Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
ومجدح أَي مخوض، والمجدح عود ذُو جَوَانِب، وَقيل: هُوَ عود يعرض رَأسه، وَالْجمع مجاديح. قَوْله: (الشَّمْس!) ، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذِه الشَّمْس يَعْنِي مَا غربت الْآن، وَيجوز فِيهِ النصب على معنى: انْظُر الشَّمْس، وَهَذَا ظن مِنْهُ أَن الْفطر لَا يحل إلَاّ بعد ذَلِك، لما رأى من ضوء الشَّمْس ساطعا، وَإِن كَانَ جرمها غَائِبا، يُؤَيّدهُ قَوْله: (إِن عَلَيْك نَهَارا) ، وَهُوَ معنى: (لَو أمسيت) فِي رِوَايَة أَحْمد، أَي: تَأَخَّرت حَتَّى يدْخل الْمسَاء، وتكريره الْمُرَاجَعَة لغَلَبَة اعْتِقَاده أَن ذَلِك نَهَار يحرم فِيهِ الْأكل مَعَ تجويزه أَن النَّبِي، ﷺ ، لم ينظر إِلَى ذَلِك الضَّوْء نظرا تَاما، فقصد زِيَادَة الْإِعْلَام، فَأَعْرض، ﷺ ، عَن الضَّوْء وَاعْتبر غيبوبة الشَّمْس، ثمَّ بيَّن مَا يعتبره من لم يتَمَكَّن من رُؤْيَة جرم الشَّمْس، وَهُوَ إقبال الظلمَة من الْمشرق، فَإِنَّهَا لَا تقبل مِنْهُ إلَاّ وَقد سقط القرص، فَإِن قلت: الْمُرَاجَعَة معاندة، وَلَا يَلِيق ذَلِك للصحابي؟ قلت: قد ذكرنَا أَنه ظن، فَلَو تحقق أَن الشَّمْس غربت مَا توقف، وَإِنَّمَا توقف احْتِيَاطًا واستكشافا عَن حكم الْمَسْأَلَة. وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَن الشَّيْبَانِيّ فِي ذَلِك، فَأكْثر مَا وَقع فِيهَا أَن الْمُرَاجَعَة وَقعت ثَلَاثًا، وَفِي بَعْضهَا مرَّتَيْنِ، وَفِي بَعْضهَا مرّة وَاحِدَة، وَهُوَ مَحْمُول على أَن بعض الروَاة اختصر الْقِصَّة. قَوْله: (ثمَّ رمى بِيَدِهِ هَهُنَا) ، مَعْنَاهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمشرق، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم، (ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ: إِذا غَابَتْ الشَّمْس من هَهُنَا، وَجَاء اللَّيْل من هَهُنَا فقد أفطر الصَّائِم) . وَفِي لفظ لَهُ: (ثمَّ قَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل قد أقبل من هَهُنَا أَشَارَ بِيَدِهِ نَحْو الْمشرق فقد أفطر الصَّائِم. قَوْله: (إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل أقبل من هَهُنَا) أَي: من جِهَة الْمشرق. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله: (إِذا أقبل اللَّيْل من هَهُنَا؟) . وَفِي لفظ مُسلم: (إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل قد أقبل من هَهُنَا؟ وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ، عَن عمر بن الْخطاب: (إِذا أقبل اللَّيْل وَأدبر النَّهَار وغربت الشَّمْس فقد أفطر) ، والإقبال والإدبار والغروب متلازمة لِأَنَّهُ لَا يقبل اللَّيْل إلَاّ إِذا أدبر النَّهَار، وَلَا يدبر النَّهَار إلَاّ إِذا غربت الشَّمْس. قلت: أجَاب القَاضِي عِيَاض: بِأَنَّهُ قد لَا يتَّفق مُشَاهدَة عين الْغُرُوب، ويشاهد هجوم الظلمَة حَتَّى يتَيَقَّن الْغُرُوب بذلك فَيحل الْإِفْطَار. وَقَالَ شَيخنَا الظَّاهِر إِن أُرِيد أحد هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة فَإِنَّهُ يعرف انْقِضَاء النَّهَار بِرُؤْيَة بَعْضهَا، وَيُؤَيِّدهُ اقْتِصَاره فِي حَدِيث ابْن أبي أوفى على إقبال اللَّيْل فَقَط، وَقد يكون الْغَيْم فِي الْمشرق دون الْمغرب أَو عَكسه، وَقد يُشَاهد مغيب الشَّمْس فَلَا يحْتَاج مَعَه إِلَى أَمر آخر. قَوْله: (فقد أفطر الصَّائِم) أَي: دخل وَقت الْإِفْطَار، لَا أَنه يصير مُفطرا بغيبوبة الشَّمْس، وَإِن لم يتَنَاوَل مُفطرا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: الحَدِيث يدل على أَن الصَّوْم فِي السّفر فِي رَمَضَان أفضل من الْإِفْطَار، وَذَلِكَ لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ صَائِما وَهُوَ فِي السّفر فِي شهر رَمَضَان. وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب. فَمنهمْ من روى عَنهُ التَّخْيِير مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَأنس وَأَبُو سعيد وَسَعِيد بن الْمسيب وَعَطَاء وَسَعِيد بن جبر وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَمُجاهد وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث. وَذهب قوم إِلَى أَن الْإِفْطَار أفضل، مِنْهُم: عمر بن عبد الْعَزِيز وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن عَليّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قَالَت الشَّافِعِيَّة: الْفطر أفضل فِي السّفر، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ الشَّافِعِي: هُوَ مُخَيّر وَلم يفصل، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن علية، وَقَالَ القَاضِي: مَذْهَب الشَّافِعِي أَن الصَّوْم أفضل. وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَصُوم فِي السّفر حُذَيْفَة. وَذهب قوم إِلَى أَن الصَّوْم أفضل، وَبِه قَالَ الْأسود بن يزِيد وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأَصْحَابه وَأَبُو ثَوْر، وَكَذَا روى عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَأنس بن مَالك، وَرُوِيَ عَن عمر وَابْنه وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس: إِن صَامَ فِي السّفر لم يجزه وَعَلِيهِ الْقَضَاء فِي الْحَضَر، وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ: الصَّائِم فِي السّفر كالمفطر فِي الْحَضَر، وَبِه قَالَ أهل الظَّاهِر. وَمِمَّنْ كَانَ يَصُوم فِي السّفر وَلَا يفْطر عَائِشَة وَقيس بن عباد وَأَبُو الْأسود وَابْن سِيرِين وَابْن عمر وَابْنه سَالم وَعَمْرو بن مَيْمُون وَأَبُو وَائِل، وَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا رَوَاهُ حَمَّاد بن يزِيد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد بن عُبَيْدَة عَنهُ: من أدْرك رَمَضَان وَهُوَ مُقيم ثمَّ سَافر فقد لزمَه الصَّوْم، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) . وَقَالَ أَبُو مجلز: لَا يُسَافر أحد فِي رَمَضَان، فَإِن سَافر فليصم، وَقَالَ أَحْمد: يُبَاح لَهُ الْفطر، فَإِن صَامَ كره وأجزأه، وَعنهُ: الْأَفْضَل الْفطر، وَقَالَ أَحْمد: كَانَ عمر وَأَبُو هُرَيْرَة يأمران بِالْإِعَادَةِ، يَعْنِي إِذا صَامَ. وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيّ فِي (شرح مُخْتَصر الطَّحَاوِيّ) : الْأَفْضَل أَن يَصُوم فِي السّفر إِذا لم يُضعفهُ الصَّوْم، فَإِن أضعفه ولحقه مشقة بِالصَّوْمِ بِالْفطرِ أفضل، فَإِن أفطر من غير مشقة لَا يَأْثَم، وَبِمَا قُلْنَاهُ قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الْمَذْهَب.
стр. 3152
وَعَن مُجَاهِد فِي رِوَايَة: أفضل الْأَمريْنِ أيسرهما عَلَيْهِ، وَقيل: الصَّوْم وَالْفطر سَوَاء وَهُوَ قَول للشَّافِعِيّ.
وَفِيه: اسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْفطر.
وَفِيه: بَيَان انْتِهَاء وَقت الصَّوْم، وَهُوَ أَمر مجمع عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عمر فِي (الاستذكار) : أجمع الْعلمَاء على أَنه إِذا حلت صَلَاة الْمغرب فقد حل الْفطر للصَّائِم فرضا وتطوعا. وَأَجْمعُوا على أَن صَلَاة الْمغرب من صَلَاة اللَّيْل، وَالله، ، قَالَ: ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَاخْتلفُوا فِي أَنه: هَل يجب تَيَقّن الْغُرُوب أم يجوز الْفطر بِالِاجْتِهَادِ؟ وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْأَحْوَط أَن لَا يَأْكُل إلَاّ بِيَقِين غرُوب الشَّمْس، لِأَن الأَصْل بَقَاء النَّهَار فيستصحب إِلَى أَن يستيقن خِلَافه. وَلَو اجْتهد وَغلب على ظَنّه دُخُول اللَّيْل بورد وَغَيره فَفِي جَوَاز الْأَجَل وَجْهَان: أَحدهمَا، وَبِه قَالَ الاستاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرائني: أَنه لَا يجوز. وأصحهما: الْجَوَاز وَإِذا كَانَت الْبَلدة فِيهَا أَمَاكِن مُرْتَفعَة وأماكن منخفضة فَهَل يتَوَقَّف فطر سكان الْأَمَاكِن المنخفضة على تحقق غيبَة الشَّمْس عِنْد سكان الْأَمَاكِن المرتفعة؟ الظَّاهِر اشْتِرَاط ذَلِك، وَفِيه جَوَاز الاستفسار عَن الظَّوَاهِر لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد إمرارها على ظواهرها.
وَفِيه: أَنه لَا يجب إمْسَاك جُزْء من اللَّيْل مُطلقًا بل مَتى تحقق غرُوب الشَّمْس حل الْفطر.
وَفِيه: تذكير الْعَالم بِمَا يخْشَى أَن يكون نَسيَه.
وَفِيه: أَن الْأَمر الشَّرْعِيّ أبلغ من الْحسي، وَأَن الْعقل لَا يقْضِي على الشَّرْع.
وَفِيه: أَن الْفطر على التَّمْر لَيْسَ بِوَاجِب، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحبّ، لَو تَركه جَازَ.
وَفِيه: إسراع النَّاس إِلَى إِنْكَار مَا يجهلون لما جهل من الدَّلِيل الَّذِي عَلَيْهِ الشَّارِع، وَأَن الْجَاهِل بالشَّيْء يَنْبَغِي أَن يسمح لَهُ فِيهِ الْمرة بعد الْمرة وَالثَّالِثَة تكون فاصلة بَينه وَبَين معلمه، كَمَا فعل الْخضر بمُوسَى ﵉، وَقَالَ: ﴿هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك﴾ (الْكَهْف: ٨٧) .
تَابَعَهُ جَرِيرٌ وأبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ عنِ الشِّيْبَانِيِّ عنِ ابنِ أبِي أوْفَى قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ
يَعْنِي تَابع سُفْيَان جرير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَتَابعه أَيْضا أَبُو بكر بن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن سَالم الْأَسدي الْكُوفِي الحناط، بالنُّون: المقرىء، وَقد اخْتلف فِي اسْمه على أَقْوَال، فَقيل: مُحَمَّد، وَقيل: عبد الله، وَقيل: سَالم، وَقيل غير ذَلِك إِلَى أَسمَاء مُخْتَلفَة، وَالأَصَح أَن اسْمه كنيته، ومتابعة جرير وَصلهَا فِي البُخَارِيّ فِي الطَّلَاق، ومتابعة أبي بكر تَأتي مَوْصُولَة فِي: بَاب تَعْجِيل الْإِفْطَار، وَالْمرَاد من الْمُتَابَعَة: الْمُتَابَعَة فِي أصل الحَدِيث.
٢٤٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ حدَّثني أبِي عنْ عائِشَةَ أنَّ حَمْزَةَ بن عَمْرٍ والأسْلَمِيَّ قَالَ يَا رسولَ الله إنِّي أسْرُدُ الصَّوْمَ. (الحَدِيث ٢٤٩١ طرفه فِي: ٣٤٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن سرد الصَّوْم يتَنَاوَل الصَّوْم فِي السّفر أَيْضا كَمَا هُوَ الأَصْل فِي الْحَضَر، وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن هِشَام وَهُوَ مُخْتَصر. وَالثَّانِي: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن هِشَام إِلَى آخِره، وَسَيَأْتِي عَن قريب.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. السَّادِس: حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ أَبُو صَالح، وَقيل: أَبُو مُحَمَّد.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: أَن الحَدِيث من مُسْند عَائِشَة، وَهَذَا ظَاهر لِأَن الْحفاظ رَوَوْهُ هَكَذَا: وَقَالَ عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان عِنْد النَّسَائِيّ، والدراوردي عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَيحيى بن عبد الله بن سَالم عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، ثَلَاثَتهمْ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن حَمْزَة بن عَمْرو، جَعَلُوهُ من مُسْند حَمْزَة، وَالْمَحْفُوظ أَنه من مُسْند عَائِشَة. وحاء الحَدِيث من رِوَايَة حَمْزَة أَيْضا، فأخرجها مُسلم من رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة بن الزبير عَن أبي مراوح، (عَن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ، أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله أجد بِي قُوَّة على الصّيام فِي السّفر، فَهَل عَليّ جنَاح؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هُوَ رخصَة من الله، فَمن أَخذ بهَا فَحسن، وَمن أحب أَن يَصُوم فَلَا جنَاح عَلَيْهِ) . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم
стр. 3153
التَّيْمِيّ عَن عُرْوَة، لكنه أسقط أَبَا مراوح، وَالصَّوَاب إثْبَاته، وَهُوَ مَحْمُول على أَن لعروة فِيهِ طَرِيقين: سَمعه من عَائِشَة، وسَمعه من أبي مراوح عَن حَمْزَة.
ذكر مَعْنَاهُ: وَقَوله: (إِنِّي أسرد الصَّوْم) أَي: أتابعه يَعْنِي: آتِي بِهِ متواليا، وَهُوَ من سرد يسْرد من: بَاب نصر ينصر. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط فِي بعض الْأُمَّهَات بِضَم الْهمزَة، وَلَا وَجه لَهُ فِي اللُّغَة إلَاّ أَن يُرِيد بِفَتْح السِّين وَتَشْديد الرَّاء على التكثير. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّطْوِيل لِأَنَّهُ حِين قيل بِضَم الْهمزَة علم أَنه من: بَاب التفعيل، تَقول: سرد يسْرد تسريدا، وَصِيغَة الْمُتَكَلّم وَحده لَا تَجِيء إلَاّ بِضَم الْهمزَة، قَالُوا: وَفِيه رد على من يرى أَن صَوْم الدَّهْر مَكْرُوه لِأَنَّهُ أخبر بسرده، وَلم يُنكر عَلَيْهِ، بل أقره وَأذن لَهُ فِي السّفر، فَفِي الْحَضَر أولى. وَأجِيب: بِأَن التَّتَابُع يصدق بِدُونِ صَوْم الدَّهْر فَلَا دلَالَة فِيهِ على الْكَرَاهَة. فَإِن قلت: يُعَارضهُ نَهْيه ﷺ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. قلت: يحمل نَهْيه على ضعف عبد الله عَن ذَلِك، وَحَمْزَة ذكر قُوَّة لم يذكرهَا غَيره.
٣٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوجَ النبيِّ ﷺ أنَّ حَمْزَةَ بنَ عَمْرٍ والأسْلَمِيَّ قَالَ لِلنبيِّ ﷺ أأصُومُ فِي السَّفَرِ وكانَ كَثِيرَ الصِّيامِ فَقَالَ إنْ شِئْتَ فَصُمْ وإنْ شِئْتَ فأفْطِرْ. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٩١) .
هَذَا طَرِيق ثَان. قَوْله: (أأصوم؟) بهمزتين الأولى هِيَ همزَة الِاسْتِفْهَام وَالْأُخْرَى همزَة الْمُتَكَلّم، وكلتاهما مفتوحتان. قيل: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ صَوْم رَمَضَان، فَلَا يكون فِيهِ حجَّة على منع صِيَام رَمَضَان فِي السّفر. وَأجِيب: بِأَن فِي رِوَايَة أبي مراوح فِي رِوَايَة مُسلم الَّتِي ذَكرنَاهَا إشعارا بِأَنَّهُ سَأَلَ عَن صِيَام الْفَرِيضَة، لِأَن الرُّخْصَة إِنَّمَا تطلق فِي مُقَابل مَا هُوَ وَاجِب، وأصرح من ذَلِك وَأكْثر وضوحا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم من طَرِيق مُحَمَّد بن حَمْزَة بن عَمْرو عَن أَبِيه أَنه قَالَ: (يَا رَسُول الله! إِنِّي صَاحب ظهر أعَالجهُ، أسافر عَلَيْهِ وأكريه، وَأَنه رُبمَا صادفني هَذَا الشَّهْر يَعْنِي: شهر رَمَضَان وَأَنا أجد الْقُوَّة وأجدني أَن أَصوم أَهْون عَليّ من أَن أؤخره، فَيكون دينا عَليّ؟ فَقَالَ: أَي ذَلِك شِئْت يَا حَمْزَة) .
٤٣ - (بابٌ إذَا صامَ أيَّاما مِنْ رمَضَانَ ثُمَّ سافَرَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا صَامَ شخص أيامر من رَمَضَان ثمَّ سَافر هَل يُبَاح لَهُ الْفطر أم لَا؟ وَلم يذكر جَوَاب إِذا اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب، تَقْدِيره: يُبَاح لَهُ الْفطر. وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيف مَا روى عَن عَليّ بِإِسْنَاد ضَعِيف أَن: من اسْتهلّ عَلَيْهِ رَمَضَان فِي الْحَضَر ثمَّ سَافر بعد ذَلِك فَلَيْسَ لَهُ أَن يفْطر لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) . انْتهى. قلت: قد مر مثل هَذَا الْكَلَام من هَذَا الْقَائِل غير مرّة، وأجبنا عَن هَذَا بِأَن الْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر، فَمن أَيْن علم أَنه اطلع على هَذَا الحَدِيث حَتَّى أَشَارَ إِلَيْهِ؟ وَلَئِن سلمنَا اطِّلَاعه على هَذَا، فَكيف وَجه الْإِشَارَة إِلَيْهِ؟
٤٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فِي رمَضَانَ فصامَ حَتَّى بلَغَ الكَدِيدَ أفْطَرَ فَأفْطر النَّاسُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ خرج إِلَى مَكَّة فصَام أَيَّامًا ثمَّ أفطر.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعبيد الله بن عبد الله بِالتَّصْغِيرِ فِي الابْن وَالتَّكْبِير فِي الْأَب ابْن عتبَة بن مَسْعُود، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى وَابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَمْرو النَّاقِد، أربعتهم عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق، وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث عَنهُ بِهِ، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ.
стр. 3154
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج إِلَى مَكَّة) ، كَانَ ذَلِك فِي غَزْوَة الْفَتْح، خرج يَوْم الْأَرْبَعَاء بعد الْعَصْر لعشر مضين من رَمَضَان، فَلَمَّا كَانَ بالصلصل، جبل عِنْد ذِي الحليفة، نَادَى مناديه: من أحب أَن يفْطر فليفطر، وَمن أحب أَن يَصُوم فليصم. فَلَمَّا بلغ الكديد أفطر بعد صَلَاة الْعَصْر على رَاحِلَته ليراه النَّاس. قَوْله: (لعشر مضين من رَمَضَان) رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَن الزُّهْرِيّ، وَوَقع فِي مُسلم من حَدِيث أبي سعيد اخْتِلَاف من الروَاة فِي ضبط ذَلِك، وَالَّذِي اتّفق عَلَيْهِ أهل السّير أَنه خرج فِي عَاشر رَمَضَان وَدخل مَكَّة لتسْع عشرَة خلت مِنْهُ. قَوْله: (حَتَّى بلغ الكديد) وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، ستأتي قَرِيبا، من وَجه آخر: (حَتَّى بلغ عسفان) ، بدل الكديد، وَوَقع عِنْد مُسلم: (فَلَمَّا بلغ كرَاع الغميم) ، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من رِوَايَة الحكم عَن مقسم، (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ خرج فِي رَمَضَان فصَام حَتَّى أَتَى قديدا، ثمَّ أَتَى بقدح من لبن فشربه فَأفْطر هُوَ وَأَصْحَابه) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلفت الرِّوَايَات فِي الْموضع الَّذِي أفطر ﷺ فِيهِ، وَالْكل فِي قَضِيَّة وَاحِدَة، وَكلهَا مُتَقَارِبَة، والجميع من عمل عسفان. انْتهى. قلت: الكديد، بِفَتْح الْكَاف وبدالين مهملتين أولاهما مَكْسُورَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة: وَهُوَ مَوضِع بَينه وَبَين الْمَدِينَة سبع مراحل أَو نَحْوهَا، وَبَينه وَبَين مَكَّة نَحْو مرحلَتَيْنِ، وَهُوَ أقرب إِلَى الْمَدِينَة من عسفان. وَقَالَ أَبُو عبيد: بَينه وَبَين عسفان سِتَّة أَمْيَال، وَعُسْفَان على أَرْبَعَة برد من مَكَّة، وبالكاديد عين جَارِيَة بهَا نخل كثير، وَذكر ابْن قرقول: أَن بَين الكديد وَمَكَّة اثْنَان وَأَرْبَعُونَ ميلًا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَعُسْفَان قَرْيَة جَامِعَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وكراع الغميم أَيْضا مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، والكراع جَانب مستطيل من الْحرَّة مشتبها بِالْكُرَاعِ، والغميم، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: وادٍ بالحجاز. أما عسفان فبثمانية أَمْيَال يُضَاف إِلَيْهَا هَذَا الكراع، قيل: جبل أسود مُتَّصِل بِهِ، والكراع: كل أنف سَالَ من جبل أَو حرَّة، وقديد، بِضَم الْقَاف: مَوضِع قريب من مَكَّة فَكَأَنَّهُ فِي الأَصْل تَصْغِير: قد.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: بَيَان صَرِيح أَنه، ﷺ ، صَامَ فِي السّفر. وَفِيه: رد على من لم يجوز الصَّوْم فِي السّفر. وَفِيه: بَيَان إِبَاحَة الْإِفْطَار فِي السّفر. وَفِيه: دَلِيل على أَن للصَّائِم فِي السّفر الْفطر بعد مُضِيّ بعض النَّهَار. وَفِيه: رد لقَوْل من زعم أَن فطره بالكديد كَانَ فِي الْيَوْم الَّذِي خرج فِيهِ من الْمَدِينَة، وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه لَا يجوز الْفطر فِي ذَلِك الْيَوْم، وَإِنَّمَا يجوز لمن طلع عَلَيْهِ الْفجْر فِي السّفر، قَالَ أَبُو عمر: اخْتلفُوا فِي الَّذِي يخرج فِي سَفَره. وَقد بَيت الصَّوْم، فَقَالَ مَالك: عَلَيْهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة فِيهِ، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد والطبري وَالْأَوْزَاعِيّ، وَللشَّافِعِيّ قَول آخر: أَنه يكفر إِن جَامع.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله والْكَدِيدُ ماءٌ بيْنَ عُسْفَانَ وقُدِيدٍ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَنسبَة هَذَا التَّفْسِير للْبُخَارِيّ وَقعت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَوْصُولا من وَجه آخر فِي نفس الحَدِيث.
٥٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ بنِ جابِرٍ أنَّ إسْمَاعِيلَ بنَ عُبَيْدِ الله حَدَّثَهُ عنْ أمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ ﷺ فِي بعْضَ أسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلى رَأسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إلَاّ مَا كَانَ مِنَ النبيِّ ﷺ وابنِ رَوَاحَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَن الصَّوْم والإفطار فِي السّفر لَو لم يَكُونَا مباحين لما صَامَ النَّبِي، ﷺ ، وَابْن رَوَاحَة، وَأفْطر الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد وَقع على رَأس هَذَا الحَدِيث لفظ: بَاب كَذَا، مُجَردا عَن تَرْجَمَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَسقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: يحيى بن حَمْزَة الدِّمَشْقِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر الشَّامي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة.
стр. 3155
الرَّابِع: إِسْمَاعِيل بن عبيد الله مُصَغرًا، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: أم الدَّرْدَاء الصُّغْرَى، وَاسْمهَا: هجيمة، وَهِي تابعية، وَأم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى اسْمهَا: خيرة، وَهِي صحابية، وكلتاهما زوجتا أبي الدَّرْدَاء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: قد جعل ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم كلتيهما وَاحِدَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقَالَ أَبُو مسْهر أَيْضا: هما وَاحِدَة، وَهُوَ وهمٌ مِنْهُ، وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ. السَّادِس: أَبُو الدَّرْدَاء، واسْمه عُوَيْمِر بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم شَامِيُّونَ سوى شيخ البُخَارِيّ، وَقد دخل الشَّام. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصَّحَابِيّ وَالزَّوْجَة عَن زَوجهَا، وَفِيه: عَن أم الدَّرْدَاء، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من طَرِيق سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن إِسْمَاعِيل بن عبيد الله: حَدَّثتنِي أم الدَّرْدَاء.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن دَاوُد بن رشيد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُؤَمل بن الْفضل الْحَرَّانِي.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق سعيد بن عبد الْعَزِيز: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي شهر رَمَضَان فِي حر شَدِيد. .) الحَدِيث، وَفِي هَذِه الزِّيَادَة فَائِدَتَانِ: أولاهما: أَن المُرَاد يتم بِهِ من الِاسْتِدْلَال، وَالْأُخْرَى: يرد بهَا على ابْن حزم فِي قَوْله: لَا حجَّة فِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء لاحْتِمَال أَن يكون ذَلِك الصَّوْم تَطَوّعا، لَا يظنّ أَن هَذِه السفرة سفرة الْفَتْح، لِأَن فِي هَذِه السفرة كَانَ عبد الله بن رَوَاحَة مَعَه، وَقد اسْتشْهد هُوَ بمؤتة قبل غَزْوَة الْفَتْح. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَيحْتَمل أَن تكون هَذِه السفرة سفرة بدر لِأَن التِّرْمِذِيّ روى عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، غزونا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي رَمَضَان يَوْم بدر، وَالْفَتْح، قَالَ: وأفطرنا فيهمَا، وَالتِّرْمِذِيّ بوب بَابَيْنِ: أَحدهمَا: فِي كَرَاهِيَة الصَّوْم فِي السّفر، وَالْآخر: مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَة فِي الصَّوْم فِي السّفر. وَأخرج فِي الْبَاب الأول حَدِيث جَابر بن عبد الله: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، خرج إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح فصَام حَتَّى بلغ كرَاع الغميم، وَصَامَ النَّاس مَعَه، فَقيل لَهُ: إِن النَّاس قد شقّ عَلَيْهِم الصّيام، وَإِن النَّاس ينظرُونَ فِيمَا فعلت، فَدَعَا بقدح من مَاء بعد الْعَصْر، فَشرب وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ فَأفْطر بَعضهم وَصَامَ بَعضهم، فَبَلغهُ أَن نَاسا صَامُوا، فَقَالَ أُولَئِكَ العصاة) . وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا. وَأخرج فِي الْبَاب الثَّانِي حَدِيث عَائِشَة عَن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ، وَقد مر فِيمَا مضى عَن قريب، وَقَالَ فِي الْبَاب الأول: وَقَوله: (حِين بلغ، بلغه أَن نَاسا صَامُوا: أُولَئِكَ العصاة) . فَوجه هَذَا إِذا لم يحْتَمل قلبه قبُول رخصَة الله تَعَالَى، فَأَما من رأى الْفطر مُبَاحا وَصَامَ وَقَوي على ذَلِك فَهُوَ أعجب إِلَيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ مَحْمُول على أَن من تضرر بِالصَّوْمِ، أَو أَنهم أمروا بِالْفطرِ أمرا جَازِمًا لمصْلحَة بَيَان جَوَازه، فخالفوا الْوَاجِب. قَالَ: وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يكون الصَّائِم الْيَوْم فِي السّفر عَاصِيا إِذا لم يتَضَرَّر بِهِ. فَإِن قلت: كَيفَ صَامَ بعض الصَّحَابَة؟ بل أفضلهم وَهُوَ أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، على مَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَنهُ، قَالَ: (أَتَى النَّبِي، ﷺ ، بِطَعَام بمر الظهْرَان، فَقَالَ لأبي بكر وَعمر: أدنيا فكلا، فَقَالَا: إِنَّا صائمان. قَالَ: أرحِلُوا لصاحبيكم، إعملوا لصاحبيكم) . انْتهى. بعد أمره ﷺ لَهُم بالإفطار. قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث جَابر أَنه أَمرهم بالإفطار، وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْد من خرج من الْأَئِمَّة السِّتَّة وَأَنَّهُمْ صَامُوا بعد إفطار النَّبِي ﷺ وَأما صَوْم أبي بكر وَعمر بمر الظهْرَان فَهُوَ بعد عسفان وكراع الغميم، فَلَيْسَ فِيهِ أَن هَذَا كَانَ فِي غَزْوَة الْفَتْح، هَذِه، وَإِن كَانَ الظَّاهِر أَنه فِيهَا، فَإِنَّهُمَا فهما أَن فطره ﷺ كَانَ ترخصا ورفقا بهم، وظنا أَن بهما قُوَّة على الصّيام، فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ ، وَالله أعلم، حسم ذَلِك لِئَلَّا يَقْتَدِي بهما أحد، فَأَمرهمَا بالإفطار.
٦٣ - (بابُ قَولِ النبيِّ ﷺ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ واشْتَدَّ الحَرُّ لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي ﷺ للرجل الَّذِي ظللوا عَلَيْهِ بِشَيْء مِمَّا لَهُ ظلّ لشدَّة الْحر. قَوْله: (وَاشْتَدَّ الْحر) ، جملَة
стр. 3156
فعلية وَقعت حَالا. قَوْله: (لَيْسَ من الْبر) مقول القَوْل، وَلَفظ الحَدِيث يظْهر من هَذَا أَن السَّبَب لقَوْله، ﷺ : (هَذَا هُوَ الْمَشَقَّة) ، وَالْبر، بِكَسْر الْبَاء: الطَّاعَة، يَعْنِي: لَيْسَ من الطَّاعَة وَالْعِبَادَة أَن تَصُومُوا فِي حَالَة السّفر، وَالْبر أَيْضا الْإِحْسَان وَالْخَيْر، وَمِنْه: بر الْوَالِدين، يُقَال: بر يبر فَهُوَ بار، وَجمعه: بررة، وَجمع الْبر بِفَتْح الْبَاء: أبرار، وَالْبر، بِالْفَتْح: الحيد وَالْخَيْر، وَمِنْه قَوْله ﷺ : (صلوا خلف كل بر وَفَاجِر) . وَيَجِيء بِمَعْنى الْمَعْطُوف، وَفِي أَسمَاء الله تَعَالَى: الْبر العطوف على عباده ببره ولطفه، وَالْبر والبار بِمَعْنى، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي إسم الله تَعَالَى: الْبر، دون: الْبَار، وَالْبر بِالْفَتْح أَيْضا خلاف الْبَحْر، وَجمعه: برور، وَيُقَال: إِن كلمة: من، فِي قَوْله: (لَيْسَ من الْبر) زَائِدَة أَي: لَيْسَ الْبر، كَمَا فِي قَوْلهم: مَا جَاءَنِي من أحد. أَي: مَا جَاءَنِي أحدٌ، وَلَا خلاف فِي زِيَادَة: من، فِي النَّفْي، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الْإِثْبَات، فَأَجَازَهُ قوم وَمنعه آخَرُونَ.
٦٤٩١ - حدَّثنا آدمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرحْمانِ الأنْصَارِي قَالَ سَمِعْتُ محَمَّدَ بنَ عَمْرِو بنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهمْ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأى زِحاما ورَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ علَيْهِ فَقَالَ مَا هَذا فقالُوا صائِمٌ فَقَالَ لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة قِطْعَة من الحَدِيث وَرِجَاله مَشْهُورُونَ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو بن الْحسن (عَن جَابر، قَالَ: كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي سفر. فَرَأى رجلا قد اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس وَقد ظلل عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: رجل صَائِم. فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ ، لَيْسَ من الْبر أَن تَصُومُوا فِي السّفر) . وَفِي لفظ لَهُ فِي آخِره، قَالَ شُعْبَة: وَكَانَ يبلغنِي عَن يحيى بن أبي كثير أَنه كَانَ يزِيد فِي هَذَا الحَدِيث، وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد أَنه قَالَ: (عَلَيْكُم بِرُخْصَة الله الَّذِي رخص لكم. قَالَ: فَلَمَّا سَأَلته لم يحفظه) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، يَعْنِي ابْن أسعد بن زُرَارَة عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن الْحسن (عَن جَابر: أَن رَسُول الله، ﷺ ، رأى رجلا يظلل عَلَيْهِ والزحام عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَيْسَ من الْبر الصّيام فِي السّفر) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَقَالَ: أَخْبرنِي شُعَيْب بن شُعَيْب بن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَهَّاب بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا شُعَيْب عَن الْأَوْزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنِي يحيى بن أبي كثير، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: أَخْبرنِي جَابر بن عبد الله (أَن رَسُول الله ﷺ مر بِرَجُل إِلَى ظلّ شَجَرَة يرش عَلَيْهِ المَاء، قَالَ: مَا بَال صَاحبكُم هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُول الله صَائِم. قَالَ: لَيْسَ من الْبر أَن تَصُومُوا فِي السّفر، وَعَلَيْكُم بِرُخْصَة الله الَّتِي رخص لكم فاقبلوها) .
وَفِي الْبَاب عَن ابْن عمر رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من رِوَايَة نَافِع عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (فيس من الْبر الصّيام فِي السّفر) ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن مصفي الْحِمصِي ... إِلَى آخِره نَحوه، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث كَعْب بن مَالك بن عَاصِم الْأَشْعَرِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَيْسَ من الْبر أَن تَصُومُوا فِي السّفر) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) . وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن النُّعْمَان، قَالَ: حَدثنَا الْحميدِي قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان، قَالَ: سَمِعت الزُّهْرِيّ يَقُول: أَخْبرنِي صَفْوَان بن عبد الله ... الحَدِيث. قَالَ سُفْيَان: فَذكر لي أَن الزُّهْرِيّ كَانَ يَقُول: وَلم أسمع أَنا مِنْهُ: (لَيْسَ من أمبرا مصيام فِي امسفر) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ هِيَ لُغَة طَيء فَإِنَّهُم يبدلون اللَّام ميما. وروى ابْن عدي من حَدِيث عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَيْسَ من الْبر الصَّوْم فِي السّفر) ، وَفِيه مقَال. وروى ابْن عدي أَيْضا من حَدِيث مَيْمُون بن مهْرَان عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَيْسَ من الْبر الصَّوْم فِي السّفر) ، وَفِيه مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْعُكَّاشِي، وَهُوَ مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: ذهب قوم إِلَى هَذِه الْأَحَادِيث، وَقَالُوا: الْإِفْطَار فِي شهر رَمَضَان فِي السّفر أفضل من الصّيام قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: سعيد بن جُبَير وَابْن الْمسيب وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَقَتَادَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى مَذَاهِب الْعلمَاء.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر) ، ظهر من رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جَابر أَنَّهَا
стр. 3157
غَزْوَة الْفَتْح لِأَنَّهُ صرح فِيهِ بقوله: (خرج إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح) الحَدِيث. قَوْله: (ورجلاً قد ظلل عَلَيْهِ) وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَالرجل المجهود فِي الصَّوْم هُنَا، قيل: هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل، ذكر الْخَطِيب فِي كتاب (المبهمات) : (أَن النَّبِي ﷺ رَآهُ يهادي بَين ابنيه، وَقد ظلّ عَلَيْهِ، فَسَأَلَ عَنهُ، فَقَالُوا: نذر أَن يمشي إِلَى بَيت الله الْحَرَام، فَقَالَ: إِن الله لَغَنِيّ عَن تَعْذِيب هَذَا نَفسه، مروه فليمش وليركب) . وَفِي مُسْند أَحْمد مَا يشْعر بِأَنَّهُ غير المظلل عَلَيْهِ، وَهُوَ: (أَن النَّبِي، ﷺ ، دخل الْمَسْجِد وَأَبُو إِسْرَائِيل يُصَلِّي، فَقيل للنَّبِي، ﷺ : هُوَ ذَا يَا رَسُول الله، لَا يقْعد وَلَا يكلم النَّاس وَلَا يستظل وَلَا يفْطر، فَقَالَ: ليقعد وليتكلم وليستظل وليفطر) . وَقَالَ بَعضهم: زعم مغلطاي أَنه أَبُو إِسْرَائِيل، وعزى ذَلِك (بمبهمات الْخَطِيب) ، وَلم يقل الْخَطِيب ذَلِك فِي هَذِه الْقِصَّة، ثمَّ أَطَالَ الْكَلَام بِمَا لَا يفِيدهُ، فَكيف يَقُول: زعم مغلطاي، وَهُوَ لم يزْعم ذَلِك؟ وَإِنَّمَا قَالَ: قيل: هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل، ثمَّ قَالَ أَيْضا: وَفِي (مُسْند) أَحْمد مَا يشْعر أَنه غَيره، وَبَين ذَلِك، فَهَذَا مُجَرّد تشنيع عَلَيْهِ مَعَ ترك محَاسِن الْأَدَب فِي ذكره بِصَرِيح اسْمه، وَلَيْسَ هَذَا من دأب الْعلمَاء. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) عِنْدَمَا ينْقل عَنهُ شَيْئا، قَالَ شَيخنَا عَلَاء الدّين. قَوْله: (قد ظلل عَلَيْهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (مَا للرجل؟) يَعْنِي: مَا شَأْنه؟ وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (مَا بَال صَاحبكُم هَذَا؟) قَوْله: (لَيْسَ من الْبر الصَّوْم فِي السّفر) ، قد مر تَفْسِير الْبر آنِفا، وَتمسك بعض أهل الظَّاهِر بِهَذَا، وَقَالَ: إِذا لم يكن من الْبر فَهُوَ من الْإِثْم، فَدلَّ أَن صَوْم رَمَضَان لَا يجزىء فِي السّفر. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذَا الحَدِيث خرج لَفظه على شخص معِين، وَهُوَ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ الْبر أَن يبلغ الْإِنْسَان بِنَفسِهِ هَذَا الْمبلغ، وَالله قد رخص فِي الْفطر، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا التَّأْوِيل صَوْمه ﷺ فِي السّفر فِي شدَّة الْحر، وَلَو كَانَ إِثْمًا لَكَانَ أبعد النَّاس مِنْهُ، أَو يُقَال: لَيْسَ هُوَ أبر الْبر، لِأَنَّهُ قد يكون الْإِفْطَار أبر مِنْهُ للقوة فِي الْحَج وَالْجهَاد وشبههما. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَي: لَيْسَ من الْبر الْوَاجِب.
قيل: هَذَا التَّأْوِيل إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من قطع الحَدِيث عَن سَببه وَحمله على عُمُومه، وَأما من حمله على الْقَاعِدَة الشَّرْعِيَّة فِي رفع مَا لَا يُطَاق عَن هَذِه الْأمة. فبأن للْمَرِيض الْمُقِيم وَمن أجهده الصَّوْم أَن يفْطر، فَإِن خَافَ على نَفسه التّلف من الصَّوْم عصى بصومه، وعَلى هَذَا يحمل قَوْله ﷺ : (أُولَئِكَ العصاة) ، وَأما من كَانَ على غير حَال المظلل عَلَيْهِ فَحكمه مَا تقدم من التَّخْيِير، وَبِهَذَا يرْتَفع التَّعَارُض، وتجتمع الْأَدِلَّة وَلَا يحْتَاج إِلَى فرض نسخ، إِذْ لَا تعَارض. فَإِن قلت: روى النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي أُميَّة الضمرِي فِيهِ: (فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن الله وضع عَن الْمُسَافِر الصّيام وَنصف الصَّلَاة) ، وروى أَيْضا من حَدِيث (عبد الله بن الشخير، قَالَ: كنت مُسَافِرًا فَأتيت النَّبِي ﷺ وَهُوَ يَأْكُل وَأَنا صَائِم، فَقَالَ: هَلُمَّ! فَقلت: إِنِّي صَائِم. قَالَ: أَتَدْرِي مَا وضع الله، ، عَن الْمُسَافِر؟ قلت: وَمَا وضع الله عَن الْمُسَافِر؟ قَالَ: الصَّوْم وَشطر الصَّلَاة. قلت: يجوز أَن يكون ذَلِك الصّيام الَّذِي وَضعه عَنهُ هُوَ الصّيام الَّذِي لَا يكون لَهُ مِنْهُ بُد فِي تِلْكَ الْأَيَّام، كَمَا لَا بُد للمقيم من ذَلِك.
٧٣ - (بَاب لم يعب أَصْحَاب النَّبِي ﷺ بَعضهم بَعْضًا فِي الصَّوْم والإفطار)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لم يعب ... ألى آخِره أَرَادَ يَعْنِي فِي الْأَسْفَار
٥٤ - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك قَالَ كُنَّا نسافر مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فَلم يعب الصَّائِم على الْمُفطر وَلَا الْمُفطر على الصَّائِم) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنَّهَا بعض متن الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم قَالَ حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ أخبرنَا أَبُو خَيْثَمَة " عَن حميد قَالَ سُئِلَ أنس عَن صَوْم رَمَضَان فِي السّفر فَقَالَ سافرنا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فِي رَمَضَان فَلم يعب الصَّائِم على الْمُفطر وَلَا الْمُفطر على الصَّائِم " وَحدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة قَالَ حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر " عَن حميد قَالَ خرجت فَصمت فَقَالُوا لي أعد " (فَإِن قلت) أَن أنسا أَخْبرنِي " أَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - كَانُوا يسافرون فَلَا يعيب الصَّائِم على الْمُفطر وَلَا الْمُفطر على الصَّائِم فَلَقِيت ابْن أبي مليكَة فَأَخْبرنِي عَن عَائِشَة بِمثلِهِ " وروى مُسلم أَيْضا " عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَجَابِر بن عبد الله قَالَا سافرنا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فيصوم الصَّائِم وَيفْطر الْمُفطر فَلَا يعيب بَعضهم على بعض "
стр. 3158
وَفِي لفظ لَهُ عَن أبي سعيد مطولا وَفِيه " فَقَالَ إِنَّكُم مصبحوا عَدوكُمْ وَالْفطر أنوى لكم فأفطروا وَكَانَت عَزِيمَة فأفطرنا ثمَّ لقد رَأَيْتنَا نَصُوم مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - بعد ذَلِك فِي السّفر ". وَقَوله " لقد رَأَيْتنَا " أَي رَأَيْت أَنْفُسنَا وَهَذَا الحَدِيث حجَّة على من زعم أَن الصَّائِم فِي السّفر لَا يجْزِيه صَوْمه لِأَن تَركهم لإنكار الصَّوْم وَالْفطر يدل على أَن ذَلِك عِنْدهم من الْمُتَعَارف الْمَشْهُور الَّذِي تجب الْحجَّة بِهِ -
٨٣ - (بابُ منْ أفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ الناسُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن الَّذِي أفطر فِي السّفر ليراه النَّاس فيقتدوا بِهِ، ويفطرون بفطره، وَيفهم مِنْهُ أَن أَفضَلِيَّة الْفطر لَا تخْتَص بِمن تعرض لَهُ الْمَشَقَّة إِذا صَامَ، أَو بِمن يخْشَى الْعجب، والرياء، أَو بِمن يظنّ بِهِ أَنه رغب عَن الرُّخْصَة. بل إِذا رأى من يَقْتَدِي بِهِ أفطر يفْطر هُوَ أَيْضا، وَذَلِكَ لِأَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا أفطر فِي السّفر ليراه النَّاس فيقتدوا بِهِ، ويفطرون، لِأَن الصّيام كَانَ أضرهم، فَأَرَادَ ﷺ الرِّفْق بهم والتيسير عَلَيْهِم أخذا بقوله تَعَالَى: ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) . فَأخْبر الله تَعَالَى أَن الْإِفْطَار فِي السّفر أَرَادَهُ للتيسير على عباده، فَمن اخْتَار رخصَة الله فَأفْطر فِي سَفَره أَو مَرضه لم يكن معنفا، وَمن اخْتَار الصَّوْم وَهُوَ يسير عَلَيْهِ فَهُوَ أفضل لوُرُود الْأَخْبَار بصومه ﷺ فِي السّفر.
٨٤٩١ - حدَّثنا موسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طَاوُوسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ خرَجَ رسُولُ الله ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ فصَامَ حَتَّى بلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ دَعا بِماءٍ فرَفَعَهُ إلَى يَدَيْهِ لِيُرِيهِ النَّاسَ فأفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وذَلِكَ فِي رَمضَانَ فَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ قَد صامَ رسُولُ الله ﷺ وأفْطرَ فَمَنْ شَاءَ صامَ ومَنْ شاءَ أفْطَرَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ دَعَا بِمَاء فرفعه إِلَى يَدَيْهِ ليريه النَّاس فَأفْطر) .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو عوَانَة، بِالْفَتْح: الوضاح الْيَشْكُرِي.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَربع مَوَاضِع، وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَن أَبَا عوَانَة واسطي وَأَن منصورا كُوفِي وَأَن مُجَاهدًا مكي وَأَن طاووسا يماني. وَفِيه: مُجَاهِد عَن طَاوُوس من رِوَايَة الأقران. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس وَأخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن مَنْصُور، فَلم يذكر طاووسا فِي الْإِسْنَاد، وَكَذَا أخرجه من طَرِيق الحكم عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَالْوَجْه فِيهِ أَن مُجَاهدًا أَخذه أَولا عَن طَاوُوس ثمَّ لَقِي ابْن عَبَّاس فَأَخذه عَنهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن قدامَة عَن جرير بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن رَافع.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عسفان) ، قد مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (فرفعه إِلَى يَدَيْهِ) أَي: رفع المَاء إِلَى غَايَة طول يَدَيْهِ، وَهُوَ حَال. أَو فِيهِ تضمين أَي: انْتهى الرّفْع إِلَى أقْصَى غايتها. وَقَالَ بَعضهم: فرفعه إِلَى يَدَيْهِ كَذَا فِي الْأُصُول الَّتِي وقفت عَلَيْهَا من البُخَارِيّ، وَهُوَ مُشكل لِأَن الرّفْع إِنَّمَا يكون بِالْيَدِ، ثمَّ نقل مَا قَالَه الْكرْمَانِي وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ، ثمَّ قَالَ: وَقد وَقع عِنْد أبي دَاوُد عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فِي البُخَارِيّ: (فرفعه إِلَى فِيهِ) . وَهَذَا أوضح، وَلَعَلَّ الْكَلِمَة تَصْحِيف. انْتهى. قلت: لَا إِشْكَال هَهُنَا أصلا وَلَا تَصْحِيف. وَهَذَا وهم فَاسد، وَذَلِكَ لِأَن المُرَاد من الرّفْع هَهُنَا هُوَ أَن يرفعهُ جدا طول يَدَيْهِ حَتَّى يَعْلُو إِلَى فَوق ليراه النَّاس، وَلَيْسَ المُرَاد مُجَرّد الرّفْع بِالْيَدِ من الأَرْض، أَو من يَد الْأَكْبَر، لِأَنَّهُ بِمُجَرَّد الرّفْع لَا يرَاهُ النَّاس. قَوْله: (ليراه النَّاس) ، بِرَفْع: النَّاس، لِأَنَّهُ فَاعل: يرى، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ مَفْعُوله، وَهَكَذَا هُوَ
стр. 3159
فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (ليريه النَّاس) ، وَاللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل فِي الْوَجْهَيْنِ. و: النَّاس، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثانٍ لِأَن: ليريه، بِضَم الْيَاء من الإراءة وَهِي تستدعي مفعولين كَمَا عرف فِي مَوْضِعه.
وقصة هَذَا الحَدِيث أَنه ﷺ خرج إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان، فصَام النَّاس، فَقيل لَهُ: إِن النَّاس قد شقّ عَلَيْهِم الصَّوْم، وَإِنَّمَا ينتظرون إِلَى فعلك. فَدَعَا بقدح من مَاء، فرفعه حَتَّى ينظر النَّاس إِلَيْهِ فيقتدوا بِهِ فِي الْإِفْطَار، لِأَن الصّيام أضرّ بهم، فَأَرَادَ رَسُول الله ﷺ التَّيْسِير عَلَيْهِم، وَكَانَ لَا يُؤمن عَلَيْهِم الضعْف والوهن فِي حربهم حِين لِقَاء عدوهم.
٩٣ - (بابٌ ﴿وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . أَي: وعَلى الَّذين يُطِيقُونَ الصَّوْم الَّذين لَا عذر بهم إِن أفطروا: ﴿فديَة طَعَام مِسْكين﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . نصف صَاع من بر، أَو صَاع من غَيره عِنْد أهل الْعرَاق، وَعند أهل الْحجاز مد، وَكَانَ فِي بَدْء الْإِسْلَام فرض عَلَيْهِم الصَّوْم، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم فَرخص لَهُم فِي الْإِفْطَار والفدية. وَقَالَ معَاذ: كَانَ فِي ابْتِدَاء الْأَمر: من شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ أفطر وَأطْعم عَن كل يَوْم مِسْكينا حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها وارتفاع فديَة، على الِابْتِدَاء وَخَبره مقدما هُوَ قَوْله ﴿وعَلى الَّذين﴾ وَقِرَاءَة عَامَّة فديَة بِالتَّنْوِينِ وَقَوله: ﴿طَعَام مِسْكين﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) . بَيَان: لفدية، أَو: بدل مِنْهَا، وَفِي قِرَاءَة نَافِع: ﴿طَعَام مَسَاكِين﴾ بِالْجمعِ، وَقَالَت طَائِفَة: بل هَذَا خَاص بالشيخ والعجوز الْكَبِير الَّذين لم يطيقا الصَّوْم رخص لَهما الْإِفْطَار ويفديان، والفدية الْجَزَاء، وَالْبدل من قَوْلك: فديت الشَّيْء بالشَّيْء أَي: هَذَا بِهَذَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: يطوقونه، تفعيل من الطوق، إِمَّا بِمَعْنى الطَّاقَة أَو القلادة، أَي: يكلفونه أَو يقلدونه، وَعَن ابْن عَبَّاس: يتطوقونه بِمَعْنى: يتكلفونه، أَو يتقلدونه ويطوقونه بإدغام التَّاء فِي الطَّاء، ويطيقونه ويطيقونه بِمَعْنى يتطقونه، وأصلهما: يطيقُونَهُ ويتطيوقونه، على أَنَّهُمَا من فعيل، وتفعيل من الطوق، فأدغمت الْيَاء فِي الْوَاو بعد قَلبهَا يَاء، وهم الشُّيُوخ والعجائز، فعلى هَذَا لَا نسخ بل هُوَ ثَابت، وَالله أعلم.
قَالَ ابنُ عُمَرَ وسَلَمَة بنُ الأكْوَعِ نَسخَتْها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومنْ كانَ مَرِيضا أوْ علَى سَفرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ الله بِكُمْ الْيُسْرَ ولَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ولِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا الله عَلى مَا هَدَاكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) .
أَي: قَالَ عبد الله بن عمر بن الْخطاب وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع، وَهُوَ سَلمَة بن عَمْرو بن الْأَكْوَع أَبُو إِيَاس الْأَسْلَمِيّ الْمدنِي. قَوْله: (نسختها) أَي: نسخت آيَة: ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . آيَة ﴿شهر رَمَضَان﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) . أما حَدِيث ابْن عمر فوصله فِي آخر الْبَاب عَن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة، وَقد أخرجه عَنهُ أَيْضا فِي التَّفْسِير. وَأما حَدِيث أم سَلمَة فوصله فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بِلَفْظ: (لما نزلت ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . كَانَ من أَرَادَ أَن يفْطر أفطر وافتدى، حَتَّى نزلت الْآيَة الَّتِي بعْدهَا، فنسختها) .
وَقد اخْتلف السّلف فِي قَوْله : ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَقَالَ قوم: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث سَلمَة وَابْن عمر ومعاذ، وَهُوَ قَول عَلْقَمَة وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَابْن شهَاب، وعَلى هَذَا تكون قراءتهم ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . بِضَم الْيَاء وَكسر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء الثَّانِيَة، وَعند ابْن عَبَّاس: هِيَ محكمَة، وَعَلِيهِ قِرَاءَة: ﴿يطوقونه﴾ بِالْوَاو الْمُشَدّدَة، وروى عَنهُ: ﴿يطيقُونَهُ﴾ بِضَم الطَّاء وَالْيَاء المشددتين.
ثمَّ إِن الشَّيْخ الْكَبِير والعجوز إِذا كَانَ الصَّوْم يجهدهما ويشق عَلَيْهِمَا مشقة شَدِيدَة، فَلَهُمَا أَن يفطرا ويطعما لكل يَوْم مِسْكينا، وَهَذَا قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَسَعِيد ابْن جُبَير وطاووس وَأبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل، وَقَالَ مَالك: لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء، لِأَنَّهُ لَو ترك الصَّوْم لعَجزه مَا تجب فديَة، كَمَا تَركه لمَرض اتَّصل بِهِ الْمَوْت، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ربيعَة وَأبي ثَوْر وَدَاوُد، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ وَابْن الْمُنْذر، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ كالمذهبين: أَحدهمَا: لَا تجب الْفِدْيَة عَلَيْهِمَا لعدم وجوب الصَّوْم عَلَيْهِمَا. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيد: تجب الْفِدْيَة
стр. 3160
لكل يَوْم مد من طَعَام. وَقَالَ الْبُوَيْطِيّ: هِيَ مُسْتَحبَّة، وَلَو أحدث الله تَعَالَى للشَّيْخ الفاني قُوَّة حَتَّى قدر على الصَّوْم بعد الْفِدْيَة يبطل حكم الْفِدْيَة، وَفِي كتب أَصْحَابنَا: فَإِن أخر الْقَضَاء حَتَّى دخل رَمَضَان آخر صَامَ الثَّانِي لِأَنَّهُ فِي وقته، وَقضى الأول بعده لِأَنَّهُ وَقت الْقَضَاء وَلَا فديَة عَلَيْهِ، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة يطعم وَلَا يقْضِي.
وَقَضَاء رَمَضَان إِن شَاءَ فرقه وَإِن شَاءَ تَابعه، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَمَالك. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : فَلَو قَضَاهُ غير مُرَتّب أَو مفرقا جَازَ عندنَا، وَعند الْجُمْهُور، لِأَن اسْم الصَّوْم يَقع على الْجَمِيع، وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) : وروى عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ومعاذ بن جبل وَأبي هُرَيْرَة وَرَافِع بن خديج وَأنس بن مَالك وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبيدَة السَّلمَانِي وَالقَاسِم وَعبيد بن عُمَيْر وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وَسَالم وَعَطَاء وَأبي ميسرَة وطاووس وَمُجاهد وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَأبي قلَابَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحَاكِم وَعِكْرِمَة وَعَطَاء بن يسَار وَأبي الزِّنَاد وَزيد بن أسلم وَقَتَادَة وَرَبِيعَة وَمَكْحُول وَالثَّوْري وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق أَنهم قَالُوا: يقْضِي مفرقا، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَابْن عمر وَعُرْوَة وَالشعْبِيّ وَنَافِع بن جُبَير بن مطعم وَمُحَمّد بن سِيرِين: أَنه يقْضِي مُتَتَابِعًا وَإِلَى هَذَا ذهب أهل الظَّاهِر. وَقَالَ ابْن حزم: الْمُتَابَعَة فِي قَضَاء رَمَضَان وَاجِبَة لقَوْله تَعَالَى: ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم﴾ فَإِن لم يفعل يَقْضِيهَا مُتَفَرِّقَة لقَوْله تَعَالَى ﴿فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ (آل عمرَان: ٣٣١) . وَلم يجد لذَلِك وقتا يبطل الْقَضَاء بِخُرُوجِهِ. وَفِي (الاستذكار) عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يَقُول: يَصُوم قَضَاء رَمَضَان مُتَتَابِعًا من أفطره من مرض أَو سفر، وَعَن ابْن شهَاب أَن ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة اخْتلفَا. فَقَالَ أَحدهمَا: يفرق، وَقَالَ الآخر: لَا يفرق. وَعَن يحيى بن سعيد سمع ابْن الْمسيب يَقُول: أحب أَن لَا يفرق قَضَاء رَمَضَان، وَإِن تَوَاتر. قَالَ أَبُو عمر: صَحَّ عندنَا عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة أَنَّهُمَا أجازا أَن يفرقا قَضَاء رَمَضَان، وَصحح الدَّارَقُطْنِيّ إِسْنَاد حَدِيث عَائِشَة، نزلت: ﴿فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) . مُتَتَابِعَات، فَسَقَطت مُتَتَابِعَات، وَقَالَ ابْن قدامَة: لم تثبت عندنَا صِحَّته، وَلَو صَحَّ حملناه على الِاسْتِحْبَاب، والأفضلية. وَقيل: وَلَو ثبتَتْ كَانَت مَنْسُوخَة لفظا وَحكما، وَلِهَذَا لم يقْرَأ بهَا أحد من قراء الشواذ. قلت: وَفِي الْمَنَافِع قَرَأَ بهَا أبي وَلم يشْتَهر. فَكَانَت كَخَبَر وَاحِد غير مَشْهُور، فَلَا يجوز الزِّيَادَة على الْكتاب بِمثلِهِ، بِخِلَاف قِرَاءَة ابْن مَسْعُود فِي كَفَّارَة الْيَمين فَإِنَّهَا قِرَاءَة مَشْهُورَة غير متواترة.
وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف السّلف فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . هَل هِيَ محكمَة أَو مَخْصُوصَة أَو مَنْسُوخَة؟ كلهَا أَو بَعْضهَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُور: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، ثمَّ اخلفوا: هَل بَقِي مِنْهَا مَا لم ينْسَخ؟ فَروِيَ عَن ابْن عمر وَالْجُمْهُور: أَن حكم الْإِطْعَام باقٍ على من لم يطق الصَّوْم لكبره، وَقَالَ جمَاعَة من السّلف وَمَالك وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد: جَمِيع الْإِطْعَام مَنْسُوخ، وَلَيْسَ على الْكَبِير إِذا لم يطق الصَّوْم إطْعَام، واستحبه لَهُ مَالك، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَت الرُّخْصَة لمن يقدر على الصَّوْم ثمَّ نسخ فِيهِ، وَبَقِي فِيمَن لَا يُطيق. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره: نزلت فِي الْكَبِير وَالْمَرِيض اللَّذين لَا يقدران على الصَّوْم، فَهِيَ عِنْده محكمَة، لَكِن الْمَرِيض يقْضِي إِذا برأَ، وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه لَا إطْعَام على الْمَرِيض. وَقَالَ زيد بن أسلم وَالزهْرِيّ وَمَالك: هِيَ محكمَة، وَنزلت فِي الْمَرِيض يفْطر ثمَّ يبرأ فَلَا يقْضِي حَتَّى يدْخل رَمَضَان آخر، فَيلْزمهُ صَوْمه، ثمَّ يقْضِي بَعْدَمَا أفطر وَيطْعم عَن كل يَوْم مدا من حِنْطَة، فَأَما من اتَّصل مَرضه برمضان آخر فَلَيْسَ عَلَيْهِ إطْعَام، بل عَلَيْهِ الْقَضَاء فَقَط. وَقَالَ الْحسن وَغَيره: الضَّمِير فِي: يطوقونه، عَائِد على الْإِطْعَام لَا على الصَّوْم، ثمَّ نسخ ذَلِك فَهِيَ عِنْده عَامَّة.
وَقَالَ ابنُ نُمَيْرٍ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي لَيْلَى قَالَ حَدثنَا أصحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَزَلَ رمَضانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فكانَ مَنْ أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ ورُخِّصَ لَهُمُ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْها ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴿فَأُمِرُوا بالصَّوْمِ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكَانَ من أطْعم) إِلَى قَوْله: (فنسختها) . وَابْن نمير، بِضَم النُّون: اسْمه عبد الله، مر فِي:
стр. 3161
بَاب مَا ينْهَى من الْكَلَام فِي الصَّلَاة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، عَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء. وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن، رأى كثيرا من الصَّحَابَة مثل: عمر وَعُثْمَان وَعلي وَغَيرهم، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : (قدم النَّبِي، ﷺ ، الْمَدِينَة وَلَا عهد لَهُم بالصيام، فَكَانُوا يَصُومُونَ ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر حَتَّى نزل رَمَضَان، فاستكثروا ذَلِك وشق عيهم، فَكَانَ من أطْعم مِسْكينا كل يَوْم ترك الصّيام مِمَّن يطيقه، رخص لَهُم فِي ذَلِك، ثمَّ نُسْخَة ﴿وَأَن تَصُومُوا خير لكم﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَأمروا بالصيام.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق شُعْبَة والمسعودي عَن الْأَعْمَش مطولا فِي الْأَذَان والقبلة وَالصِّيَام، وَاخْتلف فِي إِسْنَاده اخْتِلَافا كثيرا، وَطَرِيق ابْن نمير هَذَا أرجحها.
قَوْله: (حَدثنَا أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه روى هَذَا الحَدِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، وَلَا يُقَال لمثل هَذَا رِوَايَة مَجْهُول لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول. قَوْله: (فنسختها) ﴿وَأَن تَصُومُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . الضَّمِير فِي نسختها يرجع إِلَى الْإِطْعَام الَّذِي يدل عَلَيْهِ أطْعم، والتأنيث بِاعْتِبَار الْفِدْيَة، وَقَوله ﴿وَأَن تَصُومُوا خير لكم﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فِي مَحل الرّفْع على الفاعلية، وَالتَّقْدِير قَوْله: وَأَن تَصُومُوا. وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وصومكم خير لكم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ وَجه نسخهَا لَهَا والخيرية لَا تَقْتَضِي الْوُجُوب؟ قلت: مَعْنَاهُ الصَّوْم خير من التَّطَوُّع بالفدية، والتطوع بهَا سنة، بِدَلِيل أَنه خير، وَالْخَيْر من السّنة لَا يكون إلَاّ وَاجِبا. انْتهى. قلت: إِن كَانَ المُرَاد من السّنة هِيَ سنة النَّبِي ﷺ ، فَسنة النَّبِي كلهَا خير، فَيلْزم أَن تكون كل سنة وَاجِبَة وَلَيْسَ كَذَلِك. وَقَالَ السّديّ: عَن مرّة عَن عبد الله، قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . وَقَالَ: وَالله يَقُول: ﴿الَّذين يطيقُونَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . أَي: يتجشمونه، قَالَ عبد الله: فَكَانَ من شَاءَ صَامَ وَمن شَاءَ أفطر وَأطْعم مِسْكينا. ﴿فَمن تطوع﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . قَالَ: أطْعم مِسْكينا آخر ﴿فَهُوَ خير لَهُ وَأَن تَصُومُوا خير لكم﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَكَانُوا كَذَلِك حَتَّى نسختها: ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) .
٩٤٩١ - حدَّثنا عَيَّاشٌ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الأعْلَى قَالَ حدثنَا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قرَأ: فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ، قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. (الحَدِيث ٩٤٩١ طرفه فِي: ٦٠٥٤) .
أشتر بِهَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى وصل التَّعْلِيق الَّذِي علقه فِي أول الْبَاب بقوله: قَالَ ابْن عمر، وَأَشَارَ أَيْضا إِلَى بَيَان قِرَاءَة عبد الله ابْن عمر فِي قَوْله: ﴿فديَة طَعَام مِسْكين﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . فَإِنَّهُ قَرَأَ: مِسْكين، وبصيغة الْإِفْرَاد، وَلَكِن لما ذكر فِي التَّفْسِير، قَالَ: طَعَام مَسَاكِين، بِصِيغَة الْجمع، وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (صَحِيحه) وَأَشَارَ أَيْضا إِلَى أَن ﴿فديَة طَعَام مِسْكين﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . مَنْسُوخَة غير مَخْصُوصَة وَلَا محكمَة. وَعَيَّاش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة والشين الْمُعْجَمَة، وَعبد الْأَعْلَى هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ الْمدنِي.
٠٤ - (بابٌ مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ)
أَي: هَذَا بَاب يبين فِيهِ مَتى يقْضِي، أَي: مَتى يُؤدى قَضَاء رَمَضَان، وَالْقَضَاء بِمَعْنى الْأَدَاء، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة﴾ (الْجُمُعَة: ٠١) . أَي: فَإِذا أدّيت الصَّلَاة، وَلَيْسَ المُرَاد من الْأَدَاء مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ، وَهُوَ تَسْلِيم عين الْوَاجِب، وَلَكِن المُرَاد مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ وَهُوَ الْإِيفَاء، كَمَا يُقَال: أدّيت حق فلَان أَي: أوفيته، وَفَسرهُ بَعضهم بقوله: مَتى يصام الْأَيَّام الَّتِي تقضى عَن فَوَات رَمَضَان؟ وَلَيْسَ المُرَاد: قَضَاء الْقَضَاء على مَا هُوَ ظَاهر اللَّفْظ. انْتهى. قلت: ظن هَذَا أَن المُرَاد من قَوْله: مَتى يقْضِي؟ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَظَنهُ هَذَا هُوَ الَّذِي أَلْجَأَهُ إِلَى مَا تعسف فِيهِ، ثمَّ أَنه ذكر كلمة الِاسْتِفْهَام وَلم يذكر جَوَابه لتعارض الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة والقياسية، فَإِن ظَاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) . أَعم من أَن تكون تِلْكَ الْأَيَّام متتابعة أَو مُتَفَرِّقَة، وَالْقِيَاس يَقْتَضِي التَّتَابُع لِأَن الْقَضَاء يَحْكِي الْأَدَاء، وَذكر البُخَارِيّ هَذِه الْآثَار فِي هَذَا الْبَاب يدل على جَوَاز التَّرَاخِي والتفريق.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَا بَأسَ أنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ الله تعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) .
هَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك عَن الزُّهْرِيّ أَن ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة اخْتلفَا فِي قَضَاء رَمَضَان، فَقَالَ أَحدهمَا: يفرق، وَقَالَ الآخر: لَا يفرق، وَهَذَا مُنْقَطع مُبْهَم لِأَنَّهُ لم يعلم المفرق من غير المفرق، وَقد أوضحه عبد الرَّزَّاق وَوَصله عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ
стр. 3162
عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس فِيمَن عَلَيْهِ قَضَاء رَمَضَان، قَالَ: يَقْضِيه مفرقا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر عَن معمر بِسَنَدِهِ، قَالَ: صمه كَيفَ شِئْت.
وَقَالَ سعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يبْدأ بِرَمَضَانَ
معنى هَذَا الْكَلَام أَن سعيدا لما سُئِلَ عَن صَوْم الْعشْر؟ وَالْحَال أَن على الَّذِي سَأَلَهُ قَضَاء رَمَضَان، فَقَالَ: لَا يصلح حَتَّى يبْدَأ أَولا بِقَضَاء رَمَضَان، وَهَذِه الْعبارَة لَا تدل على الْمَنْع مُطلقًا، وَإِنَّمَا تدل على الْأَوْلَوِيَّة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: عَن عَبدة عَن سُفْيَان عَن قَتَادَة عَن سعيد أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يقْضِي رَمَضَان فِي الْعشْر، وَقَالَ بَعضهم: عقيب ذكر الإثر الْمَذْكُور عَن سعيد، وَصله ابْن أبي شيبَة عَنهُ نَحوه، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، ثمَّ ذكره نَحْو مَا ذكرنَا، وَلَيْسَ الَّذِي ذكره ابْن أبي شيبَة عَنهُ أصلا نَحْو الَّذِي ذكره البُخَارِيّ عَنهُ، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: إِذا فَرَّطَ حَتَّى جاءَ رَمَضانٌ آخرُ يَصُومُهُمَا ولَم يَرَ عَلَيْهِ طَعَاما
إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ. قَوْله: (إِذا فرط) من التَّفْرِيط، وَهُوَ التَّقْصِير، يَعْنِي: إِذا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاء رَمَضَان وَلم يقضه حَتَّى جَاءَ رَمَضَان ثَان فَعَلَيهِ أَن يصومهما، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فديَة. قَوْله: (حَتَّى جَاءَ) ، من الْمَجِيء، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى جَازَ) ، بزاي فِي آخِره من الْجَوَاز، ويروى: (حَتَّى حَان) ، بحاء مُهْملَة وَنون: من الْحِين، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق يُونُس عَن الْحسن، وَمن طَرِيق الْحَارِث العكلي عَن إِبْرَاهِيم قَالَا: إِذا تتَابع عَلَيْهِ رمضانان صامهما، فَإِن صَحَّ بَينهمَا فَلم يقضِ الأول فبئس مَا صنع، فليستغفر الله، وليصم.
ويُذْكَرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ مُرْسلاً. وعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ يُطْعِم ولَمْ يَذْكُر الله الإطْعَامَ إنَّمَا قَالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) .
أَشَارَ بِصِيغَة التمريض إِلَى أَن الَّذِي روى عَن أبي هُرَيْرَة حَال كَونه مُرْسلا فِيمَن مرض وَلم يصم رَمَضَان، ثمَّ صَحَّ فَلم يقضه حَتَّى جَاءَ رَمَضَان آخر، فَإِنَّهُ يطعم بعد الصَّوْم عَن رمضانين. وَأخرجه عبد الرَّزَّاق مَوْصُولا عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أَي إِنْسَان مرض رَمَضَان ثمَّ صَحَّ فَلم يقضه حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر فليصم الَّذِي حدث، ثمَّ يقْضِي الآخر، وَيطْعم من كل يَوْم مِسْكينا. قلت لعطاء: كم بلغك يطعم؟ قَالَ: مدا، زَعَمُوا، وَأخرجه عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن معمر عَن أبي إِسْحَاق عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه، وَقَالَ فِيهِ: (وَأطْعم عَن كل يَوْم نصف صَاع من قَمح) . وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا من طَرِيق مُجَاهِد (عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، ﷺ ، فِي رجل أفطر فِي شهر رَمَضَان، ثمَّ صَحَّ وَلم يصم حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر، قَالَ: يَصُوم الَّذِي أدْركهُ ثمَّ يَصُوم الشَّهْر الَّذِي أفطر فَهِيَ وَيطْعم مَكَان كل يَوْم مِسْكينا) . وَفِي إِسْنَاده إِبْرَاهِيم بن نَافِع وَعمر بن مُوسَى بن وجبة، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هما ضعيفان. وَقد ذكر البرديجي أَن مُجَاهدًا لم يسمع من أبي هُرَيْرَة، فَلهَذَا سَمَّاهُ البُخَارِيّ مُرْسلا.
قَوْله: (وَابْن عَبَّاس) ، أَي: ويروى أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس أَنه يطعم، وَوَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم، وَالدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة كِلَاهُمَا عَن يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (من فرط فِي صِيَام شهر رَمَضَان حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر فليصم هَذَا الَّذِي أدْركهُ ثمَّ ليصم مَا فَاتَهُ وَيطْعم مَعَ كل يَوْم مِسْكينا) . قيل: عطف ابْن عَبَّاس على أبي هُرَيْرَة يَقْتَضِي أَن يكون الْمَذْكُور عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا مُرْسلا، وَأجِيب بِالْخِلَافِ فِي أَن الْقَيْد فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ هَل هُوَ قيد فِي الْمَعْطُوف أم لَا؟ فَقيل: لَيْسَ بِقَيْد، وَالأَصَح اشتراكهما، وَكَذَلِكَ الأصوليون اخْتلفُوا فِي أَن عطف الْمُطلق على الْمُقَيد هَل هُوَ مُقَيّد للمطلق أم لَا؟ قَوْله: (وَلم يذكر الله الْإِطْعَام) إِلَى آخِره، من كَلَام البُخَارِيّ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن النَّص سَاكِت عَن الْإِطْعَام، وَهُوَ الْفِدْيَة لتأخير الْقَضَاء. وَظن بَعضهم أَنه بَقِيَّة كَلَام إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَهُوَ وهم، فَإِنَّهُ مفصول من كَلَامه بأثر أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس، ثمَّ إِن البُخَارِيّ اسْتدلَّ فِيمَا قَالَه بقوله تَعَالَى: ﴿فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . وَلَا يتم استدلاله بذلك لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم ذكره فِي الْكتاب أَن لَا يثبت بِالسنةِ، فقد جَاءَ عَن
стр. 3163
جمَاعَة من الصَّحَابَة الْإِطْعَام مِنْهُم: أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس، كَمَا ذكر، وَمِنْهُم عمر بن الْخطاب ذكره عبد الرَّزَّاق، وَنقل الطَّحَاوِيّ عَن يحيى بن أَكْثَم، قَالَ: وجدته عَن سِتَّة من الصَّحَابَة لَا أعلم لَهُم فِيهِ مُخَالفا، انْتهى، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَخَالف فِي ذَلِك إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَمَال الطَّحَاوِيّ إِلَى قَول الْجُمْهُور فِي ذَلِك، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وروينا عَن ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة فِي الَّذِي لم يصم حَتَّى أدْرك رَمَضَان يطعم، وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَعَن الْحسن وطاووس وَالنَّخَعِيّ يقْضِي وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ.
٠٥٩١ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى عنْ أبِي سلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تقُولُ كانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضانَ فَما أسْتَطِيعُ أَن أقْضيَ الآنَ إلَاّ فِي شَعْبَانَ قَالَ يحْيَى الشُّغْلُ مِنَ النبيِّ أوْ بالنَّبِيِّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُفَسر الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة، لِأَن التَّرْجَمَة: مَتى يقْضِي قَضَاء رَمَضَان، والْحَدِيث يدل على أَنه يقْضِي فِي أَي وَقت كَانَ، غير أَنه إِذا أَخّرهُ حَتَّى دخل رَمَضَان ثَان يجب عَلَيْهِ الْفِدْيَة عِنْد الشَّافِعِي، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ مستقصىً، وَعند أَصْحَابنَا: لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء غير الْقَضَاء لإِطْلَاق النَّص.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن يُونُس، وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس أَبُو عبد الله التبروعي التَّمِيمِي. الثَّانِي: زُهَيْر بن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَة الْجعْفِيّ. الثَّالِث: يحيى، قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : اخْتلف فِي يحيى هَذَا، فَزعم الضياء الْمَقْدِسِي أَنه يحيى الْقطَّان، وَقَالَ ابْن التِّين: قيل: إِنَّه يحيى ابْن أبي كثير. قلت: وَبِه قَالَ الْكرْمَانِي وَجزم بِهِ، وَالصَّحِيح أَنه: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، نَص عَلَيْهِ الْحَافِظ الْمزي عِنْد ذكر هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم مُنْكرا على الْكرْمَانِي وَابْن التِّين فِي قَوْلهمَا، إِنَّه يحيى بن أبي كثير، قَالَ: وغفل الْكرْمَانِي عَمَّا أخرجه مُسلم عَن أَحْمد بن يُونُس شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، فَقَالَ فِي نفس السَّنَد: عَن يحيى بن سعيد. قلت: هُوَ أَيْضا غفل عَن إِيضَاح مَا قَالَه، لِأَن الْمَذْكُور فِي حَدِيث مُسلم يحيى بن سعيد، وَلقَائِل أَن يَقُول: يحْتَمل أَن يكون يحيى هَذَا هُوَ يحيى بن سعيد الْقطَّان، كَمَا قَالَه الضياء، وَلَو قَالَ مثل مَا قُلْنَا لَكَانَ أوضح وأصوب. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع وَفِيه: يحيى عَن أبي سَلمَة، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: من طَرِيق أبي خَالِد عَن يحيى بن سعيد سَمِعت أَبَا سَلمَة. وَفِيه: أَن شَيْخه وزهيرا كوفيان، وَأَن يحيى وَأَبا سَلمَة مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن أَحْمد بن يُونُس بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو عَن عَليّ عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن الْمُنْذر.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ يكون) ، د وَفِي (الْأَطْرَاف) للمزي: إِن (كَانَ يكون) وَفَائِدَة اجْتِمَاع كَانَ مَعَ يكون يذكر أَحدهمَا بِصِيغَة الْمَاضِي وَالْآخر بِصِيغَة الْمُسْتَقْبل تَحْقِيق الْقَضِيَّة وتعظيمها، وَتَقْدِيره: وَكَانَ الشَّأْن يكون كَذَا، وَأما تَغْيِير الأسلوب فلإرادة الِاسْتِمْرَار، وتكرر الْفِعْل. وَقيل: لَفْظَة يكون زَائِدَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(وجيران لنا كَانُوا كرام)
وَأما رِوَايَة: أَن كَانَ، فَإِن كلمة: أَن تكون مخفقة من المثقلة، قَوْله: (أَن أَقْْضِي) أَي: مَا فاتها من رَمَضَان. قَوْله: (قَالَ يحيى) ، أَي: يحيى الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور إِلَيْهِ فَهُوَ مَوْصُول. قَوْله: (الشعل من النَّبِي ﷺ مقول يحيى، وارتفاع: الشّغل، يجوز أَن يكون على أَنه فَاعل: فعل، مَحْذُوف تَقْدِيره: قَالَت يَمْنعنِي الشّغل، وَيجوز إِن يكون مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، أَي: قَالَ يحيى الشّغل هُوَ الْمَانِع لَهَا، وَالْمرَاد من الشّغل أَنَّهَا كَانَت مهيئة نَفسهَا لرَسُول الله ﷺ ، مترصدة لاستمتاعه فِي جَمِيع أَوْقَاتهَا إِن أَرَادَ ذَلِك، وَأما فِي شعْبَان فإنَّهُ ﷺ كَانَ يَصُومهُ فتتفرغ عَائِشَة (لقَضَاء صَومهَا) .
قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: شغل مِنْهُ، بِمَعْنى: فرغ عَنهُ، وَهُوَ عكس الْمَقْصُود، إِذْ الْفَرْض أَن الِاشْتِغَال برَسُول الله ﷺ هُوَ الْمَانِع من الْقَضَاء لَا الْفَرَاغ مِنْهُ؟ قلت:
стр. 3164
المُرَاد الشّغل الْحَاصِل من جِهَة رَسُول الله ﷺ ، وَلم يَقع فِي رِوَايَة مُسلم عَن أَحْمد عَن يُونُس شيخ البُخَارِيّ قَالَ يحيى: الشّغل إِلَى آخِره، وَوَقع فِي رِوَايَته عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، قَالَ يحيى بن سعيد بِهَذَا الْإِسْنَاد، غير أَنه قَالَ: وَذَلِكَ لمَكَان رَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة عَن مُحَمَّد بن رَافع، قَالَ: فَظَنَنْت أَن ذَلِك لمكانها من رَسُول الله ﷺ ، يحيى يَقُوله، وَفِي رِوَايَته عَن عَمْرو النَّاقِد لم يذكر فِي الحَدِيث الشّغل برَسُول الله ﷺ ، وَرِوَايَته عَن يُونُس بِدُونِ ذكر يحيى، يدل على أَن قَوْله: الشّغل من رَسُول الله أَو برَسُول الله ﷺ من كَلَام عَائِشَة، أَو من كَلَام من روى عَنْهَا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق مَالك وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق يحيى الْقطَّان بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة مُسلم فِي رِوَايَته عَن عَمْرو النَّاقِد كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ بَعضهم: وَأخرجه مُسلم من طَرِيق مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن أبي سَلمَة بِدُونِ الزِّيَادَة، لَكِن فِيهِ مَا يشْعر بهَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: فَمَا أَسْتَطِيع قضاءها مَعَ رَسُول الله ﷺ . انْتهى. قلت: لَيْسَ متن حَدِيث هَذَا الطَّرِيق مثل الَّذِي ذكره، وَإِنَّمَا قَالَ مُسلم: حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي عمر الْمَكِّيّ، قَالَ: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي عَن يزِيد بن عبد الله بن الْهَاد عَن مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: إِن كَانَت إحدانا لتفطر فِي زمَان رَسُول الله ﷺ ، فَمَا تَسْتَطِيع أَن تقضيه مَعَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى يَأْتِي شعْبَان. وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة من طَرِيق عبد الله الْبَهِي عَن عَائِشَة: مَا قضيت شَيْئا مِمَّا يكون عَليّ من رَمَضَان إلَاّ فِي شعْبَان، حَتَّى قبض رَسُول الله ﷺ . قيل: مِمَّا يدل على ضعف الزِّيَادَة أَنه، ﷺ ، كَانَ يقسم لنسائه فيعدل، وَكَانَ يدنو من الْمَرْأَة فِي غير نوبتها فيقبِّل ويلمس من غير جماع، فَلَيْسَ فِي شغلها بِشَيْء من ذَلِك مِمَّا يمْنَع الصَّوْم، أللهم إلَاّ أَن يُقَال: كَانَت لَا تَصُوم إلَاّ بِإِذْنِهِ وَلم يكن يَأْذَن لاحْتِمَال حَاجته إِلَيْهَا، فَإِذا ضَاقَ الْوَقْت أذن لَهَا. وَكَانَ، ﷺ ، يكثر الصَّوْم فِي شعْبَان، فَلذَلِك كَانَت لَا يتهيأ لَهَا الْقَضَاء إلَاّ فِي شعْبَان. قلت: وَكَانَت كل وَاحِدَة من نِسَائِهِ، ﷺ ، مهيئة نَفسهَا لرَسُول الله، ﷺ ، لاستمتاعه من جَمِيع أوقاته إِن أَرَادَ ذَلِك، وَلَا تَدْرِي مَتى يُريدهُ، وَلَا تستأذنه فِي الصَّوْم مَخَافَة أَن يَأْذَن وَقد يكون لَهُ حَاجَة فِيهَا فتفوتها عَلَيْهِ، وَهَذَا من عادتهن، وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَن الْمَرْأَة يحرم عَلَيْهَا صَوْم التَّطَوُّع وبعلها حَاضر إلَاّ بِإِذْنِهِ، لحَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِي مُسلم: (وَلَا تَصُوم إلَاّ بِإِذْنِهِ) ، وَقَالَ الْبَاجِيّ: وَالظَّاهِر أَنه لَيْسَ للزَّوْج جبرها على تَأْخِير الْقَضَاء إِلَى شعْبَان، بِخِلَاف صَوْم التَّطَوُّع، وَنقل الْقُرْطُبِيّ عَن بعض أشياخه، أَن لَهَا أَن تقضي بِغَيْر إِذْنه لِأَنَّهُ وَاجِب، وَيحمل الحَدِيث على التَّطَوُّع.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث: أَن الْقَضَاء موسع، وَيصير فِي شعْبَان مضيقا، وَيُؤْخَذ من حرصها على الْقَضَاء فِي شعْبَان أَنه لَا يجوز تَأْخِير الْقَضَاء حَتَّى يدْخل رَمَضَان، فَإِن دخل فالقضاء وَاجِب أَيْضا، فَلَا يسْقط. وَأما الْإِطْعَام فَلَيْسَ فِي الحَدِيث لَهُ ذكر، لَا بِالنَّفْيِ وَلَا بالإثبات، وَقد تقدم بَيَان الْخلاف فِيهِ. وَفِيه: أَن حق الزَّوْج من الْعشْرَة والخدمة يقدم على سَائِر الْحُقُوق مَا لم يكن فرضا محصورا فِي الْوَقْت، وَقيل: قَول عَائِشَة: فَمَا أَسْتَطِيع أَن أقضيه إلَاّ فِي شعْبَان، يدل على أَنَّهَا كَانَت لَا تتطوع بِشَيْء من الصّيام، لَا فِي عشر ذِي الْحجَّة، وَلَا فِي عَاشُورَاء وَلَا فِي غَيرهمَا، وَهُوَ مَبْنِيّ على أَنَّهَا مَا كَانَت ترى جَوَاز صِيَام التَّطَوُّع لمن عَلَيْهِ دين من رَمَضَان، وَلَكِن من أَيْن ذَلِك لمن يَقُول بِهِ، والْحَدِيث سَاكِت عَن هَذَا؟
١٤ - (بابُ الحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ والصَّلاةَ)
أَي: هَذَا بَاب تذكر فِيهِ: الْحَائِض تتْرك الصَّوْم وَالصَّلَاة، إِنَّمَا قَالَ: تتْرك للْإِشَارَة إِلَى أَنه مُمكن حسا وَلكنهَا تتركهما اخْتِيَارا لمنع الشَّرْع لَهَا من مباشرتهما.
وَقَالَ أبُو الزِّنادِ: إنَّ السُّنُنَ وَوُجُوه الحَقِّ لَتَأتِي كَثيرا عَلَى خِلافِ الرَّأيِ فَمَا يَجِدُ المُسْلِمُونَ بُدّا مِنِ اتِّبَاعِهَا مِنْ ذلِكَ أنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ ولَا تَقْضِي الصَّلاةَ
أَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون: اسْمه عبد الله بن ذكْوَان الْقرشِي أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمدنِي، وَعَن ابْن معِين: ثِقَة حجَّة، وَعَن أَحْمد: كَانَ سُفْيَان يُسَمِّي أَبَا الزِّنَاد أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَهُوَ ابْن سِتّ وَسِتِّينَ سنة، وأبدله ابْن بطال
стр. 3165
بِأبي الدَّرْدَاء، يَعْنِي: قَائِل هَذَا الْكَلَام هُوَ أَبُو الدَّرْدَاء الصَّحَابِيّ، وَالْمَقْصُود مِنْهُ أَن الْأُمُور الشَّرْعِيَّة الَّتِي ترد على خلاف الْقيَاس وَلَا يعلم وَجه الْحِكْمَة فِيهَا يجب الِاتِّبَاع بهَا، ويكل الْأَمر فِيهَا إِلَى الشَّارِع، ويتعبد بهَا وَلَا يعْتَرض، وَلَا يَقُول: لم كَانَ كَذَا؟ ألَا ترى أَن فِي حَدِيث قَتَادَة، قَالَ: حَدَّثتنِي معَاذَة أَن امْرَأَة قَالَت لعَائِشَة: أتجزىء إحدانا صلَاتهَا، إِذا طهرت؟ قَالَت: أحرورية أَنْت؟ كُنَّا نحيض مَعَ النَّبِي ﷺ فَلَا يَأْمُرنَا بِهِ، أَو قَالَت: فَلَا نفعله، قد تقدم هَذَا فِي بَاب: لَا تقضي الْحَائِض الصَّلَاة فِي كتاب الْحيض، وَقَالَ بَعضهم: وَقد تقدم فِي كتاب الْحيض سُؤال معَاذَة عَن عَائِشَة عَن الْفرق الْمَذْكُور، وَأنْكرت عَلَيْهَا عَائِشَة السُّؤَال، وخشيت عَلَيْهَا أَن تكون تَلَقَّتْهُ من الْخَوَارِج الَّذين جرت عَادَتهم باعتراض السّنَن بآرائهم، وَلم تزدها على الْحِوَالَة على النَّص، فَكَأَنَّهَا قَالَت لَهَا: دعِي السُّؤَال عَن الْعلَّة إِلَى مَا هُوَ أهم من مَعْرفَتهَا، وَهُوَ الانقياد إِلَى الشَّارِع انْتهى. قلت: قد غلط هَذَا الْقَائِل فِي قَوْله: سُؤال معَاذَة عَن عَائِشَة عَن الْفرق إِلَى آخِره، وَلم يكن السُّؤَال من معَاذَة، وَإِنَّمَا معَاذَة حدثت أَن امْرَأَة قَالَت لعَائِشَة: فَهَذِهِ هِيَ السائلة دون معَاذَة، وَالسُّؤَال وَالْجَوَاب إِنَّمَا كَانَا بَين تِلْكَ الْمَرْأَة وَعَائِشَة، وَلم تكن بَين معَاذَة وَعَائِشَة على مَا لَا يخفى.
قَوْله: (ووجوه الْحق) أَي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة، وَاللَّام فِي قَوْله: لتأتي، مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد. قَوْله: (على خلاف الرَّأْي) أَي: الْعقل وَالْقِيَاس. قَوْله: (فَمَا يجد الْمُسلمُونَ بدا) أَي: افتراقا وامتناعا من اتباعها. قَوْله: (من ذَلِك) أَي: من جملَة مَا هُوَ أَتَى بِخِلَاف الرَّأْي، قَضَاء الصَّوْم وَالصَّلَاة، فَإِن مُقْتَضَاهُ أَن يكون قضاؤهما متساويين فِي الحكم، لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا عبَادَة تركت لعذر، لَكِن قَضَاء الصَّوْم وَاجِب.
وَالْحَاصِل من كَلَامه أَن الْأُمُور الشَّرْعِيَّة الَّتِي تَأتي على خلاف الرَّأْي وَالْقِيَاس لَا يطْلب فِيهَا وَجه الْحِكْمَة، بل يتعبد بهَا، ويوكل أمرهَا إِلَى الله تَعَالَى، لِأَن أَفعَال الله تَعَالَى لَا تَخْلُو عَن حِكْمَة، وَلَكِن غالبها تخفى على النَّاس وَلَا تدركها الْعُقُول، وَمن جملَة مَا قَالُوا فِي الْفرق بَين الصَّوْم وَالصَّلَاة على أَنْوَاع. مِنْهَا: مَا قَالَ الْفُقَهَاء: الْفرق بَينهمَا أَن الصَّوْم لَا يَقع فِي السّنة إلَاّ مرّة وَاحِدَة فَلَا حرج فِي قَضَائِهِ، بِخِلَاف الصَّلَاة، فَإِنَّهَا متكررة كل يَوْم فَفِي قَضَائهَا حرج عَظِيم. وَمِنْهَا: مَا قَالُوا: إِن الْحَائِض لَا تضعف عَن الصّيام فَأمرت بِإِعَادَة الصّيام عملا بقوله: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨١) . والنزف مرض بِخِلَاف الصَّلَاة فَإِنَّهَا أَكثر الْفَرَائِض تردادا، وَهِي الَّتِي حطها الله تَعَالَى فِي أصل الْفَرْض من خمسين إِلَى خمس، فَلَو أمرت بإعادتها لتضاعف عَلَيْهَا الْفَرْض. وَمِنْهَا: مَا قَالُوا: إِن الله تَعَالَى وصف الصَّلَاة بِأَنَّهَا كَبِيرَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهَا لكبيرة﴾ (الْبَقَرَة: ٤٥) . فَلَو أمرت بإعادتها لكَانَتْ كَبِيرَة على كَبِيرَة، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: إِن الْمَنْع فِي ذَلِك النَّص، وَإِن كل شَيْء ذَكرُوهُ من الْفرق ضَعِيف، وَزعم الْمُهلب أَن السَّبَب فِي منع الْحَائِض من الصَّوْم أَن خُرُوج الدَّم يحدص ضعفا فِي النَّفس غَالِبا، فَاسْتعْمل هَذَا الْغَالِب فِي جَمِيع الْأَحْوَال، فَلَمَّا كَانَ الضعْف يُبِيح الْفطر وَيُوجب الْقَضَاء كَانَ كَذَلِك الْحيض، وَفِيه نظر، لِأَن الْمَرِيض لَو تحامل فصَام صَحَّ صَوْمه، بِخِلَاف الْحَائِض، فَإِن الْمُسْتَحَاضَة فِي نزف الدَّم أَشد من الْحَائِض، وَقد أُبِيح لَهَا الصَّوْم.
٩٥٩١ - حدَّثنا ابنُ أبي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثني زَيْدٌ عنْ عِيَاضٍ عنْ أبِي سَعَيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ ألَيْسَ إذَا حاضَتْ لَمْ تُصَلِّ ولَمْ تَصُمْ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِذا حَاضَت لم تصل وَلم تصم) ، والترجمة فِي ترك الصَّوْم وَالصَّلَاة، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب ترك الْحَائِض الصَّوْم، فِي كتاب الْحيض، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَاد مطولا، وَذكره هُنَا مقصرا على قَوْله: (أَلَيْسَ إِذا حَاضَت لم تصل؟) إِلَى آخِره، وَزيد هُوَ ابْن أسلم، وعياض ابْن عبد الله، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.
٢٤ - (بابُ منْ ماتَ وَعلَيْهِ صَوْمٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشَّخْص الَّذِي مَاتَ، وَالْحَال أَن عَلَيْهِ صوما وَلم يعين الحكم لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ. على مَا يَجِيء بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَيجوز أَن تكون: من، شَرْطِيَّة، وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: يجوز قَضَاؤُهُ عَنهُ عِنْد من يجوز ذَلِك من الْفُقَهَاء على مَا يَجِيء.
стр. 3166
وَقَالَ الحَسَنُ إنْ صَامَ عَنْهُ ثَلاثُونَ رَجُلاٍ يَوْما واحِدا أجازَ
هَذَا الْأَثر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ مِمَّا يبين مُرَاده من التَّرْجَمَة المبهمة، وَوجه مطابقته لَهَا أَيْضا، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب المذبح من طَرِيق عبد الله بن الْمُبَارك عَن سعيد بن عَامر وَهُوَ الضبعِي، وَعَن أَشْعَث عَن الْحسن فِيمَن مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَجمع لَهُ ثَلَاثُونَ رجلا فصاموا عَنهُ يَوْمًا وَاحِدًا أَجْزَأَ عَنهُ. قَوْله: (إِن صَامَ عَنهُ) ، أَي: عَن الْمَيِّت، والقرينة تدل عَلَيْهِ. قَوْله: (يَوْمًا وَاحِدًا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فِي يَوْم وَاحِد) ، جَازَ أَن يَقع قَضَاء صَوْم رَمَضَان كُله فِي الْيَوْم الْوَاحِد للْمَيت الَّذِي فَاتَ عَنهُ ذَلِك. قَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : هَذِه الْمَسْأَلَة لم أر فِيهَا نقلا فِي الْمَذْهَب، وَقِيَاس الْمَذْهَب الْإِجْزَاء، وَفِي التَّوْضِيح أثر الْحسن غَرِيب وَهُوَ فرع لَيْسَ فِي مَذْهَبنَا، وَهُوَ الظَّاهِر، كَمَا لَو اسْتَأْجر عَنهُ بعد مَوته من يحجّ عَنهُ من فرض استطاعته، وَآخر يحجّ عَنهُ عَن قَضَائِهِ، وَآخر عَن نَذره فِي سنة وَاحِدَة فَإِنَّهُ يجوز.
٢٥٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ خالِدٍ قَالَ حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُوسَى بنِ أعْيَنَ قَالَ حدَّثنا أبِي عنْ عَمْرِو ابنِ الحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ منْ ماتَ وعَلَيْهِ صِيَامٌ صامَ عَنْهُ ولِيُّهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين الْإِبْهَام الَّذِي فِيهَا.
ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: مُحَمَّد بن خَالِد، اخْتلف فِيهِ فَذكر أَبُو عَليّ الجياني أَن أَبَا نصر وَالْحَاكِم قَالَا: هُوَ الذهلي نِسْبَة إِلَى جده، فَإِنَّهُ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد، وَقَالَ ابْن عدي: فِي شُيُوخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن خَالِد بن جبلة الرَّافِعِيّ. وَقَالَ ابْن عَسَاكِر: قيل: إِن البُخَارِيّ روى عَنهُ، وَقَالَ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : رَوَاهُ يَعْنِي: البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن خَالِد بن خلي عَن مُحَمَّد بن مُوسَى بن أعين، وَكَأَنَّهُ مُنْفَرد بِهَذَا القَوْل، وَجزم الجوزقي بِأَنَّهُ الذهلي، فَإِنَّهُ أخرجه عَن أبي حَامِد بن الشرفي عَنهُ. وَقَالَ: أخرجه البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن يحيى، وَبِذَلِك جزم الكلاباذي، وَوَافَقَهُ الْمزي وَهُوَ الرَّاجِح، وعَلى هَذَا فقد نسبه البُخَارِيّ هُنَا إِلَى جد أَبِيه لِأَنَّهُ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن خلي على وزن عَليّ. الثَّانِي: مُحَمَّد بن مُوسَى بن أعين أَبُو يحيى الْجَزرِي. الثَّالِث: أَبوهُ مُوسَى بن أعين الْجَزرِي أَبُو سعيد، مَاتَ سنة خمس، وَقيل: سبع وَتِسْعين وَمِائَة. الرَّابِع: عَمْرو بن الْحَارِث بن يَعْقُوب الْأنْصَارِيّ أَبُو أُميَّة الْمُؤَدب. الْخَامِس: عبيد الله بن أبي جَعْفَر يسَار الْأمَوِي الْقرشِي. السَّادِس: مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير بن الْعَوام. السَّابِع: عُرْوَة بن الزبير. الثَّامِن: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَهَذَا الحَدِيث من ثمانيات البُخَارِيّ، وَمثل هَذَا قَلِيل فِي الْكتاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وَفِيه: نِسْبَة الرَّاوِي إِلَى جده. وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن عَمه وَهُوَ مُحَمَّد ابْن جَعْفَر يروي عَن عَمه عُرْوَة. وَفِيه: أَن شَيْخه نيسابوري وَمُحَمّد بن مُوسَى وَأَبوهُ حرانيان وَعَمْرو بن الْحَارِث وَعبيد الله بن جَعْفَر مصريان، وَمُحَمّد بن جَعْفَر وَعُرْوَة مدنيان.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي، وَعَن أَحْمد بن عِيسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن صَالح عَن ابْن وهب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن عُثْمَان النُّفَيْلِي وَإِسْمَاعِيل بن يَعْقُوب الحرانيين.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من مَاتَ) ، أَي: من الْمُكَلّفين بِقَرِينَة قَوْله: (وَعَلِيهِ صِيَام) ، لِأَن كلمة: على، للإيحاب وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (صَامَ عَنهُ) ، أَي: عَن الْمَيِّت وليُّه، وَاخْتلف المجيزون الصَّوْم عَن الْمَيِّت فِي المُرَاد بالولي، فَقيل: كل قريب، وَقيل: الْوَارِث خَاصَّة، وَقيل: عصبته، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الصَّحِيح أَن المُرَاد بِهِ الْقَرِيب، سَوَاء كَانَ عصبَة أَو وَارِثا أَو غَيرهمَا. انْتهى. وَلَو صَامَ عَنهُ أَجْنَبِي. قَالَ فِي (شرح الْمُهَذّب) : إِن كَانَ بِإِذن الْوَلِيّ صَحَّ وإلَاّ فَلَا، وَلَا يجب على الْوَلِيّ الصَّوْم عَنهُ، بل يسْتَحبّ. وَأطلق
стр. 3167
ابْن حزم النَّقْل عَن اللَّيْث بن سعد وَأبي ثَوْر وَدَاوُد أَنه فرض على أوليائه، هم أَو بَعضهم، وَبِه صرح القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ فِي تَعْلِيقه بِأَن المُرَاد مِنْهُ الْوُجُوب، وَجزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) من غير أَن يعزوه إِلَى أحد، وَزَاد فِي (شرح الْمُهَذّب) فَقَالَ: إِنَّه بِلَا خلاف. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: هَذَا عَجِيب مِنْهُ، ثمَّ قَالَ: وَحكى النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) عَن أحد قولي الشَّافِعِي: إِنَّه يسْتَحبّ لوَلِيِّه أَن يَصُوم عَنهُ، ثمَّ قَالَ: وَلَا يجب عَلَيْهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث فأجازوا الصّيام عَن الْمَيِّت، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم، وَأَبُو ثَوْر وطاووس وَالْحسن وَالزهْرِيّ وَقَتَادَة وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَاللَّيْث بن سعد وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ وَابْن حزم، سَوَاء كَانَ عَن صِيَام رَمَضَان أَو عَن كَفَّارَة أَو عَن نذر، وَرجح الْبَيْهَقِيّ وَالنَّوَوِيّ القَوْل الْقَدِيم للشَّافِعِيّ لصِحَّة الْأَحَادِيث فِيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ، ﵀ فِي (شرح مُسلم) : إِنَّه الصَّحِيح الْمُخْتَار الَّذِي نعتقده، وَهُوَ الَّذِي صَححهُ محققو أَصْحَابه الجامعيين بَين الْفِقْه والْحَدِيث لقُوَّة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة، وَنقل الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) : من كَانَ عَلَيْهِ صَوْم فَلم يقضه مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ صَامَ عَنهُ وليه أَو أطْعم عَنهُ على قَوْله فِي الْقَدِيم، وَهَذَا ظَاهر أَن الْقَدِيم تَخْيِير الْوَلِيّ بَين الصّيام وَالْإِطْعَام، وَبِه صرح النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) قلت: لَيْسَ القَوْل الْقَدِيم مذهبا لَهُ فَإِنَّهُ غسل كتبه الْقَدِيمَة وَأشْهد على نَفسه بِالرُّجُوعِ عَنْهَا، هَكَذَا نقل ذَلِك عَنهُ أَصْحَابه.
ثمَّ إعلم أَن فِي هَذَا الْبَاب اخْتِلَافا كثيرا وأقوالاً. الأول: مَا ذَكرْنَاهُ الْآن. وَالثَّانِي: هُوَ أَن يطعم الْوَلِيّ عَن الْمَيِّت كل يَوْم مِسْكينا مدا من قَمح، وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الْحَدِيد، وَأَنه لَا يَصُوم أحد عَن أحد، وَإِنَّمَا يطعم عَنهُ عِنْد مَالك إِذا أوصى بِهِ. وَالثَّالِث: يطعم عَنهُ كل يَوْم نصف صَاع، روى ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ. وَالرَّابِع: يطعم عَنهُ عَن كل يَوْم صَاعا من غير الْبر، وَنصف صَاع من الْبر، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَهَذَا إِذا أوصى بِهِ، فَإِن لم يوصِ فَلَا يطعم عَنهُ. الْخَامِس: التَّفْرِقَة بَين صَوْم رَمَضَان وَبَين صَوْم النّذر، فيصوم عَنهُ وليه مَا عَلَيْهِ من نذر. وَيطْعم عَنهُ عَن كل يَوْم من رَمَضَان مدا، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق، وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ عَن أبي عبيد أَيْضا. وَالسَّادِس: أَنه لَا يَصُوم عَنهُ الْأَوْلِيَاء إلَاّ إِذا لم يَجدوا مَا يطعم عَنهُ، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَالْأَوْزَاعِيّ.
وَحجَّة أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة، وَمن تَبِعَهُمْ فِي هَذَا الْبَاب، فِي أَن: من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام لَا يَصُوم عَنهُ أحد، وَلكنه إِن أوصى بِهِ أطْعم عَنهُ وليه كل يَوْم مِسْكين نصف صَاع من بر أَو صَاعا من تمر أَو شعير، مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ (عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا يُصَلِّي أحد عَن أحد، وَلَكِن يطعم عَنهُ) . وَعَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم شهر فليطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مِسْكين) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي (شرح الْمُوَطَّأ) إِسْنَاده حسن. قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا عَبْثَر بن الْقَاسِم عَن أَشْعَث عَن مُحَمَّد عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ: (لَا نعرفه مَرْفُوعا إلَاّ من هَذَا الْوَجْه، وَالصَّحِيح عَن ابْن عمر مَوْقُوف، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن قُتَيْبَة، إلَاّ أَنه قَالَ: عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن نَافِع، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: وَهُوَ وهم، وَقَالَ شَيخنَا: وَقد شكّ عَبْثَر فِي مُحَمَّد هَذَا فَلم يعرف من هُوَ، كَمَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة الْوَلِيد بن شُجَاع عَن عَبْثَر بن أبي زبيد عَن الْأَشْعَث عَن مُحَمَّد، لَا يدْرِي أَبُو زبيد عَن مُحَمَّد، فَذكر الحَدِيث، ثمَّ قَالَ ابْن عدي بعده، وَمُحَمّد هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث لَا أعلمهُ يرويهِ عَن أَشْعَث غير عَبْثَر، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة يزِيد بن هَارُون عَن شريك عَن مُحَمَّد بن عبد الْوَارِث بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن نَافِع (عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ فِي الَّذِي يَمُوت وَعَلِيهِ رَمَضَان وَلم يقضه، قَالَ: يطعم عَنهُ لكل يَوْم نصف صَاع من بر، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا خطأ من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: رَفعه الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَإِنَّمَا هُوَ من قَول ابْن عمر. وَالْآخر: قَوْله: نصف صَاع، وَإِنَّمَا قَالَ: مدا من حِنْطَة، وَضَعفه عبد الْحق فِي أَحْكَامه بأشعث وَابْن أبي ليلى.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (علله) : الْمَحْفُوظ مَوْقُوف، هَكَذَا رَوَاهُ عبد الْوَهَّاب بن بخت عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) ؛ لَا يَصح هَذَا الحَدِيث، فَإِن مُحَمَّد بن أبي ليلى كثير الْوَهم، وَرَوَاهُ أَصْحَاب نَافِع عَن نَافِع عَن ابْن عمر. قَوْله: قلت: رفع هَذَا الحَدِيث قُتَيْبَة فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن عَبْثَر
стр. 3168
ابْن الْقَاسِم، قَالَ أَحْمد: صَدُوق ثِقَة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: ثِقَة ثِقَة، وروى لَهُ الْجَمَاعَة. وَهُوَ يروي عَن الْأَشْعَث وَهُوَ ابْن سوار الْكِنْدِيّ الْكُوفِي، نَص عَلَيْهِ الْمزي، وَثَّقَهُ يحيى فِي رِوَايَته، وروى لَهُ مُسلم فِي المتابعات، وَالْأَرْبَعَة وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ الْعجلِيّ: كَانَ فَقِيها صَاحب سنة صَدُوقًا جَائِز الحَدِيث، وروى لَهُ الْأَرْبَعَة، فَمثل هَؤُلَاءِ إِذا رفعوا الحَدِيث لَا يُنكر عَلَيْهِم. لِأَن مَعَهم زِيَادَة علم، مَعَ أَن الْقُرْطُبِيّ حسن إِسْنَاده.
وَأما قَول الْبَيْهَقِيّ: هَذَا خطأ، فمجرد حط وَدَعوى من غير بَيَان وَجه ذَلِك، على أَن ابْن سِيرِين قد تَابع ابْن أبي ليلى على رَفعه، فلقائل أَن يمْنَع الْوَقْف. وَأما الْجَواب عَن حَدِيث الْبَاب فقد قَالَ مهنىء: سَأَلت أَحْمد عَن حَدِيث عبيد الله بن أبي جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة مَرْفُوعا: (من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام؟) فَقَالَ أَبُو عبد الله: لَيْسَ بِمَحْفُوظ، وَهَذَا من قبل عبيد الله بن أبي جَعْفَر، وَهُوَ مُنكر الْأَحَادِيث، وَكَانَ فَقِيها، وَأما الحَدِيث فَلَيْسَ هُوَ فِيهِ بِذَاكَ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَأَيْت بعض أَصْحَابنَا ضعف حَدِيث عَائِشَة بِمَا رُوِيَ عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن امْرَأَة عَن عَائِشَة فِي امْرَأَة مَاتَت وَعَلَيْهَا الصَّوْم، قَالَت: يطعم عَنْهَا. قَالَ: وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: لَا تَصُومُوا عَن مَوْتَاكُم وأطعموا عَنْهُم، ثمَّ قَالَ: وَفِيهِمَا نظر، وَلم يزدْ عَلَيْهِ. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: (حَدثنَا روح بن الْفرج حَدثنَا يُوسُف بن عدي حَدثنَا عبيد بن حميد عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن قلت لعَائِشَة: إِن أُمِّي توفيت وَعَلَيْهَا صِيَام رَمَضَان، أيصلح أَن أَقْْضِي عَنْهَا؟ فَقَالَت: لَا، وَلَكِن تصدقي عَنْهَا مَكَان كل يَوْم على مِسْكين خير من صيامك) وَهَذَا سَنَد صَحِيح.
وَقد أحمعوا على أَنه لَا يُصَلِّي أحد عَن أحد، فَكَذَلِك الصَّوْم، لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا عبَادَة بدنية، وَقَالَ ابْن الْقصار: لما لم يجز الصَّوْم عَن الشَّيْخ ألهم فِي حَيَاته فَكَذَا بعد مماته، فَيرد مَا اخْتلف فِيهِ إِلَى مَا أجمع عَلَيْهِ، وَحكى ابْن الْقصار أَيْضا فِي (شرح البُخَارِيّ) عَن الْمُهلب أَنه قَالَ: لَو جَازَ أَن يَصُوم أحد عَن أحد فِي الصَّوْم لجَاز أَن يُصَلِّي النَّاس عَن النَّاس، فَلَو كَانَ ذَلِك سائغا لجَاز أَن يُؤمن رَسُول الله ﷺ عَن عَمه أبي طَالب لِحِرْصِهِ على إيمَانه، وَقد أَجمعت الْأمة على أَنه لَا يُؤمن أحد عَن أحد، وَلَا يُصَلِّي أحد عَن أحد، فَوَجَبَ أَن يرد مَا اخْتلف فِيهِ إِلَى مَا أجمع عَلَيْهِ. قلت: فِيهِ بعض غَضَاضَة وَترك محَاسِن الْأَدَب ومصادمة الْأَخْبَار الثَّابِتَة فِيهِ، وَالْأَحْسَن فِيهِ أَن يسْلك فِيهَا مَا سلكنا من الْوُجُوه الْمَذْكُورَة.
وَلنَا قَاعِدَة أُخْرَى فِي مثل هَذَا الْبَاب، وَهِي أَن الصَّحَابِيّ إِذا روى شَيْئا ثمَّ أفتى بِخِلَافِهِ فَالْعِبْرَة لما رَآهُ، وَقَالَ بَعضهم: الرَّاجِح أَن الْمُعْتَبر مَا رَوَاهُ لَا مَا رَآهُ، لاحْتِمَال أَن يُخَالف ذَلِك لاجتهاد مُسْتَنده فِيهِ لم يتَحَقَّق، وَلَا يلْزم من ذَلِك ضعف الحَدِيث عِنْده، وَإِذا تحققت صِحَة الحَدِيث لم يتْرك بِهِ الْمُحَقق للمظنون انْتهى. قلت: الِاحْتِمَال الَّذِي ذكره بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يَلِيق بجلالة قدر الصَّحَابِيّ أَن يُخَالف مَا رَوَاهُ من النَّبِي ﷺ لأجل اجْتِهَاده فِيهِ، وحاشى الصَّحَابِيّ أَن يجْتَهد عِنْد النَّص بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ مصادمة للنَّص، وَذَا لَا يُقَال فِي حق الصَّحَابِيّ، وَإِنَّمَا فتواه بِخِلَاف مَا رَوَاهُ إِنَّمَا يكون لظُهُور نسخ عِنْده، وَقَوله: ومستنده فِيهِ لم يتَحَقَّق، كَلَام واهٍ لِأَنَّهُ لَو لم يتَحَقَّق عِنْده مَا يُوجب ترك الْعَمَل بِهِ لما أفتى لخلافه، وإلَاّ يلْزم نِسْبَة الصَّحَابِيّ الْعدْل الموثوق إِلَى الْعَمَل بِخِلَاف مَا رَوَاهُ. وَقَوله: وَإِذا تحققت ... إِلَى آخِره، يسْتَلْزم الْعَمَل بالأحاديث الصَّحِيحَة المنسوخة الثَّابِت نسخهَا، وَلَا يلْزم الْعَمَل بِحَدِيث تحققت صِحَّته ونسخه حَدِيث آخر، وَقَوله: للمظنون، يَعْنِي لأجل المظنون، قُلْنَا: المظنون الَّذِي يسْتَند بِهِ هَذَا الْقَائِل هُوَ المظنون عِنْده لَا عِنْد الصَّحَابِيّ الَّذِي أفتى بِخِلَاف مَا روى، لِأَن حَاله يَقْتَضِي أَن لَا يتْرك الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ بِمُجَرَّد الظَّن وَالله أعلم.
تابَعَهُ ابنُ وَهْبٍ عنْ عَمْرٍ
وَأي: تَابع وَالِد مُحَمَّد بن مُوسَى عبد الله بن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا فَقَالَ مُسلم: حَدثنَا هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي وَأحمد بن عِيسَى قَالَا: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن الْحَارِث عَن عبيد الله بن أبي جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه) .
ورَوَاهُ يَحْيَى بنُ أيُّوبَ عنِ ابنِ أبِي جَعْفَرٍ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور يحيى بن أَيُّوب الغافقي الْمصْرِيّ أَبُو الْعَبَّاس عَن عبيد الله بن أبي جَعْفَر بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور، وَطَرِيق
стр. 3169
يحيى هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي عبد الله الْحَافِظ، وَأبي بكر بن الْحسن، وَأبي زَكَرِيَّا والسلمي، قَالُوا: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد ابْن يَعْقُوب، حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغاني، حَدثنَا عَمْرو بن الرّبيع بن طَارق أَنبأَنَا يحيى بن أَيُّوب عَن عبيد الله بن أبي جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن عُرْوَة ... الحَدِيث، وَأخرجه أَبُو عوَانَة وَالدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق عَمْرو بن الرّبيع عَن يحيى بن أَيُّوب، وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق سعيد بن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب، وَأَلْفَاظهمْ متوافقة، وَرَوَاهُ الْبَزَّار من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن عبيد الله بن أبي جَعْفَر، فَزَاد فِي آخر الْمَتْن: إِن شَاءَ.
٣٥٩١ - حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حدَّثنا مُعاوِيةُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حَدثنَا زَائِدَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ جاءَ رجُلٌ إلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أفأقْضِيهِ عَنْها قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ الله أحَقُّ أنْ يُقْضَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة حَدِيث عَائِشَة لَهَا.
ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى، كَانَ يُقَال لَهُ: صَاعِقَة، لجودة حفظه، مَاتَ سنة خمس خمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ، مر فِي أول إقبال الإِمَام على النَّاس. الثَّالِث: زَائِدَة بن قدامَة أَبُو الصَّلْت الثَّقَفِيّ الْبكْرِيّ. الرَّابِع: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الْخَامِس: مُسلم، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِسْلَام، البطين، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون: وَهُوَ مُسلم بن أبي عمرَان، وَيُقَال: ابْن عمرَان، يكنى أَبَا عبد الله. السَّادِس: سعيد بن جُبَير السَّابِع عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه وَمُعَاوِيَة بغداديان وَأَن زَائِدَة وَمن بعده كوفيون. وَفِيه: أَن مُعَاوِيَة من قدماء شُيُوخ البُخَارِيّ، حدث عَنهُ بِغَيْر وَاسِطَة فِي أَوَاخِر كتاب الْجُمُعَة، وَحدث عَنهُ هُنَا وَفِي الْجِهَاد وَفِي الصَّلَاة بِوَاسِطَة، وَكَانَ طلب مُعَاوِيَة هَذَا للْحَدِيث وَهُوَ كَبِير وإلَاّ فَلَو كَانَ طلبه على قدر سنه لَكَانَ من أَعلَى شيخ البُخَارِيّ، وَقد لَقِي البُخَارِيّ جمَاعَة من أَصْحَاب زَائِدَة الْمَذْكُور.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أَحْمد بن عمر الوكيعي، وَعَن أبي سعيد الْأَشَج، وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَابْن أبي خلف وَعبد بن حميد وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن مُسَدّد عَن يحيى بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّوْم عَن أبي سعيد الْأَشَج وَأبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْأَشَج بِإِسْنَاد مُسلم، وَعَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا وَعَن قُتَيْبَة وَعَن الْحسن بن مَنْصُور وَعَن عَمْرو بن يحيى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن الْأَشَج بِإِسْنَاد مُسلم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ رجل) ، لم يدر اسْمه، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة زَائِدَة عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير (عَن ابْن عَبَّاس: جَاءَ رجل) إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، وَزَاد مُسلم: (فَقَالَ: لَو كَانَ على أمك دين أَكنت قاضية عَنْهَا؟ فَقَالَ: نعم) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لمُسلم من رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس عَن الْأَعْمَش عَن سعيد ابْن جُبَير (عَن ابْن عَبَّاس: أَن امْرَأَة أَتَت النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَت: إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شهر) الحَدِيث وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لمُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عبيد الله بن عَمْرو الرقي عَن زيد بن أبي أنيسَة عَن الحكم عَن سعيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم نذر) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن الْأَشَج: حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن الْأَعْمَش عَن سَلمَة بن كهيل وَمُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير وَعَطَاء وَمُجاهد (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت: إِن أُخْتِي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، قَالَ: أَرَأَيْت لَو كَانَ على أختك دين أَكنت تقضيه؟ قَالَت: نعم. قَالَ: فَحق الله أَحَق أَن يُقضى. قَوْله: (إِن
стр. 3170
أُمِّي) خَالِد أَبُو خَالِد جَمِيع من رَوَاهُ فَقَالَ: (إِن أُخْتِي) كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَاخْتلف عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير فَقَالَ هشيم عَنهُ: ذَات قرَابَة لَهَا، وَقَالَ شُعْبَة عَنهُ: إِن أُخْتهَا، أخرجهُمَا أَحْمد. وَقَالَ حَمَّاد عَنهُ: ذَات قرَابَة لَهَا، إِمَّا أُخْتهَا وَإِمَّا ابْنَتهَا. قَوْله: (وَعَلَيْهَا شهر صَوْم) ، هَكَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة أبي جرير: (خَمْسَة عشر يَوْمًا) ، وَفِي رِوَايَة أبي خَالِد: (شَهْرَيْن مُتَتَابعين) ، وَرِوَايَته هَذِه تَقْتَضِي أَن لَا يكون الَّذِي عَلَيْهَا صَوْم شهر رَمَضَان بِخِلَاف رِوَايَة غَيره، فَإِنَّهَا مُحْتَملَة إلَاّ رِوَايَة زيد بن أبي أنيسَة، فَقَالَ: (إِن عَلَيْهَا صَوْم نذر) ، وَهَذَا ظَاهر فِي أَنه غير رَمَضَان. وَبَين أَبُو بشر فِي رِوَايَته سَبَب النّذر، فروى أَحْمد من طَرِيق شُعْبَة لَا (عَن أبي بشر أَن امْرَأَة ركبت الْبَحْر فنذرت أَن تَصُوم شهرا، فَمَاتَتْ قبل أَن تَصُوم فَأَتَت أُخْتهَا إِلَى النَّبِي ﷺ الحَدِيث. قَوْله: (أفأقاضيه؟) الْهمزَة للاستفهام. قَوْله: (فدين الله) ، تَقْدِير الْكَلَام: حق العَبْد يُقضى فَحق الله أَحَق، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى هَكَذَا: (فَحق الله أَحَق) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اجتج بِهِ من ذَكَرْنَاهُمْ مِمَّن احْتج بِحَدِيث عَائِشَة السَّابِق فِي جَوَاز الصَّوْم عَن الْمَيِّت، وَجَوَاب المانعين عَن ذَلِك هُوَ مَا قَالَه ابْن بطال: ابْن عَبَّاس رَاوِيه وَقد خَالفه بفتواه، فَدلَّ على نسخ مَا رَوَاهُ وتشبيهه ﷺ بدين الْعباد حجَّة لنا لِأَنَّهَا قَالَت: أفأقاضيه عَنْهَا؟ وَقَالَ: (أَرَأَيْت لَو كَانَ على أمك دين أَكنت قاضيته؟) وَإِنَّمَا سَأَلَهَا هَل كنت تقضيه؟ لِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهَا أَن تقضي دين امها. وَقَالَ ابْن عبد الْملك: فِيهِ اضْطِرَاب عَظِيم يدل على وهم الروَاة، وَبِدُون هَذَا يقبل الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم، مَا ملخصه: إِن الِاضْطِرَاب لَا يقْدَح فِي مَوضِع الِاسْتِدْلَال من الحَدِيث، ورد بِأَنَّهُ كَيفَ لَا يقْدَح وَالْحَال أَن الِاضْطِرَاب لَا يكون إلَاّ من الْوَهم؟ كَمَا مر، أَو هُوَ مِمَّا يضعف الحَدِيث؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا فِي دفع الِاضْطِرَاب فِيمَن قَالَ: إِن السُّؤَال وَقع عَن نذر: فَمنهمْ من فسره بِالصَّوْمِ وَمِنْهُم من فسره بِالْحَجِّ، وَالَّذِي يظْهر أَنَّهُمَا قضيتان وَيُؤَيِّدهُ أَن السائلة فِي نذر الصَّوْم خثعمية. وَعَن نذر الْحَج جُهَيْنَة، ورد عَلَيْهِ بقوله أَيْضا: وَقد قدمنَا فِي أَوَاخِر الْحَج أَن مُسلما روى من حَدِيث بُرَيْدَة أَن امْرَأَة سَأَلت عَن الْحَج وَعَن الصَّوْم مَعًا، فَهَذَا يدل على اتِّحَاد الْقَضِيَّة.
وَأما حَدِيث بُرَيْدَة فَأخْرجهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن عَطاء عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ: (بَيْنَمَا أَنا جَالس عِنْد النَّبِي، ﷺ ، إِذا أَتَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت: إِنِّي تَصَدَّقت على أُمِّي بِجَارِيَة وَأَنَّهَا مَاتَت، قَالَ: فقد وَجب أجرك، وردهَا عَلَيْك الْمِيرَاث. قَالَت: يَا رَسُول الله! إِنَّه كَانَ عَلَيْهَا صَوْم شهر، أفأصوم عَنْهَا؟ قَالَ: صومي عَنْهَا. قَالَت: إِنَّهَا لم تحج قطّ، أفأحج عَنْهَا؟ قَالَ: حجي عَنْهَا) . لفظ مُسلم.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّمَا لم يقل مَالك بِحَدِيث ابْن عَبَّاس لأمور: أَحدهَا: أَنه لم يجد عَلَيْهِ عمل أهل الْمَدِينَة. الثَّانِي: أَنه حَدِيث اخْتلف فِي إِسْنَاده وَمَتنه. الثَّالِث: أَنه رَوَاهُ الْبَزَّار وَقَالَ فِي آخِره: لمن شَاءَ، وَهَذَا يرفع الْوُجُوب الَّذِي قَالُوا بِهِ. الرَّابِع: أَنه معَارض لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تكسب كل نفس إِلَّا عَلَيْهَا﴾ (الْأَنْعَام: ٤٦١) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ (الْأَنْعَام، ٤٦١، الْإِسْرَاء: ٥١، فاطر: ٨١، وَالزمر: ٧) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ (النَّجْم: ٩٣) . الْخَامِس: أَنه معَارض لما أخرجه النَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، ﷺ ، أَنه قَالَ: (لَا يُصَلِّي أحد عَن أحدٍ وَلَا يَصُوم أحدٌ عَن أحدٍ، وَلَكِن يطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مدا من طَعَام) . السَّادِس: أَنه معَارض للْقِيَاس الْجَلِيّ، وَهُوَ أَنه عبَادَة بدنية، فَلَا مدْخل لِلْمَالِ فِيهَا، وَلَا يفعل عَمَّن وَجب عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ، وَلَا ينْقض هَذَا بِالْحَجِّ، لِأَن لِلْمَالِ فِيهِ مدخلًا انْتهى.
وَقد اعْترض عَلَيْهِ فِي بعض الْوُجُوه، فَمن ذَلِك فِي قَوْله: اخْتلف فِي إِسْنَاده وَمَتنه، قيل: هَذَا لَا يضرّهُ، فَإِن من أسْندهُ أَئِمَّة ثِقَات. وَأجِيب: بِأَن الْكَلَام لَيْسَ فِي الروَاة، وَالْكَلَام فِي اخْتِلَاف الْمَتْن فَإِنَّهُ يُورث الوهن. وَمِنْه: فِي قَوْله: رَوَاهُ الْبَزَّار، قيل: الَّذِي زَاده الْبَزَّار من طَرِيق ابْن لَهِيعَة وَيحيى بن أَيُّوب، وحالهما مَعْلُوم. وَأجِيب: بِمَا حَالهمَا: فَابْن لَهِيعَة حدث عَنهُ أَحْمد بِحَدِيث كثير، وَعنهُ من كَانَ مثل ابْن لَهِيعَة بِمصْر فِي كَثْرَة حَدِيثه وَضَبطه وإتقانه، وروى عَنهُ مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة وَعبد الله بن الْمُبَارك وَاللَّيْث بن سعد، وَهُوَ من أقرانه، وروى لَهُ مُسلم مَقْرُونا بِعَمْرو بن الْحَارِث وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وَأما يحيى بن أَيُّوب الغافقي الْمصْرِيّ فَإِن الْجَمَاعَة رووا لَهُ. وَمِنْه فِي قَوْله: إِنَّه معَارض لقَوْله تَعَالَى، الْآيَات الثَّلَاث، قيل: هَذِه فِي قوم إِبْرَاهِيم ومُوسَى، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأجِيب: بِأَن
стр. 3171
الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ. وَمِنْه: فِي قَوْله: إِنَّه معَارض لما أخرجه النَّسَائِيّ، قيل: مَا فِي (الصَّحِيح) هُوَ الْعُمْدَة. وَأجِيب: بِأَن مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا صَحِيح، فَيدل على نسخ ذَاك كَمَا قُلْنَا.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث الْمَذْكُور أَن قَوْله: (لَو كَانَ على أمك دين أَكنت قاضيته؟) مشْعر بِأَن ذَلِك على النّدب إِن طاعت بِهِ نَفسه لِأَنَّهُ لَا يجب، على ولي الْمَيِّت أَن يُؤَدِّي من مَاله عَن الْمَيِّت دينا بالِاتِّفَاقِ، لَكِن من تبرع بِهِ انْتفع بِهِ الْمَيِّت وبرئت ذمَّته، وَقَالَ ابْن حزم: من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم فرض من قَضَاء رَمَضَان أَو نذر أَو كَفَّارَة وَاجِبَة فَفرض على أوليائه أَن يصوموه عَنهُ، هم أَو بَعضهم، وَلَا إطْعَام فِي ذَلِك أصلا، أوصى بذلك أَو لم يوصِ بِهِ، وَيبدأ بِهِ على دُيُون النَّاس. وَفِيه: صِحَة الْقيَاس. وَفِيه: قَضَاء الدّين عَن الْمَيِّت، وَقد أَجمعت الْأَئِمَّة عَلَيْهِ، فَإِن مَاتَ وَعَلِيهِ دين لله وَدين لآدَمِيّ قدم دين الله لقَوْله: (فدين الله أَحَق) ، وَفِيه: ثَلَاثَة أَقْوَال للشَّافِعِيّ: الأول: أَصَحهَا تَقْدِيم دين الله تَعَالَى. الثَّانِي: تَقْدِيم دين الْآدَمِيّ. الثَّالِث: هما سَوَاء فَيقسم بَينهمَا.
قَالَ سُلَيْمَانُ فَقَالَ الحَكَمُ وسَلَمَةُ ونَحْنُ جَمِيعا جُلُوسٌ حِينَ حدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الحَدِيثَ قالَا سَمِعْنا مُجَاهِدا يَذْكُرُ هَذَا عنِ ابنِ عَبَّاسٍ سُلَيْمَان الْأَعْمَش يَعْنِي، قَالَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (فَقَالَ الحكم) ، ويروى: قَالَ، بِدُونِ الْفَاء، و: الحكم، بِفَتْح الْكَاف: هُوَ ابْن عتيبة تَصْغِير عتبَة الْبَاب وَسَلَمَة، فتحات: هُوَ ابْن كهيل مصغر: الكهل الْحَضْرَمِيّ الْكُوفِي. قَوْله: (وَنحن جُلُوس) جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَهِي فِي نفس الْأَمر مقول سُلَيْمَان، و: جُلُوس، بِالضَّمِّ: جمع جَالس، وَالْمرَاد: ثَلَاثَتهمْ أَعنِي: سُلَيْمَان وَحكما وَسَلَمَة وَالْحَاصِل أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كَانُوا حاضرين حِين حدث مُسلم بن عمرَان البطين الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَا) أَي: الحكم وَسَلَمَة (سمعنَا مُجَاهدًا يذكر هَذَا) الحَدِيث (عَن ابْن عَبَّاس) فآل الْأَمر إِلَى أَن الْأَعْمَش سمع هَذَا الحَدِيث من ثَلَاثَة أنفس فِي مجْلِس وَاحِد، من مُسلم البطين أَولا عَن سعيد بن جُبَير، ثمَّ من الحكم وَسَلَمَة عَن مُجَاهِد.
ويُذْكَرُ عَن أبِي خالِدٍ قَالَ حدَّثنا الأعْمشُ عنِ الحَكَمِ ومُسْلِمٍ الْبَطِينِ وسلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ عنْ سَعِيدِ ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومُجاهِدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قالَتِ امْرَأةٌ لِلنَّبيِّ ﷺ إنَّ أُخْتِي ماتَتْ
أَبُو خَالِد هُوَ الْأَحْمَر ضد الْأَبْيَض واسْمه: سُلَيْمَان بن حَيَّان، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون، ذكره بِصِيغَة التمريض، وَأَشَارَ إِلَى مُخَالفَة أبي خَالِد زَائِدَة الَّذِي يروي عَن الْأَعْمَش فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَفِيه أَيْضا اشارة إِلَى أَن الشَّمْس جمع بَين الشُّيُوخ الثَّلَاثَة فِيهِ وهم الحكم وَمُسلم ومسلمة وَجمع هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة ايضا بَين الشُّيُوخ الثَّلَاثَة وهم: سعيد بن جُبَير وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَمُجاهد بن جُبَير. وَقَالَ بَعضهم: أَبُو خَالِد جمع بَين شُيُوخ الْأَعْمَش الثَّلَاثَة فَحدث بِهِ عَنْهُم عَن شُيُوخ ثَلَاثَة، وَظَاهره أَنه عِنْد كل مِنْهُم عَن كل مِنْهُم، وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بِهِ اللف والنشر بِغَيْر تَرْتِيب، فَيكون: شيخ الحكم عَطاء، وَشَيخ البطين سعيد بن جُبَير، وَشَيخ سَلمَة مُجَاهدًا. قلت: قَالَ الكماني فَإِن قلت: هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة رووا عَن الثَّلَاثَة وَهُوَ على سَبِيل التَّوْزِيع بِأَن يروي بَعضهم عَن بعض؟ قلت: الْمُتَبَادر إِلَى الذَّهَب رِوَايَة الْكل عَن الْكل انْتهى. قلت: حق الْكَلَام الَّذِي تَقْتَضِيه الْعبارَة مَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَوصل هَذَا التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا أَبُو سعيد الأشح حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن الْأَعْمَش عَن سَلمَة بن كهيل وَمُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير وَعَطَاء وَمُجاهد (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت: إِن أُخْتِي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، قَالَ: أَرَأَيْت لَو كَانَ على أختك دين أَكنت تقضيه؟ قَالَت: نعم. قَالَ فَحق الله أَحَق) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَالدَّارَقُطْنِيّ، كَذَلِك، وَرَوَاهُ مُسلم: حَدثنَا أَبُو سعيد الْأَشَج، قَالَ: حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر، قَالَ: حَدثنَا الْأَعْمَش عَن سَلمَة بن كهيل وَالْحكم بن عتيبة وَمُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وَعَطَاء عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ بِهَذَا الحَدِيث، يَعْنِي: حَدِيث زَائِدَة الَّذِي رَوَاهُ قبله فأحاله عَلَيْهِ وَلم يسق الْمَتْن.
стр. 3172
وقالَ يَحْيَى وأبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ مُسْلِمٍ عنْ سَعِيدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قالتِ امْرأةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّ أُمِّي ماتَتْ
يحيى هُوَ ابْن سعيد وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بالمعجمتين، وَالْأَعْمَش: سُلَيْمَان، وَمُسلم هُوَ البطين فَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن يحيى وَأَبا مُعَاوِيَة وافقا زَائِدَة الْمَذْكُور على أَن شيخ مُسلم البطين فِيهِ هُوَ سعيد بن جُبَير، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي رِوَايَة أبي الْحسن ابْن العَبْد من رِوَايَة يحيى وَأبي مُعَاوِيَة كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَالَ عُبَيْدُ الله عنْ زَيْدِ بنِ أبِي أُنَيْسَةَ عنِ الحَكَمِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قالَتِ امْرَأةٌ للنَّبِيِّ إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ
عبيد الله هُوَ ابْن عَمْرو الرقي هَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم، قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور وَابْن أبي خلف وَعبد بن حميد جَمِيعًا عَن زَكَرِيَّا بن عدي، قَالَ عبد: حَدثنِي زَكَرِيَّا بن عدي قَالَ: أخبرنَا عبيد الله بن عَمْرو عَن زيد بن أبي أنيسَة قَالَ حَدثنَا الحكم بن عتيبة عَن سعيد بن جُبَير (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم نذر أفأصوم عَنْهَا؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَو كَانَ على أمك دين فقضيته أَكَانَ يُؤْذِي ذَلِك عَنْهَا؟ قَالَت: نعم. قَالَ: فصومي عَن أمك) .
وقالَ أبُو حَرِيزٍ حدَّثنا عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قالَتِ امْرَأةٌ للنبيِّ ﷺ ماتَتْ أُمِّي وعلَيْهَا صَوْمُ خَمسَةَ عَشَرَ يَوْما
أَبُو حريز، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره زَاي: واسْمه عبد الله بن حُسَيْن قَاضِي سجستان، ضعفه أَحْمد وَابْن معِين وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي عبد الله الْحَافِظ أَخْبرنِي أَبُو بكر ابْن عبد الله أَنبأَنَا الْحسن بن سُفْيَان حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى حَدثنَا الْمُعْتَمِر، قَالَ: قَرَأت على الفضيل عَن أبي حريز، قَالَ: حَدثنِي عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس بِهِ، وَفِيه امْرَأَة من خثعم.
٣٤ - (بابٌ مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَتى يحل فطر الصَّائِم، وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام تَقْدِيره بغروب الشَّمْس وَلَا يجب إمْسَاك جُزْء من اللَّيْل لتحَقّق مُضِيّ النَّهَار، وَمَا ذكره فِي الْبَاب من الْأَثر والحديثين يبين مَا أبهمه فِي التَّرْجَمَة.
وأفْطَرَ أبُو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه جَوَاب للاستفهام الَّذِي فِيهَا، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة من طَرِيق عبد الْوَاحِد بن أَيمن عَن أَبِيه قَالَ: دَخَلنَا على أبي سعيد فَأفْطر وَنحن نرى أَن الشَّمْس لم تغرب وَجه ذَلِك أَن أَبَا سعيد لما تحقق غرُوب الشَّمْس لم يطْلب مزيدا على ذَلِك، وَلَا الْتفت إِلَى مُوَافقَة من عِنْده على ذَلِك، فَلَو كَانَ يجب عِنْده إمْسَاك جُزْء من اللَّيْل لاشترك الْجَمِيع فِي معرفَة ذَلِك.
٤٥٩١ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ قَالَ سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ سَمِعْتُ عاصِمَ بنَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ عنْ أبيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ إذَا أقْبلِ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا وأدْبَرَ النَّهَارُ منْ هَهُنَا وغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِيهَا بالاستفهام.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: الْحميدِي هُوَ
стр. 3173
عبد الله بن الزبير بن عِيسَى الْقرشِي الْأَسدي أَبُو بكر الْمَكِّيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، الْخَامِس: عَاصِم بن عمر بن الْخطاب أَبُو عمر الْقرشِي. السَّادِس: أَبوهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه وسُفْيَان مكيان وَمن بعدهمَا مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ صَغِير عَن تَابِعِيّ كَبِير هِشَام عَن أَبِيه. وَفِيه: رِوَايَة صَحَابِيّ صَغِير عَن صَحَابِيّ كَبِير عَاصِم عَن أَبِيه، وَكَانَ مولد عَاصِم فِي عهد النَّبِي ﷺ لَكِن لم يسمع مِنْهُ شَيْئا، كَذَا قَالَه بَعضهم حَيْثُ أطلق على عَاصِم أَنه صَحَابِيّ صَغِير قلت: قَالَ الذَّهَبِيّ: ولد قبل موت النَّبِي ﷺ بعامين، وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي كريب وَعَن ابْن نمير. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَعَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هَارُون بن إِسْحَاق وَعَن أبي كريب وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا أقبل اللَّيْل من هَهُنَا) أَي: من جِهَة الْمشرق. (وَأدبر النَّهَار من هَهُنَا) أَي: من الْمغرب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب الصَّوْم فِي السّفر والإفطار فِي آخر حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى. قَوْله: (فقد أفطر الصَّائِم) ، أَي: دخل فِي وَقت الْفطر، وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَفظه خبر وَمَعْنَاهُ الْأَمر أَي: فليفطر الصَّائِم.
٥٥٩١ - حدَّثنا إسْحَاقُ الوَاسِطيُّ قَالَ حدَّثنا خالدٌ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي أوْفى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رسولِ الله ﷺ فِي سَفَرٍ وهْوَ صَائِمٌ فلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ يَا فُلانُ قُمْ فاجْدَحْ لَنَا فَقَالَ يَا رسُولَ الله لَوْ أمْسَيْتَ قَالَ انْزِلْ فاجْدَحْ لَنَا قَالَ يَا رسولَ الله لوْ أمْسَيتَ قَالَ انْزِلْ فاجْدَحْ لَنَا قَالَ إنَّ عَلَيْكَ نَهَارا قَالَ انْزُلْ فاجْدَحْ لَنَا فنَزلَ فجَدَحَ لَهُمْ فَشَرِبَ النبيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ إذَا رَأيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِنْ هَهُنَا فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل) إِلَى آخِره، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب الصَّوْم فِي السّفر والإفطار، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان (عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ سمع ابْن أبي أوفى قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر) الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ بِجَمِيعِ تعلقاته مُسْتَوفى. وَإِسْحَاق بن شاهين الوَاسِطِيّ وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد الطَّحَاوِيّ الوَاسِطِيّ، يكنى أَبَا الْهَيْثَم، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد، يُقَال: إِنَّه اشْترى نَفسه من الله ثَلَاث مَرَّات، مَاتَ سنة تسع وَسبعين وَمِائَة، والشيباني هُوَ أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان بن سُلَيْمَان. قَوْله: (لَو أمسيت) كلمة: لَو، إِمَّا لِلتَّمَنِّي وَإِمَّا للشّرط، وجزاؤه مخذوف أَي: لَكُنْت متما للصَّوْم، وَنَحْوه. قَوْله: (فَقَالَ يَا رَسُول الله) ، الضَّمِير الْمَرْفُوع المستكن فِيهِ يرجع إِلَى عبد الله بن أبي أوفى بطرِيق الِالْتِفَات عدل عَن حِكَايَة نَفسه إِلَى الْغَيْبَة، وَيجوز أَن يرجع إِلَى فلَان.
٤٤ - (بابٌ يُفْطِرُ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ بالمَاءِ وغَيْرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ يفْطر الصَّائِم بِأَيّ شَيْء يتهيأ ويتيسر عَلَيْهِ، سَوَاء كَانَ بِالْمَاءِ أَو بِغَيْرِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا يسْتَحبّ عَلَيْهِ الْإِفْطَار، ثمَّ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عمر بن عَليّ الْمقدمِي حَدثنَا سعيد بن عَامر حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس ابْن مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من وجد تَمرا فليفطر عَلَيْهِ وَمن لَا فليفطر على مَاء، فَإِن المَاء طهُور) وَقَالَ: هُوَ حَدِيث غير مَحْفُوظ. وَأخرجه النَّسَائِيّ، وَقَالَ: هَذَا خطأ، وَالصَّوَاب حَدِيث سُلَيْمَان بن عَامر أوردهُ فِي الصَّوْم وَفِي الْوَلِيمَة أَيْضا، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الربَاب عَن سلمَان بن عَامر الضَّبِّيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِذا أفطر أحدكُم فليفطر على تمر، فَإِن لم يجد فليفطر على مَاء فَإِنَّهُ طهُور) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، والرباب بنت صليعٍ وَهِي أم الرابح، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
стр. 3174
أَيْضا من حَدِيث ثَابت (عَن أنس بن مَالك، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يفْطر على رطبات قبل أَن يُصَلِّي، فَإِن لم يكن رطبات فتمرات، فَإِن لم يكن تمرات حسا حسوات من مَاء) . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀، هَذَا مُخَالف لما يَقُول أَصْحَابنَا من اسْتِحْبَاب الْإِفْطَار على شَيْء حُلْو، وعللوه بِأَن الصَّوْم يضعف الْبَصَر والإفطار على الحلو يُقَوي الْبَصَر، لَكِن لم يذكر فِي الحَدِيث بعد التَّمْر إلَاّ المَاء، فَلَعَلَّهُ خرج مخرج الْغَالِب فِي الْمَدِينَة من وجود الرطب فِي زَمَنه، وَوُجُود التَّمْر فِي بَقِيَّة السّنة، وتيسير المَاء بعدهمَا بِخِلَاف الحلو أَو الْعَسَل، وَإِن كَانَ الْعَسَل مَوْجُودا عِنْدهم لَكِن يحْتَاج إِلَى مَا يحمل فِيهِ إِذا كَانُوا خَارج مَنَازِلهمْ، أَو فِي الْأَسْفَار. وَاسْتحبَّ القَاضِي حُسَيْن أَن يكون فطره على مَاء يتَنَاوَلهُ بِيَدِهِ من النَّهر وَنَحْوه حرصا على طلب الْحَلَال للفطر لغَلَبَة الشُّبُهَات فِي المآكل. وروينا عَن ابْن عمر أَنه كَانَ رُبمَا أفطر على الْجِمَاع، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد ابْن سِيرِين عَنهُ، وَإِسْنَاده حسن، وَذَلِكَ يحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَن يكون ذَلِك لغَلَبَة الشَّهْوَة وَإِن كَانَ الصَّوْم يكسر الشَّهْوَة. وَالثَّانِي: أَن يكون لتحَقّق الْحل من أَهله، وَرُبمَا يردد فِي بعض المأكولات. وَفِي (الْمُسْتَدْرك) : عَن قَتَادَة عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي الْمغرب حَتَّى يفْطر، وَلَو على شربة من مَاء، وَذهب ابْن حزم إِلَى وجوب الْفطر على التَّمْر إِن وجده. فَإِن لم يجده فعلى المَاء، وَإِن لم يفعل فَهُوَ عاصٍ، وَلَا يبطل صَوْمه بذلك.
٦٥٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سِرْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ وهْوَ صَائِمٌ فلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ انْزِلْ فاجْدَحْ لَنا قَالَ يَا رسولَ الله لَوْ أمْسَيْتَ قَالَ انْزِل فاجْدَحْ لَنا قَالَ يَا رسولَ الله إنَّ عَلَيْكَ نَهَارا قَالَ انزِلْ فاجْدَحْ لَنا فنَزَلَ فجَدَحَ ثُمَّ قَالَ إذَا رَأيْتُمْ اللَّيْلَ أقْبَلَ مِنْ هَهُنا فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ وأشَارَ بأصْبُعِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الجدح هُوَ تَحْرِيك السويق بِالْمَاءِ وتخويضه، وَفِيه المَاء وَغَيره، والترجمة بِالْمَاءِ وَغَيره، والْحَدِيث تقدم. قَوْله: (فَنزل) أَي: عبد الله بن أبي أوفى هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاق الْكَلَام، وَلَكِن رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ، وَفِيه: (فَقَالَ: يَا بِلَال إنزل) إِلَى آخِره، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم من طرق عبد الْوَاحِد بن زِيَاد شيخ مُسَدّد فِيهِ، فاتفقت رواياتهم على قَوْله: يَا فلَان، فلعلها تصحفت بقوله: (يَا بِلَال) ، وَقَالَ بَعضهم، فِي الحَدِيث الَّذِي قبله من رِوَايَة خَالِد عَن الشَّيْبَانِيّ: يَا فلَان، وَجَاء فِي حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : (إِذا أقبل اللَّيْل) إِلَى آخِره. فَيحْتَمل أَن يكون الْمُخَاطب بذلك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن الحَدِيث وَاحِد، فَلَمَّا كَانَ عمر هُوَ الْمَقُول لَهُ: إِذا أقبل اللَّيْل، إِلَى آخِره احْتمل أَن يكون هُوَ الْمَقُول لَهُ: اجدح. انْتهى. قلت: هَذَا احْتِمَال بعيد، لِأَنَّهُ لَا يسْتَلْزم قَوْله ﷺ لعمر: إِذا أقبل اللَّيْل، أَن يكون الْمَأْمُور بالجدح لَهُم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَعَ وجود بِلَال هُنَاكَ، الَّذِي هُوَ صَاحب شرابه ومتولي خدمته، وَقَوله أَيْضا: فَإِن الحَدِيث وَاحِد، فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (فجدح لنا) ، كَلَام أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: أَي: النَّبِي، ﷺ .
٥٤
- (بابُ تَعْجِيلِ الإفْطَارِ
(
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْإِفْطَار للصَّائِم، وروى عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عَمْرو بن مَيْمُون الأودي قَالَ: كَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ أسْرع النَّاس إفطارا وأبطأهم سحورا. وَقَالَ أَبُو عمر: أَحَادِيث تَعْجِيل الْإِفْطَار وَتَأْخِير السّحُور صِحَاح متواترة، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (قَالَ الله : أحب عبَادي إليَّ أعجلهم فطرا) ، وَالْعلَّة فِيهِ أَن الْيَهُود والنصاري يؤخرون، وروى الْحَاكِم من حَدِيث سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تزَال أمتِي على سنتي مَا لم تنْتَظر بفطرها النُّجُوم) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.
٥٤
- (بابُ تَعْجِيلِ الإفْطَارِ
(
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْإِفْطَار للصَّائِم، وروى عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عَمْرو بن مَيْمُون الأودي قَالَ: كَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ أسْرع النَّاس إفطارا وأبطأهم سحورا. وَقَالَ أَبُو عمر: أَحَادِيث تَعْجِيل الْإِفْطَار وَتَأْخِير السّحُور صِحَاح متواترة، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (قَالَ الله : أحب عبَادي إليَّ أعجلهم فطرا) ، وَالْعلَّة فِيهِ أَن الْيَهُود والنصاري يؤخرون، وروى الْحَاكِم من حَدِيث سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تزَال أمتِي على سنتي مَا لم تنْتَظر بفطرها النُّجُوم) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.
стр. 3175
٧٥٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: اسْمه سَلمَة بن دِينَار.
وَأخرجه مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن مُحَمَّد بن يحيى. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا. وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يزَال الدّين ظَاهرا مَا عجل النَّاس الْفطر) . وَعَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء أمرنَا أَن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا، وَنَضَع أَيْمَاننَا على شَمَائِلنَا فِي الصَّلَاة) . وَمن طَرِيق أبي دَاوُد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) قَالَ: هَذَا حَدِيث يعرف بطلحة ابْن عَمْرو الملكي وَهُوَ ضَعِيف.
وَاخْتلف عَلَيْهِ فِيهِ فَقيل: عَنهُ، هَكَذَا، وَقيل: عَنهُ عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، وَرُوِيَ من وَجه آخر ضَعِيف عَن أبي هُرَيْرَة، وَمن وَجه آخر ضَعِيف عَن ابْن عمر، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة من قَوْلهَا: ثَلَاثَة من النُّبُوَّة ... فَذَكرهنَّ، وَهُوَ أصح مَا ورد فِيهِ، وَعَن عَائِشَة رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي عَطِيَّة، قَالَ: (دخلت أَنا ومسروق على عَائِشَة فَقُلْنَا يَا أم الْمُؤمنِينَ ﴿رجلَانِ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَحدهمَا يعجل الْإِفْطَار ويعجل الصَّلَاة، وَالْآخر يُؤَخر الْإِفْطَار وَيُؤَخر الصَّلَاة؟ قَالَت: أَيهمَا يعجل الْإِفْطَار ويعجل الصَّلَاة؟ قُلْنَا: عبد الله بن مَسْعُود﴾ قَالَت: هَكَذَا وصنع رَسُول الله ﷺ ، وَالْآخر أَبُو مُوسَى) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأَبُو عَطِيَّة اسْمه مَالك بن أبي عَامر الْهَمدَانِي، وَيُقَال: مَالك ابْن عَامر، وَعَن ابْن عمر رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء أمرنَا بِثَلَاث: بتعجيل الْفطر، وَتَأْخِير السّحُور، وَوضع الْيَد الْيُمْنَى على الْيُسْرَى فِي الصَّلَاة) قَالَ: وَهَذَا غير مَحْفُوظ. وَعَن أنس رَوَاهُ أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) : حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا حُسَيْن الْجعْفِيّ عَن زَائِدَة عَن حميد (عَن أنس، قَالَ: مَا رَأَيْت النَّبِي ﷺ قطّ صلى صَلَاة الْمغرب حَتَّى يفْطر، وَلَو كَانَ على شربة من مَاء) . وَإِسْنَاده جيد.
قَوْله: (مَا عجلوا الْفطر) ، زَاد أَبُو ذَر فِي حَدِيثه: (وأخروا السّحُور) ، أخرجه أَحْمد، وَكلمَة: مَا، ظرفية أَي: مُدَّة فعلهم ذَلِك امتثالاً للسّنة، واقفين عِنْد حَدهَا غير متنطعين بعقولهم مَا يُغير قواعدها، وَزَاد أَبُو هُرَيْرَة فِي حَدِيثه: (لِأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى يؤخرون) ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة. وَتَأْخِير أهل الْكتاب لَهُ أمد. وَهُوَ ظُهُور النَّجْم، وَقَالَ الْمُهلب: الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن لَا يُزَاد فِي النَّهَار من اللَّيْل، وَلِأَنَّهُ أرْفق للصَّائِم وَأقوى لَهُ على الْعِبَادَة، وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن مَحل ذَلِك إِذا تحقق غرُوب الشَّمْس بِالرُّؤْيَةِ أَو بِإِخْبَار عَدْلَيْنِ، وَكَذَا عدل وَاحِد فِي الْأَرْجَح عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: فِي هَذَا الحَدِيث رد على الشِّيعَة فِي تأخيرهم الْفطر إِلَى ظُهُور النُّجُوم، قَالَ بَعضهم: الشِّيعَة لم يَكُونُوا موجودين عِنْد تحديثه ﷺ بذلك. قلت: يحْتَمل أَن يكون أَنه ﷺ كَانَ علم بِمَا يصدر فِي الْمُسْتَقْبل من أَمر الشِّيعَة فِي ذَلِك الْوَقْت بإطلاع الله إِيَّاه.
٨٥٩١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا أبُو بَكْرٍ عنُ سُلَيْمَانَ عنِ ابنِ أبي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنْتُ معَ النبيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فصَامَ حَتَّى أمْسى قَالَ لِرَجُلٍ انْزِلْ فاجْدَحْ لِي قَالَ لوِ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسي قَال انْزِلْ فاجْدَحْ لِي إذَا رأيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِنْ هَهُنا فقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ قَالَ للرجل الْمَذْكُور فِيهِ: انْزِلْ فاجدح لي، لِأَنَّهُ لما تحقق غرُوب الشَّمْس عجل الْإِفْطَار، والترجمة فِي تَعْجِيل الْإِفْطَار، وَلِهَذَا كرر عَلَيْهِ بالجدح، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَعَن بعيد. وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش المقريء، وَسليمَان هُوَ الشَّيْبَانِيّ.
٦٤ - (بابٌ إذَا أفطَرَ فِي رمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أفطر الصَّائِم وَهُوَ يظنّ غرُوب الشَّمْس ثمَّ طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، وَلم يذكرهُ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِي وجوب الْقَضَاء عَلَيْهِ.
стр. 3176
٩٥٩١ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ فَاطِمَةَ عَنْ أسْمَاءَ بنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ أفْطَرْنا عَلَى عَهْدِ النبيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ قِيلَ لِهشَامٍ فَأُمِرُوا بالْقَضاءِ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءِ، وَقَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشاما لَا أدْرِي أقَضَوْا أمْ لَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأمروا بِالْقضَاءِ) وَيقدر من هَذَا جَوَاب لكلمة: إِذا، فِي التَّرْجَمَة، وَالتَّقْدِير: إِذا أفطر فِي رَمَضَان ثمَّ طلعت الشَّمْس عَلَيْهِ الْقَضَاء، لِأَن مُقْتَضى قَوْله: (فَأمروا بِالْقضَاءِ) : عَلَيْهِم الْقَضَاء.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن أبي شيبَة هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة أَبُو بكر، وَاسم أبي شيبَة: إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الرَّابِع: فَاطِمَة بنت الْمُنْذر، وَهِي ابْنة عَم هِشَام وَزَوجته. الْخَامِس: أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد أَولا وبصيغة الْجمع ثَانِيًا. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَأَبا أُسَامَة كوفيان والبقية مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن زَوجته وَهُوَ هِشَام فَإِن فَاطِمَة امْرَأَته وَرِوَايَته أَيْضا عَن ابْنة عَمه كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: رِوَايَة الراوية عَن جدَّتهَا لِأَن أَسمَاء جدة فَاطِمَة. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّوْم أَيْضا عَن هَارُون بن عبد الله وَمُحَمّد بن الْعَلَاء، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي أُسَامَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يَوْم غيم) ، بِنصب يَوْم على الظَّرْفِيَّة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة: (فِي يَوْم) ، قَوْله: (على عهد النَّبِي ﷺ أَي: على زَمَنه وَأَيَّام حَيَاته. قَوْله: (قيل لهشام) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (قَالَ أُسَامَة: قلت لهشام) . وَكَذَا أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَأحمد فِي (مُسْنده) قَوْله: (لَا بُد من قَضَاء) يَعْنِي لَا يتْرك، وَهَذِه رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين (بُد من قَضَاء؟) قَالَ بَعضهم: هُوَ اسْتِفْهَام إِنْكَار مَحْذُوف الأداة، وَالْمعْنَى: لَا بُد من قَضَاء. قلت: هَذَا كَلَام مخبط وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب أَن يُقَال: هُنَا حرف اسْتِفْهَام مُقَدّر، تَقْدِيره: هَل بُد من قَضَاء؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: لَا يحفظ فِي حَدِيث أَسمَاء إِثْبَات الْقَضَاء وَلَا نَفْيه. قلت: إِن كَانَ كَلَامه هَذَا من جِهَة الشَّارِع صَرِيحًا فَمُسلم، وإلَاّ فهشام، يَقُول: فَأمروا بِالْقضَاءِ، وَيَقُول: لَا بُد من الْقَضَاء. وَقَوله: (فَأمروا) يسْتَند إِلَى أَمر الشَّارِع، لِأَن غير الشَّارِع لَا يسْتَند إِلَيْهِ الْأَمر.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: دلّ الحَدِيث على أَن من أفطر وَهُوَ يرى أَن الشَّمْس قد غربت فَإِذا هِيَ لم تغرب أمسك بَقِيَّة يَوْمه، وَعَلِيهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ ابْن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَمَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق، وَأوجب أَحْمد الْكَفَّارَة فِي الْجِمَاع وروى عَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعُرْوَة بن الزبير أَنهم قَالُوا: لَا قَضَاء عَلَيْهِ وجعلوه بِمَنْزِلَة من أكل نَاسِيا، وَعَن عمر بن الْخطاب رِوَايَتَانِ فِي الْقَضَاء، وَعَن عمر أَنه قَالَ: من أكل فليقض يَوْمًا مَكَانَهُ، رَوَاهُ الْأَثْرَم، وروى مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيهِ أَنه قَالَ: الْخطب يسير واجتهدنا. وَعَن عمر أَنه أفطر وَأفْطر النَّاس، فَصَعدَ الْمُؤَذّن ليؤذن، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، هَذِه الشَّمْس لم تغرب، فَقَالَ عمر: من كَانَ أفطر فليصم يَوْمًا مَكَانَهُ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن عمر: (لَا نبالي وَالله نقضي يَوْمًا مَكَانَهُ) رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: روى زيد بن وهب قَالَ: (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس فِي مَسْجِد الْمَدِينَة فِي رَمَضَان، وَالسَّمَاء متغيمة قد غَابَتْ، وَإِنَّا قد أمسينا، فأخرجت لنا عساس من لبن من بَيت حَفْصَة فَشرب وشربنا، فَلم نَلْبَث أَن ذهب السَّحَاب وبدت الشَّمْس، فَجعل بَعْضنَا يَقُول لبَعض: نقضي يَوْمنَا هَذَا، فَسمع عمر ذَلِك، فَقَالَ: وَالله لَا نقضيه، وَمَا تجانفنا الْإِثْم) ، وغلطوا زيد بن وهب فِي هَذِه الرِّوَايَة الْمُخَالفَة لبَقيَّة الرِّوَايَات، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: فِي هَذِه الرِّوَايَة إرْسَال وَيَعْقُوب بن سُفْيَان كَانَ يحمل على زيد بن وهب بِهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُخَالفَة لبَقيَّة الرِّوَايَات، وَزيد ثِقَة ألَاّ أَن الْخَطَأ غير مَأْمُون. قلت: عساس، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبسينين مهملتين، جمع عس، بِضَم الْعين وَتَشْديد السِّين: وَهُوَ الْقدح، وَمِنْهُم من
стр. 3177
وفْق فَقَالَ: ترك الْقَضَاء إِذا لم يعلم، وَوَقع الْفطر على الشَّك، وَالْقَضَاء فِيمَا إِذا وَقع الْفطر فِي النَّهَار بِغَيْر شكّ، وَهُوَ خلاف ظَاهر الْأَثر. وَفِي (الْمَبْسُوط) فِي حَدِيث عمر، بَعْدَمَا أفطر: وَقد صعد الْمُؤَذّن المأذنة، قَالَ: الشَّمْس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! قَالَ: بعثناك دَاعيا وَلم نبعثك رَاعيا، مَا تجانفنا الْإِثْم، وَقَضَاء يَوْم علينا يسير. وروى الْبَيْهَقِيّ أَن صهيبا أفطر فِي رَمَضَان فِي يَوْم غيم، فطلعت الشَّمْس فَقَالَ: طعمة الله، أَتموا صِيَامكُمْ إِلَى اللَّيْل واقضوا يَوْمًا مَكَانَهُ وَفِي (الْأَشْرَاف) اخْتلفُوا فِي الَّذِي أكل وَهُوَ لَا يعلم بِطُلُوع الْفجْر ثمَّ علم بِهِ فَقَالَت طَائِفَة يتم صَوْمه وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، رُوِيَ هَذَا القَوْل عَن مُحَمَّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير، وَبِه قَالَ مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو حنيفَة، وَحكي عَن إِسْحَاق أَنه: لَا قَضَاء عَلَيْهِ وَأحب إِلَيْنَا أَن نقضيه.
قَوْله: (وَقَالَ معمر) ، بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد الْأَزْدِيّ الْحَرَّانِي الْبَصْرِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد، قَالَ: أخبرنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر سَمِعت هِشَام بن عُرْوَة فَذكر الحَدِيث، وَفِي آخِره، فَقَالَ إِنْسَان لهشام: أقضوا أم لَا؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَالله أعلم.
٧٤ - (بابُ صَوْمَ الصِّبْيَانِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَوْم الصّبيان: هَل يشرع أم لَا؟ وَالْجُمْهُور على أَنه لَا يجب على من دون الْبلُوغ، وَاسْتحبَّ جمَاعَة من السّلف، مِنْهُم ابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي: أَنهم يؤمرون بِهِ للتمرين عَلَيْهِ إِذا أطاقوه، وحد ذَلِك عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي بالسبع وَالْعشر كَالصَّلَاةِ، وَعند إِسْحَاق: حَده اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وَعند أَحْمد فِي رِوَايَة: عشر سِنِين، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِذا أطَاق صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام تباعا لَا يضعف فِيهِنَّ حمل على الصَّوْم، وَالْمَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة: أَنه لَا يشرع فِي حق الصّبيان. وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء أَنه لَا تلْزم الْعِبَادَات والفرائض إلَاّ عِنْد الْبلُوغ، إلَاّ أَن أَكثر الْعلمَاء استحسنوا تدريب الصّبيان على الْعِبَادَات رَجَاء الْبركَة، وَأَنَّهُمْ يعتادونها فتسهل عَلَيْهِم إِذا ألزمهم، وَأَن من فعل ذَلِك بهم مأجور. وَفِي (الْأَشْرَاف) : اخْتلفُوا فِي الْوَقْت الَّذِي يُؤمر فِيهِ الصَّبِي بالصيام، فَكَانَ ابْن سِيرِين وَالْحسن وَالزهْرِيّ وَعَطَاء وَعُرْوَة وَقَتَادَة وَالشَّافِعِيّ يَقُولُونَ: يُؤمر بِهِ إِذا أطاقه، وَنقل عَن الْأَوْزَاعِيّ مثل مَا ذكرنَا الْآن، وَاحْتج بِحَدِيث ابْن أبي لَبِيبَة عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِذا صَامَ الْغُلَام ثَلَاثَة أَيَّام متتابعة فقد وَجب عَلَيْهِ صِيَام رَمَضَان) . وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: إِذا طاقوا الصّيام ألزموه، فَإِذا أفطروا بِغَيْر عذر وَلَا عِلّة فَعَلَيْهِم الْقَضَاء. وَقَالَ أَشهب: يسْتَحبّ لَهُم إِذا أطاقوه. وَقَالَ عُرْوَة: إِذا أطاقوا الصَّوْم وَجب عَلَيْهِم. قَالَ عِيَاض: وَهَذَا غلط يردهُ قَوْله ﷺ : (رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة) ، فَذكر: الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم، وَفِي رِوَايَة: (حَتَّى يبلغ) .
وَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لِنَشْوَانَ فِي رَمَضَانَ وَيْلَكَ وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ فَضَرَبَهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وصبياننا صِيَام) ، وَإِنَّمَا كَانُوا يصومونهم لأجل التمرين ليتعودوا بذلك ويكونوا على نشاط بذلك بعد الْبلُوغ. قَوْله: (لنشوان) ، أَي: لرجل سَكرَان، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، من نشى الرجل من الشَّرَاب نشوا ونشوة، وتنشى وانتشى كُله: سكر، وَرجل نشوان ونشيان على الْعَاقِبَة، وَالْأُنْثَى نشواء، وَجمعه نشاوى كسكارى، وَزَاد الْقَزاز: وَالْجمع النشوات، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَهُوَ نش، وَامْرَأَة نشئة ونشوانة، وفعلانة قَلِيل إلَاّ فِي بني أَسد، هَكَذَا ذكر الْفراء، وَفِي (نَوَادِر اللحياني) : يُقَال: نشئت من الشَّرَاب أنشأ نشوة ونشوة، وَقَالَ ابْن خالويه: سكر الرجل وانتشى، وثمل ونزف وانزف، فَهُوَ سَكرَان ونشوان، وَقَالَ ابْن التِّين: النشوان السكر الْخَفِيف، قيل: كَأَنَّهُ من كَلَام المولدين. قَوْله: (صِيَام) جمع صَائِم، ويروى: (صوام) ، ثمَّ هَذَا التَّعْلِيق وَهُوَ أثر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصله سعيد بن مَنْصُور وَالْبَغوِيّ فِي: الجعديات، من طَرِيق عبد الله بن أبي الهدير (أَن عمر بن الْخطاب أَتَى بِرَجُل شرب الْخمر فِي رَمَضَان، فَلَمَّا دنا مِنْهُ جعل يَقُول: للمنخرين والفم) ، وَفِي رِوَايَة الْبَغَوِيّ: (فَلَمَّا رفع إِلَيْهِ عثر، فَقَالَ عمر: على وَجهك وَيحك وصبياننا صِيَام؟ . ثمَّ أَمر فَضرب ثَمَانِينَ سَوْطًا، ثمَّ سيره إِلَى الشَّام) . وَفِي رِوَايَة الْبَغَوِيّ: (فَضَربهُ الْحَد وَكَانَ إِذا غضب على إِنْسَان سيره إِلَى الشَّام فسيره إِلَى الشَّام) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: من شرب الْخمر فِي رَمَضَان ضرب مائَة. انْتهى. هَذَا كَانَ فِي مُسْتَنده مَا ذكره سُفْيَان عَن عَطاء بن أبي مَرْوَان، عَن أَبِيه أَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَتَى بالنجاشي الشَّاعِر، وَقد شرب الْخمر فِي رَمَضَان
стр. 3178
فَضَربهُ ثَمَانِينَ، ثمَّ ضربه من الْغَد عشْرين، وَقَالَ: ضربناك الْعشْرين لجرأتك على الله تَعَالَى وإفطارك فِي رَمَضَان.
٠٦٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ قَالَ حدَّثنا خالِدُ ابنُ ذَكْوَانَ عنِ الرُّبَيْعِ بِنْتِ مُعَوَّذٍ قالَتْ أرْسَلَ النبيُّ ﷺ غَدَاةَ عاشُورَاءَ إلَى قُرى الأنْصَارِ مَنْ أصْبَحَ مُفْطِرا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ومَنْ أصْبَحَ صائِما فَلْيَصُمْ قالَتْ فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْد ونُصَوِّمُ صِبْيَانَنا ونَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ فإذَا بَكَى أحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أعْطَيْناهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإفْطَارِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ونصوم صبياننا) .
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: مُسَدّد. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْفضل، بِلَفْظ الْمَفْعُول من التَّفْضِيل بالضاد الْمُعْجَمَة، مر فِي الْعلم، الثَّالِث: خَالِد بن ذكْوَان أَبُو الْحسن. الرَّابِع: الرّبيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره عين مُهْملَة: بنت معوذ، بِلَفْظ الْفَاعِل من التعويذ بِالْعينِ الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة: الْأَنْصَارِيَّة من المبايعات تَحت الشَّجَرَة، وَلها قدر عَظِيم، وَقَالَ الغسائي: معوذ، بِفَتْح الْوَاو، وَيُقَال بِكَسْرِهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن مُسَددًا وَشَيْخه بصريان وَأَن خَالِدا من أهل الْمَدِينَة، سكن الْبَصْرَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصحابية وخَالِد تَابِعِيّ صَغِير لَيْسَ لَهُ من الصَّحَابَة سوى الرّبيع هَذِه وَهِي أَيْضا من صغَار الصَّحَابَة وَلم يخرج البُخَارِيّ من حَدِيثه عَن غَيرهَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن أبي بكر بن نَافِع، وَعَن يحيى بن يحيى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن الرّبيع) ، فِي رِوَايَة مُسلم من وَجه آخر: عَن خَالِد سَأَلت الرّبيع. قَوْله: (إِلَى قرى الْأَنْصَار) وَزَاد مُسلم: (الَّتِي حول الْمَدِينَة) . قَوْله: (صبياننا) زَاد مُسلم: (الصغار وَنَذْهَب بهم إِلَى الْمَسْجِد) . قَوْله: (فليصم) أَي: فليستمر على صَوْمه. قَوْله: (كُنَّا نصومه) أَي: نَصُوم عَاشُورَاء. قَوْله: (اللعبة) ، بِضَم اللَّام وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا: لعب الْبَنَات. قَوْله: (من العهن) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء وَهُوَ الصُّوف، وَقد فسره البُخَارِيّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي فِي آخر الحَدِيث: قيل: العهن الصُّوف الْمَصْبُوغ. قَوْله: (أعطيناه ذَلِك حَتَّى يكون عِنْد الْإِفْطَار) ، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (أعطيناها إِيَّاه عِنْد الْإِفْطَار) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وصنيع اللّعب من العهن وَهُوَ الصُّوف الْأَحْمَر لصوم الصّبيان، وَلَعَلَّ النَّبِي ﷺ لم يعلم بذلك، وبعيد أَن يكون أَمر بذلك، لِأَنَّهُ تَعْذِيب صَغِير بِعبَادة شاقة غير متكررة فِي السّنة، ورد عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث رزينة (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَأْمر برضعائه فِي عَاشُورَاء، ورضعاء فَاطِمَة، فيتفل فِي أَفْوَاههم وَيَأْمُر أمهاتهم أَن لَا يرضعن إِلَى اللَّيْل) . ورزينة، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الزَّاي، كَذَا ضَبطه بَعضهم وَضَبطه شَيخنَا بِخَطِّهِ بِضَم الرَّاء، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : رزينة، خادمة رَسُول الله ﷺ ومولاة زَوجته صَفِيَّة، رَوَت عَنْهَا ابْنَتهَا أمة الله، وروى أَبُو يعلى الْموصِلِي: حَدثنَا عبد الله بن عمر القواريري (حَدَّثتنَا علية عَن أمهَا، قَالَت: قلت لأمة الله بنت رزينة يَا أمة الله حدثتك أمك رزينة أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يذكر صَوْم عَاشُورَاء؟ قَالَت: نعم، وَكَانَ يعظمه حَتَّى يَدْعُو برضعائه ورضعاء ابْنَته فَاطِمَة، فيتفل فِي أفواههن وَيَقُول للأمهات: لَا ترضعونهن إِلَى اللَّيْل) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فَقَالَ علية بنت الْكُمَيْت عَن أمهَا أُمْنِية.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن صَوْم عَاشُورَاء كَانَ فرضا قبل أَن يفْرض رَمَضَان. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة تمرين الصّبيان. وَفِيه: أَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ فعلنَا كَذَا فِي عهد النَّبِي ﷺ ، كَانَ حكمه الرّفْع لِأَن سُكُوته ﷺ عَن ذَلِك يدل على تقريرهم عَلَيْهِ، إِذْ لَو لم يكن رَاضِيا بذلك لأنكر عَلَيْهِم.
٨٤ - (بابُ الوِصالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وصال الصَّائِم صَوْمه بِالنَّهَارِ وبالليل جَمِيعًا، وَلم يذكر حكمه اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب من الْأَحَادِيث.
стр. 3179
وَمن قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالى ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ونَهَى النبيُّ ﷺ عَنهُ رَحْمَةً لَهُمْ وإبْقَاءً عَلَيْهِمْ ومَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ
كل هَذَا من التَّرْجَمَة، وَهِي تشْتَمل على ثَلَاثَة فُصُول:
الأول: قَوْله: (وَمن قَالَ، وَهُوَ فِي مَحل الْجَرّ عطفا على لفظ الْوِصَال، تَقْدِيره: وَبَاب فِي بَيَان من قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيْل صِيَام، يَعْنِي: اللَّيْل لَيْسَ محلا للصَّوْم، لِأَن الله تَعَالَى جعل حد الصَّوْم إِلَى اللَّيْل فَلَا يدْخل فِي حكم مَا قبله، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَقد ورد فِيهِ حَدِيث مَرْفُوع رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخَيْر: (إِن الله لم يكْتب الصّيام بِاللَّيْلِ، فَمن صَامَ فقد بغى وَلَا أجر لَهُ) ، أخرجه ابْن السكن وَغَيره من الصَّحَابَة، والدولابي وَغَيره فِي (الكنى) كلهم من طَرِيق أبي فَرْوَة الرهاوي عَن معقل الْكِنْدِيّ عَن عبَادَة بن نسى عَنهُ وَقَالَ ابْن مَنْدَه غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ: مَا أرى عبارَة سمع من أبي سعيد الْخَيْر، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: حَدِيث أبي سعيد الْخَيْر لم أَقف عَلَيْهِ، وَقد اخْتلف فِي صحبته، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: أَبُو سعيد الْخَيْر صَحَابِيّ، روى عَن النَّبِي ﷺ ، وروى عَنهُ قيس ابْن الْحَارِث الْكِنْدِيّ وفراس الشَّعْبَانِي، وَقَالَ شَيخنَا: وروى عَنهُ مِمَّن لم يذكرهُ يُونُس بن حليس ومهاجر بن دِينَار وَابْن لأبي سعيد الْخَيْر غير مُسَمّى، وَذكره الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّحَابَة، وروى لَهُ خَمْسَة أَحَادِيث، وَقيل: هُوَ أَبُو سعيد الْخَيْر بِزِيَادَة يَاء آخر الْحُرُوف، وَهَكَذَا ذكر أَبُو أَحْمد الْحَاكِم فِي (الكنى) فَقَالَ: سعيد الْخَيْر لَهُ صُحْبَة مَعَ النَّبِي ﷺ حَدِيثه فِي أهل الشَّام. وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ، فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : أَبُو سعيد الْخَيْر الْأَنمَارِي، وَقيل: أَبُو سعيد الْخَيْر: اسْمه عَامر بن سعد، شَامي، لَهُ فِي الشَّفَاعَة وَفِي الْوضُوء، روى عَنهُ قيس بن الْحَارِث وَعبادَة بن نسي. وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم، بعد أَن روى لَهُ حَدِيثا، قَالَ: أَبُو سعيد الْأَنمَارِي، وَيُقَال: أَبُو سعيد الْخَيْر لَهُ صُحْبَة من النَّبِي ﷺ ، قَالَ: وَلست أحفظ لَهُ إسما وَلَا نسبا إِلَى أقْصَى أَب فجعلهما اثْنَيْنِ، وَجمع الطَّبَرَانِيّ بَين الترجمتين فجعلهما تَرْجَمَة وَاحِدَة، وَقَالَ شَيخنَا: وَقد قيل إِن أَبَا سعيد الْخَيْر هُوَ أَبُو سعيد الحبراني الْحِمصِي الَّذِي روى عَن أبي هُرَيْرَة، وَرُوِيَ عَنهُ حُصَيْن الحبراني، وعَلى هَذَا فَهُوَ تَابِعِيّ، وَهَكَذَا ذكره الْعجلِيّ فِي (الثِّقَات) : فَقَالَ: شَامي تَابِعِيّ، ثِقَة، وَكَذَا ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) التَّابِعين، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَيُقَال: إسمه زِيَاد، وَيُقَال: عَامر بن سعد، قَالَ الْحَافِظ الْمزي: وأراهما اثْنَيْنِ، وَالله أعلم.
الْفَصْل الثَّانِي: قَوْله: (وَنهى النَّبِي ﷺ عَنهُ) أَي عَن الْوِصَال، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِلَفْظ: (نهى النَّبِي ﷺ رَحْمَة لَهُم) ، على مَا يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وإبقاء عَلَيْهِم) أَي: على الْأمة، وَأَرَادَ حفظا لَهُم فِي بَقَاء أبدانهم على قوتها، وروى أَبُو دَاوُد وَغَيره من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن رجل من الصَّحَابَة، قَالَ: (نهى النَّبِي، ﷺ ، عَن الْحجامَة والمواصلة وَلم يحرمهما إبْقَاء على أَصْحَابه) ، وَإِسْنَاده صَحِيح.
الْفَصْل الثَّالِث: قَوْله: (وَمَا يكره من التعمق) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عطف إِمَّا على الضَّمِير الْمَجْرُور، وَإِمَّا على قَوْله: (رَحْمَة) . أَي: لكَرَاهَة التعمق، وَهُوَ تكلّف مَا لم يُكَلف، وعمق الْوَادي قَعْره، وَقيل: وَمَا يكره من التعمق من كَلَام البُخَارِيّ مَعْطُوف على قَوْله: (الْوِصَال) أَي: بَاب ذكر الْوِصَال وَذكر مَا يكره من التعمق، وَقد روى البُخَارِيّ فِي كتاب التَّمَنِّي، من طَرِيق ثَابت بن قيس (عَن أنس، فِي قصَّة الْوِصَال، فَقَالَ، ﷺ : لَو مد بِي الشَّهْر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم) .
١٦٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثني يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ قَالَ حدَّثني قَتَادَةُ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهِ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَا تُوَاصِلُوا قالُوا إنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ لَسْتُ كأحَدٍ مِنْكُمْ إنِّي أطعَمُ وأُسْقَى أوْ أنِّي أبيتُ أُطْعَمُ وأُسْقَى. (انْظُر الحَدِيث ١٦٩١ وطرفه فِي: ١٤٢٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فَإِنَّهُ يُوضح جَوَاب التَّرْجَمَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان.
وَأخرجه مُسلم من رِوَايَة سُلَيْمَان عَن ثَابت (عَن أنس قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَان) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (فَأخذ يواصل
стр. 3180
رَسُول الله ﷺ ، وَذَلِكَ فِي آخر الشَّهْر، فَأخذ رجال من أَصْحَابه يواصلون، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : مَا بَال رجال يواصلون؟ إِنَّكُم لَسْتُم مثلي. أما وَالله! لَو تماد بِي الشَّهْر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم) . وَفِي لفظ لَهُ: (إِنِّي لست مثلكُمْ، إِنِّي أظل يطعمني رَبِّي ويسقيني) ، وَفِي لفظ: (إِنِّي لست كهيئتكم.
قَوْله: (إِنِّي: لست كأحدٍ مِنْكُم) . وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (كأحدكم) ، وَفِي حَدِيث ابْن عمر: (إِنِّي لست مثلكُمْ) ، وَفِي حَدِيث أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم: (لَسْتُم فِي ذَلِك مثلي) وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة سَيَأْتِي، (وَأَيكُمْ مثلي) . أَي على صِفَتي أَو منزلتي من رَبِّي. قَوْله: (أَو إِنِّي أَبيت) ، الشَّك من شُعْبَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن بهز عَنهُ: (إِنِّي أظل أَو قَالَ: أَنِّي أَبيت) وَقد رَوَاهُ سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة بِلَفْظ: (إِن رَبِّي يطعمني ويسقيني) ، أخرجه التِّرْمِذِيّ. قَوْله: (لَا تواصلوا) نهي، وَأَدْنَاهُ يَقْتَضِي الْكَرَاهَة.
وَلَكِن اخْتلفُوا: هَل هِيَ رِوَايَة تَنْزِيه أَو تَحْرِيم؟ على وَجْهَيْن حَكَاهُمَا صَاحب (الْمُهَذّب) وَغَيره، أصَحهمَا عِنْدهم: أَن الْكَرَاهَة للتَّحْرِيم. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَهُوَ ظَاهر كَلَام الشَّافِعِي، وَحكى صَاحب (الْمُفْهم) عَن قوم: أَنه يحرم، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَب أهل الظَّاهِر. قَالَ: وَذهب الْجُمْهُور وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَجَمَاعَة من أهل الْفِقْه إِلَى كَرَاهَته، وَذهب آخَرُونَ إِلَى جَوَاز الْوِصَال لمن قوي عَلَيْهِ، وَمِمَّنْ كَانَ يواصل عبد الله بن الزبير وَابْن عَامر وَابْن وضاح من الْمَالِكِيَّة، كَانَ يواصل أَرْبَعَة أَيَّام، حَكَاهُ ابْن حزم. وَقد حكى القَاضِي عِيَاض عَن ابْن وهب وَإِسْحَاق وَابْن حَنْبَل أَنهم أَجَازُوا الْوِصَال، وَالْجُمْهُور ذَهَبُوا إِلَى أَن الْوِصَال من خَواص النَّبِي ﷺ لقَوْله: (إِنِّي لست كَأحد مِنْكُم) ، وَهَذَا دَال على التَّخْصِيص، وَأما غَيره من الْأمة فَحَرَام عَلَيْهِ. وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) (من حَدِيث عَائِشَة: كَانَ يُصَلِّي بعد الْعَصْر وَينْهى عَنْهَا، ويواصل وَينْهى عَن الْوِصَال) ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ من الصَّحَابَة عَليّ بن أبي طَالب وَأبي هُرَيْرَة وَأَبُو سعيد وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَاحْتج من أَبَاحَ الْوِصَال بقول عَائِشَة: (نَهَاهُم عَن الْوِصَال رَحْمَة لَهُم) ، فَقَالُوا: إِنَّمَا نَهَاهُم رفقا لَا إلزاما لَهُم، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِكَوْن النَّبِي ﷺ وَاصل بِأَصْحَابِهِ يَوْمَيْنِ حِين أَبَوا أَن ينْتَهوا. قَالَ صَاحب (الْمُفْهم) : وَهُوَ يدل على أَن الْوِصَال لَيْسَ بِحرَام وَلَا مَكْرُوه من حَيْثُ هُوَ وصال، لَكِن من حَيْثُ يذهب بِالْقُوَّةِ. وَأجَاب المحرمون عَن الْحَدِيثين، بِأَن قَالُوا: لَا يمْنَع قَوْله: (رَحْمَة لَهُم) أَن يكون مَنْهِيّا عَنهُ للتَّحْرِيم، وَسبب تَحْرِيمه الشَّفَقَة عَلَيْهِم لِئَلَّا يتكلفوا مَا يشق عَلَيْهِم، قَالُوا: وَأما وصاله بهم فلتأكيد الزّجر وَبَيَان الْحِكْمَة فِي نهيهم والمفسدة المترتبة على الْوِصَال، وَهِي الْملَل من الْعِبَادَة وَخَوف التَّقْصِير فِي غَيره من الْعِبَادَات. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وتمكينهم مِنْهُ تنكيل لَهُم، وَمَا كَانَ على طَرِيق الْعقُوبَة لَا يكون من الشَّرِيعَة. فَإِن قلت: كَيفَ يحسن قَوْلهم لَهُ بعد النَّهْي عَن الْوِصَال: (فَإنَّك تواصل؟) وهم أَكثر النَّاس آدابا؟ قلت: لم يكن ذَلِك على سَبِيل الِاعْتِرَاض، وَلَكِن على سَبِيل اسْتِخْرَاج الحكم أَو الْحِكْمَة أَو بَيَان التَّخْصِيص.
قَوْله: (إِنِّي أطْعم وأسقى) اخْتلف فِي تَأْوِيله، فَقيل: إِنَّه على ظَاهره وَأَنه يُؤْتى على الْحَقِيقَة بِطَعَام وشراب يتناولهما فَيكون ذَلِك تَخْصِيص كَرَامَة لَا شركَة فِيهَا لأحد من أَصْحَابه، ورد صَاحب (الْمُفْهم) هَذَا وَقَالَ: لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لما صدق عَلَيْهِ قَوْلهم: (إِنَّك تواصل) ؟ وَلَا ارْتَفع اسْم الْوِصَال عَنهُ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون مُفطرا، وَكَانَ يخرج كَلَامه عَن أَن يكون جَوَابا لما سُئِلَ عَنهُ، وَلِأَن فِي بعض أَلْفَاظه: (إِنِّي أظل عِنْد رَبِّي يطعمني ويسقيني) ، وظل إِنَّمَا يُقَال فِيمَن فعل الشَّيْء نَهَارا، وَبَات فِيمَن يَفْعَله لَيْلًا، وَحِينَئِذٍ كَانَ يلْزم عَلَيْهِ فَسَاد صَوْمه، وَذَلِكَ بَاطِل بِالْإِجْمَاع، وَقيل: إِن الله تَعَالَى يخلق فِيهِ من الشِّبَع والري مَا يُغْنِيه عَن الطَّعَام وَالشرَاب، وَاعْترض صَاحب (الْمُفْهم) على هَذَا أَيْضا وَقَالَ: وَهَذَا القَوْل أَيْضا يبعده النّظر إِلَى حَاله، ﷺ ، فَإِنَّهُ كَانَ يجوع أَكثر مِمَّا يشْبع ويربط على بَطْنه الْحِجَارَة من الْجُوع، وَبعده أَيْضا النّظر إِلَى الْمَعْنى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَو خلق فِيهِ الشِّبَع والري لما وجد لعبادة الصَّوْم روحها الَّذِي هُوَ الْجُوع وَالْمَشَقَّة، وَحِينَئِذٍ كَانَ يكون ترك الْوِصَال أولى. وَقيل: إِن الله تَعَالَى يحفظ عَلَيْهِ قوته من غير طَعَام وشراب، كَمَا يحفظها بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، فَعبر بِالطَّعَامِ والسقيا عَن فائدتهما، وَهِي: الْقُوَّة، وَعَلِيهِ اقْتصر ابْن الْعَرَبِيّ، وَحكى الرَّافِعِيّ عَن المَسْعُودِيّ قَالَ: أصح مَا قيل فِي مَعْنَاهُ أَنِّي أعْطى قُوَّة الطاعم والشارب.
٢٦٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَن نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ نَهَى رسولُ الله ﷺ عنِ الوِصالِ قالُوا إنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وأُسقى. (انْظُر الحَدِيث ٢٢٩١) .
стр. 3181
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب بركَة السّحُور فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن جوَيْرِية عَن نَافِع (عَن عبد الله بن عمر أَن النَّبِي، ﷺ ، وَاصل فواصل النَّاس فشق عَلَيْهِم فنهاهم. .) الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٣٦٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني ابنُ الْهَادِ عنْ عَبْدِ الله بنِ خَبَّابٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقُولُ لَا تُوَاصِلُوا فأيُّكُمْ إذَا أرَادَ أنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ فإنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رسولَ الله قَالَ إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أبيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وساقٍ يَسْقِينِي. (الحَدِيث ٣٦٩١ طرفه فِي: ٧٦٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَابْن الْهَاد هُوَ يزِيد بن أُسَامَة بن الْهَاد اللَّيْثِيّ الْمدنِي، مر فِي الصَّلَاة، وَعبد الله بن الْخَبَّاب بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، من موَالِي الْأَنْصَار وَلَيْسَ الْخَبَّاب بن الْأَرَت الصَّحَابِيّ، وَلَيْسَت لَهُ رِوَايَة إلَاّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَلم يذكر لَهُ رِوَايَة عَن غير أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَتوقف الْجوزجَاني فِي معرفَة حَاله، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَأَبُو سعيد هُوَ الْخُدْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة ابْن الْهَاد أَيْضا وَلم يخرج مُسلم حَدِيث أبي سعيد وعزو الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد إِلَى مُسلم وهم قَوْله: (فليواصل إِلَى السحر) ، وَفِيه رد على من قَالَ: إِن الْإِمْسَاك بعد الْغُرُوب لَا يجوز، وَحَقِيقَة الْوِصَال هُوَ أَن يصل صَوْم يَوْم بِصَوْم يَوْم آخر من غير أكل أَو شرب بَينهمَا، هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي تَحْقِيق الْوِصَال، وَقيل: هُوَ الْإِمْسَاك بعد تَحِلَّة الْفطر، وَحكى فِي حكمه ثَلَاثَة أَقْوَال: التَّحْرِيم، وَالْجَوَاز، وَثَالِثهَا أَنه يواصل إِلَى السحر. قَالَه أَحْمد وَإِسْحَاق.
قَوْله: (كهيئتكم) ، الْهَيْئَة صُورَة الشَّيْء وشكله وحالته، وَالْمعْنَى: إِنِّي لست مثل حالتكم وصفتكم فِي أَن من أكل مِنْكُم أَو شرب انْقَطع وصاله، وَإِنِّي لست مثلكُمْ، ولي قرب من الله، وَهُوَ معنى قَوْله: (أَبيت ولي مطعم يطعمني ليَالِي صيامي، وساقٍ يسقيني) ، فَإِن حملناه على الْحَقِيقَة يكون هَذَا كَرَامَة لَهُ من الله تَعَالَى وخصوصية، وإلَاّ يكون هَذَا فيضا من الله تَعَالَى عَلَيْهِ بِحَيْثُ يسد مسد طَعَامه وَشَرَابه من حَيْثُ إِنَّه يشْغلهُ عَن إحساس الْجُوع والعطش ويقويه على الطَّاعَة ويحرسه من تَحْلِيل يُفْضِي إِلَى كلال القوى وَضعف الْأَعْضَاء. وَقَوله: (لي مطعم) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا بِدُونِ الْوَاو، وَقَوله: (يطعمني) جملَة فعلية حَال أَيْضا من الْأَحْوَال المتداخلة. قَوْله: (وسَاق) أَي: ولي سَاق، وَالْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي: (لي مطعم) . فَافْهَم.
٤٦٩١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ ومُحَمَّدٌ قالَا أخبرنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ نَهَى رسولُ الله ﷺ عنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ فقالُوا إنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ أنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي. (الحَدِيث ٣٦٩١ طرفه فِي: ٧٦٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وعُثْمَانُ بن أبي شيبَة هُوَ أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة، وَكِلَاهُمَا من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام وَعَبدَة هُوَ ابْن سُلَيْمَان.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِيمَان عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (رَحْمَة لَهُم) نصب على التَّعْلِيل، أَي لأجل الترحم لَهُم، وَهَذِه إِشَارَة إِلَى بَيَان السَّبَب فِي مَنعهم عَن الْوِصَال.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ رَحْمَةً لَهُمْ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ. قَوْله: (لم يذكر عُثْمَان) يَعْنِي ابْن أبي شيبَة شَيْخه فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (رَحْمَة لَهُم) يَعْنِي لم يذكر عُثْمَان هَذَا اللَّفْظ فِي رِوَايَته فَدلَّ هَذَا على أَن هَذَا من رِوَايَة مُحَمَّد بن سَلام وَحده، وَقد أخرجه مُسلم عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَعُثْمَان بن أبي شيبَة جَمِيعًا. وَفِيه: (رَحْمَة لَهُم) وَلم يبين أَنَّهَا لَيست فِي رِوَايَة عُثْمَان، وَقد
стр. 3182
أخرجه أَبُو يعلى وَالْحسن بن سُفْيَان فِي مسنديهما عَن عُثْمَان وَلَيْسَ فِيهِ: (رَحْمَة لَهُم) . وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُمَا كَذَلِك. وَأخرجه الجوزقي من طَرِيق مُحَمَّد بن حَاتِم عَن عُثْمَان، وَفِيه: (رَحْمَة لَهُم) ، فَدلَّ هَذَا على أَن عُثْمَان كَانَ تَارَة يذكرهَا وَتارَة يحفظها، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن جَعْفَر الْفرْيَابِيّ عَن عُثْمَان، فَجعل ذَلِك من قَول النَّبِي، ﷺ ، وَلَفظه: (قَالُوا إِنَّك تواصل؟ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ رَحْمَة رحمكم الله بهَا إِنِّي لست كهيئتكم) الحَدِيث، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت البُخَارِيّ قد أخرج حَدِيث الْوِصَال عَن خَمْسَة من الصَّحَابَة، وهم أنس وَعبد الله بن عمر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَعَائِشَة وَأَبُو هُرَيْرَة، وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَجَابِر وَبشير بن الخصاصية وَعبد الله بن ذَر.
فَحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا مُوَاصلَة) ، وَرَوَاهُ أَحْمد عَنهُ (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يواصل من السحر إِلَى السحر) . وَحَدِيث جَابر رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَنهُ: (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَا مُوَاصلَة فِي الصّيام) وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَحَدِيث بشير رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَنْهَا، (قَالَت: كنت أَصوم فأواصل، فنهاني بشير، وَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ نهاني عَن هدا، قَالَ: إِنَّمَا يفعل ذَلِك النَّصَارَى، وَلَكِن صومي كَمَا أَمر الله تَعَالَى، ثمَّ أتمي الصّيام إِلَى اللَّيْل فَإِذا كَانَ اللَّيْل فأفطري) . وَحَدِيث عبد الله بن ذَر رَوَاهُ الْبَغَوِيّ وَابْن قَانِع فِي (معجميهما) عَنهُ: (أَن النَّبِي ﷺ وَاصل بَين يَوْمَيْنِ وَلَيْلَة، فَأَتَاهُ جِبْرِيل، ﵇، فَقَالَ: قبلت مواصلتك وَلَا تحل لأمتك) ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث كلهَا تدل على أَن الْوِصَال من خَصَائِص النَّبِي ﷺ ، وعَلى أَن غَيره مَمْنُوع مِنْهُ إلَاّ مَا وَقع فِيهِ الترخيص من الْإِذْن فِيهِ إِلَى السحر.
٩٤ - (بابُ التَّنْكِيلِ لِمَنْ أكْثَرَ الوِصَالَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تنكيل النَّبِي ﷺ لمن أَكثر الْوِصَال فِي صَوْمه، والتنكيل من النكال وَهُوَ الْعقُوبَة الَّتِي تنكل النَّاس عَن فعل جعلت لَهُ جَزَاء، وَقد نكل بِهِ تنكيلاً وَنكل بِهِ إِذا جعله عِبْرَة لغيره، وَقيد الأكثرية يقْضِي عدم النكال فِي الْقَلِيل، وَلَكِن لَا يلْزم من عدم النكال الْجَوَاز.
رَوَاهُ أنَس عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: روى التنكيل لمن أَكثر الْوِصَال أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب التَّمَنِّي فِي: بَاب مَا يجوز من اللوم، من طَرِيق حميد بن ثَابت (عَن أنس قَالَ: وَاصل النَّبِي ﷺ آخر الشَّهْر وواصل أنَاس من النَّاس، فَبلغ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: لَو مد بِي الشَّهْر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إِنِّي لست مثلكُمْ، إِنِّي أظل يطعمني رَبِّي ويسقيني) . وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا من حَدِيث حميد عَن ثَابت (عَن أنس، قَالَ: وَاصل رَسُول الله، ﷺ ، فِي أول شهر رَمَضَان، فواصل نَاس من الْمُسلمين، فَبَلغهُ ذَلِك، فَقَالَ: لَو مد لنا الشَّهْر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إِنَّكُم لَسْتُم مثلي، أَو قَالَ: إِنِّي لست مثلكُمْ إِنِّي أظل يطعمني رَبِّي ويسقيني) .
٥٦٩١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ نَهَى رسولُ الله ﷺ عنِ الوِصَالِ فِي الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رسولَ الله قَالَ وأيُّكُمْ مِثْلِي إنَّي أبيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي فَلَمَّا أبَوْا أنْ يَنْتَهُوا عنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْما ثُمَّ يَوْما ثُمَّ رَأوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأخَّرَ لَزِدْتُكُمْ كالتَّنْكِيل لَهُمْ حِينَ أبَوْا أنْ يَنْتَهُوا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو تَأَخّر لزدتكم. .) إِلَى آخِره، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم أَيْضا عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن أَبِيه عَن شُعَيْب بِهِ. قَوْله: (حَدثنِي أَبُو سَلمَة) ، ويروى: (أَخْبرنِي) ، هَكَذَا رَوَاهُ شُعَيْب
стр. 3183
عَن الزُّهْرِيّ وَتَابعه عقيل عَن الزُّهْرِيّ كَمَا سَيَأْتِي فِي: بَاب التعذير، وَمعمر كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّمَنِّي، وَتَابعه يُونُس عِنْد مُسلم، وَخَالفهُم عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر، فَرَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، علقه المُصَنّف فِي الْمُحَاربين، وَفِي التَّمَنِّي وَلَيْسَ اخْتِلَافا ضارا، فقد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن خَالِد هَذَا عَن الزُّهْرِيّ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن نمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد، وَأبي سَلمَة جَمِيعًا عَن أبي هُرَيْرَة، أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَكَذَا ذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَن الزبيد تَابع ابْن نمر على الْجمع بَينهمَا. قَوْله: (قَالَ لَهُ رجل) وَفِي رِوَايَة عقيل: (فَقَالَ لَهُ رجل) . قَوْله: (فَلَمَّا أَبَوا) قيل: كَيفَ جَازَ للصحابة مُخَالفَة حكم رَسُول الله، ﷺ ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُم فَهموا من النَّبِي ﷺ أَنه للتنزيه لَا للتَّحْرِيم. قَوْله: (عَن الْوِصَال) ، فِي رِوَايَة الْكشميهني: (من الْوِصَال) . قَوْله: (يَوْمًا ثمَّ يَوْمًا ثمَّ رَأَوْا الْهلَال) ، ظَاهره أَن المواصلة بهم كَانَت يَوْمَيْنِ، وَقد صرح بذلك فِي رِوَايَة معمر. قيل: كَيفَ جوز رَسُول الله ﷺ لَهُم الْوِصَال؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ احْتمل للْمصْلحَة تَأْكِيدًا لزجرهم وبيانا للمفسدة المترتبة على الْوِصَال، وَهِي: الْملَل من الْعِبَادَة والتعرض للتقصير فِي سَائِر الْوَظَائِف. قَوْله: (لَو تَأَخّر) أَي: الْهلَال وَهُوَ الشَّهْر. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز قَول: فَإِن قلت: ورد النَّهْي عَن ذَلِك ﴿﴾ قلت: النَّهْي فِيمَا لَا يتَعَلَّق بالأمور الشَّرْعِيَّة. قَوْله: (لزدتكم) ، أَي: فِي الْوِصَال إِلَى أَن تعجزوا عَنهُ، فتسألوا التَّخْفِيف عَنهُ بِالتّرْكِ. قَوْله: (كالتنكيل) ، وَفِي رِوَايَة معمر: (كالمنكل لَهُم) ، وَوَقع عِنْد الْمُسْتَمْلِي: (كالمنكر) ، من الإنكاء بالراء فِي آخِره، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (المنكي) بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون، على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الْإِنْكَار، قَالَ بَعضهم: المنكي من النكاية. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل من الإنكاء لِأَنَّهُ من بَاب الْمَزِيد، لَا يَذُوق مثل هَذَا إلَاّ من لَهُ يَد فِي التصريف. قَوْله: (حِين أَبَوا) أَي: حِين امْتَنعُوا. قَوْله: (أَن ينْتَهوا) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: الِانْتِهَاء.
٦٦٩١ - حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامٍ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إيَّاكُمْ والوِصَالِ مَرَّتَيْنِ قِيلَ إنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إنِّي أبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي فاكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى وَقع كَذَا غير مَنْسُوب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا يحيى بن مُوسَى، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحيى هُوَ إِمَّا يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي، وَإِمَّا يحيى بن جَعْفَر البُخَارِيّ. قلت: يحيى بن مُوسَى بن عبد ربه بن سَالم أَبُو زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الْحدانِي الْبَلْخِي، يُقَال لَهُ: خت. قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَيحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ.
قَوْله: (إيَّاكُمْ والوصال) مرَّتَيْنِ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن عبد الرَّزَّاق بِهَذَا الْإِسْنَاد: (إيَّاكُمْ والوصال) ، فعلى هَذَا قَوْله: (مرَّتَيْنِ) اخْتِصَار من البُخَارِيّ أَو من شَيْخه، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إيَّاكُمْ والوصال) ثَلَاث مَرَّات، وَإِسْنَاده صَحِيح، وانتصاب الْوِصَال على التحذير يَعْنِي: احْذَرُوا الْوِصَال. قَوْله: (أَبيت) ، كَذَا فِي الطَّرِيقَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة لفظ أَبيت، وَقد تقدم فِي رِوَايَة أنس بِلَفْظ: (أظل) . وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن عَائِشَة، وَأكْثر الرِّوَايَات، وَكَانَ بعض الروَاة عبر عَن (أَبيت) بِلَفْظ: أظل نظرا إِلَى اشتراكهما فِي مُطلق الْكَوْن، أَلا يرى أَنه يُقَال: أضحى فلَان كَذَا، مثلا وَلَا يُرَاد بِهِ تَخْصِيص ذَلِك بِوَقْت الضُّحَى، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا بشر أحدهم بِالْأُنْثَى ظلّ وَجهه مسودا﴾ (النَّحْل: ٨٥) . فَإِن المُرَاد بِهِ مُطلق الْوَقْت وَلَا اخْتِصَاص لذَلِك بنهار دون ليل. قَوْله: (فاكلفوا) بِفَتْح اللَّام لِأَنَّهُ من: كلفت بِهَذَا الْأَمر أكلف، من: بَاب علم يعلم، أَي: أولعت بِهِ، وَالْمعْنَى هَهُنَا: تكلفوا مَا تطيقونه، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، وتطيقونه، صلَة وعائد، أَي الَّذِي تقدرون عَلَيْهِ وَلَا تتكلفوا فَوق مَا تطيقونه فتعجزوا.
٠٥ - (بابُ الوِصَالِ إلَى السَّحَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْوِصَال إِلَى السحر، وَقد مضى أَنه مَذْهَب أَحْمد وَطَائِفَة من أَصْحَاب الحَدِيث، وَمن الشَّافِعِيَّة من قَالَ: إِن هَذَا لَيْسَ بوصال.
стр. 3184
٧٦٩١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثني ابنُ أبي حازِمٍ عنْ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ الله بنِ خَبَّابٍ عنْ أبِي سَعيد الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقُولُ لَا تُوَاصِلوا فأيُّكُمْ أرَادَ أنْ يُوَاصِلَ فلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ قالُوا فإنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رسولَ الله قَالَ إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وساقٍ يَسْقِينِي. (انْظُر الحَدِيث ٣٦٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَيكُمْ أَرَادَ أَن يواصل فليواصل حَتَّى السحر) ، وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، مر فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل، ﵇، فِي كتاب الْإِيمَان، وَابْن أبي حَازِم هُوَ عبد الْعَزِيز، وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ ابْن عبد الله بن الْهَاد.
وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الْوِصَال فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث عَن ابْن الْهَاد ... إِلَى آخِره. فَإِن قلت: روى ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق عُبَيْدَة بن حميد عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح (عَن أبي هُرَيْرَة كَانَ رَسُول الله ﷺ يواصل إِلَى السحر، فَفعل بعض أَصْحَابه ذَلِك، فَنَهَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّك تفعل ذَلِك ... ؟) الحَدِيث، فَظَاهره يُعَارض حَدِيث أبي سعيد هَذَا، فَإِن فِي حَدِيث أبي صَالح إِطْلَاق النَّهْي عَن الْوِصَال، وَفِي حَدِيث أبي سعيد جَوَازه إِلَى السحر. قلت: ذكرُوا أَن رِوَايَة عُبَيْدَة بن حميد شَاذَّة، وَقد خَالفه أَبُو مُعَاوِيَة وَهُوَ أضبط أَصْحَاب الْأَعْمَش، فَلم يذكر ذَلِك، أخرجه أَحْمد وَغَيره عَن أبي مُعَاوِيَة، قيل: على تَقْدِير أَن تكون رِوَايَة عُبَيْدَة مَحْفُوظَة فَالْجَوَاب أَن ابْن خُزَيْمَة جمع بَينهمَا بِأَن يكون النَّهْي عَن الْوِصَال أَولا مُطلقًا سَوَاء فِي ذَلِك جَمِيع اللَّيْل أَو بعضه، ثمَّ خص النَّهْي بِجَمِيعِ اللَّيْل، فأباح الْوِصَال إِلَى السحر، فَيحمل حَدِيث أبي سعيد على هَذَا، وَحَدِيث عُبَيْدَة على الأول، وَقيل: يحمل النَّهْي فِي حَدِيث أبي صَالح على كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَفِي حَدِيث أبي سعيد على مَا فَوق السحر على كَرَاهَة التَّحْرِيم.
١٥ - (بابُ مَنْ أقْسَمَ عَلَى أخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ ولَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذا كانَ أوْفَقَ لَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من حلف على أَخِيه وَكَانَ صَائِما ليفطر، وَالْحَال أَنه كَانَ فِي صَوْم التَّطَوُّع، وَلم ير على هَذَا الْمُفطر قَضَاء عَن ذَلِك الْيَوْم الَّذِي أفطر فِيهِ. قَوْله: (إِذا كَانَ الْإِفْطَار أوفق لَهُ) أَي: للمفطر بِأَن كَانَ مَعْذُورًا فِيهِ، بِأَن عزم عَلَيْهِ أَخُوهُ فِي الْإِفْطَار، وَهَذَا الْقَيْد يدل على أَنه: لَا يفْطر إِذا كَانَ بِغَيْر عذر، وَلَا يتَعَمَّد ذَلِك. ويروى: إِذا كَانَ، يَعْنِي: حِين كَانَ، ويروى: أرْفق، أَيْضا بالراء وبالواو، وَالْمعْنَى صَحِيح فيهمَا، وَهَذَا تصرف البُخَارِيّ واختياره وَفِيه خلاف بَين الْفُقَهَاء سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٨٦٩١ - ح دَّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثنا أبُو الْعُمَيْسِ عنْ عَوْنِ ابنِ أبِي جُحَيْفَة عنْ أبيهِ قَالَ آخَى النبيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمانَ وأبِي الدَّرْدَاءِ فزَارَ سَلْمانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبِذِّلَةً فَقَالَ لَها مَا شَأنُكِ قالَتْ أخُوكَ أبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجاءَ أبُو الدَّرْدَاءِ فصَنَعَ لَهُ طَعَاما فَقَالَ كْلْ قَالَ فإنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أنَا بآكِلٍ حَتَّى تَأكُلَ قَالَ فأكَلَ فلَمَّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدرْدَاءِ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فنامَ ثُمَّ ذهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كانَ منْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمانُ قُمِ الآنَ فَصَلَّيَا فَقال لَهُ سَلْمَانُ إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقَّا ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًا ولأِهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّا فأعْطِ كلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فأتَى النبيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ فقَالَ النبيُّ ﷺ صَدَقَ سَلْمَانُ. (الحَدِيث ٨٦٩١ طرفه فِي: ٩٣١٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَبَا الدَّرْدَاء صنع لسلمان طَعَاما وَكَانَ سلمَان صَائِما فَأفْطر بعد محاورة، ثمَّ لما أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 3185
وَأخْبرهُ بذلك لم يَأْمُرهُ بِالْقضَاءِ، وَقَالَ بَعضهم: ذكر الْقسم لم يَقع فِي حَدِيث أبي جُحَيْفَة هُنَا، وَأما الْقَضَاء فَلَيْسَ فِي شَيْء من طرقه إلَاّ أَن الأَصْل عَدمه، وَقد أقره الشَّارِع، وَلَو كَانَ الْقَضَاء وَاجِبا لبينه مَعَ حَاجته إِلَى الْبَيَان. انْتهى. قلت: فِي رِوَايَة الْبَزَّار عَن مُحَمَّد ابْن بشار شيخ البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث، (فَقَالَ: أَقْسَمت عَلَيْك لتفطرنّ) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان، فَكَأَن شيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن بشار لما حدث بِهَذَا الحَدِيث لم يذكر لَهُ هَذِه الْجُمْلَة، وَبلغ البُخَارِيّ ذَلِك من غَيره فَذكرهَا فِي التَّرْجَمَة، وَإِن لم يَقع فِي رِوَايَته، وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي كتاب الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن بشار بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلم يذكر هَذِه الْجُمْلَة أَيْضا.
وَقيل: الْقسم مُقَدّر قبل قَوْله: (مَا أَنا بآكل) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها﴾ (مَرْيَم: ١٧) . وَأما قَوْله: وَأما الْقَضَاء ... إِلَى آخِره، فَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْقَضَاء ثَبت فِي غَيره من الْأَحَادِيث، ونذكرها الْآن، وَقَوله: فَلَيْسَ فِي شَيْء من طرقه، لَا يسْتَلْزم عدم ذكره الْقَضَاء فِي طرق هَذَا الحَدِيث نفي وجوب الْقَضَاء فِي طرق غَيره، وَقَوله: إلَاّ أَن الأَصْل عَدمه أَي: عدم الْقَضَاء، غير مُسلم، بل الأَصْل وجوب الْقَضَاء، لِأَن الَّذِي يشرع فِي عبَادَة يجب عَلَيْهِ أَن يَأْتِي بهَا وإلَاّ يكون مُبْطلًا لعمله، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ (مُحَمَّد: ٣٣) . فَإِن قلت: قَالَ أَبُو عمر: أما من احْتج فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ (مُحَمَّد: ٣٣) . فجاهل بأقوال أهل الْعلم، وَذَلِكَ أَن الْعلمَاء فِيهَا على قَوْلَيْنِ، فَيَقُول أَكثر أهل السّنة: لَا تبطلوها بالرياء أخلصوها لله تَعَالَى، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم بارتكاب الْكَبَائِر. قلت: من أَيْن لأبي عمر هَذَا الْحصْر.
وَقد اخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقيل: لَا تُبْطِلُوا الطَّاعَات بالكبائر، وَقيل: لَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم بِمَعْصِيَة الله ومعصية رَسُوله، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَا تبطلوها بالرياء والسمعة، عَنهُ بِالشَّكِّ، والنفاق، وَقيل: بالعجب، فَإِن الْعجب يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب. وَقيل: لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى على أَن قَوْله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ (مُحَمَّد: ٣٣) . عَام يتَنَاوَل كل من يبطل عمله، سَوَاء كَانَ فِي صَوْم أَو فِي صَلَاة وَنَحْوهمَا من الْأَعْمَال الْمَشْرُوعَة، فَإِذا نهى عَن إِبْطَاله يجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ ليخرج عَن عُهْدَة مَا شرع فِيهِ وأبطله.
وَأما الْأَحَادِيث الْمَوْعُود بذكرها. فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع حَدثنَا كثير بن هِشَام حَدثنَا جَعْفَر بن برْقَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، (قَالَت: كنت أَنا وَحَفْصَة صائمتين فَعرض لنا طَعَام اشتهيناه، فأكلنا مِنْهُ، فجَاء رَسُول الله ﷺ فبدرتني إِلَيْهِ حَفْصَة وَكَانَت ابْنة أَبِيهَا فَقَالَت: يَا رَسُول الله إِنَّا كُنَّا صائمتين فَعرض لنا طَعَام اشتهيناه فأكلنا مِنْهُ ﴿﴾ فَقَالَ: إقضيا يَوْمًا آخر مَكَانَهُ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة يزِيد بن الْهَاد عَن زميل مولى عُرْوَة عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: أهدي لي ولحفصة طَعَام وَكُنَّا صائمتين فأفطرنا، ثمَّ دخل رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُول الله إِنَّا أهديت لنا هَدِيَّة فاشتهيناها فأفطرنا! فَقَالَ: لَا عَلَيْكُمَا، صوما مَكَانَهُ يَوْمًا آخر) . وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة جَعْفَر بن برْقَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَأخرجه أَيْضا من رِوَايَة يحيى بن أَيُّوب عَن إِسْمَاعِيل بن عقبَة. قَالَ: وَعِنْدِي فِي مَوضِع آخر: أَو إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَ (يحيى بن أَيُّوب وحَدثني صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ مثله، قَالَ النَّسَائِيّ: وجدته فِي مَوضِع آخر عِنْدِي: حَدثنِي صَالح بن كيسَان وَيحيى بن سعيد، مثله. فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَاهُ مَالك بن أنس وَمعمر وَعبيد الله بن عمر وَزِيَاد بن سعد وَغير وَاحِد من الْحفاظ عَن الزُّهْرِيّ عَن عَائِشَة مُرْسلا، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي (الْعِلَل) : سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَا يَصح حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة فِي هَذَا، قَالَ: وجعفر بن برْقَان ثِقَة، وَرُبمَا يخطىء فِي الشَّيْء، وَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي: لَا يَصح عَن عُرْوَة. وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه) بعد أَن رَوَاهُ: هَذَا خطأ. وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) بعد ذكره لهَذَا الحَدِيث: مدَار حَدِيث صَالح بن كيسَان وَيحيى بن سعيد على يحيى بن أَيُّوب وَهُوَ صَالح، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم مَتْرُوك الحَدِيث، وجعفر بن برْقَان فِي الزُّهْرِيّ لَيْسَ بِشَيْء، وسُفْيَان بن حُسَيْن وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر فِي حَدِيثهمَا خطأ كثير، قَالَ: وحفاظ بن شهَاب يَرْوُونَهُ مُرْسلا. قلت: وَقد وَصله آخَرُونَ فجعلوه عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وهم جَعْفَر بن برْقَان وسُفْيَان بن حُسَيْن وَمُحَمّد بن أبي حَفْصَة وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة وَصَالح بن كيسَان وحجاج بن أَرْطَأَة. وَإِذا دَار الحَدِيث بَين الِانْقِطَاع والاتصال فطريق الِاتِّصَال أولى، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين، وَذَلِكَ لِأَن طَرِيق الِانْقِطَاع سَاكِت عَن
стр. 3186
الرَّاوِي وحاله أصلا، وَفِي طَرِيق الِاتِّصَال بَيَان لَهُ، وَلَا مُعَارضَة بَين السَّاكِت والناطق، وَلَئِن سلمنَا أَنه روى مُرْسلا أَنه أصح، وَقد وَافقه حَدِيث مُتَّصِل وَهُوَ حَدِيث عَائِشَة بنت طَلْحَة، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا الْمُزنِيّ قَالَ: حَدثنَا الشَّافِعِي، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن طَلْحَة بن يحيى عَن عمته عَائِشَة بنت طَلْحَة (عَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت: دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَقلت لَهُ: يَا رَسُول الله إِنَّا قد خبأنا لَك حَيْسًا، فَقَالَ: أما إِنِّي كنت أُرِيد الصَّوْم، وَلَكِن قربيه سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك) . قَالَ: مُحَمَّد هُوَ ابْن إِدْرِيس، سَمِعت سُفْيَان عَامَّة مجالستي إِيَّاه لَا يذكر فِيهِ (سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك) ، قَالَ: ثمَّ إِنِّي عرضت عَلَيْهِ الحَدِيث قبل أَن يَمُوت بِسنة فَأجَاب، فِيهِ: سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه الْكَبِير) من طَرِيق الطَّحَاوِيّ وَفِي كِتَابه (الْمعرفَة) أَيْضا، فَفِي هَذَا الحَدِيث ذكر وجوب الْقَضَاء. وَفِي حَدِيث عَائِشَة مَا قد وَافق ذَلِك.
ثمَّ انْظُر مَا أَقُول لَك، من الْعجب العجاب، وَهُوَ أَن أَحْمد قَالَ: هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ جمَاعَة عَن سُفْيَان دون هَذِه اللَّفْظَة، وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن طَلْحَة ابْن يحيى دون اللَّفْظَة مِنْهُم: سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد ووكيع بن الْجراح وَيحيى بن سعيد الْقطَّان ويعلى بن عبيد وَغَيرهم، وَأخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) من حَدِيث عبد الْوَاحِد وَغَيره دون هَذِه اللَّفْظَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن الْكَبِيرَة) : رِوَايَة هَؤُلَاءِ تدل على خطأ هَذِه اللَّفْظَة، وَهَذَا الْعجب العجاب مِنْهُ أَن يخطِّيء هَهُنَا إِمَامه الشَّافِعِي ويخطِّىء مثل سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالشَّافِعِيّ إِمَام ثِقَة، وروى هَذِه اللَّفْظَة من مثل سُفْيَان الَّذِي هُوَ من أكبر مشايخه، ثمَّ لم يذكر خِلَافه عَنهُ، ثمَّ يتَلَفَّظ بِمثل هَذَا الْكَلَام البشيع لأجل تَضْعِيف مَا احتجت بِهِ الْحَنَفِيَّة، وغمض عَيْنَيْهِ من جِهَة الشَّافِعِي وَمن جِهَة شَيْخه، وَلَيْسَ هَذَا من دأب الْعلمَاء الراسخين، فضلا عَن الْعلمَاء المقلدين.
وَأما قَول البُخَارِيّ والذهلي: إِنَّه لَا يَصح، فَهُوَ نفي، وَالْإِثْبَات مقدم عَلَيْهِ. وَقَوله: قَالَ النَّسَائِيّ هَذَا خطأ دَعْوَى بِلَا إِقَامَة برهَان، لِأَن كَونه مُرْسلا على زعمهم لَا يسْتَلْزم كَونه خطأ، وَقَول أبي عمر فِيهِ وهمان: أَحدهمَا: أَن قَوْله: مدَار حَدِيث يحيى بن سعيد على يحيى بن أَيُّوب غَفلَة مِنْهُ، فَإِنَّهُ هُوَ بعد هَذَا بأسطر رَوَاهُ من رِوَايَة أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن يحيى بن سعيد وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة. وَالثَّانِي: أَن قَوْله: وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم مَتْرُوك الحَدِيث، قد انْقَلب عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم فَظن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن حَبِيبَة، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم: مَتْرُوك الحَدِيث وَلَيْسَ هُوَ الرَّاوِي لهَذَا الحَدِيث، وَهَذَا إِسْمَاعِيل بن عقبَة، احْتج بِهِ البُخَارِيّ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الَّتِي تقدّمت وذكرناها آنِفا زميل مولى عُرْوَة عَن عُرْوَة، قَالَ البُخَارِيّ: لَا يَصح لزميل سَماع من عُرْوَة وَلَا ليزِيد من زميل، وَلَا تقوم بِهِ الْحجَّة. قلت: فِي (سنَن) النَّسَائِيّ التَّصْرِيح بِسَمَاع يزِيد مِنْهُ، وَقَول البُخَارِيّ لَا يَصح لزميل سَماع عَن عُرْوَة نفي فَيقدم عَلَيْهِ الْإِثْبَات، وزميل هُوَ ابْن عَبَّاس أَو عَيَّاش مولى عُرْوَة قيل: بِضَم الزَّاي وَفتح الْمِيم، وَقيل: بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْمِيم، وَلِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، طَرِيق آخر رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن عِيسَى عَن ابْن وهب عَن جرير بن حَازِم عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، الحَدِيث وَفِي آخِره قَالَ: صوما يَوْمًا مَكَانَهُ، وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن ابْن قُتَيْبَة عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) وَأحسن حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث ابْن الْهَاد عَن زميل عَن عُرْوَة، وَحَدِيث جرير بن حَازِم عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس، أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة خطاب بن الْقَاسِم عَن خصيف عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي، ﷺ ، دخل على حَفْصَة وَعَائِشَة وهما صائمتان، ثمَّ خرج فَرجع وهما يأكلان، فَقَالَ: ألم تَكُونَا صائمتين؟ قَالَتَا: بلَى، وَلَكِن أهدي لنا هَذَا الطَّعَام فأعجبنا فأكلنا مِنْهُ، فَقَالَ: صوما يَوْمًا مَكَانَهُ) فَإِن قلت: قَالَ النَّسَائِيّ وَابْن عبد الْبر: هَذَا الحَدِيث مُنكر؟ قلت: إِنَّمَا قَالَا ذَلِك بِسَبَب خطاب ابْن الْقَاسِم عَن خصيف، لِأَن فيهمَا مقَالا فِيمَا قَالَه عبد الْحق، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: خطاب ثِقَة، قَالَه ابْن معِين وَأَبُو زرْعَة، وَلَا أحفظ لغَيْرِهِمَا فِيهِ مَا يُنَاقض ذَلِك. وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَيحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة وَالْعجلِي: خصيف ثِقَة، عَن ابْن معِين: صَالح، وَعنهُ: لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَعَن أَحْمد لَيْسَ بِحجَّة.
وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي (تَارِيخ الضُّعَفَاء) من حَدِيث مُحَمَّد ابْن أبي سَلمَة عَن مُحَمَّد بن عمر وَعَن أبي سَلمَة (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أهديت لعَائِشَة وَحَفْصَة هَدِيَّة وهما صائمتان فأكلتا مِنْهَا، فذكرتا ذَلِك لرَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: اقضيا يَوْمًا مَكَانَهُ وَلَا تعودا) . أوردهُ فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن أبي سَلمَة الْمَكِّيّ، وَقَالَ: لَا يُتَابع على حَدِيثه.
وَمِنْهَا: حَدِيث أم سَلمَة، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ
стр. 3187
فِي الْأَفْرَاد من رِوَايَة مُحَمَّد بن حميد عَن الضَّحَّاك بن حمرَة عَن مَنْصُور بن أبان (عَن الْحسن عَن أمه عَن أم سَلمَة: أَنَّهَا صَامت يَوْمًا تَطَوّعا، فأفطرت، فَأمرهَا رَسُول الله، ﷺ ، أَن تقضي يَوْمًا مَكَانَهُ) . فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ الضَّحَّاك عَن مَنْصُور، وَالضَّحَّاك لَيْسَ بِشَيْء، قَالَه ابْن معِين وَمُحَمّد بن حميد: كَذَّاب، قَالَه أَبُو زرْعَة؟ قلت: الضَّحَّاك بن حمرَة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَبعد الْمِيم رَاء: الأملوكي الوَاسِطِيّ، ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَإِذا كَانَ الضَّحَّاك ثِقَة لَا يروي عَن كَذَّاب.
وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ، قَالَ: (صنع رجل من أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، طَعَاما، فَدَعَا النَّبِي، ﷺ ، وأصحابا لَهُ، فَلَمَّا أُتِي بِالطَّعَامِ تنحى أحدهم، فَقَالَ لَهُ، ﷺ : مَا لَك؟ فَقَالَ: إِنِّي صَائِم، فَقَالَ، ﷺ : تكلّف لَك أَخُوك وصنع، ثمَّ تَقول: إِنِّي صَائِم؟ كُلْ، وصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ) . وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث سعيد بن أبي الْحسن (عَن ابْن عَبَّاس: أَنه أخبر أَصْحَابه أَنه صَامَ ثمَّ خرج عَلَيْهِم وَرَأسه يقطر، فَقَالُوا: ألم تَكُ صَائِما؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِن مرت بِي جَارِيَة لي فأعجبتني فأصبتها وَكَانَت حَسَنَة، فهممت بهَا وَأَنا قاضيها يَوْمًا آخر) . وَأخرج ابْن حزم فِي (الْمحلى) من طَرِيق وَكِيع (عَن سيف بن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ قَالَ: خرج عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْمًا على الصَّحَابَة، فَقَالَ: إِنِّي أَصبَحت صَائِما، فمرت بِي جَارِيَة فَوَقَعت عَلَيْهَا، فَمَا ترَوْنَ؟ قَالَ: فَلم يألوا مَا شكوا عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أصبت حَلَالا وتقضي يَوْمًا مَكَانَهُ، قَالَ لَهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَنْت أحْسنهم فتيا) . وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن عُثْمَان البتي عَن أنس ابْن سِيرِين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه: صَامَ يَوْم عَرَفَة فعطش عطشا شَدِيدا فَأفْطر، فَسَأَلَ عدَّة من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، فأمروه أَن يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ) .
وَرُوِيَ وجوب الْقَضَاء عَن أبي بكر وَعمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَجَابِر بن عبد الله وَعَائِشَة وَأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن جُبَير فِي قَول، وَأبي حنيفَة وَمَالك وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد ﵏. وَمذهب مُجَاهِد وطاووس وَعَطَاء وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: أَن المتطوع بِالصَّوْمِ إِذا أفطر بِعُذْر أَو بِغَيْر عذر لَا قَضَاء عَلَيْهِ، إلَاّ أَنه يحب هُوَ أَن يَقْضِيه، وَرُوِيَ ذَلِك عَن سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث أم هانىء رَوَاهُ أَحْمد عَنْهَا: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، شرب شرابًا فناولها لتشرب، فَقَالَت إِنِّي صَائِمَة، وَلَكِنِّي كرهت أَن أرد سؤرك، فَقَالَ: إِن كَانَ من قَضَاء رَمَضَان فاقضي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَإِن شِئْت فاقضي. وَإِن شِئْت فَلَا تقضي) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من ثَلَاث طرق، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: أَنبأَنَا شُعْبَة: كنت أسمع سماك بن حَرْب يَقُول: حَدثنِي أحد بني أم هانىء فَلَقِيت أفضلهم، وَكَانَ اسْمه جعدة، (فَحَدثني عَن جدته أَن رَسُول الله، ﷺ : دخل عَلَيْهَا فدعى بشراب فَشرب ثمَّ ناولها فَشَرِبت فَقَالَت يارسول الله أما اني كنت صَائِمَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ الصَّائِم المتطوع أَمِير نَفسه، إِن شَاءَ صَامَ وَإِن شَاءَ أفطر) . قَالَ شُعْبَة: فَقلت لَهُ: أَنْت سَمِعت هَذَا من أم هانىء؟ قَالَ: لَا أَخْبرنِي أَبُو صَالح، وأهلنا عَن أم هانىء، وروى حَمَّاد بن سَلمَة هَذَا الحَدِيث عَن سماك، فَقَالَ: ابْن بنت أم هانىء، وَرِوَايَة شُعْبَة أحسن. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أم هانىء فِي إِسْنَاده مقَال؟ قلت: هَذَا الحَدِيث فِيهِ اضْطِرَاب متْنا وسندا. أما الأول: فَظَاهر، وَقد ذكر فِيهِ أَنه كَانَ يَوْم الْفَتْح، وَهِي أسلمت عَام الْفَتْح، وَكَانَ الْفَتْح فِي رَمَضَان، فَكيف لَا يلْزمهَا قَضَاؤُهُ؟ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (مُخْتَصر سنَن الْبَيْهَقِيّ) : وَلَا أرَاهُ يَصح، فَإِن يَوْم الْفَتْح كَانَ صَومهَا فرضا لِأَنَّهُ رَمَضَان. وَقَالَ غَيره: وَمِمَّا يوهن هَذَا الْخَبَر أَنَّهَا يَوْم الْفَتْح فَلَا يجوز لَهَا أَن تكون متطوعة لِأَنَّهَا كَانَت فِي شهر رَمَضَان قطعا.
وَأما اضْطِرَاب سَنَده فَاخْتلف سماك فِيهِ، فَتَارَة رَوَاهُ عَن أبي صَالح، وَتارَة عَن جعدة، وَتارَة عَن هَارُون. أما أَبُو صَالح فَهُوَ باذان، وَيُقَال: باذام ضَعَّفُوهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: ضَعِيف لَا يحْتَج بِخَبَرِهِ، وَقَالَ فِي: بَاب أصل الْقسَامَة: أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس ضَعِيف، وَعَن الْكَلْبِيّ، قَالَ لي أَبُو صَالح: كل مَا حدثتك بِهِ كذب، وَفِي (السّنَن الْكُبْرَى) للنسائي: هُوَ ضَعِيف الحَدِيث، وَعَن حبيب بن أبي ثَابت: كُنَّا نُسَمِّيه: الدرودن،، وَهُوَ باللغة الفارسية: الْكذَّاب. وَقَالَ النَّسَائِيّ: وَقد رُوِيَ أَنه قَالَ فِي مَرضه: كل شَيْء حدثتكم بِهِ فَهُوَ كذب. وَأما جعدة فمجهول، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لم يسمعهُ جعدة عَن أم هانىء. وَأما هَارُون فمجهول الْحَال، قَالَه ابْن الْقطَّان. وَاخْتلف فِي نسبه، فَقيل:
стр. 3188
ابْن أم هانىء، وَقيل: ابْن هانىء، وَقيل: ابْن ابْنة أم هانىء، وَقيل: هَذَا وهم، فَإِنَّهُ لَا يعرف لَهَا بنت، وَقَالَ النَّسَائِيّ: اخْتلف على سماك فِيهِ، وَسماك لَا يعْتَمد عَلَيْهِ إِذا انْفَرد بِالْحَدِيثِ، وَقد رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره من غير طَرِيق سماك فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ قَوْله: (فَإِن شِئْت فاقضيه وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه) . وَلم يرو هَذَا اللَّفْظ عَن سماك غير حَمَّاد بن سَلمَة. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة حَاتِم بن أبي صعيرة وَأبي عوَانَة كِلَاهُمَا عَن سماك، وَلَيْسَ فِيهِ هَذِه اللَّفْظَة.
ذكر رجال الحَدِيث: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة. الثَّانِي: جَعْفَر ابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون: أَبُو عون المَخْزُومِي الْقرشِي. الثَّالِث: أَبُو العميس، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة، واسْمه: عتبَة بن عبد الله بن مَسْعُود، وَقد مر فِي زِيَادَة الْإِيمَان. الرَّابِع: عون بن أبي جُحَيْفَة. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء. واسْمه: وهب بن عبد الله السوَائِي.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن مُحَمَّد بن بشار بَصرِي ويلقب ببندار لِأَنَّهُ كَانَ بندارا فِي الحَدِيث، والبندار: الْحَافِظ، وَهُوَ شيخ الْجَمَاعَة، والبقية كوفيون. وَفِيه: أَن هَذَا الحَدِيث لم يروه إلَاّ أَبُو العميس عَن عون بن أبي جُحَيْفَة، وَلَا لأبي العميس راوٍ إلَاّ جَعْفَر بن عون، وأنهما منفردان بذلك، نبه عَلَيْهِ الْبَزَّار، وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الْأَدَب، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد ابْن بشار فِي الزّهْد، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (آخى النَّبِي ﷺ من المؤاخاة وَهِي اتِّخَاذ الْأُخوة بَين الْإِثْنَيْنِ، يُقَال: وآخاه مواخاة وإخاء وتآخيا على تفاعلاً، وتأخيت إخاء، أَي: اتَّخذت أَخا، ذكر أهل السّير والمغازي: أَن المؤاخاة بَين الصَّحَابَة وَقعت مرَّتَيْنِ: الأولى: قبل الْهِجْرَة بَين الْمُهَاجِرين خَاصَّة على الْمُوَاسَاة والمناصرة، وَكَانَ من ذَلِك أخوة زيد بن حَارِثَة وَحَمْزَة بن عبد الْمطلب، ثمَّ آخى النَّبِي، ﷺ ، بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، بعد أَن هَاجر وَذَلِكَ بعد قدومه الْمَدِينَة. فَإِن قلت: روى الْوَاقِدِيّ عَن الزُّهْرِيّ أَنه كَانَ يُنكر كل مؤاخاة وَقعت بعد بدر، وَيَقُول: قطعت بدر الْمَوَارِيث، وسلمان إِنَّمَا أسلم بعد وقْعَة أحد، وَأول مُشَاهدَة الخَنْدَق. قلت: الَّذِي قَالَه الزُّهْرِيّ إِنَّمَا يُرِيد بِهِ المؤاخاة الْمَخْصُوصَة الَّتِي كَانَت عقدت بَينهم ليتوارثوا بهَا، ومؤاخاة سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء إِنَّمَا كَانَت على المؤاساة، والمؤاخاة الْمَخْصُوصَة لَا تدفع المؤاخاة من أَصْلهَا. وروى ابْن سعد من طَرِيق حميد بن هِلَال، قَالَ: وآخى بَين سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، فَنزل سلمَان الْكُوفَة وَنزل أَبُو الدَّرْدَاء الشَّام. قَوْله: (فزار سلمَان أَبَا الدَّرْدَاء) ، يَعْنِي فِي عهد النَّبِي ﷺ ، فَوجدَ أَبَا الدَّرْدَاء غَائِبا فَرَأى أم الدَّرْدَاء متبذلة، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة، أَي: لابسة ثِيَاب البذلة، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: وَهِي المهنة وزنا وَمعنى وَالْمرَاد: أَنَّهَا تاركة للبس ثِيَاب الزِّينَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مبتذلة، بِتَقْدِيم الْبَاء الْمُوَحدَة وَالتَّخْفِيف من الابتذال من بَاب الافتعال، ومعناهما وَاحِد، وَوَقع فِي (الْحِلْية) لأبي نعيم بِإِسْنَاد آخر إِلَى أم الدَّرْدَاء عَن أبي الدَّرْدَاء: أَن سلمَان دخل عَلَيْهِ فَرَأى امْرَأَته رثَّة الْهَيْئَة، فَذكر الْقِصَّة مختصرة، وَأم الدَّرْدَاء هَذِه اسْمهَا: خيرة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بنت أبي حَدْرَد الأسْلَمِيَّة، صحابية بنت صَحَابِيّ، وحديثها عَن النَّبِي، ﷺ ، فِي (مُسْند أَحْمد) وَغَيره، وَمَاتَتْ قبل أبي الدَّرْدَاء، وَلأبي الدَّرْدَاء امْرَأَة أُخْرَى أَيْضا يُقَال لَهَا: أم الدَّرْدَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَيْضا اسْمهَا: هجيمة تابعية، عاشت بعده دهرا، وروت عَنهُ. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا. قَوْله: (فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنك؟) وَزَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته: (يَا أم الدَّرْدَاء؟) . قَوْله: (لَيست لَهُ حَاجَة فِي الدُّنْيَا) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر عَن مُحَمَّد بن عون (فِي نسَاء الدُّنْيَا) ، وَزَاد فِيهِ ابْن خُزَيْمَة عَن يُوسُف بن مُوسَى عَن جَعْفَر بن عون: (يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل) . قَوْله: (فجَاء أَبُو الدَّرْدَاء) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَرَحَّبَ بسلمان وَقرب إِلَيْهِ طَعَاما) . قَوْله: (فَقَالَ: كل. قَالَ: فَإِنِّي صَائِم) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ
стр. 3189
(فَقَالَ: كل فَإِنِّي صَائِم) . فعلى رِوَايَة أبي ذَر الْقَائِل بقوله: كل، هُوَ سلمَان، وَالْمقول لَهُ هُوَ: أَبُو الدَّرْدَاء، وَهُوَ الْمُجيب بِأَنَّهُ صَائِم، وعَلى رِوَايَة التِّرْمِذِيّ الْقَائِل بقوله: كل، هُوَ أَبُو الدَّرْدَاء، وَالْمقول لَهُ سلمَان. قَوْله: (قَالَ: مَا أَنا بآكل) أَي: قَالَ سلمَان: مَا أَنا بآكل من طَعَامك حَتَّى تَأْكُل، وَالْخطاب لأبي الدَّرْدَاء. قَوْله: (فَأكل) أَي: أَبُو الدَّرْدَاء، ويروى: فأكلا، يَعْنِي سلمَان وَأَبا الدَّرْدَاء. قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل) ، يَعْنِي أول اللَّيْل ذهب أَبُو الدَّرْدَاء يقوم يَعْنِي للصَّلَاة، وَمحل: يقوم، نصب على الْحَال. قَوْله: (فَقَالَ: نم) ، أَي: قَالَ سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: نم، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد من وَجه آخر مُرْسلا، (فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاء: أتمنعني أَن أَصوم لرَبي وأصلي لرَبي؟) قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ من آخر اللَّيْل) ، أَرَادَ عِنْد السحر، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَعند التِّرْمِذِيّ: (فَلَمَّا كَانَ عِنْد الصُّبْح) ، وَفِي رِوَايَة الدراقطني: (فَلَمَّا كَانَ فِي وَجه الصُّبْح) . قَوْله: (قَالَ سلمَان: قُم الْآن) أَي: قَالَ سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: قُم فِي هَذَا الْوَقْت، يَعْنِي: وَقت السحر. قَوْله: (فَصَليَا) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فقاما وصليا، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: (فقاما وتوضآ ثمَّ ركعا ثمَّ خرجا إِلَى الصَّلَاة) . قَوْله: (ولأهلك عَلَيْك حَقًا) ، وَزَاد التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة: (ولضيفك عَلَيْك حَقًا) . وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ: (فصُمْ وأفْطِرْ وصَلِّ ونَمْ وائتِ أهْلَك) . قَوْله: (فَأتي النَّبِي ﷺ ، أَي: فَأتى أَبُو الدَّرْدَاء النَّبِي ﷺ فَذكر ذَلِك، أَي: مَا ذكر من الْأُمُور لَهُ، أَي: للنَّبِي، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَأتيَا) ، بالتثنية. وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (ثمَّ خرجا إِلَى الصَّلَاة، فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاء، ليخبر النَّبِي، ﷺ ، بِالَّذِي قَالَ لَهُ سلمَان، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاء ﴿إِن لجسدك عَلَيْك حَقًا) . مثل مَا قَالَ سلمَان، فَفِي هَذِه الرِّوَايَة أَن النَّبِي ﷺ أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنَّهُ علم بطرِيق الْوَحْي مَا دَار بَينهمَا، وَلَيْسَ ذَلِك فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار، وَيُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ كاشفهما بذلك أَولا ثمَّ أطلعه أَبُو الدَّرْدَاء على صُورَة الْحَال، فَقَالَ لَهُ: صدق سلمَان، وروى هَذَا الحَدِيث الطَّبَرَانِيّ من وَجه آخر عَن مُحَمَّد بن سِيرِين مُرْسلا، فعين اللَّيْلَة الَّتِي بَات سلمَان فِيهَا عِنْد أبي الدَّرْدَاء، وَلَفظه: (قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء يحيى لَيْلَة الْجُمُعَة ويصوم يَوْمهَا، فَأَتَاهُ سلمَان) ، فَذكر الْقِصَّة مختصرة، وَزَاد فِي آخرهَا: (فَقَالَ النَّبِي ﷺ : عُوَيْمِر﴾ سلمَان أفقه مِنْك) . انْتهى، وعويمر تَصْغِير: عَامر، أسم لأبي الدَّرْدَاء، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْحِلْية) : (فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لقد أُوتِيَ سلمَان من الْعلم) ، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد: (لقد أشْبع سلمَان علما) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز الْفطر من صَوْم التَّطَوُّع، لما ترْجم لَهُ البُخَارِيّ، ثمَّ الْقَضَاء هَل يجب عَلَيْهِ أم لَا؟ قد ذَكرْنَاهُ مَعَ الْخلاف فِيهِ، وَقد نقل ابْن التِّين عَن مَذْهَب مَالك: أَنه لَا يفْطر لضيف نزل بِهِ، وَلَا لمن حلف عَلَيْهِ بِالطَّلَاق وَالْعتاق، وَكَذَا لَو حلف هُوَ بِاللَّه ليفطرنَّ كفر، وَلَا يفْطر. وَسَيَأْتِي من حَدِيث أنس: أَن النَّبِي ﷺ لم يفْطر لما زَارَهُ سليم وَكَانَ صَائِما تَطَوّعا، وَقد صَحَّ عَن عَائِشَة أَنه ﷺ كَانَ يفْطر من صَوْم التَّطَوُّع، وَزَاد بَعضهم فِيهِ: (فَأكل ثمَّ قَالَ: لَكِن أَصوم يَوْمًا مَكَانَهُ) . وَفِي (الْمَبْسُوط) : بعد الشُّرُوع فِي الصَّوْم لَا يُبَاح لَهُ الْإِفْطَار بِغَيْر عذر عندنَا، فَيكون بالإفطار جانيا، فَيلْزمهُ الْقَضَاء، وَلَا خلاف أَنه يُبَاح لَهُ الْإِفْطَار بِعُذْر.
وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي الضِّيَافَة، فروى هِشَام عَن مُحَمَّد أَنه يُبِيح الْفطر، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة: أَنه لَا يكون عذرا، وروى ابْن أبي مَالك عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة: أَنه عذر، وَهُوَ الْأَظْهر، وَيجب الْقَضَاء فِي الْإِفْطَار بِعُذْر كَانَ أَو بِغَيْر عذر، وَكَانَ الْإِفْطَار بصنعه أَو بِغَيْر صنعه، كالصائمة تَطَوّعا إِذا حَاضَت عَلَيْهَا الْقَضَاء فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي (الفتاوي) : دعِي إِلَى طَعَام وَهُوَ صَائِم فِي النَّفْل إِن صنع لأَجله، فَلَا بَأْس بِأَن يفْطر. وَعَن مُحَمَّد: إِن دخل على أَخ لَهُ فَدَعَاهُ أفطر وَقيل: إِن تأذى بامتناعه أفطر، وَعَن الْحسن: أَنه لَا يفْطر إلَاّ بِعُذْر. وَفِي (الْمُنْتَقى) : لَهُ أَن يفْطر. قيل: تَأْوِيله بِعُذْر، وَقيل: قبل الزَّوَال لَهُ أَن يفْطر وَبعده لَا يفْطر، وَفِي الْقَضَاء وَصَوْم الْفَرْض لَا يفْطر، وَعَن مُحَمَّد: لَا بَأْس بِهِ.
وَإِن حلف غَيره بِطَلَاق امْرَأَته أَن يفْطر، قَالَ نصير وَخلف بن أَيُّوب: لَا يفْطر. ودعه يَحْنَث، وَعَن مُحَمَّد: لَا بَأْس بِأَن يفْطر، وَإِن كَانَ فِي قَضَاء. وَفِي (الْمُحِيط) إِن حلف بِطَلَاق امْرَأَته يفْطر فِي التَّطَوُّع دون الْقَضَاء. وَهُوَ قَول أبي اللَّيْث. وَفِي (المرغيناني) : الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن صَاحب الدعْوَة إِذا كَانَ رَضِي بِمُجَرَّد حُضُوره لَا يفْطر، وَقَالَ الْحلْوانِي: أحسن مَا قيل فِيهِ إِن كَانَ يَثِق من نَفسه بِالْقضَاءِ يفْطر وإلَاّ فَلَا يفْطر، وَإِن كَانَ فِيهِ أَذَى لمُسلم، وَفِي (المأمونية) لِلْحسنِ بن زِيَاد: إِذا دعِي إِلَى وَلِيمَة فليجب وَلَا يفْطر فِي
стр. 3190
التَّطَوُّع، فَإِن أقسم عَلَيْهِ أهل الْوَلِيمَة فَأفْطر فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن كَانَ يتَأَذَّى يفْطر وَيَقْضِي، وَبعد الزَّوَال لَا يفْطر إلَاّ إِذا كَانَ فِي تَركه عقوق بالوالدين أَو بِأَحَدِهِمَا.
وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة المواخاة فِي الله. وَفِيه: زِيَارَة الإخوان وَالْمَبِيت عِنْدهم. وَفِيه: جَوَاز مُخَاطبَة الْأَجْنَبِيَّة للْحَاجة. وَفِيه: السُّؤَال عَمَّا تترتب عَلَيْهِ الْمصلحَة وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِر لَا يتَعَلَّق بالسائل. وَفِيه: النصح للْمُسلمِ وتنبيه من كَانَ غافلاً. وَفِيه: فضل قيام آخر اللَّيْل. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة تَزْيِين الْمَرْأَة لزَوجهَا. وَفِيه: ثُبُوت حق الْمَرْأَة على الزَّوْج فِي حسن الْعشْرَة، وَقد يُؤْخَذ مِنْهُ ثُبُوت حَقّهَا فِي الْوَطْء. لقَوْله: (ولأهلك عَلَيْك حَقًا) ، وَفِيه: جَوَاز النَّهْي عَن المستحبات إِذا خشِي إِن ذَلِك يُفْضِي إِلَى السَّآمَة والملل وتفويت الْحُقُوق الْمَطْلُوبَة الْوَاجِبَة أَو المندوبة الرَّاجِح فعلهَا على فعل الْمُسْتَحبّ. وَفِيه: أَن الْوَعيد الْوَارِد على من نهى مُصَليا عَن الصَّلَاة مَخْصُوص بِمن نَهَاهُ ظلما وعدوانا. وَفِيه: كَرَاهِيَة الْحمل على النَّفس فِي الْعِبَادَة. وَفِيه: النّوم للتقوي على الصّيام، وَفِيه: النَّهْي عَن الغلو فِي الدّين.
٢٥ - (بابُ صَوْمَ شَعْبَانَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَوْم شهر شعْبَان، وَهَذَا الْبَاب أول شُرُوعه فِي التطوعات من الصّيام، واشتقاق شعْبَان من الشّعب، وَهُوَ الِاجْتِمَاع، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يتشعب فِيهِ خير كثير كرمضان، وَقيل: لأَنهم كَانُوا يتشعبون فِيهِ بعد التَّفْرِقَة، وَيجمع على: شعابين، وشعبانات، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سمي بذلك لتشعبهم فِيهِ، أَي: لتفرقهم فِي طلب الْمِيَاه. وَفِي (الْمُحكم) سمي بذلك لتشعبهم فِي الغارات، وَقَالَ ثَعْلَب: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا سمي شعبانا لِأَنَّهُ: شَعَبَ، أَي: ظهر بَين رَمَضَان وَرَجَب، وَعَن ثَعْلَب: كَانَ شعْبَان شهرا تتشعب فِيهِ الْقَبَائِل، أَي تتفرق لقصد الْمُلُوك والتماس الْعَطِيَّة، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَأما الْأَحَادِيث الَّتِي فِي صَلَاة النّصْف مِنْهُ فَذكر أَبُو الْخطاب أَنَّهَا مَوْضُوعَة، وفيهَا عِنْد التِّرْمِذِيّ حَدِيث مَقْطُوع قلت: هُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع، حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن يحيى بن أبي كثير عَن عُرْوَة: (عَن عَائِشَة قَالَت: فقدت رَسُول الله، ﷺ ، فَخرجت فَإِذا هُوَ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: أكنتِ تَخَافِينَ أَن يَحِيف الله عَلَيْك وَرَسُوله؟ قلت: يَا رَسُول الله! ظَنَنْت أَنَّك أتيت بعض نِسَائِك، فَقَالَ: إِن الله ، ينزل لَيْلَة النّصْف من شعْبَان إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيغْفر لأكْثر من عدد شعر غنم بني كلب) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث عَائِشَة لَا نعرفه إلَاّ من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث الْحجَّاج، وَسمعت مُحَمَّدًا يضعف هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عُرْوَة، وَالْحجاج لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا من طَرِيق يزِيد بن هَارُون، وَقَول أبي الْخطاب: إِنَّه مَقْطُوع هُوَ أَنه مُنْقَطع فِي موضِعين: أَحدهمَا: مَا بَين الْحجَّاج وَيحيى، وَالْآخر: مَا بَين يحيى وَعُرْوَة. فَإِن قلت: أثبت ابْن معِين ليحيى السماع من عُرْوَة. قلت: اتّفق البُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم على أَنه لم يسمع مِنْهُ، والمثبت مقدم على النَّافِي، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَهُوَ مَقْطُوع فِي مَوضِع وَاحِد، وَلَا يخرج عَن الِانْقِطَاع.
وروى ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن أبي سُبْرَة عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن عَليّ بن أبي طَالب، كرم الله وَجهه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَقومُوا لَيْلهَا وصوموا نَهَارهَا، فَإِن الله تَعَالَى ينزل فِيهَا لغروب الشَّمْس إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: ألَا مَن يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ أَلا من يسترزق فأرزقه؟ ألَا من مبتلَى فأعافيه؟ ألَا كَذَا؟ ألَا كَذَا؟ حَتَّى يطلع الْفجْر) . وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَابْن أبي سُبْرَة هُوَ أَبُو بكر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سُبْرَة مفتي الْمَدِينَة وقاضي بَغْدَاد ضَعِيف، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد هُوَ ابْن أبي يحيى ضعفه الْجُمْهُور، ولعلي بن أبي طَالب حَدِيث آخر، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ لَيْلَة النّصْف من شعْبَان قَامَ فصلى أَربع عشرَة رَكْعَة، ثمَّ جلس، فَقَرَأَ بِأم الْقُرْآن أَربع عشرَة مرّة) الحَدِيث. وَفِي آخِره: (من صنع هَكَذَا لَكَانَ لَهُ كعشرين حجَّة مبرورة، وكصيام عشْرين سنة مَقْبُولَة، فَإِن أصبح فِي ذَلِك الْيَوْم صَائِما كَانَ لَهُ كصيام سِتِّينَ سنة مَاضِيَة، وَسِتِّينَ سنة مُسْتَقْبلَة) . رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) وَقَالَ: هَذَا مَوْضُوع، وَإِسْنَاده مظلم. ولعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَدِيث آخر رَوَاهُ أَيْضا فِي (الموضوعات) فِيهِ: (من صلى مائَة رَكْعَة فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان) الحَدِيث، وَقَالَ: لَا شكّ أَنه مَوْضُوع، وَكَانَ بَين الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن الصّلاح وَالشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام فِي هَذِه الصَّلَاة مقاولات، فَابْن الصّلاح يزْعم أَن لَهَا أصلا من السّنة، وَابْن عبد السَّلَام يُنكره.
وَأما الْوقُود فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَزعم ابْن دحْيَة أَن أول مَا كَانَ
следующие страницы →