكم﴾ (الْمَائِدَة: ٦٩) . قَالَ: طَعَامه مَا لَفظه مَيتا) . ثمَّ قَالَ: وَقد وَقفه بَعضهم على أبي هُرَيْرَة. قَوْله: ﴿مَتَاعا لكم﴾ (الْمَائِدَة: ٦٩) . نصب على أَنه مفعول لَهُ، أَي: أحل لكم لأجل التَّمَتُّع لكم تَأْكُلُونَ طريا ولسيارتكم يتزودونه قديدا كَمَا تزَود مُوسَى، ﵊، الْحُوت فِي مسيره إِلَى الْخضر، ﵊، والسيارة: جمع سيار، وهم المسافرون، وَكَانَ بَنو مُدْلِج ينزلون سيف الْبَحْر فَسَأَلُوهُ عَمَّا نضب عَنهُ المَاء من السّمك، فَنزلت قَوْله: ﴿وَحرم عَلَيْكُم صيد الْبر﴾ (الْمَائِدَة: ٦٩) . صيد الْبر مَا يفرح فِيهِ وَإِن كَانَ يعِيش فِي المَاء فِي بعض الْأَوْقَات كطير المَاء. قَوْله: ﴿مَا دمتم حرما﴾ (الْمَائِدَة: ٦٩) . أَي: مَا دمتم محرمين أَي: حَال أحرامكم يحرم عَلَيْكُم الإصطياد وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس وَحرم عَلَيْكُم صيد الْبر على بِنَاء الْفَاعِل وَنصب الصَّيْد حرم الله عَلَيْكُم، وقرىء: مَا دمتم، بِكَسْر الدَّال من: دَامَ يدام. قَوْله: ﴿وَاتَّقوا الله الَّذِي إِلَيْهِ تحشرون﴾ (الْمَائِدَة: ٦٩) . أَي: خَافُوا الله الَّذِي إِلَيْهِ تجمعون يَوْم الْقِيَامَة فيجازيكم بِحَسب أَعمالكُم.
النَّوْع الثَّالِث: فِي استنباط الْأَحْكَام وَبَيَان مَذَاهِب الْأَئِمَّة فِي هَذَا الْبَاب، وَهُوَ على وُجُوه:
الأول: فِي قتل الصَّيْد فِي حَالَة الْإِحْرَام، وَهُوَ حرَام بِلَا خلاف، وَيجب الْجَزَاء بقتْله لقَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تقتلُوا الصَّيْد وَأَنْتُم حرم﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَسَوَاء فِي ذَلِك كَانَ الْقَاتِل نَاسِيا أَو عَامِدًا أَو مبتدئا فِي الْقَتْل أَو عَائِدًا إِلَيْهِ لِأَن الصَّيْد مَضْمُون بِالْإِتْلَافِ كغرامة الْأَمْوَال، فيستوي فِيهِ الْأَحْوَال وَقيد العمدية فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة، أما لِأَن مورد النَّص فِيمَن تعمد، أَو لِأَن الأَصْل فعل الْمُتَعَمد، وَالْخَطَأ مُلْحق بِهِ للتغليظ. قَالَ الزُّهْرِيّ: نزل الْكتاب بالعمد وَجَاءَت السّنة بالْخَطَأ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو سعيد الْأَشَج حَدثنَا ابْن علية (عَن أَيُّوب، قَالَ: نبئت عَن طَاوُوس قَالَ: لَا يحكم على من أصَاب صيدا خطأ، إِنَّمَا يحكم على من أَصَابَهُ متعمدر) ، وَهَذَا مَذْهَب غَرِيب وَهُوَ متمسك بِظَاهِر الْآيَة، وَبِه قَالَ أهل الظَّاهِر وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر وَأحمد فِي رِوَايَة، وَقَالَ مُجَاهِد: المُرَاد بالمتعمد القاصد إِلَى قتل الصَّيْد النَّاسِي لإحرامه، فَأَما الْمُتَعَمد لقتل الصَّيْد مَعَ ذكره لإحرامه فَذَاك أمره أعظم من أَن يكفر وَقد بَطل إِحْرَامه، رَوَاهُ ابْن جرير عَنهُ من طَرِيق ابْن أبي نجيح وَلَيْث بن أبي سليم وَغَيرهمَا عَنهُ، وَهُوَ قَول غَرِيب أَيْضا. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: إِن قَتله مُتَعَمدا قيل لَهُ: هَل قتلت قبله شَيْئا من الصَّيْد؟ فَإِن قَالَ: نعم، لم يحكم عَلَيْهِ، وَقيل لَهُ: إذهب فينتقم الله مِنْك. وَإِن قَالَ: لم أقتل حكم عَلَيْهِ، وَإِن قتل بعد ذَلِك لم يحكم عَلَيْهِ، ويملأ ظَهره وبطنه ضربا وجيعا، وَبِذَلِك حكم النَّبِي ﷺ فِي صيدوج، وادٍ بِالطَّائِف، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مَا ذَكرْنَاهُ.
الْوَجْه الثَّانِي: فِي وجوب الْجَزَاء فِي قَوْله: ﴿فجزاء مثل مَا قتل من النعم﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَمُحَمّد بن الْحسن: المُرَاد بِالْآيَةِ إِخْرَاج مثل الصَّيْد الْمَقْتُول من النعم إِن كَانَ لَهُ مثل، فَفِي النعامة بَدَنَة، وَفِي بقرة الْوَحْش وَحِمَاره بقرة، وَفِي الغزال عنزة وَفِي الأرنب عنَاق، وَفِي اليربوع جفرة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: الْوَاجِب الْقيمَة فَإِن كَانَ لَهُ مثل ثمَّة يُشترى بِتِلْكَ الْقيمَة هذي أَو طَعَام أَو يُتَصَدَّق بِقِيمَتِه، وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) محتجا للشَّافِعِيّ وَمن مَعَه فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فجزاء مثل مَا قتل من النعم﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . على كل من الْقِرَاءَتَيْن دَلِيل لما ذهب إِلَيْهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَالْجُمْهُور من وجوب الْجَزَاء من مثل مَا قَتله الْمحرم إِذا كَانَ لَهُ مثل من الْحَيَوَان الأنسي، خلافًا لأبي حنيفَة حَيْثُ أوجب الْقيمَة سَوَاء كَانَ الصَّيْد الْمَقْتُول مِثْلَمَا أَو غير مثلي، وَهُوَ مُخَيّر، إِن شَاءَ تصدق بِثمنِهِ، وَإِن شَاءَ اشْترى بِهِ هَديا، وَالَّذِي حكم بِهِ الصَّحَابَة فِي الْمثْلِيّ أولى بالاتباع، فَإِنَّهُم حكمُوا فِي النعامة ببدنة، وَفِي بقر الْوَحْش ببقرة، وَفِي الغزال بعنز، وَأما إِذا لم يكن الصَّيْد مثلِيا فقد حكم ابْن عَبَّاس فِيهِ بِثمنِهِ يحمل إِلَى مَكَّة، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وروى مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : أخبرنَا أَبُو الزبير عَن جَابر أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قضى فِي الضبع بكبش، وَفِي الغزال بعنز، وَفِي الأرنب بعناق، وَفِي اليربوع بجفرة. انْتهى. وَعَن مَالك، رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي (مُسْنده) وَعبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) ، وَأخر رَوَاهُ الشَّافِعِي، وَمن جِهَته الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) : عَن سعيد بن سَالم عَن ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي: أَن عمر
стр. 2965
وَعُثْمَان وعليا وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة قَالُوا فِي النعامة: يَقْتُلهَا الْمحرم بَدَنَة من الْإِبِل، وروى الشَّافِعِي فِي (مُسْنده) وَعبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) قَالَا: أخبرنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي عَن أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه عبد الله بن مَسْعُود أَنه قضى فِي اليربوع بحفرة وروى عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه أخبرنَا إِسْرَائِيل وَغَيره عَن أبي إِسْحَاق عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: (فِي الْبَقَرَة الوحشية بقرة) . وروى عبد الرَّزَّاق أَيْضا: أخبرنَا هشيم عَن مَنْصُور عَن ابْن سِيرِين أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَمر محرما مَا أصَاب ظَبْيًا يذبح شَاة عفراء) . وروى إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي كتاب (غَرِيب الحَدِيث) : حَدثنَا عبد الله بن صَالح أخبرنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: فِي اليربوع حمل، ثمَّ نقل عَن الْأَصْمَعِي: أَن الْحمل ولد الضَّأْن الذّكر، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي حمامة الْحرم شَاة، وَفِي بيضتين دِرْهَم، وَفِي النعامة جزور، وَفِي الْبَقَرَة بقرة وَفِي الْحمار بقرة.
وَاحْتج أَبُو حنيفَة، رَحمَه الله تَعَالَى، فِيمَا ذهب إِلَيْهِ بالمعقول والأثر أَيْضا. أما الْمَعْقُول: فَهُوَ أَن الْحَيَوَان غير مَضْمُون بِالْمثلِ فَيكون مَضْمُونا بِالْقيمَةِ، كالمملوك، وَمثل الْحَيَوَان قِيمَته، لِأَن الْمثل الْمُطلق هُوَ الْمثل صُورَة وَمعنى، فَإِذا تعذر ذَلِك حمل على الْمثل الْمَعْنَوِيّ وَهُوَ الْقيمَة. وَأما الْأَثر: فَهُوَ مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه فسر الْمثل بِالْقيمَةِ، فَحمل على الْمثل معنى لكَونه معهودا فِي الشَّرْع، يُوضحهُ أَن الْمُمَاثلَة بَين الشَّيْئَيْنِ عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس أبلغ مِنْهُ عِنْد اخْتِلَاف الْجِنْس، فَإِذا لم تكن النعامة مثلا للنعامة كَيفَ تكون الْبَدنَة مثلا للنعامة؟ والمثل من الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة، فَمن ضَرُورَة كَون الشَّيْء مثلا لغيره أَن يكون ذَلِك الْغَيْر مثلا لَهُ، ثمَّ لَا تكون النعامة مثلا للبدنة عِنْد الْإِتْلَاف فَكَذَلِك لَا تكون الْبَدنَة مثلا للنعامة، وَإِذا تعذر اعْتِبَار الْمُمَاثلَة صُورَة وَجب اعْتِبَارهَا بِالْمَعْنَى، وَهُوَ الْقيمَة، وَلِأَن الْقيمَة أريدت بِهَذَا النَّص فِي الَّذِي لَا مثل لَهُ بِالْإِجْمَاع، فَلَا يبْقى غَيره مرَادا، لِأَن الْمثل مُشْتَرك والمشترك لَا عُمُوم لَهُ فَافْهَم فَإِنَّهُ دَقِيق.
وَأما الَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِي وَمن جِهَته الْبَيْهَقِيّ، فضعيف ومنقطع لِأَن عَطاء الْخُرَاسَانِي فِيهِ مقَال وَلم يدْرك عمر وَلَا عُثْمَان وَلَا عليا وَلَا زيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، لِأَن عَطاء الْخُرَاسَانِي ولد سنة خمسين، قَالَه ابْن معِين وَغَيره، وَكَانَ فِي زمن مُعَاوِيَة صَبيا، وَلم يثبت لَهُ سَماع من ابْن عَبَّاس مَعَ احْتِمَاله، فَإِن ابْن عَبَّاس توفّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، وَأما الَّذِي رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة عَن أَبِيه عبد الله بن مَسْعُود فَإِنَّهُ لم يسمع من أَبِيه شَيْئا. فَإِن قلت: قَالَ ابْن جرير: حَدثنَا هناد وَأَبُو هَاشم الرِّفَاعِي، قَالَا: حَدثنَا وَكِيع بن الْجراح عَن المَسْعُودِيّ عَن عبد الْملك بن عُمَيْر: (عَن قبيصَة بن جَابر، قَالَ: خرجنَا حجاجا، فَكُنَّا إِذا صلينَا الْغَدَاة افتدنا رواحلنا نتماشى نتحدث، قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحن ذَات غداء إِذْ سنح لنا ظَبْي، أَو برح، فَرَمَاهُ رجل كَانَ مَعنا بِحجر، فَمَا أَخطَأ حشاه، فَركب ردعه مَيتا، قَالَ: فمعظمنا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قدمنَا مَكَّة خرجت مَعَه حَتَّى أَتَيْنَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة، قَالَ: وَإِذا إِلَى جَانِبه رجل كَانَ وَجهه قلت فضَّة، يَعْنِي: عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، فَالْتَفت إِلَى صَاحبه فَكَلمهُ، ثمَّ أقبل على الرجل فَقَالَ: أعمدا قتلته أم خطا، قَالَ الرجل: لقد تَعَمّدت رميه وَمَا أردْت قَتله، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: مَا أَرَاك إلَاّ قد أشركت بَين الْعمد وَالْخَطَأ، إعمد إِلَى شَاة فاذبحها فَتصدق بلحمها واستق إهابها. قَالَ: فقمنا من عِنْده، فَقلت لصاحبي: أَيهَا الرجل، عظِّم شَعَائِر الله فَمَا درى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا يفتيك حَتَّى سَأَلَ صَاحبه إعمد إِلَى نَاقَتك فانحرها فَلَعَلَّ ذَاك. قَالَ: فتبعته، وَلَا أذكر الْآيَة من سُورَة الْمَائِدَة: ﴿يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . قَالَ: فَبلغ عمر مَقَالَتي فَلم يفجأ مِنْهُ إلَاّ وَمَعَهُ الدرة، قَالَ صَاحِبي: ضربا بِالدرةِ أقتلت فِي الْحرم، وسفهت الحكم؟ ثمَّ أقبل عَليّ، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا أحل الْيَوْم شَيْئا يحرم عَلَيْك مني، قَالَ: يَا قبيصَة بن جَابر إِنِّي لَا أَرَاك شَاب السن فسيح الصَّدْر بَين اللِّسَان، وَإِن الشَّاب يكون فِيهِ تِسْعَة أَخْلَاق حَسَنَة وَخلق سيء فَيفْسد الْخلق السيء الْأَخْلَاق الْحَسَنَة، فإياك وعثرات الشَّبَاب) . قلت: روى هشيم هَذِه الْقِصَّة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن قبيصَة بِنَحْوِهِ وَذكرهَا مُرْسلَة عَن عمر بن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين، وَرَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) من حَدِيث ابْن سِيرِين مُخْتَصرا.
الْوَجْه الثَّالِث: فِي حكم الحَكَمَيْنِ فِيهِ، قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَمُحَمّد بن الْحسن: الْخِيَار فِي تعْيين الْهَدْي أَو الْإِطْعَام أَو الصّيام إِلَى الْحكمَيْنِ العدلين، فَإِذا حكما بِالْهَدْي فَالْمُعْتَبر فِيمَا لَهُ مثل وَنَظِيره من حَيْثُ الْخلقَة مَا هُوَ مثل، كَمَا ذَكرْنَاهُ: وَالْمُعْتَبر فِيمَا لَا مثل لَهُ الْقيمَة لقَوْله تَعَالَى: ﴿يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم هَديا﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . نصب هَديا لوُقُوع الحكم عَلَيْهِ، وَفِي وجوب الْمثل فِيمَا لَهُ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فجزاء مثل مَا قتل من النعم﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . أوجب الْمثل من النعم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: الْخِيَار للْقَاتِل فِي أَن يَشْتَرِي بهَا، يَعْنِي
стр. 2966
بِقِيمَة الْمَقْتُول لِأَن الْوُجُوب عَلَيْهِ، كَمَا فِي الْيَمين، فَالْخِيَار إِلَيْهِ وَحكم الْحكمَيْنِ لتقدير الْقيمَة، وهديا نصب على الْحَال، أَي: فِي حَال الإهداء فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْقَاتِل أحد الْحكمَيْنِ هَل يجوز؟ قلت: يجوز عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد، وَعند مَالك: لَا يجوز، لِأَن الْحَاكِم لَا يكون مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِي صُورَة وَاحِدَة. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن حَدثنَا جَعْفَر هُوَ ابْن برْقَان (عَن مَيْمُون بن مهْرَان: أَن أَعْرَابِيًا أُتِي أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قتلت صيدا وَأَنا محرم، فَمَا ترى عَليّ من الْجَزَاء؟ فَقَالَ أَبُو بكر لأبي بن كَعْب، وَهُوَ جَالس عِنْده: مَا ترى فِيهَا؟ قَالَ: فَقَالَ الْأَعرَابِي: أَتَيْتُك وَأَنت خَليفَة رَسُول الله، ﷺ ، أَسأَلك، فَإِذا أَنْت تسْأَل غَيْرك؟ فَقَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَمَا تنكر بقول الله تَعَالَى: ﴿فجزاء مثل مَا قتل من النعم يحكم بِهِ ذَوا عدل﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . فشاورت صَاحِبي حَتَّى إِذا اتفقنا على أَمر أمرناك بِهِ) . وَهَذَا إِسْنَاد جيد لكنه مُنْقَطع بَين مَيْمُون وَبَين الصّديق، وَمثله يحْتَمل هَهُنَا. وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا وَكِيع ابْن عُيَيْنَة عَن مُخَارق عَن طَارق قَالَ أرطأ: أُرِيد ظَبْيًا، فَقتله وَهُوَ محرم، فَأتى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ليحكم عَلَيْهِ، فَقَالَ عمر: احكم معي، فحكما فِيهِ جديا قد جمع المَاء وَالشَّجر) . قلت: مُخَارق هُوَ ابْن خَليفَة الأحمسي الْكُوفِي، من رجال البُخَارِيّ، وَالْأَرْبَعَة، وطارق هُوَ ابْن شهَاب الأحمسي أَبُو عبد الله الْكُوفِي، رأى النَّبِي ﷺ وَأدْركَ الْجَاهِلِيَّة، وروى عَن النَّبِي ﷺ وغزا فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ أَو ثَلَاثًا وَأَرْبَعين من غَزْوَة إِلَى سَرِيَّة، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ من الْهِجْرَة، وَقَالَ يحيى بن معِين: مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة، وَهُوَ وهم، روى لَهُ الْجَمَاعَة.
الْوَجْه الرَّابِع: فِي بَيَان الْكَفَّارَة إِذا لم يجد الْمحرم مثل مَا قتل من النعم، أَو لم يكن الصَّيْد الْمَقْتُول من ذَوَات الْأَمْثَال، أَو قُلْنَا بالتخيير فِي هَذَا الْمقَام من الْجَزَاء وَالْإِطْعَام وَالصِّيَام، كَمَا هُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَأحد قولي الشَّافِعِي، وَالْمَشْهُور عَن أَحْمد لظَاهِر، أَو بِأَنَّهَا للتَّخْيِير، وَالْقَوْل الآخر، أَنَّهَا على التَّرْتِيب، فصورة ذَلِك أَن يعدل إِلَى الْقيمَة فَيقوم الصَّيْد الْمَقْتُول عِنْد مَالك وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَحَمَّاد وَإِبْرَاهِيم. وَقَالَ الشَّافِعِي: يقوم مثله من النعم لَو كَانَ مَوْجُودا ثمَّ يَشْتَرِي بِهِ طَعَاما وَيتَصَدَّق بِهِ فَيصدق لكل مِسْكين مد مِنْهُ عِنْد الشَّافِعِي وَمَالك وفقهاء الْحجاز، وَاخْتَارَهُ ابْن جرير. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: يطعم لكل مِسْكين مَدين، وَهُوَ قَول مُجَاهِد. وَقَالَ أَحْمد: مد من حِنْطَة ومدان من غَيره، فَإِن لم يجد قُلْنَا بالتخيير، صَامَ عَن إطْعَام كل مِسْكين يَوْمًا. وَقَالَ ابْن جرير. وَقَالَ آخَرُونَ: يَصُوم مَكَان كل صَاع يَوْمًا، كَمَا فِي جَزَاء المترفة بِالْحلقِ وَنَحْوه، وَاخْتلفُوا فِي مَكَان هَذَا الْإِطْعَام، فَقَالَ الشَّافِعِي: مَحَله الْحرم وَهُوَ قَول عَطاء، وَقَالَ مَالك: يطعم فِي الْمَكَان الَّذِي أصَاب فِيهِ الصَّيْد أَو أقرب الْأَمَاكِن إِلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن شَاءَ أطْعم فِي الْحرم وَإِن شَاءَ فِي غَيره.
الْوَجْه الْخَامِس: فِي صيد الْبَحْر، وَقد ذكرنَا فِي فصل الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب شَيْئا من ذَلِك، وَقد اسْتدلَّ جُمْهُور الْعلمَاء على حل ميتَة الْبَحْر بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة، وَبِحَدِيث العنبر على مَا يَجِيء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد احْتج بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة من ذهب من الْفُقَهَاء إِلَى أَنه يُؤْكَل كل دَوَاب الْبَحْر، وَلم يسْتَثْن من ذَلِك شَيْئا. وَقد تقدم عَن الصّديق أَنه قَالَ: طَعَامه كل مَا فِيهِ، وَقد اسْتثْنى بَعضهم الضفادع، وأباح مَا سواهَا لما رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب: عَن سعيد بن خَالِد عَن سعيد بن الْمسيب (عَن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان التَّيْمِيّ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، نهى عَن قتل الضفدع) . وَفِي رِوَايَة للنسائي (عَن عبيد الله بن عمر، وَقَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن قتل الضفدع. وَقَالَ: نقيقها تَسْبِيح) وَقَالَ آخَرُونَ: يُؤْكَل من صيد الْبَحْر السّمك، وَلَا يُؤْكَل الضفدع. وَاخْتلفُوا فِيمَا سواهُمَا، فَقيل: يُؤْكَل كل سَائِر ذَلِك. وَقيل: لَا يُؤْكَل، وَهَذِه كلهَا وُجُوه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُؤْكَل مَا مَاتَ فِي الْبَحْر كَمَا لَا يُؤْكَل مَا مَاتَ فِي الْبر لعُمُوم قَوْله: ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ (الْمَائِدَة: ٣) . قلت: اسْتثْنى مِنْهُ الْجَرَاد، لقَوْله ﷺ : (أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَما الْمَيتَتَانِ فَالْحُوت وَالْجَرَاد،. وَأما الدمَان فَالْكَبِد وَالطحَال) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي صيد الْبَحْر للْمحرمِ، حَدثنَا أَبُو كريب قَالَ: حَدثنَا وَكِيع عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن أبي المهزم (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي حج أَو عمْرَة، فَاسْتقْبلنَا رجل من جَراد، فَجعلنَا نضربه بأسياطنا وعصينا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : كلوا فَإِنَّهُ من صيد الْبَحْر) قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. وَأَبُو المهزم، بِضَم الْمِيم وَفتح الْهَاء وَكسر الزَّاي الْمُشَدّدَة اسْمه يزِيد بن سُفْيَان، وَقد تكلم فِيهِ
стр. 2967
شُعْبَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد رخص قوم من أهل الْعلم للْمحرمِ أَن يصيد الْجَرَاد فيأكله، وَقد رأى بَعضهم عَلَيْهِ صَدَقَة إِذا اصطاده أَو أكله، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَقَوله: (من صيد الْبَحْر) ظَاهر أَنه من الْبَحْر.
وللعلماء فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال:
الأول: أَنه من صيد الْبَحْر، هُوَ قَول كَعْب الْأَحْبَار، وَقد روى مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن زيد بن أسلم (عَن عَطاء بن يسَار: أَن كَعْب الْأَحْبَار أمره عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على ركب محرمين، فَمَضَوْا حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض طَرِيق مَكَّة مر رجل من جَراد، فأفتاهم كَعْب أَن يأخذوه فيأكلوه، فَلَمَّا قدمُوا على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذكرُوا لَهُ ذَلِك، فَقَالَ لَهُ: مَا حملك على أَن أفتيتهم بِهَذَا؟ قَالَ: هُوَ من صيد الْبَحْر. قَالَ: وَمَا يدْريك؟ . قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ﴿وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن هُوَ إلَاّ نثرة حوت نثره فِي كل عَام مرَّتَيْنِ) . وَاخْتلف فِي قَوْله: (نثرة حوت) ، فَقيل: عطسته، وَقيل: هُوَ من تَحْرِيك النثرة، وَهُوَ طرف الْأنف، قَالَ شَيخنَا زين الدّين: فعلى هَذَا يكون بِالْمُثَلثَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُور، وَعَلِيهِ اقْتصر صَاحب (الْمَشَارِق) وَغَيره، وَأَنه من الرَّمْي بعنف من قَوْلهم فِي الِاسْتِنْجَاء: ينثر ذكره إِذا اسْتَبْرَأَ من الْبَوْل بِشدَّة وعنف، وَأَن الْجَرَاد يطرحه من أَنفه أَو من دبره بعنف وَشدَّة، وَقيل متولد من رَوْث السّمك.
القَوْل الثَّانِي: أَنه من صيد الْبر يجب الْجَزَاء بقتْله، وَهُوَ قَول عمر وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي قَوْله الصَّحِيح الْمَشْهُور.
القَوْل الثَّالِث: أَنه من صيد الْبر وَالْبَحْر، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي (سنَنه) عَن هشيم عَن مَنْصُور عَن الْحسن.
وَاخْتلف الْقَائِلُونَ بِأَن الْجَرَاد من صيد الْبر وَفِيه الْجَزَاء فِي مِقْدَار الْجَزَاء على أَقْوَال: أَحدهَا: فِي كل جَرَادَة تَمْرَة، وَهُوَ قَول عَمْرو وَابْن عمر رَوَاهُ سعيد بن الْمَنْصُور فِي (سنَنه) بِسَنَدِهِ إِلَيْهِمَا، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَاخْتَارَهُ ابْن الْعَرَبِيّ. الثَّانِي: أَن فِي الجرادة الْوَاحِدَة قَبْضَة من طَعَام، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس: رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ، وَبِه قَالَ مَالك. الثَّالِث: أَن فِي الْوَاحِدَة درهما. وَهُوَ قَول كَعْب الْأَحْبَار. قيل: وَمن الدَّلِيل أَن الْجَرَاد نثرة الْحُوت مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه: حَدثنِي هَارُون بن عبد الله الْجمال حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم حَدثنَا زِيَاد بن عبد الله عَن مُوسَى بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه (عَن جَابر وَأنس بن مَالك: أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ إِذا دَعَا على الْجَرَاد، قَالَ: أللهم أهلك كباره واقتل صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وَخذ بأفواهه عَن معائشنا وارزقنا إِنَّك سميع الدُّعَاء. فَقَالَ خَالِد: يَا رَسُول الله﴾ كَيفَ تَدْعُو على جند من أجناد الله بِقطع دابره؟ فَقَالَ: إِن الْجَرَاد نثرة الْحُوت فِي الْبَحْر، قَالَ هَاشم: قَالَ زِيَاد: فَحَدثني من رأى الْحُوت يَنْثُرهُ) . تفرد بِهِ ابْن مَاجَه.
الْوَجْه السَّادِس: فِي صيد الْبر وَهُوَ حرَام على الْمحرم لِأَنَّهُ فِي حَقه كالميتة وَكَذَا فِي حق غَيره من المحرمين والمحلين عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَهُوَ قَول عَطاء وَالقَاسِم وَسَالم، وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، فَإِن أكله أَو شَيْئا مِنْهُ فَهَل يلْزمه جَزَاء ثَان؟ فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء: أَحدهمَا: نعم، وَإِلَيْهِ ذهبت طَائِفَة. وَالثَّانِي: لَا جَزَاء عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ، نَص عَلَيْهِ مَالك. وَقَالَ أَبُو عمر: وعَلى هَذَا مَذَاهِب فُقَهَاء الْأَمْصَار وَجُمْهُور الْعلمَاء. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: عَلَيْهِ قيمَة مَا أكل. وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا قتل الْمحرم الصَّيْد فَعَلَيهِ جَزَاؤُهُ وحلال أكل ذَلِك الصَّيْد، إلَاّ أَنِّي أكرهه للَّذي قَتله، وَإِذا اصطاد حَلَال صيدا فأهداه إِلَى محرم فقد ذهبت جمَاعَة إِلَى إِبَاحَته مُطلقًا، وَلم يفصلوا بَين أَن يكون قد صَاده من أَجله أم لَا حكى أَبُو عمر هَذَا القَوْل عَن عمر بن الْخطاب وَأبي هُرَيْرَة وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَكَعب الْأَحْبَار وَمُجاهد وَعَطَاء فِي رِوَايَة، وَسَعِيد بن جُبَير قَالَ: وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ، قَالَ ابْن جرير: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن بزيغ حَدثنَا بشر بن الْمفضل حَدثنَا سعيد عَن عبَادَة أَن سعيد بن الْمسيب حَدثهُ (عَن أبي هُرَيْرَة أَنه سُئِلَ عَن لحم صيد صَاده حَلَال أيأكله الْمحرم؟ قَالَ: فأفتاهم بِأَكْلِهِ، ثمَّ لَقِي عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْبرهُ بِمَا كَانَ من أمره، فَقَالَ: لَو أفتيتهم بِغَيْر هَذَا لأوجعت لَك رَأسك) . وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يجوز أكل الصَّيْد للْمحرمِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمنعُوا من ذَلِك مُطلقًا لعُمُوم الْآيَة الْكَرِيمَة. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن معمر عَن ابْن طَاوُوس وَعبد الْكَرِيم ابْن أبي أُميَّة عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس أَنه كره أكل لحم الصَّيْد للْمحرمِ، قَالَ: وَأَخْبرنِي معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يكره أَن يَأْكُل لحم الصَّيْد على كل حَال، قَالَه أَبُو عمر، وَبِه قَالَ طَاوُوس وَجَابِر بن زيد، وَإِلَيْهِ ذهب الثَّوْريّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه. وَقد رُوِيَ نَحوه عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد وَإِسْحَاق فِي رِوَايَة، وَالْجُمْهُور: إِن كَانَ
стр. 2968
الْحَلَال قد قصد للْمحرمِ بذلك الصَّيْد لم يجز للْمحرمِ أكله لحَدِيث الصعب بن جثامة، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَإِذا لم يَقْصِدهُ بالاصطياد يجوز لَهُ الْأكل مِنْهُ لحَدِيث أبي قَتَادَة على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٢ - (بابٌ إذَا صَادَ الحَلَالُ فأهْدَى لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدَ أكَلَهُ)
هَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا ثبتَتْ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَسَقَطت فِي رِوَايَة غَيره، وَجعلُوا مَا ذكر فِي هَذَا الْبَاب من جملَة الَّذِي قبله. قَوْله: (بَاب) منون، تَقْدِيره: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا صَاد الْحَلَال صيدا فأهداه للْمحرمِ أكله الْمحرم، وَفِيه خلاف قد ذَكرْنَاهُ عَن قريب فِي آخر الْبَاب الَّذِي قبله.
ولمْ يَرَ ابنُ عَبَّاسٍ وأنَسٌ بالذَّبْحِ بَأسا
لَا يُطَابق ذكر هَذَا التَّعْلِيق فِي هَذِه التَّرْجَمَة، وَإِنَّمَا تتأتى الْمُطَابقَة بالتعسف فِي التَّرْجَمَة الَّتِي قبل هَذَا الْبَاب على رِوَايَة غير أبي ذَر. قَوْله: (بِالذبْحِ) ، أَي: بِذبح الْمحرم، وَظَاهر الْعُمُوم يتَنَاوَل ذبح الصَّيْد وَغَيره، وَلَكِن مُرَاده الذّبْح فِي غير الصَّيْد، أَشَارَ بقوله: (وَهُوَ فِي غير الصَّيْد) على مَا يَجِيء الْآن، وَوصل أثر ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عبد الرَّزَّاق من طَرِيق عِكْرِمَة أَن ابْن عَبَّاس أمره أَن يذبح جزورا وَهُوَ محرم، وَأثر أنس وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الصَّباح البَجلِيّ: سَأَلت أنس بن مَالك عَن الْمحرم يذبح؟ قَالَ: نعم.
وهْوَ غَيْرُ الصَّيْدِ نحوُ الإِبِلِ والْغَنَمِ والْبَقَرِ والدَّجَاجِ والخَيْلِ
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى تَخْصِيص الْعُمُوم الَّذِي يفهم من قَوْله: (بِالذبْحِ) ، قَوْله: (وَهُوَ) أَي: الذّبْح، أَي المُرَاد من الذّبْح الْمَذْكُور فِي أثر ابْن عَبَّاس وَأنس هُوَ الذّبْح فِي الْحَيَوَان الأهلي، وَهُوَ الَّذِي ذكره بقوله: (نَحْو الْإِبِل) إِلَى آخِره. وَهَذَا كُله مُتَّفق عَلَيْهِ غير ذبح الْخَيل، فَإِن فِيهِ خلافًا مَعْرُوفا. وَذكر أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الْحَرْبِيّ فِي (كتاب الْمَنَاسِك) : يذبح الْمحرم الدَّجَاج الأهلي وَلَا يذبح الدَّجَاج السندي، ويذبح الْحمام المستأنس وَلَا يذبح الطيارة، ويذبح الأوز وَلَا يذبح البط الْبري، ويذبح الْغنم وَالْبَقر الْأَهْلِيَّة، وَيحمل السِّلَاح وَيُقَاتل اللُّصُوص وَيضْرب مَمْلُوكه، وَلَا يختضب بِالْحِنَّاءِ، ويصيد السّمك، وكل مَا كَانَ فِي الْبَحْر، ويجتنب صيد الضفادع.
يُقَالُ عَدْلُ ذَلِكَ مِثْلُ فإذَا كُسِرَتْ عِدْلٌ فَهْوَ زِنَةُ ذَلِكَ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْفرق بَين الْعدْل بِفَتْح الْعين، وَالْعدْل بِكَسْرِهَا، وَذَلِكَ لكَون لفظ الْعدْل مَذْكُورا فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة، قَوْله: (يُقَال) ، يَعْنِي: فِي لُغَة الْعَرَب: (عدل ذَلِك) بِفَتْح الْعين، أَي: هَذَا الشَّيْء عدل ذَلِك الشَّيْء أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (مثل) أَي: مثل ذَلِك الشَّيْء. قَوْله: (فَإِذا كسرت) ، أَي: الْعين، تَقول: هَذَا عدل ذَاك، بِكَسْر الْعين، قَوْله: (فَهُوَ زنة ذَلِك) أَي: موازنة، أَرَادَ بِهِ فِي الْقدر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي الْبَاب الَّذِي قبله.
قَيَاما قِوَاما
أَشَارَ بِهِ إِلَى الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى عقيب الْآيَة الْمَذْكُورَة: ﴿جعل الله الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قيَاما للنَّاس﴾ (الْمَائِدَة: ٧٩) . أَي: قواما، بِكَسْر الْقَاف. وَهُوَ نظام الشَّيْء وعماده، يُقَال: فلَان قيام أهل الْبَيْت وقوامه، أَي: الَّذِي يُقيم شَأْنهمْ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِير: قيَاما، فِي الْآيَة: أَي: جعل الله الْكَعْبَة بِمَنْزِلَة الرَّأْس الَّذِي يقوم بِهِ أَمر أَتْبَاعه، وَقَالَ بَعضهم: قيَاما قواما، هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة قلت: هَذَا لَيْسَ بمخصوص بِأبي عُبَيْدَة، وَإِنَّمَا هُوَ قَول جَمِيع أهل اللُّغَة وَأهل التصريف بِأَن أصل: قيام، قوام لِأَن مادته من قَامَ يقوم قواما وَهُوَ أجوف واوي، قلبت الْوَاو فِي قواما، يَاء كَمَا قلبت فِي صِيَام، وَأَصله: صوام، لِأَنَّهُ من صَامَ يَصُوم صوما، وَهُوَ أَيْضا أجوف واوي، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ يَد فِي التصريف يتَصَرَّف هَكَذَا حَتَّى قَالَ: قَالَ الطَّبَرِيّ: أَصله الْوَاو، فَكَأَنَّهُ رأى أَن هَذَا أَمر عَظِيم حَتَّى نسبه إِلَى الطَّبَرِيّ.
يَعْدِلُونَ: يَجْعَلُونَ عَدْلاً
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْمَذْكُور فِي سُورَة الْأَنْعَام ﴿ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ١) . أَي: يجْعَلُونَ لَهُ عدلا، أَي: مثلا تَعَالَى الله عَن ذَلِك، ومناسبة ذكر هَذَا هَهُنَا كَونه من مَادَّة قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو عدل ذَلِك﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . بِالْفَتْح، يَعْنِي مثله، وَهَذَا
стр. 2969
الَّذِي ذكره كُله من أول الْبَاب إِلَى هَهُنَا يُطَابق تَرْجَمَة الْبَاب السَّابِق، وَلَا يُنَاسب هَذِه التَّرْجَمَة الَّتِي ثبتَتْ فِي رِوَايَة أبي ذَر، كَمَا ذكرنَا.
١٢٨١ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ قَالَ انْطَلَقَ أبِي عامَ الحُدَيْبِيَّةِ فأحْرَمَ أصْحَابُهُ ولَمْ يحْرِمْ وحُدِّثَ النبيُّ ﷺ أنَّ عَدُوَّا يَغْزُوهُ فانْطَلَقَ النبيُّ ﷺ فَبَيْنَما أَنا مَعَ أصْحَابِهِ تضَحَّكَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فنَظَرْتُ فإذَا أنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ فحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَطَعَنْتُهُ فأثْبَتُّهُ واسْتَعَنْتُ بِهِمْ فأبَوْا أنْ يُعِينُونِي فأكَلْنَا منْ لَحْمِهِ وخَشِينَا أنْ تُقْتَطَعَ فطَلبْتُ النبيَّ ﷺ أرْفَعُ فَرَسِي شاوا وأسِيرُ شأوا فَلَقِيتُ رَجُلاً منْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قُلْتُ أيْنَ تَرَكْتَ النبيَّ ﷺ قَالَ تَرَكْتُهُ بِتَعْهُنَ وهُوَ قَايِلٌ السُّقْيَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أنَّ أهْلَكَ يَقْرَؤنَ عَلَيْكَ السَّلامَ ورَحْمَةَ الله إنهُمْ قَدْ خَشُوا أنُ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ فانْتَطِرْهُمْ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله أصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ وعِنْدِي مِنْهُ فاضِلَةٌ فَقالَ لِلْقَوْمِ كُلُوا وهُمْ مُحْرِمُونَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كلوا، وهم محرمون) . فَإِن الَّذِي صَاد الْحمار الْمَذْكُور كَانَ حَلَالا، وأهداه إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وأباح النَّبِي، ﷺ ، أكله لأَصْحَابه الَّذين مَعَه وهم محرمون، فَدلَّ على أَن الَّذِي اصطاده الْحَلَال يجوز للْمحرمِ أَن يَأْكُل مِنْهُ، على خلاف فِيهِ، قد ذَكرْنَاهُ.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: معَاذ بن فضَالة أَبُو زيد الزهْرَانِي. الثَّانِي: هِشَام الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير. الرَّابِع: عبد الله بن أبي قَتَادَة. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو قَتَادَة بِفَتْح الْقَاف، واسْمه الْحَارِث بن ربيع الْأنْصَارِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر فِي: بَاب النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ فِي كتاب الْوضُوء. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه بَصرِي، وَهِشَام ينْسب إِلَى دستوا من نواحي الأهواز، كَانَ يَبِيع الثِّيَاب الَّتِي تجلب مِنْهَا فنسب إِلَيْهَا، وَلَكِن أَصله بَصرِي، وَيحيى طائي يمامي. قَوْله: (عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن يحيى: أَخْبرنِي عبد الله ابْن أبي قَتَادَة، وسَاق عبد الله هَذَا الْإِسْنَاد مُرْسلا حَيْثُ قَالَ: انْطلق أبي عَام الْحُدَيْبِيَة، وَهَكَذَا أخرجه مُسلم من طَرِيق معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه، وَأخرجه أَحْمد عَن ابْن علية عَنهُ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن هِشَام عَن يحيى فَقَالَ: عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه أَنه انْطلق مَعَ النَّبِي ﷺ وَهَذَا مُسْند، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة عَليّ بن الْمُبَارك عَن يحيى عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة أَن أَبَاهُ حَدثهُ قَالَ: انطلقنا مَعَ النَّبِي، ﷺ ، على مَا يَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن الرّبيع عَن عَليّ بن الْمُبَارك، وَأخرجه فِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الذَّبَائِح عَن إِسْمَاعِيل، كِلَاهُمَا عَن مَالك، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن سعيد بن الرّبيع وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعبد الله بن يُوسُف أَيْضا، وَفِي الْهِبَة عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الْأَطْعِمَة أَيْضا عَن عبد الْعَزِيز بن عبيد الله، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن صَالح بن مِسْمَار عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن يحيى بن حسان عَن مُعَاوِيَة بن سَلام، الْكل عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة بن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن هِشَام بِهِ وَعَن عبيد الله بن فضَالة. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَام الْحُدَيْبِيَة) ، قيل، وَفِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ من وَجه آخر عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة أَن ذَلِك كَانَ فِي عمْرَة الْقَضِيَّة قلت: رَوَاهُ عَن ابْن أبي سُبْرَة عَن مُوسَى بن ميسرَة عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه، قَالَ: سلكنا فِي عمْرَة
стр. 2970
الْقَضِيَّة على الْفَرْع، وَقد أحرم أَصْحَابِي غَيْرِي فَرَأَيْت حمارا ... الحَدِيث، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَ ذَلِك عَام الْحُدَيْبِيَة أَو بعده بعام، عَام الْقَضِيَّة. قَوْله: (فَأحْرم أَصْحَابه) أَي: أَصْحَاب أبي قَتَادَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (أحرم أَصْحَابِي وَلم أحرم) وَقَالَ الْأَثْرَم: كنت أسمع أَصْحَاب الحَدِيث يتعجبون من حَدِيث أبي قَتَادَة، وَيَقُولُونَ: كَيفَ جَازَ لأبي قَتَادَة أَن يُجَاوز الْمِيقَات غير محرم، وَلَا يَدْرُونَ مَا وَجهه حَتَّى رَأَيْته مُفَسرًا فِي رِوَايَة عِيَاض بن عبد الله عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قلت: روى الطَّحَاوِيّ، ﵀، حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَقَالَ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا عَيَّاش بن الْوَلِيد الرقام حَدثنَا عبد الْأَعْلَى عَن عبيد الله عَن عِيَاض بن عبد الله (عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: بعث النَّبِي، ﷺ ، أَبَا قَتَادَة الْأنْصَارِيّ على الصَّدَقَة، وَخرج رَسُول الله، ﷺ ، وَأَصْحَابه وهم محرمون حَتَّى نزلُوا عسفان، فَإِذا هم بِحِمَار وَحش، قَالَ: وَجَاء أَبُو قَتَادَة وَهُوَ حل، فنكسوا رؤوسهم كَرَاهَة أَن يحدوا أَبْصَارهم، فتفطن، فَرَآهُ فَركب فرسه وَأخذ الرمْح، فَسقط مِنْهُ فَقَالَ: ناولونيه، فَقَالُوا: مَا نَحن بمعينك عَلَيْهِ بِشَيْء، فَحمل عَلَيْهِ فعقره، فَجعلُوا يشوون مِنْهُ، ثمَّ قَالُوا: رَسُول الله، ﷺ ، بَين أظهرنَا. قَالَ: وَكَانَ يتقدمهم فلحقوه فَسَأَلُوهُ، فَلم ير بذلك بَأْسا) . وَأخرجه الْبَزَّار أَيْضا. قَوْله: (على الصَّدَقَة) أَي: على أَخذ الزكوات، وَقَالَ الْقشيرِي فِي الْجَواب عَن عدم إِحْرَام أبي قَتَادَة، يحْتَمل أَنه لم يكن مرِيدا لِلْحَجِّ، أَو أَن ذَلِك قبل تَوْقِيت الْمَوَاقِيت، وَزعم الْمُنْذِرِيّ أَن أهل الْمَدِينَة أَرْسلُوهُ إِلَى سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، يعلمونه أَن بعض الْعَرَب يَنْوِي غَزْو الْمَدِينَة. وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَنه لم ينْو الدُّخُول إِلَى مَكَّة، وَإِنَّمَا صحب النَّبِي، ﷺ ، ليكْثر جمعه، وَقَالَ أَبُو عمر: يُقَال: إِن أَبَا قَتَادَة كَانَ رَسُول الله ﷺ وَجهه على طَرِيق الْبَحْر مَخَافَة الْعَدو، فَلذَلِك لم يكن محرما إِذا اجْتمع مَعَ أَصْحَابه، لِأَن مخرجهم لم يكن وَاحِدًا. انْتهى. قلت: أحسن الْأَجْوِبَة مَا ذكر فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَحدث) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (يغزوه) أَي: يقصدوه. قَوْله: (فَبينا) ويروى: (فَبَيْنَمَا) . قَوْله: (يضْحك بَعضهم إِلَى بعض) ، جملَة حَالية، وَوَقع فِي رِوَايَة العذري فِي مُسلم: (فَجعل بَعضهم يضْحك إِلَيّ) بتَشْديد الْيَاء فِي: إِلَيّ، قَالَ عِيَاض: هُوَ خطأ وتصحيف وَإِنَّمَا سَقَطت عَلَيْهِ لَفْظَة: بعض، وَاحْتج لِضعْفِهَا بِأَنَّهُم لَو ضحكوا إِلَيْهِ لَكَانَ أكبر إِشَارَة مِنْهُم، وَقد صرح فِي الحَدِيث أَنهم لم يشيروا إِلَيْهِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا يُمكن رد هَذِه الرِّوَايَة، فقد صحت هِيَ وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى، وَلَيْسَ فِي وَاحِدَة مِنْهُم دلَالَة وَلَا إِشَارَة إِلَى الصَّيْد، وَأَن مُجَرّد الضحك لَيْسَ فِيهِ إِشَارَة مِنْهُم، وَإِنَّمَا كَانَ ضحكهم من عرُوض الصَّيْد وَلَا قدرَة لَهُم عَلَيْهِ ومنعهم مِنْهُ، وَكَذَا قَالَ ابْن التِّين، يُرِيد أَنهم لم يخبروه بمَكَان الصَّيْد وَلَا أشاروا إِلَيْهِ. وَفِي الحَدِيث مَا يَقْتَضِي أَن ضحكهم لَيْسَ بِدلَالَة وَلَا إِشَارَة، بيَّن ذَلِك فِي حَدِيث عُثْمَان بن موهب، فَقَالَ: (أمنكم أحد أَشَارَ إِلَيْهِ؟ قَالُوا: لَا) . فَإِن قلت: مَا معنى: إِلَى، فِي قَوْله: (إِلَى بعض) ؟ قلت: مَعْنَاهُ منتهيا أَو نَاظرا إِلَيْهِ. قَوْله: (فَنَظَرت) ، فِيهِ الْتِفَات، فَإِن الأَصْل أَن يُقَال: فَنظر، لقَوْله: (فَبينا أبي مَعَ أَصْحَابه) ، فالتقدير: قَالَ أبي: فَنَظَرت، فَإِذا أَنا بِحِمَار وَحش، وَهَذِه الرِّوَايَة تَقْتَضِي أَن رُؤْيَته إِيَّاه مُتَقَدّمَة، وَرِوَايَة أبي حَازِم عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة تَقْتَضِي أَن رُؤْيَتهمْ إِيَّاه قبل رُؤْيَته، فَإِن فِيهَا: (فَأَبْصرُوا حمارا وحشيا وَأَنا مَشْغُول أخصف نَعْلي، فَلم يؤذنوني بِهِ، وأحبوا لَو أَنِّي أبصرته، والتفت فأبصرته) . قَوْله: (فَحملت عَلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر: (فَقُمْت إِلَى الْفرس فأسرجته ثمَّ ركبت ونسيت السَّوْط وَالرمْح، فَقلت لَهُم: ناولوني السَّوْط وَالرمْح، فَقَالُوا: لَا وَالله لَا نعينك عَلَيْهِ بِشَيْء، فَغضِبت فَنزلت فأخذتهما، ثمَّ ركبت) . وَفِي رِوَايَة فُضَيْل ابْن سُلَيْمَان: (فَركب فرسا لَهُ يُقَال لَهُ الجرادة، فَسَأَلَهُمْ أَن يناولوه سَوْطه فَأَبَوا) . وَفِي رِوَايَة أبي النَّضر: (وَكنت نسيت سَوْطِي، فَقلت لَهُم: ناولوني بسوطي، فَقَالُوا: لَا نعينك عَلَيْهِ، فَنزلت فَأَخَذته) . قَوْله: (فأثبته) ، أَي: تركته ثَابتا فِي مَكَانَهُ لَا يُفَارِقهُ وَلَا حراك بِهِ، وَفِي رِوَايَة أبي حَازِم: (فشددت على الْحمار فعقرته، ثمَّ جِئْت بِهِ وَقد مَاتَ) . وَفِي رِوَايَة أبي النَّضر: (حَتَّى عقرته فَأتيت إِلَيْهِم فَقلت لَهُم، قومُوا فاحتملوا، فَقَالُوا: لَا نمسه، فَحَملته حَتَّى جئتهم بِهِ) . (فأكلنا من لَحْمه) ، وَفِي رِوَايَة فُضَيْل عَن أبي حَازِم: (فَأَكَلُوا فَنَدِمُوا) ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن أبي حَازِم: (فوقعوا يَأْكُلُون مِنْهُ، ثمَّ إِنَّهُم شكوا فِي أكلهم إِيَّاه وهم حرم، فرحنا وخبؤت الْعَضُد معي) ، وَفِي رِوَايَة مَالك عَن أبي النَّضر: (فَأكل مِنْهُ بَعضهم وأبى بَعضهم) . وَفِي حَدِيث أبي سعيد: (فَجعلُوا يشوون مِنْهُ) ، وَفِي رِوَايَة الْمطلب عَن أبي قَتَادَة عِنْد سعيد بن مَنْصُور: (فظللنا نَأْكُل
стр. 2971
مِنْهُ مَا شِئْنَا طبيخا وشواء ثمَّ تزودنا مِنْهُ.
وَأخرج الطَّحَاوِيّ حَدِيث أبي قَتَادَة من خمس طرق صِحَاح.
الأول: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: بعث رَسُول الله ﷺ أَبَا قَتَادَة ... الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
الثَّانِي: عَن عباد بن تَمِيم (عَن أبي قَتَادَة أَنه كَانَ على فرس وَهُوَ حَلَال، وَرَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه محرمون، فَبَصر بِحِمَار وَحش، فَنهى رَسُول الله ﷺ أَن يعينوه، فَحمل عَلَيْهِ فصرع أَتَانَا فَأَكَلُوا مِنْهُ) .
الثَّالِث: عَن عُثْمَان بن عبد الله بن موهب (عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه أَنه كَانَ فِي قوم محرمين وَلَيْسَ هُوَ بِمحرم، وهم يَسِيرُونَ، فَرَأَوْا حمارا فَركب فرسه فصرعه، فَأتوا النَّبِي، ﷺ ، فَسَأَلُوهُ عَن ذَلِك، فَقَالَ أشرتم أوصدتم أَو قتلتم؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا) .
الرَّابِع: عَن نَافِع مولى أبي قَتَادَة (عَن أبي قَتَادَة أَنه كَانَ مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، حَتَّى إِذا كَانَ بِبَعْض طرق مَكَّة تخلف مَعَ أَصْحَاب لَهُ محرمين وَهُوَ غير محرم، فَرَأى حمارا وحشيا فَاسْتَوَى على فرسه، ثمَّ سَأَلَ أَصْحَابه أَن يناولوه سَوْطه، فَأَبَوا، فَسَأَلَهُمْ رمحه فَأَبَوا، فَأَخذه ثمَّ شدّ على الْحمار فَقتله، فَأكل مِنْهُ بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَأبي بَعضهم، فَلَمَّا أدركوا رَسُول الله ﷺ سَأَلُوهُ عَن ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ طعمة أطعمكموها الله) .
الْخَامِس: عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي قَتَادَة مثله، وَزَاد: (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: هَل مَعكُمْ من لَحْمه شَيْء؟ فقد علمنَا أَن أَبَا قَتَادَة لم يصده فِي وَقت مَا صَاده إِرَادَة مِنْهُ أَن يكون لَهُ خَاصَّة، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يكون لَهُ ولأصحابه الَّذين كَانُوا مَعَه) .
قَوْله: (وخشينا أَن نقتطع) أَي: نصير مقطوعين عَن النَّبِي ﷺ منفصلين عَنهُ لكَونه سبقهمْ، وَعند أبي عوَانَة عَن عَليّ بن الْمُبَارك عَن يحيى بِلَفْظ: (وخشينا أَن يقتطعنا الْعَدو) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (وَأَنَّهُمْ خَشوا أَن يقتطعهم الْعَدو دُونك) . وَقَالَ ابْن قرقول: أَي يحوذنا الْعَدو عَنْك، وَمن حَملتك. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَي: خفنا أَن يُحَال بَيْننَا وَبينهمْ ويقتطع بِنَا عَنْهُم. قَوْله: (ارْفَعْ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد أَي: أرفعه فِي سيره وأجربه. قَوْله: (شأوا) بالشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهمزَة: وَهُوَ الطلق والغاية، وَمَعْنَاهُ: أركضه شَدِيدا تَارَة وأسهل سيره تَارَة. قَوْله: (من بني غفار) ، بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء وَفِي آخِره رَاء، منصرف وَغير منصرف. قَوْله: (بتعهن) ، بِكَسْر الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتحهَا وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْهَاء وبالنون، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالْكَسْرِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِكَسْر أَوله وثالثه، وَفِي رِوَايَة غَيره بفتحهما، وَحكى أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ أَنه سَمعهَا من الْعَرَب بذلك الْمَكَان بِفَتْح الْهَاء، وَمِنْهُم من يضم التَّاء وَيفتح الْعين وَيكسر الْهَاء، وَضَبطه أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ بِضَم أَوله وثانيه وبتشديد الْهَاء، قَالَ: وَمِنْهُم من يكسر التَّاء، وَأَصْحَاب الحَدِيث يسكنون الْعين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (بدعهن) ، بِالدَّال الْمُهْملَة مَوضِع التَّاء. قلت: يُمكن أَن يكون ذَلِك من تصرف اللافظين لقرب مخرج التَّاء من الدَّال، وَهُوَ، عين مَاء على ثَلَاثَة أَمْيَال من السقيا، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَالْقصر، هِيَ قَرْيَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة من أَعمال الْفَرْع، بِضَم الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وبالعين الْمُهْملَة. وَقَالَ الْبكْرِيّ: الْفَرْع من أَعمال الْمَدِينَة الواسعة والصفراء وأعمالها من الْفَرْض ومنضافة إِلَيْهَا. قَوْله: (وَهُوَ قَائِل) جملَة إسمية، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَائِل رُوِيَ بِوَجْهَيْنِ: أصَحهمَا: وأشهرهما من القيلولة يَعْنِي: تركته بتعهن، وَفِي عزمه أَن يقيل بالسقيا. الثَّانِي: بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ ضَعِيف غَرِيب، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيف فَإِن صَحَّ فَمَعْنَاه أَن تعهن مَوضِع مُقَابل السقيا، فعلى الْوَجْه الأول الضَّمِير فِي قَوْله: (وَهُوَ) يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ ، وعَلى الْوَجْه الثَّانِي يرجع إِلَى قَوْله: (تعهن) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ قَوْله: (قَائِل) ، من القَوْل وَمن القائلة وَالْأول هُوَ المُرَاد هُنَا، والسقيا مفعول بِفعل مُضْمر، وَالضَّمِير: كَانَ بتعهن وَهُوَ يَقُول لأَصْحَابه اقصدوا السقيا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن علية عَن هِشَام: (وَهُوَ قَائِم بالسقيا) ، يَعْنِي من الْقيام، وَلكنه قَالَ: الصَّحِيح: قَائِل، بِاللَّامِ. قَوْله: (فَقلت) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فسرت فَأَدْرَكته فَقلت: يَا رَسُول الله! وتوضحه رِوَايَة عَليّ بن الْمُبَارك فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظ: (فلحقت برَسُول الله ﷺ حَتَّى أَتَيْته فَقلت: يَا رَسُول الله) . قَوْله: (أَن أهلك) أَرَادَ إِن أَصْحَابك، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة أَحْمد وَمُسلم وَغَيرهمَا رِوَايَة أَحْمد وَمُسلم من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: (إِن أَصْحَابك) . قَوْله: (فانتظرهم) ، بِصِيغَة الْأَمر من الِانْتِظَار، أَي: انْتظر أَصْحَابك. وَفِي رِوَايَة مُسلم بِهَذَا الْوَجْه: فانتظرهم، بِصِيغَة الْمَاضِي أَي: انتظرهم رَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة عَليّ بن الْمُبَارك: (فانتظرهم فَفعل) . قَوْله: (فاضلة) ، بِمَعْنى: فضلَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَي قِطْعَة قد فضلت مِنْهُ فَهِيَ فاضلة أَي: بَاقِيَة معي.
стр. 2972
قَوْله: (فَقَالَ للْقَوْم: كلوا) ، هَذَا أَمر إِبَاحَة لَا أَمر إِيجَاب، قَالَ بَعضهم: لِأَنَّهَا وَقعت جَوَابا عَن سُؤَالهمْ عَن الْجَوَاز لَا عَن الْوُجُوب، فَوَقَعت الصِّيغَة على مُقْتَضى السُّؤَال. قلت: الْأَوْجه أَن يُقَال: إِن هَذَا الْأَمر إِنَّمَا كَانَ لمَنْفَعَة لَهُم، فَلَو كَانَ للْوُجُوب لصار عَلَيْهِم، فَكَانَ يعود إِلَى مَوْضُوعه بِالنَّقْضِ.
وَفِيه من الْفَوَائِد: أَن لحم الصَّيْد مُبَاح للْمحرمِ إِذا لم يعن عَلَيْهِ وَقَالَ الْقشيرِي اخْتلف النَّاس فِي أكل الْمحرم لحم الصَّيْد على مَذَاهِب.
أَحدهَا: أَنه مَمْنُوع مُطلقًا صيد لأَجله أَو لَا، وَهَذَا مَذْكُور عَن بعض السّلف، دَلِيله حَدِيث الصعب بن جثامة.
الثَّانِي: مَمْنُوع إِن صَاده أَو صيد لأَجله، سَوَاء كَانَ بِإِذْنِهِ أَو بِغَيْر إِذْنه، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ.
الثَّالِث: إِن كَانَ باصطياده أَو بِإِذْنِهِ أَو بدلالته حرم عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ على غير ذَلِك لم يحرم، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة.
وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يَأْكُل مَا صيد وَهُوَ حَلَال، وَلَا يَأْكُل مَا صيد بعد. وَحَدِيث أبي قَتَادَة هَذَا يدل على جَوَاز أكله فِي الْجُمْلَة، وعزى صَاحب (الإِمَام) إِلَى النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي حنيفَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن جده الزبير، قَالَ: (كُنَّا نحمل الصَّيْد صفيفا ونتزوده وَنحن محرمون مَعَ رَسُول الله ﷺ ، رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الْبَلْخِي فِي (مُسْند أبي حنيفَة) من هَذَا الْوَجْه عَن هِشَام، وَمن جِهَة إِسْمَاعِيل بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن الْحسن عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وروى أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي (مُسْنده) من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر: حَدثنَا شيخ لنا (عَن طَلْحَة بن عبد الله أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن مَحل آثَار الصَّيْد أيأكله الْمحرم؟ قَالَ: نعم) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (أهْدى لطلْحَة طَائِر وَهُوَ محرم فَقَالَ: أكلنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ . وَعند الدَّارَقُطْنِيّ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، أعطَاهُ حمَار وَحش وَأمره أَن يفرقه فِي الرقَاق) . قَالَ: ويروى عَن طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعمر وَأبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فِيهِ رخصَة. ثمَّ قَالَ: عَائِشَة تكرههُ وَغير وَاحِد، وروى الْحَاكِم على شَرطهمَا من حَدِيث جَابر يرفعهُ: (لحم صيد الْبر لكم حَلَال وَأَنْتُم حرم مَا لم تصيدوه أَو يصاد لَكِن) . قَالَ مهنىء: ذكر أَبُو عبد الله، يَعْنِي: أَحْمد بن حَنْبَل، هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: إِلَيْهِ أذهب، وَلما ذكر لَهُ حَدِيث عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن قيس عَن الْحسن بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة: (أهْدى النَّبِي، ﷺ ، وشيقة لحم وَهُوَ محرم فَأَكله) ، فَجعل أَبُو عبد الله يُنكره إنكارا شَدِيدا، وَقَالَ: سَماع مثلا، هَكَذَا ذكره صَاحب التَّلْوِيح بِخَطِّهِ، وَفِيه: فَأَكله. قلت: روى الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ، حَدثنَا سُفْيَان عَن عبد الْكَرِيم عَن قيس بن مُسلم الجدلي عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ عَن عَائِشَة: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، أهْدى لَهُ وشيقة ظَبْي وَهُوَ محرم فَرده) ، وَرَوَاهُ أَيْضا أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا الثَّوْريّ عَن قيس بن مُسلم عَن الْحسن بن مُحَمَّد (عَن عَائِشَة قَالَت: أهدي لرَسُول الله، ﷺ ، ظَبْيَة فِيهَا وشيقة صيد، وَهُوَ حرَام فَأبى أَن يَأْكُلهُ) . انْتهى. وَهَذَا يُخَالف مَا ذكره صَاحب (التَّلْوِيح) فَإِن فِي لَفظه: (فَأَكله) ، والطَّحَاوِي لم يذكر هَذَا الحَدِيث إلَاّ فِي صدد الِاحْتِجَاج لمن قَالَ: لَا يحل للْمحرمِ أَن يَأْكُل لحم صيد ذبحه حَلَال، لِأَن الصَّيْد نَفسه حرَام عَلَيْهِ، فلحمه أَيْضا حرَام عَلَيْهِ، فَإِذا كَانَ الحَدِيث على مَا ذكره صَاحب (التَّلْوِيح) : لَا يكون حجَّة لَهُم، بل إِنَّمَا يكون حجَّة لمن قَالَ بِجَوَاز أكل الْمحرم صيد الْمحل، وَالَّذين منعُوا من ذَلِك للْمحرمِ هُوَ الشّعبِيّ وطاووس وَمُجاهد وَجَابِر بن زيد وَالثَّوْري وَاللَّيْث بن سعد وَمَالك فِي رِوَايَة، وَإِسْحَاق فِي رِوَايَة. قَوْله: (وشيقة ظَبْي) . الوشيقة: أَن يُؤْخَذ اللَّحْم فيغلى قَلِيلا وَلَا ينضج وَيحمل فِي الْأَسْفَار، وَقيل: هِيَ القديد، وَقد وَشقت اللَّحْم أشقه وشقا، وَيجمع على وشق ووشائق.
وَذكر الطَّحَاوِيّ أَيْضا أَحَادِيث أخر لهَؤُلَاء المانعين. مِنْهَا: مَا قَالَه: حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن قَالَ: حَدثنَا أَسد (ح) وَحدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَليّ بن زيد عَن عبد الله ابْن الْحَارِث بن نَوْفَل: أَن عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نزل قديدا، فَأتي بالحجل فِي الجفان شَائِلَة بأرجلها، فَأرْسل إِلَيّ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ يضفز بَعِيرًا لَهُ، فَجَاءَهُ وَالْخَيْط يتحات من يَدَيْهِ، فَأمْسك عَليّ وَأمْسك النَّاس، فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: من هَهُنَا من أَشْجَع؟ هَل علمْتُم أَن رَسُول الله ﷺ جَاءَهُ أَعْرَابِي ببيضات نعام وتتمير وَحش، فَقَالَ: أطعمهن أهلك فَإنَّا حرم؟ قَالُوا: نعم) . وَأخرج أَبُو دَاوُد حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير. قَالَ: أخبرنَا سُلَيْمَان بن كثير عَن حميد الطَّوِيل (عَن إِسْحَاق ابْن عبد الله بن الْحَارِث عَن أَبِيه، وَكَانَ الْحَارِث خَليفَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الطَّائِف، فَصنعَ لعُثْمَان طَعَاما وصنع
стр. 2973
فِيهِ من الحجل واليعاقيب وَلُحُوم الْوَحْش، قَالَ: فبعص إِلَى عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَجَاءَهُ الرَّسُول وَهُوَ يخيط الأباعر لَهُ وَهُوَ ينفض الْخَيط من يَده، فَقَالُوا لَهُ: كل. قَالَ: أطعموا قوما حَلَالا فَإنَّا حرم، قَالَ عَليّ: أنْشد الله من كَانَ هَهُنَا من أَشْجَع أتشهدون أَن رَسُول الله ﷺ أهدي إِلَيْهِ رجل حمَار وَحش وَهُوَ محرم فَأبى أَن يَأْكُلهُ؟ قَالُوا: نعم) . قَوْله: يضفز بالضاد وَالزَّاي المعجمتين بَينهمَا فَاء، يُقَال: ضفزت الْبَعِير إِذا أعلفته الضفائز، وَهِي اللقم الْكِبَار، واحدتها ضفيزة والضفيز شعير يجرش وتعلفه الْإِبِل.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَيْضا الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا فَهد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عمرَان، قَالَ: حَدثنَا أبي قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي ليلى عَن عبد الْكَرِيم عَن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل عَن ابْن عَبَّاس (عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بِلَحْم صيد وَهُوَ محرم، فَلم يَأْكُلهُ) . قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث ذكر عِلّة رده لحم الصَّيْد مَا هِيَ، فقد يحْتَمل ذَلِك لعِلَّة الْإِحْرَام، وَيحْتَمل أَن يكون لغير ذَلِك، فَلَا دلَالَة فِي هَذَا الحَدِيث لأحد.
وَقَالَ أبُو عَبْدِ الله شأوا مَرَّةً
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير شأوا فِي قَوْله: (أرفع فرسي شأوا وأسير شأوا) ، وَهُوَ بِمَعْنى مرّة. كَمَا ذَكرْنَاهُ، وانتصابه فِي الْمَوْضِعَيْنِ على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره: رفعر شأوا أَو أَسِيرًا شأوا، وَلَيْسَ هَذَا التَّفْسِير بموجود فِي كثير من النّسخ.
٣ - (بابٌ إذَا رأى المُحْرِمُون صَيْدا فَضَحِكُوا فَفَطِنَ الحَلَالُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا رأى الْقَوْم المحرمون صيدا وَفِيهِمْ رجل حَلَال، فَضَحِك المحرمون تَعَجبا من عرُوض الصَّيْد مَعَ عدم التَّعَرُّض لَهُ مَعَ قدرتهم على صَيْده، وفطن الْحَلَال الَّذِي فيهم بذلك، أَي فهم، من: فطنت للشَّيْء، بِفَتْح الطَّاء وَكسرهَا: فطنة وفطانة وفطانية، قَالَ الْجَوْهَرِي: كالفهم، وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يكون ضحكهم إِشَارَة مِنْهُم إِلَى الْحَلَال بالصيد حَتَّى إِذا اصطاد ذَاك الْحَلَال الصَّيْد الَّذِي رَآهُ المحرمون الَّذين ضحكوا لَا يلْزمهُم شَيْء.
٢٢٨١ - حدَّثنا سعِيدُ بنُ الرَّبِيعِ قَالَ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ الْمُبَارَكِ عنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ أنَّ أبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ انْطَلَقْنَا مَعَ النبيِّ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ فأحْرَمَ أصْحَابُهِ ولَمْ أُحْرِمُ فأُنْبِئْنَا بَعَدُوٍّ بِغَيْقَةَ فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ فبَصُرَ أصْحَابِي بِحِمَارَ وحْشٍ فجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إلَى بَعْضٍ فنَظَرْتُ فَرَأيْتُهُ فحَمَلْتُ عَلَيْهِ الفَرَسَ فَطَعَنْتُهُ فأثْبَتُّهُ فاسْتَعَنْتُهُمْ فأبَوْا أنْ يُعِينُونِي فأكَلْنَا مِنْهُ ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ الله ﷺ وخَشِينَا أنْ نُقْتَطَعَ أرْفَعُ فَرَسِي شأوا وأسِيرُ عَلَيْهِ شَأوا فَلَقِيتُ رجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فقُلْتُ أيْنَ تَرَكْتَ رسولَ الله ﷺ فَقَالَ تركْتُهُ بِتَعْهُنَ وهُوَ قائِلٌ السُّقْيَا فلَحُقْتُ بِرَسُولِ الله ﷺ حَتَّى أتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسولَ الله إنَّ أصْحَابَكَ أرْسَلُوا يَقْرَؤُونَ عَلَيْكَ السَّلامَ ورَحْمَةَ الله وبَرَكاتِهِ وإنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أنْ يَقْتَطِعَهُمْ الْعَدُوُّ دُونَكَ فانْظُرْهُمْ فَفَعَلَ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّا اصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ وإنَّ عِنْدَنا مِنْهُ فاضِلةً فَقَالَ رسولُ الله ﷺ لأِصْحَابِهِ كُلُوا وهُمْ مُحْرِمُونَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَبَصر أَصْحَابِي بِحِمَار وَحش، فَجعل بَعضهم يضْحك، فَنَظَرت) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن الرّبيع ضد الخريف أَبُو زيد الْهَرَوِيّ، كَانَ يَبِيع الثِّيَاب الهروية فنسب إِلَيْهَا، مَاتَ سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عَليّ بن الْمُبَارك الْهنائِي، وَقد مر فِي: بَاب الْجُمُعَة. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير. الرَّابِع: عبد الله بن أبي قَتَادَة. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي، وَقد مر عَن قريب.
стр. 2974
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان، وروى مُسلم عَن شَيْخه بِوَاسِطَة وَيحيى طائي ويمامي.
وَقد ذكرنَا فِي الْبَاب السَّابِق تعدد مَوْضِعه، وَمن أخرجه غَيره، وَقد ذكر البُخَارِيّ أَحَادِيث أبي قَتَادَة هَهُنَا فِي أَرْبَعَة أَبْوَاب متناسقة. الأول: بَاب إِذا صَاد الْحَلَال. الثَّانِي: بَاب إِذا رأى المحرمون صيدا. الثَّالِث: بَاب لَا يعين الْمحرم الْحَلَال. الرَّابِع: لَا يُشِير الْمحرم إِلَى الصَّيْد، وَقد رويت أَحَادِيث أبي قَتَادَة بأسانيد مُخْتَلفَة وألفاظ متباينة.
قَوْله: (وَلم أحرم) أَي: لم أحرم أَنا. قَوْله: (فأنبئنا) بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أخبرنَا. قَوْله: (بغيقة) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفتح الْقَاف: مَوضِع من بِلَاد بني غفار بَين الْحَرَمَيْنِ، قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ مَوضِع فِي رسم رضوى لبني غفار بن مليل بن ضَمرَة بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة، وَهُوَ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. قَوْله: (فَبَصر) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَضم الصَّاد. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَنظر) ، بنُون وظاء مشالة. فَإِن قلت: فعلى هَذِه الرِّوَايَة دُخُول الْبَاء فِي) بِحِمَار، مُشكل؟ قلت: يُمكن أَن يكون نظر حِينَئِذٍ بِمَعْنى: بصر، أَو تكون الْبَاء بِمَعْنى إِلَى لِأَن الْحُرُوف يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض. قَوْله: (فأثبته) من الْإِثْبَات، أَي: أحكمت الطعْن فِيهِ. قَوْله: (فاستعنتهم) ، من الِاسْتِعَانَة، وَهُوَ طلب العون. وَهُوَ طلب العون. قَوْله: (فانظرهم) ، بِمَعْنى انتظرهم، يُقَال: نظرت أَي: انتظرت. قَوْله: (قد خَشوا) أَصله خشيوا. كرضوا، أَصله: رضيوا، استثقلت الضمة على الْيَاء فنقلت إِلَى مَا قبلهَا بعد سلب حُرْمَة مَا قبلهَا، فَالتقى ساكنان فحذفت الْيَاء لِأَن الْوَاو ضمير الْجمع. قَوْله: (إِنَّا اصَّدنا) بوصل الْألف وَتَشْديد الصَّاد، وَأَصله: اصتدنا، من بَاب الافتعال، فقلبت التَّاء صادا وادغمت الصَّاد فِي الصَّاد، وَأَخْطَأ من قَالَ: أَصله اصطدنا فأبدلت الطَّاء مثناة ثمَّ ادغمت. ويروى: (اصدنا) . بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الصَّاد، يُقَال: أصدت الصَّيْد مخففا أَي: آثَرته، والإصادة إثارة الصَّيْد، وَأَخْطَأ أَيْضا من قَالَ: من الإصاد، ويروى: (اصطدنا) من الِاصْطِيَاد، ويروى: (صدنَا) ، من صَاد يصيد، وَتَفْسِير بَقِيَّة الْأَلْفَاظ قد مر فِيمَا قبله.
وَفِيه: اسْتِحْبَاب إرْسَال السَّلَام إِلَى الْغَائِب، قَالَت جمَاعَة: تجب على الرَّسُول تبليغه، وعَلى الْمُرْسل إِلَيْهِ الرَّد بِالْجَوَابِ.
٤ - (بابٌ لَا يُعِينُ الْمُحْرِمُ الحَلَالَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَا يعين الْمحرم الْحَلَال بقول أَو فعل فِي قتل الصَّيْد، وَقَالَ بَعضهم: قيل: أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الرَّد على من فرق من أهل الرَّأْي بَين الْإِعَانَة الَّتِي لَا يتم الصَّيْد إلَاّ بهَا فَيحرم، وَبَين الْإِعَانَة الَّتِي يتم الصَّيْد بِدُونِهَا فَلَا يحرم. قلت: لَا وَجه لهَذَا الْكَلَام، لِأَن التَّرْجَمَة تَشْمَل كلا الْوَجْهَيْنِ.
٣٢٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ محَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا صَالِحُ بنُ كَيْسَانَ عنْ أبِي مُحَمَّدٍ نافِعٍ موْلَى أبي قَتادَةَ سَمِعَ أبَا قَتادَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ بالْقَاحَةِ مِنَ المَدِينَةِ عَلَى ثَلاثٍ ح وحدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا صَالِحُ بنُ كَيْسَانَ عنْ أبِي مُحَمَّدٍ عنْ أبِي قَتادَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ بالْقاحَةِ ومِنَّا الْمُحْرِمُ ومِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِم فَرَأيْتُ أصْحَابِي يَتَراءَوْنَ شَيْئا فَنَظَرْتُ فإذَا حِمَارُ وَحْشٍ يَعْنِي وقَعَ سَوطُهُ فقالُوا لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشيءٍ إنَّا مُحْرِمُونَ فتَنَاوَلْتُهُ فأخَذْتُهُ ثُمَّ أتَيْتُ الحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أكَمَةٍ فَعَقَرْتُهُ فأتَيْتُ بِهِ لأصْحَابِي فَقَالَ بَعْضُهُمْ كُلُوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَأكُلُوا فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ وهُوَ أمامَنَا فسَألْتُهُ فَقَالَ كُلُوهُ حَلالٌ قَالَ لَنا عَمْرٌ واذْهَبُوا إلَى صَالِحٍ فسَلُوهُ عنْ هَذَا وغَيْرِهِ وقَدِمَ علَيْنَا هَهُنَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقَالُوا: لَا نعينك عَلَيْهِ بِشَيْء) . فَأخْرج هَذَا بطريقين أَحدهمَا: عَن عبد الله بن مُحَمَّد أبي جَعْفَر الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن صَالح بن كيسَان مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز عَن أبي مُحَمَّد نَافِع مولى أبي قَتَادَة الْمدنِي، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم عَن صَالح سَمِعت أَبَا مُحَمَّد مولى أبي قَتَادَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من طَرِيق سعد
стр. 2975
ابْن إِبْرَاهِيم: سَمِعت رجلا كَانَ يُقَال لَهُ مولى أبي قَتَادَة، وَلم يكن مولى لأبي قَتَادَة، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق عَن عبد الله ابْن أبي سَلمَة أَن نَافِعًا مولى بني غفار، فَظهر من ذَلِك أَنه لم يكن مولى أبي قَتَادَة حَقِيقَة، وَقد صرح بذلك ابْن حبَان، فَقَالَ: هُوَ مولى عقيلة بنت طلق الغفارية، وَكَانَ يُقَال لَهُ: مولى أبي قَتَادَة نسب إِلَيْهِ وَلم يكن مَوْلَاهُ. قلت: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك يكون وَجه ذَلِك أَنه قيل: مولى أبي قَتَادَة لِكَثْرَة لُزُومه إِيَّاه وقيامه بِقَضَاء مَا يهمه من بَاب الْخدمَة، كَأَنَّهُ صَار مَوْلَاهُ، فَتكون نسبته بِهَذَا الْوَجْه على سَبِيل الْمجَاز. وَقد وَقع مثل ذَلِك كثيرا، فَمِنْهُ مَا وَقع لقاسم مولى ابْن عَبَّاس. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان إِلَى آخِره. وَقَالَ بَعضهم: هَكَذَا حول المُصَنّف الْإِسْنَاد إِلَى رِوَايَة عَليّ للتصريح فِيهِ عَن سُفْيَان بقوله: حَدثنَا صَالح بن كيسَان. قلت: فِي كثير من النّسخ: حَدثنَا صَالح، فِي الطَّرِيقَيْنِ فَلَا يحْتَاج إِلَى مَا قَالَه.
قَوْله: (بالقاحة) ، بقاف وحاء مُهْملَة خَفِيفَة: على ثَلَاثَة مراحل من الْمَدِينَة قبل السقيا بِنَحْوِ ميل: قَالَ عِيَاض: كَذَا قَيده النَّاس كلهم، وَرَوَاهُ بَعضهم عَن البُخَارِيّ بِالْفَاءِ وَهُوَ وهم، وَالصَّوَاب بِالْقَافِ، وَزعم ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي أَنَّهَا بفاء وجيم، ورد ذَلِك عَلَيْهِ ابْن هِشَام: قيل: وَقع عِنْد الجوزقي من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن بشر عَن سُفْيَان: بالصفاح، بدل: القاحة، بِكَسْر الصَّاد بعْدهَا فَاء، وَنسب ذَلِك إِلَى التَّصْحِيف لِأَن الصفاح مَوضِع بِالرَّوْحَاءِ وَبَين الروحاء وَبَين السقيا مَسَافَة طَوِيلَة وَقَالَ الْبكْرِيّ الروحاء قَرْيَة جَامِعَة لمزينة على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة بَينهمَا أحد وَأَرْبَعُونَ ميلًا والسقيا أَيْضا قَرْيَة جَامِعَة. قَوْله: (على ثَلَاث) أَي: ثَلَاث مراحل. قَوْله: (يتراؤن) على وزن يتفاعون صِيغَة جمع مُذَكّر من الرُّؤْيَة. قَوْله: (فَإِذا حمَار وَحش) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة وحمار مُضَاف إِلَى وَحش. قَوْله: (يَعْنِي: وَقع سَوْطه) قَالَ الْكرْمَانِي: لفظ: يَعْنِي، كَلَام الرَّاوِي تَفْسِير لما يدل عَلَيْهِ: (لَا نعينك عَلَيْهِ) يَعْنِي: قَالُوا: لَا نعينك على أَخذ السَّوْط حِين وَقع سَوْطك. قلت: هَذَا التَّرْكِيب لَا يَتَّضِح إلَاّ بأَشْيَاء مقدرَة، تَقْدِيره: فَإِذا حمَار وَحش، فركبت فرسي وَأخذت الرمْح وَالسَّوْط، فَسقط مني السَّوْط، فَقلت ناولوني! فَقَالُوا: لَا نعينك عَلَيْهِ. وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي عوَانَة عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ. قَوْله: (فتناولته فَأَخَذته) . قَوْله: (من وَرَاء أكمة) بِفَتَحَات، وَهِي التل من حجر وَاحِد. قَوْله: (أمامنا) أَي: قدامنا. قَوْله: (حَلَال) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ حَلَال، وَقد ظهر الْمُبْتَدَأ فِي رِوَايَة أبي عوَانَة. (فَقَالَ: كلوه فَهُوَ حَلَال) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (هُوَ حَلَال فكلوه) ، ويروى: (حَلَالا) ، بِالنّصب. فَإِن صحت الرِّوَايَة بِهِ فَهُوَ مَنْصُوب على أَنه صفة مصدر مَحْذُوف، أَي: أكلا حَلَالا. قَوْله: (قَالَ لنا عَمْرو) أَي: عَمْرو بن دِينَار، وَصرح بِهِ أَبُو عوَانَة فِي رِوَايَته، وَالْقَائِل سُفْيَان، وَالْغَرَض بذلك تَأْكِيد ضَبطه لَهُ وسماعه لَهُ من صَالح وَهُوَ ابْن كيسَان. قَوْله: (فسلوه) أَصله: فَاسْأَلُوهُ. قَوْله: (وَقدم علينا هَهُنَا) ، يَعْنِي: مَكَّة، وَمرَاده أَن صَالح بن كيسَان مدنِي قدم مَكَّة، فَدلَّ عَمْرو بن دِينَار أَصْحَابه عَلَيْهِ ليسمعوا مِنْهُ هَذَا وَغَيره.
وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْمسَائِل الفرعية، وَالِاخْتِلَاف فِيهَا.
٥ - (بابٌ لَا يُشِيرُ الْمُحْرِمُ إلَى الصَّيْدِ لِكَيْ يَصْطَادَهُ الحَلَالُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يُشِير ... إِلَى آخِره، وَاللَّام فِي قَوْله: (لكَي) ، للتَّعْلِيل، وَلَفْظَة: كي، بِمَنْزِلَة: أَن، المصدرية معنى وَعَملا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ صِحَة حُلُول أَن محلهَا، وَأَنَّهَا لَو كَانَت حرف تَعْلِيل لم يدْخل عَلَيْهَا حرف تَعْلِيل، فَافْهَم.
٤٢٨١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ قَالَ حدَّثنا عُثْمَانُ هُوَ ابنُ مَوْهَبٍ قَالَ أخبرَنِي عَبْدُ الله بنُ أبي قَتادَةَ أنَّ أبَاهُ أخبرَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ خرَجَ حَاجا فخَرَجُوا معَهُ فصَرَفَ طائِفةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أبُو قتَادَةَ فَقال خُذُوا ساحِلَ البَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ فأخذُوا ساحِلَ الْبَحْرِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا أحْرَمُوا كُلُّهُمْ إلَاّ أبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إذْ رأَوْا حُمُرَ
стр. 2976
وحْشٍ فَحَمَلَ أَبُو قَتادَةَ عَلَى الحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْها أَتَانَا فنَزَلُوا فأكلُوا مِنْ لَحْمِهَا وقالُوا أنأكُلُ لَحمَ صَيْدٍ ونَحْنُ محْرِمُونَ فحَمَلْنا مَا بَقِي مِنْ لَحمِ الأتانِ فلَمَّا أتَوْا رسولَ الله ﷺ قالُوا يَا رسولَ الله إنَّا كُنَّا أحْرَمْنَا وقَدْ كانَ أبُو قَتَادةَ لَمْ يُحْرِمْ فَرَأيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فحَمَلَ عَلَيْهَا أبُو قَتادَةَ فعَقَرَ مِنْهَا أَتَانَا فنَزَلْنَا فأكلْنا منْ لَحْمِهَا ثُمَّ قُلْنَا أنأكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ فحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا قَالَ أمِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها أوْ أشَارَ إلَيْهَا قَالُوا لَا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو أَشَارَ إِلَيْهَا) ، وَالْمَفْهُوم مِنْهُ أَن إِشَارَة الْمحرم للْحَلَال إِلَى الصَّيْد ليصطاده لَا تجوز، فَلَو أَشَارَ لَهُ وَقتل صيدا لَا يجوز للْمحرمِ أَن يَأْكُل مِنْهُ، وَقد ذكرنَا مَا فِيهِ من الْخلاف. ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل هُوَ الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَأَبُو عوَانَة بِالْفَتْح هُوَ الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَعُثْمَان هُوَ ابْن عبد الله بن وهب، بِفَتْح الْمِيم وَالْهَاء: الْأَعْرَج الطلحي، وَقد مر فِي أول الزَّكَاة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة بدل عُثْمَان: غَسَّان، وَهُوَ خطأ قطعا. قلت: هُوَ من الْكَاتِب، فَإِنَّهُ طمس الْمِيم فَصَارَ عُثْمَان غسانا، وَعُثْمَان هَذَا تَابِعِيّ ثِقَة، روى عَنَّا عَن تَابِعِيّ.
قَوْله: (خرج حَاجا) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا غلط، فَإِن الْقِصَّة كَانَت فِي عمْرَة، وَأما الْخُرُوج إِلَى الْحَج فَكَانَ فِي خلق كثير، وَكَانُوا كلهم على الجادة لَا على سَاحل الْبَحْر، وَلَعَلَّ الرَّاوِي أَرَادَ: خرج محرما فَعبر عَن الْإِحْرَام بِالْحَجِّ غَلطا. وَقَالَ بَعضهم: لَا غلط فِي ذَلِك، بل هُوَ من الْمجَاز السائغ، وَأَيْضًا فالحج فِي الأَصْل قصد الْبَيْت، فَكَأَنَّهُ قَالَ: خرج قَاصِدا للبيت، وَلِهَذَا يُقَال للْعُمْرَة الْحَج الْأَصْغَر. قلت: لَا نسلم أَنه من الْمجَاز، فَإِن الْمجَاز لَا بُد لَهُ من علاقَة، وَمَا العلاقة هَهُنَا؟ وَكَون معنى الْحَج فِي الأَصْل قصدا لَا يكون علاقَة لجَوَاز ذكر الْحَج، وَإِرَادَة الْعمرَة، فَإِن كل فعل مُطلقًا لَا بُد فِيهِ من معنى الْقَصْد، ثمَّ أيد هَذَا الْقَائِل كَلَامه بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي عَن أبي عوَانَة بِلَفْظ: (خرج حَاجا أَو مُعْتَمِرًا) . انْتهى. وَأَبُو عوَانَة شكّ، وبالشك لَا يثبت مَا ادَّعَاهُ من الْمجَاز، على أَن يحيى بن أبي كثير الَّذِي هُوَ أحد رُوَاة حَدِيث أبي قَتَادَة قد جزم بِأَن ذَلِك كَانَ فِي عمْرَة الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (فيهم أَبُو قَتَادَة) ، من بَاب التَّجْرِيد، وَكَذَا قَوْله: (إلَاّ أَبُو قَتَادَة) ، لِأَن مُقْتَضى الْكَلَام أَن يُقَال: وَأَنا فيهم، وإلَاّ أَنا، وَلَا يَنْبَغِي إِن يَجْعَل هَذَا من قَول ابْن أبي قَتَادَة، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم أَن يكون الحَدِيث مُرْسلا. قَوْله: (إلَاّ أَبُو قَتَادَة) ، هَكَذَا هُوَ بِالرَّفْع عِنْد الْأَكْثَرين، وَعند الْكشميهني (إلَاّ أَبُو قَتَادَة) بِالنّصب، وَكَذَا وَقع عِنْد مُسلم بِالنّصب، وَقَالَ ابْن مَالك: حق الْمُسْتَثْنى بإلَاّ من كَلَام تَامّ مُوجب أَن ينصب مُفردا، كَانَ، أَو مكملاً مَعْنَاهُ بِمَا بعده، فالمفرد نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿الأخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو إلَاّ الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: ٧٦) . والمكمل نَحْو: ﴿إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ إلَاّ امرأَتَه قَدرنَا أَنَّهَا لمن الغابرين﴾ (الْحجر: ٩٥، ٠٦) . وَلَا يعرف أَكثر المتأخيرن من الْبَصرِيين فِي هَذَا النَّوْع إلَاّ النصب، وَقد اغفلوا وُرُوده مَرْفُوعا مَعَ ثُبُوت الْخَبَر وَمَعَ حذفه، فَمن أَمْثِلَة الثَّابِت الْخَبَر قَول ابْن أبي قَتَادَة: (أَحْرمُوا كلهم إلَاّ أَبُو قَتَادَة لم يحرم) ، فإلَاّ بِمَعْنى: لَكِن، وَأَبُو قَتَادَة مُبْتَدأ، و: لم يحرم، خَبره، وَنَظِيره من كتاب الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد إلَاّ امْرَأَتك أَنه مصيبها مَا أَصَابَهُم﴾ (هود: ١٨) . فَإِنَّهُ لَا يَصح أَن يَجْعَل: امْرَأَتك، بَدَلا من: أحد، لِأَنَّهَا لم تسر مَعَهم فيتضمنها ضمير المخاطبين، وتكلف بَعضهم بِأَنَّهُ، وَإِن لم يسر بهَا، لَكِنَّهَا شَعرت بِالْعَذَابِ فتبعتهم ثمَّ التفتت فَهَلَكت. قَالَ: وَهَذَا على تَقْدِير صِحَّته لَا يُوجب دُخُولهَا فِي المخاطبين، وَمن أَمْثِلَة الْمَحْذُوف الْخَبَر قَوْله ﷺ : (كل أمتِي معافىً إلَاّ المجاهرون) . أَي: لَكِن المجاهرون بِالْمَعَاصِي لَا يعافون، وَمِنْه من كتاب الله تَعَالَى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ (الْبَقَرَة: ٩٤٢) . أَي: لَكِن قَلِيل مِنْهُم لم يشْربُوا، قَالَ: وللكوفيين فِي هَذَا الثَّانِي مَذْهَب آخر، وَهُوَ أَن يجْعَلُوا الأحرف عطف وَمَا بعْدهَا مَعْطُوفًا على مَا قبلهَا. انْتهى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو هُوَ، أَي: الرّفْع على مَذْهَب من جوز أَن يُقَال: عَليّ بن أَبُو طَالب. قَوْله: (حمر وَحش) ، الْحمر بِضَمَّتَيْنِ جمع: حمَار. قَوْله: (أَتَانَا) هَذَا بَين أَن المُرَاد بالحمار فِي سَائِر الرِّوَايَات الْأُنْثَى مِنْهُ. قَوْله: (فحملنا مَا بَقِي من لحم الأتان) ، وَفِي رِوَايَة أبي حَازِم فِي: بَاب الْهِبَة، سَيَأْتِي: (فرحنا وخبأت الْعَضُد معي) ، وَفِيه: (مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء؟ فناولته الْعَضُد فَأكلهَا حَتَّى تعرقها) . وللبخاري أَيْضا فِي الْجِهَاد سَيَأْتِي: (مَعنا رجله، فَأخذ فَأكلهَا) . وَفِي رِوَايَة الْمطلب: (قد رفعنَا لَك الذِّرَاع، فَأكل مِنْهَا) . قَوْله: (مِنْكُم أحد أمره؟) أَي: أمنكم أحد أمره؟ أَي: أَمر
стр. 2977
أَبَا قَتَادَة، ويروى: (أمنكم؟) بِإِظْهَار همزَة الِاسْتِفْهَام، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (هَل مِنْكُم أحد أمره أَو أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْء؟) وَلمُسلم فِي رِوَايَته من طَرِيق شُعْبَة عَن عُثْمَان: (هَل أشرتم أَو أعنتم أَو اضطررتم؟) وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة من هَذَا الْوَجْه: (هَل أشرتم أَو اصطدتم أَو قتلتم؟) . قَوْله: (فَكُلُوا) ، قد ذكرنَا أَن الْأَمر للْإِبَاحَة لَا للْوُجُوب، وَلم يذكر فِي هَذِه الرِّوَايَة أَنه، ﷺ ، أكل من لَحمهَا، وَذكره فِي روايتي أبي حَازِم عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة كَمَا ترَاهُ، وَلم يذكر ذَلِك من الروَاة عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة غَيره، وَوَافَقَهُ صَالح بن حسان عِنْد أَحْمد وَأبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَأبي عوَانَة، وَلَفظه: (فَقَالَ: كلوا وأطعموا) . فَإِن قلت: روى إِسْحَاق وَابْن خُزَيْمَة وَالدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة معمر عَن يحيى بن أبي كثير هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ فِي آخِره: (فَذكرت شَأْنه لرَسُول الله ﷺ وَقلت: إِنَّمَا اصطدته لَك! فَأمر أَصْحَابه، فأكلوه وَلم يَأْكُل مِنْهُ حِين أخْبرته أَنِّي اصطدت لَهُ) . فَهَذِهِ الرِّوَايَة تضَاد روايتي أبي حَازِم. قلت: قَالَ ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو بكر النَّيْسَابُورِي وَالدَّارَقُطْنِيّ والجوزقي، تفرد بِهَذِهِ الزِّيَادَة معمر، فَإِن كَانَت هَذِه الزِّيَادَة مَحْفُوظَة تحمل على أَنه ﷺ أكل من لحم ذَلِك الْحمار قبل أَن يُعلمهُ أَبُو قَتَادَة أَنه اصطاده لأَجله، فَلَمَّا أعلمهُ بذلك امْتنع. فَإِن قلت: الرِّوَايَات متظاهرة بِأَن الَّذِي تَأَخّر من الْحمار هُوَ الْعَضُد، وَأَنه ﷺ أكلهَا حَتَّى تغرقها، أَي: لم يبْق مِنْهَا إلَاّ الْعظم، وَوَقع للْبُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِبَة، ستأتي: (حَتَّى نفدها) ، أَي فرغها) فَأَي شَيْء بَقِي مِنْهَا حِينَئِذٍ حَتَّى يَأْمر أَصْحَابه بِالْأَكْلِ؟ قلت: فِي رِوَايَة أبي مُحَمَّد فِي الصَّيْد ستأتي: (أُبْقِي مَعكُمْ شَيْء؟ قلت: نعم، فَقَالَ: كلوا فَهُوَ طعمة أطعمكموها الله) ، وَهَذَا يشْعر بِأَنَّهُ بَقِي مِنْهَا شَيْء غير الْعَضُد.
وَفِيه من الْفَوَائِد: تَفْرِيق الإِمَام أَصْحَابه للملحة، وَاسْتِعْمَال الطليعة فِي الْغَزْو. وَفِيه: جَوَاز صيد الْحمار الوحشي. وَجَوَاز أحكل الْمحرم من لحم الصَّيْد الَّذِي اصطاده الْحَلَال إِذا لم يدل عَلَيْهِ وَلم يشر إِلَيْهِ وَلم يَعْنِي صائده وَفِيه: أَن عقر الصَّيْد ذَكَاته. وَفِيه: جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي زمن النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هُوَ اجْتِهَاد بِالْقربِ من النَّبِي ﷺ لَا فِي حَضرته، وَفِيه الْعَمَل بِمَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد، وَلَو تضَاد المجتهدان، وَلَا يعاب وَاحِد مِنْهُمَا على ذَلِك.
٦ - (بابٌ إذَا أهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارا وَحْشِيا حَيّا لَمْ يَقْبَلْ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أهْدى الْحَلَال للْمحرمِ حمارا وحشيا. قَوْله: (حَيا) ، صفة لحِمَار بعد صفة، وَلَيْسَت هَذِه الصّفة بموجودة فِي أَكثر النّسخ، وَقَالَ بَعضهم: كَذَا قَيده فِي التَّرْجَمَة بِكَوْنِهِ حَيا، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الرِّوَايَة الَّتِي تدل على أَنه كَانَ مذبوحا موهومة. انْتهى. قلت: لم يذكر هَذَا الْقَيْد فِي حَدِيث الْبَاب صَرِيحًا، وَلَكِن قَوْله: (أهدي لرَسُول الله ﷺ حمارا وحشيا) ، يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْحمار حَيا، وَيحْتَمل أَن يكون مذبوحا، وَلَكِن مُسلما صرح فِي إِحْدَى رواياته عَن الزُّهْرِيّ: من لحم حمَار وَحش، وَفِي رِوَايَة مَنْصُور عَن الحكم: (أهْدى رجل حمَار وَحش) . وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَن الحكم: (عجز حمَار وَحش يقطر دَمًا) ، وَفِي رِوَايَة زيد بن أَرقم: أهدي لَهُ عُضْو من لحم صيد، وَهَذِه الرِّوَايَات كلهَا تدل على أَن الْحمار غير حَيّ، فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل: وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الرِّوَايَة الَّتِي تدل على أَنه كَانَ مذبوحا موهومة. قَوْله: (لم يقبلْ) ، بِمَعْنى: لَا يقبل.
٤٠٠ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن عبد الله بن عَبَّاس عَن الصعب بن جثامة اللَّيْثِيّ أَنه أهْدى لرَسُول الله ﷺ َ - حمارا وحشيا وَهُوَ بالأبواء أَو بودان فَرده عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى مَا فِي وَجهه قَالَ إِنَّا لم نرده عَلَيْك إِلَّا أَنا حرم) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " أهْدى لرَسُول الله ﷺ َ - " إِلَى قَوْله " فَرده عَلَيْهِ ". (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عبد الله بن يُوسُف التنيسِي وَمَالك بن أنس وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَعبيد الله بن عبد الله بتصغير الابْن وتكبير الْأَب وَعبد الله بن عَبَّاس وَكلهمْ قد ذكرُوا غير مرّة. السَّادِس الصعب ضد السهل ابْن جثامة بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة
стр. 2978
ابْن قيس اللَّيْثِيّ الْحِجَازِي أَخُو محلم بن جثامة مَاتَ فِي خلَافَة أبي بكر الصّديق ﵁ وَكَانَ ينزل أَرض ودان بِأَرْض الْحجاز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَفِيه الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَهُوَ من مُسْند الصعب إِلَّا أَنه وَقع فِي موطأ ابْن وهب عَن ابْن عَبَّاس أَن الصعب بن جثامة أهْدى فَجعله من مُسْند ابْن عَبَّاس وَكَذَا أخرجه مُسلم من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أهْدى لَهُ الصعب وَكَذَا رَوَاهُ مُجَاهِد عَن ابْن أبي شيبَة وَعند مُسلم أَيْضا من حَدِيث طَاوس قَالَ قدم زيد بن أَرقم فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس يستذكره كَيفَ أَخْبَرتنِي عَن لحم صيد أهدي إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَهُوَ حرَام قَالَ أهدي لَهُ عضد من لحم صيد فَرده قَالَ إِنَّا لَا نأكله إِنَّا حرم " فَجعله من مُسْند طَاوس عَن زيد وَالْمَحْفُوظ هُوَ الأول وَسَيَأْتِي فِي كتاب الْهِبَة للْبُخَارِيّ من بُخَارى من طَرِيق شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي عبيد الله أَن ابْن عَبَّاس أخبرهُ أَنه سمع الصعب وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - يخبر أَنه أهْدى لَهُ وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَن ابْن شهَاب كَمَا رَوَاهُ مَالك وَمعمر وَابْن جريج وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث وَصَالح بن كيسَان وَابْن أخي ابْن شهَاب وَاللَّيْث وَيُونُس وَمُحَمّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة كلهم قَالَ فِيهِ " أهْدى لرَسُول الله ﷺ َ - حمَار وَحش " كَمَا قَالَ مَالك وَخَالفهُم ابْن عُيَيْنَة وَابْن اسحق فَقَالَا " أهْدى لرَسُول الله ﷺ َ - لحم حمَار وَحش " قَالَ ابْن جريج فِي حَدِيثه قلت لِابْنِ شهَاب الْحمار عقير قَالَ لَا أَدْرِي فقد بَين ابْن جريج أَن ابْن شهَاب شكّ فَلم يدر أَكَانَ عقيرا أم لَا إِلَّا أَن فِي مساق حَدِيثه " أهديت لرَسُول الله ﷺ َ - حمَار وَحش فَرده عَليّ " وروى القَاضِي إِسْمَاعِيل عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن صَالح بن كيسَان عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس " عَن الصعب أَن رَسُول الله ﷺ َ - أقبل حَتَّى إِذا كَانَ بِقديد أهدي إِلَيْهِ بعض حمَار فَرده وَقَالَ إِنَّا حرم لَا نَأْكُل الصَّيْد " هَكَذَا قَالَ عَن صَالح عَن عبيد الله وَلم يذكر ابْن شهَاب وَقَالَ بعض حمَار وَحش وَعند حَمَّاد بن زيد فِي هَذَا أَيْضا عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس " عَن الصعب أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ َ - بِحِمَار وَحش " وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح عَن ابْن شهَاب كَمَا قدمنَا وَهُوَ أولى بِالصَّوَابِ عِنْد أهل الْعلم وَقَالَ الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث مُضْطَرب قد رَوَاهُ قوم على مَا ذكرنَا وَالَّذِي ذكره هُوَ قَوْله حَدثنَا يُونُس قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عَبَّاس " عَن الصعب بن جثامة قَالَ مر بِي رَسُول الله ﷺ َ - وَأَنا بالأبواء أَو بودان فأهديت لحم حمَار وَحش فَرده عَليّ فَلَمَّا رأى الْكَرَاهَة فِي وَجْهي قَالَ لَيْسَ بِنَا رد عَلَيْك وَلَكنَّا حرم " قَالَ وَرَوَاهُ آخَرُونَ فَقَالُوا " إِنَّمَا أهْدى إِلَيْهِ حمارا وحشيا " ثمَّ رَوَاهُ بِسَنَدِهِ " أَن الْحمار كَانَ مذبوحا " وروى أَيْضا أَنه " كَانَ عجز حمَار وَحش أَو فَخذ حمَار " وروى أَيْضا " عجز حمَار وَحش وَهُوَ بِقديد يقطر دَمًا فَرده " ثمَّ قَالَ فقد اتّفقت الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس فِي حَدِيث الصعب عَن رَسُول الله ﷺ َ - فِي رده الْهَدِيَّة عَلَيْهِ أَنَّهَا كَانَت فِي لحم صيد غير حَيّ فَذَلِك حجَّة لمن كره للْمحرمِ أكل لحم الصَّيْد وَإِن كَانَ الَّذِي تولى صَيْده وذبحه حَلَال وَقَالَ ابْن بطال اخْتِلَاف رِوَايَات حَدِيث الصعب تدل على أَنَّهَا لم تكن قَضِيَّة وَاحِدَة وَإِنَّمَا كَانَت قضايا فَمرَّة أهْدى إِلَيْهِ الْحمار كُله وَمرَّة عَجزه وَمرَّة رجله لِأَن مثل هَذَا لَا يذهب على الروَاة ضَبطه حَتَّى يَقع فِيهِ التضاد فِي النَّقْل والقصة وَاحِدَة وَقَالَ الطَّبَرِيّ بوب البُخَارِيّ على هَذَا الحَدِيث وَفهم مِنْهُ الْحَيَاة وَالرِّوَايَات الْأُخَر تدل على أَنه كَانَ مَيتا وَأَنه أَتَاهُ بعضو مِنْهُ وَطَرِيق الْجمع أَنه جَاءَ بالحمار مَيتا فَوَضعه بِقرب النَّبِي ﷺ َ - ثمَّ قطع مِنْهُ ذَلِك الْعُضْو فَأَتَاهُ بِهِ فَصدق اللفظان أَو يكون أطلق اسْم الْحمار وَهُوَ يُرِيد بعضه وَهَذَا من بَاب التَّوَسُّع وَالْمجَاز أَو نقُول أَن الْحمار كَانَ حَيا فَيكون قد أَتَاهُ بِهِ فَلَمَّا رده وَأقرهُ بِيَدِهِ ذكاه ثمَّ أَتَاهُ بالعضو الْمَذْكُور وَلَعَلَّ الصعب ظن أَنه إِنَّمَا رده لِمَعْنى يخص الْحمار بجملته فَلَمَّا جَاءَ بجزئه أعلمهُ بامتناعه أَن حكم الْجُزْء من الصَّيْد لَا يحل للْمحرمِ وقبوله وَلَا تملكه (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِبَة عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله وَعَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب وَعَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك وَعَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَمُحَمّد بن رمح ثَلَاثَتهمْ عَن
стр. 2979
اللَّيْث وَعَن عمر بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ وَعَن هِشَام بن عمار وَابْن أبي شيبَة. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أهْدى لرَسُول الله ﷺ َ - " الأَصْل فِي أهْدى التَّعَدِّي بإلى وَقد تعدى بِاللَّامِ وَيكون بِمَعْنَاهُ قيل أَن يحْتَمل أَن تكون اللَّام بِمَعْنى أجل وَهُوَ ضَعِيف قَوْله " وَهُوَ بالأبواء " جملَة وَقعت حَالا والأبواء بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد جبل من عمل الْفَرْع بِضَم الْفَاء بَينهمَا وَبَين الْجحْفَة مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ميلًا وَفِي الْمطَالع سميت بذلك لما فِيهَا من الوباء وَلَو كَانَ كَمَا قيل لقيل الْأَبْوَاء أَو يكون مقلوبا مِنْهُ وَبِه توفيت أم رَسُول الله ﷺ َ - وَالصَّحِيح أَنَّهَا سميت بذلك لتبوء السُّيُول بهَا قَالَه ثَابت قَوْله " أَو بودان " شكّ من الرَّاوِي وبالشك جزم أَكثر الروَاة وَجزم ابْن اسحق وَصَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ " بودان " وَجزم معمر وَعبد الرَّحْمَن بن اسحق وَمُحَمّد بن عَمْرو بالأبواء وَالظَّاهِر أَن الشَّك فِيهِ من ابْن عَبَّاس لِأَن الطَّبَرَانِيّ أخرج الحَدِيث من طَرِيق عَطاء عَنهُ على الشَّك أَيْضا وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون مَوضِع بِقرب الْجحْفَة وَيُقَال هُوَ قَرْيَة جَامِعَة من نَاحيَة الْفَرْع بَينه وَبَين الْأَبْوَاء ثَمَانِيَة أَمْيَال ينْسب إِلَيْهِ الصعب بن جثامة اللَّيْثِيّ الوداني وَفِي الْمطَالع هُوَ من عمل الْفَرْع بَينه وَبَين هرشي نَحْو سِتَّة أَمْيَال قَوْله " فَلَمَّا رأى مَا فِي وَجهه " وَفِي رِوَايَة شُعَيْب " فَلَمَّا عرف فِي وَجْهي رده هديتي " وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَن الزُّهْرِيّ عِنْد التِّرْمِذِيّ " فَلَمَّا رأى مَا فِي وَجهه من الْكَرَاهَة " وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق ابْن جريج قَوْله " لم نردده عَلَيْك " هَذَا بفك الْإِدْغَام رِوَايَة الْكشميهني وَقَالَ عِيَاض ضَبطنَا فِي الرِّوَايَات لم نرده بِفَتْح الدَّال ورده محققوا شُيُوخنَا من أهل الْعَرَبيَّة وَقَالُوا لم نرده بِضَم الدَّال وَكَذَا وجدته بِخَط بعض الْأَشْيَاخ أَيْضا وَهُوَ الصَّوَاب عِنْدهم على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فِي مثل هَذَا فِي المضاعف إِذا دخله الْهَاء أَن يضم مَا قبلهَا فِي الْأَمر وَنَحْوه من المجزوم مُرَاعَاة للواو الَّتِي توجبها ضمة الْهَاء بعْدهَا لخفاء الْهَاء فَكَأَن مَا قبلهَا ولى الْوَاو وَلَا يكون مَا قبل الْوَاو إِلَّا مضموما هَذَا فِي الْمُذكر وَأما فِي الْمُؤَنَّث مثل لم تردها فمفتوح الدَّال مُرَاعَاة للألف (قلت) فِي مثل هَذِه الصِّيغَة قبل دُخُول الْهَاء عَلَيْهَا أَرْبَعَة أوجه الْفَتْح لِأَنَّهُ أخف الحركات وَالضَّم اتبَاعا لضمة عين الْفِعْل وَالْكَسْر لِأَنَّهُ الأَصْل فِي تَحْرِيك السَّاكِن والفك وَأما بعد دُخُول الْهَاء فَيجوز فِيهِ غير الْكسر قَوْله " إِلَّا أَنا حرم " بِفَتْح الْهمزَة فِي أَنا على أَنه تعدى إِلَيْهِ الْفِعْل بِحرف التَّعْلِيل فَكَأَنَّهُ قَالَ لأَنا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي أَنا مكسور الْهمزَة لِأَنَّهَا ابتدائية وَقَالَ الْكرْمَانِي لَام التَّعْلِيل محذوفة والمستثنى مِنْهُ مُقَدّر أَي لَا نرده لعِلَّة من الْعِلَل إِلَّا لأننا حرم وَالْحرم بِضَمَّتَيْنِ جمع حرَام أَي محرمون وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من رِوَايَة صَالح بن كيسَان " إِلَّا أَنا حرم لَا نَأْكُل الصَّيْد " وَفِي رِوَايَة سعيد عَن ابْن عَبَّاس " لَوْلَا أَنا محرمون لقبلناه مِنْك ". (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) مِنْهُ أَنه احْتج بِهِ الشّعبِيّ وَطَاوُس وَمُجاهد وَجَابِر بن زيد وَاللَّيْث بن سعد وَالثَّوْري وَمَالك فِي رِوَايَة واسحق فِي رِوَايَة على أَن الْمحرم لَا يحل لَهُ أكل صيد ذبحه حَلَال قيل لِأَنَّهُ اقْتصر فِي التَّعْلِيل على كَونه محرما فَدلَّ على أَنه سَبَب الِامْتِنَاع خَاصَّة وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَقَالَ عَطاء فِي رِوَايَة وَسَعِيد ابْن جُبَير وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد فِي رِوَايَة الصَّيْد الَّذِي اصطاده الْحَلَال لَا يحرم على الْمحرم وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب قَالَ حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر " عَن معَاذ بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان التَّيْمِيّ عَن أَبِيه قَالَ كُنَّا مَعَ طَلْحَة بن عبيد الله وَنحن حرم فأهدى لَهُ طير وَطَلْحَة رَاقِد فمنا من أكل وَمنا من تورع فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَة وفْق من أكله قَالَ وأكلنا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - وفْق من أكله " أَي دَعَا لَهُ بالتوفيق أَي قَالَ لَهُ وفقت أَي أصبت الْحق وَبِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلمَة وَابْن مِسْكين عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث عَن عِيسَى بن طَلْحَة " عَن عُمَيْر بن سَلمَة عَن الْبَهْزِي أَن رَسُول الله ﷺ َ - خرج يُرِيد مَكَّة وَهُوَ محرم حَتَّى إِذا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ إِذا حمَار وَحش عقير فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ دَعوه فَإِنَّهُ يُوشك أَن يَأْتِي صَاحبه فجَاء الْبَهْزِي وَهُوَ صَاحبه فَقَالَ يَا رَسُول الله
стр. 2980
شَأْنكُمْ بِهَذَا الْحمار فَأمر رَسُول الله ﷺ َ - أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَسمهُ بَين الرفاق ثمَّ مضى حَتَّى إِذا كَانَ بالأثاية بَين الرُّوَيْثَة وَالْعَرج إِذا ظَبْي حَاقِف فِي ظلّ وَفِيه سهم فَزعم أَن رَسُول الله ﷺ َ - أَمر رجلا يقف عِنْده لَا يرِيبهُ أحد من النَّاس حَتَّى يُجَاوِزُوهُ " ثمَّ قَالَ تَابعه يزِيد بن هَارُون عَن يحيى بِهِ وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا وَغَيره وصححوه وَأخرجه الطوسي أَيْضا محسنا وَفِيه " فَلم يلبث أَن جَاءَ رجل من طَيء فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذِه رميتي فشأنك بهَا " وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا وَلَفظه " فَإِذا هُوَ بِحِمَار وَحش عقير فِيهِ سهم وَهُوَ حَيّ قد مَاتَ " وَلَفظه أَيْضا " إِذا هُوَ بِظَبْيٍ مستظل فِي حقف جبل فِيهِ سهم وَهُوَ حَيّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لرجل قف هَهُنَا لَا يرِيبهُ أحد حَتَّى يمْضِي الرفاق " قلت عُمَيْر بن سَلمَة لَهُ صُحْبَة والبهزي بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء بعْدهَا الزَّاي نِسْبَة إِلَى بهز هُوَ تيم بن امريء الْقَيْس بن بهتة بن سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان وَقَالَ أَبُو عمر اسْمه زيد بن كَعْب السّلمِيّ ثمَّ الْبَهْزِي. قَوْله بِالرَّوْحَاءِ هُوَ مَوضِع بَينه وَبَين الْمَدِينَة ميل وَفِي حَدِيث جَابر " إِذا أذن الْمُؤَذّن هرب الشَّيْطَان بِالرَّوْحَاءِ " وَهِي من الْمَدِينَة يكون ميلًا رَوَاهُ أَحْمد وَقَالَ أَبُو عَليّ القالي فِي كتاب الْمَمْدُود والمقصور الروحاء مَوضِع على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة وَفِي الْمطَالع الروحاء من عمل الْفَرْع على نَحْو من أَرْبَعِينَ ميلًا وَفِي مُسلم على سِتَّة وَثَلَاثِينَ وَفِي كتاب ابْن أبي شيبَة على ثَلَاثِينَ. قَوْله " بالأثاية " بِفَتْح الْهمزَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف مَفْتُوحَة مَوضِع بطرِيق الْجحْفَة بَينه وَبَين الْمَدِينَة سَبْعَة وَسَبْعُونَ ميلًا وَرَوَاهُ بَعضهم بِكَسْر الْهمزَة وَبَعْضهمْ يَقُول الأثاثة بثاءين وَبَعْضهمْ الأثانة بالنُّون بعد الْألف وَالصَّوَاب بِالْفَتْح وَالْكَسْر والرويثة بِضَم الرَّاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره هَاء وَهُوَ منزل بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَالْعَرج بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء وبالجيم قَرْيَة جَامِعَة من عمل الْفَرْع على نَحْو من ثَمَانِيَة وَسبعين ميلًا من الْمَدِينَة وَهُوَ أول تهَامَة. قَوْله " حَاقِف " أَي نَائِم قد انحنى فِي نَومه والحقف بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف مَا اعوج من الرمل واستطال وَيجمع على أحقاف قَوْله " لَا يرِيبهُ أحد " أَي لَا يتَعَرَّض لَهُ أحد ويزعجه وَأَصله من رَابَنِي الشَّيْء وأرابني إِذا شككني وَأَجَابُوا عَن حَدِيث الْبَاب بِمَا ذَكرْنَاهُ عَن الطَّحَاوِيّ عَن قريب وَقَالَ عَطاء فِي رِوَايَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد واسحق وَأَبُو ثَوْر الصَّيْد الَّذِي لأجل الْمحرم حرَام على الْمحرم لم يجز أكله وَمَا لم يصد من أَجله جَازَ لَهُ أكله وروى هَذَا القَوْل عَن عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب يَعْنِي الإسْكَنْدراني الْقَارِي عَن عَمْرو عَن الْمطلب " عَن جَابر بن عبد الله قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول صيد الْبر حَلَال لكم مَا لم تصيدوه أَو يصد لكم " وَأخرجه التِّرْمِذِيّ حَدثنَا قُتَيْبَة قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب إِلَى آخِره وَلَكِن فِي رِوَايَته " حَلَال لكم وَأَنْتُم حرم " وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْمطلب لَا نَعْرِف لَهُ سَمَاعا من جَابر وَعنهُ أَنه لم يسمع من جَابر وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَالْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب الْقرشِي المَخْزُومِي الْمدنِي وَقَالَ ابْن سعد كَانَ كثير الحَدِيث وَلَيْسَ يحْتَج بحَديثه وَقَالَ النَّسَائِيّ عَمْرو بن أبي عَمْرو لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث وَإِن كَانَ قد روى عَنهُ مَالك وَقَالَ مَالك مَا ذبحه الْمحرم فَهُوَ ميتَة لَا يحل لمحرم وَلَا لحلال وَقد اخْتلف قَوْله فِيمَا صيد لمحرم بِعَيْنِه كالأمير وَشبهه هَل لغير ذَلِك الَّذِي صيد لأَجله أَن يَأْكُلهُ وَالْمَشْهُور من مذْهبه عِنْد أَصْحَابه أَن الْمحرم لَا يَأْكُل مَا صيد لمحرم معِين أَو غير معِين. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من حَدِيث الْبَاب جَوَاز كل مَا صَاده الْحَلَال للْمحرمِ وَمِنْه جَوَاز الحكم بعلامة لقَوْله " فَلَمَّا رأى مَا فِي وَجْهي " وَمِنْه جَوَاز رد الْهَدِيَّة لعِلَّة. وَمِنْه الِاعْتِذَار عَن رد الْهَدِيَّة تطييبا لقلب الْمهْدي. وَمِنْه أَن الْهَدِيَّة لَا تدخل فِي الْملك إِلَّا بِالْقبُولِ. وَمِنْه أَن على الْمحرم أَن يُرْسل مَا فِي يَده من الصَّيْد الْمُمْتَنع عَلَيْهِ اصطياده -
٧ - (بابُ مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الشَّيْء الَّذِي يقتل الْمحرم، يَعْنِي: مَاله قَتله من الدَّوَابّ، وَهُوَ جمع دَابَّة، وَهِي مَا يدب على وَجه الأَرْض. وَقَالَ صَاحب (الْمُنْتَهى) : كل ماشٍ على الأَرْض دَابَّة ودبيب، وَالْهَاء للْمُبَالَغَة، وَالدَّابَّة فِي الَّتِي تركب أشهر. وَفِي (الْمُحكم) : الدَّابَّة تقع على
следующие страницы →