← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: وَجه النصب على أَنه مفعول ترَوْنَ مقدما، وَوجه الرّفْع، وَفِي رِوَايَة مَالك: (آلبر تَقولُونَ بِهن؟) أَي: تظنون، وَالْقَوْل يُطلق على الظَّن، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: (آلبر أردن بِهَذَا؟) وَفِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل: (مَا حَملهنَّ على هَذَا؟ آلبر؟ انزعوها فَلَا أَرَاهَا، فنزعت) . وَكلمَة: مَا، استفهامية. وَقَوله: (آلبر؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: آلبر يردنه؟ قَوْله: (فَلَا أَرَاهَا) الْفَاء يجوز أَن تكون زَائِدَة أَي: لَا أرى الأخبية الْمَذْكُورَة. وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب حذف الْألف من: أَرَاهَا، لِأَنَّهُ مجزوم. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ نفي وَلَيْسَ بنهي. قَوْله: (فَترك الِاعْتِكَاف) ، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: (فَأمر بخبائه فقوض) ، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْوَاو الْمَكْسُورَة وَفِي آخِره ضاد مُعْجمَة، أَي: نقض. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا قَالَ ﷺ هَذَا الْكَلَام إنكارا لفعلهن، لِأَنَّهُ خَافَ أَن يكن مخلصات فِي الِاعْتِكَاف، بل أردن الْقرب مِنْهُ المباهاة بِهِ، وَلِأَن الْمَسْجِد يجمع النَّاس ويحضره الْأَعْرَاب والمنافقون، وَهن محتاجات إِلَى الدُّخُول وَالْخُرُوج فيبتذلن بذلك، وَلِأَنَّهُ ﷺ إِذا رآهن عِنْده فِي الْمَسْجِد فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي منزله بِحُضُورِهِ مَعَ أَزوَاجه، وَذهب الْمَقْصُود من الِاعْتِكَاف، وَهُوَ التخلي عَن الْأزْوَاج ومتعلقات الدُّنْيَا، أَو لِأَنَّهُنَّ ضيقن الْمَسْجِد بأخبيتهن وَنَحْوهَا. قَوْله: (فَترك الِاعْتِكَاف. .) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل: (فَلم يعْتَكف فِي رَمَضَان حَتَّى اعْتكف فِي آخر الْعشْر من شَوَّال) . وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: (حَتَّى اعْتكف فِي الْعشْر الأول من شَوَّال) ، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ هُوَ أَن المُرَاد بقوله: (آخر الْعشْر من شَوَّال) انْتِهَاء اعْتِكَافه، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز الِاعْتِكَاف بِغَيْر صَوْم، لِأَن أول شَوَّال هُوَ يَوْم الْفطر، وصومه حرَام. قلت: لَيْسَ فِيهِ دَلِيل لما قَالَه، لِأَن المُرَاد من قَوْله: (اعْتكف فِي الْعشْر الأول) ، أَي: كَانَ ابتداؤه فِي الْعشْر الأول، فَإِذا اعْتكف من الْيَوْم الثَّانِي من شَوَّال يصدق عَلَيْهِ أَنه ابْتَدَأَ فِي الْعشْر الأول، وَالْيَوْم الأول مِنْهُ يَوْم أكل وَشرب، وَيُقَال، كَمَا ورد فِي الحَدِيث: وَالِاعْتِكَاف هُوَ التخلي لِلْعِبَادَةِ فَلَا يكون الْيَوْم الأول محلا لَهُ بِالْحَدِيثِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فِي قَوْله: (فَيصَلي الصُّبْح ثمَّ يدْخلهُ) احتجاج من يَقُول يبْدَأ بالاعتكاف من أول النَّهَار، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث فِي أحد قوليه، وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر، وَذَهَبت الْأَرْبَعَة وَالنَّخَعِيّ إِلَى جَوَاز دُخُوله قبيل الْغُرُوب إِذا أَرَادَ اعْتِكَاف عشر أَو شهر، وَأولُوا الحَدِيث على أَنه دخل الْمُعْتَكف وَانْقطع فِيهِ وتخلى بِنَفسِهِ بعد صَلَاة الصُّبْح، لِأَن ذَلِك فِي وَقت ابْتِدَاء الِاعْتِكَاف أول اللَّيْل، وَلم يدْخل الخباء إلَاّ بعد ذَلِك، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِن أَرَادَ الِاعْتِكَاف عشر ليَالِي دخل قبل الْغُرُوب. وَهل يبيت لَيْلَة الْفطر فِي مُعْتَكفه وَلَا يخرج مِنْهُ إلَاّ أذا خرج لصَلَاة الْعِيد فَيصَلي؟ وَحِينَئِذٍ يخرج إِلَى منزله، أَو يجوز لَهُ أَن يخرج عِنْد الْغُرُوب من آخر يَوْم من شهر رَمَضَان؟ قَولَانِ للْعُلَمَاء: الأول: قَول مَالك وَأحمد وَغَيرهمَا، وسبقهم أَبُو قلَابَة وَأَبُو مجلز. وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك إِذا لم يفصل هَل يبطل اعْتِكَافه أم لَا يبطل؟ قَولَانِ، وَذهب الشَّافِعِي وَاللَّيْث وَالزهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ فِي آخَرين: إِلَى أَنه يجوز خُرُوجه لَيْلَة الْفطر، وَلَا يلْزمه شَيْء. وَفِيه: أَن الْمَسْجِد شَرط للاعتكاف، لِأَن النِّسَاء شرع لَهُنَّ الاحتجاب فِي الْبيُوت، فَلَو لم يكن الْمَسْجِد شرطا مَا وَقع مَا ذكر من الْإِذْن وَالْمَنْع، وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن عبلة فِي قَوْله: (آلبر يردن؟) دلَالَة على أَنه لَيْسَ لَهُنَّ الِاعْتِكَاف فِي الْمَسْجِد، إِذْ مَفْهُومه لَيْسَ ببر لَهُنَّ. وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ مَا قَالَه بواضح قلت: بلَى، هُوَ وَاضح لِأَنَّهُ إِذا لم يكن برا لَهُنَّ يكون فعله غير بر، أَي: غير طَاعَة، وارتكاب غير الطَّاعَة حرَام، وَيلْزم من ذَلِك عدم الْجَوَاز. وَفِيه: جَوَاز ضرب الأخبية فِي الْمَسْجِد. وَفِيه: شُؤْم الْغيرَة لِأَنَّهَا ناشئة عَن الْحَسَد المفضي إِلَى ترك الْأَفْضَل لأَجله. وَفِيه: ترك الْأَفْضَل إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة، وَأَن من خشِي على عمله الرِّيَاء جَازَ لَهُ تَركه وقطعه. وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: أَن الِاعْتِكَاف لَا يجب بِالنِّيَّةِ، وَأما قَضَاؤُهُ ﷺ لَهُ فعلى طَرِيق الِاسْتِحْبَاب، لِأَنَّهُ كَانَ إِذا عمل عملا أثْبته، وَلِهَذَا لم ينْقل أَن نِسَاءَهُ اعتكفن مَعَه فِي شَوَّال. انْتهى. قلت: قَوْله: (إِن الِاعْتِكَاف لَا يجب بِالنِّيَّةِ، لَيْسَ بمقتصر على الِاعْتِكَاف، بل كل عمل يَنْوِي الشَّخْص أَن يعمله لَا يلْزمه بِمُجَرَّد النِّيَّة: بل إِنَّمَا يلْزمه بِالشُّرُوعِ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: اخْتلف

стр. 3257

أهل الْعلم فِي الْمُعْتَكف إِذا قطع اعْتِكَافه قبل أَن يتمه على مَا نوى، فَقَالَ بعض أهل الْعلم: إِذا نقض اعْتِكَافه وَجب عَلَيْهِ الْقَضَاء، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَن أنس قَالَ: (كَانَ النَّبِي، ﷺ ، يعْتَكف فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان، فَلم يعْتَكف عَاما، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل اعْتكف عشْرين) . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب، وَانْفَرَدَ بِهِ، وَقَالَ: إِنَّه، ﷺ ، خرج من اعْتِكَافه، فاعتكف عشرا من شَوَّال، وَهُوَ قَول مَالك بن أنس. قلت: مَا وَجه استدلالهم بِهَذَا الحَدِيث فِي وجوب الْقَضَاء؟ وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور يَقُول صَرِيحًا: فَلم يعْتَكف عَاما، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل اعْتكف عشْرين؟ فَإِذا لم يعْتَكف كَيفَ يسْتَدلّ بِهِ على وجوب الْقَضَاء؟ وَالظَّاهِر أَن اعْتِكَافه، ﷺ ، لم يكن فِي الْعَام الْمقبل إِلَّا لِأَنَّهُ قد عزم عَلَيْهِ، وَلكنه لم يعْتَكف. ثمَّ وفى لله، ، بِمَا نَوَاه من فعل الْخَيْر وَاعْتَكف فِي شَوَّال، وَهُوَ اللَّائِق فِي حَقه. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: نَكِير أَن يكون النَّبِي ﷺ قضى الِاعْتِكَاف من أجل أَنه نوى أَن يعمله، وَإِن لم يدْخل فِيهِ، لِأَنَّهُ كَانَ أوفى النَّاس لرَبه فِيمَا عاهده عَلَيْهِ. وَقَالَ شَيخنَا، ﵀: وعَلى تَقْدِير شُرُوعه فَفِيهِ دَلِيل على جَوَاز خُرُوج الْمُعْتَكف المتطوع من اعْتِكَافه. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك، فَقَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) المتطوع فِي الِاعْتِكَاف، وَالَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِكَاف أَمرهمَا سَوَاء فِيمَا يحل لَهُم وَيحرم عَلَيْهِمَا، قَالَ: وَلم يبلغنِي أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ اعْتِكَافه إلَاّ تَطَوّعا. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: قَوْله هَذَا قَول جَمَاهِير الْعلمَاء، لِأَن الِاعْتِكَاف، وَإِن لم يكن وَاجِبا إلَاّ على من نَذره، فَإِنَّهُ يجب بِالدُّخُولِ فِيهِ كَالصَّلَاةِ النَّافِلَة وَالْحج وَالْعمْرَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَفِي الحَدِيث أَن الْمَرْأَة لَا تعتكف حَتَّى تستأذن زَوجهَا، وَأَنَّهَا إِذا اعتكفت بِغَيْر إِذْنه كَانَ لَهُ أَن يُخرجهَا وَإِن كَانَ بِإِذْنِهِ فَلهُ أَن يرجع فيمنعها، وَعَن أهل الرَّأْي: إِذا أذن لَهَا الزَّوْج ثمَّ منعهَا أَثم بذلك، وامتنعت، وَعَن مَالك: لَيْسَ لَهُ ذَلِك، وَهَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. قلت: كَيفَ يكون الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم وَلَيْسَ فِيهِ مَا ذكره من ذَلِك صَرِيحًا، وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ مَا ذكر من اسْتِئْذَان حَفْصَة من عَائِشَة فِي ضرب الخباء، وَإِذن عَائِشَة لَهَا بذلك، وَضربت زَيْنَب خباء آخر من غير اسْتِئْذَان من أحد. وَفِيه: إِنْكَاره ﷺ عَلَيْهِم بذلك، وَوجه إِنْكَاره مَا ذَكرْنَاهُ عَن القَاضِي عِيَاض عَن قريب، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على مَا ذكره ابْن الْمُنْذر على مَا لَا يخفى على المتأمل. وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: جَوَاز الْخُرُوج من الِاعْتِكَاف بعد الدُّخُول فِيهِ، وَأَنه لَا يلْزم بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالشُّرُوعِ فِيهِ، أَي: لَا يلْزم الِاعْتِكَاف بِالشُّرُوعِ فِيهِ، ويستنبط مِنْهُ سَائِر التطوعات خلافًا لمن قَالَ باللزوم. انْتهى. قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على مَا ذكره، لِأَن الحَدِيث لَا يدل على أَنه ﷺ دخل فِي الِاعْتِكَاف ثمَّ خرج مِنْهُ، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه بَطل الِاعْتِكَاف فِي ذَلِك الشَّهْر، يدل عَلَيْهِ قَوْله: فَترك الِاعْتِكَاف ذَلِك الشَّهْر، وَقَوله: وَلَا بِالشُّرُوعِ فِيهِ، أَي: لَا يلْزم الِاعْتِكَاف بِالشُّرُوعِ فِيهِ دَعْوَى من الْخَارِج، والْحَدِيث لَا يدل عَلَيْهِ، وَكَيف لَا يلْزم بِالشُّرُوعِ فِي عبَادَة وَالْقَوْل بذلك يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال الْعَمَل؟ وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ (مُحَمَّد: ٣٣) . وَقَوله: ويستنبط مِنْهُ، غير مُسلم، لِأَن الَّذِي ذكره لَا يدل عَلَيْهِ الحَدِيث، وَكَيف يستنبط مِنْهُ عدم لُزُوم سَائِر التطوعات لِأَن الاستنباط لَا يكون إلَاّ من دَلِيل صَحِيح فَافْهَم. ٧ - (بابُ الأخْبِيَةِ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِيمَا جَاءَ فِي ذكر نصب الأخبية فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ . ٤٣٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ عُمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ أرَادَ أنْ يَعْتَكِفَ فَلَمَّا انْصَرَفَ إلَى المَكانِ الَّذِي أرَادَ أنْ يَعْتَكِفِ إذَا أخْبِيَةٌ خباءُ عائِشَةَ وخِباءُ حَفْصَةَ وخِبَاءُ زَيْنَبَ فَقَالَ آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهنَّ ثُمَّ انْصَرَفَ فلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرا منْ شَوَّالٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا أخبية) ، وَهُوَ هَذَا الحَدِيث الَّذِي مضى فِي الْبَاب السَّابِق، غير أَنه ذكره أَيْضا مُخْتَصرا

стр. 3258

من طَرِيق مَالك عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَوَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات: عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، وَسقط قَوْله: عَن عَائِشَة، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ والكشميهني، وَكَذَا هُوَ فِي الموطآت كلهَا. وَأخرجه أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج من طَرِيق عبد الله بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ مُرْسلا أَيْضا، وَجزم بِأَن البُخَارِيّ أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف مَوْصُولا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَاهُ مَالك، وَعَن غير وَاحِد عَن يحيى مُرْسلا، وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : رُوَاة الْمُوَطَّأ اخْتلفُوا فِي قطعه وَإِسْنَاده، فَمنهمْ من يرويهِ عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد أَن رَسُول الله، ﷺ ، لَا يذكر غَيره، وَمِنْهُم من يرويهِ عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَخَالفهُم يحيى بن يحيى فَرَوَاهُ عَن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ابْن شهَاب عَن عمْرَة، قَالَ فِي (التَّمْهِيد) : وَهُوَ غلط وَخطأ مفرط لم يُتَابِعه أحد على ذَلِك، وَلَا يعرف هَذَا الحَدِيث لِابْنِ شهَاب لَا من حَدِيث مَالك وَلَا من حَدِيث غَيره من أَصْحَاب ابْن شهَاب، وَهُوَ من حَدِيث يحيى بن سعيد مَحْفُوظ صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ فَذكره. قَوْله: (إِذا أخبية) كلمة: إِذا، للمفاجأة وَخبر الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا أخبية مَضْرُوبَة، وَنَحْوهَا. قَوْله: (خباء عَائِشَة) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: أَحدهَا خباء عَائِشَة، وَالثَّانِي خباء حَفْصَة، وَالثَّالِث خباء زَيْنَب. قَوْله: (آلبر) ، قد مر تَفْسِيره. قَوْله: (تَقولُونَ) أَي: تعتقدون أَو تظنون، وَالْعرب تجْرِي: تَقول، فِي الِاسْتِفْهَام مجْرى الظَّن فِي الْعَمَل، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: يقلن، بِلَفْظ جمع الْمُؤَنَّث وَلَكِن الْخطاب للنَّاس الْحَاضِرين الشَّامِل للرِّجَال وَالنِّسَاء، وَالْمَفْعُول الثَّانِي لقَوْله: (تَقولُونَ) هُوَ قَوْله: (بِهن) ، إِذْ تَقْدِيره: ملتبسا بِهن. ٨ - (بابٌ هَلْ يَخْرُجُ المُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بابِ المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يخرج الْمُعْتَكف من مُعْتَكفه لأجل حَوَائِجه، إِلَى بَاب الْمَسْجِد الَّذِي هُوَ فِيهِ معتكف؟ وَلم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث. ٥٣٠٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ أخْبَرَتْهُ أنَّهَا جاءَتْ رسولَ الله ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأوَاخِرِ منْ رَمضانَ فتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ ساعَةً ثُمَّ قامَتْ تَنْقَلِبُ فقامَ النبيُّ ﷺ معَهَا يَقْلِبُهَا حتَّى إذَا بلَغَتْ بابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بابِ أمِّ سلَمَةَ مَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأنصْارِ فسَلَّمَا عَلى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ لَهُمَا النبيُّ ﷺ عَلَى رِسْلِكُمَا إنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فقَالَا سُبْحَانَ الله يَا رسولَ الله وكَبُرَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ منَ الإنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وإنِّي خَشِيتُ أنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُما شَيْئا. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقَامَ النَّبِي ﷺ مَعهَا يقلبها حَتَّى إِذا بلغت بَاب الْمَسْجِد) . وَرِجَاله: أَبُو الْيَمَان الحكم ابْن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب الْقرشِي الْهَاشِمِي أَبُو الْحُسَيْن الْمدنِي زين العابدين، ولد سنة ثَلَاث وَعشْرين. وَعَن الزُّهْرِيّ: كَانَ مَعَ أَبِيه يَوْم قتل وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَعشْرين سنة، وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين بِالْمَدِينَةِ، وَقيل غير ذَلِك، وَصفِيَّة بنت حييّ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة مُصَغرًا، ابْن أَخطب، وَكَانَ أَبوهَا رَئِيس خَيْبَر، وَكَانَت تكنى أم يحيى. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أبي الْيَمَان أَيْضا وَفِي صفة إِبْلِيس عَن مُحَمَّد عَن عبد الرَّزَّاق وَفِي الِاعْتِكَاف أَيْضا عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله وَفِي الْأَحْكَام عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَفِي الِاعْتِكَاف أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِيه وَفِي الْخمس عَن سعيد بن عفير وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَأخرجه مُسلم فِي

стр. 3259

الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي الْيَمَان بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّوْم وَفِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن مُحَمَّد شبويه الْمروزِي وَعَن مُحَمَّد بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الِاعْتِكَاف عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن خَالِد وَعَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّوْم عَن إِبْرَاهِيم ابْن الْمُنْذر الْحزَامِي. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنَّهَا جَاءَت) أَي: أَن صَفِيَّة جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (تزوره) ، من الْأَحْوَال الْمقدرَة، وَفِي رِوَايَة معمر الَّتِي تَأتي فِي صفة إِبْلِيس، فَأَتَيْته أَزورهُ لَيْلًا، وَفِي رِوَايَة هِشَام بن يُوسُف عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ: (كَانَ النَّبِي ﷺ فِي الْمَسْجِد وَعِنْده أَزوَاجه. فرحن وَقَالَ لصفية: لَا تعجلِي حَتَّى أنصرف مَعَك) ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ خشِي عَلَيْهَا، وَكَانَ مَشْغُولًا فَأمرهَا بالتأخر ليفرغ من شغله ويشيعها، وروى عبد الرَّزَّاق من طَرِيق مَرْوَان بن سعيد بن الْمُعَلَّى: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ معتكفا فِي الْمَسْجِد فَاجْتمع إِلَيْهِ نساؤه ثمَّ تفرقن، فَقَالَ لصفية: أقلبك إِلَى بَيْتك، فَذهب مَعهَا حَتَّى أدخلها بَيتهَا. وَفِي رِوَايَة هِشَام الْمَذْكُورَة (وَكَانَ بَيتهَا فِي دَار أُسَامَة) ، زَاد: وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر: (وَكَانَ مَسْكَنهَا فِي دَار أُسَامَة بن زيد) أَي الدَّار الَّتِي صَارَت بعد ذَلِك لأسامة بن زيد، لِأَن أُسَامَة إِذْ ذَاك لم يكن لَهُ دَار مُسْتَقلَّة بِحَيْثُ تسكن فِيهَا صَفِيَّة، وَكَانَت بيُوت أَزوَاج النَّبِي، ﷺ ، حوالى أَبْوَاب الْمَسْجِد. قَوْله: (فتحدثت عِنْده سَاعَة) ، أَي: فتحدثت صَفِيَّة عِنْد النَّبِي، ﷺ ، وَفِي الْأَدَب عَن الزُّهْرِيّ: سَاعَة من الْعشَاء. قَوْله: (ثمَّ قَامَت تنْقَلب) أَي: ترد إِلَى بَيتهَا، (فَقَامَ مَعهَا يقلبها) بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْقَاف أَي: يردهَا إِلَى منزلهَا، يُقَال: قلبه يقلبه وانقلب هُوَ إِذا انْصَرف. قَوْله: (فَلَقِيَهُ رجلَانِ من الْأَنْصَار) قيل: هما أسيد بن حضير وَعباد بن بشر. وَقَالَ ابْن التِّين فِي رِوَايَة سُفْيَان عِنْد البُخَارِيّ: (فَأَبْصَرَهُ رجل من الْأَنْصَار) ، وَقَالَ: لَعَلَّه وهم، لِأَن أَكثر الرِّوَايَات: (فَأَبْصَرَهُ رجلَانِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن يكون هَذَا مرَّتَيْنِ، وَيحْتَمل أَن يكون ﷺ أقبل على أَحدهمَا بالْقَوْل بِحَضْرَة الآخر، فَتَصِح على هَذَا نِسْبَة الْقِصَّة إِلَيْهِمَا جَمِيعًا وإفرادا. وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أنس بِالْإِفْرَادِ، فوجهه مَا ذكره الْقُرْطُبِيّ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي. قَوْله: (فسلما على رَسُول الله، ﷺ . وَفِي رِوَايَة معمر: (فَنَظَرا إِلَى النَّبِي ﷺ ثمَّ أجازا) ، أَي: مضيا. يُقَال: جَازَ وَأَجَازَ بِمَعْنى، وَيُقَال: جَازَ الْموضع: إِذا سَار فِيهِ، وَأَجَازَهُ إِذا قطعه وَخَلفه، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي عَتيق: (ثمَّ نفذا) ، وَهُوَ بِالْفَاءِ وبالذال الْمُعْجَمَة، أَي: خلفاه، وَفِي رِوَايَة معمر: (فَلَمَّا رَأيا النَّبِي ﷺ أَسْرعَا) أَي: فِي الْمَشْي. وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عِنْد ابْن حبَان: (فَلَمَّا رأياه استحييا فَرَجَعَا) . قَوْله: (على رِسْلكُمَا) ، بِكَسْر الرَّاء، أَي: على هيئتكما. وَقَالَ ابْن فَارس: الرُّسُل السّير السهل، وَضَبطه بِالْفَتْح وَجَاء فِيهِ الْكسر وَالْفَتْح بِمَعْنى: التؤدة، وَترك العجلة، وَقيل: بِالْكَسْرِ: التؤدة، وبالفتح الرِّفْق واللين، وَالْمعْنَى مُتَقَارب. وَفِي رِوَايَة معمر: (فَقَالَ لَهما النَّبِي ﷺ تعاليا) ، بِفَتْح اللَّام. قَالَ الدَّاودِيّ: أَي قفا. ذكره بَعضهم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدَّاودِيّ. وَفِي (التَّلْوِيح) : قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ: قفا. وَلم يرد الْمَجِيء إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: فَأخْرجهُ عَن مَعْنَاهُ بِغَيْر دَلِيل وَاضح. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: التعالى الِارْتفَاع، تَقول مِنْهُ إِذا أمرت: تعال يَا رجل، بِفَتْح اللَّام وللمرأة: تَعَالَى. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: تَعَالَى تفَاعل من عَلَوْت، وَقَالَ الْفراء: أَصله عَال الْبناء، وَهُوَ من الْعُلُوّ. ثمَّ إِن الْعَرَب لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاهَا صَارَت عِنْدهم بِمَنْزِلَة: هَلُمَّ، حَتَّى استجازوا أَن يَقُولُوا: لرجل وَهُوَ فَوق شرف: تَعَالَى أَي: إهبط، وَإِنَّمَا أَصْلهَا الصعُود. قَوْله: (إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّة بنت حييّ) فِي رِوَايَة سُفْيَان (هَذِه صَفِيَّة) . قَوْله: (فَقَالَا: سُبْحَانَ الله) إِمَّا حَقِيقَة: أَي أنزه الله تَعَالَى عَن أَن يكون رَسُوله مُتَّهمًا بِمَا لَا يَنْبَغِي، أَو كِنَايَة عَن التَّعَجُّب من هَذَا القَوْل. قَوْله: (وَكبر) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: عظم وشق عَلَيْهِمَا، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب: (وَكبر عَلَيْهِمَا مَا قَالَ) . وَعَن معمر: (فَكبر ذَلِك عَلَيْهِمَا) وَفِي رِوَايَة هشيم: (فَقَالَ: يَا رَسُول الله! وَهل نظن بك إلَاّ خيرا؟) قَوْله: (إِن الشَّيْطَان يبلغ من ابْن آدم مبلغ الدَّم) أَي: كمبلغ الدَّم. وَوجه الشّبَه بَين طرفِي التَّشْبِيه شدَّة الِاتِّصَال وَعدم الْمُفَارقَة، وَفِي رِوَايَة معمر: (يجْرِي من الْإِنْسَان مجْرى الدَّم) . وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من طَرِيق عُثْمَان ابْن عمر التَّيْمِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَزَاد عبد الْأَعْلَى: (فَقَالَ: إِنِّي خفت أَن تظنا ظنا، إِن الشَّيْطَان يجْرِي) إِلَى آخِره. وَفِي رِوَايَة

стр. 3260

عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق: (مَا أَقُول لَكمَا هَذَا أَن تَكُونَا تظنان شرا، وَلَكِن قد علمت أَن الشَّيْطَان يجْرِي من بن آدم مجْرى الدَّم) . قَوْله: (وَإِنِّي خشيت أَن يقذف فِي قُلُوبكُمَا شَيْئا) . وَفِي رِوَايَة معمر: (سوأ، أَو قَالَ: شَيْئا) . وَفِي رِوَايَة مُسلم وَأبي دَاوُد وَأحمد فِي حَدِيث معمر: (شرا) ، بشين مُعْجمَة وَرَاء بدل سوأ. وَفِي رِوَايَة هشيم: (إِنِّي خفت أَن يدْخل عَلَيْكُمَا شَيْئا) وَقَالَ الشَّافِعِي فِي مَعْنَاهُ: إِنَّه خَافَ عَلَيْهِمَا الْكفْر لَو ظنا بِهِ ظن التُّهْمَة، فبادر إِلَى إعلامهما بمكانهما نصيحة لَهما فِي أَمر الدّين قبل أَن يقذف الشَّيْطَان فِي قلوبهما أمرا يهلكان بِهِ. وَفِي (التَّلْوِيح) : ظن السوء بالأنبياء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، كفر بِالْإِجْمَاع، وَلِهَذَا إِن الْبَزَّار لما ذكر حَدِيث صَفِيَّة هَذَا قَالَ: هَذِه أَحَادِيث مَنَاكِير، لِأَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ أطهر وَأجل من أَن يَرى أَن أحدا يظنّ بِهِ ذَلِك، وَلَا يظنّ برَسُول الله، ﷺ ، ظن السوء إلَاّ كَافِر أَو مُنَافِق. وَقَالَ بَعضهم: وغفل الْبَزَّار فطعن فِي حَدِيث صَفِيَّة هَذَا، واستبعد وُقُوعه وَلم يَأْتِ بطائل. قلت: كَيفَ لم يأتِ بطائل؟ لِأَنَّهُ ذب عَن رَسُول الله، ﷺ ، وكل من ذب عَن رَسُول الله، ﷺ ، أينكر عَلَيْهِ؟ فِي (التَّلْوِيح) : فَإِن قَالَ قَائِل هَذِه الْأَخْبَار قد رَوَاهَا قوم ثِقَات، ونقلها أهل الْعلم بالأخبار، قيل لَهُ الْعلَّة الَّتِي بيناها لَا خَفَاء بهَا، وَيجب على كل مُسلم القَوْل بهَا، والذب عَن رَسُول الله ﷺ ، وَإِن كَانَ الراوون لَهَا ثِقَات، فَلَا يعرون عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان والغلط. وَقَالَ أَبُو الشَّيْخ، عِنْد ذكر هَذَا الحَدِيث، وَبَوَّبَ لَهُ، قَالَ: إِنَّه غير مَحْفُوظ قَوْله فِي رِوَايَة معمر: يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم، قيل: هُوَ على ظَاهره، وَأَن الله، ، جعل لَهُ قُوَّة على ذَلِك، وَقيل: هُوَ على الإستعارة لِكَثْرَة أعوانه ووسوسته، فَكَأَنَّهُ لَا يُفَارق الْإِنْسَان كَمَا لَا يُفَارِقهُ دم، وَقيل: إِنَّه يلقِي وسوسته فِي مسام لَطِيفَة من الْبدن فتصل الوسوسة إِلَى الْقلب، وَزعم ابْن خالويه فِي كتاب (لَيْسَ) : أَن الشَّيْطَان لَيْسَ لَهُ تسلط على النَّاس، وعَلى أَن يَأْتِي العَبْد من فَوْقه قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لآتينهم من بَين أَيْديهم وَمن خَلفهم وَعَن أَيْمَانهم وَعَن شمائلهم﴾ (الْأَعْرَاف: ٧١) . وَلم يقل من فَوْقهم، لِأَن رَحْمَة الله تَعَالَى تنزل من فَوق. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز اشْتِغَال الْمُعْتَكف بالأمور الْمُبَاحَة من تشييع زَائِره وَالْقِيَام مَعَه والْحَدِيث مَعَه، وَله قِرَاءَة الْقُرْآن والْحَدِيث وَالْعلم والتدريس وَكِتَابَة أُمُور الدّين وَسَمَاع الْعلم. وَقَالَ أَبُو الطّيب فِي (الْمُجَرّد) : قَالَ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) و (الْجَامِع الْكَبِير) : لَا بَأْس بِأَن يقص فِي الْمَسْجِد: لِأَن الْقَصَص وعظ وتذكير. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَا قَالَه الشَّافِعِي مَحْمُول على الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة والمغازي، وَالرَّقَائِق مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مَوضِع كَلَام، وَلَا مَا لَا تحتمله عقول الْعَوام، وَلَا مَا يذكرهُ أهل التواريخ، وقصص الْأَنْبِيَاء وحكاياتهم أَن بعض الْأَنْبِيَاء جرى لَهُ كَذَا من فتْنَة وَنَحْوهَا، فَإِن كل هَذَا يمْنَع مِنْهُ، وَاسْتدلَّ الطَّحَاوِيّ بشغله ﷺ مَعَ صَفِيَّة على جَوَاز اشْتِغَال الْمُعْتَكف بالمباح من الْأَفْعَال، وَفِي (جَوَامِع الْفِقْه) : يكره التَّعْلِيم فِيهِ بِأَجْر، أَي: فِي الْمَسْجِد، وَكَذَا كِتَابَة الْمُصحف بِأَجْر، وَقيل: إِن كَانَ الْخياط يحفظ الْمَسْجِد فَلَا بَأْس بِأَن يخيط وَلَا يَسْتَطْرِقهُ إلَاّ لعذر، وَيكرهُ على سطحه مَا يكره فِيهِ، بِخِلَاف مَسْجِد الْبَيْت. قلت: هَذَا فِي غير الْمُعْتَكف، فَفِي حق الْمُعْتَكف بطرِيق الأولى. وَمن الْمُبَاح للمعتكف أَن يَبِيع وَيَشْتَرِي من غير أَن يحضر السّلْعَة، وَفِي (الذَّخِيرَة) : لَهُ أَن يَبِيع وَيَشْتَرِي، قَالَ: أَرَادَ بِهِ الطَّعَام وَمَا لَا بُد مِنْهُ، وَأما إِذا أَرَادَ أَن يتَّخذ ذَلِك متجرا يكره لَهُ ذَلِك. وَفِيه: إِبَاحَة خلْوَة الْمُعْتَكف بِالزَّوْجَةِ. وَفِيه: إِبَاحَة زِيَارَة الْمَرْأَة للمعتكف. وَفِيه: بَيَان شفقته ﷺ على أمته وإرشادهم إِلَى مَا يدْفع عَنْهُم الْإِثْم. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّحَرُّز من التَّعَرُّض لسوء الظَّن وَطلب السَّلامَة والاعتذار بالأعذار الصَّحِيحَة تَعْلِيما للْأمة. وَفِيه: جَوَاز خُرُوج الْمَرْأَة لَيْلًا. وَفِيه: قَول: سُبْحَانَ الله، عِنْد التَّعَجُّب. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِي جَوَاز تمادي الْمُعْتَكف إِذا خرج من مَكَان اعْتِكَافه لِحَاجَتِهِ، وَأقَام زَمنا يَسِيرا زَائِدا عَن الْحَاجة، وَلَا دلَالَة فِيهِ لِأَنَّهُ لم يثبت أَن منزل صَفِيَّة كَانَ بَينه وَبَين الْمَسْجِد فاصل زَائِد، وَقد حدوا الْيَسِير بِنصْف يَوْم، وَلَيْسَ: فِي الْخَبَر مَا يدل عَلَيْهِ. انْتهى. قلت: لَيْسَ مَذْهَب أبي يُوسُف وَمُحَمّد فِي حد الْيَسِير بِنصْف يَوْم، وَإِنَّمَا مَذْهَبهمَا أَنه إِذا خرج أَكثر النَّهَار يفْسد اعْتِكَافه، لِأَن فِي الْقَلِيل ضَرُورَة، وَالْعجب مِنْهُم أَنهم ينقلون عَن أحد من أَصْحَابنَا مَا هُوَ لَيْسَ مذْهبه، ثمَّ يردون عَلَيْهِ بِمَا لَا وَجه لَهُ، فَفِي أَي كتاب من كتب أَصْحَابنَا ذكر أَنَّهُمَا حدَّا الْيَسِير

стр. 3261

بِنصْف يَوْم، مستدلين بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور؟ وَفِيه: جَوَاز التَّسْلِيم على رجل مَعَه امْرَأَة، بِخِلَاف مَا يَقُوله بعض الأغبياء. ٩ - (بابُ الاعْتِكَافِ وخَرَج النبيُّ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اعْتِكَاف النَّبِي ﷺ وَخُرُوجه مِنْهُ صَبِيحَة عشْرين من الشَّهْر، وَكَأَنَّهُ ذكر هَذِه التَّرْجَمَة لإِرَادَة تَأْوِيل مَا وَقع فِي هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة مَالك. من قَوْله: (حَتَّى إِذا كَانَ لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين) ، وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي يخرج من صبيحتها من اعْتِكَافه، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَن المُرَاد بقوله: (من صبيحتها) ، الصبيحة الَّتِي قبلهَا. وَقَالَ ابْن بطال: هُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لم يَلْبَثُوا إلَاّ عَشِيَّة أَو ضحاها﴾ (النازعات: ٦٤) . فأضاف الضُّحَى إِلَى العشية، وَهُوَ قبلهَا، وكل مُتَّصِل بِشَيْء فَهُوَ مُضَاف إِلَيْهِ سَوَاء كَانَ قبله أَو بعده. ٦٣٠٢ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ قَالَ سمِعَ هَارُونَ بنَ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عليُّ بنُ الْمُبارَكِ قَالَ حدَّثني يَحْيى بنُ أبي كَثيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سلَمَةَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ قالَ سألْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قُلتُ هَلْ سَمِعْتَ رسولَ الله ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ القَدْرِ قالَ نَعَمْ اعْتَكَفْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ الْعَشْرَ الأوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ قَالَ فَخَطَبَنا رسولُ الله ﷺ صَبِيحَةَ عَشْرِينَ فَقَالَ إنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ وإنِّي نُسِّيتُها فالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ فِي وَتْرٍ فإنِّي رأيْتُ أنْ أسْجُدَ فِي ماءٍ وطين ومنْ كانَ اعْتَكَفَ مَعَ رسولِ الله ﷺ فَلْيَرْجِعْ فرَجَعَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَمَا نَرَى فِي السَّماءِ قَزَعَةً قَالَ فَجاءَتْ سَحابَةٌ فَمَطَرَتْ وأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فسَجَدَ رسولُ الله ﷺ فِي الطِّينِ والمَاءِ حَتَّى رَأيْتُ الطِّينَ فِي أرْنَبَتِهِ وجَبْهَتِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فخرجنا صَبِيحَة عشْرين) . وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الِاعْتِكَاف فِي الْعشْر الْأَوَاخِر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن يزِيد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَهنا أخرجه: عَن عبد الله بن مُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون: الْمروزِي، وَقد مر فِي الْوضُوء: عَن هَارُون بن إِسْمَاعِيل أبي الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقد مر فِي الصَّوْم عَن عَليّ بن الْمُبَارك الْهنائِي الْبَصْرِيّ عَن يحيى بن أبي كثير ... إِلَى آخِره. قَوْله: (فَأَنِّي نسيتهَا) ، بِفَتْح النُّون، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (نسيتهَا) ، بِضَم النُّون وَتَشْديد السِّين. قَوْله: (فَإِنِّي رَأَيْت) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (أريت) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء. قَوْله: (رَأَيْت أَن أَسجد) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (رَأَيْت أَنِّي أَسجد) . قَوْله: (فِي أرنبته) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة: طرف الْأنف، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ فَليرْجع إِلَيْهِ. ٠١ - (بابُ اعْتِكَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اعْتِكَاف الْمُسْتَحَاضَة. ١٤١ - (حَدثنَا قُتَيْبَة قَالَ حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع عَن خَالِد عَن عِكْرِمَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت اعتكفت مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - امْرَأَة من أَزوَاجه مُسْتَحَاضَة فَكَانَت ترى الْحمرَة والصفرة فَرُبمَا وَضعنَا الطست تحتهَا وَهِي تصلي)

стр. 3262

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْحيض فِي بَاب اعْتِكَاف الْمُسْتَحَاضَة بِهَذِهِ التَّرْجَمَة بِعَينهَا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَق بن شاهين عَن خَالِد بن عبد الله عَن خَالِد عَن عِكْرِمَة عَن عَائِشَة إِلَى آخِره وَوَقع فِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور عَن إِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية حَدثنَا خَالِد وَهُوَ الْحذاء الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ من طَرِيقه فَذكر الحَدِيث وَزَاد فِيهِ وَقَالَ حَدثنَا بِهِ خَالِد مرّة أُخْرَى عَن عِكْرِمَة أَن أم سَلمَة كَانَت عاكفة وَهِي مُسْتَحَاضَة فَأفَاد بذلك معرفَة عينهَا - ١١ - (بابُ زِيَارَةِ المرْأةِ زَوْجَهَا فِي اعْتِكافِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم زِيَارَة الْمَرْأَة زَوجهَا وَهُوَ فِي الِاعْتِكَاف. ٨٣٠٢ - حدَّثنا سَعِيد بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شهَابٍ عنْ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ أخْبَرَتْهُ قالَتْ ح. أخرج حَدِيث صَفِيَّة هُنَا من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: مَوْصُول أخرجه: عَن سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: الْمصْرِيّ، وَقد مر فِي الْعلم: عَن اللَّيْث بن سعيد عَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن زين العابدين، فَذكره مُخْتَصرا. وَقد مضى تَمَامه فِي: بَاب هَل يخرج الْمُعْتَكف لحوائجه إِلَى بَاب الْمَسْجِد؟ وَالْوَجْه الآخر مُرْسل، وَهُوَ قَوْله: حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هشامٌ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ فِي المَسْجِدِ وعِنْدَهُ أزْوَاجُهُ فرحن فَقَالَ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَىٍّ لَا تَعْجَلِي حَتَّى أنْصَرِفَ مَعَكِ وكانَ بَيْتُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ فَخَرَجَ النبيُّ ﷺ معَها فَلَقِيَهُ رَجلَانِ مِنَ الأنْصَارِ فَنَظَرا إِلَى النبيِّ ﷺ ثُمَّ أجازَا وَقَالَ لَهُمَا النبيُّ ﷺ تَعَالَيا إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ قالَا سُبْحَانَ الله يَا رسولَ الله قَالَ إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدَّم وإنِّي خَشِيتُ أنْ يُلْقِيَ فِي أنْفُسِكُمَا شَيْئا.. عبد الله بن مُحَمَّد البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (فرحن) من الرواح، وَهُوَ فعل جمَاعَة النِّسَاء. قَوْله: (ثمَّ أجازا) أَي: مضيا، وَقد ذَكرْنَاهُ مرّة. قَوْله: (فِي أنفسكما) وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي هُنَاكَ (فِي قُلُوبكُمَا) ، وَإِضَافَة لفظ الْجمع إِلَى الْمثنى كثير، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ (التَّحْرِيم: ٤) . ٢١ - (بابٌ هَلْ يَدْرَأ المُعْتَكِفُ عنْ نَفْسِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يدْرَأ أَي: يدْفع الْمُعْتَكف عَن نَفسه بالْقَوْل وَالْفِعْل، وَقد ورد فِي حَدِيث الْبَاب الدّفع بالْقَوْل، وَهُوَ قَوْله، ﷺ ، هِيَ صَفِيَّة أَو هَذِه صَفِيَّة، وَيجوز بِالْفِعْلِ أَيْضا، لِأَن الْمُعْتَكف لَيْسَ بأشد فِي ذَلِك من الْمصلى. ٩٣٠٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ أخْبَرَنِي أخِي عَن سُلَيْمَانَ عنُ مُحَمَّدِ بنِ أبِي عَتِيقٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ صَفِيَّةَ أخْبَرَتْهُ قالَتْ ح حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ عنْ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ أنَّ صَفِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أتَتِ النبيَّ ﷺ وهْوَ مُعْتَكِفٌ فَلَمَّا رَجَعَتْ مَشَى مَعَهَا فأبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فلَمَّا أبْصَرَهُ

стр. 3263

دَعاهُ فَقال تَعالَ هِيَ صَفِيَّةُ وربَّمَا قَالَ سُفْيانُ هَذِهِ صَفِيَّةُ فإنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِّ قُلْتُ لِسُفْيَانَ أتَتْهُ لَيْلاً قَالَ وهَلْ هُوَ إلَاّ لَيْلٌ.. مطابقته للتَّرْجَمَة قد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَأورد البُخَارِيّ أَيْضا حَدِيث صَفِيَّة من وَجْهَيْن: الأول: عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، ابْن أُخْت مَالك بن أنس عَن أَخِيه عبد الحميد بن أبي أويس، مر فِي الْعلم عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، مولى عبد الله بن أبي عَتيق، هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عَتيق بن أبي بكر الصّديق عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن، فَذكره مُخْتَصرا، وَهُوَ مَوْصُول. الثَّانِي: عَن عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ، فَذكره وَهُوَ مُرْسل. قَوْله: (فَأَبْصَرَهُ رجل) ، وَلَا مُنَافَاة بَين هَذَا وَبَين قَوْله فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: (أَنه رجلَانِ) ، منطوقا، وَأما مفهوما فَلَا اعْتِبَار لَهُ. قَوْله: (رُبمَا قَالَ سُفْيَان) وَهُوَ ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (يجْرِي من ابْن آدم) هَذَا فِي الأَصْل مَخْصُوص بذكور الْآدَمِيّين، لَكِن فِي عرف الِاسْتِعْمَال لأَوْلَاد آدم، كَمَا يُقَال بَنو إِسْرَائِيل وَالْمرَاد أَوْلَاده. قَوْله: (هَل هُوَ إلَاّ ليل) ، ويروى: (لَيْلًا) ، أَي: فَهَل الْإِتْيَان فِي وَقت إلَاّ لَيْلًا؟ ٣١ - (بابُ منْ خَرَجَ مِنَ اعْتِكَافِهِ عِنْدَ الصُّبْحِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من خرج من اعْتِكَافه عِنْد الصُّبْح، وَذَلِكَ عِنْد إِرَادَة اعْتِكَاف اللَّيَالِي دون الْأَيَّام. ٠٤٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثَنَا سُفْيَانُ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ سُلَيْمانَ الأحْوَلِ خالِ ابنِ أبي نُجَيْحٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي سَعِيدٍ ح قَالَ سُفْيَانُ وحدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍ وعنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبِي سَعِيدٍ قَالَ وأظُنُّ أنَّ ابنَ أبِي لَبِيدٍ حدَّثنا عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ اعْتَكَفْنَا معَ رسولِ الله ﷺ الْعَشْرَ الأوْسَطَ فَلَمَّا كانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنا مَتاعَنَا فأتانَا رسولُ الله ﷺ قَالَ مَنْ اعْتَكَفَ فَلْيَرْجِعْ إلَى مُعْتَكَفِهِ فإنِّي رَأيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ورَأيْتُنِي أسْجُدُ فِي ماءٍ وطينٍ فَلَمَّا رَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ وهاجَتِ السَّمَاءُ فَمُطِرْنَا فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَقَدْ هاجَتِ السَّماءُ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وكانَ المَسْجِدُ عَرِيشا فَلَقَدْ رأيْتُ عَلَى أنْفِهِ وأرْنَبَتِهِ أثَرَ المَاءِ والطِّينِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَة عشْرين) ، وَقد أخرج حَدِيث أبي سعيد الْمَذْكُور فِيمَا مضى هُنَا أَيْضا بِهَذِهِ التَّرْجَمَة من ثَلَاثَة أوجه: الأول: عَن عبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْعَبْدي النَّيْسَابُورِي، مَاتَ سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهَكَذَا وَقع عبد الرَّحْمَن مُجَردا من غير نِسْبَة إِلَى أَبِيه فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَقع مَنْسُوبا: عبد الرَّحْمَن بن بشر يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن سُلَيْمَان الْأَحول، وَزَاد الْحميدِي ابْن أبي مُسلم خَال عبد الله بن أبي نجيح الْمَكِّيّ عَن أبي سَلمَة عبد الرَّحْمَن عَن أبي سعيد. الْوَجْه الثَّانِي: عَن سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة بن أبي وَقاص اللَّيْثِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي سعيد. الْوَجْه الثَّالِث: عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن أبي لبيد، وَهُوَ قَوْله: قَالَ أَي: سُفْيَان وأظن أَن ابْن أبي لبيد حَدثنَا عَن أبي سَلمَة، و: لبيد، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَكَانَ عبد الله بن أبي لبيد هَذَا يكنى بِأبي الْمُغيرَة الْمدنِي حَلِيف الْمَدَنِيين، وَكَانَ من عباد أهل الْمَدِينَة، وَكَانَ يرى لَيْلَة الْقدر، مَاتَ فِي أول خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور. وَحَاصِل الْكَلَام أَن لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي هَذَا الحَدِيث ثَلَاثَة أَشْيَاخ حدثوه بِهِ عَن أبي سَلمَة، وهم: ابْن جريج، وَمُحَمّد بن عمر، وَعبد الله بن أبي لبيد. وَقد أخرجه أَحْمد عَن سُفْيَان، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة وَابْن أبي لبيد عَن أبي سَلمَة: سَمِعت أَبَا سعيد، وَلم يقل: وأظن. قَوْله: (هَاجَتْ السَّمَاء) أَي: طلعت السحب.

стр. 3264

قَوْله: (وأرنبته) ، إِمَّا من بَاب الْعَطف التأكيدي، وَإِمَّا أَن يُرَاد بالأنف الْوسط، وبالأرنبة الطّرف. ٤١ - (بابُ الاعْتِكَافِ فِي شَوَّالٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الِاعْتِكَاف فِي شَوَّال. ١٤٠٢ - حدَّثنا محَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلِ بنِ غَزْوَانَ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَن عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ الله ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَان وإذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكانَهُ الَّذِي اعتَكَفَ فِيهِ قَالَ فاسْتَأذَنَتْهُ عائِشَةُ أنْ تَعْتَكِفَ فأذِنَ لَها فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً فسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً وسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا فضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى فلَمَّا انْصَرَفَ رسولُ الله ﷺ منَ الغَدِ أبْصَرَ أرْبَعَ قِبابٍ فَقَالَ مَا هاذَا فأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ فَقَالَ مَا حَمَلَهُنَّ عَلى هَذا آلْبرُّ انْزِعُوها فَلَا أرَاهَا فَنُزِعَتْ فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اعْتكف فِي آخر الْعشْر من شَوَّال) ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي بَاب اعْتِكَاف النِّسَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى عَن عمْرَة عَن عَائِشَة ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن مُحَمَّد بن سَلام ... إِلَى آخِره. قَوْله: (مُحَمَّد) ، هَكَذَا هُوَ مُجَردا عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: مُحَمَّد بن سَلام. قَوْله: (دخل مَكَانَهُ) من الدُّخُول، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حل مَكَانَهُ، من الْحُلُول وَهُوَ النُّزُول، ومكانه هُوَ مَوْضِعه الْخَاص من الْمَسْجِد الَّذِي خصصه مِنْهُ للاعتكاف، وَهُوَ مَوضِع خيمته. قَوْله: (أَربع قباب) ، وَاحِدَة مِنْهَا لرَسُول الله ﷺ ، وَثَلَاث لعَائِشَة وَحَفْصَة وَزَيْنَب. قَوْله: (مَا حَملهنَّ؟) مَا نَافِيَة. و: الْبر، فَاعل: حمل، أَو: مَا، استفهامية وآلبر، بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: آلبر كَائِن أَو حَاصِل؟ قَوْله: (انزعوها) أَي: القباب الْمَذْكُورَة من النزع وَهُوَ الْقلع. قَوْله: (أَرَاهَا) قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع والجزم. قلت: لَا وَجه للجزم، فَإِن: لَا، نَافِيَة لَا ناهية. ٥١ - (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ صَوْما إذَا اعْتَكَفَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من لم ير على الشَّخْص صوما إِذا اعْتكف، وصوما مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول الرُّؤْيَة: يَعْنِي لم يشْتَرط الصَّوْم لصِحَّة الِاعْتِكَاف، وَقد مر الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب عَن قريب. ٢٤٠٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله عنْ أخِيهِ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ قالَ يَا رسولَ الله إنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ فَقَالَ لَهُ النبيُّ ﷺ أوْفِ نَذْرَكَ فاعْتَكَفَ لَيْلَةً. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أوف نذرك) ، فاعتكف لَيْلَة حَيْثُ أمره النَّبِي ﷺ بوفاء نَذره وَلم يَأْمُرهُ بِصَوْم، فَدلَّ على أَن الصَّوْم لَيْسَ بِشَرْط للاعتكاف، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب الِاعْتِكَاف لَيْلًا، فَإِنَّهُ أخرج هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن عبيد الله عَن نَافِع ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن أبي أويس عَن أَخِيه عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع. ٦١ - (بابٌ إذَا نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ أسْلَمَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا نذر ... إِلَى آخِره، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يلْزمه الْوَفَاء بذلك أم لَا؟

стр. 3265

٣٤٠٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حَدثنَا أبُو أُسَامَةَ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أنْ يَعْتَكِفَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ قَالَ أُرَاهُ قَالَ لَيْلَةً قَالَ لَهُ رسولُ الله ﷺ أوْفِ بِنَذْرِكَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عمر نذر فِي الْجَاهِلِيَّة أَن يعْتَكف فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، ثمَّ أسلم بعد ذَلِك، فَلَمَّا ذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ: (أوف بِنَذْرِك) ، والْحَدِيث تكَرر ذكره بِحَسب وضع التراجم، وَعبيد بن إِسْمَاعِيل اسْمه فِي الأَصْل: عبد الله يكنى أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ، قَوْله: (قَالَ أرَاهُ) أَي: قَالَ عبيد بن إِسْمَاعِيل شيخ البُخَارِيّ: (أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة، أَي: أَظُنهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (قَالَ أرَاهُ) الظَّاهِر أَنه لفظ البُخَارِيّ نَفسه. وَالله أعلم. ٧١ - (بابُ الاعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مُبَاشرَة الِاعْتِكَاف فِي الْعشْر الْأَوْسَط من رَمَضَان، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى أَن الِاعْتِكَاف لَا يخْتَص بالعشر الْأَخير، وَإِن كَانَ فِيهِ أفضل. ٤٤٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا أبُو بَكْرٍ عنْ أبِي حَصِينٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كلِّ رَمضانَ عَشْرَةَ أيَّامٍ فلَمَّا كانَ العامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْما. (الحَدِيث ٤٤٠٢ طرفه فِي: ٨٩٩٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عشْرين يَوْمًا) لِأَن فِيهِ الْعشْر الْأَوْسَط من رَمَضَان، وَعبد الله هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي شيبَة أَبُو بكر الْكُوفِي، وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش الْمقري، وَأَبُو حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: اسْمه عُثْمَان بن عَاصِم، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فَضَائِل الْقُرْآن: عَن خَالِد بن يزِيد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّوْم: عَن هناد بن السّري بِقصَّة الِاعْتِكَاف. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن: عَن عَمْرو بن مَنْصُور، وَفِي الِاعْتِكَاف: عَن مُوسَى بن حزَام، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّوْم: عَن هناد بِتَمَامِهِ، وَيحْتَمل أَن يكون، ﷺ ، إِنَّمَا ضاعف اعْتِكَافه فِي الْعَام الَّذِي قبض فِيهِ من أجل أَنه علم بِانْقِضَاء أَجله، فَأَرَادَ استكثار عمل الْخَيْر ليسن لأمته الِاجْتِهَاد فِي الْعَمَل إِذا بلغُوا أقْصَى الْعُمر، ليلقوا الله على خير أَحْوَالهم، وَقيل: السَّبَب فِيهِ أَن جِبْرِيل، ﵊، كَانَ يُعَارضهُ بِالْقُرْآنِ فِي رَمَضَان، فَلَمَّا كَانَ الْعَام الَّذِي قبض فِيهِ عَارضه بِهِ مرَّتَيْنِ، فَلذَلِك اعْتكف قدر مَا كَانَ يعْتَكف مرَّتَيْنِ، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يحْتَمل أَن يكون سَبَب ذَلِك أَنه لما ترك الِاعْتِكَاف فِي الْعشْر الْأَخير بِسَبَب مَا وَقع من أَزوَاجه، وَاعْتَكف بدله عشرا من شَوَّال، اعْتكف فِي الْعَام الَّذِي يَلِيهِ عشْرين ليتَحَقَّق قَضَاء الْعشْر فِي رَمَضَان. وَقيل: يحْتَمل أَنه كَانَ فِي الْعَام الَّذِي قبله كَانَ مُسَافِرًا فَلم يعْتَكف، فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمقبل اعْتكف عشْرين. وَقَالَ ابْن بطال: مواظبته، ﷺ ، على الِاعْتِكَاف تدل على أَنه من السّنَن الْمُؤَكّدَة. قلت: قَاعِدَة أَصْحَابنَا أَن مواظبته، ﷺ ، على عمل يدل على الْوُجُوب، وَالسّنة الْمُؤَكّدَة فِي قُوَّة الْوَاجِب، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: روينَا عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي أَنه كَانَ يَقُول: مثل الْمُعْتَكف كَمثل عبد ألْقى نَفسه بَين يَدي ربه، ثمَّ قَالَ: ربِّ لَا أَبْرَح حَتَّى تغْفر لي، لَا أَبْرَح حَتَّى ترحمني. ٨١ - (بابُ منْ أرَادَ أنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أنْ يَخْرُجَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من أَرَادَ الِاعْتِكَاف، ثمَّ بدا لَهُ أَي: ظهر لَهُ أَن يخرج، وَمرَاده أَن يتْرك وَلَا يُبَاشر. ٥٤٠٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلِ أبُو الحَسَن قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ

стр. 3266

حدَّثني يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثَتْنِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رسولَ الله ﷺ ذَكَرَ أنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الأوَاخِرَ منْ رَمَضَانَ فاسْتَأذَنَتْهُ عائِشَة فأذِنَ لَها وسألَتْ حَفْصَةُ عائِشَةَ أنْ تَسْتَأذِنَ لَها فَفَعَلَتْ فلمَّا رَأتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ ابنَةُ جَحْشٍ أمَرَتْ بِبِناءٍ فبُنِيَ لَهَا قالَتْ وكانَ رسولُ الله ﷺ إذَا صَلَّى انْصَرَفَ إلَى بِنَائِهِ فبَصُرَ بالأبْنِيَةِ فَقَالَ مَا هَذَا قالُوا بِناءُ عائِشَةَ وحفْصَةَ وزَيْنَبَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ آلْبِرَّ أرَدْنَ بِهَذَا مَا أنَا بِمُعْتَكِفٍ فرَجَعَ فلَمَّا أفْطَرَ اعْتَكَفَ عَشْرا مِنْ شَوَّالٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، ﷺ ، ذكر أَن يعْتَكف ثمَّ بدا لَهُ من جِهَة أبنية نِسَائِهِ، فَرجع وَلم يعْتَكف. وَعبد الله هُوَ ابْن لمبارك، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. ومباحث هَذَا الحَدِيث قد مَضَت مستقصاة. قَوْله: (ذكر) أَي: رَسُول الله ﷺ ، للنَّاس أَنه يُرِيد أَن يعْتَكف. قَوْله: (فاستأذنته عَائِشَة) فِي موافقتها لَهُ فِي الِاعْتِكَاف (فَأذن لَهَا) قَوْله: (أمرت بِبِنَاء) ، أَي: بِضَرْب خيمة لَهَا أَيْضا فِي الْمَسْجِد. قَوْله: (بالأبنية) جمع بِنَاء، وَالْمرَاد هِيَ: الخيم. قَوْله: (آلبر؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَبِالنَّصبِ بقوله: (أردن؟) أنكر عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِك لأحد الْأَسْبَاب الْمَذْكُورَة فِي: بَاب الِاعْتِكَاف لَيْلًا. قَوْله: (فَرجع) ، أَي: من الِاعْتِكَاف أَي: تَركه. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: تقدم أَنه اعْتكف الْعشْر الْأَوَاخِر، فَمَا التَّوْفِيق بَينهمَا؟ قلت: لَا بُد من الْتِزَام اخْتِلَاف الْوَقْتَيْنِ جمعا بَين الْحَدِيثين. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى الْجَزْم بِأَنَّهُ ﷺ لم يدْخل فِي الِاعْتِكَاف ثمَّ خرج مِنْهُ، بل تَركه قبل الدُّخُول فِيهِ وَهُوَ ظَاهر، خلافًا لمن خَالف فِيهِ. ٩١ - (بابُ المُعْتَكِفِ يُدْخِلِ رَأسَهُ البَيْتَ لِلْغُسْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن الْمُعْتَكف الَّذِي يدْخل رَأسه فِي الْبَيْت لأجل غسل الرَّأْس، و: يدْخل، بِضَم الْيَاء من الإدخال، وَالْبَيْت مَنْصُوب على المفعولية، وَاللَّام فِي: الْغسْل، لَام التَّعْلِيل. ٦٤٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا كانَتْ تُرَجِّلُ النبيَّ ﷺ وهْيَ حائِضٌ وهْوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ وهْيَ فِي حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأسَهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ومباحثه قد مرت فِي: بَاب الْحَائِض ترجل الْمُعْتَكف فِي أَوَائِل كتاب الِاعْتِكَاف، وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَهِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ. قَوْله: (ترجل) أَي: تمشط شعر رَأسه، ﷺ ، قَوْله: (وَهِي حَائِض) ، جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَهُوَ معتكف) أَي: النَّبِي، ﷺ ، معتكف. قَوْله: (يناولها) أَي: يمِيل رَأسه إِلَيْهَا لتمشطه، وَكَانَ بَاب الْحُجْرَة إِلَى الْمَسْجِد، وَكَانَت عَائِشَة تقعد فِي حُجْرَتهَا من وَرَاء الْقبَّة، وَيقْعد رَسُول الله ﷺ فِي الْمَسْجِد خَارج الْحُجْرَة، فيميل رَأسه إِلَيْهَا. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. ٤٣ - (كِتَابُ البُيُوعِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْبيُوع، وَلما فرغ البُخَارِيّ من بَيَان الْعِبَادَات الْمَقْصُود مِنْهَا التَّحْصِيل الأخروي، شرع فِي بَيَان الْمُعَامَلَات الْمَقْصُود مِنْهَا التَّحْصِيل الدنيوي، فَقدم الْعِبَادَات لاهتمامها، ثمَّ ثنى بالمعاملات لِأَنَّهَا ضَرُورِيَّة، وَأخر النِّكَاح لِأَن شَهْوَته مُتَأَخِّرَة عَن الْأكل وَالشرب وَنَحْوهمَا، وَأخر الْجِنَايَات والمخاصمات لِأَن وُقُوع ذَلِك فِي الْغَالِب إِنَّمَا هُوَ بعد الْفَرَاغ من شَهْوَة الْبَطن والفرج، وَأغْرب ابْن بطال فَذكر هُنَا الْجِهَاد، وَأخر البيع إِلَى أَن فرغ من الْأَيْمَان

стр. 3267

وَالنُّذُور. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَلَا أَدْرِي لما فعل ذَلِك، وَكَذَلِكَ قدم الصَّوْم على الْحَج أَيْضا قلت: لَعَلَّه نظر إِلَى أَن الْجِهَاد أَيْضا من الْعِبَادَات، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهَا التَّحْصِيل الأخروي، لِأَن جلّ الْمَقْصُود ذَلِك لِأَن فِيهِ إعلاء كلمة الله تَعَالَى وَإِظْهَار الدّين وَنشر الْإِسْلَام. وَبَعض أَصْحَابنَا قدم النِّكَاح على الْبيُوع فِي مصنفاتهم نظرا إِلَى أَنه مُشْتَمل على الْمصَالح الدِّينِيَّة والدنيوية، ألَا ترى أَنه أفضل من التخلي للنوافل؟ وَبَعْضهمْ قدم الْبيُوع على النِّكَاح نظرا إِلَى أَن احْتِيَاج النَّاس إِلَى البيع أَكثر من احتياجهم إِلَى النِّكَاح، فَكَانَ أهم بالتقديم. قلت: لما كَانَ مدَار أُمُور الدّين بِخَمْسَة أَشْيَاء، وَهِي: الاعتقادات، والعبادات، والمعاملات والزواجر، والآداب. فالاعتقادات محلهَا علم الْكَلَام، والعبادات قد بَينهَا، شرع فِي بَيَان الْمُعَامَلَات، وَقدم مِنْهَا الْبيُوع نظرا إِلَى كَثْرَة الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. ثمَّ إِنَّه ذكر لفظ الْكتاب لِأَنَّهُ مُشْتَمل على الْأَبْوَاب، وَهِي كَثِيرَة فِي أَنْوَاع الْبيُوع، وَجمع البيع لاخْتِلَاف أَنْوَاعه، وَهِي الْمُطلق: إِن كَانَ بيع الْعين بِالثّمن، والمقايضة: إِن كَانَ عينا بِعَين، وَالسّلم: إِن كَانَ بيع الدّين بِالْعينِ، وَالصرْف: إِن كَانَ بيع الثّمن بِالثّمن، والمرابحة: إِن كَانَ بِالثّمن مَعَ زِيَادَة، وَالتَّوْلِيَة: إِن لم يكن مَعَ زِيَادَة، والوضيعة: إِن كَانَ بِالنُّقْصَانِ، وَاللَّازِم: إِن كَانَ تَاما، وَغير اللَّازِم: إِن كَانَ بِالْخِيَارِ، وَالصَّحِيح، وَالْبَاطِل، وَالْفَاسِد، وَالْمَكْرُوه. ثمَّ للْبيع تَفْسِير: لُغَة، وَشرعا، وركن، وَشرط، وَمحل، وَحكم، وَحِكْمَة. أما تَفْسِير لُغَة: فمطلق الْمُبَادلَة، وَهُوَ ضد الشِّرَاء وَالْبيع الشِّرَاء أَيْضا بَاعه الشَّيْء وَبَاعه مِنْهُ جَمِيعًا فيهمَا، وابتاع الشَّيْء اشْتَرَاهُ، وأباعه عرضه للْبيع، وَبَايَعَهُ مبايعة وبياعا عَارضه للْبيع، والبيعان: البَائِع وَالْمُشْتَرِي، وَجمعه: باعة عِنْد كرَاع، وَالْبيع اسْم البيع وَالْجمع بُيُوع، والبياعات الْأَشْيَاء المتبايعة للتِّجَارَة، وَرجل بُيُوع جيد البيع، وبياع كثير البيع، ذكره سِيبَوَيْهٍ فِيمَا قَالَه ابْن سَيّده، وَحكى النَّوَوِيّ عَن أبي عُبَيْدَة: أباع، بِمَعْنى: بَاعَ. قَالَ: وَهُوَ غَرِيب شَاذ. وَفِي (الْجَامِع) أبعته أبيعه إباعة إِذا عرضته للْبيع، وَيُقَال: بِعته وأبعته بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ ابْن طريف فِي: بَاب فعل وَافْعل، بِاتِّفَاق معنى بَاعَ الشَّيْء وأباعه عَن أبي زيد، وَأبي عُبَيْدَة. وَفِي (الصِّحَاح) : وَالشَّيْء مَبِيع وبيوع، والبياعة السّلْعَة، وَيُقَال: بيع الشَّيْء، على مَا لم يسم فَاعله إِن شِئْت كسرت الْبَاء وَإِن شِئْت ضممتها، وَمِنْهُم من يقلب الْيَاء واوا فَيَقُول: بوع الشَّيْء. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: بِعْت الشَّيْء بِمَعْنى بِعته، وَبِمَعْنى اشْتَرَيْته، وشريت الشَّيْء اشْتَرَيْته، وَبِمَعْنى بِعته. وَيُقَال: استبعته أَي: سَأَلته البيع، قَالَ الْخَلِيل: الْمَحْذُوف من مَبِيع وَاو مفعول لِأَنَّهَا زَائِدَة فَهِيَ أولى بالحذف. وَقَالَ الْأَخْفَش: الْمَحْذُوف عين الْكَلِمَة، وَقَالَ الْمَازرِيّ: كِلَاهُمَا حسن، وَقَول الْأَخْفَش أَقيس، وَقيل: سمي البيع بيعا لِأَن البَائِع يمد بَاعه إِلَى المُشْتَرِي حَالَة العقد غَالِبا، ورد هَذَا بِأَنَّهُ غلط، لِأَن الباع من ذَوَات الْوَاو، وَالْبيع من ذَوَات الْيَاء. وَأما تَفْسِيره شرعا فَهُوَ مُبَادلَة المَال بِالْمَالِ على سَبِيل التَّرَاضِي. وَأما رُكْنه: فالإيجاب وَالْقَبُول. وَأما شَرطه: فأهلية الْمُتَعَاقدين. وَأما مَحَله فَهُوَ المَال، لِأَنَّهُ ينبىء عَنهُ شرعا. وَأما حكمه: فَهُوَ ثُبُوت الْملك للْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيع، وَللْبَائِع فِي الثّمن إِذا كَانَ تَاما، وَعند الْإِجَازَة إِذا كَانَ مَوْقُوفا. وَأما حكمته: فَهِيَ كَثِيرَة. مِنْهَا: باتساع أُمُور المعاش والبقاء. وَمِنْهَا: إطفاء نَار المنازعات والنهب والسرق والطر والخيانات والحيل الْمَكْرُوهَة. وَمِنْهَا: بَقَاء نظام المعاش وَبَقَاء الْعَالم، لِأَن الْمُحْتَاج يمِيل إِلَى مَا فِي يَد غَيره، فبغير الْمُعَامَلَة يُفْضِي إِلَى التقاتل والتنازع وفناء الْعَالم واختلال نظام المعاش وَغير ذَلِك. وثبوته بِالْكتاب لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأحل لكم البيع وَحرم الرِّبَا﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥٢) . وَالسّنة، وَهِي: أَن النَّبِي، ﷺ ، بعث وَالنَّاس يتعاملون فأقرهم عَلَيْهِ، وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على شرعيته. وقَوْلِ الله ﴿وأحَلَّ الله البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥٢) . ﴿إلَاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً حاضِرَةً تديرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَقَول الله، بِالرَّفْع عطفا على الْمُضَاف فِي كتاب الْبيُوع، وَقيل: لَيْسَ فِيهِ وَاو الْعَطف، وَإِنَّمَا أصل النُّسْخَة هَكَذَا: كتاب الْبيُوع: قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الربوا﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥٢) . وَقد ذمّ الله تَعَالَى أَكلَة الربوا، بقوله: ﴿الَّذين يَأْكُلُون الربوا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) . أول الْآيَة، وَكَانُوا اعْترضُوا على أَحْكَام الله تَعَالَى فِي شَرعه، فَقَالُوا: إِنَّمَا البيع مثل الربوا، فَرد الله عَلَيْهِم بقوله: ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الربوا﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥٢) . وَقَالَ ابْن كثير قَوْله: ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الربوا﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥٢) . يحْتَمل أَن يكون من تَمام كَلَامهم اعتراضا على الشَّرْع (أَي مثل هَذَا وَقد أحل هَذَا وَحرم هَذَا) وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام الله تَعَالَى ردا عَلَيْهِم. وَقَالَ

стр. 3268

الشَّافِعِي: فِي قَوْله هَذَا أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه عَامَّة، فَإِن لَفظهَا لفظ عُمُوم يتَنَاوَل كل بيع، أَو يَقْتَضِي إِبَاحَة جَمِيعهَا إلَاّ مَا خصّه الدَّلِيل. قَالَ فِي (الْأُم) : وَهَذَا أظهر مَعَاني الْآيَة الْكَرِيمَة، وَقَالَ صَاحب (الْحَاوِي) : وَالدَّلِيل لهَذَا القَوْل أَن النَّبِي، ﷺ ، نهى عَن بُيُوع كَانُوا يعتادونها وَلم يبين الْجَائِز، فَدلَّ على أَن الْآيَة تناولت إِبَاحَة جَمِيع الْبيُوع إلَاّ مَا خص مِنْهَا وَبَين ﷺ الْمَخْصُوص. القَوْل الثَّانِي: إِن الْآيَة مجملة لَا يعتقل مِنْهَا صِحَة بيع من فَسَاده إلَاّ بِبَيَان من سيدنَا رَسُول الله ﷺ . القَوْل الثَّالِث: يتناولهما جَمِيعًا، فَيكون عُمُوما دخله التَّخْصِيص، ومجملاً لحقه التَّفْسِير لقِيَام الدّلَالَة عَلَيْهِمَا. القَوْل الرَّابِع: أَنَّهَا تناولت بيعا معهودا، وَنزلت بعد أَن أحل النَّبِي، ﷺ ، بيوعا وَحرم بيوعا فَقَوله: ﴿أحل الله البيع﴾ (الْبَقَرَة: ٧٥٢) . أَي: البيع الَّذِي بَينه ﷺ من قبل، وعرفه الْمُسلمُونَ مِنْهُ، فتناولت الْآيَة بيعا معهودا، وَلِهَذَا دخلت الْألف وَاللَّام لِأَنَّهُمَا للْعهد، وأجمعت الْأمة على أَن الْمَبِيع بيعا صَحِيحا يصير بعد انْقِضَاء الْخِيَار ملكا للْمُشْتَرِي قَالَ الْغَزالِيّ: أَجمعت الْأمة على أَن البيع سَبَب لإِفَادَة الْملك. ثمَّ إِن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْقطعَة من الْآيَة الْكَرِيمَة الَّتِي أَولهَا: ﴿الَّذين يَأْكُلُون الربوا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ إِشَارَة إِلَى أُمُور: مِنْهَا: أَن مَشْرُوعِيَّة البيع بِهَذِهِ. وَمِنْهَا: أَن البيع سَبَب للْملك. وَمِنْهَا: أَن الرِّبَا الَّذِي يعْمل بِصُورَة البيع حرَام. قَوْله: وَقَوله: ﴿إلَاّ أَن تكون﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . إِلَى آخِره، عطف على قَوْله: (وَقَول الله وَهَذِه قِطْعَة من آيَة المداينة، وَهِي أطول آيَة فِي الْقُرْآن. أَولهَا قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وأخراها: ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: لَكِن إِذا كَانَت تِجَارَة، وَهُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، أَي: إلَاّ التِّجَارَة، فَإِنَّهَا لَيست بباطل إِذا كَانَ البيع بالحاضر يدا بيد، فَلَا بَأْس بِعَدَمِ الْكِتَابَة لانْتِفَاء الْمَحْذُور فِي تَركهَا. وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة: تِجَارَة، بِالنّصب وَهُوَ اخْتِيَار أبي عبيد، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْع، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قرىء: ﴿تِجَارَة حَاضِرَة﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . بِالرَّفْع على كَانَ التَّامَّة. وَقيل: هِيَ النَّاقِصَة، على أَن الِاسْم: تِجَارَة، وَالْخَبَر ﴿تديرونها﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَبِالنَّصبِ على إلَاّ أَن تكون التِّجَارَة تِجَارَة حَاضِرَة. قَوْله: ﴿حَاضِرَة﴾ يَعْنِي: يدا بيد ﴿تديرونها بَيْنكُم﴾ وَلَيْسَ فِيهَا إِجْمَال. أَبَاحَ الله ترك الْكِتَابَة فِيهَا لِأَن مَا يخَاف من النِّسَاء والتأجيل يُؤمن فِيهِ، وَأَشَارَ بِهَذِهِ الْقطعَة من الْآيَة أَيْضا إِلَى مَشْرُوعِيَّة البيع بِهَذِهِ، وَالله أعلم. ١ - (بابُ مَا جاءَ فِي قَوْلِ الله تعَالى ﴿فإذَا قُضَيْتِ الصَّلَاةُ فانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله واذْكُرُوا الله كثِيرا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وإذَا رَأوْا تجَارَةً أوْ لَهْوا انْفَضُّوا إلَيْهَا وتَرَكُوكَ قائِما قُلْ مَا عِنْدَ الله خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجَارَةِ وَالله خَيْرُ الرَّازِقِينَ وقوْلِهِ لَا تأكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطلِ إلَاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي قَوْله : ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . إِلَى آخرالآية هَذِه، وَالَّتِي بعْدهَا من سُورَة الْجُمُعَة، وَهِي مَدَنِيَّة، وَهِي سَبْعمِائة وَعِشْرُونَ حرفا وَمِائَة وَثَمَانُونَ كلمة، وَإِحْدَى عشرَة آيَة قَوْله: ﴿فإذَا قضيت الصَّلَاة﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . أَي: فَإِذا أدّيت، وَالْقَضَاء يَجِيء بِمَعْنى: الْأَدَاء، وَقيل: مَعْنَاهُ إِذا فرغ مِنْهَا: ﴿فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . للتِّجَارَة وَالتَّصَرُّف فِي حوايجكم ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . أَي: الرزق، ثمَّ أطلق لَهُم مَا حظر عَلَيْهِم بعد قَضَاء الصَّلَاة من الانتشار وابتغاء الرِّبْح مَعَ التوصية بإكثار الذّكر، وَأَن لَا يلهيهم شَيْء من التِّجَارَة وَلَا غَيرهَا عَنهُ، وَالْأَمر فيهمَا للْإِبَاحَة والتخيير كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ (الْمَائِدَة: ٢) . وَقيل: هُوَ أَمر على بَابه، وَقَالَ الدَّاودِيّ، هُوَ على الْإِبَاحَة لمن لَهُ كفاف أَو لَا يُطيق التكسب، وَفرض على من لَا شَيْء لَهُ ويطيق التكسب، وَقيل: من يعْطف عَلَيْهِ بسؤال أَو غَيره لَيْسَ طلب الكفاف عَلَيْهِ بفريضة. قَوْله: ﴿واذْكُرُوا الله كثيرا﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . أَي: على كل حَال، وَلَعَلَّ من الله وَاجِب، والفلاح: الْفَوْز والبقاء. قَوْله: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . سَبَب نُزُولهَا مَا رُوِيَ (عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: أَقبلت عير وَنحن نصلي مَعَ رَسُول الله ﷺ الْجُمُعَة، فانفض النَّاس إِلَيْهَا، فَمَا بَقِي غير اثْنَي عشر رجلا وَأَنا فيهم، فَنزلت: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . وَرُوِيَ أَن أهل الْمَدِينَة أَصَابَهُم جوع وَغَلَاء شَدِيد، فَقدم دحْيَة بن خَليفَة بِتِجَارَة من زَيْت الشَّام، وَالنَّبِيّ ﷺ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامُوا إِلَيْهِ بِالبَقِيعِ، خَشوا أَن يُسْبَقوا إِلَيْهِ، فَلم يبْق

стр. 3269

مَعَ رَسُول الله ﷺ إلَاّ رَهْط مِنْهُم أَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قيل: ثَمَانِيَة، وَقيل: أحد عشر، وَقيل: اثْنَي عشر، وَقيل: أَرْبَعُونَ، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ، لَو تَتَابَعْتُمْ حَتَّى لم يبقَ مِنْكُم أحد لَسَالَ بكم الْوَادي نَارا، وَكَانُوا إِذا أَقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق. فَهُوَ المُرَاد باللهو. وَعَن قَتَادَة: فعلوا ذَلِك ثَلَاث مَرَّات فِي كل مقدم عير. قَوْله: ﴿انْفَضُّوا﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . أَي: تفَرقُوا. قَوْله: ﴿إِلَيْهَا﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . أَي: إِلَى التِّجَارَة. فَإِن قلت: الْمَذْكُور شَيْئَانِ: التِّجَارَة وَاللَّهْو، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: إِلَيْهِمَا؟ قلت: تَقْدِيره: وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة انْفَضُّوا إِلَيْهَا أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهِ، فحذفت إِحْدَاهمَا لدلَالَة الْمَذْكُور عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿وَتَرَكُوك﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . الْخطاب للنَّبِي ﷺ . ﴿قَائِما﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . أَي: على الْمِنْبَر، قل يَا مُحَمَّد: ﴿مَا عِنْد الله خير من اللَّهْو﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . الَّذِي لَا نفع فِيهِ، بل هُوَ خير من التِّجَارَة الَّتِي فِيهَا نفع فِي الْجُمْلَة. قدم اللَّهْو على التِّجَارَة فِي الآخر، وَالتِّجَارَة على اللَّهْو فِي الأول فَإِن الْمقَام يَقْتَضِي هَكَذَا. قَوْله: ﴿وَالله خير الرازقين﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . لِأَنَّهُ موجد الأرزاق، فإياه فاسألوا، وَمِنْه فَاطْلُبُوا. وَقيل: لم يكن يفوتكم الرزق لَو أقمتم، لِأَن الله خير الرازقين. قَوْله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . أَي: بِغَيْر حق، وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن التَّصَرُّف فِي المَال بالحرام بَاطِل حرَام، سَوَاء كَانَ أكلا أَو بيعا أَو هبة، وَغير ذَلِك، وَالْبَاطِل اسْم جَامع لكل مَا لَا يحل فِي الشَّرْع: كالربا وَالْغَصْب وَالسَّرِقَة والخيانة، وكل محرم ورد الشَّرْع بِهِ. قَوْله: ﴿إلَاّ أَن تكون تِجَارَة﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . فِيهِ قراءتان: الرّفْع على أَن تكون تَامَّة، وَالنّصب على تَقْدِير إلَاّ أَن تكون الْأَمْوَال أَمْوَال تحارة، فَحذف الْمُضَاف، وَقيل: الأجود الرّفْع لِأَنَّهُ أدل على انْقِطَاع الِاسْتِثْنَاء، وَلِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى إِضْمَار. قَوْله: ﴿عَن ترَاض مِنْكُم﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . أَي: يرضى كل وَاحِد مِنْكُم بِمَا فِي يَده، وَقَالَ أَكثر الْمُفَسّرين: هُوَ أَن يُخَيّر كل وَاحِد من البائعين صَاحبه بعد العقد عَن ترَاض، وَالْخيَار بعد الصَّفْقَة، وَلَا يحل لمُسلم أَن يغش مُسلما. ثمَّ إِن الْآيَات الَّتِي ذكرهَا البُخَارِيّ ظَاهِرَة فِي إِبَاحَة التِّجَارَة إلَاّ قَوْله: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة﴾ (الْجُمُعَة: ٠١، ١١) . فَإِنَّهَا عتب عَلَيْهَا، وَهِي أَدخل فِي النَّهْي مِنْهَا فِي الْإِبَاحَة لَهَا، لَكِن مَفْهُوم النَّهْي عَن تَركه قَائِما اهتماما بهَا يشْعر بِأَنَّهَا لَو خلت من الْعَارِض الرَّاجِح لم يدْخل فِي العتب، بل كَانَت حِينَئِذٍ مُبَاحَة. وَقد أَبَاحَ الله تَعَالَى التِّجَارَة فِي كِتَابه، وَأمر بالابتغاء من فَضله، وَكَانَ أفاضل الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، كَانُوا يتجرون ويحترفون فِي طلب المعاش، وَقد نهى الْعلمَاء والحكماء عَن أَن يكون الرجل لَا حِرْفَة لَهُ وَلَا صناعَة، خشيَة أَن يحْتَاج إِلَى النَّاس فيذل لَهُم. وَقد رُوِيَ عَن لُقْمَان، ﵇، أَنه قَالَ لِابْنِهِ: يَا بني خُذ من الدُّنْيَا بلاغك، وَأنْفق من كسبك لآخرتك، وَلَا ترفض الدُّنْيَا كل الرَّفْض فَتكون عيالاً، وعَلى أَعْنَاق الرِّجَال كلالاً. ٧٤٠٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ حدَّثنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرنِي سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ وأبُو سَلَمَة بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ إنَّكُمْ تَقُولُونَ إنَّ أبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عنْ رسولِ الله ﷺ وتقُولُونَ مَا بالُ المهاجِرينَ والأنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عنْ رَسولِ الله ﷺ بِمِثْلِ حَديثِ أبِي هُرَيْرَةَ وإنَّ إخْوَانِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بالأسْوَاقِ وكُنْتُ ألْزَمُ رسولَ الله ﷺ علَى مِلءِ بَطْنِي فأشْهَدُ إذَا غَابُوا وأحْفَظُ إذَا نَسُوا وكانَ يَشْغَلُ إخْوَانِي مِنَ الأنْصَارِ عَمَلُ أمْوَالِهِمْ وكُنْتُ امْرَءا مِسْكِينا مِنْ مَساكِين الصُّفَّةِ أعِي حِينَ يَنْسَونَ وقَدْ قالَ رسولُ الله ﷺ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ إنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أقْضِي مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعُ إلَيْهِ ثَوْبَهُ إلَاّ وَعَى مَا أقُولُ فَبَسَطْتُ ثَمِرَةً عَلَيَّ حَتَّى إذَا قَضَى رسولُ الله ﷺ مقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إلَى صَدْرِي فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رسولِ الله ﷺ تِلْكَ مِنْ شَيءٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صفق بالأسواق) ، وَهُوَ التِّجَارَة، والترجمة مُشْتَمِلَة على التِّجَارَة بنوعيها: أَحدهمَا: التِّجَارَة الْحَاصِلَة بِالتَّرَاضِي وَهِي حَلَال. وَالْآخر: التِّجَارَة الْحَاصِلَة بِغَيْر التَّرَاضِي، وَهِي حرَام دلّ عَلَيْهِ قَوْله : ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٨١) . الْآيَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ

стр. 3270

مُحَمَّد بن مُسلم. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن خَالِد بن خلي بن بشر بن شُعَيْب عَن أبي حَمْزَة عَن أَبِيه بِهِ. قَوْله: (يكثر الحَدِيث) ، بِضَم الْيَاء من الْإِكْثَار. قَوْله: (مَا بَال الْمُهَاجِرين؟) أَي: مَا حَالهم؟ قَوْله: (وَإِن إخْوَانِي) ويروى: (إِن إخوتي) أَي: فِي الدّين. قَوْله: (يشغلهم) بِفَتْح الْيَاء وَهُوَ فعل مُتَعَدٍّ. قَوْله: (صفق) بالصَّاد الْمُهْملَة، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَعند غَيره: (سفق) ، بِالسِّين. وَقَالَ الْخَلِيل: كل صَاد تَجِيء قبل الْفَاء، وكل سين تَجِيء بعد الْقَاف، فللعرب فِيهِ لُغَتَانِ: سين وصاد، وَلَا يبالون اتَّصَلت أَو انفصلت بعد أَن تَكُونَا فِي كلمة إلَاّ أَن الصَّاد فِي بعض أحسن وَالسِّين فِي بعض أحسن. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَكَانُوا إِذا تبايعوا تصافقوا بالأكف إِمَارَة لانتزاع البيع، وَذَلِكَ أَن الْأَمْلَاك إِنَّمَا تُضَاف إِلَى الْأَيْدِي، والقبوض تبع لَهَا، فَإِذا تصافقت الأكف انْتَقَلت الْأَمْلَاك واستقرت كل يَد مِنْهَا على مَا صَار لكل وَاحِد مِنْهُمَا من ملك صَاحبه، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ تجارًا وَالْأَنْصَار أَصْحَاب زرع، فيغيبون بهَا عَن حَضْرَة رَسُول الله ﷺ فِي أَكثر أَحْوَاله وَلَا يسمعُونَ من حَدِيثه إلَاّ مَا كَانَ يحدث بِهِ فِي أَوْقَات شهودهم، وَأَبُو هُرَيْرَة حَاضر دهره لَا يفوتهُ شَيْء مِنْهَا: إلَاّ مَا شَاءَ الله، ثمَّ لَا يستولي عَلَيْهِ النسْيَان لصدق عنايته بضبطه وَقلة اسْتِعْمَاله بِغَيْرِهِ، وَقد لحقته دَعْوَة رَسُول الله، ﷺ ، فَقَامَتْ لَهُ الْحجَّة على من أنكر أمره واستغرب شَأْنه. قَوْله: (على ملْء بَطْني) بِكَسْر الْمِيم أَي: مقتنعا بالقوت. قَوْله: (فاشهد) أَي: فأحضر إِذا غَابُوا. قَوْله: (نسوا) ، بِفَتْح النُّون وَضم السِّين المخففة، وَأَصله: نسيوا، فنقلت ضمة الْيَاء إِلَى مَا قبلهَا فَاجْتمع ساكنان فحذفت الْيَاء فَصَارَ: نسوا، على وزن: فعوا. قَوْله: (وَكَانَ يشغل) ، بِفَتْح الْيَاء وفاعله قَوْله: (عمل أَمْوَالهم) بِالرَّفْع، وإخواني فِي مَحل النصب على المفعولية. قَوْله: (الصّفة) أَي: صفة مَسْجِد رَسُول الله، ﷺ الَّتِي كَانَت منزل غرباء فُقَرَاء أَصْحَابه، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أهل الصّفة، هم فُقَرَاء الْمُهَاجِرين، وَمن لم يكن لَهُ مِنْهُم منزل يسكنهُ، فَكَانُوا يأوون إِلَى مَوضِع يظلل فِي مَسْجِد الْمَدِينَة يسكنونه، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة رئيسهم. قَوْله: (أعي) أَي: أحفظ، من: وعى يعي وعيا، إِذا حفظ، وَأَصله: أوعى، وحذفت الْوَاو مِنْهُ تبعا ليعي، إِذْ أَصله: يوعى، حذفت الْوَاو مِنْهُ لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة. قيل: أعي، حَال عَن فَاعل: كنت، وَالْحَال مُقَارن لَهُ، فَكيف يكون هُوَ مَاضِيا وَهَذَا مُسْتَقْبلا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ اسْتِئْنَاف، مَعَ أَنه لَو كَانَ حَالا يَصح لِأَن الْمُضَارع يكون لحكاية الْحَال، وَإِنَّمَا اختصر فِي حق الْأَنْصَار بِهَذَا وَترك ذكر: أشهد إِذا غَابُوا، لِأَن غيبَة الْأَنْصَار كَانَت أقل، وَكَيف لَا وَالْمَدينَة بلدهم ومسكنهم، وَوقت الزِّرَاعَة وَقت مَعْلُوم؟ فَلم يعْتد بغيبتهم لقلتهَا أَو أَن هَذَا عَام للطائفتين، كَمَا: (أَن أشهد إِذا غَابُوا وأحفظ إِذا نسوا) يعم بِأَن يقدر فِي قَضِيَّة الْأَنْصَار أَيْضا بِقَرِينَة السِّيَاق. قَوْله: (نمرة) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم، وَهِي كسَاء ملون، وَلَعَلَّه أَخذ من النمر لما فِيهِ من سَواد وَبَيَاض. وَفِي الحَدِيث (الْحِرْص على التَّعَلُّم وإيثار طلبه على طلب المَال، وفضيلة ظَاهِرَة لأبي هُرَيْرَة وَأَنه، ﷺ ، خصّه ببسط رِدَائه وضمه، فَمَا نسي من مقَالَته شَيْئا، قيل: إِذا كَانَ أَبُو هُرَيْرَة أَكثر أخذا للْعلم يكون أفضل من غَيره، لِأَن الْفَضِيلَة لَيست إلَاّ بِالْعلمِ وَالْعَمَل؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من أكثرية الْأَخْذ كَونه أعلم، وَلَا باشتغالهم عدم زهدهم، مَعَ أَن الْأَفْضَلِيَّة مَعْنَاهَا: أكثرية الثَّوَاب عِنْد الله، وأسبابه لَا تَنْحَصِر فِي أَخذ الْعلم وَنَحْوه، وَقد يكون بإعلاء كلمة الله وَنَحْوه، كَذَا قيل، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: لَا يسْتَلْزم الْأَفْضَلِيَّة فِي نوع، الْأَفْضَلِيَّة فِي كل الْأَنْوَاع، فَافْهَم. ٨٤٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبيهِ عنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ آخى رسولُ الله ﷺ بيْنِي وبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ سعْدُ بنُ الرَّبِيعِ إنِّي أكثرُ الأنْصَارِ مَالا فأقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مالِي وانْظُر أيَّ زَوْجَتَيَّ هَوَيْتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا فإذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا قَالَ فقالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمانِ لَا حاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ هلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجارَةٌ قَالَ سُوقُ قَيْنُقَاعَ قَالَ فغَدَا إلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمانِ فأتَى بِأقِطٍ وسَمْنٍ قَالَ ثُمَّ تابعَ الغُدُوَّ فَمَا لَبِثَ

стр. 3271

أنْ جاءَ عَبْدُ الرَّحْمانُ عَلَيْهِ أثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ تَزَوَّجْتَ قالَ نَعَمْ قَالَ ومَنْ؟ قالَ امْرأةً مِنَ الأنْصَارِ قَالَ كَمْ سُقْتَ قَالَ زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أوْ نَواة مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهُ النبيُّ ﷺ أوْلِمْ ولَوْ بِشَاةٍ. ا (لحَدِيث ٨٤٠٢ طرفه فِي: ٠٨٧٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَل من سوق فِيهِ تِجَارَة) ، وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى بن عَمْرو بن أويس الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد، وَأَبوهُ سعد ابْن إِبْرَاهِيم أَبُو إِسْحَاق الْقرشِي الْمدنِي، وجده إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أَبُو إِسْحَاق الْمدنِي. وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم مدنيون، وَظَاهره الْإِرْسَال لِأَنَّهُ إِن كَانَ الضَّمِير فِي جده يعود إِلَى إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن فَيكون الْجد فِيهِ إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن، وَإِبْرَاهِيم لم يشْهد أَمر المؤاخاة لِأَنَّهُ توفّي بعد التسعين بِغَيْر خلاف، وعمره خمس وَسَبْعُونَ سنة، وعَلى تَقْدِير صِحَة قَول من قَالَ: ولد فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ فَلم تصح لَهُ رِوَايَة عَنهُ، وَأمر المؤاخاة كَانَ حِين الْهِجْرَة. وَإِن عَاد الضَّمِير إِلَى جد سعد، فَيكون على هَذَا سعد روى عَن جده عبد الرَّحْمَن وَهَذَا لَا يَصح، لِأَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَتُوفِّي سعد سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة، عَن ثَلَاث وَسبعين سنة، وَلَكِن الحَدِيث الْمَذْكُور هُنَا مُتَّصِل، لِأَن إِبْرَاهِيم قَالَ فِيهِ: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، يُوضح ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ عَن أبي بكر الطلحي عَن حُصَيْن الوادعي حَدثنَا يحيى بن عبد الحميد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن إبيه عَن جده عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ: لما قدمنَا الْمَدِينَة ... الحَدِيث، وَكَذَا ذكره أَبُو الْعَبَّاس الطرقي وَأَصْحَاب الْأَطْرَاف. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (آخى) ، من المؤاخاة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: المؤاخاة مفاعلة من الْأُخوة وَمَعْنَاهَا أَن يتعاقد الرّجلَانِ على التناصر والمؤاساة حَتَّى يصيرا كالأخوين نسبا. قَوْله: (وَبَين سعد بن الرّبيع) ضد الخريف الْأنْصَارِيّ الخزرجي النَّقِيب العقبي البدري، اسْتشْهد يَوْم أحد، وَهَذِه المؤاخاة ذكرهَا ابْن إِسْحَاق فِي أول سنة من سني الْهِجْرَة بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَقَالُوا: إِن رَسُول الله ﷺ آخى بَين أَصْحَابه مرَّتَيْنِ، مرّة بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة، وَأُخْرَى بعد الْهِجْرَة. قَالَ أَبُو عمر: الصَّحِيح أَن المؤاخاة فِي الْمَدِينَة بعد بِنَاء الْمَسْجِد، فَكَانُوا يتوارثون بذلك دون الْقرَابَات حَتَّى نزلت: ﴿وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولي بعض﴾ (الْأَنْفَال: ٥٧) . وَقيل: كَانَ ذَلِك وَالْمَسْجِد يبْنى، وَقيل: بعد قدومه الْمَدِينَة بِخَمْسَة أشهر، وَفِي (تَارِيخ ابْن أبي خَيْثَمَة) عَن زيد بن أوفى: أَنَّهَا كَانَت فِي الْمَسْجِد، وَكَانُوا مائَة: خَمْسُونَ من الْمُهَاجِرين وَخَمْسُونَ من الْأَنْصَار، وَقَالَ أَبُو الْفرج: وللمؤاخاة سببان: أَحدهمَا: أَنه أجراهم على مَا كَانُوا ألفوا فِي الْجَاهِلِيَّة من الْحلف، فَإِنَّهُم كَانُوا يتوارثون بِهِ فَقَالَ ﷺ : (لَا حلف فِي الْإِسْلَام) ، وَأثبت المؤاخاة، لِأَن الْإِنْسَان إِذا فطم عَمَّا يألفه يخنس. وَالثَّانِي: أَن الْمُهَاجِرين قدمُوا مُحْتَاجين إِلَى المَال وَإِلَى الْمنزل فنزلوا على الْأَنْصَار، فأكد هَذِه المخالطة بالمؤاخاة، وَلم تكن بعد بدر مؤاخاة، لِأَن الْغَنَائِم استغني بهَا. قَوْله: (أَي زَوْجَتي؟) بِلَفْظ الْمثنى الْمُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم، و: أَي، إِذا أضيف إِلَى الْمُؤَنَّث يذكر وَيُؤَنث، يُقَال: أَي امْرَأَة، وأية امْرَأَة. قَوْله: (هويت) أَي: أردْت من: هوى بِالْكَسْرِ يهوى هوى: إِذا أحب. قَوْله: (نزلت لَك عَنْهَا) أَي: طَلقتهَا لَك. قَوْله: (فَإِذا حلت) ، أَي: انْقَضتْ عدتهَا. قَوْله: (سوق قينقاع) ، بِفَتْح الْقَاف الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم النُّون وبالقاف وَفِي آخِره عين مُهْملَة، منصرفا وَغير منصرف: وَهُوَ بطن من الْيَهُود، وَالْمَرْأَة الَّتِي تزَوجهَا عبد الرَّحْمَن هِيَ ابْنة أبي الحيسر أنس بن رَافع بن امرىء الْقَيْس بن زيد بن عبد الْأَشْهَل. قَالَ الزبير: ولدت لَهُ الْقَاسِم وَأَبا عُثْمَان عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. قَوْله: (تَابع الغدوّ) وبلفظ الْمصدر أَي: غَدا الْيَوْم الثَّانِي، والمتابعة إِلْحَاق الشَّيْء بِغَيْرِهِ، ويروى بِلَفْظ: الْغَد، ضد الأمس. قَوْله: (أثر صفرَة) ، أَي: الطّيب الَّذِي اسْتعْمل عِنْد الزفاف، وَفِي لفظ لَهُ على مَا يَأْتِي: (وَعَلِيهِ وضر من صفرَة) ، بِفَتْح الْوَاو وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: هُوَ التلطخ بخلوق أَو طيب لَهُ لون، وَقد صرح بِهِ فِي بعض الرِّوَايَات بِأَنَّهُ: أثر زعفران. فَإِن قلت: جَاءَ النَّهْي عَن التزعفر فَمَا الْجمع بَينهمَا؟ قلت: كَانَ يَسِيرا فَلم يُنكره. وَقيل: إِن ذَلِك علق من ثوب الْمَرْأَة من غير قصد، وَقيل: كَانَ فِي أول الْإِسْلَام أَن

стр. 3272

من تزوج لبس ثوبا مصبوغا لسرورة وزواجه. وَقيل: كَانَت الْمَرْأَة تكسوه إِيَّاه. وَقيل: إِنَّه كَانَ يفعل ذَلِك ليعان على الْوَلِيمَة. وَقَالَ ابْن الْعَبَّاس: أحسن الألوان الصُّفْرَة. وَقَالَ : ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين﴾ (الْبَقَرَة: ٩٦) قَالَ فقرن السرُور بالصفرة. وَلما سُئِلَ عبد الله عَن الصَّبْغ بهَا، قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ، يصْبغ بهَا فَأَنا أصبغ بهَا وأحبها، وَقَالَ أَبُو عبيد: كَانُوا يرخصون فِي ذَلِك للشاب أَيَّام عرسه. وَقيل: يحْتَمل أَن ذَلِك كَانَ فِي ثَوْبه دون بدنه، وَمذهب مَالك جَوَازه، وَحَكَاهُ عَن عُلَمَاء بَلَده. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة: لَا يجوز ذَلِك للرِّجَال. قَوْله: (قَالَ: وَمن؟) أَي: وَمن الَّتِي تزوجت بهَا؟ وَفِي لفظ لَهُ: (فَقَالَ لَهُ النَّبِي، ﷺ : مَهيم؟ قَالَ: تزوجت) و: مَهيم، بميم مَفْتُوحَة وهاء سَاكِنة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره مِيم: وَهِي كلمة يَمَانِية مَعْنَاهَا: مَا هَذَا؟ وَمَا أَمرك؟ ذكره الْهَرَوِيّ وَغَيره. قَوْله: (كم سقت؟) أَي: كم أَعْطَيْت؟ يُقَال: سَاقه إِلَيْهِ كَذَا، أَي أعطَاهُ. قَوْله: (زنة نواة) ، بِكَسْر الزَّاي، أَي: وزن نواة من ذهب. قَالَ أَبُو عبيد: النواة زنة خَمْسَة دَرَاهِم. قَالَ الْخطابِيّ: ذَهَبا كَانَ أَو فضَّة. وَعَن أَحْمد بن حَنْبَل: زنة ثَلَاثَة دَرَاهِم، وَقيل: وزن نواة التَّمْر من ذهب. وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن أَحْمد: زنة ثَلَاثَة دَرَاهِم وَثلث، وَقيل: النواة ربع دِينَار. وَعَن بعض الْمَالِكِيَّة: هِيَ ربع دِينَار. قَوْله: (أولم) أَمر، أَي: اتخذ وَلِيمَة، وَهِي الطَّعَام الَّذِي يصنع عِنْد الْعرس. وَمن ذهب إِلَى إِيجَابهَا أَخذ بِظَاهِر الْأَمر، وَهُوَ مَحْمُول عِنْد الْأَكْثَر على النّدب. وَفِي (التَّلْوِيح) : والوليمة فِي الْعرس مُسْتَحبَّة، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: وَاجِبَة، وَهُوَ قَول دَاوُد، وَقتهَا بعد الدُّخُول، وَقيل: عِنْد العقد، وَعَن ابْن حبيب: استحبابها عِنْد العقد وَعند الدُّخُول، وَأَن لَا ينقص عَن شَاة. قَالَ القَاضِي: الْإِجْمَاع أَنه لَا حد لقدرها المجزىء. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّهَا قدر الشَّاة لمن قدر عَلَيْهَا، فَمن لم يقدر فَلَا حرج عَلَيْهِ، فقد أولم رَسُول الله ﷺ بالسويق وَالتَّمْر على بعض نِسَائِهِ، وكرهت طَائِفَة الْوَلِيمَة أَكثر من يَوْمَيْنِ، وَعَن مَالك أسبوعا. ٩٤٠٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حَدثنَا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثنا حَمِيدٌ عَن أنسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمانُ بنُ عَوْفٍ المَدِينَةَ فآخى النبيُّ ﷺ بَيْنَهُ وبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ الأنْصَارِيِّ وكانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمانِ أُقَاسِمُكَ مالِي نِصْفَيْن وأُزَوِّجُكَ قَالَ بارَكَ الله لَكَ فِي أهْلِكَ ومالِكَ دُلُّونِي علَى السُّوقِ فَمَا رجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أقِطا وسَمْنا فَأتى بِهِ أهْلَ مَنْزِلِهِ فَمَكَثْنَا يَسيرا أوْ مَا شاءَ الله فجاءَ وَعَلَيْهِ وضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ لَهُ النبيُّ ﷺ مَهْيَمْ قَالَ يَا رسولَ الله تَزَوَّجْتُ امْرَأَة مِنَ الأنْصَارِ قَالَ مَا سُقْتُ إلَيْهَا قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أوْ وَزْنَ نَواةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ أوْلِمْ ولوْ بِشَاةٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (دلوني على السُّوق) ، فَإِنَّهُ مَا طلب السُّوق إلَاّ للتِّجَارَة، وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس بن عبد الله، أَبُو عبد الله التَّمِيمِي اليربوي الْكُوفِي، وَزُهَيْر تَصْغِير: زهر بن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، وَحميد هُوَ الطَّوِيل. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قدم عبد الرَّحْمَن) ، ويروى: (لما قدم) . قَوْله: (فآخى) ، من المؤاخاة، قَوْله: (فَمَا رَجَعَ حَتَّى استفضل) ، أَي: ربح. يُقَال: أفضلت مِنْهُ الشَّيْء واستفضلته إِذا أفضلت مِنْهُ شَيْئا. قَوْله: (وَعَلِيهِ وضر من صفرَة) ، بِفَتْح الْوَاو وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: وَهُوَ التلطخ بخلوق أَو طيب لَهُ لون، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق، وَكَذَا مر تَفْسِير: مَهيم. قَوْله: (أَو وزن نواة) . شكّ من الرَّاوِي. وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا يدل على أَنه لَا بَأْس للشريف أَن يتَصَرَّف فِي السُّوق بِالْبيعِ وَالشِّرَاء، ويتعفف بذلك عَمَّا يبذله من المَال وَغَيره. وَفِيه: الْأَخْذ بالشدة على نَفسه فِي أَمر معاشه. وَفِيه: أَن الْعَيْش من الصناعات أولى بنزاهة الْأَخْلَاق من الْعَيْش من الهبات وَالصَّدقَات وشبههما. وَفِيه: الْبركَة للتِّجَارَة. وَفِيه: المؤاخاة على التعاون فِي أَمر الله تَعَالَى، وبذل المَال لمن يؤاخى عَلَيْهِ. ٠٥٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍ وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَتْ عُكَاظٌ ومَجِنَّة وذُو المَجَازِ أسْوَاقا فِي الجاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كانِ الإسْلَامُ فكَأنَّهُمْ تَأثَّمُوا فِيهِ

стр. 3273

فَنَزَلَتْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ قرَأهَا ابْنُ عَبَّاسٍ. (انْظُر الحَدِيث ٠٧٧١ وأرفيه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يشْتَمل على أَنهم كَانُوا يتجرون فِي الْأَسْوَاق الْمَذْكُورَة بعد نزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح ... ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٩١، ٢٨٢. النِّسَاء: ١٠١، النُّور: ٩٢، ١٦، الْأَحْزَاب: ٥) . الْآيَة، وَعبد الله ابْن مُحَمَّد الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: هُوَ ابْن دِينَار الْمَكِّيّ. وَقد مضى الحَدِيث فِي الْحَج فِي: بَاب التِّجَارَة أَيَّام الْمَوْسِم وَالْبيع فِي أسواق الْجَاهِلِيَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عُثْمَان بن الْهَيْثَم عَن أبي جريج عَن عَمْرو بن دِينَار ... إِلَى آخِره، وعكاظ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْكَاف وَفِي آخِره ظاء مُعْجم، و: مجنة، بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَتَشْديد النُّون. قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَام) كَانَ تَامَّة. قَوْله: (تأثموا) ، يَعْنِي: احتنبوا الْإِثْم، يَعْنِي: تركُوا التِّجَارَة، فِيهَا احْتِرَاز عَن الْإِثْم، قَوْله: (فِي مواسم الْحَج) ، جمع: موسم، سمي: بِالْمَوْسِمِ، لِأَنَّهُ معلم يجتم النَّاس إِلَيْهِ. وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس هَذِه اللَّفْظَة فِي جملَة الْقُرْآن زَائِدَة على مَا هُوَ الْمَشْهُور. ٢ - (بابٌ الحَلَالُ بَيِّنٌ والحَرَامُ بَيِّنٌ وبَيْنَهُمَا مُشَبَّهاتٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْحَلَال بيِّن. . إِلَى آخِره. ١٥٠٢ - حدَّثني محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حَدثنَا ابنُ أبِي عَدِيٍّ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ سمِعْتُ النبيَّ ﷺ ح وَحدثنَا عليُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ أبِي فَرْوَةَ عنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ عنِ النَّبِي ﷺ ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ أبِي فَرْوَةَ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِي قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بنَ بَشيرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ ح وحدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرَنا سُفْيَانُ عنْ أبِي فَرْوَةَ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ الحَلالُ بَيِّنٌ والحرَامُ بَيِّنٌ وبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مَشْتَبَهَةٌ فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ علَيْهِ مِنَ الإثْمِ كانَ لِمَا اسْتَبَانَ أتْرَكَ ومَنِ اجْتَرأ عَلَى مَا يُشَكُّ فِيهِ مِنَ الإثْمِ أوْشَكَ أنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ والمَعَاصِي حِمَى الله منْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٢٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا جُزْء من الحَدِيث. ذكر رِجَاله وهم أحد عشر رجلا، لِأَنَّهُ أخرجه من أَربع طرق: الأول: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن مُحَمَّد بن أبي عدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال: وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم مولى بني سليم بن القساملة عَن عبد الله بن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو: ابْن أرطبان عَن عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ عَن النُّعْمَان بن بشير. الثَّانِي: (عَن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي فَرْوَة، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء، واسْمه: عُرْوَة بن الْحَارِث الْمَشْهُور بِأبي فَرْوَة الْكَبِير عَن الشّعبِيّ عَن النُّعْمَان بن بشير) . الثَّالِث: (عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ... إِلَى آخِره. الرَّابِع: عَن مُحَمَّد بن كثير ضد الْقَلِيل عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي فَرْوَة ... إِلَى آخِره. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاجِد. وَفِيه: العنعنة فِي فِي ثَمَانِيَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل عَن الرَّاوِي فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن هَذِه الطّرق والتحويلات للتقوية والتأكيد، سِيمَا إِذا كَانَ فِيهِ لفظ سَمِعت وَفِيه: أَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَابْن أبي عدي وَمُحَمّد بن كثير وَابْن عون بصريون، وَعبد الله بن مُحَمَّد بخاري وَابْن عُيَيْنَة مكي وَالشعْبِيّ وَأَبُو فَرْوَة وسُفْيَان الثَّوْريّ كوفيون. وَقد ذكرنَا تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب من اسْتَبْرَأَ لدينِهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن زَكَرِيَّا عَن عَامر عَن النُّعْمَان بن بشير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً غَايَة الِاسْتِقْصَاء.

стр. 3274

٣ - (بابُ تَفْسِير المشبَّهات) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير المشبهات، بِضَم الْمِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة الْمَفْتُوحَة: جمع مشبهة، وَهِي الَّتِي يَأْتِي فِيهَا من شبه طرفين متخالفين، فَيُشبه مرّة هَذَا وَمرَّة هَذَا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْبَقر تشابه علينا﴾ (الْبَقَرَة: ٠٧) . أَي: اشْتبهَ، وَفِي بعض النّسخ: بَاب تَفْسِير المشتبهات، من اشْتبهَ من بَاب الافتعال، وَفِي بَعْضهَا: بَاب تَفْسِير الشُّبُهَات، بِضَم الشين وَالْبَاء، جمع شُبْهَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: كل شَيْء يسبه الْحَلَال من وَجه وَالْحرَام من وَجه هُوَ شُبْهَة، والحلال الْيَقِين: مَا علم ملكه يَقِينا لنَفسِهِ، وَالْحرَام الْبَين مَا علم ملكه لغيره يَقِينا، والشبهة: مَا لَا يدْرِي أهوَ لَهُ أَو لغيره، فالورع اجتنابه. ثمَّ الْوَرع على أَقسَام: وَاجِب، كَالَّذي قُلْنَاهُ. ومستحب، كاجتناب مُعَاملَة من أَكثر مَاله حرَام، ومكروه كالاجتناب عَن قبُول رخص الله والهدايا، وَمن جملَته أَن يدْخل الرجل الْخُرَاسَانِي مثلا بَغْدَاد وَيمْتَنع من التَّزَوُّج بهَا مَعَ الْحَاجة إِلَيْهِ، يزْعم أَن أَبَاهُ كَانَ بِبَغْدَاد فَرُبمَا تزوج بهَا وَولد لَهُ بنت، فَتكون هَذِه الْمَنْكُوحَة أُخْتا لَهُ. وَقَالَ حسَّانُ بنُ أبِي سِنانٍ مَا رأيْتُ شَيئا أهْوَنَ مِنَ الوَرَع دَعْ مَا يَرِيبكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ. حسان بن الْحسن أَو الْحُسَيْن بن أبي سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون، ينْصَرف وَلَا ينْصَرف. هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَحْمد بن عَمْرو حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو رسته. قَالَ: حَدثنَا زُهَيْر بن نعيم البابي، قَالَ: اجْتمع يُونُس بن عبيد، وَحسان بن أبي سِنَان يَعْنِي: أَبَا عبد الله عَابِد أهل الْبَصْرَة، فَقَالَ يُونُس: مَا عَالَجت شَيْئا أَشد عَليّ من الْوَرع، فَقَالَ حسان: مَا عَالَجت شَيْئا أَهْون عَليّ مِنْهُ، قَالَ يُونُس: كَيفَ؟ قَالَ حسان: تركت مَا يريبني إِلَى مَا لَا يريبني فاسترحت. وَأَيْضًا، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن مَالك، حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد حَدثنِي الْحسن بن عبد الْعَزِيز الجروي، قَالَ: كتب إِلَيْنَا ضَمرَة عَن عبد الله بن شَوْذَب، قَالَ: قَالَ حسان بن أبي سِنَان: مَا أيسر الْوَرع إِذا شَككت فِي شَيْء فَاتْرُكْهُ. قلت: لفظ: (دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك) ، صَحَّ من حَدِيث الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَشَاهده حَدِيث أبي أُمَامَة: (أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله، ﷺ : مَا الْإِيمَان؟ قَالَ: إِذا سرتك حَسَنَة وساءتك سَيِّئَة. فَأَنت مُؤمن. قَالَ: يَا رَسُول الله ﴿مَا الْإِثْم؟ قَالَ: إِذا حك فِي صدرك شَيْء فَدَعْهُ) . قَوْله: (يريبك) ، من الريب وَهُوَ الشَّك، ورابني فلَان، إِذا رَأَيْت مِنْهُ مَا يريبك. ٢٥٠٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنَا سُفْيانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي حُسَيْنٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ أبي مُلَيُكَةَ عَن عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ امْرَأةً سَوْدَاءَ جاءَتْ فَزَعَمَتْ أنَّهَا أرْضَعَتْهُمَا فذَكرَ للنبيِّ ﷺ فأعْرَضَ عنْهُ وتبَسَّمَ النبيُّ ﷺ قَالَ كَيْفَ وقَدْ قِيلَ وقَدْ كانَتْ تَحْتَهُ ابنَةُ إهَابٍ التَّمِيميِّ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَيفَ وَقد قيل) لِأَنَّهُ مشْعر بإشارته ﷺ إِلَى تَركهَا ورعا، وَلِهَذَا فَارقهَا، فَفِيهِ توضيح الشُّبْهَة وَحكمهَا، وَهُوَ الاجتناب عَنْهَا، وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن الْقرشِي النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الرحلة فِي الْمَسْأَلَة النَّازِلَة. وَأخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن عَن عبد الله بن أبي مليكَة ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. قَوْله: (أرضعتهما) ، أَي أرضعت عقبَة وَامْرَأَته ابْنة أبي إهَاب، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْهَاء وبالباء الْمُوَحدَة: وَاسم هَذِه الْمَرْأَة غنية بنت أبي إهَاب، ذكره الزبير، وروى التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث وَلَفظه: (قَالَ عقبَة: تزوجت امْرَأَة، فجاءتنا امْرَأَة سَوْدَاء فَقَالَت: إِنِّي أرضعتكما، فَأتيت النَّبِي ﷺ فَقلت: تزوجت فُلَانَة بنت فلَان، فجاءتنا امْرَأَة سَوْدَاء، فَقَالَت: إِنِّي أرضعتكما، وَهِي كَاذِبَة. قَالَ: فَأَعْرض عني، فَقَالَ فَأَتَيْته من قِبَلِ وَجهه، فَقلت: إِنَّهَا كَاذِبَة، قَالَ: وَكَيف بهَا؟ فقد زعمت أَنَّهَا أرضعتكما﴾ دعها عَنْك) ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل على هَذَا الحَدِيث عِنْد بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، وَغَيرهم أَجَازُوا

стр. 3275

شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة فِي الرَّضَاع. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: تجوز شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة فِي الرَّضَاع وَيُؤْخَذ بِيَمِينِهَا، وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق. وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: لَا تجوز شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة فِي الرَّضَاع حَتَّى يكون أَكثر، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : ذهب جُمْهُور الْعلمَاء: إِلَى أَن النَّبِي، ﷺ ، أفتاه بالتحرز من الشُّبْهَة، وَأمره بمجانبة الرِّيبَة خوفًا من الْإِقْدَام على فرج يخَاف أَن يكون الْإِقْدَام عَلَيْهِ ذَرِيعَة إِلَى الْحَرَام، لأٌّ هـ قد قَامَ دَلِيل التَّحْرِيم بقول الْمَرْأَة، لَكِن لم يكن قَاطعا وَلَا قَوِيا، لإِجْمَاع الْعلمَاء على أَن شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة لَا تجوز فِي مثل ذَلِك، لكنه أَشَارَ عَلَيْهِ بالأحوط يدل عَلَيْهِ أَنه لما أخبرهُ أعرض عَنهُ، فَلَو كَانَ حَرَامًا لما أعرض عَنهُ، بل كَانَ يجِيبه بِالتَّحْرِيمِ، لكنه لما كرر عَلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى أَجَابَهُ بالورع. انْتهى. قلت: قَوْله: لإِجْمَاع الْعلمَاء على أَن شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة لَا تجوز فِي مثل ذَلِك، غلط يظْهر من كَلَام التِّرْمِذِيّ، وَأَنه مُتبع فِي ذَلِك ابْن بطال. ٧ - (حَدثنَا يحيى بن قزعة قَالَ حَدثنَا مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ عتبَة بن أبي وَقاص عهد إِلَى أَخِيه سعد بن أبي وَقاص أَن ابْن وليدة زَمعَة مني فاقبضه قَالَت فَلَمَّا كَانَ عَام الْفَتْح أَخذه سعد بن أبي وَقاص وَقَالَ ابْن أخي قد عهد إِلَيّ فِيهِ فَقَامَ عبد بن زَمعَة فَقَالَ أخي وَابْن وليدة أبي ولد على فرَاشه فتساوقا إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ سعد يَا رَسُول الله ابْن أخي كَانَ قد عهد إِلَيّ فِيهِ فَقَالَ عبد بن زَمعَة أخي وَابْن وليدة أبي ولد على فرَاشه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - هُوَ لَك يَا عبد بن زَمعَة ثمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر ثمَّ قَالَ لسودة بنت زَمعَة زوج النَّبِي ﷺ َ - احتجبي مِنْهُ يَا سَوْدَة لما رأى من شبهه بِعتبَة فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِي الله) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن فِيهِ توضيح الشُّبْهَة والاجتناب عَنْهَا وَلذَلِك قَالَ لسودة احتجبي مِنْهُ. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة قد ذكرُوا كلهم وَيحيى بن قزعة بِالْقَافِ وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحات قد مر فِي آخر الصَّلَاة. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الْأَحْكَام عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله وَفِي الْوَصَايَا وَفِي الْمَغَازِي عَن القعْنبِي كلهم عَن مَالك بِهِ وَأخرجه أَيْضا فِي بَاب شِرَاء الْمَمْلُوك من الْحَرْبِيّ عَن قُتَيْبَة بن سعيد وَأخرجه مُسلم حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا لَيْث وَحدثنَا مُحَمَّد بن رمح قَالَ أخبرنَا اللَّيْث عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة " عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت اخْتصم سعد بن أبي وَقاص وَعبد بن زَمعَة فِي غُلَام فَقَالَ سعد هَذَا يَا رَسُول الله ابْن أخي عتبَة ابْن أبي وَقاص عهد إِلَى أَنه ابْنه انْظُر إِلَى شبهه وَقَالَ عبد بن زَمعَة هَذَا أخي يَا رَسُول الله ولد على فرَاش أبي من وليدته فَنظر رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى شبهه فَرَأى شبها بَينا بِعتبَة فَقَالَ هُوَ لَك يَا عبد الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر واحتجبي مِنْهُ يَا سَوْدَة بنت زَمعَة فَلم ير سَوْدَة قطّ " وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق عَن قُتَيْبَة. (ذكر بَيَان الْأَسَامِي الْوَاقِعَة فِيهِ) عتبَة بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة ابْن أبي وَقاص ذكره العسكري فِي الصَّحَابَة وَقَالَ كَانَ أصَاب دَمًا فِي قُرَيْش وانتقل إِلَى الْمَدِينَة قبل الْهِجْرَة وَمَات فِي الْإِسْلَام وَكَذَا قَالَ أَبُو عمر وَجزم بِهِ الذَّهَبِيّ فِي مُعْجَمه فَأَخْطَأَ وَلم يذكرهُ الْجُمْهُور فِي الصَّحَابَة وَذكره ابْن مَنْدَه فيهم وَاحْتج بوصيته إِلَى أَخِيه سعد بِابْن وليدة زَمعَة وَأنْكرهُ أَبُو نعيم وَقَالَ هُوَ الَّذِي شج وَجه رَسُول الله ﷺ َ - وَكسر رباعيته يَوْم أحد وَمَا علمت لَهُ إسلاما وَلم يذكرهُ أحد من الْمُتَقَدِّمين فِي الصَّحَابَة وَقيل أَنه مَاتَ كَافِرًا وروى معمر عَن عُثْمَان الْجَزرِي عَن مقسم أَن عتبَة لما كسر ربَاعِية رَسُول الله ﷺ َ - دَعَا عَلَيْهِ فَقَالَ " اللَّهُمَّ لَا يحول عَلَيْهِ الْحول حَتَّى يَمُوت كَافِرًا فَمَا حَال عَلَيْهِ الْحول حَتَّى مَاتَ كَافِرًا " وَأم عتبَة هِنْد بنت وهب بن الْحَارِث بن زهرَة وَعتبَة هَذَا أَخُو سعد بن أبي وَقاص لِأَخِيهِ وَأَبُو وَقاص اسْمه مَالك بن أهيب وَيُقَال وهيب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب بن مرّة بن

стр. 3276

كَعْب بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ يلتقي مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فِي كلاب بن مرّة وَيُقَال لَهُ فَارس الْإِسْلَام مَاتَ سنة خمس وَخمسين وَهُوَ الْمَشْهُور فِي قصره بالعقيق وَحمل على رِقَاب النَّاس إِلَى الْمَدِينَة وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ آخر الْعشْرَة وَفَاة وَكَانَ عمره حينما مَاتَ بضعا وَسبعين سنة وَقيل ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ وَقيل غير ذَلِك وَأمه حمْنَة بنت سُفْيَان بن أبي أُميَّة بن عبد شمس وَقيل بنت أبي سُفْيَان وَقيل بنت أبي أَسد وَعبد بن زَمعَة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر وَقَالَ أَبُو نعيم عبد زَمعَة بن الْأسود العامري أَخُو سَوْدَة أم الْمُؤمنِينَ كَانَ شريفا سيدا من سَادَات الصَّحَابَة قَالَ الذَّهَبِيّ كَذَا نسبه أَبُو نعيم فَوَهم إِنَّمَا هُوَ ابْن زَمعَة بن قيس وَزَمعَة بالزاي وَالْمِيم وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحات وَقيل بِسُكُون الْمِيم وَالْولد الْمُتَنَازع فِيهِ اسْمه عبد الرَّحْمَن بن زَمعَة بن قيس وَكَانَت أمه من موَالِي الْيمن ولعَبْد الرَّحْمَن هَذَا عقب بِالْمَدِينَةِ وَله ذكر فِي الصَّحَابَة وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَجْرِيد الصَّحَابَة عبد الرَّحْمَن بن زَمعَة بن قيس الْقرشِي العامري هُوَ ابْن وليد زَمعَة صَاحب الْقِصَّة وَسَوْدَة بنت زَمعَة بن قيس القرشية العامرية أم الْمُؤمنِينَ يُقَال كنيتها أم الْأسود وَأمّهَا الشموس بنت قيس تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ َ - بعد موت خَدِيجَة ﵂ وَكَانَت قبله عِنْد السَّكْرَان بن عمر وَأخي سهل بن عمر وروت عَن النَّبِي ﷺ َ - وروى عَنْهَا عبد الله بن عَبَّاس وَيحيى بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن سعد وَيُقَال ابْن أسعد بن زُرَارَة الْأنْصَارِيّ مَاتَت فِي آخر خلَافَة عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " عهد إِلَيْهِ " أَي أوصى إِلَيْهِ قَوْله " أَن ابْن وليدة " الوليدة الْجَارِيَة وَجَمعهَا ولائد وَقَالَ الْجَوْهَرِي الوليدة الصبية وَقَالَ ابْن الْأَثِير تطلق الوليدة على الْجَارِيَة وَالْأمة وَإِن كَانَت كَبِيرَة والوليد الطِّفْل وَيجمع على ولدان وَالْأُنْثَى وليدة وَفِي الحَدِيث " تَصَدَّقت أُمِّي بوليدة " أَي جَارِيَة قَوْله " فأقبضه " من جملَة كَلَام عتبَة لِأَخِيهِ سعد أَي فأقبض ابْن وليدة زَمعَة قَوْله " ابْن أخي " أَي هُوَ ابْن أخي عتبَة قد عهد إِلَيّ فِيهِ أَي فِي الابْن الْمَذْكُور قَوْله " فَقَالَ عبيد الله بن زَمعَة أخي " أَي هُوَ أخي وَابْن وليدة أبي أَي ابْن جَارِيَته ولد على فرَاشه قَوْله " فتساوقا " أَي بعد أَن تنَازعا وتخاصما فِيهِ ذَهَبا إِلَى النَّبِي ﷺ َ - سائقين قَوْله " هُوَ لَك " اخْتلف فِي مَعْنَاهُ على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا مَعْنَاهُ هُوَ أَخُوك قَضَاء مِنْهُ ﷺ َ - بِعِلْمِهِ لَا بالإستلحاق لِأَن زَمعَة كَانَ صهره ﷺ َ - وَسَوْدَة ابْنَته كَانَت زَوجته ﷺ َ - فَيمكن أَن يكون ﷺ َ - علم أَن زَمعَة كَانَ يَمَسهَا وَالثَّانِي مَعْنَاهُ هُوَ لَك يَا عبد ملكا لِأَنَّهُ ابْن وليدة زَمعَة وكل أمة تَلد من غير سَيِّدهَا فولدها عبد وَلم يقر زَمعَة وَلَا شهد عَلَيْهِ وَالْأُصُول تدفع قَول أَبِيه فَلم يبْق إِلَّا أَنه عبد تبعا لأمه قَالَه ابْن جرير وَقَالَ الطَّحَاوِيّ معنى " هُوَ لَك " أَي بِيَدِك لَا ملك لَهُ لكنك تمنع مِنْهُ غَيْرك كَمَا قَالَ للملتقط أَي فِي اللّقطَة هِيَ لَك أَي بِيَدِك تدفع عَنْهَا حَتَّى تأتيها صَاحبهَا لَا أَنَّهَا ملك لَك وَلَا يجوز أَن يُضَاف إِلَى الرَّسُول أَنه جعله ابْنا لزمعة وَأمر أُخْته أَن تحتجب مِنْهُ لَكِن لما كَانَ لعبد شريك فِيمَا ادَّعَاهُ وَهُوَ سَوْدَة لم يَجعله أخاها وأمرها أَن تحتجب مِنْهُ انْتهى (قيل) فِيهِ نظر لِأَن فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي " هُوَ لَك هُوَ أَخُوك يَا عبد بن زَمعَة من أجل أَنه ولد على فرَاشه " (قلت) فِي مُسْند أَحْمد وَسنَن النَّسَائِيّ " لَيْسَ لَك بِأَخ " (فَإِن قلت) أعل هَذِه الزِّيَادَة الْبَيْهَقِيّ وَالْمُنْذِرِي والمازري (قلت) الْحَاكِم استدركها وَصحح إسنادها قَوْله " يَا عبد بن زَمعَة يجوز رَفعه على النَّعْت ونصبه على الْموضع وَيجوز فِي عبد ضم داله على الأَصْل وفتحه اتبَاعا لنون ابْن وَقيل الرِّوَايَة فِيهِ هُوَ لَك عبد بِإِسْقَاط حرف النداء الَّذِي هُوَ يَا وَنسب الْقُرْطُبِيّ هَذَا القَوْل إِلَى بعض الْحَنَفِيَّة فَقَالَ قد وَقع لبَعض الْحَنَفِيَّة عبد بِغَيْر يَاء وَمَعْنَاهُ هُوَ لَك لِأَنَّهُ ابْن أمة أَبِيك فترث هَذَا الْوَلَد وَأمه ثمَّ رده الْقُرْطُبِيّ بقوله الرِّوَايَة بِإِثْبَات يَاء النداء وَعبد هُنَا اسْم علم منادى يزِيد بِهِ عبد الَّذِي هُوَ ابْن زَمعَة وَلَئِن سلمنَا الرِّوَايَة بِغَيْر يَاء فالمخاطب هُوَ عبد بن زَمعَة وَهُوَ بِلَا شكّ منادى إِلَّا أَن الْعَرَب تحذف حرف النداء من الْأَسْمَاء الْأَعْلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُوسُف أعرض عَن هَذَا﴾ وَهَذَا كثير قَوْله " الْوَلَد للْفراش " أَي لصَاحب الْفراش إِنَّمَا قَالَ ﷺ َ - ذَلِك عقيب حكمه لعبد بن زَمعَة إِشَارَة بِأَن حكمه لم يكن بِمُجَرَّد الِاسْتِلْحَاق بل بالفراش فَقَالَ " الْوَلَد للْفراش " وأجمعت جمَاعَة من الْعلمَاء بِأَن الْحرَّة فرَاش بِالْعقدِ عَلَيْهَا مَعَ إِمْكَان الْوَطْء وَإِمْكَان الْحمل فَإِذا كَانَ عقد النِّكَاح يُمكن مَعَه الْوَطْء وَالْحمل فَالْوَلَد لصَاحب الْفراش لَا يَنْتَفِي عَنهُ أبدا بِدَعْوَى غَيره وَلَا بِوَجْه من الْوُجُوه إِلَّا بِاللّعانِ

стр. 3277

وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي الْمَرْأَة يطلقهَا زَوجهَا من حِين العقد عَلَيْهَا بِحَضْرَة الْحَاكِم وَالشُّهُود فتأتي بِولد لسِتَّة أشهر فَصَاعِدا من ذَلِك الْوَقْت عقيب العقد فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يلْحق بِهِ لِأَنَّهَا لَيست بفراش لَهُ إِذا لم يتَمَكَّن من الْوَطْء فِيهِ الْعِصْمَة وَهُوَ كالصغير أَو الصَّغِيرَة اللَّذين لَا يُمكن مِنْهُمَا الْوَلَد وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه هِيَ فرَاش لَهُ وَيلْحق بِهِ وَلَدهَا وَاخْتلفُوا فِي الْأمة فَقَالَ مَالك إِذا أقرّ بِوَطْئِهَا صَارَت فراشا إِن لم يدع اسْتِبْرَاء الْحق بِهِ وَلَدهَا وَإِن ادّعى اسْتِبْرَاء حلفه وبريء من وَلَدهَا وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا تكون الْأمة فراشا بِالْوَطْءِ إِلَّا بِأَن يَدعِي سَيِّدهَا وَلَدهَا وَأما إِن نَفَاهُ فَلَا يلْحق بِهِ سَوَاء أقرّ بِوَطْئِهَا أَو لم يقر وَسَوَاء اسْتَبْرَأَ أَو لم يستبرىء قَوْله " وللعاهر الْحجر " العاهر الزَّانِي وَقد عهر يعهر عهرا وعهورا إِذا أَتَى الْمَرْأَة لَيْلًا للفجور بهَا ثمَّ غلب على الزِّنَا مُطلقًا وَقد عهر الرجل إِلَى الْمَرْأَة ويعهر إِذا أَتَاهَا للفجور وَقد عيهرت هِيَ وتعيهر إِذا زنت والعهر الزِّنَا وَمِنْه الحَدِيث " اللَّهُمَّ أبدله بالعهر الْعِفَّة " ثمَّ معنى قَوْله " وللعاهر الْحجر " أَن الزَّانِي لَهُ الخيبة وَلَا حَظّ لَهُ فِي الْوَلَد وَالْعرب تجْعَل هَذَا مثلا فِي الخيبة كَمَا يُقَال لَهُ التُّرَاب إِذا أَرَادوا لَهُ الخيبة وَقيل الْوَلَد لصَاحب الْفراش من الزَّوْج أَو السَّيِّد وللزاني الخيبة والحرمان كَقَوْلِك مَا لَك عِنْدِي شَيْء غير التُّرَاب وَمَا بِيَدِك غير الْحجر وَقَالَ بَعضهم كني بِالْحجرِ عَن الرَّجْم وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ كل زَان يرْجم وَإِنَّمَا يرْجم الْمُحصن خَاصَّة قَوْله " احتجبي مِنْهُ " أشكل مَعْنَاهُ قَدِيما على الْعلمَاء فَذهب أَكثر الْقَائِلين بِأَن الْحَرَام لَا يحرم الْحَلَال وَأَن الزِّنَا لَا تَأْثِير لَهُ فِي التَّحْرِيم وَهُوَ قَول عبد الْملك بن الْمَاجشون إِلَّا أَن قَوْله كَانَ ذَلِك مِنْهُ على وَجه الِاخْتِيَار والتنزه وَأَن للرجل أَن يمْنَع امْرَأَته من رُؤْيَة أَخِيهَا هَذَا قَول الشَّافِعِي وَقَالَت طَائِفَة كَانَ ذَلِك مِنْهُ لقطع الذريعة بعد حكمه بِالظَّاهِرِ فَكَأَنَّهُ حكم بحكمين حكم ظَاهر وَهُوَ الْوَلَد للْفراش وَحكم بَاطِن وَهُوَ الاحتجاب من أجل الشّبَه كَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ بِأَخ لَك يَا سَوْدَة إِلَّا فِي حكم الله تَعَالَى فَأمرهَا بالاحتجاب مِنْهُ قَوْله " لما رأى من شبهه بِعتبَة " هُوَ بِفَتْح الشين وَالْبَاء وبكسر الشين مَعَ سُكُون الْبَاء. (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) أصل الْقَضِيَّة فِيهِ أَنهم كَانَت لَهُم فِي الْجَاهِلِيَّة إِمَاء يبغين أَن يَزْنِين وَكَانَت السَّادة تأتيهن فِي خلال ذَلِك فَإِذا أَتَت إِحْدَاهُنَّ بِولد فَرُبمَا يَدعِيهِ السَّيِّد وَرُبمَا يَدعِيهِ الزَّانِي فَإِن مَاتَ السَّيِّد وَلم يكن ادَّعَاهُ وَلَا أنكرهُ فَادَّعَاهُ ورثته بِهِ وَلحق إِلَّا أَنه لَا يُشَارك مستلحقه فِي مِيرَاثه إِلَّا أَن يستلحقه قبل الْقِسْمَة وَإِن كَانَ السَّيِّد أنكرهُ لم يلْحق بِهِ وَكَانَ لزمعة ابْن قيس وَالِد سَوْدَة زوج النَّبِي ﷺ َ - أمة على مَا وصف من أَن عَلَيْهَا ضريبة وَهُوَ يلم بهَا فَظهر بهَا حمل كَانَ يظنّ أَنه من عتبَة أخي سعد بن أبي وَقاص وَهلك كَافِرًا فعهد إِلَى أَخِيه سعد قبل مَوته فَقَالَ استلحق الْحمل الَّذِي بِأمة زَمعَة فَلَمَّا اسْتَلْحقهُ سعد خاصمه عبد بن زَمعَة فَقَالَ سعد هُوَ ابْن أخي يُشِير إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة وَقَالَ عبد بن زَمعَة بل هُوَ أخي ولد على فرَاش أبي يُشِير إِلَى مَا اسْتَقر عَلَيْهِ الحكم فِي الْإِسْلَام فَقضى رَسُول الله ﷺ َ - لعبد بن زَمعَة إبطالا لحكم الْجَاهِلِيَّة ثمَّ الَّذِي يُسْتَفَاد مِنْهَا على أَنْوَاع مِنْهَا أَن أَبَا حنيفَة أَخذ من قَوْله " احتجبي مِنْهُ " أَن من فجر بِامْرَأَة حرمت على أَوْلَاده وَبِه قَالَ أَحْمد وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر لَا يحرم والاحتجاب للتنزيه وَقَالَ أَصْحَابنَا الْأَمر للْوُجُوب والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم وَمِنْهَا مَا قَالَ أَبُو عمر الحكم للظَّاهِر لِأَنَّهُ ﷺ َ - حكم للْوَلَد بالفراش وَلم يلْتَفت إِلَى الشّبَه وَكَذَلِكَ حكم فِي اللّعان بِظَاهِر الحكم وَلم يلْتَفت إِلَى مَا جَاءَت بِهِ على النَّعْت الْمَكْرُوه وَحكم الْحَاكِم لَا يحل الْأَمر فِي الْبَاطِل لأَمره سَوْدَة بالاحتجاب. وَمِنْهَا أَن الشَّافِعِي تمسك بقول عبد أخي على أَن الْأَخ يجوز أَن يستلحق الْوَارِث نسبا للْوَرَثَة بِشَرْط أَن يكون حائزا للإرث أَو يستلحقه كل الْوَرَثَة وبشرط أَن يُمكن كَون الْمُسْتَلْحق ولدا للْمَيت وبشرط أَن لَا يكون مَعْرُوف النّسَب من غَيره وبشرط أَن يصدقهُ الْمُسْتَلْحق إِن كَانَ بَالغا عَاقِلا وَقَالَ النَّوَوِيّ وَهَذِه الشُّرُوط كلهَا مَوْجُودَة فِي هَذَا الْوَلَد الَّذِي ألحقهُ النَّبِي ﷺ َ - بزمعة حِين اسْتَلْحقهُ عبد قَالَ وَتَأَول أَصْحَابنَا هَذَا بتأويلين أَحدهمَا أَن سَوْدَة أُخْت عبد استلحقته مَعَه ووافقته فِي ذَلِك حَتَّى يكون كل الْوَرَثَة مستلحقين

стр. 3278

والتأويل الثَّانِي أَن زَمعَة مَاتَ كَافِرًا فَلم تَرثه سَوْدَة لكَونهَا مسلمة وَورثه عبد وَقَالَ مَالك لَا يستلحق إِلَّا الْأَب خَاصَّة لِأَنَّهُ لَا ينزل غَيره فِي تَحْقِيق الْإِصَابَة مَنْزِلَته وَمِنْهَا أَن الشّعبِيّ وَمُحَمّد بن أبي ذِئْب وَبَعض أهل الْمَدِينَة احْتَجُّوا بقوله " الْوَلَد الْفراش " أَن الرجل إِذا نفى ولد امْرَأَته لم ينتف بِهِ وَلم يُلَاعن بِهِ قَالُوا لِأَن الْفراش يُوجب حق الْوَلَد فِي إِثْبَات نسبه من الزَّوْج وَالْمَرْأَة فَلَيْسَ لَهما إِخْرَاجه مِنْهُ بِلعان وَلَا غَيره وَقَالَ جَمَاهِير الْفُقَهَاء من التَّابِعين وَمن بعدهمْ مِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وأصحابهم إِذا نفى الرجل ولد امْرَأَته يُلَاعن وينتفى نسبه مِنْهُ وَيلْزم أمه وَفِيه تَفْصِيل يعرف فِي الْفُرُوع وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ َ - فرق بَين المتلاعنين وألزم الْوَلَد أمه وَهَذَا أخرجه الْجَمَاعَة على مَا يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى (فَائِدَة) حَدِيث " الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر " رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصحابية رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَعَن عَائِشَة ﵂ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان روى عَنهُ الطَّحَاوِيّ أَنه قَالَ " أَن رَسُول الله ﷺ َ - قضى أَن الْوَلَد للْفراش " وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث طَوِيل وَعَن أبي هُرَيْرَة أخرجه مُسلم من حَدِيث ابْن الْمسيب وَأبي سَلمَة عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ والطَّحَاوِي أَيْضا وَعَن أبي أُمَامَة أخرجه ابْن مَاجَه عَنهُ مثله وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا وَعَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أخرجه الشَّافِعِي فِي مُسْنده وَابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث عبيد الله ابْن أبي يزِيد عَن أَبِيه عَن عمر أَن رَسُول الله ﷺ َ - " قضى بِالْوَلَدِ بالفراش " وَعَن عَمْرو بن خَارِجَة أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن غنم عَنهُ أَنه قَالَ " خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ َ - بمنى " الحَدِيث وَفِيه " أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر " وَعَن عبد الله بن عَمْرو أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ " قَامَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن فلَانا ابْني عاهرت بِأُمِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لَا دَعْوَة فِي الْإِسْلَام ذهب أَمر الْجَاهِلِيَّة الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر " وَعَن الْبَراء وَزيد بن أَرقم أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي إِسْحَق عَنْهُمَا قَالَا " كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم غَدِير خم " الحَدِيث وَفِي آخِره " الْوَلَد لصَاحب الْفراش وللعاهر الْحجر لَيْسَ لوَارث وَصِيَّة " وَعَن عبد الله بن الزبير أخرجه النَّسَائِيّ وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَعَن عبد الله بن مَسْعُود أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي وَائِل عَنهُ عَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر " - //

стр. 3279

٩ - (حَدثنَا قبيصَة قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة عَن أنس ﵁ قَالَ مر النَّبِي ﷺ َ - بتمرة مسقطة فَقَالَ لَوْلَا أَن تكون صَدَقَة لأكلتها) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَدِيث أَن فِيهِ التَّنَزُّه عَن الشُّبْهَة وَذَلِكَ أَنه ﷺ َ - كَانَ يتنزه من أكل مثل هَذِه التمرة الساقطة لأجل الشُّبْهَة وَهُوَ احْتِمَال كَونهَا من الصَّدَقَة وَرِجَاله خَمْسَة قبيصَة بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالصاد الْمُهْملَة ابْن عقبَة بن عَامر السوَائِي العامري الْكُوفِي وسُفْيَان الثَّوْريّ وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر وَطَلْحَة هُوَ ابْن مصرف على وزن اسْم الْفَاعِل من التصريف اليامي بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف الْكُوفِي كَانَ يُقَال لَهُ سيد الْقُرَّاء مَاتَ سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَمِائَة وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَظَالِم عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي كريب وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي اللّقطَة عَن مَحْمُود بن غيلَان قَوْله " مسقطة " على صِيغَة الْمَفْعُول من الْإِسْقَاط وَالْقِيَاس أَن يَقُول سَاقِطَة لكنه قد يَجْعَل اللَّازِم كالمتعدي بِتَأْوِيل كَقِرَاءَة من قَرَأَ (فعموا وصموا) بِلَفْظ الْمَجْهُول وَقَالَ التَّيْمِيّ هُوَ كلمة غَرِيبَة لِأَن الْمَشْهُور إِن سقط لَازم على أَن الْعَرَب قد تذكر الْفَاعِل بِلَفْظ الْمَفْعُول وَبِالْعَكْسِ إِذا كَانَ الْمَعْنى مفهوما وَيجوز أَن يُقَال جَاءَ سقط مُتَعَدِّيا أَيْضا بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿سقط فِي أَيْديهم﴾ وَقَالَ الْخطابِيّ يَأْتِي الْمَفْعُول بِمَعْنى الْفَاعِل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كَانَ وعده مأتيا﴾ أَي أَتَيَا وَقَالَ الْمُهلب إِنَّمَا ترك النَّبِي ﷺ َ - أكل التمرة تنزها عَنْهَا لجَوَاز أَن تكون من تمر الصَّدَقَة وَلَيْسَ على غَيره بِوَاجِب أَن يتبع الجوازات لِأَن الْأَشْيَاء مُبَاحَة حَتَّى يقوم الدَّلِيل على الْحَظْر فالتنزه عَن الشُّبُهَات لَا يكون إِلَّا فِيمَا أشكل أمره وَلَا يدرى أحلال هُوَ أم حرَام وَاحْتمل الْمَعْنيين وَلَا دَلِيل على أَحدهمَا وَلَا يجوز أَن يحكم على من أَخذ مثل ذَلِك أَنه أَخذ حَرَامًا لاحْتِمَال أَن يكون حَلَالا غير أَنا نستحب من بَاب الْوَرع أَن نقتدي بسيدنا رَسُول الله ﷺ َ - فِيمَا فعل فِي التمرة وَقد قَالَ ﷺ َ - لوابصة بن معبد " الْبر مَا اطمأنت إِلَيْهِ نَفسك وَالْإِثْم مَا حاك فِي الصَّدْر " وَقَالَ أَبُو عمر لَا يبلغ أحد حَقِيقَة التَّقْوَى حَتَّى يدع مَا حاك فِي الصُّدُور وَقَالَ أَبُو الْحسن القابصي إِن قَالَ قَائِل إِذا وجد التمرة فِي بَيته فقد بلغت محلهَا وَلَيْسَت من الصَّدَقَة قيل لَهُ يحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يقسم الصَّدَقَة ثمَّ يَنْقَلِب إِلَى آخِره فَرُبمَا علقت تِلْكَ التمرة بِثَوْبِهِ فَسَقَطت على فرَاشه فَصَارَت شُبْهَة انْتهى وَقيل فِي هَذَا الحَدِيث تَحْرِيم قَلِيل الصَّدَقَة وكثيرها على النَّبِي ﷺ َ - وَفِيه أَن أَمْوَال الْمُسلمين لَا يحرم مِنْهَا إِلَّا مَا لَهُ قيمَة ويتشاح فِي مثله وَأما التمرة واللبابة من الْخبز أَو التينة أَو الزبيبة وَمَا أشبههَا فقد أَجمعُوا على أَخذهَا ورفعها من الأَرْض وإكرامها بِالْأَكْلِ دون تَعْرِيفهَا اسْتِدْلَالا بقوله " لأكلتها " وَأَنَّهَا مُخَالفَة لحكم اللّقطَة وَقَالَ الْخطابِيّ وَفِيه أَنه لَا يجب على آخذها التَّصَدُّق بهَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ سَبِيلهَا التَّصَدُّق لم يقل لأكلتها وَفِي الْمُدَوَّنَة يتَصَدَّق بِالطَّعَامِ تافها كَانَ أَو غير تافه أعجب إِلَيّ إِذا خشِي عَلَيْهِ الْفساد بِوَطْء أَو شُبْهَة وَعَن مطرف إِذا أكله غرمه وَإِن كَانَ تافها وَهَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ قَالَ وَإِن تصدق بِهِ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ (وَقَالَ همام عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ أجد تَمْرَة سَاقِطَة على فِرَاشِي) همام على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ هُوَ ابْن مُنَبّه بن كَامِل يكنى أَبَا عتبَة الْأَنْبَارِي الصَّنْعَانِيّ أَخُو وهب بن مُنَبّه وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره البُخَارِيّ مُسْندًا فِي كتاب اللّقطَة عَن مُحَمَّد بن مقَاتل أَنبأَنَا عبد الله أَنبأَنَا معمر عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ " إِنِّي لأنقلب إِلَى أَهلِي فأجد تَمْرَة سَاقِطَة على فِرَاشِي فأرفعها لآكلها ثمَّ أخْشَى أَن تكون صَدَقَة فألقيها " قَوْله " أجد " ذكر بِلَفْظ الْمُضَارع استحضارا للصورة الْمَاضِيَة وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) مَا تعلقه بِهَذَا الْبَاب (قلت) تَمام الحَدِيث غير مَذْكُور وَهُوَ " لَوْلَا أَن تكون صَدَقَة لأكلتها ارتاب ﷺ َ - فِي تِلْكَ التمرة فَتَركهَا تنزها " انْتهى (قلت) لم يقف الْكرْمَانِي على تَمام الحَدِيث فِي اللّقطَة وَلَو وقف لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّكَلُّف وَلَا ذكر بَقِيَّة الحَدِيث على غير مَا هِيَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ ٤٥٠٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي عَبْدُ الله بنُ أبِي السَّفَرِ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سألْتُ النبيَّ ﷺ عنْ المِعْرَاضِ فَقال إذَا أصابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وإذَا أصابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَلَا تأكُلْ فإنَّهُ وَقِيذٌ قُلْتُ يَا رسولَ الله أُرْسِلَ كَلْبِيِ واسَمِّي فأجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبا آخرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ ولَا أدْرِي أيُّهُمَا أخَذَ قَالَ لَا تأكُلْ إنَّما سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ ولَمْ تُسَمِّ عَلَى الآخَرِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لَا يدْرِي حلّه أَو حرمته، ويحتملان، فَلَمَّا كَانَ لَهُ شبها بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا كَانَ الْأَحْسَن التَّنَزُّه، كَمَا فعل الشَّارِع فِي التمرة الساقطة، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن ابْن أبي السّفر ضد الْحَضَر وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. والمعراض، بِكَسْر الْمِيم ضد المطوال: وَهُوَ سهم لَا ريش عَلَيْهِ، وَفِيه خَشَبَة. وَقيل: ثَقيلَة، أَو عصى. وَقيل: هُوَ عود دَقِيق الطَّرفَيْنِ غليظ الْوسط، إِذا رمى بِهِ ذهب مستويا. قَوْله: (وقيذ) ، فعيل بِمَعْنى الموقوذ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الْمَقْتُول بالخشب. وَقيل: هُوَ الَّذِي يقتل بِغَيْر محدد من عصى أَو حجر أَو غَيرهمَا، وَالله أعلم. ٤ - (بابُ مَا يُتَنَزَّهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يتنزه، من التَّنَزُّه، يُقَال: تنزه تنزها.، إِذا بعد، وَأَصله من نزه نزاهة، وَمِنْه: تَنْزِيه الله، وَهُوَ تبعيده عَمَّا لَا يجوز عَلَيْهِ من النقائص. قَوْله: (من الشُّبُهَات) ، بِضَم الشين وَالْبَاء، وَهُوَ جمع: شُبْهَة. ٥ - (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوَساوِسَ ونَحْوَها مِنَ المُشَبَّهاتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من لم ير الوسواس، وَهُوَ مَا يلقيه الشَّيْطَان فِي الْقلب، وَكَذَلِكَ الوسوسة والوسواس: الشَّيْطَان

стр. 3280

أَيْضا، وَأَصله: الْحَرَكَة الْخَفِيفَة وَيُقَال: الوسواس والوسوسة: الحَدِيث الْخَفي لقَوْله تَعَالَى: ﴿فوسوس إِلَيْهِ الشَّيْطَان﴾ (طه: ٠٢١) . وَصَوت الْحلِيّ يُسمى: وسواسا، والموسوس هُوَ الَّذِي يكثر الحَدِيث فِي نَفسه، ووسوسة الشَّيْطَان تصل إِلَى الْقلب فِي خَفَاء، ووسواس النَّاس من نَفسه، وَهِي وسوسته الَّتِي يحدث بهَا نَفسه. قَوْله: (من الشُّبُهَات) وَفِي بعض النّسخ: (من المشبهات) وَفِي بَعْضهَا: (من المشتبهات) . ٦٥٠٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عنْ عَمِّهِ قَالَ شُكِيَ إلَى النبيِّ ﷺ الرجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلاةِ شَيْئا أيَقْطَعُ الصَّلاةَ قَالَ لَا حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتا أوْ يَجِدَ رِيحا. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدل على أَن الشَّخْص إِذا كَانَ فِي شَيْء بِيَقِين ثمَّ عرضت لَهُ وَسْوَسَة لَا يرى تِلْكَ الوسوسة من الشُّبُهَات الَّتِي ترفع حكم ذَلِك الشَّيْء، ألَا يرى أَن البُخَارِيّ ترْجم على هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْوضُوء بقوله: لَا يتَوَضَّأ من الشَّك حَتَّى يستيقن، ثمَّ أخرج هَذَا الحَدِيث عَن عَليّ عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب وَعَن عباد بن تَمِيم عَن عَمه أَنه شكى ... الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَأَبُو نعيم: هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَعباد على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ وَعَمه هُوَ عبد الله بن زيد بن عَاصِم الْمَازِني. قَوْله: (شَيْئا) أَي: وَسْوَسَة فِي بطلَان الْوضُوء، وَحَاصِله أَن يَقِين الطَّهَارَة لَا يَزُول بِالشَّكِّ، بل يَزُول بِيَقِين الْحَدث. وَقَالَ ابنُ أبِي حَفْصَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ لَا وُضُوءَ إلَاّ فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ ابْن أبي حَفْصَة هَذَا هُوَ أَبُو سَلمَة مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة ميسرَة الْبَصْرِيّ، وَهُوَ يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. قَوْله: (لَا وضوء. .) إِلَى آخِره، وَالْأَصْل فِي هَذَا الْبَاب: أَن الوسواس لَا يدْخل فِي حكم الشُّبُهَات الْمَأْمُور باحتنابها، لقَوْله، ﷺ : (إِن الله تجَاوز لأمتي عَمَّا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم تعْمل بِهِ أَو تَتَكَلَّم) فالوسوسة ملغاة مطرحة لَا حكم لَهَا مَا لم تَسْتَقِر وَتثبت. ٧٥٠٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ المِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ الطَّفَاوِيُّ قَالَ حدَّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ قَوْما قالُوا يَا رسولَ الله إنَّ قَوْما يأتُونَنَا باللَّحْمِ لَا نَدْرِي أذَكَرُوا اسْمَ الله عَلَيْهِ أمْ لَا فَقَالَ رسولُ الله ﷺ سمُّوا الله عليْهِ وكُلُوه. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مطابقته الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة. وَرِجَاله خَمْسَة: أَحْمد بن الْمِقْدَام، بِكَسْر الْمِيم، للْمُبَالَغَة: الْعجلِيّ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم: الْبَصْرِيّ الْحَافِظ المجود، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، والطفاوي، بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة وخفة الْفَاء: نِسْبَة إِلَى الطفاوة بنت جرم بن رَيَّان بن ألحاف بن قضاعة، وَقيل: الطفاوة، مَوضِع بِالْبَصْرَةِ. قلت: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْموضع نزله بَنو طفاوة فَسُمي بهم، وَهَذَا كثير فيهم، والطفاوي هَذَا مَاتَ فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. والْحَدِيث انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (سَمُّوا) أَي: اذْكروا اسْم الله عَلَيْهِ. وَفِيه: دَلِيل على أَن التَّسْمِيَة عِنْد الذّبْح غير وَاجِبَة، إِذْ هَذِه التَّسْمِيَة هِيَ الْمَأْمُور بهَا عِنْد أكل الطَّعَام وَشرب الشَّرَاب. انْتهى. قلت: كَيفَ غفل الْكرْمَانِي عَن هَذِه الْآيَة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ (الْأَنْعَام: ١٢١) . وَهَذَا عَام فِي كل ذبيح ترك عَلَيْهِ التَّسْمِيَة، لَكِن الْمَتْرُوك سَهوا صَار مُسْتَثْنى بِالْإِجْمَاع، فَبَقيَ الْبَاقِي تَحت الْعُمُوم، وَلَا يجوز حمل الْآيَة على تَحْرِيم الْميتَة لِأَنَّهُ صرف الْكَلَام إِلَى مجازه مَعَ إِمْكَان الإجراء على حَقِيقَته، كَيفَ وَتَحْرِيم الْميتَة مَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْآيَة؟ وَقد قيل فِي معنى هَذَا الحَدِيث: إِن النَّبِي ﷺ ، إِنَّمَا أَمرهم بأكلها فِي أول الْإِسْلَام قبل أَن ينزل عَلَيْهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ (الْأَنْعَام: ١٢١) . وَقَالَ ابْن التِّين: وَهَذَا القَوْل ذكره مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَقد رُوِيَ ذَلِك مُبينًا فِي حَدِيث عَائِشَة، من أَن الذابحين كَانُوا حَدِيثي عهد بِالْإِسْلَامِ، مِمَّن يَصح أَن لَا يعلمُوا أَن مثل هَذَا شرع، وَأما الْآن فقد بَان ذَلِك حَتَّى لَا تَجِد أحدا أَنه لَا يعلم أَن التَّسْمِيَة مَشْرُوعَة، وَلَا يظنّ بِالْمُسْلِمين تعمد تَركهَا. وَأما الساهي فليسم إِذا ذكرهَا، ويسمي

стр. 3281

الْآكِل لما يخْشَى من النسْيَان. فَإِن قلت: قَالَ أَبُو عمر: مِمَّا يدل على بطلَان قَول من قَالَ: إِن ذَلِك كَانَ قبل نزُول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ (الْأَنْعَام: ١٢١) . إِن هَذَا الحَدِيث كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَن أهل باديتها هم الَّذين أُشير إِلَيْهِم بِالذكر فِي الحَدِيث، وَلَا يخْتَلف الْعلمَاء أَن الْآيَة نزلت فِي الْأَنْعَام بِمَكَّة. والأنعام مَكِّيَّة. قلت: ذكر أَبُو الْعَبَّاس الضَّرِير فِي كِتَابه (مقامات التَّنْزِيل) والثعلبي وَغَيرهمَا: أَن فِي الْأَنْعَام آيَات سِتّ مدنيات نَزَلْنَ بهَا. فإطلاق أبي عمر كَلَامه بِأَن كلهَا مَكِّيَّة غير صَحِيح، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ، سموا أَنْتُم وكلوا، لَيْسَ معنى أَنه يجزىء عَمَّا لم يسم عَلَيْهِ، وَلَكِن لِأَن التَّسْمِيَة على الطَّعَام سنة. وَقَالَ ابْن التِّين: إِقْرَار النَّبِي ﷺ على هَذَا السُّؤَال وَجَوَابه لَهُم بِمَا جَاءَ بهم يدل على اعْتِبَار التَّسْمِيَة فِي الذَّبَائِح، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. ٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وإذَا رَأوْا تِجَارَةً أوْ لَهْوا انْفَضُّوا إلَيْهَا﴾ (الْجُمُعَة: ١١) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سَبَب نزُول قَول الله : ﴿وَإِذا رَأَوْا. .﴾ (الْجُمُعَة: ٠١) . الْآيَة. وَقد ذكر هَذِه الْآيَة فِي أول كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي قَول الله : ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة ... ﴾ (الْجُمُعَة: ٠١) . الْآيَة. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى وَكَانَ قَصده من إِعَادَتهَا هُنَا إِشَارَة بِأَن التِّجَارَة، وَإِن كَانَت فِي نَفسهَا ممدوحة بِاعْتِبَار كَونهَا من المكاسب الْحَلَال، فَإِنَّهَا قد تذم إِذا مَا قدمت على مَا يجب تَقْدِيمه عَلَيْهَا، وَكَانَ من الْوَاجِب الْمُقدم عَلَيْهَا إثباتهم مَعَ النَّبِي، ﷺ ، حِين كَانَ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة إِلَى أَن يفرغ من الصَّلَاة، فَلَمَّا تفَرقُوا حِين أَقبلت العير، وَلم يبْق مَعَه غير اثْنَي عشر رجلا، أنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وفيهَا عتب عَلَيْهِم، وإنكار، وَأخْبر بِأَن كَونهم مَعَ النَّبِي، ﷺ ، كَانَ خيرا لَهُم من التِّجَارَة. ٧ - (بابُ مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيْثُ كَسَبَ المَالَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من لم يبال من حَيْثُ كسب المَال، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى ذمّ من لم يبالِ فِي مكاسبه من أَيْن يكْسب. ٩٥٠٢ - حدَّثنا آدمُ قَالَ حَدثنَا ابنُ أبِي ذِئبٍ قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عَن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهِ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ يأتِي عَلَى النَّاسِ زَمانٌ لَا يُبَالِي المَرْءُ مَا أخذَ مِنْهُ أمِنَ الحَلالِ أم مِنَ الحَلالِ. (الحَدِيث ٩٥٠٢ طرفه فِي: ٣٨٠٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يُبَالِي الْمَرْء مَا أَخذ مِنْهُ: أَمن الْحَلَال أم من الْحَرَام؟) وآدَم هُوَ ابْن إِيَاس، وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا بن دِينَار. قَوْله: (يَأْتِي على النَّاس) وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن يزِيد عَن ابْن أبي ذِئْب بِسَنَدِهِ: (ليَأْتِيَن على النَّاس زمَان) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من وَجه آخر: (يَأْتِي على

стр. 3282

النَّاس زمَان مَا يُبَالِي الرجل من أَيْن أَصَابَهُ المَال، من حل أَو حرَام) . وروى الْحَاكِم من حَدِيث الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: (يَأْتِي على النَّاس زمَان لَا يبْقى فِيهِ أحد إلَاّ أكل الرِّبَا، فَإِن لم يَأْكُلهُ أَصَابَهُ من غباره) . وَقَالَ: إِن صَحَّ سَماع الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة فَهَذَا حَدِيث صَحِيح. وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا يكون لضعف الدّين وَعُمُوم الْفِتَن، وَقد قَالَ، ﷺ : (بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا) . وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: (من بابت أكَّالاً من عمل الْحَلَال بَات وَالله عَنهُ راضٍ، وَأصْبح مغفورا لَهُ. وَطلب الْحَلَال فَرِيضَة على كل مُؤمن) . ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (كتاب التَّرْغِيب والترهيب) من حَدِيث دَاوُد بن عَليّ بن عبد الله ابْن عَبَّاس عَن أَبِيه عَن جده ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا مُخْتَصرا. وَقَالَ ابْن التِّين: أخبر بِهَذَا تحذيرا، لِأَن فتْنَة المَال شَدِيدَة. وَقد دعِي أَبُو هُرَيْرَة إِلَى طَعَام، فَلَمَّا أكل لم ير نِكَاحا وَلَا ختانا وَلَا مولودا، قَالَ: مَا هَذَا؟ قيل خفضوا جَارِيَة. فَقَالَ: هَذَا طَعَام مَا كُنَّا نعرفه، ثمَّ قاءه، قَالَ: يُقَال: أول مَا ينتن من الْإِنْسَان بَطْنه، وروى أبان بن أبي عَيَّاش (عَن أنس قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! إجعلني مستجاب الدعْوَة. قَالَ: يَا أنس أطب كسبك تستجاب دعوتك. فَإِن الرجل ليرْفَع إِلَى فِيهِ اللُّقْمَة من حرَام فَلَا تستجاب لَهُ دَعوته أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ٨ - (بابُ التِّجَارَةِ فِي البَرِّ وغَيْرِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة التِّجَارَة. قَوْله: (فِي الْبر) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء، وَقيل: بِفَتْح الْبَاء وبتشديد الزَّاي. قَالَ ابْن دُرَيْد: الْبر، مَتَاع الْبَيْت من الثِّيَاب خَاصَّة، وَعَن اللَّيْث: ضرب من الثِّيَاب، وَعَن الْجَوْهَرِي: هُوَ من الثِّيَاب أَمْتعَة الْبَزَّاز، والبزازة حرفته. وَقَالَ مُحَمَّد فِي (السّير الْكَبِير) : الْبَز عِنْد أهل الْكُوفَة ثِيَاب الْكَتَّان والقطن لَا ثِيَاب الصُّوف والخز. وَقيل: هِيَ السِّلَاح وَالثيَاب، وَقيل، بِضَم الْبَاء وَتَشْديد الرَّاء، قيل: الْأَكْثَر على أَنه بالزاي، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يَقْتَضِي تعْيين الْبر، بِضَم الْبَاء وَتَشْديد الرَّاء. وَالْأَقْرَب أَن يكون: بِفَتْح الْبَاء وَتَشْديد الرَّاء، لِأَنَّهُ أليق بمؤاخاة التَّرْجَمَة الَّتِي تَأتي بعْدهَا بِبَاب، وَهِي قَوْله: بَاب التِّجَارَة فِي الْبَحْر، وَإِلَى هَذَا مَال ابْن عَسَاكِر. قَوْله: (وَغَيره) ، لَيْسَ هَذَا اللَّفْظ بموجود فِي رِوَايَة الْأَكْثَر، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وكريمة. قلت: على تَقْدِير وجود هَذِه اللَّفْظَة، الأصوب أَن: الْبَز، بالزاي، وَيكون الْمَعْنى: وَغير الْبَز من أَنْوَاع الْأَمْتِعَة. وقَوْلِهِ : ﴿ورِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ولَا بَيْعٌ عنْ ذِكْرِ الله﴾ (النُّور: ٧٣) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على التِّجَارَة، تَقْدِيره: وَفِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿رجال لَا تُلْهِيهِمْ﴾ (النُّور: ٧٣) . وَأول الْآيَة: ﴿فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه يسبح لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ (النُّور: ٧٣) . قَرَأَ ابْن عَامر وَأَبُو بكر عَن عَاصِم بِفَتْح الْبَاء على مَا لم يسم فَاعله، ويسند إِلَى أحد الظروف الثَّلَاثَة، أَعنِي: ﴿لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ (النُّور: ٧٣) . وَرِجَال مَرْفُوع بِمَا دلّ عَلَيْهِ: يسبح، وَهُوَ: يسبح لَهُ، وَالْبَاقُونَ بِكَسْر الْبَاء، جعلُوا التَّسْبِيح فعلا للرِّجَال، وَرِجَال فَاعل لقَوْله: يسبح فَإِن قيل: التِّجَارَة اسْم يَقع على البيع وَالشِّرَاء، فَمَا معنى ضم: ذكر البيع إِلَى التِّجَارَة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قيل: التِّجَارَة فِي السّفر وَالْبيع فِي الْحَضَر، وَقيل: التِّجَارَة الشِّرَاء، وَأَيْضًا البيع فِي الإلهاء أَدخل لكثرته بِالنِّسْبَةِ إِلَى التِّجَارَة. وَقَالَ قَتَادَةُ كانَ الْقَوْمُ يَتَبَايَعُونَ ويَتَّجِرُونَ ولَكِنَّهُمْ إذَا نابَهُمْ حقٌّ مِنْ حُقُوقِ الله لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ ولَا بَيْعٌ عنْ ذِكْرِ الله حَتَّى يُؤَدُّوهُ إلَى الله أَرَادَ بالقوم: الصَّحَابَة، فَإِنَّهُم كَانُوا فِي بيعهم وشرائهم إِذا سمعُوا إِقَامَة الصَّلَاة يتبادرون إِلَيْهَا لأَدَاء حُقُوق الله، وَيُؤَيّد هَذَا مَا أخرجه عبد الرَّزَّاق من كَلَام ابْن عمر، أَنه كَانَ فِي السُّوق فأقيمت الصَّلَاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا الْمَسْجِد، فَقَالَ ابْن عمر: فيهم نزلت، فَذكر الْآيَة، وَقَالَ ابْن بطال: وَرَأَيْت فِي تَفْسِير الْآيَة، قَالَ: كَانُوا حدادين وخرازين، فَكَانَ أحدهم إِذا رفع المطرقة أَو غرز الأشفى فَسمع الْأَذَان لم يخرج الأشفي من الغررة وَلم يُوقع المطرقة، وَرمى بهَا، وَقَامَ إِلَى الصَّلَاة. وَفِي الْآيَة نعت تجار الْأمة السالفة وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ من مُرَاعَاة حُقُوق الله تَعَالَى والمحافظة عَلَيْهَا والتزام ذكر الله فِي حَال

стр. 3283

تجاراتهم وصبرهم على أَدَاء الْفَرَائِض وإقامتها، وخوفهم من سوء الْحساب وَالسُّؤَال يَوْم الْقِيَامَة. ٠٦٠٢ - ١٦٠٢ حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ أبِي المِنْهَالِ قَالَ كنتُ أتَّجِرُ فِي الصَّرْفِ فَسألْتُ زَيْدَ بنَ أرْقَمَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَقَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ ح وحدَّثني الفَضْلُ بنُ يَعْقُوبَ قَالَ حدَّثنا الحَجَّاجُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ أَخْبرنِي عَمْرُو بنُ دِينَارٍ وعامِرُ بنُ مُصْعَبٍ أنَّهُمَا سَمِعَا أبَا المِنْهَالِ يَقُولُ سألْتُ الْبَرَاءَ بنَ عازِبٍ وزَيْدَ بنَ أرْقَمَ عنِ الصَّرْفِ فَقالَا كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسولِ الله ﷺ فَسألْنَا رسولَ الله ﷺ عنِ الصَّرْفِ فَقَالَ إنْ كانَ يَدا بِيَدٍ فَلَا بَأسَ وإنْ كانَ نَسَاءً فَلَا يَصْلُحُ ... [/ نه مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كُنَّا تاجرين على عهد رَسُول الله ﷺ . ذكر رِجَاله وهم تِسْعَة، لِأَنَّهُ رُوِيَ من طَرِيقين: الأول: أَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن دِينَار. الرَّابِع: أَبُو الْمنْهَال، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفِي آخِره لَام: اسْمه عبد الرَّحْمَن بن مطعم، وَلَهُم أَبُو الْمنْهَال الآخر صَاحب أبي بَرزَة، واسْمه: سيار بن سَلامَة. الْخَامِس: الْفضل بن يَعْقُوب الرخامي. السَّادِس: الْحجَّاج بن مُحَمَّد الْأَعْوَر. السَّابِع: عَامر بن مُصعب، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة. الثَّامِن: الْبَراء بن عَازِب الْأنْصَارِيّ. التَّاسِع: زيد بن أَرقم الْأنْصَارِيّ الخزرجي. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَبُو عَاصِم شَيْخه بَصرِي وَابْن جريج وَعَمْرو بن دِينَار مكيان وَأَبُو الْمنْهَال كُوفِي وَفضل بن يَعْقُوب شَيْخه بغددي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَالْحجاج بن مُحَمَّد أَصله ترمذي سكن المصيصة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن حَفْص بن عمر وَفِي هِجْرَة النَّبِي ﷺ عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن عبيد الله بن معَاذ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور، وَعَن إِبْرَاهِيم بن الْحسن وَعَن أَحْمد بن عبد الله وَذكر كلهم فِي حَدِيثهمْ زيد بن أَرقم سوى عَمْرو بن عَليّ. قَوْله: (عَن الصّرْف) ، قَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي عَن الذَّهَب وَالْفِضَّة. وَقَالَ الْخَلِيل: الصّرْف فضل الدِّرْهَم على الدِّرْهَم، وَمِنْه اشتق اسْم الصَّيْرَفِي لتصريفه بعض ذَلِك فِي بعض. قلت: الصّرْف من أَنْوَاع البيع، وَهُوَ بيع الثّمن بِالثّمن. قَوْله: (إِن كَانَ يدا بيد) ، يَعْنِي: متقابضين فِي الْمجْلس. قَوْله: (وَإِن كَانَ نسَاء) ، بِفَتْح النُّون وبالمد، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (نسيئا) ، بِفَتْح النُّون وَكسر السِّين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا همزَة. وَفِي (الْمطَالع) : (وَإِن كَانَ نسيئا) على وزن: فعيل، وَعند الْأصيلِيّ: (نسَاء) ، مثل: فعال، وَكِلَاهُمَا صَحِيح بِمَعْنى التَّأَخُّر، والنسيء اسْم وضع مَوضِع الْمصدر الْحَقِيقِيّ، وَمثله: ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ (التَّوْبَة: ٧٣) . يُقَال: أنسأت الشَّيْء إنساءً ونَساءً، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب مفصلا، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٩ - (بابُ الخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة الْخُرُوج فِي التِّجَارَة، وَكلمَة: فِي، هُنَا للتَّعْلِيل، أَي: لأجل التِّجَارَة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لمسَّكم فِيمَا أَفَضْتُم﴾ (الْأَنْفَال: ٨٦) . وَفِي الحَدِيث: (إِن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها) أَي: لأجل هرة. وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وابْتَغُوا منْ فَضْلِ الله﴾ (الْجُمُعَة: ٠١) . وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطف على الْخُرُوج تَقْدِيره: وَفِي بَيَان المُرَاد فِي قَول الله، وَهُوَ إِبَاحَة الانتشار فِي الأَرْض، والابتغاء من فضل الله وَهُوَ الرزق، وَالْأَمر فِيهِ للْإِبَاحَة كَمَا فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ (الْمَائِدَة: ٢) . ٢٦٠٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ قَالَ أخبرنَا مَخْلَدُ بنُ يَزِيدَ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَطاءٌ عنْ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ أنَّ أَبَا مُوسَى الأشْعَرِيَّ اسْتَأذَنَ عَلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فلَمْ يُؤْذَنْ

стр. 3284

لَهُ وكأنَّهُ كانَ مَشْغُولاً فرَجَعَ أبُو مُوسَى ففرَغَ عُمرُ فَقَالَ ألَمْ أسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ الله بنِ قَيْسٍ ائذِنُوا لَهُ قِيلَ قدْ رَجَعَ فَدَعاهُ فَقَالَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ فقالَ تَأتِيني عَلى ذَلِكَ بالْبَيِّنَةِ فانْطَلَقَ إلَى مَجْلِسِ الأنْصَارِ فسَألَهُمْ فقَالُوا لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلى هَذَا إلَاّ أصْغَرُنَا أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ فَذَهَبَ بأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ فَقَالَ عُمَرُ أخْفَى عَلَيَّ مِنْ أمْرِ رسولِ الله ﷺ ألْهَانِي الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ يَعْنِي الخُرُوجَ إلَى تِجارَةٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ألهاني الصفق) . ومخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام: ابْن يزِيد من الزِّيَادَة الْحَرَّانِي، مر فِي آخر الصَّلَاة، وَابْن جريج عبد الْملك، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَعبيد بن أبي عُمَيْر مصغرين ابْن قَتَادَة أَبُو عَاصِم قَاضِي أهل مَكَّة، فَقَالَ مُسلم: ولد فِي زمن النَّبِي ﷺ . وَقَالَ البُخَارِيّ: رأى النَّبِي ﷺ ، وَابْن جريج وَعَطَاء وَعبيد مكيون، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ اسْمه عبد الله بن قيس، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه سعد بن مَالك، مَشْهُور باسمه وبكنيته. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان من طرق: أَحدهمَا: عَن ابْن جريج عَن عَطاء: (عَن عبيد بن عُمَيْر: أَن أَبَا مُوسَى اسْتَأْذن على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثَلَاثًا، فَكَأَنَّهُ وجده مَشْغُولًا فَرجع، فَقَالَ عمر: ألم تسمع صَوت عبد الله بن قيس؟ أيذنوا لَهُ، فدعي فَقَالَ: مَا حملك على مَا صنعت؟ قَالَ: إِنَّا كُنَّا نؤمر بِهَذَا، قَالَ: لتقيمن على هَذَا بَيِّنَة أَو لَأَفْعَلَنَّ. فَخرج فَانْطَلق إِلَى مجْلِس من الْأَنْصَار، فَقَالُوا: لَا يشْهد لَك على هَذَا إلَاّ أصغرنا. فَقَامَ أَبُو سعيد، فَقَالَ: كُنَّا نؤمر بِهَذَا. فَقَالَ عمر: أُخْفِي عَليّ من أَمر رَسُول الله ﷺ ؟ ألهاني عَنهُ الصفق بالأسواق) . وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث أبي بردة (عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عمر بن الْخطاب، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم، هَذَا عبد الله بن قيس فَلم يُؤذن لَهُ، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم، هَذَا أَبُو مُوسَى، السَّلَام عَلَيْكُم، هَذَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، ثمَّ انْصَرف. فَقَالَ: ردوا عَليّ، فجَاء فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى مَا ردك؟ كُنَّا فِي شغل. قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: الاسْتِئْذَان ثَلَاثًا، فَإِن أذن لَك، وإلَاّ فَارْجِع. قَالَ: لتَأْتِيني على هَذَا بِبَيِّنَة وإلَاّ فعلت وَفعلت) الحَدِيث. وَفِي لفظ لَهُ: (قَالَ عمر: أقِم عَلَيْهِ الْبَيِّنَة وإلَاّ أوجعتك) . وَفِي لفظ لَهُ: (لأوجعن ظهرك وبطنك أَو لتَأْتِيني بِمن قَالَ يشْهد لَك على هَذَا) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْأَدَب عَن يحيى بن حبيب وَفِي لَفْظَة: (فَقَالَ عمر لأبي مُوسَى: إِنِّي لم أتهمك، وَلَكِنِّي خشيت أَن يتقول النَّاس على رَسُول الله ﷺ . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (اسْتَأْذن) أَي: طلب الْإِذْن على الدُّخُول على عمر. قَوْله: (فَلم يُؤذن لَهُ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَكَأَنَّهُ) أَي: وَكَأن عمر كَانَ مَشْغُولًا بِأَمْر من أُمُور الْمُسلمين. قَوْله: (إيذنوا لَهُ) . أَصله: إئذنوا لَهُ، بالهمزتين، فَلَمَّا ثقلتا قلبت الثَّانِيَة يَاء لكسرة مَا قبلهَا. قَوْله: (قيل: قد رَجَعَ) ، أَي: أَبُو مُوسَى. قَوْله: (فَدَعَاهُ) أَي: دَعَا عمر أَبَا مُوسَى. قَوْله: (فَقَالَ: كُنَّا نؤمر) فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَبعث عمر وَرَاءه فَحَضَرَ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ رجعت؟ فَقَالَ: كُنَّا نؤمر بذلك. أَي: بِالرُّجُوعِ حِين لم يُؤذن للمستأذن. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: قَالَ عمر تَأتِينِي، بِدُونِ لَام التَّأْكِيد، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لتَأْتِيني) بنُون التَّأْكِيد (على ذَلِك) على الْأَمر بِالرُّجُوعِ. قَوْله: (فَقَالُوا) ، أَي: الْأَنْصَار. قَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك الْأَنْصَار إنكارا على عمر، ﵁، فِيمَا قَالَه إِنَّه حَدِيث مَشْهُور بَيْننَا، مَعْرُوف عندنَا، حَتَّى إِن أصغرنا يحفظه وسَمعه من رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (أُخْفِي عَليّ؟) الْهمزَة للاستفهام. و: على، بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (ألهاني الصفق) ، قَالَ الْمُهلب: ألهاني الصفق، من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (الْجُمُعَة: ٠١) . فقرن التِّجَارَة باللهو فسماها عمر لهوا مجَازًا، أَرَادَ شغلهمْ بِالْبيعِ وَالشِّرَاء عَن مُلَازمَة النَّبِي ﷺ فِي كل أحيانه، حَتَّى حضر من هُوَ أَصْغَر مني مَا لم أحضرهُ من الْعلم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الاسْتِئْذَان لَا بُد مِنْهُ عِنْد الدُّخُول على من أَرَادَ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تدْخلُوا بُيُوتًا غير بُيُوتكُمْ حَتَّى تستأنسوا وتسلموا على أَهلهَا﴾ (النُّور: ٧٢) . الِاسْتِئْنَاس: هُوَ الاسْتِئْذَان، وَقَالَ بعض أهل الْعلم: الاسْتِئْذَان ثَلَاث مَرَّات مَأْخُوذ من قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم ثَلَاث مَرَّات﴾ (اللنور: ٨٥) . قَالَ: يُرِيد ثَلَاث دفعات، قَالَ: فورد الْقُرْآن فِي المماليك وَالصبيان، وَسنة رَسُول الله ﷺ فِي الْجَمِيع، وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا، وَإِن كَانَ

стр. 3285

لَهُ لهُ وَجه، وَلكنه غير مَعْرُوف عِنْد الْعلمَاء فِي تَفْسِير الْآيَة الْكَرِيمَة، وَالَّذِي عَلَيْهِ جمهورهم فِي قَوْله: (ثَلَاث مَرَّات) أَي: ثَلَاثَة أَوْقَات. وَيدل على صِحَة هَذَا القَوْل ذكره فِيهَا: ﴿من قبل صَلَاة الْفجْر وَحين تضعون ثيابكم من الظهيرة وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء﴾ (النُّور: ٨٥) . ثمَّ السّنة أَن يسلم ويستأذن ثَلَاثًا ليجمع بَينهمَا. وَاخْتلفُوا: هَل يسْتَحبّ تَقْدِيم السَّلَام ثمَّ الاسْتِئْذَان، أَو تَقْدِيم الاسْتِئْذَان ثمَّ السَّلَام؟ وَقد صَحَّ حديثان فِي تَقْدِيم السَّلَام، فَذهب جمَاعَة إِلَى قَوْله: السَّلَام عَلَيْكُم أَدخل، وَقيل: يقدم الاسْتِئْذَان. وَفِيه: أَن الرجل الْعَالم قد يُوجد عِنْد من هُوَ دونه فِي الْعلم مَا لَيْسَ عِنْده إِذا كَانَ طَرِيق ذَلِك الْعلم السّمع، وَإِذا جَازَ ذَلِك على عمر فَمَا ظَنك بِغَيْرِهِ بعده، قَالَ ابْن مَسْعُود: لَو أَن علم عمر وضع فِي كفة وَوضع علم أَحيَاء أهل الأَرْض فِي كفة لرجح علم عمر عَلَيْهِم. وَفِيه: دلَالَة على أَن طلب الدُّنْيَا يمْنَع من استفادة الْعلم، وَكلما ازْدَادَ الْمَرْء طلبا لَهَا ازْدَادَ جهلا، وَقل علما. وَفِيه: طلب الدَّلِيل على مَا يُعَكر من الْأَقْوَال حَتَّى يثبت عِنْده. وَفِيه: الدّلَالَة على أَن قَول الصَّحَابِيّ: كُنَّا نؤمر بِكَذَا، مَحْمُول على الرّفْع. ذكر الأسئلة والأجوبة مِنْهَا: أَن طلب عمر الْبَيِّنَة يدل على أَنه لَا يحْتَج بِخَبَر الْوَاحِد، وَزعم قوم أَن مَذْهَب عمر هَذَا، وَالْجَوَاب عَنهُ أَن عمر قد ثَبت عِنْده خبر الْوَاحِد، وقبوله وَالْحكم بِهِ، أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي نَشد النَّاس بمنى: من كَانَ عِنْده علم عَن رَسُول الله ﷺ فِي الدِّيَة فليخبرنا؟ وَكَانَ رَأْيه أَن الْمَرْأَة لَا تَرث من دِيَة زَوجهَا، لِأَنَّهَا لَيست من عصبَة الَّذين يعْقلُونَ عَنهُ، فَقَامَ الضَّحَّاك بن سُفْيَان الْكلابِي فَقَالَ: كتب إِلَيّ رَسُول الله، ﷺ ، أَن ورِّث امْرَأَة أَشْيَم من دِيَة زَوجهَا. وَكَذَلِكَ نَشد النَّاس فِي دِيَة الْجَنِين، فَقَالَ حمل بن النَّابِغَة: إِن رَسُول الله ﷺ قضى فِيهِ بغرة عبد أَو وليدة، فَقضى بِهِ عمر، وَلَا يشك ذُو لب وَمن لَهُ أقل منزلَة من الْعلم أَن مَوضِع أبي مُوسَى من الْإِسْلَام ومكانه من الْفِقْه وَالدّين أجل من أَن يرد خَبره، وَيقبل خبر الضَّحَّاك، وَحمل وَكِلَاهُمَا لَا يُقَاس بِهِ فِي حَال، وَقد قَالَ لَهُ عمر فِي (الْمُوَطَّأ) : إِنِّي لم أتهمك، فَدلَّ ذَلِك على اعْتِمَاد كَانَ من عمر، وَطلب الْبَيِّنَة فِي ذَلِك الْوَقْت لِمَعْنى الله أعلم بِهِ. وَقد يحْتَمل أَن يكون عمر عِنْده فِي ذَلِك الْحِين من لَيست لَهُ صُحْبَة من أهل الْعرَاق أَو الشَّام وَلم يتَمَكَّن من الْإِيمَان فِي قُلُوبهم لقرب عَهدهم بِالْإِسْلَامِ، فخشي عَلَيْهِم أَن يختلقوا الْكَذِب على رَسُول الله، ﷺ ، عِنْد الرَّغْبَة أَو الرهبة. وَمِنْهَا: أَن قَول عمر: (ألهاني الصفق بالأسواق) يدل على أَنه كَانَ يقل المجالسة مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا لم يكن لائقا بِحقِّهِ. وَالْجَوَاب: أَن هَذَا القَوْل من عمر على معنى الذَّم لنَفسِهِ، وحاشاه أَن يقل من مُجَالَسَته وملازمته، وَقد كَانَ ﷺ كثيرا مَا يَقُول: فعلت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر، وَكنت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر، ومكانهما مِنْهُ عَال، وَكَانَ خُرُوجه فِي بعض الْأَوْقَات إِلَى الْأَسْوَاق للكفاف، وَكَانَ من أزهد النَّاس لِأَنَّهُ وجد فَترك. وَمِنْهَا: مَا قيل: إِن عمر قَالَ لأبي مُوسَى: أقِم الْبَيِّنَة وإلَاّ أوجعتك. وَفِي رِوَايَة: (فوَاللَّه لأوجعن ظهرك وبطنك) ، وَفِي رِوَايَة: (لأجعلنك نكالاً) ، فَمَا معنى هَذَا؟ وَأَبُو مُوسَى كَانَ عِنْده أَمينا. وَلِهَذَا اسْتَعْملهُ وَبَعثه النَّبِي ﷺ أَيْضا ساعيا وعاملاً على بعض الصَّدقَات، وَهَذِه منزلَة رفيعة فِي الثِّقَة وَالْأَمَانَة؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا كُله مَحْمُول على أَن تَقْدِيره: لَأَفْعَلَنَّ بك هَذَا الْوَعيد إِن بَان أَنَّك تَعَمّدت كذبا. ٠١ - (بابُ التِّجارَةِ فِي البَحْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة التِّجَارَة فِي ركُوب الْبَحْر. وَقَالَ مَطَرٌ لَا بَأسَ بِهِ ومَا ذَكَرَهُ الله فِي القُرْآنِ إلَاّ بِحَقٍّ ثُمَّ تَلَا ﴿وتَرَي الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ مطر هَذَا هُوَ الْوراق الْبَصْرِيّ، وَهُوَ مطر بن طهْمَان أَبُو رَجَاء الْخُرَاسَانِي، سكن الْبَصْرَة وَكَانَ يكْتب الْمَصَاحِف، فَلذَلِك قيل لَهُ: الوارق روى عَن أنس، وَيُقَال: مُرْسل ضعفه يحيى بن سعيد فِي حَدِيثه عَن عَطاء، وَكَذَا روى عَن ابْن معِين، وَعنهُ صَالح، وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، روى لَهُ البُخَارِيّ فِي كتاب (الْأَفْعَال) وروى لَهُ الْبَاقُونَ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَنه مطر بن الْفضل الْمروزِي شيخ البُخَارِيّ، وَوَصفه الْمزي وَالشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي وَغَيرهمَا بِأَنَّهُ الْوراق، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ

стр. 3286

وَحده، مطرف، مَوضِع: مطر، وَلَيْسَ بِصَحِيح وَهُوَ محرف. قَوْله: (لَا بَأْس بِهِ) أَي: بركوب الْبَحْر، يدل عَلَيْهِ لفظ التِّجَارَة فِي الْبَحْر لِأَنَّهَا لَا تكون إلَاّ بالركوب. قَوْله: (وَمَا ذكره الله) أَي: مَا ذكر الله ركُوب الْبَحْر فِي الْقُرْآن إلَاّ بِحَق، وَالْكَلَام فِي هَذَا الضَّمِير مثل الْكَلَام فِيمَا قبله، وَلما رأى مطر أَن الْآيَة سيقت فِي مَوضِع الامتنان اسْتدلَّ بِهِ على الْإِبَاحَة، واستدلاله حسن لِأَنَّهُ تَعَالَى جعل الْبَحْر لِعِبَادِهِ لابتغاء فَضله من نعمه الَّتِي عَددهَا لَهُم، وأراهم فِي ذَلِك عَظِيم قدرته، وسخر الرِّيَاح باختلافها لحملهم وترددهم، وَهَذَا من عَظِيم آيَاته، ونبههم على شكره عَلَيْهَا بقوله: ﴿من فَضله ولعلكم تشكرون﴾ (فاطر: ٢١) . وَهَذِه الْآيَة فِي سُورَة فاطر، وَأما الَّتِي فِي النَّحْل وَهِي: ﴿وَترى الْفلك مواخر فِيهِ ولتبتغوا﴾ (النَّحْل: ٤١) . بِالْوَاو، وَهَذَا يرد قَول من زعم منع ركُوبه فِي أبان ركُوبه، وَهُوَ قَول يرْوى عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلما كتب إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ يسْأَله عَن الْبَحْر، فَقَالَ: خلق عَظِيم يركبه خلق ضَعِيف دود على عود، فَكتب إِلَيْهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن لَا يركبه أحد طول حَيَاته، فَلَمَّا كَانَ بعد عمر لم يزل يركب حَتَّى كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز، فَاتبع فِيهِ رَأْي عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ منع عمر لشدَّة شفقته على الْمُسلمين، وَأما إِذا كَانَ أبان هيجانه وارتجاجه فالأمة مجمعة على أَنه لَا يجوز ركُوبه، لِأَنَّهُ تعرض للهلاك، وَقد نهى الله عباده عَن ذَلِك. بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ (الْبَقَرَة: ٥٩١) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما﴾ (النِّسَاء: ٩٢) . والْفُلْكُ: السُّفُنُ، الوَاحِدُ والجَمْعُ سَوَاءٌ الظَّاهِر أَنه من كَلَام البُخَارِيّ: يَعْنِي: أَن المُرَاد من الْفلك فِي الْآيَة: السفن، أَرَادَ أَنه الْجمع بِدَلِيل قَوْله: ﴿مواخر﴾ (النَّحْل: ٤١) . والسفن بِضَم السِّين وَالْفَاء: جمع سفينة. قَالَ ابْن سَيّده: سميت سفينة لِأَنَّهَا تسفن وَجه المَاء. أَي: تقشره، فعيلة بِمَعْنى فاعلة، وَالْجمع: سفائن وسفن وسفين. قَوْله: (الْوَاحِد وَالْجمع سَوَاء) يَعْنِي: فِي الْفلك، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي الْفلك المشحون﴾ (الشُّعَرَاء: ٩١١، يس: ١٤) . وَقَوله: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم﴾ (يُونُس: ٢٢) . فَذكره فِي الْإِفْرَاد وَالْجمع بِلَفْظ وَاحِد. وَقَالَ بَعضهم: وَقيل: إِن الْفلك بِالضَّمِّ والإسكان جمع فلك بِفتْحَتَيْنِ، مثل: أَسد وَأسد. قلت: هَذَا الْوَجْه غير صَحِيح، وَإِنَّمَا الَّذِي يُقَال: إِن صمة فَاء: فلك، إِذا قوبلت بِضَم همزَة أَسد الَّذِي هُوَ جمع يُقَال جمع، وَإِذا قوبلت بِضَم قَاف: قفل، يكون مُفردا. وَقَالَ مُجِاهِدٌ تَمْخُرُ السُّفُنُ الرِّيحَ ولَا تَمْخُرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ إلَاّ الْفُلْكُ العِظَامُ قَالَ ابْن التِّين: يُرِيد أَن السفن تمخر من الرّيح، إِن صغرت. أَي: تصوت، وَالرِّيح لَا تمخر، أَي: لَا تصوت من كبار الْفلك لِأَنَّهَا إِذا كَانَت عَظِيمَة صوتت الرّيح. وَقَالَ عِيَاض: ضَبطه الْأَكْثَر بِنصب السفن، وَعَكسه الْأصيلِيّ، وَقيل: ضبط الْأصيلِيّ هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ ظَاهر الْقُرْآن، إِذْ جعل الْفِعْل للسفينة، فَقَالَ: ﴿مواخير فِيهِ﴾ ، وَقيل: ضبط الْأَكْثَر هُوَ الصَّوَاب بِنَاء على أَن الرّيح الْفَاعِل، وَهِي الَّتِي تصرف السَّفِينَة فِي الإقبال والإدبار. قَوْله: (تمخر) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، أَي: تشق، يُقَال: مخرت السَّفِينَة إِذا شقَّتْ المَاء بِصَوْت. وَقيل: المخر الصَّوْت نَفسه. قَوْله: (من السفن) صفة لشَيْء مَحْذُوف أَي: لَا تمخر الرّيح شَيْء من السفن إِلَّا الْفلك الْعِظَام، وَهُوَ بِالرَّفْع بدل عَن شَيْء، وَيجوز فِيهِ النصب، ومواخر جمع ماخرة، وَمعنى مواخر: جواري، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سواق. ٣٦٠٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رسُولِ الله ﷺ أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بِنِي إسْرَائِيلَ خَرَجَ فِي البَحْرِ فَقضَى حاجَتَهُ وساقَ الحَدِيثَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (خرج فِي الْبَحْر) ، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن ركُوب الْبَحْر لم يزل متعارفا مألوفا من قديم الزَّمَان، وَأَيْضًا إِن شرع من قبلنَا شرع لنا مَا لم يقص الله على إِنْكَاره، وَهَذَا الحَدِيث طرف من حَدِيث سَاقه بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْكفَالَة على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَمضى أَيْضا فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب مَا يسْتَخْرج من الْبَحْر، وَذكره هُنَاكَ بقوله: وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر ابْن ربيعَة ... إِلَى آخِره، بِصُورَة التَّعْلِيق هُنَاكَ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

стр. 3287

حدَّثني عَبْدُ الله بنُ صَالِحٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ بِهاذا صرح بِهَذَا وصل الْمُعَلق الْمَذْكُور بقوله، وَقَالَ اللَّيْث: وَهَذَا لم يَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات فِي الصَّحِيح، وَإِنَّمَا وَقع ذكره فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَأبي الْوَقْت. ١١ - (بابٌ ﴿وإذَا رَأوْوا تِجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضُّوا إلَيْهَا﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ولَا بَيْعٌ عنْ ذِكْرِ الله﴾ .) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة﴾ (الْجُمُعَة: ١١) . إِلَى قَوْله: ﴿عَن ذكر الله﴾ (النُّور: ٧٣) . وَالْآيَة الأولى مر ذكرهَا عَن قريب بقوله بَاب قَول الله ﴿وَإِذا رأو تِجَارَة أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ ثمَّ ذكر حَدِيث جَابر، وَالْآيَة الثَّانِيَة ذكرهَا فِي أول بَاب التِّجَارَة فِي الْبر، وَإِنَّمَا أعادهما فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي لَا غير. قيل: لم يدر مَا فَائِدَة الْإِعَادَة وَقيل: ذكرهَا هُنَا لمنطوقها، وَهُوَ الذَّم، وَذكرهَا فِيمَا مضى لمفهومها، وَهُوَ تَخْصِيص ذمها بِحَالَة اشْتغل بهَا عَن الصَّلَاة وَالْخطْبَة. وَقَالَ قَتادَةُ كانَ القَوْمُ يتَّجِرُونَ ولَكِنَّهُمْ كانُوا إِذا نابَهُمْ حقٌّ مِنْ حُقُوقِ الله لَمْ تُلْهِهِمْ تِجارَةٌ ولَا بَيْعٌ عنْ ذِكْرِ الله حتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى الله هَذَا أَيْضا ذكره فِي: بَاب تِجَارَة الْبر، وَأَعَادَهُ هُنَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. ٤٦٠٢ - حدَّثني مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثني محَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عنْ حُصَيْنٍ عنْ سالِمِ بنِ أبِي الجَعْدِ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أقْبلَتْ عِيرٌ ونَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النبيِّ ﷺ الجُمُعَةَ فانْفَضَّ النَّاسُ إلَاّ اثنيْ عَشَرَ رَجُلاً فنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وإذَا رَأوْا تِجَارَةً أوْ لَهْوا انْفَضُّوا إلَيْهَا وتَرَكُوكَ قائِما. هَذَا أَيْضا ذكره فِي: بَاب قَول الله : ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة﴾ (الْجُمُعَة: ١١) . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن طلق بن غَنَّام عَن زَائِدَة عَن حُصَيْن عَن سَالم ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا: عَن مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام البيكندي، نَص عَلَيْهِ الحافظان الدمياطي والمزي عَن مُحَمَّد ابْن فُضَيْل مصغر الْفضل بن غَزوَان الضَّبِّيّ الْكُوفِي عَن حُصَيْن، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة. وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ هُنَا أَيْضا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي لَا غير. وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ ذكر هَذِه المقامات كلهَا هَهُنَا، وحذفها فِيمَا مضى. ٢١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿أنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسِبْتُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦٢) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . من حلالات كسبكم، وَعَن مُجَاهِد المُرَاد بهَا التِّجَارَة، وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّه وَقع فِي الأَصْل: كلوا، بدل: أَنْفقُوا، وَقَالَ: إِنَّه غلط. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَفِي بعض النّسخ: ﴿كلوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ فَالْأول التِّلَاوَة، وَكَانَ الثَّانِي من طغيان الْقَلَم. ٥٦٠٢ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي وَائِلٍ عَن مَسْرُوقٍ عَن عائشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قَالَ النبيُّ ﷺ إذَا أنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مفْسِدَةٍ كانَ لَهَا أجْرُها بِما أنْفَقَتْ ولِزَوْجِهَا بِما كَسَبَ ولِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَنْقُصْ بَعْضُهُمْ أجْرَ بَعْضٍ شيْئا. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بِمَا كسب) ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب أجر الْمَرْأَة إِذا تَصَدَّقت، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من ثَلَاث طرق. الأول: عَن آدم عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. الثَّانِي: عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن مَسْرُوق عَنْهَا. وَالثَّالِث: عَن يحيى بن يحيى عَن

стр. 3288

جرير عَن مَنْصُور عَن شَقِيق عَن مَسْرُوق عَنْهَا. وَهنا أخرجه: عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة أخي أبي بكر بن أبي شيبَة عَن جرير ابْن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن أبي وَائِل عَن شَقِيق عَن مَسْرُوق بن الأجدع عَنْهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (غير مفْسدَة) أَي: غير منفقة فِي وَجه لَا يحل. ٦٦٠٢ - حدَّثني يَحْيَى بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عَن هَمَّامٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إذَا أنفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عنْ غَيْرِ أمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أجْرِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من كسب زَوجهَا) ، فَإِن كَسبه من التِّجَارَة وَغَيرهَا، وَهُوَ مَأْمُور بِأَن ينْفق من طَيّبَات مَا كسب. وَيحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الرَّزَّاق ابْن همام الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد، وَهَمَّام بن مُنَبّه. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن يحيى فِي النَّفَقَات. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال، كلهم عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ. قَوْله: (من غير أمره) أَي: من غير أَمر الزَّوْج. قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ يكون لَهَا أجر وَهُوَ بِغَيْر أَمر الزَّوْج؟ فَأجَاب: بقوله: قد يكون بِإِذْنِهِ وَلَا يكون بأَمْره، ثمَّ قَالَ: قد تقدم أَنه لَا ينقص بَعضهم أجر بعض فَلم يكن لَهُ النّصْف؟ ثمَّ أجَاب بقوله: ذَلِك فِيمَا كَانَ بأَمْره أَو أجرهَا هُوَ نصف الْأجر وَلَا ينقص عَمَّا هُوَ أجره الَّذِي هُوَ النّصْف. وَقَالَ ابْن التِّين: الحديثان غير متناقضين، وَذَلِكَ أَن قَوْله: (لَهَا نصف أجره) ، يُرِيد أَن أجر الزَّوْج وَأجر مناولة الزَّوْجَة يَجْتَمِعَانِ فَيكون للزَّوْج النّصْف وللمرأة النّصْف، فَذَلِك النّصْف هُوَ أجرهَا كُله، وَالنّصف الَّذِي للزَّوْج هُوَ أجره كُله وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ هُوَ على الْمجَاز أَي أَنَّهُمَا سَوَاء فِي المثوبة كل وَاحِد مِنْهَا لَهُ أجر كَامِل وهما اثْنَان فكأنهما نِصْفَانِ، وَقيل: يحْتَمل أَن أجرهما مثلان، فَأشبه الشَّيْء المنقسم بنصفين. ٣١ - (بابُ مَنْ أحَبَّ الْبَسْطَ فِي الرِّزْقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أحب الْبسط، أَي: التَّوَسُّع فِي الرزق، وَجَوَاب: من، مَحْذُوف، يَعْنِي: مَاذَا يفعل؟ وأوضحه فِي الحَدِيث بِأَن من أحب هَذَا فَليصل رَحمَه. ٧٦٠٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي يَعْقُوبَ الْكِرْمانيُّ قَالَ حَدثنَا حَسَّانُ قَالَ حدَّثنا يُونُسُ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدٌ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ منْ سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ أوْ يُنْسأ لَهُ فِي أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يوضحها وَيبين جوانبها. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن أبي يَعْقُوب، واسْمه إِسْحَاق وكنية مُحَمَّد أَبُو عبد الله. الثَّانِي: حسان، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ: ابْن إِبْرَاهِيم أَبُو هِشَام الْعَنزي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالنُّون المفتوحتين، وبالزاي: قَاضِي كرمان، مَاتَ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَله مائَة سنة. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: أنس بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع وَالْقَوْل. وَفِيه: أَن شَيْخه وَحسان كرمانيان، وكرمان صقع كَبِير بَين فَارس وسجستان ومكران، وَقَالَ النَّوَوِيّ: كرمان إسم لتِلْك الديار الَّتِي قصبتها برد سير وَقد غلب على برد سير حَتَّى كَانَت مقصد القوافل والملوك والعساكر. قلت: برد سير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الدَّال وَكسر السِّين المهملات وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كرمان، بِفَتْح الْكَاف. وَقَالَ الْكرْمَانِي الشَّارِح بِكَسْرِهَا، قَالَ: هُوَ بلدنا وَأهل الْبَلَد أعلم باسم بلدهم من غَيرهم، وهم متفقون على كسرهَا، وساعد بَعضهم النَّوَوِيّ فَقَالَ: لَعَلَّ الصَّوَاب فِيهَا فِي الأَصْل الْفَتْح ثمَّ كثر اسْتِعْمَالهَا بِالْكَسْرِ تغييرا من الْعَامَّة. قلت:

стр. 3289

ضبط هَذَا بِالْوَجْهَيْنِ، وَلَكِن الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي هُوَ الأصوب لِأَنَّهُ ادّعى اتِّفَاق أهل بَلَده على الْكسر، وَمَعَ هَذَا لَيْسَ هَذَا مَحل المناقشة، وَلَا يبْنى على الْكسر وَلَا على الْفَتْح حكم. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن حَرْمَلَة بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الزَّكَاة عَن أَحْمد بن صَالح وَيَعْقُوب بن كَعْب الْأَنْطَاكِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن يحيى بن الْوَزير. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من سره) أَي: من أفرحه. قَوْله: (أَن يبسط) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: سره، يبسط، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَو ينسأ) ، بِضَم الْيَاء وَسُكُون النُّون بعْدهَا سين مُهْملَة ثمَّ همزَة، أَي: يُؤَخر لَهُ، وَهُوَ من الإنساء وَهُوَ التَّأْخِير. قَوْله: (فِي أَثَره) أَي: فِي بَقِيَّة أثر عمره. قَالَ زُهَيْر: (والمرء مَا عَاشَ مَمْدُود لَهُ أملٌ ... لَا يَنْتَهِي الْعَيْش حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثر) أَي: مَا بَقِي لَهُ من الْعُمر. قَوْله: (فَليصل رَحمَه) ، جَوَاب: من، فَلذَلِك دَخلته الْفَاء. وَاخْتلفُوا فِي الرَّحِم، فَقيل: كل ذِي رحم محرم. وَقيل: وَارِث. وَقيل: هُوَ الْقَرِيب، سَوَاء كَانَ محرما أَو غَيره، وَوصل الرَّحِم تشريك ذَوي الْقُرْبَى فِي الْخيرَات، وَهُوَ قد يكون بِالْمَالِ وبالخدمة وبالزيارة وَنَحْوهَا. وَقَالَ عِيَاض: لَا خلاف أَن صلَة الرَّحِم وَاجِبَة فِي الْجُمْلَة، وقطيعتها مَعْصِيّة كَبِيرَة، وَالْأَحَادِيث تشهد لهَذَا، وَلَكِن للصلة دَرَجَات بَعْضهَا أرفع من بعض، وَأَدْنَاهَا ترك المهاجرة وصلتها بالْكلَام وَلَو بِالسَّلَامِ، وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف الْقُدْرَة وَالْحَاجة، فَمِنْهَا وَاجِب، وَمِنْهَا مُسْتَحبّ. وَلَو وصل بعض الصِّلَة وَلم يصل غايتها لَا يُسمى قَاطعا، وَلَو قصر عَمَّا يقدر عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يسم واصلاً. وَفِي كتاب (التَّرْغِيب والترهيب) لِلْحَافِظِ أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ: روى من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْت البارحة عجبا، رَأَيْت رجلا من أمتِي أَتَاهُ ملك الْمَوْت، ﵇، ليقْبض روحه فَجَاءَهُ بر وَالِده فَرد ملك الْمَوْت عَنهُ) . الحَدِيث، وَقَالَ: هُوَ حسن جدا. وروى من حَدِيث دَاوُد ابْن المحبر عَن عباد عَن سهل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (ابْن آدم ﴿اتقِ رَبك، وبر والديك، وصل رَحِمك يمد لَك فِي عمرك وييسر لَك يَسُرك، ويجنب عسرك وييسر لَك فِي رزقك) . وَمن حَدِيث دَاوُد بن عدي بن عَليّ عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن صلَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر) . وَمن حَدِيث عبد الله بن الْجَعْد عَن ثَوْبَان قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا يزِيد فِي الْعُمر إلَاّ بر الْوَالِدين، وَلَا يزِيد فِي الرزق إلَاّ صلَة الرَّحِم) . وَمن حَدِيث إِبْرَاهِيم السَّامِي عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن، أَخْبرنِي أبي عَن جدي (عَن عَليّ أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن قَوْله: ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ (الرَّعْد: ٩٣) . فَقَالَ: هِيَ الصَّدَقَة على وَجههَا وبر الْوَالِدين واصطناع الْمَعْرُوف وصلَة الرَّحِم تحول الشَّقَاء سَعَادَة، وتزيد فِي الْعُمر وتقي مصَارِع السوء. (زَاد مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْعُكَّاشِي عَن الْأَوْزَاعِيّ: (يَا عَليّ﴾ من كَانَت فِيهِ خصْلَة وَاحِدَة من هَذِه الْأَشْيَاء أعطَاهُ الله تَعَالَى ثَلَاث خِصَال) ، وروى عَن عمر وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَجَابِر بن عبد الله نَحوه. وَمن حَدِيث عِكْرِمَة بن إِبْرَاهِيم عَن زَائِدَة بن أبي الرقاد عَن مُوسَى بن الصَّباح عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (إِن الْإِنْسَان ليصل رَحمَه وَمَا بَقِي من عمره إلَاّ ثَلَاثَة أَيَّام فيزيد الله تَعَالَى فِي عمره ثَلَاثِينَ سنة، وَأَن الرجل ليقطع رَحمَه وَقد بَقِي من عمره ثَلَاثُونَ سنة فينقص الله تَعَالَى عمره حَتَّى لَا يبْقى فِيهِ إلَاّ ثَلَاثَة أَيَّام) . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا أعرفهُ إلَاّ بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَمن حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش (عَن دَاوُد بن عِيسَى، قَالَ: مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة صلَة الرَّحِم وَحسن الْخلق وبر الْقَرَابَة تعمر الديار وتكثر الْأَمْوَال وتزيد فِي الْآجَال وَإِن كَانَ الْقَوْم كفَّارًا) . قَالَ أَبُو مُوسَى: يرْوى هَذَا من طَرِيق أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا عَن التَّوْرَاة. قَالَ أَبُو الْفرج فَإِن قيل: أَلَيْسَ قد فرغ من الْأَجَل والرزق؟ فَالْجَوَاب من خَمْسَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون المُرَاد بِالزِّيَادَةِ توسعة الرزق وَصِحَّة الْبدن، فَإِن الْغنى يُسمى حَيَاة، والفقر موتا. الثَّانِي: أَن يكْتب أجل العَبْد مائَة سنة وَيجْعَل تزكيته تعمير ثَمَانِينَ سنة، فَإِذا وصل رَحمَه زَاده الله فِي تزكيته فَعَاشَ عشْرين سنة أُخْرَى، قالهما ابْن قُتَيْبَة. الثَّالِث: أَن هَذَا التَّأْخِير فِي الأَصْل مِمَّا قد فرغ مِنْهُ لكنه علق الْأَنْعَام بِهِ بصلَة الرَّحِم، فَكَأَنَّهُ كتب أَن فلَانا يبْقى خمسين سنة، فَإِن وصل رَحمَه بَقِي سِتِّينَ سنة. الرَّابِع: أَن تكون هَذِه الزِّيَادَة فِي الْمَكْتُوب، والمكتوب غير الْمَعْلُوم فَمَا علمه الله تَعَالَى من نِهَايَة الْعُمر لَا يتَغَيَّر، وَمَا كتبه قد يمحى وَيثبت، وَقد

стр. 3290

كَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول: إِن كنت كتبتني شقيا فامحني، وَمَا قَالَ: إِن كنت علمتني، لِأَن مَا علم وُقُوعه لَا بُد أَن يَقع. وَيبقى على هَذَا الْجَواب إِشْكَال، وَهُوَ أَن يُقَال: إِذا كَانَ المحتوم وَاقعا فَمَا الَّذِي الَّذِي أَفَادَهُ زِيَادَة الْمَكْتُوب ونقصانه؟ فَالْجَوَاب: أَن الْمُعَامَلَات على الظَّوَاهِر، والمعلوم الْبَاطِن خَفِي لَا يعلق عَلَيْهِ حكم، فَيجوز أَن يكون الْمَكْتُوب يزِيد وَينْقص ويمحى وَيثبت ليبلغ ذَلِك على لِسَان الشَّرْع إِلَى الْآدَمِيّ، فَيعلم فَضِيلَة الْبر وشؤم العقوق. وَيجوز أَن يكون هَذَا مِمَّا يتَعَلَّق بِالْمَلَائِكَةِ، ﵈، فتؤمر بالإثبات والمحو، وَالْعلم الحتم لَا يطلعون عَلَيْهِ. وَمن هَذَا إرْسَال الرُّسُل إِلَى من لَا يُؤمن. الْخَامِس: أَن زِيَادَة الْأَجَل تكون بِالْبركَةِ فِيهِ وتوفيق صَاحبه لفعل الْخيرَات وبلوغ الْأَغْرَاض، فنال فِي قصر الْعُمر مَا يَنَالهُ غَيره فِي طويله. وَزعم عِيَاض أَن المُرَاد بذلك: بَقَاء ذكره الْجَمِيل بعد الْمَوْت على الْأَلْسِنَة، فَكَأَنَّهُ لم يمت، وَذكر الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ: أَن المُرَاد بذلك قلَّة الْمقَام فِي البرزخ. ٤١ - (بابُ شِرَاءِ النبيِّ ﷺ بالنَّسِيئَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شِرَاء النَّبِي ﷺ بِالنَّسِيئَةِ بِفَتْح النُّون وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْهمزَة، وَهُوَ الْأَجَل وَفِي (الْمغرب) : يُقَال: بَعثه بنساء ونسيء وبالنسيئة، بِمَعْنى. ٨٦٠٢ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ ذَكَرْنا عِنْدَ إبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ فَقَالَ حدَّثني الأسْوَدُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعاما مِنْ يَهُودِيٍّ إلَى أجَلٍ ورَهَنَهُ دِرْعا مِنْ حَدِيدٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُعلى، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة: ابْن أَسد أَبُو الْهَيْثَم. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. الْخَامِس: الْأسود بن يزِيد. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. القَوْل فِي موضِعين وَفِيه: أَن شَيْخه وَعبد الْوَاحِد بصريان، والبقية كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد، وهم الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم وَالْأسود. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن خَاله وَهُوَ إِبْرَاهِيم يروي عَن الْأسود وَهُوَ خَاله. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي أحد عشر موضعا فِي الْبيُوع وَفِي الاستقراض وَفِي الْجِهَاد عَن مُعلى بن أَسد، وَفِي السّلم عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب، وَفِي الشّركَة عَن مُسَدّد وَفِي الْبيُوع أَيْضا عَن يُوسُف بن عِيسَى وَعَن عمر بن حَفْص وَفِي السّلم أَيْضا عَن مُحَمَّد عَن يعلى بن عبيد وَفِي الرَّهْن عَن قُتَيْبَة وَفِي الْجِهَاد أَيْضا عَن مُحَمَّد بن كثير وَفِي الْمَغَازِي عَن قبيصَة بن عقبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعلي بن خشرم وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة أَيْضا وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن آدم وَعَن أَحْمد بن حَرْب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي السّلم) ، أَي: السّلف وَلم يرد بِهِ السّلم الَّذِي هُوَ بيع الدّين بِالْعينِ، وَهُوَ أَن يُعْطي ذَهَبا أَو فضَّة فِي سلْعَة مَعْلُومَة إِلَى أمد مَعْلُوم. قَوْله: (اشْترى طَعَاما من يَهُودِيّ) ، وَاخْتلف فِي مِقْدَار مَا استدانه من الطَّعَام، فَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث عَائِشَة: (بِثَلَاثِينَ صَاعا من شعير) ، وَفِي أُخْرَى: (بِعشْرين) ، وَفِي (مُصَنف) عبد الرَّزَّاق: (بوسق شعير أَخذه لأَهله) ، وللبزار من طَرِيق ابْن عَبَّاس: (أَرْبَعِينَ صَاعا) . وَعند التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (رهن درعه بِعشْرين صَاعا من طَعَام أَخذه لأَهله) . وَعند ابْن أبي شيبَة: (أَخذهَا رزقا لِعِيَالِهِ) . وَعند النَّسَائِيّ: (بِثَلَاثِينَ صَاعا من شعير لأَهله) . وَفِي (مُسْند) الشَّافِعِي: (أَن الْيَهُودِيّ يكنى أَبَا الشحمة) ، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَهَذَا الْيَهُودِيّ يُقَال لَهُ أَبُو الشَّحْم. قَالَه الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي (مبهماته) : وَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث جَعْفَر بن أبي طَالب عَن أَبِيه: أَنه ﷺ رهن درعا عِنْد أبي الشَّحْم الْيَهُودِيّ، رجل من بني طفر، فِي شعير. لكنه مُنْقَطع كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ، وَوَقع فِي رِوَايَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ

стр. 3291

تَسْمِيَته: بِأبي الشحمة، كَمَا ذكرنَا عَن (مُسْند) الإِمَام الشَّافِعِي. قَوْله: (وَرَهنه درعا من حَدِيد) ، الدرْع، بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة: هُوَ درع الْحَرْب، وَلِهَذَا قَيده بالحديد، لِأَن الْقَمِيص يُسمى درعا. وَقَالَ ابْن فَارس: درع الْحَدِيد مُؤَنّثَة، وَدرع الْمَرْأَة قميصها مُذَكّر. فَإِن قلت: كَانَ للنَّبِي ﷺ دروع، فَأَي درع هَذِه؟ قلت: قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر التلمساني فِي كتاب (الْجَوْهَر) : إِن هَذِه الدرْع هِيَ ذَات الفضول. فَإِن قلت: مَا معنى اخْتِيَاره لرهن الدرْع؟ قلت: رهن مَا هُوَ أَشد حَاجَة إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَا وجد شَيْئا يرهنه غَيره. فَإِن قلت: مَا كَانَت ضَرُورَته إِلَى السّلف حَتَّى رهن عِنْد الْيَهُودِيّ درعه؟ قلت: قد مر أَنه أَخذه لأَهله وَرِزْقًا لِعِيَالِهِ، وَيحْتَمل أَنه فعل بَيَانا للْجُوَاز فَإِن قلت: قد ورد فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يدّخر لأَهله قوت سنة، فَكيف استلف مد الْيَهُودِيّ؟ قلت: قد يكون ذَلِك بعد فرَاغ قوت السّنة، وَقد يكون كَانَ يدّخر قوت السّنة لأَهله على تَقْدِير أَن لَا يرد عَلَيْهِ عَارض، وَقيل: إِنَّمَا أَخذ النَّبِي، ﷺ ، الشّعير من الْيَهُودِيّ لضيف طرقه، ثمَّ فدَاه أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يرْهن عِنْد مياسير الصَّحَابَة؟ قلت: حَتَّى لَا يبْقى لأحد عَلَيْهِ منَّة لَو أَبرَأَهُ مِنْهُ. فَإِن قلت: الْمُعَامَلَة مَعَ من يظنّ أَن أَكثر مَاله حرَام مَمْنُوعَة، فَكيف عَامل النَّبِي، ﷺ ، مَعَ هَذَا الْيَهُودِيّ؟ وَقد أخبر الله تَعَالَى: أَنهم أكالون للسحت؟ قلت: هَذَا عِنْد التيقن أَن الْمَأْخُوذ مِنْهُ حرَام بِعَيْنِه، وَلم يكن ذَلِك على عهد النَّبِي، ﷺ ، خفِيا. وَمَعَ هَذَا إِن الْيَهُود كَانُوا باعة فِي الْمَدِينَة حِينَئِذٍ، وَكَانَت الْأَشْيَاء عِنْدهم مُمكنَة، وَكَانَ وقتا ضيقا وَرُبمَا لم يُوجد عِنْد غَيرهم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز البيع إِلَى أجل، ثمَّ هَل هُوَ رخصَة أَو عَزِيمَة؟ قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: جعلُوا الشِّرَاء إِلَى أجل رخصَة، وَهُوَ فِي الظَّاهِر عَزِيمَة، لِأَن الله تَعَالَى يَقُول فِي مُحكم كِتَابه: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . فأنزله أصلا فِي الدّين ورتب عَلَيْهِ كثيرا من الْأَحْكَام. وَفِيه: جَوَاز مُعَاملَة الْيَهُود وَإِن كَانُوا يَأْكُلُون أَمْوَال الرِّبَا، كَمَا أخبر الله عَنْهُم، وَلَكِن مُبَايَعَتهمْ وَأكل طعامهم مَأْذُون لنا فِيهِ بِإِبَاحَة الله، وَقد ساقاهم النَّبِي، ﷺ ، على خَيْبَر. فَإِن قلت: النَّصَارَى كَذَلِك أم لَا؟ قلت: روى أَبُو الْحسن الطوسي فِي (أَحْكَامه) ، فَقَالَ: حَدثنَا عَليّ بن مُسلم الطوسي بِبَغْدَاد حَدثنَا مُحَمَّد ابْن يزِيد الوَاسِطِيّ عَن أبي سَلمَة عَن جَابر بن يزِيد عَن الرّبيع بن أنس (عَن أنس بن مَالك، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِي، ﷺ ، إِلَى حليق النَّصْرَانِي يبْعَث إِلَيْهِ بأثواب إِلَى الميسرة، قَالَ: فَأَتَيْته فَقلت: بَعَثَنِي إِلَيْك رَسُول الله، ﷺ ، تبْعَث إِلَيْهِ بأثواب إِلَى الميسرة. فَقَالَ: وَمَا الميسرة؟ وَمَتى الميسرة؟ مَا لمُحَمد ثاغية وَلَا راغية. فَأتيت النَّبِي ﷺ ، قَالَ: فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: كذب عَدو الله، أنَّا خير من بَايع، لِأَن يلبس أحدكُم ثوبا من رقاع شَتَّى خير لَهُ من أَن يَأْخُذ فِي أَمَانَته مَا لَيْسَ عِنْده) . وَفِيه: رهن فِي الْحَضَر، وَمنعه مُجَاهِد فِي الْحَضَر، وَقَالَ: إِنَّمَا ذكر الله الرَّهْن فِي السّفر، وَتَبعهُ دَاوُد، وَفعل النَّبِي، ﷺ ، كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَالله تَعَالَى ذكر وَجها من وجوهه وَهُوَ: السّفر. وَفِيه: جَوَاز رهن السِّلَاح وَآلَة الْحَرْب فِي بلد الْجِهَاد عِنْد الْحَاجة إِلَى الطَّعَام، لِأَنَّهُ تعَارض حِينَئِذٍ أَمْرَانِ فَقدم الأهم مِنْهُمَا، لِأَن نَفَقَة الْأَهْل وَاجِبَة لَا بُد مِنْهَا، واتخاذ آلَة الْحَرْب من الْمصَالح لَا من الْوَاجِبَات، لِأَنَّهُ يُمكن الْجِهَاد بِدُونِ آلَة، فَقدم الأهم. ٩٦٠٢ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا هشامٌ قَالَ حدَّثنا قَتَادَةُ عنْ أنَسٍ ح وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ قَالَ حدَّثنا أسْبَاطٌ أبُو الْيَسَعِ البَصْرِيُّ قَالَ حدَّينا هِشامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ مَشَى إِلَى النبيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وإهالَةٍ سَنِخَةٍ ولَقَدْ رَهَنَ النبيُّ ﷺ دِرْعا لَهُ بِالمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وأخَذَ مِنْهُ شَعِيرا لأِهْلِهِ ولَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا أمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ صاَعُ بُرٍّ ولَا صاعُ حَبٍّ وَإِن عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ. (الحَدِيث ٩٦٠٢ طرفه فِي: ٨٠٥٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة. وَأخرجه من طَرِيقين، وَمُسلم على لفظ اسْم الْفَاعِل من الْإِسْلَام، ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ الفراهيدي القصاب، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي. وَمُحَمّد بن عبد الله بن حَوْشَب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين

стр. 3292

الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، مر فِي الصَّلَاة) . وأسباط، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره طاء مُهْملَة، وَأَبُو اليسع، كنية بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، بِلَفْظ الْمُضَارع من: وسع يسع. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن رجال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم بصريون. وَفِيه: أَن أسباطا هَذَا لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع وَقد قيل إِن اسْم أَبِيه عبد الْوَاحِد. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ قد سَاق هَذَا الحَدِيث هُنَا على لفظ أَسْبَاط وَسَاقه فِي الرَّهْن على لفظ مُسلم بن إِبْرَاهِيم مَعَ أَن طَرِيق مُسلم أَعلَى، وَذَلِكَ لِأَن أَبَا اليسع فِيهِ مقَال، فَاحْتَاجَ إِلَى ذكره عقيب من يعتضده ويتقوى بِهِ، وَلِأَن عَادَته غَالِبا أَن لَا يذكر الحَدِيث الْوَاحِد فِي موضِعين بِإِسْنَاد وَاحِد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إهالة) ، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْهَاء، قَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الألية. وَفِي (الْمُحكم) : الإهالة مَا أذيب من الشَّحْم، وَقيل: الإهالة الشَّحْم وَالزَّيْت، وَقيل: كل دهن أوتُدِمَ بِهِ إهالة، واستاهل أهل الإهالة. وَفِي كتاب (الواعي) : الإهالة مَا أذيب من شَحم الألية. وَفِي (الصِّحَاح) : الإهالة الودك. وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: هُوَ الدسم إِذا جمد على رَأس المرقة. وَقَالَ الْخَلِيل: هِيَ الألية تقطع ثمَّ تذاب. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هِيَ الغلالة تكون من الدّهن على المرقة رقيقَة. قَوْله: (سنخة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر النُّون بعْدهَا خاء مُعْجمَة، وَهِي المتغيرة الرَّائِحَة من طول الزَّمَان، من قَوْلهم: سنخ الدّهن، بِكَسْر النُّون: تغير. وَرُوِيَ: زنخة بالزاي، يُقَال: سنخ وزنخ بِالسِّين وَالزَّاي أَيْضا. قَوْله: (لأَهله) ، يَعْنِي لأزواجه وَهن تسع، وَمِنْه يُؤْخَذ أَنه لَا بَأْس للرجل أَن يذكر عَن نَفسه أَنه لَيْسَ عِنْده مَا يقوته ويقوت عِيَاله على غير وَجه الشكاية والتسخط، بل على وَجه الِاقْتِدَاء بِهِ. قَوْله: (وَلَقَد سمعته يَقُول) قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (لقد سمعته) ، كَلَام قَتَادَة، وفاعل: يَقُول، أنس. وَقَالَ بَعضهم: وَلَقَد سمعته يَقُول: هُوَ كَلَام أنس، وَالضَّمِير فِي: سمعته، للنَّبِي، ﷺ ، أَي: قَالَ ذَلِك لما رهن الدرْع عِنْد الْيَهُودِيّ مظْهرا للسبب فِي شِرَائِهِ إِلَى أجل، وَوهم من زعم أَنه كَلَام قَتَادَة، وَجعل الضَّمِير فِي: سمعته، لأنس. لِأَنَّهُ إِخْرَاج للسياق عَن ظَاهره بِغَيْر دَلِيل. قلت: الْأَوْجه فِي حق النَّبِي، ﷺ ، مَا قَالَه الْكرْمَانِي، لِأَن فِي نِسْبَة ذَلِك أَن النَّبِي، ﷺ ، نوع إِظْهَار بعض الشكوى وَإِظْهَار الْفَاقَة على سَبِيل الْمُبَالغَة، وَلَيْسَ ذَلِك يذكر فِي حَقه، ﷺ . قَوْله: (وَلَا صَاع حب) ، تَعْمِيم بعد تَخْصِيص. قَوْله: (لتسْع) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ اسْم إِن وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. وَفِيه: بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ، ﷺ ، من التقلل من الدُّنْيَا، وَذَلِكَ كُله بِاخْتِيَارِهِ وإلَاّ فقد أَتَاهُ الله مَفَاتِيح خَزَائِن الأَرْض فَردهَا تواضعا، وَرَضي بزِي الْمَسَاكِين ليَكُون أرفع لدرجته. وَقد قَالَ كليم الله مُوسَى: ﴿إِنِّي لما أنزلت إِلَيّ من خير فَقير﴾ (الْقَصَص: ٤٢) . وَالْخَيْر كسرة من شعير اشتاقها واشتهاها. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَفِيه: رد على زفر وَالْأَوْزَاعِيّ: أَن الرَّهْن مَمْنُوع فِي السّلم. قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث إلَاّ الشِّرَاء بِالدّينِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يتَعَلَّق بالسلم فَكيف يَصح بِهِ الرَّد؟ وَكَأن صَاحب (التَّوْضِيح) ظن أَن فِيهِ شَيْئا من السّلم، وَالظَّاهِر أَنه ظن أَن قَول الْأَعْمَش فِي سَنَد الحَدِيث الْمَاضِي ذكرنَا عِنْد إِبْرَاهِيم الرَّهْن فِي السّلم أَنه السّلم الْمُتَعَارف، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل المُرَاد بِهِ السّلف كَمَا ذكرنَا. وَفِي الحَدِيث قبُول مَا تيَسّر، وَقد دعى، ﷺ ، إِلَى خبز شعير وإهالة سنخة، فَأجَاب، أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَن الْحسن مُرْسلا. وَفِيه: مُبَاشرَة الشريف والعالم شِرَاء الْحَوَائِج بِنَفسِهِ، وَإِن كَانَ لَهُ من يَكْفِيهِ، لِأَن جَمِيع الْمُؤمنِينَ كَانُوا حريصين على كِفَايَة أمره وَمَا يحْتَاج إِلَى التَّصَرُّف فِيهِ رَغْبَة مِنْهُم فِي رِضَاهُ وَطلب الْآخِرَة وَالثَّوَاب. ٥١ - (بابُ كَسْبِ الرَّجُلِ وعَمَلِهِ بِيَدِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل كسب الرجل وَعَمله بِيَدِهِ. قَوْله: (وَعَمله بِيَدِهِ) ، من عطف الْخَاص على الْعَام، لِأَن الْكسْب أَعم من أَن يكون بِعَمَل الْيَد أَو بغَيْرهَا. ٠٧٠٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْب عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ حدَّثني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا اسْتُخْلِفَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ قَالَ لَقَدْ

стр. 3293

عَلِمَ قَوْمِي أَن حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عنْ مَؤنَةِ أهْلِي وشُغِلْتُ بِأمْرِ المُسْلِمِينَ فسَيَأكُلُ آلُ أبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا المَالِ ويَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِنَ فِيهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مَا يدل على أَن كسب الرجل بِيَدِهِ أفضل، وَذَلِكَ أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يحترف أَي يكْتَسب مَا يَكْفِي عِيَاله، ثمَّ لما شغل بِأَمْر الْمُسلمين حِين اسْتخْلف لم يكن يتفرغ للاحتراف بِيَدِهِ، فَصَارَ يحترف للْمُسلمين. وَأَنه يعْتَذر عَن تَركه الاحتراف لأَهله، فلولا أَن الْكسْب بِيَدِهِ لأَهله كَانَ أفضل لم يكن يتأسف بقوله: ﴿فسيأكل آل أبي بكر من هَذَا المَال) ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين. وَهَذَا الحَدِيث مَوْقُوف، وَهُوَ مِمَّا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ. وَإِسْمَاعِيل ابْن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَقد تكَرر ذكره، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن زيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ الْمدنِي. قَوْله: (إِن حرفتي) الحرفة والاحتراف: الْكسْب وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ يتجر قبل استخلافه وَقد روى ابْن مَاجَه وَغَيره من حَدِيث أم سَلمَة أَن أَبَا بكر خرج تَاجِرًا إِلَى بصرى فِي عهد النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (وشغلت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بِأَمْر الْمُسلمين) ، أَي: بِالنّظرِ فِي أُمُورهم لكَونه خَليفَة. قَوْله: (فسيأكل آل أبي بكر) يَعْنِي: نَفسه وَمن تلْزمهُ نَفَقَته، لِأَنَّهُ لما اشْتغل بِأَمْر الْمُسلمين احْتَاجَ إِلَى أَن يَأْكُل هُوَ وَأَهله من بَيت المَال. وَقَالَ ابْن التِّين: يُقَال: إِن أَبَا بكر ارتزق كل يَوْم شَاة، وَكَانَ شَأْن الْخَلِيفَة أَن يطعم من حَضَره قصعتين كل يَوْم غدْوَة وعشيا. وروى ابْن سعد بِإِسْنَاد مُرْسل بِرِجَال ثِقَات، قَالَ: (لما اسْتخْلف أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أصبح غاديا إِلَى السُّوق على رَأسه أَثوَاب يتجر بهَا، فَلَقِيَهُ عمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَا: كَيفَ تصنع هَذَا وَقد وليت أَمر الْمُسلمين؟ قَالَ: فَمن أَيْن أطْعم عيالي؟ قَالَا: نفرض لَك، ففرضوا لَهُ كل يَوْم شطر شَاة) . وَفِي الطَّبَقَات: عَن حميد بن هِلَال: لما ولي أَبُو بكر، قَالَت الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: افرضوا للخليفة مَا يُغْنِيه. قَالُوا: نعم! برْدَاهُ إِذا أخلقهما وضعهما وَأخذ مثلهمَا، وظهره إِذا سَافر، وَنَفَقَته على أَهله كَمَا كَانَ ينْفق قبل أَن يسْتَخْلف. فَقَالَ أَبُو بكر: رضيت. وَعَن مَيْمُون قَالَ: لما اسْتخْلف أَبُو بكر جعلُوا لَهُ أَلفَيْنِ فَقَالَ: زيدوني فَإِن لي عيالا فزاروه خمس مائَة فَقَالَ أما أَن يكون أَلفَيْنِ فزادوه خمس مائَة أَو كَانَت أَلفَيْنِ وَخمْس مائَة فزاده خَمْسمِائَة، وَلما حضرت أَبَا بكر الْوَفَاة حسب مَا أنْفق من بَيت المَال فوجدوه سَبْعَة آلَاف دِرْهَم، فَأمر بِمَالِه غير الرباع، فَأدْخل فِي بَيت المَال، فَكَانَ أَكثر مِمَّا أنْفق. قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: فربح الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ وَمَا ربحوا على غَيره. وروى ابْن سعد وَابْن الْمُنْذر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن مَسْرُوق (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما مرض أَبُو بكر مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، قَالَ: انْظُرُوا مَا زَاد فِي مَالِي مُنْذُ دخلت الْإِمَارَة فَابْعَثُوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَة بعدِي. قَالَت: فَلَمَّا مَاتَ نَظرنَا فَإِذا عبد نوبي كَانَ يحمل صبيانه، وناضح كَانَ يسْقِي بستانا لَهُ، فَبَعَثنَا بهما إى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: ﵀ على أبي بكر لقد أتعب من بعده) . وَأخرج ابْن سعد من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة نَحوه، وَزَاد: أَن الْخَادِم كَانَ صيقلاً يعْمل سيوف الْمُسلمين ويخدم آل بكر وَمن طَرِيق ثَابت عَن أنس نَحوه. وَفِيه: وَقد كنت حَرِيصًا على أَن أوفر مَال الْمُسلمين، وَقد كنت أصبت من اللَّحْم وَاللَّبن. وَفِيه: وَمَا كَانَ عِنْده دِينَار وَلَا دِرْهَم. مَا كَانَ إلَاّ خَادِم ولقحة ومحلب. قَوْله: (ويحترف للْمُسلمين) أَي: يتجر لَهُم حَتَّى يعود عَلَيْهِم من ربحه بِقدر مَا أكل، أَو أَكثر، وَلَيْسَ بِوَاجِب على الإِمَام أَن يتجر فِي مَال الْمُسلمين بِقدر مؤونته إلَاّ أَن يتَطَوَّع بذلك، كَمَا تطوع أَبُو بكر. قَوْله: (ويحترف) على صِيغَة الْمُضَارع الْغَائِب. رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (وأحترف) ، على صِيغَة الْمُتَكَلّم وَحده. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن أفضل الْكسْب مَا يكسبه الرجل بِيَدِهِ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث الْمِقْدَام عَن رَسُول الله، ﷺ ، مَا يدل على ذَلِك. وروى الْحَاكِم عَن أبي بردة يَعْنِي ابْن نيار: (سُئِلَ رَسُول الله، ﷺ ، أَي الْكسْب أطيب وَأفضل؟ قَالَ: عمل الرجل بِيَدِهِ، أَو كل عمل مبرور) . وَعَن الْبَراء بن عَازِب نَحوه. وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَعَن رَافع بن خديج مثله، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة: (أَن أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا: (إِن أطيب مَا أكلْتُم من كسبكم) . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: أصُول المكاسب

стр. 3294

الزِّرَاعَة وَالتِّجَارَة والصناعة، وأيها أطيب؟ فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب للنَّاس، وأشبهها مَذْهَب الشَّافِعِي أَن التِّجَارَة أطيب، وَالْأَشْبَه عِنْدِي أَن الزِّرَاعَة أطيب لِأَنَّهَا أقرب إِلَى التَّوَكُّل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَحَدِيث البُخَارِيّ صَرِيح فِي تَرْجِيح الزِّرَاعَة والصنعة لِكَوْنِهِمَا عمل يَده. لَكِن الزِّرَاعَة أفضلهما لعُمُوم النَّفْع بهَا للآدمي وَغَيره. وَعُمُوم الْحَاجة إِلَيْهَا. وَفِيه: فَضِيلَة أبي بكر وزهده وورعه غَايَة الْوَرع. وَفِيه: أَن لِلْعَامِلِ أَن يَأْخُذ من عرض المَال الَّذِي يعْمل فِيهِ قدر عمالته إِذا لم يكن فَوْقه إِمَام يقطع لَهُ أُجْرَة مَعْلُومَة، وكل من يتَوَلَّى عملا من أَعمال الْمُسلمين يُعْطي لَهُ شَيْء من بَيت المَال لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى كِفَايَته وكفاية عِيَاله، لِأَنَّهُ إِن لم يُعْط لَهُ شَيْء لَا يرضى أَن يعْمل شَيْئا فتضيع أَحْوَال الْمُسلمين. وَعَن ذَلِك قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَا بَأْس برزق القَاضِي، وَكَانَ شُرَيْح، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَأْخُذ على الْقَضَاء. ذكره البُخَارِيّ فِي: بَاب رزق الْحُكَّام والعاملين عَلَيْهَا، ثمَّ القَاضِي إِن كَانَ فَقِيرا فَالْأَفْضَل بل الْوَاجِب أَخذ كِفَايَته من بَيت المَال، وَإِن كَانَ غَنِيا فَالْأَفْضَل الِامْتِنَاع، رفقا بِبَيْت المَال. وَقيل: الْأَخْذ هُوَ الْأَصَح صِيَانة للْقَضَاء عَن الهوان، لِأَنَّهُ إِذا لم يَأْخُذ لم يلْتَفت إِلَى أُمُور الْقَضَاء كَمَا يَنْبَغِي لاعتماده على غناهُ، فَإِذا أَخذ يلْزمه حِينَئِذٍ إِقَامَة أُمُور الْقَضَاء. ١٧٠٢ - حدَّثني محَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ قَالَ حدَّثني أبُو الأسْوَدِ عنْ عُرْوَةَ قَالَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كانَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ عُمَّال أنْفُسِهِمْ وكانَ يَكونُ لَهُمْ أرْوَاحٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٣٠٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، عُمَّال أنفسهم) أَي: كَانُوا يكتسبون بِأَيْدِيهِم أَو بِالتِّجَارَة أَو بالزراعة، وأصل هَذَا الحَدِيث قد مر فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب وَقت الْجُمُعَة إِذا زَالَت الشَّمْس، فَلْينْظر فِيهِ. وَأعلم أَن فِي جَمِيع الرِّوَايَات: كَذَا حَدثنِي أَو حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا عبد الله بن يزِيد، إلَاّ فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن شبويه عَن الْفربرِي عَن البُخَارِيّ: حَدثنَا عبد الله بن يزِيد، فعلى هَذَا قَوْله: حَدثنَا مُحَمَّد هُوَ البُخَارِيّ، وَعبد الله بن يزِيد هُوَ المقرىء، وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ. وَقد روى عَنهُ كثيرا. وَقد روى عَنهُ كثيرا، وَرُبمَا روى عَنهُ بِوَاسِطَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: مُحَمَّد، قَالَ الغساني: لَعَلَّه مُحَمَّد بن يحيى الذهلي. قلت: وَكَذَا قَالَ الْحَاكِم وَجزم بِهِ، فعلى هَذَا روى البُخَارِيّ عَنهُ عَن عبد الله بن يزِيد الَّذِي هُوَ شَيْخه بِوَاسِطَة مُحَمَّد الذهلي، وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي أَيُّوب الْمصْرِيّ، وَقد مر فِي التَّهَجُّد، وَأَبُو الْأسود هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يَتِيم عُرْوَة بن الزبير، وَقد مر فِي الْغسْل. قَوْله: (عُمَّال أنفسهم) ، بِضَم الْعين وَتَشْديد الْمِيم: جمع عَامل. قَوْله: (وَكَانَ يكون لَهُم أَرْوَاح) وَجه هَذَا التَّرْكِيب أَن فِي: كَانَ، ضمير الشان، وَالْمرَاد، ماضٍ، وَذكر: يكون، بِلَفْظ الْمُضَارع استحضارا وَإِرَادَة الِاسْتِمْرَار، والأرواح جمع ريح، وَأَصله: روح، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، وأراح اللَّحْم أَي: أنتن، وَكَانُوا يعْملُونَ فيعرقون ويحضرون الْجُمُعَة، تفوح تِلْكَ الروايح عَنْهُم (فَقيل لَهُم: لَو اغتسلتم) وَجَوَاب: لَو، مَحْذُوف يَعْنِي: لَو اغتسلتم لذهبت عَنْكُم تِلْكَ الروائح الكريهة. وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة من اختيارهم الْكسْب بِأَيْدِيهِم، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ من التَّوَاضُع. رَوَاهُ هَمَّامٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور همام بن يحيى بن دِينَار الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، وَفِي بعض النّسخ: وَقَالَ همام، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق هدبة عَنهُ بِلَفْظ: (كَانَ الْقَوْم خدام أنفسهم، فَكَانُوا يروحون إِلَى الْجُمُعَة فَأمروا أَن يغتسلوا) . وَبِهَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ قُرَيْش بن أنس عَن هِشَام عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَالْبَزَّار. ٢٧٠٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا عِيسَى بنُ يُونُس عنْ ثَوْر عنْ خالِدِ بنِ مَعْدَانَ عنِ المِقْدَامِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَن رسولِ الله ﷺ قَالَ مَا أكلَ أحَدٌ طعَاما قَطُّ خَيْرا مِنْ أنْ يأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وإنَّ نَبِيَّ ا

стр. 3295

لله دَاوُدَ ﵇ كانَ يأكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد التَّمِيمِي الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير. الثَّانِي: عِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق، واسْمه: عَمْرو بن عبد الله الْهَمدَانِي. الثَّالِث: ثَوْر، بالثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن يزِيد من الزِّيَادَة الكلَاعِي، بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام وبالعين الْمُهْملَة: الشَّامي الْحِمصِي الْحَافِظ، كَانَ قدريا فَأخْرج من حمص وأحرقوا دَاره بهَا. فارتحل إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَمَات بِهِ سنة خمسين وَمِائَة. الرَّابِع: خَالِد بن معدان، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا دَال مُهْملَة وَبعد الْألف نون: الكلَاعِي أَبُو عبد الله، كَانَ يسبِّح فِي الْيَوْم أَرْبَعِينَ ألف تَسْبِيحَة. وَقَالَ: لقِيت من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ سبعين رجلا، مَاتَ بطرسوس سنة ثَلَاث أَو أَربع وَمِائَة. الْخَامِس: الْمِقْدَام، بِكَسْر الْمِيم ابْن معدي كرب الْكِنْدِيّ، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ بحمص. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن شَيْخه رازي والبقية الثَّلَاثَة شَامِيُّونَ وحمصيون. وَفِيه: ادّعى الْإِسْمَاعِيلِيّ انْقِطَاعًا بَين خَالِد والمقدام، وَبَينهمَا جُبَير ابْن نفير يحْتَاج إِلَى تَحْرِير. وَفِيه: أَن الْمِقْدَام لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي الْأَطْعِمَة. وَفِيه: أَن ثَوْر بن يزِيد الْمَذْكُور من أَفْرَاد البُخَارِيّ. والْحَدِيث أَيْضا من أَفْرَاده. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا أكل أحد) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (مَا أكل أحد من بني آدم) . قَوْله: (خيرا) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ صفة لقَوْله: طَعَاما، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. أَي: هُوَ خير. فَإِن قلت: مَا الْخَيْرِيَّة فِيهِ؟ قلت: لِأَن فِيهِ إِيصَال النَّفْع إِلَى الكاسب وَإِلَى غَيره، والسلامة عَن البطالة المؤدية إِلَى الفضول وَكسر النَّفس وَالتَّعَفُّف عَن ذل السُّؤَال. قَوْله: (من أَن يُؤْكَل) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: من أكله. قَوْله: (من عمل يَده) ، بِالْإِفْرَادِ وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (من عمل يَدَيْهِ) ، بالتثنية. قَوْله: (فَإِن نَبِي الله) الْفَاء تصلح أَن تكون للتَّعْلِيل، ويروى: (وَإِن دَاوُد) ، بِالْوَاو وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (إِن نَبِي الله دَاوُد) بِلَا وَاو وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: من حَدِيث خَالِد بن معدان عَن الْمِقْدَام (مَا من كسب الرجل أطيب من عمل يَدَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة ابْن الْمُنْذر من هَذَا الْوَجْه: (مَا أكل رجل طَعَاما قطّ أحل من عمل يَدَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة: (إِن أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه) . فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَعْلِيله ﷺ قَوْله: (مَا أكل أحد طَعَاما قطّ خيرا من أَن يَأْكُل من عمل يَدَيْهِ؟) قلت: لِأَن ذكر الشَّيْء بدليله أوقع فِي نفس سامعه. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص دَاوُد بِالذكر؟ قلت: لِأَن اقْتِصَاره فِي أكله على مَا يعمله بِيَدِهِ لم يكن من الْحَاجة، لِأَنَّهُ كَانَ خَليفَة فِي الأَرْض، كَمَا ذكر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن، وَإِنَّمَا قصد الْأكل من طَرِيق الْأَفْضَل، وَلِهَذَا أورد النَّبِي، ﷺ ، قصَّته فِي مقَام الِاحْتِجَاج بهَا على مَا قدمه من أَن خير الْكسْب عمل الْيَد. وَقَالَ أَبُو الزَّاهِرِيَّة: كَانَ دَاوُد، ﵊، يعْمل القفاف وَيَأْكُل مِنْهَا. قلت: كَانَ يعْمل الدروع من الْحَدِيد بِنَصّ الْقُرْآن، وَكَانَ نَبينَا، ﷺ ، يَأْكُل من سَعْيه الَّذِي بَعثه الله عَلَيْهِ فِي الْقِتَال، وَكَانَ يعْمل طَعَامه بِيَدِهِ ليَأْكُل من عمل يَده، قيل لعَائِشَة: كَيفَ كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يعْمل فِي أَهله؟ قَالَت: كَانَ فِي مهنة أَهله، فَإِذا أُقِيمَت الصَّلَاة خرج إِلَيْهَا. ٣٧٠٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعمرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ قَالَ حدَّثنا أبُو هُرَيْرَةَ عنْ رَسُولِ الله ﷺ أنَّ داوُدَ ﵇ كانَ لَا يأكلُ إلَاّ مِنْ عَمَلِ يِدِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن مُوسَى بن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الحدائي الْبَلْخِي، يُقَال لَهُ: خت، وَكلهمْ قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَهُوَ طرف من حَدِيث سَيَأْتِي فِي تَرْجَمَة دَاوُد، ﵊، بِخِلَاف الَّذِي
следующие страницы →