← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

الأَرْض الهيام بِالْفَتْح تُرَاب يخالطه رمل ينشف المَاء نشفا، وَفِي تَقْدِيره وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن الهيم جمع هيام، جمع على فعل ثمَّ خفف وَكسرت الْهَاء لأجل الْيَاء. وَالثَّانِي: أَن يذهب إِلَى الْمَعْنى، وَأَن المُرَاد: الرمال الهيم، وَهِي الَّتِي لَا تُروى. يُقَال: رمل أهيم. قَوْله: (أَو الأجرب) أَي: أَو شِرَاء الأجرب من الْإِبِل. وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: والأجرب، بِدُونِ الْهمزَة. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ من عطف الْمُنْفَرد على الْجمع فِي الصّفة لِأَن الْمَوْصُوف هُنَا الْإِبِل، وهم اسْم جنس صَالح للْجمع والمفرد. قلت: قَالَ صَاحب (الْمُخَصّص) : الْإِبِل اسْم وَاحِد لَيْسَ بِجمع وَلَا اسْم جمع، وَإِنَّمَا هُوَ دَال عَلَيْهِ، وَجَمعهَا آبال. وَعَن سِيبَوَيْهٍ قَالُوا: إبلان، لِأَنَّهُ اسْم لم يكسر عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ قطيعين. قَوْله: (الهائم الْمُخَالف للقصد فِي كل شَيْء) أَي: يهيم وَيذْهب على وَجهه. وَقَالَ ابْن التِّين: وَلَيْسَ الهائم وَاحِد الهيم، فَانْظُر لم أَدخل البُخَارِيّ هَذَا فِي تبويبه؟ وَأجِيب: عَن هَذَا: بِأَن البُخَارِيّ لما رأى أَن الهيم من الْإِبِل كَالَّذي قَالَه النَّضر بن شُمَيْل، شبهها بِالرجلِ الهائم من الْعِشْق، فَقَالَ: الهائم الْمُخَالف للقصد فِي كل شَيْء، فَكَذَلِك الْإِبِل الهيم تخَالف الْقَصْد فِي قِيَامهَا وقعودها ودورها مَعَ الشَّمْس كالحرباء. ٩٩٠٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ قَالَ عَمْرٌ وَكَانَ هَهُنا رَجُلٌ إسْمُهُ نَوَّاسٌ وكانَتْ عِنْدَهُ إبِلٌ هِيمٌ فَذَهَبَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فاشْتَرَى تِلْكَ الإبِلَ مِنُ شَرِيكٍ لَهُ فَجاءَ إلَيْهِ شَرِيكُهُ فَقَالَ بِعْنَا تِلْكَ الإِبِلَ فَقَالَ مِمَّنْ بِعْتَها قَالَ من شَيْخٍ كذَا وكَذا فَقَالَ ويْحَكَ ذَاكَ وَالله ابنُ عُمَرَ فَجَاءَهُ فَقَالَ إنَّ شَرِيكِي باعَكَ إبِلاً هِيما ولَمْ يعْرِفْكَ قَالَ فاسْتَقْها قَالَ فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُها فَقال دَعْها رَضِينا بِقَضَاءِ رَسولِ الله ﷺ لَا عَدْوَى سَمِعَ سُفْيَانُ عَمْرا. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ شِرَاء الْإِبِل الهيم، وَهُوَ شِرَاء عبد الله بن عمر. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وعَلى هُوَ ابْن عبد الله، الْمَعْرُوف بِابْن الْمدنِي وَفِي بعض النّسخ حَدثنَا عَليّ بن عبد الله وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار الْمَكِّيّ. قَوْله: (كَانَ هَهُنَا) ، أَي: بِمَكَّة، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: من أهل مَكَّة. قَوْله: (نواس) ، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْوَاو، وَفِي آخِره نون، وَقَالَ ابْن قرقول: هَكَذَا هُوَ عِنْد الْأصيلِيّ، والكافة، وَعند الْقَابِسِيّ بِكَسْر النُّون وَتَخْفِيف الْوَاو، وَعند الْكشميهني: (نواسي) ، بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد وياء النّسَب. قَوْله: (فجَاء إِلَيْهِ) أَي: إِلَى نواس. قَوْله: (قَالَ: من شيخ) . ويروى: (فَقَالَ: من شيخ) ، بِالْفَاءِ. قَوْله: (وَيحك) كلمة: وَيْح، تقال لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا، بِخِلَاف: ويل، فَإِنَّهَا للَّذي يَسْتَحِقهَا وَذكر ابْن سَيّده أَنَّهَا كلمة تقال للرحمة وَكَذَلِكَ وَقيل وَيْح تقبيح وَفِي الْجَامِع هُوَ مصدر لافعل لَهُ وَفِي الصِّحَاح لَك أَن تَقول: ويحا لزيد. وويح لزيد. وَلَك أَن تَقول: وَيحك وويح زيد. قَوْله: (ذَاك) أَي: الرجل الَّذِي بعث الْإِبِل الهيم لَهُ وَالله ابْن عمر. قَوْله: (وَلم يعرفك) ، بِفَتْح الْيَاء، ويروى عَن الْمُسْتَمْلِي: (وَلم يعرفك) ، بِضَم الْيَاء: من التَّعْرِيف، يَعْنِي: لم يعلمك بِأَنَّهَا هيم. قَوْله: (فاستقها) ، بِصِيغَة الْأَمر. قَالَ الْكرْمَانِي من السَّوق. قلت: لَا بل هُوَ أَمر من الاستياق، وَالْقَائِل بِهِ هُوَ ابْن عمر، وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون قَالَه مجمعا على رد الْمَبِيع أَو مختبرا هَل الرجل مسْقط لَهَا أم لَا؟ . قَوْله: (فَلَمَّا ذهب) أَي: شريك نواس. قَوْله: (يستاقها) جملَة حَالية. قَوْله: (فَقَالَ: دعها) ، أَي: قَالَ ابْن عمر: دع الْإِبِل وَلَا تستقها. قَوْله: (لَا عدوى) ، تَفْسِير لقَوْله: (رَضِينَا بِقَضَاء رَسُول الله، ﷺ ، يَعْنِي بِحكمِهِ بِأَنَّهُ لَا عدوى، وَهُوَ اسْم من الإعداء، يُقَال: أعداه الدَّاء يعديه إعداء. وَهُوَ أَن يُصِيبهُ مَا بِصَاحِب الدَّاء، وَذَلِكَ أَن يكون بِبَعِير جرب مثلا فيتقي مخالطته بِإِبِل أُخْرَى حذار أَن يتَعَدَّى مَا بِهِ من الجرب إِلَيْهَا فيصيبها مَا أَصَابَهُ، وَقد أبْطلهُ الشَّارِع بقوله: (لَا عدوى) ، يَعْنِي: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، وَإِنَّمَا الله، ، هُوَ الَّذِي يمرض وَينزل الدَّاء، وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيث: (فَمن أعدى الْبَعِير الأول؟) أَي: من أَيْن صَار فِيهِ الجرب؟ وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْعَدْوى مَا يعدى من جرب أَو غَيره، وَهُوَ مجاوزته من صَاحبه إِلَى غَيره، والعدوى أَيْضا طَلَبك إِلَى والٍ ليعديك على من ظلمك، أَي: ينْتَقم مِنْهُ. وَقيل: معنى: لَا عدوى، هُنَا رضيت بِهَذَا البيع على مَا فِيهِ من الْعَيْب، وَلَا أعدي على البَائِع حَاكما. وَاخْتَارَ

стр. 3327

ابْن التِّين هَذَا الْمَعْنى. وَقَالَ الدَّاودِيّ معنى قَوْله: (لَا عدوى) النَّهْي عَن الاعتداء وَالظُّلم. قلت: الحَدِيث يكون مَوْقُوفا على اخْتِيَار ابْن التِّين، وَيكون من كَلَام ابْن عمر، وعَلى مَا فسرنا أَولا يكون فِي حكم الْمَرْفُوع. قَوْله: (سمع سُفْيَان عمرا) ، هَذَا قَول شيخ البُخَارِيّ عَليّ بن عبد الله، أَي: سمع سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَمْرو بن دِينَار. والْحَدِيث رَوَاهُ الْحميدِي فِي (مُسْنده) عَن سُفْيَان قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بِهِ. وَفِي الحَدِيث: جَوَاز شِرَاء الْمَعِيب وَمنعه إِذا كَانَ البَائِع قد عرف عَيبه ورضيه المُشْتَرِي، وَلَيْسَ هَذَا من الْغِشّ. وَأما ابْن عمر فَرضِي بِالْعَيْبِ وَالْتَزَمَهُ، فَصحت الصَّفْقَة فِيهِ. وَفِيه: تجنب ظلم الصَّالح لقَوْله: (وَيحك ذَاك ابْن عمر) . ٧٣ - (بابُ بَيْعِ السِّلاحِ فِي الفِتْنَةِ وغَيْرِهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بيع السِّلَاح فِي أَيَّام الْفِتْنَة: هَل يمْنَع أم لَا؟ وَأَيَّام الْفِتْنَة مَا يَقع من الحروب بَين الْمُسلمين، وَلم يذكر الحكم على عَادَته اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب من الحَدِيث والأثر. قَوْله: (وَغَيرهَا) أَي: وَغير أَيَّام الْفِتْنَة. وَالْحكم فِيهِ على التَّفْصِيل، وَهُوَ أَن بيع السِّلَاح فِي أَيَّام الْفِتْنَة مَكْرُوه لِأَنَّهُ إِعَانَة لمن اشْتَرَاهُ، وَهَذَا إِذا اشْتبهَ عَلَيْهِ الْحَال، إِمَّا إِذا تحقق الْبَاغِي فَالْبيع لمن كَانَ فِي الْجَانِب الَّذِي على الْحق، لَا بَأْس بِهِ، وَأما البيع فِي غير أَيَّام الْفِتْنَة فَلَا يمْنَع لحَدِيث الْبَاب، فَافْهَم. وكَرِهَ عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ بَيْعَهُ فِي الفِتْنَةِ أَي: كره بيع السِّلَاح فِي أَيَّام الْفِتْنَة. وَهَذَا وَصله ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من طَرِيق أبي الْأَشْهب عَن أبي رَجَاء عَن عمرَان، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من وَجه آخر: عَن أبي رَجَاء عَن عمرَان مَرْفُوعا، وَإِسْنَاده ضَعِيف. ٠٠١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنِ ابنِ أفْلَحَ عنْ أبي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِي قَتَادةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رسُولِ الله ﷺ عامَ حُنَيْنٍ فأعْطَاهُ يَعْنِي دِرْعا فَبِعْتُ الدِّرْعَ فابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَقا فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإنَّهُ لأوَّلُ مَال تأثَّلْتُهُ فِي الإسْلامِ. . مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (وَغَيرهَا) أَي: وَغير الْفِتْنَة، فَإِن بيع أبي قَتَادَة درعه كَانَ فِي غير أَيَّام الْفِتْنَة، وَبِهَذَا يرد على الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي قَوْله: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ فِي شَيْء من تَرْجَمَة الْبَاب. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: ابْن أَفْلح واسْمه: عمر بن كثير ضد الْقَلِيل مولى أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ. الْخَامِس: أَبُو مُحَمَّد، واسْمه نَافِع بن عَيَّاش الْأَقْرَع، مولى أبي قَتَادَة. السَّادِس: أَبُو قَتَادَة، واسْمه الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ. ولطائف إِسْنَاده: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد أَوَّلهمْ يحيى. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْخمس عَن القعْنبِي، وَفِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن ابْن يُوسُف وَفِي الْأَحْكَام عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى عَن هشيم وَعَن أبي الطَّاهِر عَن ابْن وهب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ وَعَن ابْن أبي عمر، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بِبَعْضِه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، عَام حنين) ، وَكَانَ عَام الحنين فِي السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة، وحنين وَاد بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاثَة أَمْيَال، وَهَذَا الحَدِيث وَقع هُنَا مُخْتَصرا. وَقَالَ الْخطابِيّ: سقط من الحَدِيث شَيْء لَا يتم الْكَلَام إلَاّ بِهِ، وَهُوَ أَنه يَعْنِي: أَبَا قَتَادَة قتل رجلا من الْكفَّار، فَأعْطَاهُ النَّبِي، ﷺ ، سلبه. وَكَانَ الدرْع من سلبه، ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين: بِأَنَّهُ تعسف فِي الرَّد على البُخَارِيّ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ جَوَاز بيع الدرْع، فَذكر مَوْضِعه من الحَدِيث وَحذف سائره، وَهَكَذَا يفعل كثيرا. قَوْله: (فَأعْطَاهُ) أَي: فَأعْطى النَّبِي، ﷺ ، أَبَا قَتَادَة، وَكَانَ مُقْتَضى الْحَال أَن يَقُول: فَأَعْطَانِي، وَلكنه من بَاب الِالْتِفَات، وَكَانَ الدرْع من سلب كَافِر قَتله أَبُو قَتَادَة، وَالَّذِي شهد لَهُ

стр. 3328

بِالْقَتْلِ الْأسود بن خُزَاعَة، وَعبيد الله بن أنيس، قَالَه الْمُنْذِرِيّ. قَوْله: (فابتعت بِهِ) أَي: اشْتريت بِهِ أَي: بِثمن الدرْع. قَوْله: (مخرفا) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء بعْدهَا فَاء: وَهُوَ الْبُسْتَان، وبكسر الْمِيم، الْوِعَاء الَّذِي يجمع فِيهِ الثِّمَار. وَقيل: الْحَائِط من النّخل يخرف فِيهِ الرطب أَي: يجتنى، وَقيل للنخلة: مخرف، وللطريق: مخرف. وَفِي (الْمُحكم) المخرف: الْقطعَة الصَّغِيرَة من النّخل سِتّ أَو سبع يشترى بهَا الرجل للخرفة. قَوْله: (فِي بني سَلمَة) ، بِكَسْر اللَّام بطن من الْأَنْصَار. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن المخرف (لأوّل مَال) ، بِفَتْح اللَّام للتَّأْكِيد. قَوْله: (تأثلته) أَي: جمعته، وَهُوَ من بَاب التفعل فِيهِ معنى التَّكَلُّف، مَأْخُوذ من الأثلة وَهُوَ الأَصْل أَي: اتخذته أصلا لِلْمَالِ، ومادته همزَة وثاء مُثَلّثَة وَلَام، يُقَال: مَال مؤثل، ومجد مؤثل: أَي مَجْمُوع ذُو أصل. ٨٣ - (بابٌ فِي الْعَطَّارِ وبَيْعِ المِسْكِ) أَي: هَذَا بَاب فِي الْعَطَّار، على وزن: فعال، بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الَّذِي يَبِيع الْعطر، وَهُوَ الطّيب. قَوْله: (وَبيع الْمسك) عطف على مَا قبله. ١٠١٢ - حدَّثني مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حَدثنَا أبُو بُرْدَةَ بنُ عَبْدِ الله قَالَ سَمِعْتُ أبَا بُرْدَةَ بنَ أبِي مُوسَى عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والجَلِيسِ السُّوءِ كمَثَلِ صاحِبِ المِسْكِ وكِيرِ الحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صاحِبِ المِسْكِ إمَّا تَشْتَرِيهِ أوْ تَجِدُ رِيحَهُ وكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أوْ ثَوْبَكَ أوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحا خَبِيثَةً. (الحَدِيث ١٠١٢ طرفه فِي: ٤٣٥٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة للجزء الثَّانِي مِنْهَا وَهُوَ: بيع الْمسك. وَقَالَ بَعضهم: وَبيع الْمسك لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب سوى ذكر الْمسك، وَكَأَنَّهُ ألحق الْعَطَّار بِهِ لاشْتِرَاكهمَا فِي الرَّائِحَة الطّيبَة. قلت: صَاحب الْمسك أَعم من أَن يكون حامله أَو بَائِعه، وَلَكِن الْقَرِينَة الحالية تدل على أَن المُرَاد مِنْهُ بَائِعه، فَتَقَع الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة. وَأما أَنه ذكر الْعَطَّار، وَإِن لم يكن لَهُ ذكر فِي الحَدِيث، فَلِأَنَّهُ قَالَ: وَبيع الْمسك، وَهُوَ يسْتَلْزم البَائِع، وبائع الْمسك يُسمى: الْعَطَّار. وَإِن كَانَ يَبِيع غير الْمسك من أَنْوَاع الطّيب. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْعَبْدي. الثَّالِث: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه بريد مصغر الْبرد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى. الرَّابِع: أَبُو بردة، بِالضَّمِّ أَيْضا: واسْمه عَامر بن أبي مُوسَى. الْخَامِس: أَبوهُ، أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب وَعَن الْجد، على مَا لَا يخفى. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي كريب. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة، وَعَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مثل الجليس) ، الجليس على وزن: فعيل، هُوَ الَّذِي يُجَالس الرجل. يُقَال: جالسته فَهُوَ جليسي وجلسي. قَوْله: (كير الْحداد) ، بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الْيَاء، هُوَ زق أَو جلد غليظ ينْفخ بِهِ النَّار، وَفِي رِوَايَة أُسَامَة: (كحامل الْمسك ونافخ الْكِير) . وَفِي الْكَلَام لف وَنشر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُشبه بِهِ الْكِير أَو صَاحب الْكِير لاحْتِمَال عطف الْكِير على الصاحب وعَلى الْمسك فَأجَاب بِأَن ظَاهر اللَّفْظ أَنه الْكِير، وَالْمُنَاسِب للتشبيه أَنه صَاحبه. قَوْله: (لَا يعدمك) ، بِفَتْح الْيَاء وَفتح الدَّال من: عدمت الشَّيْء بِالْكَسْرِ، أعدمه أَي: فقدته. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط فِي البُخَارِيّ، بِضَم الْيَاء وَكسر الدَّال من عدمت الشَّيْء بِالْكَسْرِ أعدمه، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ يعدوك. قلت: هُوَ رِوَايَة أبي ذَر، فَيكون من الإعدام، وفاعل: (لَا يعدمك) ، قَوْله: (تشتريه) ، وَأَصله: أَن تشتريه، وَكلمَة: إِمَّا، زَائِدَة، وَيجوز أَن يكون الْفَاعِل مَا يدل عَلَيْهِ إِمَّا أَي: لَا يعدمك أحد الْأَمريْنِ. قَوْله:

стр. 3329

(وَأما تشتريه أَو تَجِد رِيحه) وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: (إِمَّا أَن يجديك، وَإِمَّا أَن تبْتَاع مِنْهُ) . وَرِوَايَة عبد الْوَاحِد أرجح لِأَن: الإجداء وَهُوَ الْإِعْطَاء. لَا يتَعَيَّن بِخِلَاف الرَّائِحَة، فَإِنَّهَا لَازِمَة سَوَاء وجد البيع أَو لم يُوجد. قَوْله: (وكير الْحداد) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: (ونافخ الْكِير، إِمَّا أَن يحرق ثِيَابك) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: النَّهْي عَن مجالسة من يتَأَذَّى بمجالسته، كالمغتاب والخائض فِي الْبَاطِل، وَالنَّدْب إِلَيّ من ينَال بمجالسته الْخَيْر من ذكر الله وَتعلم الْعلم وأفعال الْبر كلهَا. وَفِي الحَدِيث: (الْمَرْء على دين خَلِيله، فَلْينْظر أحدكُم من يخالل) . وَفِيه: دَلِيل على إِبَاحَة المقايسات فِي الدّين، قَالَه ابْن حبَان عِنْد ذكر هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: جَوَاز ضرب الْأَمْثَال. وَفِيه: دَلِيل على طَهَارَة الْمسك. وَفِي (صَحِيح مُسلم) : عَن أبي سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الْمسك أطيب الطّيب) . وَفِي كتاب (الْأَشْرَاف) : روينَا عَن النَّبِي ﷺ بِسَنَد جيد أَنه كَانَ لَهُ مسك يتطيب بِهِ، وعَلى هَذَا جلّ الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَغَيرهم، وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأنس وسلمان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن الْمسيب وَجَابِر بن زيد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَاللَّيْث وَأحمد وَإِسْحَاق. وَخَالف فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَذكر ابْن أبي شيبَة، قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا تحنطوني بِهِ، وَكَرِهَهُ. وَكَذَا عمر ابْن عبد الْعَزِيز وَعَطَاء وَالْحسن وَمُجاهد وَالضَّحَّاك، وَقَالَ أَكْثَرهم: لَا يصلح للحي وَلَا للْمَيت، لِأَنَّهُ ميتَة، وَهُوَ عِنْدهم بِمَنْزِلَة مَا أبين من الْحَيَوَان. قَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا يَصح ذَلِك إلَاّ عَن عَطاء. قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن عَطاء من طَرِيق جَيِّدَة أَنه سُئِلَ: أطيب الْمَيِّت بالمسك؟ قَالَ: نعم، أوليس الَّذِي تخمرون بِهِ الْمسك؟ فَهُوَ خلاف مَا قَالَه ابْن الْمُنْذر عَنهُ، وَقَوْلهمْ: إِنَّه بِمَنْزِلَة مَا أبين من الْحَيَوَان، قِيَاس غير صَحِيح، لِأَن مَا قطع من الْحَيّ يجْرِي فِيهِ الدَّم، وَهَذَا لَيْسَ سَبِيل نافجة الْمسك لِأَنَّهَا تسْقط عِنْد الاحتكاك كسقوط الشعرة. وَقَالَ أَبُو الْفضل عِيَاض: وَقع الْإِجْمَاع على طَهَارَته وَجَوَاز اسْتِعْمَاله. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الْمسك حَلَال بِالْإِجْمَاع بِحل اسْتِعْمَاله للرِّجَال وَالنِّسَاء، وَيُقَال: انقرض الْخلاف الَّذِي كَانَ فِيهِ، وَاسْتقر الْإِجْمَاع على طَهَارَته، وَجَوَاز بَيْعه. وَقَالَ الْمُهلب: أصل الْمسك التَّحْرِيم لِأَنَّهُ دم، فَلَمَّا تغير عَن الْحَالة الْمَكْرُوهَة من الدَّم، وَهِي الزهم، وفاح الرَّائِحَة، صَار حَلَالا بِطيب الرَّائِحَة، وانتقلت حَاله كَالْخمرِ تتخل فَتحل بعد أَن كَانَت حَرَامًا بانتقال الْحَال. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : نقل أَصْحَابنَا عَن الشِّيعَة فِيهِ مذهبا بَاطِلا، وَهُوَ مُسْتَثْنى من الْقَاعِدَة الْمَعْرُوفَة: أَن مَا أبين من حَيّ فَهُوَ ميت أَو يُقَال: هُوَ فِي معنى الْجَنِين وَالْبيض وَاللَّبن، وَذكر المَسْعُودِيّ فِي (مروج الذَّهَب) : أَنه تدفع مواد الدَّم إِلَى سرة الغزال، فَإِذا استحكم لون الدَّم فِيهَا ونضح آذاه ذَلِك وحكه. فَيفزع حِينَئِذٍ إِلَى أحد الصخور والأحجار الحارة من حر الشَّمْس، فيجت بهَا ملتذا بذلك، فينفجر حِينَئِذٍ وتسيل على تِلْكَ الْأَحْجَار كانفجار الْجراح والدمل، ويجد بِخُرُوجِهِ لَذَّة، فَإِذا فرغ مَا فِي نافجته اندمل حِينَئِذٍ ثمَّ اندفعت إِلَيْهِ مواد من الدَّم تَجْتَمِع ثَانِيَة، فَيخرج رجال نبت يقصدون تِلْكَ الْحِجَارَة وَالْجِبَال فيجدونه قد جف بعد إحكام الْموَاد ونضج الطبيعة وجففته الشَّمْس وَأثر فِيهِ الْهوى، فيودعونه فِي نوافج مَعَهم قد أخذوها من غزلان اصطادوها، معدة مَعَهم، ولغزاله نابان صغيران محدودا الْأَعْلَى، مِنْهَا مدلًى على أَسْنَانه السُّفْلى، ويداه قصيرتان وَرجلَاهُ طويلتان، وَرُبمَا رَمَوْهَا بِالسِّهَامِ فيصرعونها ويقطعون عَنْهَا نوافجها وَالدَّم فِي سررها خام لم ينضج، وطري لم يدْرك، فَيكون لرائحته سهولة، فَيبقى زَمَانا حَتَّى تَزُول عَنهُ تِلْكَ الروائح السهلة الكريهة، وتكتسب موادا من الْهوى، وَتصير مسكا. ٩٣ - (بابُ ذِكْرِ الحجَّامِ) أَي: هَذَا بَاب فِيمَا جَاءَ من ذكر الْحجام، وَلما ذكر فِي: بَاب مُوكل الرِّبَا، النَّهْي عَن ثمن الدَّم الَّذِي هُوَ الْحجامَة، وَظَاهره التَّحْرِيم. عقد هَذَا الْبَاب هُنَا وَفِيه حديثان يدلان على جَوَاز الْحجامَة، وَأخذ الْأُجْرَة، فذكرهما ليدل على أَن النَّهْي الْمَذْكُور فِيهِ إِمَّا مَنْسُوخ كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْبَعْض وَإِمَّا أَنه مَحْمُول على التَّنْزِيه، كَمَا ذهب إِلَيْهِ آخَرُونَ، وَهَذَا الَّذِي يذكر هَهُنَا هُوَ الْوَجْه، لَا مَا ذكره بَعضهم مِمَّا لَا طائل تَحْتَهُ. ٢٠١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله

стр. 3330

تَعَالَى عنهُ قَالَ حَجَمَ أبُو طَيْبَةَ رسولَ الله ﷺ فأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وأمَرَ أهْلَهُ أنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ أَن أَبَا طيبَة حجم رَسُول الله ﷺ فيطلق عَلَيْهِ أَنه حجام. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع أَيْضا عَن القعْنبِي. وَأَبُو طيبَة، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، قيل: إسمه دِينَار. وَقيل: نَافِع، وَقيل: ميسرَة. وَقَالَ ابْن الْحذاء: عَاشَ مائَة وَثَلَاثًا وَأَرْبَعين سنة. وَهُوَ مولى محيصة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالصاد الْمُهْملَة: ابْن مَسْعُود الْأنْصَارِيّ، وَأَهله هم بَنو بياضة. قَوْله: (من خراجه) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَهُوَ مَا يقرره السَّيِّد على عَبده أَن يُؤَدِّيه إِلَيْهِ كل يَوْم. وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز الْحجامَة وَجَوَاز أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا. وَفِيه: دَلِيل على إِبَاحَة مقاطعة الْمولى عَبده على خراج مَعْلُوم مياومة أَو مشاهرة. وَفِيه: جَوَاز وضع الضريبة عَنهُ وَالتَّخْفِيف عَلَيْهِ، وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سَأَلَهُ: كم ضريبتك؟ فَقَالَ: ثَلَاثَة آصَع، فَوضع عَنهُ صَاعا، وَإِنَّمَا أضيف الْوَضع إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ الْآمِر بِهِ، وَهَذَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: حَدثنَا فَهد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو غَسَّان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن سُلَيْمَان بن قيس عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، ﷺ دَعَا أَبَا طيبَة فحجمه، فَسَأَلَهُ: (كم ضريبتك؟) فَقَالَ: ثَلَاثَة آصَع. فَوضع عَنهُ صَاعا) وَأخرجه أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَابر وَلَفظه: قَالَ: (بعث رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى أبي طيبَة فحجمه) إِلَى آخِره نَحوه، وَأَبُو بشر اسْمه جَعْفَر بن إِيَاس الْيَشْكُرِي، وَعلل بَعضهم الحَدِيث بِأَنَّهُ لم يسمع من سُلَيْمَان بن قيس، وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي جميلَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (احْتجم رَسُول الله، ﷺ ، وَأعْطى أجره) ، وَلَو كَانَ بِهِ بَأْس لم يُعْطه. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَأَبُو جميلَة اسْمه ميسرَة، وَثَّقَهُ ابْن حبَان. فَإِن قلت: روى الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي عَن ابْن أبي فديك عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن ابْن شهَاب عَن حرَام بن سعد بن محيصة، أحد بني حَارِثَة عَن أَبِيه، (أَنه سَأَلَ رَسُول الله، ﷺ ، عَن كسب الْحجام؟ فَنَهَاهُ أَن يَأْكُل من كَسبه، ثمَّ عَاد فَنَهَاهُ، ثمَّ عَاد فَنَهَاهُ، فَلم يزل يُرَاجِعهُ حَتَّى قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : أعلف كَسبه ناضحك وأطعمه رقيقك) . قلت: فِي إِبَاحَته، ﷺ ، أَن يطعمهُ الرَّقِيق والناضح دَلِيل على أَنه لَيْسَ بِحرَام، أَلا ترى أَن المَال الْحَرَام الَّذِي لَا يحل للرجل لَا يحل لَهُ أَيْضا أَن يطعمهُ رَقِيقه وَلَا نَاضِحَهُ؟ لِأَن رَسُول الله، ﷺ ، قد قَالَ فِي الرَّقِيق: (أطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ) . فَلَمَّا ثَبت إِبَاحَة النَّبِي، ﷺ ، لمحيصة أَن يعلف ذَلِك نَاضِحَهُ وَيطْعم رَقِيقه من كسب حجامه، دلّ ذَلِك على نسخ مَا تقدم من نَهْيه عَن ذَلِك، وَثَبت حل ذَلِك لَهُ وَلغيره، قَالَه الطَّحَاوِيّ ثمَّ قَالَ: وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى. ٣٠١٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ هُوَ ابنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ احْتَجَمَ النبيُّ ﷺ وأعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ ولَوْ كانَ حَرَاما لَمْ يُعْطِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن قَوْله: (حجمه) يَقْتَضِي الْحجام، وخَالِد بن عبد الله هُوَ: الطَّحَّان الوَاسِطِيّ، وخَالِد الثَّانِي هُوَ خَالِد بن مهْرَان الْحذاء الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِجَارَة عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن مُسَدّد بِهِ. قَوْله: (أعْطى الَّذِي حجمه) لم يذكر الْمَفْعُول الثَّانِي، وَهُوَ نَحْو: شَيْئا أَو صَاعا من تمر، بِقَرِينَة الحَدِيث السَّابِق. قَوْله: (وَلَو كَانَ) ، أَي: الَّذِي أعطَاهُ النَّبِي، ﷺ ، لَهُ حَرَامًا لم يُعْطه، وَهَذَا نَص فِي إِبَاحَة أجر الْحجام. وَفِيه: اسْتِعْمَال الأحير من غير تَسْمِيَة أحره وإعطاؤه قدرهَا، وَأكْثر، قَالَه الدَّاودِيّ، وَلَعَلَّ محمل الحَدِيث أَنهم كَانُوا يعلمُونَ مقدارها، فَدَخَلُوا على الْعَادة.

стр. 3331

٠٤ - (بابُ التِّجَارَةِ فِيمَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ والنِّساءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم التِّجَارَة فِي الشَّيْء الَّذِي يكره لبسه للرِّجَال وَالنِّسَاء، وَالْمرَاد من قَوْله: لبسه يَعْنِي: إستعماله، وَيذكر اللّبْس وَيُرَاد بِهِ الِاسْتِعْمَال. كَمَا فِي حَدِيث أنس: (فَقُمْت إِلَى حَصِير لنا قد اسودَّ من طول مَا لبس) . أَي: من طول مَا اسْتعْمل، وَالَّذِي يكره اسْتِعْمَاله للرِّجَال وَالنِّسَاء مثل النمرقة الَّتِي فِيهَا تصاوير، فَإِن اسْتِعْمَالهَا يكره للرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا، وَبِهَذَا ينْدَفع اعْتِرَاض من قَالَ: جعل البُخَارِيّ هَذِه التَّرْجَمَة فيمَ يكره لبسه للرِّجَال وَالنِّسَاء، وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ فِي قصَّة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، شفقها خمرًا بَين الفواطم، وَكَانَ على زَيْنَب بنت رَسُول الله ﷺ حلَّة سيراء، فَإِنَّمَا الْمَعْنى: من لَا خلاق لَهُ من الرِّجَال، فَأَما النِّسَاء فَلَا. فَإِن أَرَادَ شِرَاء مَا فِيهِ تصاوير فَحَدِيث عمر لَا يدْخل فِي هَذِه التَّرْجَمَة. انْتهى. قلت: بل يدْخل، لِأَن التَّرْجَمَة لَهَا جزآن: أَحدهمَا: قَوْله للرِّجَال، وَالْآخر: قَوْله للنِّسَاء، فَحَدِيث عمر يدْخل فِي الْجُزْء الأول، وَحَدِيث عَائِشَة يدْخل فِي الْجُزْء الثَّانِي إِن كَانَ اللّبْس على مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ. وَإِن جَعَلْنَاهُ بِمَعْنى: الِاسْتِعْمَال، كَمَا ذَكرْنَاهُ، يدْخل فِي الجزأين جَمِيعًا. فَافْهَم. فَإِنَّهُ مَوضِع تعسف فِيهِ الشُّرَّاح، وَهَذَا الَّذِي ذكرته فتح لي من الْأَنْوَار الإل هية والفيوض الربانية. ٤٠١٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حَدثنَا أَبُو بكرِ بنُ حَفْصٍ عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله ابْن عُمَرَ عنْ أبِيه قَالَ أرسَلَ النبيُّ ﷺ إِلَى عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ بِحُلَّةِ حَرِيرٍ أوْ سِيَرَاءَ فَرَآهَا عَلَيْهِ فَقَالَ إنِّي لَمْ أُرْسلِ بِهَا إلَيْكَ لِتَلْبَسها إنَّمَا يَلْبَسُها منْ لَا خَلَاقَ لَهُ إنَّمَا بَعثْتُ إلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِها يَعْنِي تَبِيعُها. . مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَأَبُو بكر بن حَفْص هُوَ عبد الله بن حَفْص ابْن عمر بن سعد بن أبي وَقاص الزُّهْرِيّ، مر فِي أول الْغسْل. والْحَدِيث أخرجه مُسلم بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة، فَفِي لفظ: (إِنِّي لم أبْعث لَهَا لتلبسها وَلَكِن بعثن إِلَيْك بهَا لتصيب بهَا) ، وَفِي لفظ: (تبيعها وتصيب بهَا حاجتم) ، وَفِي لفظ: (إِنَّمَا بعثت بهَا إِلَيْك لتستمتع بهَا) ، وَفِي لفظ: (إِنَّمَا بعث بهَا إِلَيْك لتنتفع بهَا، وَلم أبْعث إِلَيْك لتلبسها) . وَفِي لفظ: (إِنَّمَا بعث بهَا إِلَيْك لتصيب بهَا مَالا.) قَوْله: (بحلة) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة، وَهِي وَاحِدَة الْحلَل، وَهِي برود الْيمن، وَلَا تسمى حلَّة، إلَاّ أَن تكون ثَوْبَيْنِ من جنس وَاحِد. قَوْله: (أوسيراء) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالمد، وَهُوَ برد فِيهِ خطوط صفر، وَقيل: هِيَ المضلعة بالحرير، وَقيل: إِنَّهَا حَرِير مَحْض. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ نوع من الْبرد يخالطه حَرِير كالسيور، فَهُوَ فعلاء من السّير: الْقد، هَكَذَا يرْوى على الصّفة، وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: إِنَّمَا هُوَ حلَّة سيراء على الْإِضَافَة، وَاحْتج بِأَن سِيبَوَيْهٍ، قَالَ: لم يَأْتِ فعلاء صفة لَكِن اسْما، وَقد مر فِي كتاب الْجُمُعَة حَدِيث عمر بأطول من هَذَا من وَجه آخر. ٥٠١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ الْقاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عَن عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها أخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةَ فِيها تَصَاوِيرُ فَلَمَّا رَآها رسولُ الله ﷺ قامَ عَلَى الْبابِ فَلَمْ يَدْخلْهُ فعَرَفْتُ فِي وجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله أتُوبُ إلَى الله وإلَى رسولِهِ ﷺ ماذَا أذْنَبْتُ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ مَا بالُ هاذِهِ النُّمْرُقَةِ قلْتُ اشْتَرَيْتُها لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وتَوَسَّدَها فَقَالَ رسولُ الله ﷺ إنَّ أصْحَابَ هَذِه الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ فَيُقالُ لَهُمْ أحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَقَالَ إنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلائِكَة. . وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة قد مر فِي أول الْبَاب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الاشتراء أَعم من التِّجَارَة، فَكيف يدل على الْخَاص الَّذِي هُوَ التِّجَارَة الَّتِي عقد عَلَيْهَا الْبَاب؟ فَأجَاب: بِأَن حُرْمَة الْجُزْء مستلزمة لحُرْمَة الْكل، وَهُوَ من بَاب إِطْلَاق الْكل

стр. 3332

وَإِرَادَة الْجُزْء. وَرِجَاله مَشْهُورُونَ مذكورون غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله وَفِي اللبَاس عَن القعْنبِي، وَفِي اللبَاس أَيْضا عَن حجاج بن منهال، وَفِي بَدْء الْخلق عَن مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام عَن مخلد هُوَ ابْن يزِيد، وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد وَعَن قُتَيْبَة بن سعيد وَعَن مُحَمَّد بن رمح وَعَن هَارُون بن سعيد وَعَن أبي بكر بن إِسْحَاق. قَوْله: (نمرقة) ، بِضَم النُّون وَالرَّاء، ضَبطه ابْن السّكيت هَكَذَا، وضبطها أَيْضا بِكَسْر النُّون وَالرَّاء وَبِغير هَاء، وَجَمعهَا: نمارق. وَقَالَ ابْن التِّين: ضبطناها فِي الْكتب بِفَتْح النُّون وَضم الرَّاء. وَقَالَ عِيَاض وَغَيره: هِيَ وسَادَة، وَقيل: مرفقة، وَقيل: هِيَ الْمجَالِس، وَلَعَلَّه يَعْنِي: الطنافس. وَفِي (الْمُحكم) : النمرق والنمرقة، قد قيل: هِيَ الَّتِي يلبسهَا الرجل. وَفِي (الْجَامِع) : النمرق تجْعَل تَحت الرحل. وَفِي (الصِّحَاح) : النمرقة وسَادَة صَغِيرَة، وَرُبمَا سموا الطنفسة الَّتِي تَحت الرحل نمرقة. قَوْله: (الصُّور) ، بِضَم الصَّاد وَفتح الْوَاو جمع: صُورَة. الصُّورَة ترد فِي كَلَام الْعَرَب على ظَاهرهَا وعَلى معنى حَقِيقَة الشَّيْء وهيئته، وعَلى معنى صفته. يُقَال: صُورَة الْفِعْل كَذَا وَكَذَا، أَي هَيئته، وَصُورَة الْأَمر كَذَا وَكَذَا: أَي صفته. قَوْله: (أحيوا) ، بِفَتْح الْهمزَة أَمر تعجيز من الْإِحْيَاء. قَوْله: (مَا خلقْتُمْ) ، أَي: صورتم كصورة الْحَيَوَان. قَوْله: (لَا تدخله الْمَلَائِكَة) أَي: غير الْحفظَة. وَقيل: مَلَائِكَة الْوَحْي. وَأما الْحفظَة فَلَا تُفَارِقهُ إلَاّ عِنْد الْجِمَاع والخلاء، كَمَا أخرجه ابْن عدي وَضَعفه. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَهُوَ على وُجُوه: الأول: أَن بيع الثِّيَاب الَّتِي فِيهَا الصُّور الْمَكْرُوهَة، فَظَاهر حَدِيث عَائِشَة أَن بيعهَا لَا يجوز، لَكِن قد جَاءَت آثَار مَرْفُوعَة عَن النَّبِي ﷺ تدل على جَوَاز بيع مَا تمتهن فِيهَا الصُّورَة، مِنْهَا: ستر عَائِشَة فِيهِ تصاوير فهتكه ﷺ فَجَعَلته قطعتين، فاتكأ ﷺ على إِحْدَاهمَا، رَوَاهُ وَكِيع عَن أُسَامَة بن زيد عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَنْهَا، فَإِذا تَعَارَضَت الْآثَار فَالْأَصْل الْإِبَاحَة حَتَّى برد الْحَظْر، وَيحْتَمل أَن يكون معنى حَدِيث عَائِشَة فِي النمرقة لَو لم يُعَارضهُ غَيره مَحْمُولا على الْكَرَاهَة دون التَّحْرِيم، بِدَلِيل أَنه ﷺ لم يفْسخ البيع فِي النمرقة الَّتِي اشترتها عَائِشَة؟ الثَّانِي: أَن تَصْوِير الْحَيَوَان حرَام، وَاخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب، فَقَالَ قوم من أهل الحَدِيث وَطَائِفَة من الظَّاهِرِيَّة: التَّصْوِير حرَام سَوَاء فِي ذَلِك ظَاهر حَدِيث عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون) . رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، وَقَالَ الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث: كل صُورَة لَا تشبه صُورَة الْحَيَوَان كصور الشّجر وَالْحجر والجبل وَنَحْو ذَلِك، فَلَا بَأْس بهَا. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم: قَالَ: قَرَأت على نصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي عَن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن إِسْحَاق (عَن سعيد بن أبي الْحسن، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: إِنِّي رجل أصور هَذِه الصُّور، فافتني فِيهَا، فَقَالَ: ادنُ مني ثمَّ قَالَ: أدن مني، فَدَنَا مِنْهُ حَتَّى وضع يَده على رَأسه. قَالَ: أنبئك بِمَا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ ؟ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: كل مُصَور فِي النَّار يَجْعَل لَهُ بِكُل صُورَة صورها نفسا فيعذبه فِي جَهَنَّم وَقَالَ: إِن كنت لَا بُد فَاعِلا فَاصْنَعْ الشّجر وَمَا لَا نفس لَهُ) . فَأقر بِهِ نصر بن عَليّ. وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (اسْتَأْذن جِبْرِيل، ﵇، على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: أَدخل فَقَالَ: كَيفَ أَدخل وَفِي بَيْتك ستر فِيهِ تماثيل خيل وَرِجَال؟ فإمَّا أَن تقطع رؤوسها وَإِمَّا أَن تجعلها بساطا، فَإنَّا معشر الْمَلَائِكَة لَا ندخل بَيْتا فِيهِ تماثيل) . قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا أبيحت التماثيل بعد قطع رؤوسها الَّذِي لَو قطع من ذِي الرّوح لم يبْق، دلّ ذَلِك على إِبَاحَة تَصْوِير مَا لَا روح لَهُ، وعَلى خُرُوج مَا لَا روح لمثله من الصُّور مِمَّا قد نهى عَنهُ فِي الْآثَار. الثَّالِث: فِيهِ أَن الْمَلَائِكَة لَا تدخل بَيْتا فِيهِ صُورَة، وَقد مر عَن قريب أَن المُرَاد من الْمَلَائِكَة غير الْحفظَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أما الْمَلَائِكَة الَّذين لَا يدْخلُونَ بَيْتا فِيهِ كلب أَو صُورَة فهم مَلَائِكَة يطوفون بِالرَّحْمَةِ وَالِاسْتِغْفَار. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ كلب أَو صُورَة مِمَّا يحرم اقتناؤه من الْكلاب والصور، فَأَما مَا لَيْسَ بِحرَام من كلب الصَّيْد وَالزَّرْع والماشية وَالصُّورَة الَّتِي تمتهن فِي الْبسَاط والوسادة وَغَيرهمَا فَلَا يمْنَع دُخُول الْمَلَائِكَة بِسَبَبِهِ، وَأَشَارَ القَاضِي إِلَى نَحْو مَا قَالَ الْخطابِيّ، وَالْأَظْهَر أَنه عَام فِي كل كلب وكل صُورَة، وَأَنَّهُمْ يمْنَعُونَ من الْجَمِيع لإِطْلَاق الْأَحَادِيث. قَالَه النَّوَوِيّ. وَقَالَ أَيْضا: وَلِأَن الْجَرّ وَالَّذِي كَانَت فِي بَيت النَّبِي ﷺ تَحت

стр. 3333

السرير كَانَ لَهُ فِيهِ عذر ظَاهر، فَإِنَّهُ لم يعلم بِهِ، وَمَعَ هَذَا امْتنع جِبْرِيل، ﵇، من دُخُول الْبَيْت، وَعلل بالجرو، فَلَو كَانَ الْعذر فِي وجود الصُّورَة وَالْكَلب لَا يمنعهُم، لم يمْتَنع جِبْرِيل، ﵇. انْتهى. الْعلم وَعَدَمه لَا يُؤثر فِي هَذَا الْأَمر، وَالْعلَّة فِي امتناعهم عَن الدُّخُول وجود الصُّورَة وَالْكَلب مُطلقًا. وَالله أعلم. ١٤ - (بابٌ صاحِبُ السِّلْعَةِ أحَقُّ بالسَّوْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن صَاحب السّلْعَة، أَي: الْمَتَاع أَحَق بالسوم، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْوَاو، أَي: أَحَق بِذكر قدر الثّمن، وَتَقْدِيره يُقَال: سَام البَائِع السّلْعَة عرضهَا على البيع وَذكر ثمنهَا، وسامها المُشْتَرِي بِمَعْنى استامها سوما يَعْنِي: يسْأَل شراءها. وَقَالَ ابْن بطال: لَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَإِن متولى السّلْعَة من مَالك أَو وَكيل أولى بالسوم من طَالب شِرَائهَا. وَبَعْضهمْ نقل كَلَام ابْن بطال هَذَا، ثمَّ قَالَ: لكنه لَيْسَ ذَلِك بِوَاجِب. انْتهى. قلت: لَا معنى لهَذَا الِاسْتِدْرَاك، لِأَن ابْن بطال قد صرح بالأولوية، وَهُوَ لَا يفهم مِنْهُ الْوُجُوب أصلا حَتَّى يُقَال: لَكِن كَذَا. ٦٠١٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عنْ أبِي التَّيَّاحِ عَن أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ وفِيهِ خِرَبٌ ونَخْلٌ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثامنوني) ، لِأَن مَعْنَاهُ قدرُوا لي ثمن حائطكم، أَي: قِيمَته. وثامنه بِكَذَا أَي قدر مَعَه الثّمن. وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد، والتياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، واسْمه يزِيد بن حميد، والإسناد كُله بصريون، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب نبش قُبُور الْمُشْركين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مطولا: عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَارِث ... الخ، وَهَهُنَا أخرجه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري عَن عبد الْوَارِث. وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. قَوْله: (يَا بني النجار) ، هم قَبيلَة من الْأَنْصَار. قَوْله: (بحائطكم) ، وَهَذَا الْحَائِط الَّذِي بنى فِيهِ مَسْجِد رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (وَفِيه خرب) . ٢٤ - (بابٌ كَمْ يَجُوزُ الخِيَارُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كم يجوز الْخِيَار؟ هَكَذَا هُوَ التَّقْدِير، لِأَن الْبَاب منون، وَلَكِن لَيْسَ فِي حَدِيثي الْبَاب بَيَان لذَلِك، قيل: لَعَلَّه أَخذ من عدم تحديده فِي الحَدِيث أَنه لَا يتَقَيَّد بل يعرض الْأَمر فِيهِ إِلَى الْحَاجة لتَفَاوت السّلع فِي ذَلِك. قلت: فعلى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يذكر فِي التَّرْجَمَة لَفْظَة: كم، الَّتِي هِيَ استفهامية بِمَعْنى: أَي عدد، ثمَّ معنى الْخِيَار. قَالَ ابْن الْأَثِير: الْخِيَار اسْم من الِاخْتِيَار، وَهُوَ طلب خير الْأَمريْنِ أما إِمْضَاء البيع أَو فَسخه، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ خياران: خِيَار الْمجْلس وَخيَار الشَّرْط. قلت: قَالَ ابْن الْأَثِير الْخِيَار على ثَلَاثَة أضْرب: خِيَار الْمجْلس، وَخيَار الشَّرْط، وَخيَار النقيصة. وَبَين الْكل، فَقَالَ: وَأما خِيَار النقيصة فَإِن يظْهر بِالْمَبِيعِ عيب يُوجب الرَّد أَو يلْتَزم البَائِع فِيهِ شرطا لم يكن فِيهِ. انْتهى. ٧٠١٢ - حدَّثنا صَدَقَةُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ نافِعا عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنَّ المُتَبَايعَيْنِ بالخِيارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أوْ يَكُونُ البَيْعُ خِيَارا قَالَ نافِعٌ وَكَانَ ابنُ عُمَرَ إذَا اشْتَرَى شَيْئا يُعْجِبُهُ فارَقَ صاحِبَهُ. . قد ذكرنَا الْآن أَنه لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث وَلَا فِي الَّذِي بعده بَيَان مِقْدَار مُدَّة الْخِيَار، وَلَيْسَ فيهمَا إلَاّ بَيَان ثُبُوت الْخِيَار. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد البُخَارِيّ بقوله: كم يجوز الْخِيَار؟ أَي: كم يُخَيّر أحد الْمُتَبَايعين الآخر مرّة؟ وَأَشَارَ إِلَى مَا فِي الطَّرِيق الْآتِيَة بعد ثَلَاثَة أَبْوَاب من زِيَادَة همام، ويختار ثَلَاث مرار، لكنه لما لم تكن الزِّيَادَة ثَابِتَة أبقى التَّرْجَمَة على

стр. 3334

الِاسْتِفْهَام كعادته انْتهى. قلت: هَذَا الِاحْتِمَال الَّذِي ذكره لَا يساعد البُخَارِيّ فِي ذكره لَفْظَة: كم، لِأَن موضوعها للعدد وَالْعدَد فِي مُدَّة الْخِيَار لَا فِي تَخْيِير أحد الْمُتَبَايعين الآخر، وَلَيْسَ فِي حَدِيثي الْبَاب مَا يدل على هَذَا، وَقَوله: وَأَشَارَ إِلَى زِيَادَة همام لَا يُفِيد، لِأَنَّهُ يعْقد تَرْجَمَة ثمَّ يُشِير إِلَى مَا تتضمنه التَّرْجَمَة فِي بَاب آخر، وَهَذَا مِمَّا لَا يفِيدهُ. وَرِجَال الحَدِيث كلهم ذكرُوا، وَصدقَة بالفتحات هُوَ ابْن الْفضل الْمروزِي من أَفْرَاده، وَمضى ذكره فِي: بَاب الْعلم بِاللَّيْلِ، وَعبد الْوَهَّاب هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَابْن أبي عمر، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن وَاصل بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن الثَّقَفِيّ، وَعَن عَليّ بن حجر. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن الْمُتَبَايعين بِالْخِيَارِ) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين على الأَصْل، وَحكى ابْن التِّين عَن الْقَابِسِيّ: أَن الْمُتَبَايعَانِ، قَالَ: وَهِي لُغَة. قلت: هَذِه لُغَة بلحارث بن كَعْب فِي إِجْرَاء الْمثنى بِالْألف دَائِما. وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عَن نَافِع فِي البا الَّذِي يَلِيهِ: البيَّعان، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب إِذا بَين البائعان، أَن البيع بِمَعْنى البَائِع كالضيق بِمَعْنى الضائق. قَوْله: (مَا لم يَتَفَرَّقَا) ، مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. قَوْله: (أَو يكون البيع خيارا) كلمة: إو، بِمَعْنى إلَاّ أَن، و: يكون، بِالنّصب أَرَادَ أَن يكون البيع بِخِيَار. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: مَعْنَاهُ أَن يخبر البَائِع المُشْتَرِي بعد إِيجَاب البيع، فَإِذا خَيره فَاخْتَارَ البيع فَلَيْسَ لَهُ بعد ذَلِك خِيَار فِي فسخ البيع، وَإِن لم يَتَفَرَّقَا. ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَكَذَا فسره الشَّافِعِي وَغَيره. قلت: وَمِمَّنْ فسره بذلك الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر فِي (الْأَشْرَاف) عَنْهُم، وَقَالَ شَيخنَا فِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : وَفِي تَأْوِيل ذَلِك قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد: إلَاّ بيعا شَرط فِيهِ خِيَار الشَّرْط، فَلَا يَنْقَضِي الْخِيَار بِفِرَاق الْمجْلس، بل يَمْتَد إِلَى انْقِضَاء خِيَار الشَّرْط. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد: إلَاّ بيعا شَرط فِيهِ نفي خِيَار الْمجْلس، فَإِنَّهُ ينْعَقد فِي الْحَال وينقضي خِيَار الْمجْلس. قَالَ: وَهَذَا وَجه لِأَصْحَابِنَا، وَالصَّحِيح الَّذِي ذكره التِّرْمِذِيّ قلت: روى الطَّحَاوِيّ حَدِيث ابْن عمر هَذَا وَلَفظه: البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا، أَو يَقُول أَحدهمَا لصَاحبه: اختر. وَرُبمَا قَالَ: أَو يكون بيع خِيَار، وَقَالَ أَصْحَابنَا: الْمَعْنى: كل بيعين فَلَا بيع بَينهمَا حَاصِل إلَاّ فِي صُورَتَيْنِ إِحْدَاهمَا عِنْد التَّفَرُّق إِمَّا بالأقوال وَإِمَّا بالأبدان. وَالْأُخْرَى عِنْد وجود شَرط الْخِيَار لأحد الْمُتَبَايعين بِأَن يشْتَرط أَحدهمَا الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام أَو نَحْوهَا، وَإِلَى هَذَا ذهب اللَّيْث وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَت طَائِفَة: معنى هَذَا الْكَلَام: أَن يَقُول أحد الْمُتَبَايعين بعد تَمام البيع لصَاحبه: إختر إِنْفَاذ البيع أَو فَسخه، فَإِن اخْتَار إِمْضَاء البيع تمّ البيع بَينهمَا، وَإِن لم يَتَفَرَّقَا، وَإِلَيْهِ ذهب الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَرُوِيَ ذَلِك عَن الشَّافِعِي، وَكَانَ أَحْمد يَقُول: هما بِالْخِيَارِ أبدا، قَالَا هَذَا القَوْل أَو لم يَقُولَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا بإبدانهما من مكانهما. قَوْله: (قَالَ نَافِع. .) إِلَى آخِره، هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا كَانَ ابْن عمر يُفَارق صَاحبه ليلزم العقد، وَقد ذكره مُسلم أَيْضا فَقَالَ: قَالَ نَافِع: فَكَانَ يَعْنِي ابْن عمر إِذا بَايع رجلا وَأَرَادَ أَن لَا يقيله قَامَ فَمشى هنيهة ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَذكره التِّرْمِذِيّ أَيْضا فَقَالَ: قَالَ أَي: نَافِع كَانَ ابْن عمر إِذا ابْتَاعَ بيعا وَهُوَ قَاعد قَامَ ليجب لَهُ. ٨٠١٢ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حَدثنَا هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أبِي الخَلِيلِ عنْ عَبْدِ الله بنِ الحَارِثِ عنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ البَيِّعانِ بالخَيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا. . قد ذكرنَا مَا يتَعَلَّق بالترجمة عَن قريب، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب إِذا بَين البائعان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن صَالح أبي الْخَلِيل ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن حَفْص بن عمر بن الْحَارِث الْأَزْدِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، عَن همام بن يحيى الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ عَن قَتَادَة عَن أبي الْخَلِيل واسْمه صَالح بن أبي مَرْيَم. قَوْله: (عَن أبي الْخَلِيل) ، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة الَّتِي تَأتي بعد بَاب: (عَن قَتَادَة عَن صَالح أبي الْخَلِيل) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة سَمِعت أَبَا الْخَلِيل. وزَاد أحمدُ قَالَ حدَّثنا بَهْزٌ قَالَ قَالَ هَمَّامٌ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأبِي التَّيَّاحِ فَقَالَ كُنْتُ مَعَ أبِي الخَلِيلِ لما حدَّثهُ عَبْدُ الله بنُ الحَارِثِ بِهَذَا الحَدِيثِ

стр. 3335

ذكر عَن أبي الْمَعَالِي أَحْمد بن يحيى بن هبة الله بن البيع: أَن أَحْمد هَذَا هُوَ ابْن حَنْبَل، وبهز، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء وَفِي آخِره زَاي: ابْن رَاشد مر فِي: بَاب الْغسْل بالصاع، وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى، وَأَبُو التياح اسْمه يزِيد، وَقد مر عَن قريب، وَهَذَا الطَّرِيق وَصله أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) عَن أبي جَعْفَر الدَّارمِيّ واسْمه: وَأحمد بن سعيد عَن بهز بِهِ. ٣٤ - (بابٌ إذَا لَمْ يُوَقِّتْ فِي الخِيارِ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْخِيَار، وَلَكِن إِذا لم يؤقت البَائِع أَو المُشْتَرِي زَمَانا فِي الْخِيَار بِيَوْم أَو نَحوه هَل يجوز ذَلِك البيع؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي إِذا لم يُوَقت فِي البيع زمَان الْخِيَار بِمدَّة، هَل يكون ذَلِك البيع لَازِما فِي تِلْكَ الْحَال أَو جَائِزا؟ وَمعنى اللُّزُوم أَن لَا يَسعهُ الْفَسْخ، وَالْجَوَاز ضد ذَلِك. انْتهى. قلت: لم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام لما فِيهِ من الْخلاف. ٩٠١٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عَن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ الْبَيْعانِ بِالخِيارِ مَا لَمْ يتَفَرَّقا أوْ يَقُولُ أحَدُهُمَا لِصاحِبِهِ اخْتَرْ ورُبَّمَا قَالَ أوْ يَكُونُ بَيْعَ خِيارٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي مُجَرّد ذكر الْخِيَار، وَلكنه عَن التَّوْقِيت سَاكِت، وَهُوَ وَجه آخر فِي حَدِيث ابْن عمر رَوَاهُ عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ إِلَى آخِره. وَأخرجه مُسلم أَيْضا من هَذَا الْوَجْه عَن أبي الرّبيع وَأبي كَامِل، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر الحَدِيث. قَوْله: (أَو يَقُول أَحدهمَا) ، مَعْنَاهُ إِلَّا أَن يَقُول أحد البيعين لصَاحبه: إختر، بِلَفْظ الْأَمر من الِاخْتِيَار، وَلَفظ: يَقُول، مَنْصُوب: بِأَن، وَقَالَ بَعضهم: فِي إِثْبَات الْوَاو فِي: يَقُول، نظر لِأَنَّهُ مجزوم عطفا على قَوْله: (مَا لم يَتَفَرَّقَا) . قلت: ظن هَذَا أَن كلمة: أَو، للْعَطْف وَلَيْسَ كَذَلِك، بل بِمَعْنى: إلَاّ أَن، كَمَا ذكرنَا، وَلم ينْحَصر معنى: أَو، للْعَطْف بل تَأتي لأثني عشر معنى، كَمَا ذكره النُّحَاة، مِنْهَا أَنَّهَا تكون بِمَعْنى: إِلَى، وينتصب المضار بعْدهَا بِأَن مضمرة نَحْو: لألزمنك أَو تقضيني حَقي، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل أَنه لم يكتف بِمَا تعسف فِي ظَنّه، ثمَّ وَجهه بقوله: فَلَعَلَّ الضمة أشبعت كَمَا أشبعت الْيَاء فِي قِرَاءَة من قَرَأَ: ﴿إِنَّه من يَتَّقِي ويصبر﴾ (يُونُس: ٠٩) . وَترك الْمَعْنى الصَّحِيح وَذكره بِالِاحْتِمَالِ، فَقَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى: إلَاّ أَن. قَوْله: (أَو يكون بيع خِيَار) إلَاّ أَن يكون بيع خِيَار، يَعْنِي: بيع شَرط الْخِيَار فِيهِ، فَلَا يبطل بالتفرق. ٤٤ - (بابٌ الْبَيِّعانِ بالخيارِ مَا لَمْ يتَفَرَّقا) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ البيعان بِالْخِيَارِ. وبِه قَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَي: بِخِيَار البيعين مَا لم يَتَفَرَّقَا، قَالَ عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مضى أَن ابْن عمر كَانَ إِذا اشْترى شَيْئا يُعجبهُ فَارق صَاحبه، وروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق ابْن فُضَيْل عَن يحيى بن سعيد: وَكَانَ ابْن عمر إِذا ابْتَاعَ بيعا وَهُوَ قَاعد قَامَ ليجب لَهُ، وَقد ذكرنَا عَن مُسلم نَحوه. وشُرَيْحٌ والشَّعْبِيُّ وطَاوُوسٌ وعَطَاءٌ وابنُ أبي مُلَيْكَةَ وَشُرَيْح بِالرَّفْع عطف على قَوْله: ابْن عمر، وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ، وَشُرَيْح بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن الْحَارِث الْكِنْدِيّ أَبُو أُميَّة الْكُوفِي، أدْرك النَّبِي، ﷺ ، وَلم يلقه، استقضاه عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْكُوفَة وَأقرهُ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأقَام على الْقَضَاء سِتِّينَ سنة، مَاتَ سنة ثَمَان وَسبعين، وَقيل: سنة ثَمَانِينَ. وَكَانَ لَهُ عشرُون وَمِائَة سنة، وَتَعْلِيق شُرَيْح وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن مُحَمَّد بن عَليّ: سَمِعت أَبَا الضُّحَى يحدث أَنه شهد شريحا واختصم إِلَيْهِ رجلَانِ اشْترى أَحدهمَا من الآخر دَارا بأَرْبعَة آلَاف، فأوجبها لَهُ، ثمَّ بدا لَهُ فِي بيعهَا قبل أَن يُفَارق صَاحبه، فَقَالَ: لَا حَاجَة لي فِيهَا، فَقَالَ البَائِع: قد بِعْتُك فأوجبت لَك، فاختصما إِلَى شُرَيْح، فَقَالَ: هُوَ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا. قَالَ مُحَمَّد: وَشهِدت

стр. 3336

الشّعبِيّ قضى بذلك. قَوْله: (وَالشعْبِيّ) ، هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي شيبَة، فَقَالَ: حَدثنَا جرير عَن مُغيرَة عَن الشّعبِيّ، فِي رجل اشْترى من رجل برذونا، فَأَرَادَ أَن يرد قبل أَن يَتَفَرَّقَا، فَقضى الشّعبِيّ أَنه قد وَجب عَلَيْهِ، فَشهد عِنْده أَبُو الضُّحَى أَن شريحا أَتَى مثل ذَلِك فَرده على البَائِع، فَرجع الشّعبِيّ إِلَى قَول شُرَيْح. قَوْله: (وطاووس) هُوَ ابْن كيسَان الْيَمَان، وَوصل الشَّافِعِي فِي (الْأُم) تَعْلِيقه، فَقَالَ: أخبرنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عبد الله بن طَاوُوس عَن أَبِيه، قَالَ: خير رَسُول الله، ﷺ ، رجلا بعد البيع، وَقَالَ: وَكَانَ أبي يحلف مَا الْخِيَار إلَاّ بعد البيع. قَوْله: (وَعَطَاء) هُوَ ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ، وَابْن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم: هُوَ عبد الله بن أبي مليكَة، وَوصل تعليقهما ابْن أبي شيبَة: عَن جرير عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع عَن ابْن أبي مليكَة وَعَطَاء، قَالَا: البيعان بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا عَن رضى. ٠١١٢ - حدَّثني إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا حَبَّانُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ قَتادَةُ أَخْبرنِي عنْ صالحَ أبي الخليلِ عنْ عَبْدِ الله بنِ الحارِثِ قَالَ سَمِعْتُ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ الْبَيِّعانِ بالخِيَارِ مَا لَمْ يتَفَرَّقا فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِك لَهُما فِي بَيْعِهِمَا وإنْ كَذَبا وكتَما مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب إِذا بَين البيعان وَلم يكتما، وَنصحا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره، وَأخرجه أَيْضا عَن قريب فِي: بَاب كم يجوز الْخِيَار: عَن حَفْص بن عمر عَن همام عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره. وَأخرجه هُنَا: عَن إِسْحَاق. قَالَ الغساني: لم أحد إِسْحَاق هَذَا مَنْسُوبا عِنْد أحد من رَوَاهُ (الْجَامِع) وَلَعَلَّه إِسْحَاق بن مَنْصُور، فقد روى مُسلم فِي (صَحِيحه) عَنهُ عَن حبَان بن هِلَال، وحبان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن هِلَال، وَقد مضى الْبَحْث فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب إِذا بَين البيعان. ١١١٢ - حدَّثنا حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ المُتَبايِعَانِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بالخِيارِ عَلَى صاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَاّ بَيْعَ الخِيارِ. . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَولا من طَرِيق يحيى عَن نَافِع، ثمَّ من طَرِيق أَيُّوب عَن نَافِع، ثمَّ من طَرِيق اللَّيْث عَن نَافِع، على مَا يَأْتِي. وَكَذَلِكَ أخرجه مُسلم من هَذِه الطّرق. وَأخرجه ابْن جريج أَيْضا عَن نَافِع وَمن طَرِيق عبيد الله عَن نَافِع أَيْضا. وروى أَيْضا من طَرِيق الضَّحَّاك بن عُثْمَان عَن نَافِع، وروى إِسْمَاعِيل أَيْضا عَن نَافِع، وَإِسْمَاعِيل هَذَا: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الطرقي: وَأَظنهُ ابْن إِبْرَاهِيم بن عقبَة، وَقَالَ ابْن عَسَاكِر: هُوَ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ: وَأخرج من طَرِيقه النَّسَائِيّ، قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن حَرْب، حَدثنَا محيريز بن الوضاح عَن إِسْمَاعِيل عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا إلَاّ أَن يكون بيع دون خِيَار، فَإِذا كَانَ البيع عَن خِيَار فقد وَجب البيع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (إلَاّ بيع الْخِيَار) فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَصَحهَا: أَنه اسْتَثْنَاهُ من أصل الحكم أَي: هما بِالْخِيَارِ إلَاّ بيعا جرى فِيهِ التخاير، وَهُوَ اخْتِيَار إِمْضَاء العقد، فَإِن العقد يلْزم بِهِ وَإِن لم يَتَفَرَّقَا بعد. وَالثَّانِي: أَن الِاسْتِثْنَاء من مَفْهُوم الْغَايَة أَي أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا إلَاّ بيعا شَرط فِيهِ خِيَار يَوْم مثلا، فَإِن الْخِيَار باقٍ بعد التَّفَرُّق إِلَى مُضِيّ الأمد الْمَشْرُوط. وَالثَّالِث: أَن مَعْنَاهُ إلَاّ البيع الَّذِي شَرط فِيهِ أَن لَا خِيَار لَهما فِي الْمجْلس، فَيلْزم البيع بِنَفس العقد، وَلَا يكون فِيهِ خِيَار أصلا. قلت: قد ذكرنَا هَذَا فِيمَا مضى عَن قريب بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة. ٥٤ - (بابٌ إذَا خَيَّرَ أحَدُهُمَا صاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقدْ وجَبَ الْبَيْعُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا خير أحد المتابعين صَاحبه بعد البيع قبل التَّفَرُّق فقد وَجب البيع، أَي: لزم. ٢١١٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 3337

أَنه قَالَ إذَا تَبايَعَ الرَّجُلانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بالخِيار مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعا أوْ يُخَيِّرَ أحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبايَعَا علَى ذالِكَ فَقَد وجَبَ البَيْعُ وإنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ يَتَبَايَعا ولَمْ يَتْرُكْ واحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ فَقدْ وجَبَ الْبَيْعُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَن يُخَيّر أَحدهمَا الآخر فتبايعا على ذَلِك فقد وَجب البيع) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْبيُوع عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن نَافِع ... إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ سندا ومتنا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الشُّرُوط. أخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات جَمِيعًا بِإِسْنَادِهِ الَّذِي قبله. قَوْله: (إِذا تبَايع) ، تفَاعل وَبَاب التفاعل يَأْتِي بِمَعْنى المفاعلة (وَكَانَا جَمِيعًا) تَأْكِيد لما قبله. قَوْله: (أَو يخبر أَحدهمَا الآخر) قَالَ بَعضهم: يحبر بِإِسْكَان الرَّاء عطفا على قَوْله: (مَا لم يَتَفَرَّقَا) ، وَيحْتَمل نصب الرَّاء على أَن. أَو، بِمَعْنى: إلَاّ أَن. انْتهى. قلت: قد ذكرت عَن قريب أَن هَذَا الْقَائِل ظن أَن: أَو، حرف الْعَطف، وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ بِمَعْنى إلَاّ. وتضمر: أَن، بعْدهَا، وَالْمعْنَى: إلَاّ أَن يُخَيّر أَحدهمَا الآخر. قَالَ النَّوَوِيّ: معنى أَو يُخَيّر أَحدهمَا الآخر، يَقُول لَهُ: إختر أَي: إِمْضَاء البيع، فَإِذا اخْتَار وَجب البيع، أَي: لزم وانبرم، فَإِن خير أَحدهمَا الآخر فَسكت لم يَنْقَطِع خِيَار السَّاكِت، وَفِي انْقِطَاع خِيَار الْقَائِل وَجْهَان لِأَصْحَابِنَا: أصَحهمَا الِانْقِطَاع، لظَاهِر لفظ الحَدِيث. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا أوضح شَيْء فِي ثُبُوت خِيَار الْمجْلس، وَهُوَ مُبْطل لكل تَأْوِيل مُخَالف لظَاهِر الْأَحَادِيث، وَكَذَلِكَ قَوْله فِي آخِره: (وَإِن تفَرقا بعد أَن تبَايعا) فِيهِ الْبَيَان الْوَاضِح أَن التَّفَرُّق بِالْبدنِ هُوَ الْقَاطِع للخيار، وَلَو كَانَ مَعْنَاهُ التَّفَرُّق بالْقَوْل لخلا الحَدِيث عَن فَائِدَة. انْتهى. قلت: قَوْله: أوضح شَيْء فِي ثُبُوت خِيَار الْمجْلس فِيمَا إِذا أوجب أحد الْمُتَبَايعين، وَالْآخر مُخَيّر، إِن شَاءَ قبله وَإِن شَاءَ رده، وَأما إِذا حصل الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي الطَّرفَيْنِ فقد تمّ العقد، فَلَا خِيَار بعد ذَلِك إلَاّ بِشَرْط شَرط فِيهِ أَو خِيَار الْعَيْب، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث سَمُرَة أخرجه النَّسَائِيّ وَلَفظه: (أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا وَيَأْخُذ كل وَاحِد مِنْهُمَا من البيع مَا هوى، ويتخيران ثَلَاث مَرَّات) . قَالَ الطَّحَاوِيّ: قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث: (وَيَأْخُذ كل مِنْهُمَا مَا هوى) ، يدل على أَن الْخِيَار الَّذِي للمتبايعين إِنَّمَا هُوَ قبل انْعِقَاد البيع بَينهمَا، فَيكون العقد بَينه وَبَين صَاحبه فِيمَا يرضاه مِنْهُ لَا فِيمَا سواهُ مِمَّا لَا يرضاه، إِذْ لَا خلاف بَين الْقَائِلين فِي هَذَا الْبَاب بِأَن الِافْتِرَاق الْمَذْكُور فِي الحَدِيث هُوَ بعد البيع بالأبدان. أَنه لَيْسَ للْمُبْتَاع أَن يَأْخُذ مَا رَضِي بِهِ من الْمَبِيع وَيتْرك بَقِيَّته، وَإِنَّمَا لَهُ عِنْده أَن يَأْخُذهُ كُله أَو يَدعه كُله. انْتهى. قلت: فَدلَّ هَذَا أَن التَّفَرُّق بالْقَوْل لَا بالأبدان، وَقَول الْخطابِيّ: وَهُوَ مُبْطل لكل تَأْوِيل. . إِلَى آخِره، غير مُسلم، لِأَن التَّأْويلَيْنِ إِذا تقابلا وقف الحَدِيث، وَيعْمل بِالْقِيَاسِ وَهُوَ أَن تقاس الْعُقُود من البيع وَنَحْوهَا الَّتِي تكون بالمنافع كالإجارات، على مَا كَانَ يملك من الإبضاع، كالأنكحة، فَكَمَا لَا تشْتَرط فِيهَا الْفرْقَة بالأبدان بعد العقد، فَكَذَلِك لَا تشْتَرط فِي عُقُود البيع، وَالْجَامِع كَون كل مِنْهُمَا عقدا يتم بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول. وَقَالَ مَالك: لَيْسَ لفرقتهما حد مَعْرُوف وَلَا وَقت مَعْلُوم، وَهَذِه جَهَالَة وقف البيع عَلَيْهَا، كَبيع الْمُلَامسَة والمنابذة، وكبيع بِخِيَار إِلَى أجل مَجْهُول، وَمَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ فَاسد قطعا. ٦٤ - (بابٌ إذَا كانَ الْبَائِعُ بالخِيَارِ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا كَانَ البَائِع بِالْخِيَارِ هَل يجوز البيع أَي: هَل يكون العقد جَائِزا حِينَئِذٍ أم لَازِما؟ وَلم يذكر الْجَواب اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَهُوَ قَوْله: (لَا بيع بَينهمَا) أَي: بَين الْمُتَبَايعين مَا داما فِي الْمجْلس، سَوَاء كَانَ البَائِع بِالْخِيَارِ أَو المُشْتَرِي إلَاّ بيع الْخِيَار إِذا شَرط فِيهِ. فَإِن قلت: كَيفَ خص البَائِع بِالْخِيَارِ إِذا كَانَ المُشْتَرِي كَذَلِك أَيْضا قلت: كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الرَّد على من حصر الْخِيَار فِي المُشْتَرِي دون البَائِع، فَإِن الحَدِيث سوى بَينهمَا فِي ذَلِك. ٣١١٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يتفَرَّقَا إلَاّ بَيْعَ الخِيَارِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا بيع بَينهمَا) ، أَي: لَا بيع لَازِما حَتَّى يَتَفَرَّقَا إلَاّ بيع الْخِيَار يَعْنِي: فَيلْزم باشتراطه كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَاعْترض ابْن التِّين:

стр. 3338

على هَذَا التَّبْوِيب، فَقَالَ: لَو يَأْتِ فِيهِ هُنَا بِمَا يدل على خِيَار البَائِع وَحده. قلت: قَوْله: (كل بيعين لَا بيع بَينهمَا) أَعم من أَن يكون الْخِيَار للْبَائِع أَو للْمُشْتَرِي، فَإِنَّهُ غير لَازم إلَاّ إِذا شَرط الْخِيَار، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، نَص عَلَيْهِ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) . والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الشُّرُوط عَن عبد الحميد بن مُحَمَّد الْحَرَّانِي، وَقد مر وَجه الِاسْتِثْنَاء عَن قريب. ٤١١٢ - حدَّثني إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا حَبَّانُ قَالَ حَدثنَا هَمَّامٌ قَالَ حَدثنَا قَتادة عنْ أبِي الخَلِيلِ عنْ عَبْدِ الله بن الحارِثِ عنْ حَكِيمُ بنِ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ الْبَيِّعانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا. . هَذَا الحَدِيث قد مر غير مرّة فِي كتاب الْبيُوع وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور، وحبان، بِالْفَتْح: هُوَ ابْن هِلَال، وَأَبُو الْخَلِيل هُوَ صَالح بن أبي مَرْيَم. قَوْله: (حَدثنِي) ، وَفِي بعض النّسخ بِصِيغَة الْجمع، وَهُوَ الْأَكْثَر. قَوْله: (مَا لم يَتَفَرَّقَا) هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (حَتَّى يَتَفَرَّقَا) . قَالَ هَمَّامٌ وجَدْتُ فِي كِتَابِي يَخْتَارُ ثَلاثَ مِرَارٍ فإنْ صَدَقَا وبَيَّنَا بُورِك لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وإنْ كَذَبا وكَتَما فعَسَى أنْ يَرْبَحَا رِبْحا ويُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا همام هُوَ ابْن يحيى. قَوْله: (وجدت فِي كتابي) ، يَعْنِي الْمَحْفُوظ هُوَ الَّذِي رويته، لَكِن الْمَوْجُود فِي كتابي (بِخِيَار) مُنْكرا بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَهُوَ مَكْتُوب ثَلَاث مَرَّات، وَفِي بَعْضهَا بإضافته إِلَى (ثَلَاث مرار) وَفِي بَعْضهَا (يخْتَار) بِلَفْظ الْفِعْل، وَحِينَئِذٍ يحْتَمل أَن يكون: ثَلَاث مرار، ومتعلقا بقوله: يخْتَار، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقَول همام ... إِلَى آخِره، غير مَحْفُوظ، والرواة على خِلَافه. وَإِذا خَالف الْوَاحِد الروَاة جَمِيعًا لم يقبل قَوْله، سِيمَا أَنه وجده فِي كِتَابه، وَرُبمَا أَدخل على الرجل فِي كتبه إِذا لم يكن شَدِيد الضَّبْط. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: إِن هماما تفرد بذلك عَن أَصْحَاب قَتَادَة، وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد عَن عُثْمَان عَن همام، قَالَ: وجدت فِي كتابي: الْخِيَار ثَلَاث مرار، وَلم يُصَرح همام عَمَّن حَدثهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَة. قلت: فَرجع الْأَمر إِلَى مَا قَالَه ابْن التِّين. قَوْله: (فَإِن صدقا) إِلَى آخِره، من تَتِمَّة حَدِيث حَكِيم بن حزَام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: (صدقا) إِلَى آخِره، هَل هُوَ دَاخل تَحت الْمَوْجُود فِي كِتَابه أَو هُوَ مَرْوِيّ من الْحِفْظ مُتَعَلق بِمَا قبله؟ قلت: يحتملهما، وَالظَّاهِر هُوَ الثَّانِي. قلت: لَا شكّ أَنه من جملَة حَدِيث حَكِيم، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَقَوله: (قَالَ همام) ، إِلَى قَوْله (مرَارًا) معترض فِي أثْنَاء حَدِيث حَكِيم، وَقد مر حَدِيثه فِي: بَاب إِذا بَين البيعان، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَالَ وحدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا أبُو التَّيَّاحِ أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بنَ الحَارِثِ يُحَدِّثُ بِهَذَا الحَدِيثِ عنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ عنِ النبيِّ ﷺ أَي: قَالَ حبَان بن هِلَال الْمَذْكُور: وَحدثنَا همام بن يحيى الْمَذْكُور حَدثنَا أَبُو التياح يزِيد بن حميد ... إِلَى آخِره. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم قَالَ هَهُنَا: حَدثنَا، وَقَالَ فِيمَا قبله: قَالَ همام؟ قلت: الثَّانِي: فِيمَا سمع مِنْهُ فِي مقَام النَّقْل والتحمل، وَالْأول فِي مقَام المذاكرة والمحاورة. وَقَالَ بَعضهم: وَفِي جزمه بذلك نظر، وَالَّذِي يظْهر أَنه من حَدِيث سَاقه بِالْإِسْنَادِ عبر بقوله: حَدثنَا، وَحَيْثُ ذكر كَلَام همام عبر عَنهُ بقوله: قَالَ: انْتهى. قلت: الْكرْمَانِي لم يجْزم بِمَا قَالَه، والجزم بالشَّيْء الْقطع بِهِ، وَقَوله: وَالَّذِي يظْهر ... إِلَى آخِره، هُوَ حَاصِل كَلَام الْكرْمَانِي على مَا لَا يخفى. وَالله أعلم. ٧٤ - (بابٌ إذَا اشْتَرَى شَيئا فَوَهَبَ مِنْ ساعَتِهِ قِبْلَ أنْ يَتَفَرَّقَا ولَمْ يُنْكِر البَائِعُ عَلى المُشْتَرِي أوِاشْتَري عَبْدا فأعْتَقَهُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اشْترى ... إِلَى آخِره أَي: إِذا اشْترى شخص شَيْئا فوهبه من سَاعَته، يَعْنِي: على الْفَوْر، قبل أَن يَتَفَرَّقَا، وَالْحَال أَن البَائِع لم يُنكر على المُشْتَرِي. قَوْله: (أَو اشْترى عبدا فَأعْتقهُ) قبل أَن يَتَفَرَّقَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا مِمَّا ثَبت

стр. 3339

بِالْقِيَاسِ على الْهِبَة الثَّابِتَة بِالْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا لم يذكر جَوَاب إِذا لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. فَإِن الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة جعلُوا الْقَبْض فِي جَمِيع الْأَشْيَاء بِالتَّخْلِيَةِ، وَعند الشَّافِعِيَّة والحنابلة: تَكْفِي التَّخْلِيَة، فِي الدّور وَالْعَقار دون المنقولات. وَقَالَ طاوُوسٌ فِيمَنْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضا ثُمَّ باعَهَا وَجَبَتْ لَهُ والرِّبْحُ لَهُ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، تظهر بِالتَّأَمُّلِ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق سعيد بن مَنْصُور وَعبد الرَّزَّاق من طَرِيق ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه نَحوه، وَزَاد عبد الرَّزَّاق: وَعَن معمر عَن أَيُّوب بن سِيرِين: إِذا بِعْت شَيْئا على الرضى، قَالَ: الْخِيَار لَهما حَتَّى يَتَفَرَّقَا، عَن رضى، قَوْله: (على الرضى) ، أَي: على شَرط أَنه لَو رَضِي بِهِ أجَاز العقد. قَوْله: (وَجَبت) أَي: الْمُبَايعَة أَو السّلْعَة، قَالَه الْكرْمَانِي قلت: رُجُوع الضَّمِير الَّذِي فِي: وَجَبت، إِلَى السّلْعَة ظَاهر، وَأما رُجُوعه إِلَى الْمُبَايعَة فبالقرينة الدَّالَّة عَلَيْهِ. ٦١١٢ - قَالَ أبُو عَبْدِ الله وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خَالِدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ بِعْتُ مِنْ أمِيرِ الْمُؤْمِنِينِ عُثْمَانَ مَالا بِالْوَادِي بمالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ

стр. 3340

فلَمَّا تَبايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبَي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ خَشْيَةَ أنْ يُرَاددَّنِي الْبَيْعَ وكانَتِ السُّنَّةُ أنَّ المُتَبَايِعيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقا قَالَ عَبْدُ الله فلَمَّا وجَبَ بَيْعِي وبيْعُهُ رأيْتُ أنِّي قدْ غَبَنْتُهِ بِأنِّي سُقْتُهُ إلَى أرْضِ ثَمُودٍ بِثَلَاثِ لَيالٍ وساقَنِي إلَى المَدِينَةِ بِثَلاثِ لَيالٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن للبايعين التَّصَرُّف على حسب إرادتهما قبل التَّفَرُّق إجَازَة وفسخا. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (وَقَالَ اللَّيْث) أَي: ابْن سعد الْمصْرِيّ: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي الْمصْرِيّ وإليها عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي عمرَان: حَدثنَا الرَّمَادِي، قَالَ: وَأَخْبرنِي يَعْقُوب بن سُفْيَان قَالَ: وأنبأنا الْقَاسِم حَدثنَا ابْن زَنْجوَيْه، قَالُوا: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا اللَّيْث حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بِهَذَا. وَقَالَ أَبُو نعيم: ذكره البُخَارِيّ فَقَالَ: وَقَالَ اللَّيْث، وَلم يذكر من دونه. وَقد دلّ على أَن الحَدِيث لأبي صَالح، وَأَبُو صَالح لَيْسَ من شَرطه. قَوْله: (مَالا) أَي: أَرضًا أَو عقارا. قَوْله: (بالوادي) ، قَالَ الْكرْمَانِي: اللَّام للْعهد، وَهُوَ عبارَة عَن وَاد مَعْهُود عِنْدهم: وَقيل: هُوَ وَادي الْقرى قلت: وَادي الْقرى من أَعمال الْمَدِينَة. قَوْله: (بِخَيْبَر) ، وَهُوَ بَلْدَة عنزة فِي جِهَة الشمَال والشروق عَن الْمَدِينَة على نَحْو سِتّ مراحل، وخيبر بلغَة الْيَهُود حصن. قَوْله: (فَلَمَّا تبايعنا رجعت على عَقبي) وَفِي رِوَايَة أَيُّوب بن سُوَيْد: (طفقت أنكص على عَقبي الْقَهْقَرَى) ، وعقبي، بِلَفْظ الْمُفْرد والمثنى. قَوْله: (خشيَة أَن يرادني) خشيَة مَنْصُوب على أَنه مفعول لَهُ، وَمعنى: أَن يرادني: أَن يطْلب اسْتِرْدَاده مني، وَهُوَ بتَشْديد الدَّال، وَأَصله: يرادني. قَوْله: (وَكَانَت السّنة أَن الْمُتَبَايعين بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا) ، أَرَادَ أَن هَذَا هُوَ السَّبَب فِي خُرُوجه من بَيت عُثْمَان، وَأَنه فعل ذَلِك ليجب البيع وَلَا يبْقى خِيَار فِي فَسخه قلت: قَوْله: وَكَانَت السّنة، تدل على أَنه كَانَ هَكَذَا فِي أول الْأَمر، وَعَن هَذَا قَالَ ابْن بطال: وَكَانَت السّنة تدل على أَن ذَلِك كَانَ فِي أول الْأَمر، فَأَما فِي الزَّمن الَّذِي فعل ابْن عمر ذَلِك، فَكَانَ التَّفَرُّق بالأبدان متروكا، فَلذَلِك فعله ابْن عمر، لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيد الإتباع، وَاعْترض بَعضهم على هَذَا بقوله، وَقد وَقع فِي رِوَايَة أَيُّوب بن سُوَيْد: كُنَّا إِذا تبايعنا كَانَ كل وَاحِد منا بِالْخِيَارِ مَا لم يتفرق الْمُتَبَايعَانِ، فتبايعت أَنا وَعُثْمَان، فساق الْقِصَّة، قَالَ: وفيهَا إِشْعَار باستمرار ذَلِك. انْتهى. قلت: القَوْل فِيهِ مثل مَا قَالَ ابْن بطال فِي حَدِيث الْبَاب، وَقَوله: وفيهَا إِشْعَار باستمرار ذَلِك، غير مسلَّم، لِأَن هَذِه دَعْوَى بِلَا برهَان. على أَنا نقُول: ذكر ابْن رشد فِي (الْمُقدمَات) لَهُ: أَن عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر: لَيست السّنة بافتراق الْأَبدَان، قد انتسخ ذَلِك، وَقد اعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: هَذِه الزِّيَادَة لم أر لَهَا إِسْنَادًا. قلت: لَا يلْزم من عدم رُؤْيَته إِسْنَاده عدم رُؤْيَة قَائِله أَو غَيره، فَهَذَا لَا يشفي العليل وَلَا يرْوى الغليل. قَوْله: (قَالَ عبد الله) ، يَعْنِي ابْن عمر. قَوْله: (إِلَى أَرض ثَمُود) ، وهم قَبيلَة من الْعَرَب الأولى، وهم قوم صَالح، ﵇، يصرف وَلَا يصرف، وأرضهم قريبَة من تَبُوك، وَحَاصِل الْمَعْنى أَنه يبيِّن وَجه غبنه عُثْمَان بقوله: سقته، يَعْنِي: زِدْت الْمسَافَة الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين أرضه الَّتِي صَارَت إِلَيْهِ على الْمسَافَة الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين أرضه الَّتِي بَاعهَا بِثَلَاث لَيَال، وَأَنه نقص الْمسَافَة الَّتِي بيني وَبَين أرضي الَّتِي أَخَذتهَا عَن الْمسَافَة الَّتِي كَانَت بيني وَبَين الأَرْض الَّتِي بعتها بِثَلَاث لَيَال، وَإِنَّمَا قَالَ: إِلَى الْمَدِينَة، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا كَانَا بهَا، فَرَأى ابْن عمر الْغِبْطَة فِي الْقرب من الْمَدِينَة، فَلذَلِك قَالَ: رَأَيْت قد غبنته. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ احْتج بِهِ من قَالَ: إِن الِافْتِرَاق بالْكلَام. وَقَالُوا: لَو كَانَ معنى الحَدِيث التَّفَرُّق بالأبدان لَكَانَ المُرَاد مِنْهُ الحض وَالنَّدْب إِلَى حسن الْمُعَامَلَة من الْمُسلم للْمُسلمِ، ألَا ترى إِلَى قَول ابْن عمر: وَكَانَت السّنة أَن الْمُتَبَايعين بِالْخِيَارِ؟ قَالَ ذَلِك لما ذكرنَا. وَقَالَ ابْن التِّين: وَذكر عبد الْملك أَن فِي بعض الرِّوَايَات: وَكَانَت السّنة يَوْمئِذٍ. قَالَ: وَلَو كَانَ على الْإِلْزَام لقَالَ: كَانَت السّنة، وَتَكون إِلَى يَوْم الدّين. قَالَ ابْن بطال: حكى ابْن عمر أَن النَّاس كَانُوا يلتزمون حِينَئِذٍ النّدب لِأَنَّهُ كَانَ زمن مكارمة، وَأَن الْوَقْت الَّذِي حكى فِيهِ التَّفَرُّق بالأبدان كَانَ التَّفَرُّق بالأبدان متروكا، وَلَو كَانَ على الْوُجُوب مَا قَالَ: وَكَانَت السّنة، فَلذَلِك جَازَ أَن يرجع على عقبه، لِأَنَّهُ فهم أَن المُرَاد بذلك الحض وَالنَّدْب، لَا سِيمَا هُوَ الَّذِي حضر فعل النَّبِي ﷺ فِي هِبته الْبكر لَهُ بِحَضْرَة البَائِع قبل التَّفَرُّق. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: روينَا عَن ابْن عمر مَا يدل على أَن رَأْيه كَانَ فِي الْفرْقَة بِخِلَاف مَا ذهب إِلَيْهِ من قَالَ: إِن البيع لَا يتم إلَاّ بهَا، وَهُوَ مَا حَدثنَا سُلَيْمَان بن شُعَيْب حَدثنَا بشر بن بكر حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ حَدثنِي الزُّهْرِيّ عَن

стр. 3341

حَمْزَة بن عبد الله، أَن عبد الله بن عمر قَالَ: مَا أدْركْت الصَّفْقَة حَيا فَهُوَ من مَال الْمُبْتَاع. قَالَ ابْن حزم: صَحَّ هَذَا عَن ابْن عمر، وَلَا يعلم لَهُ مُخَالف من الصَّحَابَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: يَعْنِي فِي السّلْعَة تتْلف عِنْد البَائِع قبل أَن يقبضهَا المُشْتَرِي بعد تَمام البيع. قَالَ ابْن الْمُنْذر: هِيَ من مَال المُشْتَرِي، لِأَنَّهُ لَو كَانَ عبدا فَأعْتقهُ المُشْتَرِي كَانَ عتقه جَائِزا، وَلَو أعْتقهُ البَائِع لم يجز عتقه. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا ابْن عمر يذهب فِيمَا أدْركْت الصَّفْقَة حَيا فَهَلَك بعْدهَا أَنه من مَال المُشْتَرِي، فَدلَّ ذَلِك أَنه كَانَ يرى أَن البيع يتم بالأقوال قبل الْفرْقَة الَّتِي تكون بعد ذَلِك، وَأَن الْمَبِيع ينْتَقل من ملك البَائِع إِلَى ملك الْمُبْتَاع حَتَّى يهْلك من مَاله إِن هلك. وَفِيه: جَوَاز بيع الأَرْض بِالْأَرْضِ. وَفِيه: جَوَاز بيع الْعين الغائبة على الصّفة، وَفِيه خلاف سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِيه: أَن الْغبن لَا يرد بِهِ البيع. ٨٤ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الخِدَاعِ فِي البَيْعِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة الخداع فِي البيع، وَلَكِن الخداع لَا ينْسَخ بِهِ البيع، وَفِيه خلاف نذكرهُ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٧١١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله ابنِ دِينارٍ عنْ عَبْدِ الله ابنِ عُمَر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رجُلاً ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلابةَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الخداع لَو لم يكن مَكْرُوها لما قَالَ، ﷺ ، لذَلِك المخدوع: إِذا بَايَعت فَقل: لَا خلابة، أَي: لَا خديعة، على مَا يَجِيء تَفْسِيرهَا كَمَا يَنْبَغِي عَن قريب. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي تِلْكَ الْحِيَل عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن رجلا) ، وَهُوَ حبَان بن منقذ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ومنقذ اسْم فَاعل من الإنقاذ وَهُوَ التخليص: الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ الْأنْصَارِيّ الْمَازِني، شهد أحدا وَمَا بعْدهَا، وَمَات فِي زمن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد شج فِي بعض مغازيه مَعَ النَّبِي، ﷺ ، بِحجر بِبَعْض الْحُصُون، فأصابته فِي رَأسه مأمومة فَتغير بهَا لِسَانه وعقله، لكنه لم يخرج عَن التَّمْيِيز، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن رجلا من الْأَنْصَار كَانَت بِلِسَانِهِ لوثة، وَكَانَ لَا يزَال يغبن فِي الْبيُوع، فَذكر ذَلِك للنَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ: إِذا بِعْت فَقل: لَا خلابة، مرَّتَيْنِ. وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: وحَدثني مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان، قَالَ: هُوَ جدي منقذ بن عَمْرو، وَكَانَ رجلا قد أَصَابَته آمة فِي رَأسه فَكسرت لِسَانه ونازعته عقله، وَكَانَ لَا يدع التِّجَارَة، وَكَانَ لَا يزَال يغبن، وَفِيه: وَكَانَ عمر عمرا طَويلا عَاشَ ثَلَاثِينَ وَمِائَة سنة. وَفِي لفظ عَن ابْن عمر: كَانَ حبَان بن منقذ رجلا ضَعِيفا. وَكَانَ قد سقع فِي رَأسه مأمومة فَجعل رَسُول الله، ﷺ ، لَهُ الْخِيَار فِيمَا يَشْتَرِي ثَلَاثًا، وَكَانَ قد ثقل لِسَانه، فَكنت أسمعهُ يَقُول: لَا حذابة لَا حذابة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَكَانَ ضَرِير الْبَصَر. وَفِي الطَّبَرَانِيّ: لما عمي قَالَ لَهُ النَّبِي، ﷺ ، ذَلِك. وَقَالَ ابْن قرقول: إِن هَذَا الرجل كَانَ ألثغ وَلَا يُعْطِيهِ لِسَانه إِخْرَاج الْكَلَام، وَكَانَ ينْطق يَا بِاثْنَتَيْنِ من تَحت، أَو ذالاً مُعْجمَة. قَوْله: (ذكر للنَّبِي، ﷺ وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: (فَشكى إِلَى النَّبِي، ﷺ ، مَا يلقى من الْغبن) . قَوْله: (لَا خلابة) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام، أَي: لَا خديعة. يُقَال: خلبة يخلبه خلبا وخلابة وخالبة، وَرجل خالب وخلاب وخلبوت وخلبوب: خداع، الْأَخِيرَة عَن كرَاع، يَعْنِي: خلبوب، بالبائين الموحدتين. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: خداع كَذَّاب، وَامْرَأَة خلبوت على مِثَال جبروت، وخلوب وخالبة وخلابة. وَفِي (الْمُنْتَهى) : الخلب الْقطع والخديعة بِاللِّسَانِ، خلبه يخلبه من بَاب نَصره ينصره، وخلبه يخلبه من بَاب ضربه يضْربهُ، واختلبه اختلابا، والخلوب الخادع، والخلابة الخداعة من النِّسَاء، وَعَن أبي جَعْفَر عَن بعض شُيُوخه: لَا خِيَانَة، بالنُّون وَهُوَ تَصْحِيف. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَهُوَ على وُجُوه: الأول: مَذْهَب الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة: على أَن الْعين غير لَازم فَلَا خِيَار للمغبون سَوَاء قل الْغبن أَو كثر، وَهُوَ الْأَصَح من روايتي مَالك. وَقَالَ البغداديون من أَصْحَابه: للمغبون الْخِيَار بِشَرْط أَن يبلغ الْغبن ثلث

стр. 3342

الْقيمَة وَإِن كَانَ دونه فَلَا، هَكَذَا حَده أَبُو بكر وَابْن أبي مُوسَى من الْحَنَابِلَة، وَقيل: السُّدس، وَعَن دَاوُد: العقد بَاطِل، وَعَن مَالك: إِن كَانَا عارفين بِتِلْكَ السّلْعَة وسعرها وَقت البيع لم يفْسخ البيع، كثيرا كَانَ الْغبن أَو قَلِيلا، فَإِن كَانَ أَحدهمَا غير عَارِف بذلك فسخ البيع ألَاّ أَن يُرِيد أَن يمضيه، وَلم يحد مَالك حدا، وَأثبت هَؤُلَاءِ خِيَار الْغبن بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. وَأجَاب الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَجُمْهُور الْعلمَاء عَن الحَدِيث بِأَنَّهَا وَاقعَة عين وحكاية حَال، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ يَنْبَغِي أَن يُقَال: إِنَّه كُله مَخْصُوص بِصَاحِبِهِ، لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيره فَإِن كَانَ يخدع فِي الْبيُوع فَيحْتَمل أَن الخديعة كَانَت فِي الْعَيْب أَو فِي الْعين أَو فِي الْكَذِب أَو فِي الْغبن فِي الثّمن، وَلَيْسَت قَضِيَّة عَامَّة، فَتحمل على الْعُمُوم، وَإِنَّمَا هِيَ خَاصَّة فِي عين وحكاية حَال، فَلَا يَصح دَعْوَى الْعُمُوم فِيهَا عِنْد أحد. ثمَّ أورد ابْن الْعَرَبِيّ على نَفسه قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق ابْن أبي لَهِيعَة: حَدثنَا حبَان بن وَاسع عَن طَلْحَة بن يزِيد بن ركَانَة أَنه كلم عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فِي الْبيُوع، فَقَالَ: مَا أجد لكم شَيْئا أوسع مِمَّا جعل رَسُول الله ﷺ لحبان ابْن منقذ ... فَذكر الحَدِيث، فَلم يَجْعَل عمر خَاصّا بِهِ. ثمَّ أجَاب عَنهُ بِضعْف الحَدِيث من أجل ابْن لَهِيعَة. انْتهى. وَقَالَ الْجُمْهُور أَيْضا: لَو كَانَ الْغبن مثبتا للخيار لما احْتَاجَ إِلَى اشْتِرَاط الْخِيَار، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي بعض طرق الحَدِيث أَنه اشْترط الْخِيَار ثَلَاثًا، وَلَا احْتَاجَ أَيْضا إِلَى قَوْله: لَا خلابة. الثَّانِي: اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، على حجر السَّفِيه الَّذِي لَا يحسن التَّصَرُّف، وَوجه ذَلِك أَنه لما طلب أَهله إِلَى النَّبِي، ﷺ ، الْحجر عَلَيْهِ، دَعَاهُ فَنَهَاهُ عَن البيع، وَهَذَا هوالحجر، وَهُوَ: الْمَنْع: قُلْنَا: هَذَا نهي خَاص بِهِ لضعف عقله، وَلَا يسري هَذَا فِي الْحجر على الْحر الْعَاقِل الْبَالِغ، لِأَن فِي حَقه إهدار الْآدَمِيَّة. وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس أَن رجلا كَانَ فِي عقدته ضعف، وَكَانَ يُبَايع، وَأَن أَهله أَتَوا النَّبِي ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله! أحجر عَلَيْهِ. فَدَعَاهُ النَّبِي ﷺ فَنَهَاهُ، قَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي لَا أَصْبِر عَن البيع، فَقَالَ: إِذا بَايَعت فَقل: هَا وَلَا خلابة. وَرَوَاهُ بَقِيَّة أَصْحَاب السّنَن، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا الرجل الْمُبْهم هُوَ حبَان بن منقذ. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هُوَ منقذ بن عَمْرو، وَالْأول أرجح. قَوْله: (فِي عقدته ضعف) أَرَادَت ضعف الْعقل وعقدة الرجل مَا عقد عَلَيْهِ ضَمِيره وَنِيَّته، أَي: عزم عَلَيْهِ ونواه. الثَّالِث: اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة إِلَى أَن ضَعِيف الْعقل لَا يحْجر عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لما قَالَ لَهُ: إِنَّه لَا يصبر على البيع أذن لَهُ فِيهِ بِالصّفةِ الَّتِي ذكرهَا، فَهَذَا دَال على عدم الْحجر. الرَّابِع: اسْتدلَّ بِهِ ابْن حزم على أَنه يتَعَيَّن فِي اللَّفْظ الْمُوجب للخيار ذكر الخلابة دون غَيره من الْأَلْفَاظ، فَلَو كَانَ: لَا خديعة أَو: غش أَو: لَا كيد أَو: لَا مكر أَو: لَا عيب أَو: لَا ضَرَر أَو: لَا دَاء، أَو: لَا غائلة أَو: لَا خبث أَو: على السَّلامَة أَو نَحْو هَذَا، لم يكن لَهُ الْخِيَار المجعول لمن قَالَ: لَا خلابة، إلَاّ أَن يكون فِي لِسَانه خلل يعجز عَن اللَّفْظ بهَا، فَيَكْفِي أَن يَأْتِي بِمَا يقدر عَلَيْهِ من هَذَا للفظ، كَمَا كَانَ يفعل هَذَا الرجل الْمَذْكُور من قَوْله: لَا خيابة، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، أَو: لَا خذابة بِالذَّالِ، على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ إِن لم يكن يحسن الْعَرَبيَّة فَقَالَ مَعْنَاهَا بِاللِّسَانِ الَّذِي يُحسنهُ، فَإِنَّهُ يثبت لَهُ الْخِيَار. وَقَالَ بَعضهم: وَمن أسهل مَا يرد بِهِ عَلَيْهِ أَنه ثَبت فِي (صَحِيح) مُسلم أَنه كَانَ يَقُول: لَا خيابة، بالتحتانية بدل اللَّام، وبالذال الْمُعْجَمَة بدل اللَّام أَيْضا، وَكَأَنَّهُ كَانَ لَا يفصح باللَاّم للثغة لِسَانه، وَمَعَ ذَلِك لم يتَغَيَّر الحكم فِي حَقه عِنْد أحد من الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا يشْهدُونَ لَهُ بِأَن النَّبِي ﷺ جعله بِالْخِيَارِ، فَدلَّ على أَنهم اكتفوا فِي ذَلِك بِالْمَعْنَى. انْتهى. قلت: هَذَا عَجِيب، وَكَيف يكون هَذَا أسهل مَا يرد بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَائِل بِمَا ذكره هَذَا الْقَائِل عِنْد الْعَجز، وَكَلَامه عِنْد الْقُدْرَة. الْخَامِس: قَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بِهِ على أَن أمد خِيَار الشَّرْط ثَلَاثَة أَيَّام من غير زِيَادَة، لِأَنَّهُ حكم ورد على خلاف الأَصْل، فَيقْتَصر بِهِ على أقْصَى مَا ورد فِيهِ، وَيُؤَيِّدهُ جعل الْخِيَار فِي الْمُصراة ثَلَاثَة أَيَّام. وَاعْتِبَار الثَّلَاث فِي غير مَوضِع. انْتهى. قلت: هَذَا الْبَاب فِيهِ اخْتِلَاف الْفُقَهَاء. فَقَالَت: طَائِفَة: البيع بِشَرْط الْخِيَار جَائِز، وَالشّرط لَازم إِلَى الأمد الَّذِي اشْترط إِلَيْهِ الْخِيَار، وَهَذَا قَول ابْن أبي ليلى وَالْحسن بن صَالح وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر. وَقَالَ اللَّيْث: يجوز الْخِيَار إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فَأَقل. وَقَالَ عبيد الله بن الْحسن: لَا يُعجبنِي شَرط الْخِيَار الطَّوِيل إلَاّ أَن الْخِيَار للْمُشْتَرِي مَا رَضِي البَائِع. وَقَالَ ابْن شبْرمَة وَالثَّوْري: لَا يجوز البيع إِذا شَرط فِيهِ الْخِيَار للْبَائِع أَو لَهما. وَقَالَ سُفْيَان: البيع فَاسد بذلك، فَإِن شَرط الْخِيَار للْمُشْتَرِي عشرَة أَيَّام أَو أَكثر جَازَ. وَقَالَ مَالك: يجوز شَرط الْخِيَار فِي بيع الثَّوْب الْيَوْم واليومين، وَالْجَارِيَة إِلَى خَمْسَة أَيَّام، وَالْجُمُعَة، وَالدَّابَّة تركب

стр. 3343

الْيَوْم وَشبهه ويسار عَلَيْهَا الْبَرِيد وَنَحْوه، وَفِي الدَّار الشَّهْر ليختبر ويشاور فِيهَا. وَلَا فرق بَين شَرط الْخِيَار للْبَائِع وَالْمُشْتَرِي. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: يجوز أَن يشْتَرط شهرا أَو أَكثر. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَزفر: الْخِيَار فِي البيع ثَلَاثَة أَيَّام، وَلَا يجوز الزِّيَادَة عَلَيْهَا، فَإِن زَاد فسد البيع، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن شبْرمَة. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : وَيجوز شَرط خِيَار ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْبيُوع الَّتِي لَا رَبًّا فِيهَا، فَأَما الْبيُوع الَّتِي فِيهَا رَبًّا، وَهِي: الصّرْف وَبيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ ... فَلَا يجوز فِيهَا شَرط الْخِيَار، فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يَتَفَرَّقَا قبل تَمام البيع. وروى ابْن مَاجَه بِسَنَد جيد حسن من حَدِيث يُونُس بن بكير عَن ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي نَافِع (عَن ابْن عمر، قَالَ: سَمِعت رجلا من الْأَنْصَار يشكو إِلَى النَّبِي، ﷺ ، أَنه يغبن فِي الْبيُوع، فَقَالَ: إِذا بَايَعت فَقل: لَا خلابة، ثمَّ أَنْت بِالْخِيَارِ فِي كل سلْعَة ابتعتها ثَلَاث لَيَال) . وَلما رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) بِسَنَد صَحِيح إِلَى ابْن إِسْحَاق جعله عَن منقذ بن عَمْرو. وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لمنقذ بن عَمْرو: (قل لَا خلابة إِذا بِعْت بيعا، فَأَنت بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا) . وروى عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) من حَدِيث أبان ابْن أبي عَيَّاش: (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رجلا اشْترى من رجل بَعِيرًا وَاشْترط عَلَيْهِ الْخِيَار أَرْبَعَة أَيَّام، فَأبْطل رَسُول الله، ﷺ ، البيع، وَقَالَ: الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام) . وَذكره عبد الْحق فِي أَحْكَامه من جِهَة عبد الرَّزَّاق، وَأعله بِابْن أبي عَيَّاش. وَقَالَ: إِنَّه لَا يحْتَج بحَديثه مَعَ أَنه كَانَ رجلا صَالحا. وروى الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن أَحْمد بن عبد الله بن ميسرَة. حَدثنَا أَبُو عَلْقَمَة حَدثنَا نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام) . وَأحمد بن عبد الله بن ميسرَة إِن كَانَ هُوَ الْحَرَّانِي فَهُوَ مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن حبَان: ثمَّ التَّقْدِير بِالثلَاثِ خرج مخرج الْغَالِب، لِأَن النّظر يحصل فِيهَا غَالِبا، وَهَذَا لَا يمْنَع من الزِّيَادَة عِنْد الْحَاجة، كَمَا قدرت حِجَارَة الِاسْتِنْجَاء بِالثلَاثِ، ثمَّ تجب الزِّيَادَة عِنْد الْحَاجة، وَالله أعلم. ٩٤ - (بابُ مَا ذُكِرَ فِي الأسْوَاقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ذكر فِي الْأَسْوَاق، وَهُوَ جمع: سوق، وَهِي مَوضِع الْبياعَات، وَهِي مُؤَنّثَة وَقد تذكر. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ لَمَّا قَدِمْنا المَدِينَةَ قُلْتُ هَلْ مِنْ سُوقٍ فيهِ تِجَارَةٌ قَالَ سوقُ قَيْنُقاعَ مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (سوق بني قينقاع) ، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث أنس، أخرجه مَوْصُولا، قَالَ: لما قدم عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف الْمَدِينَة ... الحَدِيث، وَقد ذكره فِي أول كتاب الْبيُوع، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ بِذكر الْأَسْوَاق إِبَاحَة المتاجر وَدخُول الْأَسْوَاق للأشراف والفضلاء. فَإِن قلت: روى أَحْمد وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم، وَصَححهُ من حَدِيث جُبَير بن مطعم: (أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: أحب الْبِقَاع إِلَى الله تَعَالَى الْمَسَاجِد، وَأبْغض الْبِقَاع إِلَى الله تَعَالَى الْأَسْوَاق) . وَأخرجه ابْن حبَان وَالْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر، نَحوه. قلت: هَذَا لم يثبت على شَرطه من أَنَّهَا شَرّ الْبِقَاع، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى هَذَا، وَلَكِن لَا يعلم إلَاّ من الْخَارِج. وَقَالَ ابْن بطال: وَهَذَا أخرج على الْغَالِب، وَالْأَقْرَب سوق يذكر الله فِيهَا أَكثر من كثير من الْمَسَاجِد. وَقَالَ أنسٌ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ دُلُّونِي عَلى السُّوقِ هَذَا أَيْضا فِي نفس حَدِيث أنس الْمَذْكُور فِي أول كتاب الْبيُوع. وَقَالَ عُمَرُ ألْهانِي الصَّفْقُ بِالأسْواقِ هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله البُخَارِيّ فِي أثْنَاء حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي: بَاب الْخُرُوج فِي التِّجَارَة فِي كتاب الْبيُوع. ٨١١٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّا عنْ مُحَمَّدِ بنِ سُوقَةَ عنْ نافِعِ ابنِ جُبَيْر بنِ مُطْعمٍ قَالَ حدَّثَتْنِي عائشةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قَالَ رسولُ الله ﷺ يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ

стр. 3344

فإذَا كانُوا بِبَيْداءَ مِنَ الأرْضِ يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ قالَتْ قُلْتُ يَا رَسُول الله كَيْفَ يَا رسولَ الله كَيْفَ يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ وفِيهِمْ أسْواقُهمْ ومَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ يُخْسَفُ بِأوَّلِهِم وآخِرِهِم ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَفِيهِمْ أسواقهم) ، حَيْثُ ذكر هَذَا اللَّفْظ فِي الحَدِيث. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الصَّباح، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، قد مر فِي: بَاب من اسْتَوَى قَاعِدا فِي صلَاته. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا أَبُو زِيَاد الْأَسدي مَوْلَاهُم الخلقاني، قَالَ البُخَارِيّ: جَاءَ نعيه إِلَى أَهله سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن سوقة، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالقاف: أَبُو بكر الغنوي، مر فِي كتاب الْعِيد. الرَّابِع: نَافِع بن جُبَير مصغر الْجَبْر ضد الْكسر ابْن مطعم، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِطْعَام، مر فِي: بَاب الرجل يُوصي بِصَاحِبِهِ. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن شَيْخه بغدادي أَصله هروي نزل بَغْدَاد، وَأَن إِسْمَاعِيل وَمُحَمّد بن سوقة كوفيان، وَأَن نَافِعًا مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية، فَإِن مُحَمَّد بن سوقة من صغَار التَّابِعين وَكَانَ ثِقَة عابدا صَالحا وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَحَدِيث آخر تقدم فِي الْعِيدَيْنِ. وَفِيه: أَن نَافِعًا هَذَا لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ عَن عَائِشَة سوى هَذَا الحَدِيث، وَوَقع فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن بكار عَن إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا عَن مُحَمَّد بن سوقة: سَمِعت نَافِع بن جُبَير. أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَفِيه: حَدَّثتنِي عَائِشَة، هَكَذَا قَالَ إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا عَن مُحَمَّد بن سوقة، وَخَالفهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَقَالَ: عَن مُحَمَّد بن سوقة عَن نَافِع بن جُبَير عَن أم سَلمَة أخرجه التِّرْمِذِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون نَافِع بن جُبَير سَمعه مِنْهُمَا، فَإِن رِوَايَته عَن عَائِشَة أتم من رِوَايَته عَن أم سَلمَة. وَأخرجه مُسلم من وَجه آخر عَن عَائِشَة: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد حَدثنَا الْقَاسِم ابْن الْفضل الْحَرَّانِي عَن مُحَمَّد بن زِيَاد (عَن عبد الله بن الزبير: أَن عَائِشَة قَالَت: عَبث رَسُول الله ﷺ فِي مَنَامه، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله ﴿صنعت شَيْئا فِي مَنَامك لم تكن تَفْعَلهُ؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : الْعجب أَن نَاسا من أمتِي يؤمُّونَ بِالْبَيْتِ بِرَجُل من قُرَيْش قد لَجأ بِالْبَيْتِ حَتَّى إِذا كَانَ بِالْبَيْدَاءِ خسف بهم، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله﴾ إِن الطَّرِيق قد يجمع النَّاس. قَالَ: نعم فيهم المستبصر والمخبور وَابْن السَّبِيل، يهْلكُونَ مهْلكا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مصَادر شَتَّى يَبْعَثهُم الله على نياتهم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يَغْزُو جَيش الْكَعْبَة) أَي: يقْصد عَسْكَر من العساكر تخريب الْكَعْبَة. قَوْله: (ببيداء من الأَرْض) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (بِالْبَيْدَاءِ) ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن أبي جَعْفَر الباقر، قَالَ: (هِيَ بيداء الْمَدِينَة) ، وَهِي بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ممدودة، وَهِي فِي الأَصْل الْمَفَازَة الَّتِي لَا شَيْء فِيهَا، وَهِي فِي هَذَا الحَدِيث اسْم مَوضِع مَخْصُوص بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. قَوْله: (يخسف بأولهم وَآخرهمْ) ، وَزَاد التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث صَفِيَّة: (وَلم ينج أوسطهم) ، وَفِي مُسلم أَيْضا فِي حَدِيث حَفْصَة: (فَلَا يبْقى إلَاّ الشريد الَّذِي يخبر عَنْهُم) . قَوْله: (وَفِيهِمْ أسواقهم) ، جملَة حَالية، وَهُوَ جمع: سوق، وَالتَّقْدِير أهل أسواقهم الَّذين يبيعون ويشترون كَمَا فِي المدن. وَفِي (مستخرج) أبي نعيم: (وَفِيهِمْ أَشْرَافهم) ، بالشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَالْفَاء، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن بكار عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: (وَفِيه سواهُم) ، وَقَالَ: وَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (وَفِيهِمْ أسواقهم) وَلَيْسَ هَذَا الْحَرْف فِي حديثنا وأظن أَن أسواقهم تَصْحِيف فَإِن الْكَلَام فِي الْخَسْف بِالنَّاسِ لَا بالأسواق وَقَالَ بَعضهم بل لفظ: سواهُم، تَصْحِيف فَإِنَّهُ بِمَعْنى قَوْله: وَمن لَيْسَ مِنْهُم، فَيلْزم مِنْهُ التّكْرَار بِخِلَاف رِوَايَة البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. نعم أقرب الرِّوَايَات إِلَى الصَّوَاب رِوَايَة أبي نعيم. انْتهى. قلت: لَا نسلم لُزُوم التّكْرَار، لِأَن معنى: أسواقهم: أهل أسواقهم، كَمَا ذكرنَا، وَالْمرَاد بقوله: وَمن لَيْسَ مِنْهُم: الضُّعَفَاء وَالْأسَارَى الَّذين لَا يقصدون التخريب، وَلَا نسلم أَيْضا أَن أقرب الرِّوَايَات إِلَى الصَّوَاب رِوَايَة أبي نعيم، لِأَن أَشْرَافهم هم عُظَمَاء الْجَيْش الَّذِي يقصدون التخريب، وَرِوَايَة البُخَارِيّ على حَالهَا صَحِيحَة على التَّفْسِير الَّذِي ذكرنَا. وَقَوله: بل لفظ سواهُم تَصْحِيف، غير صَحِيح، لِأَن مَعْنَاهُ: وَفِي الْجَيْش الَّذين يقصدون التخريب سواهُم مِمَّن لَا يقْصد وَلَا يقدر. قَوْله: (قَالَ: يخسف بأولهم وَآخرهمْ) أَي: قَالَ، ﷺ ، فِي جَوَاب عَائِشَة: يخسف بأولهم وَآخرهمْ، يَعْنِي: كلهم، هَذَا الَّذِي يفهم مِنْهُ بِحَسب الْعرف، قَالَ الْكرْمَانِي: لم يعلم

стр. 3345

مِنْهُ الْعُمُوم إِذْ حكم الْوسط غير مَذْكُور، وَالْجَوَاب مَا قُلْنَا، أَو نقُول: إِن الْوسط آخر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأول، وَأول بِالنِّسْبَةِ إِلَى الآخر، على أَنا قد ذكرنَا الْآن أَن فِي رِوَايَة صَفِيَّة: (وَلم ينج أوسطهم) ، وَهَذَا يُغني عَن تكلّف الْجَواب. قَوْله: (ثمَّ يبعثون على نياتهم) ، أَي: يخسف بِالْكُلِّ لشؤم الأشرار، ثمَّ أَنه تَعَالَى يبْعَث لكل مِنْهُم فِي الْحَشْر بِحَسب قَصده إِن خيرا فَخير، وَإِن شرا فشر. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: يُسْتَفَاد مِنْهُ قطعا قصد هَذَا الْجَيْش تخريب الْكَعْبَة، ثمَّ خسفهم بِالْبَيْدَاءِ وَعدم وصولهم إِلَى الْكَعْبَة لإخبار لمخبر الصَّادِق بذلك، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْجَيْش الَّذِي يخسف بهم هم الَّذين يهدمون الْكَعْبَة فينتقم مِنْهُم فيخسف بهم. رد عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن فِي بعض طرق الحَدِيث عِنْد مُسلم: (أَن نَاسا من أمتِي) ، وَالَّذين يهدمونها من كفار الْحَبَشَة، وَالْآخر: أَن مُقْتَضى كَلَامه: يخسف بهم، بعد الْهدم وَلَيْسَ كَذَلِك، بل خسفهم قبل الْوُصُول إِلَى مَكَّة فضلا عَن هدمها. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن من كثَّر سَواد قوم فِي مَعْصِيّة وفتنة أَن الْعقُوبَة تلْزمهُ مَعَهم إِذا لم يَكُونُوا مغلوبين على ذَلِك. وَمن ذَلِك: أَن مَالِكًا استنبط من هَذَا أَن من وجد مَعَ قوم يشربون الْخمر وَهُوَ لَا يشرب أَنه يُعَاقب، وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن الْعقُوبَة الَّتِي فِي الحَدِيث هِيَ الهجمة السماوية، فَلَا يُقَاس عَلَيْهَا الْعُقُوبَات الشَّرْعِيَّة، وَفِيه: نظر، لِأَن الْعُقُوبَات الشَّرْعِيَّة أَيْضا بالأمور السماوية، وَمن ذَلِك: أَن الْأَعْمَال تعْتَبر بنية الْعَامِل والشارع أَيْضا، قَالَ: (وَلكُل امرىء مَا نوى) ، وَمن ذَلِك وجوب التحذير من مصاحبة أهل الظُّلم ومجالستهم وتكثير سوادهم إلَاّ لمن اضطُرَّ. فَإِن قلت: مَا تَقول فِي مصاحبة التَّاجِر لأهل الْفِتْنَة؟ هَل هِيَ إِعَانَة لَهُم على ظلمهم أَو هِيَ من ضرورات البشرية؟ قلت: ظَاهر الحَدِيث يدل على الثَّانِي. وَالله أعلم. فَإِن قلت: مَا ذَنْب من أكره على الْخُرُوج أَو من جمعه وإياهم الطَّرِيق؟ قلت: إِن عَائِشَة لما سَأَلت وَأم سَلمَة أَيْضا سَأَلت، (قَالَت: فَقلت: يَا رَسُول الله! فَكيف بِمن كَانَ كَارِهًا؟) رَوَاهُ مُسلم، أجَاب ﷺ بقوله: (يبعثون على نياتهم بهَا، فماتوا حِين حضرت آجالهم، ويبعثون على نياتهم. ٩١١٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عَن أبِي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ صَلاةُ أحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ فِي سوقِهِ وبَيْتِهِ بِضْعا وعِشْرِينَ درَجةً وذَلِكَ بأنَّهُ إذَا تَوَضَّأ فأحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ أتَى المَسْجِدَ لَا يُريدُ إلَاّ الصلاةَ لَا يَنْهَزُهُ إلَاّ الصَّلاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَاّ رُفِعَ بِهَا درَجةً أَو حَطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئةٌ والمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلى أحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَاّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ صَلِّي علَيهِ أللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ وَقَالَ أحدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي سوقه) ، وَالْغَرَض من إِيرَاد هَذَا الحَدِيث هُنَا ذكر السُّوق وَجَوَاز الصَّلَاة فِيهِ مَعَ أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْجَمَاعَة فِي: بَاب فضل الْجَمَاعَة، عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش، قَالَ: سَمِعت أَبَا صَالح، يَقُول: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ ... الحَدِيث. وَهنا أخرجه: عَن قُتَيْبَة عَن سعيد عَن جرير بن عبد الحميد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات السمان عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (لَا ينهزه) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون النُّون وَكسر الْهَاء بعْدهَا زَاي: أَي ينهضه وزنا وَمعنى، وَهَذِه الْجُمْلَة كالبيان للجملة السَّابِقَة عَلَيْهَا. قَوْله: (أللهم صل عَلَيْهِ) ، أَي: يَقُول: اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ، وَهُوَ أَيْضا بَيَان لقَوْله: (تصلي) وَكَذَلِكَ قَوْله: (أللهم ارحمه) لقَوْله: (أللهم صل عَلَيْهِ) ، وَكَذَا قَوْله: (مَا لم يؤذِ فِيهِ) مَا لم يحدث فِيهِ، وَمَعْنَاهُ: مَا لم يؤذ أحدكُم الْمَلَائِكَة نَتن الْحَدث. ٠٢١٢ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ النبيُّ ﷺ فِي السَّوقِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا أَبَا القَاسِمُ فالْتَفَتَ إلَيهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 3346

فَقَالَ إنَّمَا دَعَوْتُ هذَا فَقَالَ النبيُّ ﷺ سَمُّوا باسْمي وَلَا تكَنَّوْا بِكُنْيَتِي. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي السُّوق) . وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة النَّبِي ﷺ عَن حَفْص بن عمر، وروى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة فِي هَذَا الْبَاب مِنْهُم عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. أخرج حَدِيثه أَبُو دَاوُد حَدثنَا عُثْمَان وَأَبُو بكر ابْنا أبي شيبَة قَالَا: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن فطر بن خَليفَة عَن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة، قَالَ: (قَالَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قلت: يَا رَسُول الله! إِن ولد لي بعْدك ولد أؤسميه بِاسْمِك وأكنيه بكنيتك؟ قَالَ: نعم) . قَالَ عَليّ للنَّبِي، ﷺ ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن ابْن بشار عَن يحيى بن سعيد عَن فطر بن خَليفَة ... إِلَى آخِره نَحوه، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا أَبُو أُميَّة قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن قادم، قَالَ: حَدثنَا فطر عَن الْمُنْذر الثَّوْريّ عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله إِن ولد لي ابْن أُسَمِّيهِ بِاسْمِك وأكنيه بكنيتك؟ قَالَ: نعم. وَكَانَت رخصَة من رَسُول الله، ﷺ ، لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) . ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَذهب قوم إِلَى أَنه لَا بَأْس بِأَن تكنى الرِّجَال بِأبي الْقَاسِم، وَأَن يتسمى مَعَ ذَلِك بِمُحَمد، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذَا الحَدِيث. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ومالكا وَأحمد فِي رِوَايَة، فَإِنَّهُم قَالُوا: لَا بَأْس للرجل أَن يجمع بَين التكني بِأبي الْقَاسِم والتسمي بِمُحَمد، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور. وَأجِيب عَن حَدِيث الْبَاب بأجوبة: الأول: أَنه مَنْسُوخ وَالثَّانِي: أَنه نهي تَنْزِيه. وَالثَّالِث: أَن النَّهْي عَن التكني بِأبي الْقَاسِم يخْتَص بِمن اسْمه مُحَمَّدًا وَأحمد، وَلَا بَأْس بهَا لمن لم يكن اسْمه ذَلِك. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَكَانَ فِي زمن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ جمَاعَة قد كَانُوا متسمين بِمُحَمد مكتنين بِأبي الْقَاسِم، مِنْهُم: مُحَمَّد بن طَلْحَة، وَمُحَمّد بن الْأَشْعَث، وَمُحَمّد بن أبي حُذَيْفَة قلت: مُحَمَّد بن طَلْحَة هُوَ مُحَمَّد بن طَلْحَة بن عبد الله، وَذكره ابْن الْأَثِير فِي الصَّحَابَة، وَقَالَ: حمله أَبوهُ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَمسح رَأسه وَسَماهُ مُحَمَّدًا، وَكَانَ يكنى أَبَا الْقَاسِم، وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا يلقب بالسجاد لِكَثْرَة صلَاته وَشدَّة اجْتِهَاده فِي الْعِبَادَة، قتل يَوْم الْجمل مَعَ أَبِيه سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ، وَكَانَ هَوَاهُ مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إلَاّ أَنه أطَاع أَبَاهُ، فَلَمَّا رَآهُ عَليّ قَالَ: هَذَا السَّجَّاد قَتله بر أَبِيه. وَمُحَمّد بن الْأَشْعَث بن قيس الْكِنْدِيّ قيل: إِنَّه ولد على عهد النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ أَبُو نعيم: لَا تصح لَهُ صُحْبَة، وروى عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَمُحَمّد بن أبي حُذَيْفَة بن عتبَة ابْن ربيعَة بن عبد شمس بن عبد منَاف الْقرشِي العبشمي، كنيته أَبُو الْقَاسِم، ولد بِأَرْض الْحَبَشَة على عهد النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن خَال مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وَلما قتل أَبوهُ أَبُو حُذَيْفَة أَخذه عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وكفله إِلَى أَن كبر، ثمَّ سَار إِلَى مصر فَصَارَ من أَشد النَّاس على عُثْمَان، وَقَالَ أَبُو نعيم: هُوَ أحد من دخل على عُثْمَان حِين حوصر فَقتل، وَلما استولى مُعَاوِيَة على مصر أَخذه وحبسه فهرب من السجْن، فظفر بِهِ رشد بن مولى مُعَاوِيَة فَقتله. قلت: وَمن جملَة من تسمى بِمُحَمد وتكنى بِأبي الْقَاسِم من أَبنَاء وُجُوه الصَّحَابَة: مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي طَالب، وَمُحَمّد بن سعيد بن أبي وَقاص، وَمُحَمّد بن حَاطِب، وَمُحَمّد بن الْمُنْتَشِر ذكرهم الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) فِي: بَاب من رخص فِي الْجمع بَين التسمي بِمُحَمد والتكني بِأبي الْقَاسِم. وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشَّافِعِيّ: لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يتكنى بِأبي الْقَاسِم كَانَ اسْمه مُحَمَّدًا أَو لم يكن. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَمذهب الشَّافِعِي وَأهل الظَّاهِر أَنه لَا يحل التكني بِأبي الْقَاسِم لأحد أصلا، سَوَاء كَانَ اسْمه مُحَمَّدًا أم لم يكن لظَاهِر الحَدِيث أَي: حَدِيث الْبَاب وَهُوَ حَدِيث أنس الْمَذْكُور. وَقَالَ أَحْمد وَطَائِفَة من الظَّاهِرِيَّة: لَا يَنْبَغِي لأحد اسْمه مُحَمَّد أَن يتكنى بِأبي الْقَاسِم، وَلَا بَأْس لمن لم يكن اسْمه مُحَمَّدًا أَن يكنى بِأبي الْقَاسِم، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (تسموا باسمي وَلَا تكنوا بكنيتي) ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه بأسانيد مُخْتَلفَة، وألفاظ مُتَغَايِرَة، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث جَابر نَحوه، وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا، وروى مُحَمَّد بن عجلَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: (لَا تجمعُوا بَين اسْمِي وكنيتي، أَنا أَبُو الْقَاسِم الله يُعْطي وَأَنا أقسم) . وروى مُسلم عَن عبد الرَّحْمَن عَن أبي زرْعَة عَنهُ: (من تسمى باسمي فَلَا يتكنَّ بكنيتي، وَمن تكنَّ بكنيتي فَلَا يتسمَّ باسمي) . وروى ابْن أبي ليلى من حَدِيث أم حَفْصَة بنت عبيد عَن عَمها الْبَراء بن عَازِب: (من تسمى باسمي فَلَا يتكنَّ بكنيتي) . وَفِي لفظ: (لَا تجمعُوا بَين كنيتي وإسمي) . قَوْله: (سموا) . أَمر من: سمى يُسَمِّي تَسْمِيَة. قَوْله: (وَلَا تكنوا) ، قَالَ ابْن التِّين: ضبط فِي أَكثر الْكتب بِفَتْح التَّاء وَضم النُّون الْمُشَدّدَة،

стр. 3347

وَفِي بَعْضهَا: بِضَم التَّاء وَالنُّون، وَفِي بَعْضهَا: بِفَتْح التَّاء وَالنُّون مُشَدّدَة مَفْتُوحَة على حذف إِحْدَى التَّاءَيْنِ. قلت: لِأَن أَصله: لَا تتكنوا. ١٢١٢ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حَدثنَا زُهَيْرٌ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ دعَا رجُلٌ بالْبَقِيعِ يَا أَبَا القَاسِمِ فالْتَفَتَ إلَيْهِ النبيُّ ﷺ فَقَالَ لَمْ أعْنِكَ قَالَ سَمُّوا باسمي ولَا تكْتَنْوا بِكُنْيَتِي. . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة السَّابِق، وَقَالَ ابْن التِّين: لَيْسَ هَذَا الحَدِيث مِمَّا يدْخل فِي هَذَا التَّبْوِيب، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذكر السُّوق. وَقَالَ بَعضهم: وَفَائِدَة إِيرَاد الطَّرِيق الثَّانِيَة. قَوْله: (فِيهَا: إِنَّه كَانَ بِالبَقِيعِ) ، فَأَشَارَ إِلَى أَن المُرَاد بِالسوقِ فِي الرِّوَايَة الأولى السُّوق الَّذِي كَانَ بِالبَقِيعِ. انْتهى. قلت: هَذَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل على أَن المُرَاد مَا ذكره، وَالْبَقِيع فِي الأَصْل من الأَرْض الْمَكَان المتسع، وَلَا يُسمى بقيعا إلَاّ وَفِيه شجر أَو أُصُولهَا. وبقيع الْغَرْقَد: مَوضِع بِظَاهِر الْمَدِينَة فِيهِ قُبُور أَهلهَا، كَانَ بِهِ شجر الْغَرْقَد، فَذهب وَبَقِي اسْمه، وَفَائِدَة إِيرَاد هَذَا الطَّرِيق، وَإِن لم يكن فِيهِ ذكر السُّوق، التَّنْبِيه على أَنه رَوَاهُ من طَرِيقين، فالمطابقة للتَّرْجَمَة فِي الطَّرِيق الأولى ظَاهِرَة، وَأما الطَّرِيق الثَّانِيَة فَفِي الْحَقِيقَة تبع للطريق الأول، فَيدْخل فِي حكمه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا وَجه تعلقه بالترجمة؟ قلت: كَانَ فِي البقيع سوق فِي ذَلِك الْوَقْت. قلت: هَذَا يحْتَاج إِلَى الدَّلِيل كَمَا ذَكرْنَاهُ عِنْد قَول بَعضهم، وَالظَّاهِر أَنه أَخذ مَا قَالَه الْكرْمَانِي وَمَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة قَوْله: (لم أعنِكَ) أَي: لم أقصدك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْأَمر للْوُجُوب أَولا وَالنَّهْي للتَّحْرِيم آخرا. قلت: قد ذكرنَا جَوَابه عَن قريب. ٢٢١٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفيَانُ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبِي يَزِيدَ عنْ نافِعِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِي رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ خَرَجَ النبيُّ ﷺ فِي طائِفَةِ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي ولَا أكَلِّمِهُ حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ فجَلَسَ بِفَناءِ بَيْتِ فاطِمَةَ فَقَالَ أثمَّ لُكَعُ أثَمَّ لُكَعُ فَحَبَسَتْهُ شَيْئا فَظَنَنْتُ أنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخابا أَو تُغَسِّلُهُ فَجاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عانَقَهُ وقَبَّلَهُ وَقَالَ أللَّهُمَ أحْبِبْهُ وأحبَّ منْ يحِبُّهُ. (الحَدِيث ٢٢١٢ طرفه فِي: ٤٨٨٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى أَتَى سوق بني قينقاع) . وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبيد الله ابْن أبي يزِيد من الزِّيَادَة قد مر فِي: بَاب وضع المَاء عِنْد الْخَلَاء. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي للباس عَن اسحاق بن ابراهيم الْحَنْظَلِي وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن أَحْمد بن حَنْبَل عَنهُ بِبَعْضِه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن حُسَيْن بن حَرْب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن أَحْمد بن عَبدة عَن سُفْيَان نَحوه مُخْتَصرا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن عبيد الله) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن سُفْيَان حَدثنِي عبيد الله. قَوْله: (نَافِع بن جُبَير) ، هُوَ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الأول، وَلَيْسَ لَهُ عَن أبي هُرَيْرَة فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (الدوسي) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالسين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى أبي هُرَيْرَة إِلَى دوس بن عدنان بن عبد الله، قَبيلَة فِي الأزد. قَوْله: (فِي طَائِفَة النَّهَار) أَي: فِي قِطْعَة مِنْهُ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا: فِي صائفة النَّهَار، أَي: حر النَّهَار، يُقَال: يَوْم صَائِف: أَي حَار. قلت: هَذَا هُوَ الْأَوْجه. قَوْله: (لَا يكلمني وَلَا ُأكَلِّمهُ) ، أما من جَانب النَّبِي ﷺ فَلَعَلَّهُ كَانَ مَشْغُول الْفِكر بِوَحْي أَو غَيره، وَأما من جَانب أبي هُرَيْرَة فللتوقير، وَكَانَ ذَلِك شَأْن الصَّحَابَة إِذا لم يرَوا مِنْهُ نشاطا. قَوْله: (فَجَلَسَ بِفنَاء بَيت فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا) الفناء، بِكَسْر الْفَاء بعْدهَا نون ممدودة: اسْم للموضع المتسع الَّذِي أَمَام الْبَيْت. وَقَالَ الدَّاودِيّ: سقط بعض الحَدِيث عَن النافل، وَإِنَّمَا أَدخل حَدِيث فِي حَدِيث، إِذْ لَيْسَ بَيت فَاطِمَة فِي سوق بني قينقاع، إِنَّمَا بَيتهَا بَين بيُوت النَّبِي ﷺ . قيل: لَيْسَ فِيهِ إِدْخَال حَدِيث فِي حَدِيث، وَلَكِن فِيهِ بعض سقط، وَرِوَايَة مُسلم تبينه، وَلَفظه عَن سُفْيَان: حَتَّى جَاءَ سوق بني قينقاع ثمَّ

стр. 3348

انْصَرف حَتَّى أَتَى فنَاء فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَأخرجه الْحميدِي فِي (مُسْنده) عَن سُفْيَان، فَقَالَ فِيهِ: حَتَّى إِذا أَتَى فنَاء بَيت عَائِشَة فَجَلَسَ فِيهِ. وَالْأول أرجح. قَوْله: (فَقَالَ أَثم لكع؟) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ ، وَأَرَادَ بِهِ الْحسن، وَقيل: الْحُسَيْن على مَا سَيَأْتِي، والهمزة فِي: إِثْم؟ للاستفهام، و: ثمَّ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمَكَان الْبعيد وَهُوَ ظرف لَا يتَصَرَّف، فَلذَلِك غلط من أعربه مَفْعُولا لرأيت فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت﴾ (الْإِنْسَان: ٠٢) . ولكع، بِضَم اللَاّم وَفتح الْكَاف وبالعين الْمُهْملَة. قَالَ الْأَصْمَعِي: الكلع العيس الَّذِي لَا يتَّجه لنظر وَلَا لغيره، مَأْخُوذ من الملاكيع، وَهُوَ الَّذِي يخرج مَعَ السلا من الْبَطن. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: القَوْل قَول الْأَصْمَعِي، أَلا ترى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لِلْحسنِ وَهُوَ صَغِير: أَيْن لكع؟ أَرَادَ أَنه لصغره لَا يتَّجه لمنطق وَلَا مَا يصلحه، وَلم يرد أَنه لئيم وَلَا عبد، وَعلم مِنْهُ أَن اللَّئِيم يُسمى لكعا أَيْضا، وَكَذَلِكَ العَبْد يُسمى بِهِ. وَفِي (التَّلْوِيح) الْأَشْبَه والأجود أَن يحمل الحَدِيث على مَا قَالَه بِلَال بن جرير الخطفي، وَسُئِلَ عَن اللكع؟ فَقَالَ: فِي لغتنا هُوَ الصَّغِير. قَالَ الْهَرَوِيّ: وَإِلَى هَذَا ذهب الْحسن، إِذا قَالَ الْإِنْسَان: لَا يكع، يُرِيد: يَا صَغِير وَيُقَال للْمَرْأَة: لكيعة ولكعاء ولكاع وملكعانة، ذكره فِي (الموعب) . وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَا يُقَال ملكعانة إلَاّ فِي النداء، وَعَن ابْن يزِيد، اللكع الغلو، وَالْأُنْثَى لكعة. وَفِي (الْمُحكم) : اللكع الْمهْر. وَفِي (الْجَامِع) : أصل اللكع من اللكع وَلَكِن قلب. قَوْله: (فحسبته شَيْئا) أَي: فحبست فَاطِمَة الْحسن، أَي: منعته من الْمُبَادرَة إِلَى الْخُرُوج إِلَيْهِ قَلِيلا. قَوْله: (فَظَنَنْت) ، قَائِله أَبُو هُرَيْرَة. (أَنَّهَا) ، أَي: أَن فَاطِمَة (تلبسه) بِضَم التَّاء من الإلباس أَي: تلبس الصَّغِير (سخابا) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالخاء الْمُعْجَمَة الْخَفِيفَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة، قَالَ الْخطابِيّ: هِيَ قلادة تتَّخذ من طيب لَيْسَ فِيهَا ذهب وَلَا فضَّة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: من قرنفل. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: هِيَ قلادة من خيط فِيهَا خرز تلبسه الصّبيان والجواري، وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن أبي عمر أحد رُوَاة هَذَا الحَدِيث قَالَ: السخاب شَيْء يعْمل من الحنظل كالقميص والوشاح. قَوْله: (أَو تغسله) بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي: (وتغسله) بِالْوَاو. قَوْله: (فجَاء يشْتَد) أَي: يسْرع فِي الْمَشْي، وَفِي رِوَايَة عمر بن مُوسَى عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فجَاء الْحسن أَو الْحُسَيْن) ، وَقد أخرجه مُسلم عَن ابْن أبي عمر، فَقَالَ فِي رِوَايَته: (أثَمَّ لُكَّعْ؟) يَعْنِي: حسنا، وَكَذَا قَالَ الْحميدِي فِي (مُسْنده) ، وَسَيَأْتِي فِي اللبَاس من طَرِيق وَرْقَاء عَن عبيد الله بن أبي يزِيد بِلَفْظ: (فَقَالَ: أَيْن لكع؟ أدع لي الْحسن بن عَليّ، فَقَامَ الْحسن بن عَليّ يمشي) . قَوْله: (حَتَّى عانقه) ، وَفِي رِوَايَة وَرْقَاء عَن عبيد الله بن أبي يزِيد بِلَفْظ: (فَقَالَ النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ هَكَذَا) ، أَي: مدها. فَقَالَ الْحسن بِيَدِهِ هَكَذَا، فَالْتَزمهُ قَوْله: (أللهم أحبه) ، بِلَفْظ الدُّعَاء وبالإدغام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أحببه، بفك الْإِدْغَام، وَزَاد مُسلم عَن ابْن أبي عمر: (فَقَالَ: أللهم إِنِّي أحبه فَأَحبهُ) . قَوْله: (وَأحب) أَمر أَيْضا. وَقَوله: (من يُحِبهُ) ، فِي مَحل النصب مَفْعُوله. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: بَيَان مَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ من توقير النَّبِي ﷺ وَالْمَشْي مَعَه. وَفِيه: مَا كَانَ للنَّبِي ﷺ عَلَيْهِ من التَّوَاضُع من الدُّخُول فِي السُّوق وَالْجُلُوس بِفنَاء الدَّار وَرَحمته الصَّغِير والمزاح مَعَه، وَقَالَ السُّهيْلي: وَكَانَ ﷺ يمزح وَلَا يَقُول إلَاّ حَقًا، وَهَهُنَا أَرَادَ تشبيهه بالفلو وَالْمهْر، لِأَنَّهُ طِفْل، وَإِذا قصد بالْكلَام التَّشْبِيه لم يكن إلَاّ صدقا. وَفِيه: جَوَاز المعانقة وفيهَا خلاف، فَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين وَعبد الله بن عون وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد: المعانقة مَكْرُوهَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا سُوَيْد، قَالَ: أخبرنَا عبد الله، قَالَ: أخبرنَا حَنْظَلَة بن عبيد الله (عَن أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ رجل: يَا رَسُول الله! الرجل منا يلقى أَخَاهُ أَو صديقه، أفينحني لَهُ؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: أفيلتزمه ويقبله؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أفيأخذ بِيَدِهِ ويصافحه؟ قَالَ: نعم) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. وَقَالَ الشّعبِيّ وَأَبُو مجلز: لَاحق بن حميد وَعَمْرو بن مَيْمُون وَالْأسود بن هِلَال وَأَبُو يُوسُف: لَا بَأْس بالمعانقة. وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا فَهد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء، وَقَالَ: حَدثنَا أَسد بن عَمْرو عَن مجَالد بن سعيد عَن عَامر عَن عبد الله بن جَعْفَر عَن أَبِيه قَالَ: لما قدمنَا على النَّبِي ﷺ من عِنْد النَّجَاشِيّ تَلقانِي فاعتنقني، وَرِجَاله ثِقَات، ومجالد بن سعيد وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ، وروى لَهُ الْأَرْبَعَة، وروى الطَّحَاوِيّ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة أَنهم كَانُوا يتعانقون، قَالَ: فَدلَّ ذَلِك على أَن مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ من إِبَاحَة المعانقة كَانَ مُتَأَخِّرًا عَمَّا رُوِيَ عَنهُ من النَّهْي عَن ذَلِك، وَفِي (التَّلْوِيح) : معانقته ﷺ لِلْحسنِ إِبَاحَة ذَلِك،

стр. 3349

وَأما معانقة الرجل للرجل فاستحبها سُفْيَان وكرهها مَالك، قَالَ: هِيَ بِدعَة، وتناظر مَالك وسُفْيَان فِي ذَلِك فاحتج سُفْيَان بِأَن النَّبِي ﷺ فعل ذَلِك بِجَعْفَر، قَالَ مَالك: هُوَ خَاص لَهُ، فَقَالَ: مَا يَخُصُّهُ بِغَيْر ذَلِك؟ فَسكت مَالك. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : الْخلاف فِي المعانقة فِي إِزَار وَاحِد، وَأما إِذا كَانَ على المعانق قَمِيص أَو جُبَّة لَا بَأْس بِاتِّفَاق أَصْحَابنَا، وَهُوَ الصَّحِيح. وَفِيه: جَوَاز التَّقْبِيل، قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث فِي (شرح الْجَامِع الصَّغِير) الْقبْلَة على خَمْسَة أوجه: قبْلَة تَحِيَّة، وقبلة شَفَقَة، وقبلة رَحْمَة. وقبلة شَهْوَة، وقبلة مَوَدَّة. فَأَما قبْلَة التَّحِيَّة فكالمؤمنَيْن يقبل بعضهما بَعْضًا على الْيَد، وقبلة الشَّفَقَة قبْلَة الْوَلَد لوالده أَو لوالدته، وقبلة الرَّحْمَة قبْلَة الْوَالِد لوَلَده والوالدة لولدها على الخد، وقبلة الشَّهْوَة قبْلَة الزَّوْج لزوجته على الْفَم، وقبلة الْمَوَدَّة قبْلَة الْأَخ وَالْأُخْت على الخد، وَزَاد بَعضهم من أَصْحَابنَا: قبْلَة ديانَة، وَهِي الْقبْلَة على الْحجر الْأسود، وَقد وَردت أَحَادِيث وآثار كَثِيرَة فِي جَوَاز التَّقْبِيل، وَلَكِن مَحل ذَلِك إِذا كَانَ على وَجه المبرة وَالْإِكْرَام، وَأما إِذا كَانَ على وَجه الشَّهْوَة فَلَا يجوز إلَاّ فِي حق الزَّوْجَيْنِ، وَأما المصافحة فَلَا بَأْس بهَا بِلَا خلاف لِأَنَّهَا سنة قديمَة، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث حُذَيْفَة ابْن الْيَمَان عَن النَّبِي، ﷺ . قَالَ: (إِن الْمُؤمن إِذا لَقِي الْمُؤمن فَسلم عَلَيْهِ وَأخذ بِيَدِهِ فصافحه تناثرت خطاياهما كَمَا يَتَنَاثَر ورق الشّجر) . قَالَ سُفْيانُ قَالَ عُبَيْدُ الله أخبرَنِي أنَّهُ رَأى نافِعَ بنَ جُبَيْرٍ أوْتَرَ بِرَكْعَةٍ هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبيد الله هُوَ ابْن أبي يزِيد الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وَقد تقدم الرَّاوِي على قَوْله: أَخْبرنِي أَنه، وَهَذَا لَا يضر، وَفَائِدَة إِيرَاد هَذِه الزِّيَادَة التَّنْبِيه على لَقِي عبيد الله لنافع بن جُبَير، فَلَا تضر العنعنة فِي الطَّرِيق الْمَوْصُول، لِأَن مَا ثَبت لقاؤه لمن حدث عَنهُ وَلم يكن مدلسا حملت عنعنته على السماع اتِّفَاقًا. وَإِنَّمَا الْخلاف فِي المدلس أَو فِيمَن لم يثبت لقِيه لمن روى عَنهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا وَجه ذكر الْوتر فِي هَذَا الْبَاب؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ لما روى عَن نَافِع انتهز الفرصة لبَيَان من ثَبت مِنْهُ مِمَّا اخْتلف فِي جَوَازه. انْتهى. قلت: لَا وَجه لما ذكره أصلا. وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ. ٧٤ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر قَالَ حَدثنَا أَبُو ضَمرَة قَالَ حَدثنَا مُوسَى عَن نَافِع قَالَ حَدثنَا ابْن عمر أَنهم كَانُوا يشْتَرونَ الطَّعَام من الركْبَان على عهد النَّبِي ﷺ َ - فيبعث عَلَيْهِم من يمنعهُم أَن يبيعوه حَيْثُ اشتروه حَتَّى ينقلوه حَيْثُ يُبَاع الطَّعَام قَالَ وَحدثنَا ابْن عمر ﵄ قَالَ نهى النَّبِي ﷺ َ - أَن يُبَاع الطَّعَام إِذا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه) قيل لَيْسَ لذكر هَذَا الحَدِيث هَهُنَا وَجه (قلت) يُمكن أَن يُؤْخَذ وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين التَّرْجَمَة من لفظ الركْبَان لِأَن الشِّرَاء مِنْهُم يكون باستقبال النَّاس إيَّاهُم فِي مَوضِع وَهَذَا الْموضع يُطلق عَلَيْهِ السُّوق لِأَن السُّوق فِي اللُّغَة مَوضِع الْبياعَات وَهَذَا وَإِن كَانَ فِيهِ نوع تعسف فيستأنس بِهِ فِي وَجه الْمُطَابقَة فَافْهَم وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر على لفظ اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمدنِي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَأَبُو ضَمرَة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء اسْمه أنس بن عِيَاض وَقد مر فِي بَاب التبرز فِي الْبيُوت ومُوسَى بن عقبَة بِالْقَافِ ابْن أبي عَيَّاش الْمدنِي مولى الزبير بن الْعَوام مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة والإسناد كُله مدنيون والْحَدِيث الْمَذْكُور من أَفْرَاده وَحَدِيث بيع الطَّعَام قبل الْقَبْض أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بأسانيد مُخْتَلفَة وألفاظ متباينة قَوْله " من الركْبَان " وهم الْجَمَاعَة من أَصْحَاب الْإِبِل فِي السّفر وَهُوَ جمع رَاكب وَهُوَ فِي الأَصْل يُطلق على رَاكب الْإِبِل خَاصَّة ثمَّ اتَّسع فِيهِ فَأطلق على كل من ركب دَابَّة قَوْله " على عهد النَّبِي ﷺ َ - " أَي على زَمَنه قَوْله " فيبعث " أَي النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " من يمنعهُم " فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول يبْعَث قَوْله " أَن يبيعوه " أَي بِأَن يبيعوه فكلمة أَن مَصْدَرِيَّة أَي من البيع فِي مَكَان اشتروه حَتَّى ينقلوه ويبيعوه حَيْثُ يُبَاع الطَّعَام فِي الْأَسْوَاق لِأَن الْقَبْض شَرط وبالنقل الْمَذْكُور يحصل الْقَبْض وَوجه نَهْيه عَن بيع مَا يشترى من الركْبَان إِلَّا بعد التَّحْوِيل إِلَى مَوضِع يُرِيد أَن يَبِيع فِيهِ الرِّفْق بِالنَّاسِ وَلذَلِك ورد النَّهْي عَن تلقي

стр. 3350

الركْبَان لِأَن فِيهِ ضَرَرا لغَيرهم من حَيْثُ السّعر فَلذَلِك أَمرهم بِالنَّقْلِ عِنْد تلقي الركْبَان ليوسعوا على أهل الْأَسْوَاق قَوْله " ثمَّ قَالَ " أَي ثمَّ قَالَ نَافِع وَحدثنَا عبد الله بن عمر وَهَذَا دَاخل فِي الْإِسْنَاد الأول قَوْله " حَتَّى يَسْتَوْفِيه " أَي يقبضهُ وَفِي رِوَايَة مُسلم " حَتَّى يكتاله " وَالْقَبْض والاستيفاء سَوَاء وَالَّذِي يُسْتَفَاد من الحَدِيث أَنه ﷺ َ - نهى عَن بيع الطَّعَام إِلَّا بعد الْقَبْض وَهَذَا الْبَاب فِيهِ خلاف قَالَ القَاضِي عِيَاض فِي شرح مُسلم اخْتلف النَّاس فِي جَوَاز بيع المشتريات قبل قبضهَا فَمَنعه الشَّافِعِي فِي كل شَيْء وَانْفَرَدَ عُثْمَان التَّيْمِيّ فَأَجَازَهُ فِي كل شَيْء وَمنعه أَبُو حنيفَة فِي كل شَيْء إِلَّا الْعقار وَمَا لَا ينْقل وَمنعه آخَرُونَ فِي سَائِر المكيلات والموزونات وَمنعه مَالك فِي سَائِر المكيلات والموزونات إِذا كَانَت طَعَاما وَقَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي وَمن اشْترى مَا يحْتَاج إِلَى الْقَبْض لم يجز بَيْعه حَتَّى يقبضهُ وَلَا أرى بَين أهل الْعلم فِيهِ خلافًا إِلَّا مَا حكى عَن عُثْمَان التَّيْمِيّ أَنه قَالَ لَا بَأْس بِبيع كل شَيْء قبل قَبضه وَقَالَ ابْن عبد الْبر هَذَا قَول مَرْدُود بِالسنةِ وَأما غير ذَلِك فَيجوز بَيْعه قبل قَبضه فِي أظهر الرِّوَايَتَيْنِ وَنَحْوه قَول مَالك وَابْن الْمُنْذر انْتهى وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد وَمَالك فِي رِوَايَة وَأحمد فِي رِوَايَة وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد النَّهْي الَّذِي ورد فِي البيع قبل الْقَبْض قد وَقع على الطَّعَام وَغَيره وَهُوَ مَذْهَب ابْن عَبَّاس أَيْضا وَلَكِن أَبُو حنيفَة قَالَ لَا بَأْس بِبيع الدّور وَالْأَرضين قبل الْقَبْض لِأَنَّهَا لَا تنقل وَلَا تحول وَقَالَ الشَّافِعِي هُوَ فِي كل مَبِيع عقارا أَو غَيره وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَمُحَمّد بن الْحسن وَهُوَ مَذْهَب جَابر أَيْضا - ٠٥ - (بابُ كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ فِي السُّوقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهِيَة السخب، وَهُوَ رفع الصَّوْت بالخصام، وَهُوَ بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، ويروى: الصخب، بالصَّاد الْمُهْملَة، وَالصَّاد وَالسِّين يتقاربان فِي الْمخْرج، ويبدل أَحدهمَا عَن الآخر. قَوْله: (فِي السُّوق) ، وَفِي بعض النّسخ: (فِي الْأَسْوَاق) . ٥٢١٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ سِنانٍ قَالَ حَدثنَا فُلَيْحٌ قَالَ حدثنَا هِلالٌ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ قَالَ لَ قِيتُ عَبْدَ الله بنَ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قُلْتُ أخبرنِي عنْ صِفَةِ رسولِ الله ﷺ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ أجَلْ وَالله إنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّورَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرآنِ ﴿يَا أيُّهَا النبيُّ إنَّا أرْسَلْناكَ شاهِدا ومُبَشِّرا ونَذِيرا (الْأَحْزَاب: ٥٤) . وحِرْزا لِلأُمِّيِّينَ أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ ليْسَ بِفَظٍّ ولَا غَلِيظٍ ولَا سَخَّابٍ فِي الأسْوَاقِ ولَا يَدْفَعُ بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةِ ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ ولَنْ يَقْبِضَهُ الله حتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بأنْ يَقُولُوا لَا إلاه إلَاّ الله ويَفْتَحُ بِهَا أعْيُنا عُمْيا وآذَانا صُمَّا وقُلُوبا غُلْفا. (الحَدِيث ٥٢١٢ طرفه فِي: ٨٣٨٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا سخاب فِي الْأَسْوَاق) ، فالسخب مَذْمُوم فِي نَفسه وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ فِي الْأَسْوَاق، وَهِي مجمع النَّاس من كل جنس، وَلَا يسخب فِيهَا إلَاّ كل فَاجر شرير، وَلَو لم يكن السخب مذموما مَكْرُوها لما قَالَ الله فِي التَّوْرَاة فِي حق سيد الْخلق: (وَلَا سخاب فِي الْأَسْوَاق) وَلَا كَانَ بسخاب فِي غير الْأَسْوَاق. وَرِجَاله كلهم تقدمُوا فِي أول كتاب الْعلم، وَمُحَمّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالنون: أَبُو بكر الْعَوْفِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وفليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان أَبُو يحيى الْخُزَاعِيّ، وَكَانَ اسْمه: عبد الْملك، وفليح لقبه وَغلب على اسْمه، وهلال، بِكَسْر الْهَاء: ابْن عَليّ فِي الْأَصَح، وَيُقَال: هِلَال بن أبي هِلَال الفِهري الْمَدِينِيّ، وَعَطَاء بن يسَار ضد الْيَمين أَبُو مُحَمَّد الْهِلَالِي، وَلَيْسَ لهِلَال عَن عَطاء عَن عبد الله بن عَمْرو فِي الصَّحِيح غير هَذَا الحَدِيث. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ: أَخْبرنِي عَن صفة رَسُول الله ﷺ فِي التَّوْرَاة) . فَإِن قلت: هَل قَرَأَ عبد الله بن عَمْرو التَّوْرَاة حَتَّى سَأَلَ عَنهُ عَطاء بن يسَار عَن صفة رَسُول الله ﷺ فِيهَا؟ قلت: نعم، كَمَا روى الْبَزَّار من حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن

стр. 3351

وهب عَنهُ: أَنه رأى فِي الْمَنَام كَأَن فِي إِحْدَى يَدَيْهِ عسلاً، وَفِي الْأُخْرَى سمنا، وَكَأَنَّهُ يلعقهما، فَأصْبح فَذكر ذَلِك للنَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ: تقْرَأ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاة وَالْقُرْآن، فَكَانَ يقرؤهما. قَوْله: (قَالَ: أجل) ، بِفَتْح الْهمزَة وَالْجِيم وباللام، من حُرُوف الإيحاب جَوَاب مثل: نعم، فَيكون تَصْدِيقًا للمخبر، وإعلاما للمستخبر، ووعدا للطَّالِب، وَمن يُجيب عَن قَول الْكرْمَانِي شَرطه أَن يكون تَصْدِيقًا للمخبر وَهنا لَيْسَ كَذَلِك. قَوْله: (وَالله إِنَّه لموصوف) أكد كَلَامه بالمؤكدات وَهِي: الْحلف بِاللَّه، وَبِالْجُمْلَةِ الإسمية، وبدخول: إِن، عَلَيْهَا، وبدخول لَام التَّأْكِيد على الْخَبَر. قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا﴾ (الْأَحْزَاب: ٥٤) . هَذَا كُله فِي الْقُرْآن فِي سُورَة الْأَحْزَاب وَتَمام الْآيَة ﴿وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا﴾ (الْأَحْزَاب: ٦٤) . قَوْله: ﴿شَاهدا﴾ أَي: لأمتك الْمُؤمنِينَ بتصديقهم وعَلى الْكَافرين بتكذيبهم، أَي: مَقْبُولًا قَوْلك عِنْد الله لَهُم وَعَلَيْهِم، كَمَا يقبل قَول شَاهد الْعدْل فِي الحكم. فَإِن قلت: انتصاب: شَاهدا، بِمَاذَا؟ قلت: على الْحَال الْمقدرَة، كَمَا فِي قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل مَعَه صقر صائدا غَدا، أَي: مُقَدرا بِهِ الصَّيْد غَدا. قَوْله: ﴿وَمُبشرا﴾ أَي: للْمُؤْمِنين. ﴿نذيرا﴾ للْكَافِرِينَ ﴿وداعيا إِلَى الله﴾ أَي: إِلَى توحيده. قَوْله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أَي: بأَمْره لَك بِالدُّعَاءِ. وَقيل: بِإِذْنِهِ بتوفيقه. ﴿وسراجا﴾ جلى بِهِ الله ظلمات الْكفْر فاهتدى بِهِ الضالون، كَمَا يجلى ظلام اللَّيْل بالسراج الْمُنِير ويهتدي بِهِ، وَصفه بالإنارة لِأَن من السراج مَا لَا يضيء إِذا قل سليطه، أَي: زيته، ودقت فتيلته. قَوْله: ﴿وحرزا﴾ بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة، أَي: حَافِظًا، والحرز فِي الأَصْل الْموضع الْحصين، فاستعير لغيره. وسمى التعويذ أَيْضا حرْزا، وَالْمعْنَى: حَافِظًا لدين الْأُمِّيين، يُقَال: حرزت الشَّيْء أحرزه حرْزا: إِذا حفظته وضممته إِلَيْك وصنته عَن الْأَخْذ، والأميُّون: الْعَرَب، لِأَن الْكِتَابَة كَانَت عِنْدهم قَليلَة. قَوْله: (سميتك المتَوَكل) يَعْنِي لقناعته باليسير من الرزق واعتماده على الله تَعَالَى فِي الرزق والنصر وَالصَّبْر على انْتِظَار الْفرج، وَالْأَخْذ بمحاسن الْأَخْلَاق وَالْيَقِين بِتمَام وعد الله، فتوكل عَلَيْهِ فَسمى المتَوَكل. قَوْله: (لَيْسَ بِفَظٍّ) ، أَي: سيىء الْخلق. (وَلَا غليظ) أَي: شَدِيد فِي القَوْل، وَقَول الْقَائِل لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنْت أفظ وَأَغْلظ من رَسُول. قيل: لم يَأْتِ أفعل هُنَا للمفاضلة بَينه وَبَين من أشرك مَعَه، بل بِمَعْنى: أَنْت فظ غليظ، على الْجُمْلَة لَا على التَّفْصِيل، وَهَهُنَا الْتِفَات لِأَن الْقيَاس يَقْتَضِي الْخطاب بِأَن يُقَال: وَلست، وَلَكِن الْتفت من الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة. قَوْله: (وَلَا سخاب) على وزن: فعال، بِالتَّشْدِيدِ من السخب، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَفِيه ذمّ الْأَسْوَاق وَأَهْلهَا الَّذين يكونُونَ بِهَذِهِ الصّفة المذمومة من الصخب واللغط. وَالزِّيَادَة فِي المدحة والذم لما يتبايعونه، والأيمان الحانثة، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : (شَرّ الْبِقَاع الْأَسْوَاق) ، لما يغلب على أَهلهَا من هَذِه الْأَحْوَال المذمومة. انْتهى. قلت: لَيْسَ فِيهِ الذَّم إلَاّ لأهل السُّوق الموصوفين بِهَذِهِ الصِّفَات، وَلَيْسَ فِيهِ الذَّم لنَفس الْأَسْوَاق ظَاهرا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (وَلَا يدْفع بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة) أَي: لَا يسيء إِلَى من أَسَاءَ إِلَيْهِ، على سَبِيل المجازاة الْمُبَاحَة مَا لم تنتهك حُرْمَة الله تَعَالَى، لَكِن يَأْخُذ بِالْفَضْلِ. قَوْله: (حَتَّى يُقيم بِهِ) ، أَي: حَتَّى ينقى بِهِ الشّرك وَيثبت التَّوْحِيد. قَوْله: (الْملَّة العوجاء) ، هِيَ مِلَّة الرب، ووصفها بالعوج لما دخل فِيهَا من عبَادَة الْأَصْنَام وتغييرهم مِلَّة إِبْرَاهِيم، ﵊، عَن استقامتها، وإمالتهم بعد قوامها. وَالْمرَاد من إِقَامَتهَا: إخْرَاجهَا من الْكفْر إِلَى الْإِيمَان. قَوْله: (أعينا عميا) ، الْأَعْين جمع عين، والعمي، بِضَم الْعين جمع عمياء. قَالَ ابْن التِّين: كَذَا للأصيلي، يَعْنِي: جعل عميا صفة للأعين، وَفِي بعض رِوَايَات الشَّيْخ أبي الْحسن: أعين عمي، بِالْإِضَافَة و: عمي، على هَذِه الرِّوَايَة جمع أعمى. قَوْله: (وآذانا صمًّا) كَذَلِك بالروايتين. إِحْدَاهمَا: يكون الصم جمع صماء صفة للآذان، وَالْأُخْرَى: يكون وآذان صم، بِالْإِضَافَة. فعلى هَذَا يكون الصم جمع أَصمّ. قَوْله: (وَقُلُوبًا غلفًا) ، وَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: والغلف، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة جمع أغلف، سَوَاء كَانَ مُضَافا أَو غير مُضَاف، وَترك الْإِضَافَة فِيهِ بيِّن، والآن يَجِيء تَفْسِيره. تابَعَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبِي سَلَمَةَ عنْ هِلالٍ أَي: تَابع فليحا عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن هِلَال فِي رِوَايَته عَن عَطاء، وَأخرج البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة مُسندَة، فَقَالَ: حَدثنَا عبد الله حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن هِلَال بن أبي هِلَال عَن عَطاء بن يسَار عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: إِن هَذِه الْآيَة الَّتِي فِي الْقُرْآن: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك. .﴾ (الْأَحْزَاب: ٥٤) . الحَدِيث. أخرجه فِي سُورَة الْفَتْح، وَعبد الله شَيْخه هُوَ ابْن سَلمَة، قَالَه أَبُو عَليّ بن السكن، وَقَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي: هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن رَجَاء، وَقَالَ الجياني: هُوَ عبد الله بن عبد الله بن صَالح

стр. 3352

كَاتب اللَّيْث، وَالْحَاكِم. قطع على أَن البُخَارِيّ لم يخرج فِي (صَحِيحه) عَن عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث، نعم أخرج هَذَا الحَدِيث فِي كتاب (الْأَدَب) عَن عبد الله بن صَالح. وَقَالَ سَعِيدٌ عنْ هِلَال عنْ عَطاءٍ عنِ ابنِ سَلَامٍ سعيد هَذَا هُوَ ابْن أبي هِلَال، هُوَ الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث عَن عَطاء بن يسَار عَن عبد الله بن سَلام الصَّحَابِيّ، وَقد خَالف سعيد هَذَا عبد الْعَزِيز وفليحا فِي تعْيين الصَّحَابِيّ، وَهَذِه الطَّرِيقَة وَصلهَا الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) وَيَعْقُوب بن سُفْيَان فِي (تَارِيخه) وَالطَّبَرَانِيّ جَمِيعًا بِإِسْنَاد وَاحِد عَنهُ، وَلَا مَانع أَن يكون عَطاء حمل الحَدِيث عَن كل من عبد الله بن عَمْرو وَعبد الله ابْن سَلام، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن يُوسُف بن عبد الله بن سَلام عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة صفة مُحَمَّد ﷺ . غُلْفُ كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلافٍ وسَيْفٌ أغْلَفُ وقَوْسٌ غَلْفاءُ ورجُلً أغْلَفُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونا قالهُ أبُو عَبْدِ الله غلف كل شَيْء، بِإِضَافَة: غلف، إِلَى: كل شَيْء، وَهُوَ مُبْتَدأ، وَقَوله: فِي غلاف، خَبره يَعْنِي: أَنه مَسْتُور عَن الْفَهم والتمييز، يُقَال: سيف أغلف إِذا كَانَ فِي غلاف، وَكَذَا يُقَال: قَوس غلفاء، إِذا كَانَت فِي غلاف يصنع لَهُ مثل الجعبة وَنَحْوهَا. قَوْله: (قَالَه أَبُو عبد الله) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. ١٥ - (بابٌ الْكَيْلُ عَلَى الْبائِعِ والْمُعْطِى) هَذَا بَاب فِي بَيَان مؤونة الْكَيْل على البَائِع، وَكَذَا مؤونة الْوَزْن، أَي: فِيمَا يُوزن على البَائِع. قَوْله: (والمعطي) أَي: ومؤونة الْكَيْل على الْمُعْطِي أَيْضا، سَوَاء كَانَ بَائِعا أَو موفيا للدّين أَو غير ذَلِك. وَقَالَ الْفُقَهَاء: إِن الْكَيْل وَالْوَزْن فِيمَا يُكَال ويوزن من المبيعات على البَائِع، وَمن عَلَيْهِ الْكَيْل وَالْوَزْن فَعَلَيهِ أُجْرَة ذَلِك، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر. وَقَالَ الثَّوْريّ: كل بيع فِيهِ كيل أَو وزن أَو عدد فَهُوَ على البَائِع حَتَّى يُوفيه إِيَّاه، فَإِن قَالَ: أبيعك النَّخْلَة فجذاذها على المُشْتَرِي، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعِنْدنَا أَن مؤونة الْكَيْل على البَائِع وَوزن الثّمن على المُشْتَرِي، وَفِي أُجْرَة النقادوجهان، وَيَنْبَغِي أَن يكون على البَائِع، وَأُجْرَة النَّقْل الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي تَسْلِيم الْمَنْقُول على المُشْتَرِي، صرح بِهِ الْمُتَوَلِي. وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: على الإِمَام أَن ينصب كيالاً ووزانا فِي الْأَسْوَاق ويرزقهما من سهم الْمصَالح. وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: وَأُجْرَة نقد الثّمن ووزنه على المُشْتَرِي، وَعَن مُحَمَّد بن الْحسن: أُجْرَة نقد الثّمن على البَائِع، وَعنهُ أَن أُجْرَة النَّقْد على رب الدّين بعد الْقَبْض، وَقَبله على الْمَدِين، وَأُجْرَة الكيال على البَائِع فِيمَا إِذا كَانَ البيع مكايلة، وَكَذَا أُجْرَة وزن الْمَبِيع وذرعه وعده على البَائِع، لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء من تَمام التَّسْلِيم، وَهُوَ على البَائِع، وَكَذَا إِتْمَامه. وقَوْلِ الله تَعَالى ﴿وإذَا كَالُوهُمْ أوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين: ٣) . يعْنِي كالُوا لَهُمْ وَوَزَنُوا لَهُمْ كَقَوْلِهِ يَسْمَعُونَكُمْ: يَسْمَعُونَ لَكُمْ قَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: الْكَيْل، وَالتَّقْدِير: بَاب فِي بَيَان الْكَيْل، وَفِي بَيَان معنى قَوْله: ﴿وَإِذا كالوهم﴾ (المطففين: ٣) . وَقد بَينه بقوله: يَعْنِي: كالوهم ... إِلَى آخِره، وَفِي بعض النّسخ: لقَوْل الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا كالوهم﴾ (المطففين: ٣) . فعلى هَذِه يَقع هَذَا تعليلاً للتَّرْجَمَة، فوجهه أَنه لما كَانَ الْكَيْل على البَائِع وعَلى الْمُعْطِي، بالتفسير الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَجب عَلَيْهِمَا تَوْفِيَة الْحق الَّذِي عَلَيْهِمَا فِي الْكَيْل وَالْوَزْن، فَإِذا خانوا فيهمَا بِزِيَادَة أَو نُقْصَان فقد دخلا تَحت قَوْله تَعَالَى: ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين ... ﴾ (المطففين: ١) . إِلَى قَوْله: ﴿يخسرون﴾ (المطففين: ١) . وعَلى النُّسْخَة الْمَشْهُورَة تكون الْآيَة من التَّرْجَمَة، وَهَذِه السُّورَة مَكِّيَّة فِي رِوَايَة همام وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن ثَوْر عَن معمر، وَقَالَ السّديّ: مَدَنِيَّة. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: نزلت على النَّبِي ﷺ فِي طَرِيقه من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي (مقامات التَّنْزِيل) : نظرت فِي اخْتلَافهمْ فَوجدت أول السُّورَة مدنيا، كَمَا قَالَ السّديّ، وَآخِرهَا مكيا، كَمَا قَالَ قَتَادَة. وَقَالَ الواحدي عَن السّديّ: قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 3353

الْمَدِينَة وَبهَا رجل يُقَال لَهُ: أَبُو جُهَيْنَة، وَمَعَهُ صَاعَانِ يَكِيل بِأَحَدِهِمَا وَيَكْتَال بِالْآخرِ، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. وَفِي (تَفْسِير) الطَّبَرِيّ: كَانَ عِيسَى بن عمر فِيمَا ذكر عَنهُ يجعلهما حرفين، وَيقف عَليّ: كالوا وعَلى: وزنوا، فِيمَا ذكر ثمَّ يبتدىء فَيَقُول: هم يخسرون، وَالصَّوَاب عندنَا فِي ذَلِك الْوَقْف على: هم، يَعْنِي: كالوهم. قَوْله: (يَعْنِي: كالوا لَهُم) ، حذف الْجَار وأوصل الْفِعْل، وَفِيه وَجه آخر، وَهُوَ: أَن يكون على حذف الْمُضَاف وَهُوَ الْمكيل وَالْمَوْزُون. أَي: كالوا مكيلهم. وَقَالَ النبيُّ ﷺ : اكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا هَذَا التَّعْلِيق ذكره ابْن أبي شيبَة من حَدِيث طَارق بن عبد الله الْمحَاربي بِسَنَد صَحِيح. قَوْله: (اكتالوا) ، أَمر للْجَمَاعَة من الاكتيال، وَالْفرق بَين الْكَيْل والاكتيال أَن الاكتيال إِنَّمَا يسْتَعْمل إِذا كَانَ الْكَيْل لنَفسِهِ، كَمَا يُقَال: فلَان مكتسب لنَفسِهِ وكاسب لنَفسِهِ وَلغيره، وكما يُقَال: اشتوى إِذا اتخذ الشواء لنَفسِهِ، وَإِذا قيل: شوى، هُوَ أَعم من أَن يكون لنَفسِهِ وَلغيره. ويُذْكَرُ عنْ عُثْمَانَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ لَهُ إذَا بِعْتَ فَكِلْ وإذَا ابْتَعْتَ فاكْتَلْ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن معنى قَوْله: (إِذا بِعْت فَكل) ، هُوَ معنى قَوْله فِي التَّرْجَمَة: بَاب الْكَيْل على البَائِع، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا لَا يُطَابق التَّرْجَمَة لِأَن معنى قَوْله: (إِذا بِعْت فَكل) ، أَي: فأوفِ، وَإِذا ابتعت فاكتل، أَي: استوفِ. قَالَ: وَالْمعْنَى أَنه إِذا أعْطى أَو أَخذ لَا يزِيد وَلَا ينقص أَي: لَا لَك وَلَا عَلَيْك. قلت: لَا ينْحَصر مَعْنَاهُ على مَا ذكره، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيث رَوَاهُ اللَّيْث وَلَفظه: أَن عُثْمَان، قَالَ: كنت أَشْتَرِي التَّمْر من سوق بني قينقاع، ثمَّ أجلبه إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ أفرغه لَهُم وَأخْبرهمْ بِمَا فِيهِ من المكيلة، فيعطوني مَا رضيت بِهِ من الرِّبْح، ويأخذونه بخبري، فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: (إِذا بِعْت فَكل) فَظهر من ذَلِك أَن مَعْنَاهُ: إِعْطَاء الْكَيْل حَقه، وَهُوَ أَن يكون الْكَيْل عَلَيْهِ، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ طلب عدم الزِّيَادَة أَو نقصانه، فَظهر من ذَلِك أَن وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة مَا ذَكرْنَاهُ. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق عبيد الله بن الْمُغيرَة عَن منقذ مولى سراقَة عَن عُثْمَان بِهَذَا، ومنقذ مَجْهُول الْحَال، لَكِن لَهُ طَرِيق آخر أخرجه أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالْبَزَّار من طَرِيق مُوسَى بن وردان عَن سعيد ابْن الْمسيب عَن عُثْمَان بِهِ. فَإِن قلت: فِي طَرِيقه ابْن لَهِيعَة؟ قلت: هُوَ من قديم حَدِيثه، لِأَن ابْن عبد الحكم أوردهُ فِي (فتوح مصر) من طَرِيق اللَّيْث عَنهُ. ٦٢١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ منِ ابْتاعَ طَعَاما فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَه. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ النَّهْي عَن بيع الطَّعَام إلَاّ بعد الِاسْتِيفَاء، وَهُوَ الْقَبْض، وَإِذا أَرَادَ البيع بعده يكون الْكَيْل عَلَيْهِ، وَهُوَ معنى التَّرْجَمَة، وَقد مضى معنى هَذَا الحَدِيث فِي آخر حَدِيث عَن ابْن عمر أَيْضا فِي آخر: بَاب مَا ذكر فِي الْأَسْوَاق. والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبد الله بن سَلمَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَأخرجه مُسلم فِي حَدِيث نَافِع فِي لفظ: (فنهانا رَسُول الله ﷺ أَن نبيعه حَتَّى ننقله من مَكَانَهُ) ، وَفِي لفظ: (حَتَّى يَسْتَوْفِيه ويقبضه) ، وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر، وَلَفظه: (فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يقبضهُ) ، وَرُوِيَ من حَدِيث سَالم عَن ابْن عمر وَلَفظه: (أَنهم كَانُوا يضْربُونَ على عهد رَسُول الله، ﷺ ، إِذا اشْتَروا طَعَاما جزَافا أَن يبيعوه فِي مَكَانَهُ حَتَّى يحولوه) . وَفِي لفظ: (حَتَّى يؤووه إِلَى رحالهم) ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (من اشْترى طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يكتاله) ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث جَابر بن عبد الله، يَقُول: (كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: إِذا ابتعت الطَّعَام فَلَا تبعه حَتَّى تستوفيه) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر وَلَفظه: (نهى أَن يَبِيع أحد طَعَاما اشْتَرَاهُ بكيل حَتَّى يَسْتَوْفِيه) ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (من ابْتَاعَ طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يقبضهُ) . وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث زيد بن ثَابت: نهى أَن تبَاع السّلع حَيْثُ تبْتَاع حَتَّى يجوزوها إِلَى رحالهم. وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي آخر: بَاب الْأَسْوَاق.

стр. 3354

٧٢١٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا جَرِيرٌ عنْ مُغِيرَةَ عنِ الشَّعْبِيِّ عَن جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ تُوُفِّيَ عَبْدُ الله بنُ عَمُرِو بنِ حَرَامٍ وعلَيْهِ دَيْنٌ فاسْتَعَنْتُ النبيَ ﷺ عَلَى غُرَمائِهِ أنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ فطَلَب النبيُّ ﷺ إليْهِمْ فلَم يَفْعَلُوا فَقَالَ لي النبيُّ ﷺ اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أصْنافا الْعَجْوَةَ عَلى حِدَةٍ وعَذْقَ زَيْدٍ علَى حِدَةٍ ثُمَّ أرْسِلْ إلَيَّ فَفَعَلْتُ ثُمَّ أرْسَلْتُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فجَلَسَ عَلَى أعْلاهُ أوْ فِي وَسَطهِ ثُمَّ قَالَ كِلْ لِلْقَوْمِ فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أوْفَيْتُهُمْ الَّذِي لَهُمْ وبَقِيَ تَمْرِي كأنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيءٌ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كِل للْقَوْم) فَإِنَّهُ يُعْطي. والترجمة: بَاب الْكَيْل على البَائِع والمعطي، وعبدان هُوَ عبد الله بن عُثْمَان وَقد تكَرر ذكره، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، ومغيرة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا: هُوَ ابْن مقسم، بِكَسْر الْمِيم: أَبُو هِشَام الضَّبِّيّ الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاستقراض عَن مُوسَى، وَفِي الْوَصَايَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَابق أَو الْفضل بن يَعْقُوب، وَفِي الْمَغَازِي عَن أَحْمد بن أبي شُرَيْح، وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة: عَن أبي نعيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا وَعَن عَليّ بن حجر بِهِ وَعَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عبد الله بن عَمْرو بن حرَام) : هُوَ وَالِد جَابر بن عبد الله الصَّحَابِيّ، وَحرَام، بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ. قَوْله: (وَعَلِيهِ دين) : الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فاستعنت) من الِاسْتِعَانَة وَهُوَ طلب العون. قَوْله: (أَن يضعوا من دينه) ، أَي: أَن يتْركُوا مِنْهُ شَيْئا. قَوْله: (فَلم يَفْعَلُوا) ، أَي: لم يتْركُوا شَيْئا، وَكَانُوا يهودا. قَوْله: (فصنف تمرك أصنافا. .) أَي: اعزل كل صنف مِنْهُ على حِدة. قَوْله: (الْعَجْوَة على حِدة) ، مَنْصُوب بعامل مَحْذُوف تَقْدِيره: ضع الْعَجْوَة وَحدهَا، وَهُوَ ضرب من أَجود التَّمْر بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (وعذق زيد على حِدة) ، بِالنّصب أَيْضا عطف، على العجزة أَي: ضع عذق زيد وَحده، والعذق: بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة، وَزيد: علم شخص نسب إِلَيْهِ هَذَا النَّوْع من التَّمْر. وَفِي (التَّوْضِيح) : نوع من التَّمْر رَدِيء، وَفِي (الصِّحَاح) العذق بِالْفَتْح النَّخْلَة وبالكسر الكباسة. قَوْله: (فَفعلت) ، أَي: مَا أَمر بِهِ النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (فَجَلَسَ على أَعْلَاهُ) أَي: فَجَلَسَ النَّبِي، ﷺ ، أَعلَى التَّمْر، وَفِيه حذف وَهُوَ: فجَاء فَجَلَسَ. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: كِلْ) ، بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون اللَّام، لِأَنَّهُ أَمر من: كال يَكِيل. قَوْله: (وَبَقِي تمري) إِلَى آخِره، فِيهِ معْجزَة ظَاهِرَة للنَّبِي، ﷺ ، وَظُهُور بركته. وَقَالَ فِرَاسٌ عنِ الشَّعْبي قَالَ حدَّثني جابِرٌ عنِ النبيِّ ﷺ فَما زَالَ يَكيلُ لَهُمْ حتَّى أدَّاهُ فراس، بِكَسْر الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة: ابْن يحيى الْمكتب، وَقد مر فِي الزَّكَاة، وَهَذَا طرف من الحَدِيث الْمَذْكُور وَصله البُخَارِيّ فِي آخر أَبْوَاب الْوَصَايَا بِتَمَامِهِ، وَفِيه اللَّفْظ الْمَذْكُور. وَقَالَ هِشَامٌ عنْ وهْبٍ عنْ جابِرٍ قَالَ النبيُّ ﷺ جُذَّ لَهُ فأوْف لَهُ هِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة، ووهب هُوَ ابْن كيسَان مولى عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة، وَقد وصل البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق فِي الاستقراض. قَوْله: (جذ) ، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة، وَيجوز فِيهَا الحركات الثَّلَاث، وَهُوَ أَمر من الْجذاذ وَهُوَ قطع العراجين. قَوْله: (لَهُ) أَي: للْغَرِيم فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث أَن بعض الْوَرَثَة يقوم مقَام الْبَعْض. ٢٥ - (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الكَيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب الْكَيْل فِي المبيعات، وَقَالَ ابْن بطال: مَنْدُوب إِلَيْهِ فِيمَا يُنْفِقهُ الْمَرْء على عِيَاله.

стр. 3355

٨٢١٢ - حدَّثنا إبرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ حَدثنَا الوَليدُ عنْ ثَوْرٍ عَن خالِدِ بنِ مَعْدَانَ عنِ المِقْدَام بنِ مَعْدِيكَرِبَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الْأَمر على وَجه الِاسْتِحْبَاب فِي كيل الطَّعَام عِنْد الْإِنْفَاق، على مَا نذكرهُ فِي معنى الحَدِيث. وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد أَبُو إِسْحَاق الرازق، يعرف بالصغير، والوليد بن مُسلم الْقرشِي الدِّمَشْقِي، وثور باسم الْحَيَوَان الْمَشْهُور ابْن يزِيد من الزِّيَادَة الْحِمصِي، وخَالِد بن معدان، بِفَتْح الْمِيم: الكلَاعِي، بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام وبالعين الْمُهْملَة: أَبُو كريب الْحِمصِي، والمقدام، بِكَسْر الْمِيم: ابْن معدي كرب أَبُو يحيى الْكِنْدِيّ، نزل الشَّام وَسكن حمص. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ. قَوْله: (عَن ثَوْر) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (حَدثنَا ثَوْر) . قَوْله: (عَن خَالِد بن معدان عَن الْمِقْدَام) ، هَكَذَا رَوَاهُ الْوَلِيد وَغَيره، وروى أَبُو الرّبيع الزهْرَانِي: عَن الْمِقْدَام بن الْمُبَارك، فَأدْخل بَين خَالِد جُبَير بن نفير، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَفِي رِوَايَة: عَن خَالِد عَن الْمِقْدَام عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، فَذكره من مُسْند أبي أَيُّوب، وَرجح الدَّارَقُطْنِيّ هَذِه الزِّيَادَة. قَوْله: (كيلوا) ، أَمر للْجَمَاعَة. (ويبارك لكم) ، بِالْجَزْمِ جَوَابه، ويروى: (يُبَارك لكم فِيهِ) . ثمَّ: السِّرّ فِي الْكَيْل لِأَنَّهُ يتعرف بِهِ مَا يقوته وَمَا يستعده، وَقَالَ ابْن بطال: لأَنهم إِذا اكتالوا يزِيدُونَ فِي الْأكل فَلَا يبلغ لَهُم الطَّعَام إِلَى الْمدَّة الَّتِي كَانُوا يقدرونها، وَقَالَ، ﵊: (كيلوا) ، أَي: أخرجُوا بكيل مَعْلُوم إِلَى الْمدَّة الَّتِي قدرتم مَعَ مَا وضع الله، ، من الْبركَة فِي مد الْمَدِينَة بدعوته ﷺ ، وَقَالَ أَبُو الْفرج الْبَغْدَادِيّ: يشبه أَن تكون هَذِه الْبركَة للتسمية عَلَيْهِ فِي الْكَيْل. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارضهُ حَدِيث عَائِشَة: (كَانَ عِنْدِي شطر شعير. فَأكلت مِنْهُ حَتَّى طَال عَليّ، فكلته ففني) قلت: كَانَت تخرج قوتها بِغَيْر كيل وَهِي متقوتة باليسير، فبورك لَهَا فِيهِ مَعَ بركَة النَّبِي، ﷺ ، الْبَاقِيَة عَلَيْهَا وَفِي بَيتهَا، فَلَمَّا كالته علمت الْمدَّة الَّتِي يبلغ إِلَيْهَا عِنْد انْقِضَائِهَا. فَإِن قلت: يُعَارضهُ أَيْضا مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ دخل على حَفْصَة فَوَجَدَهَا تكتال على خَادِمهَا، فَقَالَ: (لَا توكي فيوكي الله عَلَيْك) . قلت: كَانَ ذَلِك لِأَنَّهُ فِي معنى الإحصاء على الْخَادِم والتضييق، أما إِذا اكتال على معنى معرفَة الْمَقَادِير وَمَا يَكْفِي الْإِنْسَان فَهُوَ الَّذِي فِي حَدِيث الْبَاب. وَقد كَانَ ﷺ يدّخر لأَهله قوت سنة، وَلم يكن ذَاك إلَاّ بعد معرفَة الْكَيْل. وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر لي أَن حَدِيث الْمِقْدَام مَحْمُول على الطَّعَام الَّذِي يشترى، فالبركة تحصل فِيهِ بِالْكَيْلِ لامتثال أَمر الشَّارِع، وَإِذا لم يمتثل الْأَمر فِيهِ بالإكتيال نزعت مِنْهُ لشؤم الْعِصْيَان، وَحَدِيث عَائِشَة مَحْمُول على أَنَّهَا كالته للاختبار، فَلذَلِك دخله النَّقْص. انْتهى. قلت: هَذَا لَيْسَ بِظُهُور، فَكيف يَقُول: حَدِيث الْمِقْدَام مَحْمُول على الطَّعَام الَّذِي يشترى، وَهَذَا غير صَحِيح، لِأَن البُخَارِيّ ترْجم على حَدِيث الْمِقْدَام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، باستحباب الْكَيْل، وَالطَّعَام الَّذِي يشترى الْكَيْل فِيهِ وَاجِب، فَهَذَا الظُّهُور الَّذِي أَدَّاهُ إِلَى أَن جعل الْمُسْتَحبّ وَاجِبا، وَالْوَاجِب مُسْتَحبا، وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: (كيلوا طَعَامكُمْ) ، أَي: إِذا ادخرتموه طَالِبين من الله الْبركَة واثقين بالإجباة. فَكَانَ مَا كاله بعد ذَلِك إِنَّمَا يكيله ليتعرف مِقْدَاره، فَيكون ذَلِك شكا بالإجابة، فيعاقب بِسُرْعَة نفادة، وَيحْتَمل أَن تكون الْبركَة الَّتِي تحصل بِالْكَيْلِ بِسَبَب السَّلامَة من سوء الظَّن بالخادم، لِأَنَّهُ إِذا أخرج بِغَيْر حِسَاب قد يفرغ مَا يُخرجهُ وَهُوَ لَا يشْعر، فيتهم من يتَوَلَّى أمره بِالْأَخْذِ مِنْهُ، وَقد يكون بَرِيئًا، فَإِذا كاله أَمن من ذَلِك. ٣٥ - (بابُ بَرَكَةِ صاعِ النبيِّصلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومُدِّهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان بركَة صَاع النَّبِي ﷺ قَوْله: (ومده) أَي: وَمد النَّبِي، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: (ومدهم) ، بِصِيغَة الْجمع، وَكَذَا لأبي ذَر عَن غير الْكشميهني، وَبِه جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم. وَقَالَ بَعضهم: الضَّمِير يعود للمحذوف فِي صَاع النَّبِي ﷺ ، أَي: صَاع أهل مَدِينَة النَّبِي ﷺ ومدهم، وَيحْتَمل أَن يكون الْجمع لإِرَادَة التَّعْظِيم. قلت: هَذَا التعسف لأجل عود الضَّمِير وَالتَّقْدِير بِصَاع أهل مَدِينَة النَّبِي ﷺ غير موجه، وَلَا مَقْبُول، لِأَن التَّرْجَمَة فِي بَيَان بركَة صَاع النَّبِي ﷺ على الْخُصُوص، لَا فِي بَيَان صَاع أهل الْمَدِينَة. وَلأَهل الْمَدِينَة صيعان مُخْتَلفَة، فروى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله،

стр. 3356

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قيل لَهُ: يَا رَسُول الله ﴿صاعنا أَصْغَر الصيعان ومدنا أكبر الأمداد. فَقَالَ: (أللهم بَارك لنا فِي صاعنا وَبَارك لنا فِي قليلنا وكثيرنا، وَاجعَل لنا مَعَ الْبركَة بركتين) . قَالَ ابْن حبَان وَفِي ترك الْمُصْطَفى ﷺ الْإِنْكَار عَلَيْهِم حَيْثُ قَالُوا: صاعنا أَصْغَر الصيعان، بَيَان وَاضح أَن صَاع الْمَدِينَة أَصْغَر الصيعان، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْحَاق بن سُلَيْمَان الرَّازِيّ، قَالَ: قلت: لمَالِك ابْن أنس: يَا أَبَا عبد الله﴾ كم وزن صَاع النَّبِي ﷺ ؟ قَالَ: خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا يحيى ابْن آدم. قَالَ: سَمِعت حسن بن صَالح يَقُول: صَاع عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثَمَانِيَة أَرْطَال. وَقَالَ شريك: أَكثر من سَبْعَة أَرْطَال وَأَقل من ثَمَانِيَة. وروى البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) : عَن السَّائِب بن يزِيد، قَالَ: كَانَ الصَّاع على عهد رَسُول الله ﷺ مدا وَثلثا بمدكم الْيَوْم، فزيد فِيهِ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وروى الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن صَالح وَبشر بن الْوَلِيد جَمِيعًا عَن أبي يُوسُف، قَالَ: قدمت الْمَدِينَة فَأخْرج إِلَيّ من أَثِق بِهِ صَاعا، فَقَالَ: هَذَا صَاع النَّبِي ﷺ ، فقدرته فَوَجَدته خَمْسَة أَرْطَال وَثلث رَطْل، ثمَّ قَالَ: إِن مَالِكًا سُئِلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ: هُوَ تَقْدِير عبد الْملك لصاع عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث إِبْرَاهِيم، قَالَ: عبرنا الصَّاع فَوَجَدنَا حجاجيا والحجاجي عِنْدهم ثَمَانِيَة أَرْطَال بالبغدادي. انْتهى. وَأَيْضًا: الأَصْل خلاف التَّقْدِير، وَأَيْضًا فَلَا ضَرُورَة إِلَيْهِ. وَأما وَجه الضَّمِير فِي رِوَايَة: مدهم، فَهُوَ أَن يعود إِلَى أهل الْمَدِينَة. وَإِن لم يمض ذكرهم، لِأَن الْقَرِينَة اللفظية تدل على ذَلِك، وَهُوَ لفظ الصَّاع وَالْمدّ، وَلِأَن أهل الْمَدِينَة اصْطَلحُوا على لفظ: الصَّاع وَالْمدّ، كَمَا أَن أهل الْعرَاق اصْطَلحُوا على لفظ: المكوك. قَالَ عِيَاض: المكوك مكيال أهل الْعرَاق يسع صَاعا وَنصف صَاع بالمدني، وكما أَن أهل مصر اصْطَلحُوا على: الْقدح، وَالرّبع والويبة، وَإِذا ذكر الصَّاع وَالْمدّ يتَبَادَر أذهان النَّاس غَالِبا إِلَى أَنَّهُمَا لأجل الْمَدِينَة. فيهِ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنِ النبيِّ ﷺ أَي: فِي صَاع النَّبِي ﷺ ، أَي: فِي دُعَائِهِ ﷺ بِالْبركَةِ فِيهِ، رُوِيَ عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَقد مضى هَذَا فِي آخر كتاب الْحَج فِي حَدِيث طَوِيل عَن عَائِشَة، وَفِيه: (أللهم بَارك لنا فِي صاعنا وَفِي مدنا) . ٩٢١٢ - حدَّثنا مُوسَى قَالَ حَدثنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدثنَا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ الأنْصَارِيِّ عنْ عَبْدِ الله بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ودَعا لَهَا وحَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَما حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ودَعَوْتُ لَهَا فِي مُدَّهَا وصاعِهَا مثْلَ مَا دَعا إبْرَاهِيمُ ﵊ لِمَكَّةَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن مَا دَعَا فِيهِ النَّبِي ﷺ فَفِيهِ الْبركَة. ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل، ووهيب بِالتَّصْغِيرِ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَعَمْرو بن يحيى بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَعبد الله بن زيد بن عَاصِم الْأنْصَارِيّ النجاري الْمَازِني. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي كَامِل الجحدري، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَالْكَلَام فِي حرم مَكَّة وَحرم الْمَدِينَة قد مضى فِي كتاب الْحَج. وَفِيه: الدُّعَاء لما ذكر وَهُوَ علم من أَعْلَام نبوته، ﷺ ، فَمَا أَكثر بركته، وَكم يُؤْكَل ويدخر وينقل إِلَى سَائِر بِلَاد الله تَعَالَى؟ وَالْمرَاد بِالْبركَةِ فِي الْمَدّ والصاع مَا يُكَال بهما، وأضمر ذَلِك لفهم السَّامع، وَهَذَا من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء باسم مَا قرب مِنْهُ، كَذَا قيل. قلت: هَذَا من بَاب ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال. فَافْهَم. ٠٣١٢ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ ابنِ مالِكً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ أللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وبارِكْ لهُمْ فِي صاعِهِمْ ومُدِّهم يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ.

стр. 3357

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن القعْنبِي، وَفِي كَفَّارَات الْأَيْمَان عَن عبد الله بن يُوسُف. وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي الْمَنَاسِك عَن قُتَيْبَة. قَوْله: (أللهم بَارك لَهُم) ، الْبركَة النَّمَاء وَالزِّيَادَة، وَتَكون بِمَعْنى الثَّبَات واللزوم. وَقيل: يحْتَمل أَن تكون هَذِه الْبركَة دينية، وَهِي مَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْمَقَادِير من حُقُوق الله تَعَالَى فِي الزَّكَاة وَالْكَفَّارَات، فَتكون بِمَعْنى الثَّبَات والبقاء بهَا لبَقَاء الحكم بهَا بِبَقَاء الشَّرِيعَة وثباتها، وَيحْتَمل أَن تكون دنيوية من تَكْثِير الْكَيْل وَالْقدر بِهَذِهِ الأكيال حَتَّى يَكْفِي مِنْهُ مَا لَا يَكْفِي مثله من غَيره فِي غير الْمَدِينَة، أَو ترجع الْبركَة فِي التَّصَرُّف بهَا فِي التِّجَارَة وأرباحها أَو إِلَى كَثْرَة مَا يُكَال بهَا من غلاتها وثمارها، أَو تكون الزِّيَادَة فِيمَا يُكَال بهَا لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه بِمَا فتح الله عَلَيْهِم، ووسع من فَضله لَهُم، وملكهم من بِلَاد الخصب والريف بِالشَّام وَالْعراق ومصر وَغَيرهَا، حَتَّى كثر الْحمل إِلَى الْمَدِينَة، واتسع عيشهم حَتَّى صَارَت هَذِه الْبركَة فِي الْكَيْل نَفسه، فَزَاد مدهم وَصَارَ هاشميا مثل مد النَّبِي ﷺ مرَّتَيْنِ أَو مرّة وَنصفا، وَفِي هَذَا كُله ظُهُور إِجَابَة دَعوته ﷺ وقبولها هَذَا كُله كَلَام القَاضِي عِيَاض، ﵀. قَوْله: (فِي مكيالهم) ، بِكَسْر الْمِيم: آلَة الْكَيْل، وَيسْتَحب أَن يتَّخذ ذَلِك الْمِكْيَال رَجَاء لإجابة دَعوته ﷺ والاستنان بِأَهْل الْبَلَد الَّذين دَعَا لَهُم. ٤٥ - (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعامِ والحُكْرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر فِي بيع الطَّعَام قبل الْقَبْض. قَوْله: (والحكرة) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف: حبس السّلع عَن البيع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الحكرة احتكار الطَّعَام، أَي: حَبسه يتربص بِهِ الغلاء، هَذَا بِحَسب اللُّغَة. وَأما الْفُقَهَاء فقد اشترطوا لَهَا شُرُوطًا مَذْكُورَة فِي الْفِقْه. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي أَحَادِيث الْبَاب ذكر الحكرة، وساعد بَعضهم البُخَارِيّ فِي ذَلِك فَقَالَ: وَكَأن المُصَنّف استنبط ذَلِك من الْأَمر بِنَقْل الطَّعَام إِلَى الرّحال وَمنع بيع الطَّعَام قبل اسْتِيفَائه. قلت: سُبْحَانَ الله؟ هَذَا استنباط عَجِيب، فَمَا وَجه هَذَا الاستنباط وَكَيف يستنبط مِنْهُ الإحتكار الشَّرْعِيّ؟ وَلَيْسَ الْأَمر إلَاّ مَا قَالَه الْإِسْمَاعِيلِيّ؟ أللهم إلَاّ إِذا قُلْنَا: إِن البُخَارِيّ لم يرد بقوله: والحكرة، إلَاّ مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَهُوَ الْحَبْس مُطلقًا، فَحِينَئِذٍ يُطلق على الَّذِي يَشْتَرِي مجازفة وَلم يَنْقُلهُ إِلَى رَحْله أَنه محتكر لُغَة، لَا شرعا، فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق لَا يخْطر إلَاّ بخاطر من شرح الله صَدره بفيضه. وَقد ورد فِي ذمّ الاحتكار أَحَادِيث: مِنْهَا: مَا رَوَاهُ معمر بن عبد الله مَرْفُوعا: (لَا يحتكر إلَاّ خاطىء) ، رَوَاهُ مُسلم. وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (من احتكر على الْمُسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس) . وَرُوِيَ أَيْضا عَنهُ مَرْفُوعا: (الجالب مَرْزُوق والمحتكر مَلْعُون) ، وَأخرجه الْحَاكِم وَإِسْنَاده ضَعِيف. وروى أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: (من احتكر طَعَاما أَرْبَعِينَ لَيْلَة فقد برىء من الله تَعَالَى وبرىء مِنْهُ) ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا، وَفِي إِسْنَاده مقَال. وروى الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من احتكر حكرة يُرِيد أَن يغالي بهَا على الْمُسلمين فَهُوَ خاطىء. ١٣١٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهيمَ قَالَ أخبرنَا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عنِ الأوْزَاعِيِّ عنْ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رَأيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعامَ مُجَازَفةً يُضْرَبُونَ عَلى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ أنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُهُ إلَى رِحَالِهِمْ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ إِنَّه يتَضَمَّن منع بيع الطَّعَام قبل الْقَبْض، لِأَن الإيواء الْمَذْكُور فِيهِ عبارَة عَن الْقَبْض، وضربهم على تَركه يدل على اشْتِرَاط الْقَبْض، والترجمة فِيمَا يذكر فِي الطَّعَام، وَالَّذِي ذكر فِي الطَّعَام يَعْنِي الَّذِي ذكره فِي أَمر الطَّعَام، هَذَا يَعْنِي منع بَيْعه قبل الإيواء الَّذِي هُوَ عبارَة عَن الْقَبْض. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، والوليد بن مُسلم أَبُو الْعَبَّاس الدِّمَشْقِي، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُحَاربين عَن عَيَّاش الرقام. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ (عَن

стр. 3358

سَالم بن عمر: أَنهم كَانُوا يضْربُونَ على عهد رَسُول الله، ﷺ ، إِذا اشْتَروا طَعَاما جزَافا أَن يبيعوه فِي مَكَانَهُ حَتَّى يحولوه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن الْحسن بن عَليّ عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن نصر بن عَليّ عَن يزِيد بن زُرَيْع. قَوْله: (مجازفة) ، نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف، أَي: يشْتَرونَ الطَّعَام شِرَاء مجازفة، وَيجوز أَن يكون نصبا على الْحَال، يَعْنِي: حَال كَونهم مجازفين، والجزاف مثلث الْجِيم، وَالْكَسْر أفْصح وَأشهر؛ وَهُوَ البيع بِلَا كيل وَلَا وزن وَلَا تَقْدِير. وَقَالَ ابْن سَيّده: وَهُوَ يرجع إِلَى المساهلة، وَهُوَ دخيل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي حَدِيث الْبَاب دَلِيل لمن سوى بَين الْجزَاف والمكيل من الطَّعَام فِي الْمَنْع من بيع ذَاك حَتَّى يقبض، وَرَأى أَن نقل الْجزَاف قَبضه، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَأحمد وَدَاوُد، وَحمله مَالك على الأولى والأحب. وَلَو بَاعَ الْجزَاف قبل نَقله جَازَ، لِأَنَّهُ بِنَفس تَمام العقد فِي التَّخْلِيَة بَينه وَبَين المُشْتَرِي صَار فِي ضَمَانه، وَإِلَى جَوَاز ذَلِك صَار سعيد بن الْمسيب وَالْحسن وَالْحكم وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن قدامَة: إِبَاحَة بيع الصُّبْرَة جزَافا مَعَ جهل البَائِع وَالْمُشْتَرِي بِقَدرِهَا لَا نعلم فِيهِ خلافًا، فَإِذا اشْترى الصُّبْرَة جزَافا لم يجز بيعهَا حَتَّى ينقلها، نَص عَلَيْهِ أَحْمد فِي رِوَايَة الْأَثْرَم، وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى: بيعهَا قبل نقلهَا، اخْتَارَهُ القَاضِي، وَهُوَ مَذْهَب مَالك. ونقلها قبضهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) عِنْد الشَّافِعِي: بيع الصُّبْرَة من الْحِنْطَة وَالتَّمْر مجازفة صَحِيح، وَلَيْسَ بِحرَام. وَهل هُوَ مَكْرُوه؟ فِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه، وَالْبيع بصبرة الدَّرَاهِم كَذَلِك حكمه، وَعَن مَالك أَنه لَا يَصح البيع إِذا كَانَ بَائِع الصُّبْرَة جزَافا يعلم قدرهَا، كَأَنَّهُ اعْتمد على مَا رَوَاهُ الْحَارِث بن أبي أُسَامَة عَن الْوَاقِدِيّ عَن عبد الحميد بن عمر: أَن ابْن أبي أنس قَالَ: (سمع النَّبِي، ﷺ ، عُثْمَان يَقُول فِي هَذَا الْوِعَاء كَذَا وَكَذَا: وَلَا أبيعه إلَاّ مجازفة. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (إِذا سميت كَيْلا فَكل) . وَعند عبد الرَّزَّاق، قَالَ: قَالَ ابْن الْمُبَارك: إِن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (لَا يحل لرجل بَاعَ طَعَاما قد علم كَيْله حَتَّى يعلم صَاحبه) . ٢٣١٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنِ ابنِ طاوُسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى أنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَاما حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ قلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ كَيْفَ ذَاكَ قَالَ ذَاكَ درَاهِمُ بِدَرَاهِمَ والطَّعَامُ مُرْجَأٌ. (الحَدِيث ٢٣١٢ طرفه فِي: ٥٣١٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهَا فِيمَا يذكر فِي البيع قبل الْقَبْض، وَأَنه لَا يَصح حَتَّى يقبضهُ أَو يَسْتَوْفِيه، فَكَذَلِك الحَدِيث فِي أَنه لَا يَصح حَتَّى يَسْتَوْفِيه. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن رَافع وَعبد بن حميد وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي بكر وَعُثْمَان ابْني أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع بِهِ وَعَن أَحْمد بن حَرْب وقتيبة. قَوْله: (حَتَّى يَسْتَوْفِيه) أَي: حَتَّى يقبضهُ، وَقد ذكرنَا أَن الْقَبْض والاستيفاء بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (قلت لِابْنِ عَبَّاس) ، الْقَائِل هُوَ طَاوُوس. قَوْله: (كَيفَ ذَاك؟) يَعْنِي: كَيفَ حَال هَذَا البيع؟ حَتَّى نهى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: ذَاك) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس: يكون حَال ذَاك البيع دَرَاهِم بِدَرَاهِم وَالطَّعَام غَائِب، وَهُوَ معنى: قَوْله: (وَالطَّعَام مرجأ) أَي: مُؤخر مُؤَجل، مَعْنَاهُ: أَن يَشْتَرِي من إِنْسَان طَعَاما بدرهم إِلَى أجل ثمَّ يَبِيعهُ مِنْهُ أَو من غَيره قبل أَن يقبضهُ بِدِرْهَمَيْنِ مثلا، فَلَا يجوز لِأَنَّهُ فِي التَّقْدِير: بيع دِرْهَم بدرهم، وَالطَّعَام غَائِب، فَكَأَنَّهُ قد بَاعه درهمه الَّذِي اشْترِي بِهِ الطَّعَام بِدِرْهَمَيْنِ، فَهُوَ وَربا، لِأَنَّهُ بيع غَائِب بناجز فَلَا يَصح. وَقَالَ ابْن التِّين: قَول ابْن عَبَّاس: دَرَاهِم بِدَرَاهِم، تَأَوَّلَه عُلَمَاء السّلف، وَهُوَ أَن يَشْتَرِي مِنْهُ طَعَام بِمِائَة إِلَى أجل ويبيعه مِنْهُ قبل قَبضه بِمِائَة وَعشْرين، وَهُوَ غير جَائِز، لِأَنَّهُ فِي التَّقْدِير بيع دَرَاهِم بِدَرَاهِم، وَالطَّعَام مُؤَجل غَائِب. وَقيل: مَعْنَاهُ أَن يَبِيعهُ من آخر ويحيله بِهِ. قَوْله: (وَالطَّعَام مرجأ) ، مبدتأ وَخبر وَقعت حَالا، ومرجأ: بِضَم الْمِيم وَسُكُون الرَّاء يهمز وَلَا يهمز، وَأَصله: من أرجيت الْأَمر وأرجأته: إِذا أَخَّرته. فَتَقول: من الْهَمْز: مرجىء، بِكَسْر الْجِيم للْفَاعِل، وَالْمَفْعُول: مرجأ، للْفَاعِل، وَإِذا لم تهمز قلت: مرجٍ ومرجىً للْمَفْعُول، وَمِنْه، قيل: المرجئة، وهم فرقة من فرق الْإِسْلَام يَعْتَقِدُونَ أَنه لَا يضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة، كَمَا أَنه لَا ينفع مَعَ الْكفْر طَاعَة، سموا مرجئة لاعتقادهم

стр. 3359

أَن الله تَعَالَى نهتلى أرجأ تعذيبهم على المعاضي، أَي: أَخّرهُ عَنْهُم، وَكَذَلِكَ المرجئة تهمز وَلَا تهمز، وَقَالَ ابْن الْأَثِير، وَفِي الْخطابِيّ على اخْتِلَاف نسخه: مرجَّى، بِالتَّشْدِيدِ. قَالَ أبُو عَبْدُ الله مُرْجَؤُنَ أيْ مُؤخِّرُونَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، هَذَا التَّفْسِير مُوَافق لتفسير أبي عُبَيْدَة حَيْثُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مرجؤون لأمر الله﴾ (التَّوْبَة: ٦٠١) . يُقَال: أرجأتك أَي: أخرتك، وَأَرَادَ بِهِ البُخَارِيّ شرح قَول ابْن عَبَّاس: وَالطَّعَام مرجأ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، وَهَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة غَيره شَيْء من ذَلِك. ٣٣١٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يقُولُ قَالَ النبيُّ ﷺ منْ ابْتاعَ طَعَاما فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يِقْبِضَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق، وَهَذَا الحَدِيث عَن ابْن عمر قد مر فِي: بَاب الْكَيْل على البَائِع، غير أَن رِجَاله هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَهَهُنَا: عَن أبي الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة ابْن الْحجَّاج عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. ٤٣١٢ - حدَّثنا عَليٌّ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ كانَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ يُحَدِّثُهُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ مالِكِ بنِ أوْسٍ أنَّهُ قَالَ منْ عِندَهُ صَرْفٌ فَقَالَ طَلْحَةُ أَنا حتَّى يَجيءَ خازِنُنا مِنَ الغَابَةِ قَالَ سُفْيانُ هُوَ الَّذِي حَفِظْناهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةٌ فَقَالَ أخْبَرَنِي مالِكُ بنُ أوْسٍ أنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ ابنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يُخْبِرُ عنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ الذَّهَبُ بالذَّهَبِ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ والْبُرُّ بالْبُرُّ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ والتَّمْرُ بالتَّمْرِ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ اشْتِرَاط الْقَبْض لما فِيهِ من الربويات. وَفِي التَّرْجَمَة مَا يشْعر بِاشْتِرَاط الْقَبْض فِي الطَّعَام. وَزعم ابْن بطال: أَنه لَا مطابقته بَين الحَدِيث والترجمة هُنَا، فَلذَلِك أدخلهُ فِي: بَاب بيع مَا لَيْسَ عنْدك، وَهُوَ مُغَاير للنسخ المروية عَن البُخَارِيّ، وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَالك بن أَوْس، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو، وَفِي آخِره سين مُهْملَة: ابْن الْحدثَان، بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالمثلثة التَّابِعِيّ عِنْد الْجُمْهُور. قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ بَعضهم: لَهُ صُحْبَة وَلَا يَصح. وَقَالَ بَعضهم: ركب بخيل فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقيل: إِنَّه رأى أَبَا بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وروى عَن النَّبِي، ﷺ ، مُرْسلا. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد ابْن رمح، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَزُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد وَهِشَام بن عمار وَنصر بن عَليّ وَمُحَمّد بن الصَّباح، خمستهم عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من عِنْده صرف) ، أَي: من عِنْده دَرَاهِم يعوضها بِالدَّنَانِيرِ، لِأَن الصّرْف بيع أحد النَّقْدَيْنِ بِالْآخرِ. قَوْله: (فَقَالَ طَلْحَة) ، هُوَ ابْن عبد الله أحد الْعشْرَة المبشرة، فَأَنا أُعْطِيك الدَّرَاهِم لَكِن إصبر حَتَّى يَجِيء الخازن من الغابة، والغابة: بالغين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة فِي الأَصْل: الأجمة ذَات الشّجر، المتكاثف، سميت بهَا لِأَنَّهَا تغيَّب مَا فِيهَا، وَجَمعهَا: غابات، وَلَكِن المُرَاد بهَا هُنَا غابة الْمَدِينَة، وَهِي مَوضِع قريب مِنْهَا من عواليها، وَبهَا أَمْوَال أهل الْمَدِينَة، وَهِي الْمَذْكُورَة فِي عمل مِنْبَر النَّبِي ﷺ . قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة، قَالَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (هُوَ الَّذِي حفظناه عَن الزُّهْرِيّ) أَي: الَّذِي كَانَ عَمْرو يحدثه عَن الزُّهْرِيّ هُوَ الَّذِي حفظناه عَن الزُّهْرِيّ بِلَا زِيَادَة فِيهِ، قَالَ الْكرْمَانِي: وغرضه مِنْهُ تَصْدِيق عَمْرو،

стр. 3360

وَقَالَ بَعضهم: أبعد الْكرْمَانِي فِي قَوْله: (هَذَا!) قلت: مَا أبعد فِيهِ، بل غَرَضه هَذَا وَشَيْء آخر، وَهُوَ الْإِشَارَة إِلَى أَنه حفظه من الزُّهْرِيّ بِالسَّمَاعِ. قَوْله: (فَقَالَ: أَخْبرنِي) أَي: قَالَ الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي مَالك بن أَوْس. قَوْله: (بِخَبَر) جملَة حَالية. قَوْله: (الذَّهَب بِالذَّهَب) ويروى: (الذَّهَب بالورق) ، بِكَسْر الرَّاء، وَهُوَ رِوَايَة أَكثر أَصْحَاب ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ، وَهِي رِوَايَة أَكثر أَصْحَاب الزُّهْرِيّ. ثمَّ معنى قَوْله: (الذَّهَب بِالذَّهَب) ، أَي: بيع الذَّهَب بِالذَّهَب رَبًّا إلَاّ أَن يَقُول كل وَاحِد من المتصارفين لصَاحبه: هَاء، يَعْنِي: خُذ أَو: هَات، فَإِذا قَالَ أَحدهمَا: خُذ، يَقُول الآخر: هَات، وَالْمرَاد أَنَّهُمَا يتقابضان فِي الْمجْلس قبل التَّفَرُّق مِنْهُ، وَأَن يكون العوضان متماثلين متساويين فِي الْوَزْن، كَمَا فِي حَدِيث أبي بكرَة، سَيَأْتِي: (نَهَانَا رَسُول الله ﷺ أَن نبيع الذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء) . ثمَّ الْكَلَام فِي الذَّهَب: هَل مُذَكّر أم مؤنث؟ فَقَالَ فِي (الْمُنْتَهى) : رُبمَا أنث فِي اللُّغَة الحجازية، والقطعة مِنْهُ ذهبة، وَيجمع على أذهاب وذهوب، وَفِي (تَهْذِيب الْأَزْهَرِي) : لَا يجوز تأنيثه إلَاّ أَن يَجْعَل جمعا لذهبة، وَفِي (الموعب) عَن صَاحب (الْعين) : الذَّهَب التبر، والقطعة مِنْهُ: ذهبة، يذكر وَيُؤَنث. وَعَن ابْن الْأَنْبَارِي: الذَّهَب أُنْثَى، وَرُبمَا ذكر، وَعَن الْفراء، وَجمعه ذهبان. وَأما قَوْله: (هَاء وهاء) ، فَقَالَ صَاحب (الْعين) : هُوَ حرف يسْتَعْمل فِي المناولة، تَقول: هَاء وهاك، وَإِذا لم تجىء بِالْكَاف مددت فَكَانَ الْمدَّة فِي: هَاء، خلف من. كَاف المخاطبة، فَنَقُول للرجل: هَاء، وللمرأة: هائي، وللاثنين: هاؤما، وللرجال: هاؤموا، وللنساء هاؤن. وَفِي (الْمُنْتَهى) : تَقول: هَاء يَا رجل، بِهَمْزَة سَاكِنة، مِثَال: هع، أَي: خُذ. وَفِي (الْجَامِع) : فِيهِ لُغَتَانِ بِأَلف سَاكِنة وهمزة مَفْتُوحَة، وَهُوَ اسْم الْفِعْل، ولغة إخرى: هايا رجل: كَأَنَّهُ من هاي يهاي،، فحذفت الْيَاء للجزم، وَمِنْهُم من يَجعله بِمَنْزِلَة الصَّوْت: هَا يَا رجل، وهايا رجلَانِ، وهايا رجال، وَهَا يَا امْرَأَة، وَهَا يَا امْرَأَتَانِ، وَهَا يَا نسْوَة. وَفِي (شرح الْمشكاة) : فِيهِ لُغَتَانِ الْمَدّ وَالْقصر، وَالْأول أفْصح وَأشهر. وَأَصله: هاك، فأبدلت من الْكَاف، مَعْنَاهُ: خُذ، فَيَقُول صَاحبه مثله، والهمزة مَفْتُوحَة. وَيُقَال بِالْكَسْرِ وَمَعْنَاهُ التَّقَابُض، وَقَالَ الْمَالِكِي: وَحقّ هَا أَن لَا يَقع بعْدهَا إلَاّ كَمَا لَا يَقع بعْدهَا: هَذ، وَبعد أَن وَقع يجب تَقْدِير قَول قبله يكون بِهِ محكيا، فَكَأَنَّهُ قيل: وَلَا الذَّهَب بِالذَّهَب إلَاّ مقول عِنْده من الْمُتَبَايعين هَاء وهاء، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وَمحله النصب على الظَّرْفِيَّة، والمستثنى مِنْهُ مُقَدّر. يَعْنِي: بيع الذَّهَب بِالذَّهَب رَبًّا فِي جَمِيع الْأَزْمِنَة إلَاّ عِنْد الْحُضُور والتقابض. قَوْله: (وَالْبر بِالْبرِّ) ، أَي: وَبيع الْبر بِالْبرِّ، وَهَكَذَا يقدر فِي الْبَوَاقِي. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أجمع الْمُسلمُونَ على تَحْرِيم الرِّبَا فِي هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة الَّتِي ذكرت فِي حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وشيئان آخرَانِ وهما: الْفضة وَالْملح، فَهَذِهِ الْأَشْيَاء السِّتَّة مجمع عَلَيْهَا، وَاخْتلفُوا فِيمَا سواهَا، فَذهب أهل الظَّاهِر ومسروق وطاووس وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَعُثْمَان البتي فِيمَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ: إِلَى أَنه يتَوَقَّف التَّحْرِيم عَلَيْهَا. وَقَالَ سَائِر الْعلمَاء: بل يتَعَدَّى إِلَى مَا فِي مَعْنَاهَا. فَأَما الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَالْعلَّة فيهمَا عِنْد أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْوَزْن فِي جنس وَاحِد، فَالْحق بهما كل مَوْزُون. وَعند الشَّافِعِي: الْعلَّة فيهمَا جنس الْأَثْمَان وَأما الْأَرْبَعَة الْبَاقِيَة فَفِيهَا عشرَة مَذَاهِب. الأول: مَذْهَب أهل الظَّاهِر أَنه: لَا رَبًّا فِي غير الْأَجْنَاس السِّتَّة. الثَّانِي: ذهب أَبُو بكر الْأَصَم: إِلَى أَن الْعلَّة فِيهَا كَونهَا مُنْتَفعا بهَا، فَيحرم التَّفَاضُل فِي كل مَا ينْتَفع بِهِ، حَكَاهُ عَنهُ القَاضِي حُسَيْن. الثَّالِث: مَذْهَب ابْن سِيرِين وَأبي بكر الأودي الشَّافِعِي: أَن الْعلَّة الجنسية، فَحرم كل شَيْء بيع بِجِنْسِهِ: كالتراب بِالتُّرَابِ مُتَفَاضلا، وَالثَّوْب بالثوبين وَالشَّاة بالشاتين. الرَّابِع: مَذْهَب الْحسن بن أبي الْحسن: أَن الْعلَّة الْمَنْفَعَة فِي الْجِنْس، فَيجوز عِنْده بيع ثوب قِيمَته دِينَار بثوبين قيمتهمَا دِينَار، وَيحرم عِنْده بيع ثوب قِيمَته دِينَار بِثَوْب قِيمَته دِينَارَانِ. الْخَامِس: مَذْهَب سعيد بن جُبَير: أَن الْعلَّة تفَاوت الْمَنْفَعَة فِي الْجِنْس، فَيحرم التَّفَاضُل فِي الْحِنْطَة بِالشَّعِيرِ لتَفَاوت منافعهما، وَكَذَلِكَ الباقلاء بالحمص والدخن بالذرة. السَّادِس: مَذْهَب ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن: أَن الْعلَّة كَونه جِنْسا تجب فِيهِ الزَّكَاة، وَيحرم الرِّبَا فِي جنس تجب فِيهِ الزَّكَاة من الْمَوَاشِي والزروع وَغَيرهمَا، ونفاه عَمَّا لَا زَكَاة فِيهِ. السَّابِع: مَذْهَب مَالك: كَونه مقتاتا مدخرا، فَحرم الرِّبَا فِي كل مَا كَانَ قوتا مدخرا، ونفاه عَمَّا لَيْسَ بقوت: كالفواكه، وَعَما هُوَ قوت لَا يدّخر: كَاللَّحْمِ. الثَّامِن: مَذْهَب أبي حنيفَة: أَن الْعلَّة الْكَيْل مَعَ جنس، أَو الْوَزْن مَعَ جنس، فَحرم الرِّبَا فِي كل مَكِيل وَإِن لم يُؤْكَل: كالجص والنورة والأشنان، ونفاه عَمَّا لَا يُكَال وَلَا يُوزن وَإِن كَانَ مَأْكُولا: كالسفرجل وَالرُّمَّان. التَّاسِع: مَذْهَب سعيد بن الْمسيب، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: أَن الْعلَّة كَونه مطعوما يُكَال أَو يُوزن فحرمه فِي كل مطعوم يُكَال أَو يُوزن،

стр. 3361

ونفاه عَمَّا سواهُ، وَهُوَ كل مَا لَا يُؤْكَل وَلَا يشرب، أَو يُؤْكَل وَلَا يُوزن: كالسفرجل والبطيخ. الْعَاشِر: أَن الْعلَّة كَونه مطعوما فَقَط، سَوَاء كَانَ مَكِيلًا أَو مَوْزُونا أم لَا، وَلَا رَبًّا فِيمَا سوى المطعوم غير الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَابْن الْمُنْذر. قلت: مَذْهَب مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَن الْعلَّة هِيَ الإدخار للْأَكْل غَالِبا، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن نَافِع، وَفِي (التَّمْهِيد) قَالَ مَالك: فَلَا تجوز فِي الْفَوَاكِه الَّتِي تيبس وتدخر إلَاّ مثلا بِمثل يدا بيد، إِذا كَانَت من صنف وَاحِد، وَيَجِيء على مَا روى عَن مَالك: أَن الْعلَّة الإدخار للاقتيات أَن لَا يجرى الرِّبَا فِي الْفَوَاكِه الَّتِي تيبس، لِأَنَّهَا لَيست بمقتات، وَلَا يجْرِي الرِّبَا فِي الْبيض، لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت مقتاتة فَلَيْسَتْ بمدخرة، وَذكر صَاحب (الْجَوَاهِر) : يَنْقَسِم مَا يطعم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: إِحْدَاهَا: مَا اتّفق على أَنه طَعَام يجْرِي فِيهِ حكم الرِّبَا: كالفواكه وَالْخضر والبقول والزروع الَّتِي تُؤْكَل غداء أَو يعتصر مِنْهَا مَا يتغدى من الزَّيْت: كحب القرطم وزريعة الفجل الْحَمْرَاء وَمَا أشبه ذَلِك. وَالثَّانِي: مَا اتّفق على أَنه لَيْسَ بغداء بل هُوَ دَوَاء، وَذَلِكَ: كالبر والزعفران والشاهترج وَمَا يشبهها. وَالثَّالِث: مَا اخْتلف فِيهِ للِاخْتِلَاف فِي أَحْوَاله وعادات النَّاس فِيهِ، فَمِنْهُ الطّلع والبلح الصَّغِير، وَمِنْه التوابل كالفلفل والكزبرة وَمَا فِي مَعْنَاهَا من الكمونين والزاريانج والأنيسون، فَفِي إِلْحَاق كل وَاحِد مِنْهَا بِالطَّعَامِ قَولَانِ، وَمِنْهَا الحلبة وَفِي إلحاقها بِالطَّعَامِ ثَلَاثَة أَقْوَال مفرق فِي الثَّالِث، فَيلْحق بِهِ الخضراء دون الْيَابِسَة، وَمِنْهَا المَاء العذب قيل بإلحاقه بِالطَّعَامِ لما كَانَ مِمَّا يتطعم، وَبِه قوام الْأَجْسَام. وَقيل: يمْنَع إِلْحَاقه لِأَنَّهُ مشروب وَلَيْسَ بمطعوم. وَأما الْعلَّة فِي تَحْرِيم الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ الثمنية، وَهل الْمُعْتَبر فِي ذَلِك كَونهمَا ثمنين فِي كل الْأَمْصَار أَو جلها وَفِي كل الْأَعْصَار؟ فَتكون الْعلَّة بِحَسب ذَلِك قَاصِرَة عَلَيْهَا، أَو الْمُعْتَبر مُطلق الثمنية، فَتكون متعدية إِلَى غَيرهمَا فِي ذَلِك خلاف يبْنى عَلَيْهِ الْخلاف فِي جَرَيَان الرِّبَا فِي الْفُلُوس إِذا بيع بَعْضهَا بِبَعْض أَو بِذَهَب أَو بورق، وَفِي (الرَّوْضَة) : وَالْمرَاد بالمطعوم مَا يعد للطعم غَالِبا تقوتا أَو تأدما أَو تفكها أَو غَيرهَا، فَيدْخل فِيهِ الْفَوَاكِه والحبوب والبقول والتوابل وَغَيرهَا، وَسَوَاء مَا أكل نَادرا كالبلوط والطرثوب، وَمَا أكل غَالِبا، وَمَا أكل وَحده أَو مَعَ غَيره، وَيجْرِي الرِّبَا فِي الزَّعْفَرَان على الْأَصَح، وَسَوَاء أكل للتداوي كالاهليلج والبليلج والسقمونيا وَغَيرهَا، وَمَا أكل لغَرَض آخر. وَفِي (التَّتِمَّة) وَجه: أَن مَا يقتات كَثِيره وَيسْتَعْمل قَلِيله فِي الْأَدْوِيَة كالسقمونيا لَا رَبًّا فِيهِ، وَهُوَ ضَعِيف، والطين الْخُرَاسَانِي لَيْسَ ربويا على الْأَصَح، ودهن الْكتاب والسمك وَحب الْكَتَّان وَمَاء الْورْد وَالْعود لَيْسَ ربويا على الْأَصَح، والزنجبيل والمصطكى رِبَوِيّ على الْأَصَح، وَالْمَاء إِذا صححنا بَيْعه رِبَوِيّ على الْأَصَح، وَلَا رَبًّا فِي الْحَيَوَان، لَكِن مَا يُبَاح أكله على هَيئته كالسمك الصَّغِير على وَجه لَا يجْرِي فِيهِ الرِّبَا فِي الْأَصَح، وَأما الذَّهَب والفضية فَقيل: يثبت فيهمَا الرِّبَا لعينهما لَا لعِلَّة. وَقَالَ الْجُمْهُور: الْعلَّة فيهمَا صَلَاحِية التمنية الغالية، وَإِن شِئْت قلت: جوهرية الْأَثْمَان غَالِبا، والعبارتان تشملان التبر والمضروب والحلي والأواني مِنْهُمَا. وَفِي تعدِي الحكم إِلَى الْفُلُوس إِذا أراجت وَجه، وَالصَّحِيح أَنَّهَا لَا رَبًّا فِيهَا لانْتِفَاء الثمنية الْغَالِبَة، وَلَا يتَعَدَّى إِلَى غير الْفُلُوس من الْحَدِيد والرصاص والنحاس وَغَيرهَا قطعا. انْتهى. ٥٥ - (بابُ بَيْع الطَّعام قَبْلَ أنْ يُقْبَضَ وبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الطَّعَام قبل الْقَبْض، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (وَبيع مَا لَيْسَ عنْدك) ، بِالْجَرِّ عطف على: بيع الطَّعَام، وَلَيْسَ فِي حَدِيثي الْبَاب: بيع مَا لَيْسَ عنْدك، قَالَه ابْن التِّين، وَاعْترض بِهِ. وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ استنبط من حَدِيثي الْبَاب: أَن بيع مَا لَيْسَ عنْدك دَاخل فِي البيع قبل الْقَبْض وَلَا حَاجَة إِلَى مَا قَالَه بَعضهم، وَكَأن بيع مَا لَيْسَ عنْدك لم يثبت على شَرطه، فَلذَلِك استنبطه من النَّص عَن البيع قبل الْقَبْض. وَحَدِيث: مَا لَيْسَ عنْدك، رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة: فَأَبُو دَاوُد أخرجه عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن بنْدَار، وَالْكل أَخْرجُوهُ عَن حَكِيم بن حزَام. فَلفظ التِّرْمِذِيّ: (سَأَلت رَسُول الله، ﷺ ، فَقلت: يأتيني الرجل فيسألني من الْمَبِيع مَا لَيْسَ عِنْدِي، أبتاع لَهُ من السُّوق ثمَّ أبيعه مِنْهُ، قَالَ: لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك) ، وأخرجت الْأَرْبَعَة أَيْضا نَحوه عَن عبد الله بن عَمْرو.

стр. 3362

٥٣١٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ قَالَ سَمِعَ طاوسا يَقُولُ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ أمَّا الَّذي نَهِى عَنهُ النبيُّ ﷺ فَهْوَ الطَّعَامُ أنْ يُباعَ حَتَّى يُقْبَضَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ولَا أحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَاّ مِثْلَهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (الَّذِي حفظناه. .) إِلَى آخِره، كَانَ سُفْيَان يُشِير بذلك إِلَى أَن فِي رِوَايَة غير عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوُوس زِيَادَة على مَا حَدثهمْ بِهِ عَمْرو بن دِينَار عَنهُ. قَوْله: (أما الَّذِي نهى عَنهُ) ، قد علم أَن كلمة: أما، فِي مثل هَذَا تَقْتَضِي التَّقْسِيم، وَيقدر هُنَا مَا يدل عَلَيْهِ السِّيَاق وَهُوَ: وَأما غير مَا نهى عَنهُ فَلَا أَظُنهُ إلَاّ مثله فِي أَنه لَا يُبَاع أَيْضا قبل الْقَبْض. قَوْله: (أَن يُبَاع) ، قَالَ الْكرْمَانِي: مَا مَحل: أَن يُبَاع؟ فَأجَاب: رفع بِأَن يكون بَدَلا من الطَّعَام، ثمَّ قَالَ: فَإِذا أبدل النكرَة من الْمعرفَة، فَلَا بُد من النَّعْت؟ فَأجَاب: بِأَن فعل الْمُضَارع مَعَ: أَن، معرفَة موغلة فِي التَّعْرِيف. قَوْله: (وَلَا أَحسب كل شَيْء إلَاّ مثله) ، أَي: إلَاّ مثل الطَّعَام، يدل عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم من طَرِيق معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه: (وأحسب كل شَيْء بِمَنْزِلَة الطَّعَام) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل على هَذَا الحَدِيث عِنْد أَكثر أهل الْعلم، كَرهُوا أَن يَبِيع الرجل مَا لَيْسَ عِنْده. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: قَوْله: (وَبيع مَا لَيْسَ عنْدك) ، يحْتَمل مَعْنيين: أَحدهمَا: أَن يَقُول: أبيعك عبدا أَو دَارا وَهُوَ غَائِب فِي وَقت البيع، فَلَا يجوز لاحْتِمَال عدم رضى صَاحبه، أَو أَن يتْلف، وَهَذَا يشبه بيع الْغرَر، وَالثَّانِي: أَن يَقُول: أبيع هَذِه الدَّار بِكَذَا على أَن أشتريها لَك من صَاحبهَا، أَو على أَن يُسَلِّمهَا إِلَيْك صَاحبهَا، وَهَذَا مفسوخ على كل حَال، لِأَنَّهُ غرر، إِذْ قد يجوز أَن لَا يقدر على شِرَائهَا أَو لَا يُسَلِّمهَا إِلَيْهِ مَالِكهَا، وَهَذَا أصح الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي. وَقَالَ غَيره: وَمن بيع مَا لَيْسَ عنْدك الْعينَة، وَهِي دَرَاهِم بِدَرَاهِم أَكثر مِنْهَا إِلَى أجل بِأَن يَقُول: أبيعك بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي سَأَلتنِي سلْعَة وَكَذَا لَيست عِنْدِي ابتاعها لَك، فبكم تشتريها مني؟ فوافقه على الثّمن ثمَّ يبتاعها ويسلمها إِلَيْهِ، فَهَذِهِ الْعينَة الْمَكْرُوهَة، وَهِي بيع مَا لَيْسَ عنْدك، وَبيع مَا لم تقبضه، فَإِن وَقع هَذَا البيع فسخ عِنْد مَالك فِي مَشْهُور مذْهبه، وَعند جمَاعَة من الْعلمَاء: لَو قيل للْبَائِع: إِن أَعْطَيْت السّلْعَة ابتاعها مِنْك بِمَا اشْتَرَيْتهَا، جَازَ ذَلِك، وكأنك إِنَّمَا أسلفته الثّمن الَّذِي ابتاعها. وَقد رُوِيَ عَن مَالك أَنه: لَا يفْسخ البيع لِأَن الْمَأْمُور كَانَ ضَامِنا للسلعة لَو هَلَكت. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: وَأحب إِلَيّ أَن يتورع عَن أَخذ مَا زَاده عَلَيْهِ. وَقَالَ عِيسَى بن دِينَار: بل يفْسخ البيع إلَاّ أَن يفوت السّلْعَة فَتكون فِيهَا الْقيمَة، وعَلى هَذَا سَائِر العلما بالحجاز وَالْعراق. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ابْن عَبَّاس كره الْعينَة، هُوَ أَن يَبِيع من رجل سلْعَة بِثمن مَعْلُوم إِلَى أجل مُسَمّى، ثمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِأَقَلّ من الثّمن الَّذِي بَاعهَا مِنْهُ، فَإِن اشْترى بِحَضْرَة طَالب الْعينَة سلْعَة من آخر بِثمن مَعْلُوم وَقَبضهَا، ثمَّ بَاعهَا المُشْتَرِي من البَائِع الأول بِالنَّقْدِ، بِأَقَلّ من الثّمن فَهَذِهِ أَيْضا عينة، وَهِي أَهْون من الأولى، وَسميت عينة لحُصُول النَّقْد لصَاحب الْعينَة، لِأَن الْعين هُوَ المَال الْحَاضِر من النَّقْد، وَالْمُشْتَرِي إِنَّمَا يَشْتَرِي بهَا ليبيعها بِعَين حَاضِرَة تصل إِلَيْهِ مُعجلَة. ٦٣١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ منِ ابْتاعَ طَعَاما فلَا يَبيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الْكَيْل على البَائِع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، وَهنا: عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. قَوْله: (من ابْتَاعَ) أَي: من اشْترى. قَوْله: (فَلَا يَبِيعهُ) ، أَي: ويروى: (فَلَا يَبِعْهُ) ، بِالْجَزْمِ. قَوْله: (حَتَّى يَسْتَوْفِيه) أَي: حَتَّى يقبضهُ. زَادَ إسْمَاعِيلُ منِ ابْتَاعَ طَعاما فَلَا يَبيعُهُ حتَّى يَقْبِضَهُ أَي: زَاد إِسْمَاعِيل بن أبي أويس فِي رِوَايَته عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: من ابْتَاعَ ... إِلَى آخِره، قَالَ

стр. 3363

بَعضهم يُرِيد بِهِ الزِّيَادَة فِي الْمَعْنى، لِأَن فِي قَوْله: (حَتَّى يقبضهُ) زِيَادَة فِي الْمَعْنى على قَوْله: (حَتَّى يَسْتَوْفِيه) ، لِأَنَّهُ قد يَسْتَوْفِيه بِالْكَيْلِ، بِأَن يكيله البَائِع وَلَا يقبضهُ المُشْتَرِي، بل يحْبسهُ عِنْده لينقده الثّمن مثلا، انْتهى. قلت: الْأَمر الَّذِي ذكره بِالْعَكْسِ، لِأَن لفظ الِاسْتِيفَاء يشْعر بِأَن لَهُ زِيَادَة فِي الْمَعْنى على لفظ الْإِقْبَاض من حَيْثُ إِنَّه إِذا أَقبض بعضه وَحبس بعضه لأجل الثّمن يُطلق عَلَيْهِ معنى الْإِقْبَاض فِي الْجُمْلَة، وَلَا يُقَال لَهُ: اسْتَوْفَاهُ حَتَّى يقبض الْكل، بل المُرَاد بِهَذِهِ الزِّيَادَة زِيَادَة رِوَايَة أُخْرَى، وَهُوَ: يقبضهُ، لِأَن الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة: حَتَّى يَسْتَوْفِيه. ٦٥ - (بابُ مَنْ رَأى إذَا اشْتَرَى طَعاما جِزَافا أنْ لَا يَبِيعَهُ حتَّى يُؤْوِيهِ إلَى رَحْلِهِ والأدَبِ فِي ذَلِكَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من إِذا اشْترى طَعَاما جزَافا إِلَى آخِره. قَوْله: (جزَافا) ، قد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَيُقَال: هَذَا لفظ مُعرب عَن كَذَا فَقَوله: (حَتَّى يؤويه) من الإيواء، وَالْمرَاد مِنْهُ النَّقْل والتحويل إِلَى الْمنزل، وثلاثيه: أَوَى، يأوي وآويت غَيْرِي وآويته بِالْقصرِ أَيْضا. وَأنكر بَعضهم الْمَقْصُور الْمُتَعَدِّي. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: هِيَ اللُّغَة الفصيحة. قَوْله: (إِلَى رَحْله) ، أَي: منزله. قَوْله: (وَالْأَدب) ، بِالْجَرِّ أَي: وَفِيه بَيَان الْأَدَب، عطفا على قَوْله: (فِيهِ بَيَان من اشْترى) . قَوْله: (فِي ذَلِك) أَي: فِي ترك الإيواء، وَمرَاده من يَبِيعهُ قبل أَن يؤويه إِلَى رَحْله. ٧٣١٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخْبَرَنِي سالِمُ ابنُ عَبْدِ الله أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَقَدْ رَأيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رسولِ الله ﷺ يَبْتَاعُونَ جِزَافا يَعْنِي الطَّعَامَ يُضْرَبُونَ أنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمُ حتَّى يُؤْوُوهُ إلَى رِحالِهِمْ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب مَا يذكر فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم عَن اللَّيْث بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم. وَهنا أخرجه: عَن يحيى بن بكير المَخْزُومِي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سَالم. قَوْله: (يبتاعون) ، ويروى: (يتبايعون) . ٧٥ - (بابٌ إِذا اشْتَرَى مَتاعا أَو دَابَّةً فوَضَعَهُ عِنْدَ الْبائِعِ أوْ ماتَ قَبلَ أنْ يُقْبَضَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اشْترى شخص مَتَاعا أَو اشْترى دَابَّة فَوَضعه عِنْد الْمَتَاع أَي البَائِع، أَو مَاتَ البَائِع قبل أَن يقبض الْمَبِيع، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، وَلم يذكرهُ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. قَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي هَلَاك الْمَبِيع قبل الْقَبْض، فَذهب أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِلَى أَن ضَمَانه إِن تلف من البَائِع، وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: من المُشْتَرِي، وَأما مَالك فَفرق بَين الثِّيَاب وَالْحَيَوَان، فَقَالَ: مَا كَانَ من الثِّيَاب وَالطَّعَام فَهَلَك قبل الْقَبْض فضمانه من البَائِع، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لِأَنَّهُ لَا يعرف هَلَاكه وَلَا بَيِّنَة عَلَيْهِ، وَأما الدَّوَابّ وَالْحَيَوَان وَالْعَقار فمصيبته من المُشْتَرِي. وَقَالَ ابْن حبيب: اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن بَاعَ عبدا واحتبسه بِالثّمن وَهلك فِي يَده قبل أَن يَأْتِي المُشْتَرِي بِالثّمن، فَكَانَ سعيد بن الْمسيب وَرَبِيعَة وَاللَّيْث يَقُولُونَ: هُوَ من البَائِع، وَأَخذه ابْن وهب وَكَانَ مَالك قد أَخذ بِهِ أَيْضا، وَقَالَ سُلَيْمَان بن يسَار: مصيبته من المُشْتَرِي سَوَاء حَبسه البَائِع بِالثّمن أم لَا، وَرجع مَالك إِلَى قَول سُلَيْمَان. وقالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَا أدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيَّا مَجْمُوعا فَهْوَ مِنَ المُبْتَاعِ أَي: قَالَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كلمة مَا، شَرْطِيَّة، فَلذَلِك دخلت الْفَاء فِي جوابها. وَهُوَ قَوْله: (فَهُوَ من الْمُبْتَاع) وَإسْنَاد الْإِدْرَاك إِلَى الصَّفْقَة مجَاز، أَي: مَا كَانَ عِنْد العقد غير ميت. قَوْله: (مجموعا) صفة لقَوْله: (حَيا) ، وَأَرَادَ بِهِ: لم يتَغَيَّر عَن حَالَته. قَوْله: (من الْمُبْتَاع) ، أَي: من المُشْتَرِي، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الطَّحَاوِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة

стр. 3364

ابْن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه، قَالَ: (مَا أدْركْت الصَّفْقَة حَيا فَهُوَ من مَال الْمُبْتَاع) وَلَيْسَ فِيهِ لفظ: مجموعا، وَهَذَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ جَوَابا عَمَّا قَالُوا: إِن ابْن عمر روى عَنهُ حَدِيث: (البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا) ، وَأَنه كَانَ يرى التَّفَرُّق بالأبدان، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه كَانَ إِذا بَايع رجلا شَيْئا فَأَرَادَ أَن لَا يقبله قَامَ فَمشى هنيهة، قَالُوا: فَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يرى التَّفَرُّق بالأبدان، وَأجَاب عَنهُ الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: وَقد رُوِيَ عَنهُ مَا يدل على أَن رَأْيه كَانَ فِي الْفرْقَة بالأقوال، وَأَن الْمَبِيع ينْتَقل بِتِلْكَ الْأَقْوَال من ملك البَائِع إِلَى ملك المُشْتَرِي حَتَّى يهْلك من مَالك إِن هلك، وروى حَدِيث حَمْزَة بن عبد الله هَذَا، وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: وَمَا قَالَه لَيْسَ بِلَازِم، وَكَيف يحْتَج بِأَمْر مُحْتَمل فِي مُعَارضَة أَمر مُصَرح بِهِ؟ فَابْن عمر قد تقدم عَنهُ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ كَانَ يرى الْفرْقَة بالأبدان، وَالْمَنْقُول عَنهُ هُنَا يحْتَمل أَن يكون قبل التَّفَرُّق بالأبدان، وَيحْتَمل أَن يكون بعده، فَحَمله على مَا بعده أولى جمعا بَين حديثيه. انْتهى. قلت: هَذَا مَا هُوَ بِأول من تصرف بِهَذَا الِاعْتِرَاض، فَإِن ابْن حزم سبقه بِهَذَا، وَلَكِن الْجَواب عَن هَذَا بِمَا يقطع شغبهما هُوَ: أَن قَوْله هَذَا يُعَارض فعله ذَاك صَرِيحًا، وَالِاحْتِمَال الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل هُنَا يحْتَمل أَن يكون هُنَاكَ أَيْضا، فَسقط الْعَمَل بالاحتمالات فَبَقيَ الْفِعْل وَالْقَوْل، وَالْأَخْذ بالْقَوْل أولى لِأَنَّهُ أقوى. ٨٣١٢ - حدَّثنا فَرْوَةُ بنُ أبي الْمُغْرَاءِ قَالَ أخبرنَا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ لَقَلَّ يَوْمٌ كانَ يأتِي عَلَى النبيِّ ﷺ إلَاّ يأتِي فِيهِ بَيْتَ أبِي بَكْرٍ أحَدَ طَرَفَيِ النَّهارِ فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إلَاّ وقَدْ أتانَا ظَهْرا فَخُبِّرَ بِهِ أبُو بَكْرٍ فَقَالَ مَا جاءَنَا النبيُّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إلَاّ لأِمْرٍ حَدَثَ فلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لأِبِي بَكْرٍ أخْرِج مَنْ عِنْدَكَ قَالَ يَا رسولَ الله إنَّما هُمَا ابْنَتَايَ يَعْنِي عائِشَةَ وأسْمَاءَ قَالَ أشَعَرْتَ أنَّهُ قَدْ اذنَ لي فِي الخُرُوجِ قَالَ الصُّحْبَةَ يَا رسولَ الله قَالَ الصُّحْبَةَ قَالَ يَا رَسُول الله إنَّ عِنْدِي ناقَتَيْنِ أعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ فَخُذ إحْدَاهُما قالَ قَدْ أخَذْتُها بالثَّمَنِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن لَهَا جزأين: أما دلَالَته على الْجُزْء الأول فظاهرة، لِأَنَّهُ، ﷺ ، لما أَخذ النَّاقة من أبي بكر بقوله: قد أَخَذتهَا بِالثّمن الَّذِي هُوَ كِنَايَة عَن البيع، تَركه عِنْد أبي بكر، فَهَذَا يُطَابق قَوْله: فَتَركه عِنْد البَائِع. وَأما دلَالَته على الْجُزْء الثَّانِي، وَهُوَ قَوْله: أَو مَاتَ قبل أَن يقبض، فبطريق الْإِعْلَام أَن حكم الْمَوْت قبل الْقَبْض حكم الْوَضع عِنْد البَائِع قِيَاسا عَلَيْهِ، وَلَكِن البُخَارِيّ لم يجْزم بالحكم كَمَا ذكرنَا، لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ، وَلَكِن تصدير التَّرْجَمَة بأثر ابْن عمر يدل على أَن اخْتِيَاره مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن عمر، وَهُوَ أَن الْهَالِك فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة من مَال الْمُبْتَاع. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: فَرْوَة، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء، ابْن أبي المغراء، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالراء وَالْمدّ، وَاسم أبي المغراء: معديكرب الْكِنْدِيّ. الثَّانِي: عَليّ بن مسْهر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْهَاء وبالراء: قَاضِي الْموصل. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه وَعلي كوفيان وَهِشَام وَأَبوهُ مدنيان. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَسَيَأْتِي فِي أول الْهِجْرَة مطولا، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لقل يَوْم) ، اللَّام جَوَاب قسم مَحْذُوف، وَقَوله: (قَلَّ) ، فعل مَاض، وَفِيه معنى النَّفْي أَي: مَا يَأْتِي يَوْم عَلَيْهِ إلَاّ يَأْتِي فِيهِ بَيت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بَيت أبي بكر) ، مَنْصُوب على المفعولية. قَوْله: (أحد) ، نصب على الظَّرْفِيَّة بِتَقْدِير فِي قَوْله: (لم يرعنا) ، بِفَتْح الْيَاء وَضم الرَّاء وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: من الروع، وَهُوَ الْفَزع يَعْنِي: أَتَانَا بَغْتَة وَقت الظّهْر.

стр. 3365

قَوْله: (فخبر بِهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: خبر بِالنَّبِيِّ ﷺ ، أَبُو بكر، يَعْنِي: أخبرهُ مخبر بِأَنَّهُ جَاءَ. قَوْله: (حدث) بِفَتْح الدَّال. قَوْله: (أخرج) ، بِفَتْح الْهمزَة أَمر من الْإِخْرَاج. قَوْله: (من عنْدك) ، بِفَتْح الْمِيم مفعول أخرج، ويروى: (مَا عنْدك) ، وَكلمَة: مَا، عَامَّة تتَنَاوَل الْعُقَلَاء وَغَيرهم. قَوْله: (الصُّحْبَة) ، بِالنّصب أَي: أَنا أُرِيد أَو أطلب الصُّحْبَة مَعَك عِنْد الْخُرُوج، وَيجوز الرّفْع أَي: مرادي الصُّحْبَة أَو مطلوبي وَكَذَا لَفْظَة الصُّحْبَة الثَّانِيَة، بِالنّصب أَي: أَنا أُرِيد أَو أطلب الصُّحْبَة أَيْضا أَو ألزم صحبتك، وَيجوز بِالرَّفْع أَي: مطلوبي أَيْضا الصُّحْبَة أَو الصُّحْبَة مبذولة. قَوْله: (أعددتهما؟) قَالَ ابْن التِّين: وَقع فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (عددتهما لِلْخُرُوجِ) ، يَعْنِي: بِدُونِ الْهمزَة. قَالَ: صَوَابه: أعددتهما، لِأَنَّهُ رباعي. قلت: قَوْله: رباعي، بِالنِّسْبَةِ إِلَى عدد حُرُوفه، وَلَا يُقَال فِي مصطلح الصرفيين إلَاّ: ثلاثي مزِيد فِيهِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْمُهلب: وَجه اسْتِدْلَال البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب بِحَدِيث عَائِشَة أَن قَول الرَّسُول ﷺ لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي النَّاقة: قد أَخَذتهَا، لم يكن أخذا بِالْيَدِ وَلَا بحيازة شخصها، وَإِنَّمَا كَانَ الْتِزَامه لابتياعها بِالثّمن، وإخراجها من ملك أبي بكر، لِأَن قَوْله: قد أَخَذتهَا، يُوجب أخذا صَحِيحا وإخراجا وَاجِبا للناقة من ملك أبي بكر إِلَى ملك النَّبِي ﷺ بِالثّمن الَّذِي يكون عوضا مِنْهَا، فَهَل يكون التَّصَرُّف بِالْمَبِيعِ قبل الْقَبْض أَو الضّيَاع إلَاّ لصَاحب الذِّمَّة الضامنة لَهَا؟ انْتهى. قلت: وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ مَا قَالَه بواضح، لِأَن الْقِصَّة مَا سيقت لبَيَان ذَلِك، فَلذَلِك اختصر فِيهَا قدر الثّمن وَصفَة العقد، فَيحمل كل ذَلِك على أَن الرَّاوِي اخْتَصَرَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من غَرَضه فِي سِيَاقه، وَكَذَلِكَ اختصر صفة الْقَبْض، فَلَا يكون فِيهِ حجَّة فِي عدم اشْتِرَاط الْقَبْض. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَه الْمُهلب أوضح مَا يكون، لِأَن ترك سوق الْقِصَّة لبَيَان ذَلِك لَا يسْتَلْزم نفي صِحَة مَا قَالَه الْمُهلب وَلَا الِاخْتِصَار فِيهَا قدر الثّمن وَصفَة العقد، وَلَا الْأَمر فِيهِ مَبْنِيّ على غَرَض الرَّاوِي فِي اختصاره الحَدِيث وتقطيعه، وَالْعَمَل على متن الحَدِيث وَصِحَّة الِاسْتِدْلَال بألفاظه، وَقد صرح فِي الحَدِيث بِالْأَخْذِ الصَّحِيح لاشترائه بِالثّمن، وَهُوَ يُوجب الْإِخْرَاج من ملك البَائِع إِلَى ملك المُشْتَرِي، وَقد اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة وَغَيره بِأَن الِافْتِرَاق بالْكلَام لَا بالأبدان، لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ: قد أَخَذتهَا بِالثّمن، قبل أَن يفترقا، وَتمّ البيع بَينهمَا. فَافْهَم. ٨٥ - (بابٌ لَا يَبِيعُ عَلى بَيْعِ أخِيهِ ولَا يَسُومُ علَى سَوْمِ أخِيهِ حتَّى يأذَنَ لَهُ أوْ يَتْرُكَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يَبِيع على بيع أَخِيه، وَهُوَ أَن يَقُول فِي زمن الْخِيَار: إفسخ بيعك وَأَنا أبيعك مثله، بِأَقَلّ مِنْهُ، وَيحرم أَيْضا الشِّرَاء بِأَن يَقُول للْبَائِع: إفسخ وَأَنا أَشْتَرِي بِأَكْثَرَ مِنْهُ. قَوْله: (وَلَا يسوم على سوم أَخِيه) ، وَهُوَ السّوم على السّوم، وَهُوَ أَن يتَّفق صَاحب السّلْعَة والراغب فِيهَا على البيع وَلم يعقداه، فَيَقُول آخر لصَاحِبهَا: أَنا أشتريها بِأَكْثَرَ، أَو للراغب: أَنا أبيعك خيرا مِنْهَا بأرخص، وَهَذَا حرَام بعد اسْتِقْرَار الثّمن، بِخِلَاف مَا يُبَاع فِيمَن يزِيد، فَإِنَّهُ قبل الِاسْتِقْرَار. وَقَوله: (لَا يَبِيع) ، نفي، وَكَذَلِكَ: (لَا يسوم) ويروى: (لَا يبع وَلَا يسم) ، بِصُورَة النَّهْي. قَوْله: (حَتَّى يَأْذَن لَهُ) أَي: حَتَّى يَأْذَن أَخُوهُ للْبَائِع بذلك، أَو يتْرك أَخُوهُ اتفاقه مَعَ البَائِع، وتقييده بِالْإِذْنِ أَو التّرْك يرجع إِلَى البيع والسوم جَمِيعًا. فَإِن قلت: لم يَقع ذكر السّوم فِي حَدِيثي الْبَاب؟ قلت: قد وَقع فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث، وَأَن يستام الرجل على سوم أَخِيه، أخرجه فِي الشُّرُوط من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَيْهِ، وَهَذَا لَهُ وَجه لِأَنَّهُ فِي كِتَابه أخرجه فِيهِ. فَإِن قلت: لم يذكر أَيْضا شَيْئا لقَوْله: (حَتَّى يَأْذَن لَهُ أَو يتْرك؟) قلت: ذكر هَذَا الْقَيْد فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع فِي هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ: (لَا يَبِيع الرجل على بيع أَخِيه، وَلَا يخْطب على خطْبَة أَخِيه إلَاّ أَن يَأْذَن لَهُ) . فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَاكْتفى بِهِ، كَذَا قيل: وَلَكِن هَذَا بعيد من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه غير مَذْكُور فِي كِتَابه، وَالْإِشَارَة إِلَى مَا ذكر فِي كتاب غَيره بعيد. وَالْآخر: أَن الِاسْتِثْنَاء فِي الحَدِيث الْمَذْكُور يخْتَص بقوله: وَلَا يخْطب على خطْبَة أَخِيه، وَإِن كَانَ يحْتَمل أَن يكون اسْتثِْنَاء من الْحكمَيْنِ. ٩٣١٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلى بَيْعِ أخِيهِ.
следующие страницы →