← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

الرَّاوِي وحاله أصلا، وَفِي طَرِيق الِاتِّصَال بَيَان لَهُ، وَلَا مُعَارضَة بَين السَّاكِت والناطق، وَلَئِن سلمنَا أَنه روى مُرْسلا أَنه أصح، وَقد وَافقه حَدِيث مُتَّصِل وَهُوَ حَدِيث عَائِشَة بنت طَلْحَة، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا الْمُزنِيّ قَالَ: حَدثنَا الشَّافِعِي، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن طَلْحَة بن يحيى عَن عمته عَائِشَة بنت طَلْحَة (عَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت: دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَقلت لَهُ: يَا رَسُول الله إِنَّا قد خبأنا لَك حَيْسًا، فَقَالَ: أما إِنِّي كنت أُرِيد الصَّوْم، وَلَكِن قربيه سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك) . قَالَ: مُحَمَّد هُوَ ابْن إِدْرِيس، سَمِعت سُفْيَان عَامَّة مجالستي إِيَّاه لَا يذكر فِيهِ (سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك) ، قَالَ: ثمَّ إِنِّي عرضت عَلَيْهِ الحَدِيث قبل أَن يَمُوت بِسنة فَأجَاب، فِيهِ: سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه الْكَبِير) من طَرِيق الطَّحَاوِيّ وَفِي كِتَابه (الْمعرفَة) أَيْضا، فَفِي هَذَا الحَدِيث ذكر وجوب الْقَضَاء. وَفِي حَدِيث عَائِشَة مَا قد وَافق ذَلِك. ثمَّ انْظُر مَا أَقُول لَك، من الْعجب العجاب، وَهُوَ أَن أَحْمد قَالَ: هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ جمَاعَة عَن سُفْيَان دون هَذِه اللَّفْظَة، وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن طَلْحَة ابْن يحيى دون اللَّفْظَة مِنْهُم: سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد ووكيع بن الْجراح وَيحيى بن سعيد الْقطَّان ويعلى بن عبيد وَغَيرهم، وَأخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) من حَدِيث عبد الْوَاحِد وَغَيره دون هَذِه اللَّفْظَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن الْكَبِيرَة) : رِوَايَة هَؤُلَاءِ تدل على خطأ هَذِه اللَّفْظَة، وَهَذَا الْعجب العجاب مِنْهُ أَن يخطِّيء هَهُنَا إِمَامه الشَّافِعِي ويخطِّىء مثل سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالشَّافِعِيّ إِمَام ثِقَة، وروى هَذِه اللَّفْظَة من مثل سُفْيَان الَّذِي هُوَ من أكبر مشايخه، ثمَّ لم يذكر خِلَافه عَنهُ، ثمَّ يتَلَفَّظ بِمثل هَذَا الْكَلَام البشيع لأجل تَضْعِيف مَا احتجت بِهِ الْحَنَفِيَّة، وغمض عَيْنَيْهِ من جِهَة الشَّافِعِي وَمن جِهَة شَيْخه، وَلَيْسَ هَذَا من دأب الْعلمَاء الراسخين، فضلا عَن الْعلمَاء المقلدين. وَأما قَول البُخَارِيّ والذهلي: إِنَّه لَا يَصح، فَهُوَ نفي، وَالْإِثْبَات مقدم عَلَيْهِ. وَقَوله: قَالَ النَّسَائِيّ هَذَا خطأ دَعْوَى بِلَا إِقَامَة برهَان، لِأَن كَونه مُرْسلا على زعمهم لَا يسْتَلْزم كَونه خطأ، وَقَول أبي عمر فِيهِ وهمان: أَحدهمَا: أَن قَوْله: مدَار حَدِيث يحيى بن سعيد على يحيى بن أَيُّوب غَفلَة مِنْهُ، فَإِنَّهُ هُوَ بعد هَذَا بأسطر رَوَاهُ من رِوَايَة أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن يحيى بن سعيد وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة. وَالثَّانِي: أَن قَوْله: وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم مَتْرُوك الحَدِيث، قد انْقَلب عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم فَظن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن حَبِيبَة، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم: مَتْرُوك الحَدِيث وَلَيْسَ هُوَ الرَّاوِي لهَذَا الحَدِيث، وَهَذَا إِسْمَاعِيل بن عقبَة، احْتج بِهِ البُخَارِيّ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الَّتِي تقدّمت وذكرناها آنِفا زميل مولى عُرْوَة عَن عُرْوَة، قَالَ البُخَارِيّ: لَا يَصح لزميل سَماع من عُرْوَة وَلَا ليزِيد من زميل، وَلَا تقوم بِهِ الْحجَّة. قلت: فِي (سنَن) النَّسَائِيّ التَّصْرِيح بِسَمَاع يزِيد مِنْهُ، وَقَول البُخَارِيّ لَا يَصح لزميل سَماع عَن عُرْوَة نفي فَيقدم عَلَيْهِ الْإِثْبَات، وزميل هُوَ ابْن عَبَّاس أَو عَيَّاش مولى عُرْوَة قيل: بِضَم الزَّاي وَفتح الْمِيم، وَقيل: بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْمِيم، وَلِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، طَرِيق آخر رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن عِيسَى عَن ابْن وهب عَن جرير بن حَازِم عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، الحَدِيث وَفِي آخِره قَالَ: صوما يَوْمًا مَكَانَهُ، وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن ابْن قُتَيْبَة عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) وَأحسن حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث ابْن الْهَاد عَن زميل عَن عُرْوَة، وَحَدِيث جرير بن حَازِم عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس، أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة خطاب بن الْقَاسِم عَن خصيف عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي، ﷺ ، دخل على حَفْصَة وَعَائِشَة وهما صائمتان، ثمَّ خرج فَرجع وهما يأكلان، فَقَالَ: ألم تَكُونَا صائمتين؟ قَالَتَا: بلَى، وَلَكِن أهدي لنا هَذَا الطَّعَام فأعجبنا فأكلنا مِنْهُ، فَقَالَ: صوما يَوْمًا مَكَانَهُ) فَإِن قلت: قَالَ النَّسَائِيّ وَابْن عبد الْبر: هَذَا الحَدِيث مُنكر؟ قلت: إِنَّمَا قَالَا ذَلِك بِسَبَب خطاب ابْن الْقَاسِم عَن خصيف، لِأَن فيهمَا مقَالا فِيمَا قَالَه عبد الْحق، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: خطاب ثِقَة، قَالَه ابْن معِين وَأَبُو زرْعَة، وَلَا أحفظ لغَيْرِهِمَا فِيهِ مَا يُنَاقض ذَلِك. وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَيحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة وَالْعجلِي: خصيف ثِقَة، عَن ابْن معِين: صَالح، وَعنهُ: لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَعَن أَحْمد لَيْسَ بِحجَّة. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي (تَارِيخ الضُّعَفَاء) من حَدِيث مُحَمَّد ابْن أبي سَلمَة عَن مُحَمَّد بن عمر وَعَن أبي سَلمَة (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أهديت لعَائِشَة وَحَفْصَة هَدِيَّة وهما صائمتان فأكلتا مِنْهَا، فذكرتا ذَلِك لرَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: اقضيا يَوْمًا مَكَانَهُ وَلَا تعودا) . أوردهُ فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن أبي سَلمَة الْمَكِّيّ، وَقَالَ: لَا يُتَابع على حَدِيثه. وَمِنْهَا: حَدِيث أم سَلمَة، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ

стр. 3187

فِي الْأَفْرَاد من رِوَايَة مُحَمَّد بن حميد عَن الضَّحَّاك بن حمرَة عَن مَنْصُور بن أبان (عَن الْحسن عَن أمه عَن أم سَلمَة: أَنَّهَا صَامت يَوْمًا تَطَوّعا، فأفطرت، فَأمرهَا رَسُول الله، ﷺ ، أَن تقضي يَوْمًا مَكَانَهُ) . فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ الضَّحَّاك عَن مَنْصُور، وَالضَّحَّاك لَيْسَ بِشَيْء، قَالَه ابْن معِين وَمُحَمّد بن حميد: كَذَّاب، قَالَه أَبُو زرْعَة؟ قلت: الضَّحَّاك بن حمرَة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَبعد الْمِيم رَاء: الأملوكي الوَاسِطِيّ، ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَإِذا كَانَ الضَّحَّاك ثِقَة لَا يروي عَن كَذَّاب. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ، قَالَ: (صنع رجل من أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، طَعَاما، فَدَعَا النَّبِي، ﷺ ، وأصحابا لَهُ، فَلَمَّا أُتِي بِالطَّعَامِ تنحى أحدهم، فَقَالَ لَهُ، ﷺ : مَا لَك؟ فَقَالَ: إِنِّي صَائِم، فَقَالَ، ﷺ : تكلّف لَك أَخُوك وصنع، ثمَّ تَقول: إِنِّي صَائِم؟ كُلْ، وصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ) . وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث سعيد بن أبي الْحسن (عَن ابْن عَبَّاس: أَنه أخبر أَصْحَابه أَنه صَامَ ثمَّ خرج عَلَيْهِم وَرَأسه يقطر، فَقَالُوا: ألم تَكُ صَائِما؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِن مرت بِي جَارِيَة لي فأعجبتني فأصبتها وَكَانَت حَسَنَة، فهممت بهَا وَأَنا قاضيها يَوْمًا آخر) . وَأخرج ابْن حزم فِي (الْمحلى) من طَرِيق وَكِيع (عَن سيف بن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ قَالَ: خرج عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْمًا على الصَّحَابَة، فَقَالَ: إِنِّي أَصبَحت صَائِما، فمرت بِي جَارِيَة فَوَقَعت عَلَيْهَا، فَمَا ترَوْنَ؟ قَالَ: فَلم يألوا مَا شكوا عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أصبت حَلَالا وتقضي يَوْمًا مَكَانَهُ، قَالَ لَهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَنْت أحْسنهم فتيا) . وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن عُثْمَان البتي عَن أنس ابْن سِيرِين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه: صَامَ يَوْم عَرَفَة فعطش عطشا شَدِيدا فَأفْطر، فَسَأَلَ عدَّة من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، فأمروه أَن يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ) . وَرُوِيَ وجوب الْقَضَاء عَن أبي بكر وَعمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَجَابِر بن عبد الله وَعَائِشَة وَأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن جُبَير فِي قَول، وَأبي حنيفَة وَمَالك وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد ﵏. وَمذهب مُجَاهِد وطاووس وَعَطَاء وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: أَن المتطوع بِالصَّوْمِ إِذا أفطر بِعُذْر أَو بِغَيْر عذر لَا قَضَاء عَلَيْهِ، إلَاّ أَنه يحب هُوَ أَن يَقْضِيه، وَرُوِيَ ذَلِك عَن سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث أم هانىء رَوَاهُ أَحْمد عَنْهَا: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، شرب شرابًا فناولها لتشرب، فَقَالَت إِنِّي صَائِمَة، وَلَكِنِّي كرهت أَن أرد سؤرك، فَقَالَ: إِن كَانَ من قَضَاء رَمَضَان فاقضي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَإِن شِئْت فاقضي. وَإِن شِئْت فَلَا تقضي) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من ثَلَاث طرق، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: أَنبأَنَا شُعْبَة: كنت أسمع سماك بن حَرْب يَقُول: حَدثنِي أحد بني أم هانىء فَلَقِيت أفضلهم، وَكَانَ اسْمه جعدة، (فَحَدثني عَن جدته أَن رَسُول الله، ﷺ : دخل عَلَيْهَا فدعى بشراب فَشرب ثمَّ ناولها فَشَرِبت فَقَالَت يارسول الله أما اني كنت صَائِمَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ الصَّائِم المتطوع أَمِير نَفسه، إِن شَاءَ صَامَ وَإِن شَاءَ أفطر) . قَالَ شُعْبَة: فَقلت لَهُ: أَنْت سَمِعت هَذَا من أم هانىء؟ قَالَ: لَا أَخْبرنِي أَبُو صَالح، وأهلنا عَن أم هانىء، وروى حَمَّاد بن سَلمَة هَذَا الحَدِيث عَن سماك، فَقَالَ: ابْن بنت أم هانىء، وَرِوَايَة شُعْبَة أحسن. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أم هانىء فِي إِسْنَاده مقَال؟ قلت: هَذَا الحَدِيث فِيهِ اضْطِرَاب متْنا وسندا. أما الأول: فَظَاهر، وَقد ذكر فِيهِ أَنه كَانَ يَوْم الْفَتْح، وَهِي أسلمت عَام الْفَتْح، وَكَانَ الْفَتْح فِي رَمَضَان، فَكيف لَا يلْزمهَا قَضَاؤُهُ؟ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (مُخْتَصر سنَن الْبَيْهَقِيّ) : وَلَا أرَاهُ يَصح، فَإِن يَوْم الْفَتْح كَانَ صَومهَا فرضا لِأَنَّهُ رَمَضَان. وَقَالَ غَيره: وَمِمَّا يوهن هَذَا الْخَبَر أَنَّهَا يَوْم الْفَتْح فَلَا يجوز لَهَا أَن تكون متطوعة لِأَنَّهَا كَانَت فِي شهر رَمَضَان قطعا. وَأما اضْطِرَاب سَنَده فَاخْتلف سماك فِيهِ، فَتَارَة رَوَاهُ عَن أبي صَالح، وَتارَة عَن جعدة، وَتارَة عَن هَارُون. أما أَبُو صَالح فَهُوَ باذان، وَيُقَال: باذام ضَعَّفُوهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: ضَعِيف لَا يحْتَج بِخَبَرِهِ، وَقَالَ فِي: بَاب أصل الْقسَامَة: أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس ضَعِيف، وَعَن الْكَلْبِيّ، قَالَ لي أَبُو صَالح: كل مَا حدثتك بِهِ كذب، وَفِي (السّنَن الْكُبْرَى) للنسائي: هُوَ ضَعِيف الحَدِيث، وَعَن حبيب بن أبي ثَابت: كُنَّا نُسَمِّيه: الدرودن،، وَهُوَ باللغة الفارسية: الْكذَّاب. وَقَالَ النَّسَائِيّ: وَقد رُوِيَ أَنه قَالَ فِي مَرضه: كل شَيْء حدثتكم بِهِ فَهُوَ كذب. وَأما جعدة فمجهول، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لم يسمعهُ جعدة عَن أم هانىء. وَأما هَارُون فمجهول الْحَال، قَالَه ابْن الْقطَّان. وَاخْتلف فِي نسبه، فَقيل:

стр. 3188

ابْن أم هانىء، وَقيل: ابْن هانىء، وَقيل: ابْن ابْنة أم هانىء، وَقيل: هَذَا وهم، فَإِنَّهُ لَا يعرف لَهَا بنت، وَقَالَ النَّسَائِيّ: اخْتلف على سماك فِيهِ، وَسماك لَا يعْتَمد عَلَيْهِ إِذا انْفَرد بِالْحَدِيثِ، وَقد رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره من غير طَرِيق سماك فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ قَوْله: (فَإِن شِئْت فاقضيه وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه) . وَلم يرو هَذَا اللَّفْظ عَن سماك غير حَمَّاد بن سَلمَة. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة حَاتِم بن أبي صعيرة وَأبي عوَانَة كِلَاهُمَا عَن سماك، وَلَيْسَ فِيهِ هَذِه اللَّفْظَة. ذكر رجال الحَدِيث: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة. الثَّانِي: جَعْفَر ابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون: أَبُو عون المَخْزُومِي الْقرشِي. الثَّالِث: أَبُو العميس، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة، واسْمه: عتبَة بن عبد الله بن مَسْعُود، وَقد مر فِي زِيَادَة الْإِيمَان. الرَّابِع: عون بن أبي جُحَيْفَة. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء. واسْمه: وهب بن عبد الله السوَائِي. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن مُحَمَّد بن بشار بَصرِي ويلقب ببندار لِأَنَّهُ كَانَ بندارا فِي الحَدِيث، والبندار: الْحَافِظ، وَهُوَ شيخ الْجَمَاعَة، والبقية كوفيون. وَفِيه: أَن هَذَا الحَدِيث لم يروه إلَاّ أَبُو العميس عَن عون بن أبي جُحَيْفَة، وَلَا لأبي العميس راوٍ إلَاّ جَعْفَر بن عون، وأنهما منفردان بذلك، نبه عَلَيْهِ الْبَزَّار، وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الْأَدَب، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد ابْن بشار فِي الزّهْد، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (آخى النَّبِي ﷺ من المؤاخاة وَهِي اتِّخَاذ الْأُخوة بَين الْإِثْنَيْنِ، يُقَال: وآخاه مواخاة وإخاء وتآخيا على تفاعلاً، وتأخيت إخاء، أَي: اتَّخذت أَخا، ذكر أهل السّير والمغازي: أَن المؤاخاة بَين الصَّحَابَة وَقعت مرَّتَيْنِ: الأولى: قبل الْهِجْرَة بَين الْمُهَاجِرين خَاصَّة على الْمُوَاسَاة والمناصرة، وَكَانَ من ذَلِك أخوة زيد بن حَارِثَة وَحَمْزَة بن عبد الْمطلب، ثمَّ آخى النَّبِي، ﷺ ، بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، بعد أَن هَاجر وَذَلِكَ بعد قدومه الْمَدِينَة. فَإِن قلت: روى الْوَاقِدِيّ عَن الزُّهْرِيّ أَنه كَانَ يُنكر كل مؤاخاة وَقعت بعد بدر، وَيَقُول: قطعت بدر الْمَوَارِيث، وسلمان إِنَّمَا أسلم بعد وقْعَة أحد، وَأول مُشَاهدَة الخَنْدَق. قلت: الَّذِي قَالَه الزُّهْرِيّ إِنَّمَا يُرِيد بِهِ المؤاخاة الْمَخْصُوصَة الَّتِي كَانَت عقدت بَينهم ليتوارثوا بهَا، ومؤاخاة سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء إِنَّمَا كَانَت على المؤاساة، والمؤاخاة الْمَخْصُوصَة لَا تدفع المؤاخاة من أَصْلهَا. وروى ابْن سعد من طَرِيق حميد بن هِلَال، قَالَ: وآخى بَين سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، فَنزل سلمَان الْكُوفَة وَنزل أَبُو الدَّرْدَاء الشَّام. قَوْله: (فزار سلمَان أَبَا الدَّرْدَاء) ، يَعْنِي فِي عهد النَّبِي ﷺ ، فَوجدَ أَبَا الدَّرْدَاء غَائِبا فَرَأى أم الدَّرْدَاء متبذلة، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة، أَي: لابسة ثِيَاب البذلة، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: وَهِي المهنة وزنا وَمعنى وَالْمرَاد: أَنَّهَا تاركة للبس ثِيَاب الزِّينَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مبتذلة، بِتَقْدِيم الْبَاء الْمُوَحدَة وَالتَّخْفِيف من الابتذال من بَاب الافتعال، ومعناهما وَاحِد، وَوَقع فِي (الْحِلْية) لأبي نعيم بِإِسْنَاد آخر إِلَى أم الدَّرْدَاء عَن أبي الدَّرْدَاء: أَن سلمَان دخل عَلَيْهِ فَرَأى امْرَأَته رثَّة الْهَيْئَة، فَذكر الْقِصَّة مختصرة، وَأم الدَّرْدَاء هَذِه اسْمهَا: خيرة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بنت أبي حَدْرَد الأسْلَمِيَّة، صحابية بنت صَحَابِيّ، وحديثها عَن النَّبِي، ﷺ ، فِي (مُسْند أَحْمد) وَغَيره، وَمَاتَتْ قبل أبي الدَّرْدَاء، وَلأبي الدَّرْدَاء امْرَأَة أُخْرَى أَيْضا يُقَال لَهَا: أم الدَّرْدَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَيْضا اسْمهَا: هجيمة تابعية، عاشت بعده دهرا، وروت عَنهُ. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا. قَوْله: (فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنك؟) وَزَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته: (يَا أم الدَّرْدَاء؟) . قَوْله: (لَيست لَهُ حَاجَة فِي الدُّنْيَا) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر عَن مُحَمَّد بن عون (فِي نسَاء الدُّنْيَا) ، وَزَاد فِيهِ ابْن خُزَيْمَة عَن يُوسُف بن مُوسَى عَن جَعْفَر بن عون: (يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل) . قَوْله: (فجَاء أَبُو الدَّرْدَاء) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَرَحَّبَ بسلمان وَقرب إِلَيْهِ طَعَاما) . قَوْله: (فَقَالَ: كل. قَالَ: فَإِنِّي صَائِم) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ

стр. 3189

(فَقَالَ: كل فَإِنِّي صَائِم) . فعلى رِوَايَة أبي ذَر الْقَائِل بقوله: كل، هُوَ سلمَان، وَالْمقول لَهُ هُوَ: أَبُو الدَّرْدَاء، وَهُوَ الْمُجيب بِأَنَّهُ صَائِم، وعَلى رِوَايَة التِّرْمِذِيّ الْقَائِل بقوله: كل، هُوَ أَبُو الدَّرْدَاء، وَالْمقول لَهُ سلمَان. قَوْله: (قَالَ: مَا أَنا بآكل) أَي: قَالَ سلمَان: مَا أَنا بآكل من طَعَامك حَتَّى تَأْكُل، وَالْخطاب لأبي الدَّرْدَاء. قَوْله: (فَأكل) أَي: أَبُو الدَّرْدَاء، ويروى: فأكلا، يَعْنِي سلمَان وَأَبا الدَّرْدَاء. قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل) ، يَعْنِي أول اللَّيْل ذهب أَبُو الدَّرْدَاء يقوم يَعْنِي للصَّلَاة، وَمحل: يقوم، نصب على الْحَال. قَوْله: (فَقَالَ: نم) ، أَي: قَالَ سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: نم، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد من وَجه آخر مُرْسلا، (فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاء: أتمنعني أَن أَصوم لرَبي وأصلي لرَبي؟) قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ من آخر اللَّيْل) ، أَرَادَ عِنْد السحر، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَعند التِّرْمِذِيّ: (فَلَمَّا كَانَ عِنْد الصُّبْح) ، وَفِي رِوَايَة الدراقطني: (فَلَمَّا كَانَ فِي وَجه الصُّبْح) . قَوْله: (قَالَ سلمَان: قُم الْآن) أَي: قَالَ سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: قُم فِي هَذَا الْوَقْت، يَعْنِي: وَقت السحر. قَوْله: (فَصَليَا) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فقاما وصليا، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: (فقاما وتوضآ ثمَّ ركعا ثمَّ خرجا إِلَى الصَّلَاة) . قَوْله: (ولأهلك عَلَيْك حَقًا) ، وَزَاد التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة: (ولضيفك عَلَيْك حَقًا) . وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ: (فصُمْ وأفْطِرْ وصَلِّ ونَمْ وائتِ أهْلَك) . قَوْله: (فَأتي النَّبِي ﷺ ، أَي: فَأتى أَبُو الدَّرْدَاء النَّبِي ﷺ فَذكر ذَلِك، أَي: مَا ذكر من الْأُمُور لَهُ، أَي: للنَّبِي، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَأتيَا) ، بالتثنية. وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (ثمَّ خرجا إِلَى الصَّلَاة، فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاء، ليخبر النَّبِي، ﷺ ، بِالَّذِي قَالَ لَهُ سلمَان، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاء ﴿إِن لجسدك عَلَيْك حَقًا) . مثل مَا قَالَ سلمَان، فَفِي هَذِه الرِّوَايَة أَن النَّبِي ﷺ أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنَّهُ علم بطرِيق الْوَحْي مَا دَار بَينهمَا، وَلَيْسَ ذَلِك فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار، وَيُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ كاشفهما بذلك أَولا ثمَّ أطلعه أَبُو الدَّرْدَاء على صُورَة الْحَال، فَقَالَ لَهُ: صدق سلمَان، وروى هَذَا الحَدِيث الطَّبَرَانِيّ من وَجه آخر عَن مُحَمَّد بن سِيرِين مُرْسلا، فعين اللَّيْلَة الَّتِي بَات سلمَان فِيهَا عِنْد أبي الدَّرْدَاء، وَلَفظه: (قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء يحيى لَيْلَة الْجُمُعَة ويصوم يَوْمهَا، فَأَتَاهُ سلمَان) ، فَذكر الْقِصَّة مختصرة، وَزَاد فِي آخرهَا: (فَقَالَ النَّبِي ﷺ : عُوَيْمِر﴾ سلمَان أفقه مِنْك) . انْتهى، وعويمر تَصْغِير: عَامر، أسم لأبي الدَّرْدَاء، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْحِلْية) : (فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لقد أُوتِيَ سلمَان من الْعلم) ، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد: (لقد أشْبع سلمَان علما) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز الْفطر من صَوْم التَّطَوُّع، لما ترْجم لَهُ البُخَارِيّ، ثمَّ الْقَضَاء هَل يجب عَلَيْهِ أم لَا؟ قد ذَكرْنَاهُ مَعَ الْخلاف فِيهِ، وَقد نقل ابْن التِّين عَن مَذْهَب مَالك: أَنه لَا يفْطر لضيف نزل بِهِ، وَلَا لمن حلف عَلَيْهِ بِالطَّلَاق وَالْعتاق، وَكَذَا لَو حلف هُوَ بِاللَّه ليفطرنَّ كفر، وَلَا يفْطر. وَسَيَأْتِي من حَدِيث أنس: أَن النَّبِي ﷺ لم يفْطر لما زَارَهُ سليم وَكَانَ صَائِما تَطَوّعا، وَقد صَحَّ عَن عَائِشَة أَنه ﷺ كَانَ يفْطر من صَوْم التَّطَوُّع، وَزَاد بَعضهم فِيهِ: (فَأكل ثمَّ قَالَ: لَكِن أَصوم يَوْمًا مَكَانَهُ) . وَفِي (الْمَبْسُوط) : بعد الشُّرُوع فِي الصَّوْم لَا يُبَاح لَهُ الْإِفْطَار بِغَيْر عذر عندنَا، فَيكون بالإفطار جانيا، فَيلْزمهُ الْقَضَاء، وَلَا خلاف أَنه يُبَاح لَهُ الْإِفْطَار بِعُذْر. وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي الضِّيَافَة، فروى هِشَام عَن مُحَمَّد أَنه يُبِيح الْفطر، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة: أَنه لَا يكون عذرا، وروى ابْن أبي مَالك عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة: أَنه عذر، وَهُوَ الْأَظْهر، وَيجب الْقَضَاء فِي الْإِفْطَار بِعُذْر كَانَ أَو بِغَيْر عذر، وَكَانَ الْإِفْطَار بصنعه أَو بِغَيْر صنعه، كالصائمة تَطَوّعا إِذا حَاضَت عَلَيْهَا الْقَضَاء فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي (الفتاوي) : دعِي إِلَى طَعَام وَهُوَ صَائِم فِي النَّفْل إِن صنع لأَجله، فَلَا بَأْس بِأَن يفْطر. وَعَن مُحَمَّد: إِن دخل على أَخ لَهُ فَدَعَاهُ أفطر وَقيل: إِن تأذى بامتناعه أفطر، وَعَن الْحسن: أَنه لَا يفْطر إلَاّ بِعُذْر. وَفِي (الْمُنْتَقى) : لَهُ أَن يفْطر. قيل: تَأْوِيله بِعُذْر، وَقيل: قبل الزَّوَال لَهُ أَن يفْطر وَبعده لَا يفْطر، وَفِي الْقَضَاء وَصَوْم الْفَرْض لَا يفْطر، وَعَن مُحَمَّد: لَا بَأْس بِهِ. وَإِن حلف غَيره بِطَلَاق امْرَأَته أَن يفْطر، قَالَ نصير وَخلف بن أَيُّوب: لَا يفْطر. ودعه يَحْنَث، وَعَن مُحَمَّد: لَا بَأْس بِأَن يفْطر، وَإِن كَانَ فِي قَضَاء. وَفِي (الْمُحِيط) إِن حلف بِطَلَاق امْرَأَته يفْطر فِي التَّطَوُّع دون الْقَضَاء. وَهُوَ قَول أبي اللَّيْث. وَفِي (المرغيناني) : الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن صَاحب الدعْوَة إِذا كَانَ رَضِي بِمُجَرَّد حُضُوره لَا يفْطر، وَقَالَ الْحلْوانِي: أحسن مَا قيل فِيهِ إِن كَانَ يَثِق من نَفسه بِالْقضَاءِ يفْطر وإلَاّ فَلَا يفْطر، وَإِن كَانَ فِيهِ أَذَى لمُسلم، وَفِي (المأمونية) لِلْحسنِ بن زِيَاد: إِذا دعِي إِلَى وَلِيمَة فليجب وَلَا يفْطر فِي

стр. 3190

التَّطَوُّع، فَإِن أقسم عَلَيْهِ أهل الْوَلِيمَة فَأفْطر فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن كَانَ يتَأَذَّى يفْطر وَيَقْضِي، وَبعد الزَّوَال لَا يفْطر إلَاّ إِذا كَانَ فِي تَركه عقوق بالوالدين أَو بِأَحَدِهِمَا. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة المواخاة فِي الله. وَفِيه: زِيَارَة الإخوان وَالْمَبِيت عِنْدهم. وَفِيه: جَوَاز مُخَاطبَة الْأَجْنَبِيَّة للْحَاجة. وَفِيه: السُّؤَال عَمَّا تترتب عَلَيْهِ الْمصلحَة وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِر لَا يتَعَلَّق بالسائل. وَفِيه: النصح للْمُسلمِ وتنبيه من كَانَ غافلاً. وَفِيه: فضل قيام آخر اللَّيْل. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة تَزْيِين الْمَرْأَة لزَوجهَا. وَفِيه: ثُبُوت حق الْمَرْأَة على الزَّوْج فِي حسن الْعشْرَة، وَقد يُؤْخَذ مِنْهُ ثُبُوت حَقّهَا فِي الْوَطْء. لقَوْله: (ولأهلك عَلَيْك حَقًا) ، وَفِيه: جَوَاز النَّهْي عَن المستحبات إِذا خشِي إِن ذَلِك يُفْضِي إِلَى السَّآمَة والملل وتفويت الْحُقُوق الْمَطْلُوبَة الْوَاجِبَة أَو المندوبة الرَّاجِح فعلهَا على فعل الْمُسْتَحبّ. وَفِيه: أَن الْوَعيد الْوَارِد على من نهى مُصَليا عَن الصَّلَاة مَخْصُوص بِمن نَهَاهُ ظلما وعدوانا. وَفِيه: كَرَاهِيَة الْحمل على النَّفس فِي الْعِبَادَة. وَفِيه: النّوم للتقوي على الصّيام، وَفِيه: النَّهْي عَن الغلو فِي الدّين. ٢٥ - (بابُ صَوْمَ شَعْبَانَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَوْم شهر شعْبَان، وَهَذَا الْبَاب أول شُرُوعه فِي التطوعات من الصّيام، واشتقاق شعْبَان من الشّعب، وَهُوَ الِاجْتِمَاع، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يتشعب فِيهِ خير كثير كرمضان، وَقيل: لأَنهم كَانُوا يتشعبون فِيهِ بعد التَّفْرِقَة، وَيجمع على: شعابين، وشعبانات، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سمي بذلك لتشعبهم فِيهِ، أَي: لتفرقهم فِي طلب الْمِيَاه. وَفِي (الْمُحكم) سمي بذلك لتشعبهم فِي الغارات، وَقَالَ ثَعْلَب: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا سمي شعبانا لِأَنَّهُ: شَعَبَ، أَي: ظهر بَين رَمَضَان وَرَجَب، وَعَن ثَعْلَب: كَانَ شعْبَان شهرا تتشعب فِيهِ الْقَبَائِل، أَي تتفرق لقصد الْمُلُوك والتماس الْعَطِيَّة، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَأما الْأَحَادِيث الَّتِي فِي صَلَاة النّصْف مِنْهُ فَذكر أَبُو الْخطاب أَنَّهَا مَوْضُوعَة، وفيهَا عِنْد التِّرْمِذِيّ حَدِيث مَقْطُوع قلت: هُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع، حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن يحيى بن أبي كثير عَن عُرْوَة: (عَن عَائِشَة قَالَت: فقدت رَسُول الله، ﷺ ، فَخرجت فَإِذا هُوَ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: أكنتِ تَخَافِينَ أَن يَحِيف الله عَلَيْك وَرَسُوله؟ قلت: يَا رَسُول الله! ظَنَنْت أَنَّك أتيت بعض نِسَائِك، فَقَالَ: إِن الله ، ينزل لَيْلَة النّصْف من شعْبَان إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيغْفر لأكْثر من عدد شعر غنم بني كلب) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث عَائِشَة لَا نعرفه إلَاّ من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث الْحجَّاج، وَسمعت مُحَمَّدًا يضعف هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عُرْوَة، وَالْحجاج لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا من طَرِيق يزِيد بن هَارُون، وَقَول أبي الْخطاب: إِنَّه مَقْطُوع هُوَ أَنه مُنْقَطع فِي موضِعين: أَحدهمَا: مَا بَين الْحجَّاج وَيحيى، وَالْآخر: مَا بَين يحيى وَعُرْوَة. فَإِن قلت: أثبت ابْن معِين ليحيى السماع من عُرْوَة. قلت: اتّفق البُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم على أَنه لم يسمع مِنْهُ، والمثبت مقدم على النَّافِي، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَهُوَ مَقْطُوع فِي مَوضِع وَاحِد، وَلَا يخرج عَن الِانْقِطَاع. وروى ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن أبي سُبْرَة عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن عَليّ بن أبي طَالب، كرم الله وَجهه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَقومُوا لَيْلهَا وصوموا نَهَارهَا، فَإِن الله تَعَالَى ينزل فِيهَا لغروب الشَّمْس إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: ألَا مَن يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ أَلا من يسترزق فأرزقه؟ ألَا من مبتلَى فأعافيه؟ ألَا كَذَا؟ ألَا كَذَا؟ حَتَّى يطلع الْفجْر) . وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَابْن أبي سُبْرَة هُوَ أَبُو بكر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سُبْرَة مفتي الْمَدِينَة وقاضي بَغْدَاد ضَعِيف، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد هُوَ ابْن أبي يحيى ضعفه الْجُمْهُور، ولعلي بن أبي طَالب حَدِيث آخر، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله ﷺ لَيْلَة النّصْف من شعْبَان قَامَ فصلى أَربع عشرَة رَكْعَة، ثمَّ جلس، فَقَرَأَ بِأم الْقُرْآن أَربع عشرَة مرّة) الحَدِيث. وَفِي آخِره: (من صنع هَكَذَا لَكَانَ لَهُ كعشرين حجَّة مبرورة، وكصيام عشْرين سنة مَقْبُولَة، فَإِن أصبح فِي ذَلِك الْيَوْم صَائِما كَانَ لَهُ كصيام سِتِّينَ سنة مَاضِيَة، وَسِتِّينَ سنة مُسْتَقْبلَة) . رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) وَقَالَ: هَذَا مَوْضُوع، وَإِسْنَاده مظلم. ولعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَدِيث آخر رَوَاهُ أَيْضا فِي (الموضوعات) فِيهِ: (من صلى مائَة رَكْعَة فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان) الحَدِيث، وَقَالَ: لَا شكّ أَنه مَوْضُوع، وَكَانَ بَين الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن الصّلاح وَالشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام فِي هَذِه الصَّلَاة مقاولات، فَابْن الصّلاح يزْعم أَن لَهَا أصلا من السّنة، وَابْن عبد السَّلَام يُنكره. وَأما الْوقُود فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَزعم ابْن دحْيَة أَن أول مَا كَانَ

стр. 3191

ذَلِك زمن يحيى بن خَالِد بن برمك، أَنهم كَانُوا مجوسا فأدخلوا فِي دين الْإِسْلَام مَا يموهون بِهِ على الطَّعَام. قَالَ: وَلما اجْتمعت بِالْملكِ الْكَامِل وَذكرت لَهُ ذَلِك قطع دابر هَذِه الْبِدْعَة الْمَجُوسِيَّة من سَائِر أَعمال الْبِلَاد المصرية. ٩٦٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي النَّضْرِ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ الله ﷺ يَصُومُ حَتَّى نقُولَ لَا يُفْطِرُ ويُفْطِرُ حَتَّى نقُولَ لَا يَصُومُ فَمَا رأيْتُ رسولَ الله ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إلَاّ رَمَضَانَ وَمَا رأيْتُهُ أكْثَرَ صِيَاما مِنْهُ فِي شَعْبَانَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا رَأَيْته أَكثر صياما مِنْهُ من شعْبَان) وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم بن أبي أُميَّة، قد مر فِي: بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أبي مُصعب الزُّهْرِيّ عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن مَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث. قَوْله: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يَصُوم حَتَّى نقُول لَا يفْطر) ، يَعْنِي: يَنْتَهِي صَوْمه إِلَى غَايَة نقُول: إِنَّه لَا يفْطر، فينتهي إفطاره إِلَى غَايَة حَتَّى نقُول: إِنَّه لَا يَصُوم، وَذَلِكَ لِأَن الْأَعْمَال الَّتِي يتَطَوَّع بهَا لَيست منوطة بأوقات مَعْلُومَة، وَإِنَّمَا هِيَ على قدر الْإِرَادَة لَهَا والنشاط فِيهَا. قَوْله: (فَمَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ اسْتكْمل صِيَام شهر إلَاّ رَمَضَان) ، وَهَذَا يدل على أَنه، ﷺ ، لم يصم شهرا تَاما غير رَمَضَان. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة: لم يكن يَصُوم فِي السّنة شهرا كَامِلا إلَاّ شعْبَان يصله برمضان) . وَهَذَا يُعَارض حَدِيث عَائِشَة، وَكَذَلِكَ روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سَالم بن أبي الْجَعْد عَن أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة، قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين إلَاّ شعْبَان ورمضان) . وَهَذَا أَيْضا يُعَارضهُ. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: رُوِيَ عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ: هُوَ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب إِذا صَامَ أَكثر الشَّهْر أَن يُقَال: صَامَ الشَّهْر كُله، وَيُقَال: قَامَ فلَان ليله أجمع، وَلَعَلَّه تعشى واشتغل بِبَعْض أمره، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: كَانَ ابْن الْمُبَارك قد رأى كلا الْحَدِيثين متفقين، يَقُول: إِنَّمَا معنى هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ يَصُوم أَكثر الشَّهْر. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: هَذَا فِيهِ مَا فِيهِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ إلَاّ شعْبَان ورمضان، فعطف رَمَضَان عَلَيْهِ يبعد أَن يكون المُرَاد بشعبان أَكْثَره، إِذْ لَا جَائِز أَن يكون المُرَاد برمضان بعضه، والعطف يَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِيمَا عطف عَلَيْهِ، وَإِن مَشى ذَلِك فَإِنَّمَا يمشي على رَأْي من يَقُول: إِن اللَّفْظ الْوَاحِد يحمل على حَقِيقَته ومجازه، وَفِيه خلاف لأهل الْأُصُول. انْتهى. قلت: لَا يمشي هُنَا مَا قَالَه على رَأْي الْبَعْض أَيْضا، لِأَن من قَالَ ذَلِك قَالَ فِي اللَّفْظ الْوَاحِد، وَهنا لفظان: شعْبَان ورمضان، وَقَالَ ابْن التِّين: إِمَّا أَن يكون فِي أَحدهمَا وهم، أَو يكون فعل هَذَا وَهَذَا، أَو أطلق الْكل على الْأَكْثَر مجَازًا. وَقيل: كَانَ يَصُومهُ كُله فِي سنة وَبَعضه فِي سنة أُخْرَى، وَقيل: كَانَ يَصُوم تَارَة من أَوله وَتارَة من آخِره وَتارَة مِنْهُمَا، لَا يخلي مِنْهُ شَيْئا بِلَا صِيَام. فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيصه شعْبَان بِكَثْرَة الصَّوْم؟ قلت: لكَون أَعمال الْعِبَادَة ترفع فِيهِ. فَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أُسَامَة (قلت: يَا رَسُول الله ﴿أَرَاك لَا تَصُوم من شهر من الشُّهُور مَا تَصُوم من شعْبَان؟ قَالَ: ذَاك شهر ترفع فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى رب الْعَالمين فَأحب أَن يرفع عَمَلي وَأَنا صَائِم) . وَرُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا (قَالَت لرَسُول الله ﷺ : مَا لي أَرَاك تكْثر صيامك فِيهِ؟ قَالَ: يَا عَائِشَة﴾ إِنَّه شهر ينْسَخ فِيهِ ملك الْمَوْت من يقبض، وَأَنا أحب أَن لَا ينْسَخ إسمي إلَاّ وَأَنا صَائِم) . قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: غَرِيب من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة بِهَذَا اللَّفْظ، رَوَاهُ ابْن أبي الفوارس فِي أصُول أبي الْحسن الحمامي عَن شُيُوخه، وَعَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن نصر بن كثير عَن يحيى بن سعيد عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان انْسَلَّ رَسُول الله ﷺ من مِرْطِي) الحَدِيث. وَفِي آخِره: (هَل تَدْرِي مَا فِي هَذِه اللَّيْلَة؟ قَالَت: مَا فِيهَا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: فِيهَا أَن يكْتب كل مَوْلُود من بني آدم فِي هَذِه السّنة. وفيهَا أَن يكْتب كل هَالك من بني آدم فِي هَذِه السّنة، وفيهَا ترفع

стр. 3192

أَعْمَالهم، وفيهَا: تنزل أَرْزَاقهم) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب (الْأَدْعِيَة) وَقَالَ: فِيهِ بعض من يجهل. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث صَدَقَة بن مُوسَى عَن ثَابت عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (سُئِلَ رَسُول الله، ﷺ ، أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ: شعْبَان، لتعظيم رَمَضَان. وَسُئِلَ: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: صَدَقَة فِي رَمَضَان) . ثمَّ قَالَ: حَدِيث غَرِيب، وَصدقَة لَيْسَ عِنْدهم بِذَاكَ الْقوي، وَقد رُوِيَ أَن هَذَا الصّيام كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ يلْتَزم صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، كَمَا قَالَ ابْن عمر، فَرُبمَا يشْتَغل عَن صيامها أشهرا فَيجمع ذَلِك كُله فِي شعْبَان، فيتداركه قبل رَمَضَان، حَكَاهُ ابْن بطال، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أرى الْإِكْثَار فِيهِ أَنه يَنْقَطِع عَنهُ التَّطَوُّع برمضان، وَقيل: يجوز أَنه كَانَ يَصُوم صَوْم دَاوُد ﵇، فَيبقى عَلَيْهِ بَقِيَّة يعملها فِي هَذَا الشَّهْر. وَجمع الْمُحب الطَّبَرِيّ فِيهِ سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه كَانَ يلْتَزم صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، فَرُبمَا تَركهَا فيتداركها فِيهِ. ثَانِيهَا: تَعْظِيمًا لرمضان. ثَالِثهَا: أَنه ترفع فِيهِ الْأَعْمَال. رَابِعهَا: لِأَنَّهُ يغْفل عَنهُ النَّاس. خَامِسهَا: لِأَنَّهُ تنسخ فِيهِ الْآجَال. سادسها: أَن نِسَاءَهُ كن يصمن فِيهِ مَا فاتهن من الْحيض فيتشاغل عَنهُ بِهِ، وَالْحكمَة فِي كَونه لم يستكمل غير رَمَضَان لِئَلَّا يظنّ وُجُوبه. فَإِن قلت: صَحَّ فِي مُسلم: أفضل الصَّوْم بعد رَمَضَان شهر الله الْمحرم، فَكيف أَكثر مِنْهُ فِي شعْبَان؟ ويعارضه أَيْضا رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ: شعْبَان) . قلت: لَعَلَّه كَانَ يعرض لَهُ فِيهِ إعذار من سفر أَو مرض أَو غير ذَلِك، أَو لَعَلَّه لم يعلم بِفضل الْمحرم إلَاّ فِي آخر عمره قبل التَّمَكُّن مِنْهُ، وَلِأَن مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ لَا يُقَاوم مَا رَوَاهُ مُسلم. قَوْله: (أَكثر صياما) كَذَا هُوَ بِالنّصب عِنْد أَكثر الروَاة، وَحكى السُّهيْلي أَنه رُوِيَ بالخفض، قيل: هُوَ وهم، وَلَعَلَّ بعض النساخ كتب الصّيام بِغَيْر ألف على رَأْي من يقف على الْمَنْصُوب بِغَيْر ألف فَتوهم مخفوضا، أَو ظن بعض الروَاة أَنه مُضَاف إِلَيْهِ، فَلَا يَصح ذَلِك، وَأما لَفْظَة: أَكثر، فَإِنَّهُ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان لقَوْله: (وَمَا رَأَيْته) . قَوْله: (من شعْبَان) ، وَزَاد يحيى بن أبي كثير فِي رِوَايَته: (فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله) ، وَزَاد ابْن أبي لبيد: (عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ أَكثر صياما مِنْهُ فِي شعْبَان، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شعْبَان إلَاّ قَلِيلا) . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن عَائِشَة، أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت النَّبِي، ﷺ ، فِي شهر أَكثر صياما فِيهِ فِي شعْبَان، كَانَ يَصُومهُ إلَاّ قَلِيلا، بل كَانَ يَصُومهُ كُله) . انْتهى. قَالُوا: معنى: كُله، أَكْثَره، فَيكون مجَازًا. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: أَن هَذَا الْمجَاز قَلِيل الِاسْتِعْمَال جدا. وَالثَّانِي: أَن لَفْظَة: كل، تَأْكِيد لإِرَادَة الشُّمُول، وَتَفْسِيره بِالْبَعْضِ منَاف لَهُ. وَالثَّالِث: أَن فِيهِ كلمة الإضراب، وَهِي تنَافِي أَن يكون المُرَاد الْأَكْثَر، إِذْ لَا يبْقى فِيهِ حِينَئِذٍ فَائِدَة، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِيهِ: إِنَّه بِاعْتِبَار عَاميْنِ فَأكْثر، فَكَانَ يَصُومهُ كُله فِي بعض السنين، وَكَانَ يَصُوم أَكْثَره فِي بعض السنين، وَذكر بعض الْعلمَاء إِنَّه وَقع مِنْهُ ﷺ وصل شعْبَان برمضان وفصله مِنْهُ وَذَلِكَ فِي سنتَيْن فَأكْثر، وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) : فإنَّ وَصلَ شعْبَان برمضان فَجَائِز، فعل ذَلِك رَسُول الله ﷺ مرّة، وَفصل مرَارًا كَثِيرَة، انْتهى. قلت: على هَذَا الْوَجْه يبعد وجوده مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِي الحَدِيث، نعم، وَقع مِنْهُ الْوَصْل والفصل، أما الْوَصْل فَهُوَ فِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة، قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين إلَاّ شعْبَان ورمضان) . وَأما الْفَصْل فَفِي حَدِيث أبي دَاوُد من رِوَايَة عبد الله بن أبي قيس (عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ يتحفظ من هِلَال شعْبَان مَا لَا يتحفظ من غَيره، ثمَّ يَصُوم لرمضان، فَإِن غم عَلَيْهِ عد ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ صَامَ) . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: (هَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك، وَقَالَ: هَذَا صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يصل شعْبَان برمضان) . وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي ثَعْلَبَة بِلَفْظ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يَصُوم شعْبَان ورمضان يصلهمَا) . وَفِي إِسْنَاده الْأَحْوَص بن حَكِيم وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ حَدِيث أبي أُمَامَة وَفِي إِسْنَاده يُوسُف بن عَطِيَّة وَهُوَ ضَعِيف. فَإِن قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَحَادِيث وَبَين حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن؟ فَأَبُو دَاوُد من حَدِيث الدَّرَاورْدِي وَالتِّرْمِذِيّ كَذَلِك، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي العميس، وَابْن مَاجَه من رِوَايَة مُسلم بن خَالِد، كلهم عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِذا بَقِي نصف من شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ، وَلَفظ أبي دَاوُد: (إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، وَلَفظ النَّسَائِيّ:

стр. 3193

(فكفوا عَن الصَّوْم) ، وَلَفظ ابْن مَاجَه: (إِذا كَانَ النّصْف من شعْبَان فَلَا صَوْم) ، وَفِي لفظ ابْن حبَان: (فأفطروا حَتَّى يَجِيء رضمان) ، وَفِي لفظ ابْن عدي: (إِذا انتصف شعْبَان فأفطروا) ، وَفِي لفظ الْبَيْهَقِيّ: (إِذا مضى النّصْف من شعْبَان فأمسكوا عَن الصّيام حَتَّى يدْخل رَمَضَان) قلت: أما أَولا: فقد اخْتلف فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث، فصححه التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَابْن عَسَاكِر وَابْن حزم، وَضَعفه أَحْمد فِيمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي دَاوُد، قَالَ: قَالَ أَحْمد: هَذَا حَدِيث مُنكر، قَالَ: وَكَانَ عبد الرَّحْمَن لَا يحدث بِهِ) وَأما ثَانِيًا: فَقَالَ قوم، مِمَّن لَا يَقُول بِحَدِيث الْعَلَاء: بِأَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَصُوم فِي النّصْف الثَّانِي من شعْبَان، فَدلَّ على أَن مَا رَوَاهُ مَنْسُوخ، وَقيل: يحمل النَّهْي على من لم يدْخل تِلْكَ الْأَيَّام فِي صِيَام أَو عبَادَة. ٠٧٩١ - حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنُ يَحْيَى عنْ أبِي سَلَمَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حدَّثَتْهُ قالَتْ لَمْ يَكُنْ النبيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرا أكْثَرَ مِنْ شَعْبانَ فإنَّهُ كانَ يَصُومُ شَعْبانَ كُلَّهُ وكانَ يَقُولُ خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فإنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَأحَبُّ الصَّلاةِ إلَى النبيِّ ﷺ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وإنْ قَلَّتْ وكانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا. (انْظُر الحَدِيث ٩٦٩١ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي الصَّوْم أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه بِهِ. قَوْله: (كُله) قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : أَي: أَكْثَره، وَقد جَاءَ عَنْهَا مُفَسرًا: (كَانَ يَصُوم شعْبَان أَو عَامَّة شعْبَان) ، وَفِي لفظ: كَانَ يَصُومهُ كُله إلَاّ قَلِيلا) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريبن. قَوْله: (خُذُوا من الْعَمَل مَا تطيقون) أَي تطيقون الدَّوَام عَلَيْهِ بِلَا ضَرَر أَو اجْتِنَاب التعمق فِي جَمِيع أَنْوَاع الْعبارَات قَوْله: (فَإِن الله لَا يمل) قَالَ النَّوَوِيّ: الْملَل والسامة بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارف فِي حَقنا، وَهُوَ محَال فِي حق الله تَعَالَى، فَيجب تَأْوِيل الحَدِيث، فَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مَعْنَاهُ: لَا يعاملكم مُعَاملَة الْملَل فَيقطع عَنْكُم ثَوَابه وفضله وَرَحمته حَتَّى تقطعوا أَعمالكُم. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا يمل إِذا مللتم، و: حَتَّى، بِمَعْنى: حِين، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: لَا يمل أبدا مللتم أم لَا تملوا. وَقيل: سمي مللاً على معنى الأزدواج، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٩١) . فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يقطع عَنْكُم فَضله حَتَّى تملوا سُؤَاله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِطْلَاق الْملَل على الله تَعَالَى إِطْلَاق مجازي عَن ترك الْجَزَاء. قَوْله: (مَا دووم عَلَيْهِ) ، بواوين، وَفِي بعض النّسخ بواو، وَالصَّوَاب الأول لِأَنَّهُ مَجْهُول، ماضٍ من المداومة من: بَاب المفاعلة، ويروي (مَا ديم عَلَيْهِ) وَهُوَ مَجْهُول دَامَ، وَالْأول مَجْهُول داوم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الديمة الْمَطَر الدَّائِم فِي سُكُون، شبه عمله فِي دَوَامه مَعَ الاقتصاد بديمة الْمَطَر، وَأَصله الْوَاو فَانْقَلَبت يَاء لكسرة مَا قبلهَا، وَقد مر هَذَا الْكَلَام فِي هَذِه الْأَلْفَاظ فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب أحب الدّين إِلَى الله تَعَالَى أَدْوَمه. ٣٥ - (بابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النبيِّ ﷺ وإفْطَارِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر من صَوْم النَّبِي ﷺ من التَّطَوُّع وَبَيَان إفطاره فِي خلال صَوْمه، قيل: لم يضف البُخَارِيّ التَّرْجَمَة الَّتِي قبل هَذِه للنَّبِي ﷺ ، وأطلقها ليفهم التَّرْغِيب للْأمة فِي الِاقْتِدَاء بِهِ فِي إكثار الصَّوْم فِي شعْبَان، وَقصد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة شرح حَال النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك. قلت: الْبَاب السَّابِق أَيْضا فِي شرح حَال النَّبِي، ﷺ ، فِي صَوْمه وَصلَاته، غير أَنه أطلق التَّرْجَمَة فِي ذَلِك لإِظْهَار فضل شعْبَان وَفضل الصَّوْم فِيهِ. ١٧٩١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ سَعيدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ مَا صَامَ النبيُّ ﷺ شَهْرا كامِلاً قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ ويَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَالله لَا يُفْطِرُ ويُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَالله لَا يَصُومُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يبين صَوْمه وفطره. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة

стр. 3194

الْمنْقري التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَبعد الْألف نون، واسْمه: الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي. الثَّالِث: أَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: واسْمه جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس الْيَشْكُرِي. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشَيخ شَيْخه وَأَبا بشر واسطيان، وَقيل: أَبُو بشر بَصرِي وَسَعِيد بن جُبَير كُوفِي. وَفِيه: أَبُو بشر عَن سعيد وَفِي رِوَايَة شُعْبَة حَدثنِي سعيد بن جُبَير، وَلمُسلم من طَرِيق عُثْمَان بن حَكِيم: سَأَلت سعيد بن جُبَير عَن صِيَام رَجَب؟ فَقَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس ... ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن أبي عوَانَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَأبي بكر بن نَافِع، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِيهِ عَن مُحَمَّد ابْن بشار بِهِ. قَوْله: (ويصوم) ، فِي رِوَايَة مُسلم من الطَّرِيق الَّتِي أخرجهَا البُخَارِيّ: (وَكَانَ يَصُوم) . قَوْله: (غير رَمَضَان) ، قَالَ الْكرْمَانِي: تقدم أَنه كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله، ثمَّ قَالَ: إِمَّا أَنه أَرَادَ بِالْكُلِّ معظمه، وَإِمَّا أَنه مَا رأى إلَاّ رَمَضَان، فَأخْبر بذلك على حسب اعْتِقَاده. ٢٧٩١ - حدَّثني عَبْدُ العَزِيز بنُ عَبْدِ الله قالَ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ كانِ رسولُ الله ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ ويَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لَا يُفُطِرَ مِنْهُ شَيْئا وكانَ لَا تَشاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيا إلَاّ رأيْتَهُ ولَا نَائِما إلَا رأيْتَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يذكر عَن صَوْمه ﷺ وَعَن إفطاره على الْوَجْه الْمَذْكُور فِيهِ. وَرِجَاله أَرْبَعَة: عبد الْعَزِيز ابْن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْمدنِي، وَحميد الطَّوِيل الْبَصْرِيّ. وَالْبُخَارِيّ أخرجه أَيْضا فِي صَلَاة اللَّيْل بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وبعين هَذَا الْمَتْن، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ، ونتكلم هُنَا لزِيَادَة التَّوْضِيح وَإِن كَانَ فِيهِ تكْرَار فَلَا بَأْس بِهِ. قَوْله: (حَتَّى نظن) فِيهِ ثَلَاثَة أوجه الأول: نظن، بنُون الْجمع، وَالثَّانِي: تظن، بتاء الْمُخَاطب، وَالثَّالِث: يظنّ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن لَا يَصُوم) ، بِفَتْح همزَة: أَن، وَيجوز فِي يَصُوم الرّفْع وَالنّصب، لِأَن: أَن، إِمَّا ناصبة، و: لَا، نَافِيَة، وَإِمَّا مفسرة. و: لَا ناهية. قَوْله: (وَكَانَ لَا تشاءُ ترَاهُ) أَي: كَانَ النَّبِي ﷺ لَا تشَاء، بتاء الْخطاب، وَكَذَلِكَ ترَاهُ. وَقَوله: (إلَاّ رَأَيْته) ، بِفَتْح التَّاء، وَمَعْنَاهُ: أَن حَاله، ﷺ ، فِي التَّطَوُّع بالصيام وَالْقِيَام كَانَ يخْتَلف، فَكَانَ تَارَة يَصُوم من أول الشَّهْر، وَتارَة من وَسطه، وَتارَة من آخِره كَمَا كَانَ يُصَلِّي تَارَة من أول اللَّيْل وَتارَة من وَسطه وَتارَة من آخِره، فَكَانَ من أَرَادَ أَن يرَاهُ فِي وَقت من أَوْقَات اللَّيْل قَائِما، أَو فِي وَقت من أَوْقَات النَّهَار صَائِما، فراقبه مرّة بعد مرّة فَلَا بُد أَن يصادفه قَائِما أَو صَائِما على وفْق مَا أَرَادَ أَن يرَاهُ، وَهَذَا معنى الْخَبَر، وَلَيْسَ المُرَاد أَنه كَانَ يسْرد الصَّوْم، وَلَا أَنه كَانَ يستوعب اللَّيْل قَائِما. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ يُمكن أَنه مَتى شَاءَ يرَاهُ مُصَليا وَيَرَاهُ نَائِما. ثمَّ قَالَ: غَرَضه أَنه كَانَت لَهُ حالتان يكثر هَذَا على ذَاك مرّة، وَبِالْعَكْسِ أُخْرَى؟ فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا قَول عَائِشَة فِي الحَدِيث الَّذِي مضى قبله: (وَكَانَ إِذا صلى صَلَاة دَامَ عَلَيْهَا) . وَقَوله: الَّذِي سَيَأْتِي فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (وَكَانَ عمله دِيمَة) ؟ قلت: المُرَاد بِذَاكَ مَا اتَّخذهُ راتبا، لَا مُطلق النَّافِلَة. وَقَالَ سُلَيْمَانُ عنْ حُمَيْدٍ أنَّهُ سَألَ أنَسا فِي الصَّوْمِ قَالَ بَعضهم: كنت أَظن أَن سُلَيْمَان هَذَا هُوَ ابْن بِلَال لَكِن لم أره بعد التتبع التَّام من حَدِيثه فَظهر أَنه سُلَيْمَان بن حَيَّان أَبُو خَالِد الْأَحْمَر. انْتهى. قلت: هَذَا الْكرْمَانِي قَالَ: سُلَيْمَان هُوَ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر ضد الْأَبْيَض من غير ظن وَلَا حسبان، وَلَو قَالَ مثل مَا قَالَه لم يحوجه شَيْء إِلَى مَا قَالَه، وَلكنه كَأَنَّهُ لما رأى كَلَام الْكرْمَانِي لم يعْتَمد عَلَيْهِ لقلَّة مبالاته، ثمَّ لما فتش بتتبع تَامّ ظهر لَهُ أَن الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ هُوَ، وَفِي جملَة الْأَمْثَال: خبز الشّعير يُؤْكَل ويذم، وَقد وصل البُخَارِيّ هَذَا الَّذِي ذكره مُعَلّقا

стр. 3195

عقيب هَذَا، وَفِيه: (سَأَلت أنسا عَن صِيَام النَّبِي ﷺ فَذكر الحَدِيث ثمَّ أتم من طَرِيق مُحَمَّد بن جَعْفَر فَإِن قلت: قد ذكرنَا تقدم هَذَا الحَدِيث فِي الصَّلَاة فِي: بَاب قيام النَّبِي ﷺ ونومه. وَمَا نسخ من قيام اللَّيْل وَفِي آخِره، تَابعه سُلَيْمَان وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن حميد، فَهَذَا يَقْتَضِي أَن سُلَيْمَان هَذَا غير أبي خَالِد للْعَطْف فِيهِ قلت: قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الْوَاو زَائِدَة، وردَّينا عَلَيْهِ هُنَاكَ أَن زِيَادَة الْوَاو نادرة بِخِلَاف الأَصْل، سِيمَا الحكم بذلك بِالِاحْتِمَالِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. ٣٧٩١ - حدَّثني مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنَا أَبُو خالِدٍ الأحْمَرُ قَالَ أخبرنَا حُمَيْدٌ قَالَ سألْتُ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ مَا كُنْتُ أُحِبُّ أنْ أرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِما إلَاّ رأيْتُهُ ولَا مُفْطِرا إلَاّ رَأيْتُهُ ولَا مِنَ اللَّيْلِ قَائِما إلَاّ رَأيْتُهُ ولَا نَائِما إلَاّ رَأيْتُهُ وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً ولَا حَرِيرَةً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ رسولِ الله ﷺ ولَا شَمَمْتُ مِسْكَةً ولَا عَبِيرَةً أطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رسولِ الله ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة مثل مَا تقدم فِي الحَدِيث السَّابِق، وَمُحَمّد شَيْخه هُوَ ابْن سَلام نَص عَلَيْهِ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر هُوَ سُلَيْمَان بن حَيَّان. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة. قَوْله: (أحب أَن أرَاهُ) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: مَا كنت أحب رُؤْيَته من الشَّهْر حَال كَونه صَائِما إلَاّ رَأَيْته. قَوْله: (وَلَا مفطر ا) أَي: وَلَا كنت أحب أَن أرَاهُ حَال كَونه مُفطرا، إلَاّ رَأَيْته. قَوْله: (وَلَا من اللَّيْل قَائِما) أَي: وَلَا كنت أحب أَن أرَاهُ من اللَّيْل حَال كَونه قَائِما إلَاّ رَأَيْته، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي قَوْله: (وَلَا نَائِما) من النّوم. قَوْله: (وَلَا مسست) ، بسينين مهملتين أولاهما مَكْسُورَة وَهِي اللُّغَة الفصيحة، وَحكى أَبُو عُبَيْدَة الْفَتْح، يُقَال: مسست الشَّيْء أمسه مسا: إِذا لمسته بِيَدِك، وَيُقَال: مست فِي مسست بِحَذْف السِّين الأولى، وتحويل كسرتها إِلَى الْمِيم، وَمِنْهُم من يقر فتحتها بِحَالِهَا فَيَقُول: مست، كَمَا يُقَال: ظلت فِي ظللت. قَوْله: (خزة) ، وَاحِدَة الْخَزّ. وَفِي الأَصْل: الْخَزّ، بِالْفَتْح وَتَشْديد الزَّاي: اسْم دَابَّة، ثمَّ سمي الثَّوْب الْمُتَّخذ من وبره خَزًّا، والواحدة مِنْهُ: خزة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْخَزّ الْمَعْرُوف أَولا ثِيَاب تنسج من صوف وإبريسم، وَهِي مباجة، وَقد لبسهَا الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، والتابعون، وَمِنْه النَّوْع الآخر وَهُوَ الْمَعْرُوف الْآن فَهُوَ حرَام لِأَن جَمِيعه مَعْمُول من الإبريسم، وَهُوَ المُرَاد من الحَدِيث. (قوم يسْتَحلُّونَ الْخَزّ وَالْحَرِير) . قَوْله: (وَلَا شممت) ، بِكَسْر الْمِيم الأولى، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَالْفَتْح لُغَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّنَفُّل بِاللَّيْلِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّنَفُّل بِالصَّوْمِ فِي كل شهر وَأَن الصَّوْم النَّفْل مُطلق لَا يخْتَص بِزَمَان إِلَّا مَا نهي عَنهُ. وَفِيه: أَن النَّبِي، ﷺ ، لم يصم الدَّهْر وَلَا قَامَ اللَّيْل كُله، وَإِنَّمَا ترك ذَلِك لِئَلَّا يقْتَدى بِهِ فَيشق على الْأمة، وَإِن كَانَ قد أعطي من الْقُوَّة مَا لَو الْتزم ذَلِك لاقتدر عَلَيْهِ، لكنه سلك من الْعِبَادَة الطَّرِيقَة الْوُسْطَى فصَام وَأفْطر وَأقَام ونام. وَأما طيب رَائِحَته، فَإِنَّمَا طيبها الرب لمباشرته الْمَلَائِكَة ولمناجاته لَهُم. ٤٥ - (بابُ حَقِّ الضِّيْفِ فِي الصِّوْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حق الضَّيْف فِي الصَّوْم، والضيف يكون وَاحِدًا وجمعا، وَقد يجمع على الأضياف والضياف والضيوف والضيفان، وَالْمَرْأَة: ضيف وضيفة، وَيُقَال: ضفت الرجل: إِذا نزلت بِهِ فِي ضيافته، وأضفته إِذا أنزلته، وتضيفته إِذا نزلت بِهِ، وتضيفني إِذا أنزلني. وَفِي (الصِّحَاح) : أضفت الرجل وضيفته إِذا أنزلته بك ضيفا وقريته، وضفت الرجل ضِيَافَة إِذا نزلت عَلَيْهِ ضيفا، وَكَذَلِكَ تضيفته، والضيفن الَّذِي يَجِيء مَعَ الضَّيْف، وَالنُّون زَائِدَة، ووزنه: فعلن، وَلَيْسَ بفعيل، وَقيل: لَو قَالَ: حق الضَّيْف فِي الْفطر، لَكَانَ أوضح. قلت: الَّذِي قَالَه البُخَارِيّ أصوب وَأحسن، لِأَن الضَّيْف لَيْسَ لَهُ تصرف فِي فطر المضيف، بل تصرفه فِي صَوْمه بِأَن يتْركهُ لأَجله، فيتعني لَهُ الطّلب فِيهِ، فحقه إِذا فِي الصَّوْم لَا فِي الْفطر. ٤٧٩١ - حدَّثنا إسْحاقُ قَالَ أخبرنَا هارُونُ بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَلِيُّ قَالَ حدَّثنا يَحْيى

стр. 3196

قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ فذَكَرَ الحَدِيثَ يَعْنِي إنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقَّا وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّا فقُلْتُ وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ قَالَ نِصْفُ الدَّهْرِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن لزورك عَلَيْك حَقًا) ، والزور، هُوَ الضَّيْف. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق، قَالَ الغساني: لم ينْسبهُ أَبُو نصر وَلَا غَيره من شُيُوخنَا، وَذكر أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) بِأَنَّهُ ابْن رَاهَوَيْه، لِأَنَّهُ أخرجه فِي مُسْنده عَن أبي أَحْمد: حَدثنَا ابْن شبرويه حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا هَارُون بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن الْمُبَارك. انْتهى، وَإِسْحَاق إِبْنِ إِبْرَاهِيم هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، ثمَّ قَالَ: أخرجه البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق. الثَّانِي: هَارُون بن إِسْمَاعِيل أَبُو الْحسن الخزاز. الثَّالِث: عَليّ بن الْمُبَارك الْهنائِي. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن هَارُون بن إِسْمَاعِيل لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ حديثان: أَحدهمَا، هَذَا وَالْآخر فِي الِاعْتِكَاف، كِلَاهُمَا من رِوَايَته عَن عَليّ بن الْمُبَارك. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي وَهَارُون وَعلي بصريان وَيحيى طائي ويمامي وَأَبُو سَلمَة مدنِي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم وَفِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَفِي الْأَدَب عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن روح بن عبَادَة عَن حُسَيْن الْمعلم، ثَلَاثَتهمْ عَن يحيى بن أبي كثير عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن روح بِهِ وَعَن عبد الله بن الرُّومِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يحيى بن درست وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن حميد بن مسْعدَة وَعَن أَحْمد بن بكار. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَذكر الحَدِيث هَكَذَا أوردهُ هَهُنَا مُخْتَصرا، وَذكر مَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (فَقَالَ إِن لزورك عَلَيْك حَقًا) والزور الضَّيْف وَالرجل يَأْتِيهِ زائر الْوَاحِد والإثنان وَالثَّلَاثَة، والمذكر والمؤنث فِي ذَلِك بِلَفْظ وَاحِد، يُقَال: هَذَا رجل زور ورجلان زور وَقوم زور وَامْرَأَة زور، فَيُؤْخَذ فِي كل مَوضِع مَا يلائمه لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر وضع مَوضِع الِاسْم، وَمثل ذَلِك: هم قوم صَوْم وَفطر وَعدل، وَقيل: الزُّور جمع: زائر، مثل: تَاجر وتجر. قَوْله: (إِن لزوجك عَلَيْك حَقًا) ، وحقها هُنَا الْوَطْء، فَإِذا سرد الزَّوْج الصَّوْم ووالى قيام اللَّيْل ضعف عَن حَقّهَا، ويروى (لزوجتك) وَالْأول أفْصح، ويروى: (وَإِن لأهْلك) ، بدل: (زَوجك) ، وَالْمرَاد بهم هُنَا الْأَوْلَاد والقرابة وَمن حَقهم الرِّفْق بهم والإنفاق عَلَيْهِم وَشبه ذَلِك. قَوْله: (فَقلت) ، الْقَائِل هُوَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَأما صَوْم دَاوُد، ﵊، فَسَيَأْتِي فِي الحَدِيث الَّذِي يَلِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ أَنه ﷺ لما قَالَ لَهُ: فَصم صِيَام نَبِي الله دَاوُد، ﵊، وَلَا تزد عَلَيْهِ ﴿﴾ قلت: وَمَا كَانَ صِيَام نَبِي الله دَاوُد، ﵊؟ قَالَ: نصف الدَّهْر، وَسَيَأْتِي هُوَ فِي: بَاب مُسْتَقل، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٥٥ - (بابُ حَقِّ الجِسْمِ فِي الصَّوْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حق الْجِسْم فِي الصَّوْم على المتطوع، وَلَيْسَ المُرَاد بِالْحَقِّ هَهُنَا بِمَعْنى الْوَاجِب، بل المُرَاد مراعاته والرفق بِهِ، كَمَا يُقَال لَهُ: حق الصُّحْبَة على فلَان، يَعْنِي مراعاته والتلطف بِهِ، فالصائم المتطوع يَنْبَغِي أَن يُرَاعِي جِسْمه بِمَا يقيمه ويشده لِئَلَّا يضعف فيعجز عَن أَدَاء الْفَرَائِض، وَأما إِذا خَافَ التّلف على نَفسه أَو عُضْو من أَعْضَائِهِ الَّتِي يضرّهُ الْجُوع فَحِينَئِذٍ يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَدَاء حَقه حَتَّى فِي الصَّوْم الْفَرْض أَيْضا. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِالْحَقِّ هُنَا الْمَنْدُوب. قلت: لَا يُطلق على الْحق مَنْدُوب وَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهُ مَا ذَكرْنَاهُ.

стр. 3197

٥٧٩١ - حدَّثنا ابنُ مقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الراحْمانِ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لِي رسولُ الله ﷺ يَا عَبْدَ الله ألَمْ اخْبَرْ أنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وتَقُومُ اللَّيْلَ فَقُلْتُ بَلَى يَا رسولَ الله قَالَ فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وأفْطِرْ وقُمْ ونَمْ فإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّا وَإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّا وإنَّ لِزَوْجَتِكَ علَيْكَ حَقّا وإنَّ لِزَوْرِكَ عليْكَ حَقّا وإنَّ بِحَسْبِكَ أنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أيَّامَ فإنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثَالِهَا فإنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ علَيَّ قُلْتُ يَا رسولَ الله إنِّي أجِدُ قُوَّةً قَالَ فَصُمْ صِيامَ نَبِيَّ الله دَاوُدَ ﵇ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ قُلْتُ وَمَا كانَ صِيَامُ نَبيِّ الله دَاوُدَ ﵇ قَالَ نِصْفُ الدَّهْرِ فَكانَ عَبْدُ الله يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النبيِّ ﷺ . . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن لجسدك عَلَيْك حَقًا) فالجسد والجسم وَاحِد، وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن الْمروزِي المجاور بِمَكَّة، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو. قَوْله: (ألم أخبر؟) الْهمزَة للاستفهام، و: أخبر، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَنَّك تَصُوم النَّهَار وَتقوم اللَّيْل؟) أَي: فِي اللَّيْل، وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة عِكْرِمَة بن عمار عَن يحيى، (فَقلت: بلَى يَا نَبِي الله، وَلم أرد بذلك إلَاّ الْخَيْر) . وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ: (أخبر رَسُول الله، ﷺ ، أَنِّي أَقُول: وَالله لأصومن النَّهَار، ولأقومن اللَّيْل مَا عِشْت) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم (عَن أبي سَلمَة، قَالَ لي عبد الله بن عَمْرو: يَا ابْن أخي! أَنِّي قد كنت أَجمعت على أَن أجتهد اجْتِهَادًا شَدِيدا حَتَّى قلت: لأصومن الدَّهْر، ولأقرأن الْقُرْآن فِي كل لَيْلَة) . قَوْله: (فَلَا تفعل) ، وَزَاد البُخَارِيّ: (فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك هجمت لَهُ الْعين) الحَدِيث، وَقد مضى هَذَا فِي كتاب التَّهَجُّد. قَوْله: (إِن لعينك عَلَيْك حَقًا) ، بِالْإِفْرَادِ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (لعينيك) ، بالتثنية. قَوْله: (وَإِن بحسبك) ، الْبَاء فِيهِ زَائِدَة، وَمَعْنَاهُ: أَن أَصوم الثَّلَاثَة الْأَيَّام من كل شهر كافيك، وَيَأْتِي فِي الْأَدَب من طَرِيق حُسَيْن الْمعلم عَن يحيى: (أَن من حَسبك) . قَوْله: (أَن تَصُوم) أَن مَصْدَرِيَّة، أَي: حَسبك الصَّوْم من كل شهر، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فِي كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام) . قَوْله: (فَإِن لَك) ، ويروى: (فَإِذا لَك) ، بِالتَّنْوِينِ، وَهِي الَّتِي يُجَاب بهَا: أَن، وَكَذَا لَو صَرِيحًا أَو تَقْديرا وَأَن هَهُنَا مقدرَة تَقْدِيره: إِن صمتها فَإِذا لَك صَوْم الدَّهْر، وروى بِلَا تَنْوِين، بِلَفْظ: إِذا، للمفاجأة، قَالَ بَعضهم: وَفِي توجيهها هُنَا تكلّف. قلت: لَا تكلّف أصلا، وَوَجهه أَن عاملها فعل مُقَدّر مُشْتَقّ من لفظ المفاجأة، تَقْدِيره: إِن صمت ثَلَاثَة من كل شهر فاجأت عشر أَمْثَالهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِذا دعَاكُمْ﴾ (الرّوم: ٥٢) . الْآيَة، تَقْدِيره: ثمَّ دعَاكُمْ فاجأتم الْخُرُوج فِي ذَلِك الْوَقْت. قَوْله: (فَإِن ذَلِك) أَي: الْمَذْكُور من صَوْم كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام. قَوْله: (فشددت) أَي: على نَفسِي. قَوْله: (فَشدد عَليّ) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (إِنِّي أجد قُوَّة) ، أَي: على أَكثر من ذَلِك. قَوْله: (قَالَ: فَصم) ، أَي: قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن كنت تَجِد قُوَّة فَصم صِيَام نَبِي الله دَاوُد، ﵊. قَوْله: (نصف الدَّهْر) أَي: نصف صَوْم الدَّهْر، وَهُوَ أَن تَصُوم يَوْمًا وتفطر يَوْمًا. قَوْله: (بعد مَا كبر) ، بِكَسْر الْبَاء، يُقَال: كبر يكبر من بَاب: علم يعلم، هَذَا فِي السن، وَأما كبر، بِالضَّمِّ، بِمَعْنى: عَظِيم فَهُوَ من بَاب: حسن يحسن. قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ أَنه كبر وَعجز عَن الْمُحَافظَة على مَا الْتَزمهُ ووظفه على نَفسه عِنْد رَسُول الله، ﷺ ، فشق عَلَيْهِ فعله لعَجزه وَلم يُعجبهُ أَن يتْركهُ لالتزامه لَهُ: فتمنى أَن لَو قبل الرُّخْصَة فَأخذ بالأخف. ٦٥ - (بابُ صَوْمِ الدَّهْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَوْم الدَّهْر، هَل هُوَ مَشْرُوع أم لَا؟ وَإِنَّمَا لم يبين الحكم فِي التَّرْجَمَة لتعارض الْأَدِلَّة، وَاحْتِمَال أَن يكون

стр. 3198

عبد الله بن عَمْرو خص بِالْمَنْعِ لما اطلع النَّبِي ﷺ من مُسْتَقْبل حَاله، فيلتحق بِهِ من فِي مَعْنَاهُ مِمَّن يتَضَرَّر بسرد الصَّوْم وَيبقى غَيره على حكم الْجَوَاز لعُمُوم التَّرْغِيب فِي مُطلق الصَّوْم، كَمَا فِي حَدِيث أبي سعيد مَرْفُوعا: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله باعد الله وَجهه عَن النَّار) ، وَسَيَجِيءُ فِي الْجِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٦٧٩١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وأبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عبْدَ الله بنَ عَمْرٍ وَقَالَ أُخْبِرَ رسولُ الله ﷺ أنِّي أقولُ وَالله لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ فَقُلْتُ لَهُ قَدْ قُلْتُهُ بأبِي أنْتَ وأُمِّي قَالَ فإنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَصُمْ وأفْطِرْ وقُمْ ونَمْ وصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فإنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا وذَلِكَ مِثْلُ صِيَامُ الدَّهْرِ قلْتُ إنِّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِنْ ذلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْما وأفْطِرْ يَوْمَيْنِ قُلْتُ أنِّي أُطِيقُ أفضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْما وأفْطِرْ يَوْما فذلِكَ صِيامُ داوُدَ ﵇ وهْوَ أفْضَلُ الصِّيَامِ فَقُلْتُ أُطِيقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ لَا أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَذَلِكَ مثل صِيَام الدَّهْر) ، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الحمصيان، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم. قَوْله: (أخبر) على صِيغ الْمَجْهُول، و: (رَسُول الله) مَرْفُوع بِهِ قَوْله: (بِأبي وَأمي) أَي: أَنْت مفدىً بِأبي وَأمي. قَوْله: (فَإنَّك لَا تَسْتَطِيع ذَلِك) ، أَي: مَا ذكرته من قيام اللَّيْل وَصِيَام النَّهَار، وَقد علم ﷺ باطلاع الله إِيَّاه أَنه يعجز ويضعف عَن ذَلِك عِنْد الْكبر، وَقد اتّفق لَهُ ذَلِك، وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْحَالة الراهنة، لما علمه ﷺ من أَنه يتَكَلَّف ذَلِك وَيدخل بِهِ على نَفسه الْمَشَقَّة، ويفوت مَا هُوَ أهم من ذَلِك. قَوْله: (وصم من الشَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام) ، بعد قَوْله: (فَصم وَأفْطر) ، لبَيَان مَا أجمل من ذَلِك. قَوْله: (مثل صِيَام الدَّهْر) يَعْنِي فِي الْفَضِيلَة واكتساب الْأجر، والمثلية لَا تَقْتَضِي الْمُسَاوَاة من كل وَجه، لِأَن المُرَاد بِهِ هُنَا أصل التَّضْعِيف دون التَّضْعِيف الْحَاصِل من الْفِعْل، وَلَكِن يصدق على فَاعل ذَلِك أَنه صَامَ الدَّهْر مجَازًا. قَوْله: (أفضل من ذَلِك) أَي: من صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من الشَّهْر، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي أفضل من ذَلِك الثَّانِي وَالثَّالِث، وَالْأَفْضَل هُنَا بِمَعْنى: الأزيد وَالْأَكْثَر ثَوابًا. قَوْله: (لَا أفضل من ذَلِك) أَي: من صِيَام دَاوُد، ﵇. فَإِن قلت: هَذَا لَا ينفس المساوة صَرِيحًا؟ قلت: حَدِيث عَمْرو بن أَوْس عَن عبد الله بن عَمْرو: (أحب الصّيام إِلَى الله تَعَالَى صِيَام دَاوُد، عَلَيْهِ وَالسَّلَام) يَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّة مُطلقًا، وَهَهُنَا أفضل بِمَعْنى: أَكثر فَضِيلَة، قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (لَا أفضل) ، فَإِن قلت: مَاذَا يكون أفضل من صِيَام الدَّهْر؟ قلت: ذَاك لَيْسَ صِيَام الدَّهْر حَقِيقَة، بل هُوَ مثله، وَالْفرق ظَاهر بَين من صَامَ يَوْمًا وَمن صَامَ عشرَة أَيَّام. إِذْ الأول جَاءَ بِالْحَسَنَة وَإِن كَانَت بِعشر، وَهَذَا جَاءَ بِعشر حَسَنَات حَقِيقَة، وَقَالَ بَعضهم: لَا أفضل من ذَلِك فِي حَقك، وَأما صَوْم الدَّهْر فقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَذهب أهل الظَّاهِر إِلَى مَنعه لظَاهِر أَحَادِيث النَّهْي عَن ذَلِك، وَذهب جَمَاهِير الْعلمَاء إِلَى جَوَازه إِذا لم يصم الْأَيَّام الْمنْهِي عَنْهَا: كالعيدين والتشريق، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي بِغَيْر كَرَاهَة، بل هُوَ مُسْتَحبّ، وَفِي (سنَن الْكَجِّي) : من حَدِيث أبي تَمِيمَة الهُجَيْمِي: عَن أبي مُوسَى، قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صَامَ الدَّهْر ضيقت عَلَيْهِ جَهَنَّم هَكَذَا، وَضم أَصَابِعه على تسعين) وروى ابْن مَاجَه بِسَنَد فِيهِ ابْن لَهِيعَة عَن ابْن عَمْرو، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : صَامَ نوح، ﵇، الدَّهْر إلَاّ يَوْمَيْنِ: الْأَضْحَى وَالْفطر. وَكَانَ جمَاعَة من الصَّحَابَة يسردون الصَّوْم، مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله بن عمر، وَعَائِشَة وَأَبُو طَلْحَة وَأَبُو أُمَامَة. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين صِيَام الْوِصَال وَصِيَام الدَّهْر؟ قلت: هما حقيقتان مُخْتَلِفَتَانِ، فَإِن من صَامَ يَوْمَيْنِ أَو أَكثر وَلم يفْطر ليلتهما فَهُوَ مواصل، وَلَيْسَ هَذَا صَوْم الدَّهْر، وَمن صَامَ عمره وَأفْطر جَمِيع لياليه هُوَ صَائِم الدَّهْر، وَلَيْسَ بمواصل، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٧٥ - (بابُ حَقِّ الأهْلِ فِي الصَّوْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حق أهل الرجل فِي الصَّوْم، وَقد ذكرنَا بِأَن المُرَاد بالأهل: الْأَوْلَاد والقرابة وَمن حَقهم الرِّفْق بهم والإنفاق عَلَيْهِم.

стр. 3199

رَوَاهُ أبُو جُحَيْفَةَ عنِ النبيِّ أَي: روى حق الْأَهْل أَبُو جُحَيْفَة وهب بن عبد الله السوَائِي، وَقد مر حَدِيثه فِي قصَّة سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي: بَاب من أقسم على أَخِيه ليفطر فِي التَّطَوُّع، وفيهَا قَول سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: وَإِن لأهْلك عَلَيْك حَقًا، وَأقرهُ النَّبِي ﷺ على ذَلِك. ٨٥ - (حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ قَالَ أخبرنَا أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج سَمِعت عَطاء أَن أَبَا الْعَبَّاس الشَّاعِر أخبرهُ أَنه سمع عبد الله بن عَمْرو ﵄ يَقُول بلغ النَّبِي ﷺ َ - أَنِّي أسرد الصَّوْم وأصلي اللَّيْل فإمَّا أرسل إِلَيّ وَإِمَّا لَقيته فَقَالَ ألم أخبر أَنَّك تَصُوم وَلَا تفطر وَتصلي وَلَا تنام فَصم وَأفْطر وقم ونم فَإِن لعينيك عَلَيْك حظا وَإِن لنَفسك وَأهْلك عَلَيْك حظا قَالَ وَإِنِّي لأقوى لذَلِك قَالَ فَصم صِيَام دَاوُد ﵇ قَالَ وَكَيف قَالَ كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَلَا يفر إِذا لَاقَى قَالَ من لي بِهَذِهِ يَا نَبِي الله قَالَ عَطاء لَا أَدْرِي كَيفَ ذكر صِيَام الْأَبَد قَالَ النَّبِي ﷺ َ - لَا صَامَ من صَامَ الْأَبَد مرَّتَيْنِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَأهْلك عَلَيْك حظا " وَعَمْرو بن عَليّ بن بَحر بن كثير الْبَاهِلِيّ أَبُو حَفْص الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي الفلاس الْحَافِظ وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ الَّذين أَكثر عَنْهُم وَرُبمَا روى عَنهُ بِوَاسِطَة مَا فَاتَهُ مِنْهُ كَمَا فِي هَذَا الْموضع وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ وَأَبُو الْعَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة اسْمه السَّائِب بن فروخ الشَّاعِر الْأَعْمَى الْمَكِّيّ وَقد مر فِي بَاب مَا يكره من التَّشْدِيد فِي كتاب التَّهَجُّد قَالَه الْكرْمَانِي وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ مَذْكُور فِي بَاب مُجَرّد عَن التَّرْجَمَة عقيب بَاب مَا يكره من ترك قيام اللَّيْل وَفِيه قِطْعَة من هَذَا الحَدِيث قَوْله " بلغ النَّبِي ﷺ َ - أَنِّي أسرد الصَّوْم " الَّذِي بلغ النَّبِي ﷺ َ - هُوَ عَمْرو بن الْعَاصِ وَالِد عبد الله صَاحب الْقَضِيَّة وأسرد بِضَم الرَّاء أَي أَصوم مُتَتَابِعًا وَلَا أفطر بِالنَّهَارِ قَوْله " فإمَّا أرسل إِلَيّ وَإِمَّا لَقيته " يَعْنِي من غير إرْسَال وَكلمَة إِمَّا للتفصيل وَلَا تَفْصِيل إِلَّا بَين الشَّيْئَيْنِ وهما هُنَا إِمَّا إرْسَال النَّبِي ﷺ َ - إِلَيْهِ لما بلغه أَبوهُ قصَّته وَإِمَّا أَنه لَقِي النَّبِي ﷺ َ - من غير طلب قَوْله " ألم أخبر " على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " فَإِن لعينك " بِالْإِفْرَادِ فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ والكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا " لعينيك " بالتثنية قَوْله " حظا " أَي نَصِيبا كَذَا هُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ " حَقًا " بِالْقَافِ وَعِنْده وَعند مُسلم من الزِّيَادَة " وصم من كل عشرَة أَيَّام يَوْمًا وَلَك أجر التِّسْعَة " قَوْله " وَإِنِّي لأقوى " بِلَفْظ الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع قَوْله " لذَلِك " أَي لسرد الصَّوْم دَائِما ويروى على ذَلِك وَفِي رِوَايَة مُسلم " إِنِّي أجدني أقوى من ذَلِك يَا نَبِي الله " قَوْله " وَكَيف " أَي قَالَ عبد الله كَيفَ صِيَام دَاوُد ﵇ وَفِي رِوَايَة مُسلم " قَالَ وَكَيف كَانَ دَاوُد ﵇ يَصُوم يَا نَبِي الله " قَوْله " وَلَا يفر إِذا لَاقَى " أَي لَا يهرب إِذا لَاقَى الْعَدو قيل فِي ذكر هَذَا عقيب ذكر صَوْمه إِشَارَة إِلَى أَن الصَّوْم على هَذَا الْوَجْه لَا ينهك الْبدن وَلَا يُضعفهُ بِحَيْثُ يُضعفهُ عَن لِقَاء الْعَدو بل يَسْتَعِين يفْطر يَوْم على صِيَام يَوْم فَلَا يضعف عَن الْجِهَاد وَغَيره من الْحُقُوق ويجد مشقة الصَّوْم فِي يَوْم الصّيام لِأَنَّهُ لم يعتده بِحَيْثُ يصير الصّيام لَهُ عَادَة فَإِن الْأُمُور إِذا صَارَت عَادَة سهلت مشاقها قَوْله " وَقَالَ من لي بِهَذِهِ يَا نَبِي الله " أَي قَالَ عبد الله من تكفل لي بِهَذِهِ الْخصْلَة الَّتِي لداود ﵇ لَا سِيمَا عدم الْفِرَار قَوْله " قَالَ عَطاء " أَي قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله " لَا أَدْرِي كَيفَ ذكر صِيَام الْأَبَد " يَعْنِي أَن عَطاء لم يحفظ كَيفَ جَاءَ ذكر صِيَام الْأَبَد فِي هَذِه الْقِصَّة إِلَّا أَنه حفظ فِيهَا أَنه ﷺ َ - قَالَ " لَا صَامَ من صَامَ الْأَبَد " وَقد روى النَّسَائِيّ وَأحمد هَذِه الْجُمْلَة وَحدهَا من طرق عَن عَطاء قَوْله " لَا صَامَ

стр. 3200

من صَامَ الْأَبَد مرَّتَيْنِ " يَعْنِي قَالَهَا مرَّتَيْنِ وَفِي رِوَايَة مُسلم " قَالَ عَطاء فَلَا أَدْرِي كَيفَ ذكر صِيَام الْأَبَد فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - لَا صَامَ من صَامَ الْأَبَد لَا صَامَ من صَامَ الْأَبَد " لِأَنَّهُ يسْتَلْزم صَوْم يَوْم الْعِيد وَأَيَّام التَّشْرِيق وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ أما أَنه لم يفْطر فَلِأَنَّهُ امْتنع عَن الطَّعَام وَالشرَاب فِي النَّهَار وَأما أَنه لم يصم فيعني لم يكْتب لَهُ ثَوَاب الصّيام وَفِي قَول معنى لَا صَامَ الدُّعَاء قَالَ وَيَا بؤس من أخبر عَنهُ النَّبِي ﷺ َ - أَنه لم يصم وَأما من قَالَ أَنه أخبر فيا بؤس من أخبر عَنهُ النَّبِي ﷺ َ - أَنه لم يصم فقد علم أَنه لم يكْتب لَهُ ثَوَاب لوُجُوب الصدْق فِي خَبره وَقد نفى الْفضل عَنهُ فَكيف مَا يطْلب مَا نَفَاهُ النَّبِي ﷺ َ - (فَإِن قلت) مَا جَوَاب المخبرين صَوْم الدَّهْر عَن هَذَا (قلت) أجابوا عَن هَذَا بأجوبة أَولهَا مَا قَالَه التِّرْمِذِيّ إِنَّمَا يكون صِيَام الدَّهْر إِذا لم يفْطر يَوْم الْفطر وَيَوْم الْأَضْحَى وَأَيَّام التَّشْرِيق فَمن أفطر فِي هَذِه الْأَيَّام فقد خرج من حيّز الْكَرَاهَة وَإِلَّا يكون قد صَامَ الدَّهْر كُله ثمَّ قَالَ هَكَذَا روى مَالك وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَالثَّانِي أَنه مَحْمُول على من تضرر بِهِ أَو فَوت بِهِ حَقًا وَالثَّالِث أَن مَعْنَاهُ أَن من صَامَ الْأَبَد لَا يجد من الْمَشَقَّة مَا يجده غَيره فَيكون خبر الادعاء وَفِيه نظر وَحَدِيث " لَا صَامَ من صَامَ الْأَبَد " أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن أبي قَتَادَة وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن الشخير من رِوَايَة ابْنه مطرف قَالَ " حَدثنِي أبي أَنه سمع رَسُول الله ﷺ َ - وَذكر عِنْده رجل يَصُوم الدَّهْر فَقَالَ لَا صَامَ وَلَا أفطر " وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا وَلَفظه " من صَامَ الْأَبَد فَلَا صَامَ وَلَا أفطر " وَأخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن من رِوَايَة مطرف عَنهُ قَالَ " قيل يَا رَسُول الله إِن فلَانا لَا يفْطر نَهَار الدَّهْر كُله فَقَالَ لَا صَامَ وَلَا أفطر " وَأخرجه الْحَاكِم أَيْضا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَأخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من رِوَايَة أبي قَتَادَة عَنهُ قَالَ " كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فمررنا بِرَجُل فَقَالُوا يَا نَبِي الله هَذَا لَا يفْطر مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ لَا صَامَ وَلَا أفطر أَو مَا صَامَ وَمَا أفطر " وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر وَالصَّحِيح أَنه من مُسْند أبي قَتَادَة وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أَسمَاء بنت يزِيد من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب عَنْهَا قَالَت أُتِي النَّبِي ﷺ َ - بشراب فدار على الْقَوْم وَفِيهِمْ رجل صَائِم فَلَمَّا بلغه قيل لَهُ اشرب فَقيل يَا رَسُول الله إِنَّه لَيْسَ يفْطر أَو أَنه يَصُوم الدَّهْر فَقَالَ لَا صَامَ من صَامَ الْأَبَد " وَأخرج النَّسَائِيّ حَدِيث صَحَابِيّ لم يسم وَلَفظه " قيل للنَّبِي ﷺ َ - رجل يَصُوم الدَّهْر قَالَ وددت أَنه لم يصم الدَّهْر " - ٨٥ - (بابُ صَوْمِ يَوْمٍ وإفْطارِ يَوْمٍ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعبد الله بن عَمْرو: صم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمًا، وَذَلِكَ بعد أَن قَالَ لَهُ: صم من الشَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام. قَالَ: أُطِيق أَكثر من ذَلِك، فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: صم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمًا، كَمَا يَأْتِي الْآن فِي متن حَدِيث الْبَاب، وَهَذَا التَّقْدِير الَّذِي قدرناه على أَن يكون لفظ: بَاب، منونا مَقْطُوعًا عَن الْإِضَافَة، وَإِذا قرىء بِالْإِضَافَة يكون تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَوْم يَوْم وإفطار يَوْم. ٨٧٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدا عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ قَالَ أُطِيقُ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَمَا زالَ حَتَّى قَالَ صُمْ يَوْما وأفْطِرْ يَوْما فَقَالَ إقْرأ القُرآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ قَالَ إنِّي أُطِيقُ أكْثَرَ فَما زَالَ حَتَّى قَالَ فِي ثَلاثٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمًا) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وَفِي آخِره رَاء: سامه مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ، و: مُغيرَة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا بلام التَّعْرِيف وبدونها: ابْن مقسم ابْن هِشَام الضَّبِّيّ الْكُوفِي الْفَقِيه الْأَعْمَى، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فَضَائِل الْقُرْآن من طَرِيق

стр. 3201

أبي عوَانَة عَن مُغيرَة مطولا. قَوْله: (واقرأ الْقُرْآن) بِلَفْظ الْأَمر. قَوْله: (فِي ثَلَاث) أَي: فِي ثَلَاث لَيَال، وَالْمُسْتَحب أَن لَا يقْرَأ الْقُرْآن فِي أقل من ثَلَاثَة أَيَّام، وَقَالَ النَّوَوِيّ: عادات السّلف فِي وظائف الْقِرَاءَة كَانَ بَعضهم يخْتم فِي كل شهر، وَهُوَ أَقَله، وَأما أَكْثَره فثمان ختمات فِي يَوْم وَلَيْلَة على مَا بلغنَا. ٩٥ - (بابُ صَوْمِ دَاوُدَ ﵇ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَوْم دَاوُد، ﵊، وَإِنَّمَا ذكر أَولا صَوْم يَوْم وإفطار يَوْم، ثمَّ أعقبه بِصَوْم دَاوُد، ﵊، وَهُوَ هُوَ تَنْبِيها بِالْأولِ على أَفضَلِيَّة هَذَا الصَّوْم، وَبِالثَّانِي إِشَارَة إِلَى الِاقْتِدَاء بِهِ فِي ذَلِك. ٩٧٩١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا حَبِيبُ بنُ أبي ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا العَبَّاسِ المَكِّيَّ وكانَ شَاعِرا وكانَ لَا يُتَّهَمْ فِي حَدِيثِهِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عَمْرِو بنِ العَاصَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ لِي النبيُّ ﷺ إنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وتَقُومُ اللَّيْلَ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ إنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ العَيْنُ ونَفَهَتْ لَهُ النَّفْسُ لَا صامَ مَنْ صامَ الدَّهْرَ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ قُلْتُ فإنِّي أُطِيقُ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇ كانَ يَصُومُ يَوْما ويُفْطِرُ يَوْما ولَا يَفِرُّ إذَا لَاقى. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صم صَوْم دَاوُد، ﵊ إِلَى آخِره، وَهَذَا الحَدِيث مر فِي: بَاب حق الْأَهْل فِي الصَّوْم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي عَاصِم عَن ابْن جريج عَن أبي الْعَبَّاس الشَّاعِر إِلَى آخِره، وَبَين متنيه بعض اخْتِلَاف، وحبِيب ضد الْعَدو وَابْن أبي ثَابت ضد الزائل أَبُو يحيى الْأَسدي الْكَاهِلِي الْأَعْوَر الْمُفْتِي الْمُجْتَهد، مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَة. قَوْله: (وَكَانَ شَاعِرًا) وَهُنَاكَ: قَالَ الشَّاعِر. قَوْله: (وَكَانَ لَا يتهم فِي حَدِيثه) ، فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الشَّاعِر بصدد أَن يمْنَع حَدِيثه لما تَقْتَضِيه صناعته من الغلو فِي الْأَشْيَاء والإغراق فِي الْمَدْح والذم، لَكِن الرَّاوِي عدله وَوَثَّقَهُ حَتَّى روى عَنهُ، لِأَنَّهُ لم يكن مُتَّهمًا. وَأَشَارَ بقوله فِي حَدِيثه إِلَى أَن الْمَرْوِيّ عَنهُ أَعم من أَن يكون من الحَدِيث النَّبَوِيّ أَو غَيره، وإلَاّ لَمْ يَرْوِ عَنهُ، على أَن الْوَاقِع أَنه حجَّة عِنْد كل من أخرج الصَّحِيح، وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَابْن معِين وَغَيرهمَا، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وحديثان آخرَانِ: أَحدهمَا فِي الْجِهَاد، وَالْآخر فِي الْمَغَازِي، وأعادهما مَعًا فِي الْأَدَب. قَوْله: (هجمت لَهُ الْعين) أَي: غارت وَدخلت، وَعَن صَاحب (الْعين) : هجمت تهجم هجوما وهجما، وَعَن أبي عمر: و: الْكثير إهجام، وَعَن الْأَصْمَعِي: انهجمت عينه: دَمَعَتْ، ذكره فِي (الموعب) ابْن التِّين: هَذَا غَرِيب وَلَا أعرف مَعْنَاهَا، وَقَالَ بَعضهم: وَكَأَنَّهَا أبدلت عَن الْفَاء فَإِنَّهَا تبدل مِنْهَا كثيرا. قلت: ادّعى أَن الْفَاء تبدل من الثَّاء الْمُثَلَّثَة كثيرا، وَلم يَأْتِ بمثال فِيهِ، وَلَا نسبه إِلَى أحد من أهل الْعَرَبيَّة، وَلَا ذكر أحد هَذَا فِي الْحُرُوف الَّتِي يُبدل بَعْضهَا من بعض، وَإِن كَانَ يُوجد هَذَا رُبمَا يُوجد فِي لِسَان ذِي لثغة فَلَا يَبْنِي عَلَيْهِ شَيْء. وَقَالَ التَّيْمِيّ: نهثت بالنُّون والمثلثة، وَلَا أعرف هَذِه الْكَلِمَة، وَقد ورد فِي اللُّغَة: نهث الرجل يَعْنِي: سعل، وَهُوَ بعيد هُنَا، وَجَاء فِي رِوَايَة الْكشميهني: (ونهكت) أَي: هزلت وضعفت، وَلَا وَجه لَهُ إلَاّ إِذا ضم النُّون من: نهكته الْحمى: إِذا أضنته، وَفِي (التَّوْضِيح) : نهتت، بالنُّون ثمَّ هَاء ثمَّ مثناة من فَوق ثمَّ أُخْرَى مثلهَا، وَمَعْنَاهُ: ضعفت قلت: قَالَ الْجَوْهَرِي: يَقُول: نهت ينهت بِالْكَسْرِ من النهيت، قَالَ: النهيت كالزجير، إلَاّ أَنه دونه، يُقَال: رجل نهات، أَي: زجار، وَهَذَا الَّذِي ضَبطه صَاحب (التَّوْضِيح) لَا يُنَاسب هُنَا على مَا لَا يخفى فَافْهَم قَوْله: (صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام) أَي: من كل شهر، وَمعنى الْبَقِيَّة من الْمَتْن تقدم. ٠٨٩١ - حدَّثنا إسْحاقُ الوَاسِطِيُّ قَالَ حدَّثنا خَالِدٌ عنْ خالِدٍ عنْ أبِي قِلابَةَ قَالَ أَخْبرنِي أبُو المَلِيحِ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ أبِيكَ عَلى عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وفحَدَّثنا أنَّ رسولَ الله ﷺ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي

стр. 3202

فَدَخَلَ عَلَيَّ فألْقَيْتُ لَهُ وِسادَةً مِنْ أدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ فجَلَسَ عَلَى الأرْضِ وصارَتِ الوِسَادَةُ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَقَالَ أما يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ قَالَ قُلْتُ يَا رسولَ الله قَالَ خَمْسا قُلْتُ يَا رسولَ الله قَالَ سبْعا قُلْتُ يَا رسولَ الله قَالَ تِسْعا قُلْتُ يَا رسولَ الله قالَ إحْدَى عَشَرَةَ ثُمَّ قالَ النبيُّ ﷺ لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ ﵇ شَطْر الدَّهْرِ صُمْ يَوْما وأفْطِر يوْما. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا صَوْم فَوق صَوْم دَاوُد، ﵊ . ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: إِسْحَاق بن شاهين أَبُو بشر الوَاسِطِيّ. الثَّانِي: خَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد الطَّحَّان أَبُو الْهَيْثَم الوَاسِطِيّ من الصَّالِحين. الثَّالِث: خَالِد بن مهْرَان الْحذاء الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف، عبد الله بن زيد الْجرْمِي، أحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام. الْخَامِس: أَبوهُ زيد بن عَمْرو، وَيُقَال: عَامر. السَّادِس: أَبُو الْمليح، بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: واسْمه عَامر، وَقيل: زيد. وَقيل: زِيَاد بن أُسَامَة بن عُمَيْر الْهُذلِيّ. السَّابِع: عبد الله بن عَمْرو. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه ذكر مُجَردا عَن نِسْبَة، لكنه ذكر مَنْسُوبا إِلَى وَاسِط وَهِي الْمَدِينَة الَّتِي بناها الْحجَّاج. وَفِيه: أَن أَبَا الْمليح لَيْسَ لَهُ حَدِيث فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَأَعَادَهُ فِي الاسْتِئْذَان، وَحَدِيث آخر فِي الْمَوَاقِيت فِي موضِعين من رِوَايَته عَن بُرَيْدَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق بن شاهين أَيْضا، وَفِي الاسْتِئْذَان أَيْضا عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن عَمْرو بن عون. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى خياط السّنة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخلت مَعَ أَبِيك) الْخطاب لأبي قلَابَة وَأَبوهُ زيد كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَفِي رِوَايَته فِي الاسْتِئْذَان: (مَعَ أَبِيك زيد) ، وَصرح بِهِ فِي قَوْله: فحدثنا، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة. قَوْله: (ذكر) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فألقيت لَهُ) ، أَي: لرَسُول الله ﷺ . قَوْله: (أما يَكْفِيك؟) بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم. قَوْله: (قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله ﴿) أَي: قَالَ عبد الله. فَإِن قلت: أَيْن الْجَواب، وَكَيف يَقع لفظ: يَا رَسُول الله﴾ جَوَابا؟ قلت: الْجَواب مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يَكْفِينِي الثَّلَاثَة يَا رَسُول الله، وَكَذَلِكَ يقدر فِي الْبَوَاقِي. قَوْله: (خمْسا) أَي: خَمْسَة أَيَّام من كل شهر، وانتصابه على المفعولية، أَي: صم خَمْسَة أَيَّام من كل شهر، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي سبعا وتسعا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (خَمْسَة) ، والتأنيث فِيهِ بِاعْتِبَار إِرَادَة الْأَيَّام، وَأما خمْسا فباعتبار إِرَادَة اللَّيَالِي، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي الْبَوَاقِي. قَوْله: (لَا صَوْم فَوق صَوْم دَاوُد) أَي: لَا فضل وَلَا كَمَال فِي صَوْم التَّطَوُّع فَوق صَوْم دَاوُد، ﵊، وَهُوَ صَوْم يَوْم وإفطار يَوْم، وَالَّذين لَا يكْرهُونَ السرد يَقُولُونَ: هَذَا مَخْصُوص بِعَبْد الله بن عَمْرو. قَوْله: (إِحْدَى عشرَة) ، زَاد فِي رِوَايَة عَمْرو بن عون: (يَا رَسُول الله) . قَوْله: (شطر الدَّهْر) أَي: نصفه، وَيجوز فِي: شطر، الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ شطر الدَّهْر، وَالنّصب على أَنه مفعول لفعل مُقَدّر، تَقْدِيره: هاك شطر الدَّهْر أَو خُذْهُ أَو اجْعَلْهُ، وَنَحْو ذَلِك، وَيجوز الْجَرّ على أَنه بدل من صَوْم دَاوُد، ﵊. قَوْله: (صم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمًا) وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن عون: (صِيَام يَوْم وإفطار يَوْم) ، وَيجوز فِيهِ الْأَوْجه الثَّلَاثَة الْمَذْكُور. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: بَيَان أَن أفضل الصّيام صَوْم دَاوُد، ﵊. وَفِيه: بَيَان رفق رَسُول الله، ﷺ ، بأمته وشفقته عَلَيْهِم وإرشاده إيَّاهُم إِلَى مَا يصلحهم وحثه إيَّاهُم على مَا يُطِيقُونَ الدَّوَام عَلَيْهِ، ونهيهم عَن التعمق فِي الْعِبَادَة لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْملَل المفضي إِلَى التّرْك. وَفِيه: جَوَاز الْإِخْبَار عَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة والأوراد ومحاسن الْأَعْمَال، وَلَكِن مَحل ذَلِك أَن يَخْلُو عَن الرِّيَاء. وَفِيه: بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ من التَّوَاضُع وَترك الاستئثار على جليسه، وَفِي كَون الوسادة من أَدَم حشوها لِيف، بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة فِي غَالب أَحْوَالهم فِي عَهده، ﷺ ، من الضّيق. إِذْ لَو كَانَ عِنْد عبد الله بن عَمْرو أشرف مِنْهَا لأكرم بهَا نبيه، ﷺ .

стр. 3203

٠٦ - (بابُ صِيَامِ البِيضِ ثَلاثَ عَشَرَةَ وَأرْبَعَ عَشَرَةَ وخَمْسَ عَشَرَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صِيَام أَيَّام الْبيض، وَهِي الْأَيَّام الَّتِي لياليهن مقمرات لَا ظلمَة فِيهَا، وَهِي الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة: لَيْلَة الْقدر وَمَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا وَالْبيض، بِكَسْر الْبَاء جمع أَبيض أضيف إِلَيْهَا الْأَيَّام تَقْدِيره: أَيَّام اللَّيَالِي الْبيض. وَقيل: المُرَاد بالبيض: اللَّيَالِي، وَهِي الَّتِي يكون الْقَمَر فِيهَا من أول اللَّيْل إِلَى آخِره، حَتَّى قَالَ الجواليقي: من قَالَ الْأَيَّام الْبيض فَجعل الْبيض صفة الْأَيَّام فقد أَخطَأ. قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر لِأَن الْيَوْم الْكَامِل هُوَ النَّهَار بليلته، وَلَيْسَ فِي الدَّهْر يَوْم أَبيض كُله إلَاّ هَذِه الْأَيَّام، لِأَن لَيْلهَا أَبيض ونهارها أَبيض، فصح قَول: الْأَيَّام الْبيض على الْوَصْف. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ، وَتصرف غير موجه، لِأَن قَوْله: لِأَن الْيَوْم الْكَامِل هُوَ النَّهَار بليلته غير صَحِيح، لِأَن الْيَوْم الْكَامِل فِي اللُّغَة عبارَة عَن طُلُوع الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا، وَفِي الشَّرْع عَن طُلُوع الْفجْر الصَّادِق، وَلَيْسَ لليلة دخل فِي حد النَّهَار. قَوْله: (ونهارها أَبيض) يَقْتَضِي أَن بَيَاض نَهَار الْأَيَّام الْبيض من بَيَاض اللَّيْلَة وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن بَيَاض الْأَيَّام كلهَا بِالذَّاتِ وَأَيَّام الشَّهْر كلهَا بيض، فَسقط قَوْله: وَلَيْسَ فِي الشَّهْر يَوْم أَبيض كُله إلَاّ هَذِه الْأَيَّام، وَهل يُقَال ليَوْم من أَيَّام الشَّهْر غير أَيَّام الْبيض: هَذَا يَوْم بياضه غير كَامِل، أَو يُقَال: هَذَا كُله لَيْسَ بأبيض، أَو يُقَال: بعضه أَبيض؟ فَبَطل قَوْله، فصح قَول الْأَيَّام الْبيض على الْوَصْف، وَالْقَوْل مَا قَالَه الجواليقي: (إِذا قَالَت حذام فصدقوها) ثمَّ سَبَب التَّسْمِيَة بأيام الْبيض مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إِنَّمَا سميت بأيام الْبيض لِأَن آدم، ﵊، لما أهبط إِلَى الأَرْض أحرقته الشَّمْس فاسودَّ. فَأوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ أَن صم أَيَّام الْبيض، فصَام أول يَوْم فأبيضَّ ثلث جسده، فَلَمَّا صَامَ الْيَوْم الثَّانِي ابيضَّ ثلثا جسده، فَلَمَّا صَامَ الْيَوْم الثَّالِث ابيضَّ جسده كُله. وَقيل: سميت بذلك لِأَن ليَالِي أَيَّام الْبيض مُقْمِرَة، وَلم يزل الْقَمَر من غرُوب الشَّمْس إِلَى طُلُوعهَا فِي الدُّنْيَا فَتَصِير اللَّيَالِي وَالْأَيَّام كلهَا بيضًا. قَوْله: (ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (صِيَام أَيَّام الْبيض: ثَلَاثَة عشر وَأَرْبَعَة عشر وَخَمْسَة عشر) . وَذَلِكَ بِاعْتِبَار الْأَيَّام، وَالْأول بِاعْتِبَار اللَّيَالِي. فَإِن قلت: كَيفَ عين الثَّالِث عشر وَالرَّابِع عشر وَالْخَامِس عشر من الشَّهْر؟ والْحَدِيث الَّذِي ذكره فِي الْبَاب لَيْسَ فِيهِ التَّعْيِين لذَلِك؟ قلت: جرت عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى مَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث، وَإِن لم يكن على شَرطه، فقد روى القَاضِي يُوسُف بن إِسْمَاعِيل فِي كتاب الصّيام: حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة حَدثنَا حُسَيْن بن عَليّ عَن زَائِدَة بن قدامَة عَن حَكِيم بن جُبَير عَن مُوسَى بن طَلْحَة، قَالَ: قَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لأبي ذَر وعمار وَأبي الدَّرْدَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: (أتذكرون يَوْمًا كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، بمَكَان كَذَا وَكَذَا، فَأَتَاهُ رجل بأرنب، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي رَأَيْت بهَا دَمًا، فَأمر فأكلنا وَلم يَأْكُل؟ قَالُوا: نعم. ثمَّ قَالَ لَهُ: ادنه فأطعم! قَالَ: إِنِّي صَائِم، قَالَ: أَي صَوْم؟ قَالَ: صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، أَوله وَآخره، وكما تيسَّر عَليّ فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَل تَدْرُونَ الَّذِي أَمر بِهِ رَسُول الله، ﷺ ؟ قَالُوا: نعم، يَصُوم ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة. قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَكَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ . وَحَكِيم بن جُبَير ضعفه الْجُمْهُور، ومُوسَى بن طَلْحَة عَن عمر مُرْسل، قَالَه أَبُو زرْعَة، وَبَينهمَا ابْن الحوتكية. وأصل الحَدِيث عِنْد النَّسَائِيّ فِي كتاب الصَّيْد وَلَيْسَ فِيهِ ذكر لعمَّار وَأبي الدَّرْدَاء، رَوَاهُ من طَرِيق حَكِيم بن جُبَير وَعَمْرو بن عُثْمَان وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن عَن مُوسَى بن طَلْحَة (عَن ابْن الحوتكية، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: من حاضرنا يَوْم القاحة قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء) فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: (قَالَ: فَأَيْنَ أَنْت عَن الْبيض الغر: ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة ... ؟) وَابْن الحوتكية سَمَّاهُ بَعضهم يزِيد، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي (الْجرْح وَالتَّعْدِيل) : وَمَا سَمَّاهُ أحد إلَاّ الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن عُثْمَان بن عبد الله بن موهب عَن مُوسَى بن طَلْحَة عَن يزِيد بن الحوتكية. والقاحة، بِالْقَافِ وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة، مَكَان من الْمَدِينَة على ثَلَاث مراحل. وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة زيد بن أبي أنيسَة عَن أبي إِسْحَاق عَن جرير بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر صِيَام الدَّهْر، وَأَيَّام الْبيض صَبِيحَة ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة) . وَإِسْنَاده صَحِيح، وَفِي رِوَايَة: (أَيَّام الْبيض) بِغَيْر وَاو، وَرُوِيَ: (أَيَّام الْبيض صَبِيحَة) ، بِالرَّفْع فيهمَا، وروى بِالْجَرِّ فيهمَا، حَكَاهُ صَاحب (الْمُفْهم) : وروى ابْن

стр. 3204

مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، حَدثنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن أنس بن سِيرِين عَن عبد الْملك بن الْمنْهَال عَن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ يَأْمر بصيام أَيَّام الْبيض: ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة، وَيَقُول: (هُوَ كَصَوْم يَوْم الدَّهْر. أَو كَهَيئَةِ صَوْم الدَّهْر) وروى أَيْضا: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا حَيَّان بن هِلَال، قَالَ: حَدثنَا همام عَن أنس بن سِيرِين قَالَ: حَدثنِي عبد الْملك بن قَتَادَة بن ملْحَان الْقَيْسِي عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ نَحوه، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ إلَاّ أَنه قَالَ: قدامَة بن ملْحَان قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْمُرنَا بالصيام أَيَّام اللَّيَالِي الغر الْبيض: ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد إلَاّ أَنه قَالَ: عَن أنس عَن ابْن ملْحَان الْقَيْسِي عَن أَبِيه ... فَذكره وَلم يسمه، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي تبعا لِلْحَافِظِ ابْن عَسَاكِر: وَيُشبه أَن يكون ابْن كثير أَي شيخ أبي دَاوُد نسبه إِلَى جده، وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْمفضل الْمَقْدِسِي: قيل: إِنَّه ملْحَان بن شبْل الْبكْرِيّ وَالِد عبد الْملك بن ملْحَان، ذكره ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة، قَالَ: وَقيل: بل هُوَ قَتَادَة ابْن ملْحَان وَالِد عبد الْملك بن قَتَادَة بن ملْحَان، ولقتادة هَذَا صُحْبَة فِيمَا ذكره ابْن أبي حَاتِم وَلم يذكر أَبَاهُ فِي كِتَابه، وَلَا أَبُو الْقَاسِم البقوي فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) ، قَالَ: وذكرهما أَعنِي: قَتَادَة وملحان أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي (الِاسْتِيعَاب) فَإِن قلت: روى النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح من رِوَايَة سعيد بن أبي هِنْد أَن مطرفا حَدثهُ أَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، يَقُول: (صيامٌ حسنٌ ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر) وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) هَذَا وَلم يعين فِيهِ أَيَّامًا بِعَينهَا، وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث حَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (أَربع لم يكن يدعهن النَّبِي ﷺ : صِيَام عَاشُورَاء، وَأول الْعشْر، وَثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْغَدَاة) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث حَفْصَة قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام من الشَّهْر: الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس والإثنين من الْجُمُعَة الْأُخْرَى) . وَهَذَا فِيهِ غير أَيَّام الْبيض. وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة الْحسن بن عبيد الله عَن هنيدة الْخُزَاعِيّ عَن أمه، قَالَت: دخلت على أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فسألتها عَن الصّيام؟ فَقَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْمُرنِي أَن أَصوم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر: أَولهَا الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس) ، وَالْخَمِيس لفظ أبي دَاوُد. وَقَالَ النَّسَائِيّ: يَأْمر بصيام ثَلَاثَة أَيَّام: أول خَمِيس والإثنين، وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة الْحر بن الصَّباح عَن هنيدة عَن امْرَأَته عَن بعض أَزوَاج النَّبِي، ﷺ ، غير مُسَمَّاة، وروى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء، قَالَ: (أَوْصَانِي رَسُول الله، ﷺ ، بِغسْل يَوْم الْجُمُعَة، وركعتي الضُّحَى، ونوم على وتر، وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر) . وروى يُوسُف القَاضِي فِي (كتاب الصّيام) من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (صَوْم شهر الضبر وَثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر صَوْم الشَّهْر، وَيذْهب بوحر الصَّدْر) . والوحر، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة: الغل. وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) من حَدِيث النمر بن تولب من حَدِيث الْجريرِي عَن أبي الْعَلَاء، قَالَ: كُنَّا بالمربد، فَأَتَانَا أَعْرَابِي وَمَعَهُ قِطْعَة أَدِيم، فَقَالَ: انْظُرُوا مَا فِيهَا! فَإِذا كتاب من رَسُول الله، ﷺ ، وَفِيه: (فَقلت أَنْت سَمِعت هَذَا من رَسُول الله، ﷺ ؟ قَالَ: نعم، وسمعته يَقُول: صَوْم شهر الصَّبْر وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من الشَّهْر يذْهبن وغر الصَّدْر) ، وَفِيه: (فَسَأَلت عَنهُ، فَقيل: هَذَا نمر بن تولب) . وأصل الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَلَيْسَت فِيهِ قصَّة الصّيام وَلم يسم فِيهِ الصَّحَابِيّ. والوغر، بالتسكين: الضغن والعداوة، وبالتحريك: الْمصدر. قلت: هُوَ بالغين الْمُعْجَمَة، وَأَصله من الوغرة وَهِي شدَّة الْحر. وروى أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (خرج علينا رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: أَلا أخْبركُم بغرف الْجنَّة) الحَدِيث، وَفِيه: (فَقُلْنَا: لمن تِلْكَ؟ فَقَالَ: لمن أفشى السَّلَام وأدام الصّيام. .) الحَدِيث، وَفِيه: (وَمن صَامَ رَمَضَان، وَمن كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام فقد أدام الصّيام) . قلت: التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَحَادِيث أَن كل من رأى النَّبِي، ﷺ ، فعل نوعا ذكره، وَكَانَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، رَأَتْ مِنْهُ جَمِيع ذَلِك، فَلذَلِك أطلقت فِيمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيثهَا أَنَّهَا قَالَت: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يَصُوم من كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام مَا يُبَالِي من أَي الشَّهْر صَامَ) ، وَالَّذِي أَمر بِهِ وحث عَلَيْهِ ووصَّى لَهُ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي ﷺ على مَا نذكرهُ، فَهُوَ أولى من غَيره. وَأما النَّبِي ﷺ فَلَعَلَّهُ كَانَ يعرض لَهُ مَا يشْغلهُ عَن مُرَاعَاة ذَلِك، أَو كَانَ يفعل ذَلِك لبَيَان الْجَوَاز. فَإِن قلت: أَي: الْفَصْلَيْنِ يتَرَجَّح؟

стр. 3205

قلت: أَيَّام الْبيض، لكَونهَا وسط الشَّهْر، ووسط الشَّهْر أعدله، وَلِأَن الْكُسُوف غَالِبا يَقع فِيهَا، فَإِذا اتّفق الْكُسُوف صَادف الَّذِي يعتاده صِيَام الْبيض صَائِما فيتهيأ أَن يجمع بَين أَنْوَاع الْعِبَادَات من الصّيام وَالصَّلَاة وَالصَّدَََقَة، بِخِلَاف من لم يصمها فَإِنَّهُ لَا يتهيأ لَهُ اسْتِدْرَاك صيامها. فَإِن قلت: قَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر صَحِيح، وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ فِي صِيَام الْبيض: قد رُوِيَ فِي إِبَاحَة تعمدها بِالصَّوْمِ أَحَادِيث لَا تثبت. قلت: بل فِي التَّعْيِين أَحَادِيث صَحِيحَة. مِنْهَا: حَدِيث جرير، فَهُوَ صَحِيح لَا اخْتِلَاف فِيهِ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَقد صَححهُ من الْمَالِكِيَّة أَبُو الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ فِي (الْمُفْهم) وَفِيه تعْيين الْبيض. وَمِنْهَا: حَدِيث قُرَّة بن إِيَاس الْمُزنِيّ فَهُوَ صَحِيح أَيْضا لَا اخْتِلَاف فِيهِ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الكبيرُّ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد التمار الْبَصْرِيّ، حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا شُعْبَة عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (صِيَام الْبيض صِيَام الدَّهْر وإفطاره) ، وقرة هُوَ ابْن إِيَاس بن هِلَال بن ذياب الْمُزنِيّ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَلَكِن لَيْسَ عِنْده تعْيين الْبيض. وَصحح ابْن حبَان أَيْضا حَدِيث أبي ذَر وَحَدِيث عبد الْملك ابْن منهال عَن أَبِيه فِي تعْيين الْأَيَّام الْبيض، وَصحح أَيْضا حَدِيث ابْن مَسْعُود فِي تعْيين غرَّة الشَّهْر. فَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه الإِمَام أَبُو مُحَمَّد بن عبد الله بن عَطاء الإبراهيمي من حَدِيث يُونُس بن يَعْقُوب عَن أَبِيه عَن أبي صَادِق (عَن أبي هُرَيْرَة: أَوْصَانِي خليلي بِثَلَاث: الْوتر قبل أَن أَنَام، وأصلي الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ، وَصَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر: ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة، وَهِي الْبيض) . وَحَدِيث أبي ذَر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة، قَالَ: سَمِعت أَبَا ذَر يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (يَا أَبَا ذَر! إِذا صمت من الشَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام فَصم ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة) ، وَقَالَ: حَدِيث أبي ذَر حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَحَدِيث عبد الْملك بن منهال قد مر عَن قريب. وَأما حكم الْمَسْأَلَة، فقد حكى النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) الِاتِّفَاق على اسْتِحْبَاب صِيَام الْأَيَّام الْبيض، وَهِي: الثَّالِث عشر وَالرَّابِع عشر وَالْخَامِس عشر، قَالَ: وَقيل: هِيَ الثَّانِي عشر وَالثَّالِث عشر وَالرَّابِع عشر، وَقَالَ شَيخنَا، وَفِيمَا حَكَاهُ من الِاتِّفَاق نظر، فقد روى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك فِي (الْمَجْمُوعَة) أَنه سُئِلَ عَن صِيَام أَيَّام الغر: ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة؟ فَقَالَ: مَا هَذَا ببلدنا، وَكره تعمد صَومهَا، وَقَالَ: الْأَيَّام كلهَا لله تَعَالَى، وَقَالَ ابْن وهب: وَإنَّهُ لعَظيم أَن يَجْعَل على نَفسه شَيْئا كالفرض، وَلَكِن يَصُوم إِذا شَاءَ، قَالَ: وَاسْتحبَّ ابْن حبيب صَومهَا، وَقَالَ: أَرَاهَا صِيَام الدَّهْر. وَقَالَ ابْن حبيب: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء يَصُوم من كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام: أول الْيَوْم وَيَوْم الْعَاشِر وَيَوْم الْعشْرين، وَيَقُول: هُوَ صِيَام الدَّهْر، كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا. وَقَالَ شَيخنَا: وَحَاصِل الْخلاف أَن فِي الْمَسْأَلَة تِسْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: اسْتِحْبَاب صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من الشَّهْر غير مُعينَة، فَأَما تَعْيِينهَا فمكروه، وَهُوَ الْمَعْرُوف من مَذْهَب مَالك، حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ. الثَّانِي: اسْتِحْبَاب الثَّالِث عشر وَالرَّابِع عشر وَالْخَامِس عشر، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم، وَبِه قَالَ عمر ابْن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود وَأَبُو ذَر وَآخَرُونَ من التَّابِعين، وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَابْن حبيب من الْمَالِكِيَّة، وَأَبُو حنيفَة وصاحباه وَأحمد وَإِسْحَاق. الثَّالِث: اسْتِحْبَاب الثَّانِي عشر وَالثَّالِث عشر وَالرَّابِع عشر، حُكيَ ذَلِك عَن قوم. الرَّابِع: اسْتِحْبَاب ثَلَاثَة من أول الشَّهْر، وَبِه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ. الْخَامِس: اسْتِحْبَاب السبت والأحد والإثنين من أول شهر، ثمَّ الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس من أول الشَّهْر الَّذِي بعده، وَهُوَ اخْتِيَار عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فِي آخَرين. السَّادِس: استحبابها من آخر الشَّهْر، وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. السَّابِع: استحبابها فِي الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس. الثَّامِن: اسْتِحْبَاب أول يَوْم الشَّهْر والعاشر وَالْعِشْرين، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أبي الدَّرْدَاء. التَّاسِع: اسْتِحْبَاب أول يَوْم وَالْحَادِي عشر، وَالْعِشْرين، وَهُوَ اخْتِيَار أبي إِسْحَاق ابْن شعْبَان من الْمَالِكِيَّة. ١٨٩١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أبُو التَّيَّاحِ قَالَ حدَّثني أبُو عُثْمَانَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أوْصَانِي خَلِيلي ﷺ بِثَلاثٍ صِيامِ ثلاثَةَ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ورَكْعَتَيْ الضُّحَى وأنْ أُوتِرَ قَبْلَ أنْ أنَامَ. (انْظُر الحَدِيث ٨٧١١) .

стр. 3206

قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن بطال وَآخَرُونَ: لَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي أوردهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب مَا يُطَابق التَّرْجَمَة، لِأَن الحَدِيث مُطلق فِي ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، والترجمة مَذْكُورَة بِمَا ذكره. قلت: قد أجبنا عَن هَذَا عِنْد تفسيرنا قَوْله: (ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة) على أَنا قد ذكرنَا عَن قريب عَن أبي هُرَيْرَة فِي بعض طرق حَدِيثه مَا يُوَافق التَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: واسْمه عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري المقعد. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد التَّيْمِيّ. الثَّالِث: أَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: واسْمه يزِيد بن حميد الضبعِي. الرَّابِع: أَبُو عُثْمَان، هُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: ثَلَاثَة من الروَاة مذكورون بالكنى، وَقيل: أَبُو التياح لقب غير كنية، ويكنى أَبَا حَمَّاد. وَفِيه: أَن رُوَاته الثَّلَاثَة الأول كلهم بصريون، وَأَبُو عُثْمَان كُوفِي، وَلكنه سكن الْبَصْرَة، وَقد روى عَن أبي هُرَيْرَة جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عُثْمَان لَكِن لم يَقع فِي البُخَارِيّ حَدِيث مَوْصُول من رِوَايَة أبي عُثْمَان عَن أبي هُرَيْرَة إلَاّ من رِوَايَة النَّهْدِيّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا وَآخر فِي الْأَطْعِمَة، وَوَقع عِنْد مُسلم: عَن شَيبَان عَن عبد الْوَارِث بِهَذَا الْإِسْنَاد، فَقَالَ فِيهِ: حَدثنِي أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب صَلَاة الضُّحَى فِي السّفر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة عَن عَبَّاس الْجريرِي عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَبَين بعض متنيه اخْتِلَاف، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (خليلي) أَي: رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (بِثَلَاث) ، أَي: بِثَلَاث أَشْيَاء. قَوْله: (صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام) ، بِالْجَرِّ على أَنه بدل من: ثَلَاث. قَوْله: (وركعتي الْفجْر) ، عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَأَن أوتر) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: بِأَن أوتر، أَي: بالوتر، أَي: بِصَلَاتِهِ قبل أَن أَنَام، أَي قبل النّوم، وَإِنَّمَا أفرده بِهَذِهِ الْوَصِيَّة لِأَنَّهُ كَانَ يُوَافقهُ فِي إِيثَار الِاشْتِغَال بِالْعبَادَة على الِاشْتِغَال بالدنيا، لِأَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يصبر على الْجُوع فِي ملازمته النَّبِي ﷺ ، ألَا ترى كَيفَ قَالَ: أما إخْوَانِي فَكَانَ يشغلهم الصفق بالأسواق، وَكنت ألزم رَسُول الله ﷺ . ١٦ - (بابُ مَنْ زَارَ قَوْما فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من زار قوما وَهُوَ صَائِم فِي التَّطَوُّع فَلم يفْطر عِنْدهم، وَهَذَا الْبَاب يُقَابل الْبَاب الَّذِي قبله بِعشْرَة أَبْوَاب، وَهُوَ بَاب من أقسم على أَخِيه ليفطر فِي التَّطَوُّع. ٢٨٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثني خالِدٌ هُوَ ابنُ الحَارِثِ قَالَ حدَّثنا حُمَيْدٌ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ دَخَلَ النبيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فأتَتْهُ بِتَمْرٍ وسَمْنٍ قَالَ أعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وتَمْرَكُمْ فِي وِعائِهِ فإنِّي صائِمٌ ثُمَّ قامَ إلَى ناحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ فصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ فَدَعا لأُمِّ سُلَيْمٍ وأهْلِ بَيْتِها فقالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ يَا رسولَ الله إنَّ لِي خُوَيْصَةً قَالَ هِيَ قَالَتْ خادِمُكَ أنَسٌ فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ ولَا دُنْيَا إلَاّ دَعا لِي بِهِ قَالَ أللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالا وولَدا وبارِكْ لَهُ فإنِّي لَمِنْ أكْثَرِ الأنْصَارِ مَالا ح وحدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمُيْنةُ أنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وعِشْرُونَ وَمِائةٌ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا وهم كلهم بصريون. قَوْله: (هُوَ ابْن الْحَارِث) بَيَان من البُخَارِيّ لِأَن شَيْخه كَأَنَّهُ قَالَ: حَدثنَا خَالِد، وَأَرَادَ بِالْبَيَانِ رفع الْإِبْهَام لاشتراك من سمي خَالِدا فِي الرِّوَايَة عَن حميد، وَلَكِن هَذَا غير مطرد لَهُ فَإِنَّهُ كثيرا مَا يَقع لَهُ ولمشايخه مثل هَذَا الْإِبْهَام وَلَا يلْتَفت إِلَى بَيَانه. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (على أم سليم) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام: وَاسْمهَا الغميصاء، وَقيل: الرميصاء، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: الرميصاء أم سليم سهلة، وَيُقَال: وصيلة، وَيُقَال: رميئة، وَيُقَال: أنيفة، وَيُقَال: مليكَة. وَقَالَ ابْن التِّين: كَانَ ﷺ يزور أم سليم لِأَنَّهَا خَالَته من الرضَاعَة، وَقَالَ أَبُو عمر: إِحْدَى خالاته من

стр. 3207

النّسَب، لِأَن أم عبد الْمطلب سلمى بنت عَمْرو بن زيد بن أَسد بن خِدَاش بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار، وَأُخْت أم سليم أم حرَام بنت ملْحَان بن زيد بن خَالِد بن حرَام بن جُنْدُب بن عَامر بن غنم، وَأنكر الْحَافِظ الدمياطي هَذَا القَوْل، وَذكر أَن هَذِه خؤلة بعيدَة لَا تثبت حُرْمَة وَلَا تمنع نِكَاحا. قَالَ: وَفِي (الصَّحِيح) أَنه، ﷺ ، كَانَ لَا يدحل على أحد من النِّسَاء إلَاّ على أَزوَاجه إلَاّ على أم سليم، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، قَالَ: أرحمها، قُتِلَ أَخُوهَا حرَام معي، فَبين تخصيصها بذلك، فَلَو كَانَ ثمَّة عِلّة أُخْرَى لذكرها، لِأَن تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة لَا يجوز، وَهَذِه الْعلَّة مُشْتَركَة بَينهَا وَبَين أُخْتهَا أم حرَام. قَالَ: وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على الْخلْوَة بهَا، فَلَعَلَّهُ كَانَ ذَلِك مَعَ ولد أَو خَادِم أَو زوج أَو تَابع، وَأَيْضًا فَإِن قتل حرَام كَانَ يَوْم بِئْر مَعُونَة فِي صفر سنة أَربع، ونزول الْحجاب سنة خمس، فَلَعَلَّ دُخُوله عَلَيْهَا. كَانَ قبل ذَلِك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه ﷺ كَانَ لَا تستتر مِنْهُ النِّسَاء لِأَنَّهُ كَانَ مَعْصُوما، بِخِلَاف غَيره. قَوْله: (فَأَتَتْهُ بِتَمْر وَسمن) أَي: على سَبِيل الضِّيَافَة. قَوْله: (فِي سقائه) ، بِكَسْر السِّين: وَهُوَ ظرف المَاء من الْجلد، وَالْجمع أسقية، وَرُبمَا يَجْعَل فِيهَا السّمن وَالْعَسَل. قَوْله: (فصلى غير الْمَكْتُوبَة) ، يَعْنِي: التَّطَوُّع، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن ابْن أبي عدي عَن حميد: (فصلى رَكْعَتَيْنِ وصلينا مَعَه) . وَكَانَت هَذِه الْقِصَّة غير الْقِصَّة الَّتِي تقدّمت فِي أَبْوَاب الصَّلَاة الَّتِي صلى فِيهَا على الْحَصِير وَأقَام أنسا خَلفه وَأم سليم من وَرَائه، وَوَقع لمُسلم من طَرِيق سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت: (ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ تَطَوّعا فَأَقَامَ أم حرَام وَأم سليم خلفنا، وأقامني عَن يَمِينه) ، وَهَذَا ظَاهر فِي تعدد الْقِصَّة من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْقِصَّة الْمُتَقَدّمَة لَا ذكر فِيهَا لأم حرَام. وَالْآخر: أَنه ﷺ هُنَا لم يَأْكُل وَهُنَاكَ أكل. قَوْله: (خويصة) ، تَصْغِير الْخَاصَّة، وَهُوَ مِمَّا اغتفر فِيهِ التقاء الساكنين، وَفِي رِوَايَة (خويصتك أنس) ، فصغرته لصِغَر سنه يَوْمئِذٍ، وَمَعْنَاهُ: هُوَ الَّذِي يخْتَص بخدمتك. قَوْله: (قَالَ: مَا هِيَ؟) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ مَا الخويصة؟ (قَالَت: خادمك أنس) ، وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (خادمك أنس) هُوَ عطف بَيَان أَو بدل، وَالْخَبَر مَحْذُوف. قلت: تَوْجِيه الْكَلَام لَيْسَ كَذَلِك. بل قَوْله: (خادمك) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هُوَ خادمك، لِأَنَّهَا لما قَالَت: إِن لي خويصة، قَالَ ﷺ : مَا هِيَ؟ قَالَت: خادمك، يَعْنِي: هَذِه الخويصة هُوَ خادمك، ومقصودها أَن وَلَدي أنسا لَهُ خُصُوصِيَّة بك، لِأَنَّهُ يخدمك فَادع لَهُ دَعْوَة خَاصَّة. وَقَوله: (أنس) مَرْفُوع لِأَنَّهُ عطف بَيَان أَو بدل، وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد من رِوَايَة ثَابت (عَن أنس: لي خويصة، خويدمك أنس ادْع الله لَهُ) . قَوْله: (فَمَا ترك خير آخِرَة) أَي: مَا ترك خيرا من خيرات الْآخِرَة، وتنكير آخِرَة يرجع إِلَى الْمُضَاف وَهُوَ الْخَيْر، كَأَنَّهُ قَالَ: مَا ترك خيرا من خيور الْآخِرَة وَلَا من خيور الدُّنْيَا إلَاّ دَعَا لي بِهِ. وَقَوله: (اللَّهُمَّ ارزقه مَالا وَولدا وَبَارك لَهُ) بَيَان لدعائه ﷺ لَهُ، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة أَحْمد من رِوَايَة عُبَيْدَة بن حميد عَن حميد: (إلَاّ دَعَا لي بِهِ، فَكَانَ من قَوْله: أللهم) إِلَى آخِره. فَإِن قلت: المَال وَالْولد من خير الدُّنْيَا، فَأَيْنَ ذكر خير الْآخِرَة فِي الدُّعَاء لَهُ؟ قلت: الظَّاهِر أَن الرَّاوِي اخْتَصَرَهُ، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن سعد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن الْجَعْد (عَن أنس، قَالَ: أللهم أَكثر مَاله وَولده وأطل عمره واغفر ذَنبه) ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم عَن الْجهد (عَن أنس: فَدَعَا لي بِثَلَاث دعوات، قد رَأَيْت مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنا أَرْجُو الثَّالِثَة فِي الْآخِرَة) ، فَلم يبين الثَّالِثَة وَهِي الْمَغْفِرَة، كَمَا بَينهَا ابْن سعد فِي رِوَايَته، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ: (بَارك) إِشَارَة إِلَى خير الْآخِرَة، وَالْمَال وَالْولد الصالحان من جملَة خير الْآخِرَة أَيْضا لِأَنَّهُمَا يستلزمانها. قَوْله: (وَبَارك لَهُ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وَبَارك فِيهِ) ، وَإِنَّمَا أفرد الضَّمِير نظرا إِلَى الْمَذْكُور من المَال وَالْولد، وَفِي رِوَايَة أَحْمد فيهم نظرا إِلَى الْمَعْنى. قَوْله: (فَإِنِّي لمن أَكثر الْأَنْصَار مَالا) الْفَاء فِيهَا معنى التَّفْسِير فَإِنَّهَا تفسر معنى الْبركَة فِي مَاله، وَاللَّام فِي: لمن، للتَّأْكِيد و: مَالا، نصب على التَّمْيِيز. فَإِن قلت: وَقع عِنْد أَحْمد من رِوَايَة ابْن أبي عدي أَنه لَا يملك ذَهَبا وَلَا فضَّة غير خَاتمه، وَفِي رِوَايَة ثَابت عِنْد أَحْمد، (قَالَ أنس: وَمَا أصبح رجل من الْأَنْصَار أَكثر مني مَالا، قَالَ: يَا ثَابت! وَمَا أملك صفرا وَلَا بيضًا إلَاّ خَاتمِي؟) قلت: مُرَاده أَن مَاله كَانَ من غير النَّقْدَيْنِ، وَفِي (جَامع التِّرْمِذِيّ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: كَانَ لأنس بُسْتَان يحمل فِي السّنة مرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيهِ ريحَان يَجِيء مِنْهُ رَائِحَة الْمسك، وَفِي (الْحِلْية) لأبي نعيم من طَرِيق حَفْصَة بنت سِيرِين (عَن أنس، قَالَ: وَإِن أرضي لتثمر فِي السّنة مرَّتَيْنِ، وَمَا فِي الْبَلَد شَيْء يُثمر مرَّتَيْنِ غَيرهَا) . قَوْله: (وحدثتني ابْنَتي أمينة) ، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون: وَهُوَ تَصْغِير: آمِنَة، وَفِيه رِوَايَة الْأَب عَن بنته لِأَن أنسا روى هَذَا عَن بنته أمينة، وَهُوَ من قبيل رِوَايَة

стр. 3208

الْآبَاء عَن الْأَبْنَاء. قَوْله: (إِنَّه دفن لصلبي) أَي: من وَلَده دون أسباطه وأحفاده. قَوْله: (مقدم الْحجَّاج) هُوَ: ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ وَكَانَ قدومه الْبَصْرَة سنة خمس وَسبعين، وَعمر أنس حِينَئِذٍ نَيف وَثَمَانُونَ سنة، وَقد عَاشَ أنس بعد ذَلِك إِلَى سنة ثَلَاث وَيُقَال: اثْنَتَيْنِ، وَيُقَال: إِحْدَى وَتِسْعين، وَقد قَارب الْمِائَة. فَإِن قلت: الْبَصْرَة مَنْصُوبَة بِمَاذَا؟ وَلَا يجوز أَن يكون الْعَامِل فِيهَا لفظ مقدم لِأَنَّهُ اسْم زمَان وَهُوَ لَا يعْمل؟ كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت: فِيهِ مُقَدّر تَقْدِيره زمَان قدومه الْبَصْرَة، والمقدم هُنَا مصدر ميمي فالكرماني لما رَآهُ على وزن اسْم الْفَاعِل ظن أَنه اسْم زمَان، فَلذَلِك تكلّف فِي السُّؤَال وَالْجَوَاب، وَأما لفظ مقدم فَإِنَّهُ مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض تَقْدِيره: إِلَى مقدم الْحجَّاج أَي: إِلَى قدومه، أَي: إِلَى وَقت قدومه حَاصله أَن من مَاتَ من أول أَوْلَاده إِلَى وَقت قدوم الْحجَّاج الْبَصْرَة، بضع وَعِشْرُونَ وَمِائَة، وفْق رِوَايَة ابْن أبي عدي: نيفا على عشْرين وَمِائَة، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ، من رِوَايَة الْأنْصَارِيّ عَن حميد: تسع وَعِشْرُونَ وَمِائَة، وَعند الْخَطِيب فِي رِوَايَة الْآبَاء عَن الْأَوْلَاد، من هَذَا الْوَجْه: ثَلَاث وَعِشْرُونَ وَمِائَة، وَفِي رِوَايَة حَفْصَة بنت سِيرِين: (وَلَقَد دفنت من صلبي سوى ولد وَلَدي خَمْسَة وَعشْرين وَمِائَة) ، وَفِي (الْحِلْية) أَيْضا من طَرِيق عبد الله بن أبي طَلْحَة (عَن أنس، قَالَ: دفنت مائَة لَا سقطا وَلَا ولد ولد) . وَلأَجل هَذَا الِاخْتِلَاف جَاءَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (بضع وَعِشْرُونَ وَمِائَة) ، فَإِن الْبضْع مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْبضْع فِي الْعدَد، بِالْكَسْرِ، وَقد يفتح: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع، وَقيل: مَا بَين الْوَاحِد إِلَى الْعشْرَة لِأَنَّهُ قِطْعَة من الْعدَد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول بضع سِنِين وَبضْعَة عشر رجلا فَإِذا جَاوَزت لفظ الْعشْر لَا تَقول: بضع وَعِشْرُونَ. قلت: الَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيث يرد عَلَيْهِ وَهُوَ سَهْو مِنْهُ، وَكَيف لَا وَأنس من فصحاء الْعَرَب، وَأما الَّذين بقوا، فَفِي رِوَايَة إِسْحَاق ابْن أبي طَلْحَة (عَن أنس: وَأَن وَلَدي وَولد وَلَدي ليتعادون على نَحْو الْمِائَة) ، رَوَاهُ مُسلم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: حجَّة لمَالِك والكوفيين مِنْهُم أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن الصَّائِم المتطوع لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يفْطر بِغَيْر عذر وَلَا سَبَب يُوجب الْإِفْطَار. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض حَدِيث أبي الدَّرْدَاء حِين زَارَهُ سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد تقدم قلت: لَا مُعَارضَة بَينهمَا لِأَن سلمَان امْتنع أَن يَأْكُل إِن لم يَأْكُل أَبُو الدَّرْدَاء مَعَه، وَهَذِه عِلّة للفطر، لِأَن للضيف حَقًا، كَمَا قَالَ النَّبِي، ﷺ : (إِن الصَّائِم إِذا دعِي إِلَى طَعَام فَليدع لأَهله بِالْبركَةِ) . ويؤنسهم بذلك لِأَن فِيهِ جبر خاطر المزور إِذا لم يُؤْكَل عِنْده. وَفِيه: جَوَاز التصغير على معنى التعطف لَهُ والترحم عَلَيْهِ والمودة لَهُ، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ للتحقير فَإِنَّهُ لَا يجوز. وَفِيه: جَوَاز رد الْهَدِيَّة إِذا لم يشق ذَلِك على الْمهْدي، وَإِن أَخذ من ردَّتْ عَلَيْهِ لَيْسَ من الْعود فِي الْهِبَة. وَفِيه: حفظ الطَّعَام وَترك التَّفْرِيط. وَفِيه: التلطف بقولِهَا: خادمك أنس. وَفِيه: جَوَاز الدُّعَاء بِكَثْرَة الْوَلَد وَالْمَال. وَفِيه: التَّارِيخ بِولَايَة الْأُمَرَاء، لقَوْله: مقدم الْحجَّاج، وَقد بَينا وَقت قدومه. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء عقيب الصَّلَاة. وَفِيه: تَقْدِيم الصَّلَاة أَمَام طلب الْحَاجة. وَفِيه: زِيَارَة الإِمَام بعض رَعيته. وَفِيه: دُخُول بَيت الرجل فِي غيبته لِأَنَّهُ لم يقل فِي طرق هَذِه الْقِصَّة: إِن أَبَا طَلْحَة كَانَ حَاضرا. قلت: يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا بالتفصيل، وَهُوَ أَنه إِذا علم أَن الرجل لَا يصعب عَلَيْهِ ذَلِك جَازَ، وإلَاّ لم يجز وَلَيْسَ أحد من النَّاس مثل سيد الْأَوَّلين والآخرين. وَفِيه: التحديث بنعم الله تَعَالَى والإخبار عَنْهَا عِنْد الْإِنْسَان، والإعلام بمواهبه وَأَن لَا يجْحَد نعمه، وَبِذَلِك أَمر الله فِي كِتَابه الْكَرِيم حَيْثُ قَالَ: ﴿وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث﴾ (الضُّحَى: ١١) . وَفِيه: بَيَان معْجزَة الرَّسُول ﷺ فِي دُعَائِهِ لأنس ببركة المَال وَكَثْرَة الْوَلَد مَعَ كَون بستانه صَار يُثمر مرَّتَيْنِ فِي السّنة دون غَيره. وَفِيه: كَرَامَة أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: إِيثَار الْوَلَد على النَّفس وَحسن التلطف فِي السُّؤَال. وَفِيه: أَن كَثْرَة الْمَوْت فِي الْأَوْلَاد لَا تنَافِي إِجَابَة الدُّعَاء بِطَلَب كثرتهم. وَفِيه: التَّارِيخ بِالْأَمر الشهير. ٩٠ - (حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم قَالَ أخبرنَا يحيى قَالَ حَدثنِي حميد قَالَ سمع أنسا ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ -) هَذَا طَرِيق آخر وَقع هَكَذَا بقوله حَدثنَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي فَيكون مَوْصُولا وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا وَقع هَكَذَا قَالَ

стр. 3209

ابْن أبي مَرْيَم فَيكون مُعَلّقا وعَلى كل تَقْدِير ففائدة ذكر هَذَا الطَّرِيق بَيَان سَماع حميد لهَذَا الحَدِيث من أنس لِأَنَّهُ قد اشْتهر أَن حميدا كَانَ رُبمَا دلّس عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح وَقَالَ ابْن أبي مَرْيَم إِلَى آخِره كَذَا فِي بعض النّسخ وَكَذَا نَص أَصْحَاب لاطراف عَلَيْهِ وَفِي أصل سَمَاعنَا وَغَيره حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم وَهُوَ سعيد بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي الْمصْرِيّ وَيحيى هُوَ ابْن أَيُّوب الغافقي الْمصْرِيّ أَبُو الْعَبَّاس وَفِي بعض النّسخ وَقع يحيى بن أَيُّوب بنسبته إِلَى أَبِيه - ٢٦ - (بابُ الصَّوْمِ آخِرَ الشَّهْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الصَّوْم فِي آخر الشَّهْر، وَفِي بعض النّسخ: من آخر الشَّهْر، وَقَوله هَذَا يُطلق على آخر كل شهر من الْأَشْهر، وَمَعَ هَذَا الحَدِيث مُقَيّد بِشَهْر شعْبَان، وَالْوَجْه إِطْلَاقه إِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك لَا يخْتَص بشعبان، بل يُؤْخَذ من الحَدِيث النّدب إِلَى صِيَام أَوَاخِر كل شهر ليَكُون عَادَة للمكلف. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا النَّهْي بتقدم رَمَضَان بِصَوْم يَوْم أَو يَوْمَيْنِ؟ قلت: لَا مُعَارضَة لقَوْله فِي حَدِيث النَّهْي: (إلَاّ رجل كَانَ يَصُوم صوما فليصمه) . ٣٨٩١ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مَهْدِيٌّ عنْ غَيْلَانَ وحدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا مَهْدِيُّ بنُ مَيْمُونٍ قَالَ حدَّثنا غَيْلانُ بنُ جَرِيرٍ عنْ مُطَرِّفٍ عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ سَألَهُ أوْ سألَ رَجُلاٍ وعِمْرَانُ يَسْمَعُ فَقَالَ يَا أبَا فُلانٍ أمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذا الشَّهْرِ قَالَ أظُنُّهُ قَالَ يَعْنِي رَمَضَانَ قَالَ الرَّجُلُ لَا يَا رسولَ الله قَالَ فإذَا أفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ أظُنُّهُ يَعْنِي رمَضَانَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ مِمَّا ذكرنَا الْآن فِي أول الْبَاب. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: الصَّلْت، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق: ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو همام الخاركي. الثَّانِي: مهْدي، بِفَتْح الْمِيم وَكسر الدَّال الْمُهْملَة: ابْن مَيْمُون المعولي الْأَزْدِيّ. الثَّالِث: غيلَان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن جرير المعولي الْأَزْدِيّ. الرَّابِع: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، الْخَامِس: مطرف بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من التطريف بإهمال الطَّاء ابْن عبد الله بن الشخير الْحَرَشِي العامري. السَّادِس: عمرَان بن حُصَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: إِضَافَة رِوَايَة أبي النُّعْمَان إِلَى الصَّلْت لما وَقع فِيهَا من تَصْرِيح مهْدي بِالتَّحْدِيثِ من غيلَان. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن هدبة بن خَالِد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنه سَأَلَ) أَي: أَن رَسُول الله ﷺ سَأَلَ عمرَان أَو سَأَلَ رَسُول الله ﷺ رجلا قَوْله: (أَو سَأَلَ رجلا) ، شكّ من مطرف وثابت، رَوَاهُ عَنهُ بِنَحْوِهِ على الشَّك أَيْضا، وَأخرجه مُسلم كَذَلِك، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من وَجْهَيْن آخَرين عَن مطرف بِدُونِ شكّ على الْإِبْهَام أَنه: قَالَ لرجل، وَزَاد أَبُو عوَانَة فِي (مستخرجه) : من أَصْحَابه، وَرَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ بِهِ: قَالَ لعمران، بِغَيْر شكّ. قَوْله: (وَعمْرَان يسمع) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (فَقَالَ: يَا أَبَا فلَان) ، بالكنية، فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (يَا فلَان) قَوْله: (سرر هَذَا الشَّهْر) ، بِالسِّين الْمُهْملَة وَفتحهَا وَفتح الرَّاء، وَقَالَ النَّوَوِيّ: ضبطوه بِفَتْح السِّين وَكسرهَا، وَحكي ضمهَا، وَيُقَال أَيْضا: سرار، بِكَسْر السِّين وَفتحهَا، وَكله من الاستسرار. وَقَالَ الْجُمْهُور: المُرَاد بِهِ آخر الشَّهْر لاستسرار الْقَمَر فِيهِ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ وسط الشَّهْر، وسرر كل شَيْء وَسطه، والسرة الْوسط، وَهِي الْأَيَّام الْبيض، وروى أَبُو دَاوُد عَن الْأَوْزَاعِيّ أَن سرره أَوله، وَقَالَ ابْن قرقول: سرر، بِفَتْح السِّين عِنْد الكافة وَعند العذري: سرر بِضَم السِّين، وَقَالَ أَبُو عبيد: سرار الشَّهْر آخِره، حَيْثُ يسْتَتر الْهلَال، وسرره أَيْضا، وَأنْكرهُ غَيره، وَقَالَ: لم يَأْتِ فِي صَوْم آخر الشَّهْر حض، وسرار كل شَيْء وَسطه وأفضله، فَكَأَنَّهُ يُرِيد الْأَيَّام الغر من وسط الشَّهْر، وَقَالَ عبد الْملك

стр. 3210

ابْن حبيب: السرر آخر الشَّهْر حِين يستسر الْهلَال لثمان وَعشْرين ولتسع وَعشْرين، وَإِن كَانَ تَاما فليلة ثَلَاثِينَ، وتبويب البُخَارِيّ يدل على أَنه عِنْده آخر الشَّهْر، وَقَالَ الْخطابِيّ: يتَأَوَّل أمره إِيَّاه بِصَوْم السرر على أَن الرجل كَانَ أوجبه على نَفسه نذرا فَأمره بِالْوَفَاءِ أَو أَنه كَانَ اعتاده، فَأمره بالمحافظة عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تأولناه للنَّهْي عَن تقدم رَمَضَان بِصَوْم يَوْم أَو يَوْمَيْنِ. فَائِدَة: أَسمَاء ليَالِي الشَّهْر عشرَة، لكل ثَلَاث مِنْهَا اسْم. فالثلاث الأولى: غرر، لِأَن غرَّة كل شَيْء أَوله. وَالثَّانيَِة: نفل على وزن صرد ونغر لزيادتها على الْغرَر، وَالنَّفْل الزِّيَادَة. وَثَلَاث تسع إِذْ آخرهَا تَاسِع. وَثَلَاث عشر لِأَن أَولهَا عَاشر، وزنهما وزن زحل. وَثَلَاث تبع. وَثَلَاث درع ووزنهما كزحل أَيْضا لاسوداد أوائلها وابيضاض أواخرها. وَثَلَاث ظلم لإظلامها. وَثَلَاث حنادس لشدَّة سوادها. ثَلَاث دآدىء كسلالم لِأَنَّهَا بقايا. وَثَلَاث محاق بِضَم الْمِيم، لانمحاق الْقَمَر أول الشَّهْر والمحق المحو، وَيُقَال لَهما سرر أَيْضا عِنْد الْجُمْهُور، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (أَظُنهُ) ، يَعْنِي: هَذِه اللَّفْظَة غير مَحْفُوظَة، وَهَذَا الظَّن من أبي النُّعْمَان لتصريح البُخَارِيّ فِي آخِره بِأَن ذَلِك لم يَقع فِي رِوَايَة الصَّلْت، وَكَانَ ذَلِك وَقع من أبي النُّعْمَان لما حدث بِهِ البُخَارِيّ وإلَاّ فقد رَوَاهُ الجوزقي من طَرِيق أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ عَن أبي النُّعْمَان بِدُونِ ذَلِك، وَهُوَ الصَّوَاب، وَنقل الْحميدِي عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ: شعْبَان أصح، وَقيل: إِن ذَلِك ثَابت فِي بعض الرِّوَايَات فِي (الصَّحِيح) وَقَالَ الْخطابِيّ: ذكر رَمَضَان هُنَا وهم لِأَن رَمَضَان يتَعَيَّن صَوْم جَمِيعه، وَكَذَا قَالَ الدَّاودِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ. فَإِن قلت: روى مُسلم: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شُعْبَة قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون عَن الْجريرِي عَن الْعَلَاء عَن مطرف (عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لرجل: هَل صمت من سرر هَذَا الشَّهْر شَيْئا؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (فَإِذا أفطرت من رَمَضَان فَصم يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ) . قلت: روى مُسلم أَيْضا من حَدِيث هداب بن خَالِد (عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ لَهُ أَو لآخر: أصمت من سرر شعْبَان؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِذا أفطرت فَصم يَوْمَيْنِ) . فَهَذَا يدل على أَن المُرَاد من قَوْله فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (أما صمت سرر هَذَا الشَّهْر إِنَّه شعْبَان؟) وَقَول أبي النُّعْمَان: أَظُنهُ يَعْنِي رَمَضَان، وهم كَمَا ذكرنَا، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون قَوْله: (رَمَضَان) فِي قَوْله (رَمَضَان) ظرفا لِلْقَوْلِ الصَّادِر مِنْهُ، ﷺ ، لَا لصيام الْمُخَاطب بذلك، فيوافق رِوَايَة الْجريرِي عَن الْعَلَاء عَن مطرف، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. قلت: التَّحْقِيق فِيهِ أَن المُرَاد من قَوْله، ﷺ : (أصمت سرر هَذَا الشَّهْر؟) فِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَنه شعْبَان، يُؤَيّدهُ ويوضحه رِوَايَة مُسلم من حَدِيث هداب عَن عمرَان، وَكَذَلِكَ يُوضح حَدِيث هداب رِوَايَة مُسلم من حَدِيث مطرف، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا ذكر شعْبَان، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَبَقِي الْكَلَام فِي قَوْله: (فَإِذا أفطرت من رَمَضَان فَصم يَوْمَيْنِ) ، فَنَقُول: هَذَا ابْتِدَاء كَلَام، مَعْنَاهُ: أَنَّك إِذا تركت السرر من رَمَضَان الَّذِي هُوَ فرض، فَصم يَوْمَيْنِ عوضه لِأَن السرر يَوْمَانِ من آخر الشَّهْر، كَمَا ذَكرْنَاهُ، بِخِلَاف سرر شعْبَان، فَإِنَّهُ لَيْسَ بمتعين عَلَيْهِ، فَلذَلِك لم يَأْمُرهُ بِالْقضَاءِ بعد قَول الرجل: يَا رَسُول الله! يَعْنِي: مَا صمت سرر هَذَا الشَّهْر الَّذِي هُوَ شعْبَان. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ: (فَصم يَوْمَيْنِ) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم بعد قَوْله: (فَإِذا فطرت رَمَضَان؟) وَالَّذِي يفْطر رَمَضَان هَل يَكْتَفِي فِي قَضَائِهِ بيومين؟ قلت: تَقْدِيره من رَمَضَان، وحذفت لَفْظَة: من، وَهِي مُرَادة كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى، وَهُوَ من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومه﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٥١) . أَي: من قومه، وَهَذَا هُوَ تَحْرِير هَذَا الْموضع الَّذِي لم أر أحدا من شرَّاح البُخَارِيّ وَمن شرَّاح مُسلم حرر هَذَا الْموضع كَمَا يَنْبَغِي، وَلَا سِيمَا من يَدعِي فِي هَذَا الْفَنّ بدعاوى عريضة بمقدمات لَيْسَ لَهَا نتيجة. قَالَ أبُو عَبْدِ الله وَقَالَ ثابِتٌ عنْ مُطَرِّفٍ عنْ عِمْرَانَ عنِ النبيِّ ﷺ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ أَبُو عَبد الله هُوَ البُخَارِيّ، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ هَذَا، وَأَرَادَ بِالتَّعْلِيقِ أَن المُرَاد من قَوْله: (أصمت سرر هَذَا الشَّهْر) هُوَ سرر شعْبَان وَلَيْسَ هُوَ برمضان. كَمَا ظَنّه أَبُو النُّعْمَان، وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق مُسلم: حَدثنَا هداب بن خَالِد قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت، وَلم أفهم مطرفا من هداب (عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ أَو لآخر) الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَالله أعلم.

стр. 3211

٣٦ - (بابُ صَوْمِ يَوْمِ الجُمْعَةِ فإذَا أصْبَحَ صَائِما يَوْمَ الجُمْعَةِ فَعَلَيْهِ أنْ يُفْطِرَ يَعْنِي إذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ وَلا يُرِيدُ أنْ يَصُومَ بَعْدَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم يَوْم الْجُمُعَة، وَحكمه أَنه إِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَإِن كَانَ صَامَ قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده فليصمه، وَإِن كَانَ لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده فليفطر، لوُرُود النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَحده على مَا يَجِيء، عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَوَقع فِي كثير من الرِّوَايَات: بَاب صَوْم يَوْم الْجُمُعَة، وَإِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَعَلَيهِ أَن يَصُوم، هَكَذَا وَقع لَا غير، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت زِيَادَة، وَهِي قَوْله: يَعْنِي إِذا لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذِه الزِّيَادَة تشبه أَن تكون من الْفربرِي أَو من دونه فَإِنَّهَا لم تقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ، وَيبعد أَن يعبر البُخَارِيّ عَمَّا يَقُوله بِلَفْظ: يَعْنِي، وَلَو كَانَ ذَلِك من كَلَامه لقَالَ: أَعنِي، بل كَانَ يَسْتَغْنِي عَنْهَا أصلا. قلت: عدم وُقُوع هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ لَا يسْتَلْزم عدم وُقُوعهَا من غَيره، سَوَاء كَانَ من الْفربرِي أَو من غَيره، وَالظَّاهِر أَنَّهَا من البُخَارِيّ. وَقَوله: يَعْنِي، فِي مَحَله وَلَيْسَ بِبَعِيد، لِأَنَّهُ يُوضح المُرَاد من قَوْله: (وَإِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَعَلَيهِ أَن يفْطر) فأوضح بقوله: يَعْنِي، أَن هَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْإِفْطَار إِذا لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده، فَقَوله: (وَإِذا أصبح ... .) إِلَى آخِره، إِذا كَانَ من كَلَام غَيره فَلفظ يَعْنِي فِي مَحَله، وَإِذا كَانَ من كَلَامه فَكَأَنَّهُ جعل هَذَا لغيره بطرِيق التَّجْرِيد، ثمَّ أوضحه بقوله: يَعْنِي، فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق. ٤٨٩١ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ محَمَّدِ بنِ عَبَّادٍ قَالَ سألْتُ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمْعَةِ قَالَ نَعَمْ زَادَ غَيْرُ أبِي عاصِمٍ أنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مُنْفَردا مَكْرُوه، لِأَنَّهُ منهى عَنهُ، والترجمة تَتَضَمَّن معنى الحَدِيث. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: عبد الحميد بن جُبَير مصغر: الْجَبْر ابْن شيبَة بن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة عبد الله الحَجبي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: المَخْزُومِي. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رَوَاهُ مَا خلا شَيْخه مكيون. وَفِيه: عبد الحميد وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير روى عَن عمته صَفِيَّة بنت شيبَة، قَالَ بَعضهم: وَهِي من صغَار الصَّحَابَة. قلت: قَالَ ابْن الْأَثِير: اخْتلف فِي صحبتهَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا تصح لَهَا رُؤْيَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن عبد الحميد لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ ثَلَاثَة أَحَادِيث، هَذَا، وَآخر فِي بَدْء الْخلق، وَآخر فِي الْأَدَب. وَفِيه: رِوَايَة ابْن جريج عَن عبد الحميد. وَفِي رِوَايَة: عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج أَخْبرنِي عبد الحميد، وَابْن جريج، رُبمَا رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن عباد عَن نَفسه، وَلم يذكر عبد الحميد. كَذَلِك أخرجه النَّسَائِيّ، قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن عَليّ، قَالَ: حَدثنَا يحيى، قَالَ: حَدثنَا ابْن جريج. قَالَ: (أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر، قَالَ: قلت لجَابِر: أسمعت رَسُول الله ﷺ ينْهَى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم؟ قَالَ: أَي وَرب الْكَعْبَة) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا عَن ابْن جريج عَن عبد الحميد بن جُبَير عَن مُحَمَّد بن عباد. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن يُوسُف بن سعيد وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن سُلَيْمَان بن سَالم وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن هِشَام بن عمار. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَأَلت جَابِرا) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (سَأَلت جَابر بن عبد الله وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ، أنَهَى رَسُول الله ﷺ عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة؟ فَقَالَ: نعم وَرب الْكَعْبَة) . قَوْله: (زَاد غير أبي عَاصِم) أَي: قَالَ البُخَارِيّ: زَاد غَيره من الشُّيُوخ

стр. 3212

لفظ: أَن ينْفَرد بصومه، أَي: يَصُوم يَوْم الْجُمُعَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَن ينْفَرد بِصَوْم) ، وَغير أبي عَاصِم هُوَ يحيى بن سعيد الْقطَّان، وَقَالَ النَّسَائِيّ: حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ (عَن يحيى عَن ابْن جريج: (أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر، قَالَ: قلت لجَابِر: أسمعت رَسُول الله ﷺ ينْهَى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم؟ قَالَ: أَي وَرب الْكَعْبَة) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من طَرِيق النَّضر بن شُمَيْل، وَلَفظه: (أَن جَابر سُئِلَ عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة؟ فَقَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ أَن يفرد) . وروى أَيْضا من طَرِيق حَفْص بن غياث، وَلَفظه: (نهى رَسُول الله ﷺ عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة مُنْفَردا) ، وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث سعيد بن الْمسيب (عَن عبد الله ابْن عَمْرو: أَن رَسُول الله ﷺ دخل على جوَيْرِية بنت الْحَارِث يَوْم الْجُمُعَة وَهِي صَائِمَة، فَقَالَ لَهَا: (أصمتِ أمس؟ قَالَت: لَا، قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَن تصومي غَدا. قَالَت: لَا، قَالَ: فأفطري) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين (عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : يَا أَبَا الدَّرْدَاء؟ لَا تخص يَوْم الْجُمُعَة بصيام دون الْأَيَّام، وَلَا تخص لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام دون اللَّيَالِي) ، وَابْن سِيرِين لم يسمع من أبي الدَّرْدَاء، وَقد اخْتلف فِيهِ على ابْن سِيرِين، فَقيل: هَكَذَا، وَقيل: عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة. وروى أَحْمد عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: (لَا تَصُومُوا يَوْم الْجُمُعَة) ، وَفِي إِسْنَاده: الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله، وَثَّقَهُ ابْن معِين وَضَعفه الْجُمْهُور. وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث بشير بن الخصاصية بِلَفْظ (لَا تصم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ فِي أَيَّام هُوَ أَحدهَا) ، وَرِجَاله ثِقَات. وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة صَالح بن جبلة (عَن أنس: أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول: من صَامَ الْأَرْبَعَاء وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة بنى الله لَهُ فِي الْجنَّة قصرا من لُؤْلُؤ وَيَاقُوت وَزَبَرْجَد، وَكتب لَهُ بَرَاءَة من النَّار) وَصَالح بن جبلة ضعفه الْأَزْدِيّ، فَفِي هَذَا صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مَعَ يَوْم قبله، وروى الْبَزَّار من حَدِيث عَامر بن كَدين بِلَفْظ: إِن يَوْم الْجُمُعَة فَلَا تصوموه إلَاّ أَن تَصُومُوا يَوْمًا قبله أَو بعده) . وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة حُذَيْفَة الْبَارِقي (عَن جُنَادَة الْأَزْدِيّ: أَنهم دخلُوا على رَسُول الله ﷺ ثَمَانِيَة نفر، وَهُوَ ثامنهم، فَقرب إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ طَعَاما يَوْم جُمُعَة، قَالَ: كلوا. قَالُوا: صِيَام! قَالَ: أصمتم أمس؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فصائمون غَدا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فأفطروا) . فَإِن قلت: يُعَارض هَذِه الْأَحَادِيث مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَاصِم عَن زر (عَن عبد الله، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَصُوم من كل غرَّة شهر ثَلَاثَة أَيَّام وَقل مَا كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة) ؟ وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا، وَمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة حَدثنَا حَفْص حَدثنَا لَيْث عَن عُمَيْر بن أبي عُمَيْر (عَن ابْن عمر، قَالَ: مَا رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ، مُفطرا يَوْم جُمُعَة قطّ) . وَمَا أخرجه أَيْضا عَن حَفْص عَن لَيْث عَن طَاوس (عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا رَأَيْته مُفطرا يَوْم جُمُعَة قطّ) . قلت: لَا نسلم هَذِه الْمُعَارضَة لِأَنَّهُ لَا دلَالَة فِيهَا على أَنه ﷺ صَامَ يَوْم الْجُمُعَة وَحده، فنهيه ﷺ عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث يدل على أَن صَوْمه يَوْم الْجُمُعَة لم يكن فِي يَوْم الْجُمُعَة وَحده، بل إِنَّمَا كَانَ بِيَوْم قبله أَو بِيَوْم بعده، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يحمل فعله على مُخَالفَة أمره إلَاّ بِنَصّ صَرِيح صَحِيح، فَحِينَئِذٍ يكون نسخا أَو تَخْصِيصًا، وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْتَفٍ. وَأما حكم الْمَسْأَلَة فَاخْتَلَفُوا فِي صَوْم يَوْم الْجُمُعَة على خَمْسَة أَقْوَال: أَحدهَا: كَرَاهَته مُطلقًا، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَالزهْرِيّ وَمُجاهد، وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد حكى أَبُو عمر عَن أَحْمد وَإِسْحَاق كَرَاهَته مُطلقًا، وَنقل ابْن الْمُنْذر وَابْن حزم منع صَوْمه عَن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة وسلمان وَأبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وشبهوه بِيَوْم الْعِيد، فَفِي الحَدِيث الصَّحِيح: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (إِن هَذَا يَوْم جعله الله عيدا) وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (لَا صِيَام يَوْم عيد) . القَوْل الثَّانِي: إِبَاحَته مُطلقًا من غير كَرَاهَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن، وَقَالَ مَالك: لم أسمع أحدا من أهل الْعلم وَالْفِقْه وَمن يَقْتَدِي بِهِ ينْهَى عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: وصيامه حسن. القَوْل الثَّالِث: أَنه يكره إِفْرَاده بِالصَّوْمِ، فَإِن صَامَ يَوْمًا قبله أَو بعده لم يكره، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَمُحَمّد بن سِيرِين وطاووس وَأبي يُوسُف، وَفِي (كتاب الطّراز) : وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر، وَاخْتلف عَن الشَّافِعِي، فَحكى الْمُزنِيّ عَنهُ جَوَازه، وَحكى أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه عَنهُ كَرَاهَته، وَكَذَا حَكَاهُ ابْن الصّباغ عَن تَعْلِيق أبي حَامِد، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي يدل عَلَيْهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَبِه جزم الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) . وَقَالَ

стр. 3213

فِي (شرح مُسلم) : إِنَّه قَالَ بِهِ جُمْهُور أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَمِمَّنْ صَححهُ من الْمَالِكِيَّة، ابْن الْعَرَبِيّ، فَقَالَ: وبكراهته يَقُول الشَّافِعِي وَهُوَ الصَّحِيح. القَوْل الرَّابِع: مَا حَكَاهُ القَاضِي عَن الدَّاودِيّ أَن النَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَن تحريه واقتصاصه دون غَيره، فَإِنَّهُ مَتى صَامَ مَعَ صَوْمه يَوْمًا غَيره فقد خرج عَن النَّهْي، لِأَن ذَلِك الْيَوْم قبله أَو بعده إِذْ لم يقل الْيَوْم الَّذِي يَلِيهِ، قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقد يرجح مَا قَالَه قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (لَا تخصوا يَوْم الْجُمُعَة بصيام من بَين الْأَيَّام، وَلَا ليلته بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي) . قلت: وَهَذَا ضَعِيف جدا، وَيَردهُ حَدِيث جوَيْرِية فِي صَحِيح البُخَارِيّ، وَقَوله لَهَا: (أصمت أمس؟ قَالَت: لَا. قَالَ: تصومين غَدا؟ قَالَت: لَا. قَالَ: فأفطري) ، فَهُوَ صَرِيح فِي أَن المُرَاد بِهِ قبله يَوْم الْخَمِيس وَمَا بعده يَوْم السبت. القَوْل الْخَامِس: أَنه يحرم صَوْم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ لمن صَامَ يَوْمًا قبله أَو يَوْمًا بعده، أَو وَافق عَادَته بِأَن كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة صِيَامه، وَهُوَ قَول ابْن حزم لظواهر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَن تَخْصِيصه بِالصَّوْمِ، وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ الْحَنَفِيَّة بِحَدِيث ابْن مَسْعُود: كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يَصُوم من كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام، وَقل مَا كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: وَلَيْسَ فِيهِ حجَّة، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرِيد: كَانَ لَا يتَعَمَّد فطره إِذا وَقع فِي الْأَيَّام الَّتِي كَانَ يصومها. قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَصَححهُ ابْن حبَان وَابْن عبد الْبر وَابْن حزم، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل يتْرك مَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر الحَدِيث، وَيدْفَع حجيته بِالِاحْتِمَالِ الناشيء عَن غير دَلِيل الَّذِي لَا يعْتَبر، وَلَا يعْمل بِهِ، وَهَذَا كُله عسف ومكابرة. ثمَّ إعلم أَنهم اخْتلفُوا أَيْضا فِي الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مُفردا على أَقْوَال: الأول: مَا قَالَه النَّوَوِيّ عَن الْعلمَاء أَنه يَوْم دُعَاء وَذكر وَعبادَة من الْغسْل والتبكير إِلَى الصَّلَاة وانتظارها واستماع الْخطْبَة، وإكثار الذّكر بعْدهَا لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ (الْجُمُعَة: ٠١) . وَغير ذَلِك من الْعِبَادَات فِي يَوْمهَا، فاستحب الْفطر فِيهِ ليَكُون أعون لَهُ على هَذِه الْوَظَائِف وأدائها بنشاط وانشراح لَهَا، والتذاذ بهَا من غير ملل وَلَا سآمة. قَالَ: وَهُوَ نَظِير الْحَاج يَوْم عَرَفَة فَإِن السّنة لَهُ الْفطر، ثمَّ قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن قيل: لَو كَانَ كَذَلِك لم يزل النَّهْي وَالْكَرَاهَة بِصَوْم يَوْم قبله أَو بعده لبَقَاء الْمَعْنى؟ ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ يحصل لَهُ بفضيلة الصَّوْم الَّذِي قبله أَو بعده مَا يجْبر مَا قد يحصل من فتور أَو تَقْصِير فِي وظائف يَوْم الْجُمُعَة بِسَبَب صَوْمه. انْتهى قلت: فِيهِ نظر، إِذْ جبر مَا فَاتَهُ من أَعمال يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم يَوْم آخر لَا تخْتَص بِكَوْن الصَّوْم قبله بِيَوْم أَو بعده بِيَوْم، بل صَوْم يَوْم الْإِثْنَيْنِ أفضل من صَوْم يَوْم السبت. الثَّانِي: هُوَ كَونه يَوْم عيد، والعيد لَا صِيَام فِيهِ، وَاعْترض على هَذَا بِالْإِذْنِ بصيامه مَعَ غَيره، ورد بِأَن شبهه بالعيد لَا يسْتَلْزم استواءه مَعَه من كل جِهَة، ألَا ترى أَنه لَا يجوز صَوْمه مَعَ يَوْم قبله وَيَوْم بعده؟ . الثَّالِث: لأجل خوف الْمُبَالغَة فِي تَعْظِيمه، فيفتتن بِهِ كَمَا افْتتن الْيَهُود بالسبت، وَاعْترض عَلَيْهِ بِثُبُوت تَعْظِيمه بِغَيْر الصّيام، وَأَيْضًا فاليهود لَا يعظمون السبت بالصيام، فَلَو كَانَ الملحوظ موافقتهم لتحتم صَوْمه لأَنهم لَا يَصُومُونَ، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أم سَلمَة: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَصُوم يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس، وَكَانَ يَقُول: إنَّهُمَا يَوْمًا عيد للْمُشْرِكين، فَأحب أَن أخالفهم، وَأخرجه ابْن حبَان وَصَححهُ. الرَّابِع: خوف اعْتِقَاد وُجُوبه، وَاعْترض عَلَيْهِ بِصَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس. الْخَامِس: خشيَة أَن يفْرض عَلَيْهِم كَمَا خشِي رَسُول الله، ﷺ ، من قيام اللَّيْل. قيل: هُوَ منتقض بِإِجَازَة صَوْمه مَعَ غَيره، وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك لجَاز بعده ﷺ لارْتِفَاع السَّبَب. السَّادِس: مُخَالفَة النَّصَارَى، لِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِم صَوْمه وَنحن مأمورون بمخالفتهم، نَقله الْقَمُولِيّ، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ ضَعِيف، وَلم يبين وَجهه قيل أقوى الْأَقْوَال وأولاها بِالصَّوَابِ مَا ورد فِيهِ صَرِيحًا حديثان: أَحدهمَا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَغَيره من طَرِيق عَامر بن لدين عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، (يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عيد فَلَا تجْعَلُوا يَوْم عيدكم يَوْم صِيَامكُمْ إلَاّ أَن تَصُومُوا قبله أَو بعده) . وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد حسن عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (من كَانَ مِنْكُم مُتَطَوعا من الشَّهْر فليصم يَوْم الْخَمِيس وَلَا يصم يَوْم الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ يَوْم طَعَام وشراب وَذكر) . ٥٨٩١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش قَالَ حَدثنَا أبُو صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقُولُ لَا يَصُومَنَّ أحَدُكُم يَوْمَ الجُمُعَةِ

стр. 3214

إلَاّ يَوْما قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان. والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (لَا يصومنَّ) بنُون التَّأْكِيد رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (لَا يَصُوم) بِدُونِ النُّون، وَلَفظ النَّفْي، وَالْمرَاد بِهِ النَّهْي. قَوْله: (إلَاّ يَوْمًا قبله) ، تَقْدِيره: إلَاّ أَن يَصُوم يَوْمًا قبله، لِأَن يَوْمًا لَا يصلح أَن يكون اسْتثِْنَاء من يَوْم الْجُمُعَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ ظرف ليصوم الْمُقدر، أَو يَوْم مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، وَهُوَ بَاء المصاحبة أَي: بِيَوْم، وَأخذ بَعضهم الْوَجْه الأول من كَلَام الْكرْمَانِي وَسكت عَنهُ، ثمَّ ذكر الْوَجْه الثَّانِي بقوله: وَقَالَ الْكرْمَانِي، وَفِي طَرِيق الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن أشكاب عَن عمر بن حَفْص، شيخ البُخَارِيّ، فِيهِ: (إِلَّا أَن تَصُومُوا يَوْمًا قبله أَو بعده) . وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش: لَا يصم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ أَن يَصُوم قبله أَو يَصُوم بعده) ، وَلمُسلم من طَرِيق هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة: (لَا تخصوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من اللَّيَالِي، وَلَا يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم من بَين الْأَيَّام، إلَاّ أَن يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم) . وَرَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق عَوْف عَن ابْن سِيرِين بِلَفْظ: (نهى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم) ، وَمن طَرِيق أبي الأوبر زِيَاد الْحَارِثِيّ: (أَن رجلا قَالَ لأبي هُرَيْرَة: أَنْت الَّذِي تنْهى النَّاس عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة؟ قَالَ: هَا، وَرب الْكَعْبَة ثَلَاثًا لقد سَمِعت مُحَمَّدًا ﷺ يَقُول: لَا يَصُوم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة وَحده إلَاّ فِي أَيَّام مَعَه) . وَله من طَرِيق ليلى، امْرَأَة بشير بن الخصاصية، أَنه (سَأَلَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: لَا تصم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ فِي أَيَّام هُوَ أَحدهَا) . وَهَذِه الْأَحَادِيث تقيد النَّهْي الْمُطلق فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور، وَيُؤْخَذ من الِاسْتِثْنَاء جَوَازه لمن صَامَ قبله أَو بعده، أَو اتّفق وُقُوعه فِي أَيَّام لَهُ عَادَة يصومها، كمن يَصُوم أَيَّام الْبيض أَو من لَهُ عَادَة بِصَوْم يَوْم معِين، كَيَوْم عَرَفَة فَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة. ٦٨٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ ح وحدَّثني محَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شعبَةُ عنْ قتَادَةَ عنْ أبِي أيُّوبَ عنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ دخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ أصُمْتِ أمْسِ قالَتْ لَا قَالَ تُرِيدينَ أنْ تَصُومِينَ غَدا قالَتْ لَا قَالَ فأفْطِرِي. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي أَيُّوب يحيى بن مَالك المراغي الْبَصْرِيّ، عَن جوَيْرِية تَصْغِير: الْجَارِيَة، بِالْجِيم الْخُزَاعِيَّة، كَانَ اسْمهَا برة وسماها النَّبِي ﷺ بذلك، وَكَانَت امْرَأَة حلوة مليحة لَا يكَاد يَرَاهَا أحد إلَاّ أخذت بِنَفسِهِ، وَهِي من سَبَايَا بني المصطلق، وَلما تزوج رَسُول الله، ﷺ ، بهَا أرسل كل الصَّحَابَة مَا فِي أَيْديهم من سهم المصطلقين، فَلَا يعلم امْرَأَة كَانَت أعظم بركَة على قَومهَا مِنْهَا، مَاتَت سنة سِتّ وَخمسين. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد، اخْتلف فِي مُحَمَّد هَذَا عَن غنْدر، فَذكر أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) والإسماعيلي: أَنه مُحَمَّد ابْن بشار الَّذِي يُقَال لَهُ بنْدَار، وَقَالَ الجياني: لَا ينْسبهُ أحد من شُيُوخنَا فِي شَيْء من الْمَوَاضِع، وَلَعَلَّه مُحَمَّد بن بشار، وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن الْمثنى يروي أَيْضا عَن غنْدر، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر يرْوى عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن كثير وَحَفْص بن عمر كِلَاهُمَا عَن هِشَام عَن قَتَادَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ القَاضِي عَن يحيى الْقطَّان بِهِ، وَلَيْسَ لجويرية زوج النَّبِي، ﷺ ، فِي البُخَارِيّ من رِوَايَتهَا سوى هَذَا الحَدِيث. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهِي صَائِمَة) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أصمت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (أَن تصومين) ، ويروى: (أَن تصومي) ، بِإِسْقَاط النُّون على الأَصْل. قَوْله: (فأفطري) ، زَاد أَبُو نعيم فِي رِوَايَته: (إِذا) . وَقَالَ حمَّادُ بنُ الجَعْدِ سَمِعَ قَتَادَةَ قَالَ حدَّثني أبُو أيُّوبَ أنَّ جُوَيْرِيَّةَ حدَّثته فأمَرَهَا فأفطَرَتْ هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (جمع حَدِيث هدبة بن خَالِد) قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن الْجَعْد سُئِلَ قَتَادَة عَن صِيَام النَّبِي ﷺ فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو أَيُّوب فَذكره، وَقَالَ فِي آخِره: (فَأمرهَا فأفطرت) ، وَحَمَّاد بن الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، وَيُقَال لَهُ:

стр. 3215

ابْن أبي الْجَعْد، وَفِي (التَّوْضِيح) : ضَعَّفُوهُ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَا بحَديثه بَأْس، وَذكره عبد الْغَنِيّ فِي (الْكَمَال) وَقَالَ: اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِحَدِيث وَاحِد مُتَابعَة، وَلم يذكر أَن غَيره أخرج لَهُ، وأسقطه الذَّهَبِيّ فِي (الكاشف) وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع. ٤٦ - (بابٌ هَلْ يَخُصُّ شَيْئا مِن الأيَّام) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يخص الشَّخْص الَّذِي يُرِيد الصَّوْم شَيْئا من الْأَيَّام. وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: هَل يخص شَيْء، على صِيغَة بِنَاء الْمَجْهُول، وَإِنَّمَا لم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام الَّذِي هُوَ الحكم لِأَن ظَاهر حَدِيث الْبَاب يدل على عدم التَّخْصِيص، وَجَاء عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مَا يَقْتَضِي نفي المداومة، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق أبي سَلمَة، وَمن طَرِيق عبد الله بن شَقِيق جَمِيعًا، (عَن عَائِشَة أَنَّهَا سُئِلت عَن صِيَام رَسُول الله، ﷺ ؟ فَقَالَت: كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يَصُوم حَتَّى نقُول قد صَامَ قد صَامَ، وَيفْطر حَتَّى تَقول قد أفطر قد أفطر) . فلأجل هَذَا ذكر التَّرْجَمَة بالاستفهام، ولينظر فِيهِ إِمَّا بالترجيح أَو بِالْجمعِ بَينهمَا. ٧٨٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى عنْ سُفْيانَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَة قُلْتُ لِ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا هَلْ كانَ رسولُ الله ﷺ يَخْتَصُّ مِنَ الأيَّامِ شَيْئا قالَتْ لَا كانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وأيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كانَ رسولُ الله ﷺ يُطِيقُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ جَوَابا للاستفهام الْمَذْكُور فِيهَا، وَهُوَ أَنه لَا يخص شَيْئا من الْأَيَّام، وإيراد هَذَا الحَدِيث بِهَذِهِ التَّرْجَمَة يدل على أَن ترك التَّخْصِيص هُوَ الْمُرَجح عِنْده، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وابراهيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن قيس النَّخعِيّ، وَهُوَ خَال إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور وَعم الْأسود بن زيد. وَهَذَا الْإِسْنَاد مِمَّا يعد من أصح الْأَسَانِيد، ومسدد وَيحيى بصريان والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن خَاله. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَزُهَيْر بن حَرْب، كِلَاهُمَا عَن جوَيْرِية. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عُثْمَان بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي (الشَّمَائِل) عَن الْحُسَيْن بن حُرَيْث عَن جوَيْرِية بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَل كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يخْتَص من الْأَيَّام شَيْئا؟ قَالَت: لَا) مَعْنَاهُ أَنه كَانَ لَا يخص شَيْئا من الْأَيَّام دَائِما، وَلَا راتبا إلَاّ أَنه كَانَ أَكثر صِيَامه فِي شعْبَان، وَقد حض على صَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس، لَكِن كَانَ صَوْمه على حسب نشاطه، فَرُبمَا وَافق الْأَيَّام الَّتِي رغب فِيهَا، وَرُبمَا لم يُوَافِقهَا، وَفِي أَفْرَاد مُسلم: (عَن معَاذَة العدوية أَنَّهَا سَأَلت عَائِشَة: أَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَصُوم من كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام؟ قَالَت: نعم، فَقلت لَهَا: من أَي أَيَّام الشَّهْر كَانَ يَصُوم؟ قَالَت: لم يكن يُبَالِي من أَي أَيَّام الشَّهْر يَصُوم) . وَنقل ابْن التِّين عَن بعض أهل الْعلم أَنه يكره أَن يتحَرَّى يَوْمًا من الْأُسْبُوع بصيام لهَذَا الحَدِيث. قَوْله: (يخْتَص) من بَاب الافتعال، وَفِي رِوَايَة جرير عَن مَنْصُور فِي الرقَاق: (يخص) ، بِغَيْر تَاء مثناة من فَوق. قَوْله: (دِيمَة) بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، أَي: دَائِما لَا يَنْقَطِع، وَمن ذَلِك قيل للمطر الَّذِي يَدُوم وَلَا يَنْقَطِع أَيَّامًا: الديمة. ٥٦ - (بابُ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم يَوْم عَرَفَة، وَلما لم تثبت عِنْده الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي التَّرْغِيب فِي صَوْمه على شَرطه أبهم وَلم يبين الحكم. ٨٨٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ مالِكٍ قَالَ حدَّثني عُمَيْرٌ مَوْلَى أُمِّ الفَضْلِ أنَّ أُمَّ الفَضْلِ حدَّثَتْهُ ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله عنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ الله بنِ العَبَّاسِ عنْ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ

стр. 3216

الحَارِثِ أنَّ نَاسا تمارَوا عِنْدَها يَوْمَ عَرَفة فِي صَومِ النَّبِي ﷺ فقالَ بَعضُهُم هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بعضُهُمْ لَيْسَ بِصائِمٍ فأرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحِ لبَنٍ وهْوَ وَاقِفٌ عَلى بعِيرِهِ فشَرِبَهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة، وَيكون التَّقْدِير: بَاب صَوْم يَوْم عَرَفَة غير مُسْتَحبّ، بل ذهب قوم إِلَى وجوب الْفطر يَوْم عَرَفَة على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة، لِأَنَّهُ رُوِيَ من طَرِيقين: الأول: مُسَدّد. الثَّانِي: يحيى الْقطَّان. الثَّالِث: مَالك بن أنس. الرَّابِع: سَالم هُوَ أَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: مولى عمر بن عبيد الله بن معمر الْقرشِي. الْخَامِس: عُمَيْر مصغر عمر تَارَة يُقَال لَهُ: إِنَّه مولى أم الْفضل أم ابْن عَبَّاس وَاسْمهَا لبَابَة، بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة أُخْرَى، وَتارَة يُقَال: إِنَّه مولى عبد الله بن عَبَّاس، وَالظَّاهِر أَنه لأم الْفضل حَقِيقَة، وينسب إِلَى أَبِيهَا لملازمته لَهُ وَأَخذه عَنهُ، مر فِي التَّيَمُّم فِي الْحَضَر. السَّادِس: أم الْفضل الْمَذْكُورَة بنت الْحَارِث بن حزن الْهِلَالِيَّة، زوج الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، وَهِي أُخْت مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي ﷺ . السَّابِع: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد كَذَلِك. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: قَالَ مَالك: حَدثنِي سَالم ذكره فِي هَذَا الطَّرِيق باسمه، وَفِي الثَّانِيَة بكنيته، وَهُوَ بكنيته أشهر، وَرُبمَا جَاءَ باسمه وكنيته، فَيُقَال: حَدثنَا سَالم أَبُو النَّضر. وَفِيه: أَنه سَاق الطَّرِيق الأول مَعَ نُزُولهَا، لما فِيهِ من التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي وَقعت بالعنعنة فِي الطَّرِيق الثَّانِي مَعَ علوه، وَفِيه: أَن عُمَيْرًا لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَقد أخرجه فِي الْحَج أَيْضا فِي موضِعين، وَفِي الْأَشْرِبَة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَحَدِيث آخر تقدم فِي التَّيَمُّم. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن القعْنبِي وَعَن عَليّ بن عبد الله أَيْضا، وَفِي الْأَشْرِبَة عَن الْحميدِي وَعَن مَالك بن إِسْمَاعِيل وَعَن عَمْرو بن الْعَبَّاس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي عَمْرو عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي بِهِ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا فِي كتاب الْحَج فِي موضِعين: أَحدهمَا: بَاب صَوْم يَوْم عَرَفَة، وَالْآخر: بَاب الْوُقُوف على الدَّابَّة بِعَرَفَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن نَاسا تماروا) ، أَي: اخْتلفُوا وجادلوا، وَوَقع عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الموطآت) من طَرِيق أبي روح عَن مَالك: (اخْتلف نَاس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فَأرْسلت) ، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم والغيبة، وَفِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي عَقِيبه أَن مَيْمُونَة بنت الْحَارِث هِيَ الَّتِي أرْسلت، فَيحْتَمل التَّعَدُّد وَيحْتَمل أَنَّهُمَا أرسلتا مَعًا، فنسب ذَلِك إِلَى كل مِنْهُمَا لِأَنَّهُمَا أختَان، كَمَا ذكرنَا، وَتَكون مَيْمُونَة أرْسلت بسؤال أم الْفضل لَهَا بذلك بكشف الْحَال فِي ذَلِك، وَيحْتَمل الْعَكْس. قَوْله: (وَهُوَ وَاقِف على بعيره) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. وَزَاد أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق يحيى بن سعيد عَن مَالك: (وَهُوَ يخْطب النَّاس بِعَرَفَة) ، وللبخاري فِي الْأَشْرِبَة من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن أبي النَّضر، وَهُوَ وَاقِف عَشِيَّة عَرَفَة، وَلأَحْمَد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عبد الله بن عَبَّاس عَن أمه أم الْفضل: أَن رَسُول الله ﷺ أفطر بِعَرَفَة. قَوْله: (فشربه) ، زَاد فِي حَدِيث مَيْمُونَة: (وَالنَّاس ينظرُونَ) . وَفِي هَذَا الحَدِيث: اسْتِحْبَاب الْفطر للْوَاقِف بِعَرَفَة وَالْوُقُوف رَاكِبًا، وَجَوَاز الشّرْب قَائِما، وَإِبَاحَة الْهَدِيَّة لرَسُول الله ﷺ ، وَقبُول هَدِيَّة الْمَرْأَة المتزوجة الموثوق بدينها. وَجَوَاز تصرف الْمَرْأَة فِي مَالهَا، خرج من الثُّلُث أم لَا، لِأَنَّهُ ﷺ لم يسْأَل هَل هُوَ من مَالهَا أَو مَال زَوجهَا؟ وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب صَوْم يَوْم عَرَفَة فِي كتاب الْحَج.

стр. 3217

٩٨٩١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمانَ قَالَ حَدثنَا ابنُ وَهْبٍ أوْ قُرِيءَ عَلَيْهِ قَالَ أَخْبرنِي عَمْرٌ وعنْ بُكَيْرٍ عَن كريب عنْ مَيْمُونةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيام النبيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ فأرْسَلَتْ إليْهِ بِحلَابٍ وَهْوَ وَاقِفٌ فِي المَوْقِفِ فَشَرِبَ منْهُ والنَّاسُ يَنْظُرُونَ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي وَجه مُطَابقَة الحَدِيث الَّذِي قبله. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: يحيى ابْن سُلَيْمَان بن يحيى أَبُو سعيد الْجعْفِيّ، قدم مصر وَحدث بهَا وَتُوفِّي بهَا سنة ثَمَان، وَيُقَال: سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله ابْن وهب. الثَّالِث: عَمْرو بن الْحَارِث. الرَّابِع: بكير بن عبد الله بن الإشج. الْخَامِس: كريب بن أبي مُسلم الْقرشِي مولى عبد الله بن عَبَّاس. السَّادِس: مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي ﷺ . ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: اثْنَان من الروَاة مصغران: بكير وكريب. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ كُوفِي الأَصْل وَابْن وهب وَعَمْرو مصريان، والبقية مدنيون، وَفِيه: قَوْله: أَو قرىء عَلَيْهِ، شكّ من يحيى فِي أَن الشَّيْخ قَرَأَ، أَو قرىء على الشَّيْخ؟ . والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي، رَحمَه الله تَعَالَى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (شكوا) ، بتَشْديد الْكَاف فِي صِيَام النَّبِي، ﷺ ، مِنْهُم من قَالَ: إِنَّه صَائِم بِنَاء على عَادَتهم فِي الْحَضَر، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّه غير صَائِم لكَونه مُسَافِرًا، وَقد عرف نَهْيه عَن صَوْم الْفَرْض فِي السّفر فضلا عَن النَّفْل. قَوْله: (بحلاب) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللَّام، وَهُوَ الْإِنَاء الَّذِي يحلب فِيهِ اللَّبن، وَقيل: الحلاب اللَّبن المحلوب، وَقد يُطلق على الْإِنَاء وَلَو لم يكن فِيهِ لبن. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين على اسْتِحْبَاب الْفطر يَوْم عَرَفَة بِعَرَفَة، وَفِيه نظر، لِأَن فعله الْمُجَرّد لَا يدل على نفي الِاسْتِحْبَاب، إِذْ قد يتْرك الشَّيْء الْمُسْتَحبّ لبَيَان الْجَوَاز، وَيكون فِي حَقه أفضل لمصْلحَة التَّبْلِيغ، نعم يتم الِاسْتِدْلَال بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عِكْرِمَة: (أَن أَبَا هُرَيْرَة حَدثهمْ أَن رَسُول الله، ﷺ ، نهى عَن صَوْم يَوْم عَرَفَة بِعَرَفَة) ، وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم، وَأخذ بِظَاهِرِهِ بعض السّلف فَنقل عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ أَنه قَالَ: يجب فطر يَوْم عَرَفَة للْحَاج، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِنَّمَا أفطر، ﷺ ، بِعَرَفَة ليدل على الِاخْتِيَار للحجاج، لَكِن بِأَن لَا يضعف عَن الدُّعَاء وَالذكر الْمَطْلُوب يَوْم عَرَفَة، وَقيل: إِنَّمَا أفطر لموافقته يَوْم الْجُمُعَة، وَقد نهى عَن إِفْرَاده بِالصَّوْمِ، وَقيل: لِأَنَّهُ يَوْم عيد لأهل الْموقف لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ، وَيُؤَيّد مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن عَن عقبَة بن عَامر مَرْفُوعا، يَوْم عَرَفَة وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام منى وعيدنا أهل الْإِسْلَام. وَفِيه: أَن العيان أقطع للحجة، وَأَنه فَوق الْخَبَر. وَفِيه: أَن الْأكل وَالشرب فِي المحافل مُبَاح، وَلَا كَرَاهَة فِيهِ للضَّرُورَة، وَفِيه: تأسي النَّاس بِأَفْعَال النَّبِي ﷺ . وَفِيه: الْبَحْث وَالِاجْتِهَاد فِي حَيَاته، ﷺ ، والمناظرة فِي الْعلم بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء، والتحيل على الِاطِّلَاع على الحكم بِغَيْر سُؤال. وَفِيه: فطنة مَيْمُونَة وَأم الْفضل أَيْضا لاستكشافهما عَن الحكم الشَّرْعِيّ بِهَذِهِ الْوَسِيلَة اللائقة بِالْحَال، لِأَن ذَلِك كَانَ فِي يَوْم حر بعد الظهيرة، قيل: لم ينْقل أَنه، ﷺ ، ناول فَضله أحدا، فَلَعَلَّهُ علم أَنَّهَا خصته بِهِ، فَيُؤْخَذ مِنْهُ مَسْأَلَة التَّمْلِيك الْمُقَيد، وَفِيه نظر، وَقد وَقع فِي حَدِيث مَيْمُونَة (فَشرب مِنْهُ) ، فَهَذَا يدل على أَنه لم يستوفِ شربه، وَالله أعلم. ٦٦ - (بابُ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَوْم يَوْم الْفطر مَا حكمه؟ لم يُصَرح بالحكم اكْتِفَاء بِمَا يذكر فِي الحَدِيث على عَادَته، قيل: لَعَلَّه أَشَارَ إِلَى الْخلاف فِيمَن نذر صَوْم يَوْم فَوَافَقَ يَوْم الْعِيد، هَل ينْعَقد نَذره أم لَا؟ قلت: إِذا قَالَ: لله عَليّ صَوْم يَوْم النَّحْر، أفطر وَقضى، فَهَذَا النّذر صَحِيح عندنَا مَعَ إِجْمَاع الْأمة على أَن صَوْمه وَصَوْم الْفطر منهيان. قَالَ مَالك: لَو نذر صَوْم يَوْم فَوَافَقَ يَوْم

стр. 3218

فطر أَو نحر يَقْضِيه فِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم وَابْن وهب عَنهُ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، وَالْأَصْل عندنَا أَن النَّهْي لَا يَنْفِي مَشْرُوعِيَّة الأَصْل. وَقَالَ صَاحب الْمَحْصُول: أَكثر الْفُقَهَاء على أَن النَّهْي لَا يُفِيد الْفساد، وَقَالَ الرَّازِيّ: لَا يدل النَّهْي على الْفساد أصلا، وَأطَال الْكَلَام فِيهِ، وعَلى هَذَا الأَصْل مَشى أَصْحَابنَا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث زِيَاد بن جُبَير، قَالَ: (جَاءَ رجل إِلَى ابْن عمر فَقَالَ: نذر رجل صَوْم الْإِثْنَيْنِ فَوَافَقَ يَوْم عيد؟ فَقَالَ ابْن عمر: أَمر الله بوفاء النّذر، وَنهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن صَوْم هَذَا الْيَوْم، فتوقف فِي الْفتيا) . وَسَيَجِيءُ فِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَقَالَ ابْن عبد الْملك: لَو كَانَ صَوْمه مَمْنُوعًا مِنْهُ لعَينه، مَا توقف ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ الشَّافِعِي وَزفر وَأحمد: لَا يَصح صَوْم يومي الْعِيدَيْنِ وَلَا النّذر بصومهما، وَهُوَ رِوَايَة أبي يُوسُف وَابْن الْمُبَارك عَن أبي حنيفَة، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه إِن نذر صَوْم يَوْم النَّحْر لَا يَصح، وَإِن نذر صَوْم غَد وَهُوَ يَوْم النَّحْر صَحَّ، وَاحْتج بِحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْآتِي هُنَا، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٠٩٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَن أبي عُبَيْدٍ مولَى ابنِ أزْهَرَ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ معَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رسولُ الله ﷺ عنْ صِيَامِهِما يَوْمُ فِطْرِكُمُ مِنْ صِيَامِكُمْ والْيَوْمُ الآخَرُ تأكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ. (الحَدِيث ٠٩٩١ طرفه فِي: ١٧٥٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين إِبْهَام التَّرْجَمَة، وَهُوَ أَن صَوْم يَوْم الْفطر لَا يَصح، وَأَبُو عبيد اسْمه: سعد، مولى ابْن عبد الرَّحْمَن بن الْأَزْهَر بن عَوْف وينسب أَيْضا إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لِأَنَّهُمَا ابْنا عَم الْقرشِي الزُّهْرِيّ، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: قد غلط من جعله ابْن عَم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، بل هُوَ عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر بن عبد عَوْف. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَفِي الْأَضَاحِي عَن عبد الْجَبَّار بن الْعلي وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى، وَعَن زُهَيْر بن حَرْب، وَعَن حسن الْحلْوانِي وَعَن عبد بن حميد وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّوْم عَن قُتَيْبَة وَزُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْملك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَفِي الذَّبَائِح عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّوْم عَن سهل بن أبي سهل. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مولى ابْن أَزْهَر) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مولى بني أَزْهَر) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (شهِدت الْعِيد) ، زَاد يُونُس عَن الزُّهْرِيّ فِي رِوَايَته الَّتِي تَأتي فِي الْأَضَاحِي، (يَوْم الْأَضْحَى) . قَوْله: (هَذَانِ يَوْمَانِ) ، فِيهِ التغليب، وَذَلِكَ أَن الْحَاضِر يشار إِلَيْهِ بِهَذَا وَالْغَائِب يشار إِلَيْهِ بِذَاكَ، فَلَمَّا أَن جَمعهمَا اللَّفْظ قَالَ: هَذَانِ، تَغْلِيبًا، للحاضر على الْغَائِب. قَوْله: (يَوْم فطركم) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أَحدهمَا يَوْم فطركم، وَقَالَ بَعضهم: أَو على الْبَدَل من قَوْله: (يَوْمَانِ) . قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح على مَا لَا يخفى. قَوْله: (من صِيَامكُمْ) كلمة: من، بَيَانِيَّة، وَفِي رِوَايَة يُونُس فِي الْأَضَاحِي: (أما أَحدهمَا فَيوم فطركم) . قَوْله: (من نسككم) ، بِضَم السِّين وسكونها أَي: أُضْحِيَتكُم، وَفَائِدَة وصف الْيَوْمَيْنِ الْإِشَارَة إِلَى الْعلَّة، وَهِي فِي أَحدهمَا، وجوب الْفطر، وَفِي الآخر الْأكل من الْأُضْحِية. قَالَ أبُو عَبْدِ الله قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ منْ قالَ مَوْلَى بنِ أزْهَرَ فقَدْ أصابَ ومَنْ قَالَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمانِ فقَدْ أصابَ هَذَا لَيْسَ بموجود فِي كثير من النّسخ: أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَهَذَا حَكَاهُ عَنهُ عَليّ بن الْمَدِينِيّ فِي (الْعِلَل) وَقد أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: عَن أبي عبيد مولى ابْن أَزْهَر. وَأخرجه الْحميدِي فِي (مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة: حَدثنِي الزُّهْرِيّ سَمِعت أَبَا عبيد، فَذكر الحَدِيث وَلم يصفه بِشَيْء. وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: عَن أبي عبيد مولى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَقَالَ ابْن التِّين: وَجه كَون الْقَوْلَيْنِ صَوَابا مَا رُوِيَ أَنَّهُمَا اشْتَركَا فِي ولائه، وَقيل: يحمل أَحدهمَا على الْحَقِيقَة، وَالْآخر على الْمجَاز، أما بِاعْتِبَار كَثْرَة ملازمته لأَحَدهمَا للْخدمَة، أَو للأخذ عَنهُ، أَو لانتقاله من ملك أَحدهمَا إِلَى الآخر، وَقد مر بعض الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.

стр. 3219

١٩٩١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ أبِيهِ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ والنَّحْرِ وعنِ الصَّمَّاءِ وأنْ يحْتَبِيَ الرَّجُلَ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ. وعَنْ صَلاةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ والْعَصْرِ. . هَذَا الحَدِيث قد مر فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب مَا يستر من الْعَوْرَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن اللَّيْث بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَلَيْسَ فِيهِ صَوْم يَوْم الْفطر، والنحر، وَلَا ذكر الصَّلَاة بعد الصُّبْح وَالْعصر، وَذكر فِي: بَاب لَا يتحَرَّى الصَّلَاة قبل غرُوب الشَّمْس، عَن أبي سعيد حكم الصَّلَاتَيْنِ وَذكر عَن غَيره أيضافي أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة هُنَاكَ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، ووهيب تَصْغِير وهب بن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَعَمْرو بن يحيى ابْن عمَارَة الْأنْصَارِيّ، مر فِي: بَاب مَا يستر عَوْرَته، وَأَبوهُ يحيى بن عمَارَة بن أبي حسن الْمَازِني الْأنْصَارِيّ. ٧٦ - (بابُ الصَّوْمِ يَوْمَ النَّحْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم يَوْم النَّحْر، وَالْكَلَام فِي إبهامه الحكم كَالْكَلَامِ فِي الَّذِي قبله. قَوْله: (بَاب الصَّوْم) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (بَاب صَوْم يَوْم النَّحْر) . ٣٩٩١ - حدَّثنا إبْراهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرَنا هِشامٌ عنِ ابنِ جُرِيجٍ قَالَ أخبرَني عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عَطاءِ بنِ مِينَاء قَالَ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ يُنْهَى عنْ صِيَامَيْنِ وبَيْعَتَيْنِ الْفِطْرِ والنَّحْرِ والْمُلَامَسَةِ والْمُنَابِذَةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والنحر) ، فَإِن صَوْمه أحد الصيامين المنهيين، وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير، وَهِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ وَفِي بعض النّسخ هُوَ مَذْكُور بنسبته إِلَى أَبِيه، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء بن ميناء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، الْمَشْهُور أَنه مَقْصُور: مولى أبي ذُبَاب الْحَيَوَان الْمَعْرُوف الْمدنِي. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. قَوْله: (ينْهَى) كَذَا هُنَا بِضَم أَوله على الْبناء للْمَجْهُول، وَفِي مُسلم بِلَفْظ: (نهى أَو نهي عَن بيعَتَيْنِ: الْمُلَامسَة والمنابذة) . وَلم يذكر صوما. قَوْله: (عَن صيامين) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: نهى يَعْنِي: النَّبِي ﷺ عَن صِيَام يَوْمَيْنِ وَعَن لبستين وَعَن بيعَتَيْنِ، فَأَما صِيَام يَوْمَيْنِ: فالفطر والأضحى، وَأما البيعتان: فالملامسة) وَلم يذكر الْمُنَابذَة. وَعند الْبَيْهَقِيّ: (نهى عَن صِيَام يَوْم الْأَضْحَى وَيَوْم الْفطر) ، وَعند ابْن مَاجَه: (أَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب) . قَوْله: (الْفطر والنحر) ، فِيهِ لف وَنشر يرجع إِلَى صيامين، وَقَوله: (الْمُلَامسَة والمنابذة) يرجع إِلَى البيعتين، وَقد روى عَن أبي هُرَيْرَة فِي: بَاب مَا يستر من الْعَوْرَة. وَقَالَ: (نهى رَسُول الله ﷺ عَن بيعَتَيْنِ، عَن الملاس والنباذ) . الحَدِيث، وَقد مر بَيَانه هُنَاكَ. ٤٩٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا مُعاذٌ قَالَ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنْ زِيادِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ جاءَ رجُلٌ إِلَى ابنِ عُمعرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ رجُلٌ نذَرَ أنْ يصُومَ يَوْمًا قَالَ أظُنُّهُ قَالَ الاثْنَيْن فَوافقَ يَوْمَ عِيدٍ فَقَالَ ابنُ عُمرَ أمَرَ الله بِوَفاءِ النَّذْرِ ونَهَى النبيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذا اليَوْمِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَنهى النَّبِي ﷺ عَن صَوْم هَذَا الْيَوْم) وَهُوَ يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة. فَإِن قلت: لم يُفَسر الْعِيد فِي الْأَثر فَكيف يكون التطابق؟ قلت: المسؤول عَنهُ يَوْم النَّحْر لِأَنَّهُ مُصَرح بِهِ فِي رِوَايَة يزِيد بن زُرَيْع عَن يُونُس (عَن زِيَاد بن جُبَير، قَالَ: كنت مَعَ ابْن عمر فَسَأَلَهُ رجل، فَقَالَ: نذرت أَن أَصوم كل يَوْم ثَلَاثًا، أَو أَرْبعا، مَا عِشْت، فَوَافَقت

стр. 3220

هَذَا الْيَوْم يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَمر الله تَعَالَى بوفاء النّذر، ونهينا أَن نَصُوم يَوْم النَّحْر، فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ مثله لَا يزِيد عَلَيْهِ) . رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور فِي: بَاب من نذر أَن يَصُوم أَيَّامًا فَوَافَقَ يَوْم النَّحْر، على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه مُسلم: (عَن زِيَاد بن جُبَير، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى ابْن عمر، فَقَالَ: إِنِّي نذرت أَن أَصوم يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْم أضحى أَو فطر. .) الحَدِيث، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَحْمد عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن يُونُس، وَفِي رِوَايَة وَكِيع: فَوَافَقَ يَوْم أضحى أَو فطر. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: معَاذ بن معَاذ الْعَنْبَري. الثَّالِث: ابْن عون هُوَ عبيد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: زِيَاد بن جُبَير، بِضَم الحيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن حَيَّة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الثَّقَفِيّ، وَقد مر فِي: بَاب نحر الْإِبِل الْمقيدَة بِالْحَجِّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ رجل) لم يدر اسْمه، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: عَن هشيم عَن يُونُس بن عبيد عَن زِيَاد بن جُبَير: (رَأَيْت رجلا جَاءَ إِلَى ابْن عمر) ، فَذكره، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن إِسْمَاعِيل عَن يُونُس بِسَنَدِهِ: (سَأَلَ رجل ابْن عمر، وَهُوَ يمشي بمنى) . قَوْله: (قَالَ: أَظُنهُ) أَي: قَالَ الرجل الجائي: أَظُنهُ قَالَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ، فَهَذَا يدل على أَن الْقَضِيَّة لَيست للرجل الجائي، لِأَنَّهُ قَالَ: (فَقَالَ رجل: نذرت) ، وَرِوَايَة مُسلم الَّتِي ذَكرنَاهَا الْآن تدل على أَن الْقَضِيَّة للرجل الجائي حَيْثُ قَالَ زِيَاد بن جُبَير: (كنت مَعَ ابْن عمر فَسَأَلَهُ رجل، فَقَالَ: نذرت أَن أَصوم) الحَدِيث، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَقد مضى الْآن. قَوْله: (فَوَافَقَ ذَلِك) أَي: وَافق نَذره بِصَوْم يَوْم عيد. قَوْله: (فَقَالَ ابْن عمر) إِلَى آخِره: حَاصله أَن ابْن عمر توقف عَن الْجَزْم بجوابه، لتعارض الْأَدِلَّة عِنْده، وَيحْتَمل أَنه عرض للسَّائِل: بِأَن الِاحْتِيَاط لَك الْقَضَاء، فتجمع بَين أَمر الله وَهُوَ قَوْله: ﴿فليوفوا نذورهم﴾ (الْحَج: ٩٢) . وَبَين أَمر رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ أمره بترك صَوْم يومي الْعِيد، وَقَالَ الْخطابِيّ: قد تورع ابْن عمر عَن قطع الْفتيا فِيهِ. انْتهى. وَقيل: إِذا تلاقى الْأَمر وَالنَّهْي فِي مَحل قدم النَّهْي. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون ابْن عمر أَرَادَ أَن كلاًّ من الدَّلِيلَيْنِ يعْمل بِهِ، فيصوم يَوْمًا مَكَان يَوْم النّذر، وَيتْرك صَوْم يَوْم الْعِيد. وَقيل: إِن ابْن عمر نبه على أَن الْوَفَاء بِالنذرِ عَام، وَالْمَنْع من صَوْم يَوْم الْعِيد خَاص، فَكَأَنَّهُ أفهمهُ أَنه يقْضِي بالخاص على الْعَام، ورد عَلَيْهِ بِأَن النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْعِيد فِيهِ أَيْضا عُمُوم للمخاطبين، وَلكُل عيد، فَلَا يكون من حمل الْخَاص على الْعَام. ٥٩٩١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ قَزَعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وكانَ غَزَا مَعَ النبيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ سَمِعْتُ أرْبَعا مِنَ النبيِّ ﷺ فأعْجَبْنَنِي قَالَ لَا تُسَافِرِ المَرأةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إلَاّ ومَعَهَا زَوْجُهَا أوْ ذُو مَحْرَمٍ ولَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ والأضْحَى ولَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ولَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ ولَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَاّ إلَى ثَلَاثَةِ مَساجِدَ مَسْجِدِ الحَرَامِ ومَسْجِدِ الأقْصَى ومَسْجِدي هَذا. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا صَوْم فِي يَوْمَيْنِ الْفطر والأضحى) وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه قد مضى فِي أَوَاخِر الصَّلَاة فِي: بَاب مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شعبه عَن عبد الْملك عَن قزعة مولى زِيَاد، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ ... إِلَى آخِره. وَقَوله: (وَكَانَ غزا مَعَ النَّبِي ﷺ ثِنْتَيْ عشرَة غَزْوَة) ، لَيْسَ هُنَاكَ. وَبعد قَوْله: (فأعجبنني وآنقني) هُنَاكَ، وَالْبَاقِي سَوَاء، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً. وقزعة، بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة: هُوَ ابْن يحيى، وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَحْكَام، وَالْغَرَض من إِيرَاده هُنَا حكم الصَّوْم. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهِ على جَوَاز صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق للإقتصار فِيهِ على ذكر يومي الْفطر والنحر خَاصَّة! قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الِاسْتِدْلَال، لِأَن الأَصْل جَوَاز الصَّوْم فِي الْأَيَّام كلهَا، وَلَكِن جَاءَ النَّهْي عَن صَوْم يومي الْفطر والأضحى وَصَوْم أَيَّام التَّشْرِيق أَيْضا على مَا يَجِيء بَيَانه مَعَ الْخلاف فِيهِ.

стр. 3221

٨٦ - (بابُ صِيامِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق، وَلم يذكر الحكم لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ، واكتفاء مِمَّا فِي الحَدِيث. وَأَيَّام التَّشْرِيق يُقَال لَهَا: الْأَيَّام المعدودات، وَأَيَّام منى، وَهِي: الْحَادِي عشر وَالثَّانِي عشر وَالثَّالِث عشر من ذِي الْحجَّة، وَسميت أَيَّام التَّشْرِيق لِأَن لُحُوم الْأَضَاحِي تشرق فِيهَا، أَي: تنشر فِي الشَّمْس، وإضافتها إِلَى منى لِأَن الْحَاج فِيهَا فِي منى. وَقيل: لِأَن الْهَدْي لَا ينْحَر حَتَّى تشرق الشَّمْس، وَقيل: لِأَن صَلَاة الْعِيد عِنْد شروق الشَّمْس أول يَوْم مِنْهَا، فَصَارَت هَذِه الْأَيَّام تبعا ليَوْم النَّحْر، وَهَذَا يعضد قَول من يَقُول: يَوْم النَّحْر مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: التَّشْرِيق التَّكْبِير دبر الصَّلَاة وَاخْتلفُوا فِي تعْيين أَيَّام التَّشْرِيق وَالأَصَح أَنَّهَا ثَلَاثَة أَيَّام بعد يَوْم النَّحْر. وَقَالَ بَعضهم: بل أَيَّام النَّحْر، وَعند أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد: لَا يدْخل فِيهَا الْيَوْم الثَّالِث بعد يَوْم النَّحْر. وَاخْتلفُوا فِي صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق على أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه لَا يجوز صيامها مُطلقًا وَلَيْسَت قَابِلَة للصَّوْم، وَلَا للمتمتع الَّذِي لم يجد الْهَدْي وَلَا لغيره، وَبِه قَالَ عَليّ بن أبي طَالب وَالْحسن وَعَطَاء، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد، وَعَلِيهِ الْعَمَل وَالْفَتْوَى عِنْد أَصْحَابه، وَهُوَ قَول اللَّيْث بن سعد وَابْن علية وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، قَالُوا: إِذا نذر صيامها وَجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا. وَالثَّانِي: أَنه يجوز الصّيام فِيهَا مُطلقًا، وَبِه قَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي من الشَّافِعِيَّة، وَحَكَاهُ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) عَن بعض أهل الْعلم، وَحكى ابْن الْمُنْذر وَغَيره عَن الزبير بن الْعَوام وَأبي طَلْحَة من الصَّحَابَة الْجَوَاز مُطلقًا. وَالثَّالِث: أَنه يجوز للمتمتع الَّذِي لم يجد الْهَدْي وَلم يصم الثَّلَاث فِي أَيَّام الْعشْر، وَهُوَ قَول عَائِشَة وَعبد الله بن عمر وَعُرْوَة بن الزبير وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم، وَقَالَ الْمُزنِيّ: إِنَّه رَجَعَ عَنهُ. وَالرَّابِع: جَوَاز صيامها للمتمتع، وَعَن النّذر: إِن نذر صيامها إِن قدر صِيَام أَيَّام قبلهَا مُتَّصِلَة بهَا، وَهُوَ قَول لبَعض أَصْحَاب مَالك. وَالْخَامِس: التَّفْرِقَة بَين الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلين مِنْهَا وَالْيَوْم الْأَخير، فَلَا يجوز صَوْم الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلين إلَاّ للمتمتع الْمَذْكُور، وَيجوز صَوْم الْيَوْم الثَّالِث لَهُ، وللنذر، وَكَذَا فِي الْكَفَّارَة: إِن صَامَ قبله صياما مُتَتَابِعًا، ثمَّ مرض وَصَحَّ فِيهِ، وَهِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك. وَالسَّادِس: جَوَاز صِيَام الْيَوْم الآخر من أَيَّام التَّشْرِيق مُطلقًا، حَكَاهُ ابْن الْعَرَبِيّ عَن عُلَمَائهمْ، فَقَالَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: صَوْم يَوْم الْفطر وَيَوْم النَّحْر حرَام، وَصَوْم الْيَوْم الرَّابِع لَا نهي فِيهِ. وَالسَّابِع: أَنه يجوز صيامها للمتمتع بِشَرْطِهِ، وَفِي كَفَّارَة الظِّهَار حَكَاهُ ابْن الْعَرَبِيّ عَن مَالك قولا لَهُ. وَالثَّامِن: جَوَاز صيامها عَن كَفَّارَة الْيَمين، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: توقف فِيهِ مَالك. وَالتَّاسِع: أَنه يجوز صيامها للنذر فَقَط، وَلَا يجوز للمتمتع وَلَا غَيره، حَكَاهُ الخراسانيون عَن أبي حنيفَة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لَا يُسَاوِي سَمَاعه. قلت: لم يَصح هَذَا عَن أبي حنيفَة، وَلَا يُسَاوِي سَماع هَذَا النَّقْل. ٦٩٩١ - قَالَ أبُو عَبْدِ الله وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَحْيى عنْ هِشامٍ قَالَ أخبرَنِي أبِي قَالَ كانَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَصُومُ أيَّامَ مِنًى وكانَ أبُوهَا يَصُومُهَا. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِيهَا، وَهُوَ مَوْقُوف على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ لم يُصَرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ لكَونه مَوْقُوفا على عَائِشَة قلت: إِنَّمَا ترك التحديث لِأَنَّهُ أَخذه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى مذاكرة، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من عَادَته، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير. قَوْله: (أَيَّام منى) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (أَيَّام التَّشْرِيق بمنى) . قَوْله: (وَكَانَ أَبوهَا) ، أَي: أَبُو عَائِشَة، وَهُوَ أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (يصومها) أَي: أَيَّام التَّشْرِيق، هَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة غَيرهَا: (وَكَانَ أَبوهُ) ، أَي: أَبُو هِشَام، وَهُوَ عُرْوَة، كَانَ يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق، وَالْقَائِل لهَذَا الْكَلَام أَعنِي: وَكَانَ أَبوهُ هُوَ يحيى الْقطَّان، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة الْقَائِل هُوَ عُرْوَة. ٨٩٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عِيسَى عنِ

стр. 3222

الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ وعنْ سَالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ قالَا لَمْ يُرَخَّصْ فِي أيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يَصُمْنَ إلَاّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِطْلَاق الَّذِي فِيهَا، وَكَانَ إِطْلَاقهَا لأجل الِاخْتِلَاف فِي صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق، فأوضح الْخلاف الَّذِي يتَضَمَّن هَذَا الْإِطْلَاق بأثر عَائِشَة وبأثرها أَيْضا وَأثر ابْن عمر أَن الْجَوَاز لمن لم يجد الْهَدْي لَا مُطلقًا. فَإِن قلت: أثر عَائِشَة الْمَذْكُورَة أَولا مُطلق، وَالثَّانِي مُقَيّد، فَمَا وَجه ذَلِك؟ قلت: يجوز أَن تكون عَائِشَة عدت أَيَّام التَّشْرِيق من أَيَّام الْحَج، وخفي عَلَيْهَا مَا كَانَ من نهي النَّبِي ﷺ عَن الصّيام فِي هَذِه الْأَيَّام، الَّذِي يدل على أَنَّهَا لَا تدخل فِيمَا أَبَاحَ الله، ، صَوْمه من ذَلِك. فَإِن قلت: كَيفَ يخفي عَلَيْهَا هَذَا الْمِقْدَار مَعَ مكانتها فِي الْعلم وقربها من رَسُول الله ﷺ ؟ قلت: هَذَا مِنْهَا احتهاد، والمجتهد قد يخفى عَلَيْهِ مَا لَا يخفى على غَيره. ذكر رِجَاله وهم تِسْعَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: غنْدر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: عبد الله بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَهُوَ ابْن أخي مُحَمَّد بن أبي ليلى الْفَقِيه الْمَشْهُور، وَكَانَ عبد الله أسن من عَمه مُحَمَّد، وَكَانَ يُقَال: إِنَّه أفضل من عَمه. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. السَّادِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّابِع: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. الثَّامِن: سَالم بن عبد الله بن عمر. التَّاسِع: أَبوهُ عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن عبد الله بن عِيسَى لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، من رِوَايَته عَن جده عبد الرَّحْمَن عَن كَعْب ابْن عجْرَة. وَفِيه: شُعْبَة: سَمِعت عبد الله بن عِيسَى عَن الزُّهْرِيّ، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق النَّضر بن شُمَيْل: عَن شُعْبَة عَن عبد الله بن عِيسَى سَمِعت الزُّهْرِيّ. وَفِيه: وَعَن سَالم هُوَ من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن سَالم فَهُوَ مَوْصُول. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَا) أَي: عَائِشَة وَعبد الله بن عمر. قَوْله: (لم يرخص) ، بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول، كَذَا رَوَاهُ الْحفاظ من أَصْحَاب شُعْبَة. وَقَوله: (يصمن) ، على صِيغَة الْمَجْهُول للْجمع الْمُؤَنَّث أَي: يصام فِيهِنَّ، فَحذف الْجَار، وأوصل الْفِعْل إِلَى الضَّمِير. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة يحيى بن سَلام عَن شُعْبَة عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ والطَّحَاوِي: (رخص رَسُول الله ﷺ للمتمتع إِذا لم يجد الْهَدْي أَن يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق) . قلت: هَذَا لفظ الدَّارَقُطْنِيّ، وَلَفظ الطَّحَاوِيّ، لَيْسَ كَذَلِك، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله ابْن عبد الحكم، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن سَلام، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن ابْن أبي ليلى عَن الزُّهْرِيّ (عَن سَالم عَن أَبِيه أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ فِي الْمُتَمَتّع: إِذا لم يجد الْهَدْي وَلم يصم فِي الْعشْر، أَنه يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق) . وَذكر الطَّحَاوِيّ هَذَا فِي معرض الِاحْتِجَاج لمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، فَإِنَّهُم قَالُوا: للمتمتع، إِذا لم يصم فِي أَيَّام الْعشْر لعدم الْهَدْي، يجوز لَهُ أَن يَصُوم فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَكَذَا الْقَارِن والمحصر، ثمَّ احْتج لأبي حنيفَة وَأَصْحَابه بِحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (خرج مُنَادِي رَسُول الله، ﷺ ، فِي أَيَّام التَّشْرِيق، فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب) . وَأخرجه بِإِسْنَاد حسن. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأحمد والدارمي وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بأطول مِنْهُ. وَفِيه: (إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب) . وَأخرج أَيْضا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (أَمرنِي رَسُول الله، ﷺ ، أَن أنادي أَيَّام منى: إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب، فَلَا صَوْم فِيهَا) . يَعْنِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْند) ، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث عَطاء (عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب) . وَأخرج أَيْضا من حَدِيث سعيد بن أبي كثير: أَن جَعْفَر بن الْمطلب أخبرهُ (أَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ دخل على عَمْرو بن الْعَاصِ فَدَعَاهُ إِلَى الْغَدَاء، فَقَالَ: إِنِّي صَائِم، ثمَّ الثَّانِيَة فَكَذَلِك، ثمَّ الثَّالِثَة فَكَذَلِك، فَقَالَا: لَا إلَاّ أَن تكون سمعته من رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: فَإِنِّي سمعته من رَسُول الله، ﷺ يَعْنِي: النَّهْي عَن الصّيام أَيَّام التَّشْرِيق. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار (عَن عبد الله بن حذافة أَن النَّبِي ﷺ أمره أَن يُنَادي فِي أَيَّام التَّشْرِيق: إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب) . وَإِسْنَاده صَحِيح. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث عمر بن أبي سَلمَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب، وَذكر الله

стр. 3223

عز وَجل. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث أبي الْمليح الْهُذلِيّ عَن نُبَيْشَة الْهُذلِيّ عَن النَّبِي ﷺ مثله. وَأخرجه مُسلم وَأخرج أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار أَن نَافِع بن جُبَير أخبرهُ عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالَ عمر: وَقد سَمَّاهُ نَافِع فَنسيته: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ لرجل من بني غفار، وَيُقَال لَهُ: بشر بن سحيم: قُم فَأذن فِي النَّاس، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب، فِي أَيَّام منى. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث يزِيد الرقاشِي (عَن أنس بن مَالك، قَالَ: نهى النَّبِي ﷺ عَن صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة بعد يَوْم النَّحْر) . وَأخرجه أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) من حَدِيث يزِيد الرقاشِي (عَن أنس: أَن رَسُول الله، ﷺ ، نهى عَن صَوْم خَمْسَة أَيَّام من السّنة، يَوْم الْفطر، وَيَوْم النَّحْر، وَأَيَّام التَّشْرِيق) . وَهَذِه حجَّة قَوِيَّة لِأَصْحَابِنَا فِي حُرْمَة الصَّوْم فِي الْأَيَّام الْخَمْسَة. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن جُبَير (عَن معمر بن عبد الله الْعَدوي قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ أؤذن فِي أَيَّام التَّشْرِيق بمنى: لَا يصومن أحد فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب) ، وَأخرجه أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) وَأخرج أَيْضا من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار، وَقبيصَة بن ذُؤَيْب يحدثان عَن أم الْفضل، امْرَأَة عَبَّاس بن عبد الْمطلب، قَالَت: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، بمنى أَيَّام التَّشْرِيق، فَسمِعت مناديا يَقُول: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام طعم وَشرب، وَذكر لله، قَالَت: فَأرْسلت رَسُولا من الرجل وَمن أمره، فَجَاءَنِي الرَّسُول فَحَدثني أَنه رجل يُقَال لَهُ حذافة، يَقُول: أَمرنِي بهَا رَسُول الله، ﷺ . وَأخرج أَيْضا عمر بن خلدَة الزرقي عَن أمه قَالَت: (بعث رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب فِي أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق، فَنَادَى فِي النَّاس: لَا تَصُومُوا فِي هَذِه الْأَيَّام فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال) . وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُسْنده) . وَأخرج أَيْضا من حَدِيث مَسْعُود بن الحكم الزرقي قَالَ: (حَدَّثتنِي أُمِّي قَالَت: لكَأَنِّي أنظر إِلَى عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على بغلة النَّبِي ﷺ الْبَيْضَاء. حِين قَامَ إِلَى شعب الْأَنْصَار. وَهُوَ يَقُول: يَا معشر الْمُسلمين! إِنَّهَا لَيست بأيام صَوْم، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وَذكر لله . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث مخرمَة بن بكير عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت سُلَيْمَان بن يسَار يزْعم أَنه سمع ابْن الحكم الزرقي يَقُول: حَدثنَا أبي أَنهم كَانُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَسَمِعُوا رَاكِبًا وَهُوَ يصْرخ: لَا يصومن أحد، فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب) . وَابْن الحكم: هُوَ مَسْعُود بن الحكم، وَأَبوهُ الحكم الزرقي ذكره ابْن الْأَثِير فِي الصحاب. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث يحيى بن سعيد أَنه سمع يُوسُف بن مَسْعُود بن الحكم الزرقي يَقُول: حَدَّثتنِي جدتي فَذكر نَحوه، وجدته حَبِيبَة بنت شريق. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث مَسْعُود بن الحكم الْأنْصَارِيّ عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: أَمر النَّبِي، ﷺ ، عبد الله بن حذافة أَن يركب رَاحِلَته أَيَّام منى فَيَصِيح فِي النَّاس: (أَلا لَا يصومن أحد، فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب، قَالَ: فَلَقَد رَأَيْته على رَاحِلَته يُنَادي بذلك) . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد ضَعِيف وَفِي آخِره: (أَلا إِن هَذِه أَيَّام عيد وَأكل وَشرب، وَذكر، فَلَا يصومن إلَاّ محصر أَو متمتع لم يجد هَديا، وَلم يصم فِي أَيَّام الْحَج المتتابعة فليصمهن) ، فَهَذَا الطَّحَاوِيّ أخرج أَحَادِيث النَّهْي عَن الصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق عَن سِتَّة عشر نفسا من الصَّحَابَة، وَهَذَا هُوَ الإِمَام الجهبذ صَاحب الْيَد الطُّولى فِي هَذَا الْفَنّ. وَفِي الْبَاب حَدِيث أم عَمْرو بن سليم عِنْد أَحْمد، وَعقبَة ابْن عَامر عِنْد التِّرْمِذِيّ، وَحَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَكَعب بن مَالك عِنْد أَحْمد وَمُسلم، وَعبد الله بن عمر وَعند النَّسَائِيّ، وَعَمْرو بن الْعَاصِ عِنْد أبي دَاوُد، وَبُدَيْل بن وَرْقَاء عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَزيد بن خَالِد عِنْد أبي يعلى الْموصِلِي، وَلَفظه: (أَلا إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب وَنِكَاح) ، وَجَابِر عِنْد ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا ثَبت بِهَذِهِ الْآثَار عَن رَسُول الله، ﷺ ، النَّهْي عَن صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق، وَكَانَ نَهْيه عَن ذَلِك بمنى، وَالْحجاج مقيمون بهَا، وَفِيهِمْ المتمتعون والقارنون، وَلم يسْتَثْن مِنْهُم مُتَمَتِّعا وَلَا قَارنا، دخل المتمتعون والقارنون فِي ذَلِك، ثمَّ أجَاب عَن حَدِيثهمْ، وَهُوَ حَدِيث عبد الله بن عمرَان، فِي إِسْنَاده يحيى بن سَلام، أَنه حَدِيث مُنكر لَا يُثبتهُ أهل الْعلم بالرواية لضعف يحيى بن سَلام، وَابْن أبي ليلى وَفَسَاد حفظهما، وَالدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا ضعف يحيى بن سَلام، وَابْن أبي ليلى فِيهِ مقَال، وَكَانَ يحيى بن سعيد يُضعفهُ، وَعَن أَحْمد: كَانَ سيء الْحِفْظ مُضْطَرب الحَدِيث، وَعَن أبي حَاتِم: يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ فَإِن قلت: ابْن أبي ليلى هُوَ عبد الله بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن

стр. 3224

ابْن أبي ليلى، وَهُوَ ثِقَة عِنْد الْكل. قلت: ذكر الطَّحَاوِيّ ابْن أبي ليلى بِفساد حفظه وَضعه يدل على أَنه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، إِذْ لَو كَانَ هُوَ عبد الله بن عِيسَى لما ذكره هَكَذَا، على أَنا نقُول: قد قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: عبد الله بن عِيسَى بن أبي ليلى عِنْدِي مُنكر، وَكَانَ يتشيع، وَأَيْضًا فَالْحَدِيث الَّذِي فِيهِ عبد الله بن عِيسَى لَيْسَ بمرفوع، بِخِلَاف الحَدِيث الَّذِي ذكره الطَّحَاوِيّ وَقد اخْتلفُوا فِي قَول الصَّحَابِيّ: أمرنَا بِكَذَا ونهينا عَن كَذَا، هَل لَهُ حكم الرّفْع؟ على أَقْوَال: ثَالِثهَا إِن أَضَافَهُ إِلَى عهد النَّبِي ﷺ فَلهُ حكم الرّفْع، وإلَاّ فَلَا. وَاخْتلف التَّرْجِيح فِيمَا إِذا لم يضفه ويلتحق بِهِ، رخص لنا فِي كَذَا، أَو عزم علينا أَن لَا نَفْعل كَذَا. فَالْكل فِي الحكم سَوَاء، وَقد حصل الْجَواب عَن أثر عَائِشَة وَابْن عمر عِنْد ذكره عَن عبد الله بن عِيسَى. ٩٩٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ الصِّيامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ فإنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيا ولَمْ يَصُمْ صامَ أيَّامَ مِنىً. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (صَامَ أَيَّام منى) ، لِأَنَّهُ يُوضح إِطْلَاق التَّرْجَمَة كَمَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. قَوْله: (الصّيام) أَي: الصّيام الَّذِي يفعل للمتمتع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج يَنْتَهِي إِلَى يَوْم عَرَفَة، فَإِن لم يجد هَديا، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (فَمن لم يجد) ، وَكَذَا هُوَ فِي (الْمُوَطَّأ) . قَوْله: (صَامَ أَيَّام منى) وَهِي أَيَّام التَّشْرِيق، فَهَذَا وَالَّذِي قبله من الْحَدِيثين يدل على جَوَاز الصَّوْم للمتمتع الَّذِي لَا يجد الْهَدْي فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَإِلَيْهِ مَال البُخَارِيّ، وَعَن هَذَا قَالَ بَعضهم: ويترجح الْجَوَاز. قلت: كَيفَ يتَرَجَّح الْجَوَاز مَعَ رِوَايَة جمَاعَة من الصَّحَابَة مَا يناهز ثَلَاثِينَ صحابيا النَّهْي عَن النَّبِي ﷺ عَن الصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق؟ وَمَعَ هَذَا فَالْبُخَارِي مَا روى فِي هَذَا الْبَاب إلَاّ ثَلَاثَة من الْآثَار مَوْقُوفَة. وعَنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ أَي: وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة مثله، أَي: مثل مَا روى ابْن شهَاب عَن سَالم عَن عبد الله بن عمر. تابَعَهُ إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ يَعْنِي: تَابع مَالِكًا إِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد الرَّحْمَن فِي رِوَايَته عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَوَصله الشَّافِعِي، قَالَ: أخبرنَا إِبْرَاهِيم ابْن سعد عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، فِي الْمُتَمَتّع: إِذا لم يجد هَديا وَلم يصم قبل عَرَفَة فليصم أَيَّام منى وَعَن سَالم عَن أَبِيه مثله، وَوَصله الطَّحَاوِيّ من وَجه آخر عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، وَعَن سَالم عَن أَبِيه: أَنَّهُمَا كَانَ يرخصان للمتمتع إِذا لم يجد هَديا، وَلم يكن صَامَ قبل عَرَفَة، أَن يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق) . وَأخرجه ابْن أبي شيبَة من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَعَن سَالم عَن ابْن عمر نَحوه، وَالله أعلم. ٩٦ - (بابُ صِيامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم يَوْم عَاشُورَاء، وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: فِي بَيَان اشتقاق عَاشُورَاء ووزنه: فاشتقاقه من الْعشْر الَّذِي هُوَ اسْم للعدد الْمعِين، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: عَاشُورَاء معدول عَن عاشرة للْمُبَالَغَة والتعظيم، وَهُوَ فِي الأَصْل صفة لليلة الْعَاشِرَة، لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْعشْر الَّذِي هُوَ اسْم الْفِعْل، وَالْيَوْم مُضَاف إِلَيْهَا، فَإِذا قيل: يَوْم عَاشُورَاء فَكَأَنَّهُ قيل: يَوْم اللَّيْلَة الْعَاشِرَة، إلَاّ أَنهم لما عدلوا بِهِ عَن الصّفة غلبت عَلَيْهَا الإسمية، فاستغنوا عَن الْمَوْصُوف فحذفوا اللَّيْلَة، وَقيل: هُوَ مَأْخُوذ من الْعشْر بِالْكَسْرِ فِي أوراد الْإِبِل: تَقول الْعَرَب: وَردت الْإِبِل عشرا إِذا وَردت الْيَوْم التَّاسِع، وَذَلِكَ لأَنهم يحسبون فِي الإظماء يَوْم الْورْد، فَإِذا قَامَت فِي الرَّعْي يَوْمَيْنِ ثمَّ وَردت فِي الثَّالِثَة، قَالُوا: وَردت ربعا وَإِن رعت ثَلَاثًا، وَفِي الرَّابِع وَردت خمْسا، لأَنهم حسبوا فِي كل هَذَا بَقِيَّة الْيَوْم الَّذِي وَردت فِيهِ قبل الرَّعْي، وَأول الْيَوْم الَّذِي ترد فِيهِ بعده، وعَلى هَذَا القَوْل يكون التَّاسِع عَاشُورَاء. وَأما وَزنه: ففاعولاء،

стр. 3225

قَالَ أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ: عَاشُورَاء مَمْدُود، وَلم يجىء فاعولاء فِي كَلَام الْعَرَب إلَاّ عَاشُورَاء، والضاروراء: اسْم الضراء، والساروراء اسْم للسراء، والدالولاء اسْم للدالة، وخابوراء اسْم مَوضِع. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يَوْم عَاشُورَاء وعاسوراء ممدودان، وَفِي (تثقيف اللِّسَان) للحميري: عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: عاشورا بِالْقصرِ، وَرُوِيَ عَن أبي عمر، قَالَ: ذكر سِيبَوَيْهٍ فِيهِ الْقصر وَالْمدّ بِالْهَمْز، وَأهل الحَدِيث تَرَكُوهُ على الْقصر، وَقَالَ الْخَلِيل: بنوه على: فاعولاء، ممدودا لِأَنَّهَا كلمة عبرانية، وَفِي (الجمهرة) : هُوَ إسم إسلامي لَا يعرف فِي الْجَاهِلِيَّة، لِأَنَّهُ لَا يعرف فِي كَلَامهم: فاعولاء، ورد على هَذَا بِأَن الشَّارِع نطق بِهِ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابه. قَالُوا: بِأَن عَاشُورَاء كَانَ يُسمى فِي الْجَاهِلِيَّة، وَلَا يعرف إلَاّ بِهَذَا الإسم. النَّوْع الثَّانِي: اخْتلفُوا فِيهِ فِي أَي يَوْم: فَقَالَ الْخَلِيل: هُوَ الْيَوْم الْعَاشِر، والاشتقاق يدل عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. وَمن بعدهمْ، فَمِمَّنْ ذهب إِلَيْهِ من الصَّحَابَة: عَائِشَة، وَمن التَّابِعين: سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَمن الْأَئِمَّة: مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وأصحابهم، وَذهب ابْن عَبَّاس إِلَى أَن عَاشُورَاء هُوَ الْيَوْم التَّاسِع، وَفِي (المُصَنّف) : عَن الضَّحَّاك: عَاشُورَاء الْيَوْم التَّاسِع، وَفِي (الْأَحْكَام) لِابْنِ بزيزة: اخْتلف الصَّحَابَة فِيهِ: هَل هُوَ الْيَوْم التَّاسِع أَو الْيَوْم الْعَاشِر أَو الْيَوْم الْحَادِي عشر؟ وَفِي (تَفْسِير أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي) : عَاشُورَاء يَوْم الْحَادِي عشر، وَكَذَا ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ، وَاسْتحبَّ قوم صِيَام الْيَوْمَيْنِ جَمِيعًا، رُوِيَ ذَلِك عَن أبي رَافع صَاحب أبي هُرَيْرَة وَابْن سِيرِين، وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه: كَانَ يَصُوم الْيَوْمَيْنِ خوفًا أَن يفوتهُ، وَكَانَ يَصُومهُ فِي السّفر، وَفعله ابْن شهَاب. وَصَامَ أَبُو إِسْحَاق عَاشُورَاء ثَلَاثَة أَيَّام: يَوْمًا قبله وَيَوْما بعده فِي طَرِيق مَكَّة، وَقَالَ: إِنَّمَا أَصوم قبله وَبعده كَرَاهِيَة أَن يفوتني، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه قَالَ: صُومُوا قبله يَوْمًا وَبعده يَوْمًا، وخالفوا الْيَهُود. وَفِي (الْمُحِيط) : وَكره إِفْرَاد يَوْم عَاشُورَاء بِالصَّوْمِ لأجل التَّشَبُّه باليهود، وَفِي (الْبَدَائِع) : وَكره بَعضهم إِفْرَاده بِالصَّوْمِ، وَلم يكرههُ عامتهم، لِأَنَّهُ من الْأَيَّام الفاضلة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي يَوْم عَاشُورَاء، أَي يَوْم هُوَ؟ حَدثنَا هناد وَأَبُو كريب، قَالَا: حَدثنَا وَكِيع عَن حَاجِب بن عمر عَن الحكم بن الْأَعْرَج، قَالَ: انْتَهَيْت إِلَى ابْن عَبَّاس وَهُوَ مُتَوَسِّد رِدَاءَهُ فِي زَمْزَم، فَقلت: أَخْبرنِي عَن يَوْم عَاشُورَاء أَي يَوْم أصومه؟ فَقَالَ: إِذا رَأَيْت هِلَال الْمحرم فأعدد، ثمَّ أصبح من الْيَوْم التَّاسِع صَائِما. قلت: أهكذا كَانَ يَصُومهُ مُحَمَّد ﷺ ؟ قَالَ: نعم، حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا عبد الْوَارِث عَن يُونُس عَن الْحسن عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أَمر رَسُول الله ﷺ بِصَوْم يَوْم عَاشُورَاء الْيَوْم الْعَاشِر. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث ابْن عَبَّاس حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس الأول رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد، وَالثَّانِي انْفَرد بِهِ التِّرْمِذِيّ وَهُوَ مُنْقَطع بَين الْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن عَبَّاس، فَإِنَّهُ لم يسمع مِنْهُ، وَقَول التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن، لم يُوضح مُرَاده، أَي حَدِيثي ابْن عَبَّاس أَرَادَ؟ ! وَقد فهم أَصْحَاب الْأَطْرَاف أَنه أَرَادَ تَصْحِيح حَدِيثه الأول، فَذكرُوا كَلَامه هَذَا عقيب حَدِيثه الأول، فَتبين أَن الحَدِيث الثَّانِي مُنْقَطع وشاذ أَيْضا لمُخَالفَته للْحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَقَدّم. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَن عَاشُورَاء هُوَ التَّاسِع؟ قلت: أَرَادَ ابْن عَبَّاس من قَوْله: فَإِذا أَصبَحت من تاسعه فَأصْبح صَائِما، أَي: صم التَّاسِع مَعَ الْعَاشِر، وَأَرَادَ بقوله: نعم، مَا رُوِيَ من عزمه، ﷺ ، على صَوْم التَّاسِع من قَوْله: لأصومن التَّاسِع. وَقَالَ القَاضِي: وَلَعَلَّ ذَلِك على طَرِيق الْجمع مَعَ الْعَاشِر لِئَلَّا يتشبه باليهود، كَمَا ورد فِي رِوَايَة أُخْرَى: (فصوموا التَّاسِع والعاشر) ، وَذكر رزين هَذِه الرِّوَايَة عَن عَطاء عَنهُ، وَقيل: معنى قَول ابْن عَبَّاس: نعم، أَي نعم يَصُوم التَّاسِع لَو عَاشَ إِلَى الْعَام الْمقبل. وَقَالَ أَبُو عمر: وَهَذَا دَلِيل على أَنه، ﷺ ، كَانَ يَصُوم الْعَاشِر إِلَى أَن مَاتَ، وَلم يزل يَصُومهُ حَتَّى قدم الْمَدِينَة، وَذَلِكَ مَحْفُوظ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، والْآثَار فِي هَذَا الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس مضطربة. النَّوْع الثَّالِث: لِمَ سُمِّيَ الْيَوْم الْعَاشِر عَاشُورَاء؟ اخْتلفُوا فِيهِ، فَقيل: لِأَنَّهُ عَاشر الْمحرم، وَهَذَا ظَاهر، وَقيل: لِأَن الله تَعَالَى أكْرم فِيهِ عشرَة من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بِعشر كرامات. الأول: مُوسَى ﵇، فَإِنَّهُ نصر فِيهِ، وفلق الْبَحْر لَهُ، وغرق فِرْعَوْن وَجُنُوده. الثَّانِي: نوح ﵇ اسْتَوَت سفينته على الجودي فِيهِ. الثَّالِث: يُونُس، ﵇،
следующие страницы →