Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
٨٦ - (بابُ صِيامِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق، وَلم يذكر الحكم لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ، واكتفاء مِمَّا فِي الحَدِيث. وَأَيَّام التَّشْرِيق يُقَال لَهَا: الْأَيَّام المعدودات، وَأَيَّام منى، وَهِي: الْحَادِي عشر وَالثَّانِي عشر وَالثَّالِث عشر من ذِي الْحجَّة، وَسميت أَيَّام التَّشْرِيق لِأَن لُحُوم الْأَضَاحِي تشرق فِيهَا، أَي: تنشر فِي الشَّمْس، وإضافتها إِلَى منى لِأَن الْحَاج فِيهَا فِي منى. وَقيل: لِأَن الْهَدْي لَا ينْحَر حَتَّى تشرق الشَّمْس، وَقيل: لِأَن صَلَاة الْعِيد عِنْد شروق الشَّمْس أول يَوْم مِنْهَا، فَصَارَت هَذِه الْأَيَّام تبعا ليَوْم النَّحْر، وَهَذَا يعضد قَول من يَقُول: يَوْم النَّحْر مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: التَّشْرِيق التَّكْبِير دبر الصَّلَاة وَاخْتلفُوا فِي تعْيين أَيَّام التَّشْرِيق وَالأَصَح أَنَّهَا ثَلَاثَة أَيَّام بعد يَوْم النَّحْر. وَقَالَ بَعضهم: بل أَيَّام النَّحْر، وَعند أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد: لَا يدْخل فِيهَا الْيَوْم الثَّالِث بعد يَوْم النَّحْر.
وَاخْتلفُوا فِي صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق على أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه لَا يجوز صيامها مُطلقًا وَلَيْسَت قَابِلَة للصَّوْم، وَلَا للمتمتع الَّذِي لم يجد الْهَدْي وَلَا لغيره، وَبِه قَالَ عَليّ بن أبي طَالب وَالْحسن وَعَطَاء، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد، وَعَلِيهِ الْعَمَل وَالْفَتْوَى عِنْد أَصْحَابه، وَهُوَ قَول اللَّيْث بن سعد وَابْن علية وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، قَالُوا: إِذا نذر صيامها وَجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا. وَالثَّانِي: أَنه يجوز الصّيام فِيهَا مُطلقًا، وَبِه قَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي من الشَّافِعِيَّة، وَحَكَاهُ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) عَن بعض أهل الْعلم، وَحكى ابْن الْمُنْذر وَغَيره عَن الزبير بن الْعَوام وَأبي طَلْحَة من الصَّحَابَة الْجَوَاز مُطلقًا. وَالثَّالِث: أَنه يجوز للمتمتع الَّذِي لم يجد الْهَدْي وَلم يصم الثَّلَاث فِي أَيَّام الْعشْر، وَهُوَ قَول عَائِشَة وَعبد الله بن عمر وَعُرْوَة بن الزبير وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم، وَقَالَ الْمُزنِيّ: إِنَّه رَجَعَ عَنهُ. وَالرَّابِع: جَوَاز صيامها للمتمتع، وَعَن النّذر: إِن نذر صيامها إِن قدر صِيَام أَيَّام قبلهَا مُتَّصِلَة بهَا، وَهُوَ قَول لبَعض أَصْحَاب مَالك. وَالْخَامِس: التَّفْرِقَة بَين الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلين مِنْهَا وَالْيَوْم الْأَخير، فَلَا يجوز صَوْم الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلين إلَاّ للمتمتع الْمَذْكُور، وَيجوز صَوْم الْيَوْم الثَّالِث لَهُ، وللنذر، وَكَذَا فِي الْكَفَّارَة: إِن صَامَ قبله صياما مُتَتَابِعًا، ثمَّ مرض وَصَحَّ فِيهِ، وَهِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك. وَالسَّادِس: جَوَاز صِيَام الْيَوْم الآخر من أَيَّام التَّشْرِيق مُطلقًا، حَكَاهُ ابْن الْعَرَبِيّ عَن عُلَمَائهمْ، فَقَالَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: صَوْم يَوْم الْفطر وَيَوْم النَّحْر حرَام، وَصَوْم الْيَوْم الرَّابِع لَا نهي فِيهِ. وَالسَّابِع: أَنه يجوز صيامها للمتمتع بِشَرْطِهِ، وَفِي كَفَّارَة الظِّهَار حَكَاهُ ابْن الْعَرَبِيّ عَن مَالك قولا لَهُ. وَالثَّامِن: جَوَاز صيامها عَن كَفَّارَة الْيَمين، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: توقف فِيهِ مَالك. وَالتَّاسِع: أَنه يجوز صيامها للنذر فَقَط، وَلَا يجوز للمتمتع وَلَا غَيره، حَكَاهُ الخراسانيون عَن أبي حنيفَة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لَا يُسَاوِي سَمَاعه. قلت: لم يَصح هَذَا عَن أبي حنيفَة، وَلَا يُسَاوِي سَماع هَذَا النَّقْل.
٦٩٩١ - قَالَ أبُو عَبْدِ الله وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَحْيى عنْ هِشامٍ قَالَ أخبرَنِي أبِي قَالَ كانَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَصُومُ أيَّامَ مِنًى وكانَ أبُوهَا يَصُومُهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِيهَا، وَهُوَ مَوْقُوف على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ لم يُصَرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ لكَونه مَوْقُوفا على عَائِشَة قلت: إِنَّمَا ترك التحديث لِأَنَّهُ أَخذه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى مذاكرة، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من عَادَته، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير. قَوْله: (أَيَّام منى) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (أَيَّام التَّشْرِيق بمنى) . قَوْله: (وَكَانَ أَبوهَا) ، أَي: أَبُو عَائِشَة، وَهُوَ أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (يصومها) أَي: أَيَّام التَّشْرِيق، هَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة غَيرهَا: (وَكَانَ أَبوهُ) ، أَي: أَبُو هِشَام، وَهُوَ عُرْوَة، كَانَ يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق، وَالْقَائِل لهَذَا الْكَلَام أَعنِي: وَكَانَ أَبوهُ هُوَ يحيى الْقطَّان، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة الْقَائِل هُوَ عُرْوَة.
٨٩٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عِيسَى عنِ
стр. 3222
الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ وعنْ سَالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ قالَا لَمْ يُرَخَّصْ فِي أيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يَصُمْنَ إلَاّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِطْلَاق الَّذِي فِيهَا، وَكَانَ إِطْلَاقهَا لأجل الِاخْتِلَاف فِي صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق، فأوضح الْخلاف الَّذِي يتَضَمَّن هَذَا الْإِطْلَاق بأثر عَائِشَة وبأثرها أَيْضا وَأثر ابْن عمر أَن الْجَوَاز لمن لم يجد الْهَدْي لَا مُطلقًا. فَإِن قلت: أثر عَائِشَة الْمَذْكُورَة أَولا مُطلق، وَالثَّانِي مُقَيّد، فَمَا وَجه ذَلِك؟ قلت: يجوز أَن تكون عَائِشَة عدت أَيَّام التَّشْرِيق من أَيَّام الْحَج، وخفي عَلَيْهَا مَا كَانَ من نهي النَّبِي ﷺ عَن الصّيام فِي هَذِه الْأَيَّام، الَّذِي يدل على أَنَّهَا لَا تدخل فِيمَا أَبَاحَ الله، ، صَوْمه من ذَلِك. فَإِن قلت: كَيفَ يخفي عَلَيْهَا هَذَا الْمِقْدَار مَعَ مكانتها فِي الْعلم وقربها من رَسُول الله ﷺ ؟ قلت: هَذَا مِنْهَا احتهاد، والمجتهد قد يخفى عَلَيْهِ مَا لَا يخفى على غَيره.
ذكر رِجَاله وهم تِسْعَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: غنْدر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: عبد الله بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَهُوَ ابْن أخي مُحَمَّد بن أبي ليلى الْفَقِيه الْمَشْهُور، وَكَانَ عبد الله أسن من عَمه مُحَمَّد، وَكَانَ يُقَال: إِنَّه أفضل من عَمه. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. السَّادِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّابِع: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. الثَّامِن: سَالم بن عبد الله بن عمر. التَّاسِع: أَبوهُ عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن عبد الله بن عِيسَى لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، من رِوَايَته عَن جده عبد الرَّحْمَن عَن كَعْب ابْن عجْرَة. وَفِيه: شُعْبَة: سَمِعت عبد الله بن عِيسَى عَن الزُّهْرِيّ، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق النَّضر بن شُمَيْل: عَن شُعْبَة عَن عبد الله بن عِيسَى سَمِعت الزُّهْرِيّ. وَفِيه: وَعَن سَالم هُوَ من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن سَالم فَهُوَ مَوْصُول.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَا) أَي: عَائِشَة وَعبد الله بن عمر. قَوْله: (لم يرخص) ، بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول، كَذَا رَوَاهُ الْحفاظ من أَصْحَاب شُعْبَة. وَقَوله: (يصمن) ، على صِيغَة الْمَجْهُول للْجمع الْمُؤَنَّث أَي: يصام فِيهِنَّ، فَحذف الْجَار، وأوصل الْفِعْل إِلَى الضَّمِير. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة يحيى بن سَلام عَن شُعْبَة عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ والطَّحَاوِي: (رخص رَسُول الله ﷺ للمتمتع إِذا لم يجد الْهَدْي أَن يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق) . قلت: هَذَا لفظ الدَّارَقُطْنِيّ، وَلَفظ الطَّحَاوِيّ، لَيْسَ كَذَلِك، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله ابْن عبد الحكم، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن سَلام، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن ابْن أبي ليلى عَن الزُّهْرِيّ (عَن سَالم عَن أَبِيه أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ فِي الْمُتَمَتّع: إِذا لم يجد الْهَدْي وَلم يصم فِي الْعشْر، أَنه يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق) . وَذكر الطَّحَاوِيّ هَذَا فِي معرض الِاحْتِجَاج لمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، فَإِنَّهُم قَالُوا: للمتمتع، إِذا لم يصم فِي أَيَّام الْعشْر لعدم الْهَدْي، يجوز لَهُ أَن يَصُوم فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَكَذَا الْقَارِن والمحصر، ثمَّ احْتج لأبي حنيفَة وَأَصْحَابه بِحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (خرج مُنَادِي رَسُول الله، ﷺ ، فِي أَيَّام التَّشْرِيق، فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب) . وَأخرجه بِإِسْنَاد حسن. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأحمد والدارمي وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بأطول مِنْهُ. وَفِيه: (إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب) . وَأخرج أَيْضا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (أَمرنِي رَسُول الله، ﷺ ، أَن أنادي أَيَّام منى: إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب، فَلَا صَوْم فِيهَا) . يَعْنِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْند) ، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث عَطاء (عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب) . وَأخرج أَيْضا من حَدِيث سعيد بن أبي كثير: أَن جَعْفَر بن الْمطلب أخبرهُ (أَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ دخل على عَمْرو بن الْعَاصِ فَدَعَاهُ إِلَى الْغَدَاء، فَقَالَ: إِنِّي صَائِم، ثمَّ الثَّانِيَة فَكَذَلِك، ثمَّ الثَّالِثَة فَكَذَلِك، فَقَالَا: لَا إلَاّ أَن تكون سمعته من رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: فَإِنِّي سمعته من رَسُول الله، ﷺ يَعْنِي: النَّهْي عَن الصّيام أَيَّام التَّشْرِيق.
وَأخرج أَيْضا من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار (عَن عبد الله بن حذافة أَن النَّبِي ﷺ أمره أَن يُنَادي فِي أَيَّام التَّشْرِيق: إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب) . وَإِسْنَاده صَحِيح. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث عمر بن أبي سَلمَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب، وَذكر الله
стр. 3223
عز وَجل. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث أبي الْمليح الْهُذلِيّ عَن نُبَيْشَة الْهُذلِيّ عَن النَّبِي ﷺ مثله. وَأخرجه مُسلم وَأخرج أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار أَن نَافِع بن جُبَير أخبرهُ عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالَ عمر: وَقد سَمَّاهُ نَافِع فَنسيته: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ لرجل من بني غفار، وَيُقَال لَهُ: بشر بن سحيم: قُم فَأذن فِي النَّاس، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب، فِي أَيَّام منى. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.
وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث يزِيد الرقاشِي (عَن أنس بن مَالك، قَالَ: نهى النَّبِي ﷺ عَن صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة بعد يَوْم النَّحْر) . وَأخرجه أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) من حَدِيث يزِيد الرقاشِي (عَن أنس: أَن رَسُول الله، ﷺ ، نهى عَن صَوْم خَمْسَة أَيَّام من السّنة، يَوْم الْفطر، وَيَوْم النَّحْر، وَأَيَّام التَّشْرِيق) . وَهَذِه حجَّة قَوِيَّة لِأَصْحَابِنَا فِي حُرْمَة الصَّوْم فِي الْأَيَّام الْخَمْسَة.
وَأخرج أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن جُبَير (عَن معمر بن عبد الله الْعَدوي قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ أؤذن فِي أَيَّام التَّشْرِيق بمنى: لَا يصومن أحد فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب) ، وَأخرجه أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) وَأخرج أَيْضا من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار، وَقبيصَة بن ذُؤَيْب يحدثان عَن أم الْفضل، امْرَأَة عَبَّاس بن عبد الْمطلب، قَالَت: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، بمنى أَيَّام التَّشْرِيق، فَسمِعت مناديا يَقُول: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام طعم وَشرب، وَذكر لله، قَالَت: فَأرْسلت رَسُولا من الرجل وَمن أمره، فَجَاءَنِي الرَّسُول فَحَدثني أَنه رجل يُقَال لَهُ حذافة، يَقُول: أَمرنِي بهَا رَسُول الله، ﷺ .
وَأخرج أَيْضا عمر بن خلدَة الزرقي عَن أمه قَالَت: (بعث رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب فِي أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق، فَنَادَى فِي النَّاس: لَا تَصُومُوا فِي هَذِه الْأَيَّام فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال) . وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُسْنده) . وَأخرج أَيْضا من حَدِيث مَسْعُود بن الحكم الزرقي قَالَ: (حَدَّثتنِي أُمِّي قَالَت: لكَأَنِّي أنظر إِلَى عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على بغلة النَّبِي ﷺ الْبَيْضَاء. حِين قَامَ إِلَى شعب الْأَنْصَار. وَهُوَ يَقُول: يَا معشر الْمُسلمين! إِنَّهَا لَيست بأيام صَوْم، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وَذكر لله . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث مخرمَة بن بكير عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت سُلَيْمَان بن يسَار يزْعم أَنه سمع ابْن الحكم الزرقي يَقُول: حَدثنَا أبي أَنهم كَانُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَسَمِعُوا رَاكِبًا وَهُوَ يصْرخ: لَا يصومن أحد، فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب) . وَابْن الحكم: هُوَ مَسْعُود بن الحكم، وَأَبوهُ الحكم الزرقي ذكره ابْن الْأَثِير فِي الصحاب. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث يحيى بن سعيد أَنه سمع يُوسُف بن مَسْعُود بن الحكم الزرقي يَقُول: حَدَّثتنِي جدتي فَذكر نَحوه، وجدته حَبِيبَة بنت شريق.
وَأخرج أَيْضا من حَدِيث مَسْعُود بن الحكم الْأنْصَارِيّ عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: أَمر النَّبِي، ﷺ ، عبد الله بن حذافة أَن يركب رَاحِلَته أَيَّام منى فَيَصِيح فِي النَّاس: (أَلا لَا يصومن أحد، فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب، قَالَ: فَلَقَد رَأَيْته على رَاحِلَته يُنَادي بذلك) . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد ضَعِيف وَفِي آخِره: (أَلا إِن هَذِه أَيَّام عيد وَأكل وَشرب، وَذكر، فَلَا يصومن إلَاّ محصر أَو متمتع لم يجد هَديا، وَلم يصم فِي أَيَّام الْحَج المتتابعة فليصمهن) ، فَهَذَا الطَّحَاوِيّ أخرج أَحَادِيث النَّهْي عَن الصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق عَن سِتَّة عشر نفسا من الصَّحَابَة، وَهَذَا هُوَ الإِمَام الجهبذ صَاحب الْيَد الطُّولى فِي هَذَا الْفَنّ.
وَفِي الْبَاب حَدِيث أم عَمْرو بن سليم عِنْد أَحْمد، وَعقبَة ابْن عَامر عِنْد التِّرْمِذِيّ، وَحَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَكَعب بن مَالك عِنْد أَحْمد وَمُسلم، وَعبد الله بن عمر وَعند النَّسَائِيّ، وَعَمْرو بن الْعَاصِ عِنْد أبي دَاوُد، وَبُدَيْل بن وَرْقَاء عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَزيد بن خَالِد عِنْد أبي يعلى الْموصِلِي، وَلَفظه: (أَلا إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب وَنِكَاح) ، وَجَابِر عِنْد ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا ثَبت بِهَذِهِ الْآثَار عَن رَسُول الله، ﷺ ، النَّهْي عَن صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق، وَكَانَ نَهْيه عَن ذَلِك بمنى، وَالْحجاج مقيمون بهَا، وَفِيهِمْ المتمتعون والقارنون، وَلم يسْتَثْن مِنْهُم مُتَمَتِّعا وَلَا قَارنا، دخل المتمتعون والقارنون فِي ذَلِك، ثمَّ أجَاب عَن حَدِيثهمْ، وَهُوَ حَدِيث عبد الله بن عمرَان، فِي إِسْنَاده يحيى بن سَلام، أَنه حَدِيث مُنكر لَا يُثبتهُ أهل الْعلم بالرواية لضعف يحيى بن سَلام، وَابْن أبي ليلى وَفَسَاد حفظهما، وَالدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا ضعف يحيى بن سَلام، وَابْن أبي ليلى فِيهِ مقَال، وَكَانَ يحيى بن سعيد يُضعفهُ، وَعَن أَحْمد: كَانَ سيء الْحِفْظ مُضْطَرب الحَدِيث، وَعَن أبي حَاتِم: يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ فَإِن قلت: ابْن أبي ليلى هُوَ عبد الله بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن
стр. 3224
ابْن أبي ليلى، وَهُوَ ثِقَة عِنْد الْكل. قلت: ذكر الطَّحَاوِيّ ابْن أبي ليلى بِفساد حفظه وَضعه يدل على أَنه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، إِذْ لَو كَانَ هُوَ عبد الله بن عِيسَى لما ذكره هَكَذَا، على أَنا نقُول: قد قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: عبد الله بن عِيسَى بن أبي ليلى عِنْدِي مُنكر، وَكَانَ يتشيع، وَأَيْضًا فَالْحَدِيث الَّذِي فِيهِ عبد الله بن عِيسَى لَيْسَ بمرفوع، بِخِلَاف الحَدِيث الَّذِي ذكره الطَّحَاوِيّ وَقد اخْتلفُوا فِي قَول الصَّحَابِيّ: أمرنَا بِكَذَا ونهينا عَن كَذَا، هَل لَهُ حكم الرّفْع؟ على أَقْوَال: ثَالِثهَا إِن أَضَافَهُ إِلَى عهد النَّبِي ﷺ فَلهُ حكم الرّفْع، وإلَاّ فَلَا. وَاخْتلف التَّرْجِيح فِيمَا إِذا لم يضفه ويلتحق بِهِ، رخص لنا فِي كَذَا، أَو عزم علينا أَن لَا نَفْعل كَذَا. فَالْكل فِي الحكم سَوَاء، وَقد حصل الْجَواب عَن أثر عَائِشَة وَابْن عمر عِنْد ذكره عَن عبد الله بن عِيسَى.
٩٩٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ الصِّيامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ فإنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيا ولَمْ يَصُمْ صامَ أيَّامَ مِنىً.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (صَامَ أَيَّام منى) ، لِأَنَّهُ يُوضح إِطْلَاق التَّرْجَمَة كَمَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. قَوْله: (الصّيام) أَي: الصّيام الَّذِي يفعل للمتمتع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج يَنْتَهِي إِلَى يَوْم عَرَفَة، فَإِن لم يجد هَديا، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (فَمن لم يجد) ، وَكَذَا هُوَ فِي (الْمُوَطَّأ) . قَوْله: (صَامَ أَيَّام منى) وَهِي أَيَّام التَّشْرِيق، فَهَذَا وَالَّذِي قبله من الْحَدِيثين يدل على جَوَاز الصَّوْم للمتمتع الَّذِي لَا يجد الْهَدْي فِي أَيَّام التَّشْرِيق، وَإِلَيْهِ مَال البُخَارِيّ، وَعَن هَذَا قَالَ بَعضهم: ويترجح الْجَوَاز. قلت: كَيفَ يتَرَجَّح الْجَوَاز مَعَ رِوَايَة جمَاعَة من الصَّحَابَة مَا يناهز ثَلَاثِينَ صحابيا النَّهْي عَن النَّبِي ﷺ عَن الصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق؟ وَمَعَ هَذَا فَالْبُخَارِي مَا روى فِي هَذَا الْبَاب إلَاّ ثَلَاثَة من الْآثَار مَوْقُوفَة.
وعَنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ
أَي: وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة مثله، أَي: مثل مَا روى ابْن شهَاب عَن سَالم عَن عبد الله بن عمر.
تابَعَهُ إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ
يَعْنِي: تَابع مَالِكًا إِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد الرَّحْمَن فِي رِوَايَته عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَوَصله الشَّافِعِي، قَالَ: أخبرنَا إِبْرَاهِيم ابْن سعد عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، فِي الْمُتَمَتّع: إِذا لم يجد هَديا وَلم يصم قبل عَرَفَة فليصم أَيَّام منى وَعَن سَالم عَن أَبِيه مثله، وَوَصله الطَّحَاوِيّ من وَجه آخر عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، وَعَن سَالم عَن أَبِيه: أَنَّهُمَا كَانَ يرخصان للمتمتع إِذا لم يجد هَديا، وَلم يكن صَامَ قبل عَرَفَة، أَن يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق) . وَأخرجه ابْن أبي شيبَة من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَعَن سَالم عَن ابْن عمر نَحوه، وَالله أعلم.
٩٦ - (بابُ صِيامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم يَوْم عَاشُورَاء، وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.
الأول: فِي بَيَان اشتقاق عَاشُورَاء ووزنه: فاشتقاقه من الْعشْر الَّذِي هُوَ اسْم للعدد الْمعِين، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: عَاشُورَاء معدول عَن عاشرة للْمُبَالَغَة والتعظيم، وَهُوَ فِي الأَصْل صفة لليلة الْعَاشِرَة، لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْعشْر الَّذِي هُوَ اسْم الْفِعْل، وَالْيَوْم مُضَاف إِلَيْهَا، فَإِذا قيل: يَوْم عَاشُورَاء فَكَأَنَّهُ قيل: يَوْم اللَّيْلَة الْعَاشِرَة، إلَاّ أَنهم لما عدلوا بِهِ عَن الصّفة غلبت عَلَيْهَا الإسمية، فاستغنوا عَن الْمَوْصُوف فحذفوا اللَّيْلَة، وَقيل: هُوَ مَأْخُوذ من الْعشْر بِالْكَسْرِ فِي أوراد الْإِبِل: تَقول الْعَرَب: وَردت الْإِبِل عشرا إِذا وَردت الْيَوْم التَّاسِع، وَذَلِكَ لأَنهم يحسبون فِي الإظماء يَوْم الْورْد، فَإِذا قَامَت فِي الرَّعْي يَوْمَيْنِ ثمَّ وَردت فِي الثَّالِثَة، قَالُوا: وَردت ربعا وَإِن رعت ثَلَاثًا، وَفِي الرَّابِع وَردت خمْسا، لأَنهم حسبوا فِي كل هَذَا بَقِيَّة الْيَوْم الَّذِي وَردت فِيهِ قبل الرَّعْي، وَأول الْيَوْم الَّذِي ترد فِيهِ بعده، وعَلى هَذَا القَوْل يكون التَّاسِع عَاشُورَاء. وَأما وَزنه: ففاعولاء،
стр. 3225
قَالَ أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ: عَاشُورَاء مَمْدُود، وَلم يجىء فاعولاء فِي كَلَام الْعَرَب إلَاّ عَاشُورَاء، والضاروراء: اسْم الضراء، والساروراء اسْم للسراء، والدالولاء اسْم للدالة، وخابوراء اسْم مَوضِع. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يَوْم عَاشُورَاء وعاسوراء ممدودان، وَفِي (تثقيف اللِّسَان) للحميري: عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: عاشورا بِالْقصرِ، وَرُوِيَ عَن أبي عمر، قَالَ: ذكر سِيبَوَيْهٍ فِيهِ الْقصر وَالْمدّ بِالْهَمْز، وَأهل الحَدِيث تَرَكُوهُ على الْقصر، وَقَالَ الْخَلِيل: بنوه على: فاعولاء، ممدودا لِأَنَّهَا كلمة عبرانية، وَفِي (الجمهرة) : هُوَ إسم إسلامي لَا يعرف فِي الْجَاهِلِيَّة، لِأَنَّهُ لَا يعرف فِي كَلَامهم: فاعولاء، ورد على هَذَا بِأَن الشَّارِع نطق بِهِ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابه. قَالُوا: بِأَن عَاشُورَاء كَانَ يُسمى فِي الْجَاهِلِيَّة، وَلَا يعرف إلَاّ بِهَذَا الإسم.
النَّوْع الثَّانِي: اخْتلفُوا فِيهِ فِي أَي يَوْم: فَقَالَ الْخَلِيل: هُوَ الْيَوْم الْعَاشِر، والاشتقاق يدل عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. وَمن بعدهمْ، فَمِمَّنْ ذهب إِلَيْهِ من الصَّحَابَة: عَائِشَة، وَمن التَّابِعين: سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَمن الْأَئِمَّة: مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وأصحابهم، وَذهب ابْن عَبَّاس إِلَى أَن عَاشُورَاء هُوَ الْيَوْم التَّاسِع، وَفِي (المُصَنّف) : عَن الضَّحَّاك: عَاشُورَاء الْيَوْم التَّاسِع، وَفِي (الْأَحْكَام) لِابْنِ بزيزة: اخْتلف الصَّحَابَة فِيهِ: هَل هُوَ الْيَوْم التَّاسِع أَو الْيَوْم الْعَاشِر أَو الْيَوْم الْحَادِي عشر؟ وَفِي (تَفْسِير أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي) : عَاشُورَاء يَوْم الْحَادِي عشر، وَكَذَا ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ، وَاسْتحبَّ قوم صِيَام الْيَوْمَيْنِ جَمِيعًا، رُوِيَ ذَلِك عَن أبي رَافع صَاحب أبي هُرَيْرَة وَابْن سِيرِين، وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه: كَانَ يَصُوم الْيَوْمَيْنِ خوفًا أَن يفوتهُ، وَكَانَ يَصُومهُ فِي السّفر، وَفعله ابْن شهَاب. وَصَامَ أَبُو إِسْحَاق عَاشُورَاء ثَلَاثَة أَيَّام: يَوْمًا قبله وَيَوْما بعده فِي طَرِيق مَكَّة، وَقَالَ: إِنَّمَا أَصوم قبله وَبعده كَرَاهِيَة أَن يفوتني، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه قَالَ: صُومُوا قبله يَوْمًا وَبعده يَوْمًا، وخالفوا الْيَهُود. وَفِي (الْمُحِيط) : وَكره إِفْرَاد يَوْم عَاشُورَاء بِالصَّوْمِ لأجل التَّشَبُّه باليهود، وَفِي (الْبَدَائِع) : وَكره بَعضهم إِفْرَاده بِالصَّوْمِ، وَلم يكرههُ عامتهم، لِأَنَّهُ من الْأَيَّام الفاضلة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي يَوْم عَاشُورَاء، أَي يَوْم هُوَ؟ حَدثنَا هناد وَأَبُو كريب، قَالَا: حَدثنَا وَكِيع عَن حَاجِب بن عمر عَن الحكم بن الْأَعْرَج، قَالَ: انْتَهَيْت إِلَى ابْن عَبَّاس وَهُوَ مُتَوَسِّد رِدَاءَهُ فِي زَمْزَم، فَقلت: أَخْبرنِي عَن يَوْم عَاشُورَاء أَي يَوْم أصومه؟ فَقَالَ: إِذا رَأَيْت هِلَال الْمحرم فأعدد، ثمَّ أصبح من الْيَوْم التَّاسِع صَائِما. قلت: أهكذا كَانَ يَصُومهُ مُحَمَّد ﷺ ؟ قَالَ: نعم، حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا عبد الْوَارِث عَن يُونُس عَن الْحسن عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أَمر رَسُول الله ﷺ بِصَوْم يَوْم عَاشُورَاء الْيَوْم الْعَاشِر. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث ابْن عَبَّاس حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس الأول رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد، وَالثَّانِي انْفَرد بِهِ التِّرْمِذِيّ وَهُوَ مُنْقَطع بَين الْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن عَبَّاس، فَإِنَّهُ لم يسمع مِنْهُ، وَقَول التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن، لم يُوضح مُرَاده، أَي حَدِيثي ابْن عَبَّاس أَرَادَ؟ ! وَقد فهم أَصْحَاب الْأَطْرَاف أَنه أَرَادَ تَصْحِيح حَدِيثه الأول، فَذكرُوا كَلَامه هَذَا عقيب حَدِيثه الأول، فَتبين أَن الحَدِيث الثَّانِي مُنْقَطع وشاذ أَيْضا لمُخَالفَته للْحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَقَدّم. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَن عَاشُورَاء هُوَ التَّاسِع؟ قلت: أَرَادَ ابْن عَبَّاس من قَوْله: فَإِذا أَصبَحت من تاسعه فَأصْبح صَائِما، أَي: صم التَّاسِع مَعَ الْعَاشِر، وَأَرَادَ بقوله: نعم، مَا رُوِيَ من عزمه، ﷺ ، على صَوْم التَّاسِع من قَوْله: لأصومن التَّاسِع. وَقَالَ القَاضِي: وَلَعَلَّ ذَلِك على طَرِيق الْجمع مَعَ الْعَاشِر لِئَلَّا يتشبه باليهود، كَمَا ورد فِي رِوَايَة أُخْرَى: (فصوموا التَّاسِع والعاشر) ، وَذكر رزين هَذِه الرِّوَايَة عَن عَطاء عَنهُ، وَقيل: معنى قَول ابْن عَبَّاس: نعم، أَي نعم يَصُوم التَّاسِع لَو عَاشَ إِلَى الْعَام الْمقبل. وَقَالَ أَبُو عمر: وَهَذَا دَلِيل على أَنه، ﷺ ، كَانَ يَصُوم الْعَاشِر إِلَى أَن مَاتَ، وَلم يزل يَصُومهُ حَتَّى قدم الْمَدِينَة، وَذَلِكَ مَحْفُوظ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، والْآثَار فِي هَذَا الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس مضطربة.
النَّوْع الثَّالِث: لِمَ سُمِّيَ الْيَوْم الْعَاشِر عَاشُورَاء؟ اخْتلفُوا فِيهِ، فَقيل: لِأَنَّهُ عَاشر الْمحرم، وَهَذَا ظَاهر، وَقيل: لِأَن الله تَعَالَى أكْرم فِيهِ عشرَة من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بِعشر كرامات. الأول: مُوسَى ﵇، فَإِنَّهُ نصر فِيهِ، وفلق الْبَحْر لَهُ، وغرق فِرْعَوْن وَجُنُوده. الثَّانِي: نوح ﵇ اسْتَوَت سفينته على الجودي فِيهِ. الثَّالِث: يُونُس، ﵇،
стр. 3226
أنجي فِيهِ من بطن الْحُوت. الرَّابِع: فِيهِ تَابَ الله على آدم ﵇، قَالَه عِكْرِمَة. الْخَامِس: يُوسُف ﵇، فَإِنَّهُ أخرج من الْجب فِيهِ. السَّادِس: عِيسَى ﵇، فَإِنَّهُ ولد فِيهِ، وَفِيه رفع. السَّابِع: دَاوُد، ﵇، فِيهِ تَابَ الله عَلَيْهِ. الثَّامِن: إِبْرَاهِيم، ﵇، ولد فِيهِ. التَّاسِع: يَعْقُوب، ﵇، فِيهِ رد بَصَره. الْعَاشِر: نَبينَا مُحَمَّد، ﷺ ، فِيهِ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر.
هَكَذَا ذكرُوا عشرَة من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: ذكر بَعضهم من الْعشْرَة: إِدْرِيس، ﵇، فَإِنَّهُ رفع إِلَى مَكَان فِي السَّمَاء، وَأَيوب، ﵇، فِيهِ كشف الله ضره، وَسليمَان؟ ﵇، فِيهِ أعطي الْملك.
النَّوْع الرَّابِع: اتّفق الْعلمَاء على أَن صَوْم يَوْم عَاشُورَاء سنة وَلَيْسَ بِوَاجِب، وَاخْتلفُوا فِي حكمه أول الْإِسْلَام، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: كَانَ وَاجِبا، وَاخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي على وَجْهَيْن: أشهرهما: أَنه لم يزل سنة من حِين شرع وَلم يَك وَاجِبا قطّ فِي هَذِه الْأمة، وَلكنه كَانَ يتَأَكَّد الِاسْتِحْبَاب، فَلَمَّا نزل صَوْم رَمَضَان صَار مُسْتَحبا دون ذَلِك الِاسْتِحْبَاب. وَالثَّانِي: كَانَ وَاجِبا كَقَوْل أبي حنيفَة، وَقَالَ عِيَاض: كَانَ بعض السّلف يَقُول: كَانَ فرضا وَهُوَ باقٍ على فرضيته لم ينْسَخ، قَالَ: وانقرض الْقَائِلُونَ بِهَذَا، وَحصل الْإِجْمَاع على أَنه لَيْسَ بِفَرْض، إِنَّمَا هُوَ مُسْتَحبّ.
النَّوْع الْخَامِس: فِي فضل صَوْمه، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي قَتَادَة أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (صِيَام يَوْم عَاشُورَاء إِنِّي أحتسب على الله أَن يكفر السّنة الَّتِي قبله) ، وَرَوَاهُ مُسلم وَابْن مَاجَه أَيْضا وروى ابْن أبي شيبَة بِسَنَد جيد عَن أبي هُرَيْرَة، يرفعهُ: (يَوْم عَاشُورَاء تصومه الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فصوموه أَنْتُم) . وَفِي (كتاب الصّيام) للْقَاضِي يُوسُف، قَالَ ابْن عَبَّاس: (لَيْسَ ليَوْم فضل على يَوْم فِي الصّيام إلَاّ شهر رَمَضَان أَو يَوْم عَاشُورَاء) . وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (سَأَلَ رجل النَّبِي، ﷺ : أَي شَيْء تَأْمُرنِي أَن أَصوم بعد رَمَضَان؟ قَالَ: صم الْمحرم، فَإِنَّهُ شهر الله، وَفِيه يَوْم تَابَ فِيهِ على قوم وَيَتُوب فِيهِ على قوم آخَرين) . وَقَالَ: حسن غَرِيب، وَعند النقاش فِي (كتاب عَاشُورَاء) : (من صَامَ عَاشُورَاء فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر كُله وَقَامَ ليله) . وَفِي لفظ: (من صَامَهُ يحْتَسب لَهُ بِأَلف سنة من سني الْآخِرَة) .
النَّوْع السَّادِس: مَا ورد فِي صَلَاة لَيْلَة عَاشُورَاء وَيَوْم عَاشُورَاء، وَفِي فضل الْكحل يَوْم عَاشُورَاء لَا يَصح، وَمن ذَلِك حَدِيث جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس رَفعه: (من اكتحل بالإثمد يَوْم عَاشُورَاء لم يرمد أبدا) ، وَهُوَ حَدِيث مَوْضُوع، وَضَعفه قتلة الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: والاكتحال يَوْم عَاشُورَاء لم يروَ عَن رَسُول الله ﷺ فِيهِ أثر، وَهُوَ بِدعَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَمن أغرب مَا رُوِيَ فِيهِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي الصرد: إِنَّه أول طَائِر صَامَ عَاشُورَاء، وَهَذَا من قلَّة الْفَهم، فَإِن الطَّائِر لَا يُوصف بِالصَّوْمِ. قَالَ الْحَاكِم: وَضَعفه قتلة الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: إِطْلَاق الصَّوْم للطائر لَيْسَ بِوَجْه الصَّوْم الشَّرْعِيّ حَتَّى ينْسب قَائِله إِلَى قلَّة الْفَهم، وَإِنَّمَا غَرَضه أَن الطَّائِر أَيْضا يمسك عَن الْأكل يَوْم عَاشُورَاء تَعْظِيمًا لَهُ، وَذَلِكَ بإلهام من الله تَعَالَى، فَيدل ذَلِك على فَضله بِهَذَا الْوَجْه.
٠٠٠٢ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ عنْ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدٍ عنُ سالِمٍ عنْ أبيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ يَوْمَ عاشُورَاءَ إنْ شاءَ صَامَ. (انْظُر الحَدِيث وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِيهَا، ثمَّ أَنه أورد فِيهِ أَحَادِيث وَقدم مِنْهَا مَا هُوَ دالٌّ على عدم وجوب صَوْم عَاشُورَاء، ثمَّ ذكر مَا يدل على التَّرْغِيب فِي صِيَامه.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك ابْن مخلد. الثَّانِي: عمر بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر. الثَّالِث: سَالم بن عبد الله بن عمر. الرَّابِع: عبد الله ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِي رِوَايَة
стр. 3227
مُسلم عَن أبي عَاصِم شيخ البُخَارِيّ فَصرحَ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع إِسْنَاده. وَفِيه: رِوَايَة عمر عَن عَم أَبِيه سَالم بن عبد الله ابْن عمر. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي والبقية مدنيون.
وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن أَحْمد بن عُثْمَان النَّوْفَلِي عَن أبي عَاصِم شيخ البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن شَاءَ صَامَ) ، كَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ من البُخَارِيّ مُخْتَصرا، وَعند ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) عَن أبي مُوسَى عَن أبي عَاصِم بِلَفْظ: (إِن الْيَوْم يَوْم عَاشُورَاء، فَمن شَاءَ فليصمه وَمن شَاءَ فليفطره) ، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: (يَوْم عَاشُورَاء من شَاءَ صَامَهُ وَمن شَاءَ أفطره) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (ذكر عِنْد رَسُول الله ﷺ عَاشُورَاء فَقَالَ: كَانَ يَوْم يَصُومهُ أهل الْجَاهِلِيَّة، فَمن شَاءَ صَامَهُ وَمن شَاءَ تَركه) . وروى الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن عمر وَاللَّيْث بن سعد عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من أحب مِنْكُم أَن يَصُوم يَوْم عَاشُورَاء فليصمه، وَمن لم يحب فليدعه) . وَأخرجه الدَّارمِيّ فِي (سنَنه) : أخبرنَا يعلى عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن نَافِع (عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : هَذَا يَوْم عَاشُورَاء، كَانَت قُرَيْش تصومه فِي الْجَاهِلِيَّة فَمن أحب مِنْكُم أَن يَصُومهُ فليصمه، وَمن أحب مِنْكُم أَن يتْركهُ فليتركه) . وَكَانَ ابْن عمر لَا يَصُوم إلَاّ أَن يُوَافق صِيَامه، وَهَذَا كُله يدل على الِاخْتِيَار فِي صَوْمه.
فَإِن قلت: قد مضى فِي أول كتاب الصَّوْم من حَدِيث ابْن عمر قَالَ: (صَامَ النَّبِي ﷺ عَاشُورَاء وَأمر بصيامه فَلَمَّا فرض رَمَضَان تَركه) ، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ وَاجِبا، وَقد رُوِيَ فِي ذَلِك أَحَادِيث كَثِيرَة. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث حبيب بن هِنْد بن أَسمَاء عَن أَبِيه قَالَ: (بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى قومِي من أسلم، فَقَالَ: قل لَهُم فليصوموا يَوْم عَاشُورَاء، فَمن وجدت مِنْهُم قد أكل فِي صدر يَوْمه فليصم آخِره) . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي (مُسْنده) وَهَذَا أَيْضا يدل على أَن صَوْم عَاشُورَاء كَانَ وَاجِبا. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا: حَدثنَا عَليّ بن شيبَة، قَالَ: حَدثنَا روح، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن عبد الرَّحْمَن بن سَلمَة الْخُزَاعِيّ هُوَ الْمنْهَال عَن عَمه قَالَ: (غدونا على رَسُول الله ﷺ صَبِيحَة يَوْم عَاشُورَاء، وَقد تغدينا، فَقَالَ: أصمتم هَذَا الْيَوْم فَقُلْنَا: قد تغدينا. فَقَالَ: أَتموا بَقِيَّة يومكم) . وَقد اسْتدلَّ بِهِ من كَانَ يَقُول: إنَّ صَوْم يَوْم عَاشُورَاء كَانَ فرضا لِأَنَّهُ ﷺ أَمرهم بإتمام بَقِيَّة يومهم ذَلِك بعد أَن تغدوا فِي أول يومهم، فَهَذَا لم يكن إلَاّ فِي الْوَاجِب. وَأجِيب: عَن هَذَا بِوُجُوه: الأول: قَالَه الْبَيْهَقِيّ: بِأَن هَذَا الحَدِيث ضَعِيف، لِأَن عبد الرَّحْمَن فِيهِ مَجْهُول ومختلف فِي اسْم أَبِيه، وَلَا يدْرِي من عَمه، ورد عَلَيْهِ بِأَن النَّسَائِيّ أخرجه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن هَذَا عَن عَمه (أَن أسلم أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَ: أصمتم يومكم هَذَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَأتمُّوا بَقِيَّة يومكم واقضوا) . وَعبد الرَّحْمَن بن سَلمَة وَيُقَال: ابْن مسلمة الْخُزَاعِيّ، وَيُقَال: ابْن منهال بن مسلمة الْخُزَاعِيّ ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَعَمه صَحَابِيّ لم يذكر اسْمه، وجهالة الصَّحَابِيّ لَا تضر صِحَة الحَدِيث. الْوَجْه الثَّانِي: مَا قيل بِأَن هَذَا كَانَ حكما خَاصّا بعاشوراء، ورخصة لَيست لسواه، وَزِيَادَة فِي فَضله وتأكيد صَوْمه، وَذهب إِلَى ذَلِك ابْن حبيب الْمَالِكِي. الْوَجْه الثَّالِث: مَا قَالَه الْخطابِيّ: كَانَ ذَلِك على معنى الِاسْتِحْبَاب والإرشاد لأوقات الْفضل، لِئَلَّا يغْفل عَنهُ عِنْد مصادفة وقته، ورد هَذَا أَيْضا بِأَن الظَّاهِر أَن هَذَا كَانَ لأجل فَرضِيَّة صَوْم يَوْم عَاشُورَاء، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالنَّسَائِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: (فَأتمُّوا بَقِيَّة يومكم واقضوه) . فَهَذَا صَرِيح فِي دلَالَته على الْفَرْضِيَّة، لِأَن الْقَضَاء لَا يكون إلَاّ فِي الْوَاجِبَات.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (زياداته على الْمسند) من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَصُوم عَاشُورَاء وَيَأْمُر بصيامه، وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث مُحَمَّد بن صَيْفِي، قَالَ: (قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ يَوْم عَاشُورَاء: مِنْكُم أحد طعم الْيَوْم؟ قُلْنَا: منا من طعم وَمنا من لم يطعم. قَالَ: أَتموا بَقِيَّة يومكم، من كَانَ طعم وَمن لم يطعم، فأرسلوا إِلَى أهل الْعرُوض فليتموا بَقِيَّة يومهم) . قَالَ: يَعْنِي بِأَهْل الْعرُوض حول الْمَدِينَة. وَمِنْهَا: حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع، على مَا يَجِيء. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس على مَا يَجِيء. وَمِنْهَا: حَدِيث الرّبيع بنت معوذ على مَا يَجِيء. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن الزبير. قَالَ، وَهُوَ على الْمِنْبَر: (هَذَا يَوْم عَاشُورَاء فصوموه، فَإِن رَسُول الله ﷺ أَمر بصومه) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث عَائِشَة بِلَفْظ: (أَن النَّبِي ﷺ أَمر بصيام عَاشُورَاء يَوْم الْعَاشِر) ، وَرِجَاله رجال
стр. 3228
الصَّحِيح. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط أَن أَبَا مُوسَى قَالَ يَوْم عَاشُورَاء: (صُومُوا هَذَا الْيَوْم فَإِن النَّبِي ﷺ أمرنَا بصومه. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة سعيد بن الْمسيب أَنه سمع مُعَاوِيَة على الْمِنْبَر يَوْم عَاشُورَاء يَقُول: (سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَأْمر بصيام هَذَا الْيَوْم) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ صَائِما يَوْم عَاشُورَاء، فَقَالَ لأَصْحَابه: (من كَانَ أصبح صَائِما فليتم صَوْمه، وَمن أكل من غداء أَهله فليتم بَقِيَّة يَوْمه) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (أمرنَا رَسُول الله ﷺ بِيَوْم عَاشُورَاء أَن نصومه) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي سعيد: أَن النَّبِي ﷺ ذكر يَوْم عَاشُورَاء فَعظم مِنْهُ، قُم قَالَ لمن حوله: (من كَانَ لم يطعم مِنْكُم فليصم يَوْمه هَذَا، وَمن كَانَ قد طعم مِنْكُم فليصم بَقِيَّة يَوْمه) ، وَرِجَاله ثِقَات. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت بِلَفْظ: (بعث رَسُول الله ﷺ أَسمَاء بن عبد الله يَوْم عَاشُورَاء، فَقَالَ: إئت قَوْمك، فَمن أدْركْت مِنْهُم لم يَأْكُل فليصم، وَمن طعم فليصم) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث خباب بن الأرتَّ: (أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَوْم عَاشُورَاء: أَيهَا النَّاس ﴿من كَانَ مِنْكُم أكل فَلَا يَأْكُل بَقِيَّة يَوْمه، وَمن نوى مِنْكُم الصَّوْم فليصمه) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث معبد الْقرشِي أَنه قَالَ لرجل أَتَاهُ بِقديد: (أطعمت الْيَوْم شَيْئا؟ قَالَ: إِنِّي شربت مَاء﴾ قَالَ: فَلَا تطعم شَيْئا حَتَّى تغرب الشَّمْس، وَأمر من وَرَاءَك أَن يَصُومُوا هَذَا الْيَوْم) ، وَرِجَاله ثِقَات. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مجزأَة بن زَاهِر عَن أَبِيه بِلَفْظ: (سَمِعت مُنَادِي رَسُول الله ﷺ يَوْم عَاشُورَاء وَهُوَ يَقُول: من كَانَ صَائِما الْيَوْم فليتم صَوْمه، وَمن لم يكن صَائِما فليتم مَا بَقِي، وليصم) وَرِجَال الْبَزَّار ثِقَات. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن بدر من رِوَايَة ابْنه بعجة: أَن أَبَاهُ أخبرهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُم يَوْمًا: (هَذَا يَوْم عَاشُورَاء فصوموه) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث رزينة، وَقد ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى.
قلت: روى مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْمُرنَا بِصَوْم يَوْم عَاشُورَاء، ويحثنا عَلَيْهِ ويتعاهدنا عِنْده، فَلَمَّا فرض رَمَضَان لم يَأْمُرنَا وَلم ينهنا عَنهُ، وَلم يتعاهدنا عِنْده، وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث قيس بن سعد، قَالَ: أَمر رَسُول الله ﷺ بصيام عَاشُورَاء، فَلَمَّا نزل رَمَضَان لم يَأْمُرنَا وَلم ينهنا، وَنحن نفعله. وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن يزِيد قَالَ: دخل الْأَشْعَث بن قيس على عبد الله وَهُوَ يتغدى، فَقَالَ: يَا با مُحَمَّد ادن إِلَى الْغَدَاء! فَقَالَ: أوليس الْيَوْم يَوْم عَاشُورَاء؟ قَالَ: وَهل تَدْرِي مَا يَوْم عَاشُورَاء؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ يَوْم كَانَ رَسُول الله ﷺ يَصُومهُ قبل أَن ينزل شهر رَمَضَان، فَلَمَّا نزل رَمَضَان ترك. وَقَالَ أَبُو كريب: تَركه.
فَفِي هَذِه الْآثَار نسخ وجوب صَوْم يَوْم عَاشُورَاء، وَدَلِيل أَن صَوْمه قد رد إِلَى التَّطَوُّع بعد أَن كَانَ فرضا. وَاخْتلف أهل الْأُصُول أَن مَا كَانَ فرضا إِذا نسخ هَل تبقى الْإِبَاحَة أم لَا؟ وَهِي مَسْأَلَة مَشْهُورَة بَينهم، وَسَيَأْتِي أَن حَدِيث عَائِشَة وَمُعَاوِيَة يدلان على مَا دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة.
١٠٠٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ الله ﷺ أَمر بِصِيامِ يَوْمِ عاشُورَاءَ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضانُ كانَ مَنْ شاءَ صامَ ومنْ شاءَ أفطَرَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد ذكر غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا بِهَذَا الْإِسْنَاد، فَهَذَا أَيْضا يدل على انتساخ وجوب صَوْم يَوْم عَاشُورَاء، وَفرض رَمَضَان كَانَ فِي السّنة الثَّانِيَة.
٢٠٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ يَوْمُ عاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجاهِلِيَّةِ وكانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 3229
يصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ المَدينَةَ صامَهُ وأمَرَ بِصِيامِهِ فَلَمَّا فرِضَ رَمضانُ تَرَكَ يَوْمَ عاشُورَاءَ فَمَنْ شاءَ صامَهُ ومَنْ شاءَ تَرَكَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث الَّذِي مضى فِي أول الْبَاب، وَهُوَ طَرِيق آخر عَن عَائِشَة. قَوْله: (تصومه قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة) ، يَعْنِي: قبل الْإِسْلَام. قَوْله: (وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَصُومهُ) ، يَعْنِي: قبل الْهِجْرَة، وَقَالَ بَعضهم: إِن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يصومونه، وَأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَصُومهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، أَي: قبل أَن يُهَاجر إِلَى الْمَدِينَة. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام غير موجه لِأَن الْجَاهِلِيَّة إِنَّمَا هِيَ قبل الْبعْثَة، فَكيف يَقُول: وَإِن النَّبِي ﷺ كَانَ يَصُومهُ فِي الْجَاهِلِيَّة؟ ثمَّ يفسره بقوله: أَي (قبل الْهِجْرَة) وَالنَّبِيّ ﷺ أَقَامَ نَبيا فِي مَكَّة ثَلَاثَة عشرَة سنة؟ فَكيف يُقَال: صَوْمه كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة؟ قَوْله: (فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة) ، وَكَانَ قدومه فِي ربيع الأول. قَوْله: (صَامَهُ) أَي: صَامَ يَوْم عَاشُورَاء على عَادَته.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد البُخَارِيّ، وَهَذَا أَيْضا يدل على النّسخ.
ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بنَ أبِي سُفْيانَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَوْمَ عاشُوراءَ عامَ حَجَّ عَلَى المِنْبَرِ يقُولُ يَا أهْلَ المَدِينَةِ أيْنَ عُلَماؤكُمْ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ هَذَا يَوْمُ عاشُوراءَ ولَمْ يُكْتَبُ عَلَيُكمَ صِيامهُ وَأَنا صَائِمٌ فَمَنْ شاءَ فَلْيَصُمْ ومنْ شاءَ فلْيُفْطِرْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة مَا قبله، وَحميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن حَرْمَلَة وَعَن أبي الطَّاهِر وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي.
قَوْله: (عَام حج) قَالَ الطَّبَرِيّ: أَي أول حجَّة حَجهَا مُعَاوِيَة بعد أَن اسْتخْلف، كَانَت فِي أَربع وَأَرْبَعين، وَآخر حجَّة حَجهَا سنة سبع وَخمسين. وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر أَن المُرَاد بهَا فِي هَذَا الحَدِيث الْحجَّة الْأَخِيرَة. قلت: يحْتَمل هَذِه الْحجَّة وَيحْتَمل تِلْكَ الْحجَّة، وَلَا دَلِيل على الظُّهُور أَن حجَّته الَّتِي قَالَ فِيهَا مَا قَالَ كَانَت هِيَ الْأَخِيرَة. قَوْله: (على الْمِنْبَر) يتَعَلَّق بقوله: (سمع) ، أَي: سَمعه حَال كَونه على الْمِنْبَر بِالْمَدِينَةِ، وَصرح يُونُس فِي رِوَايَته بِالْمَدِينَةِ، وَلَفظه: يُونُس عَن ابْن شهَاب قَالَ: (أَخْبرنِي حميد بن عبد الرَّحْمَن أَنه سمع مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان خَطِيبًا بِالْمَدِينَةِ) يَعْنِي: فِي قدمة قدمهَا خطبهم يَوْم عَاشُورَاء ... الحَدِيث، رَوَاهُ مُسلم عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب عَن يُونُس. قَوْله: (أَيْن عُلَمَاؤُكُمْ؟) قا النَّوَوِيّ الظَّاهِر إِنَّمَا قَالَ هَذَا لما سمع من يُوجِبهُ أَو يحرمه أَو يكرههُ، فَأَرَادَ إعلامهم بِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِب وَلَا محرم وَلَا مَكْرُوه. وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يُرِيد استدعاء موافقتهم، أَو بلغه أَنهم يرَوْنَ صِيَامه فرضا أَو نفلا أَو للتبليغ. قَوْله: (لم يكْتب) ، أَي: لم يكْتب الله تَعَالَى عَلَيْكُم صِيَامه، وَهَذَا كُله من كَلَام النَّبِي، ﷺ ، كَمَا بَينه النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته. قَوْله: (وَأَنا صَائِم) ، فِيهِ دَلِيل على فضل صَوْم يَوْم عَاشُورَاء لِأَنَّهُ لم يَخُصُّهُ بقوله: (وَأَنا صَائِم) إلَاّ لفضل فِيهِ، وَفِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة.
٤٠٠٢ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدثنَا عَبدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الله ابنُ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عنْ أبيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قدِمَ النَّبِي ﷺ المَدِينَةَ فرَأى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عاشُورَاءَ فَقَالَ مَا هَذَا قالُوا هَذَا يَوْمٌ صالِحٌ هَذا يَوْمُ نَجَّى الله بَنِي إسْرَائيلَ مِنْ عَدُوهم فصَامَهُ مُوسَى قَالَ فأنَا أحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصامَهُ وأمَرَ بِصِيامِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا فِي مُطلق الصَّوْم يَوْم عَاشُورَاء، وَهُوَ يتَنَاوَل كل صَوْم بِيَوْم عَاشُورَاء على أَي وصف كَانَ من الْوُجُوب والاستحباب وَالْكَرَاهَة، وَظَاهر حَدِيث ابْن عَبَّاس يدل على الْوُجُوب لِأَنَّهُ ﷺ صَامَ وَأمر بصيامه، وَلَكِن
стр. 3230
نسخ الْوُجُوب وَبَقِي الِاسْتِحْبَاب كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، بعد أَن روى هَذَا الحَدِيث إِن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا صَامَهُ شكرا لله تَعَالَى فِي إِظْهَار مُوسَى، ﵇، على فِرْعَوْن، فَذَلِك على الِاخْتِيَار لَا على الْفَرْض. انْتهى. قلت: وَفِيه بحث، لِأَن لقَائِل أَن يَقُول: لَا نسلم أَن ذَلِك على الِاخْتِيَار دون الْفَرْض، لِأَنَّهُ ﷺ أَمر بصومه، وَالْأَمر الْمُجَرّد عَن الْقَرَائِن يدل على الْوُجُوب، وَكَونه صَامَهُ شكرا لَا يُنَافِي كَونه للْوُجُوب كَمَا فِي سَجْدَة (ص) ، فَإِن أَصْلهَا للشكر مَعَ أَنَّهَا وَاجِبَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري المقعد. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: عبد الله بن سعيد بن جُبَير. الْخَامِس: سعيد بن جُبَير. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن الروَاة الثَّلَاثَة الأول بصريون وَالثَّلَاثَة الْأُخَر كوفيون. وَفِيه: أَن عبد الْوَارِث رَاوِي أبي معمر شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: أَيُّوب عَن عبد الله بن سعيد، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من وَجه آخر: عَن سعيد بن جُبَير، وَالْمَحْفُوظ أَنه عَن أَيُّوب بِوَاسِطَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن زِيَاد بن أَيُّوب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان وَعَن أسماعيل بن يَعْقُوب. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن سهل بن أبي سهل عَن سُفْيَان.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَرَأى الْيَهُود تَصُوم) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَوجدَ الْيَهُود يَصُومُونَ) ، وَفِي لفظ لَهُ: (فَوجدَ الْيَهُود صياما. قَوْله: (فَقَالَ: مَا هَذَا؟) وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ فِي تَفْسِير طه: (فَسَأَلَهُمْ) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فسئلوا عَن ذَلِك، فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْم الَّذِي أظهر الله فِيهِ مُوسَى وَبني إِسْرَائِيل على فِرْعَوْن وَنحن نصومه) . قَوْله: (فصَام) أَي: النَّبِي، ﷺ ، تَعْظِيمًا لَهُ. وَفِي لفظ لَهُ: (قَالُوا: هَذَا يَوْم عَظِيم أنجى الله تَعَالَى فِيهِ مُوسَى وَقَومه وغرق فِرْعَوْن وَقَومه، فصامه مُوسَى، ﵊، شكرا، فَنحْن نصومه) . قَوْله: (فصامه) أَي: النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه صَامَهُ ابْتِدَاء، لِأَنَّهُ قد علم فِي حَدِيث آخر أَنه كَانَ يَصُومهُ قبل قدومه الْمَدِينَة، فعلى هَذَا مَعْنَاهُ أَنه ثَبت على صِيَامه وداوم على مَا كَانَ عَلَيْهِ. قيل: يحْتَمل أَنه كَانَ يَصُومهُ بِمَكَّة ثمَّ ترك صَوْمه، ثمَّ لما علم مَا عِنْد أهل الْكتاب فِيهِ صَامَهُ. فَإِن قيل: ظَاهر أَن الْخَبَر يَقْتَضِي أَنه ﷺ حِين قدم الْمَدِينَة وجد الْيَهُود صياما يَوْم عَاشُورَاء، وَالْحَال أَنه، ﷺ ، قدم الْمَدِينَة فِي ربيع الأول. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد أول علمه بذلك، وسؤاله عَنهُ بعد أَن قدم الْمَدِينَة لَا قبل أَن يقدمهَا علم ذَلِك، وَقيل: فِي الْكَلَام حذف تَقْدِيره: قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة فَأَقَامَ إِلَى يَوْم عَاشُورَاء، فَوجدَ الْيَهُود فِيهِ صياما. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون أُولَئِكَ الْيَهُود كَانُوا يحسبون يَوْم عَاشُورَاء بِحِسَاب السنين الشمسية، فصادف يَوْم عَاشُورَاء بحسابهم الْيَوْم الَّذِي قدم فِيهِ، ﷺ ، الْمَدِينَة. وَفِيه نظر لَا يخفى. قَوْله: (وَأمر بصيامه) ، وللبخاري فِي تَفْسِير يُونُس من طَرِيق أبي بشر: (فَقَالَ لأَصْحَابه: أَنْتُم أَحَق بمُوسَى مِنْهُم فصوموه.
فَإِن قلت: خبر الْيَهُود غير مَقْبُول، فَكيف عمل، ﷺ ، بخبرهم؟ قلت: لَا يلْزم أَن يكون عمله فِي ذَلِك اعْتِمَادًا على خبرهم، لاحْتِمَال أَن الْوَحْي نزل حِينَئِذٍ على وفْق مَا حكوا من قصَّة هَذَا الْيَوْم. وَقيل: إِنَّمَا صَامَهُ بِاجْتِهَادِهِ. وَقيل: إِنَّه أخبرهُ من أسلم مِنْهُم، كَعبد الله بن سَلام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَو كَانَ المخبرون من الْيَهُود عدد التَّوَاتُر، وَلَا يشْتَرط فِي التَّوَاتُر الْإِسْلَام، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: قد ثَبت أَن قُريْشًا كَانَت تصومه، وَأَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يَصُومهُ، فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة صَامَهُ فَلم يحدث لَهُ صَوْم الْيَهُود حكما يحْتَاج إِلَى التَّكَلُّم عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هِيَ صفة حَال وَجَوَاب سُؤال، فَدلَّ أَن قَوْله فِي الحَدِيث: (فصامه) لَيْسَ ابْتِدَاء صَوْمه بذلك حِينَئِذٍ، وَلَو كَانَ هَذَا لوَجَبَ أَن يُقَال: صحّح هَذَا مِمَّن أسلم من عُلَمَائهمْ وَوَثَّقَهُ مِمَّن هذاه من أَحْبَارهم كَابْن سَلام وَبني سعيد وَغَيرهم.
٥٠٠٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا أبُو أُسامَةَ عنْ أبِي عُمَيْسٍ عنْ قيْس بنُ مُسْلِمٍ عنْ طارِقِ بنِ شِهابٍ عنْ أبِي موسَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ يَوْمُ عاشُورَاءَ تَعُدُّهُ الْيَهُودُ عِيدا قَالَ
стр. 3231
النبيُّ ﷺ فصُومُوهُ أنْتُمْ. (الحَدِيث ٥٠٠٢ طرفه فِي: ٢٤٩٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصوموه أَنْتُم) ، فَإِنَّهُ من جملَة مَا يدْخل تَحت إِطْلَاق التَّرْجَمَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة، واسْمه: حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ. الثَّالِث: أَبُو عُمَيْس، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة: واسْمه عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن عبد الله بن عتبَة بن عبد الله بن مَسْعُود الْهُذلِيّ المَسْعُودِيّ. الرَّابِع: قيس بن مُسلم الجدلي العدواني أَبُو عَمْرو. الْخَامِس: طَارق بن شهَاب بن عبد شمس البَجلِيّ الأحمسي أَبُو عبد الله الصَّحَابِيّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رأى النَّبِي ﷺ وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئا. السَّادِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي: بَاب إتْيَان الْيَهُود النَّبِي، ﷺ ، عَن أَحْمد أَو مُحَمَّد بن عبد الله الغداني، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن نمير. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حُسَيْن بن حُرَيْث عَن أبي أُسَامَة عَن أبي عُمَيْس بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تعده الْيَهُود عيدا) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كَانَ يَوْم عَاشُورَاء يَوْمًا تعظمه الْيَهُود وتتخذه عيدا) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: (كَانَ أهل خَيْبَر يَصُومُونَ يَوْم عَاشُورَاء يتخذونه عيدا، وَيلبسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حليهم وشارتهم) . قلت: شارتهم، بالشين الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف رَاء وَهُوَ بِالنّصب عطف على قَوْله: (حليهم) ، وَهُوَ مَنْصُوب بقوله: (يلبسُونَ) ، من الإلباس، قَالَ ابْن الْأَثِير: أَي لباسهم الْحسن الْجَمِيل، وَقَالَ بَعضهم: شارتهم بالشين الْمُعْجَمَة أَي: هيئتهم الْحَسَنَة. قلت: هَذَا التَّفْسِير هُنَا بِهَذِهِ الْعبارَة خطأ فَاحش، وَالتَّفْسِير الصَّحِيح مَا قَالَه ابْن الْأَثِير، وَهُوَ أَن الشارة هُوَ اللبَاس الْحسن الْجَمِيل، وَالتَّفْسِير الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل تَفْسِير الشورة بِالضَّمِّ لِأَن الشورة هِيَ الْجمال والهيئة الْحَسَنَة، وَهنا الشارة وَقع مَفْعُولا لقَوْله: (يلبسُونَ) ، من الإلباس، وَهُوَ يَقْتَضِي الملبس، والملبس لَا يكون الْهَيْئَة، وَإِنَّمَا يكون اللبَاس، فَمن لَهُ أدنى تَمْيِيز يدْرِي هَذَا. قيل: مَا وَجه التَّوْفِيق بَين قَوْله: (عيدا) وَبَين مَا تقدم أَن الْيَهُود تَصُوم يَوْم عَاشُورَاء، وَيَوْم الْعِيد يَوْم الْإِفْطَار؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدهم إِيَّاه عيدا كَونه عيدا، وَلَا من كَونه عيدا الْإِفْطَار لاحْتِمَال أَن صَوْم يَوْم يَوْم الْعِيد جَائِز عِنْدهم، أَو هَؤُلَاءِ الْيَهُود غير يهود الْمَدِينَة، فَوَافَقَ الْمَدَنِيين حَيْثُ عرف أَنه الْحق، وَخَالف غَيرهم لخلافه.
٦٠٠٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عنِ ابنِ عُيَيْنَةَ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبي يَزِيدَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ مَا رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يتَحَرى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرهِ إلَاّ هذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عاشُورَاءَ وهَذَا الشَّهْرَ يعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدْخل تَحت إِطْلَاق التَّرْجَمَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعبيد الله بن أبي يزِيد من الزِّيَادَة، مر فِي الْوضُوء.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان.
قَوْله: (يتحَرَّى) ، من التَّحَرِّي وَهُوَ: الْمُبَالغَة فِي طلب الشَّيْء. قَوْله: (فَضله) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة يَوْم. قَوْله: (وَهَذَا الشَّهْر) ، عطف على: هَذَا الْيَوْم، قيل: كَيفَ صَحَّ هَذَا الْعَطف وَلم يدْخل فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يقدر فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ: وَصِيَام شهر فَضله على غَيره، وَهُوَ من اللف التقديري، أَو يعْتَبر فِي الشَّهْر أَيَّامه يَوْمًا فيوما مَوْصُوفا بِهَذَا الْوَصْف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا: سَبَب تخصيصهما أَن رَمَضَان فَرِيضَة، وعاشوراء كَانَ أَولا فَرِيضَة. وَقَالَ: ورد أَن أفضل الْأَيَّام يَوْم عَرَفَة، والمستفاد من الحَدِيث أَن أفضل الْأَيَّام عَاشُورَاء. قَالَ: فَمَا التلفيق بَينهمَا؟ فَأجَاب: بِأَن عَاشُورَاء أفضل من جِهَة الصَّوْم فِيهِ، وعرفة أفضل من جِهَة أُخْرَى. قَالَ: وَلَو جعل الْهَاء فِي فَضله رَاجعا إِلَى الصّيام لَكَانَ سُقُوط السُّؤَال ظَاهرا. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى، وَقيل: إِنَّمَا جمع ابْن عَبَّاس
стр. 3232
بَين عَاشُورَاء ورمضان، وَإِن كَانَ أَحدهمَا وَاجِبا وَالْآخر مَنْدُوبًا لاشْتِرَاكهمَا فِي حُصُول الثَّوَاب، لِأَن معنى: (يتحَرَّى) أَي: يقْصد صَوْمه لتَحْصِيل ثَوَابه، وَالرَّغْبَة فِيهِ. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى، لِأَن الِاشْتِرَاك فِي الثَّوَاب غير مَقْصُور عَلَيْهِمَا. فَافْهَم.
٧٠٠٢ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْراهِيمَ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ عنْ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أمرَ النبيُّ ﷺ رَجُلاٍ مِنْ أسْلَمَ أنْ أذِّنْ فِي النَّاسِ أنَّ منْ كانَ أكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ومَنْ لَمْ يَكُنْ أكَلَ فَلْيَصُمْ فإنَّ الْيَوْمَ يَوْمَ عاشُورَاءَ. (انْظُر الحَدِيث ٤٢٩١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق، وكل مِنْهُمَا فِي التَّرْغِيب فِي صِيَام عَاشُورَاء، وَقد مضى الحَدِيث فِي أثْنَاء الصَّوْم فِي: بَاب إِذا نوى بِالنَّهَارِ صوما. وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَيزِيد هُوَ ابْن أبي عبيد، وَهُوَ السَّادِس من ثلاثيات البُخَارِيّ، وَهُنَاكَ أَيْضا أخرجه عَن ثَلَاثَة أنفس عَن أبي عَاصِم عَن يزِيد عَن سَلمَة. قَوْله: (من كَانَ أكل فليصم) ، أَي: فليمسك، لِأَن الصَّوْم الْحَقِيقِيّ هُوَ الْإِمْسَاك من أول النَّهَار إِلَى آخِره، وَالله أعلم.
١٣ - (كِتَابُ التَّرَاوِيحِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي باين صَلَاة التَّرَاوِيح، كَذَا وَقع هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَفِي رِوَايَة غَيره لم يُوجد هَذَا، والتراويح جمع ترويحة، وَيجمع أَيْضا على ترويحات، والترويحة فِي الأَصْل اسْم للجلسة، وَسميت بالترويحة لاستراحة النَّاس بعد أَربع رَكْعَات بالجلسة، ثمَّ سميت كل أَربع رَكْعَات ترويحة مجَازًا لما فِي آخرهَا من الترويحة، وَيُقَال: الترويحة اسْم لكل أَربع رَكْعَات، وَأَنَّهَا فِي الأَصْل إِيصَال الرَّاحَة، وَهِي الجلسة. وَفِي (الْمغرب) : روحت بِالنَّاسِ، أَي: صليت بهم التَّرَاوِيح.
١ - (بابُ فَضْلِ مَنْ قامَ رَمَضَانَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من قَامَ رَمَضَان. قَالَ الْكرْمَانِي: اتَّفقُوا على أَن المُرَاد بقيامه صَلَاة التَّرَاوِيح. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِقِيَام رَمَضَان صَلَاة التَّرَاوِيح، وَلَكِن الِاتِّفَاق من أَيْن أَخذه؟ بل المُرَاد من قيام اللَّيْل مَا يحصل بِهِ مُطلق الْقيام، سَوَاء كَانَ قَلِيلا أَو كثيرا.
٨٠٠٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرنِي أبُو سَلَمَةَ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقولُ لِرَمَضَانَ مَنْ قامَهُ إيمَانا واحْتِسَابا غُفِرَ لَهُ مَا تقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل: بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم، وَأَبُو سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن. والْحَدِيث مر فِي: بَاب تطوع قيام رَمَضَان من الْإِيمَان، فِي أَوَائِل كتاب الْإِيمَان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا) الحَدِيث.
قَوْله: (عَن ابْن شهَاب) ، وَفِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم عِنْد النَّسَائِيّ عَن مَالك: (حَدثنِي ابْن شهَاب) . قَوْله: (أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة) ، كَذَا رَوَاهُ عقيل، وَتَابعه يُونُس وَشُعَيْب وَابْن أبي ذِئْب وَمعمر وَغَيرهم، وَخَالفهُ مَالك، فَقَالَ: عَن ابْن شهَاب عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن، بدل أبي سَلمَة. وَقد صَحَّ الطريقان عِنْد البُخَارِيّ، فأخرجهما على الْوَلَاء. وَقد أخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق جوَيْرِية بن أَسمَاء عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ الِاخْتِلَاف فِيهِ، وَصحح الطَّرِيقَيْنِ، وَحكى أَن أَبَا همام رَوَاهُ عَن ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ، فَخَالف الْجَمَاعَة، فَقَالَ: عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (يَقُول لرمضان) أَي: لفضل رَمَضَان أَو لأجل رَمَضَان. قَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن تكون: اللَّام، بِمَعْنى: عَن، أَي: يَقُول عَن رَمَضَان. قلت: هَذَا يبعد، وَإِن كَانَت: اللَّام، تَأتي بِمَعْنى: عَن.
стр. 3233
نَحْو: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا﴾ (مَرْيَم: ٣٧، العنكبوت: ٢١، يس: ٧٤،) . وَجه الْبعد أَن لفظا من مَادَّة القَوْل إِذا اسْتعْمل بِكَلِمَة: عَن، يكون بِمَعْنى النَّقْل، وَهَذَا بعيد جدا، بل غير موجه، وَيجوز أَن تكون اللَّام، هُنَا بِمَعْنى: فِي، أَي: يَقُول فِي رَمَضَان، أَي: فِي فَضله وَنَحْو ذَلِك، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٧٤) . أَي: فِي يَوْم الْقِيَامَة، وَيجوز أَن يكون أَيْضا بِمَعْنى: عِنْد، أَي: تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حق، أَي: مُعْتَقدًا فضيلته، قَالَه النَّوَوِيّ. قَوْله: (واحتسابا) أَي: طلبا للآخرة. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَي نِيَّة وعزيمة وانتصابهما على الْحَال، أَي: مُؤمنا ومحتسبا. قَوْله: (غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) ، ظَاهره يتَنَاوَل كل ذَنْب من الْكَبَائِر والصغائر، وَبِه قطع ابْن الْمُنْذر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَعْرُوف أَنه يخْتَص بالصغائر، وَبِه قطع إِمَام الْحَرَمَيْنِ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: هُوَ مَذْهَب أهل السّنة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، من رِوَايَة قُتَيْبَة عَن سُفْيَان: (وَمَا تَأَخّر) ، وَكَذَا زَادهَا حَامِد بن يحيى عِنْد قَاسم بن أصبغ، وَالْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي فِي كتاب الصّيام لَهُ، وَهِشَام ابْن عمار فِي الْجُزْء الثَّانِي عشر من (فَوَائده) ويوسف بن يَعْقُوب النجاحي فِي (فَوَائده) : كلهم عَن ابْن عُيَيْنَة، ووردت هَذِه الزِّيَادَة أَيْضا من طَرِيق أبي سَلمَة من وَجه آخر أخرجه أَحْمد من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد وَردت هَذِه الزِّيَادَة أَعني لفظ:: (وَمَا تَأَخّر) فِي عدَّة أَحَادِيث فَإِن قلت: الْمَغْفِرَة تستدعي سبق شَيْء من ذَنْب، والمتأخر من الذُّنُوب لم يَأْتِ فَكيف يغْفر؟ قلت: هَذَا كِنَايَة عَن حفظ الله إيَّاهُم من الْكَبَائِر، فَلَا يَقع مِنْهُم كَبِيرَة بعد ذَلِك، وَقيل: مَعْنَاهُ أَن ذنوبهم تقع مغفورة.
٩٠٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ منْ قامَ رَمَضانِ إِيمَانًا واحْتِسابا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَالَ ابنُ شِهابٍ فتُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ والأمْرُ عَلَى ذلِكَ ثُمَّ كانَ الأمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ وصَدْرا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما. .
هَذَا مضى فِي كتاب الْإِيمَان، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) ، أَي: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. قَوْله: (وَالْأَمر على ذَلِك) ، جملَة حَالية وَالْمعْنَى: اسْتمرّ الْأَمر فِي هَذِه الْمدَّة الْمَذْكُورَة على أَن كل أحد يقوم رَمَضَان فِي أَي وَجه كَانَ جمعهم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَالْأَمر على ذَلِك) رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (وَالنَّاس على ذَلِك) ، يَعْنِي: على ترك الْجَمَاعَة فِي التَّرَاوِيح. فَإِن قلت: روى ابْن وهب عَن أبي هُرَيْرَة: (خرج رَسُول الله، ﷺ ، وَإِذا النَّاس فِي رَمَضَان يصلونَ فِي نَاحيَة الْمَسْجِد، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقيل: نَاس يُصَلِّي بهم أبي بن كَعْب. فَقَالَ: أَصَابُوا، ونِعْمَ مَا صَنَعُوا) ذكره ابْن عبد الْبر. قلت: فِيهِ مُسلم بن خَالِد، وَهُوَ ضَعِيف، وَالْمَحْفُوظ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ الَّذِي جمع النَّاس على أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وعنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَبْدِ القَارِيِّ أنَّهُ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَيْلَةً فِي رمَضَانَ إلَى المَسْجِدِ فإذَا النَّاسُ أوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ ويُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ إنِّي أرَى لَوْ جَمَعْتُ هؤلَاءِ عَلَى قاريءٍ واحِدٍ لكَانَ أمْثَلَ ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى والنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قَارِئِهِمْ قَالَ عُمَرُ نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ والَّتِي يَنامُونَ أفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وكانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أوَّلَهُ.
стр. 3234
قَوْله: (عَن ابْن شهَاب) عطف على قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) ، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (عَن عبد الرَّحْمَن ابْن عبد الْقَارِي) بتَشْديد الْيَاء: نِسْبَة إِلَى القارة بن ديش محلم بن غَالب الْمدنِي، وَكَانَ عَامل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على بَيت الْمُسلمين، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة ثَمَانِينَ وَله ثَمَان وَسَبْعُونَ سنة. قَالَ ابْن معِين: هُوَ ثِقَة، وَقيل: إِن لَهُ صُحْبَة. قَوْله: (فَإِذا النَّاس) كلمة: إِذا، للمفاجأة، قَوْله: (أوزاع) ، بِسُكُون الْوَاو بعْدهَا زَاي. قَالَ ابْن الْأَثِير: أَي متفرقون، أَرَادَ أَنهم كَانُوا يتنفلون فِي الْمَسْجِد بعد صَلَاة الْعشَاء مُتَفَرّقين. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أوزاع من النَّاس، أَي: جماعات. قَالَ الْخطابِيّ: لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا قلت: فعلى قَوْله: متفرقون، فِي الحَدِيث يكون صفة: لأوزاع، أَي: جماعات متفرقون، وعَلى قَول ابْن الْأَثِير يكون: متفرقون، تَأْكِيدًا لفظيا. قَوْله: (يُصَلِّي الرجل) ، يجوز أَن يكون الْألف وَاللَّام فِيهِ للْجِنْس أَو للْعهد. قَوْله: (الرَّهْط) مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَيُقَال إِلَى الْأَرْبَعين. قَوْله: (إِنِّي أرى) ، هَذَا من اجْتِهَاد عمر، واستنباطه من إِقْرَار الشَّارِع النَّاس يصلونَ خَلفه لَيْلَتَيْنِ، وقاس ذَلِك على جمع النَّاس على وَاحِد فِي الْفَرْض، وَلما فِي اخْتِلَاف الْأَئِمَّة من افْتِرَاق الْكَلِمَة، وَلِأَنَّهُ أنشط لكثير من النَّاس على الصَّلَاة. قَوْله: (لَكَانَ أمثل) ، أَي: أفضل. وَقيل: أسَدُّ. قَوْله: (فَجَمعهُمْ على أبي بن كَعْب) ، أَي: جعله لَهُم إِمَامًا يُصَلِّي بهم التَّرَاوِيح، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اخْتَارَهُ عملا بقوله، ﷺ : (يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله) . وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق عُرْوَة: (أَن عمر جمع النَّاس على أبي بن كَعْب، فَكَانَ يُصَلِّي بِالرِّجَالِ، وَكَانَ تَمِيم الدَّارِيّ يُصَلِّي بِالنسَاء) . وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر فِي كتاب: قيام اللَّيْل لَهُ من هَذَا الْوَجْه، فَقَالَ: سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة بدل: تَمِيم الدَّارِيّ، وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ فِي وَقْتَيْنِ. قَوْله: (ثمَّ خرجت مَعَه) أَي: مَعَ عمر لَيْلَة أُخْرَى، وَفِيه إِشْعَار بِأَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ لَا يواظب الصَّلَاة مَعَهم، وَكَأَنَّهُ يرى أَن الصَّلَاة فِي بَيته أفضل، وَلَا سِيمَا فِي آخر اللَّيْل، وَعَن هَذَا قَالَ الطَّحَاوِيّ: التَّرَاوِيح فِي الْبَيْت أفضل. قَوْله: (نعم الْبِدْعَة) ، ويروى: (نعمت الْبِدْعَة) ، بِزِيَادَة التَّاء، وَيُقَال: نعم، كلمة تجمع المحاسن كلهَا، وَبئسَ، كلمة تجمع المساوىء كلهَا، وَإِنَّمَا دَعَاهَا بِدعَة لِأَن رَسُول الله، ﷺ ، لم يسنها لَهُم، وَلَا كَانَت فِي زمن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَرغب رَسُول الله، ﷺ ، فِيهَا بقوله: نعم، ليدل على فَضلهَا، وَلِئَلَّا يمْنَع هَذَا اللقب من فعلهَا. والبدعة فِي الأَصْل أَحْدَاث أَمر لم يكن فِي زمن رَسُول الله، ﷺ ، ثمَّ الْبِدْعَة على نَوْعَيْنِ: إِن كَانَت مِمَّا ينْدَرج تَحت مستحسن فِي الشَّرْع فَهِيَ بِدعَة حَسَنَة، وَإِن كَانَت مِمَّا ينْدَرج تَحت مستقبح فِي الشَّرْع فَهِيَ بِدعَة مستقبحة. قَوْله: (وَالَّتِي ينامون عَنْهَا) أَي: الْفرْقَة الَّتِي ينامون عَن صَلَاة التَّرَاوِيح أفضل من الْفرْقَة الَّتِي يقومُونَ. يُرِيد آخر اللَّيْل. وَفِيه تَصْرِيح أَن الصَّلَاة فِي آخر اللَّيْل أفضل من أَوله، وَلم يَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة عدد الرَّكْعَات الَّتِي كَانَ يُصَلِّي بهَا أبي بن كَعْب.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي الْعدَد الْمُسْتَحبّ فِي قيام رَمَضَان على أَقْوَال كَثِيرَة، فَقيل: إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رأى بَعضهم أَن يُصَلِّي إِحْدَى وَأَرْبَعين رَكْعَة مَعَ الْوتر، وَهُوَ قَول أهل الْمَدِينَة، وَالْعَمَل على هَذَا عِنْدهم بِالْمَدِينَةِ. قَالَ شَيخنَا، ﵀: وَهُوَ أَكثر مَا قيل فِيهِ. قلت: ذكر ابْن عبد الْبر فِي (الاستذكار) : عَن الْأسود بن يزِيد كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعِينَ رَكْعَة، ويوتر بِسبع، هَكَذَا ذكره، وَلم يقل: إِن الْوتر من الْأَرْبَعين. وَقيل: ثَمَان وَثَلَاثُونَ، رَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر من طَرِيق ابْن أَيمن عَن مَالك. قَالَ: يسْتَحبّ أَن يقوم النَّاس فِي رَمَضَان بثمان وَثَلَاثِينَ رَكْعَة، ثمَّ يسلم الإِمَام وَالنَّاس، ثمَّ يُوتر بهم بِوَاحِدَة. قَالَ: وَهَذَا الْعَمَل بِالْمَدِينَةِ قبل الْحرَّة مُنْذُ بضع وَمِائَة سنة إِلَى الْيَوْم، هَذَا روى ابْن أَيمن عَن مَالك، وَكَأَنَّهُ جمع رَكْعَتَيْنِ من الْوتر مَعَ قيام رَمَضَان وسماها من قيام رَمَضَان، وإلَاّ فَالْمَشْهُور عَن مَالك سِتّ وَثَلَاثُونَ وَالْوتر بِثَلَاث، وَالْعدَد وَاحِد. وَقيل: سِتّ وَثَلَاثُونَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عمل أهل الْمَدِينَة، وروى ابْن وهب، قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عمر يحدث عَن نَافِع، قَالَ: لم أدْرك النَّاس إلَاّ وهم يصلونَ تسعا وَثَلَاثِينَ رَكْعَة ويوترون مِنْهَا بِثَلَاث وَقيل: أَربع وَثَلَاثُونَ على مَا حُكيَ عَن زُرَارَة بن أوفى أَنه كَذَلِك كَانَ يُصَلِّي بهم فِي الْعشْر الْأَخير، وَقيل: ثَمَان وَعِشْرُونَ، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن زُرَارَة بن أوفى فِي الْعشْرين الْأَوَّلين من الشَّهْر، وَكَانَ سعيد بن جُبَير يَفْعَله فِي الْعشْر الْأَخير. وَقيل: أَربع وَعِشْرُونَ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن سعيد بن جُبَير. وَقيل: عشرُون، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن أَكثر أهل الْعلم، فَإِنَّهُ روى عَن عمر وَعلي وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة.
أما أثر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَرَوَاهُ
стр. 3235
مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) بِإِسْنَاد مُنْقَطع فَإِن قلت: روى عبد الرَّزَّاق فِي (المُصَنّف) عَن دَاوُد بن قيس وَغَيره عَن مُحَمَّد بن يُوسُف (عَن السَّائِب بن يزِيد: أَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جمع النَّاس فِي رَمَضَان على أبي بن كَعْب، وعَلى تَمِيم الدَّارِيّ على إِحْدَى وَعشْرين رَكْعَة يقومُونَ بالمئين وينصرفون فِي بزوغ الْفجْر، قلت: قَالَ ابْن عبد الْبر: هُوَ مَحْمُول على أَن الْوَاحِدَة للوتر. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وروى الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذُبَاب عَن السَّائِب بن يزِيد، قَالَ: كَانَ الْقيام على عهد عمر بِثَلَاث وَعشْرين رَكْعَة. قَالَ ابْن عبد الْبر: هَذَا مَحْمُول على أَن الثَّلَاث للوتر. وَقَالَ شَيخنَا: وَمَا حمله عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثين صَحِيح، بِدَلِيل مَا روى مُحَمَّد بن نصر من رِوَايَة يزِيد بن خصيفَة عَن السَّائِب بن يزِيد أَنهم كَانُوا يقومُونَ فِي رَمَضَان بِعشْرين رَكْعَة فِي زمَان عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَأما أثر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكره وَكِيع عَن حسن بن صَالح عَن عَمْرو بن قيس عَن أبي الْحَسْنَاء عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه أَمر رجلا يُصَلِّي بهم رَمَضَان عشْرين رَكْعَة.
وَأما غَيرهمَا من الصَّحَابَة فَروِيَ ذَلِك عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي قَالَ: أخبرنَا يحيى بن يحيى أخبرنَا حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب، قَالَ: (كَانَ عبد الله بن مَسْعُود يُصَلِّي لنا فِي شهر رَمَضَان) فَيَنْصَرِف وَعَلِيهِ ليل، قَالَ الْأَعْمَش: كَانَ يُصَلِّي عشْرين رَكْعَة ويوتر بِثَلَاث) .
وَأما الْقَائِلُونَ بِهِ من التَّابِعين: فشتير بن شكل، وَابْن أبي مليكَة والْحَارث الْهَمدَانِي وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَأَبُو البحتري وَسَعِيد بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ أَخُو الْحسن وَعبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر وَعمْرَان الْعَبْدي. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر الْفُقَهَاء، وَهُوَ الصَّحِيح عَن أبي بن كَعْب من غير خلاف من الصَّحَابَة. وَقيل: سِتّ عشرَة، فَهُوَ مَرْوِيّ عَن أَب مجلز أَنه كَانَ يُصَلِّي بهم أَربع ترويحات، وَيقْرَأ لَهُم سبع الْقُرْآن فِي كل لَيْلَة، رَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر من رِوَايَة عمرَان بن حدير عَن أبي مجلز.
وَقيل ثَلَاث عشرَة، وَاخْتَارَهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، روى مُحَمَّد بن نصر من طَرِيق بن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن يُوسُف بن عبد الله بن يزِيد ابْن أُخْت نمر عَن جده السَّائِب بن يزِيد، قَالَ: (كُنَّا نصلي فِي زمَان عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي رَمَضَان ثَلَاث عشرَة رَكْعَة، وَلَكِن وَالله مَا كُنَّا نخرج إلَاّ فِي وجاه الصُّبْح، كَانَ القارىء يقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِخَمْسِينَ آيَة وَسِتِّينَ آيَة) . قَالَ ابْن إِسْحَاق: مَا سَمِعت فِي ذَلِك حَدِيثا هُوَ أثبت عِنْدِي وَلَا أَحْرَى بِأَن يكون من حَدِيث السَّائِب، وَذَلِكَ أَن صَلَاة رَسُول الله ﷺ كَانَت من اللَّيْل ثَلَاث عشرَة رَكْعَة. وَقَالَ شَيخنَا: لَعَلَّ هَذَا كَانَ من فعل عمر أَولا، ثمَّ نقلهم إِلَى ثَلَاث وَعشْرين.
وَقيل: إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، وَهُوَ اخْتِيَار مَالك لنَفسِهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بكر الْعَرَبِيّ.
/
١١٠٢ - حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدَّثني مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجِ النبيِّ ﷺ أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى وذَلِكَ فِي رمَضانَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ فِي التَّرَاوِيح، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث تَاما فِي أَبْوَاب التَّهَجُّد فِي: بَاب تحريض النَّبِي ﷺ على قيام اللَّيْل، فَقَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف، قَالَ: أخبرنَا مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة ابْن الزبير (عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، صلى ذَات لَيْلَة فِي الْمَسْجِد، فصلى بِصَلَاتِهِ نَاس، ثمَّ صلى من الْقَابِلَة فَكثر النَّاس، ثمَّ اجْتَمعُوا من اللَّيْلَة الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة، فَلم يخرج إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا أصبح قَالَ: قد رَأَيْت الَّذِي صَنَعْتُم فَلم يَمْنعنِي من الْخُرُوج إِلَيْكُم إلَاّ أَنِّي خشيت أَن يفْرض عَلَيْكُم، وَذَلِكَ فِي رَمَضَان) . وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَهنا أورد هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا جدا، فَذكر من أَوله: أَن رَسُول الله ﷺ صلى، ثمَّ اختصر إِلَى قَوْله فِي آخر الحَدِيث: وَذَلِكَ فِي رَمَضَان. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا فعله ﷺ من صلَاته فِي الليلتين.
٢١٠٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخبرَتْهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ خرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فصَلَّى فِي المَسْجِدِ وصلَّى رِجالٌ بِصلَاتِهِ فأصبَحَ النَّاسُ فتَحَدَّثُوا فاجْتَمَعَ أكثرُ مِنْهُمْ فصَلُّوا معَهُ فأصْبَحَ
стр. 3236
النَّاسُ فتَحَدَّثُوا فكَثُرَ أهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ رسولُ الله ﷺ فصَلَّى فصلَّوْا بِصَلاتِهِ فلَمَ كانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عجَزَ المَسْجِدُ عنْ أهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فتَشَهدَ ثُمَّ قالَ أمَّا بعْدُ فَإنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكانُكُمْ ولَكِنِّي خَشِيتُ أنُ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فتَعْجِزُوا عَنْها، فتُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ والأمرُ علَى ذالِكَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق، وَهَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن مضى فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب من قَالَ فِي الْخطْبَة بعد الثَّنَاء: أما بعد، قَوْله: (فَتوفي رَسُول الله، ﷺ ، وَالْأَمر على ذَلِك) من كَلَام ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ. فَافْهَم.
١ - (بابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل لَيْلَة الْقدر ثَبت فِي رِوَايَة أبي ذَر قبل الْبَاب بَسْمَلَة، وَمعنى لَيْلَة الْقدر: لَيْلَة تَقْدِير الْأُمُور وقضائها وَالْحكم وَالْفضل، يقْضِي الله فِيهَا قَضَاء السّنة، وَهُوَ مصدر قَوْلهم: قدر الله الشَّيْء قدرا وَقدرا، لُغَتَانِ، كالنهر وَالنّهر، وَقدره تَقْديرا بِمَعْنى وَاحِد. وَقيل: سميت بذلك لخطرها وشرفها. وَعَن الزُّهْرِيّ: هِيَ لَيْلَة العظمة والشرف، من قَول النَّاس: فلَان عِنْد الْأَمِير قدر، أَي: جاه ومنزلة. وَيُقَال: قدرت فلَانا أَي عَظمته، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ . أَي: مَا عظموه حق عَظمته، وَقَالَ أَبُو بكر الْوراق: سميت بذلك لِأَن من لم يكن ذَا قدر وخطر يصير فِي هَذِه اللَّيْلَة ذَا قدر وخطر إِذا أدْركهَا وأحياها. وَقيل: لِأَن كل عمل صَالح يُوجد فِيهَا من الْمُؤمن يكون ذَا قدر وَقِيمَة عِنْد الله، لكَونه مَقْبُولًا فِيهَا. وَقيل: لِأَنَّهُ أنزل فِيهَا كتاب ذُو قدر.
стр. 3237
وَقَالَ سهل بن عبد الله: لِأَن الله تَعَالَى يقدر الرَّحْمَة فِيهَا على عباده الْمُؤمنِينَ، وَقيل: لِأَنَّهُ ينزل فِيهَا إِلَى الأَرْض ثَلَاثَة من الْمَلَائِكَة أولي قدر وخطر، وَعَن الْخَلِيل بن أَحْمد: لِأَن الأَرْض يضيق فِيهَا بِالْمَلَائِكَةِ من قَوْله وَيقدر. ﴿وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه﴾ (الطَّلَاق: ٧) . وَقيل: الْقدر هُنَا بِمَعْنى: الْقدر، بِفَتْح الدَّال الَّذِي يواخي الْقَضَاء، وَالْمعْنَى: أَنه يقدر فِيهَا أَحْكَام تِلْكَ السّنة، لقَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم﴾ (الدُّخان: ٤) . وَقيل: إِنَّمَا جَاءَ الْقدر بِسُكُون الدَّال، وَإِن كَانَ الشَّائِع فِي الْقدر الَّذِي هُوَ يواخي الْقَضَاء فتح الدَّال ليعلم أَنه لم يرد بِهِ ذَلِك، وَإِنَّمَا أُرِيد بِهِ تَفْصِيل مَا جرى بِهِ الْقَضَاء، وإظهاره وتحديده فِي تِلْكَ السّنة، لتَحْصِيل مَا يلقى إِلَيْهِم فِيهَا مِقْدَارًا بِمِقْدَار.
وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إنَّا أنزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ وَمَا أدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ (الْقدر: كَامِلَة) .
قَول الله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (فضل لَيْلَة الْقدر) ، أَي: وَفِي بَيَان تَفْسِير قَول الله تَعَالَى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ ... ﴾ (الْقدر: ١) . إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: السُّورَة كلهَا مَذْكُورَة، ومطابقة ذكر هَذِه السُّورَة عقيب التَّرْجَمَة فِي لَيْلَة الْقدر لكَونهَا فِي هَذِه السُّورَة قد ذكرت مكررة لأجل تفضيلها، وَهَذِه السُّورَة مائَة وإثنا عشر حرفا، وَثَلَاثُونَ كلمة، وَخمْس آيَات وَهِي، مَدَنِيَّة، قَالَه الضَّحَّاك وَمُقَاتِل، وَالْأَكْثَر على أَنَّهَا مَكِّيَّة. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: هِيَ أول سُورَة نزلت بِالْمَدِينَةِ.
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ (الْقدر: ١) . أَي: الْقُرْآن جملَة وَاحِدَة فِي لَيْلَة الْقدر، من اللَّوْح الْمَحْفُوظ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، فوضعناه فِي بَيت الْعِزَّة، وأملاه جِبْرِيل، ﵇، على السفرة، ثمَّ كَانَ ينزله جِبْرِيل، ﵇، على مُحَمَّد، ﷺ ، نجوما، فَكَانَ بَين أَوله إِلَى آخِرَة ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ سنة، ثمَّ عجب نبيه، ﷺ ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا لَيْلَة الْقدر﴾ (الْقدر) . يَعْنِي: وَلم تبلغ درايتك غَايَة فَضلهَا، ومنتهى علو قدرهَا. قَوْله: ﴿لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر﴾ (الْقدر) . وَسبب نُزُولهَا مَا ذكره الواحدي بِإِسْنَادِهِ عَن مُجَاهِد، قَالَ: ذكر النَّبِي، ﷺ ، رجلا من بني إِسْرَائِيل لبس السِّلَاح فِي سَبِيل الله ألف شهر، فَعجب الْمُسلمُونَ من ذَلِك، فَأنْزل الله تَعَالَى : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر، وَمَا أَدْرَاك مَا لَيْلَة الْقدر لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر﴾ (الْقدر) . قَالَ: خير من الَّذِي لبس السِّلَاح فِيهَا ذَلِك الرجل. انْتهى. وَذكر بعض الْمُفَسّرين، رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِم، أَنه كَانَ فِي الزَّمن الأول نَبِي يُقَال لَهُ: شمسون، ﵇، قَاتل الْكَفَرَة فِي دين الله ألف شهر وَلم ينْزع الثِّيَاب وَالسِّلَاح، فَقَالَت الصَّحَابَة: يَا لَيْت لنا عمرا طَويلا حَتَّى نُقَاتِل مثله؟ فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَأخْبر، ﷺ ، أَن لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر الَّذِي لبس السِّلَاح فِيهَا شمسون فِي سَبِيل الله، وَالظَّاهِر أَن ذَلِك الرجل الَّذِي ذكره الواحدي هُوَ: شمسون هَذَا،
وَعَن أبي الْخطاب: الْجَارُود ابْن سُهَيْل. حَدثنَا مُسلم بن قُتَيْبَة حَدثنَا الْقَاسِم بن فضل، حَدثنَا عِيسَى بن مَازِن، قَالَ: قلت لِلْحسنِ بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: عَمَدت لهَذَا الرجل فَبَايَعت لَهُ، يَعْنِي: مُعَاوِيَة، فَقَالَ: إِن رَسُول الله، ﷺ ، أرِي بني أُميَّة يعلون منبره خَليفَة بعد خَليفَة، فشق ذَلِك عَلَيْهِ، فَأنْزل الله سُورَة الْقدر. قَالَ الْقَاسِم: فحسبنا ملك بني أُميَّة فَإِذا هُوَ ألف شهر. وَقيل: ذكر رَسُول الله، ﷺ ، يَوْمًا أَرْبَعَة من بني إِسْرَائِيل عبدُوا الله ثَمَانِينَ سنة لم يعصوا طرفَة عين، فعجبت أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، من ذَلِك، فَأَتَاهُ جِبْرِيل، ﵇، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد عجبت أمتك من عبَادَة هَؤُلَاءِ النَّفر ثَمَانِينَ سنة لم يعصوا الله طرفَة عين؟ فقد أنزل الله عَلَيْك خيرا من ذَلِك، ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر﴾ (الْقدر) . الْآيَات، وَقَالَ: هَذَا أفضل مِمَّا عجبت أَنْت وَأمتك، فسر النَّبِي ﷺ وَالنَّاس مَعَه.
وَذكر فِي بعض الْكتب أَن أَبَا عُرْوَة، قَالَ: ذكر رَسُول الله، ﷺ ، يوماأربعة من بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ: عبدُوا الله ثَمَانِينَ عَاما لم يعصوه طرفَة عين، فَذكر أَيُّوب وزَكَرِيا وحزقيل ويوشع بن نون، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، ثمَّ ذكر الْبَاقِي نَحْو مَا ذكرنَا. وَعَن ابْن عَبَّاس: تفكر النَّبِي، ﷺ ، فِي أَعمار أمته وأعمار الْأُمَم السالفة، فَأنْزل الله هَذِه السُّورَة وَخص هَذِه الْأمة بِتَضْعِيف الْحَسَنَات لقصر أعمارهم، وَيُقَال: إِن
стр. 3238
الرجل فِيمَا مضى كَانَ لَا يسْتَحق أَن يُقَال لَهُ: فلَان عَابِد، حَتَّى يعبد الله ألف شهر، وَهِي ثَلَاث وَثَمَانُونَ سنة، وَأَرْبَعَة أشهر، فَجعل الله لأمة مُحَمَّد ﷺ لَيْلَة خيرا من ألف شهر، كَانُوا يعْبدُونَ فِيهَا. وَقيل: مَعْنَاهُ عمل صَالح فِي لَيْلَة الْقدر خير من عمل ألف شهر لَيْسَ فِيهَا لَيْلَة الْقدر.
وَقَالَ مُجَاهِد: سَلام الْمَلَائِكَة وَالروح عَلَيْك تِلْكَ اللَّيْلَة خير من سَلام الْخلق عَلَيْك ألف شهر. قَوْله: ﴿تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح﴾ أَي: جِبْرِيل، عَلَيْهِ وَالسَّلَام، ﴿فِيهَا﴾ أَي: فِي لَيْلَة الْقدر. قَوْله: ﴿من كل أَمر﴾ أَي تنزل من أجل كل أَمر قَضَاهُ الله وَقدره فِي تِلْكَ السّنة إِلَى قَابل تمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله ﴿من كل أَمر﴾ أَي تنزل من أجل كل أَمر قَضَاهُ الله وَقدره فِي تِلْكَ السّنة إِلَى قَابل، تمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله: ( ﴿من كل أَمر﴾ ثمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: ﴿سَلام﴾ أَي: مَا لَيْلَة الْقدر إلَاّ سَلامَة وَخير كلهَا لَيْسَ فِيهَا شَرّ. وَقَالَ الضَّحَّاك: لَا يقدر الله فِي تِلْكَ اللَّيْلَة إلَاّ السَّلامَة كلهَا، فَأَما اللَّيَالِي الْأُخَر فَيَقْضِي فِيهِنَّ الْبلَاء والسلامة. وَقيل: هُوَ تَسْلِيم الْمَلَائِكَة لَيْلَة الْقدر على أهل الْمَسَاجِد من حِين تغيب الشَّمْس إِلَى أَن يطلع الْفجْر، يَمرونَ على كل مُؤمن، وَيَقُولُونَ: السَّلَام عَلَيْك يَا مُؤمن حَتَّى مطلع الْفجْر، أَي إِلَى مطلع الْفجْر، قَرَأَ الْكسَائي وَخلف: مطلع، بِكَسْر اللَّام فَإِنَّهُ مَوضِع الطُّلُوع، وَالْبَاقُونَ بِفَتْح اللَّام، بِمَعْنى: الطُّلُوع.
قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ مَا كانَ فِي القُرْآنِ: مَا أدْرَاكَ، فَقَدْ أعْلَمَهُ. وَمَا قالَ وَمَا يُدْرِيكَ، فإنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ
هَذَا التَّعْلِيق عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَصله مُحَمَّد بن يحيى بن أبي عمر فِي كتاب الْإِيمَان لَهُ من رِوَايَة أبي حَاتِم الرَّازِيّ عَنهُ، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة ... فَذكره بِلَفْظ: كل شَيْء فِي الْقُرْآن ﴿وَمَا أَدْرَاك﴾ فقد أخبرهُ بِهِ، وكل شَيْء فِيهِ: ﴿وَمَا يدْريك﴾ فَلم يُخبرهُ بِهِ، وَقد اعْترض عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحصْر بقوله: ﴿وَمَا يدْريك لَعَلَّه يزكّى﴾ (عبس: ٣) . فَإِنَّهَا نزلت فِي ابْن أم مَكْتُوم، وَقد علم، ﷺ ، بِحَالهِ وَأَنه مِمَّن يزكّى، ونفعته الذكرى. وَقَالَ بَعضهم: وعواه مغلطاي فِيمَا قَرَأت بِخَطِّهِ لتفسير ابْن عُيَيْنَة رِوَايَة سعيد ابْن عبد الرَّحْمَن عَنهُ، وَقد راجعت مِنْهُ نُسْخَة بِخَط الْحَافِظ الضياء فَلم أَجِدهُ فِيهِ. انْتهى. قلت: فِي هَذِه الْعبارَة إساءة الْأَدَب، لَا يخفى ذَلِك على الْمنصف، وَعدم وجدانه ذَلِك فِي نُسْخَة الْحَافِظ الضياء بِخَطِّهِ لَا يسْتَلْزم عَدمه بِخَط غَيره.
٤١٠٢ - حدَّثنا عَلَيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ وإنَّمَا حَفِظَ مِنَ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ منْ صامَ رَمضَانَ إِيمَانًا واحْتِسابا غفِرَ لَهُ مَا تقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومنْ قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا واحْتِسابا غُفِرَ لَهُ مَا تقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمن قَامَ لَيْلَة الْقدر) إِلَى آخِره، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
قَوْله: (قَالَ حفظناه) أَي: قَالَ سُفْيَان: حفظنا هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (وَأَيّمَا حفظ) معترض بَين قَوْله: (حفظناه) وَبَين قَوْله: (من الزُّهْرِيّ) وَقَوله: (من الزُّهْرِيّ) مُتَعَلق بقوله: (حفظناه) ، وَأَيّمَا: بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَكلمَة: مَا، زَائِدَة، وَحفظ بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الْفَاء مصدر من: حفظ، يحفظ، و: أَي، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: وَأي حفظ حفظناه. من الزُّهْرِيّ، يدل عَلَيْهِ: حفظناه أَولا، وَحَاصِله أَنه يصف حفظه بِكَمَال الْأَخْذ وَقُوَّة الضَّبْط، لِأَن إِحْدَى مَعَاني: أَي: للكمال كَمَا تَقول: زيد رجل أَي رجل، أَي: كَامِل فِي صِفَات الرِّجَال، وروى: أَيّمَا حفظ، بِنصب: أَي: على أَنه مفعول مُطلق: لحفظناه، الْمُقدر. وَرَأَيْت فِي نُسْخَة صَحِيحَة مقروءة: وَإِنَّمَا حفظ، بِكَلِمَة: إِن، الَّتِي أضيف إِلَيْهَا كلمة: مَا، للحصر، وَحفظ على صِيغَة الْمَاضِي، فَإِن صحت هَذِه تكون هَذِه الْجُمْلَة من كَلَام عَليّ بن عبد الله شيخ البُخَارِيّ فَافْهَم. قَوْله: (من صَامَ رَمَضَان) ، قد تقدم فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب صَوْم رَمَضَان احتسابا من الْإِيمَان. قَوْله: (وَمن قَامَ لَيْلَة الْقدر) إِلَى آخِره، من زِيَادَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي رِوَايَته هُنَا. وروى التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا هناد، قَالَ: حَدثنَا عَبدة والمحاربي عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من صَامَ رَمَضَان وقامه إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه، وَمن قَامَ لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) ، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح.
تابَعَهُ سُلَيْمانُ بنُ كَثِيرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ
стр. 3239
أَي: تَابع سُفْيَان سُلَيْمَان بن كثير الْعَبْدي الوَاسِطِيّ، وَيُقَال الْبَصْرِيّ فِي رِوَايَته عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَقَالَ بَعضهم: وَصله الذهلي فِي الزهريات. وَلم يزدْ عَلَيْهِ شَيْئا، وَالظَّاهِر أَنه لم يُورد فِيهَا.
٢ - (بابُ الْتِماسِ لَيْلَةِ القَدْرِ فِي السَّبْعِ الأوَاخِرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن التمَاس أَي طلب لَيْلَة الْقدر يَنْبَغِي أَن يكون فِي السَّبع الْأَوَاخِر، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب التمسوا لَيْلَة الْقدر، بِصِيغَة الْأَمر، وَلَفظ: بَاب، فِيهِ منون تَقْدِيره: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ التمسوا، وَهَهُنَا ثَلَاثَة أَسْبَاع: السَّبع الْأَوَائِل فِي الْعشْر الأول من الشَّهْر، والسبع الأواسط فِي الْعشْر الثَّانِي، والسبع الْأَوَاخِر فِي الْعشْر الْأَخير مِنْهُ، وَيكون طلبَهَا فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين، وَالثَّالِث وَالْعِشْرين، وَالْخَامِس وَالْعِشْرين، وَالسَّابِع وَالْعِشْرين. وَجَاء: (اطلبوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر) فَتدخل فِيهَا لَيْلَة التَّاسِع وَالْعِشْرين.
٥١٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنَا مالِكٌ عنْ نافَعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رِجَالاً مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنامِ فِي السَّبْعِ الأواخِرِ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أرى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ فِي السَّبْعِ الأوَاخِرِ فَمَنْ كانَ مُتَحَرِّيهَا فلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأوَاخِرِ. (انْظُر الحَدِيث ٨٥١١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليتحرها فِي السَّبع الْأَوَاخِر) .
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن يحيى بن يحيى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ.
قَوْله: (أروا) بِضَم الْهمزَة، مَجْهُول فعل مَاض من الإراءة، وَقَالَ بَعضهم: أَي: قيل لَهُم فِي الْمَنَام: فِي السَّبع الْأَوَاخِر. قلت: هَذَا التَّفْسِير لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن نَاسا قَالُوا لَهُم إِن لَيْلَة الْقدر فِي السَّبع الْأَوَاخِر، وَلَيْسَ هَذَا تَفْسِير قَوْله: (أروا لَيْلَة الْقدر فِي الْمَنَام) ، بل تَفْسِيره أَن نَاسا أروهم إِيَّاهَا فَرَأَوْا، وعَلى تَفْسِير هَذَا الْقَائِل أخبروا بِأَنَّهَا فِي السَّبع الْأَوَاخِر، وَلَا يسْتَلْزم هَذَا رُؤْيَتهمْ. قَوْله: (فِي السَّبع الْأَوَاخِر) ، لَيْسَ ظرفا للإراءة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَسكت، وَمَعْنَاهُ: إِنَّه صفة لقَوْله: (فِي الْمَنَام) ، أَي: فِي الْمَنَام الْوَاقِع أَو الْكَائِن فِي السَّبع الْأَوَاخِر. قَوْله: (قد تواطأت) أَي: توافقت، وأصل الْكَلِمَة بِالْهَمْزَةِ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير من طَرِيق الزُّهْرِيّ (عَن سَالم عَن أَبِيه أَن نَاسا أروا لَيْلَة الْقدر فِي السَّبع الْأَوَاخِر، وَأَن نَاسا أروا أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (التمسوها فِي السَّبع الْأَوَاخِر) ، وَلم يقل: فِي الْعشْر الْأَوَاخِر، لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ نظر إِلَى الْمُتَّفق عَلَيْهِ من الرؤيتين، فَأمر بِهِ. قَوْله: (فَمن كَانَ متحريها) أَي: طالبها وقاصدها، لِأَن التَّحَرِّي الْقَصْد وَالِاجْتِهَاد فِي الطّلب، ثمَّ إِن هَذَا الحَدِيث دلّ على أَن لَيْلَة الْقدر فِي السَّبع الْأَوَاخِر لَكِن من غير تعْيين.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا، فَقيل: هِيَ أول لَيْلَة من رَمَضَان. وَقيل: لَيْلَة سبع عشرَة. وَقيل: لَيْلَة ثَمَان عشرَة. وَقيل: لَيْلَة تسع عشرَة. وَقيل: لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين. وَقيل: ثَلَاث وَعشْرين. وَقيل: لَيْلَة خمس وَعشْرين. وَقيل: لَيْلَة سبع وَعشْرين. وَقيل: لَيْلَة تسع وَعشْرين. وَقيل: آخر لَيْلَة من رَمَضَان. وَقيل: فِي أشفاع هَذِه الْأَفْرَاد. وَقيل: فِي السّنة كلهَا. وَقيل: جَمِيع شهر رَمَضَان. وَقيل: يتَحَوَّل فِي ليَالِي الْعشْر كلهَا. وَذهب: أَبُو حنيفَة إِلَى أَنَّهَا فِي رَمَضَان، تتقدم وتتأخر. وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: لَا تتقدم وَلَا تتأخر، لَكِن غير مُعينَة. وَقيل: هِيَ عِنْدهمَا فِي النّصْف الْأَخير من رَمَضَان. وَعند الشَّافِعِي فِي الْعشْر الْأَخير لَا تنْتَقل وَلَا تزَال إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ: هِيَ غير مَخْصُوصَة بِشَهْر من الشُّهُور، وَبِه قَالَ الحنفيون، وَفِي (قاضيخان) : الْمَشْهُور عَن أبي حنيفَة أَنَّهَا تَدور فِي السّنة كلهَا، وَقد تكون فِي رَمَضَان، وَقد تكون فِي غَيره، وَصَحَّ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَغَيرهم، وَقد زيف الْمُهلب هَذَا القَوْل. وَقَالَ: لَعَلَّ صَاحبه بناه على دوران الزَّمَان لنُقْصَان الْأَهِلّة، وَهُوَ فَاسد، لِأَن ذَلِك لم يعْتَبر فِي صِيَام رَمَضَان، فَلَا يعْتَبر فِي غَيره حَتَّى تنْتَقل لَيْلَة الْقدر عَن رَمَضَان انْتهى. قلت: تزييفه هَذَا القَوْل فَاسد، لِأَن قَصده تزييف قَول الْحَنَفِيَّة، وَلَا يدْرِي أَنه فِي نفس الْأَمر تزييف
стр. 3240
قَول ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، وَهَذَا جرْأَة مِنْهُ، وَمَعَ هَذَا ماخذ ابْن مَسْعُود كَمَا ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) عَن أبي بن كَعْب أَنه أَرَادَ أَن لَا يتكل النَّاس، وَقَالَ الإِمَام نجم الدّين أَبُو حَفْص عمر النَّسَفِيّ فِي منظومته:
(وَلَيْلَة الْقدر بِكُل الشَّهْر ... دَائِرَة وعيناها فأدر)
وَذهب ابْن الزبير إِلَى لَيْلَة سبع عشرَة، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي، وَعَن عبد الله بن أنيس: لَيْلَة ثَلَاث وَعشْرين، وَعَن ابْن عَبَّاس وَغَيره من جمَاعَة من الصَّحَابَة: لَيْلَة سبع وَعشْرين، وَعَن بِلَال: لَيْلَة أَربع وَعشْرين، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَيْلَة تسع عشرَة. وَقيل: هِيَ فِي الْعشْر الْأَوْسَط وَالْعشر الْأَخير. وَقيل: فِي أشفاع الْعشْر الْأَوَاخِر. وَقيل: فِي النّصْف من شعْبَان.
وَقَالَ الشِّيعَة: إِنَّهَا رفعت، وَكَذَا حكى الْمُتَوَلِي فِي (التَّتِمَّة) عَن الروافض، وَكَذَا حكى الْفَاكِهَانِيّ فِي (شرح الْعُمْدَة) عَن الْحَنَفِيَّة. قلت: هَذَا النَّقْل عَن الْحَنَفِيَّة غير صَحِيح، وَقَوله ﷺ : (التمسوها فِي كَذَا وَكَذَا) يرد عَلَيْهِم، وَقد روى عبد الرَّزَّاق من طَرِيق دَاوُد بن أبي عَاصِم عَن عبد الله بن خُنَيْس: قلت لأبي هُرَيْرَة: زَعَمُوا أَن لَيْلَة الْقدر رفعت؟ قَالَ: كذب من قَالَ ذَلِك، وَقَالَ ابْن حزم: فَإِن كَانَ الشَّهْر تسعا وَعشْرين، فَهِيَ فِي أول الْعشْر الْأَخير بِلَا شكّ، فَهِيَ إِمَّا فِي لَيْلَة عشْرين أَو لَيْلَة إثنين وَعشْرين أَو لَيْلَة أَربع وَعشْرين، أول لَيْلَة سِتّ وَعشْرين، أَو لَيْلَة ثَمَان وَعشْرين. وَإِن كَانَ الشَّهْر ثَلَاثِينَ فَأول الْعشْر الْأَوَاخِر بِلَا شكّ، إِمَّا لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين، أَو لَيْلَة ثَلَاث وَعشْرين، أَو لَيْلَة خمس أَو لَيْلَة سبع أَو لَيْلَة تسع وَعشْرين فِي وترها. وَعَن ابْن مَسْعُود: أَنَّهَا لَيْلَة سبع عشرَة من رَمَضَان، لَيْلَة بدر، وَحَكَاهُ ابْن أبي عَاصِم أَيْضا عَن زيد بن أَرقم.
وَقيل: إِن لَيْلَة الْقدر خَاصَّة بِسنة وَاحِدَة، وَقعت فِي زمن النَّبِي ﷺ ، وَحَكَاهُ الفاكهي. وَقيل: خَاصَّة بِهَذِهِ الْأمة، وَلم تكن فِي الْأُمَم قبلهم، جزم بِهِ ابْن حبيب وَغَيره من الْمَالِكِيَّة، وَنَقله عَن الْجُمْهُور صَاحب (الْعدة) من الشَّافِعِيَّة وَرجحه، وَيرد عَلَيْهِم مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي ذَر حَيْثُ قَالَ فِيهِ: (قلت: يَا رَسُول الله! أتكون مَعَ الْأَنْبِيَاء فَإِذا مَاتُوا رفعت؟ قَالَ: بل هِيَ بَاقِيَة) . فَإِن قلت: روى مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : بَلغنِي أَن رَسُول الله ﷺ تقاصر أَعمار أمته عَن أَعمار الْأُمَم الْمَاضِيَة. فَأعْطَاهُ الله تَعَالَى لَيْلَة الْقدر. قلت: هَذَا مُحْتَمل للتأويل، فَلَا يدْفع الصَّرِيح فِي حَدِيث أبي ذَر، وَذكر بَعضهم فِيهَا خَمْسَة وَأَرْبَعين قولا، وأكثرها يتداخل، وَفِي الْحَقِيقَة يقرب من خَمْسَة وَعشْرين. فَإِن قلت: مَا وَجه هَذِه الْأَقْوَال؟ قلت: مَفْهُوم الْعدَد لَا اعْتِبَار لَهُ، فَلَا مُنَافَاة. وَعَن الشَّافِعِي: وَالَّذِي عِنْدِي أَنه ﷺ كَانَ يُجيب على نَحْو مَا يسْأَل عَنهُ، يُقَال لَهُ: نلتمسها فِي لَيْلَة كَذَا؟ فَيَقُول: التمسوها فِي لَيْلَة كَذَا. وَقيل: إِن رَسُول الله، ﷺ ، لم يحدث بميقاتها جزما، فَذهب كل وَاحِد من الصَّحَابَة بِمَا سَمعه، والذاهبون إِلَى سبع وَعشْرين هم الْأَكْثَرُونَ.
١٢٢ - (حَدثنَا معَاذ بن فضَالة قَالَ حَدثنَا هِشَام عَن يحيى عَن أبي سَلمَة قَالَ سَأَلت أَبَا سعيد وَكَانَ لي صديقا فَقَالَ اعتكفنا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - الْعشْر الْأَوْسَط من رَمَضَان فَخرج صَبِيحَة عشْرين فَخَطَبنَا وَقَالَ إِنِّي أريت لَيْلَة الْقدر ثمَّ أنسيتها أَو نسيتهَا فالتمسوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر فِي الْوتر وَإِنِّي رَأَيْت أَنِّي أَسجد فِي مَاء وطين فَمن كَانَ اعْتكف مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فَليرْجع فرجعنا وَمَا نرى فِي السَّمَاء قزعة فَجَاءَت سَحَابَة فمطرت حَتَّى سَالَ سقف الْمَسْجِد وَكَانَ من جريد النّخل وأقيمت الصَّلَاة فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - يسْجد فِي المَاء والطين حَتَّى رَأَيْت أثر الطين فِي جَبهته) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فالتمسوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر " وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة مِنْهَا فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب السُّجُود على الْأنف فِي الطين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى عَن همام بن يحيى عَن أبي سَلمَة وَهنا أخرجه عَن معَاذ بن فضَالة بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة عَن هِشَام الدستوَائي عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن
стр. 3241
وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب السُّجُود على الْأنف فِي الطين ونتكلم أَيْضا زِيَادَة للْبَيَان فَقَوله " أَبَا سعيد " هُوَ الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك وَهنا لم يذكر المسؤل عَنهُ فِي هَذِه الطَّرِيق وَفِي رِوَايَة عَليّ بن الْمُبَارك تَأتي فِي الِاعْتِكَاف " سَأَلت أَبَا سعيد هَل سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يذكر لَيْلَة الْقدر فَقَالَ نعم " فَذكر الحَدِيث وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق معمر عَن يحيى تَذَاكرنَا لَيْلَة الْقدر فِي نفر من قُرَيْش فَأتيت أَبَا سعيد فَذكره وَفِي رِوَايَة همام عَن يحيى فِي بَاب السُّجُود فِي المَاء والطين من صفة الصَّلَاة " انْطَلَقت إِلَى أبي سعيد فَقلت أَلا تخرج بِنَا إِلَى النّخل نتحدث فَخرج فَقلت حَدثنِي مَا سَمِعت من النَّبِي ﷺ َ - فِي لَيْلَة الْقدر " فَأفَاد بَيَان سَبَب السُّؤَال قَوْله " اعتكفنا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - الْعشْر الْأَوْسَط " هَكَذَا وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات وَالْمرَاد من الْعشْر اللَّيَالِي وَكَانَ من حَقّهَا أَن تُوصَف بِلَفْظ التَّأْنِيث لِأَن الْمَشْهُور فِي الِاسْتِعْمَال تَأْنِيث الْعشْر وَأما تذكيره فَهُوَ بِاعْتِبَار الْوَقْت أَو الزَّمَان وَوَقع فِي الْمُوَطَّأ الْعشْر الْوسط بِضَم الْوَاو وَفتح السِّين جمع وسطى مثل كبر وكبرى وَرَوَاهُ الْبَاجِيّ فِي الْمُوَطَّأ بإسكانها على أَنه جمع وَاسِط كبازل وبزل وَوَقع فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ كَانَ يُجَاوز الْعشْر الَّتِي فِي وسط الشَّهْر وَفِي رِوَايَة مَالك الْآتِيَة فِي أول الِاعْتِكَاف كَانَ يعْتَكف وَفِي رِوَايَة لمُسلم من طَرِيق أبي نَضرة " عَن أبي سعيد اعْتكف الْعشْر الْأَوْسَط من رَمَضَان يلْتَمس لَيْلَة الْقدر قبل أَن تبان لَهُ قَالَ فَلَمَّا انقضين أَمر بِالْبِنَاءِ فقوض ثمَّ أبينت لَهُ أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر فَأمر بِالْبِنَاءِ فأعيد " وَزَاد فِي رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم أَنه اعْتكف الْعشْر الأول ثمَّ اعْتكف الْعشْر الْأَوْسَط ثمَّ اعْتكف الْعشْر الْأَوَاخِر وَمثله فِي رِوَايَة همام الْمَذْكُورَة وَزَاد فِيهَا أَن جِبْرِيل ﵇ أَتَاهُ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقَالَ لَهُ إِن الَّذِي تطلب أمامك " بِفَتْح الْهمزَة أَي قدامك قَالَ الطَّيِّبِيّ وصف الأول والأوسط بالمفرد والأخير بِالْجمعِ إِشَارَة إِلَى تصور لَيْلَة الْقدر فِي كل لَيْلَة من ليَالِي الْعشْر الْأَخير دون الْأَوَّلين قَوْله " فَخرج صَبِيحَة عشْرين فَخَطَبنَا " (فَإِن قلت) يشكل على هَذَا رِوَايَة مَالك من حَدِيث أبي سعيد على مَا يَأْتِي فَإِن فِيهِ كَانَ " يعْتَكف فِي الْعشْر الْأَوْسَط من رَمَضَان فاعتكف عَاما حَتَّى إِذا كَانَ لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي يخرج من صبيحتها من اعْتِكَافه " (قلت) معنى قَوْله " وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي يخرج من صبيحتها أَي من الصُّبْح الَّذِي قبلهَا فَيكون فِي إِضَافَة الصُّبْح إِلَيْهَا تجوز ويوضحه أَن فِي رِوَايَة الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ " فَإِذا كَانَ حِين يُمْسِي من عشْرين لَيْلَة تمْضِي وتستقبل إِحْدَى وَعشْرين رَجَعَ إِلَى مَسْكَنه " قَوْله " وَقَالَ إِنِّي أريت " على صِيغَة الْمَجْهُول من الرُّؤْيَا أَي أعلمت بهَا أَو من الرُّؤْيَة أَي أبصرتها وَإِنَّمَا أرى علامتها وَهُوَ السُّجُود فِي المَاء والطين كَمَا وَقع فِي رِوَايَة همام فِي بَاب السُّجُود على الْأنف فِي الطين قَوْله " ثمَّ أنسيتها " من الإنساء قَوْله " أَو نسيتهَا " شكّ من الرَّاوِي من التنسية فَالْأول من بَاب الْأَفْعَال وَالثَّانِي من بَاب التفعيل وَالْمعْنَى أَنه أنسى علم تَعْيِينهَا فِي تِلْكَ السّنة وَسَيَأْتِي سَبَب النسْيَان فِي حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ بعد بَاب وَقَالَ الْكرْمَانِي وأنسيتها وَفِي بَعْضهَا من النسْيَان ثمَّ قَالَ (فَإِن قلت) إِذا جَازَ النسْيَان فِي هَذِه الْمَسْأَلَة جَازَ فِي غَيرهَا فَيفوت مِنْهُ التَّبْلِيغ إِلَى الْأمة (قلت) نِسْيَان الْأَحْكَام الَّتِي يجب عَلَيْهِ التَّبْلِيغ لَهَا لَا يجوز وَلَو جَازَ وَوَقع لذكره الله تَعَالَى قَوْله " فِي الْوتر " أَي أوتار اللَّيَالِي كليلة الْحَادِي وَالْعِشْرين وَالثَّالِث وَالْعِشْرين لَا فِي إشفاعها قَوْله " إِنِّي أَسجد " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " أَن أَسجد " قَوْله " فَليرْجع " أَي إِلَى مُعْتَكفه فِي الْعشْر الْأَوْسَط لأَنهم كَانُوا معتكفين فِي الْعشْر الْمُتَقَدّم على الْعشْر الْأُخَر قَوْله " قزعة " بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة وَهِي الْقطعَة الرقيقة من السَّحَاب قَوْله " فمطرت " بالفتحات وَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ من وَجه آخر " فاستهلت السَّمَاء فأمطرت " قَوْله " حَتَّى سَالَ سقف الْمَسْجِد " وَفِيه مجَاز من قبيل ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال كَمَا يُقَال سَالَ الْوَادي وَفِي رِوَايَة مَالك " فوكف الْمَسْجِد " أَي قطر المَاء من سقفه قَوْله " وَكَانَ من جريد النّخل " الجريد سعف النّخل سميت بِهِ لِأَنَّهُ قد جرد عَنهُ خوصه (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ ترك مسح جبهة الْمُصَلِّي من أثر التُّرَاب؛ وَفِيه جَوَاز السُّجُود فِي الطين، وَفِيه الْأَمر بِطَلَب الأولى والإرشاد إِلَى تَحْصِيل الْأَفْضَل، وَفِيه أَن النسْيَان جَائِز على النَّبِي ﷺ َ - لَكِن لَا فِي الْأَحْكَام كَمَا مر ذكره. وَفِيه جَوَاز اسْتِعْمَال لفظ رَمَضَان بِدُونِ ذكر شهر وَفِيه اسْتِحْبَاب الِاعْتِكَاف وترجيحه فِي الْعشْر الْأَخير.
стр. 3242
وَفِيه ترَتّب الحكم على رُؤْيا الْأَنْبِيَاء ﵈ وَفِيه تَقْدِيم الْخطْبَة على التَّعْلِيم وتقريب الْبعيد فِي الطَّاعَة وتسهيل الْمَشَقَّة فِيهَا بِحسن التلطف والتدريج إِلَيْهَا -
٣ - (بابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان طلب لَيْلَة الْقدر بِالِاجْتِهَادِ فِي الْوتر من الْعشْر الْأَوَاخِر، مثل: الْحَادِي وَالْعِشْرين، وَالثَّالِث وَالْعِشْرين، وَالْخَامِس وَالْعِشْرين، وَالسَّابِع وَالْعِشْرين وَالتسع وَالْعِشْرين. وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن لَيْلَة الْقدر منحصرة فِي الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان، لَا فِي لَيْلَة مِنْهُ بِعَينهَا، وروى مُسلم وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (أريت لَيْلَة الْقدر ثمَّ أيقظني بعض أَهلِي فنسيتها، فالتمسوها فِي الْعشْر الغوابر) . وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه أَن خَاله الفلتان بن عَاصِم أخبرهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (أما لَيْلَة الْقدر فالتمسوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر) . وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث طَوِيل لأبي ذَر، وَفِيه: (فِي السَّبع الْأَوَاخِر) ، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي بكرَة: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: (التمسوها فِي تسع يبْقين، أَو خمس يبْقين، أَو ثَلَاث تبقين، أَو آخر لَيْلَة) . وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَالْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وروى ابْن أبي عَاصِم بِسَنَد صَالح عَن معَاذ ابْن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (سُئِلَ رَسُول الله، ﷺ ، عَن لَيْلَة الْقدر؟ فَقَالَ: فِي الْعشْر الْأَوَاخِر) . فِي الْخَامِسَة أَو السَّابِعَة) . وَعَن أبي الدَّرْدَاء بِسَنَد فِيهِ ضعف، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (التمسوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان، فَإِن الله تَعَالَى يفرق فِيهَا كل أَمر حَكِيم، وفيهَا أنزلت التَّوْرَاة وَالزَّبُور وصحف مُوسَى وَالْقُرْآن الْعَظِيم، وفيهَا غرس الله الْجنَّة وجبل طِينَة آدم، ﵊.
وَقد ورد لليلة الْقدر عَلَامَات: مِنْهَا: فِي (صَحِيح مُسلم) : عَن أبي بن كَعْب: (أَن الشَّمْس تطلع فِي صبيحتها لَا شُعَاع لَهَا) وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (التمسوا لَيْلَة الْقدر فِي الْعشْر الْأَوَاخِر، فَإِنِّي قد رَأَيْتهَا فنسيتها، وَهِي لَيْلَة مطر وريح، أَو قَالَ: قطر وريح) . وَقَالَ أَبُو عمر فِي (الاستذكار) : هَذَا يدل على أَنه أَرَادَ فِي ذَلِك الْعَام. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِنِّي كنت أريت لَيْلَة الْقدر ثمَّ نسيتهَا، وَهِي فِي الْعشْر الْأَوَاخِر، وَهِي طَلْقَة بلجة لَا جَارة وَلَا بَارِدَة، كَأَن فِيهَا قمرا يفصح كواكبها، لَا يخرج شيطانها حَتَّى يضيء فجرها. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت مَرْفُوعا. (أَنَّهَا صَافِيَة بلجة كَأَن فِيهَا قمرا ساطعا، سَاكِنة ضاحية لَا حر فِيهَا وَلَا برد، وَلَا يحل لكوكب يَرْمِي بِهِ فِيهَا، وَأَن من أمارتها أَن الشَّمْس فِي صبيحتها تخرج مستوية لَيْسَ لَهَا شُعَاع، مثل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر، لَا يحل للشَّيْطَان أَن يخرج مَعهَا يَوْمئِذٍ) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ لبن أبي شيبَة من حَدِيث ابْن مَسْعُود (إِن الشَّمْس تطلع كل يَوْم بَين قَرْني شَيْطَان إِلَّا صبحية لَيْلَة الْقدر) وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (أَن الْمَلَائِكَة تِلْكَ اللَّيْلَة أَكثر فِي الأَرْض من عدد الْحَصَى) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُجَاهِد: (لَا يُرْسل فِيهَا شَيْطَان وَلَا يحدث دَاء) ، وَمن طَرِيق الضَّحَّاك: (يقبل الله التَّوْبَة فِيهَا من كل تائب، وتفتح فِيهَا أَبْوَاب السَّمَاء، وَهِي من غرُوب الشَّمْس إِلَى طُلُوعهَا) . وَذكر الطَّبَرِيّ عَن قوم أَن الْأَشْجَار فِي تِلْكَ اللَّيْلَة تسْقط إِلَى الأَرْض، ثمَّ تعود إِلَى منابتها، وَأَن كل شَيْء يسْجد فِيهَا. وروى الْبَيْهَقِيّ فِي فَضَائِل الْأَوْقَات من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن عَبدة بن أبي لبَابَة أَنه سَمعه يَقُول: (إِن الْمِيَاه المالحة تعذب تِلْكَ اللَّيْلَة) . وروى أَبُو عمر من طَرِيق زهرَة بن معبد نَحوه.
فِيهِ عِبَادَةُ
أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيَجِيء فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، ويروى: فِيهِ عَن عبَادَة.
٧١٠٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثنا أبُو سُهَيْلٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الَعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ.
стр. 3243
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ الْمُؤَدب الْمَدِينِيّ، وَأَبُو سُهَيْل: اسْمه نَافِع بن مَالك ابْن أبي عَامر الأصبحي الْمَدِينِيّ، عَم مَالك بن أنس، وَلَيْسَ لِأَبِيهِ فِي الصَّحِيح عَن عَائِشَة غير هَذَا الحَدِيث.
قَوْله: (تحري) ، من التَّحَرِّي وَهُوَ الطّلب بِالِاجْتِهَادِ.
٨١٠٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثني ابنُ أبِي حازِمٍ والدَّرَاوَرْدِيُّ عنْ يَزِيدَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ الْعَشْرَ الَّتِي فِي وسَطِ الشَّهْرِ فإذَا كانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي ويَسْتَقْبِلُ إحْدَى وعِشْرِينَ رَجَعَ إلَى مَسْكَنِهِ ورَجَعَ منْ كانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ وأنَّهُ أقَامَ فِي شَهْرٍ جاورَ فيهِ اللَّيْلَةَ الَّتِي كانَ يَرْجِعُ فِيهَا فخَطَبَ الناسَ فأمَرَهُمْ مَا شاءَ الله ثمَّ قالَ كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ ثُمَّ قَدْ بَدَا لي أنْ أُجَاوِرَ هذِهِ الْعَشْرَ الأوَاخِرَ فَمَنْ كانَ اعْتَكَفَ مَعي فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ وقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا فابْتَغُوهَا فِي الْعَشْر الأوَاخِرِ وابْتَغُوها فِي كلِّ وِتْرٍ وقَدْ رأيْتُنِي أسْجُدُ فِي ماءٍ وطِينٍ فاسْتَهلَّتِ السَّمَاءُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فأمْطَرَتْ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى النبيِّ ﷺ لَيْلةَ إحدَى وعِشْرينَ فبَصُرَتْ عَيْنِي نَظَرْتُ إلَيْهِ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ ووَجْهُهِ مُمْتَلِىءٌ طِينا وَمَاء. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فابتغوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر) . وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة أَبُو إِسْحَاق الزبيرِي الْأَسدي الْمَدِينِيّ وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن أبي حَازِم هُوَ عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم، وَاسم أبي حَازِم: سَلمَة بن دِينَار، والدراوردي بالمهملات هُوَ: عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، فنسبته إِلَى دراورد، قَرْيَة من قرى خُرَاسَان، وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ ابْن الْهَاد، وَهُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد اللَّيْثِيّ، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث أَبُو عبد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمَدِينِيّ.
قَوْله: (يجاور) ، أَي: يعْتَكف. قَوْله: (الَّتِي فِي وسط الشَّهْر) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وسط الشَّهْر) بِدُونِ كلمة: فِي قَوْله: (فَإِذا كَانَ حِين يُمْسِي) ، بِالرَّفْع اسْم كَانَ، وَبِالنَّصبِ ظرف. قَوْله: (تمْضِي) فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لقَوْله: (لَيْلَة) ، الَّتِي هِيَ مَنْصُوبَة على التَّمْيِيز. قَوْله: (وَيسْتَقْبل) عطف على قَوْله: (يُمْسِي) ، لَا على قَوْله: (تمْضِي) ، وَهُوَ بِالْإِفْرَادِ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (يمضين) ، بِالْجمعِ. قَوْله: (وَرجع من كَانَ يجاور مَعَه) أَي: من كَانَ يعْتَكف مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَكلمَة: مَن، فَاعل قَوْله: (رَجَعَ) . قَوْله: (ثمَّ بدا لي) أَي: ظهر لي، من الرَّأْي أَو من الْوَحْي. قَوْله: (الْعشْر الْأَوَاخِر) ، وَإِنَّمَا وصف الْعشْر بالأواخر بِاعْتِبَار جنس الأعشار، كَمَا يُقَال: الدِّرْهَم الْبيض، وَأَيَّام الْعشْر الْأَوَاخِر، فوصفه بِاعْتِبَار الْأَيَّام. قَوْله: (فليثبت) من الثَّبَات، وَهُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، ويروي: (فليلبث) ، من اللّّبْث وَهُوَ الْمكْث. قَوْله: (وَقد أُريت) ، بِضَم الْهمزَة على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (ثمَّ أُنسيتها) بِضَم الْهمزَة من الإنساء من بَاب الْأَفْعَال. قَوْله: (فابتغوها) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة والغين الْمُعْجَمَة، وَمَعْنَاهُ: اطلبوها. قَوْله: (وَقد رأيتُني) بِضَم التَّاء، اجْتمع فِيهِ: الْفَاعِل وَالْمَفْعُول ضميران لشَيْء وَاحِد، وَهَذَا من خَصَائِص أَفعَال الْقُلُوب، وَالتَّقْدِير: رَأَيْت نَفسِي. قَوْله: (فاستهلت السَّمَاء) ، من الاستهلال، يُقَال استهلت السَّمَاء إِذا أمْطرت بِشدَّة وَصَوت، وَمِنْه: اسْتهلّ الْهلَال، إِذا رفع الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ عِنْد رُؤْيَته. قَوْله: (فأمطرت) ، تَأْكِيد لما قبله، لِأَن: استهلت، تَتَضَمَّن معنى: أمْطرت. قَوْله: (فوكف الْمَسْجِد) من قَوْلهم: وكف الدمع إِذا تقاطر، وَكَذَا وكف الْبَيْت. قَوْله: (فبصرت عَيْني) ، هُوَ مثل: أخذت بيَدي، وَإِنَّمَا يُؤَكد بذلك فِي أَمر يعز الْوُصُول إِلَيْهِ إِظْهَارًا للتعجب من حُصُول تِلْكَ الْحَالة الغريبة. قَوْله: (ثمَّ نظرت إِلَيْهِ) أَي: إِلَى النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَوَجهه ممتلىء) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (طينا) ، نصب على التَّمْيِيز (وَمَاء) ، عطف عَلَيْهِ.
стр. 3244
٩١٠٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ أخبرنِي أبِي عَن عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ الْتَمِسُوا. ح. (انْظُر الحَدِيث ٧١٠٢ وطرفه) .
٢٢٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ أبِي الأسْودِ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا عاصِمٌ عنْ أبِي مِجْلَزً وعِكْرِمَةَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ رسولُ الله ﷺ هِيَ فِي العَشْرِ هِيَ فِي تِسْعٍ يَمْضِينَ أوْ فِي سَبْعٍ يبْقِينَ يَعْنِي لَيلَةَ الْقَدْرِ. (انْظُر الحَدِيث ١٢٠٢) .
стр. 3245
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي الْأسود، واسْمه حميد الْبَصْرِيّ الْحَافِظ، مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول الْبَصْرِيّ، وَأَبُو مجلز، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتح اللَّام وَفِي آخِره زَاي: واسْمه لَاحق بن حميد بن سعيد السدُوسِي الْبَصْرِيّ، وَقد مر فِيمَا مضى.
قَوْله: (هِيَ) ، أَي: لَيْلَة الْقدر فِي الْعشْر. قَوْله: (هِيَ فِي تسع) إِلَى آخِره، بَيَان للعشر، أَي: فِي لَيْلَة التَّاسِع وَالْعِشْرين. قَوْله: (أَو سبع يبْقين) أَي: لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين هُنَا: (فِي تسع) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق قبل السِّين مقدما، وَبعده: (فِي سبع) بِتَقْدِيم السِّين قبل الْبَاء الْمُوَحدَة، وبلفظ الْمُضِيّ فِي الأول، وَلَفظ الْبَقَاء فِي الثَّانِي. وللكشميهني بِلَفْظ: الْمُضِيّ فيهمَا، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بِتَقْدِيم السِّين فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأما رِوَايَة: فِي سبع يبْقين، فَيحْتَمل لَيْلَة الثَّالِث وَالْعِشْرين، أَو هِيَ مَعَ سَائِر اللَّيَالِي الَّتِي بعْدهَا إِلَى آخر الشَّهْر كُلهنَّ، وَقد قيل: إِن هَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ مَرْفُوعا مَوْقُوف، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة وَعَاصِم أَنَّهُمَا سمعا عِكْرِمَة يَقُول: قَالَ ابْن عَبَّاس: دَعَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، وسألهم عَن لَيْلَة الْقدر؟ فَأَجْمعُوا على أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر، قَالَ ابْن عَبَّاس لعمر: إِنِّي لَا أعلم أَو أَظن أَي لَيْلَة هِيَ؟ قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَي لَيْلَة هِيَ؟ فَقلت: سابغة تمْضِي أَو سابعة تبقى من الْعشْر الْأَوَاخِر. فَقَالَ: من أَيْن علمت ذَلِك؟ قلت: خلق الله سبع سموات وَسبع أَرضين وَسَبْعَة أَيَّام، والدهر يَدُور فِي سبع، وَالْإِنْسَان خلق من سبع. وَيَأْكُل من سبع وَيسْجد على سبع، وَالطّواف والجمار وَأَشْيَاء ذكرهَا، فَقَالَ عمر: لقد فطنت لأمر مَا فطنا لَهُ، وَله طَرِيق آخر أخرجهَا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَالْبَيْهَقِيّ عَنهُ فِي (سنَنه) من رِوَايَة عَاصِم بن كُلَيْب الْجرْمِي عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ عمر بن الْخطاب يدعوني مَعَ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ، وَيَقُول لي: لَا تَتَكَلَّم حَتَّى يتكلموا. قَالَ: فَدَعَاهُمْ وسألهم عَن لَيْلَة الْقدر، فَقَالَ: أَرَأَيْتُم قَول رَسُول الله ﷺ : التمسوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر، أَي: لَيْلَة نُزُولهَا؟ قَالَ: فَقَالَ بَعضهم: لَيْلَة ثَلَاث، وَقَالَ آخر: خمس، وَأَنا سَاكِت، فَقَالَ: مَا لَك لَا تَتَكَلَّم؟ قَالَ: فَقلت: أحدثكُم برأيي؟ قَالَ: عَن ذَلِك نَسْأَلك. قَالَ: فَقلت: السَّبع، رَأَيْت الله ذكر سبع سموات، وَمن الأَرْض سبعا، وَخلق الْإِنْسَان من سبع، ونبات الأَرْض سبع ... ، وَذكر بَقِيَّته، فَقَالَ عمر: مَا أرى القَوْل إلَاّ كَمَا قلت، وَقَالَ فِي آخِره: فَقَالَ عمر: أعجزتم أَن تَكُونُوا مثل هَذَا الْغُلَام الَّذِي مَا اسْتَوَت شؤون رَأسه؟ وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر فِي قيام اللَّيْل من هَذَا الْوَجْه، وَزَاد فِيهِ: وَأَن الله جعل النّسَب فِي سبع، وَالطُّهْر فِي سبع، ثمَّ تَلا: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) .
تابَعَهُ عَبْدُ الوَهَّابِ عنْ أيُّوبَ
أَي: تَابع وهيبا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ فِي رِوَايَته عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة أَحْمد وَابْن أبي عمر فِي (مسنديهما) عَن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب مُتَابعًا لوهيب فِي إِسْنَاده وَلَفظه، وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَقعت عِنْد الْأَكْثَرين من رِوَايَة الْفربرِي، وَعند النَّسَفِيّ وَقعت عقيب طَرِيق وهيب عَن أَيُّوب.
وعنْ خالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ الْتَمِسُوا فِي أرْبَعٍ وعِشْرِينَ
أَي: وروى عَن خَالِد الْحذاء عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قيل: هَذِه مَوْصُولَة بِالْإِسْنَادِ الأول، وَإِنَّمَا حذفهَا أَصْحَاب المسندات لكَونهَا مَوْقُوفَة. قلت: جزم الْحَافِظ الْمُزنِيّ بِأَن طَرِيق خَالِد هَذِه معلقَة، وروى أنس: (أَنه ﷺ كَانَ يتحَرَّى لَيْلَة الْقدر ثَلَاثَة وَعشْرين وَلَيْلَة أَربع وَعشْرين) . وَقَالَ ابْن حبيب: يتحَرَّى يتم الشَّهْر أَو ينقص، فيتحراها فِي لَيْلَة من السَّبع الْبَوَاقِي، فَإِن كَانَ تَاما فَهِيَ لَيْلَة أَربع وَعشْرين، وَإِن كَانَ نَاقِصا فَثَلَاث. وَلَعَلَّ ابْن عَبَّاس إِنَّمَا قصد فِي الْأَرْبَع احْتِيَاطًا. وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من طَرِيق سماك بن حَرْب عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أتيت وَأَنا نَائِم، فَقيل لي: اللَّيْلَة لَيْلَة الْقدر، فَقُمْت وَأَنا ناعس، فتعلقت بِبَعْض أطناب رَسُول الله، ﷺ ، فَإِذا هُوَ يُصَلِّي. قَالَ: فَنَظَرت فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَإِذا هِيَ لَيْلَة أَربع وَعشْرين) . وروى الطَّيَالِسِيّ من طَرِيق أبي نَضرة عَن أبي سعيد مَرْفُوعا: (لَيْلَة الْقدر لَيْلَة أَربع وَعشْرين) روى ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَقَتَادَة، وحجتهم حَدِيث وَاثِلَة: أَن الْقُرْآن نزل لأَرْبَع وَعشْرين
стр. 3246
من رَمَضَان، وروى أَحْمد من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الْخَيْر عَن الصنَابحِي عَن بِلَال مَرْفُوعا: التمسوا لَيْلَة الْقدر لَيْلَة أَربع وَعشْرين) . قَالَ: أَخطَأ ابْن لَهِيعَة فِي رَفعه، فقد رَوَاهُ عَمْرو بن الْحَارِث عَن يزِيد بِهَذَا الْإِسْنَاد مَوْقُوفا بِغَيْر لَفظه.
٤ - (بابُ رفْعِ مَعْرِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ لتلاحِي النَّاسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع معرفَة لَيْلَة الْقدر وَإِنَّمَا قيد بالمعرفة لِئَلَّا يظنّ أَنَّهَا رفعت بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا رفعت مَعْرفَتهَا أَي معرفَة تَعْيِينهَا. قَوْله: (لتلاحي النَّاس) أَي لأجل مخاصمتهم والتلاحي والملاحات الْمُخَاصمَة والمعاولة يُقَال لحيت الرجل الحاه لحيا إِذا لمته وعذلته ولاحيته ملاحاة ولحاء إِذا نازعته.
٣٢٠٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدثنَا خالِدُ بنُ الحَارِثِ قَالَ حَدثنَا حُمَيْدٌ قَالَ حدَّثنا أنسٌ عنْ عُبَادةَ بنِ الصَّامِتِ قَالَ خَرَجَ النبيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ المُسْلِمينَ فَقَالَ خَرَجْتُ لأِخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلاحَى فُلانٌ وفُلانٌ فَرُفِعَتْ وعَسَى أنْ يَكُونَ خَيْرا لَكُمْ فالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعةِ والسَّابِعَةِ والخَامِسَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٩٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا، وخَالِد بن الْحَارِث الهُجَيْمِي مر فِي الْجُمُعَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب خوف الْمُؤمن من أَن يحبط عمله، وَهُوَ لَا يشْعر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن حميد عَن أنس عَن عبَادَة بن الصَّامِت، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أنس بن عبَادَة بن الصَّامِت) وَهُنَاكَ: أنس أَخْبرنِي عبَادَة بن الصَّامِت، كَذَا رَوَاهُ أَكثر أَصْحَاب حميد عَن أنس عَن عبَادَة، وَرَوَاهُ مَالك فَقَالَ: عَن حميد عَن أنس، قَالَ: خرج علينا، وَلم يقل: عَن عبَادَة، فَجعل الحَدِيث من مُسْند أنس، وَقَالَ أَبُو عمر وَالصَّوَاب إِثْبَات عبَادَة، وَأَن الحَدِيث من مُسْنده.
قَوْله: (فتلاحى رجلَانِ) ، وَفِي رِوَايَة أبي نَضرة عَن أبي سعيد عِنْد مُسلم: (فجَاء رجلَانِ يختصمان مَعَهُمَا الشَّيْطَان) . قَوْله: (فلَان وَفُلَان) ، قيل: هما عبد الله بن أبي حَدْرَد وَكَعب بن مَالك. قَوْله: (فَرفعت) ، أَي: من قلبِي، فنسيت تَعْيِينهَا للاشتغال بالمتخاصمين، وَقيل: الْمَعْنى رفعت بركتها فِي تِلْكَ السّنة، وَقيل: التَّاء فِي: رفعت، للْمَلَائكَة، لَا: لليلة.
وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَالَ بَعضهم: رفعت، أَي مَعْرفَتهَا، وَالْحَامِل لَهُ على ذَلِك أَن رَفعهَا مَسْبُوق بوقوعها، فَإِذا وَقعت لم يكن لرفعها معنى. قَالَ: وَيُمكن أَن يُقَال: المُرَاد برفعها أَنَّهَا شرعت أَن تقع، فَلَمَّا تخاصما رفعت، فَنزل الشُّرُوع منزلَة الْوُقُوع. انْتهى. قلت: هَذَا القَوْل الَّذِي نَقله الطَّيِّبِيّ هُوَ مُوَافق للتَّرْجَمَة على مَا لَا يخفى. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث يدل على أَن سَبَب الرّفْع هُوَ ملاحاة الرجلَيْن، وَقد روى مُسلم من طَرِيق أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (أريت لَيْلَة الْقدر ثمَّ أيقظني أَهلِي فنسيتها) ، وَهَذَا يدل على أَن سَبَب الرّفْع هُوَ النسْيَان. قلت: يُمكن أَن يحمل على التَّعَدُّد، بِأَن تكون الرُّؤْيَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة مناما فَيكون سَبَب النسْيَان الإيقاظ، وَأَن تكون الرُّؤْيَا فِي حَدِيث غَيره فِي الْيَقَظَة، فَيكون سَبَب النسْيَان مَا ذكر من الْمُخَاصمَة، وَيُمكن أَن يحمل على اتِّحَاد الْقَضِيَّة، وَيكون النسْيَان وَقع مرَّتَيْنِ عَن سببين فَإِن قلت: لما تقرر أَن الَّذِي ارْتَفع علم تَعْيِينهَا فِي تِلْكَ السّنة، فَهَل أعلم النَّبِي، ﷺ ، بعد ذَلِك بتعيينها؟ قلت: رُوِيَ عَن ابْن عُيَيْنَة أَنه أعلم بعد ذَلِك بتعيينها. فَإِن قلت: روى مُحَمَّد بن نصر من طَرِيق واهب الْمعَافِرِي أَنه سَأَلَ زَيْنَب بنت أم سَلمَة: هَل كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يعلم لَيْلَة الْقدر؟ فَقَالَت: لَا، لَو علمهَا لما قَامَ النَّاس فِي غَيرهَا. قلت: الَّذِي قالته زَيْنَب إِنَّمَا قالته احْتِمَالا، وَهَذَا لَا يُنَافِي علمه بذلك.
قَوْله: (وَعَسَى أَن يكون خيرا لكم) ، يُرِيد أَن الْبَحْث عَنْهَا والطلب لَهَا بِكَثِير من الْعَمَل هُوَ خير، من هَذِه الْجِهَة، قَالَه ابْن بطال، وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّه يُرِيد أَنه لَو أخْبرهُم بِعَينهَا لأقلوا من الْعَمَل فِي غَيرهَا وأكثروه فِيهَا، وَإِذا غيبت عَنْهُم أَكْثرُوا الْعَمَل فِي سَائِر اللَّيَالِي رَجَاء موافقتها. قَوْله: (فالتمسوها فِي التَّاسِعَة وَالسَّابِعَة وَالْخَامِسَة) ، يحْتَمل أَن يُرِيد بالتاسعة: تَاسِع لَيْلَة من الْعشْر الْأَخير، فَتكون لَيْلَة تسع وَعشْرين، وَيحْتَمل أَن يُرِيد بهَا: تَاسِع لَيْلَة تبقى من الشَّهْر، فَيكون ليله إِحْدَى أَو ثِنْتَيْنِ، بِحَسب تَمام الشَّهْر ونقصانه.
стр. 3247
٥ - (بابُ الْعَمَلِ فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الِاجْتِهَاد فِي الْعَمَل فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من شهر رَمَضَان وَفِيه رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: فِي رَمَضَان.
٤٢٠٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ أبِي يَعْفُورٍ عنْ أبِي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النبيُّ ﷺ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وأحْيا لَيْلَهُ وأيْقَظَ أهْلَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن شدّ المئزر وإحياء اللَّيْل وإيقاظ الْأَهْل كلهَا من الْعَمَل فِي الْعشْر الْأَوَاخِر.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَبُو يَعْفُور، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الْفَاء وبالراء، منصرفا، اسْمه عبد الرَّحْمَن بن عبيد البكائي العامري. الرَّابِع: أَبُو الضُّحَى، مُسلم بن صبيح مصغر الصُّبْح. الْخَامِس: مَسْرُوق بن الأجدع. السَّادِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، ثَلَاثَة فِي نسق وَاحِد عَن الصحابية، وَذَلِكَ لِأَن أَبَا يَعْفُور تَابِعِيّ صَغِير، وَلَهُم أَبُو يَعْفُور آخر اسْمه: وقدان، تَابِعِيّ كَبِير، ومسروق تَابِعِيّ كَبِير. وَفِيه: عَن سُفْيَان عَن أبي يَعْفُور، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن ابْن عبيد بن نسطاس، وَهُوَ أَبُو يَعْفُور، لِأَنَّهُ عبد الرَّحْمَن بن عبيد كَمَا ذكرنَا وَعبيد بن نسطاس. وَفِيه: اثْنَان مذكوران باسمهما من غير نِسْبَة وَاثْنَانِ مذكوران بالكنى أَحدهمَا: بيعفور، وَهُوَ الظبي، وَقيل: الخشف. وَالْآخر: بالضحى، وَهُوَ فَوق الضحوة، وَهُوَ ارْتِفَاع أول النَّهَار. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وسُفْيَان مكي والبقية كوفيون.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن إبي عمر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن نصر بن عَليّ وَدَاوُد بن أُميَّة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الِاعْتِكَاف عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد المقرىء. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّوْم عَن عبد الله بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا دخل الْعشْر) ، أَي: الْعشْر الآخر، وَصرح بِهِ فِي حَدِيث عَليّ عِنْد ابْن أبي شيبَة. قَوْله: (شدّ مِئْزَره) أَي: إزَاره، كَقَوْلِهِم: ملحفة ولحاف، وَهُوَ كِنَايَة إِمَّا عَن ترك الْجِمَاع، وَإِمَّا عَن الاستعداد لِلْعِبَادَةِ، وَالِاجْتِهَاد لَهَا زَائِدا على مَا هُوَ عَادَته، ﷺ ، وَأما عَنْهُمَا كليهمَا مَعًا، وَلَا يُنَافِي إِرَادَة الْحَقِيقَة أَيْضا بِأَن شدّ مِئْزَره ظَاهرا أَيْضا وَجزم عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ أَن المُرَاد بِهِ الاعتزال من النِّسَاء، وَاسْتشْهدَ بقول الشَّاعِر:
(قوم إِذا حَاربُوا شدوا مآزرهم ... عَن النساءِ وَلَو باتت بأطهار)
وَذكر ابْن أبي شيبَة عَن أبي بكر بن عَيَّاش نَحوه، وَفِي (التَّلْوِيح) : المئزر والإزار مَا يأتزر بِهِ الرجل من أَسْفَله، وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث، وَهُوَ كِنَايَة عَن الْجد والتشمير فِي الْعِبَادَة، وَعَن الثَّوْريّ أَنه من ألطف الْكِنَايَات عَن اعتزال النِّسَاء، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَقد ذهب بعض أَئِمَّتنَا إِلَى أَنه عبارَة عَن الِاعْتِكَاف. قَالَ: وَفِيه بعد. لقَوْله: (أيقظ أَهله) ، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ مَعَهم فِي الْبَيْت، وَهُوَ كَانَ فِي حَال اعْتِكَافه فِي الْمَسْجِد، وَمَا كَانَ يخرج مِنْهُ إلَاّ لحَاجَة الْإِنْسَان، على أَنه يَصح أَن يوقظهن من مَوْضِعه من بَاب الخوخة الَّتِي كَانَت لَهُ إِلَى بَيته فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : يحْتَمل أَيْضا أَن يكون قَوْله: (يوقظ أَهله) ، أَي: المعتكفة مَعَه فِي الْمَسْجِد، وَيحْتَمل أَن يوقظهن إِذا دخل الْبَيْت لِحَاجَتِهِ. قَوْله: (وَأَحْيَا ليله) ، يَعْنِي بِاجْتِهَادِهِ فِي الْعشْر الآخر من رَمَضَان، لاحْتِمَال أَن يكون الشَّهْر إِمَّا تَاما وَإِمَّا نَاقِصا فَإِذا أحيى ليَالِي الْعشْر كلهَا لم يفته مِنْهَا شفع وَلَا وتر، وَقيل: لِأَن الْعشْر آخر الْعَمَل فَيَنْبَغِي أَن يحرص على تجويد الخاتمة، وَنسبَة الْإِحْيَاء إِلَى اللَّيْل مجَاز، فَإِذا سهر فِيهِ للطاعة فَكَأَنَّهُ أَحيَاء، لِأَن النّوم أَخُو الْمَوْت. وَمِنْه قَوْله: (لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ قبورا) ، أَي: لَا تناموا فتكونوا كالأموات، فَتكون بُيُوتكُمْ كالقبور. قَالَ شَيخنَا: وَفِي حَدِيث عَائِشَة فِي (الصَّحِيح) إحْيَاء اللَّيْل كُله، وَالظَّاهِر وَالله أعلم مُعظم اللَّيْل، بِدَلِيل قَوْلهَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (مَا عَلمته قَامَ لَيْلَة حَتَّى الصَّباح) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقَوْلها: (أَحْيَا اللَّيْل) أَي: استغرقه بالسهر فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا، قَالَ: وَفِيه
стр. 3248
اسْتِحْبَاب إحْيَاء لياليه بالعبادات. قَالَ: وَأما قَول أَصْحَابنَا: يكره قيام اللَّيْل، فَمَعْنَاه الدَّوَام عَلَيْهِ، وَلم يَقُولُوا بِكَرَاهَة لَيْلَة وليلتين وَالْعشر، وَلِهَذَا، اتَّفقُوا على اسْتِحْبَاب إحْيَاء لَيْلَتي الْعِيد وَغير ذَلِك. قَوْله: (وَأَيْقَظَ أَهله) أَي: للصَّلَاة وَالْعِبَادَة، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يوقظ أَهله فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وروى أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يجْتَهد فِي الْعشْر الْأَوَاخِر مَا لَا يجْتَهد فِي غَيرهَا) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وروى مُحَمَّد بن نصر من حَدِيث زَيْنَب بنت سَلمَة: (لم يكن النَّبِي، ﷺ ، إِذا بَقِي من رَمَضَان عشرَة أَيَّام يدع أحدا من أَهله يُطيق الْقيام إلَاّ أَقَامَهُ.
٣٣ - (كِتَابُ الاعتِكَافُ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان الِاعْتِكَاف وأحواله، وَهَذَا بالبسملة، وَلَفظ: الْكتاب، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَلم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة غَيره إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَقعت الْبَسْمَلَة بعد قَوْله: أَبْوَاب الِاعْتِكَاف، وَهُوَ فِي اللُّغَة: اللّّبْث مُطلقًا. وَيُقَال: الِاعْتِكَاف والعكوف: الْإِقَامَة على الشَّيْء، وبالمكان ولزومها فِي اللُّغَة، وَمِنْه يُقَال لمن لَازم الْمَسْجِد: عاكف ومعتكف، هَكَذَا ذكره ابْن الْأَثِير. فِي (النِّهَايَة) . وَفِي (الْمُغنِي) : هُوَ لُزُوم الشَّيْء وَحبس النَّفس عَلَيْهِ برا كَانَ أَو غَيره، وَمِنْه قَوْله تعالي: ﴿مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٢٥) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿يعكفون على أصنام لَهُم﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٣١) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَانْظُر إِلَى إلاهك الَّذِي ظلت عَلَيْهِ عاكفا﴾ (طه: ٧٩) . وَفِي الشَّرْع: الِاعْتِكَاف الْإِقَامَة فِي الْمَسْجِد واللبث فِيهِ على وَجه التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى على صفة يَأْتِي ذكرهَا، قَالَ الْجَوْهَرِي: عكفه أَي: حَبسه، يعكفه بِضَم عينهَا وَكسرهَا عكفا، وَعَكَفَ على الشَّيْء يعكف عكوفا، أَي: أقبل عَلَيْهِ مواظبا يسْتَعْمل لَازِما، فمصدره عكوف، ومتعديا فمصدره عكف، وَالِاعْتِكَاف مُسْتَحبّ. قَالَه فِي بعض كتب أَصْحَابنَا. وَفِي (الْمُحِيط) : سنة مُؤَكدَة. وَفِي (الْمَبْسُوط) : قربَة مَشْرُوعَة. وَفِي (منية الْمُفْتِي) : سنة. وَقيل: قربَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : قَامَ الْإِجْمَاع على أَن الِاعْتِكَاف لَا يجب إلَاّ بِالنذرِ.
فَإِن قلت: كَانَ الزُّهْرِيّ يَقُول: عجبا من النَّاس كَيفَ تركُوا الِاعْتِكَاف، وَرَسُول الله، ﷺ ، كَانَ يفعل الشَّيْء ويتركه، وَمَا ترك الِاعْتِكَاف حَتَّى قبض قلت: قَالَ أَصْحَابنَا: إِن أَكثر الصَّحَابَة لم يعتكفوا. وَقَالَ مَالك: لم يبلغنِي أَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَابْن الْمسيب، وَلَا أحدا من سلف هَذِه الْأَئِمَّة اعْتكف، إلَاّ أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن، وأراهم تَرَكُوهُ لِشِدَّتِهِ، لِأَن ليله ونهاره سَوَاء، وَفِي (الْمَجْمُوعَة) للمالكية: تَرَكُوهُ لِأَنَّهُ مَكْرُوه فِي حَقهم، إِذْ هُوَ كالوصال الْمنْهِي، وَأَقل الِاعْتِكَاف نفلا يَوْم عِنْد أبي حنيفَة، وَبِه قَالَ مَالك، وَعند أبي يُوسُف: أَكثر الْيَوْم، وَعند مُحَمَّد: سَاعَة، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة. وَحكى أَبُو بكر الرَّازِيّ عَن مَالك: أَن مُدَّة الِاعْتِكَاف عشرَة أَيَّام. فَيلْزم بِالشُّرُوعِ ذَلِك، فِي (الْجلاب) : أَقَله يَوْم، وَالِاخْتِيَار عشرَة أَيَّام. وَفِي (الْإِكْمَال) : اسْتحبَّ مَالك أَن يكون أَكْثَره عشرَة أَيَّام، وَهَذَا يرد نقل الرَّازِيّ عَنهُ. وَقَالَ أَبُو البركات بن تَيْمِية الْحَنْبَلِيّ: وَقَالَت الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وأتباعهم: الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف الْوَاجِب، وَهُوَ مَذْهَب عَليّ وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَمُجاهد وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَنَافِع وَابْن الْمسيب وَالْأَوْزَاعِيّ وَالزهْرِيّ وَالثَّوْري وَالْحسن بن حَيّ. وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود وطاووس وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَإِسْحَاق وَأحمد، فِي رِوَايَة: إِن الصَّوْم لَيْسَ بِشَرْط فِي الْوَاجِب وَالنَّفْل، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَمَا ذكره أَبُو البركات قَول قديم للشَّافِعِيّ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: لَيْسَ على الْمُعْتَكف صَوْم إلَاّ أَن يَجعله على نَفسه، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، قَالَ: وَرَفعه أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق السُّوسِي وَغَيره. لَا يرفعهُ، وَهُوَ شيخ الدَّارَقُطْنِيّ، لكنه خَالف الْجَمَاعَة فِي رَفعه مَعَ أَن النَّافِي لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل، واحتجت الطَّائِفَة الأولى بِحَدِيث عَائِشَة الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِيه: لَا اعْتِكَاف إلَاّ بِصَوْم، وَالْمرَاد بِهِ الِاعْتِكَاف فِي الْوَاجِب. وَعند الْحَنَفِيَّة: الصَّوْم شَرط لصِحَّة الْوَاجِب مِنْهُ رِوَايَة وَاحِدَة، ولصحة التَّطَوُّع فِيمَا روى الْحسن عَن أبي حنيفَة، فَلذَلِك قَالَ: أَقَله يَوْم، وَالْمرَاد بِهِ الِاعْتِكَاف مُطلقًا عِنْد أَصْحَابنَا، لِأَن من شَرط الِاعْتِكَاف الصَّوْم مُطلقًا. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ على مَا يَأْتِي: (أَن عمر
стр. 3249
سَأَلَ النَّبِي ﷺ قَالَ: كنت نذرت فِي الْجَاهِلِيَّة أَن أعتكف لَيْلَة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام؟ قَالَ: فأوف بِنَذْرِك) ، فَهَذَا يدل على جَوَاز الِاعْتِكَاف بِغَيْر صَوْم، لِأَن اللَّيْل لَا يصلح ظرفا للصَّوْم. قلت: عِنْد مُسلم يَوْمًا بدل لَيْلَة، وَأَيْضًا روى النَّسَائِيّ (أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: يَا رَسُول الله! إِنِّي نذرت أَن أعتكف فِي الْجَاهِلِيَّة، فَأمره رَسُول الله، ﷺ ، أَن يعْتَكف ويصوم) . وَأَيْضًا هَذَا مَحْمُول على أَنه كَانَ نذر يَوْمًا وَلَيْلَة، بِدَلِيل أَن فِي لفظ مُسلم عَن ابْن عمر: أَنه جعل على نَفسه يَوْمًا يعتكفه، فَقَالَ، ﷺ : أوف بِنَذْرِك. وَقَالَ ابْن بطال: أصل الحَدِيث: قَالَ عمر: إِنِّي نذرت أَن أعتكف يَوْمًا وَلَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة، فَنقل بعض الروَاة ذكر اللَّيْلَة وَحدهَا، وَيجوز للراوي أَن ينْقل بعض مَا سمع. وَفِي (الذَّخِيرَة) : أَن الصَّوْم كَانَ فِي أول الْإِسْلَام بِاللَّيْلِ، وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ قبل نسخه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قد تقرر أَن النّذر الْجَارِي فِي الْكفْر لَا ينْعَقد على الصَّحِيح، فَلم يكن ذَلِك شَيْئا وَاجِبا عَلَيْهِ، وَقَالَ الْمُهلب: كل مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة من الْأَيْمَان وَالطَّلَاق وَجَمِيع الْعُقُود يَهْدِمهَا الْإِسْلَام وَيسْقط حرمتهَا، فَيكون الْأَمر بذلك أَمر اسْتِحْبَاب كَيْلا يكون خلفا فِي الْوَعْد. وَقَالَ ابْن بطال: مَحْمُول عِنْد الْفُقَهَاء على الحض وَالنَّدْب لِأَن الْإِسْلَام يجبُّ مَا قبله.
(أبْوَابُ الإعْتِكَافِ)
أَي: هَذِه أَبْوَاب الِاعْتِكَاف، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَلَيْسَ لغيره ذَلِك إلَاّ لفظ: كتاب فِي الِاعْتِكَاف، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَالْمرَاد بالأبواب: الْأَنْوَاع، لِأَن فِي كل بَاب نوعا من أَحْكَام الِاعْتِكَاف، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن الْكتاب يجمع الْأَبْوَاب، والأبواب تجمع الْفُصُول.
١ - (بابُ الإعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الِاعْتِكَاف فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان، وَقد ورد الِاعْتِكَاف بِلَفْظ الْمُجَاورَة. فَفِي الصَّحِيح من حَدِيث أبي سعيد: (كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يجاور فِي الْعشْر الْأَوْسَط من رَمَضَان) الحَدِيث. وَفِي (الصَّحِيح) : فِي قصَّة بَدْء الْوَحْي أَنه كَانَ يجاور بحراء.
وَقد اخْتلفُوا: هَل الْمُجَاورَة الِاعْتِكَاف أَو غَيره؟ فَقَالَ عَمْرو بن دِينَار: الْجوَار وَالِاعْتِكَاف وَاحِد، وَسُئِلَ عَطاء بن أبي رَبَاح: أَرَأَيْت الْجوَار وَالِاعْتِكَاف؟ أمختلفان هما أَو شَيْء وَاحِد؟ قَالَ: بل هما مُخْتَلِفَانِ، كَانَت بيُوت النَّبِي، ﷺ ، فِي الْمَسْجِد. فَلَمَّا اعْتكف فِي شهر رَمَضَان خرج من بيوته إِلَى بطن الْمَسْجِد فاعتكف فِيهِ، قلت لَهُ: فَإِن قَالَ إِنْسَان: عَليّ اعْتِكَاف أَيَّام، فَفِي جَوْفه لَا بُد؟ قَالَ: نعم، وَإِن قَالَ: عَليّ جوَار أَيَّام فبابه أَو فِي جَوْفه، إِن شَاءَ. هَكَذَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (المُصَنّف) : عَنْهُمَا، قَالَ شَيخنَا: وَقَول عَمْرو بن دِينَار هُوَ الْمُوَافق للأحاديث، وَلما ذكر صَاحب (الْإِكْمَال) حد الِاعْتِكَاف قَالَ: وَيُسمى أَيْضا جوارا.
والاعْتِكافِ فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿ولَا تُبَاشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله آيَاتهِ للنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) .
وَالِاعْتِكَاف، بِالْجَرِّ: عطفا على لفظ: الِاعْتِكَاف الأول، وَقَيده بالمساجد لِأَنَّهُ لَا يَصح فِي غير الْمَسَاجِد، وَجمع الْمَسَاجِد وأكدها بِلَفْظ كلهَا إِشَارَة إِلَى أَن الِاعْتِكَاف لَا يخْتَص بِمَسْجِد دون مَسْجِد، وَفِيه خلاف. فَقَالَ حُذَيْفَة: لَا اعْتِكَاف إلَاّ فِي الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة: مَسْجِد مَكَّة وَالْمَدينَة والأقصى. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: لَا اعْتِكَاف إلَاّ فِي مَسْجِد نَبِي، وَفِي (الصَّوْم) لِابْنِ أبي عَاصِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى حُذَيْفَة: لَا اعْتِكَاف إلَاّ فِي مَسْجِد رَسُول الله، ﷺ . وروى الْحَارِث عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا اعْتِكَاف إلَاّ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد الْمَدِينَة.
وَذهب هَؤُلَاءِ إِلَى أَن الْآيَة خرجت على نوع من الْمَسَاجِد، وَهُوَ مَا بناه نَبِي، لِأَن الْآيَة نزلت على رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ معتكف فِي مَسْجده، فَكَانَ الْقَصْد وَالْإِشَارَة إِلَى نوع تِلْكَ الْمَسَاجِد مِمَّا بناه نَبِي. وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه لَا يَصح الِاعْتِكَاف إلَاّ فِي مَسْجِد تُقَام فِيهِ الْجُمُعَة، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَعُرْوَة وَعَطَاء وَالْحسن وَالزهْرِيّ، وَهُوَ قَول مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) : قَالَ: أما من تلْزمهُ الْجُمُعَة فَلَا يعْتَكف إلَاّ فِي الْجَامِع. وَقَالَت: طَائِفَة:
стр. 3250
الِاعْتِكَاف يَصح فِي كل مَسْجِد، رُوِيَ ذَلِك عَن النَّخعِيّ وَأبي سَلمَة وَالشعْبِيّ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري. وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد، وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَدَاوُد، وَهُوَ قَول مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَالْبُخَارِيّ أَيْضا، حَيْثُ اسْتدلَّ بِعُمُوم الْآيَة فِي سَائِر الْمَسَاجِد. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : الِاعْتِكَاف لَا يَصح إلَاّ فِي مَسْجِد الْجَمَاعَة، وَعَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه لَا يَصح، إلَاّ فِي مَسْجِد يصلى فِيهِ الصَّلَوَات الْخمس. وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَالْحكم وَحَمَّاد: هُوَ مَخْصُوص بالمساجد الَّتِي يجمع فِيهَا. وَفِي (الذَّخِيرَة) للمالكية: قَالَ مَالك: يعْتَكف فِي الْمَسْجِد، سَوَاء أقيم فِيهِ الْجَمَاعَة أم لَا. وَفِي (الْمُنْتَقى) عَن أبي يُوسُف: الِاعْتِكَاف الْوَاجِب لَا يجوز أَدَاؤُهُ فِي غير مَسْجِد الْجَمَاعَة، وَالنَّفْل يجوز أَدَاؤُهُ فِي غير مَسْجِد الْجَمَاعَة، وَفِي (الْيَنَابِيع) : لَا يجوز الِاعْتِكَاف الْوَاجِب إلَاّ فِي مَسْجِد لَهُ إِمَام ومؤذن مَعْلُوم، يصلى فِيهِ خمس صلوَات، وَرَوَاهُ الْحسن عَن أبي حنيفَة. ثمَّ أفضل الِاعْتِكَاف مَا كَانَ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، ثمَّ فِي مَسْجِد النَّبِي، ﷺ ، ثمَّ فِي بَيت الْمُقَدّس، ثمَّ فِي الْمَسْجِد الْجَامِع، ثمَّ فِي الْمَسَاجِد الَّتِي يكثر أَهلهَا ويعظم. وَقَالَ: النَّوَوِيّ: وَيصِح فِي سطح الْمَسْجِد ورحبته كَقَوْلِنَا لِأَنَّهُمَا من الْمَسْجِد.
وَقَالَ أَيْضا: الْمَرْأَة لَا يَصح اعتكافها إلَاّ فِي الْمَسْجِد كَالرّجلِ. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ الشَّافِعِي: تعتكف الْمَرْأَة وَالْعَبْد وَالْمُسَافر حَيْثُ شاؤوا، وَقَالَ أَصْحَابنَا: الْمَرْأَة تعتكف فِي مَسْجِد بَيتهَا، وَبِه قَالَ النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَابْن علية. وَلَا تعتكف فِي مَسْجِد جمَاعَة، ذكره فِي الأَصْل. وَفِي (منية الْمُفْتِي) : لَو اعتكفت فِي الْمَسْجِد جَازَ، وَفِي (الْمُحِيط) : روى الْحسن عَن أبي حنيفَة جَوَازه وكراهته فِي الْمَسْجِد. وَفِي (الْبَدَائِع) : لَهَا أَن تعتكف فِي مَسْجِد الْجَمَاعَة. فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة، وَمَسْجِد بَيتهَا أفضل لَهَا من مَسْجِد حيها، وَمَسْجِد حيها أفضل لَهَا من الْمَسْجِد الْأَعْظَم. قَوْله: لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تباشروهن﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . الْآيَة وَجه الدّلَالَة من الْآيَة أَنه: لَو صَحَّ فِي غير الْمَسْجِد لم يخْتَص تَحْرِيم الْمُبَاشرَة بِهِ، لِأَن الْجِمَاع منافٍ للاعتكاف بِالْإِجْمَاع، فَعلم من ذكر الْمَسَاجِد أَن المُرَاد بِالْمُبَاشرَةِ أَن الإعتكاف لايكون أَلا فِيهَا وَنقل ابْن الْمُنْذر الاجماع على أَن المُرَاد فِي الْآيَة الْجِمَاع. وَقَالَ عَليّ بن طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، هَذَا فِي الرجل يعْتَكف فِي الْمَسْجِد فِي رَمَضَان أَو فِي غير رَمَضَان: يحرم عَلَيْهِ أَن ينْكح النِّسَاء لَيْلًا أَو نَهَارا حَتَّى يقْضِي اعْتِكَافه، وَقَالَ الضَّحَّاك: كَانَ الرجل إِذا اعْتكف فَخرج من الْمَسْجِد جَامع إِن شَاءَ، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَي: لَا تقربوهن مَا دمتم عاكفين فِي الْمَسَاجِد، وَلَا فِي غَيرهَا، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَغير وَاحِد: إِنَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَمُحَمّد بن كَعْب وَمُجاهد وَعَطَاء وَالْحسن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالسُّديّ وَالربيع بن أنس وَمُقَاتِل، قَالُوا: لَا يقربهَا وَهُوَ معتكف، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَن هَؤُلَاءِ هُوَ الْأَمر الْمُتَّفق عَلَيْهِ عِنْد الْعلمَاء: أَن الْمُعْتَكف يحرم عَلَيْهِ النِّسَاء مَا دَامَ معتكفا فِي مَسْجده، وَلَو ذهب إِلَى منزله لحَاجَة لَا بُد مِنْهَا فَلَا يحل لَهُ أَن يلبث فِيهِ إلَاّ بِمِقْدَار مَا يفرغ من حَاجته تِلْكَ، من: غَائِط أَو بَوْل أَو أكل، وَلَيْسَ لَهُ أَن يقبل امْرَأَته وَلَا يضمها إِلَيْهِ، وَلَا يشْتَغل بِشَيْء سوى اعْتِكَافه، وَلَا يعود الْمَرِيض، لَكِن يسْأَل عَنهُ، وَهُوَ مار فِي طَرِيقه. قَوْله: ﴿تِلْكَ حُدُود الله﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَي هَذَا الَّذِي بَيناهُ وفرضناه وحددناه من الصّيام وَأَحْكَامه، وَمَا أبحنا فِيهِ وَمَا حرمنا، وَمَا ذكرنَا غاياته ورخصه وعزائمه: ﴿حُدُود الله فَلَا تقربوها﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَي: تجاوزوها أَو تعتدوها، وَكَانَ الضَّحَّاك وَمُقَاتِل يَقُولَانِ فِي قَوْله: ﴿تِلْكَ حُدُود الله﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَي: الْمُبَاشرَة فِي الِاعْتِكَاف. قَوْله: ﴿كَذَلِك يبين الله آيَاته﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَي: كَذَلِك يبين الله سَائِر أَحْكَامه على لِسَان نبيه مُحَمَّد ﷺ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ، أَي: يعْرفُونَ كَيفَ يَهْتَدُونَ وَكَيف يطيعون.
٥٢٠٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ أنَّ نافِعا أخْبَرَهُ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ يعْتَكف الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضانَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ الْمَشْهُور بِإِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَأَبُو أويس اسْمه عبد الله الْمدنِي، ابْن اخت مَالك بن أنس، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد بن أبي النجاد الْأَيْلِي.
والْحَدِيث
стр. 3251
أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح الْمصْرِيّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان ابْن دَاوُد الْهَدْي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، وَمن حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ اعْتكف الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان، حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى) وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الرَّزَّاق، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي السَّرْح عَن ابْن وهب. وَفِي الْبَاب عَن أبي بن كَعْب، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة حَمَّاد عَن ثَابت عَن أبي رَافع (عَن أبي بن كَعْب: أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يعْتَكف فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان) الحَدِيث، وَأَبُو رَافع هُوَ الصَّائِغ، اسْمه: نفيع، وَعَن رجل من بني بياضة رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، يعْتَكف فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان، فَلم يعْتَكف عَاما، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل اعْتكف عشْرين) . وَقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب، وَأخرجه ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَقَالَ: هَذَا صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.
٦٢٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ ابنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجِ النبيِّ ﷺ قالَتْ إنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله تَعَالَى ثُمَّ اعْتَكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَعقيل، بِضَم الْعين: هُوَ ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا مثل حَدِيث ابْن عمر السَّابِق، غير أَن فِيهِ زِيَادَة وَهِي قَوْلهَا: (حَتَّى توفاه الله، ثمَّ اعتكفت أَزوَاجه من بعده) ، وَهَذِه الزِّيَادَة تدل على أَنه لم ينْسَخ لقَوْله: (حَتَّى توفاه الله تَعَالَى) وأكد ذَلِك بقوله: (ثمَّ اعتكفت أَزوَاجه من بعده) أَي: اسْتمرّ حكمه بعده حَتَّى فِي حق النِّسَاء، وَلَا هُوَ من الخصائص.
وَفِيه: اسْتِحْبَاب الِاعْتِكَاف فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من شهر رَمَضَان، وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ اسْتِحْبَابا مؤكدا فِي حق الرِّجَال، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي النِّسَاء، قَالَ النَّوَوِيّ: وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل لصِحَّة اعْتِكَاف النِّسَاء، لِأَنَّهُ، ﷺ ، كَانَ أذن لَهُنَّ، وَلَكِن عِنْد أبي حنيفَة: إِنَّمَا يَصح اعْتِكَاف الْمَرْأَة فِي مَسْجِد بَيتهَا، وَهُوَ الْموضع المهيأ لَهَا فِي بَيتهَا لصلاتها. قَالَ: وَلَا يجوز للرجل فِي مَسْجِد بَيته، وَمذهب أبي حنيفَة قَول قديم للشَّافِعِيّ ضَعِيف عِنْد أَصْحَابه.
٧٢٠٢ - حدَّثنا إسماعيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الله ابنِ الْهادِ عنْ محَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ الحَارِثِ التَّيْمِيِّ عنْ أبِي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأوْسَطِ مِنْ رَمَضانَ فاعْتَكَفَ عَاما حَتَّى إذَا كانَ لَيْلَةُ إحْدَى وعِشْرِينَ وَهْيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكافِهِ قَالَ منْ كانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ وقدْ أُريتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وقَدْ رأيْتُنِي أسْجُدُ فِي ماءٍ وطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا فالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ والْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وكانَ المَسْجِدُ عَلى عَرِيشٍ فوَكَفَ الْمَسْجِدُ فَبَصُرَتْ عَينَايَ رسولَ الله ﷺ عَلَى جَبْهَتِهِ أثَرُ المَاءِ والطِّينِ مِنْ صْبْحِ إحْدَى وعِشْرِينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليعتكف الْعشْر الْأَوَاخِر) ، والْحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب تحري لَيْلَة الْقدر فِي
стр. 3252
الْوتر من الْعشْر الْأَوَاخِر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة عَن ابْن أبي حَازِم والدراوردي عَن يزِيد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَهَهُنَا أخرجه: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك عَن يزِيد ... إِلَى آخِره، وَقد تقدّمت مباحثه هُنَاكَ.
قَوْله: (إِذا كَانَ لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين) ، يفهم مِنْهُ أَن صُدُور هَذَا القَوْل، وَهُوَ: من كَانَ اعْتكف، كَانَ قبل الْحَادِي وَالْعِشْرين، وَسبق فِي: بَاب تحري لَيْلَة الْقدر، أَن صدوره كَانَ بعده، حَيْثُ قَالَ: (كَانَ جاور فِيهِ اللَّيْلَة الَّتِي كَانَ يرجع فِيهَا) . قَوْله: (هَذِه اللَّيْلَة) ، مفعول بِهِ لَا ظرف. قَوْله: (وَقد رأيتُني) ، أَي: رَأَيْت نَفسِي، قَوْله: (من عَرِيش) ، ويروى (على عَرِيش) ، وَهُوَ مَا يستظل بِهِ.
٢ - (بابُ الحَائِضِ تَرَجِّلُ المُعْتَكِفَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر الْحَائِض حَال كَونهَا ترجل الْمُعْتَكف، أَي: تمشط وتسرح الشّعْر، وَهُوَ من الترجيل، والترجيل والترجل تَسْرِيح الشّعْر وتنظيفه وتحسينه، والمرجل: بِكَسْر الْمِيم: الْمشْط، وَكَذَلِكَ: المسرح، بِالْكَسْرِ. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (ترجل الْمُعْتَكف) ، أَي: تمشطه وتدهنه. قلت: التدهين لَيْسَ دَاخِلا فِي معنى الترجيل لُغَة.
٨٢٠٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حَدثنَا يحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي عنْ عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النبيُّ ﷺ يُصْغِي إليَّ رَأسَهُ وَهْوَ مُجَاوِرٌ فِي المَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وأنَا حائِضٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأرجله وَأَنا حَائِض) ، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير.
قَوْله: (يصغي) ، بِضَم الْيَاء من الإصغاء أَي: يدني ويميل، وَرَأسه مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (وَهُوَ مجاور) ، جملَة حَالية أَي: معتكف. وَفِي رِوَايَة أَحْمد: (كَانَ يأتيني وَهُوَ معتكف فِي الْمَسْجِد، فيتكىء على بَاب حُجْرَتي فأغسل رَأسه وسائره فِي الْمَسْجِد) وَيُؤْخَذ مِنْهُ: أَن الْمُجَاورَة وَالِاعْتِكَاف وَاحِد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
وَفِيه: جَوَاز التَّنْظِيف والتطيب وَالْغسْل، كالترجل، وَالْجُمْهُور على أَنه لَا يكره فِيهِ إلَاّ مَا يكره فِي الْمَسْجِد. وَفِي (جَوَامِع الْفِقْه) : لَهُ أَن يَأْكُل وَيشْرب بعد الْغُرُوب، وَيحدث وينام ويدهن ويصعد المأذنة، وَإِن كَانَ بَابهَا خَارج الْمَسْجِد، وَيغسل رَأسه ويخرجه إِلَى بَاب الْمَسْجِد فيغسله أَهله، وَذكر أَنه يخرج للْأَكْل وَالشرب بعد الْغُرُوب. وَفِيه: أَن بدن الْحَائِض طَاهِر إلَاّ مَوضِع الدَّم، إِذْ لَو كَانَ نجسا لما مكنها رَسُول الله ﷺ من غسل رَأسه. وَفِيه: أَن يَد الْمَرْأَة لَيست بِعَوْرَة، لِأَن الْمَسْجِد لَا يَخْلُو عَن بعض الصَّحَابَة فَإِذا غسلت رَأسه شاهدوا يَدهَا. وَفِيه: أَن الِاعْتِكَاف لَا يَصح فِي غير الْمَسْجِد، وإلَاّ لَكَانَ يخرج مِنْهُ لترجيل الرَّأْس. وَفِيه: أَن إِخْرَاج الْبَعْض لَا يجْرِي مجْرى الْكل، وَلِهَذَا لَو حلف لَا يدْخل بَيْتا فَأدْخل رَأسه لم يَحْنَث.
٣ - (بابٌ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَاّ لِحَاجَةٍ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يدْخل الْمُعْتَكف الْبَيْت إلَاّ لحَاجَة، لَا بُد لَهُ مِنْهَا.
٩٢٠٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا لَ يْثٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ وعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النبيِّ ﷺ قالَتْ وإنْ كانَ رسولُ الله ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأسَهُ وهْوَ فِي المَسْجِدِ فأُرَجِّلُهُ وكانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَاّ لِحَاجَةٍ إذَا كانَ مُعْتَكِفا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ لَا يدْخل الْبَيْت إلَاّ لحَاجَة) .
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّوْم عَن القعْنبِي وقتيبة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ، وَالنَّسَائِيّ فِي الِاعْتِكَاف جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة، ثَلَاثَتهمْ عَن اللَّيْث وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ، وَلم يذكر قصَّة الترجيل.
قَوْله: (عَن عُرْوَة) ، أَي: ابْن الزبير ابْن الْعَوام، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة، كَذَا فِي رِوَايَة اللَّيْث جمع بَينهمَا، وَرَوَاهُ يُونُس وَالْأَوْزَاعِيّ: عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة وَحده، وَرَوَاهُ مَالك عَنهُ عَن عُرْوَة عَن عمْرَة. وَقَالَ أَبُو دَاوُد، وَغَيره لم يُتَابع عَلَيْهِ، وَذكر البُخَارِيّ أَن عبيد الله بن
стр. 3253
عمر تَابع مَالِكًا، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ: أَن أَبَا أويس رَوَاهُ كَذَلِك عَن الزُّهْرِيّ، وَاتَّفَقُوا على أَن الصَّوَاب قَول اللَّيْث، وَأَن البَاقِينَ اختصروا مِنْهُ ذكر عمْرَة، وَأَن ذكر عمْرَة فِي رِوَايَة مَالك من الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد، وَقد رَوَاهُ بَعضهم عَن مَالك فَوَافَقَ اللَّيْث. أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا، وَقَالَ ابْن بطال: ولهذه الْعلَّة لم يدْخل البُخَارِيّ حَدِيث مَالك، وَإِن كَانَ فِيهِ زِيَادَة تَفْسِير لكَونه ترْجم للْحَدِيث بِتِلْكَ الزِّيَادَة، إِذْ كَانَ ذَلِك عِنْده معنى الحَدِيث. قَوْله: (وَكَانَ لَا يدْخل الْبَيْت إلَاّ لحَاجَة) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إلَاّ لحَاجَة الأنسان) وفسرها الزُّهْرِيّ بالبول وَالْغَائِط.
وَقد اتَّفقُوا على استثنائهما، وَاخْتلفُوا فِي غَيرهمَا من الْحَاجَات، مثل: عِيَادَة الْمَرِيض وشهود الْجُمُعَة والجنازة، فَرَآهُ بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، وَغَيرهم، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ لَهُ أَن يفعل شَيْئا من هَذَا، قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَرَأَوا أَن للمعتكف إِذا كَانَ فِي مصر يجمع فِيهِ أَن لَا يعْتَكف إلَاّ فِي الْمَسْجِد الْجَامِع، لأَنهم كَرهُوا الْخُرُوج من مُعْتَكفه إِلَى الْجُمُعَة، وَلم يرَوا لَهُ أَن يتْرك الْجُمُعَة. وَقَالَ أَحْمد: لَا يعود الْمَرِيض وَلَا يتبع الْجِنَازَة. وَقَالَ إِسْحَاق: إِن اشْترط ذَلِك فَلهُ أَن يتبع الْجِنَازَة وَيعود الْمَرِيض. وَاخْتلفُوا فِي حُضُور مجَالِس الْعلم، فَذهب مَالك إِلَى أَن الْمُعْتَكف لَا يشْتَغل بِحُضُور مجَالِس الْعلم وَلَا بِغَيْر ذَلِك من الْقرب، مِمَّا لَا يتَعَلَّق بالاعتكاف، كَمَا أَن الْمُصَلِّي مَشْغُول بِالصَّلَاةِ عَن غَيرهَا من الْقرب، فَكَذَلِك الْمُعْتَكف.
وَذهب أَكثر أهل الْعلم إِلَى جَوَاز ذَلِك، بل إِلَى اسْتِحْبَاب الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَحُضُور مجَالِس الْعلم، لِأَن ذَلِك من أفضل الْقرب، وَيجوز لَهُ الِاشْتِغَال بالصنائع اللائقة بِالْمَسْجِدِ: كالخياطة والنسخ وَنَحْوهمَا وَالْكَلَام الْمُبَاح مَعَ النَّاس، وَعَن مَالك أَنه إِذا اشْتغل بحرفته فِي الْمَسْجِد يبطل اعْتِكَافه، وَحكى عَن الْقَدِيم للشَّافِعِيّ، وخصصه بَعضهم بالاعتكاف الْمَنْذُور.
وَفِي (الْبَدَائِع) : يحرم خُرُوجه من مُعْتَكفه لَيْلًا أَو نَهَارا إلَاّ لحَاجَة الْإِنْسَان، وَلَا يخرج لأكل وَلَا شرب وَلَا نوم وَلَا عِيَادَة مَرِيض وَلَا لصَلَاة جَنَازَة، فَإِن خرج فسد اعْتِكَافه، عَامِدًا أَو نَاسِيا بِخِلَاف مَا لَو أخرج مكْرها أَو انْهَدم الْمَسْجِد، فَخرج مِنْهُ فَدخل مَسْجِدا آخر اسْتِحْسَانًا. وَفِي (خزانَة الْأَكْمَل) : لَو تحول من مَسْجِد إِلَى مَسْجِد بَطل اعْتِكَافه، يَعْنِي من غير عذر.
وَفِي (النتف) : يجوز لَهُ أَن يتَحَوَّل إِلَى مَسْجِد آخر فِي خَمْسَة أَشْيَاء: أَحدهَا: أَن ينهدم مَسْجده. الثَّانِي: أَن يتفرق أَهله فَلَا يجتمعوا فِيهِ. الثَّالِث: أَن يُخرجهُ مِنْهُ سُلْطَان. الرَّابِع: أَن يَأْخُذهُ ظَالِم. الْخَامِس: أَن يخَاف على نَفسه وَمَاله من المكابرين.
وَعند الشَّافِعِي: خُرُوجه من الْمَسْجِد مُبْطل. وَفِي النَّاسِي لَا يبطل على الْأَصَح. وَعند الشَّافِعِي: يخرج إِلَى بَيته للْأَكْل وَالشرب، وَمنعه ابْن سُرَيج وَابْن سَلمَة، كَقَوْلِنَا، وَكَذَا لَهُ الْخُرُوج إِلَى بَيته ليشْرب المَاء إِذا لم يجده فِي الْمَسْجِد. وَإِن وجده فَخرج فَوَجْهَانِ: أصَحهمَا الْمَنْع. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : فِي الِاعْتِكَاف الْوَاجِب لَا يعود مَرِيضا وَلَا يخرج لجنازة، سَوَاء تعيّنت عَلَيْهِ أم لَا فِي الصَّحِيح، وَفِي التَّطَوُّع يجوز لعيادة الْمَرِيض وَصَلَاة الْجَنَائِز. قَالَ صَاحب (الشَّامِل) : هَذَا يُخَالف السّنة، فَإِنَّهُ، ﷺ ، كَانَ لَا يخرج من الِاعْتِكَاف لعيادة الْمَرِيض، وَكَانَ اعْتِكَافه نفلا لَا نذرا، وَإِن تعين عَلَيْهِ أَدَاء الشَّهَادَة وَخرج لَهُ يبطل اعْتِكَافه. وَفِي (الذَّخِيرَة) للمالكية: يُؤَدِّيهَا فِي الْمَسْجِد وَلَا يخرج، وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: الْمَسْأَلَة على أَرْبَعَة أَحْوَال: الأول: أَن لَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ التَّحَمُّل وَلَا الْأَدَاء. الثَّانِي: أَن يتَعَيَّن عَلَيْهِ التَّحَمُّل دون الْأَدَاء فَيبْطل فيهمَا. وَالثَّالِث: أَن يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْأَدَاء دون التَّحَمُّل، فَيبْطل على الْمَذْهَب. وَالرَّابِع: أَن يتَعَيَّن عَلَيْهِ التَّحَمُّل وَالْأَدَاء، فَالْمَذْهَب أَنه لَا يبطل.
٤ - (بابُ غُسْلِ الْمُعْتَكِفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غسل الْمُعْتَكف يَعْنِي يجوز وَلم يذكر الحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث.
٠٣٠٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتّ كانَ النبيُّ ﷺ يُبَاشِرُنِي وأنَا حائِضٌ.
وكانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وهْوَ مُعْتَكِفٌ فَأغْسِلُهُ وأنَا حَائِضٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح حكمهَا، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود
стр. 3254
هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ، وَقد تقدّمت مبَاحث هَذَا الحَدِيث فِي بَاب مُبَاشرَة الْحَائِض، فَإِنَّهُ أخرج هُنَاكَ عَن قبيصَة عَن سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة الحَدِيث. وَأخرج بعضه أَيْضا فِي: بَاب غسل الْحَائِض زَوجهَا وترجيله.
قَوْله: (فاغسله) وَفِي رِوَايَة للنسائي (فأغسله بخطمي) .
٥ - (بابُ الاعْتِكافِ لَيْلاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاعْتِكَاف
لَيْلًا بِغَيْر نَهَار.
٢٣٠٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أخبرَنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ عُمَرَ سألَ النبيَّ ﷺ قَالَ كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ قَالَ فَأوْفِ بِنَذْرِكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت نذرت فِي الْجَاهِلِيَّة أَن أعتكف لَيْلَة) ، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِكَاف: عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله على مَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي بكر وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن يحيى ابْن سعيد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن يحيى بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الِاعْتِكَاف عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصّيام عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الخطمي. وَفِي الْكَفَّارَات عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
قَوْله: (حَدثنَا مُسَدّد) كَذَا رَوَاهُ مُسَدّد من مُسْند ابْن عمر، وَوَافَقَهُ الْمقدمِي وَغَيره عِنْد مُسلم وَغَيره، وَخَالفهُم يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن يحيى، فَقَالَ: عَن ابْن عمر عَن عمر، أخرجه النَّسَائِيّ، وَكَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد، لكنه فِي الْمسند كَمَا قَالَ مُسَدّد. قَوْله: (أَن عمر سَأَلَ النَّبِي، ﷺ وَلم يذكر مَوضِع السُّؤَال، وَسَيَأْتِي فِي النّذر من وَجه آخر أَن ذَلِك كَانَ بالجعرانة لما رجعُوا من حنين، وَفِيه الرَّد على من زعم أَن اعْتِكَاف عمر كَانَ قبل الْمَنْع من الصّيام فِي اللَّيْل، لِأَن غَزْوَة حنين مُتَأَخِّرَة عَن ذَلِك. قَوْله: (كنت نذرت فِي الْجَاهِلِيَّة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق حَفْص بن غياث عَن عبيد الله: فَلَمَّا أسلمت سَأَلت وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (مَوضِع فِي الْجَاهِلِيَّة فِي الشّرك) . قَوْله: (أَن اعْتكف لَيْلَة) ، قَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ أَنه لَا يشْتَرط الصَّوْم لصِحَّة الِاعْتِكَاف. انْتهى. لِأَن اللَّيْل لَيْسَ ظرفا للصَّوْم، فَلَو كَانَ شرطا لأَمره النَّبِي، ﷺ ، بِهِ. وَيرد عَلَيْهِ بِأَن فِي رِوَايَة شُعْبَة عَن عبيد الله عِنْد مُسلم: يَوْمًا، بدل: لَيْلَة، وَقد جمع ابْن حبَان وَغَيره بَين الرِّوَايَتَيْنِ: بِأَنَّهُ نذر اعْتِكَاف يَوْم وَلَيْلَة، فَمن أطلق لَيْلَة أَرَادَ بيومها، وَمن أطلق يَوْمًا أَرَادَ بليلته. على أَنه ورد الْأَمر بِالصَّوْمِ فِي رِوَايَة عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر صَرِيحًا. رَوَاهُ النَّسَائِيّ، قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر بن عَليّ، قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن حَمَّاد الْوراق، قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن مُحَمَّد العبقري عَن عبد الله بن بديل بن وَرْقَاء عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر: (أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سَأَلَ النَّبِي، ﷺ ، عَن اعْتِكَاف عَلَيْهِ، فَأمره أَن يعْتَكف ويصوم) . وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي آخر: بَاب الْعَمَل فِي الْعشْر الْأَوَاخِر. وَقَالَ بَعضهم: عبد الله بن بديل ضَعِيف. قلت: قد وثق وعلق لَهُ البُخَارِيّ. فَإِن قلت: قَالَ ابْن حزم: وَلَا يعرف هَذَا الْخَبَر من مُسْند عَمْرو بن دِينَار أصلا، وَلَا يعرف لعَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر حَدِيث مُسْند إلَاّ ثَلَاث لَيْسَ هَذَا مِنْهَا. قلت: لعَمْرو بن دِينَار فِي (الصَّحِيح) نَحْو عشرَة أَحَادِيث عَن ابْن عمر، فَمَا هَذَا الْكَلَام؟
٦ - (بابُ اعْتِكَافِ النِّساءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اعْتِكَاف النِّسَاء.
٣٣٠٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النبيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ
стр. 3255
فكُنْتُ أضرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ فاسْتَأذَنَتْ حَفْصَةُ عائِشَةَ أنْ تَضْربَ خباءً فأذِنَتْ لَهَا فَضَرَبَتْ خِبَاءً فلَمَّا رَأتْهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ضرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ فَلَمَّا أصْبَحَ النبيُّ ﷺ رَأى الأخْبِيَةَ فَقَالَ مَا هَذَا فأُخْبِرَ فقَالَ النبيُّ ﷺ آلْبِرُّ تُرَوْنَ بِهِنَّ فتَرَكَ الاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرا مِنْ شَوَّالٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي ضرب حَفْصَة وَزَيْنَب خباء فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ للاعتكاف، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن الْأَنْصَارِيَّة، وَقد مرت غير مرّة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك وَعَن مُحَمَّد بن سَلام عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن الْأَوْزَاعِيّ على مَا سَيَأْتِي كُله، وَأخرجه مُسلم فِيهِ ن يحيى بن يحيى وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن سَلمَة بن شبيب وَعَن عَمْرو ابْن سَواد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي. وَفِي الِاعْتِكَاف عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّوْم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَفِي ألفاظهم اخْتِلَاف، وَالْمعْنَى مُتَقَارب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن عمْرَة) ، وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ الَّتِي تَأتي فِي أَوَاخِر الِاعْتِكَاف: (عَن يحيى بن سعيد حَدَّثتنِي عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن) . قَوْله: (عَن عَائِشَة) وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة من طَرِيق عَمْرو بن الْحَارِث: (عَن يحيى ابْن سعيد عَن عمْرَة حَدَّثتنِي عَائِشَة) . قَوْله: (خباء) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالمد: هُوَ الْخَيْمَة من وبر أَو صُفُوف، وَلَا يكون من الشّعْر، وَهُوَ على عمودين أَو ثَلَاثَة، وَيجمع على الأخبية نَحْو: الْخمار والأخمرة. قَوْله: (فَيصَلي الصُّبْح ثمَّ يدْخلهُ) ، أَي: الخباء. وَفِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل عَن يحيى بن سعيد الَّتِي تَأتي فِي: بَاب الِاعْتِكَاف فِي شَوَّال: (كَانَ يعْتَكف فِي كل رَمَضَان، فَإِذا صلى الْغَدَاة دخل) . وَاسْتدلَّ بِهِ على أَن مبدأ الِاعْتِكَاف من أول النَّهَار، وَفِيه خلاف يَأْتِي. قَوْله: (فاستأذنت حَفْصَة عَائِشَة أَن تضرب خباء) ، فحفصة هُوَ الْفَاعِل، وَعَائِشَة هُوَ الْمَفْعُول، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالْأَصْل: بِأَن تضرب، أَي: تضرب خباء، وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ على مَا يَأْتِي: (فاستأذنته عَائِشَة فَأذن لَهَا، وَسَأَلت حَفْصَة عَائِشَة أَن تستأذن لَهَا فَفعلت) . وَفِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل على مَا يَأْتِي: (فاستأذنته عَائِشَة أَن تعتكف فَأذن لَهَا فَضربت قبَّة، فَسمِعت بهَا حَفْصَة فَضربت قبَّة) . وَزَاد فِي رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث (لتعتكف مَعَه) . وَهَذَا يشْعر بِأَنَّهَا فعلت ذَلِك بِغَيْر إِذن، وَلَكِن جَاءَ فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عِنْد النَّسَائِيّ: (ثمَّ استأذنته حَفْصَة فَأذن لَهَا) . قَوْله: (فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَب بنت جحش ضربت خباء) . وَفِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل: وَسمعت بهَا زَيْنَب فَضربت قبَّة أُخْرَى، وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث: (فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَب ضربت مَعَهُنَّ، وَكَانَت امْرَأَة غيورا) . قَوْله: (فَلَمَّا أصبح النَّبِي، ﷺ ، رأى الأخبية) ، وَفِي رِوَايَة مَالك الَّتِي بعد هَذِه: (فَلَمَّا انْصَرف إِلَى الْمَكَان الَّذِي أَرَادَ أَن يعْتَكف فِيهِ، إِذا أخبية) . وَفِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل: (فَلَمَّا انْصَرف من الْغَدَاة أبْصر أَربع قباب) ، يَعْنِي: قبه لَهُ وَثَلَاثًا للثلاث. وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: (وَكَانَ رَسُول الله، ﷺ ، إِذا صلى انْصَرف إِلَى بنائِهِ) أَي: الَّذِي بنى لَهُ ليعتكف فِيهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عِنْد مُسلم وَأبي دَاوُد: (فَأمرت زَيْنَب بخبائها فَضرب، وَأمر غَيرهَا من أَزوَاج النَّبِي، ﷺ ، بخبائها فَضرب) . قَالَ بَعضهم: وَهَذَا يَقْتَضِي تَعْمِيم الْأزْوَاج بذلك، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقد فسرت الْأزْوَاج فِي الرِّوَايَات الْأُخْرَى: بعائشة وَحَفْصَة وَزَيْنَب فَقَط، وَبَين ذَلِك قَوْله فِي هَذِه الرِّوَايَات: أَربع قباب، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عِنْد النَّسَائِيّ: فَلَمَّا صلى الصُّبْح إِذا هُوَ أَرْبَعَة أبنية، قَالَ: لمن هَذِه؟ قَالُوا: لعَائِشَة وَحَفْصَة وَزَيْنَب، انْتهى. قلت: هَذَا الْقَائِل كَأَنَّهُ نسي كلمة: من، هَهُنَا. فَإِن، من، فِي قَوْله: من أَزوَاج النَّبِي، ﷺ ، للتَّبْعِيض، فَمن أَيْن يَأْتِي التَّعْمِيم؟ وَمعنى قَوْله: (وَأمر غَيرهَا) أَي: غير زَيْنَب وَهِي حَفْصَة. قَوْله: (آلبر ترَوْنَ بِهن؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار، وَالْبر هُوَ: الطَّاعَة وَالْخَيْر، وَهُوَ مَنْصُوب بِلَفْظ: ترَوْنَ، الْمَعْلُوم من الرَّأْي، وبلفظ الْمَجْهُول بِمَعْنى: تظنون، وَيجوز الرّفْع وإلغاء الْفِعْل لِأَنَّهُ توَسط بَين المفعولين
стр. 3256
قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: وَجه النصب على أَنه مفعول ترَوْنَ مقدما، وَوجه الرّفْع، وَفِي رِوَايَة مَالك: (آلبر تَقولُونَ بِهن؟) أَي: تظنون، وَالْقَوْل يُطلق على الظَّن، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: (آلبر أردن بِهَذَا؟) وَفِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل: (مَا حَملهنَّ على هَذَا؟ آلبر؟ انزعوها فَلَا أَرَاهَا، فنزعت) . وَكلمَة: مَا، استفهامية. وَقَوله: (آلبر؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: آلبر يردنه؟ قَوْله: (فَلَا أَرَاهَا) الْفَاء يجوز أَن تكون زَائِدَة أَي: لَا أرى الأخبية الْمَذْكُورَة. وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب حذف الْألف من: أَرَاهَا، لِأَنَّهُ مجزوم. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ نفي وَلَيْسَ بنهي. قَوْله: (فَترك الِاعْتِكَاف) ، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: (فَأمر بخبائه فقوض) ، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْوَاو الْمَكْسُورَة وَفِي آخِره ضاد مُعْجمَة، أَي: نقض. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا قَالَ ﷺ هَذَا الْكَلَام إنكارا لفعلهن، لِأَنَّهُ خَافَ أَن يكن مخلصات فِي الِاعْتِكَاف، بل أردن الْقرب مِنْهُ المباهاة بِهِ، وَلِأَن الْمَسْجِد يجمع النَّاس ويحضره الْأَعْرَاب والمنافقون، وَهن محتاجات إِلَى الدُّخُول وَالْخُرُوج فيبتذلن بذلك، وَلِأَنَّهُ ﷺ إِذا رآهن عِنْده فِي الْمَسْجِد فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي منزله بِحُضُورِهِ مَعَ أَزوَاجه، وَذهب الْمَقْصُود من الِاعْتِكَاف، وَهُوَ التخلي عَن الْأزْوَاج ومتعلقات الدُّنْيَا، أَو لِأَنَّهُنَّ ضيقن الْمَسْجِد بأخبيتهن وَنَحْوهَا. قَوْله: (فَترك الِاعْتِكَاف. .) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل: (فَلم يعْتَكف فِي رَمَضَان حَتَّى اعْتكف فِي آخر الْعشْر من شَوَّال) . وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: (حَتَّى اعْتكف فِي الْعشْر الأول من شَوَّال) ، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ هُوَ أَن المُرَاد بقوله: (آخر الْعشْر من شَوَّال) انْتِهَاء اعْتِكَافه، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز الِاعْتِكَاف بِغَيْر صَوْم، لِأَن أول شَوَّال هُوَ يَوْم الْفطر، وصومه حرَام. قلت: لَيْسَ فِيهِ دَلِيل لما قَالَه، لِأَن المُرَاد من قَوْله: (اعْتكف فِي الْعشْر الأول) ، أَي: كَانَ ابتداؤه فِي الْعشْر الأول، فَإِذا اعْتكف من الْيَوْم الثَّانِي من شَوَّال يصدق عَلَيْهِ أَنه ابْتَدَأَ فِي الْعشْر الأول، وَالْيَوْم الأول مِنْهُ يَوْم أكل وَشرب، وَيُقَال، كَمَا ورد فِي الحَدِيث: وَالِاعْتِكَاف هُوَ التخلي لِلْعِبَادَةِ فَلَا يكون الْيَوْم الأول محلا لَهُ بِالْحَدِيثِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فِي قَوْله: (فَيصَلي الصُّبْح ثمَّ يدْخلهُ) احتجاج من يَقُول يبْدَأ بالاعتكاف من أول النَّهَار، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث فِي أحد قوليه، وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر، وَذَهَبت الْأَرْبَعَة وَالنَّخَعِيّ إِلَى جَوَاز دُخُوله قبيل الْغُرُوب إِذا أَرَادَ اعْتِكَاف عشر أَو شهر، وَأولُوا الحَدِيث على أَنه دخل الْمُعْتَكف وَانْقطع فِيهِ وتخلى بِنَفسِهِ بعد صَلَاة الصُّبْح، لِأَن ذَلِك فِي وَقت ابْتِدَاء الِاعْتِكَاف أول اللَّيْل، وَلم يدْخل الخباء إلَاّ بعد ذَلِك، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِن أَرَادَ الِاعْتِكَاف عشر ليَالِي دخل قبل الْغُرُوب. وَهل يبيت لَيْلَة الْفطر فِي مُعْتَكفه وَلَا يخرج مِنْهُ إلَاّ أذا خرج لصَلَاة الْعِيد فَيصَلي؟ وَحِينَئِذٍ يخرج إِلَى منزله، أَو يجوز لَهُ أَن يخرج عِنْد الْغُرُوب من آخر يَوْم من شهر رَمَضَان؟ قَولَانِ للْعُلَمَاء: الأول: قَول مَالك وَأحمد وَغَيرهمَا، وسبقهم أَبُو قلَابَة وَأَبُو مجلز. وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك إِذا لم يفصل هَل يبطل اعْتِكَافه أم لَا يبطل؟ قَولَانِ، وَذهب الشَّافِعِي وَاللَّيْث وَالزهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ فِي آخَرين: إِلَى أَنه يجوز خُرُوجه لَيْلَة الْفطر، وَلَا يلْزمه شَيْء. وَفِيه: أَن الْمَسْجِد شَرط للاعتكاف، لِأَن النِّسَاء شرع لَهُنَّ الاحتجاب فِي الْبيُوت، فَلَو لم يكن الْمَسْجِد شرطا مَا وَقع مَا ذكر من الْإِذْن وَالْمَنْع، وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن عبلة فِي قَوْله: (آلبر يردن؟) دلَالَة على أَنه لَيْسَ لَهُنَّ الِاعْتِكَاف فِي الْمَسْجِد، إِذْ مَفْهُومه لَيْسَ ببر لَهُنَّ. وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ مَا قَالَه بواضح قلت: بلَى، هُوَ وَاضح لِأَنَّهُ إِذا لم يكن برا لَهُنَّ يكون فعله غير بر، أَي: غير طَاعَة، وارتكاب غير الطَّاعَة حرَام، وَيلْزم من ذَلِك عدم الْجَوَاز. وَفِيه: جَوَاز ضرب الأخبية فِي الْمَسْجِد. وَفِيه: شُؤْم الْغيرَة لِأَنَّهَا ناشئة عَن الْحَسَد المفضي إِلَى ترك الْأَفْضَل لأَجله. وَفِيه: ترك الْأَفْضَل إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة، وَأَن من خشِي على عمله الرِّيَاء جَازَ لَهُ تَركه وقطعه.
وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: أَن الِاعْتِكَاف لَا يجب بِالنِّيَّةِ، وَأما قَضَاؤُهُ ﷺ لَهُ فعلى طَرِيق الِاسْتِحْبَاب، لِأَنَّهُ كَانَ إِذا عمل عملا أثْبته، وَلِهَذَا لم ينْقل أَن نِسَاءَهُ اعتكفن مَعَه فِي شَوَّال. انْتهى. قلت: قَوْله: (إِن الِاعْتِكَاف لَا يجب بِالنِّيَّةِ، لَيْسَ بمقتصر على الِاعْتِكَاف، بل كل عمل يَنْوِي الشَّخْص أَن يعمله لَا يلْزمه بِمُجَرَّد النِّيَّة: بل إِنَّمَا يلْزمه بِالشُّرُوعِ) .
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: اخْتلف
стр. 3257
أهل الْعلم فِي الْمُعْتَكف إِذا قطع اعْتِكَافه قبل أَن يتمه على مَا نوى، فَقَالَ بعض أهل الْعلم: إِذا نقض اعْتِكَافه وَجب عَلَيْهِ الْقَضَاء، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَن أنس قَالَ: (كَانَ النَّبِي، ﷺ ، يعْتَكف فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان، فَلم يعْتَكف عَاما، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل اعْتكف عشْرين) . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب، وَانْفَرَدَ بِهِ، وَقَالَ: إِنَّه، ﷺ ، خرج من اعْتِكَافه، فاعتكف عشرا من شَوَّال، وَهُوَ قَول مَالك بن أنس. قلت: مَا وَجه استدلالهم بِهَذَا الحَدِيث فِي وجوب الْقَضَاء؟ وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور يَقُول صَرِيحًا: فَلم يعْتَكف عَاما، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل اعْتكف عشْرين؟ فَإِذا لم يعْتَكف كَيفَ يسْتَدلّ بِهِ على وجوب الْقَضَاء؟ وَالظَّاهِر أَن اعْتِكَافه، ﷺ ، لم يكن فِي الْعَام الْمقبل إِلَّا لِأَنَّهُ قد عزم عَلَيْهِ، وَلكنه لم يعْتَكف. ثمَّ وفى لله، ، بِمَا نَوَاه من فعل الْخَيْر وَاعْتَكف فِي شَوَّال، وَهُوَ اللَّائِق فِي حَقه. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: نَكِير أَن يكون النَّبِي ﷺ قضى الِاعْتِكَاف من أجل أَنه نوى أَن يعمله، وَإِن لم يدْخل فِيهِ، لِأَنَّهُ كَانَ أوفى النَّاس لرَبه فِيمَا عاهده عَلَيْهِ. وَقَالَ شَيخنَا، ﵀: وعَلى تَقْدِير شُرُوعه فَفِيهِ دَلِيل على جَوَاز خُرُوج الْمُعْتَكف المتطوع من اعْتِكَافه.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك، فَقَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) المتطوع فِي الِاعْتِكَاف، وَالَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِكَاف أَمرهمَا سَوَاء فِيمَا يحل لَهُم وَيحرم عَلَيْهِمَا، قَالَ: وَلم يبلغنِي أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ اعْتِكَافه إلَاّ تَطَوّعا. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: قَوْله هَذَا قَول جَمَاهِير الْعلمَاء، لِأَن الِاعْتِكَاف، وَإِن لم يكن وَاجِبا إلَاّ على من نَذره، فَإِنَّهُ يجب بِالدُّخُولِ فِيهِ كَالصَّلَاةِ النَّافِلَة وَالْحج وَالْعمْرَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَفِي الحَدِيث أَن الْمَرْأَة لَا تعتكف حَتَّى تستأذن زَوجهَا، وَأَنَّهَا إِذا اعتكفت بِغَيْر إِذْنه كَانَ لَهُ أَن يُخرجهَا وَإِن كَانَ بِإِذْنِهِ فَلهُ أَن يرجع فيمنعها، وَعَن أهل الرَّأْي: إِذا أذن لَهَا الزَّوْج ثمَّ منعهَا أَثم بذلك، وامتنعت، وَعَن مَالك: لَيْسَ لَهُ ذَلِك، وَهَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. قلت: كَيفَ يكون الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم وَلَيْسَ فِيهِ مَا ذكره من ذَلِك صَرِيحًا، وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ مَا ذكر من اسْتِئْذَان حَفْصَة من عَائِشَة فِي ضرب الخباء، وَإِذن عَائِشَة لَهَا بذلك، وَضربت زَيْنَب خباء آخر من غير اسْتِئْذَان من أحد. وَفِيه: إِنْكَاره ﷺ عَلَيْهِم بذلك، وَوجه إِنْكَاره مَا ذَكرْنَاهُ عَن القَاضِي عِيَاض عَن قريب، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على مَا ذكره ابْن الْمُنْذر على مَا لَا يخفى على المتأمل.
وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: جَوَاز الْخُرُوج من الِاعْتِكَاف بعد الدُّخُول فِيهِ، وَأَنه لَا يلْزم بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالشُّرُوعِ فِيهِ، أَي: لَا يلْزم الِاعْتِكَاف بِالشُّرُوعِ فِيهِ، ويستنبط مِنْهُ سَائِر التطوعات خلافًا لمن قَالَ باللزوم. انْتهى. قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على مَا ذكره، لِأَن الحَدِيث لَا يدل على أَنه ﷺ دخل فِي الِاعْتِكَاف ثمَّ خرج مِنْهُ، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه بَطل الِاعْتِكَاف فِي ذَلِك الشَّهْر، يدل عَلَيْهِ قَوْله: فَترك الِاعْتِكَاف ذَلِك الشَّهْر، وَقَوله: وَلَا بِالشُّرُوعِ فِيهِ، أَي: لَا يلْزم الِاعْتِكَاف بِالشُّرُوعِ فِيهِ دَعْوَى من الْخَارِج، والْحَدِيث لَا يدل عَلَيْهِ، وَكَيف لَا يلْزم بِالشُّرُوعِ فِي عبَادَة وَالْقَوْل بذلك يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال الْعَمَل؟ وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ (مُحَمَّد: ٣٣) . وَقَوله: ويستنبط مِنْهُ، غير مُسلم، لِأَن الَّذِي ذكره لَا يدل عَلَيْهِ الحَدِيث، وَكَيف يستنبط مِنْهُ عدم لُزُوم سَائِر التطوعات لِأَن الاستنباط لَا يكون إلَاّ من دَلِيل صَحِيح فَافْهَم.
٧ - (بابُ الأخْبِيَةِ فِي المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيمَا جَاءَ فِي ذكر نصب الأخبية فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ .
٤٣٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ عُمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ أرَادَ أنْ يَعْتَكِفَ فَلَمَّا انْصَرَفَ إلَى المَكانِ الَّذِي أرَادَ أنْ يَعْتَكِفِ إذَا أخْبِيَةٌ خباءُ عائِشَةَ وخِباءُ حَفْصَةَ وخِبَاءُ زَيْنَبَ فَقَالَ آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهنَّ ثُمَّ انْصَرَفَ فلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرا منْ شَوَّالٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا أخبية) ، وَهُوَ هَذَا الحَدِيث الَّذِي مضى فِي الْبَاب السَّابِق، غير أَنه ذكره أَيْضا مُخْتَصرا
стр. 3258
من طَرِيق مَالك عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَوَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات: عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، وَسقط قَوْله: عَن عَائِشَة، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ والكشميهني، وَكَذَا هُوَ فِي الموطآت كلهَا.
وَأخرجه أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج من طَرِيق عبد الله بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ مُرْسلا أَيْضا، وَجزم بِأَن البُخَارِيّ أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف مَوْصُولا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَاهُ مَالك، وَعَن غير وَاحِد عَن يحيى مُرْسلا، وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : رُوَاة الْمُوَطَّأ اخْتلفُوا فِي قطعه وَإِسْنَاده، فَمنهمْ من يرويهِ عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد أَن رَسُول الله، ﷺ ، لَا يذكر غَيره، وَمِنْهُم من يرويهِ عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَخَالفهُم يحيى بن يحيى فَرَوَاهُ عَن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ابْن شهَاب عَن عمْرَة، قَالَ فِي (التَّمْهِيد) : وَهُوَ غلط وَخطأ مفرط لم يُتَابِعه أحد على ذَلِك، وَلَا يعرف هَذَا الحَدِيث لِابْنِ شهَاب لَا من حَدِيث مَالك وَلَا من حَدِيث غَيره من أَصْحَاب ابْن شهَاب، وَهُوَ من حَدِيث يحيى بن سعيد مَحْفُوظ صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ فَذكره.
قَوْله: (إِذا أخبية) كلمة: إِذا، للمفاجأة وَخبر الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا أخبية مَضْرُوبَة، وَنَحْوهَا. قَوْله: (خباء عَائِشَة) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: أَحدهَا خباء عَائِشَة، وَالثَّانِي خباء حَفْصَة، وَالثَّالِث خباء زَيْنَب. قَوْله: (آلبر) ، قد مر تَفْسِيره. قَوْله: (تَقولُونَ) أَي: تعتقدون أَو تظنون، وَالْعرب تجْرِي: تَقول، فِي الِاسْتِفْهَام مجْرى الظَّن فِي الْعَمَل، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: يقلن، بِلَفْظ جمع الْمُؤَنَّث وَلَكِن الْخطاب للنَّاس الْحَاضِرين الشَّامِل للرِّجَال وَالنِّسَاء، وَالْمَفْعُول الثَّانِي لقَوْله: (تَقولُونَ) هُوَ قَوْله: (بِهن) ، إِذْ تَقْدِيره: ملتبسا بِهن.
٨ - (بابٌ هَلْ يَخْرُجُ المُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بابِ المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يخرج الْمُعْتَكف من مُعْتَكفه لأجل حَوَائِجه، إِلَى بَاب الْمَسْجِد الَّذِي هُوَ فِيهِ معتكف؟ وَلم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث.
٥٣٠٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ أخْبَرَتْهُ أنَّهَا جاءَتْ رسولَ الله ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأوَاخِرِ منْ رَمضانَ فتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ ساعَةً ثُمَّ قامَتْ تَنْقَلِبُ فقامَ النبيُّ ﷺ معَهَا يَقْلِبُهَا حتَّى إذَا بلَغَتْ بابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بابِ أمِّ سلَمَةَ مَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأنصْارِ فسَلَّمَا عَلى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ لَهُمَا النبيُّ ﷺ عَلَى رِسْلِكُمَا إنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فقَالَا سُبْحَانَ الله يَا رسولَ الله وكَبُرَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ منَ الإنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وإنِّي خَشِيتُ أنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُما شَيْئا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقَامَ النَّبِي ﷺ مَعهَا يقلبها حَتَّى إِذا بلغت بَاب الْمَسْجِد) .
وَرِجَاله: أَبُو الْيَمَان الحكم ابْن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب الْقرشِي الْهَاشِمِي أَبُو الْحُسَيْن الْمدنِي زين العابدين، ولد سنة ثَلَاث وَعشْرين. وَعَن الزُّهْرِيّ: كَانَ مَعَ أَبِيه يَوْم قتل وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَعشْرين سنة، وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين بِالْمَدِينَةِ، وَقيل غير ذَلِك، وَصفِيَّة بنت حييّ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة مُصَغرًا، ابْن أَخطب، وَكَانَ أَبوهَا رَئِيس خَيْبَر، وَكَانَت تكنى أم يحيى.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أبي الْيَمَان أَيْضا وَفِي صفة إِبْلِيس عَن مُحَمَّد عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي الِاعْتِكَاف أَيْضا عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله وَفِي الْأَحْكَام عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَفِي الِاعْتِكَاف أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِيه وَفِي الْخمس عَن سعيد بن عفير وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَأخرجه مُسلم فِي
стр. 3259
الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي الْيَمَان بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّوْم وَفِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن مُحَمَّد شبويه الْمروزِي وَعَن مُحَمَّد بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الِاعْتِكَاف عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن خَالِد وَعَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّوْم عَن إِبْرَاهِيم ابْن الْمُنْذر الْحزَامِي.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنَّهَا جَاءَت) أَي: أَن صَفِيَّة جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (تزوره) ، من الْأَحْوَال الْمقدرَة، وَفِي رِوَايَة معمر الَّتِي تَأتي فِي صفة إِبْلِيس، فَأَتَيْته أَزورهُ لَيْلًا، وَفِي رِوَايَة هِشَام بن يُوسُف عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ: (كَانَ النَّبِي ﷺ فِي الْمَسْجِد وَعِنْده أَزوَاجه. فرحن وَقَالَ لصفية: لَا تعجلِي حَتَّى أنصرف مَعَك) ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ خشِي عَلَيْهَا، وَكَانَ مَشْغُولًا فَأمرهَا بالتأخر ليفرغ من شغله ويشيعها، وروى عبد الرَّزَّاق من طَرِيق مَرْوَان بن سعيد بن الْمُعَلَّى: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ معتكفا فِي الْمَسْجِد فَاجْتمع إِلَيْهِ نساؤه ثمَّ تفرقن، فَقَالَ لصفية: أقلبك إِلَى بَيْتك، فَذهب مَعهَا حَتَّى أدخلها بَيتهَا. وَفِي رِوَايَة هِشَام الْمَذْكُورَة (وَكَانَ بَيتهَا فِي دَار أُسَامَة) ، زَاد: وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر: (وَكَانَ مَسْكَنهَا فِي دَار أُسَامَة بن زيد) أَي الدَّار الَّتِي صَارَت بعد ذَلِك لأسامة بن زيد، لِأَن أُسَامَة إِذْ ذَاك لم يكن لَهُ دَار مُسْتَقلَّة بِحَيْثُ تسكن فِيهَا صَفِيَّة، وَكَانَت بيُوت أَزوَاج النَّبِي، ﷺ ، حوالى أَبْوَاب الْمَسْجِد. قَوْله: (فتحدثت عِنْده سَاعَة) ، أَي: فتحدثت صَفِيَّة عِنْد النَّبِي، ﷺ ، وَفِي الْأَدَب عَن الزُّهْرِيّ: سَاعَة من الْعشَاء. قَوْله: (ثمَّ قَامَت تنْقَلب) أَي: ترد إِلَى بَيتهَا، (فَقَامَ مَعهَا يقلبها) بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْقَاف أَي: يردهَا إِلَى منزلهَا، يُقَال: قلبه يقلبه وانقلب هُوَ إِذا انْصَرف. قَوْله: (فَلَقِيَهُ رجلَانِ من الْأَنْصَار) قيل: هما أسيد بن حضير وَعباد بن بشر. وَقَالَ ابْن التِّين فِي رِوَايَة سُفْيَان عِنْد البُخَارِيّ: (فَأَبْصَرَهُ رجل من الْأَنْصَار) ، وَقَالَ: لَعَلَّه وهم، لِأَن أَكثر الرِّوَايَات: (فَأَبْصَرَهُ رجلَانِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن يكون هَذَا مرَّتَيْنِ، وَيحْتَمل أَن يكون ﷺ أقبل على أَحدهمَا بالْقَوْل بِحَضْرَة الآخر، فَتَصِح على هَذَا نِسْبَة الْقِصَّة إِلَيْهِمَا جَمِيعًا وإفرادا. وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أنس بِالْإِفْرَادِ، فوجهه مَا ذكره الْقُرْطُبِيّ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي. قَوْله: (فسلما على رَسُول الله، ﷺ . وَفِي رِوَايَة معمر: (فَنَظَرا إِلَى النَّبِي ﷺ ثمَّ أجازا) ، أَي: مضيا. يُقَال: جَازَ وَأَجَازَ بِمَعْنى، وَيُقَال: جَازَ الْموضع: إِذا سَار فِيهِ، وَأَجَازَهُ إِذا قطعه وَخَلفه، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي عَتيق: (ثمَّ نفذا) ، وَهُوَ بِالْفَاءِ وبالذال الْمُعْجَمَة، أَي: خلفاه، وَفِي رِوَايَة معمر: (فَلَمَّا رَأيا النَّبِي ﷺ أَسْرعَا) أَي: فِي الْمَشْي. وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عِنْد ابْن حبَان: (فَلَمَّا رأياه استحييا فَرَجَعَا) . قَوْله: (على رِسْلكُمَا) ، بِكَسْر الرَّاء، أَي: على هيئتكما. وَقَالَ ابْن فَارس: الرُّسُل السّير السهل، وَضَبطه بِالْفَتْح وَجَاء فِيهِ الْكسر وَالْفَتْح بِمَعْنى: التؤدة، وَترك العجلة، وَقيل: بِالْكَسْرِ: التؤدة، وبالفتح الرِّفْق واللين، وَالْمعْنَى مُتَقَارب. وَفِي رِوَايَة معمر: (فَقَالَ لَهما النَّبِي ﷺ تعاليا) ، بِفَتْح اللَّام. قَالَ الدَّاودِيّ: أَي قفا. ذكره بَعضهم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدَّاودِيّ. وَفِي (التَّلْوِيح) : قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ: قفا. وَلم يرد الْمَجِيء إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: فَأخْرجهُ عَن مَعْنَاهُ بِغَيْر دَلِيل وَاضح. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: التعالى الِارْتفَاع، تَقول مِنْهُ إِذا أمرت: تعال يَا رجل، بِفَتْح اللَّام وللمرأة: تَعَالَى. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: تَعَالَى تفَاعل من عَلَوْت، وَقَالَ الْفراء: أَصله عَال الْبناء، وَهُوَ من الْعُلُوّ. ثمَّ إِن الْعَرَب لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاهَا صَارَت عِنْدهم بِمَنْزِلَة: هَلُمَّ، حَتَّى استجازوا أَن يَقُولُوا: لرجل وَهُوَ فَوق شرف: تَعَالَى أَي: إهبط، وَإِنَّمَا أَصْلهَا الصعُود. قَوْله: (إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّة بنت حييّ) فِي رِوَايَة سُفْيَان (هَذِه صَفِيَّة) . قَوْله: (فَقَالَا: سُبْحَانَ الله) إِمَّا حَقِيقَة: أَي أنزه الله تَعَالَى عَن أَن يكون رَسُوله مُتَّهمًا بِمَا لَا يَنْبَغِي، أَو كِنَايَة عَن التَّعَجُّب من هَذَا القَوْل. قَوْله: (وَكبر) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: عظم وشق عَلَيْهِمَا، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب: (وَكبر عَلَيْهِمَا مَا قَالَ) . وَعَن معمر: (فَكبر ذَلِك عَلَيْهِمَا) وَفِي رِوَايَة هشيم: (فَقَالَ: يَا رَسُول الله! وَهل نظن بك إلَاّ خيرا؟) قَوْله: (إِن الشَّيْطَان يبلغ من ابْن آدم مبلغ الدَّم) أَي: كمبلغ الدَّم. وَوجه الشّبَه بَين طرفِي التَّشْبِيه شدَّة الِاتِّصَال وَعدم الْمُفَارقَة، وَفِي رِوَايَة معمر: (يجْرِي من الْإِنْسَان مجْرى الدَّم) . وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من طَرِيق عُثْمَان ابْن عمر التَّيْمِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَزَاد عبد الْأَعْلَى: (فَقَالَ: إِنِّي خفت أَن تظنا ظنا، إِن الشَّيْطَان يجْرِي) إِلَى آخِره. وَفِي رِوَايَة
стр. 3260
عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق: (مَا أَقُول لَكمَا هَذَا أَن تَكُونَا تظنان شرا، وَلَكِن قد علمت أَن الشَّيْطَان يجْرِي من بن آدم مجْرى الدَّم) . قَوْله: (وَإِنِّي خشيت أَن يقذف فِي قُلُوبكُمَا شَيْئا) . وَفِي رِوَايَة معمر: (سوأ، أَو قَالَ: شَيْئا) . وَفِي رِوَايَة مُسلم وَأبي دَاوُد وَأحمد فِي حَدِيث معمر: (شرا) ، بشين مُعْجمَة وَرَاء بدل سوأ. وَفِي رِوَايَة هشيم: (إِنِّي خفت أَن يدْخل عَلَيْكُمَا شَيْئا) وَقَالَ الشَّافِعِي فِي مَعْنَاهُ: إِنَّه خَافَ عَلَيْهِمَا الْكفْر لَو ظنا بِهِ ظن التُّهْمَة، فبادر إِلَى إعلامهما بمكانهما نصيحة لَهما فِي أَمر الدّين قبل أَن يقذف الشَّيْطَان فِي قلوبهما أمرا يهلكان بِهِ.
وَفِي (التَّلْوِيح) : ظن السوء بالأنبياء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، كفر بِالْإِجْمَاع، وَلِهَذَا إِن الْبَزَّار لما ذكر حَدِيث صَفِيَّة هَذَا قَالَ: هَذِه أَحَادِيث مَنَاكِير، لِأَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ أطهر وَأجل من أَن يَرى أَن أحدا يظنّ بِهِ ذَلِك، وَلَا يظنّ برَسُول الله، ﷺ ، ظن السوء إلَاّ كَافِر أَو مُنَافِق. وَقَالَ بَعضهم: وغفل الْبَزَّار فطعن فِي حَدِيث صَفِيَّة هَذَا، واستبعد وُقُوعه وَلم يَأْتِ بطائل. قلت: كَيفَ لم يأتِ بطائل؟ لِأَنَّهُ ذب عَن رَسُول الله، ﷺ ، وكل من ذب عَن رَسُول الله، ﷺ ، أينكر عَلَيْهِ؟ فِي (التَّلْوِيح) : فَإِن قَالَ قَائِل هَذِه الْأَخْبَار قد رَوَاهَا قوم ثِقَات، ونقلها أهل الْعلم بالأخبار، قيل لَهُ الْعلَّة الَّتِي بيناها لَا خَفَاء بهَا، وَيجب على كل مُسلم القَوْل بهَا، والذب عَن رَسُول الله ﷺ ، وَإِن كَانَ الراوون لَهَا ثِقَات، فَلَا يعرون عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان والغلط. وَقَالَ أَبُو الشَّيْخ، عِنْد ذكر هَذَا الحَدِيث، وَبَوَّبَ لَهُ، قَالَ: إِنَّه غير مَحْفُوظ قَوْله فِي رِوَايَة معمر: يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم، قيل: هُوَ على ظَاهره، وَأَن الله، ، جعل لَهُ قُوَّة على ذَلِك، وَقيل: هُوَ على الإستعارة لِكَثْرَة أعوانه ووسوسته، فَكَأَنَّهُ لَا يُفَارق الْإِنْسَان كَمَا لَا يُفَارِقهُ دم، وَقيل: إِنَّه يلقِي وسوسته فِي مسام لَطِيفَة من الْبدن فتصل الوسوسة إِلَى الْقلب، وَزعم ابْن خالويه فِي كتاب (لَيْسَ) : أَن الشَّيْطَان لَيْسَ لَهُ تسلط على النَّاس، وعَلى أَن يَأْتِي العَبْد من فَوْقه قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لآتينهم من بَين أَيْديهم وَمن خَلفهم وَعَن أَيْمَانهم وَعَن شمائلهم﴾ (الْأَعْرَاف: ٧١) . وَلم يقل من فَوْقهم، لِأَن رَحْمَة الله تَعَالَى تنزل من فَوق.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز اشْتِغَال الْمُعْتَكف بالأمور الْمُبَاحَة من تشييع زَائِره وَالْقِيَام مَعَه والْحَدِيث مَعَه، وَله قِرَاءَة الْقُرْآن والْحَدِيث وَالْعلم والتدريس وَكِتَابَة أُمُور الدّين وَسَمَاع الْعلم. وَقَالَ أَبُو الطّيب فِي (الْمُجَرّد) : قَالَ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) و (الْجَامِع الْكَبِير) : لَا بَأْس بِأَن يقص فِي الْمَسْجِد: لِأَن الْقَصَص وعظ وتذكير. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَا قَالَه الشَّافِعِي مَحْمُول على الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة والمغازي، وَالرَّقَائِق مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مَوضِع كَلَام، وَلَا مَا لَا تحتمله عقول الْعَوام، وَلَا مَا يذكرهُ أهل التواريخ، وقصص الْأَنْبِيَاء وحكاياتهم أَن بعض الْأَنْبِيَاء جرى لَهُ كَذَا من فتْنَة وَنَحْوهَا، فَإِن كل هَذَا يمْنَع مِنْهُ، وَاسْتدلَّ الطَّحَاوِيّ بشغله ﷺ مَعَ صَفِيَّة على جَوَاز اشْتِغَال الْمُعْتَكف بالمباح من الْأَفْعَال، وَفِي (جَوَامِع الْفِقْه) : يكره التَّعْلِيم فِيهِ بِأَجْر، أَي: فِي الْمَسْجِد، وَكَذَا كِتَابَة الْمُصحف بِأَجْر، وَقيل: إِن كَانَ الْخياط يحفظ الْمَسْجِد فَلَا بَأْس بِأَن يخيط وَلَا يَسْتَطْرِقهُ إلَاّ لعذر، وَيكرهُ على سطحه مَا يكره فِيهِ، بِخِلَاف مَسْجِد الْبَيْت. قلت: هَذَا فِي غير الْمُعْتَكف، فَفِي حق الْمُعْتَكف بطرِيق الأولى. وَمن الْمُبَاح للمعتكف أَن يَبِيع وَيَشْتَرِي من غير أَن يحضر السّلْعَة، وَفِي (الذَّخِيرَة) : لَهُ أَن يَبِيع وَيَشْتَرِي، قَالَ: أَرَادَ بِهِ الطَّعَام وَمَا لَا بُد مِنْهُ، وَأما إِذا أَرَادَ أَن يتَّخذ ذَلِك متجرا يكره لَهُ ذَلِك. وَفِيه: إِبَاحَة خلْوَة الْمُعْتَكف بِالزَّوْجَةِ. وَفِيه: إِبَاحَة زِيَارَة الْمَرْأَة للمعتكف. وَفِيه: بَيَان شفقته ﷺ على أمته وإرشادهم إِلَى مَا يدْفع عَنْهُم الْإِثْم. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّحَرُّز من التَّعَرُّض لسوء الظَّن وَطلب السَّلامَة والاعتذار بالأعذار الصَّحِيحَة تَعْلِيما للْأمة. وَفِيه: جَوَاز خُرُوج الْمَرْأَة لَيْلًا. وَفِيه: قَول: سُبْحَانَ الله، عِنْد التَّعَجُّب. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِي جَوَاز تمادي الْمُعْتَكف إِذا خرج من مَكَان اعْتِكَافه لِحَاجَتِهِ، وَأقَام زَمنا يَسِيرا زَائِدا عَن الْحَاجة، وَلَا دلَالَة فِيهِ لِأَنَّهُ لم يثبت أَن منزل صَفِيَّة كَانَ بَينه وَبَين الْمَسْجِد فاصل زَائِد، وَقد حدوا الْيَسِير بِنصْف يَوْم، وَلَيْسَ: فِي الْخَبَر مَا يدل عَلَيْهِ. انْتهى. قلت: لَيْسَ مَذْهَب أبي يُوسُف وَمُحَمّد فِي حد الْيَسِير بِنصْف يَوْم، وَإِنَّمَا مَذْهَبهمَا أَنه إِذا خرج أَكثر النَّهَار يفْسد اعْتِكَافه، لِأَن فِي الْقَلِيل ضَرُورَة، وَالْعجب مِنْهُم أَنهم ينقلون عَن أحد من أَصْحَابنَا مَا هُوَ لَيْسَ مذْهبه، ثمَّ يردون عَلَيْهِ بِمَا لَا وَجه لَهُ، فَفِي أَي كتاب من كتب أَصْحَابنَا ذكر أَنَّهُمَا حدَّا الْيَسِير
следующие страницы →