← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

ونفاه عَمَّا سواهُ، وَهُوَ كل مَا لَا يُؤْكَل وَلَا يشرب، أَو يُؤْكَل وَلَا يُوزن: كالسفرجل والبطيخ. الْعَاشِر: أَن الْعلَّة كَونه مطعوما فَقَط، سَوَاء كَانَ مَكِيلًا أَو مَوْزُونا أم لَا، وَلَا رَبًّا فِيمَا سوى المطعوم غير الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد. وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَابْن الْمُنْذر. قلت: مَذْهَب مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَن الْعلَّة هِيَ الإدخار للْأَكْل غَالِبا، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن نَافِع، وَفِي (التَّمْهِيد) قَالَ مَالك: فَلَا تجوز فِي الْفَوَاكِه الَّتِي تيبس وتدخر إلَاّ مثلا بِمثل يدا بيد، إِذا كَانَت من صنف وَاحِد، وَيَجِيء على مَا روى عَن مَالك: أَن الْعلَّة الإدخار للاقتيات أَن لَا يجرى الرِّبَا فِي الْفَوَاكِه الَّتِي تيبس، لِأَنَّهَا لَيست بمقتات، وَلَا يجْرِي الرِّبَا فِي الْبيض، لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت مقتاتة فَلَيْسَتْ بمدخرة، وَذكر صَاحب (الْجَوَاهِر) : يَنْقَسِم مَا يطعم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: إِحْدَاهَا: مَا اتّفق على أَنه طَعَام يجْرِي فِيهِ حكم الرِّبَا: كالفواكه وَالْخضر والبقول والزروع الَّتِي تُؤْكَل غداء أَو يعتصر مِنْهَا مَا يتغدى من الزَّيْت: كحب القرطم وزريعة الفجل الْحَمْرَاء وَمَا أشبه ذَلِك. وَالثَّانِي: مَا اتّفق على أَنه لَيْسَ بغداء بل هُوَ دَوَاء، وَذَلِكَ: كالبر والزعفران والشاهترج وَمَا يشبهها. وَالثَّالِث: مَا اخْتلف فِيهِ للِاخْتِلَاف فِي أَحْوَاله وعادات النَّاس فِيهِ، فَمِنْهُ الطّلع والبلح الصَّغِير، وَمِنْه التوابل كالفلفل والكزبرة وَمَا فِي مَعْنَاهَا من الكمونين والزاريانج والأنيسون، فَفِي إِلْحَاق كل وَاحِد مِنْهَا بِالطَّعَامِ قَولَانِ، وَمِنْهَا الحلبة وَفِي إلحاقها بِالطَّعَامِ ثَلَاثَة أَقْوَال مفرق فِي الثَّالِث، فَيلْحق بِهِ الخضراء دون الْيَابِسَة، وَمِنْهَا المَاء العذب قيل بإلحاقه بِالطَّعَامِ لما كَانَ مِمَّا يتطعم، وَبِه قوام الْأَجْسَام. وَقيل: يمْنَع إِلْحَاقه لِأَنَّهُ مشروب وَلَيْسَ بمطعوم. وَأما الْعلَّة فِي تَحْرِيم الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ الثمنية، وَهل الْمُعْتَبر فِي ذَلِك كَونهمَا ثمنين فِي كل الْأَمْصَار أَو جلها وَفِي كل الْأَعْصَار؟ فَتكون الْعلَّة بِحَسب ذَلِك قَاصِرَة عَلَيْهَا، أَو الْمُعْتَبر مُطلق الثمنية، فَتكون متعدية إِلَى غَيرهمَا فِي ذَلِك خلاف يبْنى عَلَيْهِ الْخلاف فِي جَرَيَان الرِّبَا فِي الْفُلُوس إِذا بيع بَعْضهَا بِبَعْض أَو بِذَهَب أَو بورق، وَفِي (الرَّوْضَة) : وَالْمرَاد بالمطعوم مَا يعد للطعم غَالِبا تقوتا أَو تأدما أَو تفكها أَو غَيرهَا، فَيدْخل فِيهِ الْفَوَاكِه والحبوب والبقول والتوابل وَغَيرهَا، وَسَوَاء مَا أكل نَادرا كالبلوط والطرثوب، وَمَا أكل غَالِبا، وَمَا أكل وَحده أَو مَعَ غَيره، وَيجْرِي الرِّبَا فِي الزَّعْفَرَان على الْأَصَح، وَسَوَاء أكل للتداوي كالاهليلج والبليلج والسقمونيا وَغَيرهَا، وَمَا أكل لغَرَض آخر. وَفِي (التَّتِمَّة) وَجه: أَن مَا يقتات كَثِيره وَيسْتَعْمل قَلِيله فِي الْأَدْوِيَة كالسقمونيا لَا رَبًّا فِيهِ، وَهُوَ ضَعِيف، والطين الْخُرَاسَانِي لَيْسَ ربويا على الْأَصَح، ودهن الْكتاب والسمك وَحب الْكَتَّان وَمَاء الْورْد وَالْعود لَيْسَ ربويا على الْأَصَح، والزنجبيل والمصطكى رِبَوِيّ على الْأَصَح، وَالْمَاء إِذا صححنا بَيْعه رِبَوِيّ على الْأَصَح، وَلَا رَبًّا فِي الْحَيَوَان، لَكِن مَا يُبَاح أكله على هَيئته كالسمك الصَّغِير على وَجه لَا يجْرِي فِيهِ الرِّبَا فِي الْأَصَح، وَأما الذَّهَب والفضية فَقيل: يثبت فيهمَا الرِّبَا لعينهما لَا لعِلَّة. وَقَالَ الْجُمْهُور: الْعلَّة فيهمَا صَلَاحِية التمنية الغالية، وَإِن شِئْت قلت: جوهرية الْأَثْمَان غَالِبا، والعبارتان تشملان التبر والمضروب والحلي والأواني مِنْهُمَا. وَفِي تعدِي الحكم إِلَى الْفُلُوس إِذا أراجت وَجه، وَالصَّحِيح أَنَّهَا لَا رَبًّا فِيهَا لانْتِفَاء الثمنية الْغَالِبَة، وَلَا يتَعَدَّى إِلَى غير الْفُلُوس من الْحَدِيد والرصاص والنحاس وَغَيرهَا قطعا. انْتهى. ٥٥ - (بابُ بَيْع الطَّعام قَبْلَ أنْ يُقْبَضَ وبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الطَّعَام قبل الْقَبْض، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (وَبيع مَا لَيْسَ عنْدك) ، بِالْجَرِّ عطف على: بيع الطَّعَام، وَلَيْسَ فِي حَدِيثي الْبَاب: بيع مَا لَيْسَ عنْدك، قَالَه ابْن التِّين، وَاعْترض بِهِ. وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ استنبط من حَدِيثي الْبَاب: أَن بيع مَا لَيْسَ عنْدك دَاخل فِي البيع قبل الْقَبْض وَلَا حَاجَة إِلَى مَا قَالَه بَعضهم، وَكَأن بيع مَا لَيْسَ عنْدك لم يثبت على شَرطه، فَلذَلِك استنبطه من النَّص عَن البيع قبل الْقَبْض. وَحَدِيث: مَا لَيْسَ عنْدك، رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة: فَأَبُو دَاوُد أخرجه عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن بنْدَار، وَالْكل أَخْرجُوهُ عَن حَكِيم بن حزَام. فَلفظ التِّرْمِذِيّ: (سَأَلت رَسُول الله، ﷺ ، فَقلت: يأتيني الرجل فيسألني من الْمَبِيع مَا لَيْسَ عِنْدِي، أبتاع لَهُ من السُّوق ثمَّ أبيعه مِنْهُ، قَالَ: لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك) ، وأخرجت الْأَرْبَعَة أَيْضا نَحوه عَن عبد الله بن عَمْرو.

стр. 3362

٥٣١٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ قَالَ سَمِعَ طاوسا يَقُولُ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ أمَّا الَّذي نَهِى عَنهُ النبيُّ ﷺ فَهْوَ الطَّعَامُ أنْ يُباعَ حَتَّى يُقْبَضَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ولَا أحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَاّ مِثْلَهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (الَّذِي حفظناه. .) إِلَى آخِره، كَانَ سُفْيَان يُشِير بذلك إِلَى أَن فِي رِوَايَة غير عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوُوس زِيَادَة على مَا حَدثهمْ بِهِ عَمْرو بن دِينَار عَنهُ. قَوْله: (أما الَّذِي نهى عَنهُ) ، قد علم أَن كلمة: أما، فِي مثل هَذَا تَقْتَضِي التَّقْسِيم، وَيقدر هُنَا مَا يدل عَلَيْهِ السِّيَاق وَهُوَ: وَأما غير مَا نهى عَنهُ فَلَا أَظُنهُ إلَاّ مثله فِي أَنه لَا يُبَاع أَيْضا قبل الْقَبْض. قَوْله: (أَن يُبَاع) ، قَالَ الْكرْمَانِي: مَا مَحل: أَن يُبَاع؟ فَأجَاب: رفع بِأَن يكون بَدَلا من الطَّعَام، ثمَّ قَالَ: فَإِذا أبدل النكرَة من الْمعرفَة، فَلَا بُد من النَّعْت؟ فَأجَاب: بِأَن فعل الْمُضَارع مَعَ: أَن، معرفَة موغلة فِي التَّعْرِيف. قَوْله: (وَلَا أَحسب كل شَيْء إلَاّ مثله) ، أَي: إلَاّ مثل الطَّعَام، يدل عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم من طَرِيق معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه: (وأحسب كل شَيْء بِمَنْزِلَة الطَّعَام) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل على هَذَا الحَدِيث عِنْد أَكثر أهل الْعلم، كَرهُوا أَن يَبِيع الرجل مَا لَيْسَ عِنْده. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: قَوْله: (وَبيع مَا لَيْسَ عنْدك) ، يحْتَمل مَعْنيين: أَحدهمَا: أَن يَقُول: أبيعك عبدا أَو دَارا وَهُوَ غَائِب فِي وَقت البيع، فَلَا يجوز لاحْتِمَال عدم رضى صَاحبه، أَو أَن يتْلف، وَهَذَا يشبه بيع الْغرَر، وَالثَّانِي: أَن يَقُول: أبيع هَذِه الدَّار بِكَذَا على أَن أشتريها لَك من صَاحبهَا، أَو على أَن يُسَلِّمهَا إِلَيْك صَاحبهَا، وَهَذَا مفسوخ على كل حَال، لِأَنَّهُ غرر، إِذْ قد يجوز أَن لَا يقدر على شِرَائهَا أَو لَا يُسَلِّمهَا إِلَيْهِ مَالِكهَا، وَهَذَا أصح الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي. وَقَالَ غَيره: وَمن بيع مَا لَيْسَ عنْدك الْعينَة، وَهِي دَرَاهِم بِدَرَاهِم أَكثر مِنْهَا إِلَى أجل بِأَن يَقُول: أبيعك بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي سَأَلتنِي سلْعَة وَكَذَا لَيست عِنْدِي ابتاعها لَك، فبكم تشتريها مني؟ فوافقه على الثّمن ثمَّ يبتاعها ويسلمها إِلَيْهِ، فَهَذِهِ الْعينَة الْمَكْرُوهَة، وَهِي بيع مَا لَيْسَ عنْدك، وَبيع مَا لم تقبضه، فَإِن وَقع هَذَا البيع فسخ عِنْد مَالك فِي مَشْهُور مذْهبه، وَعند جمَاعَة من الْعلمَاء: لَو قيل للْبَائِع: إِن أَعْطَيْت السّلْعَة ابتاعها مِنْك بِمَا اشْتَرَيْتهَا، جَازَ ذَلِك، وكأنك إِنَّمَا أسلفته الثّمن الَّذِي ابتاعها. وَقد رُوِيَ عَن مَالك أَنه: لَا يفْسخ البيع لِأَن الْمَأْمُور كَانَ ضَامِنا للسلعة لَو هَلَكت. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: وَأحب إِلَيّ أَن يتورع عَن أَخذ مَا زَاده عَلَيْهِ. وَقَالَ عِيسَى بن دِينَار: بل يفْسخ البيع إلَاّ أَن يفوت السّلْعَة فَتكون فِيهَا الْقيمَة، وعَلى هَذَا سَائِر العلما بالحجاز وَالْعراق. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ابْن عَبَّاس كره الْعينَة، هُوَ أَن يَبِيع من رجل سلْعَة بِثمن مَعْلُوم إِلَى أجل مُسَمّى، ثمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِأَقَلّ من الثّمن الَّذِي بَاعهَا مِنْهُ، فَإِن اشْترى بِحَضْرَة طَالب الْعينَة سلْعَة من آخر بِثمن مَعْلُوم وَقَبضهَا، ثمَّ بَاعهَا المُشْتَرِي من البَائِع الأول بِالنَّقْدِ، بِأَقَلّ من الثّمن فَهَذِهِ أَيْضا عينة، وَهِي أَهْون من الأولى، وَسميت عينة لحُصُول النَّقْد لصَاحب الْعينَة، لِأَن الْعين هُوَ المَال الْحَاضِر من النَّقْد، وَالْمُشْتَرِي إِنَّمَا يَشْتَرِي بهَا ليبيعها بِعَين حَاضِرَة تصل إِلَيْهِ مُعجلَة. ٦٣١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ منِ ابْتاعَ طَعَاما فلَا يَبيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الْكَيْل على البَائِع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، وَهنا: عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. قَوْله: (من ابْتَاعَ) أَي: من اشْترى. قَوْله: (فَلَا يَبِيعهُ) ، أَي: ويروى: (فَلَا يَبِعْهُ) ، بِالْجَزْمِ. قَوْله: (حَتَّى يَسْتَوْفِيه) أَي: حَتَّى يقبضهُ. زَادَ إسْمَاعِيلُ منِ ابْتَاعَ طَعاما فَلَا يَبيعُهُ حتَّى يَقْبِضَهُ أَي: زَاد إِسْمَاعِيل بن أبي أويس فِي رِوَايَته عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: من ابْتَاعَ ... إِلَى آخِره، قَالَ

стр. 3363

بَعضهم يُرِيد بِهِ الزِّيَادَة فِي الْمَعْنى، لِأَن فِي قَوْله: (حَتَّى يقبضهُ) زِيَادَة فِي الْمَعْنى على قَوْله: (حَتَّى يَسْتَوْفِيه) ، لِأَنَّهُ قد يَسْتَوْفِيه بِالْكَيْلِ، بِأَن يكيله البَائِع وَلَا يقبضهُ المُشْتَرِي، بل يحْبسهُ عِنْده لينقده الثّمن مثلا، انْتهى. قلت: الْأَمر الَّذِي ذكره بِالْعَكْسِ، لِأَن لفظ الِاسْتِيفَاء يشْعر بِأَن لَهُ زِيَادَة فِي الْمَعْنى على لفظ الْإِقْبَاض من حَيْثُ إِنَّه إِذا أَقبض بعضه وَحبس بعضه لأجل الثّمن يُطلق عَلَيْهِ معنى الْإِقْبَاض فِي الْجُمْلَة، وَلَا يُقَال لَهُ: اسْتَوْفَاهُ حَتَّى يقبض الْكل، بل المُرَاد بِهَذِهِ الزِّيَادَة زِيَادَة رِوَايَة أُخْرَى، وَهُوَ: يقبضهُ، لِأَن الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة: حَتَّى يَسْتَوْفِيه. ٦٥ - (بابُ مَنْ رَأى إذَا اشْتَرَى طَعاما جِزَافا أنْ لَا يَبِيعَهُ حتَّى يُؤْوِيهِ إلَى رَحْلِهِ والأدَبِ فِي ذَلِكَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من إِذا اشْترى طَعَاما جزَافا إِلَى آخِره. قَوْله: (جزَافا) ، قد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَيُقَال: هَذَا لفظ مُعرب عَن كَذَا فَقَوله: (حَتَّى يؤويه) من الإيواء، وَالْمرَاد مِنْهُ النَّقْل والتحويل إِلَى الْمنزل، وثلاثيه: أَوَى، يأوي وآويت غَيْرِي وآويته بِالْقصرِ أَيْضا. وَأنكر بَعضهم الْمَقْصُور الْمُتَعَدِّي. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: هِيَ اللُّغَة الفصيحة. قَوْله: (إِلَى رَحْله) ، أَي: منزله. قَوْله: (وَالْأَدب) ، بِالْجَرِّ أَي: وَفِيه بَيَان الْأَدَب، عطفا على قَوْله: (فِيهِ بَيَان من اشْترى) . قَوْله: (فِي ذَلِك) أَي: فِي ترك الإيواء، وَمرَاده من يَبِيعهُ قبل أَن يؤويه إِلَى رَحْله. ٧٣١٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخْبَرَنِي سالِمُ ابنُ عَبْدِ الله أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَقَدْ رَأيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رسولِ الله ﷺ يَبْتَاعُونَ جِزَافا يَعْنِي الطَّعَامَ يُضْرَبُونَ أنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمُ حتَّى يُؤْوُوهُ إلَى رِحالِهِمْ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب مَا يذكر فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم عَن اللَّيْث بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم. وَهنا أخرجه: عَن يحيى بن بكير المَخْزُومِي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سَالم. قَوْله: (يبتاعون) ، ويروى: (يتبايعون) . ٧٥ - (بابٌ إِذا اشْتَرَى مَتاعا أَو دَابَّةً فوَضَعَهُ عِنْدَ الْبائِعِ أوْ ماتَ قَبلَ أنْ يُقْبَضَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اشْترى شخص مَتَاعا أَو اشْترى دَابَّة فَوَضعه عِنْد الْمَتَاع أَي البَائِع، أَو مَاتَ البَائِع قبل أَن يقبض الْمَبِيع، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، وَلم يذكرهُ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. قَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي هَلَاك الْمَبِيع قبل الْقَبْض، فَذهب أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِلَى أَن ضَمَانه إِن تلف من البَائِع، وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: من المُشْتَرِي، وَأما مَالك فَفرق بَين الثِّيَاب وَالْحَيَوَان، فَقَالَ: مَا كَانَ من الثِّيَاب وَالطَّعَام فَهَلَك قبل الْقَبْض فضمانه من البَائِع، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لِأَنَّهُ لَا يعرف هَلَاكه وَلَا بَيِّنَة عَلَيْهِ، وَأما الدَّوَابّ وَالْحَيَوَان وَالْعَقار فمصيبته من المُشْتَرِي. وَقَالَ ابْن حبيب: اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن بَاعَ عبدا واحتبسه بِالثّمن وَهلك فِي يَده قبل أَن يَأْتِي المُشْتَرِي بِالثّمن، فَكَانَ سعيد بن الْمسيب وَرَبِيعَة وَاللَّيْث يَقُولُونَ: هُوَ من البَائِع، وَأَخذه ابْن وهب وَكَانَ مَالك قد أَخذ بِهِ أَيْضا، وَقَالَ سُلَيْمَان بن يسَار: مصيبته من المُشْتَرِي سَوَاء حَبسه البَائِع بِالثّمن أم لَا، وَرجع مَالك إِلَى قَول سُلَيْمَان. وقالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَا أدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيَّا مَجْمُوعا فَهْوَ مِنَ المُبْتَاعِ أَي: قَالَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كلمة مَا، شَرْطِيَّة، فَلذَلِك دخلت الْفَاء فِي جوابها. وَهُوَ قَوْله: (فَهُوَ من الْمُبْتَاع) وَإسْنَاد الْإِدْرَاك إِلَى الصَّفْقَة مجَاز، أَي: مَا كَانَ عِنْد العقد غير ميت. قَوْله: (مجموعا) صفة لقَوْله: (حَيا) ، وَأَرَادَ بِهِ: لم يتَغَيَّر عَن حَالَته. قَوْله: (من الْمُبْتَاع) ، أَي: من المُشْتَرِي، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الطَّحَاوِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة

стр. 3364

ابْن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه، قَالَ: (مَا أدْركْت الصَّفْقَة حَيا فَهُوَ من مَال الْمُبْتَاع) وَلَيْسَ فِيهِ لفظ: مجموعا، وَهَذَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ جَوَابا عَمَّا قَالُوا: إِن ابْن عمر روى عَنهُ حَدِيث: (البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا) ، وَأَنه كَانَ يرى التَّفَرُّق بالأبدان، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه كَانَ إِذا بَايع رجلا شَيْئا فَأَرَادَ أَن لَا يقبله قَامَ فَمشى هنيهة، قَالُوا: فَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يرى التَّفَرُّق بالأبدان، وَأجَاب عَنهُ الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: وَقد رُوِيَ عَنهُ مَا يدل على أَن رَأْيه كَانَ فِي الْفرْقَة بالأقوال، وَأَن الْمَبِيع ينْتَقل بِتِلْكَ الْأَقْوَال من ملك البَائِع إِلَى ملك المُشْتَرِي حَتَّى يهْلك من مَالك إِن هلك، وروى حَدِيث حَمْزَة بن عبد الله هَذَا، وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: وَمَا قَالَه لَيْسَ بِلَازِم، وَكَيف يحْتَج بِأَمْر مُحْتَمل فِي مُعَارضَة أَمر مُصَرح بِهِ؟ فَابْن عمر قد تقدم عَنهُ التَّصْرِيح بِأَنَّهُ كَانَ يرى الْفرْقَة بالأبدان، وَالْمَنْقُول عَنهُ هُنَا يحْتَمل أَن يكون قبل التَّفَرُّق بالأبدان، وَيحْتَمل أَن يكون بعده، فَحَمله على مَا بعده أولى جمعا بَين حديثيه. انْتهى. قلت: هَذَا مَا هُوَ بِأول من تصرف بِهَذَا الِاعْتِرَاض، فَإِن ابْن حزم سبقه بِهَذَا، وَلَكِن الْجَواب عَن هَذَا بِمَا يقطع شغبهما هُوَ: أَن قَوْله هَذَا يُعَارض فعله ذَاك صَرِيحًا، وَالِاحْتِمَال الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل هُنَا يحْتَمل أَن يكون هُنَاكَ أَيْضا، فَسقط الْعَمَل بالاحتمالات فَبَقيَ الْفِعْل وَالْقَوْل، وَالْأَخْذ بالْقَوْل أولى لِأَنَّهُ أقوى. ٨٣١٢ - حدَّثنا فَرْوَةُ بنُ أبي الْمُغْرَاءِ قَالَ أخبرنَا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ لَقَلَّ يَوْمٌ كانَ يأتِي عَلَى النبيِّ ﷺ إلَاّ يأتِي فِيهِ بَيْتَ أبِي بَكْرٍ أحَدَ طَرَفَيِ النَّهارِ فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إلَاّ وقَدْ أتانَا ظَهْرا فَخُبِّرَ بِهِ أبُو بَكْرٍ فَقَالَ مَا جاءَنَا النبيُّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إلَاّ لأِمْرٍ حَدَثَ فلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لأِبِي بَكْرٍ أخْرِج مَنْ عِنْدَكَ قَالَ يَا رسولَ الله إنَّما هُمَا ابْنَتَايَ يَعْنِي عائِشَةَ وأسْمَاءَ قَالَ أشَعَرْتَ أنَّهُ قَدْ اذنَ لي فِي الخُرُوجِ قَالَ الصُّحْبَةَ يَا رسولَ الله قَالَ الصُّحْبَةَ قَالَ يَا رَسُول الله إنَّ عِنْدِي ناقَتَيْنِ أعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ فَخُذ إحْدَاهُما قالَ قَدْ أخَذْتُها بالثَّمَنِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن لَهَا جزأين: أما دلَالَته على الْجُزْء الأول فظاهرة، لِأَنَّهُ، ﷺ ، لما أَخذ النَّاقة من أبي بكر بقوله: قد أَخَذتهَا بِالثّمن الَّذِي هُوَ كِنَايَة عَن البيع، تَركه عِنْد أبي بكر، فَهَذَا يُطَابق قَوْله: فَتَركه عِنْد البَائِع. وَأما دلَالَته على الْجُزْء الثَّانِي، وَهُوَ قَوْله: أَو مَاتَ قبل أَن يقبض، فبطريق الْإِعْلَام أَن حكم الْمَوْت قبل الْقَبْض حكم الْوَضع عِنْد البَائِع قِيَاسا عَلَيْهِ، وَلَكِن البُخَارِيّ لم يجْزم بالحكم كَمَا ذكرنَا، لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ، وَلَكِن تصدير التَّرْجَمَة بأثر ابْن عمر يدل على أَن اخْتِيَاره مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن عمر، وَهُوَ أَن الْهَالِك فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة من مَال الْمُبْتَاع. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: فَرْوَة، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء، ابْن أبي المغراء، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالراء وَالْمدّ، وَاسم أبي المغراء: معديكرب الْكِنْدِيّ. الثَّانِي: عَليّ بن مسْهر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْهَاء وبالراء: قَاضِي الْموصل. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه وَعلي كوفيان وَهِشَام وَأَبوهُ مدنيان. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَسَيَأْتِي فِي أول الْهِجْرَة مطولا، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لقل يَوْم) ، اللَّام جَوَاب قسم مَحْذُوف، وَقَوله: (قَلَّ) ، فعل مَاض، وَفِيه معنى النَّفْي أَي: مَا يَأْتِي يَوْم عَلَيْهِ إلَاّ يَأْتِي فِيهِ بَيت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بَيت أبي بكر) ، مَنْصُوب على المفعولية. قَوْله: (أحد) ، نصب على الظَّرْفِيَّة بِتَقْدِير فِي قَوْله: (لم يرعنا) ، بِفَتْح الْيَاء وَضم الرَّاء وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: من الروع، وَهُوَ الْفَزع يَعْنِي: أَتَانَا بَغْتَة وَقت الظّهْر.

стр. 3365

قَوْله: (فخبر بِهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: خبر بِالنَّبِيِّ ﷺ ، أَبُو بكر، يَعْنِي: أخبرهُ مخبر بِأَنَّهُ جَاءَ. قَوْله: (حدث) بِفَتْح الدَّال. قَوْله: (أخرج) ، بِفَتْح الْهمزَة أَمر من الْإِخْرَاج. قَوْله: (من عنْدك) ، بِفَتْح الْمِيم مفعول أخرج، ويروى: (مَا عنْدك) ، وَكلمَة: مَا، عَامَّة تتَنَاوَل الْعُقَلَاء وَغَيرهم. قَوْله: (الصُّحْبَة) ، بِالنّصب أَي: أَنا أُرِيد أَو أطلب الصُّحْبَة مَعَك عِنْد الْخُرُوج، وَيجوز الرّفْع أَي: مرادي الصُّحْبَة أَو مطلوبي وَكَذَا لَفْظَة الصُّحْبَة الثَّانِيَة، بِالنّصب أَي: أَنا أُرِيد أَو أطلب الصُّحْبَة أَيْضا أَو ألزم صحبتك، وَيجوز بِالرَّفْع أَي: مطلوبي أَيْضا الصُّحْبَة أَو الصُّحْبَة مبذولة. قَوْله: (أعددتهما؟) قَالَ ابْن التِّين: وَقع فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (عددتهما لِلْخُرُوجِ) ، يَعْنِي: بِدُونِ الْهمزَة. قَالَ: صَوَابه: أعددتهما، لِأَنَّهُ رباعي. قلت: قَوْله: رباعي، بِالنِّسْبَةِ إِلَى عدد حُرُوفه، وَلَا يُقَال فِي مصطلح الصرفيين إلَاّ: ثلاثي مزِيد فِيهِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْمُهلب: وَجه اسْتِدْلَال البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب بِحَدِيث عَائِشَة أَن قَول الرَّسُول ﷺ لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي النَّاقة: قد أَخَذتهَا، لم يكن أخذا بِالْيَدِ وَلَا بحيازة شخصها، وَإِنَّمَا كَانَ الْتِزَامه لابتياعها بِالثّمن، وإخراجها من ملك أبي بكر، لِأَن قَوْله: قد أَخَذتهَا، يُوجب أخذا صَحِيحا وإخراجا وَاجِبا للناقة من ملك أبي بكر إِلَى ملك النَّبِي ﷺ بِالثّمن الَّذِي يكون عوضا مِنْهَا، فَهَل يكون التَّصَرُّف بِالْمَبِيعِ قبل الْقَبْض أَو الضّيَاع إلَاّ لصَاحب الذِّمَّة الضامنة لَهَا؟ انْتهى. قلت: وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ مَا قَالَه بواضح، لِأَن الْقِصَّة مَا سيقت لبَيَان ذَلِك، فَلذَلِك اختصر فِيهَا قدر الثّمن وَصفَة العقد، فَيحمل كل ذَلِك على أَن الرَّاوِي اخْتَصَرَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من غَرَضه فِي سِيَاقه، وَكَذَلِكَ اختصر صفة الْقَبْض، فَلَا يكون فِيهِ حجَّة فِي عدم اشْتِرَاط الْقَبْض. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَه الْمُهلب أوضح مَا يكون، لِأَن ترك سوق الْقِصَّة لبَيَان ذَلِك لَا يسْتَلْزم نفي صِحَة مَا قَالَه الْمُهلب وَلَا الِاخْتِصَار فِيهَا قدر الثّمن وَصفَة العقد، وَلَا الْأَمر فِيهِ مَبْنِيّ على غَرَض الرَّاوِي فِي اختصاره الحَدِيث وتقطيعه، وَالْعَمَل على متن الحَدِيث وَصِحَّة الِاسْتِدْلَال بألفاظه، وَقد صرح فِي الحَدِيث بِالْأَخْذِ الصَّحِيح لاشترائه بِالثّمن، وَهُوَ يُوجب الْإِخْرَاج من ملك البَائِع إِلَى ملك المُشْتَرِي، وَقد اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة وَغَيره بِأَن الِافْتِرَاق بالْكلَام لَا بالأبدان، لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ: قد أَخَذتهَا بِالثّمن، قبل أَن يفترقا، وَتمّ البيع بَينهمَا. فَافْهَم. ٨٥ - (بابٌ لَا يَبِيعُ عَلى بَيْعِ أخِيهِ ولَا يَسُومُ علَى سَوْمِ أخِيهِ حتَّى يأذَنَ لَهُ أوْ يَتْرُكَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يَبِيع على بيع أَخِيه، وَهُوَ أَن يَقُول فِي زمن الْخِيَار: إفسخ بيعك وَأَنا أبيعك مثله، بِأَقَلّ مِنْهُ، وَيحرم أَيْضا الشِّرَاء بِأَن يَقُول للْبَائِع: إفسخ وَأَنا أَشْتَرِي بِأَكْثَرَ مِنْهُ. قَوْله: (وَلَا يسوم على سوم أَخِيه) ، وَهُوَ السّوم على السّوم، وَهُوَ أَن يتَّفق صَاحب السّلْعَة والراغب فِيهَا على البيع وَلم يعقداه، فَيَقُول آخر لصَاحِبهَا: أَنا أشتريها بِأَكْثَرَ، أَو للراغب: أَنا أبيعك خيرا مِنْهَا بأرخص، وَهَذَا حرَام بعد اسْتِقْرَار الثّمن، بِخِلَاف مَا يُبَاع فِيمَن يزِيد، فَإِنَّهُ قبل الِاسْتِقْرَار. وَقَوله: (لَا يَبِيع) ، نفي، وَكَذَلِكَ: (لَا يسوم) ويروى: (لَا يبع وَلَا يسم) ، بِصُورَة النَّهْي. قَوْله: (حَتَّى يَأْذَن لَهُ) أَي: حَتَّى يَأْذَن أَخُوهُ للْبَائِع بذلك، أَو يتْرك أَخُوهُ اتفاقه مَعَ البَائِع، وتقييده بِالْإِذْنِ أَو التّرْك يرجع إِلَى البيع والسوم جَمِيعًا. فَإِن قلت: لم يَقع ذكر السّوم فِي حَدِيثي الْبَاب؟ قلت: قد وَقع فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث، وَأَن يستام الرجل على سوم أَخِيه، أخرجه فِي الشُّرُوط من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَيْهِ، وَهَذَا لَهُ وَجه لِأَنَّهُ فِي كِتَابه أخرجه فِيهِ. فَإِن قلت: لم يذكر أَيْضا شَيْئا لقَوْله: (حَتَّى يَأْذَن لَهُ أَو يتْرك؟) قلت: ذكر هَذَا الْقَيْد فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع فِي هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ: (لَا يَبِيع الرجل على بيع أَخِيه، وَلَا يخْطب على خطْبَة أَخِيه إلَاّ أَن يَأْذَن لَهُ) . فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَاكْتفى بِهِ، كَذَا قيل: وَلَكِن هَذَا بعيد من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه غير مَذْكُور فِي كِتَابه، وَالْإِشَارَة إِلَى مَا ذكر فِي كتاب غَيره بعيد. وَالْآخر: أَن الِاسْتِثْنَاء فِي الحَدِيث الْمَذْكُور يخْتَص بقوله: وَلَا يخْطب على خطْبَة أَخِيه، وَإِن كَانَ يحْتَمل أَن يكون اسْتثِْنَاء من الْحكمَيْنِ. ٩٣١٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلى بَيْعِ أخِيهِ.

стр. 3366

مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَإِسْحَاق ابْن مَنْصُور فِي النَّهْي عَن تلقي السّلع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن سُوَيْد بن سعيد. قَوْله: (لَا يَبِيع) ، كَذَا بِإِثْبَات الْيَاء عِنْد الْأَكْثَرين بِصُورَة النَّفْي، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (لَا يبع) ، بِصِيغَة النَّهْي. قَوْله: (على بيع أَخِيه) ، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك بِلَفْظ: (على بيع بعضه) ، وتقييده بأَخيه يدل عى أَن ذَلِك يخْتَص بِالْمُسلمِ، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو عبيد بن جوَيْرِية من الشَّافِعِيَّة، وأصرح من ذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق الْعَلَاء عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (لَا يسوم الْمُسلم على الْمُسلم) ، وَعند الْجُمْهُور: لَا فرق فِي ذَلِك بَين الْمُسلم وَالْكَافِر، وَذكر الْأَخ خرج مخرج الْغَالِب فَلَا مَفْهُوم لَهُ. وَقَامَ الْإِجْمَاع على كَرَاهَة سوم الذِّمِّيّ على مثله، وَإِنَّمَا حرم بيع الْبَعْض على بعض لِأَنَّهُ يوغر الصُّدُور وَيُورث الشحناء، وَلِهَذَا لَو أذن لَهُ فِي ذَلِك ارْتَفع على الْأَصَح. ٠٤١٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبدِ الله قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ نَهَى رسولُ الله ﷺ أَن يَبِيعَ حاضِرٌ لبادٍ ولَا تَناجَشُوا ولَا يَبِيع الرَّجُلُ عَلى بَيْعِ أخيهِ ولَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ ولَا تَسْألُ المَرْأةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفأ مَا فِي إنَائهَا. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يَبِيع الرجل على بيع أَخِيه) . وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن عَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَابْن أبي عمر وَفِي الْبيُوع عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح فِي الْبيُوع بِبَعْضِه: (لَا تناجشوا) ، وَفِي النِّكَاح بِبَعْضِه: (لَا يخْطب أحدكُم على خطْبَة أَخِيه) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة بن سعيد وَأحمد بن منيع فِي الْبيُوع بِبَعْضِه: (لَا يَبِيع حَاضر لباد) ، وَفِي مَوضِع آخر مِنْهُ بِبَعْضِه: (لَا تناجشوا) وَفِي النِّكَاح بِبَعْضِه: (لَا يخْطب الرجل على خطْبَة أَخِيه وَلَا يَبِيع الرجل على بيع أَخِيه) ، وَفِيه عَن قُتَيْبَة وَحده بِبَعْضِه: (لَا تسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا لتكفأ مَا فِي إناثها) . وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَسَعِيد بن عبد الرَّحْمَن بِتَمَامِهِ، وَلم يذكر السّوم. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار وَسَهل بن أبي سهل فِي النِّكَاح بِبَعْضِه: (لَا يخْطب الرجل على خطْبَة أَخِيه) وَفِي التِّجَارَات بِبَعْضِه: (لَا تناجشوا) ، وَفِيه عَن هِشَام بن عمار وَحده بِبَعْضِه: (لَا يَبِيع الرجل على بيع أَخِيه وَلَا يسوم على سوم أَخِيه) . وَفِيه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِبَعْضِه: (لَا يَبِيع حَاضر لباد) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لبادٍ) ، البادي: هُوَ الَّذِي يكون فِي الْبَادِيَة مَسْكَنه الْمضَارب والخيام، وَصُورَة البيع للبادي أَن يقدم غَرِيب من الْبَادِيَة بمتاع ليَبِيعهُ بِسعْر يَوْمه، فَيَقُول لَهُ بلدي: اتركه عِنْدِي لأبيعه لَك على التدريج بأغلى مِنْهُ، وَهَذَا فعل حرَام، لَكِن يَصح بَيْعه لِأَن النَّهْي رَاجع إِلَى أَمر خَارج عَن نفس العقد. وَقيل: أَن لَا يكون الْحَاضِر سمسارا للبدوي، وَحِينَئِذٍ يصير أَعم ويتناول البيع وَالشِّرَاء. قَوْله: (وَلَا تناجشوا) ، هَذَا عطف على مُقَدّر، لِأَنَّهُ لَا يَصح عطفه على قَوْله: (نهى) ، وَلَا على قَوْله: (أَن يَبِيع) ، وَالتَّقْدِير: نهى وَقَالَ: لَا تناجشوا، و: النجش، بِفَتْح النُّون وَالْجِيم وَفِي آخِره شين مُعْجمَة، وَفِي (الْمغرب) : النجش بِفتْحَتَيْنِ، ويروى بِسُكُون الْجِيم، وَيُقَال: نجش ينجش نجشا من بَاب نصر ينصر، وَفِي (الزَّاهِر) : أصل النجش مدح الشَّيْء وإطراؤه، وَفِي (الغريبين) : النجش: تنفير النَّاس من الشَّيْء إِلَى غَيره. وَفِي (الْجَامِع) : أَصله من الختل، يُقَال: نجش الرجل إِذا ختل، وَيُقَال: أصل النجش الإثارة، وَسمي الناجش ناجشا لِأَنَّهُ يثير الرَّغْبَة فِي السّلْعَة وَيرْفَع ثمنهَا. قَوْله: (وَلَا يَبِيع الرجل على بيع أَخِيه) ، قد فسرناه عَن قريب. وَقَالَ ابْن قرقول: يَأْتِي كثير من الْأَحَادِيث على لفظ الْخَبَر، وَقد أَتَى بِلَفْظ النَّهْي وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: كثير من رِوَايَات هَذَا الحَدِيث: لَا يَبِيع، بِإِثْبَات الْيَاء وَالْفِعْل غير مجزوم، وَذَلِكَ لحن، وَإِن صحت الرِّوَايَة فَتكون: لَا، نَافِيَة وَقد أَعْطَاهَا معنى النَّهْي، لِأَنَّهُ إِذا نفى هَذَا البيع فَكَأَنَّهُ اسْتمرّ عَدمه، وَالْمرَاد

стр. 3367

من النَّهْي عَن الْفِعْل إِنَّمَا هُوَ طلب إعدامه أَو اسْتِبْقَاء عَدمه، فَكَانَ النَّهْي الْوَارِد من الْوَاجِب صدقه يُفِيد مَا يُرَاد من النَّهْي. قَوْله: (وَلَا يخْطب على خطْبَة أَخِيه) ، الْخطْبَة بِالْكَسْرِ: اسْم من خطب يخْطب من بَاب نصر ينصر، فَهُوَ خَاطب، وَأما الْخطْبَة بِالضَّمِّ فَهُوَ من القَوْل، وَالْكَلَام وَصورته أَن يخْطب الرجل الْمَرْأَة فتركن هِيَ إِلَيْهِ ويتفقا على صدَاق مَعْلُوم ويتراضيا، وَلم يبْق إلَاّ العقد فَيَجِيء آخر ويخطب وَيزِيد فِي الصَدَاق، وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (وَلَا تسْأَل) ، بِالرَّفْع خبر بِمَعْنى النَّهْي، وبالكسر نهي حَقِيقِيّ، وَمَعْنَاهُ: نهي الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة أَن تسْأَل الزَّوْج طَلَاق زَوجته لينكحها وَيصير لَهَا من نَفَقَته ومعاشرته مَا كَانَ للمطلقة، فَعبر عَن ذَلِك بإكفاء مَا فِي الْإِنَاء إِذا كبته وكفأته، وأكفأته، إِذا أملته. وَقَالَ التَّيْمِيّ: هَذَا مثل لإمالة الضرة حق صاحبتها من زَوجهَا إِلَى نَفسهَا. قَوْله: (لتكفأ) بِفَتْح الْفَاء، كَذَا فِي رِوَايَة أبي الْحسن، وَقَالَ ابْن التِّين: وَهُوَ مَا سمعناه، وَوَقع فِي بعض رواياته كسر الْفَاء، وَقَالَ ابْن قرقول: ويروى، (لتكفىء وتستكفيء مَا فِي صحفتها) ، أَي: تقلبه لتفرغه من خير زَوجهَا لطلاقه إِيَّاهَا، وَقد تسهل الْهمزَة، وَذكر الْهَرَوِيّ الحَدِيث لتكتفي: تفتعل من كفأت، الْإِنَاء إِذا كببته ليفرغ مَا فِيهَا، وَقيل: صورته أَن يخْطب الرجل الْمَرْأَة وَله امْرَأَة، فتشترط عَلَيْهِ طَلَاق الأولى لتنفرد بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بأختها غَيرهمَا، سَوَاء كَانَت أُخْتهَا فِي النّسَب أَو الْإِسْلَام أَو كَافِرَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَهُوَ على وُجُوه: الأول: بيع الْحَاضِر للبادي إِنَّمَا نهى عَنهُ لِأَن فِيهِ التَّضْيِيق على النَّاس، وَأهل الْحَاضِرَة أفضل لإقامتهم الْجَمَاعَات وعلمهم وَغير ذَلِك. وَاخْتلف فِي أهل الْقرى: هَل هم مرادون بِهَذَا الحَدِيث؟ فَقَالَ مَالك: إِن كَانُوا يعْرفُونَ الْأَثْمَان فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن كَانُوا يشبهون أهل الْبَادِيَة فَلَا يُبَاع وَلَا يشار عَلَيْهِم، وَقَالَ شَيخنَا: لَا يلْزم من النَّهْي عَن البيع تَحْرِيم الْإِشَارَة عَلَيْهِ إِذا استشاره، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، قَالَ: وَقد أَمر بنصحه فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث: وَهُوَ قَوْله: (إِذا استنصح أحدكُم أَخَاهُ فلينصح لَهُ) ، وَحكى الرَّافِعِيّ عَن أبي الطّيب وَأبي إِسْحَاق الْمروزِي: أَنه يجب عَلَيْهِ إرشاده إِلَيْهِ بذلاً للنصيحة. وَعَن أبي حَفْص بن الْوَكِيل: أَنه لَا يرشده توسعا على النَّاس، وَنقل مثله عَن مَالك، بل حكى ابْن الْعَرَبِيّ عَنهُ أَنه: لَو سَأَلَهُ عَن السّعر لَا يُخبرهُ بِهِ لحق أهل الْحَضَر، ثمَّ ظَاهر الحَدِيث تَحْرِيم بيع الْحَاضِر للبادي، سَوَاء كَانَ الحضري هُوَ الَّذِي التمس ذَلِك من البدوي أَو كَانَ البدوي هُوَ الَّذِي سَأَلَهُ الحضري فِي ذَلِك، وَجزم الرَّافِعِيّ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا يحرم إِذا ابْتَدَأَ الحضري لسؤال ذَلِك، وَفِيه نظر لِخُرُوجِهِ عَن ظَاهر الحَدِيث، وخصص بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي تَحْرِيم بيع الْحَاضِر للبادي بِمَا إِذا تربص الْحَاضِر بسلعة البادي ليغالي فِي ثمنهَا، فَأَما إِذا بَاعهَا الحضري للبادي بِسعْر يَوْمه فَلَا بَأْس بِهِ. قلت: فِي التَّقْيِيد بذلك مُخَالفَة لظَاهِر الحَدِيث ولفهم رَاوِي الحَدِيث وَهُوَ ابْن عَبَّاس إِذا سُئِلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ: لَا يكون لَهُ سمسارا، فَلم يفرق بَين أَن يَبِيع لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم بِسعْر يَوْمه أَو يتربص بِهِ لِيَزْدَادَ ثمنه، وَظَاهر الحَدِيث أَيْضا تَحْرِيم بيع الْحَاضِر للبادي سَوَاء كَانَ البادي يُرِيد بَيْعه فِي يَوْمه أَو يُرِيد الْإِقَامَة والتربص بسلعته، وَحمل الرَّافِعِيّ النَّهْي على الصُّورَة الأولى فَقَالَ: فِيمَا إِذا قصد البدوي الْإِقَامَة فِي الْبَلَد ليَبِيعهُ على التدريج، فَسَأَلَهُ تفويضه إِلَيْهِ فَلَا بَأْس بِهِ، لِأَنَّهُ لم يضر بِالنَّاسِ وَلَا سَبِيل إِلَى منع الْمَالِك عَنهُ، لما فِيهِ من الْإِضْرَار لَهُ. وَفِي الحَدِيث حجَّة لمن ذهب إِلَى تَحْرِيم بيع الْحَاضِر للبادي، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَمن بعدهمْ، وَهُوَ قَول مَالك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَحكى مُجَاهِد جَوَازه، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَآخَرين، وَقَالُوا: إِن النَّهْي مَنْسُوخ، ثمَّ اخْتلفُوا: هَل يَقْتَضِي النَّهْي الْفساد أم لَا؟ فَذهب مَالك وَأحمد إِلَى أَنه لَا يَصح بيع الْحَاضِر للبادي، وَذهب الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور إِلَى أَنه يَصح وَإِن حرم تعاطيه. وَفِيه: حجَّة لمن ذهب إِلَى تَعْمِيم التَّحْرِيم فِي بيع الْحَاضِر للبادي، سَوَاء كَانَ الْبَلَد كَبِيرا بِحَيْثُ لَا يظْهر لنا خير الحضري مَتَاع البدوي فِيهِ تَأْثِير أَو صَغِير، أَو سَوَاء كَانَ مَتَاع البادي كثيرا أَو قَلِيلا لَا يُوسع على أهل الْبَلَد لَو بَاعه البادي بِنَفسِهِ، وَسَوَاء كَانَ ذَلِك الْمَتَاع يعم وجوده أم يعز، وَسَوَاء رخص سعر ذَلِك الْمَتَاع أم غلى، وَحمل الْبَغَوِيّ فِي (التَّهْذِيب) النَّهْي فِيهِ على مَا تعم الْحَاجة إِلَيْهِ، سَوَاء فِيهِ المطعومات وَغَيرهَا كالصوف وَغَيره، أما مَا لَا تعم الْحَاجة إِلَيْهِ كالأشياء النادرة فَلَا يدْخل تَحت النَّهْي، وَفِيه نظر لَا يخفى، وَفِي (التَّوْضِيح) فَإِن فعل وَبَاعَ هَل يُؤَدب؟ قَالَ ابْن الْقَاسِم: نعم إعتاده، وَقَالَ ابْن وهب: يزْجر عَالما أَو جَاهِلا وَلَا يُؤَدب. الثَّانِي من الْوُجُوه فِي النجش: وَلَا خِيَار فِيهِ إِذا وَقع خلافًا لمَالِك

стр. 3368

وَابْن حبيب، وَعَن مَالك إِنَّمَا لَهُ الْخِيَار إِذا علم. وَهُوَ عيب من الْعُيُوب كَمَا فِي الْمُصراة وَعَن ابْن حبيب: لَا خِيَار إِذا لم يكن للْبَائِع مواطأة. وَقَالَ أهل الظَّاهِر: البيع بَاطِل مَرْدُود على بَائِعه إِذا ثَبت ذَلِك عَلَيْهِ. الثَّالِث: البيع على بيع أَخِيه، وَقد بَينا صورته فِي أول الْبَاب، وَهَذَا مَحَله عِنْد التراكن والاقتراب. فَأَما البيع وَالشِّرَاء فِيمَن يزِيد فَلَا بَأْس فِيهِ فِي الزِّيَادَة على زِيَادَة أَخِيه، وَذَلِكَ لما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، بَاعَ حلسا وَقَدحًا، وَقَالَ: من يَشْتَرِي هَذَا الحلس والقدح؟ فَقَالَ رجل: أخذتهما بدرهم، فَقَالَ النَّبِي، ﷺ ، من يزِيد على دِرْهَم؟ فَأعْطَاهُ رجل دِرْهَمَيْنِ، فباعهما مِنْهُ) . وَأخرجه بَقِيَّة الْأَرْبَعَة، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَجُمْهُور أهل الْعلم، وَكره بعض أهل الْعلم الزِّيَادَة على زِيَادَة أَخِيه، وَلم يرَوا صِحَة هَذَا الحَدِيث، وَضَعفه الْأَزْدِيّ بالأخضر بن عجلَان فِي سَنَده، وَحجَّة الْجُمْهُور على تَقْدِير عدم الثُّبُوت أَنه لَو ساوم وَأَرَادَ شِرَاء سلْعَته وَأعْطى فِيهَا ثمنا لم يرض بِهِ صَاحب السّلْعَة وَلم يركن إِلَيْهِ ليَبِيعهُ فَإِنَّهُ يجوز لغيره طلب شِرَائهَا قطعا، وَلَا يَقُول أحد إِنَّه يحرم السّوم بعد ذَلِك قطعا، كالخطبة على خطْبَة أَخِيه إِذا رد الْخَاطِب الأول، لِأَنَّهُ لَا فرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ، وَذكر التِّرْمِذِيّ عَن بعض أهل الْعلم جَوَاز ذَلِك، يَعْنِي: بيع من يزِيد فِي الْغَنَائِم والمواريث، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الْبَاب وَاحِد وَالْمعْنَى مُشْتَرك لَا تخْتَص بِهِ غنيمَة وَلَا مِيرَاث. قلت: روى الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أبي جَعْفَر عَن زيد بن أسلم عَن ابْن عمر، قَالَ: (نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن بيع المزايدة، وَلَا يبع أحدكُم على بيع أَخِيه إلَاّ الْغَنَائِم والمواريث) . ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيقين آخَرين: أَحدهمَا عَن الْوَاقِدِيّ بِمثلِهِ، وَقَالَ شَيخنَا، ﵀: وَالظَّاهِر أَن الحَدِيث خرج على الْغَالِب وعَلى مَا كَانُوا يعتادون فِيهِ مزايدة وَهِي غَنَائِم والمواريث فَإِنَّهُ وَقع البيع فِي غَيرهمَا مزايدة، فَالْمَعْنى وَاحِد، كَمَا قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ. الرَّابِع: لَا يخْطب على خطْبَة أَخِيه، هَذَا إِنَّمَا يحرم إِذا حصل التَّرَاضِي صَرِيحًا، فَإِن لم يُصَرح وَلَكِن جرى مَا يدل على التَّرَاضِي: كالمشاورة وَالسُّكُوت عِنْد الْخطْبَة، فَالْأَصَحّ أَن لَا تَحْرِيم. وَقَالَ بعض الْمَالِكِيَّة: لَا يحرم حَتَّى يرْضوا بِالزَّوْجِ وَيُسمى الْمهْر، وَاسْتدلَّ بفاطمة بنت قيس: خطبني أَبُو جهم وَمُعَاوِيَة، فَلم يُنكر الشَّارِع ذَلِك، بل خطبهَا لأسامة. وَقد يُقَال: لَعَلَّ الثَّانِي لم يعلم بِخطْبَة الأول، وَأما الشَّارِع فَأَشَارَ لأسامة لِأَنَّهُ خطب وَلم يعلم أَنَّهَا رضيت بِوَاحِد مِنْهُمَا، وَلَو أخْبرته لم يشر عَلَيْهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف أَصْحَابنَا فِي التراكن، فَقيل: هُوَ مُجَرّد الرضى بِالزَّوْجِ والميل إِلَيْهِ، وَقيل: تَسْمِيَة الصَدَاق. وَزعم الطَّبَرِيّ أَن النَّهْي فِيهَا مَنْسُوخ بخطبته، ﵊، فَاطِمَة بنت قيس لأسامة. الْخَامِس: لَا تسْأَل الْمَرْأَة ... إِلَى آخِره، وَقد ذَكرْنَاهُ. ٩٥ - (بابُ بَيْعِ المُزَايَدَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع المزايدة، وَهِي على وزن مفاعلة، تَقْتَضِي التشارك فِي أصل الْفِعْل بَين اثْنَيْنِ، وَلم يُصَرح بالحكم اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب. وَقَالَ عَطَاءٌ أدْرَكْتُ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ بَأْسا فِيمَنْ يَزِيدُ بِبَيْعِ المَغَانِمَ هَذَا يُوضح مَا فِي التَّرْجَمَة من الْإِبْهَام، وَهُوَ وَجه مُطَابقَة الْأَثر بالترجمة أَيْضا، وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق أَبُو بكر ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَمَّن سمع مُجَاهدًا وَعَطَاء قَالَا: لَا بَأْس بِبيع من يزِيد، وَهَذَا أَعم من تَقْيِيد البُخَارِيّ بِبيع الْمَغَانِم، وَقد ذكرنَا فِي الْبَاب السَّابِق مَا فِيهِ الْكِفَايَة. ١٤١٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا الحُسَيْنُ المَكْتِبُ عنْ عَطَاءِ بنِ أبِي رباحٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رجُلاً أعْتَقَ غلَاما لَهُ عنْ دُبُرٍ فاحْتاجَ فأخذَهُ النبيُّ ﷺ فَقَالَ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي فاشْتَراهُ نُعَيْمُ بنُ عَبْدِ الله بِكذَا وكَذَا فدَفَعَهُ إلَيْهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (من يَشْتَرِيهِ مني؟) فعرضه للزِّيَادَة ليستقصي فِيهِ للْمُفلس الَّذِي بَاعه عَلَيْهِ، وَبِهَذَا

стр. 3369

يرد على الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي قَوْله: لَيْسَ فِي قصَّة الْمُدبر بيع المزايدة، فَإِن بيع المزايدة أَن يُعْطي بِهِ وَاحِد ثمنا؟ ثمَّ يُعْطي بِهِ غَيره زِيَادَة عَلَيْهَا. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد، الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك، الثَّالِث: الْحُسَيْن بن ذكْوَان الْمعلم الْمكتب، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من التكتيب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: من الاكتاب، وَلَيْسَ كَذَلِك. الرَّابِع: عَطاء. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه وَعبد الله مروزيان وَأَن الْحُسَيْن بَصرِي وَعَطَاء مكي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاستقراض عَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم من طرق كَثِيرَة، وَأخرج من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن عبد الله أَن رجلا من الْأَنْصَار أعتق غُلَاما لَهُ عَن دبر لم يكن لَهُ مَال غَيره، فَبلغ ذَلِك النبيَّ، ﷺ ، فَقَالَ: (من يَشْتَرِيهِ مني؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله بثمانمائة دِرْهَم، فَدَفعهَا إِلَيْهِ) . قَالَ عَمْرو: سَمِعت جَابر بن عبد الله يَقُول: عبدا قبطيا، مَاتَ عَام أول، وَفِي لفظ لَهُ: فِي إِمَارَة ابْن الزبير. وَأخرجه أَبُو دَاوُد حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا هشيم عَن عبد الملك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن سَلمَة بن كهيل عَن عَطاء عَن جَابر بن عبد الله: أَن رجلا اعْتِقْ غُلَاما لَهُ عَن دبر مِنْهُ وَلم يكن لَهُ مَال غَيره، فَأمر بِهِ رَسُول الله، ﷺ ، فَبيع بسبعمائة أَو تِسْعمائَة. وَفِي لفظ لَهُ، قَالَ، يَعْنِي النَّبِي، ﷺ : (أَنْت أَحَق بِثمنِهِ وَالله أغْنى عَنهُ) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر: أَن رجلا من الْأَنْصَار دبر غُلَاما لَهُ فَمَاتَ وَلم يتْرك مَالا غَيره، فَبَاعَهُ النَّبِي ﷺ ، فَاشْتَرَاهُ نعيم ابْن النحام ... الحَدِيث. وَأخرجه النَّسَائِيّ من طرق كَثِيرَة، فَمن طَرِيق أبي الزبير عَن جَابر: أَن رجلا من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: أَبُو مَذْكُور أعتق غُلَاما لَهُ عَن دبر يُقَال لَهُ يَعْقُوب لم يكن لَهُ مَال غَيره، فَدَعَا بِهِ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: من يَشْتَرِيهِ؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله بثمانمائة دِرْهَم، فَدَفعهَا إِلَيْهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: دبر رجل منا غُلَاما، وَلم يكن لَهُ مَال غَيره، فَبَاعَهُ النَّبِي، ﷺ ، فَاشْتَرَاهُ ابْن النحام، رجل من بني عدي. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن رجلا) ، هَذَا الرجل من الْأَنْصَار، كَمَا قَالَ فِي رِوَايَة لمُسلم: (أعتق رجل من بني عذرة يُقَال لَهُ: أَبُو مَذْكُور) ، وَكَذَا وَقع بكنيته عِنْد مُسلم وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : فِي بَاب الكنى: أَبُو مَذْكُور الصَّحَابِيّ أعتق غُلَاما لَهُ عَن ذبر. قَوْله: (غُلَاما لَهُ) ، واسْمه يَعْقُوب، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن النَّسَائِيّ الْآن، وَكَذَا ذكره فِي رِوَايَة لمُسلم وَأبي دَاوُد. قَوْله: (عَن دبر) ، بِأَن قَالَ: أَنْت حر بعد موتِي. قَوْله: (نعيم بن عبد الله) ، نعيم، بِضَم النُّون تَصْغِير النعم ابْن عبد الله النحام، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة: الْعَدوي الْقرشِي، وَوصف بالنحام لِأَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (دخلت الْجنَّة فَسمِعت نحمة نعيم فِيهَا) . والنَّحمة: السعلة، أسلم قَدِيما وَأقَام بِمَكَّة إِلَى قُبَيل الْفَتْح، وَكَانَ يمنعهُ قومه من الْهِجْرَة لشرفه فيهم، لِأَنَّهُ ان ينْفق عَلَيْهِم، فَقَالُوا: أقِم عندنَا على أَي دين شِئْت، وَلما قدم الْمَدِينَة اعتنقه رَسُول الله تصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَبله، وَاسْتشْهدَ يَوْم اليرموك سنة خمس عشرَة، وَقيل: اسْتشْهد يَوْم أجنادين فِي خلَافَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سنة ثَلَاث عشرَة، وَعرفت مِمَّا ذَكرْنَاهُ أَن النحام صفة لنعيم، وَوَقع للْبُخَارِيّ فِي: بَاب من رد أَمر السَّفِيه والضعيف الْعقل، عقيب: بَاب الاستقراض، فابتاعه مِنْهُ نعيم بن النحام، وَكَذَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام، وَكَذَا وَقع فِي (مُسْند) أَحْمد: وَالصَّوَاب: نعيم بن عبد الله، كَمَا وَقع هَهُنَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم، وَزِيَادَة ابْن، خطأ من بعض الروَاة، فَإِن النحام صفة لنعيم لَا لأبيإ، كَمَا ذكرناوفي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ (فَمَاتَ وَلم يتركمالا غَيره) وَهَذَا مِمَّا نسب بِهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة إِلَى الْخَطَأ، أَعنِي: قَوْله: فَمَاتَ، وَلم يكن سَيّده مَاتَ، كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَقد بَين الشَّافِعِي خطأ ابْن عُيَيْنَة فِيهَا بعد أَن رَوَاهُ عَنهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق شريك عَن سَلمَة بن كهيل عَن عَطاء وَأبي الزبير عَن جَابر: أَن رجلا مَاتَ وَترك مُدبرا ودينا، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد أَجمعُوا على خطأ شريك فِي ذَلِك. وَقَالَ شَيخنَا: وَقد رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ وحسين الْمعلم وَعبد الْمجِيد بن سُهَيْل، كلهم عَن عَطاء، لم يذكر أحد مِنْهُم هَذِه اللَّفْظَة، بل صَرَّحُوا بِخِلَافِهَا، قَوْله: (بِكَذَا وَكَذَا) ، وَقد بَينه مُسلم فِي رِوَايَته: (بثمانمائة دِرْهَم) ، وَفِي

стр. 3370

رِوَايَة أبي دَاوُد: (بسبعمائة أَو تِسْعمائَة) . قَوْله: (فَدفعهُ إِلَيْهِ) ، أَي: فَدفع النَّبِي ﷺ الثّمن الَّذِي بيع بِهِ الْمُدبر الْمَذْكُور إِلَيْهِ، أَي: إِلَى الرجل الْمَذْكُور، وَهُوَ نعيم بن عبد الله. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث جَابر، قَالَ: وَالْعَمَل على هَذَا الحَدِيث عِنْد بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم: لم يرَوا بِبيع الْمُدبر بَأْسا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَكره قوم من أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، بيع الْمُدبر، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ. وَفِي (التَّلْوِيح: اخْتلف الْعلمَاء هَل الْمُدبر يُبَاع أم لَا؟ فَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك وَجَمَاعَة من أهل الْكُوفَة إِلَى أَنه لَيْسَ للسَّيِّد أَن يَبِيع مدبره، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق وَأهل الظَّاهِر، وَهُوَ قَول عَائِشَة وَمُجاهد وَالْحسن وطاووس، وَكَرِهَهُ ابْن عمر وَزيد بن ثَابت، وَمُحَمّد بن سِيرِين وَابْن الْمسيب وَالزهْرِيّ وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَابْن أبي ليلى وَاللَّيْث بن سعد، وَعَن الْأَوْزَاعِيّ لَا يُبَاع إلَاّ من رجل يُرِيد عتقه، وَجوز أَحْمد بَيْعه بِشَرْط أَن يكون على السَّيِّد دين، وَعَن مَالك يجوز بَيْعه عِنْد الْمَوْت، وَلَا يجوز فِي حَال الْحَيَاة، وَكَذَا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ عَنهُ، وَحكى مَالك إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة على بيع الْمُدبر أَو هِبته. وَعند أَئِمَّتنَا الْحَنَفِيَّة: الْمُدبر على نَوْعَيْنِ: مُدبر مُطلق: نَحْو مَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ: إِذا مت فَأَنت حر أَو أَنْت حر يَوْم أَمُوت. أَو أَنْت حر عَن دبر مني، أَو أَنْت مُدبر، أَو دبرتك، فَحكم هَذَا أَنه: لَا يُبَاع وَلَا يُوهب ويستخدم ويؤجر وتوطؤ الْمُدبرَة وَتنْكح، وبموت الْمولى يعْتق الْمُدبر من ثلث مَاله، وَيسْعَى فِي ثُلثَيْهِ أَي: ثُلثي قِيمَته إِن كَانَ الْمولى فَقِيرا، وَلم يكن لَهُ مَال غَيره، وَيسْعَى فِي كل قِيمَته لَو كَانَ مديونا بدين مُسْتَغْرق جَمِيع مَاله. النَّوْع الثَّانِي: مُدبر مُقَيّد نَحْو قَوْله: إِن مت من مرضِي هَذَا، أَو سَفَرِي هَذَا، فَأَنت حر، أَو قَالَ: إِن مت إِلَى عشر سِنِين أَو بعد موت، فلَان، وَيعتق إِن وجد الشَّرْط، وإلَاّ فَيجوز بَيْعه. وَاحْتَجُّوا فِي عدم جَوَاز بيع الْمُدبر الْمُطلق بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة عُبَيْدَة بن حسان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الْمُدبر لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَهُوَ حر من الثُّلُث) ، فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسْندهُ غير عُبَيْدَة بن حسان، وَهُوَ ضَعِيف، وَإِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عمر من قَوْله. وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن ظبْيَان، حَدثنَا عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَغير ابْن ظبْيَان يرويهِ مَوْقُوفا، وَعلي بن ظبْيَان ضَعِيف. قلت: احْتج بِهَذَا الحَدِيث الْكَرْخِي والطَّحَاوِي والرازي وَغَيرهم، وهم أساطين فِي الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ: إِن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رد بيع الْمُدبرَة فِي مَلأ خير الْقُرُون، وهم حُضُور متوافرون، وَهُوَ إِجْمَاع مِنْهُم: أَن بيع الْمُدبر لَا يجوز. وَالْجَوَاب عَن حَدِيث جَابر من وُجُوه. الأول: قَالَ ابْن بطال: لَا حجَّة فِيهِ، لِأَن فِي الحَدِيث أَن سَيّده كَانَ عَلَيْهِ دين فَثَبت أَن بَيْعه كَانَ لذَلِك. الثَّانِي: أَنَّهَا قَضِيَّة عين تحْتَمل التَّأْوِيل، وتأوله بعض الْمَالِكِيَّة على أَنه لم يكن لَهُ مَال غَيره، فَرد تصرفه. الثَّالِث: أَنه يحْتَمل أَنه بَاعَ منفعَته بِأَن أجره، وَالْإِجَارَة تسمى بيعا بلغَة أهل الْيمن، لِأَن فِيهَا بيع الْمَنْفَعَة. وَيُؤَيِّدهُ مَا ذكره ابْن حزم، فَقَالَ: وَرُوِيَ عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا، أَنه بَاعَ خدمَة الْمُدبر، وَقَالَ ابْن سِيرِين: لَا بَأْس بِبيع خدمَة الْمُدبر، وَكَذَا قَالَه ابْن الْمسيب، وَذكر أَبُو الْوَلِيد عَن جَابر أَنه، ﷺ ، بَاعَ خدمَة الْمُدبر. الرَّابِع: أَن سيد الْمُدبر الَّذِي بَاعه النَّبِي، ﷺ ، كَانَ سَفِيها، فَلهَذَا تولى النَّبِي، ﷺ ، بَيْعه بِنَفسِهِ. وَبيع الْمُدبر عِنْد من يجوزه لَا يفْتَقر فِيهِ إِلَى بيع الإِمَام. الْخَامِس: يحْتَمل أَنه بَاعه فِي وَقت كَانَ يُبَاع الْحر الْمَدْيُون، كَمَا رُوِيَ أَنه، ﷺ ، بَاعَ حرا بِدِينِهِ، ثمَّ نسخ بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عسرة فنظرة إِلَى ميسرَة﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨٢) . ٠٦ - (بابُ النَّجْشِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم النجش، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم وَفتحهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي قَوْله: (وَلَا تتناجشوا) فِي: بَاب لَا يَبِيع على بيع أَخِيه. ومَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ

стр. 3371

أَي: وَبَاب فِي بَيَان من قَالَ: لَا يجوز، عطفا على: بَاب النجش وَقَوله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى البيع الَّذِي وَقع بالنجش، وَاخْتلفُوا فِيهِ، فَنقل ابْن الْمُنْذر عَن طَائِفَة من أهل الحَدِيث فَسَاد ذَلِك البيع، وَهُوَ قَول أهل الظَّاهِر، وَرِوَايَة عَن مَالك، وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْحَنَابِلَة: إِذا كَانَ ذَلِك بمواطأة البَائِع وصنيعه، وَالْمَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة فِي مثل ذَلِك ثُبُوت الْخِيَار، وَهُوَ وَجه للشَّافِعِيّ قِيَاسا على الْمُصراة، وَالأَصَح عِنْدهم صِحَة البيع مَعَ الْإِثْم، وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ ابنُ أبِي أوْفَى النَّاجِشُ آكِلُ رِبا خائِنٌ ابْن أبي أوفى هُوَ عبد الله بن أبي أوفى، وَاسم أبي أوفى: عَلْقَمَة بن خَالِد بن الْحَارِث أَبُو إِبْرَاهِيم، وَقيل: أَبُو مُحَمَّد، وَقيل: أَبُو مُعَاوِيَة، أَخُو زيد بن أبي أوفى، لَهما ولأبيهما صُحْبَة، وَهُوَ من جملَة من رَآهُ أَبُو حنيفَة، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِالْكُوفَةِ، وَهَذَا طرف من حَدِيث أوردهُ البُخَارِيّ فِي الشَّهَادَات فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . ثمَّ سَاق فِيهِ من طَرِيق يزِيد بن هَارُون عَن السكْسكِي عَن عبد الله بن أبي أوفى، قَالَ: أَقَامَ رجل سلْعَته فَحلف بِاللَّه لقد أعطي بهَا مَا لم يُعْط، فَنزلت. قَالَ ابْن أبي أوفى: الناجش آكل رَبًّا خائن، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ من وَجه آخر عَن ابْن أبي أوفى مَرْفُوعا، لَكِن قَالَ: مَلْعُون، بدل: خائن. قَوْله: (الناجش) ، اسْم فَاعل من نجش، وَقد مر تَفْسِيره. قَوْله: (آكل رَبًّا) . قَالَ الْكرْمَانِي: أَي كآكل الرِّبَا، قلت: مُرَاده الْمُبَالغَة فِي كَونه عَاصِيا مَعَ علمه بِالنَّهْي، كَمَا أَن آكل الرِّبَا عاصٍ مَعَ علمه بِحرْمَة الرِّبَا، ويروى: آكل الرِّبَا بِالْألف وَاللَّام. قَوْله: (خائن) ، خبر بعد خبر، وخيانته فِي كَونه غاشا خادعا. وهْوَ خِدَاعٌ باطِلٌ لَا يَحِلُّ هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ أَي: النجش خداع أَي: مخادعة لِأَنَّهُ مشارك لمن يزِيد فِي السّلْعَة، وَهُوَ لَا يُرِيد أَن يَشْتَرِيهَا بغرور الْغَيْر وخداعه. قَوْله: (بَاطِل) غير حق لَا يُفِيد شَيْئا أصلا لَا يحل فعله. قَالَ النبيُّ ﷺ الخَدِيعَةُ فِي النَّارِ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من حَدِيث قيس بن سعد بن عبَادَة: لَوْلَا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (الْمَكْر والخديعة فِي النَّار لَكُنْت من أمكر النَّاس) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ. قَوْله: (الخديعة فِي النَّار) أَي: صَاحب الخديعة فِي النَّار، وَيحْتَمل أَن يكون فعيلاً بِمَعْنى الْفَاعِل، وَالتَّاء للْمُبَالَغَة نَحْو: رجل عَلامَة. ومنْ عَمَلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهْوَ رَدٌّ أَي: قَالَ ﷺ : (من عمل) الحَدِيث، وَهَذَا يَأْتِي مَوْصُولا من حَدِيث عَائِشَة فِي كتاب الصُّلْح. قَوْله: (أمرنَا) ، أَي: شرعنا الَّذِي نَحن عَلَيْهِ. قَوْله: (فَهُوَ رد) أَي: مَرْدُود عَلَيْهِ فَلَا يقبل مِنْهُ. ٢٤١٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدثنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عنِ النَّجْشِ. (الحَدِيث ٢٤١٢ طرفه فِي: ٣٦٩٦) . قد مر تَفْسِير النجش وَمَا فِيهِ من أَقْوَال الْعلمَاء، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ترك الْحِيَل عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن مُصعب بن عبد الله الزبيرِي وَأبي حذافة أَحْمد بن إِسْمَاعِيل، قَالَ أَبُو عمر: رَوَاهُ أَبُو سعيد إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد قَاضِي الْمَدَائِن عَن يحيى بن مُوسَى الْبَلْخِي أَنبأَنَا عبد الله بن نَافِع عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، نهى رَسُول الله ﷺ عَن التَّخْيِير، والتخيير أَن يمدح الرجل السّلْعَة بِمَا لَيْسَ فِيهَا، هَكَذَا قَالَ التَّخْيِير، وَفَسرهُ، وَلم يُتَابع على هَذَا اللَّفْظ، وَالْمَعْرُوف النجش. ١٦ - (بابُ بَيْعِ الْغَرَرِ وحَبْلِ الْحَبَلَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْغرَر، وَبَيَان حكم بيع حَبل الحبلة. (الْغرَر) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبراءين أولاهما مَفْتُوحَة

стр. 3372

وَهُوَ فِي الأَصْل الْخطر، من: غر يغر، بِالْكَسْرِ، والخطر هُوَ الَّذِي لَا يدْرِي أَيكُون أم لَا. وَقَالَ ابْن عَرَفَة: الْغرَر هُوَ مَا كَانَ ظَاهره يغر وباطنه مَجْهُول، وَمِنْه سمي الشَّيْطَان: غرُورًا، لِأَنَّهُ يحمل على محاب النَّفس، ووراء ذَلِك مَا يسوء، قَالَ: والغرور مَا رَأَيْت لَهُ ظَاهر تحبه وباطنه مَكْرُوه أَو مَجْهُول. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: بيع الْغرَر مَا يكون على غير عُهْدَة ولاثقة. قَالَ: وَيدخل فِيهَا الْبيُوع الَّتِي لَا يُحِيط بكنهها الْمُتَبَايعَانِ. وَقَالَ صَاحب (الْمَشَارِق) : بيع الْغرَر بيع المخاطرة، وَهُوَ الْجَهْل بِالثّمن أَو الْمُثمن أَو سَلَامَته أَو أَجله. وَقَالَ أَبُو عمر: بيع يجمع وُجُوهًا كَثِيرَة. مِنْهَا: الْمَجْهُول كُله فِي الثّمن أَو الْمُثمن إِذا لم يُوقف على حَقِيقَة جملَته. وَمِنْهَا: بيع الْآبِق والجمل الشارد وَالْحِيتَان فِي الآجام والطائر غير الدَّاجِن، قَالَ: والقمار كُله من بيع الْغرَر، وَحكى التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي أَن بيع السّمك فِي المَاء من بُيُوع الْغرَر وَبيع الطير فِي السَّمَاء وَالْعَبْد الْآبِق وَقَالَ شَيخنَا مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي من أَن بيع السّمك فِي المَاء من بُيُوع الْغرَر، وَهُوَ فِيمَا إِذا كَانَ السّمك فِي مَاء كثير بِحَيْثُ لَا يُمكن تَحْصِيله مِنْهُ، وَكَذَا إِذا كَانَ يُمكن تَحْصِيله، وَلَكِن بِمَشَقَّة شَدِيدَة. وَأما إِذا كَانَ فِي مَاء يسير بِحَيْثُ يُمكن تَحْصِيله مِنْهُ بِغَيْر مشقة فَإِنَّهُ يَصح، لِأَنَّهُ مَقْدُور على تَحْصِيله وتسليمه، وَهَذَا كُله إِذا كَانَ مرئيا فِي المَاء الْقَلِيل بِأَن يكون المَاء صافيا، فَأَما إِذا لم يكن مرئيا بِأَن يكون كدرا فَإِنَّهُ لَا يَصح بِلَا خلاف، كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ والرافعي، قلت: بيع الْآبِق يَصح إِذا كَانَ البَائِع وَالْمُشْتَرِي يعرفان مَوْضِعه، كَذَا قَالَه أَصْحَابنَا. وَقَالَ شَيخنَا: يدْخل فِي بيع الطير فِي السَّمَاء بيع حمام البرج فِي حَال طيرانه، وَإِن جرت عَادَته بِالرُّجُوعِ لِأَنَّهُ يجوز أَن لَا يرجع، وَذهب بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي إِلَى صِحَة البيع لجَرَيَان الْعَادة بِرُجُوعِهِ. وَأما إِذا كَانَ فِي البرج فَحكمه حكم بيع السّمك فِي المَاء الْيَسِير، فَإِن كَانَ فِيهِ كوىً مَفْتُوحَة لَا يُؤمن خُرُوجه لم يَصح، وَإِن لم يُمكنهُ الْخُرُوج، وَلَكِن كَانَ البرج كَبِيرا بِحَيْثُ يحصل التَّعَب وَالْمَشَقَّة فِي تَحْصِيله لم يَصح أَيْضا. قَالَ: وَفرق الْأَصْحَاب بَين بيع الْحمام فِي حَال غيبته عَن البرج، وَبَين بيع النَّحْل فِي حَال غيبته عَن الكوارة، فصححوا الْمَنْع فِي حمام البرج وصححوا الصِّحَّة فِي بيع النَّحْل، وَالْفرق بَينهمَا أَن الطير تعترضه الْجَوَارِح فِي خُرُوجه بِخِلَاف النَّحْل، وَقيد ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب صِحَة بيع النَّحْل فِيمَا إِذا كَانَت أم النَّحْل فِي الكوارة، فَإِذا لم تكن لَا يَصح. فَإِن قلت: لم يذكر فِي الْبَاب بيع الْغرَر صَرِيحًا وَذكره فِي التَّرْجَمَة لماذا؟ قلت: لما كَانَ فِي حَدِيث الْبَاب النَّهْي عَن بيع حَبل الحبلة، وَهُوَ نوع من أَنْوَاع بيع الْغرَر، ذكر الْغرَر الَّذِي هُوَ عَام، ثمَّ عطف عَلَيْهِ حَبل الحبلة من عطف الْخَاص على الْعَام، لينبه بذلك على أَن أَنْوَاع الْغرَر كَثِيرَة، وَإِن لم يذكر مِنْهَا إلَاّ حَبل الحبلة من بَاب التَّنْبِيه بِنَوْع مَمْنُوع مَخْصُوص مَعْلُول بعلة على كل نوع تُوجد فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة. وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي النَّهْي عَن بيع الْغرَر. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن بيع الْحَصَاة، وَعَن بيع الْغرَر) ، وَأخرجه الْأَرْبَعَة أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عمر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث نَافِع عَنهُ، قَالَ: (نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن بيع الْغرَر) . وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث عَطاء عَنهُ، قَالَ: (نهى رَسُول الله ﷺ عَن بيع الْغرَر) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد، أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث شهر بن حَوْشَب عَنهُ، قَالَ: (نهى رَسُول الله ﷺ عَن شِرَاء مَا فِي بطُون الْأَنْعَام حَتَّى تضع، وَعَما فِي ضروعها إلَاّ بكيل، وَعَن شِرَاء العَبْد وَهُوَ آبق، وَعَن شِرَاء الْمَغَانِم حَتَّى تقسم، وَعَن شِرَاء الصَّدقَات حَتَّى تقبض، وَعَن ضَرْبَة القانص) . وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَفِيه قد نهى النَّبِي ﷺ عَن بيع الْمُضْطَر وَبيع الْغرَر وَبيع التمرة قبل أَن تدْرك. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن مَسْعُود أخرجه أَحْمد عَنهُ. قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا تشتروا السّمك فِي المَاء فَإِنَّهُ غرر) . وَمِنْهَا: حَدِيث عمرَان بن الْحصين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب الْبيُوع: أَن النَّبِي، ﷺ : (نهى عَن بيع مَا فِي ضروع الْمَاشِيَة قبل أَن تحلب، وَعَن بيع الْجَنِين فِي بطُون الْأَنْعَام، وَعَن بيع السّمك فِي المَاء، وَعَن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة وَعَن بيع الْغرَر) . ٩٣ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر رَضِي

стр. 3373

الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ َ - نهى عَن بيع حَبل الحبلة) مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة بل هِيَ جُزْء من الحَدِيث والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع أَيْضا عَن القعْنبِي عَن مَالك وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك وَلَيْسَ التَّفْسِير فِي حَدِيث القعْنبِي قَوْله " حَبل الحبلة " بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة فيهمَا وَحكى النَّوَوِيّ إسكان الْبَاء فِي الأول وَهُوَ غلط وَالصَّوَاب الْفَتْح وحبل الحبلة أَن تنْتج النَّاقة مَا فِي بَطنهَا وينتج الَّذِي فِي بَطنهَا فسر ذَلِك نَافِع وَذكر ابْن السّكيت وَأَبُو عبيد أَن الْحَبل مُخْتَصّ بالآدميات وَإِنَّمَا يُقَال فِي غَيْرهنَّ الْحمل قَالَ ابْن السّكيت إِلَّا فِي حَدِيث نهى عَن بيع حَبل الحبلة وَذَلِكَ أَن تكون الْإِبِل حوامل فيبيع حَبل ذَلِك الْحَبل وَفِي الْمُحكم كل ذَات ظفر حُبْلَى قَالَ الشَّاعِر (أَو ذيخة حُبْلَى مجح مقرب ... ) (قلت) الذيخ بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ذكر الضباع وَالْأُنْثَى ذيخة قَوْله مجح بِضَم الْمِيم وَكسر الْجِيم وَفِي آخِره حاء مُهْملَة مُشَدّدَة قَالَ أَبُو زيد قيس كلهَا تَقول لكل سَبْعَة إِذا حملت فأقربت وَعظم بَطنهَا قد أجحت فَهِيَ مجح والمقرب بِكَسْر الرَّاء إِذا قربت وِلَادَتهَا وَقَالَ ابْن دُرَيْد يُقَال لكل أُنْثَى من الْإِنْس وَغَيرهم حبلت وَكَذَا ذكره الْهَرَوِيّ والأخفش فِي نوادرهما وَفِي الْجَامِع امْرَأَة حُبْلَى وسنور حُبْلَى وَأنْشد (إِن فِي دَارنَا ثَلَاث حبالى ... فوددنا لَو قد وضعن جَمِيعًا) (جارتي ثمَّ هرتي ثمَّ شاتي ... فَإِذا مَا وضعن كن ربيعا) (جارتي للمخيض والهر للفار ... وشاتي إِذا اشْتهيت مجيعا) وَحَكَاهُ فِي الموعب عَن صَاحب الْعين وَالْكسَائِيّ وَهَذَا يرد قَول النَّوَوِيّ اتّفق أهل اللُّغَة أَن الْحَبل مُخْتَصّ بالآدميات وَفِي الغريبين أَن الْحَبل يُرَاد بِهِ مَا فِي بطُون النوق أدخلت فِيهَا الْهَاء للْمُبَالَغَة كَمَا تَقول نكحة وسخرة وَقَالَ صَاحب مجمع الغرائب لَيْسَ الْهَاء فِي الحبلة على قِيَاس نكحة وَلَا مُبَالغَة هَهُنَا فِي الْمَعْنى وَلَعَلَّ الْهَرَوِيّ طلب لزِيَادَة الْهَاء وَجها فَأطلق ذَلِك من غير تثبت وَفِي الْمغرب حَبل الحبلة مصدر حبلت الْمَرْأَة وَإِنَّمَا أدخلت التَّاء لإشعار الْأُنُوثَة لِأَن مَعْنَاهُ أَن يَبِيع مَا سَوف تحمله الْجَنِين إِن كَانَ أُنْثَى وَقَالَ بَعضهم الحبلة جمع حابل مثل ظلمَة وظالم وكتبة وَكَاتب وَالْهَاء للْمُبَالَغَة قلت لَيْسَ كَذَلِك وَقد قَالَ ابْن الْأَثِير الحبلة بِالتَّحْرِيكِ مصدر سمي بِهِ الْمَحْمُول كَمَا سمي بِالْحملِ وَإِنَّمَا دخلت عَلَيْهِ التَّاء للإشعار بِمَعْنى الْأُنُوثَة فِيهِ فالحبل الأول يرد بِهِ مَا فِي بطُون النوق من الْحمل وَالثَّانِي حَبل الَّذِي فِي بطُون النوق. (وَيُسْتَفَاد مِنْهُ) أَنه من بيع الْغرَر فَلَا يجوز قَالَ النَّوَوِيّ النَّهْي عَن بيع الْغرَر أصل من أصُول البيع فَيدْخل تَحْتَهُ مسَائِل كَثِيرَة جدا قلت وَقد ذكرنَا أنواعا من ذَلِك عَن قريب قَالَ وَمن بُيُوع الْغرَر مَا اعتاده النَّاس من الاستجرار من الْأَسْوَاق بالأوراق مثلا فَإِنَّهُ لَا يَصح لِأَن الثّمن لَيْسَ حَاضرا فَيكون من المعاطاة وَلم تُوجد صِيغَة يَصح بهَا العقد قلت هَذَا الَّذِي ذكره لَا يعْمل بِهِ لِأَن فِيهِ مشقة كَثِيرَة على النَّاس وَحُضُور الثّمن لَيْسَ بِشَرْط لصِحَّة العقد وَبيع المعاطاة صَحِيح وَجَمِيع النَّاس الْيَوْم فِي الْأَسْوَاق بالمعاطاة يَأْتِي رجل إِلَى بَايع فيشتري مِنْهُ جملَة قماش بِثمن معِين فَيدْفَع الثّمن وَيَأْخُذ الْمَبِيع من غير أَن يُوجد لفظ بِعْت واشتريت فَإِذا حكمنَا بِفساد هَذَا العقد يحصل فَسَاد كثير فِي معاملات النَّاس وروى الطَّبَرِيّ عَن ابْن سِيرِين بِإِسْنَاد صَحِيح قَالَ لَا أعلم بِبيع الْغرَر بَأْسا وَقَالَ ابْن بطال لَعَلَّه لم يبلغهُ النَّهْي وَإِلَّا فَكل مَا يُمكن أَن يُوجد وَأَن لَا يُوجد لم يَصح وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ لَا يَصح غَالِبا فَإِن كَانَ يَصح غَالِبا كالثمرة فِي أول بَدو صَلَاحهَا أَو كَانَ يَسِيرا تبعا كالحمل مَعَ الْحَامِل جَازَ لقلَّة الْغرَر وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَ ابْن سِيرِين لَكِن يمْنَع من ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَنهُ أَنه قَالَ لَا بَأْس بِبيع العَبْد الْآبِق إِذا كَانَ علمهما فِيهِ وَاحِد فَهَذَا يدل على أَنه بيع الْغرَر إِن سلم فِي الْمَآل (وَكَانَ بيعا يتبايعه أهل الْجَاهِلِيَّة كَانَ الرجل يبْتَاع الْجَزُور إِلَى أَن تنْتج النَّاقة ثمَّ تنْتج الَّتِي فِي بَطنهَا) أَي كَانَ بيع حَبل الحبلة بيعا يتبايعه أهل الْجَاهِلِيَّة قَوْله " كَانَ الرجل " إِلَى آخِره بَيَان لقَوْله وَكَانَ بيعا قَوْله " يبْتَاع

стр. 3374

الْجَزُور " بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ وَاحِد الْإِبِل يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى (فَإِن قلت) ذكر الْجَزُور قيد أم لَا قلت لَا لِأَن حكم غير الْجَزُور مثل حكمه وَإِنَّمَا هُوَ مِثَال وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن يكون قيدا قلت هَذَا احْتِمَال غير ناشيء عَن دَلِيل فَلَا يعْتَبر بِهِ وَإِنَّمَا مثل بِهِ لِكَثْرَة الْجَزُور عِنْدهم قَوْله " إِلَى أَن تنْتج النَّاقة " بِضَم أَوله وَفتح ثالثه أَي تَلد ولدا وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول والناقة مَرْفُوع بِإِسْنَاد تنْتج إِلَيْهَا قَالَ الْجَوْهَرِي نتجت النَّاقة على مَا لم يسم فَاعله تنْتج نتاجا وَقد نتجها أَهلهَا نجا إِذا توَلّوا نتاجها بِمَنْزِلَة الْقَابِلَة للْمَرْأَة فَهِيَ منتوجة ونتجت الْفرس إِذا حَان نتاجها وَقَالَ يَعْقُوب إِذا استبان حملهَا وَكَذَلِكَ النَّاقة فَهِيَ نتوج وَلَا يُقَال منتج وَأَتَتْ النَّاقة على منتجها أَي الْوَقْت الَّذِي تنْتج فِيهِ وَهُوَ مفعل بِكَسْر الْعين وَيُقَال للشاتين إِذا كَانَتَا سنا وَاحِدًا هما نتيجة وغنم فلَان نتاج أَي فِي سنّ وَاحِدَة وَحكى الْأَخْفَش نتج وأنتج بِمَعْنى وَجَاء فِي الحَدِيث فأنتج هَذَانِ وَولد هَذَا وَقد أنكرهُ بَعضهم يَعْنِي أَن الصَّوَاب كَونه ثلاثيا قلت هَذَا فِي حَدِيث الْأَقْرَع والأبرص قَوْله " ثمَّ تنْتج الَّتِي فِي بَطنهَا " أَي ثمَّ تعيش المولودة حَتَّى تكبر ثمَّ تَلد قيل هَذَا زَائِد على رِوَايَة عبد الله بن عمر فَإِنَّهُ اقْتصر على قَوْله ثمَّ تحمل الَّتِي فِي بَطنهَا وَرِوَايَة جوَيْرِية أخصر مِنْهَا وَلَفظه أَن تنْتج النَّاقة مَا فِي بَطنهَا وبظاهر هَذِه الرِّوَايَة قَالَ سعيد بن الْمسيب فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ مَالك وَقَالَ بِهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة وَهُوَ أَن يَبِيع بِثمن إِلَى أَن تَلد النَّاقة وَقَالَ آخَرُونَ أَن يَبِيع بِثمن إِلَى أَن تحمل الدَّابَّة وتلد وَتحمل وَلَدهَا وَلم يشترطوا وضع حمل الْوَلَد وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو عبيد وَأحمد واسحق وَابْن حبيب الْمَالِكِي وَأكْثر أهل اللُّغَة هُوَ بيع ولد نتاج الدَّابَّة وَالْمَنْع فِي هَذَا أَنه بيع مَعْدُوم ومجهول وَغير مَقْدُور على تَسْلِيمه. ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله " وَكَانَ بيعا " إِلَى آخِره هَكَذَا وَقع فِي الْمُوَطَّأ تَفْسِيرا مُتَّصِلا بِالْحَدِيثِ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هُوَ مدرج يَعْنِي أَن التَّفْسِير من كَلَام نَافِع وَقَالَ الْخَطِيب تَفْسِير حَبل الحبلة لَيْسَ من كَلَام عبد الله بن عمر إِنَّمَا هُوَ من كَلَام نَافِع أدرج فِي الحَدِيث ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق أبي سَلمَة التَّبُوذَكِي حَدثنَا جوَيْرِية عَن نَافِع عَن عبد الله أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يبتاعون الْجَزُور إِلَى حَبل الحبلة وَأَن رَسُول الله ﷺ َ - نهى عَن ذَلِك وَقد أخرجه مُسلم من رِوَايَة اللَّيْث وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أَيُّوب كِلَاهُمَا عَن نَافِع بِدُونِ التَّفْسِير وَأخرجه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عمر بِدُونِ التَّفْسِير أَيْضا وَالله أعلم ٢٦ - (بابُ بَيْعِ المُلامَسَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْمُلَامسَة، وَهِي مفاعلة من اللَّمْس، وَقد علم أَن بَاب المفاعلة لمشاركة اثْنَيْنِ فِي أصل الْفِعْل. وَفِي (الْمغرب) : الْمُلَامسَة واللماس أَن يَقُول لصَاحبه: إِذا لمست ثَوْبك ولمست ثوبي فقد وَجب البيع. وَعَن أبي حنيفَة: هِيَ أَن يَقُول: أبيعك هَذَا الْمَتَاع بِكَذَا، فَإِذا لمستك وَجب البيع، أَو يَقُول المُشْتَرِي كَذَلِك، وَيُقَال: الْمُلَامسَة أَن يلمس ثوبا مطويا ثمَّ يَشْتَرِيهِ على أَن لَا خِيَار لَهُ إِذا رَآهُ، أَو يَقُول: إِذا لمسته فقد بعتكه أَو يَبِيعهُ شَيْئا على أَنه مَتى لمسه فقد لزم البيع، وَعَن الزُّهْرِيّ: الْمُلَامسَة لمس الرجل ثوب الآخر بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ، أَو النَّهَار، وَلَا يقلبه إلَاّ بذلك، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: الْمُلَامسَة أَن يَقُول الرجل للرجل: أبيعك ثوبي بثوبك، وَلَا ينظر وَاحِد مِنْهُمَا ثوب الآخر، وَلَكِن بلمسه لمسا. وَيُقَال: اخْتلف الْعلمَاء فِي تَفْسِير الْمُلَامسَة على ثَلَاث صور هِيَ أوجه للشَّافِعِيَّة. أَصَحهَا: أَن يَأْتِي بِثَوْب مطوي أَو فِي ظلمَة فيلمسه المستام، فَيَقُول لَهُ صَاحب الثَّوْب، بعتكه بِكَذَا بِشَرْط أَن يقوم لمسك مقَام نظرك، وَلَا خِيَار لَك إِذا رَأَيْته. الثَّانِي: أَن يجعلا نفس اللَّمْس بيعا بِغَيْر صِيغَة زَائِدَة. الثَّالِث: أَن يجعلا للمس شرطا فِي قطع خِيَار الْمجْلس، وَغَيره وَالْبيع على التأويلات كلهَا بَاطِل. وَقَالَ أنسٌ نَهَى عنهُ النبيُّ ﷺ أَي: نهى عَن بيع الْمُلَامسَة، وَبِهَذَا اتَّضَح حكم التَّرْجَمَة لِأَنَّهَا على إِطْلَاقهَا تحْتَمل الْمَنْع، وتحتمل الْجَوَاز، وَهُوَ تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب بيع المخاصرة، عَن أنس: نهى رَسُول الله ﷺ عَن المحاقلة والمخاصرة وَالْمُلَامَسَة والمنابذة والمزابنة. والمخاصرة: بيع الثِّمَار خصرا لم يبد صَلَاحهَا.

стр. 3375

٤٤١٢ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عفَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرنِي عامِرُ بنُ سعْدٍ أنَّ أبَا سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عنِ المُنَابَذَةِ وهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بالْبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أنْ يُقَلِّبَهُ أوْ يَنْظُرَ إلَيْهِ ونَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ والمُلَامَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَنهى عَن الْمُلَامسَة) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَسَعِيد بن عفير: هُوَ سعيد بن كثير بن عفير: بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء: الْمصْرِيّ، وَعقيل: بِضَم الْعين ابْن خَالِد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وعامر بن سعد بن أبي وَقاص، مر فِي الْإِيمَان، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه سعد بن مَالك. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أبي الطَّاهِر وحرملة بن يحيى وَعَن عَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن صَالح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى والْحَارث بن مِسْكين، وَعَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي وَعَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الْمُنَابذَة) ، مفاعلة من النبذ، وَقد ذكرنَا أَن المفاعلة تستدعي الْفِعْل من الْجَانِبَيْنِ، وَلَا يُوجد هَذَا إلَاّ فِيمَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق عَطاء بن ميناء عَن أبي هُرَيْرَة. أما الْمُلَامسَة فَأن يلمس كل وَاحِد مِنْهُمَا ثوب صَاحبه بِغَيْر تَأمل. والمنابذة: أَن ينْبذ كل وَاحِد مِنْهُمَا ثَوْبه إِلَى الآخر لم ينظر وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى ثوب صَاحبه، وَقيل: أَن يَجْعَل النبذ نفس البيع، وَهُوَ تَأْوِيل الشَّافِعِي. وَقيل: يَقُول: بِعْتُك، فَإِذا انبذته إِلَيْك فقد انْقَطع الْخِيَار، وَلُزُوم البيع. وَقيل: المُرَاد نبذ الْحَصَى، ونبذ الْحَصَاة أَن يَقُول: بِعْتُك من هَذِه الأثواب مَا وَقعت عَلَيْهِ الْحَصَاة الَّتِي أرميها، أَو: بِعْتُك من هَذِه الأَرْض من هُنَا إِلَى مَا انْتَهَت إِلَيْهِ الْحَصَاة، أَو يَقُول: بِعْتُك ولي الْخِيَار إِلَى أَن أرمي هَذِه الْحَصَاة، أَو يجعلا نفس الرَّمْي بالحصاة بيعا، مَعْنَاهُ: أَن يَقُول: إِذا رميت هَذَا الثَّوْب بالحصاة فَهُوَ بيع مِنْك بِكَذَا. وَهَذَانِ البيعان أَعنِي: الْمُلَامسَة والمنابذة عِنْد جمَاعَة الْعلمَاء من بيع الْغرَر والقمار لِأَنَّهُ إِذا لم يتَأَمَّل مَا اشْتَرَاهُ وَلَا علم صفته يكون مغرورا، وَمن هَذَا بيع الشَّيْء الْغَائِب على الصّفة فَإِن وجد كَمَا وصف لزم المُشْتَرِي وَلَا خِيَار لَهُ إِذا رَآهُ، وَإِن كَانَ على غير الصّفة فَلهُ الْخِيَار، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن سِيرِين وَأَيوب والْحَارث العكلي وَالْحكم وَحَمَّاد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: يجوز بيع الْغَائِب على الصّفة وَغير الصّفة، وَللْمُشْتَرِي خِيَار الرُّؤْيَة، وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ وسُفْيَان، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَأَنَّهُمْ استندوا إِلَى مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: (من اشْترى شَيْئا لم يره فَلهُ الْخِيَار) . قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) عَن داهر بن نوح: حَدثنَا عمر بن إِبْرَاهِيم بن خَالِد الْكرْدِي حَدثنَا وهيب الْيَشْكُرِي عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من اشْترى شَيْئا لم يره فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا رَآهُ) ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: عمر بن إِبْرَاهِيم هَذَا يُقَال لَهُ الْكرْدِي، يضع الْأَحَادِيث، وَهَذَا بَاطِل لَا يَصح لم يروه غَيره، وَإِنَّمَا يرْوى عَن ابْن سِيرِين من قَوْله: (قلت) روى الطَّحَاوِيّ عَن عَلْقَمَة بن أبي وَقاص أَن طَلْحَة اشْترى من عُثْمَان بن عَفَّان مَالا، فَقيل لعُثْمَان: إِنَّك قد غبنت! فَقَالَ عُثْمَان: لي الْخِيَار، لِأَنِّي بِعْت مَا لم أره. وَقَالَ طَلْحَة: لِأَنِّي اشْتريت مَا لم أره، فحكَّما بَينهمَا جُبَير بن مطعم، فَقضى أَن الْخِيَار لطلْحَة وَلَا خِيَار لعُثْمَان. ٥٤١٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ محَمَّدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ نُهِيَ عنْ لِبْسَتَيْنِ أنْ يَحْتَبيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ ثُمَّ يَرْفَعُهُ عَلى مَنْكِبِهِ وعنْ بَيْعَتَيْنِ اللِّمَاسِ والنِّبَاذِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والنباذ) ، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب مَا يستر من الْعَوْرَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن قبيصَة عَن عقبَة عَن سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ: (نهى رَسُول الله ﷺ عَن بيعَتَيْنِ، عَن

стр. 3376

اللماس والنباذ، وَأَن يشْتَمل الصماء، وَأَن يحتبي الرجل فِي ثوب وَاحِد) . وَأخرجه هُنَا: عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة. وَقد أخرج البُخَارِيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة من طرق، وَلم يذكر فِي شَيْء مِنْهَا تَفْسِير الْمُنَابذَة وَالْمُلَامَسَة. وَوَقع فِي تفسيرهما فِي (صَحِيح مُسلم) وَالنَّسَائِيّ، وَظَاهر الطّرق كلهَا أَن التَّفْسِير من الحَدِيث الْمَرْفُوع، لَكِن وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ مَا يشْعر بِأَنَّهُ من كَلَام من دون النَّبِي، ﷺ ، وَلَفظه: وَزعم أَن الْمُلَامسَة أَن يَقُول ... إِلَى آخِره فَالْأَقْرَب أَن يكون ذَلِك من الصَّحَابِيّ لبعد أَن يعبر الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي ﷺ بِلَفْظ وَزعم، ولوقوع التَّفْسِير فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ من قَوْله أَيْضا: (نهى عَن لبستين) اقْتصر على لبسة وَاحِدَة، قَالَ الْكرْمَانِي: اختصر الحَدِيث. وَالنَّوْع الثَّانِي هُوَ اشْتِمَال الصماء، وَقد تَركه لشهرته. قلت: مَا يُعجبنِي هَذَا الْجَواب، وَلَيْسَ الْموضع مِمَّا يقبل الِاخْتِصَار، لِأَن الْمَذْكُور فِيهِ شَيْئَانِ، فَكيف يتْرك أَحدهمَا اختصارا لشهرته؟ فلقائل أَن يَقُول: لِمَ ترك النَّوْع الأول وَهُوَ أشهر من النَّوْع الثَّانِي؟ وَأَيْضًا مَا غَرَضه من هَذَا الِاخْتِصَار هُنَا؟ نعم، يُوجد الِاخْتِصَار لغَرَض صَحِيح فِيمَا يكون غير مخل، وَالَّذِي يظْهر لي أَنه من أحد الروَاة، وأعجب من هَذَا قَول بَعضهم، وَقد وَقع بَيَان الثَّانِيَة عِنْد أَحْمد فِي طَرِيق هِشَام عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، وَلَفظه: (أَن يحتبي الرجل فِي ثوب وَاحِد لَيْسَ على فرجه مِنْهُ شَيْء، وَأَن يرتدي فِي ثوب يرفع طَرفَيْهِ على عَاتِقه) . وَقد مضى تَفْسِير هَذِه الْأَلْفَاظ فِي كتاب الصَّلَاة، والاحتباء أَن يجمع بَين ظَهره وساقيه بعمامته. ٣٦ - (بابُ بَيْعِ المُنَابَذَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْمُنَابذَة. وَقَالَ أنسٌ نَهَى عَنْهُ النبيُّ ﷺ أَي: نهى عَن بيع الْمُنَابذَة، النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب بيع المخاصرة، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي أول: بَاب بيع الْمُلَامسَة. ٦٤١٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ محَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبَّانَ وعَنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عنِ المُلامَسَةِ والمُنَابَذَةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والمنابذة) ، هَذَا طَرِيق آخر عَن أبي هُرَيْرَة عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك عَن مُحَمَّد ابْن يحيى بن حبَان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَعَن أبي الزِّنَاد عَن عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج. قَوْله: (عَن الْأَعْرَج) مُتَعَلق بِمُحَمد وبأبي الزِّنَاد، لِأَن مَالِكًا يروي عَنْهُمَا وهما يرويان عَن الْأَعْرَج. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن سَلمَة، والْحَارث بن مِسْكين كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك. ٧٤١٢ - حدَّثنا عَبَّاسُ بنُ الوَلِيدِ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ حَدثنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَطاءِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ لِبْسَتَيْنِ وعنْ بَيْعَتَيْنِ المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والمنابذة) ، وَعَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن الْوَلِيد الرقام الْبَصْرِيّ، وَعبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى الشَّامي الْبَصْرِيّ، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَعَطَاء بن يزِيد من الزِّيَادَة أَبُو يزِيد اللَّيْثِيّ، وَيُقَال: الجندعي، من أهل الْمَدِينَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن عَليّ ابْن عبيد الله عَن سُفْيَان، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَأبي الطَّاهِر بن السَّرْح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن الْحسن بن عَليّ عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ، وَعَن الْحُسَيْن ابْن حُرَيْث بِالنَّهْي عَن لبستين فِي الزِّينَة، وَالنَّهْي عَن بيعَتَيْنِ فِي الْبيُوع، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن أبي بكر

стр. 3377

ابْن أبي شيبَة، وَسَهل بن أبي سهل الرَّازِيّ، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِالنَّهْي عَن بيعَتَيْنِ فِي اللبَاس عَن أبي بكر، وَحده بِالنَّهْي عَن اللبستين. ٤٦ - (بابُ النَّهْيِ لِلْبَائِعِ أنْ لَا يُحَفَّلَ الأبلَ والْبَقَرَ والْغَنَمُ وكُلَّ مَحْفَلَةٍ والمُصْرَاةُ الَّتِي صُرَّىَ لَبَنُهَا وحُقِنَ فِيهِ وجُمِعَ فَلَمْ يُحْلَبْ أيَّاما وأصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ المَاءِ يُقالُ مِنْهُ صَرَّيْتُ الماءَ إذَا حَبَسْتَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي للْبَائِع أَن لَا يحفل، بِضَم الْيَاء وَتَشْديد الْفَاء: من التحفيل، وَفِي (الْمُحكم) : حفل اللَّبن فِي الضَّرع يحفل حفلاً وحفولاً، وتحفل واحتفل وَاجْتمعَ، وحفله هُوَ وحفله، وضرع حافل، وَالْجمع حفل، وناقة حافلة وحفول، والتحفيل التجميع، قَالَ أَبُو عبيد: سميت بذلك لِأَن اللَّبن يكثر فِي ضرْعهَا، وكل شَيْء كثرته فقد حفلته، واحتفل الْقَوْم إِذا كثر جمعهم، وَيُقَال مجْلِس حافل إِذا كثر الْخلق فِيهِ، وَمِنْه المحفل، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بَاب نهي البَائِع أَن يحفل الْإِبِل وَالْغنم بِدُونِ كلمة: لَا، وَبِدُون ذكر الْبَقر، وَذكره أَبُو نعيم أَيْضا بِدُونِ كلمة: لَا. وَقَالَ بَعضهم: لَا، زَائِدَة، وَجزم بِهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا يجب كَونهَا زَائِدَة لاحْتِمَال أَن تكون مفسرة، و: لَا يحفل، بَيَانا للنَّهْي، وَقيد بقوله: للْبَائِع، وَهُوَ الْمَالِك إِشَارَة إِلَى أَنه لَو حفل لأجل عِيَاله، أَو لأجل الضَّيْف لم يمْنَع من ذَلِك. فَإِن قلت: لَيْسَ للبقر ذكر فِي الحَدِيث، فلِمَ ذكرهَا فِي التَّرْجَمَة؟ قلت: لِأَنَّهَا فِي معنى الْإِبِل وَالْغنم فِي الحكم، وَفِيه خلاف دَاوُد الظَّاهِرِيّ على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وكل محفلة) بِالنّصب، عطف على الْإِبِل، أَي: لَا يحفل كل مَا من شَأْنهَا التحفيل، وَهُوَ من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى إِلْحَاق غير النعم من مَأْكُول اللَّحْم بِالنعَم، للجامع بَينهمَا، وَهُوَ تغرير المُشْتَرِي. وَقَالَت الْحَنَابِلَة وَبَعض الشَّافِعِيَّة: يخْتَص ذَلِك بِالنعَم، وَاخْتلفُوا فِي غير الْمَأْكُول كالأتان، وَالْجَارِيَة. فَالْأَصَحّ لَا يرد اللَّبن عوضا. وَبِه قَالَت الْحَنَابِلَة فِي الأتان دون الْجَارِيَة. قَوْله: (والمصراة) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ وَخَبره. قَوْله: (الَّتِي صري لَبنهَا) ، والمصراة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: اسْم مفعول من التصرية، يُقَال: صريت النَّاقة بِالتَّخْفِيفِ، وصريتها بِالتَّشْدِيدِ، وأصريتها: إِذا حفلتها، وناقة صرياء محفلة، وَجَمعهَا، صرايا، على غير قِيَاس. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: ذكر الشَّافِعِي الْمُصراة وفسرها أَنَّهَا الَّتِي تصر أخلافها وَلَا تحلب أَيَّامًا حَتَّى يجْتَمع اللَّبن فِي ضرْعهَا، فَإِذا حلبها المُشْتَرِي استغزرها، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: جَائِز أَن تكون سميت مصراة من صر أخلافها، كَمَا ذكر، إلَاّ أَنه لما اجْتمعت فِي الْكَلِمَة ثَلَاث راآت قلبت إِحْدَاهَا يَاء، كَمَا فِي: تظنيت، فِي، تظننت، كَرَاهَة اجْتِمَاع الْأَمْثَال، قَالَ: وَجَائِز أَن تكون من الصري، وَهُوَ الْجمع، وَإِلَيْهِ ذهب الْأَكْثَرُونَ. انْتهى. قلت: إِذا كَانَت الْمُصراة من الصر، بِالتَّشْدِيدِ، يكون اسْم الْمَفْعُول مِنْهُ: مصرورة، وَلكنهَا تكون من صرر على وزن: فعل، فَيكون اسْم الْمَفْعُول مِنْهُ مصرر، وَلَكِن لما قلبت الرَّاء الثَّالِثَة يَاء لما ذكره، قلبت ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، فَصَارَت: مصراة. وَإِذا كَانَت من الصري، وَهُوَ معتل اللَاّم اليائي، فَالْقِيَاس أَن يكون اسْم الْمَفْعُول مِنْهُ: مصراة، وَأَصلهَا مصرية، قلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَالْقِيَاس التصريفي أَن يكون أَصْلهَا من صرى يصري تصرية من بَاب التفعيل، فَفعل بهَا مَا ذكرنَا، وَلذَلِك قَالَ الْخطابِيّ: اخْتلف أهل الْعلم واللغة فِي تَفْسِير الْمُصراة، وَمن أَيْن أخذت، وَاشْتقت. وَقَول البُخَارِيّ: والمصراة الَّتِي صري لَبنهَا على الْقيَاس الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ الصَّحِيح. قَوْله: (وحقن) ، فِيهِ معنى صرى، وَعطف عَلَيْهِ على سَبِيل الْعَطف التفسيري لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ، وَالضَّمِير فِي: فِيهِ، يرجع إِلَى: الثدي، بِقَرِينَة ذكر اللَّبن. قَوْله: (وأصل التصرية. .) إِلَى آخِره تَفْسِير أَكثر أهل اللُّغَة، وَأَبُو عبيد أَيْضا فسر هَكَذَا، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى أَن الصَّحِيح فِي تَفْسِير الْمُصراة أَن تكون من صرى من بَاب فعل بِالتَّشْدِيدِ، وَمِنْه يُقَال: صريت المَاء أَي: حَبسته وَجمعته، وَيكون أصل: مصراة، على هَذَا: مصرية، فقلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَأكْثر مَا تكلمُوا فِيهِ خَارج عَن قانون التصريف. فَافْهَم. ٨٤١٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ عنِ الأعْرَجِ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ لَا تَصُرُّوا الإبِلَ والْغَنَمَ فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فإنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْنَ أنْ يَحْتَلِبَهَا إنْ شاءَ أمْسَكَ وإنْ شَاءَ رَدَّهَا وصاعَ تَمْرٍ. .

стр. 3378

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه بَقِيَّة الْأَئِمَّة السِّتَّة من طرق، وَقد رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة مُحَمَّد بن زِيَاد وَمُحَمّد بن سِيرِين والأعرج وَهَمَّام وَأَبُو صَالح ومُوسَى بن يسَار وثابت مولى عبد الرَّحْمَن بن زيد وَمُجاهد والوليد بن رَبَاح. أما رِوَايَة مُحَمَّد بن زِيَاد فَانْفَرد بهَا التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا وَكِيع عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : (من اشْترى مصراة فَهُوَ بِالْخِيَارِ) . يَعْنِي: إِذا حلبها إِن شَاءَ ردهَا ورد مَعهَا صَاعا من تمر، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا من رِوَايَة مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة. وَأما رِوَايَة مُحَمَّد بن سِيرِين فأخرجها مُسلم عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حبلة عَن أبي عَامر الْعَقدي. وأخرجها مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أَيُّوب عَن مُحَمَّد بن سِيرِين. وَأما رِوَايَة الْأَعْرَج فأخرجها الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد من طَرِيق مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج. وَأما رِوَايَة همام فَانْفَرد بهَا مُسلم من طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن همام. وَأما رِوَايَة أبي صَالح فَانْفَرد بهَا مُسلم أَيْضا من رِوَايَة يَعْقُوب ابْن عبد الرَّحْمَن عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه. وَأما رِوَايَة مُوسَى بن يسَار فأخرجها مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة دَاوُد بن قيس عَنهُ. وَأما رِوَايَة ثَابت وَهُوَ ابْن عِيَاض، فأخرجها البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة زِيَاد بن سعد عَنهُ. وَأما رِوَايَة مُجَاهِد والوليد بن رَبَاح فذكرهما البُخَارِيّ تَعْلِيقا على مَا يَأْتِي وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من ثَمَان طرق عَن ابْن سِيرِين بطريقين أَحدهمَا مَعَه خلاس بن عَمْرو وَمُحَمّد بن زِيَاد ومُوسَى بن يسَار والأعرج وَعِكْرِمَة وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي وَعبد الرَّحْمَن بن سعد مَعَ عِكْرِمَة. . قَوْله: (لَا تصروا الْإِبِل) ، بِفَتْح التَّاء وَضم الصَّاد، وَهُوَ نهي للْجَمَاعَة، وَالْإِبِل، مَنْصُوب ويروى: (لَا تصر) ، بِضَم التَّاء وَفتح الصَّاد بِصِيغَة الْإِفْرَاد على بِنَاء الْمَجْهُول، الْإِبِل مَرْفُوع بِهِ، وَالْغنم عطف على الْإِبِل بِالْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (فَمن ابتاعها) أَي: فَمن اشْترى الْمُصراة. قَوْله: (بعد) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي بعد هَذَا النَّهْي، أَو: بعد صر البَائِع. قلت: الْوَجْه الثَّانِي هُوَ الْأَوْجه، وَالْأول فِيهِ الْبعد. قَوْله: (فَإِنَّهُ) ، أَي: فَإِن الَّذِي ابتاعها. قَوْله: (بِخَير النظرين) ، أَي: بِخَير الرأيين. قَوْله: (أَن يحتلبها) ، بِكَسْر: إِن، كَذَا فِي الأَصْل على أَنَّهَا شَرْطِيَّة، ويحتلبها بِالْجَزْمِ لِأَنَّهُ فعل الشَّرْط، وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة والإسماعيلي من طَرِيق أَسد بن مُوسَى عَن اللَّيْث: بعد أَن يحلبها، بِفَتْح: أَن، وَنصب: يحلبها، وَظَاهر الحَدِيث أَن الْخِيَار لَا يثبت إلَاّ بعد الْحَلب، وَالْجُمْهُور على أَنه إِذا علم بالتصرية ثَبت لَهُ الْخِيَار، وَلَو لم يحلب. لَكِن لما كَانَت التصرية لَا تعرف غَالِبا إلَاّ بعد الْحَلب ذكر قيدا فِي ثُبُوت الْخِيَار، فَلَو ظَهرت التصرية بعد الْحَلب فَالْخِيَار ثَابت. قَوْله: (وَإِن شَاءَ ردهَا) ، وَفِي رِوَايَة مَالك: (وَإِن سخطها ردهَا) . قَوْله: (وَصَاع تمر) ، مَنْصُوب بِشَيْء مُقَدّر، وَالتَّقْدِير: ورد مَعهَا صَاع تمر، قيل: يجوز أَن يكون مَفْعُولا مَعَه، وَأجِيب: بِأَن جُمْهُور النُّحَاة على أَن شَرط الْمَفْعُول مَعَه أَن يكون فَاعِلا نَحْو: جِئْت أَنا وزيدا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث ابْن أبي ليلى وَمَالك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد وَأَبُو سُلَيْمَان وَزفر وَأَبُو يُوسُف فِي بعض الرِّوَايَات، فَقَالُوا: من اشْترى مصراة فحلبها فَلم يرض بهَا فَإِنَّهُ يردهَا إِن شَاءَ، وَيرد مَعهَا صَاعا من تمر، إلَاّ أَن مَالِكًا قَالَ: يُؤَدِّي أهل كل بلد صَاعا من أغلب عيشهم، وَابْن أبي ليلى قَالَ: يرد مَعهَا قيمَة صَاع من تمر، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف، وَلكنه غير مَشْهُور عَنهُ، وَقَالَ زفر: يرد مَعهَا صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير، أَو نصف صَاع من تمر. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: قَالَ مَالك: إِذا احتلبها ثَلَاثًا وسخطها لاخْتِلَاف لَبنهَا ردهَا وَمَعَهَا صَاعا من قوت ذَلِك الْبَلَد، تَمرا كَانَ أَو برا أَو غَيره. وَبِه قَالَ الطَّبَرِيّ وَأَبُو عَليّ بن أبي هُرَيْرَة من أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَعَن مَالك: يرد مكيلة مَا حلب من اللَّبن تَمرا أَو قِيمَته. وَقَالَ أَكثر أَصْحَاب الشَّافِعِي: لَا يكون إلَاّ من التَّمْر، وَإِذا لم يجد المُشْتَرِي التَّمْر فَهَل ينْتَقل إِلَى غَيره؟ حكى الْمَاوَرْدِيّ فِيهِ وَجْهَيْن: أَحدهمَا: يرد قِيمَته بِالْمَدِينَةِ. وَالثَّانِي: قِيمَته بأقرب بِلَاد التَّمْر إِلَيْهِ. وَاقْتصر الرَّافِعِيّ على نقل الْوَجْه الأول عَن الْمَاوَرْدِيّ، والوجهان مَعًا فِي (الْحَاوِي) . فَإِن اتّفق الْمُتَبَايعَانِ على غير التَّمْر فِي رد بدل لبن الْمُصراة، فقد حكى الرَّافِعِيّ عَن ابْن كج وَجْهَيْن فِي إِجْزَاء الْبر عَن التَّمْر إِذا اتفقَا عَلَيْهِ، فَكَانَ كالاستبدال عَمَّا فِي ذمَّته، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَأَبُو يُوسُف فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَمَالك فِي رِوَايَة وَأَشْهَب من الْمَالِكِيَّة وَابْن أبي ليلى فِي رِوَايَة وَطَائِفَة من أهل الْعرَاق: لَيْسَ للْمُشْتَرِي رد الْمُصراة بِخِيَار الْعَيْب، وَلكنه يرجع بِالنُّقْصَانِ، لِأَنَّهُ وجد مَا يمْنَع الرَّد وَهُوَ الزِّيَادَة الْمُنْفَصِلَة عَنْهَا، وَفِي الرُّجُوع بِالنُّقْصَانِ رِوَايَتَانِ عَن أبي حنيفَة فِي رِوَايَة (شرح الطَّحَاوِيّ) : يرجع

стр. 3379

على البَائِع بِالنُّقْصَانِ من الثّمن لتعذر الرَّد، وَفِي رِوَايَة (الْأَسْرَار) : لَا يرجع، لِأَن اجْتِمَاع اللَّبن وَجمعه لَا يكون عَيْبا. وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث بأجوبة. الأول: مَا قَالَه مُحَمَّد بن شُجَاع: إِن هَذَا الحَدِيث نسخه حَدِيث: البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا، فَلَمَّا قطع ﷺ بالفرقة الْخِيَار ثَبت بذلك أَن لَا خِيَار لأحد بعد ذَلِك إلَاّ لمن اسْتَثْنَاهُ سيدنَا رَسُول الله ﷺ فِي هَذَا، وَهُوَ قَوْله: (إلَاّ بيع الْخِيَار الْمَجْهُول) ورده الطَّحَاوِيّ بِأَن الْخِيَار الْمَجْهُول فِي الْمُصراة إِنَّمَا هُوَ خِيَار عيب، وَخيَار الْعَيْب لَا تقطعه الْفرْقَة. الثَّانِي: مَا قَالَه عِيسَى بن أبان، كَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام حَيْثُ كَانَت الْعُقُوبَات فِي الدُّيُون حَتَّى نسخ الله الرِّبَا، فَردَّتْ الْأَشْيَاء الْمَأْخُوذَة إِلَى أَمْثَالهَا. الثَّالِث: مَا قَالَه ابْن التِّين، وَمن جملَة مَا رووا بِهِ حَدِيث الْمُصراة بِالِاضْطِرَابِ، قَالَ مرّة: صَاعا من تمر، وَمرَّة: صَاعا من طَعَام، وَمرَّة مثل أَو مثلي لَبنهَا. الرَّابِع: أَن الحَدِيث، وَإِن وَقع بِنَقْل الْعدْل الضَّابِط عَن مثله إِلَى قَائِله، لَا بُد فِي اعْتِبَاره أَن يكون غير شَاذ وَلَا مَعْلُول، وَهَذَا مَعْلُول لِأَنَّهُ يُخَالف عُمُوم الْكتاب وَالسّنة الْمَشْهُورَة، فَيتَوَقَّف بهَا عَن الْعَمَل بِظَاهِرِهِ. أما عُمُوم الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٤٩١) . وَقَوله: ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ﴾ (النَّحْل: ٦٢١) . وَأما الحَدِيث فَقَوله، ﷺ : (الْخراج بِالضَّمَانِ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَصَححهُ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عَائِشَة، ويروى: (الْغلَّة بِالضَّمَانِ) ، وَالْمرَاد بالخراج مَا يحصل من غلَّة الْعين المبتاعة، عبدا كَانَ أَو أمة أَو ملكا، وَذَلِكَ أَن يَشْتَرِيهِ فيستعمله زَمَانا ثمَّ يعثر مِنْهُ على عيب قديم لم يطلعه البَائِع عَلَيْهِ، أَو لم يعرفهُ، فَلهُ رد الْعين الْمَبِيعَة وَأخذ الثّمن، وَيكون للْمُشْتَرِي مَا اسْتَعْملهُ، لِأَن الْمَبِيع لَو كَانَ تلف فِي يَده لَكَانَ من ضَمَانه، وَلم يكن لَهُ على البَائِع شَيْء. ثمَّ أَن هَؤُلَاءِ قد زَعَمُوا أَن رجلا لَو اشْترى شَاة فحلبها ثمَّ أصَاب عَيْبا غير التحفيل والتصرية أَنه يردهَا وَيكون اللَّبن لَهُ، وَكَذَلِكَ لَو اشْترى جَارِيَة مثلا فَولدت عِنْده ثمَّ ردهَا على البَائِع لعيب وجد بهَا، يكون الْوَلَد لَهُ، قَالُوا: لِأَن ذَلِك من الْخراج الَّذِي جعله النَّبِي، ﷺ ، للْمُشْتَرِي بِالضَّمَانِ، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، فالصاع من التَّمْر الَّذِي يُوجِبهُ هَؤُلَاءِ على مُشْتَرِي الْمُصراة إِذا ردهَا على بَايَعَهَا بِسَبَب التصرية والتحفيل، لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون عوضا من جَمِيع اللَّبن الَّذِي احتلبه مِنْهَا، كَانَ بعضه فِي ضرْعهَا وَقت وُقُوع البيع، وَحدث بعضه فِي ضرْعهَا بعد البيع. وَأما أَن يكون عوضا عَن اللَّبن الَّذِي فِي ضرْعهَا وَقت وُقُوع البيع خَاصَّة، فَإِن أَرَادوا الْوَجْه الأول فقد ناقضوا أصلهم الَّذِي جعلُوا بِهِ اللَّبن وَالْولد للْمُشْتَرِي بعد الرَّد بِالْعَيْبِ فِي الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذكرناهما، وَذَلِكَ لأَنهم جعلُوا حكمهمَا كَحكم الْخراج الَّذِي فعله النَّبِي، ﷺ ، للْمُشْتَرِي بِالضَّمَانِ، وَإِن أَرَادوا بِهِ الْوَجْه الثَّانِي فقد جعلُوا للْبَائِع صَاعا دينا بدين، وَهَذَا غير جَائِز لَا فِي قَوْلهم وَلَا فِي قَول غَيرهم، وَأي الْمَعْنيين أَرَادوا فهم فِيهِ تاركون أصلا من أصولهم، وَقد كَانَ هَؤُلَاءِ أولى بالْقَوْل بنسح الحكم فِي الْمُصراة لكَوْنهم يجْعَلُونَ اللَّبن فِي حكم الْخراج، وَغَيرهم لَا يجْعَلُونَ كَذَلِك، فَظهر من ذَلِك فَسَاد كَلَامهم وَفَسَاد مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ. فَإِن قلت: لَا نسلم أَن يكون اللَّبن فِي حكم الْخراج، لِأَن اللَّبن لَيْسَ بغلة وَإِنَّمَا كَانَ محفلاً فِيهَا، فَيلْزم رده. قلت: هَذَا مَمْنُوع، لِأَن الْغلَّة هِيَ الدخل الَّذِي يحصل، وَهِي أَعم من أَن يكون لَبَنًا أَو غَيره، وَأَيْضًا يلْزمهُم على هَذَا أَن يردوا عوض اللَّبن إِذا ردَّتْ الْمُصراة بِعَيْب آخر غير التصرية، وَلم يَقُولُوا بِهِ. فَإِن قلت: هَذَا حكم خَاص فِي نَفسه، وَحَدِيث: الْخراج بِالضَّمَانِ، عَام، وَالْخَاص يقْضِي على الْعَام. قلت: هَذَا زعمك، وَإِنَّمَا الأَصْل تَرْجِيح الْعَام على الْخَاص فِي الْعَمَل بِهِ، وَلِهَذَا رجحنا قَوْله، ﷺ ، فِي الأَرْض: (مَا أخرجت فَفِيهِ الْعشْر) ، على الْخَاص الْوَارِد، بقوله: (لَيْسَ فِي الخضراوات صَدَقَة، وَلَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة) ، وأمثال ذَلِك كَثِيرَة. ويُذْكَرُ عنْ أبِي صَالِحٍ ومُجاهِدٍ والوَلِيدِ بنِ رَباحٍ ومُوسَى بنِ يَسارٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ صاعَ تَمْرٍ التَّعْلِيق عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات، رَوَاهُ مُسلم، قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الْقَارِي عَن سُهَيْل عَن أَبِيه أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من ابْتَاعَ شَاة مصراة فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاث أَيَّام، إِن شَاءَ أمْسكهَا، وَإِن شَاءَ ردهَا ورد مَعهَا صَاعا من تمر) . انْتهى. وَأَحَادِيث الْمُصراة على نَوْعَيْنِ. أَحدهمَا: مُطلق عَن ذكر مُدَّة الْخِيَار، وَبِه أخذت الْمَالِكِيَّة وحكموا فِيهَا بِالرَّدِّ مُطلقًا. وَالْآخر: مِنْهَا: مُقَيّد ذكر مُدَّة الْخِيَار كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم

стр. 3380

هَذِه، وَبِه أخذت الشَّافِعِيَّة، وَاسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَن المُشْتَرِي لَو لم يطلع على التصرية إلَاّ بعد الثَّلَاث أَنه لَا يثبت لَهُ خِيَار الرَّد لظَاهِر الحَدِيث. وَقَالَ شَيخنَا: وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي ثُبُوته كَسَائِر الْعُيُوب، وَلكنه على الْفَوْر عِنْدهم بِلَا خلاف لَا يَمْتَد بعد الِاطِّلَاع عَلَيْهِ. وَأما التَّعْلِيق عَن مُجَاهِد فوصله الْبَزَّار، حَدثنَا مُحَمَّد بن مُوسَى الْقطَّان حَدثنَا عَمْرو بن أبان حَدثنَا مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة وَفِيه: من ابْتَاعَ مصراة فَلهُ أَن يردهَا وصاعا من طَعَام، وَمُحَمّد بن مُسلم فِيهِ مقَال، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَالَّذِي علقه عَن مُجَاهِد لم أره إلَاّ مَا فِي مُسْند الْبَزَّار. قلت: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي الْأَوْسَط وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه. وَأما التَّعْلِيق عَن الْوَلِيد بن رَبَاح، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة، فوصله أَحْمد بن منيع بِلَفْظ: (من اشْترى مصراة فليرد مَعهَا صَاعا من تمر) . وَأما التَّعْلِيق عَن مُوسَى بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة فوصله مُسلم: حَدثنَا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حَدثنَا دَاوُد بن قيس عَن مُوسَى بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من اشْترى شَاة مصراة فلينقلب بهَا فليحلبها، فَإِن رَضِي حلابها أمْسكهَا وإلَاّ ردهَا وَمَعَهَا صَاع تمر) . وَقَالَ بَعْضُهُمْ عنِ ابنِ سِيرِينَ صَاعا منْ طَعَامٍ وهْوَ بِالخَيَارِ ثَلَاثا التَّعْلِيق عَن مُحَمَّد بن سِيرِين رَوَاهُ مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو بن جبلة بن أبي رواد حَدثنَا أَبُو عَامر يَعْنِي: الْعَقدي حَدثنَا قُرَّة عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (من اشْترى شَاة مصراة فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن ردهَا رد مَعهَا صَاعا لَا سمراء) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، ثمَّ قَالَ: معنى من طَعَام: لَا سمراء، لَا بر. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: المُرَاد بِالطَّعَامِ هُنَا التَّمْر، لقَوْله: لَا سمراء قلت: لَا يعلم أَن المُرَاد من الطَّعَام هَهُنَا التَّمْر، وَلَا قَوْله: لَا سمراء، يدل عَلَيْهِ لِأَن الَّذِي يفهم مِنْهُ أَن لَا يكون قمحا وَغَيره أَعم من أَن يكون تَمرا أَو غَيره. وَقَالَ بَعضهم: وروى ابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن عون عَن ابْن سِيرِين أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: لَا سمراء، تمر لَيْسَ ببر، فَهَذِهِ الرِّوَايَة تبين أَن المُرَاد بِالطَّعَامِ التَّمْر، وَلما كَانَ الْمُتَبَادر إِلَى الذِّهْن أَن المُرَاد بِالطَّعَامِ الْقَمْح نَفَاهُ بقوله: لَا سمراء، ورد هَذَا بِمَا رَوَاهُ الْبَزَّار من طَرِيق أَشْعَث بن عبد الْملك عَن ابْن سِيرِين بِلَفْظ: إِن ردهَا ردهَا وَمَعَهَا صَاع من بر لَا سمراء. قلت: الظَّاهِر من قَوْله: (لَا سمراء) نفي لقمح مَخْصُوص، وَهِي الْحِنْطَة الشامية، وَقد روى الطَّحَاوِيّ من طَرِيق أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين: أَن المُرَاد بالسمراء الْحِنْطَة الشامية، وَهِي كَانَت أغْلى ثمنا من الْبر الْحِجَازِي فَكَأَنَّهُ، ﷺ ، أَمر برد الصَّاع من الْبر الْحِجَازِي لِأَن الْبر الشَّامي لكَونه أغْلى ثمنا قصد التَّخْفِيف عَلَيْهِم، وَجَاء فِي الحَدِيث أَيْضا: أَن الطَّعَام غير التَّمْر، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن رجل من الصَّحَابَة نَحْو حَدِيث الْبَاب، وَفِيه: وَإِن ردهَا رد مَعهَا صَاعا من تمر، فَإِن ظَاهره يَقْتَضِي التَّخْيِير بَين التَّمْر وَالطَّعَام، وَأَن الطَّعَام غير التَّمْر. وَقَالَ بَعْضُهُمْ عنِ ابنِ سِيرِينَ صَاعا مِنْ تَمْرٍ ولَمْ يَذْكُرْ ثَلاثا والتَّمْرُ أكْثَرُ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ مُسلم حَدثنَا ابْن أبي عمر، حَدثنَا سُفْيَان عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من اشْترى شَاة مصراة فَهُوَ بِخَير النظرين: إِن شَاءَ أمْسكهَا، وَإِن شَاءَ ردهَا وصاعا من تمر لَا سمراء) . قَوْله: (وَالتَّمْر أَكثر) من كَلَام البُخَارِيّ. أَي: أَكثر من الطَّعَام، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقيل: أَكثر عددا من الرِّوَايَات الَّتِي لم ينص عَلَيْهِ، أَو أبدلته بِذكر الطَّعَام. وَقَالَ بَعضهم: قد أَخذ بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث جُمْهُور أهل الْعلم، وَأفْتى بِهِ ابْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة، وَلَا مُخَالف لَهُم من الصَّحَابَة، وَقَالَ بِهِ من التَّابِعين وَمن بعدهمْ من لَا يُحْصى عدده، وَلم يفرقُوا بَين أَن يكون اللَّبن الَّذِي احتلب قَلِيلا أَو كثيرا، وَلَا بَين أَن يكون تمر تِلْكَ الْبَلَد أم لَا. انْتهى. قلت: أَبُو حنيفَة غير مُنْفَرد بترك الْعَمَل بِحَدِيث الْمُصراة، بل مَذْهَب الْكُوفِيّين وَابْن أبي ليلى وَمَالك فِي رِوَايَة مثل مَذْهَب أبي حنيفَة، وَقد نهى النَّبِي ﷺ عَن التصرية، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: أشهد على الصَّادِق المصدوق أبي الْقَاسِم ﷺ أَنه قَالَ: بيع المحفلات خلابة وَلَا تحل الخلابة لمُسلم) . انْتهى. قلت: وَالْكل مجمعون على أَن التصرية حرَام وغش وخداع، وَلأَجل كَون بيعهَا صَحِيحا مَعَ كَونهَا حَرَامًا أجَاب

стр. 3381

عَنْهَا بِمَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى عَن قريب. وَأقوى الْوُجُوه فِي ترك الْعَمَل بهَا مخالفتها لِلْأُصُولِ من ثَمَانِيَة أوجه. أَحدهَا: أَنه أوجب من الرَّد من غير عيب وَلَا شَرط. الثَّانِي: أَنه قدر الْخِيَار بِثَلَاثَة أَيَّام، وَإِنَّمَا يتَقَيَّد بِالثلَاثِ خِيَار الشَّرْط. الثَّالِث: أَنه أوجب الرَّد بعد ذهَاب جُزْء من الْمَبِيع. الرَّابِع: أَنه أوجب الْبَدَل مَعَ قيام الْمُبدل. الْخَامِس: أَنه قدره بِالتَّمْرِ أَو بِالطَّعَامِ والمتلفات إِنَّمَا تضمن بأمثالها أَو قيمتهَا بِالنَّقْدِ. السَّادِس: أَن البن من ذَوَات الْأَمْثَال، فَجعل ضَمَانه فِي هَذَا الْخَبَر بِالْقيمَةِ. السَّابِع: أَنه يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا فِيمَا إِذا بَاعهَا بِصَاع تمر. الثَّامِن: أَنه يُؤَدِّي إِلَى الْجمع بَين الْعِوَض والمعوض. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: لم ينْفَرد أَبُو هُرَيْرَة بِرِوَايَة هَذَا الأَصْل، فقد أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث عمر، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ من وَجه آخر عَنهُ، وإبو يعلى من حَدِيث أنس. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) من طَرِيق عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ. وَأخرجه أَحْمد من رِوَايَة رجل من الصَّحَابَة لم يسم، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هَذَا الحَدِيث مجمع على صِحَّته وثبوته من جِهَة النَّقْل. قلت: أما حديثابن عمر فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة صَدَقَة بن سعيد الْجعْفِيّ عَن جَمِيع بن عُمَيْر التَّيْمِيّ،، قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عمر يَقُول: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من ابْتَاعَ محفلة فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن رد مَعهَا مثل أَو مثلي لَبنهَا قمحا) ، قَالَ الْخطابِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بذلك. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ جَمِيع بن عُمَيْر، وَقَالَ البُخَارِيّ: فِيهِ نظر، وَذكره ابْن حبَان فِي الضُّعَفَاء، وَقَالَ: كَانَ رَافِضِيًّا يضع الحَدِيث. وَقَالَ ابْن نمير: كَانَ من أكذب النَّاس، وَقَالَ ابْن عدي: عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: كُوفِي صَالح الحَدِيث من عنق الشِّيعَة. وَأما حَدِيث أنس فَأخْرجهُ أَبُو يعلى وَفِي سَنَده إِسْمَاعِيل ابْن مُسلم الْمَكِّيّ وَهُوَ ضَعِيف. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن مُسلم عَن الْحسن عَن أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من اشْترى شَاة محفلة فَإِن لصَاحِبهَا أَن يحتلبها، فَإِن رضيها فليمسكها، وإلَاّ فليردها وصاعا من تمر) . وَالْمَحْفُوظ أَنه مُرْسل. وَأما حَدِيث رجل من الصَّحَابَة، فَأخْرجهُ أَحْمد عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يتلَقَّى الجلب وَلَا يَبِيع حَاضر لباد، وَمن اشْترى شَاة مصراة أَو نَاقَة) . قَالَ شُعْبَة: إِنَّمَا قَالَ: نَاقَة مرّة وَاحِدَة. (فَهُوَ مِنْهَا بِأحد النظرين، إِذا هُوَ حلب، إِن ردهَا رد مَعهَا صَاعا من طَعَام) . قَالَ الحكم: أَو صَاعا من تمر، ثمَّ إِن بَعضهم قد تصدى للجواب عَمَّا قَالَت الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا الْموضع، فَمَا قَالُوا: إِن هَذَا يَعْنِي: حَدِيث الْمُصراة خبر وَاحِد لَا يُفِيد إلَاّ الظَّن، وَهُوَ مُخَالف لقياس الْأُصُول الْمَقْطُوع بِهِ، فَلَا يلْزم الْعَمَل بِهِ. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل وَتعقب: بِأَن التَّوَقُّف فِي خبر الْوَاحِد إِنَّمَا هُوَ فِي مُخَالفَة الْأُصُول لَا فِي مُخَالفَة قِيَاس الْأُصُول، وَهَذَا الْخَبَر إِنَّمَا خَالف قِيَاس الْأُصُول بِدَلِيل أَن الْأُصُول الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس، وَالْكتاب وَالسّنة فِي الْحَقِيقَة هما الأَصْل والآخران مردودان اليهما، فَالسنة أصل وَالْقِيَاس فرع، فَكيف يرد الأَصْل بالفرع؟ بل الحَدِيث الصَّحِيح أصل بِنَفسِهِ فَكيف يُقَال: إِن الأَصْل يُخَالف نَفسه؟ انْتهى. قلت: قَوْله: وَهُوَ مُخَالف لقياس الْأُصُول، لم يقل بِهِ الْحَنَفِيَّة، كَذَا، وَكَيف ينْقل عَنْهُم مَا لم يَقُولُوا أَو قَالُوا؟ فينقل عَنْهُم بِخِلَاف مَا أَرَادوا مِنْهُ لعدم التروي وَعدم إِدْرَاك التَّحْقِيق فِيهِ؟ فَكيف يُقَال: وَهُوَ مُخَالف لقياس الْأُصُول، وَالْحَال أَن الْقيَاس أصل من الْأُصُول، لِأَن الْحَنَفِيَّة عدوا الْقيَاس أصلا رَابِعا، على مَا فِي كتبهمْ الْمَشْهُورَة، فَيكون معنى مَا نقلوا من هَذَا، وَهُوَ مُخَالف لأصل الْأُصُول، وَهُوَ كَلَام فَاسد، وَقَوله: وَالْقِيَاس فرع، كَلَام فَاسد أَيْضا لِأَنَّهُ عد أصلا رَابِعا، فَكيف يَقُول: إِنَّه فرع، حَتَّى يَتَرَتَّب عَلَيْهِ قَوْله؟ فَكيف يرد الأَصْل بالفرع؟ ثمَّ إِنَّه نقل عَن ابْن السَّمْعَانِيّ من قَوْله: مَتى ثَبت الْخَبَر صَار أصلا من الْأُصُول، وَلَا يحْتَاج إِلَى عرضه على أصل آخر، لِأَنَّهُ إِن وَافقه فَذَاك، وَإِن خَالفه لم يجز رد أَحدهمَا لِأَنَّهُ رد للْخَبَر، وَهُوَ مَرْدُود بِاتِّفَاق؟ انْتهى. قلت: ثمَّ نقل عَن ابْن السَّمْعَانِيّ من قَوْله: وَالْأولَى عِنْدِي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة تَسْلِيم الأقيسة، لَكِنَّهَا لَيست لَازِمَة، لِأَن السّنة الثَّابِتَة مُقَدّمَة عَلَيْهَا وعَلى تَقْدِير التنزل فَلَا نسلم أَنه مُخَالف لقياس الْأُصُول، لِأَن الَّذِي ادعوهُ عَلَيْهِ من الْمُخَالفَة بينوها بأوجه: أَحدهَا: أَن الْمَعْلُوم من الْأُصُول أَن ضَمَان الْمِثْلِيَّات بِالْمثلِ والمتقومات بِالْقيمَةِ، وَهَهُنَا إِن كَانَ اللَّبن مثلِيا فليضمن بِاللَّبنِ، وَإِن كَانَ مُتَقَوّما فليضمن بِأحد النَّقْدَيْنِ، وَقد وَقع هُنَا مَضْمُونا بِالتَّمْرِ فَخَالف الأَصْل، وَالْجَوَاب منع الْحصْر، فَإِن الْحر يضمن فِي دِيَته بِالْإِبِلِ، وَلَيْسَت مثلا لَهُ، وَلَا قيمَة، وَأَيْضًا فضمان الْمثل بِالْمثلِ لَيْسَ مطردا، فقد يضمن الْمثل بِالْقيمَةِ إِذا تَعَذَّرَتْ الْمُمَاثلَة، كمن أتلف شَاة لبونا كَانَ عَلَيْهِ قيمتهَا، وَلَا يَجْعَل بِإِزَاءِ لَبنهَا لَبَنًا آخر، لتعذر الْمُمَاثلَة. انْتهى. قلت:

стр. 3382

قَوْله: فَلَا نسلم أَنه مُخَالف لقياس الْأُصُول ... إِلَى آخِره، غير مُسلم لِأَن مُخَالفَته للقاعدة الْأَصْلِيَّة ظَاهِرَة، وَهِي أَن ضَمَان الْمثل بِالْمثلِ وَضَمان الْمُتَقَوم بِالْقيمَةِ، وَهَذِه الْقَاعِدَة مطردَة فِي بَابهَا، وَضَمان الْمثل بِالْقيمَةِ عِنْد التَّعَذُّر خَارج عَن بَاب الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة، فَلَا يرد عَلَيْهَا الِاعْتِرَاض بذلك، لِأَن بَاب التَّعَذُّر مُسْتَثْنى عَنْهَا، والتعذر تَارَة يكون بالاستحالة كَمَا فِي ضَمَان الْحر بِالْإِبِلِ، وَتارَة يكون بِالْعدمِ، كتعذر الْمُمَاثلَة فِي ضَمَان لبن الشَّاة واللبون، وَأَيْضًا فِي مَسْأَلَة الشَّاة اللَّبُون: اللَّبن جُزْء من أَجْزَائِهَا، فَيدْخل فِي ضَمَان الْكل، وَدفع الصَّاع من التَّمْر أَو غَيره مَعَ اللَّبن فِي الْمُصراة إِنَّمَا كَانَ فِي وَقت الْعقُوبَة فِي الْأَمْوَال بِالْمَعَاصِي، وَذَلِكَ لِأَن النَّبِي ﷺ نَص على أَن بيع المحفلات خلابة، والخلابة حرَام، فَكَانَ من فعل هَذَا وَبَاعَ صَار مُخَالفا لما أَمر بِهِ رَسُول الله ﷺ ، وداخلاً فِيمَا نهى عَنهُ، فَكَانَت عُقُوبَته فِي ذَلِك أَن يَجْعَل اللَّبن المحلوب فِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة للْمُشْتَرِي بِصَاع من تمر، وَلَعَلَّه يُسَاوِي آصعا كَثِيرَة، ثمَّ نسخت الْعُقُوبَات فِي الْأَمْوَال بِالْمَعَاصِي، وَردت الْأَشْيَاء إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ من الْقَاعِدَة الْأَصْلِيَّة. ثمَّ ذكر ابْن السَّمْعَانِيّ عَن الْحَنَفِيَّة أَنهم قَالُوا: إِن الْقَوَاعِد تَقْتَضِي أَن يكون الْمَضْمُون مُقَدّر الضَّمَان بِقدر التَّالِف، وَذَلِكَ مُخْتَلف، وَقد قدر هَهُنَا بِمِقْدَار وَاحِد وَهُوَ الصَّاع، فَخرج عَن الْقيَاس. وَالْجَوَاب: منع التَّعْمِيم فِي المضمونات كالموضحة، فأرشها مُقَدّر مَعَ اختلافها بِالْكبرِ والصغر، والغرة مقدرَة فِي الْجَنِين مَعَ اختلافه. انْتهى. قلت: لَا نسلم منع التَّعْمِيم فِي بَابه كَمَا ذكرنَا، وَمَا مثل بِهِ على وَجه الْإِيرَاد على الْقَاعِدَة غير وَارِد لأَنا قُلْنَا: إِن الَّذِي يفعل من ذَلِك عِنْد التَّعَذُّر خَارج من بَاب الْقَاعِدَة، غير دَاخل فِيهَا، حَتَّى يمْنَع اطراد الْقَاعِدَة، ثمَّ ذكر عَنْهُم أَيْضا أَن اللَّبن التَّالِف إِن كَانَ مَوْجُودا عِنْد العقد فقد ذهب جُزْء من الْمَعْقُود عَلَيْهِ من أصل الْخلقَة، وَذَلِكَ مَانع من الرَّد، فقد حدث على ملك المُشْتَرِي فَلَا يضمنهُ، وَإِن كَانَ مختلطا، فَمَا كَانَ مِنْهُ مَوْجُودا عِنْد العقد، وَمَا كَانَ حَادِثا لم يحب ضَمَانه. وَالْجَوَاب: أَن يُقَال: إِنَّمَا يمْتَنع الرَّد بِالنَّقْصِ إِذا لم يكن لاستعلام الْعَيْب، وإلَاّ فَلَا يمْتَنع، وَهنا كَذَلِك. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالُوهُ كَلَام وَاضح صَحِيح، وَالْجَوَاب الَّذِي أَجَابَهُ لَيْسَ بِشَيْء، فَهَل يرضى أحد أَن يرد هَذَا الْكَلَام بِمثل هَذَا الْجَواب؟ وَلَيْسَ الْعجب مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْعجب من الَّذِي يَنْقُلهُ فِي تأليفه ويرضى بِهِ. ثمَّ ذكر عَنْهُم فِيمَا قَالُوا: بِأَنَّهُ خَالف الْأُصُول فِي جعل الْخِيَار فِيهِ ثَلَاثًا، مَعَ أَن خِيَار الْعَيْب لَا يقدر بِالثلَاثِ، وَكَذَا خِيَار الْمجْلس عِنْد من يَقُول بِهِ، وَخيَار الرُّؤْيَة عِنْد من يُثبتهُ. ثمَّ أجَاب: بِأَن حكم الْمُصراة انْفَرد بِأَصْلِهِ عَن مماثله، فَلَا تستغرب أَن ينْفَرد بِوَصْف زَائِد على غَيره، انْتهى. قلت: لانفراده بِأَصْلِهِ عَن مماثله قُلْنَا: إِنَّه مَنْسُوخ، كَمَا ذكرنَا فِيمَا مضى. ثمَّ ذكر عَنْهُم أَنهم قَالُوا: يلْزم من الْأَخْذ بِهِ الْجمع بَين الْعِوَض والمعوض، ثمَّ أجَاب: بِأَن التَّمْر عوض عَن اللَّبن لَا عَن الشَّاة. قلت: لَيْسَ دفع التَّمْر الْإِجْزَاء لما ارْتكب من الْعِصْيَان حِين كَانَت الْعقُوبَة بالأموال فِي الْمعاصِي. ثمَّ ذكر عَنْهُم بِأَنَّهُ مُخَالف لقاعدة الرِّبَا فِيمَا إِذا اشْترى شَاة بِصَاع، فَإِذا اسْتردَّ مَعهَا صَاعا فقد اسْترْجع الصَّاع الَّذِي هُوَ الثّمن، فَيكون قد بَاعَ شَاة وصاعا بِصَاع. الْجَواب: أَن الرِّبَا إِنَّمَا يعْتَبر فِي الْعُقُود لَا فِي الفسوخ، بِدَلِيل أَنَّهُمَا لَو تبَايعا ذَهَبا بِفِضَّة لم يجز أَن يَتَفَرَّقَا قبل الْقَبْض، فَلَو تقابلا فِي هَذَا العقد بِعَيْنِه جَازَ التَّفَرُّق قبل الْقَبْض. انْتهى. قلت: ذكره هَذِه الْمَسْأَلَة تَأْكِيدًا لما قَالَه من الْجَواب لَا يفِيدهُ، لِأَن بالإقالة صَار العقد كَأَنَّهُ لم يكن، وَعَاد كل شَيْء إِلَى أَصله فَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يُقَال: جَازَ التَّفَرُّق قبل الْقَبْض. ثمَّ ذكر عَنْهُم بِأَنَّهُم قَالُوا: يلْزم مِنْهُ ضَمَان الْأَعْيَان مَعَ بَقَائِهَا فِيمَا إِذا كَانَ اللَّبن مَوْجُودا والأعيان لَا تضمن بِالْبَدَلِ إلَاّ مَعَ فَوَاتهَا كالمغصوب، وَالْجَوَاب: أَن اللَّبن وَإِن كَانَ مَوْجُودا لكنه تعذر رده لاختلاطه بِاللَّبنِ الْحَادِث بعد العقد، وَتعذر تَمْيِيزه، فَأشبه الْآبِق بعد الْغَصْب، فَإِنَّهُ يضمن قِيمَته مَعَ بَقَاء عينه لتعذر الرَّد انْتهى. قلت: لما تعذر رد اللَّبن لاختلاطه بِاللَّبنِ الْحَادِث صَار حكمه حكم الْعَدَم فَيضمن بِالْبَدَلِ، كَالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَة إِذا هَلَكت عِنْد الْغَاصِب، وتشبيهه بِالْعَبدِ الْآبِق غير صَحِيح، لِأَنَّهُ إِذا تعذر رده صَار فِي حكم الْهَالِك، فَيتَعَيَّن الْقيمَة. ثمَّ نقل عَنْهُم بِأَنَّهُ: يلْزم مِنْهُ إِثْبَات الرَّد بِغَيْر عيب وَلَا شَرط، ثمَّ أجَاب: بِأَنَّهُ لما رأى ضرعا مملوءا لَبَنًا ظن أَنه عَادَة لَهَا، فَكَانَ البايع شَرط لَهُ ذَلِك، فَتبين لَهُ الْأَمر بِخِلَافِهِ، فَثَبت لَهُ الرَّد لفقد الشَّرْط الْمَعْنَوِيّ. انْتهى. قلت: البيع بِمثل هَذَا الشَّرْط فَاسد إِن كَانَ لفظيا، فبالمعنوي بِالْأولَى، وَلَا يَصح من الشُّرُوط إلَاّ شَرط الْخِيَار بِالنَّصِّ الْوَارِد فِيهِ، وَأما الْعَيْب فَإِذا ظهر فَإِنَّهُ يردهُ وَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الشَّرْط.

стр. 3383

٩٤١٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ حدَّثنا أبُو عُثْمَانَ عنْ عَبْدِ الله ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قالَ مَنِ اشْتَرَى شَاة محَفَّلَةً فرَدَّهَا فلْيَرُدَّ معَهَا صَاعا ونَهَى النبيُّ ﷺ أنْ تُلَقَّى الْبُيُوعُ. (الحَدِيث ٩٤١٢ طرفه فِي: ٤٦١٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه دَاخل فِي الحَدِيث السَّابِق المطابق للتَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُسَدّد. الثَّانِي: مُعْتَمر، بِضَم الْمِيم الأولى وَكسر الثَّانِيَة: ابْن سُلَيْمَان. الثَّالِث: أَبوهُ سُلَيْمَان بن طرخان. الرَّابِع: أَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بالنُّون أسلم فِي عهد النَّبِي ﷺ وَأدّى إِلَيْهِ الصَّدقَات وغزا غزوات فِي عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَاتَ فِي سنة خمس وَتِسْعين وعمره مائَة وَثَلَاثُونَ سنة. الْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم بصريون غير ابْن مَسْعُود. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ مفرقا عَن مُسَدّد وَيزِيد بن زُرَيْع، وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن يحيى بن حَكِيم، ثمَّ إِن هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان مَوْقُوفا. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبيد الله بن معَاذ عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان مَرْفُوعا، وَذكر أَن رَفعه غلط، وَرَوَاهُ أَكثر أَصْحَاب سُلَيْمَان عَنهُ كَمَا هُنَا مَوْقُوفا حَدِيث المحفلة من كَلَام ابْن مَسْعُود، وَحَدِيث النَّهْي عَن التلقي مَرْفُوع، وَخَالفهُم أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، فَرَوَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد مَرْفُوعا. أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَشَارَ إِلَى وهمه أَيْضا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَردهَا فليرد مَعهَا صَاعا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ من قبيل: (علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا) بِأَن يُقَال: إِن ثمَّة إضمارا أَي: وسقيتها مَاء، أَو يَجْعَل: علفتها، مجَازًا عَن فعل شَامِل للتعليف والسقي، نَحْو: أعطيتهَا. وَقيل: فَردهَا أَي أَرَادَ ردهَا فليرد مَعهَا، وَقَالَ بَعضهم: يجوز أَن تكون مَعَ بِمَعْنى بعد، فَيكون الْمَعْنى فليرد بعْدهَا صَاعا. وَاسْتشْهدَ لقَوْله هَذَا بقوله تَعَالَى: ﴿وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان﴾ (النَّمْل: ٤٤) . قلت: لم يذكر النُّحَاة لمع إلَاّ ثَلَاث معَان: أَحدهَا: مَوضِع الِاجْتِمَاع، وَلِهَذَا يخبر بهَا عَن الذوات نَحْو: ﴿وَالله مَعكُمْ﴾ (مُحَمَّد: ٥٣) . الثَّانِي: زَمَانه، نَحْو جئْتُك مَعَ الْعَصْر. وَالثَّالِث: مرادفة: عِنْد، وَمَا رَأَيْت فِي كتب الْقَوْم مَا يدل على مَا ذكره. قَوْله: (تلقى) ، أَي: يسْتَقْبل، والتلقي الِاسْتِقْبَال، وَهُوَ بِضَم التَّاء وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْقَاف، ويروى بِالتَّخْفِيفِ. قَوْله: (الْبيُوع) ، أَي: أَصْحَاب الْبيُوع، أَو المُرَاد من الْبيُوع: المبيعات. ٠٥١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِك عنْ أبِي الزِّنادِ عَن الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ ولَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ علَى بَيْعِ بَعْضٍ ولَا تَنَاجَشُوا ولَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبادٍ ولَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ ومَنِ ابْتَاعَهَا فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أنْ يَحْتَلِبَهَا إنْ رَضِيَهَا أمْسَكَهَا وإنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وصاعا مِنْ تَمْرٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة أوضح مَا يكون. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، الْكل عَن مَالك. قَوْله: (لَا تلقوا الركْبَان) ، بِفَتْح الْقَاف، وَأَصله: لَا تتلقوا، بتاءين، فحذفت إِحْدَاهمَا أَي: لَا تستقبلوا الَّذين يحملون الْمَتَاع إِلَى الْبَلَد للاشتراء مِنْهُم، قبل قدوم الْبَلَد وَمَعْرِفَة السّعر. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَأما قَوْله: (لَا تلقوا الركْبَان) ، فقد رُوِيَ هَذَا الْمَعْنى بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة، فَرَوَاهُ الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة: (لَا تلقوا الركْبَان) وَفِي رِوَايَة ابْن سِيرِين: (لَا تلقوا الجلب) وَلَا رِوَايَة أبي صَالح وَغَيره: نهى أَن يتلَقَّى السّلع حَتَّى يدْخل الْأَسْوَاق، وروى

стр. 3384

ابْن عَبَّاس: لَا تستقبلوا السُّوق وَلَا يتلَقَّى بَعْضكُم لبَعض، وَالْمعْنَى وَاحِد، فَحَمله مَالك على أَنه: لَا يجوز أَن يَشْتَرِي أحد من الجلب السّلع الهابطة إِلَى الْأَسْوَاق، سَوَاء هَبَطت من أَطْرَاف الْمصر أَو من الْبَوَادِي، حَتَّى يبلغ بالسلعة سوقها. وَقيل لمَالِك: أَرَأَيْت إِن كَانَ تِلْكَ على رَأس سِتَّة أَمْيَال؟ فَقَالَ: لَا بَأْس بذلك، وَالْحَيَوَان وَغَيره فِي ذَلِك سَوَاء، وَعَن ابْن الْقَاسِم: إِذا تلقاها متلق واشتراها قبل أَن يهْبط بهَا إِلَى السُّوق، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يفْرض، فَإِن نقصت عَن ذَلِك الثّمن لَزِمت المُشْتَرِي. قَالَ سَحْنُون، وَقَالَ لي غير ابْن الْقَاسِم: يفْسخ البيع، وَقَالَ اللَّيْث: أكره تلقي السّلع وشراءها فِي الطَّرِيق أَو على بابك حَتَّى تقف السّلْعَة فِي سوقها، وَسبب ذَلِك الرِّفْق بِأَهْل الْأَسْوَاق لِئَلَّا ينقطعوا بهم عَمَّا لَهُ جَلَسُوا يَبْتَغُونَ من فضل الله تَعَالَى، فنهوا عَن ذَلِك، لِأَن فِي ذَلِك إفسادا عَلَيْهِم. وَقَالَ الشَّافِعِي: رفقا بِصَاحِب السّلْعَة لِئَلَّا يبخس فِي ثمن سلْعَته، وَعند أبي حنيفَة: من أجل الضَّرَر، فَإِن لم يضر بِالنَّاسِ تلقي ذَلِك لضيق الْمَعيشَة، وحاجتهم إِلَى تِلْكَ السّلْعَة، فَلَا بَأْس بذلك، وَقَالَ ابْن حزم: لَا يحل لأحد أَن يتلَقَّى الجلب، سَوَاء خرج لذَلِك أَو كَانَ سائرا على طَرِيق الْجلاب، وَسَوَاء بَعُدَ مَوضِع تلقيه أَو قرُبَ، وَلَو أَنه عَن السُّوق على ذِرَاع فَصَاعِدا، لَا لأَصْحَابه وَلَا لغير ذَلِك، أضرّ ذَلِك بِالنَّاسِ أَو لم يضر، فَمن تلقى جلبا أَي شَيْء كَانَ فَإِن الجالب بِالْخِيَارِ إِذا دخل السُّوق مَتى مَا دخله، وَلَو بعد أَعْوَام فِي إِمْضَاء البيع أَو رده. قَوْله: (وَلَا يَبِيع بَعْضكُم على بيع بعض. .) إِلَى آخِره، قد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى مُسْتَوفى، وَالله تَعَالَى أَعلم. ٥٦ - (بابٌ إِن شاءَ رَدَّ المُصَرَّاةَ وفِي حَلُبتِهَا صاعٌ مِنْ تَمْرٍ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِن شَاءَ المُشْتَرِي ترك بَيْعه رد الْمُصراة، وَالْحَال أَن الْوَاجِب فِي حلبتها صَاع من تمر، الحلبة بِسُكُون اللَّام اسْم الْفِعْل، وَيجوز الْفَتْح على أَنه بِمَعْنى المحلوب، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْوَاجِب رد صَاع من تمر، سَوَاء كَانَ اللَّبن قَلِيلا أَو كثيرا. قَوْله: (رد) ، فعل مَاض، والمصراة مَفْعُوله، وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط. ١٥١٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حَدثنَا المَكِّيُّ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْج قَالَ أخبرَني زِياد أنَّ ثَابتا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ زَيْدٍ أخبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ منِ اشْتَرَى غنَمَا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَهَا فإنْ رَضِيَهَا أمْسَكَها وإنْ سَخِطَهَا فَفي حَلْبَتِهَا صاعٌ مِنْ تَمْرٍ. . مطابقتها للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن عَمْرو، بِفَتْح الْعين، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِغَيْر ذكر جده، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن الْهَمدَانِي عَن الْمُسْتَمْلِي: مُحَمَّد بن عَمْرو بن جبلة، وَكَذَا قَالَ أَبُو أَحْمد الْجِرْجَانِيّ فِي رِوَايَته عَن الْفربرِي، وَفِي رِوَايَة أبي عَليّ بن شبويه عَن الْفربرِي: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو يَعْنِي: ابْن جبلة وأهمل الْبَاقُونَ ذكر جده، وَجزم الدَّارَقُطْنِيّ بِأَنَّهُ: مُحَمَّد بن عَمْرو أَبُو غَسَّان الْمَعْرُوف بزنيج، بِضَم الزَّاي وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره جِيم، وَجزم الْحَاكِم والكلاباذي بِأَنَّهُ: مُحَمَّد بن عَمْرو السواق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وبالقاف: الْبَلْخِي، وَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ: مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: الْمَكِّيّ، على صُورَة النِّسْبَة إِلَى مَكَّة، وَهُوَ اسْمه الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم، وَقد مر فِي: بَاب إِثْم من كذب فِي كتاب الْعلم. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن سعد بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: ثَابت، بالثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن عِيَاض بن الْأَحْنَف. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن الْمَكِّيّ هُوَ شَيْخه وَلكنه روى عَنهُ هَهُنَا بِوَاسِطَة. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ الْبَلْخِي على رِوَايَة الْحَاكِم والرازي على رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَن شيخ شَيْخه زيادا بلخيان، وَلَكِن زِيَاد أسكن خُرَاسَان ثمَّ مَكَّة، وَكَانَ شريك ابْن جريج، وَأَن ثَابتا مدنِي. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع أَيْضا عَن عبد الله بن مخلد التَّمِيمِي عَن الْمَكِّيّ. قَوْله: (غنما) هُوَ اسْم مؤنث مَوْضُوع للْجِنْس يَقع على الذُّكُور وعَلى الْإِنَاث. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا الصَّاع إِنَّمَا يجب فِي الْغنم وَمَا فِي حكمهَا من مَأْكُول اللَّحْم، بِخِلَاف النَّهْي عَن التصرية وَثُبُوت الْخِيَار فَإِنَّهُمَا عامان لجَمِيع

стр. 3385

الْحَيَوَانَات. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) بردهَا بِدُونِ الصَّاع، لِأَن الأَصْل أَنه إِذا أتلف شَيْئا لغيره رد مثله إِن كَانَ مثلِيا وإلَاّ فَقيمته، وَأما جنس آخر من الْعرُوض فخلاف الْأُصُول. قلت: هَذَا بِعَيْنِه مَذْهَب الْحَنَفِيَّة. قَوْله: (فَفِي حلبتها صَاع من تمر) ظَاهره أَن صَاع التَّمْر فِي مُقَابل الْمُصراة، سَوَاء كَانَت وَاحِدَة أَو أَكثر، لقَوْله: من اشْترى غنما، لأَنا قد ذكرنَا أَنه اسْم جنس. ثمَّ قَالَ: (وَفِي حلبتها صَاع من تمر) وَنقل ابْن عبد الْبر عَمَّن اسْتعْمل الحَدِيث، وَابْن بطال عَن أَكثر الْعلمَاء، وَابْن قدامَة عَن الشَّافِعِيَّة والحنابلة وَعَن أَكثر الْمَالِكِيَّة: يرد عَن كل وَاحِدَة صَاعا. وَقَالَ الْمَازرِيّ: من المستبشع أَن يغرم متْلف لبن ألف شَاة كَمَا يغرم متْلف لبن شَاة وَاحِدَة، قلت: استغنت الْحَنَفِيَّة عَن مثل هَذِه التعسفات، ومذهبهم كَمَا مر أَن الْمُصراة لَا ترد، وَلكنه يرجع بِنُقْصَان الْعَيْب، على أَن فِيهِ رِوَايَتَيْنِ عَن أبي حنيفَة. ٦٦ - (بابُ بَيْع الْعَبْدِ الزَّانِي) أَي: هَذَا بَاب فِي جَوَاز بيع العَبْد الزَّانِي مَعَ بَيَان عَيبه. وَقَالَ شُرَيْحٌ إنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّنَا شُرَيْح هُوَ ابْن الْحَارِث الْكِنْدِيّ القَاضِي، وَقد مر غير مرّة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق ابْن سِيرِين: أَن رجلا اشْترى من رجل جَارِيَة كَانَت فجرت وَلم يعلم بذلك المُشْتَرِي فخاصمه إِلَى شُرَيْح، فَقَالَ: إِن شَاءَ رد من الزِّنَا. قلت: وَعند الْحَنَفِيَّة الزِّنَا عيب فِي الْأمة دون الْغُلَام، لِأَنَّهُ يخل بِالْمَقْصُودِ مِنْهَا، وَهُوَ الاستفراش وَطلب الْوَلَد، وَالْمَقْصُود من الْغُلَام الِاسْتِخْدَام، وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت بنت الزِّنَا فَهُوَ عيب، وَعند مُحَمَّد فِي (الأمالي) لَو اشْترى جَارِيَة بَالِغَة وَكَانَت قد زنت عِنْد البَائِع فَلِلْمُشْتَرِي أَن يردهَا، وَإِن لم تزن عِنْده للحوق الْعَار بالأولاد، وَلَكِن الْمَذْهَب أَن الْعُيُوب كلهَا لَا بُد لَهَا من المعاودة عِنْد المُشْتَرِي حَتَّى يرد إلَاّ الزِّنَا فِي الْجَارِيَة، كَمَا ذكره مُحَمَّد. ٢٥١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ قَالَ النبيُّ ﷺ إذَا زَنَتِ الأمَةُ فتَبَيَّنَ زِناهَا فَلْيَجْلِدْهَا ولَا يُثَرِّبْ ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا ولَا يُثَرِّبْ ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا ولَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعر. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليبعها) ، فَإِنَّهُ يدل على جَوَاز بيع الزَّانِي، وَفِيه الْإِشْعَار بِأَن الزِّنَا عيب. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة وَاسم أبي سعيد: كيسَان الْمَدِينِيّ مولى بني لَيْث، وَكَانَ سعيد يسكن الْمقْبرَة فنسب إِلَيْهَا. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الْمُحَاربين عَن عبد الله بن يُوسُف. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن عِيسَى بن حَمَّاد، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَوَاهُ ابْن جريج وَإِسْمَاعِيل ابْن أُميَّة وَأُسَامَة بن زيد وَعبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَأَيوب بن مُوسَى وَمُحَمّد بن عجلَان وَابْن أبي ذِئْب وَعبيد الله بن عمر، فَقَالُوا: عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، لم يذكرُوا أَبَا سعيد، وَفِي مُسلم كَذَلِك. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَتبين زنَاهَا) ، أَي: بِالْبَيِّنَةِ أَو بالحبل أَو بِالْإِقْرَارِ. قَوْله: (فليجلدها) ، وَفِي رِوَايَة أَيُّوب بن مُوسَى: فليجلدها الْحَد، قَالَ أَبُو عمر: لَا نعلم أحدا ذكر فِيهِ الْحَد غَيره. قَوْله: (وَلَا يثرب) من التثريب، بالثاء الْمُثَلَّثَة بعد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ التعيير وَالِاسْتِقْصَاء فِي اللوم، أَي: لَا يزِيد فِي الْحَد، وَلَا يؤذيها بالْكلَام، وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن لَا يقْتَصر على التثريب، بل يُقَام عَلَيْهَا الْحَد. قَوْله: (وَلَو بِحَبل) أَي: وَلَو كَانَ البيع بِحَبل من شعر، وَهَذَا مُبَالغَة فِي التحريض بِبَيْعِهَا، وَذكر الْحَبل بِمَعْنى التقليل والتزهيد عَن الزَّانِيَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز بيع الزَّانِي، وَقَالَ أهل الظَّاهِر: البيع وَاجِب. وَفِيه: أَن الزِّنَا عيب فِي الْجَارِيَة، وَقد ذكرنَا أَنه لَيْسَ بِعَيْب فِي الْغُلَام إلَاّ إِذا كَانَ مُعْتَادا بِهِ. وَفِيه: أَن الزَّانِيَة تجلد، وَمِمَّنْ كَانَ يجلدها إِذا زنت أَو يَأْمر برجمها ابْن مَسْعُود وَأَبُو بَرزَة وَفَاطِمَة وَابْن عمر وَزيد بن ثَابت وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وأشياخ الْأَنْصَار وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى

стр. 3386

وعلقمة وَالْأسود وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ أَبُو ميسرَة. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي العَبْد إِذا زنى: هَل الزِّنَا عيب فِيهِ يجب رده بِهِ أم لَا؟ فَقَالَ مَالك: هُوَ عيب فِي العَبْد وَالْأمة، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَقَول الشَّافِعِي: كل مَا ينقص من الثّمن فَهُوَ عيب. وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: هُوَ عيب فِي الْجَارِيَة دون الْغُلَام، كَمَا ذَكرْنَاهُ، ثمَّ هَل يجلدها السَّيِّد أم لَا؟ فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: نعم، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُقيم الْجلد أَو الْحَد إلَاّ الإِمَام، بِخِلَاف التَّعْزِير، وَاحْتج بِحَدِيث: أَربع إِلَى الْوَالِي ... فَذكر مِنْهَا الْحُدُود. وَهل يَكْتَفِي السَّيِّد يعلم الزِّنَا أم لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عِنْد الْمَالِكِيَّة، وَلم يذكر فِي الحَدِيث عدد الْجلد، وروى النَّسَائِيّ: أَن رجلا أَتَى النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ: إِن جاريتي زنت وَتبين زنَاهَا، قَالَ: إجلدها خمسين، ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: عَادَتْ، وَتبين زنَاهَا. قَالَ: إجلدها خمسين، ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: عَادَتْ. قَالَ: بعها وَلَو بِحَبل من شعر، وَالْأمة لَا ترْجم، سَوَاء كَانَت متزوجة أم لَا. وَالزَّانِي إِذا حد ثمَّ زنى ثَانِيًا لزمَه حد آخر، على ذَلِك الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، والإحصان فِي الرَّجْم شَرط، والشروط سَبْعَة: الْحُرِّيَّة وَالْعقل وَالْبُلُوغ وَالْإِسْلَام، وَعَن أبي يُوسُف أَنه لَيْسَ بِشَرْط، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد لِأَنَّهُ ﷺ رجم يهوديين، قُلْنَا: كَانَ ذَلِك بِحكم التَّوْرَاة قبل نزُول آيَة الْجلد فِي أول مَا دخل النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة وَصَارَ مَنْسُوخا بهَا، ثمَّ نسخ الْجلد فِي حق الْمُحصن. وَالشّرط الْخَامِس: الْوَطْء. وَالسَّادِس: أَن يكون الْوَطْء بِنِكَاح صَحِيح. وَالشّرط السَّابِع: كَونهمَا محصنين حَالَة الدُّخُول، حَتَّى لَو دخل بالمنكوحة الْكَافِرَة أَو الْمَمْلُوكَة أَو الْمَجْنُونَة أَو الصبية لم يكن مُحصنا، وَكَذَلِكَ لَو كَانَ الزَّوْج عبدا أَو صَبيا أَو مَجْنُونا أَو كَافِرًا وَهِي مسلمة عَاقِلَة بَالِغَة. فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر أَن يكون الزَّوْج كَافِرًا وَالْمَرْأَة مسلمة؟ قلت: صورته أَن يَكُونَا كَافِرين فَأسْلمت الْمَرْأَة وَدخل بهَا الزَّوْج قبل عرض الْإِسْلَام عَلَيْهِ. وَمِنْه: استنبط قوم جَوَاز البيع بِالْغبنِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ بيع خطير بِثمن يسير، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن الْغبن الْمُخْتَلف فِيهِ إِنَّمَا هُوَ مَعَ الْجَهَالَة من المغبون، وَأما مَعَ علم البَائِع بِقدر مَا بَاعَ وَمَا قبض فَلَا يخْتَلف فِيهِ، لِأَنَّهُ عَن علم مِنْهُ ورضىً، فَهُوَ إِسْقَاط لبَعض الثّمن، لَا سِيمَا أَن الحَدِيث خرج على جِهَة التزهيد وَترك الْغِبْطَة. وَفِيه: ترك اخْتِلَاط الْفُسَّاق وفراقهم. فَإِن قلت: فَمَا معنى أمره، ﷺ ، بِبيع الْأمة الزَّانِيَة؟ وَالَّذِي يَشْتَرِيهَا يلْزمه من اجتنابها ومباعدتها مَا يلْزم البَائِع، وَكَيف يكره شَيْئا ويرتضيه لِأَخِيهِ الْمُسلم قلت: لَعَلَّ الثَّانِي يصونها بهيبته، أَو بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا، أَو لَعَلَّهَا تستعف عِنْد الثَّانِي بِأَن يُزَوّجهَا أَو يعفها بِنَفسِهِ، وَنَحْو ذَلِك. ٤٥١٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنْ أبِي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بنِ خالِدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئِلَ عنِ الأَمَةِ إذَا زَنَتْ ولَمْ تُحْصِنْ قَالَ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا ولَوْ بِنَفِيرٍ: قَالَ ابنُ شِهَابٍ لَا أدْرِي أبَعْدَ الثَّالِثَةِ أوِ الرَّابِعَةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وإسْمَاعِيل هُوَ ابنُ أبي أويس، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعبيد الله بن عبد الله بِالتَّصْغِيرِ فِي الإبن وَالتَّكْبِير فِي الْأَب ابْن عتبَة بن مَسْعُود، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ الصَّحَابِيّ الْمدنِي: مر فِي: بَاب الْغَضَب فِي الموعظة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُحَاربين عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَفِي الْعتْق عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَفِي الْبيُوع أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن أبي الطَّاهِر، وَعَن مُحَمَّد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّجْم عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي وَعَن مُحَمَّد بن بكير وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح، وَلم يذكر أَبَا هُرَيْرَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحُدُود عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن الصَّباح. وَقَالَ أَبُو عمر: تَابع مَالِكًا على سَنَد هَذَا الحَدِيث: يُونُس بن يزِيد وَيحيى بن سعيد وَرَوَاهُ عقيل والزبيدي وَابْن أخي الزُّهْرِيّ

стр. 3387

عَن عبيد الله عَن شبْل بن خَالِد الْمُزنِيّ: أَن عبد الله بن مَالك الأوسي أخبرهُ أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَن الْأمة ... الحَدِيث إلَاّ أَن عقيلاً وَحده قَالَ: مَالك بن عبد الله. وَقَالَ الْآخرَانِ: عبد الله بن مَالك، وَكَذَا قَالَ يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب عَن شبْل ابْن خَالِد عَن عبد الله بن مَالك الأوسي، فَجمع يُونُس الإسنادين جَمِيعًا فِي هَذَا الحَدِيث، وَانْفَرَدَ مَالك بِإِسْنَاد وَاحِد. وَعند عقيل والزبيدي وَابْن أخي الزُّهْرِيّ فِيهِ أَيْضا بِإِسْنَاد آخر: عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله عَن أبي هُرَيْرَة وَزيد بن خَالِد وشبل أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن الْأمة إِذا زنت ... الحَدِيث، هَكَذَا قَالَ ابْن عُيَيْنَة فِي هَذَا الحَدِيث، جعل شبلاً مَعَ أبي هُرَيْرَة وَزيد، فَأَخْطَأَ وَأدْخل إِسْنَاد حَدِيث فِي آخر، وَلم يتم حَدِيث شبْل. قَالَ أَحْمد بن زُهَيْر: سَمِعت يحيى يَقُول: شبْل لم يسمع من النَّبِي ﷺ شَيْئا. وَفِي رِوَايَة: لَيست لَهُ صُحْبَة، يُقَال: شبْل بن معبد، وشبل بن حَامِد، روى عَن عبد الله بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ يحيى: وَهَذَا عِنْدِي أشبه. قلت: ذكر الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : شبْل بن معبد. وَقيل: ابْن حَامِد، وَقيل: ابْن خُلَيْد الْمُزنِيّ أَو البَجلِيّ، روى عَنهُ عبيد الله بن عبد الله، وَذكر أَيْضا مَالك بن عبد الله الأوسي، وَقَالَ المستغفري: لَهُ صُحْبَة، وَيُقَال: الأويسي، وَصَوَابه: عبد الله بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَلم تحصن) ، بِضَم التَّاء وَسُكُون الْحَاء من الْإِحْصَان، ويروى بِضَم التَّاء وَفتح الْحَاء وَتَشْديد الصَّاد من التحصن من بَاب التفعل: الْإِحْصَان: الْمَنْع، وَالْمَرْأَة تكون مُحصنَة بِالْإِسْلَامِ والعفاف وَالْحريَّة والتزوج، يُقَال: أحصنت الْمَرْأَة فَهِيَ مُحصنَة، وَكَذَا الرجل، والمحصن بِالْفَتْح يكون بِمَعْنى الْفَاعِل، وَالْمَفْعُول، وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة الَّتِي جئن نَوَادِر. يُقَال: أحصن فَهُوَ مُحصن، وأسهب فَهُوَ مسهب، وأفلج فَهُوَ مفلج، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لم يقل هَذِه اللَّفْظَة غير مَالك بن أنس عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ أَبُو عمر: وَهُوَ من رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة وَيحيى بن سعيد عَن ابْن شهَاب، كَمَا رَوَاهُ مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى، وَمَفْهُومه أَنَّهَا: إِذا أحصنت لَا تجلد بل ترْجم كَالْحرَّةِ، لَكِن الْأمة تجلد مُحصنَة كَانَت أَو غير مُحصنَة، وَلَكِن لَا اعْتِبَار للمفهوم حَيْثُ نطق الْقُرْآن صَرِيحًا بِخِلَافِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا أحصنَّ فَإِن أتين بِفَاحِشَة فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب﴾ (النِّسَاء: ٥٢) . فَالْحَدِيث دلّ على جلد غير الْمُحصن، وَالْآيَة على جلد الْمُحصن، لِأَن الرَّجْم لَا ينصف فيجلدان عملا بالدليلين، أَو يكون الْإِحْصَان بِمَعْنى الْعِفَّة عَن الزِّنَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ (النُّور: ٤) . أَي: العفيفات. وَقَالَ الْخطابِيّ: ذكر الْإِحْصَان فِي الحَدِيث غَرِيب مُشكل جدا إلَاّ أَن يُقَال: مَعْنَاهُ الْعتْق، وَقيل: مَعْنَاهُ مَا لم تتَزَوَّج، وَقد اخْتلف فِيهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا أحصن﴾ (النِّسَاء: ٥٢) . هَل هُوَ الْإِسْلَام أَو التَّزَوُّج؟ فتحد المتزوجة وَإِن كَانَت كَافِرَة؟ قَالَه الشَّافِعِي، أَو الْحُرِّيَّة؟ وَحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أقِيمُوا على أرقائكم الْحَد، من أحصن مِنْهُم وَمن لم يحصن) . أخرجه مُسلم مَوْقُوفا، وَالنَّسَائِيّ مَرْفُوعا، فتحد الْأمة على كل حَال، أَي على أَي حَالَة كَانَت، وَيعْتَذر عَن الْإِحْصَان فِي الْآيَة لِأَنَّهُ أغلب حَال الْإِمَاء، وإحصان الْأمة عِنْد مَالك والكوفيين إسْلَامهَا، قَالَه ابْن بطال. قَوْله: (ثمَّ إِن زنت فاجلدوها) ، أَي: بعد الْجلد، أَي: إِذا جلدت ثمَّ زنت تجلد مرّة أُخْرَى، بِخِلَاف مَا لَو زنت مرَّات وَلم تجلد لوَاحِدَة مِنْهُنَّ، فَيَكْفِي حد وَاحِد للْجَمِيع. قَوْله: (بضفير) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء، هُوَ: الْحَبل المنسوج أَو المفتول، يُقَال: أضفر نسج الشّعْر وفتله، وَهُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول، وَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ الضفر حَبل الشّعْر وَغَيره، عريضا وَهُوَ مثل تضربه الْعَرَب للتقليل، مثل: لَو مَنَعُونِي عقَالًا وَلَو فرسن شَاة. قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) ، هُوَ الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، وَقد تردد ابْن شهَاب بقوله: لَا أَدْرِي، أبعد الثَّلَاثَة؟ الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، هَل أَرَادَ أَن بيعهَا يكون بعد الزنية الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة، وَقد جزم أَبُو سعيد المَقْبُري أَنه فِي الثَّالِثَة، كَمَا ذكره البُخَارِيّ أَولا. ٧٦ - (بابُ الْبَيْعِ والشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم البيع وَالشِّرَاء بِالنسَاء. ٥٥١٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا دخَلَ رسولُ الله ﷺ فذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ اشْتَرِي وأعْتِقي فإنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أعْتَقَ ثُمَّ قامَ النبيُّ ﷺ مِنَ الْعَشِيِّ فأثْنَى على

стр. 3388

الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثمَّ قَالَ مَا بالُ أنَاسٍ يشْتَرِطُونَ شُروطا لَيْسَ فِي كِتَابِ الله منِ اشْتَرَطَ شرْطا لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فَهْوَ بَاطِلٌ وإنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شرْطٍ شَرْطُ الله أحَقُّ وأوْثَقُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اشْترى) ، يُخَاطب بِهِ عَائِشَة، وَالْبيع وَالشِّرَاء كَانَ فِي بَرِيرَة حَيْثُ اشترتها عَائِشَة من أَهلهَا وَصدق البيع وَالشِّرَاء هُنَا من النِّسَاء مَعَ الرِّجَال، وَقَالَ بَعضهم: شَاهد التَّرْجَمَة مِنْهُ قَوْله: (مَا بَال رجال يشترطون شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله؟) لإشعاره بِأَن قصَّة الْمُبَايعَة كَانَت مَعَ رجال، وَكَانَ الْكَلَام فِي ذَلِك مَعَ عَائِشَة زوج النَّبِي، ﷺ . قلت: فِيمَا ذكره بُعد، وَالْأَقْرَب الْأَوْجه مَا ذَكرْنَاهُ. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع عديدة بيناها فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء فِي الْمَسْجِد. واستقصينا الْكَلَام فِيهِ من سَائِر الْوُجُوه. وَقد أَكثر النَّاس فِي حَدِيث عَائِشَة فِي قصَّة بَرِيرَة من الإمعان فِي بَيَانه على اخْتِلَاف أَلْفَاظه وَاخْتِلَاف رُوَاته، وَقد ألف مُحَمَّد بن جرير فِيهِ كتابا، وَلِلنَّاسِ فِيهِ أَبْوَاب أَكْثَرهَا تكلّف وتأويلات مُمكنَة لَا يقطع بِصِحَّتِهَا. قَوْله: (فَذكرت لَهُ) ، أَي: للنَّبِي ﷺ ، وَالَّذِي ذكرت لَهُ عَائِشَة مطويٌّ هُنَا، يُوضحهُ رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة، قَالَت: أتتها بَرِيرَة تسألها فِي كتَابَتهَا، فَقَالَت: إِن شِئْت أَعْطَيْت أهلك وَيكون الْوَلَاء لي. وَقَالَ أَهلهَا: إِن شِئْت أعطيتهَا مَا بَقِي. وَقَالَ سُفْيَان مرّة: إِن شِئْت أعتقيها وَيكون الْوَلَاء لنا، فَلَمَّا جَاءَ رَسُول الله ﷺ ذكرته ذَلِك، فَقَالَ: (إبتعيها وأعتقيها فَإِن الْوَلَاء لمن أعتق) . الحَدِيث. . فَهَذَا كُله مطويٌّ هَهُنَا من أول الْكَلَام إِلَى قَوْله: فَذكرت لَهُ، فَإِن أردْت التَّحْقِيق فَارْجِع إِلَى الْبَاب الْمَذْكُور فِي كتاب الصَّلَاة، قَوْله: (وأوثق) ، أَي: أحكم وَأقوى. ٦٥١٢ - حدَّثنا حسَّانُ بنُ أبي عَبَّادٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ سَمِعْتُ نافِعا يحَدِّثُ عنْ عَبْدِ الله ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا ساوَمَتْ بَرِيرَةَ فَخرَجَ إلَى الصَّلاةِ فلَمَّا جاءَ قالَتْ إنَّهُمْ أبَوْا أنْ يَبِيعُوهَا إلَاّ أنْ يَشْتَرِطُوا الوَلاءَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ قُلْتُ لِنافِعٍ حُرّا كانَ زَوْجُهَا أوْ عَبْدا قَالَ مَا يُدْرِينِي. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ساومت) ، فَإِنَّهَا مَا ساومت إلَاّ أهل بَرِيرَة، وَهُوَ البيع وَالشِّرَاء بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء، و: حسان، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ: ابْن أبي عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه أَيْضا حسان، مر فِي الْعمرَة، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. قَالَ أَبُو حَاتِم: مُنكر الحَدِيث، وَهُوَ بَصرِي سكن مَكَّة، مَاتَ سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَهَمَّام بن يحيى، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن حَفْص بن عمر. قَوْله: (ساومت بَرِيرَة) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وبراءين أولاهما مَكْسُورَة: بنت صَفْوَان: كَانَت لقوم من الْأَنْصَار وَكَانَت قبطية، ذكرهَا الذَّهَبِيّ فِي الصحابيات، وَاخْتلف فِي اسْم زَوجهَا، وَالأَصَح أَن أُسَمِّهِ مغيث، بِضَم الْمِيم وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَآخره ثاء مُثَلّثَة، وَقيل: مقسم، وَقيل: معتب اسْم فَاعل من التعتيب. قَوْله: (فَخرج) أَي: النَّبِي ﷺ إِلَى الصَّلَاة، وَقَبله كَلَام مُقَدّر بعد قَوْله: (ساومت) بَرِيرَة، وَالتَّقْدِير: طلبت عَائِشَة من أهل بَرِيرَة أَن يبيعوها لَهَا، فَقَالُوا: نبيعها لَك على أَن ولاءها لنا، وأرادت أَن تخبر بذلك النَّبِي، ﷺ ، فَخرج إِلَى الصَّلَاة فَلَمَّا جَاءَ النَّبِي، ﷺ ، من الصَّلَاة، قَالَت: إِنَّهُم ... إِلَى آخِره. قَوْله: (مَا يدريني؟) كلمة مَا استفهامية أَي أَي شَيْء يدريني أَي: يعلمني؟ وَفِيه: خلاف ذَكرْنَاهُ فِي: بَاب البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر. ٨٦ - (بابٌ هَلْ يَبِيعُ حاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أجْرٍ وهَلْ يُعِينُهُ أوْ يَنْصَحُهُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يَبِيع حَاضر لبادٍ؟ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي من الْبَادِيَة وَمَعَهُ شَيْء يُرِيد بَيْعه، وَقد مر تَفْسِيره غير مرّة، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن النَّهْي الْوَارِد عَن بيع الْحَاضِر للبادي إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ بِأَجْر، لِأَن الَّذِي يَبِيع بِأُجْرَة لَا يكون غَرَضه نصح البَائِع، وَإِنَّمَا غَرَضه تَحْصِيل الْأُجْرَة، وَأما إِذا كَانَ بِغَيْر أجر يكون ذَلِك من بَاب النَّصِيحَة

стр. 3389

والإعانة، فَيَقْتَضِي ذَلِك جَوَاز بيع الْحَاضِر للبادي من غير كَرَاهَة، فَعلم من ذَلِك أَن النَّهْي الْوَارِد فِيهِ مَحْمُول على معنى خَاص وَهُوَ البيع بِأَجْر، وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ البُخَارِيّ جَوَاز ذَلِك بِغَيْر أجر، وَمنعه إِذا كَانَ بِأَجْر، كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا؛ لَا يكون لَهُ سمسارا، فَكَأَنَّهُ أجَاز ذَلِك لغير السمسار إِذا كَانَ من طَرِيق النصح، وَجَوَاب الاستفهامين يعلم من الْمَذْكُور فِي الْبَاب، وَاكْتفى بِهِ على جاري عَادَته بذلك فِي بعض التراجم. وَقَالَ النبيُّ ﷺ إِذا اسْتَنْصَحَ أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ ذكر هَذَا التَّعْلِيق تأييدا لجَوَاز بيع الْحَاضِر للبادي إِذا كَانَ بِغَيْر أجر، لِأَنَّهُ يكون من بَاب النَّصِيحَة الَّتِي أَمر بهَا رَسُول الله، ﷺ ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق أَحْمد من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب عَن حَكِيم بن أبي يزِيد عَن أَبِيه: حَدثنِي، أبي، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (دعوا النَّاس يرْزق الله بَعضهم من بعض، فَإِذا استنصح الرجلُ الرجلَ فلينصح لَهُ) . انْتهى. والنصح إخلاص الْعَمَل من شوائب الْفساد، وَمَعْنَاهُ: حِيَازَة الْحَظ للمنصوح لَهُ، وروى أَبُو دَاوُد من طَرِيق سَالم الْمَكِّيّ أَن أَعْرَابِيًا حَدثهُ أَنه قدم بحلوبة لَهُ على طَلْحَة بن عبيد الله، فَقَالَ لَهُ: (إِن النَّبِي، ﷺ ، نهى أَن يَبِيع حَاضر لبادٍ، وَلَكِن إذهب إِلَى السُّوق وَانْظُر من يُبَايِعك. فشاورني حَتَّى آمُرك وأنهاك) . ورَخَّصَ فِيهِ عَطاءٌ أَي: وَرخّص عَطاء بن أبي رَبَاح فِي بيع الْحَاضِر للبادي، وَوَصله عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خَيْثَم عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، قَالَ: سَأَلته عَن أَعْرَابِي أبيع لَهُ؟ فَرخص لي. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا مَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. قَالَ: إِنَّمَا نهى رَسُول الله، ﷺ ، أَن يَبِيع حَاضر لبادٍ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن يُصِيب الْمُسلمُونَ غرتهم، فَأَما الْيَوْم فَلَا بَأْس. فَقَالَ عَطاء: لَا يصلح الْيَوْم. قلت: أجَاب بَعضهم بِأَن الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ أَن يحمل قَول عَطاء هَذَا على كَرَاهَة التَّنْزِيه؟ قلت: الْأَوْجه أَن يحمل ترخيصه فِيمَا إِذا كَانَ بِلَا أجر، وَمنعه فِيمَا إِذا كَانَ بِأَجْر، وَقَالَ بَعضهم: أَخذ بقول مُجَاهِد أَبُو حنيفَة وتمسكوا بِعُمُوم قَوْله، ﷺ : (الدّين النَّصِيحَة) ، وَزَعَمُوا أَنه نَاسخ لحَدِيث النَّهْي، وَحمل الْجُمْهُور حَدِيث: (الدّين النَّصِيحَة) ، على عُمُومه إلَاّ فِي بيع الْحَاضِر للبادي فَهُوَ خَاص، فَيَقْضِي على الْعَام، وَهَذَا الْكَلَام فِيهِ تنَاقض، وَقَضَاء الْخَاص على الْعَام لَيْسَ بِمُطلق على زعمكم أَيْضا لاحْتِمَال أَن يكون الْخَاص ظنيا وَالْعَام قَطْعِيا، أَو يكون الْخَاص مَنْسُوخا وَأَيْضًا يحْتَمل أَن يكون الْخَاص مُقَارنًا أَو مُتَأَخِّرًا أَو مُتَقَدما، وَقَوله: والنسخ لَا يثبت فِي الِاحْتِمَال مُسلم، وَلَكِن من قَالَ: إِن قَوْله، ﷺ : (الدّين النَّصِيحَة) ، نَاسخ لحَدِيث النَّهْي بِالِاحْتِمَالِ، بل الْأَصْلِيّ عندنَا فِي مثل هَذَا بالتراجيح: مِنْهَا أَن أحد الْخَبَرَيْنِ عمل بِهِ الْأمة، فههنا كَذَلِك، فَإِن قَوْله: (الدّين النَّصِيحَة) عمل بِهِ جَمِيع الْأمة وَلم يكن خلاف فِيهِ لأحد، بِخِلَاف حَدِيث النَّهْي، فَإِن الْكل لم يعْمل بِهِ، فَهَذَا الْوَجْه من جملَة مَا يدل على النّسخ، وَمِنْهَا أَن يكون أحد الْخَبَرَيْنِ أشهر من الآخر، وَهَهُنَا كَذَلِك بِلَا خلاف. ٧٥٣١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ جَرِيرا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ بايَعْتُ رسولَ الله ﷺ عَلى شَهادةِ أَن لَا إلاه إلَاّ الله وأنَّ مُحَمَّدا رسُولُ الله وإقَامِ الصَّلاةِ وإيْتَاءِ الزَّكَاةِ والسَّمْعِ والطَّاعَةِ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: أَو ينصحه، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد وَاسم أبي خَالِد سعد، وَقيل: هُرْمُز، وَقيل: كثير، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم واسْمه عَوْف، سمع من الْعشْرَة المبشرة، وَالثَّلَاثَة أَعنِي: اسماعيل وقيسا وجريرا: بجليون كوفيون مكتنون بِأبي عبد الله، وَهَذَا من النَّوَادِر، والْحَدِيث مضى فِي آخر كتاب الْإِيمَان من: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : (الدّين النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ) ، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. ٨٥١٢ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ محَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا طاووُسٍ

стр. 3390

عَن أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ ولَا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبادٍ قَالَ فَقُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ لَا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبادٍ قَالَ لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسارا. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله: (لَا يَبِيع حَاضر لباد) يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة بالاستفهام، وَأَن جَوَابه: لَا يَبِيع. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: الصَّلْت، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق: ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الخاركي، مر فِي الصَّلَاة. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْعَبْدي. الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد. الرَّابِع: عبد الله بن طَاوُوس. الْخَامِس: أَبوهُ طَاوُوس بن كيسَان. السَّادِس: عبد الله بن الْعَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه وَعبد الْوَاحِد وَمعمر بصريون وَعبد الله وَأَبوهُ يمانيان. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِجَارَة عَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن عَبَّاس بن عبد الْعَظِيم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا تلقوا الركْبَان) ، أَصله: لَا تتلقوا بتاءين فحذفت إِحْدَاهمَا كَمَا فِي نَارا تلظى، أَصله: تتلظى، والركبان، بِضَم الرَّاء جمع رَاكب، وَلَا يَبِيع بِصُورَة النَّفْي، ويروى: وَلَا يبع، بِصُورَة النَّهْي وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَا تلقوا الركْبَان للْبيع. قَوْله: (سمسارا) أَي: دلَاّلاً، والسمسار فِي الأَصْل هُوَ الْقيم بِالْأَمر والحافظ لَهُ، ثمَّ اسْتعْمل فِي مُتَوَلِّي البيع وَالشِّرَاء لغيره، وَمَعْنَاهُ: أَن يَبِيع لَهُ بِالْأُجْرَةِ، وَقد مر الْكَلَام فِيمَا مضى من الَّذِي ذكر فِي هَذَا الْبَاب وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَو خَالف النَّهْي وَبَاعَ الْحَاضِر للبادي صَحَّ البيع مَعَ التَّحْرِيم، قلت: هَذَا عَجِيب مِنْهُم، لِأَن النَّهْي عِنْدهم يرفع الحكم مُطلقًا. فَكيف يَقُولُونَ صَحَّ البيع مَعَ التَّحْرِيم؟ وَهَذَا لَا يمشي إلَاّ على أصل الْحَنَفِيَّة، وَقَالَ أَيْضا: قَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز بيع الْحَاضِر للبادي مُطلقًا لحَدِيث: (الدّين النَّصِيحَة) ، قلت: لَيْسَ على الْإِطْلَاق، بل إِنَّمَا يجوز إِذا لم يكن فِيهِ ضَرَر لأحد الْمُتَعَاقدين. ٩٦ - (بابُ مَنْ كَرِهَ أنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبادٍ بأجْرٍ)

стр. 3391

٠٧ - (بابٌ لَا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبادٍ بالسَّمْسَرَةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يَبِيع حَاضر لبادٍ بالسمسرة. قَالَ صَاحب (الْمغرب) : السمسرة مصدر، وَهِي أَن يتوكل الرجل من الْحَاضِرَة للقادمة فيبيع لَهُم مَا يجلبونه، وَفِي (التَّلْوِيح) : كَذَا هَذَا الْبَاب فِي البُخَارِيّ، وَذكر ابْن بطال أَن فِي نسخته: لَا يَشْتَرِي حَاضر لبادٍ بالسمسرة، وَكَذَا ترْجم لَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَهَذَا يكون بِالْقِيَاسِ على البيع، حَاصله أَن الْحَاضِر كَمَا لَا يَبِيع للبادي فَكَذَلِك لَا يَشْتَرِي لَهُ، وَقَالَ ابْن حبيب الْمَالِكِي: الشِّرَاء للبادي مثل البيع لَهُ، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي شِرَاء الْحَاضِر للبادي، فَكرِهت طَائِفَة كَمَا كَرهُوا البيع لَهُ، وَاحْتَجُّوا بِأَن البيع فِي اللُّغَة يَقع على الشِّرَاء كَمَا يَقع الشِّرَاء على البيع، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وشروه بِثمن بخس﴾ (يُوسُف: ٠٢) . أَي: باعوه، وَهُوَ من الأضداد، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أنس، وأجازت طَائِفَة الشِّرَاء لَهُم، وَقَالُوا: إِن النَّهْي إِنَّمَا جَاءَ فِي البيع خَاصَّة وَلم يعدوا ظَاهر اللَّفْظ، رُوِيَ ذَلِك عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، ﵀، وَاخْتلف قَول مَالك فِي ذَلِك، فَمرَّة قَالَ: لَا يَشْتَرِي لَهُ، وَلَا يَشْتَرِي عَلَيْهِ، وَمرَّة أجَاز الشِّرَاء لَهُ، وَبِهَذَا قَالَ اللَّيْث وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ إِبْرَاهِيم: وَالْعرب تطلق البيع على الشِّرَاء، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا صَحِيح على مَذْهَب من جوز اسْتِعْمَال اللَّفْظ الْمُشْتَرك فِي معنييه، أللهم إلَاّ أَن يُقَال: البيع وَالشِّرَاء ضدان فَلَا يَصح إرادتهما مَعًا. فَإِن قلت: فَمَا تَوْجِيهه؟ قلت: وَجهه أَن يحمل على عُمُوم الْمجَاز. انْتهى. قلت: قَول إِبْرَاهِيم: الْعَرَب تطلق البيع على الشِّرَاء، لَيْسَ مُبينًا أَنه مُشْتَرك، وَاسْتعْمل فِي معنييه، بل هما من الأضداد، كَمَا مر. وكَرِهَهُ ابنُ سِيرينَ وإبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ ولِلْمُشْتَرِي أَي: كره مُحَمَّد بن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ شِرَاء الْحَاضِر للبادي كَمَا يكرهان بَيْعه لَهُ، وَوصل تَعْلِيق ابْن سِيرِين أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) من طَرِيق سَلمَة بن عَلْقَمَة عَن ابْن سِيرِين، قَالَ: لقِيت أنس بن مَالك، فَقلت: لَا يَبِيع حَاضر لباد ونهيتم أَن تَبِيعُوا وتبتاعوا لَهُم؟ قَالَ: نعم. قَالَ مُحَمَّد: وَصدق، إِنَّهَا كلمة جَامِعَة، وروى أَبُو دَاوُد من طَرِيق أبي بِلَال عَن ابْن سِيرِين عَن أنس بِلَفْظ: كَانَ يُقَال: لَا يَبِيع حَاضر لباد، وَهِي كلمة جَامِعَة: لَا يَبِيع لَهُ شَيْئا وَلَا يبْتَاع لَهُ شَيْئا. انْتهى. قَوْله: وَهِي كلمة جَامِعَة، أَرَادَ بِهِ أَن لفظ: لَا يَبِيع، كَمَا يسْتَعْمل فِي مَعْنَاهُ يسْتَعْمل فِي معنى الشِّرَاء أَيْضا، وَقَالَ ابْن حزم: وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: كَانَ يعجبهم أَن يُصِيبُوا من الْأَعْرَاب شَيْئا، وَقَالَ أَيْضا: بيع الْحَاضِر للبادي بَاطِل، فَإِن فعل فسخ البيع وَالشِّرَاء أبدا، وَحكم فِيهِ بِحكم الْغَصْب، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رخص بَعضهم فِي أَن يَشْتَرِي حَاضر لباد، وَقَالَ الشَّافِعِي: يكره أَن يَبِيع حَاضر لباد، فَإِن بَاعَ فَالْبيع جَائِز. وَقَالَ إبراهِيمُ إنَّ العَرَبَ تَقولُ بِعْ لِي ثَوبا وهْيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ إِنَّمَا قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ هَذَا الْكَلَام فِي معرض الِاحْتِجَاج فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من التَّسْوِيَة فِي الْكَرَاهَة بَين بيع الْحَاضِر للبادي وَبَين شِرَائِهِ لَهُ، قَوْله: (تَعْنِي) يَعْنِي: تقصد وتريد. ٠٦١٢ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنِي ابنُ جُرَيْجٍ عنِ ابنِ شِهاب عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُول قَالَ رسولُ الله ﷺ لَا يَبْتَاعُ المَرْءُ علَى بَيْعِ أخِيهِ ولَا تَناجَشُوا ولَا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبادٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يَبِيع حَاضر لباد) وَلَفظ السمسرة، وَإِن لم يكن مَذْكُورا فِي الحَدِيث، فمتبادر إِلَى الذَّهَب من اللَّام فِي قَوْله: لبادٍ، فَافْهَم. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك. قَوْله: (عَن ابْن شهَاب) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أبي عَاصِم عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي ابْن شهَاب. قَوْله: (لَا يبْتَاع الْمَرْء) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: لَا يَبِيع. وَقد مضى الْكَلَام فِي أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث فِي الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة. ١٦١٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا مُعاذُ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنْ مُحَمَّدٍ قَالَ أنَسُ

стр. 3392

ابنُ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ نُهِينَا أنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبادٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَالْكَلَام فِي لفظ السمسرة مَا ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق، ومعاذ بِضَم الْمِيم وبالذال الْمُعْجَمَة: ابْن معَاذ الْبَصْرِيّ قاضيها، مر فِي الْحَج، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن أبي مُوسَى عَن معَاذ بن معَاذ وَعَن أبي مُوسَى عَن ابْن أبي عدي، كِلَاهُمَا عَن ابْن عون وَعَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن أبي مُوسَى. قَوْله: (نهينَا) ، يدل على الرّفْع كَمَا فِي قَوْله: أمرنَا. قَوْله: (أَن يَبِيع حَاضر لباد) ، وَزَاد مُسلم من طَرِيق يُونُس بن عبيد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أنس، وَإِن كَانَ أَخَاهُ أَو أَبَاهُ، وَهَذِه ثَلَاثَة أَبْوَاب مُتَوَالِيَة فِي كلهَا: بيع حَاضر لباد، لَكِن فِي الأول اسْتِفْهَام بهل، وَفِي الثَّانِي نَص على الْكَرَاهَة بِأَجْر، وَفِي الثَّالِث نهي فِي صُورَة النَّفْي مُقَيّد بالسمسرة، وَهُوَ تَرْتِيب حسن فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة فِيهَا، وَإِلَى تَكْثِير الطّرق للتقوية والتأكيد، وَإِلَى إِسْنَاد كل حكم إِلَى رِوَايَة الشَّيْخ الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ عَلَيْهِ. ١٧ - (بابُ النَّهْيِ عنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن تلقي الركْبَان، أَي: عَن استقبالهم لابتياع مَا يحملونه إِلَى الْبَلَد قبل أَن يقدموا الْأَسْوَاق. وأنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودُ لأِنَّ صاحِبَهُ عاصٍ آثِمٌ إذَا كانَ بهِ عالِما وهوَ خِدَاعٌ فِي البَيْعِ والخِدَاعُ لَا يَجُوزُ وَأَن بَيْعه، بِفَتْح الْهمزَة أَي: وَأَن بيع متلقي الركْبَان مَرْدُود، وَالضَّمِير يرجع إِلَى المتلقي الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: عَن تلقي الركْبَان، كَمَا فِي قَوْله: ﴿إعدلوا هُوَ أقرب﴾ (الْمَائِدَة: ٨) . أَي: الْعدْل الَّذِي هُوَ الْمصدر يدل عَلَيْهِ إعدلوا، وَالْمرَاد بِالْبيعِ العقد. وَقَوله: مَرْدُود، أَي: بَاطِل، يرد إِذا وَقع، وَقد ذهب البُخَارِيّ فِي هَذَا إِلَى مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة، وَقَالَ بَعضهم: جزم البُخَارِيّ بِأَن البيع مَرْدُود بِنَاء على أَن النَّهْي يقتض الْفساد لَكِن مَحل ذَلِك عِنْد الْمُحَقِّقين فِيمَا يرجع الى ذَات النَّهْي لَا فِيمَا إِذا كَانَ يرجع إِلَى أَمر خَارج عَنهُ، فَيصح البيع وَيثبت الْخِيَار بِشَرْطِهِ. انْتهى. قلت: هَؤُلَاءِ الْمُحَقِّقُونَ هم الْحَنَفِيَّة، فَإِن مَذْهَبهم فِي بَاب النَّهْي هَذَا، وَيَنْبَنِي على هَذَا الأَصْل مسَائِل كَثِيرَة محلهَا كتب الْفُرُوع. وَقَالَ ابْن حزم: وَهُوَ حرَام سَوَاء خرج للتلقي أم لَا، بَعُدَ مَوضِع تلقيه أم قَرُبَ، وَلَو أَنه عَن السُّوق على ذِرَاع، والجالب بِالْخِيَارِ إِذا دخل السُّوق فِي إِمْضَاء البيع أَو رده. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: كره تلقي السّلع بِالشِّرَاءِ مَالك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ، فَذهب مَالك إِلَى أَنه: لَا يجوز تلقي السّلع حَتَّى تصل إِلَى السُّوق، وَمن تلقاها فاشتراها مِنْهُم يشْتَرك فِيهَا أهل السُّوق، إِن شَاءُوا كَانَ وَاحِدًا مِنْهُم. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: وَإِن لم يكن للسلعة سوق عرضت على النَّاس فِي الْمصر فيشتركون فِيهَا إِن أَحبُّوا، فَإِن أخذوها وإلَاّ ردوهَا عَلَيْهِ، وَلَا يرد على بَائِعهَا، وَقَالَ غَيره: يفْسخ البيع فِي ذَلِك. وَقَالَ الشَّافِعِي: من تلقاها فقد أَسَاءَ، وَصَاحب السّلْعَة بِالْخِيَارِ إِذا قدم بِهِ السُّوق فِي إِنْفَاذ البيع أوردهُ، لأَنهم يتلقونهم فَيُخْبِرُونَهُمْ بكساد السّلع وَكَثْرَتهَا. وهم أهل غرَّة ومكر وخديعة، وحجته حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فَإِذا أَتَى سَيّده السُّوق فَهُوَ بِالْخِيَارِ. وَذهب مَالك أَن نَهْيه عَن التلقي إِنَّمَا يُرِيد بِهِ نفع أهل السُّوق لَا نفع رب السّلْعَة، وعَلى ذَلِك يدل مَذْهَب الْكُوفِيّين وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ: مَعْنَاهُ: لِئَلَّا يَسْتَفِيد الْأَغْنِيَاء وَأَصْحَاب الْأَمْوَال بِالشِّرَاءِ دون أهل الضعْف، فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى الضَّرَر بهم فِي مَعَايشهمْ، وَلِهَذَا الْمَعْنى قَالَ مَالك: إِنَّه يشْتَرك مَعَهم إِذا تلقوا السّلع، وَلَا ينْفَرد بهَا الْأَغْنِيَاء. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: إِذا كَانَ التلقي فِي أَرض لَا يضر بِأَهْلِهَا فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن كَانَ يضرهم فَهُوَ مَكْرُوه، وَاحْتج الْكُوفِيُّونَ بِحَدِيث ابْن عمر، قَالَ: كُنَّا نتلقى الركْبَان فنشتري مِنْهُم الطَّعَام، فنهانا رَسُول الله ﷺ أَن نبيعه حَتَّى نبلغ بِهِ سوق الطَّعَام. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث إِبَاحَة التلقي، وَفِي أَحَادِيث غَيره النَّهْي عَنهُ، وَأولى بِنَا أَن نجْعَل ذَلِك على غير التضاد فَيكون مَا نهى عَنهُ من التلقي لما فِي ذَلِك من الضَّرَر على غير المتلقين المقيمين فِي السُّوق، وَمَا أُبِيح من التلقي هُوَ مَا لَا ضَرَر فِيهِ عَلَيْهِم. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ أَيْضا. وَالْحجّة فِي إجَازَة الشِّرَاء مَعَ التلقي الْمنْهِي عَنهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (لَا تلقوا الجلب، فَمن تَلقاهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا أَتَى السُّوق) . فِيهِ جعل الْخِيَار مَعَ النَّهْي، وَهُوَ دَال على الصِّحَّة، إِذْ لَا يكون الْخِيَار إلَاّ فِيهَا، إِذْ لَو كَانَ فَاسِدا لأجبر بَائِعه ومشتريه على فَسخه. قلت: حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد والطَّحَاوِي أَيْضا، وَحَدِيث ابْن

стр. 3393

عمر الْمَذْكُور الْآن أخرجه مُسلم والطَّحَاوِي. قَوْله: (لِأَن صَاحبه) أَي: صَاحب التلقي (عاصٍ آثم) أَي: مرتكب الْإِثْم (إِذا كَانَ بِهِ) ، أَي: بِالنَّهْي عَن تلقي الركْبَان عَالما، لِأَنَّهُ ارْتكب الْمعْصِيَة مَعَ علمه بورود النَّهْي عَن ذَلِك، وَالْعلم شَرط لكل مَا نهى عَنهُ. قَوْله: (وَهُوَ خداع) ، أَي: تلقي الركْبَان خداع للمقيمين فِي الْأَسْوَاق أَو لغير المتلقين، وَالْخداع حرَام لقَوْله ﷺ : (الخديعة فِي النَّار) ، أَي: صَاحب الخديعة، وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم من ذَلِك. . أَي: من كَونه خداعا أَن يكون البيع مردودا، لِأَن النَّهْي لَا يرجع إِلَى نفس العقد وَلَا يخل بِشَيْء من أَرْكَانه وشرائطه، بل لدفع الضَّرَر بالركبان. قلت: هَذَا التَّعْلِيل هُوَ الَّذِي يَقُول بِهِ الْحَنَفِيَّة فِي أَبْوَاب النَّهْي، وَالْعجب من الشَّافِعِيَّة أَنهم يَقُولُونَ: إِن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد، ثمَّ مُطلقًا فِي بعض الْمَوَاضِع، يذهبون إِلَى مَا قَالَه الْحَنَفِيَّة، وَقَالَ بَعضهم: يُمكن أَن يحمل قَول البُخَارِيّ: إِن البيع مَرْدُود، على مَا إِذا اخْتَار البَائِع رده، فَلَا يُخَالف الرَّاجِح. قلت: هَذَا الْحمل الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل يردهُ هَذِه التأكيدات الَّتِي ذكرهَا. وَهِي قَوْله: (لِأَن صَاحبه عَاص) إِلَى آخِره، وَلم يبْق بعد هَذِه إلَاّ أَن يُقَال: كَاد أَن يخرج من الْإِيمَان، أَلا تَرى إِلَى الْإِسْمَاعِيلِيّ كَيفَ اعْترض عَلَيْهِ وألزمه هَذَا التَّنَاقُض بِبيع الْمُصراة، فَإِن فِيهِ خداعا، وَمَعَ ذَلِك لم يبطل البيع، وبكونه فصل فِي بيع الْحَاضِر للبادي بَين أَن يَبِيع لَهُ بِأَجْر أَو بِغَيْر أجر، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ أَيْضا بِحَدِيث حَكِيم بن حزَام الْمَاضِي فِي بيع الْخِيَار، فَفِيهِ: (فَإِن كذبا وكتما محقت بركَة بيعهمَا) ، قَالَ: فَلم يبطل بيعهَا بِالْكَذِبِ والكتمان للعيب، وَقد ورد بِإِسْنَاد صَحِيح: أَن صَاحب السّلْعَة إِذا بَاعهَا لمن تَلقاهُ يصير بِالْخِيَارِ إِذا دخل السُّوق، ثمَّ سَاقه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. انْتهى. وَلَو كَانَ للْحَمْل الَّذِي ذكر الْقَائِل الْمَذْكُور وَجه لذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَا أطنب فِي هَذَا الِاعْتِرَاض. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجَاز أَبُو حنيفَة التلقي وَكَرِهَهُ الْجُمْهُور. قلت: لَيْسَ مَذْهَب أبي حنيفَة كَمَا ذكره على الْإِطْلَاق، وَلَكِن على التَّفْصِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَالْعجب من ابْن الْمُنْذر وَأَمْثَاله كَيفَ ينقلون عَن أبي حنيفَة شَيْئا لم يقل بِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِك مِنْهُم من أريحية العصبية على مَا لَا يخفى. ٢٦١٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حَدثنَا عُبَيْدُ الله العُمَرِيُّ عنْ سَعِيِدِ بنِ أبِي سَعِيدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عنِ التَّلَقِّي وأنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبادٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَن التلقي) ، وَعبد الْوَهَّاب هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، وَسَعِيد هُوَ المَقْبُري، وَهَذَا من أَفْرَاده مُشْتَمل على حكمين مضى الْبَحْث فيهمَا. ٣٦١٢ - حدَّثني عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الأعْلَى قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ ابنِ طاوُوسٍ عنْ أبِيهِ قَالَ سألْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما مَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَبِيعَنَّ حاضِرٌ لِبادٍ فَقَالَ لَا يَكنْ لَهُ سِمْسارا. (انْظُر الحَدِيث ٨٥١٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذَا الحَدِيث مُخْتَصر عَن الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ فِي: بَاب هَل يَبِيع حَاضر لباد، فبالنظر إِلَى أصل الحَدِيث الْمُطَابقَة مَوْجُودَة، وَعَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْوَلِيد أَبُو الْوَلِيد الرقام الْبَصْرِيّ، وَعبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٤٦١٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثني التيْمِيُّ عنْ أبِي عُثْمَانَ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مَنِ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً فَلْيَرُدَّ معَها صَاعا ونَهَى النبيُّ ﷺ عنْ تَلَقِّي البُيُوعِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَن تلقي الْبيُوع) ، التَّمِيمِي هُوَ سُلَيْمَان بن طرخان أَبُو الْمُعْتَمِر، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، بالنُّون، وَهَؤُلَاء كلهم بصريون، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب النَّهْي للْبَائِع أَن لَا يحفل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن

стр. 3394

مُعْتَمر عَن أَبِيه سُلَيْمَان التَّمِيمِي عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن النَّهْدِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٢٧ - (بابُ مُنْتَهَى التَّلَقِّي) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مُنْتَهى جَوَاز التلقي، وَهُوَ إِلَى أَعلَى سوق الْبَلَد، وَأما التلقي الْمحرم فَهُوَ مَا كَانَ إِلَى خَارج الْبَلَد. وَاعْلَم أَن التلقي لَهُ ابْتِدَاء وانتهاء. وَأما ابتداؤه فَهُوَ من الْخُرُوج من منزله إِلَى السُّوق، وَأما انتهاؤه فَهُوَ من جِهَة الْبَلَد لَا حد لَهُ. وَأما من جِهَة التلقي فَهُوَ أَن يخرج من أَعلَى السُّوق، وَأما التلقي فِي أَعلَى السُّوق فَهُوَ جَائِز لما فِي حَدِيث ابْن عمر: كَانُوا يتبايعون فِي أَعْلَاهُ، وَأما مَا كَانَ خَارِجا من السُّوق فِي الْحَاضِرَة أَو قَرِيبا مِنْهَا بِحَيْثُ يجد من يسْأَله عَن سعرها فَهَذَا يكره لَهُ أَن يَشْتَرِي هُنَاكَ، لِأَنَّهُ دَاخل فِي معنى التلقي، وَإِن خرج من السُّوق وَلم يخرج عَن الْبَلَد فقد صرح الشَّافِعِيَّة بِأَنَّهُ لَا يدْخل فِي النَّهْي. وَأما الْموضع الْبعيد الَّذِي لَا يقدر فِيهِ على ذَلِك فَيجوز فِيهِ البيع، وَلَيْسَ بتلق. قَالَ مَالك: وأكره أَن يَشْتَرِي فِي نواحي الْمصر حَتَّى يهْبط إِلَى السُّوق. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: بَلغنِي هَذَا القَوْل عَن أَحْمد وَإِسْحَاق: أَنَّهُمَا نهيا عَن التلقي خَارج السُّوق ورخصا فِي ذَلِك فِي أَعْلَاهُ، ومذاهب الْعلمَاء فِي حد التلقي مُتَقَارِبَة، وروى عَن يحيى بن سعيد أَنه قَالَ، فِي مِقْدَار الْميل من الْمَدِينَة أَو آخر منازلها: هُوَ من تلقي الْبيُوع الْمنْهِي عَنهُ، وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: أَن الْميل من الْمَدِينَة لَيْسَ بتلقٍ. وَقيل لَهُ: فَإِن كَانَ على سِتَّة أَمْيَال؟ قَالَ: لَا بَأْس بِالشِّرَاءِ، وَلَيْسَ بتلقٍ، وَعلم من ذَلِك أَن التلقي الْمَمْنُوع عِنْده إِذا خرج من مِقْدَار سِتَّة أَمْيَال، وروى أَشهب عَنهُ فِي الَّذين يخرجُون ويشترون الْفَاكِهَة من موَاضعهَا: أَنه لَا بَأْس بِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بتلقٍ، لأَنهم يشْتَرونَ من غير جالب. وَقَالَ ابْن حبيب: لَا يجوز للرجل فِي الْحَضَر أَن يَشْتَرِي مَا مر بِهِ من السّلع، وَإِن كَانَ على بَابه إِذا كَانَ لَهَا مَوَاقِف فِي السُّوق يُبَاع فِيهَا، وَهُوَ متلق إِن فعل ذَلِك وَمَا لم يكن لَهَا موقف، وَإِنَّمَا يُطَاف بهَا، فأدخلت أَزِقَّة الْحَاضِرَة فَلَا بَأْس أَن يَشْتَرِي، وَإِن لم يبلغ السُّوق. وَقَالَ اللَّيْث: من كَانَ على بَابه أَو فِي طَرِيقه فمرت بِهِ سلْعَة فاشتراها فَلَا بَأْس بذلك، والمتلقي عِنْده الْخَارِج القاصد إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْن حبيب: وَمن كَانَ مَوْضِعه غير الْحَاضِرَة قَرِيبا مِنْهَا أَو بَعيدا لَا بَأْس أَن يَشْتَرِي مَا مر بِهِ للْأَكْل خَاصَّة لَا للْبيع، وَرَوَاهُ أَشهب عَن مَالك، ﵀. ٦٦١٢ - حدَّثنا مُوسَى بنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عَن نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا نتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فنَشْتَرِي مِنهُمُ الطَّعَامَ فنَهَانَا النبيُّ ﷺ أنْ نَبِيعَهُ حتَّى نَبْلُغَ بِهِ سُوقَ الطَّعَامِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لم يذكر منع النَّبِي ﷺ لَهُم إلَاّ عَن بيعهم فِي مَكَانَهُ، فَعلم أَن مثل ذَلِك التلقي كَانَ غير مَنْهِيّ مقررا على حَاله. وَقَوله: (نبلغ بِهِ سوق الطَّعَام) يدل على أَن مُنْتَهى التلقي هُوَ أَن يخرج عَن أَعلَى السُّوق، وعَلى مَا يَجِيء الْآن مشروحا بأوضح مِنْهُ. وَرِجَال الحَدِيث قد تكَرر ذكرهم، وَجُوَيْرِية تَصْغِير جَارِيَة: هُوَ ابْن أَسمَاء بن عبيد الضبعِي، وَقَالَ

стр. 3395

الْمَازرِيّ: فَإِن قيل: الْمَنْع من بيع الْحَاضِر للبادي سَببه الرِّفْق لأهل الْبَلَد، وَاحْتمل فِيهِ غبن البادي، وَالْمَنْع من التلقي أَن لَا يغبن البادي؟ فَالْجَوَاب: أَن الشَّرْع ينظر فِي مثل هَذِه الْمسَائِل إِلَى مصلحَة النَّاس، والمصلحة تَقْتَضِي أَن ينظر للْجَمَاعَة على الْوَاحِد لَا للْوَاحِد على الْوَاحِد، فَلَمَّا كَانَ البادي إِذا بَاعَ بِنَفسِهِ انْتفع جَمِيع أهل السُّوق واشتروا رخيصا فَانْتَفع بِهِ جَمِيع سكان الْبَلَد نظر الشَّرْع لأهل الْبَلَد على البادي، وَلما كَانَ فِي التلقي إِنَّمَا ينفع المتلقي خَاصَّة، وَهُوَ وَاحِد فِي قبالة وَاحِد، لم يكن فِي إِبَاحَة التلقي مصلحَة، لَا سِيمَا وينضاف إِلَى ذَلِك عِلّة ثَانِيَة: وَهُوَ لُحُوق الضَّرَر بِأَهْل السُّوق فِي انْفِرَاد المتلقي عَنْهُم بالرخص وَقطع الْمَوَارِد عَنْهُم، وهم أَكثر من المتلقي، فَنظر الشَّرْع لَهُم عَلَيْهِ، فَلَا تنَاقض فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، بل هما متفقان فِي الْحِكْمَة والمصلحة. قَالَ أبُو عَبْدِ الله هَذَا فِي أعلَى السُّوقِ يُبَيِّنهُ حَدِيثُ عُبَيْدِ الله أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى حَدِيث جوَيْرِية الْمَذْكُور، وَأَرَادَ بِهِ: أَن التلقي الْمَذْكُور فِيهِ كَانَ إِلَى أَعلَى السُّوق، بيَّنه حَدِيث عبيد الله الْعمريّ الَّذِي يَأْتِي بعده، حَيْثُ قَالَ: كَانُوا يتبايعون الطَّعَام فِي أَعلَى السُّوق، ففهم مِنْهُ أَن التلقي إِلَى خَارج الْبَلَد هُوَ الْمنْهِي لَا غير، وَقَول البُخَارِيّ: هَذَا وَقع عقيب رِوَايَة عبد الله بن عمر فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَوَقع فِي رِوَايَة غَيره عقيب حَدِيث جوَيْرِية. ٧٦١٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عَن عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانُوا يتبَايَعُونَ الطَّعَامَ فِي أعْلَى السُّوقِ فيَبِيعُونَهُ فِي مكَانِهِمْ فنَهَاهُم رسولُ الله ﷺ أنْ يَبِيعُوهُ فِي مكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ. . هَذَا لبَيَان الْمَوْعُود الَّذِي وعده بقوله؛ بيَّنه حَدِيث عبيد الله الْعمريّ عَن نَافِع الَّذِي روى عَنهُ يحيى الْقطَّان، وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ البُخَارِيّ بذلك الرَّد على من اسْتدلَّ بِهِ على جَوَاز تلقي الركْبَان، لإِطْلَاق قَول ابْن عمر: كُنَّا نتلقى الركْبَان، وَلَا دلَالَة فِيهِ، لِأَن مَعْنَاهُ: أَنهم كَانُوا يتلقونهم فِي أَعلَى السُّوق، كَمَا فِي رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن نَافِع، وَقد صرح مَالك فِي رِوَايَته عَن نَافِع بقوله: وَلَا تلقوا السّلع حَتَّى يهْبط بهَا إِلَى السُّوق، فَدلَّ على أَن التلقي الَّذِي لم ينْه عَنهُ إِنَّمَا هُوَ مَا بلغ السُّوق. انْتهى. قلت: البُخَارِيّ لم يُورد هَذَا الحَدِيث لما ذكره هَذَا الْقَائِل، لِأَنَّهُ صرح بِأَنَّهُ لبَيَان المُرَاد من حَدِيث جوَيْرِية عَن نَافِع، وَلَو أَرَادَ هَذَا الَّذِي ذكره لَكَانَ ترْجم لَهُ، وَوجه بَيَانه هُوَ: أَن التلقي الْمَذْكُور فِي حَدِيث جوَيْرِية كَانَ إِلَى أَعلَى السُّوق، بَينه حَدِيث عبيد الله حَيْثُ قَالَ: كَانُوا يتبايعون الطَّعَام فِي أَعلَى السُّوق، ففهم مِنْهُ أَن التلقي إِلَى خَارج الْبَلَد هُوَ الْمنْهِي عَنهُ لَا غير. قَوْله: (حَتَّى ينقلوه) ، الْغَرَض مِنْهُ: حَتَّى يقبضوه، لِأَن الْعرف فِي قبض الْمَنْقُول أَن ينْقل عَن مَكَانَهُ. ٣٧ - (بابٌ إذَا اشْتَرَطَ شُرُوطا فِي البَيْعِ لَا تَحِلُّ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اشْترط الشَّخْص فِي البيع شُرُوطًا لَا تحل. قَوْله: (لَا تحل) ، صفة: شُرُوطًا، وَلَيْسَ هُوَ جَوَاب: إِذا، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يفْسد البيع بذلك. ٨٦١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ جاءَتْنِي بَرِيرَةُ فقَالَتْ كاتَبْتُ أهْلِي عَلى تِسْعٍ أوَاقٍ فِي كُلِّ عامٍ وَقِيَّةٌ فأعِينِينِي فقُلْتُ إنْ أحَبَّ أهْلُكِ أنْ أعُدَّهَا لَهُمْ ويَكُونَ ولَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِهِا فقَالَتْ لَهُم فأبَوْا عَلَيْهَا فجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ ورسولُ الله ﷺ جالِسٌ فقالَتْ إنِّي قَدْ عَرَضتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فأبَوْا إلَاّ أنْ يَكُونَ لَهُمْ الوَلَاءُ فسَمِعَ النبيُّ ﷺ فأخْبَرَتْ عائشَةُ النبيَّ ﷺ فَقَالَ خُذِيهَا واشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ فإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ فَفَعَلَتْ عائِشَةُ ثمَّ قامَ رسولُ الله

стр. 3396

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّاسِ فحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ مَا بالُ رجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَا كانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فَهْوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مائةَ شَرْطٍ قَضاءُ الله أحَقُّ وشَرْطُ الله أوْثَقُ وإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا بَال رجال يشترطون) إِلَى آخِره، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا فِي: بَاب البيع وَالشِّرَاء مَعَ النِّسَاء، وَمضى مطولا فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد، رَوَاهُ عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً، وَلَكِن نذْكر بعض شَيْء. قَوْله: (أَوَاقٍ) ، جمع: أُوقِيَّة، وَأَصلهَا أواقي، بتَشْديد الْيَاء، فحذفت إِحْدَى الياءين تَخْفِيفًا وَالثَّانيَِة على طَريقَة قاضٍ، وَفِي مِقْدَار الْأُوقِيَّة خلاف. قَوْله: (أَن أعدهَا لَهُم) أَي: أعد تسع أَوَاقٍ لأهْلك وأعتقك، وَيكون ولاؤك لي، بِأَن يفْسخ الْكِتَابَة لعجز الْمكَاتب عَن أَدَاء النُّجُوم. قَوْله: (من عِنْدهم) ، ويروى: من عِنْدهَا، أَي: من عِنْد أَهلهَا. قَوْله: (جَالس) أَي: عِنْد عَائِشَة. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: بَرِيرَة. قَوْله: (عرضت ذَلِك) أَي: مَا قالته لَهَا عَائِشَة. قَوْله: (فَأَبَوا) أَي: امْتَنعُوا. قَوْله: (فَسمع النَّبِي ﷺ أَي: مَا قالته بَرِيرَة. قَوْله: (فَأخْبرت عَائِشَة) ، قيل: مَا الْفَائِدَة فِي إِخْبَار عَائِشَة حَيْثُ سمع النَّبِي ﷺ ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ: سمع شَيْئا مُجملا، فَأَخْبَرته عَائِشَة بِهِ مفصلا. قَوْله: (فَقَالَ: خذيها) أَي: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : خذي بَرِيرَة، أَي: اشتريها. قَوْله: (أما بعد) ، أَي: بعد حمد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ. قَوْله: (مَا بَال رجال) ، هَذَا جَوَاب: أما، وَالْأَصْل فِيهِ أَن يكون بِالْفَاءِ، وَقد تحذف. قَوْله: (مَا كَانَ) ، كلمة: مَا، مَوْصُولَة متضمنة معنى الشَّرْط، فَلذَلِك دخلت الْفَاء فِي جَوَابه، وَهُوَ قَوْله: (فَهُوَ بَاطِل) . قَوْله: (وَإِن كَانَ مائَة شَرط) ، مُبَالغَة. وَقَوله: (شَرط) ، مصدر ليَكُون مَعْنَاهُ: مائَة مرّة، حَتَّى يُوَافق الرِّوَايَة المصرحة بِلَفْظ الْمرة. قَوْله: (وَشرط الله أوثق) ، فِيهِ سجع، وَهُوَ من محسنات الْكَلَام إِذا لم يكن فِيهِ تكلّف، وَإِنَّمَا نهى عَن سجع الْكُهَّان لما فِيهِ من التَّكَلُّف. وَقَالَ النَّوَوِيّ، ﵀: هَذَا حَدِيث عَظِيم كثير الْأَحْكَام وَالْقَوَاعِد، وَفِيه مَوَاضِع تشعبت فِيهَا الْمذَاهب: أَحدهَا: أَنَّهَا كَانَت مُكَاتبَة وباعها الموَالِي واشترتها عَائِشَة، وَأقر النَّبِي ﷺ بيعهَا، فَاحْتَجت بِهِ طَائِفَة من الْعلمَاء أَنه: يجوز بيع الْمكَاتب، وَمِمَّنْ جوزه عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَأحمد، وَقَالَ ابْن مَسْعُود وَرَبِيعَة وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَبَعض الْمَالِكِيَّة وَمَالك فِي رِوَايَة عَنهُ: لَا يجوز بَيْعه. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: يجوز بَيْعه لِلْعِتْقِ لَا للاستخدام، وَأجَاب من أبطل بَيْعه عَن حَدِيث بَرِيرَة أَنَّهَا عجزت نَفسهَا وفسخوا الْكِتَابَة. الْموضع الثَّانِي: قَوْله ﷺ : (اشْتَرَيْتهَا. .) إِلَى آخِره، مُشكل من حَدِيث الشِّرَاء وَشرط الْوَلَاء لَهُم وإفساد البيع بِهَذَا الشَّرْط، ومخادعة البائعين وَشرط مَا لَا يَصح لَهُم، وَلَا يحصل لَهُم. وَكَيْفِيَّة الْإِذْن لعَائِشَة؟ وَلِهَذَا الْإِشْكَال أنكر بعض الْعلمَاء هَذَا الحَدِيث بجملته، وَهَذَا مَنْقُول عَن يحيى بن أَكْثَم، وَالْجُمْهُور على صِحَّته، وَاخْتلفُوا فِي تَأْوِيله. فَقيل: اشترطي لَهُم الْوَلَاء، أَي: عَلَيْهِم، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم اللَّعْنَة﴾ (الرَّعْد: ٥٢) . أَي: وَعَلَيْهِم، نقل هَذَا عَن الشَّافِعِي والمزني، وَقيل: معنى اشترطي: أظهري لَهُم حكم الْوَلَاء. وَقيل: المُرَاد الزّجر والتوبيخ لَهُم لأَنهم لما ألحُّوا فِي اشْتِرَاطه وَمُخَالفَة الْأَمر قَالَ لعَائِشَة هَذَا، بِمَعْنى: لَا تبالي سَوَاء شرطته أم لَا، فَإِنَّهُ شَرط بَاطِل مَرْدُود. وَقيل: هَذَا الشَّرْط خَاص فِي قصَّة عَائِشَة، وَهِي قَضِيَّة عين لَا عُمُوم لَهَا. . الثَّالِث: أَن الْوَلَاء لمن أعتق، وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على ثُبُوت الْوَلَاء لمن أعتق عَبده أَو أمته عَن نَفسه، وَأَن يَرث بِهِ، وَأما الْعَتِيق فَلَا يَرث سَيّده عِنْد الجماهير، وَقَالَ جمَاعَة من التَّابِعين: يَرِثهُ كَعَكْسِهِ. الرَّابِع: أَنه ﷺ خير بَرِيرَة فِي فسخ نِكَاحهَا، وأجمعت الْأمة على أَنه إِذا اعتقت كلهَا تَحت زَوجهَا، وَهُوَ عبد، كَانَ لَهَا خِيَار فِي فسخ النِّكَاح، فَإِن كَانَ حرا فَلَا خِيَار لَهَا عِنْد الشَّافِعِي وَمَالك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَهَا الْخِيَار. الْخَامِس: أَن قَوْله ﷺ : (كل شَرط) إِلَى آخِره، صَرِيح فِي إبِْطَال كل شَرط لَيْسَ لَهُ أصل فِي كتاب الله تَعَالَى، وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن من شَرط فِي البيع شرطا لَا يحل أَنه لَا يجوز، عملا بِهَذَا الحَدِيث. وَاخْتلفُوا فِي غَيرهَا من الشُّرُوط على مَذَاهِب مُخْتَلفَة: فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل على نَص حَدِيث بَرِيرَة، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم وَابْن جرير وَأَبُو ثَوْر. وَذَهَبت طَائِفَة أُخْرَى إِلَى جوازهما، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي بَيْعه جمله واستثنائه حمله إِلَى الْمَدِينَة، وَرُوِيَ

стр. 3397

ذَلِك عَن حَمَّاد وَابْن شبْرمَة وَبَعض التَّابِعين. وَذَهَبت طَائِفَة ثَالِثَة إِلَى بطلانهما، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع وَشرط. وَهُوَ قَول عمر وَولده وَابْن مَسْعُود والكوفيين وَالشَّافِعِيّ، وَقد يجوز عِنْد مَالك البيع وَالشّرط، مثل أَن يشْتَرط البَائِع مَا لم يدْخل فِي صَفْقَة البيع، مثل: أَن يَشْتَرِي زرعا وَيشْتَرط على البَائِع حصده، أَو دَارا وَيشْتَرط سكناهَا مُدَّة يسيرَة، أَو يشْتَرط ركُوب الدَّابَّة يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ، وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ لَا يجيزان هَذَا البيع كُله، وَمِمَّا أجَازه مَالك فِيهِ البيع وَالشّرط: شِرَاء العَبْد بِشَرْط عتقه إتباعا للسّنة فِي بَرِيرَة، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالشَّافِعِيّ فِي رِوَايَة الرّبيع، وَأَجَازَ ابْن أبي ليلى هَذَا البيع وأبطل الشَّرْط، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وأبطل أَبُو حنيفَة البيع وَالشّرط وَأخذ بِعُمُوم نَهْيه عَن بيع وَشرط، وَمِمَّا أجَازه مَالك فِيهِ البيع وَإِبْطَال الشَّرْط: كَشِرَاء العَبْد على أَن يكون الْوَلَاء للْبَائِع، وَهَذَا البيع أَجمعت الْأمة على جَوَازه وَإِبْطَال الشَّرْط فِيهِ لمُخَالفَته السّنة، وَكَذَلِكَ من بَاعَ سلْعَة وَشرط أَن لَا ينْقد المُشْتَرِي الثّمن إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام وَنَحْوهَا فَالْبيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل عِنْد مَالك، وَأَجَازَ ابْن الْمَاجشون البيع وَالشّرط، وَمِمَّنْ أجَاز هَذَا البيع الثَّوْريّ وَمُحَمّد بن الْحسن وَأحمد وَإِسْحَاق، وَلم يفرقُوا بَين ثَلَاثَة أَيَّام وَأكْثر مِنْهَا، وَأَجَازَ أَبُو حنيفَة البيع وَالشّرط إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام، وَإِن قَالَ إِلَى أَرْبَعَة أَيَّام بَطل البيع، لِأَن اشْتِرَاط الْخِيَار بِأَكْثَرَ من ثَلَاثَة أَيَّام لَا يجوز عِنْده، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر. وَمِمَّا يبطل فِيهِ عِنْد مَالك البيع وَالشّرط: مثل أَن يَبِيعهُ جَارِيَة على أَن لَا يَبِيعهَا وَلَا يَهَبهَا على أَن يتخذها أم ولد، فَالْبيع عِنْده فَاسد، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وأجازت طَائِفَة هَذَا البيع وأبطلت الشَّرْط، وَهَذَا قَول الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَابْن أبي ليلى وَأبي ثَوْر، وَقَالَ حَمَّاد الْكُوفِي: البيع جَائِز وَالشّرط لَازم. وَمِمَّا يبطل فِيهِ البيع وَالشّرط عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ والكوفيين: نَحْو بيع الْأمة والناقة واستثناء مَا فِي بَطنهَا، وَهُوَ عِنْدهم من بُيُوع الْغرَر، وَقد أجَاز هَذَا البيع وَالشّرط النَّخعِيّ وَالْحسن وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَاحْتَجُّوا بِأَن ابْن عمر أعتق جَارِيَة وَاسْتثنى مَا فِي بَطنهَا. وَمِمَّا حُكيَ عَن عبد الْوَارِث بن سعيد قَالَ: قدمت مَكَّة فَوجدت بهَا أَبَا حنيفَة وَابْن أبي ليلى وَابْن شبْرمَة، فَسَأَلت أَبَا حنيفَة، فَقلت: مَا تَقول فِي رجل بَاعَ بيعا وَشرط شرطا؟ فَقَالَ: البيع بَاطِل وَالشّرط بَاطِل، ثمَّ أتيت ابْن أبي ليلى فَسَأَلته، فَقَالَ: البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل، ثمَّ أتيت ابْن شبْرمَة، فَقَالَ: البيع جَائِز وَالشّرط جَائِز. فَقلت: سُبْحَانَ الله ثَلَاثَة من فُقَهَاء الْعرَاق اخْتلفُوا على مَسْأَلَة وَاحِدَة. فَأتيت أَبَا حنيفَة فَأَخْبَرته، فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدثنِي عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده (أَن النَّبِي، ﷺ : نهى عَن بيع وَشرط) ، البيع بَاطِل وَالشّرط بَاطِل. ثمَّ أتيت ابْن أبي ليلى فَأَخْبَرته فَقَالَ: (مَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدثنِي هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: (أَمرنِي رَسُول الله ﷺ : أَن أَشْتَرِي بَرِيرَة فأعتقيها، البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل) . ثمَّ أتيت ابْن شبْرمَة فَأَخْبَرته، فَقَالَ: (مَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدثنِي مسعر بن كدام عَن محَارب بن دثار عَن جَابر بن عبد الله (قَالَ: بِعْت من النَّبِي ﷺ نَاقَة، فَاشْترط لي حملانها إِلَى الْمَدِينَة، البيع جَائِز وَالشّرط جَائِز) . ٩٦١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ أرَادَتْ أنْ تَشْتَرِيَ جارِيَةً فتُعْتِقَهَا فَقَالَ أهْلُهَا نَبِيعُكِهَا علَى أنَّ وَلَاءَهَا لَنَا فذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (نبيعكها على أَن ولاءها لنا) ، وَهَذَا الشَّرْط بَاطِل، والترجمة فِيهِ، وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن إِسْمَاعِيل وقتيبة فرقهما، وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفَرَائِض وَالنَّسَائِيّ فِي الْبيُوع جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَالْكَلَام فِيهِ قد مر فِي الحَدِيث الَّذِي قبله، وَفِي الْبَاب الَّذِي فِيهِ التَّرْجَمَة: البيع وَالشِّرَاء مَعَ النِّسَاء. ٤٧ - (بَاب بَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع التَّمْر بِالتَّمْرِ.

стр. 3398

٠٧١٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ مالِكِ بنِ أوَيْسٍ قَالَ سَمعَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ الْبُرُّ بالْبُرِّ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ والتَّمْرُ بالتَّمْرِ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ. . هَذَا الحَدِيث قد مر من رِوَايَة عَمْرو بن دِينَار عَن الزُّهْرِيّ عَن مَالك بن أويس عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي: بَاب مَا يذكر فِي بيع الطَّعَام والحكرة، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. ٥٧ - (بابُ بَيْعِ الزَّبِيبِ بالزَّبِيبِ والطَّعامُ بالطَّعامِ) أَي: هَذَا بَاب فِي حكم بيع الزَّبِيب ... إِلَى آخِره. ١٧١٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حَدثنَا مالِكٌ عَن نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عنِ المُزَابَنَةِ والمُزَابَنَةُ بَيْع التَّمْرِ بالتَّمْرِ كَيْلا وبَيْعُ الزَّبِيبِ بالْكَرْم كَيْلا. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ الْمَعْنى، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ من جِهَة النَّص: (الزَّبِيب بالزبيب وَلَا الطَّعَام بِالطَّعَامِ) ، فَلَو حقق الحَدِيث بِبيع التَّمْر فِي رُؤُوس الشّجر بِمثلِهِ من جنسه يَابسا، أَو صحّح الْكَلَام على قدر مَا ورد بِهِ لفظ الْخَبَر كَانَ أولى. وَقَالَ بَعضهم: كَأَن البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرقه من ذكر الطَّعَام، وَهُوَ فِي رِوَايَة اللَّيْث عَن نَافِع كَمَا سَيَأْتِي. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه لَا يساعد البُخَارِيّ، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه أَخذ فِي التَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ فِي الْمُطَابقَة، وَرُبمَا يَأْتِي بعض الْأَبْوَاب لَا تُوجد الْمُطَابقَة فِيهِ إلَاّ بِأَدْنَى من هَذَا الْمِقْدَار، وَالْغَرَض وجود شَيْء مَا من الْمُنَاسبَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن يُوسُف فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن يحيى. وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. والمزابنة، مفاعلة، لَا تكون إلَاّ بَين اثْنَيْنِ، وَأَصلهَا الدّفع الشَّديد، قَالَ الدَّاودِيّ: كَانُوا قد كثرت فيهم المدافعة بالخصام، فسميت الْمُزَابَنَة، وَلما كَانَ كل وَاحِد من الْمُتَبَايعين يدْفع الآخر فِي هَذِه الْمُبَايعَة عَن حَقه، سميت بذلك، وَقَالَ ابْن سَيّده: الزَّبْن دفع الشَّيْء عَن الشَّيْء، زبن الشَّيْء يزبنه زبنا وزبن بِهِ، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الْمُزَابَنَة كل بيع فِيهِ غرر، وَهُوَ بيع كل جزاف لَا يعلم كَيْله وَلَا وَزنه وَلَا عدده، وَأَصله أَن المغبون يُرِيد أَن يفْسخ البيع، وَيُرِيد الغابن أَن لَا يفسخه فيتزابنان عَلَيْهِ، أَي: يتدافعان، وَعند الشَّافِعِي: هُوَ بيع مَجْهُول بِمَجْهُول أَو مَعْلُوم، من جنس تَحْرِيم الرِّبَا فِي نَقده، وَخَالفهُ مَالك فِي هَذَا الْقَيْد، سَوَاء كَانَ مِمَّا يحرم الرِّبَا فِي نَقده أَو لَا، وَلَا، مطعوما كَانَ أَو غير مطعوم. قَوْله: (والمزابنة بيع الثَّمر) إِلَى آخِره، قَالَ أَبُو عمر: لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن تَفْسِير الْمُزَابَنَة فِي هَذَا الحَدِيث من قَول ابْن عمر أَو مرفوعه، وَأَقل ذَلِك أَن يكون من قَوْله، وَهُوَ رواي الحَدِيث فَيسلم لَهُ، وَكَيف وَلَا مُخَالف فِي ذَلِك؟ قَوْله: (بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ) قَالَ الْكرْمَانِي: بيع الثَّمر بِالْمُثَلثَةِ بِالتَّمْرِ بالفوقية، وَمَعْنَاهُ: الرطب بِالتَّمْرِ، وَلَيْسَ المُرَاد كل الثِّمَار، فَإِن سَائِر الثِّمَار يجوز بيعهَا بِالتَّمْرِ. قَوْله: (كَيْلا) أَي: من حَيْثُ الْكَيْل، نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (بِالْكَرمِ) ، بِسُكُون الرَّاء: شجر الْعِنَب، لَكِن المُرَاد هُنَا نفس الْعِنَب. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ من بَاب الْقلب، إِذْ الْمُنَاسب لقرينته أَن يدْخل الْجَار على الزَّبِيب لَا على الْكَرم، وَقَالَ أَبُو عمر: وَأَجْمعُوا على تَحْرِيم بيع الْعِنَب بالزبيب، وعَلى تَحْرِيم بيع الْحِنْطَة فِي سنبلها بحنطة صَافِيَة، وَهُوَ المحاقلة، وَسَوَاء عِنْد جمهورهم كَانَ الرطب وَالْعِنَب على الشّجر أَو مَقْطُوعًا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ مَقْطُوعًا جَازَ بَيْعه بِمثلِهِ من الْيَابِس، وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على أَنه لَا يجوز بيع التَّمْر فِي رُؤُوس النّخل بِالتَّمْرِ، لِأَنَّهُ مزابنة، وَقد نهى عَنهُ. وَأما رطب ذَلِك مَعَ يابسه إِذا كَانَ مَقْطُوعًا، وَأمكن فِيهِ الْمُمَاثلَة، فجمهور الْعلمَاء لَا يجيزون بيع شَيْء من ذَلِك بِجِنْسِهِ لَا متماثلاً وَلَا مُتَفَاضلا، وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز بيع الْحِنْطَة الرّطبَة باليابسة وَالتَّمْر بالرطب مثلا بِمثل، وَلَا يُجِيزهُ مُتَفَاضلا. قَالَ ابْن الْمُنْذر: وأظن أَن أَبَا ثَوْر وَافقه.

стр. 3399

٢٧١٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمانِ قَالَ أخبرنَا حَمادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عنِ المُزَابَنَةِ قَالَ والمُزَابَنَةُ أنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ إنْ زادَ فَلِي وإنْ نقَصَ فَعَلَيَّ. مطابقته للتَّرْجَمَة نَحْو مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا كلهم، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَأبي كَامِل الجحدري، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد مقطعا، وَعَن عَليّ بن حجر وَزُهَيْر بن حَرْب، كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَنهُ بِهِ مقطعا أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن زِيَاد بن أَيُّوب عَن ابْن علية. قَوْله: (قَالَ) أَي: عبد الله بن عمر. قَوْله: (أَن يَبِيع) ، بدل أَو بَيَان لقَوْله: الْمُزَابَنَة، كَذَا قيل. قلت: كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على الخبرية، وَتَقْدِيره: الْمُزَابَنَة بيع التَّمْر بكيل. قَوْله: (بكيل) أَي: من الزَّبِيب أَو التَّمْر. قَوْله: (إِن زَاد) ، حَال من فَاعل يَبِيع، بِتَقْدِير القَوْل: أَي: بِبيعِهِ قَائِلا إِن زَاد التَّمْر المخروص على مَا يُسَاوِي الْكَيْل، فَهُوَ لي وَإِن نقس فعلي بتَشْديد الْيَاء. (قَالَ وحَدثني زيد بن ثَابت أَن النَّبِي ﷺ َ - رخص فِي الْعَرَايَا بِخرْصِهَا) أَي قَالَ عبد الله بن عَمْرو حَدثنِي زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهَذَا أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث وَعَن القعْنبِي عَن مَالك وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمُبَارك وَفِي الشّرْب عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن يحيى وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَزُهَيْر بن حَرْب ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وهشيم فرقهما وَعَن مُحَمَّد بن رمح وَعَن أبي الرّبيع وَأبي كَامِل وَعَن عَليّ بن حجر وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى بن الْقطَّان وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع عَن هناد وَعَن قُتَيْبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي قدامَة وَفِيه وَفِي الشُّرُوط عَن عِيسَى بن حَمَّاد وَعَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي وَأخرجه ابْن ماجة فِي التِّجَارَات عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ وَعَن هِشَام بن عمار وَمُحَمّد بن الصَّباح (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " فِي الْعَرَايَا " جمع عرية فعيلة بِمَعْنى مفعولة من عراه يعروه إِذا قَصده وَيحْتَمل أَن تكون فعيلة بِمَعْنى فاعلة من عرى يعرى إِذا قلع ثَوْبه كَأَنَّهَا عريت من جملَة التَّحْرِيم وَفِي التَّلْوِيح الْعرية النَّخْلَة المعراة وَهِي الَّتِي وهبت تَمْرَة عامها والعرية أَيْضا الَّتِي تعزل عَن المساومة عِنْد بيع النّخل وَقيل هِيَ النَّخْلَة الَّتِي قد أكل مَا عَلَيْهَا واستعرى النَّاس فِي كل وَجه أكلُوا الرطب من ذَلِك وَفِي الْجَامِع وَأَنت معروفي الصِّحَاح فيعروها الَّذِي أَعْطيته أَي يَأْتِيهَا وَهِي فعيلة بِمَعْنى مفعولة وَإِنَّمَا أدخلت فِيهَا الْهَاء لِأَنَّهَا أفردت فَصَارَت فِي عداد الْأَسْمَاء مثل النطيحة والأكيلة وَلَو جِئْت بهَا مَعَ النَّخْلَة قلت نَخْلَة عرى وَقيل عراه يعروه إِذا أَتَاهُ يطْلب مِنْهُ عرية فأعراه أَي إِيَّاهَا كَمَا يُقَال سَأَلَني فأسألته فالعرية اسْم للنخلة الْمُعْطى ثَمَرهَا فَهِيَ اسْم لعطية خَاصَّة وَقد سمت الْعَرَب عطايا خَاصَّة بأسماء خَاصَّة كالمنيحة لعطية الشَّاة والأفقار لما ركب فقاره فعلى هَذَا أَن الْعرية عَطِيَّة لَا بيع. ثمَّ اخْتلفُوا فِي تَفْسِير الْعَطِيَّة شرعا فَقَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق الْعرية الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث هِيَ إِعْطَاء الرجل من جملَة حَائِطه نَخْلَة أَو نخلتين عَاما وَقَالَ قوم الْعرية النَّخْلَة والنخلتان وَالثَّلَاث يَجْعَل للْقَوْم فيبيعون ثَمَرهَا بِخرْصِهَا تَمرا وَهُوَ قَول يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَرُوِيَ عَن زيد بن ثَابت وَقَالَ قوم مثل هَذَا إِلَّا أَنهم خصوا بذلك الْمَسَاكِين يَجْعَل لَهُم تمر النّخل فيصعب عَلَيْهِم الْقيام عَلَيْهَا فأبيح لَهُم أَن يبيعوه بِمَا شاؤا من التَّمْر وَهُوَ قَول سُفْيَان بن حُسَيْن وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَقَالَ قوم الْعرية الرجل يعري النَّخْلَة أَو يَسْتَثْنِي من مَاله النَّخْلَة أَو النخلتين يأكلها فيبيعها بِمثل خرصها وَهُوَ قَول عبد ربه بن سعيد الْأنْصَارِيّ. وَقَالَ قوم الْعرية أَن يَأْتِي أَوَان الرطب وَهُنَاكَ قوم فُقَرَاء لَا مَال لَهُم يُرِيدُونَ ابتياع رطب يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاس وَلَهُم فضول تمر من أقواتهم فَإِن لَهُم أَن يشتروا الرطب بِخرْصِهَا من التَّمْر فِيمَا دون خَمْسَة أوسق وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر وَلَا عرية عِنْدهمَا فِي غير النّخل وَالْعِنَب

стр. 3400

وَقَالَ الطَّحَاوِيّ وَكَانَ أَبُو حنيفَة يَقُول فِيمَا سَمِعت أَحْمد بن أبي عمرَان يذكر أَنه سمع مُحَمَّد بن سَمَّاعَة عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة قَالَ معنى ذَلِك عندنَا أَن يعرى الرجل الرجل تمر نَخْلَة من نخله فَلم يسلم ذَلِك إِلَيْهِ حَتَّى يَبْدُو لَهُ يَعْنِي يظْهر لَهُ أَن لَا يُمكنهُ من ذَلِك فيعطيه مَكَانَهُ خرصه تَمرا فَيخرج بذلك عَن إخلاف الْوَعْد وَقَالَ ابْن الْأَثِير الْعرية هِيَ أَن من لَا نخل لَهُ من ذَوي الْحَاجة يدْرك الرطب وَلَا نقد بِيَدِهِ يَشْتَرِي بِهِ الرطب لِعِيَالِهِ وَلَا نخل لَهُم يُطعمهُمْ مِنْهُ وَيكون قد فضل لَهُ تمر من قوته فَيَجِيء إِلَى صَاحب النّخل فَيَقُول لَهُ بِعني تمر نَخْلَة أَو نخلتين بِخرْصِهَا من التَّمْر فيعطيه ذَلِك الْفَاضِل من التَّمْر بِتَمْر تِلْكَ النخلات ليصيب من رطبها مَعَ النَّاس فَرخص فِيهِ إِذا كَانَ دون خَمْسَة أوسق وَقَالَ ابْن زرقون هِيَ عَطِيَّة ثَمَر النّخل دون الرّقاب كَانُوا يُعْطون ذَلِك إِذا دهمتهم سنة لمن لَا نخل لَهُ فيعطيه من نخله مَا سمحت بِهِ نَفسه مثل الأفقار والمنحة والعمرى وَكَانَت الْعَرَب تتمدح بالأعراء وَقَالَ النَّوَوِيّ ﵀ الْعرية هِيَ أَن يخرص الخارص نخلات فَيَقُول هَذَا الرطب الَّذِي عَلَيْهَا إِذا يبس يَجِيء مِنْهُ ثَلَاثَة أوسق من التَّمْر مثلا فيعطيه صَاحبه لإِنْسَان بِثَلَاثَة أوسق ويتقاصان فِي الْمجْلس فيتسلم الثّمن ويتسلم بَايع الرطب الرطب بِالتَّخْلِيَةِ وَهَذَا جَائِز فِيمَا دون خَمْسَة أوسق وَلَا يجوز فِيمَا زَاد على خَمْسَة أوسق وَفِي جَوَازه فِي خَمْسَة أوسق قَولَانِ للشَّافِعِيّ أصَحهمَا لَا يجوز وَالأَصَح أَنه يجوز ذَلِك للْفُقَرَاء والأغنياء وَأَنه لَا يجوز فِي غير الرطب وَالْعِنَب وَبِه قَالَ أَحْمد وَقَالَ أَبُو عمر فجملة قَول مَالك وَأَصْحَابه فِي الْعَرَايَا أَن العراية هِيَ أَن يهب الرجل حَائِطه خَمْسَة أوسق فَمَا دونهَا ثمَّ يُرِيد أَن يَشْتَرِيهَا من المعري عِنْد طيب الثَّمَرَة فأبيح لَهُ أَن يَشْتَرِيهَا بِخرْصِهَا تَمرا عِنْد الْجذاذ وَإِن عجل لَهُ لم يجز وَلَا يجوز ذَلِك لغير المعري لِأَن الرُّخْصَة وَردت فِيهِ وَجَائِز بيعهَا من غَيره بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِم وَسَائِر الْعرُوض وَقَالَ أَيْضا وَلَا يجوز البيع فِي الْعَرَايَا عِنْد مَالك وَأَصْحَابه إِلَّا لوَجْهَيْنِ إِمَّا لدفع ضَرَر دُخُول المعرى على المعرى وَإِمَّا لِأَن يرفق المعرى فتكفيه المؤلة فِيهَا فأرخص لَهُ أَن يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِخرْصِهَا تَمرا إِلَى الْجذاذ وَفِي الاستذكار يجوز الإعراء فِي كل نوع من الثَّمر كَانَ مِمَّا ييبس ويدخر أم لَا وَفِي القثاء والموز والبطيخ قَالَه ابْن حبيب قبل الْأَبَّار وَبعده لعام أَو لأعوام فِي جَمِيع الْحَائِط أَو بعضه وَقَالَ عبد الْوَهَّاب بيع الْعَارِية جَائِز بأَرْبعَة شُرُوط أَحدهَا أَن يزهي وَهُوَ قَول جُمْهُور الْفُقَهَاء وَقَالَ يزِيد بن حبيب يجوز وَقبل بَدو الصّلاح وَالثَّانِي أَن يكون خَمْسَة أوسق فأدنى وَهُوَ رِوَايَة المصريين عَن مَالك وروى عَنهُ أَبُو الْفرج عَمْرو بن مُحَمَّد أَنه لَا يجوز إِلَّا فِي خَمْسَة أوسق فَإِن خرصت أقل من خَمْسَة أوسق فَلَمَّا جذت وجد أَكثر فَفِي الْمُدَوَّنَة روى صَدَقَة بن حبيب عَن مَالك أَن الْفضل لصَاحب الْعَارِية وَلَو أقل من الْخرص ضمن الْخرص وَلَو خلطه قبل أَن يكيله لم يكن عَلَيْهِ زِيَادَة وَلَا نقص وَالثَّالِث أَن يُعْطِيهِ خرصها عِنْد الْجذاذ وَلَا يجوز لَهُ تَعْجِيل الْخرص تَمرا خلافًا للشَّافِعِيّ فِي قَوْله أَنه يجب عَلَيْهِ أَن يعجل الْخرص تَمرا وَلَا يجوز أَن يفترقا حَتَّى يتقابضا وَالشّرط الرَّابِع أَن يكون من صنعها فَإِذا بَاعهَا بِخرْصِهَا إِلَى الْجذاذ ثمَّ أَرَادَ تَعْجِيل الْخرص جَازَ قَالَه ابْن حبيب وَعَن مَالك فِيمَا يَصح ذَلِك فِيهِ من الثِّمَار رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا أَنه لَا يجوز إِلَّا فِي النّخل وَالْعِنَب وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَالثَّانيَِة أَنه يجوز فِي كل مَا ييبس ويدخر من الثِّمَار كالجوز واللوز والتين وَالزَّيْتُون والفستق رَوَاهُ أَحْمد وَقَالَ أَشهب فِي الزَّيْتُون يجوز إِذا كَانَ ييبس ويدخر وَأما النّخل الَّذِي لَا يتتمر وَالْعِنَب الَّذِي لَا يتزبب فعلى اشْتِرَاط التيبيس يجب أَن لَا يجوز ٦٧ - (بابُ بَيْعِ الشَّعِيرِ بالشَّعِيرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الشّعير بِالشَّعِيرِ. كَيفَ هُوَ. وَهُوَ أَنه يجوز إِذا كَانَا متساويين يدا بيد على مَا يَجِيء بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: ٤٧١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهاب عنْ مالِكِ بنِ أوْسٍ قَالَ أخبَرَهُ أنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفا بِمائَةِ دِينارٍ فَدعانِي طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ الله فتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي فأخذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُها فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ حتَّى يَأتِيَ خازِنِي منَ الْغَابَةِ وعُمَرُ يَسْمَعُ ذَلِكَ فَقَالَ
следующие страницы →