Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
تَسْمِيَته: بِأبي الشحمة، كَمَا ذكرنَا عَن (مُسْند) الإِمَام الشَّافِعِي. قَوْله: (وَرَهنه درعا من حَدِيد) ، الدرْع، بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة: هُوَ درع الْحَرْب، وَلِهَذَا قَيده بالحديد، لِأَن الْقَمِيص يُسمى درعا. وَقَالَ ابْن فَارس: درع الْحَدِيد مُؤَنّثَة، وَدرع الْمَرْأَة قميصها مُذَكّر.
فَإِن قلت: كَانَ للنَّبِي ﷺ دروع، فَأَي درع هَذِه؟ قلت: قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر التلمساني فِي كتاب (الْجَوْهَر) : إِن هَذِه الدرْع هِيَ ذَات الفضول. فَإِن قلت: مَا معنى اخْتِيَاره لرهن الدرْع؟ قلت: رهن مَا هُوَ أَشد حَاجَة إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَا وجد شَيْئا يرهنه غَيره. فَإِن قلت: مَا كَانَت ضَرُورَته إِلَى السّلف حَتَّى رهن عِنْد الْيَهُودِيّ درعه؟ قلت: قد مر أَنه أَخذه لأَهله وَرِزْقًا لِعِيَالِهِ، وَيحْتَمل أَنه فعل بَيَانا للْجُوَاز فَإِن قلت: قد ورد فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ يدّخر لأَهله قوت سنة، فَكيف استلف مد الْيَهُودِيّ؟ قلت: قد يكون ذَلِك بعد فرَاغ قوت السّنة، وَقد يكون كَانَ يدّخر قوت السّنة لأَهله على تَقْدِير أَن لَا يرد عَلَيْهِ عَارض، وَقيل: إِنَّمَا أَخذ النَّبِي، ﷺ ، الشّعير من الْيَهُودِيّ لضيف طرقه، ثمَّ فدَاه أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يرْهن عِنْد مياسير الصَّحَابَة؟ قلت: حَتَّى لَا يبْقى لأحد عَلَيْهِ منَّة لَو أَبرَأَهُ مِنْهُ. فَإِن قلت: الْمُعَامَلَة مَعَ من يظنّ أَن أَكثر مَاله حرَام مَمْنُوعَة، فَكيف عَامل النَّبِي، ﷺ ، مَعَ هَذَا الْيَهُودِيّ؟ وَقد أخبر الله تَعَالَى: أَنهم أكالون للسحت؟ قلت: هَذَا عِنْد التيقن أَن الْمَأْخُوذ مِنْهُ حرَام بِعَيْنِه، وَلم يكن ذَلِك على عهد النَّبِي، ﷺ ، خفِيا. وَمَعَ هَذَا إِن الْيَهُود كَانُوا باعة فِي الْمَدِينَة حِينَئِذٍ، وَكَانَت الْأَشْيَاء عِنْدهم مُمكنَة، وَكَانَ وقتا ضيقا وَرُبمَا لم يُوجد عِنْد غَيرهم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز البيع إِلَى أجل، ثمَّ هَل هُوَ رخصَة أَو عَزِيمَة؟ قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: جعلُوا الشِّرَاء إِلَى أجل رخصَة، وَهُوَ فِي الظَّاهِر عَزِيمَة، لِأَن الله تَعَالَى يَقُول فِي مُحكم كِتَابه: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . فأنزله أصلا فِي الدّين ورتب عَلَيْهِ كثيرا من الْأَحْكَام. وَفِيه: جَوَاز مُعَاملَة الْيَهُود وَإِن كَانُوا يَأْكُلُون أَمْوَال الرِّبَا، كَمَا أخبر الله عَنْهُم، وَلَكِن مُبَايَعَتهمْ وَأكل طعامهم مَأْذُون لنا فِيهِ بِإِبَاحَة الله، وَقد ساقاهم النَّبِي، ﷺ ، على خَيْبَر. فَإِن قلت: النَّصَارَى كَذَلِك أم لَا؟ قلت: روى أَبُو الْحسن الطوسي فِي (أَحْكَامه) ، فَقَالَ: حَدثنَا عَليّ بن مُسلم الطوسي بِبَغْدَاد حَدثنَا مُحَمَّد ابْن يزِيد الوَاسِطِيّ عَن أبي سَلمَة عَن جَابر بن يزِيد عَن الرّبيع بن أنس (عَن أنس بن مَالك، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِي، ﷺ ، إِلَى حليق النَّصْرَانِي يبْعَث إِلَيْهِ بأثواب إِلَى الميسرة، قَالَ: فَأَتَيْته فَقلت: بَعَثَنِي إِلَيْك رَسُول الله، ﷺ ، تبْعَث إِلَيْهِ بأثواب إِلَى الميسرة. فَقَالَ: وَمَا الميسرة؟ وَمَتى الميسرة؟ مَا لمُحَمد ثاغية وَلَا راغية. فَأتيت النَّبِي ﷺ ، قَالَ: فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: كذب عَدو الله، أنَّا خير من بَايع، لِأَن يلبس أحدكُم ثوبا من رقاع شَتَّى خير لَهُ من أَن يَأْخُذ فِي أَمَانَته مَا لَيْسَ عِنْده) . وَفِيه: رهن فِي الْحَضَر، وَمنعه مُجَاهِد فِي الْحَضَر، وَقَالَ: إِنَّمَا ذكر الله الرَّهْن فِي السّفر، وَتَبعهُ دَاوُد، وَفعل النَّبِي، ﷺ ، كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَالله تَعَالَى ذكر وَجها من وجوهه وَهُوَ: السّفر. وَفِيه: جَوَاز رهن السِّلَاح وَآلَة الْحَرْب فِي بلد الْجِهَاد عِنْد الْحَاجة إِلَى الطَّعَام، لِأَنَّهُ تعَارض حِينَئِذٍ أَمْرَانِ فَقدم الأهم مِنْهُمَا، لِأَن نَفَقَة الْأَهْل وَاجِبَة لَا بُد مِنْهَا، واتخاذ آلَة الْحَرْب من الْمصَالح لَا من الْوَاجِبَات، لِأَنَّهُ يُمكن الْجِهَاد بِدُونِ آلَة، فَقدم الأهم.
٩٦٠٢ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا هشامٌ قَالَ حدَّثنا قَتَادَةُ عنْ أنَسٍ ح وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ قَالَ حدَّثنا أسْبَاطٌ أبُو الْيَسَعِ البَصْرِيُّ قَالَ حدَّينا هِشامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ مَشَى إِلَى النبيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وإهالَةٍ سَنِخَةٍ ولَقَدْ رَهَنَ النبيُّ ﷺ دِرْعا لَهُ بِالمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وأخَذَ مِنْهُ شَعِيرا لأِهْلِهِ ولَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا أمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ صاَعُ بُرٍّ ولَا صاعُ حَبٍّ وَإِن عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ. (الحَدِيث ٩٦٠٢ طرفه فِي: ٨٠٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة. وَأخرجه من طَرِيقين، وَمُسلم على لفظ اسْم الْفَاعِل من الْإِسْلَام، ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ الفراهيدي القصاب، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي. وَمُحَمّد بن عبد الله بن حَوْشَب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين
стр. 3292
الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، مر فِي الصَّلَاة) . وأسباط، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره طاء مُهْملَة، وَأَبُو اليسع، كنية بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، بِلَفْظ الْمُضَارع من: وسع يسع.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن رجال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم بصريون. وَفِيه: أَن أسباطا هَذَا لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع وَقد قيل إِن اسْم أَبِيه عبد الْوَاحِد. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ قد سَاق هَذَا الحَدِيث هُنَا على لفظ أَسْبَاط وَسَاقه فِي الرَّهْن على لفظ مُسلم بن إِبْرَاهِيم مَعَ أَن طَرِيق مُسلم أَعلَى، وَذَلِكَ لِأَن أَبَا اليسع فِيهِ مقَال، فَاحْتَاجَ إِلَى ذكره عقيب من يعتضده ويتقوى بِهِ، وَلِأَن عَادَته غَالِبا أَن لَا يذكر الحَدِيث الْوَاحِد فِي موضِعين بِإِسْنَاد وَاحِد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إهالة) ، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْهَاء، قَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الألية. وَفِي (الْمُحكم) : الإهالة مَا أذيب من الشَّحْم، وَقيل: الإهالة الشَّحْم وَالزَّيْت، وَقيل: كل دهن أوتُدِمَ بِهِ إهالة، واستاهل أهل الإهالة. وَفِي كتاب (الواعي) : الإهالة مَا أذيب من شَحم الألية. وَفِي (الصِّحَاح) : الإهالة الودك. وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: هُوَ الدسم إِذا جمد على رَأس المرقة. وَقَالَ الْخَلِيل: هِيَ الألية تقطع ثمَّ تذاب. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هِيَ الغلالة تكون من الدّهن على المرقة رقيقَة. قَوْله: (سنخة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر النُّون بعْدهَا خاء مُعْجمَة، وَهِي المتغيرة الرَّائِحَة من طول الزَّمَان، من قَوْلهم: سنخ الدّهن، بِكَسْر النُّون: تغير. وَرُوِيَ: زنخة بالزاي، يُقَال: سنخ وزنخ بِالسِّين وَالزَّاي أَيْضا. قَوْله: (لأَهله) ، يَعْنِي لأزواجه وَهن تسع، وَمِنْه يُؤْخَذ أَنه لَا بَأْس للرجل أَن يذكر عَن نَفسه أَنه لَيْسَ عِنْده مَا يقوته ويقوت عِيَاله على غير وَجه الشكاية والتسخط، بل على وَجه الِاقْتِدَاء بِهِ. قَوْله: (وَلَقَد سمعته يَقُول) قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (لقد سمعته) ، كَلَام قَتَادَة، وفاعل: يَقُول، أنس. وَقَالَ بَعضهم: وَلَقَد سمعته يَقُول: هُوَ كَلَام أنس، وَالضَّمِير فِي: سمعته، للنَّبِي، ﷺ ، أَي: قَالَ ذَلِك لما رهن الدرْع عِنْد الْيَهُودِيّ مظْهرا للسبب فِي شِرَائِهِ إِلَى أجل، وَوهم من زعم أَنه كَلَام قَتَادَة، وَجعل الضَّمِير فِي: سمعته، لأنس. لِأَنَّهُ إِخْرَاج للسياق عَن ظَاهره بِغَيْر دَلِيل. قلت: الْأَوْجه فِي حق النَّبِي، ﷺ ، مَا قَالَه الْكرْمَانِي، لِأَن فِي نِسْبَة ذَلِك أَن النَّبِي، ﷺ ، نوع إِظْهَار بعض الشكوى وَإِظْهَار الْفَاقَة على سَبِيل الْمُبَالغَة، وَلَيْسَ ذَلِك يذكر فِي حَقه، ﷺ . قَوْله: (وَلَا صَاع حب) ، تَعْمِيم بعد تَخْصِيص. قَوْله: (لتسْع) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ اسْم إِن وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد.
وَفِيه: بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ، ﷺ ، من التقلل من الدُّنْيَا، وَذَلِكَ كُله بِاخْتِيَارِهِ وإلَاّ فقد أَتَاهُ الله مَفَاتِيح خَزَائِن الأَرْض فَردهَا تواضعا، وَرَضي بزِي الْمَسَاكِين ليَكُون أرفع لدرجته. وَقد قَالَ كليم الله مُوسَى: ﴿إِنِّي لما أنزلت إِلَيّ من خير فَقير﴾ (الْقَصَص: ٤٢) . وَالْخَيْر كسرة من شعير اشتاقها واشتهاها. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَفِيه: رد على زفر وَالْأَوْزَاعِيّ: أَن الرَّهْن مَمْنُوع فِي السّلم. قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث إلَاّ الشِّرَاء بِالدّينِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يتَعَلَّق بالسلم فَكيف يَصح بِهِ الرَّد؟ وَكَأن صَاحب (التَّوْضِيح) ظن أَن فِيهِ شَيْئا من السّلم، وَالظَّاهِر أَنه ظن أَن قَول الْأَعْمَش فِي سَنَد الحَدِيث الْمَاضِي ذكرنَا عِنْد إِبْرَاهِيم الرَّهْن فِي السّلم أَنه السّلم الْمُتَعَارف، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل المُرَاد بِهِ السّلف كَمَا ذكرنَا. وَفِي الحَدِيث قبُول مَا تيَسّر، وَقد دعى، ﷺ ، إِلَى خبز شعير وإهالة سنخة، فَأجَاب، أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَن الْحسن مُرْسلا. وَفِيه: مُبَاشرَة الشريف والعالم شِرَاء الْحَوَائِج بِنَفسِهِ، وَإِن كَانَ لَهُ من يَكْفِيهِ، لِأَن جَمِيع الْمُؤمنِينَ كَانُوا حريصين على كِفَايَة أمره وَمَا يحْتَاج إِلَى التَّصَرُّف فِيهِ رَغْبَة مِنْهُم فِي رِضَاهُ وَطلب الْآخِرَة وَالثَّوَاب.
٥١ - (بابُ كَسْبِ الرَّجُلِ وعَمَلِهِ بِيَدِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل كسب الرجل وَعَمله بِيَدِهِ. قَوْله: (وَعَمله بِيَدِهِ) ، من عطف الْخَاص على الْعَام، لِأَن الْكسْب أَعم من أَن يكون بِعَمَل الْيَد أَو بغَيْرهَا.
٠٧٠٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْب عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ حدَّثني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا اسْتُخْلِفَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ قَالَ لَقَدْ
стр. 3293
عَلِمَ قَوْمِي أَن حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عنْ مَؤنَةِ أهْلِي وشُغِلْتُ بِأمْرِ المُسْلِمِينَ فسَيَأكُلُ آلُ أبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا المَالِ ويَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِنَ فِيهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مَا يدل على أَن كسب الرجل بِيَدِهِ أفضل، وَذَلِكَ أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يحترف أَي يكْتَسب مَا يَكْفِي عِيَاله، ثمَّ لما شغل بِأَمْر الْمُسلمين حِين اسْتخْلف لم يكن يتفرغ للاحتراف بِيَدِهِ، فَصَارَ يحترف للْمُسلمين. وَأَنه يعْتَذر عَن تَركه الاحتراف لأَهله، فلولا أَن الْكسْب بِيَدِهِ لأَهله كَانَ أفضل لم يكن يتأسف بقوله: ﴿فسيأكل آل أبي بكر من هَذَا المَال) ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين.
وَهَذَا الحَدِيث مَوْقُوف، وَهُوَ مِمَّا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ. وَإِسْمَاعِيل ابْن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَقد تكَرر ذكره، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن زيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ الْمدنِي.
قَوْله: (إِن حرفتي) الحرفة والاحتراف: الْكسْب وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ يتجر قبل استخلافه وَقد روى ابْن مَاجَه وَغَيره من حَدِيث أم سَلمَة أَن أَبَا بكر خرج تَاجِرًا إِلَى بصرى فِي عهد النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (وشغلت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بِأَمْر الْمُسلمين) ، أَي: بِالنّظرِ فِي أُمُورهم لكَونه خَليفَة. قَوْله: (فسيأكل آل أبي بكر) يَعْنِي: نَفسه وَمن تلْزمهُ نَفَقَته، لِأَنَّهُ لما اشْتغل بِأَمْر الْمُسلمين احْتَاجَ إِلَى أَن يَأْكُل هُوَ وَأَهله من بَيت المَال. وَقَالَ ابْن التِّين: يُقَال: إِن أَبَا بكر ارتزق كل يَوْم شَاة، وَكَانَ شَأْن الْخَلِيفَة أَن يطعم من حَضَره قصعتين كل يَوْم غدْوَة وعشيا. وروى ابْن سعد بِإِسْنَاد مُرْسل بِرِجَال ثِقَات، قَالَ: (لما اسْتخْلف أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أصبح غاديا إِلَى السُّوق على رَأسه أَثوَاب يتجر بهَا، فَلَقِيَهُ عمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَا: كَيفَ تصنع هَذَا وَقد وليت أَمر الْمُسلمين؟ قَالَ: فَمن أَيْن أطْعم عيالي؟ قَالَا: نفرض لَك، ففرضوا لَهُ كل يَوْم شطر شَاة) .
وَفِي الطَّبَقَات: عَن حميد بن هِلَال: لما ولي أَبُو بكر، قَالَت الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: افرضوا للخليفة مَا يُغْنِيه. قَالُوا: نعم! برْدَاهُ إِذا أخلقهما وضعهما وَأخذ مثلهمَا، وظهره إِذا سَافر، وَنَفَقَته على أَهله كَمَا كَانَ ينْفق قبل أَن يسْتَخْلف. فَقَالَ أَبُو بكر: رضيت. وَعَن مَيْمُون قَالَ: لما اسْتخْلف أَبُو بكر جعلُوا لَهُ أَلفَيْنِ فَقَالَ: زيدوني فَإِن لي عيالا فزاروه خمس مائَة فَقَالَ أما أَن يكون أَلفَيْنِ فزادوه خمس مائَة أَو كَانَت أَلفَيْنِ وَخمْس مائَة فزاده خَمْسمِائَة، وَلما حضرت أَبَا بكر الْوَفَاة حسب مَا أنْفق من بَيت المَال فوجدوه سَبْعَة آلَاف دِرْهَم، فَأمر بِمَالِه غير الرباع، فَأدْخل فِي بَيت المَال، فَكَانَ أَكثر مِمَّا أنْفق. قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: فربح الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ وَمَا ربحوا على غَيره. وروى ابْن سعد وَابْن الْمُنْذر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن مَسْرُوق (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما مرض أَبُو بكر مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، قَالَ: انْظُرُوا مَا زَاد فِي مَالِي مُنْذُ دخلت الْإِمَارَة فَابْعَثُوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَة بعدِي. قَالَت: فَلَمَّا مَاتَ نَظرنَا فَإِذا عبد نوبي كَانَ يحمل صبيانه، وناضح كَانَ يسْقِي بستانا لَهُ، فَبَعَثنَا بهما إى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: ﵀ على أبي بكر لقد أتعب من بعده) . وَأخرج ابْن سعد من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة نَحوه، وَزَاد: أَن الْخَادِم كَانَ صيقلاً يعْمل سيوف الْمُسلمين ويخدم آل بكر وَمن طَرِيق ثَابت عَن أنس نَحوه. وَفِيه: وَقد كنت حَرِيصًا على أَن أوفر مَال الْمُسلمين، وَقد كنت أصبت من اللَّحْم وَاللَّبن. وَفِيه: وَمَا كَانَ عِنْده دِينَار وَلَا دِرْهَم. مَا كَانَ إلَاّ خَادِم ولقحة ومحلب.
قَوْله: (ويحترف للْمُسلمين) أَي: يتجر لَهُم حَتَّى يعود عَلَيْهِم من ربحه بِقدر مَا أكل، أَو أَكثر، وَلَيْسَ بِوَاجِب على الإِمَام أَن يتجر فِي مَال الْمُسلمين بِقدر مؤونته إلَاّ أَن يتَطَوَّع بذلك، كَمَا تطوع أَبُو بكر. قَوْله: (ويحترف) على صِيغَة الْمُضَارع الْغَائِب. رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (وأحترف) ، على صِيغَة الْمُتَكَلّم وَحده.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن أفضل الْكسْب مَا يكسبه الرجل بِيَدِهِ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث الْمِقْدَام عَن رَسُول الله، ﷺ ، مَا يدل على ذَلِك. وروى الْحَاكِم عَن أبي بردة يَعْنِي ابْن نيار: (سُئِلَ رَسُول الله، ﷺ ، أَي الْكسْب أطيب وَأفضل؟ قَالَ: عمل الرجل بِيَدِهِ، أَو كل عمل مبرور) . وَعَن الْبَراء بن عَازِب نَحوه. وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَعَن رَافع بن خديج مثله، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة: (أَن أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا: (إِن أطيب مَا أكلْتُم من كسبكم) . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: أصُول المكاسب
стр. 3294
الزِّرَاعَة وَالتِّجَارَة والصناعة، وأيها أطيب؟ فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب للنَّاس، وأشبهها مَذْهَب الشَّافِعِي أَن التِّجَارَة أطيب، وَالْأَشْبَه عِنْدِي أَن الزِّرَاعَة أطيب لِأَنَّهَا أقرب إِلَى التَّوَكُّل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَحَدِيث البُخَارِيّ صَرِيح فِي تَرْجِيح الزِّرَاعَة والصنعة لِكَوْنِهِمَا عمل يَده. لَكِن الزِّرَاعَة أفضلهما لعُمُوم النَّفْع بهَا للآدمي وَغَيره. وَعُمُوم الْحَاجة إِلَيْهَا. وَفِيه: فَضِيلَة أبي بكر وزهده وورعه غَايَة الْوَرع. وَفِيه: أَن لِلْعَامِلِ أَن يَأْخُذ من عرض المَال الَّذِي يعْمل فِيهِ قدر عمالته إِذا لم يكن فَوْقه إِمَام يقطع لَهُ أُجْرَة مَعْلُومَة، وكل من يتَوَلَّى عملا من أَعمال الْمُسلمين يُعْطي لَهُ شَيْء من بَيت المَال لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى كِفَايَته وكفاية عِيَاله، لِأَنَّهُ إِن لم يُعْط لَهُ شَيْء لَا يرضى أَن يعْمل شَيْئا فتضيع أَحْوَال الْمُسلمين. وَعَن ذَلِك قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَا بَأْس برزق القَاضِي، وَكَانَ شُرَيْح، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَأْخُذ على الْقَضَاء. ذكره البُخَارِيّ فِي: بَاب رزق الْحُكَّام والعاملين عَلَيْهَا، ثمَّ القَاضِي إِن كَانَ فَقِيرا فَالْأَفْضَل بل الْوَاجِب أَخذ كِفَايَته من بَيت المَال، وَإِن كَانَ غَنِيا فَالْأَفْضَل الِامْتِنَاع، رفقا بِبَيْت المَال. وَقيل: الْأَخْذ هُوَ الْأَصَح صِيَانة للْقَضَاء عَن الهوان، لِأَنَّهُ إِذا لم يَأْخُذ لم يلْتَفت إِلَى أُمُور الْقَضَاء كَمَا يَنْبَغِي لاعتماده على غناهُ، فَإِذا أَخذ يلْزمه حِينَئِذٍ إِقَامَة أُمُور الْقَضَاء.
١٧٠٢ - حدَّثني محَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حَدثنَا سَعِيدٌ قَالَ حدَّثني أبُو الأسْوَدِ عنْ عُرْوَةَ قَالَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كانَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ عُمَّال أنْفُسِهِمْ وكانَ يَكونُ لَهُمْ أرْوَاحٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٣٠٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، عُمَّال أنفسهم) أَي: كَانُوا يكتسبون بِأَيْدِيهِم أَو بِالتِّجَارَة أَو بالزراعة، وأصل هَذَا الحَدِيث قد مر فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب وَقت الْجُمُعَة إِذا زَالَت الشَّمْس، فَلْينْظر فِيهِ. وَأعلم أَن فِي جَمِيع الرِّوَايَات: كَذَا حَدثنِي أَو حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا عبد الله بن يزِيد، إلَاّ فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن شبويه عَن الْفربرِي عَن البُخَارِيّ: حَدثنَا عبد الله بن يزِيد، فعلى هَذَا قَوْله: حَدثنَا مُحَمَّد هُوَ البُخَارِيّ، وَعبد الله بن يزِيد هُوَ المقرىء، وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ. وَقد روى عَنهُ كثيرا. وَقد روى عَنهُ كثيرا، وَرُبمَا روى عَنهُ بِوَاسِطَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: مُحَمَّد، قَالَ الغساني: لَعَلَّه مُحَمَّد بن يحيى الذهلي. قلت: وَكَذَا قَالَ الْحَاكِم وَجزم بِهِ، فعلى هَذَا روى البُخَارِيّ عَنهُ عَن عبد الله بن يزِيد الَّذِي هُوَ شَيْخه بِوَاسِطَة مُحَمَّد الذهلي، وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي أَيُّوب الْمصْرِيّ، وَقد مر فِي التَّهَجُّد، وَأَبُو الْأسود هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يَتِيم عُرْوَة بن الزبير، وَقد مر فِي الْغسْل.
قَوْله: (عُمَّال أنفسهم) ، بِضَم الْعين وَتَشْديد الْمِيم: جمع عَامل. قَوْله: (وَكَانَ يكون لَهُم أَرْوَاح) وَجه هَذَا التَّرْكِيب أَن فِي: كَانَ، ضمير الشان، وَالْمرَاد، ماضٍ، وَذكر: يكون، بِلَفْظ الْمُضَارع استحضارا وَإِرَادَة الِاسْتِمْرَار، والأرواح جمع ريح، وَأَصله: روح، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، وأراح اللَّحْم أَي: أنتن، وَكَانُوا يعْملُونَ فيعرقون ويحضرون الْجُمُعَة، تفوح تِلْكَ الروايح عَنْهُم (فَقيل لَهُم: لَو اغتسلتم) وَجَوَاب: لَو، مَحْذُوف يَعْنِي: لَو اغتسلتم لذهبت عَنْكُم تِلْكَ الروائح الكريهة.
وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة من اختيارهم الْكسْب بِأَيْدِيهِم، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ من التَّوَاضُع.
رَوَاهُ هَمَّامٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور همام بن يحيى بن دِينَار الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، وَفِي بعض النّسخ: وَقَالَ همام، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق هدبة عَنهُ بِلَفْظ: (كَانَ الْقَوْم خدام أنفسهم، فَكَانُوا يروحون إِلَى الْجُمُعَة فَأمروا أَن يغتسلوا) . وَبِهَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ قُرَيْش بن أنس عَن هِشَام عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَالْبَزَّار.
٢٧٠٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا عِيسَى بنُ يُونُس عنْ ثَوْر عنْ خالِدِ بنِ مَعْدَانَ عنِ المِقْدَامِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَن رسولِ الله ﷺ قَالَ مَا أكلَ أحَدٌ طعَاما قَطُّ خَيْرا مِنْ أنْ يأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وإنَّ نَبِيَّ ا
стр. 3295
لله دَاوُدَ ﵇ كانَ يأكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد التَّمِيمِي الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير. الثَّانِي: عِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق، واسْمه: عَمْرو بن عبد الله الْهَمدَانِي. الثَّالِث: ثَوْر، بالثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن يزِيد من الزِّيَادَة الكلَاعِي، بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام وبالعين الْمُهْملَة: الشَّامي الْحِمصِي الْحَافِظ، كَانَ قدريا فَأخْرج من حمص وأحرقوا دَاره بهَا. فارتحل إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَمَات بِهِ سنة خمسين وَمِائَة. الرَّابِع: خَالِد بن معدان، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا دَال مُهْملَة وَبعد الْألف نون: الكلَاعِي أَبُو عبد الله، كَانَ يسبِّح فِي الْيَوْم أَرْبَعِينَ ألف تَسْبِيحَة. وَقَالَ: لقِيت من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ سبعين رجلا، مَاتَ بطرسوس سنة ثَلَاث أَو أَربع وَمِائَة. الْخَامِس: الْمِقْدَام، بِكَسْر الْمِيم ابْن معدي كرب الْكِنْدِيّ، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ بحمص.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن شَيْخه رازي والبقية الثَّلَاثَة شَامِيُّونَ وحمصيون. وَفِيه: ادّعى الْإِسْمَاعِيلِيّ انْقِطَاعًا بَين خَالِد والمقدام، وَبَينهمَا جُبَير ابْن نفير يحْتَاج إِلَى تَحْرِير. وَفِيه: أَن الْمِقْدَام لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي الْأَطْعِمَة. وَفِيه: أَن ثَوْر بن يزِيد الْمَذْكُور من أَفْرَاد البُخَارِيّ. والْحَدِيث أَيْضا من أَفْرَاده.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا أكل أحد) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (مَا أكل أحد من بني آدم) . قَوْله: (خيرا) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ صفة لقَوْله: طَعَاما، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. أَي: هُوَ خير. فَإِن قلت: مَا الْخَيْرِيَّة فِيهِ؟ قلت: لِأَن فِيهِ إِيصَال النَّفْع إِلَى الكاسب وَإِلَى غَيره، والسلامة عَن البطالة المؤدية إِلَى الفضول وَكسر النَّفس وَالتَّعَفُّف عَن ذل السُّؤَال. قَوْله: (من أَن يُؤْكَل) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: من أكله. قَوْله: (من عمل يَده) ، بِالْإِفْرَادِ وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (من عمل يَدَيْهِ) ، بالتثنية. قَوْله: (فَإِن نَبِي الله) الْفَاء تصلح أَن تكون للتَّعْلِيل، ويروى: (وَإِن دَاوُد) ، بِالْوَاو وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (إِن نَبِي الله دَاوُد) بِلَا وَاو وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: من حَدِيث خَالِد بن معدان عَن الْمِقْدَام (مَا من كسب الرجل أطيب من عمل يَدَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة ابْن الْمُنْذر من هَذَا الْوَجْه: (مَا أكل رجل طَعَاما قطّ أحل من عمل يَدَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة: (إِن أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه) .
فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَعْلِيله ﷺ قَوْله: (مَا أكل أحد طَعَاما قطّ خيرا من أَن يَأْكُل من عمل يَدَيْهِ؟) قلت: لِأَن ذكر الشَّيْء بدليله أوقع فِي نفس سامعه. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص دَاوُد بِالذكر؟ قلت: لِأَن اقْتِصَاره فِي أكله على مَا يعمله بِيَدِهِ لم يكن من الْحَاجة، لِأَنَّهُ كَانَ خَليفَة فِي الأَرْض، كَمَا ذكر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن، وَإِنَّمَا قصد الْأكل من طَرِيق الْأَفْضَل، وَلِهَذَا أورد النَّبِي، ﷺ ، قصَّته فِي مقَام الِاحْتِجَاج بهَا على مَا قدمه من أَن خير الْكسْب عمل الْيَد. وَقَالَ أَبُو الزَّاهِرِيَّة: كَانَ دَاوُد، ﵊، يعْمل القفاف وَيَأْكُل مِنْهَا. قلت: كَانَ يعْمل الدروع من الْحَدِيد بِنَصّ الْقُرْآن، وَكَانَ نَبينَا، ﷺ ، يَأْكُل من سَعْيه الَّذِي بَعثه الله عَلَيْهِ فِي الْقِتَال، وَكَانَ يعْمل طَعَامه بِيَدِهِ ليَأْكُل من عمل يَده، قيل لعَائِشَة: كَيفَ كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يعْمل فِي أَهله؟ قَالَت: كَانَ فِي مهنة أَهله، فَإِذا أُقِيمَت الصَّلَاة خرج إِلَيْهَا.
٣٧٠٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعمرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ قَالَ حدَّثنا أبُو هُرَيْرَةَ عنْ رَسُولِ الله ﷺ أنَّ داوُدَ ﵇ كانَ لَا يأكلُ إلَاّ مِنْ عَمَلِ يِدِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَيحيى بن مُوسَى بن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الحدائي الْبَلْخِي، يُقَال لَهُ: خت، وَكلهمْ قد ذكرُوا غير مرّة.
والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَهُوَ طرف من حَدِيث سَيَأْتِي فِي تَرْجَمَة دَاوُد، ﵊، بِخِلَاف الَّذِي
стр. 3296
قبله، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ زِيَادَة وَهِي: خفف على دَاوُد، ﵊، الْقِرَاءَة فَكَانَ يَأْمر بدوابه لتسرج، فَكَانَ يقْرَأ الْقُرْآن قبل أَن تسرج، وَأَنه كَانَ لَا يَأْكُل إلَاّ من عمل يَده.
٤٧٠٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهِ يقُولُ قَالَ رَسُول الله ﷺ لأَنْ يَحْتَطِبَ أحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِه خَيْرٌ مِنْ أنْ يَسْألَ أحدا فَيُعْطِيَهُ أوْ يَمْنَعَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الإحتطاب من كسب الرجل بِيَدِهِ وَمن عمله، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو عبيد مصغر العَبْد مولى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَيُقَال لَهُ أَيْضا: مولى ابْن أَزْهَر، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب قَول الله: ﴿لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . وَلَكِن أخرجه هُنَاكَ: من طَرِيق الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٦١ - (بابُ السُّهُولَةِ والسَّمَاحَةِ فِي الشِّرَاءِ والْبَيْعِ ومَنْ طَلَبَ حَقَّا فلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب السهولة، وَهُوَ ضد الصعب وضد الْحزن، قَالَه ابْن الْأَثِير وَغَيره، والسماحة من سمح وأسمح إِذا جاد وَأعْطى عَن كرم وسخاء، قَالَه ابْن الْأَثِير. وَفِي (الْمغرب) : السَّمْح الْجُود. وَقَالَ بَعضهم: السهولة والسماحة متقاربان فِي الْمَعْنى. فعطف أَحدهمَا على الآخر من التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ. قلت: قد عرفت أَنَّهُمَا متغايران فِي أصل الْوَضع فَلَا يَصح أَن يُقَال من التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ. لِأَن التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ أَن يكون الْمُؤَكّد والمؤكد لفظا وَاحِد من مَادَّة وَاحِدَة، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. قَوْله: (وَمن طلب) كلمة: من، شَرْطِيَّة. وَقَوله: (فليطلبه) جَوَابه. قَوْله: (فِي عفاف) ، جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (فليطلبه) ، والعفاف، بِفَتْح الْعين. الْكَفّ عَمَّا لَا يحل. وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر وَعَائِشَة مَرْفُوعا: (من طلب حَقًا فليطلبه فِي عفاف وافٍ أَو غير وافٍ) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (خُذ حَقك فِي عفاف وافٍ أَو غير وافٍ) . وَأخذ البُخَارِيّ هَذَا وَجعله جزأ من تَرْجَمَة الْبَاب.
٦٧٠٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَيَّاشٍ قَالَ حدَّثنا أبُو غَسَّانَ محَمَّدُ بنُ مطَرِّفٍ قَالَ حدَّثني محَمَّدُ بنُ المُنْكَدِرِ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ رَحِمَ الله رَجُلاً سَمْحا إذَا باعَ واذا اشْتَرَى وإذَا اقْتَضَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي بن عَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: الْأَلْهَانِي الْحِمصِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، ومطرف بِالطَّاءِ الْمُهْملَة على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من التطريف، والمنكدر على وزن اسْم الْفَاعِل من الانكدار.
والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن عَمْرو بن عُثْمَان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث زيد بن عَطاء عَن ابْن الْمُنْكَدر عَن جَابر، وَلَفظه: (غفر الله لرجل كَانَ قبلكُمْ، كَانَ سهلاً إِذا بَاعَ، سهلاً إِذا اشْترى. سهلاً أذا اقْتضى) . وَقَالَ:
стр. 3297
حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح من هَذَا الْوَجْه.
قَوْله: (رحم الله) رجلا: يحْتَمل الدُّعَاء وَيحْتَمل الْخَبَر. قَالَ الدَّاودِيّ: وَالظَّاهِر أَنه دُعَاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ظَاهره الْإِخْبَار عَن حَال رجل كَانَ سَمحا. لَكِن قرينَة الِاسْتِقْبَال الْمُسْتَفَاد من إِذا تَجْعَلهُ دُعَاء، وَتَقْدِيره: رحم الله رجلا يكون سَمحا، وَقد يُسْتَفَاد الْعُمُوم من تَقْيِيده بِالشّرطِ، والسمح، بِسُكُون الْمِيم: الْجواد والمساهل والموافق على مَا طلب. قَوْله: (وَإِذا اقْتضى) أَي: إِذا طلب قَضَاء حَقه بسهولة. وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا ابْن التِّين: (وَإِذا قضى) . أَي: إِذا أعظى الَّذِي عَلَيْهِ بسهولة بِغَيْر مطل) .
وروى التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (إِن الله يحب سمح البيع سمح الشِّرَاء سمح الْقَضَاء) . وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث عُثْمَان رَفعه: (أَدخل الله الْجنَّة رجلا كَانَ سهلاً مُشْتَريا وبائعا وقاضيا ومقتضيا) . وروى أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن عمر وَنَحْوه. وَفِي الحَدِيث الحض على الْمُسَامحَة وَحسن الْمُعَامَلَة وَاسْتِعْمَال محَاسِن الْأَخْلَاق ومكارمها وَترك المشاحة فِي البيع، وَذَلِكَ سَبَب لوُجُود الْبركَة، لِأَنَّهُ، ﷺ ، لَا يحض أمته إلَاّ على مَا فِيهِ النَّفْع لَهُم دينا وَدُنْيا. وَأما فَضله فِي الْآخِرَة فقد دَعَا، ﷺ ، بِالرَّحْمَةِ والغفران لفَاعِله، فَمن أحب أَن تناله هَذِه الدعْوَة فليقتد بِهِ وليعمل بِهِ.
وَفِيه: ترك التَّضْيِيق على النَّاس فِي الْمُطَالبَة وَأخذ الْعَفو مِنْهُم. وَقَالَ ابْن حبيب: تسْتَحب السهولة فِي البيع وَالشِّرَاء وَلَيْسَ هِيَ تِلْكَ الْمُطَالبَة فِيهِ، إِنَّمَا هِيَ ترك المضاجرة وَنَحْوهَا.
٧١ - (بابُ منْ أنْظَرَ مُوسِرا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من أنظر مُوسِرًا، وَقد اخْتلفُوا فِي حد الْمُوسر، فَقيل: من عِنْده مُؤْنَته وَمؤنَة من تلْزمهُ نَفَقَته. وَقَالَ الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَأحمد وَإِسْحَاق: من عِنْده خَمْسُونَ درهما أَو قيمتهَا من الذَّهَب، فَهُوَ مُوسر. وَقَالَ الشَّافِعِي: قد يكون الشَّخْص بالدرهم غَنِيا يكسبه، وَقد يكون فَقِيرا بِالْألف مَعَ ضعفه فِي نَفسه وَكَثْرَة عِيَاله. وَقيل: الْمُوسر من يملك نِصَاب الزَّكَاة، وَقيل: من لَا يحل لَهُ الزَّكَاة. وَقيل: من يجد فَاضلا عَن ثَوْبه ومسكنه وخادمه وَدينه وقوت من يمونه، وَعند أَصْحَابنَا، على مَا ذكره صَاحب (الْمَبْسُوط) و (الْمُحِيط) : الْغَنِيّ على ثَلَاث مَرَاتِب: الْمرتبَة الأولى: الْغَنِيّ الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ وجوب الزَّكَاة. الْمرتبَة الثَّانِيَة: الْغَنِيّ الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ وجوب صَدَقَة الْفطر وَالْأُضْحِيَّة وحرمان الزَّكَاة، وَهُوَ أَن يملك مَا يفضل عَن حَوَائِجه الْأَصْلِيَّة مَا يبلغ قيمَة مِائَتي دِرْهَم، مثل دور لَا يسكنهَا وحوانيت يؤجرها وَنَحْو ذَلِك. والمرتبة الثَّالِثَة: فِي الْغنى غنى حُرْمَة السُّؤَال، قيل: مَا قِيمَته خَمْسُونَ درهما. وَقَالَ عَامَّة الْعلمَاء: إِن من ملك قوت يَوْمه وَمَا يستر بِهِ عَوْرَته يحرم عَلَيْهِ السُّؤَال، وَكَذَا الْفَقِير الْقوي المكتسب يحرم عَلَيْهِ السُّؤَال. قلت: هَذَا كُله فِي حق من يجوز لَهُ السُّؤَال وَأخذ الصَّدَقَة، وَمن لَا يجوز، وَأما هَهُنَا، أَعنِي فِي إنظار الْمُوسر، فالاعتماد على أَن الْمُوسر والمعسر يرجعان إِلَى الْعرف، فَمن كَانَ حَاله بِالنِّسْبَةِ إِلَى مثله يعد يسارا فَهُوَ مُوسر، وَكَذَا عَكسه فَافْهَم.
٧٧٠٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حَدثنَا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثنا مَنْصُورً أنَّ رِبْعِيَّ بنَ حِرَاشٍ قَالَ حدَّثَهُ أنَّ حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ حدَّثَهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ تَلَقَّتِ المَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ قالُوا أعَمِلْتَ مِنَ الخَيْرِ شَيْئا قَالَ كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أنْ يُنْظِرُوا ويَتَجَاوَزُوا عَنِ المُوسِرِ قَالَ قَالَ فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت آمُر فتياني أَن ينْظرُوا ويتجاوزوا عَن الْمُوسر) وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي عَن الْمُوسر، وَهُوَ يُطَابق التَّرْجَمَة، وَوَقع فِي رِوَايَة البَاقِينَ: (أَن ينْظرُوا الْمُعسر، ويتجاوزوا عَن الْمُوسر، وَكَذَا أخرجه مُسلم عَن أَحْمد بن يُونُس شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور، فعلى هَذَا الحَدِيث لَا يُطَابق التَّرْجَمَة. وَقَالَ بَعضهم: وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي إِيرَاد التَّعَالِيق الْآتِيَة، لِأَن فِيهَا مَا يُطَابق التَّرْجَمَة. قلت: الأَصْل هُوَ الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَحَدِيث الْبَاب
стр. 3298
الْمسند على مَا هُوَ الْمَعْهُود فِي وَضعه، وَلَا يُقَال: وجد الْمُطَابقَة هُنَا، إلَاّ على رِوَايَة أبي ذَر والنسفي، وَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر شَيْء آخر. فَافْهَم.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن يُونُس، هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس بن قيس أَبُو عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي. الثَّانِي: زُهَيْر مصغر زهر ابْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَة الْجعْفِيّ. الثَّالِث: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر أَبُو عتاب السّلمِيّ. الرَّابِع: ربعي، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن حِرَاش، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَفِي آخِره شين مُعْجمَة، مر فِي: بَاب إِثْم من كذب، فِي كتاب الْعلم. الْخَامِس: حُذَيْفَة بن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع مكررا. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم كوفيون. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بِالنِّسْبَةِ إِلَى جده. وَفِيه: أَن حُذَيْفَة حَدثهُ وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق نعيم بن أبي هِنْد عَن ربعي: اجْتمع حُذَيْفَة وَأَبُو مَسْعُود فَقَالَ حُذَيْفَة: رجل لَقِي ربه ... فَذكر الحَدِيث، وَفِي آخِره: فَقَالَ أَبُو مَسْعُود: هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، وَمثله رِوَايَة أبي عوَانَة عَن عبد الْملك عَن ربعي، كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي الاستقراض عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أَحْمد بن يُونُس بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر وَعَن عَليّ بن حجر وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي سعيد الْأَشَج. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن بشار.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تلقت) أَي: اسْتقْبل روح رجل عِنْد الْمَوْت، وَفِي رِوَايَة عبد الْملك بن عُمَيْر فِي ذكر بني إِسْرَائِيل: (أَن رجلا كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ أَتَاهُ ملك الْمَوْت ليقْبض روحه) . قَوْله: (أعملت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، ويروى بِحَذْف همزَة الِاسْتِفْهَام، وَهِي مقدرَة فِيهِ. وَفِي رِوَايَة عبد الْملك الْمَذْكُورَة. فَقَالَ: (مَا أعلم شَيْئا غير أَنِّي) فَذكره، وَفِي رِوَايَة لمُسلم من طَرِيق شَقِيق عَن أبي مَسْعُود رَفعه: (حُوسِبَ رجل مِمَّن كَانَ قبلكُمْ فَلم يُوجد لَهُ من الْخَيْر شَيْء، إلَاّ أَنه كَانَ يخالط النَّاس، وَكَانَ مُوسِرًا، وَكَانَ يَأْمر غلمانه أَن يتجاوزوا عَن الْمُعسر. قَالَ: قَالَ الله تَعَالَى: نَحن أَحَق بذلك مِنْهُ، تجاوزوا عَنهُ) . قَوْله: (فتياني) بِكَسْر الْفَاء: جمع فَتى، وَهُوَ الْخَادِم حرا كَانَ أَو مَمْلُوكا. وَقَوله: (أَن ينْظرُوا) ، بِضَم الْيَاء من الإنظار، وَهُوَ الْإِمْهَال. وَقد ذكرنَا أَن هَذَا رِوَايَة أبي ذَر والنسفي، وَرِوَايَة البَاقِينَ: (أَن ينْظرُوا الْمُعسر ويتجاوزوا عَن الْمُوسر) . وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْبَاب. قَوْله: (ويتجاوزوا) عَن الْمُوسر، والتجاوز الْمُسَامحَة فِي الِاقْتِضَاء والاستيفاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن صلَة: ينْظرُوا، مَحْذُوف وَهُوَ: عَن الْمُعسر. وَلَفظ: عَن الْمُوسر، يتَعَلَّق بالتجاوز، لَكِن البُخَارِيّ جعله مُتَعَلقا بذيل التَّرْجَمَة بالموسر، حَيْثُ قَالَ: بَاب من أنظر مُوسِرًا. انْتهى. قلت: لَو وقف الْكرْمَانِي على رِوَايَة أبي ذَر والنسفي الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي أول الْبَاب لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّكَلُّف.
وَفِيه: والْحَدِيث الَّذِي يَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ: أَن الرب، ﷻ ، يغْفر الذُّنُوب بِأَقَلّ حَسَنَة تُوجد للْعَبد، وَذَلِكَ وَالله أعلم إِذا حصلت النِّيَّة فِيهَا لله تَعَالَى، وَأَن يُرِيد بهَا وَجهه وابتغاء مرضاته، فَهُوَ أكْرم الأكرمين وَلَا يخيب عَبده من رَحمته، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه لَهُ، وَله أجر كريم﴾ (الْحَدِيد: ١١) . وَفِيه: إِبَاحَة كسب العَبْد لقَوْله: (كنت آمُر فتياني) . وَفِيه: أَن العَبْد يُحَاسب عِنْد مَوته بعض الْحساب. وَفِيه: أَنه إِن أنظرهُ أَو وضع سَاغَ ذَلِك، وَهُوَ شرع من قبلنَا، وشرعنا لَا يُخَالِفهُ بل ندب إِلَيْهِ.
وَقَالَ أبُو مالِكٍ عنْ رِبْعِيٍّ: كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ وأنْظِرُ المُعْسِرَ
أَبُو مَالك اسْمه: سعد بن طَارق الْأَشْجَعِيّ الْكُوفِي، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن أبي سعيد الأشح: حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن أبي مَالك سعد بن طَارق عَن ربعي (عَن حُذَيْفَة، قَالَ: أُتِي الله بِعَبْد من عباده آتَاهُ الله مَالا، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عملت فِي دَار الدُّنْيَا؟ قَالَ: وَلَا يكتمون الله حَدِيثا. قَالَ: يَا رب آتيتني مَالك، فَكنت أبايع النَّاس، وَكَانَ من خلقي الْجَوَاز، فَكنت أتيسر على الْمُوسر وَأنْظر الْمُعسر، فَقَالَ الله تَعَالَى: أَنا أَحَق بذامنك، تجاوزوا عَن عَبدِي) . قَالَ عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ وَأَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ: هَكَذَا سمعناه من فِي رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (كنت أيسر) ، بِضَم الْهمزَة وَتَشْديد السِّين:
стр. 3299
من التَّيْسِير، من بَاب التفعيل، وَقيل: من أيسر يوسر إيسارا، وَلَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن الْقَاعِدَة الصرفية أَن يُقَال: أوسر. وَفِي (الْمطَالع) : أيسر على الْمُوسر أَي: أسامحه وأعامله بالمياسرة والمساهلة.
وتَابَعَهُ شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ المَلِكِ عنْ رِبْعِيٍّ
أَي: تَابع أَبَا مَالك شُعْبَة عَن عبد الْملك بن أبي عُمَيْر عَن ربعي بن حِرَاش عَن حُذَيْفَة، فِي قَوْله: (وَأنْظر الْمُعسر) ، هَذِه الْمُتَابَعَة رَوَاهَا البُخَارِيّ فِي الاستقراض بِسَنَدِهِ، فَقَالَ: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة عَن عبد الْملك عَن ربعي (عَن حُذَيْفَة قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: مَاتَ رجل، فَقيل لَهُ: مَا عملت من الْخَيْر؟ قَالَ: كنت أبايع النَّاس فأتجوز عَن الْمُوسر وأخفف عَن الْمُعسر، فغفر لَهُ) . قَالَ أَبُو مَسْعُود: سمعته من النَّبِي ﷺ .
وَقَالَ أبُو عَوَانَةَ عنْ عَبْدِ المَلِكِ عنْ رِبْعِيٍّ: أنْظِرُ الْمُوسِرَ وأتَجَاوَزُ عنِ الْمُعْسِرِ
أَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي ذكر بني إِسْرَائِيل مطولا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة عَن عبد الْملك. وَقَالَ نعيم بن ابي هِنْد عَن ربعي فَأقبل من الْمُوسر وأتجاوز عَن الْمُعسر
نعيم، بِضَم النُّون ابْن أبي هِنْد الْأَشْجَعِيّ، وَهُوَ نعيم بن النُّعْمَان بن أَشْيَم وَهُوَ ابْن عَم سَالم بن أبي الْجَعْد وَابْن عَم أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ، مَاتَ سنة عشر وَمِائَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم حَدثنَا عَليّ بن حجر وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، واللفظة لِابْنِ حجر، قَالَا: حَدثنَا جرير عَن الْمُغيرَة عَن نعيم بن أبي هِنْد (عَن ربعي بن حِرَاش قَالَ: اجْتمع حُذَيْفَة وَأَبُو مَسْعُود، قَالَ حُذَيْفَة: لَقِي رجل ربه، فَقَالَ: مَا عملت؟ قَالَ: مَا عملت من الْخَيْر إلَاّ أَنِّي كنت رجلا ذَا مَال، قَالَ: فَكنت أطلب بِهِ النَّاس، فَكنت أقبل الميسور، وأتجاوز عَن المعسور. قَالَ: تجاوزوا عَن عَبدِي. قَالَ أَبُو مَسْعُود: هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله. ﷺ ، يَقُول.
٨١ - (بابُ مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من أنظر مُعسرا.
٨٧٠٢ - حدَّثنا هِشامُ بنُ عَمَّارٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثنا الزُّبيْدِيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ كانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فإذَا رَأى مُعْسِرا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ الله أَن يتَجَاوَزَ عَنَّا فَتَجاوَزَ الله عَنْهُ. (الحَدِيث ٨٧٠٢ طرفه فِي: ٠٨٤٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِذا رأى مُعسرا قَالَ لفتيانه: تجاوزوا عَنهُ) .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: هِشَام ابْن عمار بن نصير بن ميسرَة أبي الْوَلِيد السّلمِيّ، وَيُقَال: الظفري، مَاتَ فِي آخر الْمحرم سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. قَالَ البُخَارِيّ: أرَاهُ بِدِمَشْق. الثَّانِي: يحيى بن حَمْزَة الْحَضْرَمِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن قَاضِي دمشق، فل يزل قَاضِيا بهَا حَتَّى مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَكَانَ مولده سنة ثَلَاث وَمِائَة، ﵀. الثَّالِث: الزبيدِيّ، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: واسْمه مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن عَامر أَبُو هُذَيْل. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَهُوَ وَاثْنَانِ بعده شَامِيُّونَ وَالزهْرِيّ وَعبيد الله مدنيان. وَفِيه: أَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ أَن عبيد الله بن عبد الله حَدثهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ذكر بني إِسْرَائِيل
стр. 3300
عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم وَمُحَمّد بن جَعْفَر الْوَركَانِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هِشَام بن عمار بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ تَاجر يداين النَّاس) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: (أَن رجلا لم يعْمل خيرا قطّ، وَكَانَ يداين النَّاس) . قَوْله: (تجاوزوا عَنهُ) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (فَيَقُول لرَسُوله: خُذ مَا يسر، واترك مَا عسر، وَتجَاوز) . وروى الْحَاكِم على شَرط مُسلم وَلَفظه: (خُذ مَا تيَسّر، واترك مَا تعسر، وَتجَاوز لَعَلَّ الله أَن يتَجَاوَز عَنَّا) . وَفِيه: (فَقَالَ الله تَعَالَى: قد تجاوزت عَنْك) . وروى مُسلم من حَدِيث حُسَيْن بن عَليّ عَن زَائِدَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن ربعي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْيُسْر، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من أنظر مُعسرا وَوضع لَهُ أظلهُ الله فِي ظلّ عَرْشه) . وروى ابْن أبي شيبَة عَن يُونُس بن مُحَمَّد عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن أبي جَعْفَر الخطمي عَن مُحَمَّد بن كَعْب عَن أبي قَتَادَة: سَمِعت النَّبِي ﷺ : (من نفس عَن غَرِيمه أَو محى عَنهُ كَانَ فِي ظلّ الْعَرْش يَوْم الْقِيَامَة.
٩١ - (بابٌ إذَا بَيَّنَ الْبَيْعَانِ ولَمْ يَكْتُما ونَصَحا)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: (إِذا بَين البَيِّعَان) أَي: إِذا أظهر البيعان مَا فِي الْمَبِيع من الْعَيْب، و: البيعان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف تَثْنِيَة بيع، وَأَرَادَ بهما: البَائِع وَالْمُشْتَرِي، وإطلاقه على المُشْتَرِي بطرِيق التغليب. أَو هُوَ من بَاب إِطْلَاق الْمُشْتَرك وَإِرَادَة معنييه مَعًا، إِذْ البيع جَاءَ لمعنيين، وَفِيه خلاف. قَوْله: (وَلم يكتما) أَي: مَا فِي الْمَبِيع من الْعَيْب. قَوْله: (وَنصحا) ، من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا بَينا مَا فِيهِ وَلم يكتما بورك لَهما فِيهِ، أَو نَحْو ذَلِك، وَلم يذكرهُ البُخَارِيّ اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث على عَادَته.
ويُذْكَرُ عَنِ العَدَّاءِ بنِ خالِدٍ قَالَ كَتَبَ لِي النبيُّ ﷺ هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رسولُ الله ﷺ مِنَ العَدَّاءِ بنِ خَالِدٍ بَيْعَ الْمُسْلمِ المُسْلِمَ لَا دَاءَ ولَا خُبْثَةَ ولَا غَائِلَةَ
مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لَا دَاء وَلَا خبثة وَلَا غائلة) ، لِأَن نفي هَذِه الْأَشْيَاء بَيَان بِأَن الْمَبِيع سَالم عَنْهَا وَلَيْسَ فِيهَا كتمان شَيْء من ذَلِك، والعداء بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره همزَة على وزن فعال، هُوَ ابْن هودة بن ربيعَة بن عَمْرو بن عَامر بن صعصعة العامري، أسلم بعد الْفَتْح صَحَابِيّ قَلِيل الحَدِيث وَكَانَ يسكن الْبَادِيَة، وَهَذَا التَّعْلِيق هَكَذَا وَقع، وَقد وَصله التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار، قَالَ: حَدثنَا عباد بن لَيْث صَاحب الكرابيس، قَالَ: حَدثنَا عبد الْمجِيد ابْن وهب، قَالَ: قَالَ لي العداء بن خَالِد بن هودة: أَلَا أقرئك كتابا كتبه لي رَسُول الله، ﷺ ؟ قَالَ: قلت: بلَى. فَأخْرج لي كتابا: (هَذَا مَا اشْترى العداء بن هودة من مُحَمَّد رَسُول الله، اشْترى مِنْهُ عبدا أَو أمة لَا دَاء وَلَا غائلة وَلَا خبثة، بيع الْمُسلم الْمُسلم) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إلَاّ من حَدِيث عباد بن لَيْث.
وَقد روى عَنهُ هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد من أهل الحَدِيث. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عباد بن لَيْث. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه غَيرهم وَكلهمْ اتَّفقُوا على أَن البَائِع هُوَ النَّبِي، ﷺ ، وَالْمُشْتَرِي العداء، وَهنا بِالْعَكْسِ، فَقيل: إِن الَّذِي وَقع هُنَا مقلوب، وَقيل: صَوَاب، وَهُوَ من الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، لِأَن اشْترى وَبَاعَ بِمَعْنى وَاحِد. وَلزِمَ من ذَلِك تَقْدِيم اسْم رَسُول الله، ﷺ ، على اسْم العداء. وَشَرحه ابْن الْعَرَبِيّ على مَا وَقع فِي التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: فِيهِ الْبدَاءَة باسم الْمَفْضُول فِي الشُّرُوط إِذا كَانَ هُوَ المُشْتَرِي.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بيع الْمُسلم الْمُسلم) ، بيع الْمُسلم مَنْصُوب على أَنه مصدر من غير فعله، لِأَن معنى البيع وَالشِّرَاء متقاربان، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا بِنَزْع الْخَافِض، تَقْدِيره: كَبيع الْمُسلم، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ بيع الْمُسلم الْمُسلم، وَالْمُسلم الثَّانِي مَنْصُوب بِوُقُوع فعل البيع عَلَيْهِ. قَوْله: (لَا دَاء) أَي: لَا عيب. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: أَي لَا دَاء فِي العَبْد من الأدواء الَّتِي يرد بهَا: كالجنون والجذام والبرص والسل والأوجاع المتقاربة. وَيُقَال: الدَّاء الْمَرَض، وَهُوَ الْمَشْهُور.
стр. 3301
وَعين فعله وَاو بِدَلِيل قَوْلهم فِي الْجمع: أدواء. يُقَال: دَاء الرجل وَأَدَاء وأدأته، يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى، وَقيل: لَا دَاء يَكْتُمهُ البَائِع، وإلَاّ فَلَو كَانَ بِالْعَبدِ دَاء وَبَينه البَائِع لَكَانَ من بيع الْمُسلم للْمُسلمِ. قَوْله: (وَلَا خبثة) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَقَالَ ابْن التِّين: ضبطناه فِي أَكثر الْكتب بِضَم الْخَاء، وَكَذَلِكَ سمعناه. وَضبط فِي بَعْضهَا بِالْكَسْرِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: خبثة، على وزن: خيرة. قيل: أَرَادَ بهَا الْحَرَام كَمَا عبر عَن الْحَلَال بالطيب، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٥١) . والخبثة نوع من أَنْوَاع الْخبث أَرَادَ أَنه عبد رَقِيق لَا أَنه من قوم لَا يحل سَبْيهمْ. وَقيل: المُرَاد الْأَخْلَاق الخبيثة كالإباق. قَوْله: (وَلَا غائلة) ، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: وَلَا فجور. وَقيل: المُرَاد بالأباق. وَقَالَ ابْن بطال: هُوَ من قَوْلهم: اغتالني فلَان إِذا احتال بحيلة يتْلف بهَا مَالِي. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الدَّاء مَا كَانَ فِي الْخلق بِالْفَتْح، والخبثة مَا كَانَ فِي الْخلق بِالضَّمِّ، والغائلة سكُوت البَائِع عَمَّا يعلم من مَكْرُوه فِي الْمَبِيع. وَيُقَال: الدَّاء الْعَيْب الْمُوجب للخيار، والخبثة أَن يكون محرما والغائلة مَا فِيهِ هَلَاك مَال المُشْتَرِي كَكَوْنِهِ آبقا. وَقيل: الغائلة الْخِيَانَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ على وَجه تَخْرِيج التِّرْمِذِيّ وَغَيره، ذكر ابْن الْعَرَبِيّ فِيهِ ثَمَان فَوَائِد: الأولى: الْبدَاءَة باسم النَّاقِص قبل الْكَامِل فِي الشُّرُوط، والأدنى قبل الْأَعْلَى، وَقد ذَكرْنَاهُ. الثَّانِيَة: فِي كتب النَّبِي، ﷺ ، ذَلِك لَهُ وَهُوَ مِمَّن يُؤمن عَهده وَلَا يجوز أبدا عَلَيْهِ نقضه لتعليم الْأمة، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ هُوَ يَفْعَله فَكيف غَيره؟ الثَّالِثَة: أَن ذَلِك على الِاسْتِحْبَاب، لِأَنَّهُ بَاعَ وابتاع من الْيَهُودِيّ من غير إِشْهَاد، وَلَو كَانَ أمرا مَفْرُوضًا لقام بِهِ قبل الْخلق، وَفِيه نظر، لِأَن ابتياعه من الْيَهُودِيّ كَانَ بِرَهْنٍ. الرَّابِعَة: أَنه يكْتب اسْم الرجل وَاسم أَبِيه وجده حَتَّى ينتهى إِلَى جد يَقع بِهِ التَّعْرِيف، ويرتفع الِاشْتِرَاك الْمُوجب للإشكال عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ. انْتهى. هَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى إِذا كَانَ الرجل غير مَعْرُوف، أما إِذا كَانَ مَعْرُوفا فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر أَبِيه، وَإِن لم يكن مَعْرُوفا وَكَانَ أَبوهُ مَعْرُوفا لم يحْتَج إِلَى ذكر الْجد، كَمَا جَاءَ فِي البُخَارِيّ من غير ذكر جد العداء. الْخَامِسَة: لَا يحْتَاج إِلَى ذكر النّسَب إلَاّ إِذا أَفَادَ تعريفا أَو رفع إشْكَالًا. السَّادِسَة: أَنه كرر الشِّرَاء، لِأَنَّهُ لما كَانَت الْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى الْمَكْتُوب ذكر الشِّرَاء فِي القَوْل الْمَنْقُول. السَّابِعَة: قَالَ عبد، وَلم يصفه وَلَا ذكر الثّمن وَلَا قَبضه وَلَا قبض المُشْتَرِي. قلت: إِذا كَانَ الْمَبِيع حَاضرا فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا، وَالثمن أَيْضا إِذا كَانَ حَاضرا فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكره وَلَا إِلَى معرفَة قدره. الثَّامِنَة: قَوْله: (بيع الْمُسلم الْمُسلم) ، ليبين أَن الشِّرَاء وَالْبيع وَاحِد، وَقد فرق أَبُو حنيفَة بَينهم، وَجعل لكل وَاحِد حدا مُنْفَردا. وَقَالَ غَيره: فِيهِ تولي الرجل البيع بِنَفسِهِ، وَكَذَا فِي حَدِيث الْيَهُودِيّ، وَكَرِهَهُ بَعضهم لِئَلَّا يسامح ذُو الْمنزلَة فَيكون نقصا من أجره، وَجَاز ذَلِك للنَّبِي ﷺ بعصمته فِي نَفسه.
وَفِيه: صِحَة اشْتِرَاط سَلامَة الْمَبِيع من سَائِر الْعُيُوب لِأَنَّهَا نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي فتعم. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة كِتَابَة الشُّرُوط، وَهُوَ مُسْتَحبّ قطعا، وَهُوَ أَمر زَائِد على الْإِشْهَاد. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة ذكر الْمَفْعُول وَهُوَ قَوْله: (الْمُسلم) ، مَعَ أَنه لَو كَانَ المُشْتَرِي ذِمِّيا لم يجز غشه، وَلَا أَن يكتم عَنهُ عَيْبا يُعلمهُ؟ قلت: فَائِدَة ذَلِك أَن الْمُسلم أنصح للْمُسلمِ مِنْهُ للذِّمِّيّ لما بَينهمَا من علاقَة الْإِسْلَام، وغشه لَهُ أفحش من غشه للذِّمِّيّ.
وَقَالَ قَتادَةُ الغائِلةُ الزِّنَا والسَّرِقَةُ والإباقُ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن مَنْدَه من طَرِيق الْأَصْمَعِي عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَنهُ، وَفِي (الْمطَالع) : الظَّاهِر أَن تَفْسِير قَتَادَة يرجع إِلَى الخبثة والغائلة مَعًا.
وقِيلَ لإبْرَاهِيمَ إنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمَّى آرِيَّ خُرَاسانَ وسِجِسْتَانَ فَيَقُولُ جاءَ أمْسِ مِنْ خرَاسَانَ جاءَ الْيَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة تدل على نفي التَّدْلِيس والتغرير، وَهَذِه الصُّورَة الَّتِي ذكرت لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فِيهَا تَدْلِيس على المُشْتَرِي، فَلذَلِك كرهه إِبْرَاهِيم كَرَاهِيَة شَدِيدَة.
قَوْله: (النخاسين) ، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة: جمع النخاس، وَهُوَ الدَّلال فِي الدَّوَابّ. قَوْله: (آري خُرَاسَان وسجستان) ، (الأري، بِضَم الْهمزَة الممدودة
стр. 3302
الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء اخر الْحُرُوف هُوَ معلف الدَّابَّة قَالَه الْخَلِيل وَقَالَ التيمى مربط الدَّابَّة وَقَالَ الأصمى هُوَ حَبل يدْفن فِي الأَرْض ويبرز طرفه ترْبط بِهِ الدَّابَّة واصلة من الْحَبْس والاقامة من قَوْلهم تارى بِالْمَكَانِ اذا قَامَ بِهِ وَقَالَ ابْن قرقول الارى كذاقيده جلّ الروَاة وَوَقع للمروزي أرى بِفَتْح الْهمزَة وَالرَّاء على مِثَال دعى وَلَيْسَ بِشَيْء وَوَقع لأبي زيد أرى بِضَم الْهمزَة وَهُوَ أَيْضا تَصْحِيف وَقَالَ بَعضهم وَوَقع لأبي ذَر الْهَرَوِيّ بِضَم الْهمزَة أَي أَظن قلت قَوْله أَظن غلط لِأَن الْمَنْقُول عَن أبي زيد هُوَ مَا نَقله عَنهُ ابْن قرقول ثمَّ قَالَ أَنه تَصْحِيف وَلَيْسَ الْمَعْنى أَن أَبَا ذَر قَالَ أَظن أَنه كَذَلِك يَعْنِي مثل مَا قَالَ الْمروزِي وَقَالَ ابْن السّكيت مِمَّا تضعه الْعَامَّة فِي غير مَوْضِعه قَوْلهم للمعلف آرى وَإِنَّمَا هُوَ محبس الدَّابَّة وَهِي الأوارى والأواخى وأحدها أرى وأخى وَعَن الشّعبِيّ وَزيد بن وهب وَغَيرهمَا أَمر سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَبَا الْهياج الْأَسدي والسائب بن الْأَقْرَع أَن يقسما للنَّاس يَعْنِي الْكُوفَة واحتطوا من وَرَاء السِّهَام فَكَانَ الْمُسلمُونَ يعلفون إبلهم ودوابهم فِي ذَلِك الْموضع حول الْمَسْجِد فَسَموهُ الآرى (قلت) وَقد اضْطَرَبَتْ الروَاة فِيهَا اضطرابا شَدِيدا حَتَّى قَالَ بَعضهم قرى خُرَاسَان مَوضِع آرى خُرَاسَان بِضَم الْقَاف جمع قَرْيَة وَالَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِمَاد مَا قَالَه التَّيْمِيّ وَهُوَ الاصطبل وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ قيل لَهُ إِن نَاسا من النخاسين وَأَصْحَاب الدَّوَابّ يُسمى أحدهم بإصطبل دوابه خُرَاسَان وسجستان ثمَّ يَأْتِي السُّوق فَيَقُول جَاءَت من خُرَاسَان وسجستان قَالَ فكره ذَلِك إِبْرَاهِيم وَسبب كَرَاهَته لما فِيهِ من الْغِشّ والتدليس على المُشْتَرِي ليظن أَنَّهَا طرية الجلب وَرَوَاهُ دعْلج عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن زيد حَدثنَا سعيد بن قيس حَدثنَا هشيم وَلَفظه أَن بعض النخاسين يُسمى أرية خُرَاسَان وسجستان (ح) وخراسان بِضَم الْخَاء الإقليم الْمَعْرُوف مَوضِع الْكثير من عُلَمَاء الْمُسلمين وسجستان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم وَسُكُون السِّين الثَّانِيَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق اسْم للديار الَّتِي قصبتها زرنج بِفَتْح الزَّاي وَالرَّاء وَسُكُون النُّون وبالجيم وَهَذِه المملكة خلف كرمان بمسيرة مائَة فَرسَخ وَهِي إِلَى نَاحيَة الْهِنْد وَيُقَال لَهُ السجز بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالزاي
(وَقَالَ عقبَة بن عَامر لَا يحل لامريء يَبِيع سلْعَة يعلم أَن بهَا دَاء إِلَّا أخبرهُ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف ابْن عَامر الْجُهَنِيّ الشريف الفصيح الفرضي الشَّاعِر شهد فتح الشَّام وَهُوَ كَانَ الْبَرِيد إِلَى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِفَتْح دمشق وَوصل الْمَدِينَة فِي سَبْعَة أَيَّام وَرجع مِنْهَا إِلَى الشَّام فِي يَوْمَيْنِ وَنصف بدعائه عِنْد قبر النَّبِي ﷺ َ - فِي تقريب طَرِيقه مَاتَ بِمصْر أوليا سنة ثَمَان وَخمسين وَقد مر ذكره فِي الصَّلَاة وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن ماجة قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا وهب بن جرير حَدثنَا أبي سَمِعت يحيى بن أَيُّوب يحدث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عبد الرَّحْمَن بن شماسَة عَن عقبَة بن عَامر سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول " الْمُسلم أَخُو الْمُسلم وَلَا يحل لمُسلم بَاعَ من أَخِيه بيعا وَبِه عيب إِلَّا بَينه لَهُ " وَرَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم أَيْضا من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن شماسَة بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم وَبعد الْألف سين مُهْملَة قَوْله " إِلَّا أخبرهُ " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " إِلَّا أخبر بِهِ " وروى ابْن ماجة أَيْضا من حَدِيث مَكْحُول وَسليمَان بن مُوسَى عَن وَاثِلَة سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يَقُول من بَاعَ بيعا لم يُبينهُ لم يزل فِي مقت الله وَلم تزل الْمَلَائِكَة تلعنه ".
٣١ - (حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن صَالح أبي الْخَلِيل عَن عبد الله بن الْحَارِث رَفعه إِلَى حَكِيم بن حزَام ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا أَو قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِن صدقا وَبينا بورك لَهما فِي بيعهمَا وَإِن كتما وكذبا محقت بركَة بيعهمَا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَإِن صدقا وَبينا إِلَى آخِره " (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول سُلَيْمَان بن حَرْب أَبُو أَيُّوب -
стр. 3303
الواشحي. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: قَتَادَة بن دعامة. الرَّابِع: صَالح بن أبي مَرْيَم أَبُو الْخَلِيل الضبعِي. الْخَامِس: عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب أَبُو مُحَمَّد الْهَاشِمِي. السَّادِس: حَكِيم، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الْكَاف: ابْن حزَام، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وخفة الزَّاي: الْأَسدي، وَقد مر فِي الزَّكَاة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشعْبَة واسطي وَقَتَادَة وَصَالح بصريان وَعبد الله بن الْحَارِث مدنِي. تحول إِلَى الْبَصْرَة. وَفِيه: قَتَادَة عَن صَالح، وَفِي رِوَايَة تَأتي بعد بَابَيْنِ: عَن قَتَادَة، قَالَ: سَمِعت أَبَا الْخَلِيل يحدث عَن عبد الله بن الْحَارِث. وَفِيه: رَفعه إِلَى حَكِيم، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليشْمل سَمَاعه عَنهُ بالواسطة وبدونها. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين الأول: قَتَادَة، وَالثَّانِي: صَالح، وَالثَّالِث: عبد الله بن الْحَارِث، وَهُوَ مَعْدُود فِي التَّابِعين، ومذكور فِي الصَّحَابَة لِأَنَّهُ ولد فِي عهد النَّبِي ﷺ فَأتى بِهِ فحنكه وَلم ينْسب فِي شَيْء من طرق حَدِيثه فِي الصَّحِيح، لَكِن وَقع لِأَحْمَد من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة عَن عبد الله بن الْحَارِث الْهَاشِمِي، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة والإسماعيلي عَنهُ من وَجه آخر عَن شُعْبَة، فَقَالَ: عَن قَتَادَة سَمِعت أَبَا الْخَلِيل يحدث عَن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَحَدِيث آخر عَن الْعَبَّاس فِي قصَّة أبي طَالب.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن بدل بن المحبر وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب فرقهما، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة، وَفِي حَدِيث بهز وحبان عَن همام، وحَدثني أَبُو التياح عَن عبد الله بن الْحَارِث بِهَذَا وَعَن حَفْص بن عَمْرو عَن إِسْحَاق بن حبَان عَن همام بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن أبي مُوسَى عَن يحيى وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن همام بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن بشار عَن يحيى بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الشُّرُوط عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بِهِ وَعَن أبي الْأَشْعَث عَن سعيد عَن قَتَادَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (البيعان) ، هَكَذَا هُوَ فِي سَائِر طَرِيق الحَدِيث وَفِي بَعْضهَا: (الْمُتَبَايعَانِ) ، قَالَ شَيخنَا: وَلم أرَ فِي شَيْء من طرقه: البائعان، وَإِن كَانَ لفظ البَائِع أشهر وأغلب من البيع، وَإِنَّمَا استعملوا ذَلِك بِالْقصرِ والإدغام من الْفِعْل الثلاثي المعتل الْعين فِي أَلْفَاظ محصورة: كطيب وميت وكيس وريض ولين وهين، واستعملوا فِي: بَاعَ الْأَمريْنِ، فَقَالُوا: بَائِع وبيِّع. قَوْله: (مَا لم يَتَفَرَّقَا) هُوَ كَذَلِك فِي أَكثر الرِّوَايَات بِتَقْدِيم التَّاء وبالتشديد، وَعند مُسلم: مَا لم يفترقا، بِتَقْدِيم الْفَاء وبالتخفيف، وَقد فرق بَينهمَا بعض أهل اللُّغَة عَن ثَعْلَب أَنه سُئِلَ: هَل يتفرقان ويفترقان وَاحِد أم غيران؟ فَقَالَ: أخبرنَا ابْن الْأَعرَابِي عَن الْمفضل قَالَ يفترقان بالْكلَام، ويتفرقان بالأبدان. انْتهى. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: هَذَا يُؤَيّد مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور من أَن المُرَاد هُنَا التَّفَرُّق بالأبدان. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَالَّذِي نَقله الْمفضل أَو نقل عَنهُ من الْفرق بَين التفعل والافتعال لَا يشْهد لَهُ الْقُرْآن، وَلَا يعضده الِاشْتِقَاق، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا تفرق الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ (الْبَيِّنَة: ٤) . فَذكر التَّفَرُّق فِيمَا ذكر فِيهِ النَّبِي ﷺ الافتعال فِي قَوْله: (افْتَرَقت الْيَهُود وَالنَّصَارَى على ثِنْتَيْنِ وَسبعين فرقة وَسَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة) . قَوْله: (فَإِن صدقا) أَي: فَإِن صدق كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْإِخْبَار عَمَّا يتَعَلَّق بِهِ من: الثّمن وَوصف الْمَبِيع وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَبينا) أَي: وَبَين كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه مَا يحْتَاج إِلَى بَيَانه من عيب وَنَحْوه فِي السّلْعَة أَو السّلْعَة أَو الثّمن. قَوْله: (بورك لَهما فِي بيعهمَا) أَي: كثر نفع الْمَبِيع وَالثمن. قَوْله: (وَإِن كتما) أَي: وَإِن كتم البَائِع عيب السّلْعَة وَالْمُشْتَرِي عيب الثّمن. قَوْله: (وكذبا) أَي: وَكذب البَائِع فِي وصف سلْعَته وَالْمُشْتَرِي فِي وصف ثمنه. قَوْله: (محقت) من المحق وَهُوَ النُّقْصَان، وَذَهَاب الْبركَة. وَقيل: هُوَ أَن يذهب الشَّيْء كُله حَتَّى لَا يرى مِنْهُ أثر. وَمِنْه: ﴿ويمحق الله الرِّبَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . أَي: يستأصله وَيذْهب ببركته وَيهْلك المَال الَّذِي يدْخل فِيهِ، وَالْمرَاد: يمحق بركَة البيع مَا يَقْصِدهُ التَّاجِر من الزِّيَادَة والنماء، فيعامل بنقيض مَا قَصده، وعلق الشَّارِع حُصُول الْبركَة لَهما بِشَرْط الصدْق والتبيين، والمحقَ إِن وجد ضدهما، وَهُوَ الكتم وَالْكذب، وَهل تحصل الْبركَة لأَحَدهمَا إِذا وجد مِنْهُ الْمَشْرُوط دون الآخر؟ ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِيهِ، وَلَكِن يحْتَمل أَن يعود شُؤْم أَحدهمَا على الآخر.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ اخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل قَوْله ﷺ : (مَا لم يَتَفَرَّقَا) ، فَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالثَّوْري فِي رِوَايَة،
стр. 3304
وَرَبِيعَة وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن: المُرَاد بالتفرق فِيهِ هُوَ التَّفَرُّق بالأقوال، فَإِذا قَالَ البَائِع: بِعْت، وَقَالَ المُشْتَرِي: قبلت أَو اشْتريت فقد تفَرقا وَلَا يبْقى لَهما بعد ذَلِك خِيَار، وَيتم بِهِ البيع وَلَا يقدر المُشْتَرِي على رد الْمَبِيع إلَاّ بِخِيَار الرُّؤْيَة أَو خِيَار الْعَيْب أَو خِيَار الشَّرْط. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَعِيسَى بن أبان وَآخَرُونَ: التَّفْرِقَة الَّتِي تقطع الْخِيَار هِيَ الِافْتِرَاق بالأبدان بعد المخاطبة بِالْبيعِ قبل قبُول الآخر، وَذَلِكَ أَن الرجل إِذا قَالَ لآخر: قد بِعْتُك عَبدِي بِأَلف دِرْهَم، فللمخاطب بذلك القَوْل أَن يقبل مَا لم يُفَارق صَاحبه، فَإِذا افْتَرقَا لم يكن لَهُ بعد ذَلِك أَن يقبل. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَابْن أبي ذِئْب وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَابْن أبي مليكَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَهِشَام بن يُوسُف وَابْنه عبد الرَّحْمَن وَعبيد الله بن الْحسن القَاضِي وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد وَأَبُو سُلَيْمَان وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَأهل الظَّاهِر: الْفرْقَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث هِيَ التَّفَرُّق بالأبدان، فَلَا يتم البيع حَتَّى يُوجد التَّفَرُّق بالأبدان، وَالْحَاصِل من ذَلِك أَن أَصْحَابنَا قَالُوا: إِن العقد يتم بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول وَيدخل الْمَبِيع فِي ملك المُشْتَرِي، وَإِثْبَات خِيَار الْمجْلس لأَحَدهمَا يسْتَلْزم إبِْطَال حق الآخر، فَيَنْتَفِي بقوله ﷺ : (لَا ضَرَر وَلَا ضرار فِي الْإِسْلَام) ، والْحَدِيث مَحْمُول على خِيَار الْقبُول، فَإِنَّهُ إِذا أوجب أَحدهمَا فَلِكُل مِنْهُمَا الْخِيَار مَا داما فِي الْمجْلس، وَلم يأخذا فِي عمل آخر، وَفِي لَفْظَة إِشَارَة إِلَيْهِ، فَإِنَّهُمَا متبايعان حَالَة البيع حَقِيقَة وَمَا بعده أَو قبله مجَاز، أَو بعد العقد خِيَار الْمجْلس غير ثَابت لقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الدّين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إلَاّ أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾ (النِّسَاء: ٩٢) . فأباح الْأكل بِوُجُود التَّرَاضِي عَن التِّجَارَة، فَالْبيع تِجَارَة، فَدلَّ على نفي الْخِيَار وَصِحَّة وُقُوع البيع للْمُشْتَرِي بِنَفس العقد، وَجَوَاز تصرفه فِيهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ (الْمَائِدَة: ١) . وَهَذَا عقد يلْزم الْوَفَاء بِظَاهِر الْآيَة، وَفِي إِثْبَات الْخِيَار نفي لُزُوم الْوَفَاء بِهِ، وَفِي الحَدِيث مَا يدل على أَن نصيحة الْمُسلم وَاجِبَة، وَهَذَا هُوَ الأَصْل فِي هَذَا الْبَاب، وَقد كَانَ سيد الْخلق يَأْخُذهَا فِي الْبيعَة على النَّاس كَمَا يَأْخُذ عَلَيْهِم الْفَرَائِض، قَالَ جرير: (بَايَعت رَسُول الله، ﷺ ، على السّمع وَالطَّاعَة، فَشرط عَليّ النصح لكل مُسلم) وَصَحَّ أَنه قَالَ: (لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ) ، فَحرم بِهَذَا غش الْمُؤمن وخديعته، وَالله أعلم.
٠٢ - (بابُ بَيْعِ الْخِلْطِ مِنَ التَّمْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان بيع الْخَلْط من التَّمْر. الْخَلْط، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: التَّمْر الْمُجْتَمع على أَنْوَاع مُتَفَرِّقَة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي، هُوَ كل لون من التَّمْر لَا يعرف اسْمه، وَقيل: هُوَ نوع رَدِيء، وَقيل: هُوَ الْمُخْتَلط. وَعَن الْمُطَرز: هُوَ نخل الدقل، يَعْنِي: تمر الدوم، كَذَا ذكره عِيَاض، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الدوم: ضخام الشّجر، وَقيل: هُوَ شجر الْمقل، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ تمر من تمر النّخل رَدِيء يَابِس، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: من التَّمْر، بَيَانِيَّة.
٠٨٠٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الجَمْعِ وهْوَ الخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ وكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصاعٍ فَقَالَ النبيُّ ﷺ لَا صَاعَيْنِ بِصاعٍ ولَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكُنَّا نبيع الصاعين بِصَاع) ، يَعْنِي: من تمر الْجمع، وَالْجمع، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وَهُوَ كل لون من النخيل لَا يعرف اسْمه، وَفِي (الْمغرب) : الْجمع الدقل، لِأَنَّهُ يجمع من خمسين نَخْلَة، وَقد نهى النَّبِي، ﷺ ، عَن بيع هَذَا بقوله: (لَا صَاعَيْنِ بِصَاع) يَعْنِي: لَا تَبِيعُوا الصاعين بِصَاع، لِأَن التَّمْر كُله جنس وَاحِد رديئه، وجيده فَلَا يجوز التَّفَاضُل فِي شَيْء مِنْهُ على مَا سَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ مفصلا.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة كلهم ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان بن يحيى التَّمِيمِي النَّحْوِيّ، أَصله بَصرِي سكن الْكُوفَة وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو سعيد هُوَ الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واسْمه: سعد بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن
стр. 3305
إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن هِشَام بن عَفَّان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن أبي كريب.
وَفقه الْبَاب: أَن التَّمْر كُله جنس وَاحِد لَا يجوز التَّفَاضُل فِيهِ؟ فَإِن قلت: قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: لَا رَبًّا إلَاّ فِي النَّسِيئَة، قلت: قد ثَبت رُجُوعه عَنهُ، وَذكر الْأَثْرَم فِي (سنَنه) : قلت لأبي عبد الله: التَّمْر بِالتَّمْرِ وزنا بِوَزْن. قَالَ: لَا، وَلَكِن كَيْلا بكيل، إِنَّمَا أصل التَّمْر الْكَيْل. قلت لأبي عبد الله: صَاع تمر بِصَاع وَاحِد. وَأحد التمرين يدْخل فِي الْمِكْيَال أَكثر، فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ صَاع بِصَاع، أَي: جَائِز. انْتهى. قلت: وَيدخل فِي معنى التَّمْر جَمِيع الطَّعَام، فَلَا يجوز فِي الْجِنْس الْوَاحِد مِنْهُ التَّفَاضُل، وَلَا النِّسَاء بِالْإِجْمَاع، فَإِذا كَانَا جِنْسَيْنِ كحنطة وشعير جَازَ التَّفَاضُل، وَاشْترط الْحُلُول، وَسَيَجِيءُ الْبَحْث فِيهِ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: (وَلَا دِرْهَمَيْنِ بدرهم) أَي: وَلَا تَبِيعُوا بدرهم. . يُؤَيّد الحَدِيث الآخر: (الذَّهَب بِالذَّهَب مثلا بِمثل) إِلَى أَن قَالَ: وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ ... حَتَّى عدد النسئة.
١٢ - (بابُ مَا قِيلَ فِي اللَّحَّامِ والجَزَّارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي اللحام وَهُوَ بياع اللَّحْم والجزار الَّذِي يجزر أَي ينْحَر الْإِبِل وَكِلَاهُمَا على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ وَهَذَا الْبَاب وَقع هَهُنَا عِنْد الْأَكْثَرين وَوَقع عِنْد ابْن السكن بعد خَمْسَة أَبْوَاب وَقَالَ بَعضهم وَهُوَ أليق لتتوالى تراجم الصناعات قلت: توالى التراجم إِنَّمَا هُوَ أَمر مُهِمّ وَالْبُخَارِيّ لَا يتَوَقَّف غَالِبا فِي رِعَايَة التناسب بَين الْأَبْوَاب.
١٨٠٢ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ حدَّثنا الأعمَشُ قَالَ حدَّثني شَقِيقٌ عنْ أبِي مَسْعُودٍ قَالَ حاءَ رَجلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُكْنَى أبَا شُعَيْبٍ فَقَالَ لِغُلامٍ لَهُ قَصَّابٍ اجْعَلْ لِي طَعَاما يَكْفِي خَمْسَةً فإنِّي أُرِيدُ أنْ أدْعُو النبيَّ ﷺ خامِسَ خَمْسَةٍ فإنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وجْهِهِ الجوعَ فدَعَاهُمْ فَجاءَ معهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ هذَا قَدْ تَبِعَنا فإنْ شِئْتَ أنْ تأذَنَ لَهُ فاذَنْ لَهُ وإنْ شِئتَ أنْ يَرْجِعَ رَجَعَ فَقال لَا بَلْ قدْ أذِنْتُ لَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لغلام لَهُ قصاب) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: اللحام هُوَ الجزار، والقصاب على قِيَاس قَوْلهم: عَطاء وتمار للَّذي يَبِيع ذَلِك، فَهَذَا كَمَا رَأَيْت جعل اللحام والجزار والقصاب بِمَعْنى وَاحِد، فعلى هَذَا تحصل الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث، وَلَكِن فِي عرف النَّاس اللحام من يَبِيع اللَّحْم، والجزار من يجزر الْجَزُور أَي: ينحره، والقصاب من يذبح الْغنم، وَأَصله من الْقصب، وَهُوَ الْقطع يُقَال قصب القصاب الشَّاة اي قطعهَا عضوا عضوا (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة ذكرُوا غير مرّة وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وشقيق هُوَ ابْن سَلمَة ابو وَائِل، وَأَبُو مَسْعُود هُوَ عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ البدري.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَظَالِم عَن أبي النُّعْمَان، وَفِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَعَن عبد الله بن أبي الْأسود. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن قُتَيْبَة وَعُثْمَان وَعَن أبي بكر وَإِسْحَاق وَعَن نصر بن عَليّ وَأبي سعيد الْأَشَج وَعَن عبد الله بن معَاذ وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن وَعَن سَلمَة بن شبيب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح عَن هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن أَحْمد بن عبد الله.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قصاب) ، بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ صفة لغلام، وَسَيَأْتِي فِي الْمَظَالِم من وَجه آخر عَن الْأَعْمَش بِلَفْظ: (كَانَ لَهُ (غُلَام لحام) . قَوْله: (خَامِس خَمْسَة) أَي: أحد خَمْسَة وَقَالَ الدَّاودِيّ: جَائِز أَن يَقُول: خَامِس خَمْسَة، وخامس أَرْبَعَة. وَعَن الْمُهلب: إِنَّمَا صنع طَعَام خَمْسَة لعلمه أَن النَّبِي ﷺ سيتبعه من أَصْحَابه غَيره. قَوْله: (فجَاء مَعَهم رجل) ، أَي: سادسهم. قَوْله: (إِن هَذَا قد تبعنا) ، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْعين لِأَنَّهُ فعل مَاض، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الرجل، و: نَا، مَفْعُوله. قَوْله: (وَإِن شِئْت أَن يرجع) ، أَي: الرجل الَّذِي تَبِعَهُمْ، رَجَعَ وَلَا يدْخل مَعَهم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز الِاكْتِسَاب بصنعة الجزارة وَأَنه لَا بَأْس بذلك، وَقَالَ ابْن بطال: وَإِن كَانَ فِي الجزارة شَيْء من الضعة لِأَنَّهُ يمتهن فِيهَا نَفسه، وَأَن ذَلِك لَا ينقصهُ وَلَا يسْقط شَهَادَته إِذا كَانَ عدلا. وَفِيه: جَوَاز اسْتِعْمَال السَّيِّد غُلَامه فِي الصَّنَائِع
стр. 3306
الَّتِي يطيقها وَأخذ كَسبه مِنْهَا. وَفِيه: بَيَان مَا كَانُوا فِيهِ من شظف الْعَيْش وَقلة الشَّيْء. وَأَنَّهُمْ كَانُوا يؤثرون بِمَا عِنْدهم. وَفِيه: تَأْكِيد إطْعَام الطَّعَام والضيافة خُصُوصا لمن علم حَاجته لذَلِك. وَفِيه: أَن من صنع طَعَاما لغيره فَلَا بَأْس أَن يَدعُوهُ إِلَى منزله ليَأْكُل مَعَه عِنْده، وَلَكِن هَل الأولى أَن يَدعُوهُ إِلَى الطَّعَام أَو يُرْسِلهُ إِلَيْهِ؟ اخْتَار مَالك إرْسَاله إِلَيْهِ ليَأْكُل مَعَ أَهله إِن كَانَ لَهُ أهل، فَقَالَ فِي الرجل يَدْعُو الرجل: يلْزمه إِذا أَرَادَ أَن يبْعَث بِمثل ذَلِك إِلَيْهِ ليأكله مَعَ أَهله، فَإِنَّهُ قَبِيح بِالرجلِ أَن يذهب يَأْكُل الطَّيِّبَات وَيتْرك أَهله. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي لمن دَعَا من لَهُ منزلَة إِلَى طَعَامه أَن يَدْعُو مَعَه أَصْحَابه الَّذين هم أهل مُجَالَسَته، كَمَا فعل أَبُو شُعَيْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي لمن أَرَادَ أَن يَدْعُو جمَاعَة أَن يصنع لَهُم من الطَّعَام كفايتهم وَلَا يضيق عَلَيْهِم، محتجا بِأَن طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الْإِثْنَيْنِ وَطَعَام الْإِثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَة وَطَعَام الْأَرْبَعَة يَكْفِي الثَّمَانِية، لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّقْصِير على الضَّيْف، وَرُبمَا جَاءَ من لم يَدعه كَمَا وَقع فِي قصَّة أبي شُعَيْب. وَفِيه: إِجَابَة الْمَدْعُو للداعي وَأَنه لم ينص على اسْمه بل ذَلِك تبعا لغيره، كجلساء فلَان وَأَصْحَابه، إِذْ لم ينْقل أَنه سمى مَعَه جلساءه، لَكِن يحْتَمل أَن أَبَا شُعَيْب حِين رأى النَّبِي ﷺ وَعرف فِي وَجهه الْجُوع، أَنه رأى مَعَه أَرْبَعَة جالسين، فَكَانَ ذَلِك تَخْصِيصًا لَهُم. وَفِيه: أَنه لَو دَعَا رجلا إِلَى وَلِيمَة أَو طَعَام، سَوَاء قُلْنَا بِالْوُجُوب أَو بالاستحباب وَكَانَ مَعَ الْمَدْعُو حَالَة الدعْوَة غَيره لم يدْخل فِي الدعْوَة، وَلَيْسَ كالهدية عِنْد قوم يشركونه فِيهَا، للْحَدِيث الْوَارِد فِي ذَلِك: من أهدي لَهُ هَدِيَّة عِنْد قوم يشركونه فِيهَا، والْحَدِيث غير صَحِيح. وَفِيه: أَنه لَا بَأْس لمن وجد جمَاعَة يذهبون إِلَى مَكَان أَن يتبعهُم لِأَنَّهُ لَو كَانَ هَذَا مُمْتَنعا لنهاه النَّبِي، ﷺ ، ولرده، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنع دُخُوله مَعَه بِغَيْر إِذن صَاحب الدعْوَة وَرضَاهُ. وَفِيه: أَنه لَا يَنْبَغِي للمدعو أَن يرد من تبعه إِلَى الدعْوَة، بل يَسْتَأْذِنهُ عَلَيْهِ لجَوَاز أَن يَأْذَن لَهُ. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي للمدعو أَن يسْتَأْذن صَاحب الْمنزل فِيمَن تبعه إِلَى الدعْوَة، لِئَلَّا ينكسر خاطره مَا لم يكن ثمَّة دَاع لعدم دُخُوله. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي للمدعو إِذا اسْتَأْذن لمن تبعه أَن يتلطف فِي الاسْتِئْذَان وَلَا يتحكم على صَاحب الْمنزل بقوله: إيذن لهَذَا، وَنَحْو ذَلِك. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي للمدعو إِذا اسْتَأْذن لمن تبعه أَن يعلم صَاحب الدعْوَة أَن الْأَمر فِي الْإِذْن إِلَيْهِ، وَأَنه لَيْسَ للمدعو أَن يحتكم عَلَيْهِ وَيَدْعُو مَعَه من أَرَادَ لقَوْله، ﷺ : (وَإِن شِئْت رَجَعَ هَذَا) مَعَ كَونه، ﷺ ، لَهُ أَن يتَصَرَّف فِي مَال كل من الْأمة بِغَيْر حُضُوره وَبِغير رِضَاهُ، وَلكنه لم يفعل ذَلِك إلَاّ بِالْإِذْنِ تطييبا لقُلُوبِهِمْ. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي للداعي إِذا اسْتَأْذن الْمَدْعُو فِيمَن تبعه أَن يَأْذَن لَهُ، كَمَا فعل أَبُو شُعَيْب. وَهَذَا من مَكَارِم الْأَخْلَاق. وَفِيه: فِي قَوْله: (إِن هَذَا قد تبعنا) ، دَلِيل على أَنه لَو كَانَ مَعَهم حَالَة الدعْوَة لدخل فِيهَا وَلم يحْتَج إِلَى الإستئذان. وَفِيه: قَالَ القَاضِي عِيَاض: فِيهِ: تَحْرِيم طَعَام الطفيليين. وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي: لَا يجوز التطفل إلَاّ إِذا كَانَ بَينه وَبَين صَاحب الدَّار انبساط، وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من مَشى إِلَى طَعَام لم يدع إِلَيْهِ مَشى فَاسِقًا وَأكل حَرَامًا وَدخل سَارِقا وَخرج مغيرا) . وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من دخل على قوم لطعام لم يدع إِلَيْهِ فَأكل دخل فَاسِقًا وَأكل مَا لَا يحل لَهُ) ، وَفِي إِسْنَاده يحيى بن خَالِد وَهُوَ مَجْهُول.
٢٢ - (بابُ مَا يَمْحَقُ الكَذِبَ والْكِتْمَانُ فِي الْبَيْعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يمحق، أَي: الشَّيْء الَّذِي يمحق أَي: يفْسد وَيبْطل الْكَذِب من البَائِع فِي مدح سلْعَته، وَمن المُشْتَرِي فِي التَّقْصِير فِي وَفَاء الثّمن. قَوْله: (والكتمان) ، بِالرَّفْع عطف على الْكَذِب وَهُوَ الْإخْفَاء من البَائِع عَن عيب سلْعَته وَمن المُشْتَرِي عَن وصف الثّمن.
٢٨٠٢ - حدَّثنا بَدَلُ بنُ المُحَبَّرِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا الخَلِيلِ يُحَدِّثُ عنْ عَبْدِ الله بنِ الحَارِثِ عنْ حَكِيمِ بنُ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ الْبَيِّعَان بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أوْ قَالَ حَتَّى يتَفَرَّقَا فإنْ صَدَقَا وبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وإنْ كَتَما وكذَبَا محِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا. .
стр. 3307
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (محقت بركَة بيعهمَا) ، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب إِذا بَين البيعان وَلم يكتما وَنصحا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة، وَهَهُنَا بدل بن المحبر عَن شُعْبَة والتكرار لأجل التَّرْجَمَة وتعدد الَّذِي يروي عَنهُ، وَبدل، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالدَّال الْمُهْملَة: بن المحبر، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة وَفِي آخِره رَاء: ابْن مُنَبّه الْيَرْبُوعي الْبَصْرِيّ الوَاسِطِيّ.
٣٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تأكُلُوا الرِّبَا أضْعَافا مُضاعفَةً واتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمرَان: ٠٣١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن الرِّبَا، خَاطب الله تَعَالَى عباده فِي هَذِه الْآيَة ناهيا عَن تعَاطِي الرِّبَا وَأكله أضعافا مضاعفة، كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا حل أجل الدّين إِمَّا أَن يقْضى وَإِمَّا أَن يربى، فَإِن قَضَاهُ وإلَاّ زَاده فِي الْمدَّة وزاده الآخر فِي الْقدر، وَهَكَذَا فِي كل عَام، فَرُبمَا يُضَاعف الْقَلِيل حَتَّى يصير كثيرا مضاعفا، وَأمر عباده بالتقوى لَعَلَّهُم يفلحون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، ثمَّ توعدهم بالنَّار وحذرهم مِنْهَا فَقَالَ: ﴿وَاتَّقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ﴾ (آل عمرَان: ١٣١) .
٣٨٠٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حَدثنَا ابْنُ أبِي ذِئْبٍ قَالَ حَدثنَا سعيِدٌ المَقْبُرِيُّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَيَأتِيَنَّ علَى النَّاسِ زَمانٌ لَا يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أخذَ المَالَ أمِنَ حَلَالٍ أمْ مِنْ حَرَامٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة الَّتِي فِي مَوضِع التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن آكل الرِّبَا لَا يُبَالِي من أكله الْأَضْعَاف المضاعفة، هَل هِيَ من الْحَلَال أم من الْحَرَام؟ وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه إِسْنَادًا ومتنا قد ذكره فِي: بَاب من لم يبال من حَيْثُ كسب المَال، غير أَن فِي الْمَتْن بعض تفَاوت يسير يعلم بِالنّظرِ فِيهِ، وَهَذَا بعيد من عَادَة البُخَارِيّ، وَلَا سِيمَا قريب الْعَهْد مِنْهُ على أَن فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لَيْسَ فِي الْبَاب سوى هَذِه الْآيَة. وَقَالَ بَعضهم: وَلَعَلَّ البُخَارِيّ أَشَارَ بالترجمة إِلَى مَا أخرجه النَّسَائِيّ من وَجه آخر عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (يَأْتِي على النَّاس زمَان يَأْكُلُون الرِّبَا، فَمن لم يَأْكُلهُ أَصَابَهُ غباره) ، قلت: سُبْحَانَ الله! هَذَا عَجِيب. والترجمة هِيَ الْآيَة، فَكيف يُشِير بهَا إِلَى حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَالْآيَة فِي النَّهْي عَن أكل الرِّبَا، وَالْأَمر بالتقوى، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة يخبر عَن فَسَاد الزَّمَان الَّذِي يُؤْكَل فِيهِ الرِّبَا؟ قَوْله: (بِمَا أَخذ) ، الْقيَاس حذف الْألف من كلمة: مَا، الاستفهامية إِذا دخل عَلَيْهَا حرف الْجَرّ، وَلَكِن مَا حذف هُنَا لوُجُود عدم الْحَذف فِي كَلَام الْعَرَب على وَجه الْقلَّة.
٤٢ - (بابُ آكِلِ الرِّبا وشَاهِدِهِ وكاتِبِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم آكل الرِّبَا، والربا اسْم مَقْصُور، وَحكي مده وَهُوَ شَاذ، وَالْأَصْل فِيهِ الزِّيَادَة، من رَبًّا المَال يَرْبُو ربوا إِذا زَاد، فَيكْتب بِالْألف، وَلَكِن وَقع فِي خطّ الْمُصحف بِالْوَاو على لُغَة من يفخم، وَعَن الثَّعْلَبِيّ: كتبوه فِي الْمُصحف بِالْوَاو، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كتبه بِالْيَاءِ بِسَبَب كسرة أَوله، وغلطهم البصريون فِي ذَلِك، وَقَالَ الْفراء: إِنَّمَا كتبوه بِالْوَاو لِأَن أهل الْحجاز تعلمُوا الْخط من أهل الْحيرَة ولغتهم الربو بمضموم، وَصُورَة الْخط على لغتهم، وَزعم أَبُو الْحسن طَاهِر ابْن غليون أَن أَبَا السماك قَرَأَ: الربو، بِفَتْح الرَّاء وَضم الْبَاء وَيجْعَل مَعهَا واوا. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: قَرَأَهُ أَبُو السماك وَأَبُو السوار بِكَسْر الرَّاء وَضم الْبَاء وواو سَاكِنة وَقِرَاءَة الْحسن بِالْمدِّ والهمزة وَقِرَاءَة حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بالإمالة وَقِرَاءَة البَاقِينَ بالتفخيم وَفِي (شرح الْمُهَذّب) انت بِالْخِيَارِ وَفِي كتبه بِالْألف وَالْوَاو وَالْيَاء والرماء بِالْمدِّ وَالْمِيم
بِالضَّمِّ، والربية بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيف لُغَة فِيهِ، وَهُوَ فِي الشَّرْع: الزِّيَادَة على أصل المَال من غير عقد تبَايع، قَالَه ابْن الْأَثِير: وَقَالَ أَصْحَابنَا: الرِّبَا فضل مَال بِلَا عوض فِي مُعَاوضَة مَال بِمَال كَمَا إِذا بَاعَ عشرَة دَرَاهِم بِأحد عشر درهما، فَإِن الدِّرْهَم، فِيهِ فضل، وَلَيْسَ فِي مُقَابِله شَيْء، وَهُوَ عين الرِّبَا، قَوْله: (وَشَاهده) أَي: وَفِي حكم شَاهده أَو فِي إِثْم شَاهده، وإثم كَاتبه وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (وشاهديه) ، بالتثنية.
وقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ
стр. 3308
ذَلِكَ بِأنَّهُمْ قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ الله البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانْتَهَى فَلَهْ مَا سَلَفَ وأمْرُهُ إِلَى الله ومَنْ عادَ فأُولَئِكَ أصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خالِدُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) .
وَقَوله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (آكل الرِّبَا) ، أَي: وَفِي بَيَان قَوْله تَعَالَى. وَقَالَ الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بِإِسْنَادِهِ إِلَى سعيد بن جُبَير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) . قا: (يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة مَجْنُونا يخنق نَفسه) ، وبإسناده إِلَى أبي حَيَّان: (آكل الرِّبَا يعرف يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يعرف الْمَجْنُون فِي الدُّنْيَا) ، وَفِي كتاب أبي الْفضل الْجَوْزِيّ، من حَدِيث أَيَّانَ عَن أنس، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (يَأْتِي آكل الرِّبَا يَوْم الْقِيَامَة مخبلاً يجر شقَّه، ثمَّ قَرَأَ ﴿لَا يقومُونَ إلَاّ كَمَا يقوم الَّذِي يتخطبه الشَّيْطَان من الْمس﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) . وَعَن السّديّ: الْمس الْجُنُون، وَعَن أبي عُبَيْدَة: الْمس من الشَّيْطَان وَالْجِنّ وَهُوَ: اللمم، وَفِي (كتاب الرِّبَا) لمُحَمد بن أسلم السَّمرقَنْدِي: حَدثنَا عَليّ بن إِسْحَاق عَن يُوسُف بن عَطِيَّة عَن ابْن سمْعَان عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّقوا الله وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . قَالَ: فَمن كَانَ من أهل الرِّبَا فقد حَارب الله، وَمن حَارب الله فَهُوَ عَدو لله وَلِرَسُولِهِ. وَحدثنَا عَليّ بن إِسْحَاق أخبرنَا يحيى بن المتَوَكل حَدثنَا أَبُو عباد عَن أَبِيه عَن جده (عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: (الرِّبَا اثْنَان وَسَبْعُونَ حوبا أدناها بَابا بِمَنْزِلَة الناكح أمه) . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: أجمع الْمُسلمُونَ على تَحْرِيم الرِّبَا وعَلى أَنه من الْكَبَائِر. وَقيل: إِنَّه كَانَ محرما فِي جَمِيع الشَّرَائِع. قَوْله: ﴿لَا يقومُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) . أَي: من قُبُورهم يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِنَّمَا خص الْآكِل بِالذكر لِأَن الَّذين نزلت فيهم الْآيَات الْمَذْكُورَة كَانَت طعمتهم من الرِّبَا، وإلَاّ فالوعيد حَاصِل لكل من عمل بِهِ سَوَاء أكل مِنْهُ أَو لَا. قَوْله: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) . أَي: الَّذين جرى لَهُم بِسَبَب أَنهم قَالُوا: إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا أَي: نَظِيره، وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسا مِنْهُم الرِّبَا على البيع، لِأَن الْمُشْركين لَا يعترفون بمشروعية أصل البيع الَّذِي شَرعه الله فِي الْقُرْآن، وَلَو كَانَ هَذَا من بَاب الْقيَاس لقالوا: إِنَّمَا الرِّبَا مثل البيع، وَإِنَّمَا قَالُوا: إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا، فَلم حرم هَذَا وأبيح هَذَا؟ وَهَذَا اعْتِرَاض مِنْهُم على الشَّرْع، فَرد الله عَلَيْهِم بقوله: ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) . فليسا نظيرين. قَوْله: ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) . أَي: من بلغه نهي الله عَن الرِّبَا. ﴿فَانْتهى﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) . حَال وُصُول الشَّرْع إِلَيْهِ. ﴿فَلهُ مَا سلف﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) . من الْمُعَامَلَة، كَقَوْلِه: ﴿عَفا الله عَمَّا سلف﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَلم يَأْمر الشَّارِع برد الزِّيَادَات الْمَأْخُوذَة فِي الْجَاهِلِيَّة، بل عَفا عَمَّا سلف كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلهُ مَا سلف وَأمره إِلَى الله﴾ (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَالسُّديّ ﴿فَلهُ مَا سلف﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) . فَلهُ مَا أكل من الرِّبَا قبل التَّحْرِيم، قَوْله: ﴿وَمن عَاد﴾ أَي: إِلَى الرِّبَا، فَفعله بعد بُلُوغ نهي الله لَهُ عَنهُ فقد اسْتوْجبَ الْعقُوبَة وَقَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) . وَاخْتلف فِي عقد الرِّبَا: هَل هُوَ مَنْسُوخ لَا يجوز بِحَال أَو بيع فَاسد إِذا أزيل فَسَاده صَحَّ بَيْعه؟ فجمهور الْعلمَاء على أَنه بيع مَنْسُوخ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ بيع فَاسد إِذا أزيل عَنهُ مَا يُفْسِدهُ انْقَلب صَحِيحا.
٤٨٠٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ نزلت حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبِي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عَن عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا آخِرُ البَقَرَةِ قَرَأهُنَّ النبيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ. .
مطابقته لِلْآيَةِ الَّتِي هِيَ مثل التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن آيَات الرِّبَا الَّتِي فِي آخر سُورَة الْبَقَرَة مبينَة لأحكامه وذامة لآكليه، فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث شَيْء يدل على كَاتب الرِّبَا وَشَاهده؟ قلت: لما كَانَا معاونين على الْأكل صَارا كَأَنَّهُمَا قائلان أَيْضا: إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا، أَو كَانَا راضيين بِفِعْلِهِ، والرضى بالحرام حرَام أَو عقد التَّرْجَمَة لَهما وَلم يجد حَدِيثا فيهمَا بِشَرْطِهِ، فَلم يذكر شَيْئا. والْحَدِيث قد مضى فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد فِي: بَاب تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر فِي الْمَسْجِد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة، وَأخرجه هُنَا: عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَهُوَ لقد مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ وَأَبُو الضُّحَى اسْمه، مُسلم بن صبيح الْكُوفِي، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٥٨٠٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حَدثنَا جرير بن حَازِم قَالَ حدَّثنا أبُو رجَاءٍ عنْ سَمُرَةَ بنِ
стр. 3309
جُنْدُبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ رأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيَانِي فأخْرَجَانِي إلَى أرْضٍ مُقَدَّسَةٍ فانْطَلَقْنَا حَتَّى أتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ منْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قائِمٌ وعَلَى وسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فأقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ فإذَا أرَادَ أنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كانَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِي رَأيْتَهُ فِي النَّهْرِ آكِلُ الرِّبَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الَّذِي رَأَيْته فِي النَّهر آكل الرِّبَا) ، وَهَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي كتاب الْجَنَائِز بعد: بَاب مَا قيل فِي أَوْلَاد الْمُشْركين فِي: بَاب، كَذَا مُجَردا عَن تَرْجَمَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مطولا بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا. وَأَبُو رَجَاء اسْمه عمرَان العطاردي.
قَوْله: (رَأَيْت) من الرُّؤْيَا، ويروى: (أريت) ، بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي أَرض مُقَدَّسَة) ، بالتنكير للتعظيم. قَوْله: (وعَلى وسط النَّهر) هَكَذَا بِالْوَاو، ويروى: (على وسط النَّهر) ، بِلَا: وَاو، فعلى الرِّوَايَة الأولى: الْوَاو، للْحَال وَلَكِن فِيهِ الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَهُوَ على وسط النَّهر، وعَلى الرِّوَايَة الثَّانِيَة يكون: على، مُتَعَلقَة بقوله: (قَائِم) . فَإِن قلت: لم لَا يجوز أَن يكون: رجل، فِي قَوْله: (رجل بَين يَدَيْهِ حِجَارَة) مُبْتَدأ. وَقَوله: (وعَلى وسط النَّهر) يكون خَبره مقدما؟ قلت: لَا يجوز، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة: (وَرجل بَين يَدَيْهِ حِجَارَة) بِالْوَاو، وَلَا يجوز دُخُول الْوَاو بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَلِأَن الرجل الَّذِي بَين يَدَيْهِ حِجَارَة هُوَ على شط النَّهر لَا على وَسطه، كَمَا تقدم فِي آخر كتاب الْجَنَائِز.
٥٢ - (بابُ مُوكِلِ الرِّبا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم مُوكل الرِّبَا أَي مطعمه، وَهُوَ بِضَم الْمِيم وَكسر الْكَاف، اسْم فَاعل من مزِيد أكل وَهُوَ: أءكل، بهمزتين، فقلبت الْهمزَة الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ من نفس الْكَلِمَة ألفا لانفتاح مَا قبلهَا، فَصَارَ: آكل، على وزن: افْعَل، وَاسم الْفَاعِل مِنْهُ: مُوكل، على وزن: مفعل، وَأَصله، مؤكل، بِهَمْزَة سَاكِنة بعد مِيم فقلبت واوا لضمة مَا قبلهَا.
لِقَوْلِهِ تعَالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فأذَنُوا بحَرْبٍ مِنَ الله ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ ولَا تُظْلَمُونَ وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون ,َواتقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله ثمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) .
لقَوْله تَعَالَى، وَفِي بعض النّسخ: لقَوْل الله تَعَالَى، اللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل لِأَن مُوكل الرِّبَا وآكلها آثمان، لِأَن الله تَعَالَى نهى عَنهُ بقوله: ﴿وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . فَأمر الله عباده الْمُؤمنِينَ بتقواه ناهيا لَهُم عَمَّا يقربهُمْ إِلَى سخطه ويبعدهم عَن رِضَاهُ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . أَي: خافوه وراقبوه فِيمَا تَفْعَلُونَ: ﴿وذروا﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . أَي اتْرُكُوا. ﴿مَا بَقِي من الرِّبَا﴾ وَغير ذَلِك، وَقد ذكر زيد بن أسلم وَابْن جريج وَمُقَاتِل بن حبَان وَالسُّديّ أَن هَذَا السِّيَاق نزل فِي بني عَمْرو بن عُمَيْر من ثَقِيف، وَبني الْمُغيرَة من بني مَخْزُوم، كَانَ بَينهم رَبًّا فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام ودخلوا فِيهِ طلب ثَقِيف أَن يَأْخُذهُ مِنْهُم، فتشاجروا، وَقَالَ بَنو الْمُغيرَة: لَا نُؤَدِّي الرِّبَا فِي الْإِسْلَام، فَكتب فِي ذَلِك عتاب بن أسيد، نَائِب مَكَّة، إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فَنزلت هَذِه الْآيَة، فَكتب بهَا رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِ: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين فَإِن لم تَفعلُوا فأْذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . فَقَالُوا: نتوب إِلَى الله وَنذر مَا بَقِي من الرِّبَا، فَتَركه كلهم. قَوْله: ﴿فأْذنوا بِحَرب من الله﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . قَالَ ابْن عَبَّاس أَي: استيقنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله، وَعَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: يُقَال، يَوْم الْقِيَامَة لآكل الرِّبَا: خُذ سِلَاحك للحرب،
стр. 3310
ثمَّ قَرَأَ: ﴿فَإِن لم تَفعلُوا فأْذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: ﴿فَإِن لم تَفعلُوا فاْذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . فَمن كَانَ مُقيما على الرِّبَا لَا ينْزع مِنْهُ، فَحق على إِمَام الْمُسلمين أَن يستتيبه، فَإِن نزع وإلَاّ ضرب عُنُقه. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا عَليّ بن الْحُسَيْن حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الْأَعْلَى حَدثنَا هِشَام بن حسان عَن الْحسن وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا قَالَا: وَالله إِن هَؤُلَاءِ الصيارفة لآكلة الرِّبَا، وَأَنَّهُمْ قد أذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله، وَلَو كَانَ على النَّاس إِمَام عَادل لاستتابهم، فَإِن تَابُوا وإلَاّ وضع فيهم السِّلَاح. قَوْله: ﴿وَإِن تبتم﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . أَي: عَن الرِّبَا: ﴿فلكم رُؤُوس أَمْوَالكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . من غير زِيَادَة، ﴿وَلَا تظْلمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . بِأخذ زِيَادَة ﴿لَا تظْلمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . بِوَضْع رُؤُوس الْأَمْوَال، بل لكم مَا بذلتم من غير زِيَادَة عَلَيْهِ وَلَا نُقْصَان مِنْهُ. قَوْله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عسرة﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . أَي: وَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدّين إِمَّا أَن تقضي وَإِمَّا أَن تربي، ثمَّ ندب الله تَعَالَى إِلَى الْوَضع عَنهُ وحرضه على ذَلِك الْخَيْر وَالثَّوَاب الجزيل. بقوله: ﴿وَإِن تصدَّقوا خير لكم﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة أَن أسعد بن زُرَارَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من سره أَن يظله الله فِي ظله، يَوْم لَا ظلّ إلَاّ ظله فلييسر على كل مُعسر أَو ليضع عَنهُ) . وروى أَحْمد من حَدِيث سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: (من أنظر مُعسرا فَلهُ بِكُل يَوْم مثله صَدَقَة، ثمَّ سمعته يَقُول: من أنظر مُعسرا فَلهُ بِكُل يَوْم مثلاه صَدَقَة، قلت: سَمِعتك يَا رَسُول الله تَقول: من أنظر مُعسرا فَلهُ بِكُل يَوْم مثله صَدَقَة، ثمَّ سَمِعتك تَقول: من أنظر مُعسر فَلهُ بِكُل يَوْم مثلاه صَدَقَة، قَالَ: لَهُ بِكُل يَوْم مثله صَدَقَة، قبل أَن يحل الدّين، فَإِذا حل الدّين فأنظره فَلهُ بِكُل يَوْم مثلاه صَدَقَة) ، وروى الْحَاكِم من حَدِيث سهل بن حنيف أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من أعَان مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله أَو غازيا أَو غارما فِي عسرته أَو مكَاتبا فِي رقبته أظلهُ الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إلَاّ ظله) . وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة. قَوْله: ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . أَي: اتَّقوا عَذَاب يَوْم، وَيجوز أَن يكون على ظَاهره، لِأَن يَوْم الْقِيَامَة يَوْم مخوف. قَوْله: ﴿ترجعون فِيهِ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . أَي: تردون فِيهِ ﴿إِلَى الله﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . أَي: إِلَى حسابه وجزائه. قَوْله: ﴿ثمَّ توفَّى كل نفس﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . أَي: تُجازى كل نفس بِمَا كسبت من الْخَيْر وَالشَّر. ﴿وهم لَا يظْلمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . لِأَن الله عَادل لَا ظلم عِنْده، لايظلم عِنْده.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النبيِّ ﷺ
هَذِه إِشَارَة إِلَى آيَة الرِّبَا، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ البُخَارِيّ مُسْندًا فِي التَّفْسِير، فَقَالَ: حَدثنَا قبيصَة حَدثنَا سُفْيَان عَن عَاصِم عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس: آخر آيَة نزلت آيَة الرِّبَا) . وَقَالَ ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ (عَن ابْن عَبَّاس: آخر آيَة نزلت ﴿اتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . قَالَ: فإمَّا أَن يكون وهم من الروَاة لقربها مِنْهَا، أَو غير ذَلِك. انْتهى. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَيْسَ بوهم، بل هَاتَانِ الْآيَتَانِ نزلتا جملَة وَاحِدَة، فصح أَن يُقَال لكل مِنْهُمَا آخر آيَة. وروى عَن الْبَراء أَن آخر آيَة نزلت: ﴿يستفتونك! قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ (النِّسَاء: ٦٧٢) . وَقَالَ أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: آخر آيَة نزلت: ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ (التَّوْبَة: ٨٢١) . وَقيل: إِن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . إِنَّهَا نزلت يَوْم النَّحْر بمنى فِي حجَّة الْوَدَاع، وروى الثَّوْريّ عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: آخر آيَة نزلت: ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . فَكَانَ بَين نُزُولهَا وَبَين موت النَّبِي ﷺ أحد وَثَلَاثُونَ يَوْمًا. وَقَالَ ابْن جريج: يَقُولُونَ إِن النَّبِي ﷺ عَاشَ بعْدهَا تسع لَيَال، وبدىء يَوْم السبت وَمَات يَوْم الْإِثْنَيْنِ، رَوَاهُ ابْن جرير، وَقَالَ مقَاتل: توفّي النَّبِي ﷺ بعد نُزُولهَا بِسبع ليالٍ.
٦٨٠٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَوْنِ بنِ أبِي جُحَيْفَةَ قَالَ رأيْتُ أبِي اشْتَرَى عَبْدا حَجَّاما فأمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ فَسَألْتُهُ فَقَالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عَن ثَمَنِ الْكَلْبِ وثَمَنِ الدَّمِ ونَهَى عنِ الوَاشِمَةِ والمَوْشُومَةِ وآكِل الرِّبَا ومُوكِلِهِ ولَعَنَ المُصَوِّرَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وآكل الرِّبَا وموكله) ، وَأَبُو الْوَلِيد اسْمه هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ الْبَصْرِيّ، وَعون، بِفَتْح
стр. 3311
الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون، وَأَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء، واسْمه وهب بن عبد الله أَبُو جُحَيْفَة السوَائِي، وَقد مر فِيمَا مضى.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن حجاج بن منهال، وَفِي الطَّلَاق عَن آدم، وَفِي اللبَاس عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَعَن أبي مُوسَى عَن غنْدر، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده وَفِي بعض طرقه زِيَادَة: كسب الْأمة، وَفِي أُخْرَى: كسب الْبَغي، وَتفرد مِنْهُ بلعن المصور أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بمحاجمه) ، بِفَتْح الْمِيم جمع: محجم، بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ الْآلَة الَّتِي يحجم بهَا الْحجام. قَوْله: (فَسَأَلته) ، أَي: فَسَأَلت أبي الظَّاهِر أَن سُؤَاله عَن سَبَب مشتراه، وَلَكِن لَا يُنَاسب جَوَابه بقوله: (نهى النَّبِي ﷺ . وَلَكِن فِيهِ اخْتِصَار بَينه فِي آخر الْبيُوع من وَجه آخر عَن شُعْبَة بِلَفْظ: (اشْترى حجاما فَأمر بمحاجمه فَكسرت فَسَأَلته عَن ذَلِك) ، فَفِيهِ الْبَيَان بِأَن السُّؤَال إِنَّمَا وَقع عَن كسر المحاجم، وَهُوَ الْمُنَاسب للجواب، وَسَأَلَ الْكرْمَانِي هُنَا بقوله: فلِمَ اشْتَرَاهُ؟ ثمَّ أجَاب: بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ ليكسر محجمه ويمنعه عَن تِلْكَ الصِّنَاعَة قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى، بل الصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ أَيْضا تَنْبِيه على هَذَا حَيْثُ قَالَ: وَفِي بعض الرِّوَايَة بعد لفظ حجاما: (فَأمر بمحاجمه فَكسرت فَسَأَلته) ، يَعْنِي: عَن الْكسر. قَوْله: (وَثمن الدَّم) ، يَعْنِي: أُجْرَة الْحجامَة، وَأطلق الثّمن عَلَيْهِ تجوزا. قَوْله: (الواشمة) ، هِيَ فاعلة، الوشم، والموشومة مَفْعُوله، والوشم أَن يغرز يَده أَو عضوا من أَعْضَائِهِ بإبرة ثمَّ يذر عَلَيْهَا النّيل وَنَحْوه. قَوْله: (وآكل الرِّبَا) ، أَي: وَنهى آكل الرِّبَا عَن أكله، وَكَذَا نهى مُوكله عَن إطعامه غَيره، وَيُقَال: المُرَاد من الْآكِل آخذه كالمستقرض، وَمن الْمُوكل معطيه كالمقرض، وَالنَّهْي فِي هَذَا كُله عَن الْفِعْل، وَالتَّقْدِير: عَن فعل الواشمة، وَفعل الموشومة، وَفعل الْآكِل وَفعل الْمُوكل، وَخص الْآكِل من بَين سَائِر الانتفاعات لِأَنَّهُ أعظم الْمَقَاصِد. قَوْله: (وَلعن المصور) ، عطف على قَوْله: (نهى) ، وَلَوْلَا أَن المصور أعظم ذَنبا لما لَعنه النَّبِي ﷺ .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَهُوَ على وُجُوه:
الأول: فِيهِ جَوَاز شِرَاء العَبْد الْحجام، وسؤال عون بن جُحَيْفَة عَن أَبِيه إِنَّمَا كَانَ عَن كسر محاجمه لَا عَن شِرَائِهِ إِيَّاه، كَمَا ذَكرْنَاهُ.
الثَّانِي: فِيهِ: النَّهْي عَن ثمن الْكَلْب. وَفِيه: اخْتِلَاف الْعلمَاء، فَقَالَ الْحسن وَرَبِيعَة وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَدَاوُد وَمَالك فِي رِوَايَة: ثمن الْكَلْب حرَام. وَقَالَ ابْن قدامَة: لَا يخْتَلف الْمَذْهَب فِي أَن بيع الْكَلْب بَاطِل على كل حَال، وَكره أَبُو هُرَيْرَة ثمن الْكَلْب، وَرخّص فِي كلب الصَّيْد خَاصَّة، وَبِه قَالَ عَطاء وَالنَّخَعِيّ.
وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك، فَمنهمْ من قَالَ: لَا يجوز، وَمِنْهُم من قَالَ: الْكَلْب الْمَأْذُون فِي إِمْسَاكه يكره بَيْعه وَيصِح وَلَا تجوز إِجَارَته، نَص عَلَيْهِ أَحْمد، وَهَذَا قَول بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي. وَقَالَ بَعضهم: يجوز، وَقَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : أكره ثمن الْكَلْب الضاري وَغير الضاري لنَهْيه، ﷺ ، عَن ثمن الْكَلْب. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لِابْنِ زرقون: وَاخْتلف قَول مَالك فِي ثمن الْكَلْب الْمُبَاح اتِّخَاذه، فَأَجَازَهُ مرّة وَمنعه أُخْرَى، وبإجازته قَالَ ابْن كنَانَة وَأَبُو حنيفَة: قَالَ سَحْنُون: ويحج بِثمنِهِ، وروى عَنهُ ابْن الْقَاسِم أَنه كره بَيْعه. وَفِي (الْمُدَوَّنَة) : كَانَ مَالك يَأْمر بِبيع الْكَلْب الضاري فِي الْمِيرَاث وَالدّين والمغانم، وَيكرهُ بَيْعه للرجل ابْتِدَاء. قَالَ يحيى بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (فِي الْمِيرَاث) ، يَعْنِي: للْيَتِيم، وَأما لأهل الْمِيرَاث الْبَالِغين فَلَا يُبَاع إلَاّ فِي الدّين والمغانم، وروى أَبُو زيد عَن ابْن الْقَاسِم: لَا بَأْس باشتراء كلاب الصَّيْد وَلَا يجوز بيعهَا، وَقَالَ أَشهب فِي ديوانه عَن مَالك: يفْسخ بيع الْكَلْب إلَاّ أَن يطول، وَحكى ابْن عبد الحكم: أَنه يفْسخ وَإِن طَال. وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَلَا يحل بيع كلب أصلا لَا كلب صيد وَلَا كلب مَاشِيَة وَلَا غَيرهمَا. فَإِن اضْطر إِلَيْهِ وَلم يجد من يُعْطِيهِ إِيَّاه فَلهُ ابتياعه، وَهُوَ حَلَال للْمُشْتَرِي حرَام للْبَائِع، ينتزع مِنْهُ الثّمن مَتى قدر عَلَيْهِ كالرشوة فِي دفع الظُّلم. وَفِدَاء الْأَسير ومصانعة الظَّالِم. ثمَّ قَالَ: وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد وَأبي سُلَيْمَان وَأبي ثَوْر وَغَيرهم انْتهى.
وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَابْن كنَانَة وَسَحْنُون من الْمَالِكِيَّة: الْكلاب الَّتِي ينْتَفع بهَا يجوز بيعهَا وتباح أثمانها. وَعَن أبي حنيفَة: أَن الْكَلْب الْعَقُور لَا يجوز بَيْعه وَلَا يُبَاح ثمنه، وَفِي (الْبَدَائِع) : وَأما بيع ذِي نَاب من السبَاع سوى الْخِنْزِير: كَالْكَلْبِ والفهد والأسد والنمر وَالذِّئْب والدب والهر وَنَحْوهَا، جَائِز عِنْد أَصْحَابنَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز بيع الْكَلْب. ثمَّ عندنَا: لَا فرق بَين الْمعلم وَغَيره، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: فَيجوز بَيْعه كَيفَ مَا كَانَ وَعَن أبي يُوسُف أَنه: لَا يجوز بيع الْكَلْب الْعَقُور. وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن النَّهْي الَّذِي فِي
стр. 3312
هَذَا الحَدِيث وَغَيره أَنه كَانَ حِين كَانَ حكم الْكلاب أَن تقتل، وَكَانَ لَا يحل إِِمْسَاكهَا، وَقد وَردت فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة، فَمَا كَانَ على هَذَا الحكم فثمنه حرَام، ثمَّ لما أُبِيح الِانْتِفَاع بالكلاب للاصطياد وَنَحْوه، وَنهى عَن قَتلهَا، نسخ مَا كَانَ من النَّهْي عَن بيعهَا وَتَنَاول ثمنهَا. فَإِن قلت: مَا وَجه هَذَا النّسخ؟ قلت: ظَاهر، لِأَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة، فَلَمَّا ورد النَّهْي عَن اتخاذها ورد الْأَمر بقتلها علمنَا أَن اتخاذها حرَام، وَأَن بيعهَا حرَام، وَمَا كَانَ الِانْتِفَاع بِهِ حَرَامًا فثمنه حرَام كالخنزير، ثمَّ لما وَردت الْإِبَاحَة بِالِانْتِفَاعِ بهَا للاصطياد وَنَحْوه، وَورد النَّهْي عَن قَتلهَا، علمنَا أَنما كَانَ قبل من الْحكمَيْنِ الْمَذْكُورين قد انتسخ بِمَا ورد بعده، وَلَا شكّ أَن الْإِبَاحَة بعد التَّحْرِيم نسخ لذَلِك التَّحْرِيم، وَرفع لحكمه.
الثَّالِث: فِيهِ النَّهْي عَن ثمن الدَّم، وَهُوَ أُجْرَة الْحجامَة. فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: النَّهْي فِيهِ على التَّنْزِيه على الْمَشْهُور، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ، ﷺ ، احْتجم وَأعْطى الْحجام أجره، وَلَو كَانَ حَرَامًا لم يُعْطه. وَنقل ابْن التِّين عَن كثير من الْعلمَاء أَنه جَائِز من غير كَرَاهَة، كالبناء والخياط وَسَائِر الصناعات. وَقَالُوا: يَعْنِي نَهْيه عَن ثمن الدَّم، أَي: السَّائِل الَّذِي حرمه الله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أُجْرَة الْحجام من ذَلِك، أَي: لَا يجوز أَخذه، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَالنَّخَعِيّ، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّهُ ﷺ نهى عَن مهر الْبَغي وَكسب الْحجام، فَجمع بَينهمَا. وَمهر الْبَغي حرَام إِجْمَاعًا، فَكَذَلِك كسب الْحجام. وَأما الَّذين حملُوا النَّهْي على التَّنْزِيه فاستدلوا أَيْضا بقوله لمحيصة: أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك. وَقَالَ آخَرُونَ: يجوز للمحتجم إِعْطَاء الْحجام الْأُجْرَة وَلَا يجوز للحجام أَخذهَا، رَوَاهُ ابْن جرير عَن أبي قلَابَة، وعلته أَن النَّبِي ﷺ أعْطى الْحجام أجرا، فَجَائِز لهَذَا الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي أَفعاله، وَلَيْسَ للحجام أَخذهَا للنَّهْي عَن كَسبه. وَبِه قَالَ ابْن جرير، إلَاّ أَنه قَالَ: إِن أَخذ الْأُجْرَة رَأَيْت لَهُ أَن يعلف بِهِ نَاضِحَهُ ومواشيه وَلَا يَأْكُلهُ، فَإِن أكله لم أرَ بِأَكْلِهِ حَرَامًا. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : قَالَ الْأَكْثَرُونَ لَا يحرم أكله لَا على الْحر وَلَا على العَبْد، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد الْمَشْهُور، وَفِي رِوَايَة عَنهُ، وَقَالَ بهَا فُقَهَاء الْمُحدثين يحرم على الْحر دون العَبْد لحَدِيث محيصة الْمَذْكُور. الرَّابِع: فِي النَّهْي عَن فعل الواشمة والموشومة، لِأَنَّهُ من عمل الْجَاهِلِيَّة، وَفِيه تَغْيِير لخلق الله تَعَالَى، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (لعن الله الْوَاصِلَة وَالْمسْتَوْصِلَة، والواشمة والمستوشمة) ، قَالَ نَافِع: الوشم فِي اللثة، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس على مَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَعَن عبد الله (أَن النَّبِي ﷺ لعن الْوَاشِمَات وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالْمُتَنَمِّصَات مبتغيات لِلْحسنِ مغيرات خلق الله) ، أخرجه الْجَمَاعَة.
الْخَامِس: آكل الرِّبَا وموكله، وَإِنَّمَا اشْتَركَا فِي الْإِثْم، وَإِن كَانَ الرابح أَحدهمَا لِأَنَّهُمَا فِي الْفِعْل شريكان، وَسَيَأْتِي فِي آخر الْبيُوع وَفِي آخر الطَّلَاق أَنه: لعن آكل الرِّبَا وموكله.
السَّادِس: فِي التَّصْوِير، وَهُوَ حرَام بِالْإِجْمَاع، وفاعله يسْتَحق اللَّعْنَة، وَجَاء أَنه يُقَال للمصورين يَوْم الْقِيَامَة: أحيوا مَا خلقْتُمْ. وَظَاهر الحَدِيث الْعُمُوم، وَلَكِن خفف مِنْهُ تَصْوِير مَا لَا روح فِيهِ: كالشجر، وَنَحْوه.
٦٢ - (بابٌ ﴿يمْحَقُ الله الرِّبَا ويُرْبي الصَّدَقاتِ وَالله لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أثِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) .)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يمحق الله الرِّبَا ويربي الصَّدقَات﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . الْآيَة. ويمحق: من محق يمحق محقا من بَاب فعل يفعل بِفَتْح الْعين فيهمَا، والمحق النُّقْصَان وَذَهَاب الْبركَة. وَقيل: هُوَ أَن يذهب كُله حَتَّى لَا يرى مِنْهُ أثر. وَمِنْه: ﴿يمحق الله الرِّبَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . أَي: يستأصله وَيذْهب ببركته وَيهْلك المَال الَّذِي يدْخل فِيهِ. وَفِي تَفْسِير الطَّبَرِيّ عَن ابْن مَسْعُود: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (الرِّبَا وَإِن كثر فَإلَى قل) . وَقَالَ الْمُهلب: سُئِلَ بعض الْعلمَاء، وَقيل: نَحن نرى صَاحب الرِّبَا يَرْبُو مَاله، وَصَاحب الصَّدَقَة إِنَّمَا كَانَ مقلاً. فَقَالَ: يُربي الصَّدقَات، يَعْنِي: أَن صَاحبهَا يجدهَا مثل أحد يَوْم الْقِيَامَة، وَصَاحب الرِّبَا يجد عمله ممحوقا إِن تصدق بِهِ أَو وصل رَحمَه، لِأَنَّهُ لم يكْتب لَهُ بذلك حَسَنَة، وَكَانَ عَلَيْهِ إِثْم الرِّبَا. وَقَالَ ابْن بطال: وَقَالَت طَائِفَة إِن الرِّبَا يمحق فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة على عُمُوم اللَّفْظ. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر: أَنه قَالَ: سمعنَا أَنه لَا يَأْتِي على صَاحب الرِّبَا أَرْبَعُونَ سنة حَتَّى يمحق. قَوْله: ﴿يُربي الصَّدقَات﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . أَي: يزيدها من الإرباء. قَالَ الطَّبَرِيّ: الإرباء: الزِّيَادَة على الشَّيْء. يُقَال مِنْهُ: أربى فلَان على فلَان إِذا زَاد عَلَيْهِ، وقرىء: ويربِّي، بِضَم الْيَاء وَفتح الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُشَدّدَة من التربية، كَمَا فِي (الصَّحِيح) : (من تصدق بِعدْل تَمْرَة) الحَدِيث، وَفِيه: (ثمَّ يُرَبِّيهَا لصَاحبه كَمَا يُربي أحدكُم فلوه حَتَّى يكون مثل الْجَبَل) . وَفِي
стр. 3313
رِوَايَة ابْن جرير: (وَأَن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو فِي يَد الله، أَو قَالَ فِي كف الله حَتَّى يكون مثل أحد، فتصدقوا) وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا، وَهَذَا طَرِيق غَرِيب صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَكِن لَفظه عَجِيب، وَالْمَحْفُوظ مَا تقدم. قَوْله: ﴿وَالله لَا يحب كل كفار أثيم﴾ (الْبَقَرَة: ٦٧٢) . أَي: لَا يحب كفور الْقلب أثيم القَوْل وَالْفِعْل. ومناسبة ختم هَذِه الْآيَة بِهَذِهِ الصّفة هِيَ أَن المرابي لَا يرضى بِمَا أعطَاهُ الله من الْحَلَال، وَلَا يَكْتَفِي بِمَا شرع لَهُ من التكسب الْمُبَاح، فَهُوَ يسْعَى فِي أكل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ بأنواع المكاسب الخبيثة، فَهُوَ جحود لما عَلَيْهِ من النِّعْمَة، ظلوم آثم بِأَكْل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَالله لَا يحب كل مصر على كفر مُقيم عَلَيْهِ مستحل أكل الرِّبَا.
٧٢ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة الْحلف فِي البيع مُطلقًا: يَعْنِي: سَوَاء كَانَ صَادِقا أَو كَاذِبًا، فَإِن كَانَ صَادِقا فكراهة تَنْزِيه، وَإِن كَانَ كَاذِبًا فكراهة تَحْرِيم.
٨٨٠٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدثنَا هُشَيْمٌ قَالَ أخبرنَا الْعَوَّامُ عنْ إبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمان عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي أوفى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رَجُلاً أقامَ سِلْعَةً وَهْوَ فِي السُّوقِ فَحَلَفَ بِاللَّه لَقَدْ أعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ فنَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمَانِهِمْ ثَمَنا قَلِيلاً﴾ (آل عمرَان: ٧٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد الْبَغْدَادِيّ، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وهشيم، بِضَم الْهَاء: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: الوَاسِطِيّ، والعوام على وزن فعال ابْن حَوْشَب الشَّيْبَانِيّ الوَاسِطِيّ، مَاتَ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة
стр. 3314
وَإِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن السكْسكِي أَبُو إِسْمَاعِيل الْكُوفِي، وَعبد الله بن أبي أوفى بِلَفْظ أفعل التَّفْضِيل وَاسم أبي أوفى عَلْقَمَة الْأَسْلَمِيّ، لَهُ ولأبيه صُحْبَة، وَهُوَ آخر من مَاتَ بِالْكُوفَةِ من الصَّحَابَة، وَهُوَ من جملَة من رَآهُ أَبُو حنيفَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَأخرجه أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن أبي هَاشم وَفِي الشَّهَادَات عَن إِسْحَاق عَن يزِيد بن هَارُون.
قَوْله: (أَقَامَ) أَي: روَّج، يُقَال: قَامَت السُّوق أَي: راجت ونفقت. والسلعة: الْمَتَاع، وَالْوَاو فِي قَوْله: وَهُوَ، للْحَال. قَوْله: (بِاللَّه) ، يحْتَمل أَن يكون صلَة: لحلف، وَأَن لَا يكون صلَة لَهُ، بل قسم. وَقَوله: (وَلَقَد) جَوَاب قسم. قَوْله: (بهَا) أَي: بدل سلْعَته، أَي: حلف بِأَنَّهُ أعْطى كَذَا وَكَذَا وَمَا أخذت، ويكذب فِيهِ، ترويجا لسلعته. قَوْله: (ليوقع) ، أَي: لِأَن يُوقع فِيهَا، أَي: فِي سلْعَته، رجلا من الْمُسلمين الَّذين يُرِيدُونَ الشِّرَاء. قَوْله: (فَنزلت هَذِه الْآيَة) ، وَهِي: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . الْآيَة نزلت فِيمَن يحلف يَمِينا فاجرة لينفق سلْعَته، وَقيل: نزلت فِي الْأَشْعَث بن قيس، نَازع خصما فِي أَرض فَقَامَ ليحلف فَنزلت. قلت: روى الإِمَام أَحْمد، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن آدم حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش عَن عَاصِم بن أبي النجُود عَن شَقِيق بن سَلمَة حَدثنَا عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من اقتطع مَال امرىء مُسلم بِغَيْر حق لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) . قَالَ: فجَاء الْأَشْعَث بن قيس. فَقَالَ: مَا يُحَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن؟ فَحَدَّثنَاهُ، فَقَالَ: فيَّ كَانَ هَذَا الحَدِيث، خَاصَمت ابْن عَم لي إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فِي بِئْر كَانَت لي فِي يَده، فجحدني، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : ببينتك أَنَّهَا بئرك وإلَاّ فبيمينه. قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله ﴿مَا لي بَيِّنَة، وَإِن تجعلها بِيَمِينِهِ وَيذْهب بئري، إِن خصمي امْرُؤ فَاجر. فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من اقتطع. .) الحَدِيث. قَالَ: وَقَرَأَ رَسُول الله، ﷺ هَذِه الْآيَة: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . إِلَى قَوْله: ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . وَفِي (تَفْسِير الطَّبَرِيّ) : نزلت فِي أبي رَافع وكنانة ابْن أبي الْحقيق وحيي بن أَخطب، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نزلت فِي الَّذين حرفوا التَّوْرَاة، وَقَالَ مقَاتل: نزلت فِي رُؤُوس الْيَهُود: كَعْب بن الْأَشْرَف وَابْن صريا. قَوْله: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: بِمَا عاهدوه من الْإِيمَان وَالْإِقْرَار بوحدانيته. قَوْله: ﴿وَأَيْمَانهمْ﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: وَأَيْمَانهمْ الكاذبة ﴿ثمنا قَلِيلا﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: عوضا يَسِيرا ﴿أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: لَا نصيب لَهُم فِي الْآخِرَة وَلَا حَظّ لَهُم مِنْهَا. قَوْله: ﴿وَلَا يكلمهم الله﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: كَلَام لطيف، وَلَا ينظر إِلَيْهِم بِعَين الرَّحْمَة، وَلَا يزكيهم من الذُّنُوب والأدناس، وَقيل: لَا يثني عَلَيْهِم، بل يَأْمر بهم إِلَى النَّار ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم عَن أبي الْعَالِيَة: الْأَلِيم: الموجع فِي الْقُرْآن كُله. قَالَ: وَكَذَلِكَ فسره سعيد بن جُبَير وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل وَقَتَادَة وَأَبُو عمرَان الْجونِي، وَمَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أبي ذَر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم. قلت: يَا رَسُول الله﴾ من هم خسروا وخابوا؟ قَالَ، وَأعَاد رَسُول الله ﷺ ثَلَاث مَرَّات: المسبل إزَاره، والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب، والمنَّان) . وَرَوَاهُ مُسلم وَأهل السّنَن من طَرِيق شُعْبَة، وروى أَحْمد أَيْضا من حَدِيث أبي ذَر وَفِيه: (ثَلَاثَة يشنأهم الله: التَّاجِر الحلاف، أَو قَالَ البَائِع الحلاف، وَالْفَقِير المختال، والبخيل المنان) .
٨٢ - (بابُ مَا قِيلَ فِي الصَّوَّاغِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي حق الصواغ، وَالْمرَاد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة والتراجم الَّتِي بعْدهَا من أَصْحَاب المصانع التَّنْبِيه على أَن هَذِه كَانَت فِي زمن النَّبِي ﷺ ، وَأَنه أقرها مَعَ الْعلم بهَا، فَكَانَ كالنص على جَوَازهَا، وَمَا لم يذكر يعْمل فِيهِ بِالْقِيَاسِ، والصواغ، بِفَتْح الصَّاد على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ، هُوَ الَّذِي يعْمل الصياغة، وبضم الصَّاد جمع صائغ.
وَقَالَ طاوُوسٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ النبيُّ ﷺ لَا يُخْتَلَى خَلَاها وَقَالَ الْعَبَّاسُ إلَاّ الإذْخِرَ فإنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وبُيُوتِهِمْ فَقَالَ: إلَاّ الإذُخِرَ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لِقَيْنِهِم) ، لِأَن الْقَيْن يُطلق على: الْحداد والصائغ، قَالَه ابْن الْأَثِير، وَهَذَانِ التعليقان أسندهما البُخَارِيّ فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب لَا ينفر صيد الْحرم. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (لَا يخْتَلى) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: لَا يقطع، والخلا بِفَتْح الْخَاء مَقْصُورا: الرطب من الْحَشِيش.
стр. 3315
٩٨٠٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عَلِيُّ ابنُ حُسَيْنٍ أنَّ حُسَيْنَ بنَ عَلِيُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أخْبَرَهُ أنَّ عليّا ﵇ قَالَ كانَتْ لِي شَارِفٌ منْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ وكانَ النبيُّ ﷺ أعْطَانِي شارِفا مِنَ الخُمْسِ فلَمَّا أرَدْتُ أنْ أبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ ﵍ بِنْتِ رسولِ الله ﷺ واعَدْتُ رَجُلاً صَوَّاغا مِنْ بِني قَيْنُقَاعَ أنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فنَأتِي بِإذْخِرٍ أرَدْتُ أنْ أبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ وأسْتَعِينَ بِهِ فِي ولِيمَةِ عُرْسِي. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من الصواغين) .
ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: عَبْدَانِ، لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْأَزْدِيّ. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. السَّادِس: حُسَيْن عَليّ بن أبي طَالب، أَبُو عبد الله أَخُو الْحسن بن عَليّ. السَّابِع: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: رِوَايَة ابْن شهَاب بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، يُقَال: هُوَ أصح الْأَسَانِيد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان وَيُونُس أيلي والبقية مدنيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس وَفِي الْخمس عَن عَبْدَانِ بِهِ، وَأخرجه فِي الْمَغَازِي عَن أَحْمد بن صَالح وَفِي الشّرْب عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله عَن عَبْدَانِ بِهِ، وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن عبد بن حميد وَعَن أبي بكر بن إِسْحَاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن أَحْمد بن صَالح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (شَارف) ، بالشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره فَاء، على وزن فَاعل، وَهِي المسنة من النوق. وَعَن الْأَصْمَعِي: شَارف وشروف، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: جمع الشارف شرف، كالقول فِي البازل يَعْنِي: خرج نابها. وَعَن أبي حَاتِم: شارفة وَالْجمع شوارف. وَلَا يُقَال للبعير شَارف. وَعَن الْأَصْمَعِي أَنه يُقَال للذّكر شَارف وللأنثى شارفة، وَيجمع على شرف، وَلم أسمع فعل جمع فَاعل إلَاّ قَلِيلا. قَوْله: (من الْمغنم) ، وَفِي لفظ: (كَانَت لي شَارف من نَصِيبي من الْمغنم يَوْم بدر) ، وَقَالَ ابْن بطال: لم يخْتَلف أهل السّير أَن الْخمس لم يكن يَوْم بدر، وَذكر إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي أَنه كَانَ فِي غَزْوَة بني النَّضِير حِين حكم سعد قَالَ، وأحسب أَن بَعضهم قَالَ: نزل أَمر الْخمس بعد ذَلِك، وَقيل: إِنَّمَا كَانَ الْخمس بعد ذَلِك يَقِينا فِي غَنَائِم حنين، وَهِي آخر غنيمَة حضر بهَا رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيحْتَاج قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى تَأْوِيل قلت: ذكر ابْن إِسْحَاق عبد الله بن جحش لما بَعثه النَّبِي ﷺ فِي السّنة الثَّانِيَة إِلَى نَخْلَة فِي رَجَب، وَقيل: عَمْرو بن الْحَضْرَمِيّ وَغَيره، وَاسْتَاقُوا الْغَنِيمَة، وَهِي أول غنيمَة قسم ابْن جحش الْغَنِيمَة وعزل لرَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ قبل أَن يفْرض الْخمس، فَأخر رَسُول الله ﷺ أَمر الْخمس والأسيرين، ثمَّ ذكر خُرُوج رَسُول الله ﷺ إِلَى بدر فِي رَمَضَان فقسم غنائمها مَعَ الْغَنِيمَة الأولى وعزل الْخمس، فَيكون قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: شارفا من نَصِيبي من الْغنم، يُرِيد: يَوْم بدر، وَيكون قَوْله: وَكَانَ رَسُول الله ﷺ أَعْطَانِي شارفا قبل ذَلِك من الْخمس، يَعْنِي: قبل يَوْم بدر من غنيمَة ابْن جحش. وَقَالَ ابْن التِّين: فِيهِ دَلِيل على أَن آيَة الْخمس نزلت يَوْم بدر، لِأَنَّهُ لم يكن قبل بنائِهِ بفاطمة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مغنم إلَاّ يَوْم بدر، وَذَلِكَ كُله سنة ثِنْتَيْنِ من الْهِجْرَة فِي رَمَضَان، وَكَانَ بِنَاؤُه بفاطمة بعد ذَلِك، وَذكر أَبُو مُحَمَّد فِي (مُخْتَصره) : أَنه تزَوجهَا فِي السّنة الأولى. قَالَ: وَيُقَال فِي السّنة الثَّانِيَة على رَأس اثْنَتَيْنِ وَعشْرين شهرا. وَهَذَا كُله كَانَ بعد بدر، وَذكر أَبُو عمر عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي: نَكَحَهَا عَليّ بعد وقْعَة أحد. وَقيل: تزَوجهَا بعد بنائِهِ بعائشة بسبعة أشهر وَنصف، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: بنى بهَا فِي ذِي الْحجَّة. وَقيل: فِي رَجَب، وَقيل: فِي صفر من السّنة الثَّانِيَة. قَوْله: (أَن ابتني) أَي: أَدخل بهَا. قَوْله: (من بني قينقاع) ، بِفَتْح القافين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَضم النُّون وَفِي آخِره عين مُهْملَة وَفِي نونه ثَلَاث لُغَات: الضَّم وَالْفَتْح وَالْكَسْر، وَيصرف على إِرَادَة الْحَيّ، وَلَا يصرف على إِرَادَة الْقَبِيلَة
стр. 3316
وَهُوَ رَهْط من الْيَهُود، وَقيل: قينقاع أَبُو سبط من يهود الْمَدِينَة، وهم أول يهود نقضوا مَا بَينهم وَبَين رَسُول الله ﷺ وحاربوا فِيمَا بَين بدر وَأحد، فَحَاصَرَهُمْ النَّبِي ﷺ حَتَّى نزلُوا على حكمه. قَوْله: (بإذخر) ، بِكَسْر الْهمزَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، وَهِي حشيشة طيبَة الرّيح تسقف بهَا الْبيُوت فَوق الْخشب، ويستعملها الصواغون أَيْضا. قَوْله: (فِي وَلِيمَة عرسي) الْوَلِيمَة طَعَام الْعرس، وَقيل: الْوَلِيمَة اسْم لكل طَعَام، والعرس، بِضَم الرَّاء وإسكانها بِمُهْملَة: الْأَمْلَاك وَالْبناء أُنْثَى، وَقد يذكر وتصغيرها بِغَيْر هَاء وَهُوَ نَادِر لِأَن حَقه الْهَاء إِذْ هُوَ يؤنث على ثَلَاثَة أحرف، وَالْجمع أعراس وعرسات، والعروس: نعت الرجل وَالْمَرْأَة، يُقَال: رجل عروس فِي رجال أعراس، وَامْرَأَة عروس فِي نسْوَة عرائس، ذكره ابْن سَيّده، وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري: الْعرس طَعَام الْوَلِيمَة، وَهُوَ من أعرس الرجل بأَهْله إِذا بنى عَلَيْهَا وَدخل بهَا، وَتسَمى الْوَلِيمَة عرسا، وَالْعرب تؤنث الْعرس، وَعَن الْفراء والأصمعي وَأبي زيد وَيَعْقُوب: هِيَ أُنْثَى، وتصغيرها: عريس. وعريسة، وَهُوَ طَعَام الزفاف، والعرس مثل قرط اسْم للطعام الَّذِي يتَّخذ للعروس.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز بيع الْإِذْخر وَسَائِر الْمُبَاحَات والاكتساب مِنْهَا للرفيع والوضيع. وَفِيه: الِاسْتِعَانَة بِأَهْل الصِّنَاعَة فِيمَا ينْفق عِنْدهم. وَفِيه: جَوَاز مُعَاملَة الصَّائِغ وَلَو كَانَ يَهُودِيّا. وَفِيه: الِاسْتِعَانَة على الولائم والتكسب لَهَا من طيب ذَلِك الْكسْب. وَفِيه: أَن طَعَام الْوَلِيمَة على الناكح.
٠٩٠٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حَدثنَا خالِدُ بنُ عَبْدِ الله عَنْ خالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إنَّ الله حَرَّمَ مَكَّةَ ولَمْ تَحِلَّ لأِحَدٍ قَبْلي ولَا لأِحَدٍ بعْدِي وإنَّما حَلَّتْ لِي ساعَةً مِنْ نَهارٍ لَا يُخْتَلَى خلَاها ولَا يُعْضَدُ شَجَرُها ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ولَا يُلْتَقَطُ لُقْطَتُها إلَاّ لِمُعَرِّفٍ. وَقَالَ عَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ إلَاّ الإذُخِرَ لِصَاغَتِنَا ولِسُقُفِ بُيُوتِنا فَقَالَ إلَاّ الإذْخِرَ فَقَالَ عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي مَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا هُوَ أنْ تُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ وتَنْزِلَ مَكَانَه. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لصاغتنا) ، وَهُوَ جمع صائغ وَإِسْحَاق هَذَا هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ، نَص عَلَيْهِ ابْن مَاكُولَا وَابْن البيع، وأكد ذَلِك قَول الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنَا ابْن عبد الْكَرِيم حَدثنَا إِسْحَاق بن شاهين حَدثنَا خَالِد، وَقَول أبي نعيم: حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْكَرِيم الْوزان حَدثنَا إِسْحَاق بن شاهين حَدثنَا خَالِد، وخَالِد الأول هُوَ الطَّحَّان وخَالِد الثَّانِي هُوَ الْحذاء، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب لَا ينفر صيد الْحرم، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ عنْ خالِدٍ لِصاغَتِنا وقُبُورِنا
هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْحَج، وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ.
٩٢ - (بابُ ذِكْرِ الْقِينِ والحَدَّادِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي ذكر الْقَيْن، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره نون. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: أصل الْقَيْن الْحداد، ثمَّ صَار لكل صائغ عِنْد الْعَرَب قينا. وَقَالَ الزّجاج: الْقَيْن الَّذِي يصلح الأسنة، والقين أَيْضا: الْحداد. قَوْله: (والحداد) ، عطف على الْقَيْن، من عطف التَّفْسِير. وَقَالَ بَعضهم: وَكَانَ البُخَارِيّ اعْتمد القَوْل الصائر إِلَى التغاير بَينهمَا وَلَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي أوردهُ فِي الْبَاب إلَاّ ذكر الْقَيْن، فَكَأَنَّهُ ألحق الْحداد بِهِ فِي التَّرْجَمَة لاشْتِرَاكهمَا فِي الحكم قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف الَّذِي لَا وَجه لَهُ، فَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ، لِأَن الْقَيْن يُطلق على معَان كَثِيرَة فيطلق على العَبْد: قين، وعَلى الْأمة: قينة، وَكَذَلِكَ يُطلق على الْجَارِيَة الْمُغنيَة وعَلى الماشطة قينة، فعطف الْحداد على الْقَيْن ليعلم أَن مُرَاده من الْقَيْن هُوَ الْحداد لَا غير، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا اشكو بثي وحزني إِلَى الله﴾ (يُوسُف: ٦٨) . وَفِي الحَدِيث: (ليليني مِنْكُم ذووا الأحلام وَالنَّهْي) ، وَقَالَت النُّحَاة: هَذَا من عطف الشَّيْء على مرادفه. والتقين التزين بأنواع الزِّينَة، وَقَالَت أم أَيمن: أَنا قينت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَي:
стр. 3317
زينها، والقين يجمع على أقيان وقيون، وقان يَقِين قيانةً: صَار قينا، وقان الحديدة قينا عَملهَا. وقان الْإِنَاء قينا أصلحه. وَفِي (التَّلْوِيح) وَفِي بعض الْأُصُول لم يذكر الْحداد.
١٩٠٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ عَن شعْبَةَ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ أبي الصُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عنْ خَبَّابٍ قَالَ كُنْتُ قَيْنا فِي الجَاهِلِيَّةِ وكانِ لِي عَلى الْعَاصِ بنِ وائلٍ دَيْنُ فأتَيْتُهُ أتَقَاضاهُ قَالَ لَا أُعْطِيكَ حَتى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقُلْتُ لَا أكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ الله ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ دعْنِي حَتَّى أمُوتَ وأُبْعَثَ فَسَأُوتِيَ مَالا ووَلَدا فأقْضِيَكَ فَنَزَلَتْ ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأَوتَيَنَّ مَالا ووَلدا أطَّلَعَ الْغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمانِ عَهْدا. (مَرْيَم: ٧٧) . .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت قينا فِي الْجَاهِلِيَّة) .
ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، قد تكَرر ذكره. الثَّانِي: ابْن أبي عدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال، وَهُوَ مُحَمَّد بن أبي عدي، واسْمه: إِبْرَاهِيم. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الْخَامِس: أَبُو الضُّحَى، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة: واسْمه مُسلم بن صبيح، وَقد مر غير مرّة. السَّادِس: مَسْرُوق ابْن الأجدع. والأجدع لقب عبد الرَّحْمَن أَبوهُ. السَّابِع: خباب، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: ابْن الْأَرَت، وَقد مر فِي الصَّلَاة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه يلقب ببندار، ويكنى بِأبي بكر، وَهُوَ وَشَيْخه بصريان وَشعْبَة واسطي، سكن الْبَصْرَة والبقية كوفيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَظَالِم عَن إِسْحَاق، وَفِي التَّفْسِير عَن بشر بن خَالِد، وَفِيه أَيْضا: عَن الْحميدِي وَعَن مُحَمَّد بن كثير وَعَن يحيى بن وَكِيع وَفِي الْإِجَارَة عَن عَمْرو بن حَفْص. وَأخرجه مُسلم فِي ذكر الْمُنَافِقين عَن أبي بكر وَأبي سعيد الْأَشَج وَعَن أبي كريب وَعَن ابْن نمير وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن إِبْرَاهِيم بن أبي عمر بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر بِهِ، وَعَن هناد بن السّري. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كنت قينا) أَي: حدادا. قَوْله: (على الْعَاصِ بن وَائِل) ، بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف، وَذكر ابْن الْكَلْبِيّ عَن جمَاعَة فِي الْجَاهِلِيَّة أَنهم كَانُوا زنادقة، مِنْهُم الْعَاصِ بن وَائِل وَعقبَة بن أبي معيط والوليد بن الْمُغيرَة وَأبي بن خلف. قَوْله: (فَأَتَيْته أَتَقَاضَاهُ) ، أَي: فَأتيت الْعَاصِ أطلب مِنْهُ ديني، قَالَ مقَاتل: صاغ خباب للعاصي شَيْئا من الْحلِيّ، فَلَمَّا طلب مِنْهُ الْأجر قَالَ ألستم تَزْعُمُونَ أَن فِي الْجنَّة الْحَرِير وَالذَّهَب وَالْفِضَّة والولدان؟ قَالَ خباب: نعم. قَالَ الْعَاصِ: فميعاد مَا بَيْننَا الْجنَّة. وَقَالَ الواحدي: قَالَ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل: كَانَ خباب قينا، وَكَانَ يعْمل للعاص بن وَائِل، وَكَانَ العَاصِي يُؤَخر حَقه، فَأَتَاهُ يتقاضاه، فَقَالَ: مَا عِنْدِي الْيَوْم مَا أقضيك، فَقَالَ خباب: لست بمفارقك حَتَّى تقضيني، فَقَالَ العَاصِي: يَا خباب مَالك؟ مَا كنت هَكَذَا؟ وَإِن كنت لحسن الطّلب ﴿﴾ قَالَ: ذَلِك إِذا كنت على دينك، وَأما الْيَوْم فَأَنا على الْإِسْلَام. قَالَ: أفلستم تَزْعُمُونَ أَن فِي الْجنَّة ذَهَبا وَفِضة وَحَرِيرًا؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: فأخرني حَتَّى أقضيك فِي الْجنَّة، استهزاءً، فوَاللَّه إِن كَانَ مَا تَقول حَقًا إِنِّي لأَفْضَل فِيهَا نَصِيبا مِنْك، فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة. انْتهى. قلت: الْآيَة هِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْت الَّذِي كفر بِآيَاتِنَا﴾ (مَرْيَم: ٧٧) . قَوْله: (فَقَالَ: لَا أُعْطِيك) أَي: فَقَالَ العَاصِي: لَا أُعْطِيك حَقك حَتَّى تكفر بِمُحَمد. قَوْله: (فَقلت: لَا أكفر حَتَّى يُمِيتك الله ثمَّ تبْعَث) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَقلت لَهُ: لن أكفر بِهِ حَتَّى تَمُوت ثمَّ تبْعَث) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَقلت: لَا حَتَّى تَمُوت ثمَّ تبْعَث، قَالَ: وَإِنِّي لمَيت ثمَّ مَبْعُوث؟ فَقلت: نعم، فَقَالَ: إِن لي هُنَالك مَالا وَولدا فَأَقْضِيك) . فَنزلت: ﴿أَفَرَأَيْت الَّذِي كفر ... ﴾ (مَرْيَم: ٧٧) . الْآيَة. فَإِن قلت: من عين للكفر أَََجَلًا فَهُوَ كَافِر الْآن إِجْمَاعًا، فَكيف يصدر هَذَا عَن خباب وَدينه أصح وعقيدته أثبت وإيمانه أقوى وآكد؟ قلت: لم يرد بِهِ خباب هَذَا؟ وَإِنَّمَا أَرَادَ: لَا تُعْطِينِي حَتَّى تَمُوت وتبعث، أَو أَنَّك لَا تُعْطِينِي ذَلِك فِي الدُّنْيَا، فهنالك يُؤْخَذ قسرا مِنْك. وَقَالَ أَبُو الْفرج: لما كَانَ اعْتِقَاد هَذَا الْمُخَاطب أَنه لايبعث خاطبه على اعْتِقَاده، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا أكفر أبدا. وَقيل: أَرَادَ خباب أَنه إِذا بعث لَا يبْقى كفر، لِأَن الدَّار دَار الْآخِرَة. قَوْله:
стр. 3318
(حَتَّى أَمُوت) ، بِالنّصب، أَي: حَتَّى أَن أَمُوت. قَوْله: (وأبعث) عطف على عَلَيْهِ صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فسأُوتي) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَنزلت: ﴿أَفَرَأَيْت الَّذِي كفر بِآيَاتِنَا﴾ (مَرْيَم: ٧٧) .) أَي: فَنزلت هَذِه الْآيَة. وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْت الَّذِي ... ﴾ (مَرْيَم: ٧٧) . الْآيَة. قَوْله: ﴿أَفَرَأَيْت﴾ (مَرْيَم: ٧٧) . لما كَانَت مُشَاهدَة الْأَشْيَاء ورؤيتها طَرِيقا إِلَى الْإِحَاطَة بهَا علما، وَإِلَى صِحَة الْخَبَر عَنْهَا، استعملوا أَرَأَيْت فِي معنى: أخبر، وَالْفَاء جَاءَت لإِفَادَة مَعْنَاهَا الَّذِي هُوَ التعقيب. كَأَنَّهُ قَالَ: أخبر أَيْضا بِقصَّة هَذَا الْكَافِر، وَاذْكُر حَدِيثه عقب حَدِيث اولئك، وَالْفَاء بعد همزَة الِاسْتِفْهَام عاطفة على جملَة الَّذِي يَعْنِي الْعَاصِ بن وَائِل: ﴿كفر بِآيَاتِنَا﴾ (مَرْيَم: ٧٧) . أَي: بِالْقُرْآنِ. ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ﴾ (مَرْيَم: ٧٧) . أَي: لَا أعطين ﴿مَالا وَولدا﴾ (مَرْيَم: ٧٧) . يَعْنِي فِي الْجنَّة بعد الْبَعْث، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: ولد، بِضَم الْوَاو وَسُكُون اللَّام، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بفتحهما، وهما لُغَتَانِ كالعرب وَالْعرب، وَقيس تجْعَل الْوَلَد جمعا وَالْولد وَاحِدًا. وَفِي (ديوَان الْأَدَب) للفارابي فِي بَاب فعل بِضَم الْفَاء وَسُكُون الْعين: الْوَلَد لُغَة فِي الْوَلَد، وَيكون وَاحِد وجمعا، وَذكره أَيْضا فِي بَاب فعل بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْعين، وَذكره أَيْضا فِي بَاب فعل بِفَتْح الْفَاء وَالْعين: الْوَلَد. وَفِي (الْمُحكم) : الْوَلَد وَالْولد مَا ولد أَيَّامًا كَانَ، وَهُوَ يَقع على الْوَاحِد وَالْجمع وَالذكر وَالْأُنْثَى، وَقد يجوز أَن يكون الْوَلَد جمع ولد: كوثن ووثن. وَالْولد كَالْوَلَدِ لَيْسَ بِجمع، وَالْولد أَيْضا الرَّهْط. قَوْله: ﴿أطلع الْجَبَل الْغَيْب﴾ (مَرْيَم: ٧٧) . عَن ابْن عَبَّاس: أنظر فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ؟ وَعَن مُجَاهِد: أعلم علم الْغَيْب حَتَّى يعلم أَفِي الْجنَّة هُوَ أَو لَا؟ من قَوْلهم: أطلع الْجَبَل؟ إِذا ارْتقى إِلَى علاهُ، وطلع الثَّنية. قَوْله: ﴿أم أَتَّخِذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾ (مَرْيَم: ٧٧) . عَن ابْن عَبَّاس: أم قَالَ: لَا إِلَه إلَاّ الله، وَعَن قَتَادَة أم قدم عملا صَالحا، فَهُوَ يرجوه.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الْحداد لَا يضرّهُ مهنة صناعته إِذا كَانَ عدلا. قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة:
(أَلا إِنَّمَا التَّقْوَى هُوَ الْعِزّ وَالْكَرم ... وحبك للدنيا هُوَ الذل والعدم)
(وَلَيْسَ على حر تَقِيّ نقيصة ... إِذا أسس التَّقْوَى وَإِن حاك أَو حجم)
وَفِيه: (أَن الْكَلِمَة من الِاسْتِهْزَاء يتَكَلَّم بهَا الْمَرْء فَيكْتب لَهُ بهَا سخطَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) ، أَلا ترى وَعبد الله على استهزائه بقوله: ﴿سنكتب مَا يَقُول ونمد لَهُ من الْعَذَاب مدا ونرثه مَا يَقُول ويأتينا فَردا﴾ (مَرْيَم: ٩٧) . يَعْنِي: من المَال وَالْولد، بعد إهلاكنا إِيَّاه ويأتينا فَردا، أَي: نبعثه وَحده تَكْذِيبًا لظَنّه. وَفِيه: جَوَاز الإغلاط فِي اقْتِضَاء الدّين لمن خَالف الْحق وَظهر مِنْهُ الظُّلم والعدوان.
٠٣ - (بابُ ذِكْرِ الخَيَّاطِ)
أَي: هَذَا بَاب مَا جَاءَ فِيهِ من ذكر الْخياط، وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، ويلتبس هَذَا بالحناط، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون، وَهُوَ بياع الْحِنْطَة، وبالخباط بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ بياع الْخبط، مِنْهُم عِيسَى بن أبي عِيسَى، كَانَ خباطا ثمَّ صَار حناطا.
٢٩٠٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْد الله بنِ أبي طلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ إنَّ خيَّاطا دَعا رسولَ الله ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ أنسُ بنُ مالِكٍ فذَهَبْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ إلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إِلَى رسولِ الله ﷺ خُبْزا ومرَقا فِيهِ دُبَّاءٌ وقَدِيدٌ فَرَأيْتُ النبيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ منْ حَوَالَى الْقَصْعَةِ قَالَ فَلَمْ أزَلْ احبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن خياطا) . وَإِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة اسْمه: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس ابْن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن قُتَيْبَة بن سعيد والقعنبي وَأبي نعيم وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَيْمُون الْخياط وَفِي الشَّمَائِل عَن قُتَيْبَة، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح.
والدباء، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة
стр. 3319
وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ممدودا، وَهُوَ القرع. قَالَ ابْن ولاد: واحدته دباءة، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الدبا بِالْقصرِ لُغَة فِي القرع. وَذكره ابْن سَيّده فِي الْمَمْدُود الَّذِي لَيْسَ بمقصور من لَفظه، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : هُوَ القرع الْيَابِس قلت: فِيهِ نظر، لِأَن القرع الْيَابِس لَا يطْبخ بِدَلِيل حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي (كتاب النَّبَات) : الدُّبَّاء من اليقطين ينقرش وَلَا ينْهض، كجنس الْبِطِّيخ والقثاء، وَقد روى عَن ابْن عَبَّاس: كل ورقة اتسعت ورقت فَهِيَ يَقْطِين.
قَوْله: (خبْزًا) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْخبز الَّذِي جَاءَ بِهِ الْخياط كَانَ من شعير، قَوْله: (ومرقا فِيهِ دباء وقديدا) ، قَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَنه صنع بذلك الْخبز والمرق ثريدا لقَوْله: (من حوالي الْقَصعَة) ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أما تتبعه من حوالي الْقَصعَة لِأَن الطَّعَام كَانَ مختلطا، فَكَانَ يَأْكُل مَا يُعجبهُ مِنْهُ، وَهُوَ الدُّبَّاء، وَيتْرك مَا لَا يُعجبهُ وَهُوَ القديد.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْإِجَابَة إِلَى الدعْوَة، وَقد اخْتلف فِيهَا. فَمنهمْ من أوجبهَا، وَمِنْهُم من قَالَ: هِيَ سنة، وَمِنْهُم من قَالَ: هِيَ مَنْدُوب إِلَيْهَا. وَفِيه: دلَالَة على تواضع النَّبِي ﷺ إِذا أجَاب دَعْوَة الْخياط وَشبهه. وَفِيه: فَضِيلَة أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَيْثُ بلغت محبته لرَسُول الله ﷺ إِلَى أَنه كَانَ يحب مَا أحبه ﷺ من الْأَطْعِمَة. وَفِيه: دَلِيل على فَضِيلَة القرع على غَيره، وَذكر أَصْحَابنَا أَن من قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يحب القرع، فَقَالَ آخر: لَا أحب القرع، يخْشَى عَلَيْهِ من الْكفْر. وَفِيه: مَا قَالَه الْكرْمَانِي: إِن الصحفة الَّتِي قربت إِلَيْهِ كَانَت لَهُ وَحده، فَإِذا كَانَت لَهُ وَلغيره فالمستحب أَن يَأْكُل مِمَّا يَلِيهِ. وَفِيه: جَوَاز أكل الشريف طَعَام الْخياط والصائغ وإجابته إِلَى دَعوته. وَفِيه: إِتْيَانه ﷺ منَازِل أَصْحَابه والائتمار بأمرهم، وَقد قَالَ شُعَيْب، ﵊: ﴿وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ إِن أُرِيد إلَاّ الْإِصْلَاح﴾ (هود: ٨٨) . فتأسى بِهِ فِي الْإِجَابَة. وَفِيه: الْإِجَابَة إِلَى الثَّرِيد، وَهُوَ خير الطَّعَام. قَالَ الْخطابِيّ: وَفِيه: جَوَاز الْإِجَارَة على الْخياطَة ردا على من أبطلها بعلة أَنَّهَا لَيست بأعيان مرئية وَلَا صِفَات مَعْلُومَة، وَفِي صَنْعَة الْخياطَة معنى لَيْسَ فِي سَائِر مَا ذكره البُخَارِيّ من ذكر الْقَيْن والصائغ والنجار، لِأَن هَؤُلَاءِ الصناع إِنَّمَا تكون مِنْهُم الصَّنْعَة الْمَحْضَة فِيمَا يستصنعه صَاحب الْحَدِيد والخشب وَالْفِضَّة وَالذَّهَب، وَهِي أُمُور من صَنْعَة يُوقف على حَدهَا وَلَا يخْتَلط بهَا غَيرهَا، والخياط إِنَّمَا يخيط الثَّوْب فِي الْأَغْلَب بخيوط من عِنْده، فَيجمع إِلَى الصَّنْعَة الْآلَة، وإحداهما مَعْنَاهَا التِّجَارَة وَالْأُخْرَى الْإِجَارَة، وَحِصَّة إِحْدَاهمَا لَا تتَمَيَّز من الْأُخْرَى، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الخراز والصباغ إِذا كَانَ يخرز بخيوطه ويصبغ هَذَا بصبغة على الْعَادة الْمُعْتَادَة فِيمَا بَين الصناع، وَجَمِيع ذَلِك فَاسد فِي الْقيَاس إلَاّ أَن النَّبِي ﷺ وجدهم على هَذِه الْعَادة أول زمن الشَّرِيعَة فَلم يغيرها، إِذْ لَو طولبوا بغَيْرهَا لشق عَلَيْهِم، فَصَارَ بمعزل من مَوضِع الْقيَاس وَالْعَمَل بِهِ ماضٍ صَحِيح لما فِيهِ من الإرفاق.
١٣ - (بابُ ذِكْرِ النَّسَّاجِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ مَا جَاءَ من ذكر النساج، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره جِيم، ويلتبس بالنساخ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة فِي آخِره.
٣٩٠٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي حازمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَتْ امْرأةٌ بِبُرْدَةٍ قَالَ أتدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ فِقِيلَ لَهُ نَعَمْ هِيَ الشَّمْلَةُ مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا قَالَتْ يَا رسولَ الله إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أكْسُوكَهَا فأخَذَهَا النبيُّ ﷺ مُحْتاجا إلَيْهَا فخَرَجَ إلَيْنَا وَإِنَّهَا إزَارُهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ يَا رسولَ الله اكْسُنِيهَا فَقَالَ نَعمْ فجَلَسَ النبيُّ ﷺ فِي المَجْلِسِ ثُمَّ رَجعَ فَطوَاهَا ثُمَّ أرْسَلَ بِهَا إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ مَا أحْسَنْتَ سألْتَها إيَّاهُ ﴿لقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَا يَرُدَّ سَائِلاً فَقَالَ الرَّجُلُ وَالله مَا سألْتُهِ إلَاّ لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أمُوتُ قَالَ سَهْلٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ.
стр. 3320
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (منسوج) وَفِي قَوْله: (إِنِّي نسجتها) ، والكلمتان تدلان على النساج ضَرُورَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب من استعد الْكَفَن فِي زمن النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مسلمة عَن ابْن أبي حَازِم عَن أَبِيه، (عَن سهل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن امْرَأَة جَاءَت إِلَى النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره، وَهَهُنَا قد أخرجه: عَن يحيى بن بكير عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْقَارِي، من قارة، أَصله مدنِي سكن الْإسْكَنْدَريَّة عَن أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْمَدِينِيّ الْقَاص من عباد أهل الْمَدِينَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (الْبردَة) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: كسَاء مربع يلبسهَا الْأَعْرَاب، والشملة كسَاء يشْتَمل بِهِ. قَوْله: (منسوج) ، ويروى: (منسوجة) ، وارتفاعها على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ منسوج. قَوْله: (فِي حاشيتها) ، قَالَ الْجَوْهَرِي: حَاشِيَة الثَّوْب أحد جوانبه. وَقَالَ الْقَزاز: حاشيتاه ناحيتاه الثَّانِيَة فِي طرفها الهدب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ من بَاب الْقلب أَي: منسوج فِيهَا حاشيتها، وَكَذَا هُوَ فِيمَا مضى من الْبَاب الْمَذْكُور. قَوْله: (مُحْتَاجا إِلَيْهَا) ، بِالنّصب على الْحَال، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: مُحْتَاج، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ. قَوْله: (ثمَّ رَجَعَ فطواها) يَعْنِي: رَجَعَ إِلَى منزله بعد قِيَامه من مَجْلِسه. قَوْله: (مَا أَحْسَنت) كلمة: مَا، نَافِيَة.
٢٣ - (بابُ النَّجَّارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي ذكر النجار، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْجِيم، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب النجارة، بِكَسْر النُّون وَتَخْفِيف الْجِيم وَفِي آخرهَا هَاء، وَبِه ترْجم أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : وَالْأول أشبه لبَقيَّة التراجم.
٤٩٠٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أبِي حازِمٍ قَالَ أتَى رِجالٌ إِلَى سَهْلِ بنِ سَعْدٍ يَسْألُونَهُ عنِ المِنْبَرِ فَقَالَ بَعَثَ رسولُ الله ﷺ إِلَى فُلانَةَ امْرَأةٍ قَدْ سَمَهَا سَهْلٌ أنْ مُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أعْوَادا أجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ فأمَرَتْهُ يَعْملُهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ثُمَّ جاءَ بِها فأرْسَلَتْ إلَى رسولِ الله ﷺ بِهَا فأمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ فجَلَسَ عَلَيْهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (غلامك النجار) ، والْحَدِيث قد مضى بأطول مِنْهُ فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الْخطْبَة على الْمِنْبَر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن قُتَيْبَة عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي حَازِم: أَن رجَالًا أَتَوا سهل بن سعد ... إِلَى آخِره. وَأخرجه هُنَا: عَن قُتَيْبَة أَيْضا عَن عبد الْعَزِيز هُوَ ابْن أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب السَّابِق. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٥٩٠٢ - حدَّثنا خَلَاّدُ بنُ يَحْيَى قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ أيْمَنَ عَن أَبِيه عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصَارِ قالَتْ لِرَسولِ الله ﷺ يَا رسولَ الله ألَا أجْعَلْ لَكَ شَيْئا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فإنَّ لِي غُلاما نجَّارا قَالَ إنْ شِئْتِ قَالَ فَعَمِلَتْ لَهُ المِنْبَرَ فَلَمَّا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النبيُّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ فَصاحَتِ النخْلَةُ الَّتِي كانَ يَخْطُبُ عنْدَهَا حَتَّى كادتْ أنْ تَنْشَقَّ فنَزَلَ النبيُّ ﷺ حَتَّى أخذَهَا فَضَمَّهَا إلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أنينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَالَ بَكَتْ عَلى مَا كانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (غُلَاما نجارا) ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الْخطْبَة على الْمِنْبَر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير عَن يحيى بن سعيدابن أنس: أَنه سمع جَابر بن عبد الله، قَالَ: كَانَ جذع يقوم عَلَيْهِ النَّبِي، ﷺ ، فَلَمَّا وضع لَهُ الْمِنْبَر سمعنَا الْجذع مثل أصوات العشار حَتَّى نزل النَّبِي ﷺ فَوضع يَده عَلَيْهِ، وَهَهُنَا أخرجه: عَن خَلاد، بِفَتْح الْخَاء
стр. 3321
الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام، على وزن فعال: ابْن يحيى بن صَفْوَان أبي مُحَمَّد السّلمِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَعبد الْوَاحِد ابْن أَيمن على وزن أفعل، ضد الْأَيْسَر المَخْزُومِي الْمَكِّيّ، وَأَبوهُ أَيمن الحبشي مولى ابْن أبي عَمْرو المَخْزُومِي الْمَكِّيّ وَأَبوهُ أَيمن الحبشي مولى ابْن عمر المَخْزُومِي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
قَوْله: (النَّخْلَة) أَي: الْجذع. قَوْله: (يسكت) ، بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول من التسكيت. قَوْله: (قَالَ: بَكت على مَا كَانَت) أَي: على فِرَاق مَا كَانَت تسمع من الذّكر. فَإِن قلت: من فَاعل قَالَ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون أحد الروَاة للْحَدِيث، وَلَكِن خرج وَكِيع فِي رِوَايَته عَن عبد الْوَاحِد بن أَيمن بِأَنَّهُ النَّبِي ﷺ ، أخرجه ابْن أبي شيبَة وَأحمد عَنهُ.
وَفِيه: فَضِيلَة الذّكر ومعجزة ظَاهِرَة للنَّبِي ﷺ . وَفِيه: رد للقدرية، لِأَن الصياح ضرب من الْكَلَام وهم لَا يجوزون الْكَلَام إلَاّ من ذِي فَم ولسان، كَأَنَّهُمْ لم يسمعوا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا ... ﴾ الْآيَة. وَفِيه: أَن الْأَشْيَاء الَّتِي لَا روح لَهَا تعقل إلَاّ أَنَّهَا لَا تَتَكَلَّم حَتَّى يُؤذن لَهَا.
٣٣ - (بابُ شِرَاءِ الإمامِ الحَوَائِجَ بِنَفْسِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيمَا جَاءَ من شِرَاء الإِمَام الْحَوَائِج بِنَفسِهِ، كَذَا هَذِه التَّرْجَمَة عَن أبي ذَر عَن غير الْكشميهني، وَلَيْسَت هَذِه التَّرْجَمَة مَوْجُودَة فِي رِوَايَة البَاقِينَ، وَرُوِيَ: بَاب شِرَاء الْحَوَائِج بِنَفسِهِ، بِغَيْر ذكر لفظ: الإِمَام، وَهُوَ أَعم. وَلَفظ: الْحَوَائِج، مَنْصُوب على المفعولية عِنْد ذكر لفظ الإِمَام، وَعند سُقُوطه مجرور بِالْإِضَافَة. وَفَائِدَة هَذِه التَّرْجَمَة دفع وهم من يتَوَهَّم أَن تعَاطِي ذَلِك يقْدَح فِي الْمُرُوءَة.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا
هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْهِبَة، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
اشْتَرَى النبيُّ ﷺ جَمَلاً مِنْ عُمَرَ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب شِرَاء الْإِبِل الهيم، يَأْتِي بعد بَاب، أَن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهَذَا التَّعْلِيق مَا ثَبت فِي كتاب إلَاّ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا جاءَ مُشْرِكٌ بِغَنَمٍ فاشْتَرى النبيُّ ﷺ مِنْهُ شَاة
هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي حَدِيث سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْبيُوع فِي: بَاب الشِّرَاء وَالْبيع مَعَ الْمُشْركين.
واشْتَرَى النبيُّ ﷺ مِنْ جابِرِ بَعِيرا
هَذَا طرف من حَدِيث مَوْصُول يَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَهَذِه التَّعَالِيق تطابق التَّرْجَمَة بِلَا خلاف، وفائدتها: بَيَان جَوَاز مُبَاشرَة الْكَبِير والشريف وَالْحَاكِم شِرَاء الْحَوَائِج بِأَنْفسِهِم، وَإِن كَانَ لَهُم من يكفيهم، إِذا فعل ذَلِك وَاحِد مِنْهُم لإِظْهَار التَّوَاضُع والمسكنة والاقتداء بِالنَّبِيِّ ﷺ وبمن بعده من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالصَّالِحِينَ، وَكَانَ فعل النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك للتشريع لأمته ولإظهار التَّوَاضُع.
٦٩٠٢ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عِيسَى قَالَ حَدثنَا أبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتِ اشْتَرَى رسولُ الله ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَاما بِنَسِيئَةٍ ورَهَنَهُ دِرْعَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مضى الحَدِيث فِي أَوَائِل الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء النَّبِي ﷺ بِالنَّسِيئَةِ. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُعلى بن أَسد عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره. وَأخرجه هُنَا: عَن يُوسُف بن عِيسَى أبي يَعْقُوب الْمروزِي عَن
стр. 3322
أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي: الضَّرِير عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٤٣ - (بابُ شِرَاءِ الدَّوَابِّ والحَمِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شِرَاء الدَّوَابّ، وَهُوَ جمع دَابَّة، وَقد عرف أَن الدَّابَّة فِي أصل الْوَضع لكل مَا يدب على وَجه الأَرْض ثمَّ اسْتعْملت فِي الْعرف لكل حَيَوَان يمشي على أَربع، وَهِي تتَنَاوَل الْحمير، وَذكر الْحمير لَا فَائِدَة فِيهِ، حَتَّى أَن حَدِيثي الْبَاب لَيْسَ فيهمَا ذكر حمير، وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ فِي حَدِيثي الْبَاب ذكر الْحمير، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى إلحاقها فِي الحكم بِالْإِبِلِ، لِأَن فِي الْبَاب: إِنَّمَا فيهمَا ذكر بعير وجمل، وَلَا اخْتِصَاص فِي حكم الْمَذْكُور بِدَابَّة دون دَابَّة، فَهَذَا وَجه التَّرْجَمَة. انْتهى. قلت: ذكر كلَاما ثمَّ نقضه بِنَفسِهِ، لِأَنَّهُ ذكر أَولا بطرِيق المساعدة للْبُخَارِيّ بقوله: فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى إلحاقها، أَي: إِلْحَاق الْحمير فِي الحكم بِالْإِبِلِ، ثمَّ قَالَ: والاختصاص فِي الحكم الْمَذْكُور بِدَابَّة دون دَابَّة، فَهَذَا ينْقض كَلَامه الأول على مَا لَا يخفى، على أَن لقَائِل أَن يَقُول: مَا وَجه تَخْصِيص إِلْحَاق الْحمير فِي الحكم بِالْإِبِلِ؟ فَإِن الحكم فِي الْبَقر وَالْغنم كَذَلِك؟ وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: والحمر بِضَمَّتَيْنِ، وَفِي رِوَايَة غَيره: الْحمير، وَكِلَاهُمَا جمع، لِأَن الْحمار يجمع على: حمير وحمر وأحمرة، وَيجمع الْحمر على: حمرات، جمع صِحَة.
وإذَا اشْتَرَى دَابَّةً أوْ جَمَلاً وهْوَ عَلَيْهِ هَلْ يَكونُ ذَلِكَ قَبْضا قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ
هَذَا أَيْضا من جملَة التَّرْجَمَة. قَوْله: (أَو جملا) لَا طائل تَحْتَهُ، لِأَنَّهُ يدْخل فِي قَوْله: (دَابَّة) أللهم إلَاّ أَن يُقَال: إِنَّمَا ذكر الْجمل على الْخُصُوص لكَونه مَذْكُورا فِي حَدِيث الْبَاب، لِأَن الشِّرَاء وَقع عَلَيْهِ. فِيهِ: قَوْله: (وَهُوَ عَلَيْهِ) أَي: وَالْحَال أَن البَائِع عَلَيْهِ، أَي على الْجمل، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي البَائِع عَلَيْهِ لَا المُشْتَرِي. قلت: لاجاجة إِلَى قَوْله: لَا المُشْتَرِي، لِأَن قَوْله: اشْترى، قرينَة على أَن البَائِع هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ، وَهَذِه الْقَرِينَة تجوزعود الضَّمِير إِلَى البَائِع، وَإِن كَانَ غير مَذْكُور ظَاهرا. قَوْله: (هَل يكون ذَلِك؟) أَي: الشِّرَاء الْمَذْكُور قبضا قبل أَن ينزل البَائِع من دَابَّته الَّتِي بَاعهَا وَهُوَ عَلَيْهَا، وَفِيه خلاف، فَلذَلِك لم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ النبيُّ ﷺ لِعُمَرَ يَعْنِيهِ يَعْنِي جَمَلاً صَعْبا
هَذَا التَّعْلِيق سَيَأْتِي فِي كتاب الْهِبَة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٧٩٠٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ وَهْبِ بنِ كَيْسَانَ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأعْيَا فأتَى عَلَيَّ النبيُّ ﷺ فَقَالَ جابرٌ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ مَا شَأنُكَ قُلْتُ أبْطأ عَلَيَّ جَمَلِي وأعْيَا فَتَخَلَّفْتُ فَنَزَلَ يَحْجِنُهُ بِمِحْجَنِهِ ثُمَّ قَالَ ارْكَبْ فَرَكِبْتُ فَلَقَدْ رأيْتُهُ أكُفُّهُ عنْ رسولِ الله ﷺ قَالَ تَزَوَّجْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِكْرا أم ثِيبا قلْتُ بَلْ ثَيبا قَالَ أفَلَا جَارِيةً وتُلَاعِبُهَا تُلَاعِبُكَ قُلْتُ إنَّ لِي أخَوَاتٍ فأحْبَبْتُ أنْ أتَزَوَّجَ امْرَأةً تَجْمَعُهُنَّ وتَمْشُطُهُنَّ وتَقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ أما إنَّكَ قَادِمٌ فإذَا قَدِمْتَ فالْكَيْسَ الْكَيْسَ ثُمَّ قَالَ أتَبِيعُ جَمَلَكَ قُلْتُ نَعَمْ فاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأوقِيَّةٍ ثُمَّ قَدِمَ رسولُ الله ﷺ قَبْلِي وقَدِمْتُ بالغَدَاة فجِئْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدْتُهُ علَى بابِ الْمَسْجِدِ قَالَ آلآنَ قَدِمْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَدَعْ جَمَلَكَ فادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ فأمَرَ بِلالاً أنْ يَزِنَ لَهُ أُوقِيَّةً فَوَزَنَ لِي بِلالٌ فأرْجَحَ فِي المِيزَانِ فانْطَلَقْتُ حَتَّى ولَّيْتُ فَقَالَ ادْعُ لِي جابِرا
стр. 3323
قُلْتُ الآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الجَمَلَ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِنْهُ قَالَ خُذْ جَمَلَكَ ولَكَ ثَمَنُهُ الْكَيِّسَ الوَلَدُ كِنَأ عنِ الْعَقْلِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٤ أَطْرَافه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي لفظ الْجمل، فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ مكررا، والجمل من الدَّوَابّ. وَعبد الْوَهَّاب: ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ وَعبيد الله: ابْن عمر، ووهب بن كيسَان، بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة فِي آخِره نون: أَبُو نعيم الْأَسدي.
وَهَذَا الحَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي نَحْو عشْرين موضعا. وسنقف على كلهَا فِي موَاضعهَا. إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَأخرجه فِي الشُّرُوط مطولا جدا. وَقَالَ الْمزي: حَدِيث الْبَعِير مطول، وَمِنْهُم من اخْتَصَرَهُ. وَرَوَاهُ البُخَارِيّ من طَرِيق وهب بن كيسَان عَن جَابر، وَمن طَرِيق الشّعبِيّ عَنهُ. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة وأسانيد مُتَغَايِرَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي غزَاة)
قَوْله: (فَأَبْطَأَ بِي جملي) قَالَ الْفراء: الْجمل زوج النَّاقة، وَالْجمع جمال وأجمال وجمالات وجمائل، وَيُطلق عَلَيْهِ الْبَعِير، لِأَن جَابِرا قَالَ فِي الحَدِيث، فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: بِعته، يَعْنِي: بعيره، من النَّبِي، ﷺ ، واشترطت حملانه إِلَى أَهله. وَقَالَ فِي آخِره: ترأني إِنَّمَا مَا كستك لأذهب بجملك، خُذ جملك وثمنه فهما لَك. وَقَالَ أهل اللُّغَة: الْبَعِير الْجمل البازل. وَقيل: الْجذع، وَقد يكون للْأُنْثَى، وَيجمع على أَبْعِرَة وأباعر وأباعير وبعران وبعران. قَوْله: (وأعيى) أَي: عجز عَن الذّهاب إِلَى مقْصده لعيه وعجزه عَن الْمَشْي، يُقَال: عييت بأَمْري: إِذا لم تهتد لوجهه، وأعياني هُوَ، وَيُقَال: أعيى فَهُوَ معيي، وَلَا يُقَال: عيا. وأعياه الله، كِلَاهُمَا بِالْألف يسْتَعْمل لَازِما ومتعديا. قَوْله: (فَأتى على النَّبِي، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (فأدركه رَسُول الله، ﷺ . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ (فَمر النَّبِي، ﷺ ، فَضَربهُ فَدَعَا لَهُ، فَسَار سيرا لَيْسَ يسير مثله) . وَفِي رِوَايَة مُسلم (كَانَ يَعْنِي جَابِرا يسير على جمل لَهُ قد أعي، فَأَرَادَ أَن يسيبه، قَالَ: فلحقني النَّبِي، ﷺ ، فَدَعَا لي، فَسَار سيرا لم يسر مثله) . قَوْله: (فَقَالَ جَابر) ، قَالَ الْكرْمَانِي: جَابر لَيْسَ هُوَ فَاعل قَالَ، وَلَا منادى، بل هُوَ خبر لمبتدأ مَحْذُوف، قلت: نعم: قَوْله: لَيْسَ هُوَ فَاعل قَالَ، صَحِيح وَأما قَوْله: وَلَا منادى، غير صَحِيح، بل هُوَ منادى تَقْدِيره: فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : يَا جَابر، وَحذف مِنْهُ حرف النداء، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ، (فَقَالَ: فأدركه رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: مَا شَأْنك يَا جَابر؟ فَقَالَ: أعيى ناضحي يَا رَسُول الله! فَقَالَ: أَمَعَك شَيْء؟ فَأعْطَاهُ قَضِيبًا أَو عودا فنخسه أَو قَالَ: فَضَربهُ بِهِ فَسَار مسيرَة لم يكن يسير مثلهَا) . وَذكر هُنَا: الناضح، مَوضِع: الْبَعِير، و: الناضح، بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة: الْبَعِير الَّذِي يستقى عَلَيْهِ، وَالْأُنْثَى ناضحة وسانية. قَوْله: (مَا شَأْنك؟) أَي: مَا حالك؟ وَمَا جرى لَك حَتَّى تَأَخَّرت عَن النَّاس؟ قَوْله: (فَنزل) أَي: نزل رَسُول الله ﷺ . قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : فِيهِ نزُول الشَّارِع لأَصْحَابه. قَوْله: (يحجنه) ، جملَة وَقعت حَالا، وَهُوَ مضارع: حجن، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم وَالنُّون. يُقَال: حجنت الشَّيْء إِذا اجتذبته بالمحجن إِلَى نَفسك، والمحجن، بِكَسْر الْمِيم عَصا فِي رَأسه اعوجاج يلتقط بِهِ الرَّاكِب مَا سقط مِنْهُ. قَوْله: (أكفه) ، أَي: أمْنَعهُ حَتَّى لَا يتَجَاوَز رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (تزوجت؟) أَي: أتزوجت؟ وهمزة الِاسْتِفْهَام مقدرَة فِيهِ. قَوْله: (بكرا أم ثَيِّبًا؟) أَي: أتزوجت بكرا أم تزوجت ثَيِّبًا وَالثَّيِّب من لَيْسَ ببكر، وَيَقَع على الذّكر وَالْأُنْثَى. يُقَال: رجل ثيب وَامْرَأَة ثيب، وَقد يُطلق على الْمَرْأَة الْبَالِغَة وَإِن كَانَت بكرا مجَازًا أَو اتساعا. وَالْمرَاد هَهُنَا: الْعَذْرَاء. قَوْله: (أَفلا جَارِيَة؟) أَي: أَفلا تزوجت جَارِيَة؟ أَي: بكرا؟ قَوْله: (تلاعبها وتلاعبك) ، وَفِي رِوَايَة: (قَالَ: فَأَيْنَ أَنْت من الْعَذْرَاء ولعابها؟) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (فَهَلا تزوجت بكرا تضاحكك وتضاحكها، وتلاعبها وتلاعبك؟) وَقَالَ النَّوَوِيّ: أما قَوْله، ﷺ : (ولعابها) ، فَهُوَ بِكَسْر اللَّام، وَوَقع لبَعض رُوَاة البُخَارِيّ بضَمهَا، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَأما الرِّوَايَة فِي كتاب مُسلم فبالكسر لَا غير، وَهُوَ من: الملاعبة، مصدر: لاعب ملاعبة، كقاتل مقاتلة، قَالَ: وَقد حمل جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين فِي شرح هَذَا الحَدِيث قَوْله، ﷺ : (تلاعبها) ، على
стр. 3324
اللّعب الْمَعْرُوف، وَيُؤَيِّدهُ: (تضاحكها وتضاحكك) ، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون من اللعاب وَهُوَ: الرِّيق. قَوْله: (قلت: إِن لي إخوات) وَفِي رِوَايَة لمُسلم (قلت لَهُ: إِن عبد الله هلك وَترك تسع بَنَات أَو سبع بَنَات ... فَإِنِّي كرهت أَن آتيهن أَو أجيئهن بمثلهن، فَأَحْبَبْت أَن أجيء بِامْرَأَة تقوم عَلَيْهِم وتصلحهن. قَالَ: فَبَارك الله لَك، أَو قَالَ لي خيرا) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لمُسلم: (توفّي وَالِدي أَو اسْتشْهد ولي أَخَوَات صغَار، فَكرِهت أَن أَتزوّج إلَيْهِنَّ مِثْلهنَّ فَلَا تؤدبهن وَلَا تقوم عَلَيْهِنَّ، فَتزوّجت ثَيِّبًا لتقوم عَلَيْهِنَّ وتؤدبهن) . قَوْله: (وتمشطهن) ، من: مشطت الماشطة الْمَرْأَة إِذا سرحت شعرهَا، وَهُوَ من بَاب نصر ينصر، والمصدر الْمشْط، والمشاطة مَا سقط مِنْهُ. قَوْله: (أما إِنَّك قادم) قَالَ الدَّاودِيّ: يحْتَمل أَن يكون إعلاما. قَوْله: (فَإِذا قدمت) أَي: الْمَدِينَة. قَوْله: (فالكيس) ، جَوَاب: إِذا، وانتصابه بِفعل مُضْمر أَي: فَالْزَمْ الْكيس، وَهُوَ بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ البُخَارِيّ: إِنَّه الْوَلَد. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا مُشكل وَله وَجْهَان إِمَّا أَن يكون حضه على طلب الْوَلَد، وَاسْتِعْمَال الْكيس والرفق فِيهِ، إِذْ كَانَ جَابر لَا ولد لَهُ إِذْ ذَاك، أَو يكون أمره بالتحفظ والتوقي عِنْد إِصَابَة أَهله مَخَافَة أَن تكون حَائِضًا، فَيقدم عَلَيْهَا لطول الْغَيْبَة، وامتداد الْعزبَة. والكيس: شدَّة الْمُحَافظَة على الشَّيْء. وَقيل: الْكيس هُنَا الْجِمَاع. وَقيل: الْعقل، كَأَنَّهُ جعل طلب الْوَلَد عقلا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمرَاد بِالْعقلِ حثه على ابْتِغَاء الْوَلَد. قَوْله: (أتبيع جملَة؟ قلت: نعم) ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (بعنيه بوقية. قلت: لَا، ثمَّ قَالَ: بعنيه، فَبِعْته بوقية، واستثبت عَلَيْهِ حملانه إِلَى أَهلِي) وَفِي رِوَايَة لَهُ: (أفتبيعنيه؟) فَاسْتَحْيَيْت، وَلم يكن لي نَاضِح غَيره، قَالَ: قلت: نعم، فَبِعْته إِيَّاه على أَن لي فقار ظَهره حَتَّى أبلغ الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (قَالَ لي: بِعني جملك هَذَا. قَالَ: قلت: لَا، بل هُوَ لَك يَا رَسُول الله. قَالَ: لَا بِعَيْنِه، قَالَ قلت: فَإِن لرجل على أُوقِيَّة ذهب، فَهُوَ لَك بهَا. قَالَ: قد أَخَذته، فتبلغ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة) . قَوْله: (فَاشْتَرَاهُ مني بأوقية) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الْقَاف وتشديدالياء آخر الْحُرُوف، وَالْجمع يشدد ويخفف، مثل أثافي وأثاف. وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَغَيره: وقية، بِدُونِ الْهمزَة وَلَيْسَت بلغَة عالية، وَكَانَت الوقية قَدِيما عبارَة عَن أَرْبَعِينَ درهما، وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات هَهُنَا، فَفِي رِوَايَة أَنه بَاعه بِخمْس أواقي وَزَاد فِي أُوقِيَّة، وَفِي بَعْضهَا بأوقيتين وَدِرْهَم أَو دِرْهَمَيْنِ، وَفِي بَعْضهَا: بأوقية ذهب، وَفِي رِوَايَة بأَرْبعَة دَنَانِير، وَفِي الْأُخْرَى بأوقية، وَلم يقل: ذَهَبا وَلَا فضَّة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَيْسَ لأوقية الذَّهَب وزن يحفظ، وَأما أُوقِيَّة الْفضة فأربعون درهما. فَإِن قلت: مَا حكم اخْتِلَاف هَذِه الرِّوَايَات وسببها؟ قلت: سَببهَا نقل الحَدِيث على الْمَعْنى، وَقد تَجِد الحَدِيث الْوَاحِد قد حدث بِهِ جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة، أَو عِبَارَات مُتَقَارِبَة ترجع إِلَى معنى وَاحِد. فَإِن قلت: كَيفَ التلفيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: إِمَّا ذكر الْأُوقِيَّة الْمُهْملَة فيفسرها قَوْله: أُوقِيَّة ذهب، وَإِلَيْهِ يرجع اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ، إِذْ هِيَ فِي رِوَايَة سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر يفسره بقوله: (إِن لرجل عَليّ أُوقِيَّة ذهب، فَهُوَ لَك بهَا) . وَيكون قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَبِعْته مِنْهُ بِخمْس أواقي) أَي: فضَّة صرف، أُوقِيَّة الذَّهَب حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ أخبر مرّة عَمَّا وَقع بِهِ البيع من أُوقِيَّة الذَّهَب أَولا، وَمرَّة عَمَّا كَانَ بِهِ الْقَضَاء من عدلها فضَّة. وَالله أعلم. ويعضد هَذَا فِي آخر الحَدِيث فِي رِوَايَة مُسلم: (خُذ حملك ودراهمك فَهُوَ لَك) وَفِي رِوَايَة من قَالَ: مأتي دِرْهَم، لِأَنَّهُ خمس أواقي، أَو يكون هَذَا كُله زِيَادَة على الْأُوقِيَّة كَمَا قَالَ: (فَمَا زَالَ يزيدني) . وَأما ذكر الْأَرْبَعَة الدَّنَانِير فموافقة لأوقية إِذْ قد يحْتَمل أَن يحْتَمل أَن يكون وزان أُوقِيَّة الذَّهَب حِينَئِذٍ وزان أَرْبَعَة دنانيرهم. لِأَن دنانيرهم مُخْتَلفَة، وَكَذَلِكَ دراهمهم، وَلِأَن أُوقِيَّة الذَّهَب غير مُحَققَة الْوَزْن، بِخِلَاف الْفضة. أَو يكون المُرَاد بذلك أَنَّهَا صرف أَرْبَعِينَ درهما، فَأَرْبَعَة دَنَانِير مُوَافقَة لأوقية الْفضة، إِذْ هِيَ صرفهَا، ثمَّ قَالَ: أُوقِيَّة ذهب، لِأَنَّهُ أَخذ عَن الْأُوقِيَّة عدلها من الذَّهَب الدَّنَانِير الْمَذْكُور، أَو يكون ذكر الْأَرْبَعَة دَنَانِير فِي ابْتِدَاء المماكسة، وانعقد البيع بأوقية. وَأما قَوْله: أوقيتان، فَيحْتَمل أَن الْوَاحِدَة هِيَ الَّتِي وَقع بهَا البيع وَالثَّانيَِة زَادهَا إِيَّاه. أَلا ترى كَيفَ قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: وَزَادَنِي أُوقِيَّة. وَذكره الدِّرْهَم وَالدِّرْهَمَيْنِ مُطَابق لقَوْله: (وَزَادَنِي قيراطا) فِي بعض الرِّوَايَات. قَوْله: (فدع) أَي: أترك. قَوْله: (فَادْخُلْ) ويروى: وادخل، بِالْوَاو. قَوْله: (حَتَّى وليت) ، بِفَتْح اللَّام الْمُشَدّدَة أَي: أَدْبَرت. قَوْله: (أدعُ) بِصِيغَة الْمُفْرد، ويروى: ادعوا، بِصِيغَة الْجمع. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من رد الْجمل. قَوْله: (الْكيس الْوَلَد) ، هَذَا تَفْسِير البُخَارِيّ.
стр. 3325
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: ذكر الْعَمَل الصَّالح ليَأْتِي بِالْأَمر على وَجهه، لَا يُرِيد بِهِ فخرا. وَهَذَا فِي قَوْله: (كنت فِي غزَاة) ، وَفِيه: تفقد الإِمَام أَو كَبِير الْقَوْم وَأَصْحَابه وَذكرهمْ لَهُ مَا ينزل بهم عِنْد سُؤَاله، وَهَذَا فِي قَوْله: (مَا شَأْنك؟) وَفِيه: توقير الصَّحَابِيّ النَّبِي، ﷺ ، وَهُوَ وَاجِب بِلَا شكّ، وَهَذَا فِي قَوْله: (أكفه عَن رَسُول الله، ﷺ وَفِيه: حض على تَزْوِيج الْبكر وفضيلة تَزْوِيج الْأَبْكَار، وَهُوَ فِي قَوْله: (فَهَلا جَارِيَة؟) وَفِيه: ملاعبة الرجل أَهله وملاطفته لَهَا وَحسن الْعشْرَة، وَهُوَ فِي قَوْله: (تلاعبها وتلاعبك) ، وَفِيه: فَضِيلَة جَابر وإيثاره مصلحَة أخواته على نَفسه، وَهُوَ فِي قَوْله: (إِن لي أَخَوَات) . وَفِيه: اسْتِحْبَاب رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقدوم من السّفر، وَهُوَ فِي قَوْله: (فَادْخُلْ فصل رَكْعَتَيْنِ) . وَفِيه: اسْتِحْبَاب إرجاح الْمِيزَان فِي وَفَاء الثّمن وَقَضَاء الدُّيُون، وَهُوَ فِي قَوْله: (فأرجح فِي الْمِيزَان) . وَفِيه: صِحَة التَّوْكِيل فِي الْوَزْن، وَلَكِن الْوَكِيل لَا يرجح إلَاّ بِإِذن. وَفِيه: الزِّيَادَة فِي الثّمن، وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ والكوفيين: أَن الزِّيَادَة فِي الْمَبِيع من البَائِع، وَفِي الثّمن من المُشْتَرِي، والحط مِنْهُ يجوز سَوَاء قبض الثّمن أم لَا، بِحَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهِي عِنْدهم هبة مستأنفة. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: هبة، فَإِن وجد بِالْمَبِيعِ عَيْبا رَجَعَ بِالثّمن وَالْهِبَة، وَعند الْحَنَفِيَّة: الزِّيَادَة فِي الثّمن أَو الْحَط مِنْهُ يلحقان بِأَصْل العقد، وَلَو بعد تَمام العقد، وَكَذَلِكَ الزِّيَادَة فِي الْمَبِيع تصح وتلتحق بِأَصْل العقد، وَيتَعَلَّق الِاسْتِحْقَاق بِكَلِمَة، أَي: بِكُل مَا وَقع عَلَيْهِ فِي العقد من الثّمن وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ. وَفِيه: جَوَاز طلب البيع من الرجل سلْعَته ابْتِدَاء، وَإِن لم يعرضهَا للْبيع.
٥٣ - (بابُ الأسْوَاقِ الَّتِي كانَتْ فِي الجاهِلِيَّةِ فَتَبَايَعَ بِهَا النَّاسُ فِي الإسْلَامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز التبايع فِي الْأَسْوَاق الَّتِي كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْإِسْلَام، وقصده من وضع هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن مَوَاضِع الْمعاصِي وأفعال الْجَاهِلِيَّة لَا يمْنَع من فعل الطَّاعَة فِيهَا.
٨٩٠٢ - حدَّثنا عَلِي بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍ وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا قَالَ كانتْ عُكَاظٌ ومَجَنَّةٌ وذُو المَجَازِ أسْوَاقا فِي الجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كانَ الإسْلامُ تأثَّمُوا مِنَ التِّجارَةِ فِيهَا فأنْزَلَ الله لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ كَذا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب التِّجَارَة أَيَّام المواسم وَالْبيع فِي أسواق الْجَاهِلِيَّة. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عُثْمَان بن الْهَيْثَم عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس، وَهَهُنَا أخرجه: عَن عَليّ بن عبد الله الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (تأثموا) ، أَي: تحرجوا، من الْإِثْم، وَكفوا عَنهُ يُقَال: تأثم فلَان إِذا فعل فعلا خرج بِهِ عَن الْإِثْم، كَمَا يُقَال: تحرج إِذا فعل مَا يخرج بِهِ من الْحَرج، وَالله أعلم.
٦٣ - (بابُ شِرَاءِ الإبِلِ الْهِيمِ أوْ الأجْرَبِ الْهَائِمِ المُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شِرَاء الْإِبِل الهيم، و: الهيم، بِكَسْر الْهَاء: جمع أهيم، والمؤنث، هيماء، والأهيم العطشان الَّذِي لَا يرْوى، وَهُوَ من هامت الدَّابَّة تهيم هيمانا بِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي حَدِيث الاسْتِسْقَاء: هامت دوابنا أَي: عطشت. وَمِنْه حَدِيث ابْن عمر: (أَن رجلا بَاعه إبِلا هيما) . أَي: مراضا جمع أهيم، وَهُوَ الَّذِي أَصَابَهُ الهيام، والهيام: هُوَ دَاء يكسبها الْعَطش فتمص المَاء مصا وَلَا تروى مِنْهُ، وَقَالَ ابْن سَيّده: الهيام والهيام دَاء يُصِيب الْإِبِل عَن بعض الْمِيَاه بتهامة، يُصِيبهَا مِنْهُ مثل الْحمى. وَقَالَ الهجري: الهيام دَاء يُصِيبهَا عَن شرب النجل إِذا كثر طحلبه واكتنفت بِهِ الذبان، جمع: ذُبَاب وَقَالَ الْفراء: والهيام الهيام بِضَم الْهَاء وَكسرهَا. وَفِي (كتاب الْإِبِل) للنضر بن شُمَيْل: وَأما الهيام فنحو الدوار، جُنُون يَأْخُذ الْإِبِل حَتَّى تهْلك، وَفِي كتاب (خلق الْإِبِل) للأصمعي: إِذا سخن جلد الْبَعِير وَله شَره للْمَاء وَنحل جِسْمه فَذَلِك الهيام. وَقيل: الهيام دَاء يكون مَعَه الجرب، وَلِهَذَا ترْجم البُخَارِيّ: شِرَاء الْإِبِل الهيم والأجرب. وَأما معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فشاربون شرب الهيم﴾ (الْوَاقِعَة: ٥٥) . فَقَالَ ابْن عَبَّاس: هيام
стр. 3326
الأَرْض الهيام بِالْفَتْح تُرَاب يخالطه رمل ينشف المَاء نشفا، وَفِي تَقْدِيره وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن الهيم جمع هيام، جمع على فعل ثمَّ خفف وَكسرت الْهَاء لأجل الْيَاء. وَالثَّانِي: أَن يذهب إِلَى الْمَعْنى، وَأَن المُرَاد: الرمال الهيم، وَهِي الَّتِي لَا تُروى. يُقَال: رمل أهيم. قَوْله: (أَو الأجرب) أَي: أَو شِرَاء الأجرب من الْإِبِل. وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: والأجرب، بِدُونِ الْهمزَة. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ من عطف الْمُنْفَرد على الْجمع فِي الصّفة لِأَن الْمَوْصُوف هُنَا الْإِبِل، وهم اسْم جنس صَالح للْجمع والمفرد. قلت: قَالَ صَاحب (الْمُخَصّص) : الْإِبِل اسْم وَاحِد لَيْسَ بِجمع وَلَا اسْم جمع، وَإِنَّمَا هُوَ دَال عَلَيْهِ، وَجَمعهَا آبال. وَعَن سِيبَوَيْهٍ قَالُوا: إبلان، لِأَنَّهُ اسْم لم يكسر عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ قطيعين. قَوْله: (الهائم الْمُخَالف للقصد فِي كل شَيْء) أَي: يهيم وَيذْهب على وَجهه. وَقَالَ ابْن التِّين: وَلَيْسَ الهائم وَاحِد الهيم، فَانْظُر لم أَدخل البُخَارِيّ هَذَا فِي تبويبه؟ وَأجِيب: عَن هَذَا: بِأَن البُخَارِيّ لما رأى أَن الهيم من الْإِبِل كَالَّذي قَالَه النَّضر بن شُمَيْل، شبهها بِالرجلِ الهائم من الْعِشْق، فَقَالَ: الهائم الْمُخَالف للقصد فِي كل شَيْء، فَكَذَلِك الْإِبِل الهيم تخَالف الْقَصْد فِي قِيَامهَا وقعودها ودورها مَعَ الشَّمْس كالحرباء.
٩٩٠٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ قَالَ عَمْرٌ وَكَانَ هَهُنا رَجُلٌ إسْمُهُ نَوَّاسٌ وكانَتْ عِنْدَهُ إبِلٌ هِيمٌ فَذَهَبَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فاشْتَرَى تِلْكَ الإبِلَ مِنُ شَرِيكٍ لَهُ فَجاءَ إلَيْهِ شَرِيكُهُ فَقَالَ بِعْنَا تِلْكَ الإِبِلَ فَقَالَ مِمَّنْ بِعْتَها قَالَ من شَيْخٍ كذَا وكَذا فَقَالَ ويْحَكَ ذَاكَ وَالله ابنُ عُمَرَ فَجَاءَهُ فَقَالَ إنَّ شَرِيكِي باعَكَ إبِلاً هِيما ولَمْ يعْرِفْكَ قَالَ فاسْتَقْها قَالَ فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُها فَقال دَعْها رَضِينا بِقَضَاءِ رَسولِ الله ﷺ لَا عَدْوَى سَمِعَ سُفْيَانُ عَمْرا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ شِرَاء الْإِبِل الهيم، وَهُوَ شِرَاء عبد الله بن عمر. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وعَلى هُوَ ابْن عبد الله، الْمَعْرُوف بِابْن الْمدنِي وَفِي بعض النّسخ حَدثنَا عَليّ بن عبد الله وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار الْمَكِّيّ.
قَوْله: (كَانَ هَهُنَا) ، أَي: بِمَكَّة، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: من أهل مَكَّة. قَوْله: (نواس) ، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْوَاو، وَفِي آخِره نون، وَقَالَ ابْن قرقول: هَكَذَا هُوَ عِنْد الْأصيلِيّ، والكافة، وَعند الْقَابِسِيّ بِكَسْر النُّون وَتَخْفِيف الْوَاو، وَعند الْكشميهني: (نواسي) ، بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد وياء النّسَب. قَوْله: (فجَاء إِلَيْهِ) أَي: إِلَى نواس. قَوْله: (قَالَ: من شيخ) . ويروى: (فَقَالَ: من شيخ) ، بِالْفَاءِ. قَوْله: (وَيحك) كلمة: وَيْح، تقال لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا، بِخِلَاف: ويل، فَإِنَّهَا للَّذي يَسْتَحِقهَا وَذكر ابْن سَيّده أَنَّهَا كلمة تقال للرحمة وَكَذَلِكَ وَقيل وَيْح تقبيح وَفِي الْجَامِع هُوَ مصدر لافعل لَهُ وَفِي الصِّحَاح لَك أَن تَقول: ويحا لزيد. وويح لزيد. وَلَك أَن تَقول: وَيحك وويح زيد. قَوْله: (ذَاك) أَي: الرجل الَّذِي بعث الْإِبِل الهيم لَهُ وَالله ابْن عمر. قَوْله: (وَلم يعرفك) ، بِفَتْح الْيَاء، ويروى عَن الْمُسْتَمْلِي: (وَلم يعرفك) ، بِضَم الْيَاء: من التَّعْرِيف، يَعْنِي: لم يعلمك بِأَنَّهَا هيم. قَوْله: (فاستقها) ، بِصِيغَة الْأَمر. قَالَ الْكرْمَانِي من السَّوق. قلت: لَا بل هُوَ أَمر من الاستياق، وَالْقَائِل بِهِ هُوَ ابْن عمر، وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون قَالَه مجمعا على رد الْمَبِيع أَو مختبرا هَل الرجل مسْقط لَهَا أم لَا؟ . قَوْله: (فَلَمَّا ذهب) أَي: شريك نواس. قَوْله: (يستاقها) جملَة حَالية. قَوْله: (فَقَالَ: دعها) ، أَي: قَالَ ابْن عمر: دع الْإِبِل وَلَا تستقها. قَوْله: (لَا عدوى) ، تَفْسِير لقَوْله: (رَضِينَا بِقَضَاء رَسُول الله، ﷺ ، يَعْنِي بِحكمِهِ بِأَنَّهُ لَا عدوى، وَهُوَ اسْم من الإعداء، يُقَال: أعداه الدَّاء يعديه إعداء. وَهُوَ أَن يُصِيبهُ مَا بِصَاحِب الدَّاء، وَذَلِكَ أَن يكون بِبَعِير جرب مثلا فيتقي مخالطته بِإِبِل أُخْرَى حذار أَن يتَعَدَّى مَا بِهِ من الجرب إِلَيْهَا فيصيبها مَا أَصَابَهُ، وَقد أبْطلهُ الشَّارِع بقوله: (لَا عدوى) ، يَعْنِي: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، وَإِنَّمَا الله، ، هُوَ الَّذِي يمرض وَينزل الدَّاء، وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيث: (فَمن أعدى الْبَعِير الأول؟) أَي: من أَيْن صَار فِيهِ الجرب؟ وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْعَدْوى مَا يعدى من جرب أَو غَيره، وَهُوَ مجاوزته من صَاحبه إِلَى غَيره، والعدوى أَيْضا طَلَبك إِلَى والٍ ليعديك على من ظلمك، أَي: ينْتَقم مِنْهُ. وَقيل: معنى: لَا عدوى، هُنَا رضيت بِهَذَا البيع على مَا فِيهِ من الْعَيْب، وَلَا أعدي على البَائِع حَاكما. وَاخْتَارَ
стр. 3327
ابْن التِّين هَذَا الْمَعْنى. وَقَالَ الدَّاودِيّ معنى قَوْله: (لَا عدوى) النَّهْي عَن الاعتداء وَالظُّلم. قلت: الحَدِيث يكون مَوْقُوفا على اخْتِيَار ابْن التِّين، وَيكون من كَلَام ابْن عمر، وعَلى مَا فسرنا أَولا يكون فِي حكم الْمَرْفُوع. قَوْله: (سمع سُفْيَان عمرا) ، هَذَا قَول شيخ البُخَارِيّ عَليّ بن عبد الله، أَي: سمع سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَمْرو بن دِينَار. والْحَدِيث رَوَاهُ الْحميدِي فِي (مُسْنده) عَن سُفْيَان قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بِهِ.
وَفِي الحَدِيث: جَوَاز شِرَاء الْمَعِيب وَمنعه إِذا كَانَ البَائِع قد عرف عَيبه ورضيه المُشْتَرِي، وَلَيْسَ هَذَا من الْغِشّ. وَأما ابْن عمر فَرضِي بِالْعَيْبِ وَالْتَزَمَهُ، فَصحت الصَّفْقَة فِيهِ. وَفِيه: تجنب ظلم الصَّالح لقَوْله: (وَيحك ذَاك ابْن عمر) .
٧٣ - (بابُ بَيْعِ السِّلاحِ فِي الفِتْنَةِ وغَيْرِهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بيع السِّلَاح فِي أَيَّام الْفِتْنَة: هَل يمْنَع أم لَا؟ وَأَيَّام الْفِتْنَة مَا يَقع من الحروب بَين الْمُسلمين، وَلم يذكر الحكم على عَادَته اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب من الحَدِيث والأثر. قَوْله: (وَغَيرهَا) أَي: وَغير أَيَّام الْفِتْنَة. وَالْحكم فِيهِ على التَّفْصِيل، وَهُوَ أَن بيع السِّلَاح فِي أَيَّام الْفِتْنَة مَكْرُوه لِأَنَّهُ إِعَانَة لمن اشْتَرَاهُ، وَهَذَا إِذا اشْتبهَ عَلَيْهِ الْحَال، إِمَّا إِذا تحقق الْبَاغِي فَالْبيع لمن كَانَ فِي الْجَانِب الَّذِي على الْحق، لَا بَأْس بِهِ، وَأما البيع فِي غير أَيَّام الْفِتْنَة فَلَا يمْنَع لحَدِيث الْبَاب، فَافْهَم.
وكَرِهَ عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ بَيْعَهُ فِي الفِتْنَةِ
أَي: كره بيع السِّلَاح فِي أَيَّام الْفِتْنَة. وَهَذَا وَصله ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من طَرِيق أبي الْأَشْهب عَن أبي رَجَاء عَن عمرَان، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من وَجه آخر: عَن أبي رَجَاء عَن عمرَان مَرْفُوعا، وَإِسْنَاده ضَعِيف.
٠٠١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنِ ابنِ أفْلَحَ عنْ أبي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِي قَتَادةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رسُولِ الله ﷺ عامَ حُنَيْنٍ فأعْطَاهُ يَعْنِي دِرْعا فَبِعْتُ الدِّرْعَ فابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَقا فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإنَّهُ لأوَّلُ مَال تأثَّلْتُهُ فِي الإسْلامِ. .
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (وَغَيرهَا) أَي: وَغير الْفِتْنَة، فَإِن بيع أبي قَتَادَة درعه كَانَ فِي غير أَيَّام الْفِتْنَة، وَبِهَذَا يرد على الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي قَوْله: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ فِي شَيْء من تَرْجَمَة الْبَاب.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: ابْن أَفْلح واسْمه: عمر بن كثير ضد الْقَلِيل مولى أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ. الْخَامِس: أَبُو مُحَمَّد، واسْمه نَافِع بن عَيَّاش الْأَقْرَع، مولى أبي قَتَادَة. السَّادِس: أَبُو قَتَادَة، واسْمه الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ.
ولطائف إِسْنَاده: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد أَوَّلهمْ يحيى.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْخمس عَن القعْنبِي، وَفِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن ابْن يُوسُف وَفِي الْأَحْكَام عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى عَن هشيم وَعَن أبي الطَّاهِر عَن ابْن وهب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ وَعَن ابْن أبي عمر، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بِبَعْضِه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، عَام حنين) ، وَكَانَ عَام الحنين فِي السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة، وحنين وَاد بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاثَة أَمْيَال، وَهَذَا الحَدِيث وَقع هُنَا مُخْتَصرا. وَقَالَ الْخطابِيّ: سقط من الحَدِيث شَيْء لَا يتم الْكَلَام إلَاّ بِهِ، وَهُوَ أَنه يَعْنِي: أَبَا قَتَادَة قتل رجلا من الْكفَّار، فَأعْطَاهُ النَّبِي، ﷺ ، سلبه. وَكَانَ الدرْع من سلبه، ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين: بِأَنَّهُ تعسف فِي الرَّد على البُخَارِيّ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ جَوَاز بيع الدرْع، فَذكر مَوْضِعه من الحَدِيث وَحذف سائره، وَهَكَذَا يفعل كثيرا. قَوْله: (فَأعْطَاهُ) أَي: فَأعْطى النَّبِي، ﷺ ، أَبَا قَتَادَة، وَكَانَ مُقْتَضى الْحَال أَن يَقُول: فَأَعْطَانِي، وَلكنه من بَاب الِالْتِفَات، وَكَانَ الدرْع من سلب كَافِر قَتله أَبُو قَتَادَة، وَالَّذِي شهد لَهُ
стр. 3328
بِالْقَتْلِ الْأسود بن خُزَاعَة، وَعبيد الله بن أنيس، قَالَه الْمُنْذِرِيّ. قَوْله: (فابتعت بِهِ) أَي: اشْتريت بِهِ أَي: بِثمن الدرْع. قَوْله: (مخرفا) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء بعْدهَا فَاء: وَهُوَ الْبُسْتَان، وبكسر الْمِيم، الْوِعَاء الَّذِي يجمع فِيهِ الثِّمَار. وَقيل: الْحَائِط من النّخل يخرف فِيهِ الرطب أَي: يجتنى، وَقيل للنخلة: مخرف، وللطريق: مخرف. وَفِي (الْمُحكم) المخرف: الْقطعَة الصَّغِيرَة من النّخل سِتّ أَو سبع يشترى بهَا الرجل للخرفة. قَوْله: (فِي بني سَلمَة) ، بِكَسْر اللَّام بطن من الْأَنْصَار. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن المخرف (لأوّل مَال) ، بِفَتْح اللَّام للتَّأْكِيد. قَوْله: (تأثلته) أَي: جمعته، وَهُوَ من بَاب التفعل فِيهِ معنى التَّكَلُّف، مَأْخُوذ من الأثلة وَهُوَ الأَصْل أَي: اتخذته أصلا لِلْمَالِ، ومادته همزَة وثاء مُثَلّثَة وَلَام، يُقَال: مَال مؤثل، ومجد مؤثل: أَي مَجْمُوع ذُو أصل.
٨٣ - (بابٌ فِي الْعَطَّارِ وبَيْعِ المِسْكِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي الْعَطَّار، على وزن: فعال، بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الَّذِي يَبِيع الْعطر، وَهُوَ الطّيب. قَوْله: (وَبيع الْمسك) عطف على مَا قبله.
١٠١٢ - حدَّثني مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حَدثنَا أبُو بُرْدَةَ بنُ عَبْدِ الله قَالَ سَمِعْتُ أبَا بُرْدَةَ بنَ أبِي مُوسَى عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والجَلِيسِ السُّوءِ كمَثَلِ صاحِبِ المِسْكِ وكِيرِ الحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صاحِبِ المِسْكِ إمَّا تَشْتَرِيهِ أوْ تَجِدُ رِيحَهُ وكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أوْ ثَوْبَكَ أوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحا خَبِيثَةً. (الحَدِيث ١٠١٢ طرفه فِي: ٤٣٥٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة للجزء الثَّانِي مِنْهَا وَهُوَ: بيع الْمسك. وَقَالَ بَعضهم: وَبيع الْمسك لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب سوى ذكر الْمسك، وَكَأَنَّهُ ألحق الْعَطَّار بِهِ لاشْتِرَاكهمَا فِي الرَّائِحَة الطّيبَة. قلت: صَاحب الْمسك أَعم من أَن يكون حامله أَو بَائِعه، وَلَكِن الْقَرِينَة الحالية تدل على أَن المُرَاد مِنْهُ بَائِعه، فَتَقَع الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة. وَأما أَنه ذكر الْعَطَّار، وَإِن لم يكن لَهُ ذكر فِي الحَدِيث، فَلِأَنَّهُ قَالَ: وَبيع الْمسك، وَهُوَ يسْتَلْزم البَائِع، وبائع الْمسك يُسمى: الْعَطَّار. وَإِن كَانَ يَبِيع غير الْمسك من أَنْوَاع الطّيب.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْعَبْدي. الثَّالِث: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه بريد مصغر الْبرد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى. الرَّابِع: أَبُو بردة، بِالضَّمِّ أَيْضا: واسْمه عَامر بن أبي مُوسَى. الْخَامِس: أَبوهُ، أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب وَعَن الْجد، على مَا لَا يخفى.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي كريب. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة، وَعَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مثل الجليس) ، الجليس على وزن: فعيل، هُوَ الَّذِي يُجَالس الرجل. يُقَال: جالسته فَهُوَ جليسي وجلسي. قَوْله: (كير الْحداد) ، بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الْيَاء، هُوَ زق أَو جلد غليظ ينْفخ بِهِ النَّار، وَفِي رِوَايَة أُسَامَة: (كحامل الْمسك ونافخ الْكِير) . وَفِي الْكَلَام لف وَنشر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُشبه بِهِ الْكِير أَو صَاحب الْكِير لاحْتِمَال عطف الْكِير على الصاحب وعَلى الْمسك فَأجَاب بِأَن ظَاهر اللَّفْظ أَنه الْكِير، وَالْمُنَاسِب للتشبيه أَنه صَاحبه. قَوْله: (لَا يعدمك) ، بِفَتْح الْيَاء وَفتح الدَّال من: عدمت الشَّيْء بِالْكَسْرِ، أعدمه أَي: فقدته. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط فِي البُخَارِيّ، بِضَم الْيَاء وَكسر الدَّال من عدمت الشَّيْء بِالْكَسْرِ أعدمه، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ يعدوك. قلت: هُوَ رِوَايَة أبي ذَر، فَيكون من الإعدام، وفاعل: (لَا يعدمك) ، قَوْله: (تشتريه) ، وَأَصله: أَن تشتريه، وَكلمَة: إِمَّا، زَائِدَة، وَيجوز أَن يكون الْفَاعِل مَا يدل عَلَيْهِ إِمَّا أَي: لَا يعدمك أحد الْأَمريْنِ. قَوْله:
стр. 3329
(وَأما تشتريه أَو تَجِد رِيحه) وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: (إِمَّا أَن يجديك، وَإِمَّا أَن تبْتَاع مِنْهُ) . وَرِوَايَة عبد الْوَاحِد أرجح لِأَن: الإجداء وَهُوَ الْإِعْطَاء. لَا يتَعَيَّن بِخِلَاف الرَّائِحَة، فَإِنَّهَا لَازِمَة سَوَاء وجد البيع أَو لم يُوجد. قَوْله: (وكير الْحداد) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: (ونافخ الْكِير، إِمَّا أَن يحرق ثِيَابك) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: النَّهْي عَن مجالسة من يتَأَذَّى بمجالسته، كالمغتاب والخائض فِي الْبَاطِل، وَالنَّدْب إِلَيّ من ينَال بمجالسته الْخَيْر من ذكر الله وَتعلم الْعلم وأفعال الْبر كلهَا. وَفِي الحَدِيث: (الْمَرْء على دين خَلِيله، فَلْينْظر أحدكُم من يخالل) . وَفِيه: دَلِيل على إِبَاحَة المقايسات فِي الدّين، قَالَه ابْن حبَان عِنْد ذكر هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: جَوَاز ضرب الْأَمْثَال. وَفِيه: دَلِيل على طَهَارَة الْمسك. وَفِي (صَحِيح مُسلم) : عَن أبي سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الْمسك أطيب الطّيب) . وَفِي كتاب (الْأَشْرَاف) : روينَا عَن النَّبِي ﷺ بِسَنَد جيد أَنه كَانَ لَهُ مسك يتطيب بِهِ، وعَلى هَذَا جلّ الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَغَيرهم، وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأنس وسلمان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن الْمسيب وَجَابِر بن زيد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَاللَّيْث وَأحمد وَإِسْحَاق. وَخَالف فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَذكر ابْن أبي شيبَة، قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا تحنطوني بِهِ، وَكَرِهَهُ. وَكَذَا عمر ابْن عبد الْعَزِيز وَعَطَاء وَالْحسن وَمُجاهد وَالضَّحَّاك، وَقَالَ أَكْثَرهم: لَا يصلح للحي وَلَا للْمَيت، لِأَنَّهُ ميتَة، وَهُوَ عِنْدهم بِمَنْزِلَة مَا أبين من الْحَيَوَان. قَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا يَصح ذَلِك إلَاّ عَن عَطاء. قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن عَطاء من طَرِيق جَيِّدَة أَنه سُئِلَ: أطيب الْمَيِّت بالمسك؟ قَالَ: نعم، أوليس الَّذِي تخمرون بِهِ الْمسك؟ فَهُوَ خلاف مَا قَالَه ابْن الْمُنْذر عَنهُ، وَقَوْلهمْ: إِنَّه بِمَنْزِلَة مَا أبين من الْحَيَوَان، قِيَاس غير صَحِيح، لِأَن مَا قطع من الْحَيّ يجْرِي فِيهِ الدَّم، وَهَذَا لَيْسَ سَبِيل نافجة الْمسك لِأَنَّهَا تسْقط عِنْد الاحتكاك كسقوط الشعرة. وَقَالَ أَبُو الْفضل عِيَاض: وَقع الْإِجْمَاع على طَهَارَته وَجَوَاز اسْتِعْمَاله. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الْمسك حَلَال بِالْإِجْمَاع بِحل اسْتِعْمَاله للرِّجَال وَالنِّسَاء، وَيُقَال: انقرض الْخلاف الَّذِي كَانَ فِيهِ، وَاسْتقر الْإِجْمَاع على طَهَارَته، وَجَوَاز بَيْعه. وَقَالَ الْمُهلب: أصل الْمسك التَّحْرِيم لِأَنَّهُ دم، فَلَمَّا تغير عَن الْحَالة الْمَكْرُوهَة من الدَّم، وَهِي الزهم، وفاح الرَّائِحَة، صَار حَلَالا بِطيب الرَّائِحَة، وانتقلت حَاله كَالْخمرِ تتخل فَتحل بعد أَن كَانَت حَرَامًا بانتقال الْحَال. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : نقل أَصْحَابنَا عَن الشِّيعَة فِيهِ مذهبا بَاطِلا، وَهُوَ مُسْتَثْنى من الْقَاعِدَة الْمَعْرُوفَة: أَن مَا أبين من حَيّ فَهُوَ ميت أَو يُقَال: هُوَ فِي معنى الْجَنِين وَالْبيض وَاللَّبن، وَذكر المَسْعُودِيّ فِي (مروج الذَّهَب) : أَنه تدفع مواد الدَّم إِلَى سرة الغزال، فَإِذا استحكم لون الدَّم فِيهَا ونضح آذاه ذَلِك وحكه. فَيفزع حِينَئِذٍ إِلَى أحد الصخور والأحجار الحارة من حر الشَّمْس، فيجت بهَا ملتذا بذلك، فينفجر حِينَئِذٍ وتسيل على تِلْكَ الْأَحْجَار كانفجار الْجراح والدمل، ويجد بِخُرُوجِهِ لَذَّة، فَإِذا فرغ مَا فِي نافجته اندمل حِينَئِذٍ ثمَّ اندفعت إِلَيْهِ مواد من الدَّم تَجْتَمِع ثَانِيَة، فَيخرج رجال نبت يقصدون تِلْكَ الْحِجَارَة وَالْجِبَال فيجدونه قد جف بعد إحكام الْموَاد ونضج الطبيعة وجففته الشَّمْس وَأثر فِيهِ الْهوى، فيودعونه فِي نوافج مَعَهم قد أخذوها من غزلان اصطادوها، معدة مَعَهم، ولغزاله نابان صغيران محدودا الْأَعْلَى، مِنْهَا مدلًى على أَسْنَانه السُّفْلى، ويداه قصيرتان وَرجلَاهُ طويلتان، وَرُبمَا رَمَوْهَا بِالسِّهَامِ فيصرعونها ويقطعون عَنْهَا نوافجها وَالدَّم فِي سررها خام لم ينضج، وطري لم يدْرك، فَيكون لرائحته سهولة، فَيبقى زَمَانا حَتَّى تَزُول عَنهُ تِلْكَ الروائح السهلة الكريهة، وتكتسب موادا من الْهوى، وَتصير مسكا.
٩٣ - (بابُ ذِكْرِ الحجَّامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيمَا جَاءَ من ذكر الْحجام، وَلما ذكر فِي: بَاب مُوكل الرِّبَا، النَّهْي عَن ثمن الدَّم الَّذِي هُوَ الْحجامَة، وَظَاهره التَّحْرِيم. عقد هَذَا الْبَاب هُنَا وَفِيه حديثان يدلان على جَوَاز الْحجامَة، وَأخذ الْأُجْرَة، فذكرهما ليدل على أَن النَّهْي الْمَذْكُور فِيهِ إِمَّا مَنْسُوخ كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْبَعْض وَإِمَّا أَنه مَحْمُول على التَّنْزِيه، كَمَا ذهب إِلَيْهِ آخَرُونَ، وَهَذَا الَّذِي يذكر هَهُنَا هُوَ الْوَجْه، لَا مَا ذكره بَعضهم مِمَّا لَا طائل تَحْتَهُ.
٢٠١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله
стр. 3330
تَعَالَى عنهُ قَالَ حَجَمَ أبُو طَيْبَةَ رسولَ الله ﷺ فأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وأمَرَ أهْلَهُ أنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ أَن أَبَا طيبَة حجم رَسُول الله ﷺ فيطلق عَلَيْهِ أَنه حجام. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع أَيْضا عَن القعْنبِي. وَأَبُو طيبَة، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، قيل: إسمه دِينَار. وَقيل: نَافِع، وَقيل: ميسرَة. وَقَالَ ابْن الْحذاء: عَاشَ مائَة وَثَلَاثًا وَأَرْبَعين سنة. وَهُوَ مولى محيصة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالصاد الْمُهْملَة: ابْن مَسْعُود الْأنْصَارِيّ، وَأَهله هم بَنو بياضة.
قَوْله: (من خراجه) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَهُوَ مَا يقرره السَّيِّد على عَبده أَن يُؤَدِّيه إِلَيْهِ كل يَوْم.
وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز الْحجامَة وَجَوَاز أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا. وَفِيه: دَلِيل على إِبَاحَة مقاطعة الْمولى عَبده على خراج مَعْلُوم مياومة أَو مشاهرة. وَفِيه: جَوَاز وضع الضريبة عَنهُ وَالتَّخْفِيف عَلَيْهِ، وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سَأَلَهُ: كم ضريبتك؟ فَقَالَ: ثَلَاثَة آصَع، فَوضع عَنهُ صَاعا، وَإِنَّمَا أضيف الْوَضع إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ الْآمِر بِهِ، وَهَذَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: حَدثنَا فَهد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو غَسَّان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن سُلَيْمَان بن قيس عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، ﷺ دَعَا أَبَا طيبَة فحجمه، فَسَأَلَهُ: (كم ضريبتك؟) فَقَالَ: ثَلَاثَة آصَع. فَوضع عَنهُ صَاعا) وَأخرجه أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَابر وَلَفظه: قَالَ: (بعث رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى أبي طيبَة فحجمه) إِلَى آخِره نَحوه، وَأَبُو بشر اسْمه جَعْفَر بن إِيَاس الْيَشْكُرِي، وَعلل بَعضهم الحَدِيث بِأَنَّهُ لم يسمع من سُلَيْمَان بن قيس، وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي جميلَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (احْتجم رَسُول الله، ﷺ ، وَأعْطى أجره) ، وَلَو كَانَ بِهِ بَأْس لم يُعْطه. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَأَبُو جميلَة اسْمه ميسرَة، وَثَّقَهُ ابْن حبَان. فَإِن قلت: روى الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي عَن ابْن أبي فديك عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن ابْن شهَاب عَن حرَام بن سعد بن محيصة، أحد بني حَارِثَة عَن أَبِيه، (أَنه سَأَلَ رَسُول الله، ﷺ ، عَن كسب الْحجام؟ فَنَهَاهُ أَن يَأْكُل من كَسبه، ثمَّ عَاد فَنَهَاهُ، ثمَّ عَاد فَنَهَاهُ، فَلم يزل يُرَاجِعهُ حَتَّى قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : أعلف كَسبه ناضحك وأطعمه رقيقك) . قلت: فِي إِبَاحَته، ﷺ ، أَن يطعمهُ الرَّقِيق والناضح دَلِيل على أَنه لَيْسَ بِحرَام، أَلا ترى أَن المَال الْحَرَام الَّذِي لَا يحل للرجل لَا يحل لَهُ أَيْضا أَن يطعمهُ رَقِيقه وَلَا نَاضِحَهُ؟ لِأَن رَسُول الله، ﷺ ، قد قَالَ فِي الرَّقِيق: (أطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ) . فَلَمَّا ثَبت إِبَاحَة النَّبِي، ﷺ ، لمحيصة أَن يعلف ذَلِك نَاضِحَهُ وَيطْعم رَقِيقه من كسب حجامه، دلّ ذَلِك على نسخ مَا تقدم من نَهْيه عَن ذَلِك، وَثَبت حل ذَلِك لَهُ وَلغيره، قَالَه الطَّحَاوِيّ ثمَّ قَالَ: وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى.
٣٠١٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ هُوَ ابنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ احْتَجَمَ النبيُّ ﷺ وأعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ ولَوْ كانَ حَرَاما لَمْ يُعْطِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن قَوْله: (حجمه) يَقْتَضِي الْحجام، وخَالِد بن عبد الله هُوَ: الطَّحَّان الوَاسِطِيّ، وخَالِد الثَّانِي هُوَ خَالِد بن مهْرَان الْحذاء الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِجَارَة عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن مُسَدّد بِهِ.
قَوْله: (أعْطى الَّذِي حجمه) لم يذكر الْمَفْعُول الثَّانِي، وَهُوَ نَحْو: شَيْئا أَو صَاعا من تمر، بِقَرِينَة الحَدِيث السَّابِق. قَوْله: (وَلَو كَانَ) ، أَي: الَّذِي أعطَاهُ النَّبِي، ﷺ ، لَهُ حَرَامًا لم يُعْطه، وَهَذَا نَص فِي إِبَاحَة أجر الْحجام.
وَفِيه: اسْتِعْمَال الأحير من غير تَسْمِيَة أحره وإعطاؤه قدرهَا، وَأكْثر، قَالَه الدَّاودِيّ، وَلَعَلَّ محمل الحَدِيث أَنهم كَانُوا يعلمُونَ مقدارها، فَدَخَلُوا على الْعَادة.
следующие страницы →