Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّاسِ فحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ مَا بالُ رجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَا كانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فَهْوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مائةَ شَرْطٍ قَضاءُ الله أحَقُّ وشَرْطُ الله أوْثَقُ وإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا بَال رجال يشترطون) إِلَى آخِره، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا فِي: بَاب البيع وَالشِّرَاء مَعَ النِّسَاء، وَمضى مطولا فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد، رَوَاهُ عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً، وَلَكِن نذْكر بعض شَيْء.
قَوْله: (أَوَاقٍ) ، جمع: أُوقِيَّة، وَأَصلهَا أواقي، بتَشْديد الْيَاء، فحذفت إِحْدَى الياءين تَخْفِيفًا وَالثَّانيَِة على طَريقَة قاضٍ، وَفِي مِقْدَار الْأُوقِيَّة خلاف. قَوْله: (أَن أعدهَا لَهُم) أَي: أعد تسع أَوَاقٍ لأهْلك وأعتقك، وَيكون ولاؤك لي، بِأَن يفْسخ الْكِتَابَة لعجز الْمكَاتب عَن أَدَاء النُّجُوم. قَوْله: (من عِنْدهم) ، ويروى: من عِنْدهَا، أَي: من عِنْد أَهلهَا. قَوْله: (جَالس) أَي: عِنْد عَائِشَة. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: بَرِيرَة. قَوْله: (عرضت ذَلِك) أَي: مَا قالته لَهَا عَائِشَة. قَوْله: (فَأَبَوا) أَي: امْتَنعُوا. قَوْله: (فَسمع النَّبِي ﷺ أَي: مَا قالته بَرِيرَة. قَوْله: (فَأخْبرت عَائِشَة) ، قيل: مَا الْفَائِدَة فِي إِخْبَار عَائِشَة حَيْثُ سمع النَّبِي ﷺ ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ: سمع شَيْئا مُجملا، فَأَخْبَرته عَائِشَة بِهِ مفصلا. قَوْله: (فَقَالَ: خذيها) أَي: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : خذي بَرِيرَة، أَي: اشتريها. قَوْله: (أما بعد) ، أَي: بعد حمد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ. قَوْله: (مَا بَال رجال) ، هَذَا جَوَاب: أما، وَالْأَصْل فِيهِ أَن يكون بِالْفَاءِ، وَقد تحذف. قَوْله: (مَا كَانَ) ، كلمة: مَا، مَوْصُولَة متضمنة معنى الشَّرْط، فَلذَلِك دخلت الْفَاء فِي جَوَابه، وَهُوَ قَوْله: (فَهُوَ بَاطِل) . قَوْله: (وَإِن كَانَ مائَة شَرط) ، مُبَالغَة. وَقَوله: (شَرط) ، مصدر ليَكُون مَعْنَاهُ: مائَة مرّة، حَتَّى يُوَافق الرِّوَايَة المصرحة بِلَفْظ الْمرة. قَوْله: (وَشرط الله أوثق) ، فِيهِ سجع، وَهُوَ من محسنات الْكَلَام إِذا لم يكن فِيهِ تكلّف، وَإِنَّمَا نهى عَن سجع الْكُهَّان لما فِيهِ من التَّكَلُّف.
وَقَالَ النَّوَوِيّ، ﵀: هَذَا حَدِيث عَظِيم كثير الْأَحْكَام وَالْقَوَاعِد، وَفِيه مَوَاضِع تشعبت فِيهَا الْمذَاهب:
أَحدهَا: أَنَّهَا كَانَت مُكَاتبَة وباعها الموَالِي واشترتها عَائِشَة، وَأقر النَّبِي ﷺ بيعهَا، فَاحْتَجت بِهِ طَائِفَة من الْعلمَاء أَنه: يجوز بيع الْمكَاتب، وَمِمَّنْ جوزه عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَأحمد، وَقَالَ ابْن مَسْعُود وَرَبِيعَة وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَبَعض الْمَالِكِيَّة وَمَالك فِي رِوَايَة عَنهُ: لَا يجوز بَيْعه. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: يجوز بَيْعه لِلْعِتْقِ لَا للاستخدام، وَأجَاب من أبطل بَيْعه عَن حَدِيث بَرِيرَة أَنَّهَا عجزت نَفسهَا وفسخوا الْكِتَابَة.
الْموضع الثَّانِي: قَوْله ﷺ : (اشْتَرَيْتهَا. .) إِلَى آخِره، مُشكل من حَدِيث الشِّرَاء وَشرط الْوَلَاء لَهُم وإفساد البيع بِهَذَا الشَّرْط، ومخادعة البائعين وَشرط مَا لَا يَصح لَهُم، وَلَا يحصل لَهُم. وَكَيْفِيَّة الْإِذْن لعَائِشَة؟ وَلِهَذَا الْإِشْكَال أنكر بعض الْعلمَاء هَذَا الحَدِيث بجملته، وَهَذَا مَنْقُول عَن يحيى بن أَكْثَم، وَالْجُمْهُور على صِحَّته، وَاخْتلفُوا فِي تَأْوِيله. فَقيل: اشترطي لَهُم الْوَلَاء، أَي: عَلَيْهِم، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم اللَّعْنَة﴾ (الرَّعْد: ٥٢) . أَي: وَعَلَيْهِم، نقل هَذَا عَن الشَّافِعِي والمزني، وَقيل: معنى اشترطي: أظهري لَهُم حكم الْوَلَاء. وَقيل: المُرَاد الزّجر والتوبيخ لَهُم لأَنهم لما ألحُّوا فِي اشْتِرَاطه وَمُخَالفَة الْأَمر قَالَ لعَائِشَة هَذَا، بِمَعْنى: لَا تبالي سَوَاء شرطته أم لَا، فَإِنَّهُ شَرط بَاطِل مَرْدُود. وَقيل: هَذَا الشَّرْط خَاص فِي قصَّة عَائِشَة، وَهِي قَضِيَّة عين لَا عُمُوم لَهَا. .
الثَّالِث: أَن الْوَلَاء لمن أعتق، وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على ثُبُوت الْوَلَاء لمن أعتق عَبده أَو أمته عَن نَفسه، وَأَن يَرث بِهِ، وَأما الْعَتِيق فَلَا يَرث سَيّده عِنْد الجماهير، وَقَالَ جمَاعَة من التَّابِعين: يَرِثهُ كَعَكْسِهِ.
الرَّابِع: أَنه ﷺ خير بَرِيرَة فِي فسخ نِكَاحهَا، وأجمعت الْأمة على أَنه إِذا اعتقت كلهَا تَحت زَوجهَا، وَهُوَ عبد، كَانَ لَهَا خِيَار فِي فسخ النِّكَاح، فَإِن كَانَ حرا فَلَا خِيَار لَهَا عِنْد الشَّافِعِي وَمَالك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَهَا الْخِيَار.
الْخَامِس: أَن قَوْله ﷺ : (كل شَرط) إِلَى آخِره، صَرِيح فِي إبِْطَال كل شَرط لَيْسَ لَهُ أصل فِي كتاب الله تَعَالَى، وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن من شَرط فِي البيع شرطا لَا يحل أَنه لَا يجوز، عملا بِهَذَا الحَدِيث. وَاخْتلفُوا فِي غَيرهَا من الشُّرُوط على مَذَاهِب مُخْتَلفَة: فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل على نَص حَدِيث بَرِيرَة، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم وَابْن جرير وَأَبُو ثَوْر. وَذَهَبت طَائِفَة أُخْرَى إِلَى جوازهما، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي بَيْعه جمله واستثنائه حمله إِلَى الْمَدِينَة، وَرُوِيَ
стр. 3397
ذَلِك عَن حَمَّاد وَابْن شبْرمَة وَبَعض التَّابِعين. وَذَهَبت طَائِفَة ثَالِثَة إِلَى بطلانهما، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع وَشرط. وَهُوَ قَول عمر وَولده وَابْن مَسْعُود والكوفيين وَالشَّافِعِيّ، وَقد يجوز عِنْد مَالك البيع وَالشّرط، مثل أَن يشْتَرط البَائِع مَا لم يدْخل فِي صَفْقَة البيع، مثل: أَن يَشْتَرِي زرعا وَيشْتَرط على البَائِع حصده، أَو دَارا وَيشْتَرط سكناهَا مُدَّة يسيرَة، أَو يشْتَرط ركُوب الدَّابَّة يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ، وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ لَا يجيزان هَذَا البيع كُله، وَمِمَّا أجَازه مَالك فِيهِ البيع وَالشّرط: شِرَاء العَبْد بِشَرْط عتقه إتباعا للسّنة فِي بَرِيرَة، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالشَّافِعِيّ فِي رِوَايَة الرّبيع، وَأَجَازَ ابْن أبي ليلى هَذَا البيع وأبطل الشَّرْط، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وأبطل أَبُو حنيفَة البيع وَالشّرط وَأخذ بِعُمُوم نَهْيه عَن بيع وَشرط، وَمِمَّا أجَازه مَالك فِيهِ البيع وَإِبْطَال الشَّرْط: كَشِرَاء العَبْد على أَن يكون الْوَلَاء للْبَائِع، وَهَذَا البيع أَجمعت الْأمة على جَوَازه وَإِبْطَال الشَّرْط فِيهِ لمُخَالفَته السّنة، وَكَذَلِكَ من بَاعَ سلْعَة وَشرط أَن لَا ينْقد المُشْتَرِي الثّمن إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام وَنَحْوهَا فَالْبيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل عِنْد مَالك، وَأَجَازَ ابْن الْمَاجشون البيع وَالشّرط، وَمِمَّنْ أجَاز هَذَا البيع الثَّوْريّ وَمُحَمّد بن الْحسن وَأحمد وَإِسْحَاق، وَلم يفرقُوا بَين ثَلَاثَة أَيَّام وَأكْثر مِنْهَا، وَأَجَازَ أَبُو حنيفَة البيع وَالشّرط إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام، وَإِن قَالَ إِلَى أَرْبَعَة أَيَّام بَطل البيع، لِأَن اشْتِرَاط الْخِيَار بِأَكْثَرَ من ثَلَاثَة أَيَّام لَا يجوز عِنْده، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر.
وَمِمَّا يبطل فِيهِ عِنْد مَالك البيع وَالشّرط: مثل أَن يَبِيعهُ جَارِيَة على أَن لَا يَبِيعهَا وَلَا يَهَبهَا على أَن يتخذها أم ولد، فَالْبيع عِنْده فَاسد، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وأجازت طَائِفَة هَذَا البيع وأبطلت الشَّرْط، وَهَذَا قَول الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَابْن أبي ليلى وَأبي ثَوْر، وَقَالَ حَمَّاد الْكُوفِي: البيع جَائِز وَالشّرط لَازم. وَمِمَّا يبطل فِيهِ البيع وَالشّرط عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ والكوفيين: نَحْو بيع الْأمة والناقة واستثناء مَا فِي بَطنهَا، وَهُوَ عِنْدهم من بُيُوع الْغرَر، وَقد أجَاز هَذَا البيع وَالشّرط النَّخعِيّ وَالْحسن وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَاحْتَجُّوا بِأَن ابْن عمر أعتق جَارِيَة وَاسْتثنى مَا فِي بَطنهَا.
وَمِمَّا حُكيَ عَن عبد الْوَارِث بن سعيد قَالَ: قدمت مَكَّة فَوجدت بهَا أَبَا حنيفَة وَابْن أبي ليلى وَابْن شبْرمَة، فَسَأَلت أَبَا حنيفَة، فَقلت: مَا تَقول فِي رجل بَاعَ بيعا وَشرط شرطا؟ فَقَالَ: البيع بَاطِل وَالشّرط بَاطِل، ثمَّ أتيت ابْن أبي ليلى فَسَأَلته، فَقَالَ: البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل، ثمَّ أتيت ابْن شبْرمَة، فَقَالَ: البيع جَائِز وَالشّرط جَائِز. فَقلت: سُبْحَانَ الله ثَلَاثَة من فُقَهَاء الْعرَاق اخْتلفُوا على مَسْأَلَة وَاحِدَة. فَأتيت أَبَا حنيفَة فَأَخْبَرته، فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدثنِي عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده (أَن النَّبِي، ﷺ : نهى عَن بيع وَشرط) ، البيع بَاطِل وَالشّرط بَاطِل. ثمَّ أتيت ابْن أبي ليلى فَأَخْبَرته فَقَالَ: (مَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدثنِي هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: (أَمرنِي رَسُول الله ﷺ : أَن أَشْتَرِي بَرِيرَة فأعتقيها، البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل) . ثمَّ أتيت ابْن شبْرمَة فَأَخْبَرته، فَقَالَ: (مَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدثنِي مسعر بن كدام عَن محَارب بن دثار عَن جَابر بن عبد الله (قَالَ: بِعْت من النَّبِي ﷺ نَاقَة، فَاشْترط لي حملانها إِلَى الْمَدِينَة، البيع جَائِز وَالشّرط جَائِز) .
٩٦١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ أرَادَتْ أنْ تَشْتَرِيَ جارِيَةً فتُعْتِقَهَا فَقَالَ أهْلُهَا نَبِيعُكِهَا علَى أنَّ وَلَاءَهَا لَنَا فذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (نبيعكها على أَن ولاءها لنا) ، وَهَذَا الشَّرْط بَاطِل، والترجمة فِيهِ، وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن إِسْمَاعِيل وقتيبة فرقهما، وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفَرَائِض وَالنَّسَائِيّ فِي الْبيُوع جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَالْكَلَام فِيهِ قد مر فِي الحَدِيث الَّذِي قبله، وَفِي الْبَاب الَّذِي فِيهِ التَّرْجَمَة: البيع وَالشِّرَاء مَعَ النِّسَاء.
٤٧ - (بَاب بَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع التَّمْر بِالتَّمْرِ.
стр. 3398
٠٧١٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ مالِكِ بنِ أوَيْسٍ قَالَ سَمعَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ الْبُرُّ بالْبُرِّ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ والتَّمْرُ بالتَّمْرِ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ. .
هَذَا الحَدِيث قد مر من رِوَايَة عَمْرو بن دِينَار عَن الزُّهْرِيّ عَن مَالك بن أويس عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي: بَاب مَا يذكر فِي بيع الطَّعَام والحكرة، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ.
٥٧ - (بابُ بَيْعِ الزَّبِيبِ بالزَّبِيبِ والطَّعامُ بالطَّعامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي حكم بيع الزَّبِيب ... إِلَى آخِره.
١٧١٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حَدثنَا مالِكٌ عَن نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عنِ المُزَابَنَةِ والمُزَابَنَةُ بَيْع التَّمْرِ بالتَّمْرِ كَيْلا وبَيْعُ الزَّبِيبِ بالْكَرْم كَيْلا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ الْمَعْنى، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ من جِهَة النَّص: (الزَّبِيب بالزبيب وَلَا الطَّعَام بِالطَّعَامِ) ، فَلَو حقق الحَدِيث بِبيع التَّمْر فِي رُؤُوس الشّجر بِمثلِهِ من جنسه يَابسا، أَو صحّح الْكَلَام على قدر مَا ورد بِهِ لفظ الْخَبَر كَانَ أولى. وَقَالَ بَعضهم: كَأَن البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرقه من ذكر الطَّعَام، وَهُوَ فِي رِوَايَة اللَّيْث عَن نَافِع كَمَا سَيَأْتِي. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه لَا يساعد البُخَارِيّ، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه أَخذ فِي التَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ فِي الْمُطَابقَة، وَرُبمَا يَأْتِي بعض الْأَبْوَاب لَا تُوجد الْمُطَابقَة فِيهِ إلَاّ بِأَدْنَى من هَذَا الْمِقْدَار، وَالْغَرَض وجود شَيْء مَا من الْمُنَاسبَة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن يُوسُف فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن يحيى. وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ.
والمزابنة، مفاعلة، لَا تكون إلَاّ بَين اثْنَيْنِ، وَأَصلهَا الدّفع الشَّديد، قَالَ الدَّاودِيّ: كَانُوا قد كثرت فيهم المدافعة بالخصام، فسميت الْمُزَابَنَة، وَلما كَانَ كل وَاحِد من الْمُتَبَايعين يدْفع الآخر فِي هَذِه الْمُبَايعَة عَن حَقه، سميت بذلك، وَقَالَ ابْن سَيّده: الزَّبْن دفع الشَّيْء عَن الشَّيْء، زبن الشَّيْء يزبنه زبنا وزبن بِهِ، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الْمُزَابَنَة كل بيع فِيهِ غرر، وَهُوَ بيع كل جزاف لَا يعلم كَيْله وَلَا وَزنه وَلَا عدده، وَأَصله أَن المغبون يُرِيد أَن يفْسخ البيع، وَيُرِيد الغابن أَن لَا يفسخه فيتزابنان عَلَيْهِ، أَي: يتدافعان، وَعند الشَّافِعِي: هُوَ بيع مَجْهُول بِمَجْهُول أَو مَعْلُوم، من جنس تَحْرِيم الرِّبَا فِي نَقده، وَخَالفهُ مَالك فِي هَذَا الْقَيْد، سَوَاء كَانَ مِمَّا يحرم الرِّبَا فِي نَقده أَو لَا، وَلَا، مطعوما كَانَ أَو غير مطعوم. قَوْله: (والمزابنة بيع الثَّمر) إِلَى آخِره، قَالَ أَبُو عمر: لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن تَفْسِير الْمُزَابَنَة فِي هَذَا الحَدِيث من قَول ابْن عمر أَو مرفوعه، وَأَقل ذَلِك أَن يكون من قَوْله، وَهُوَ رواي الحَدِيث فَيسلم لَهُ، وَكَيف وَلَا مُخَالف فِي ذَلِك؟ قَوْله: (بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ) قَالَ الْكرْمَانِي: بيع الثَّمر بِالْمُثَلثَةِ بِالتَّمْرِ بالفوقية، وَمَعْنَاهُ: الرطب بِالتَّمْرِ، وَلَيْسَ المُرَاد كل الثِّمَار، فَإِن سَائِر الثِّمَار يجوز بيعهَا بِالتَّمْرِ. قَوْله: (كَيْلا) أَي: من حَيْثُ الْكَيْل، نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (بِالْكَرمِ) ، بِسُكُون الرَّاء: شجر الْعِنَب، لَكِن المُرَاد هُنَا نفس الْعِنَب. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ من بَاب الْقلب، إِذْ الْمُنَاسب لقرينته أَن يدْخل الْجَار على الزَّبِيب لَا على الْكَرم، وَقَالَ أَبُو عمر: وَأَجْمعُوا على تَحْرِيم بيع الْعِنَب بالزبيب، وعَلى تَحْرِيم بيع الْحِنْطَة فِي سنبلها بحنطة صَافِيَة، وَهُوَ المحاقلة، وَسَوَاء عِنْد جمهورهم كَانَ الرطب وَالْعِنَب على الشّجر أَو مَقْطُوعًا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ مَقْطُوعًا جَازَ بَيْعه بِمثلِهِ من الْيَابِس، وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على أَنه لَا يجوز بيع التَّمْر فِي رُؤُوس النّخل بِالتَّمْرِ، لِأَنَّهُ مزابنة، وَقد نهى عَنهُ. وَأما رطب ذَلِك مَعَ يابسه إِذا كَانَ مَقْطُوعًا، وَأمكن فِيهِ الْمُمَاثلَة، فجمهور الْعلمَاء لَا يجيزون بيع شَيْء من ذَلِك بِجِنْسِهِ لَا متماثلاً وَلَا مُتَفَاضلا، وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز بيع الْحِنْطَة الرّطبَة باليابسة وَالتَّمْر بالرطب مثلا بِمثل، وَلَا يُجِيزهُ مُتَفَاضلا. قَالَ ابْن الْمُنْذر: وأظن أَن أَبَا ثَوْر وَافقه.
стр. 3399
٢٧١٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمانِ قَالَ أخبرنَا حَمادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عنِ المُزَابَنَةِ قَالَ والمُزَابَنَةُ أنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ إنْ زادَ فَلِي وإنْ نقَصَ فَعَلَيَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة نَحْو مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا كلهم، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَأبي كَامِل الجحدري، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد مقطعا، وَعَن عَليّ بن حجر وَزُهَيْر بن حَرْب، كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَنهُ بِهِ مقطعا أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن زِيَاد بن أَيُّوب عَن ابْن علية.
قَوْله: (قَالَ) أَي: عبد الله بن عمر. قَوْله: (أَن يَبِيع) ، بدل أَو بَيَان لقَوْله: الْمُزَابَنَة، كَذَا قيل. قلت: كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على الخبرية، وَتَقْدِيره: الْمُزَابَنَة بيع التَّمْر بكيل. قَوْله: (بكيل) أَي: من الزَّبِيب أَو التَّمْر. قَوْله: (إِن زَاد) ، حَال من فَاعل يَبِيع، بِتَقْدِير القَوْل: أَي: بِبيعِهِ قَائِلا إِن زَاد التَّمْر المخروص على مَا يُسَاوِي الْكَيْل، فَهُوَ لي وَإِن نقس فعلي بتَشْديد الْيَاء.
(قَالَ وحَدثني زيد بن ثَابت أَن النَّبِي ﷺ َ - رخص فِي الْعَرَايَا بِخرْصِهَا) أَي قَالَ عبد الله بن عَمْرو حَدثنِي زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهَذَا أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث وَعَن القعْنبِي عَن مَالك وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمُبَارك وَفِي الشّرْب عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن يحيى وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَزُهَيْر بن حَرْب ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن مُحَمَّد بن رَافع وَعَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وهشيم فرقهما وَعَن مُحَمَّد بن رمح وَعَن أبي الرّبيع وَأبي كَامِل وَعَن عَليّ بن حجر وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى بن الْقطَّان وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع عَن هناد وَعَن قُتَيْبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي قدامَة وَفِيه وَفِي الشُّرُوط عَن عِيسَى بن حَمَّاد وَعَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي وَأخرجه ابْن ماجة فِي التِّجَارَات عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ وَعَن هِشَام بن عمار وَمُحَمّد بن الصَّباح (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " فِي الْعَرَايَا " جمع عرية فعيلة بِمَعْنى مفعولة من عراه يعروه إِذا قَصده وَيحْتَمل أَن تكون فعيلة بِمَعْنى فاعلة من عرى يعرى إِذا قلع ثَوْبه كَأَنَّهَا عريت من جملَة التَّحْرِيم وَفِي التَّلْوِيح الْعرية النَّخْلَة المعراة وَهِي الَّتِي وهبت تَمْرَة عامها والعرية أَيْضا الَّتِي تعزل عَن المساومة عِنْد بيع النّخل وَقيل هِيَ النَّخْلَة الَّتِي قد أكل مَا عَلَيْهَا واستعرى النَّاس فِي كل وَجه أكلُوا الرطب من ذَلِك وَفِي الْجَامِع وَأَنت معروفي الصِّحَاح فيعروها الَّذِي أَعْطيته أَي يَأْتِيهَا وَهِي فعيلة بِمَعْنى مفعولة وَإِنَّمَا أدخلت فِيهَا الْهَاء لِأَنَّهَا أفردت فَصَارَت فِي عداد الْأَسْمَاء مثل النطيحة والأكيلة وَلَو جِئْت بهَا مَعَ النَّخْلَة قلت نَخْلَة عرى وَقيل عراه يعروه إِذا أَتَاهُ يطْلب مِنْهُ عرية فأعراه أَي إِيَّاهَا كَمَا يُقَال سَأَلَني فأسألته فالعرية اسْم للنخلة الْمُعْطى ثَمَرهَا فَهِيَ اسْم لعطية خَاصَّة وَقد سمت الْعَرَب عطايا خَاصَّة بأسماء خَاصَّة كالمنيحة لعطية الشَّاة والأفقار لما ركب فقاره فعلى هَذَا أَن الْعرية عَطِيَّة لَا بيع. ثمَّ اخْتلفُوا فِي تَفْسِير الْعَطِيَّة شرعا فَقَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق الْعرية الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث هِيَ إِعْطَاء الرجل من جملَة حَائِطه نَخْلَة أَو نخلتين عَاما وَقَالَ قوم الْعرية النَّخْلَة والنخلتان وَالثَّلَاث يَجْعَل للْقَوْم فيبيعون ثَمَرهَا بِخرْصِهَا تَمرا وَهُوَ قَول يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَرُوِيَ عَن زيد بن ثَابت وَقَالَ قوم مثل هَذَا إِلَّا أَنهم خصوا بذلك الْمَسَاكِين يَجْعَل لَهُم تمر النّخل فيصعب عَلَيْهِم الْقيام عَلَيْهَا فأبيح لَهُم أَن يبيعوه بِمَا شاؤا من التَّمْر وَهُوَ قَول سُفْيَان بن حُسَيْن وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَقَالَ قوم الْعرية الرجل يعري النَّخْلَة أَو يَسْتَثْنِي من مَاله النَّخْلَة أَو النخلتين يأكلها فيبيعها بِمثل خرصها وَهُوَ قَول عبد ربه بن سعيد الْأنْصَارِيّ. وَقَالَ قوم الْعرية أَن يَأْتِي أَوَان الرطب وَهُنَاكَ قوم فُقَرَاء لَا مَال لَهُم يُرِيدُونَ ابتياع رطب يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاس وَلَهُم فضول تمر من أقواتهم فَإِن لَهُم أَن يشتروا الرطب بِخرْصِهَا من التَّمْر فِيمَا دون خَمْسَة أوسق وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر وَلَا عرية عِنْدهمَا فِي غير النّخل وَالْعِنَب
стр. 3400
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ وَكَانَ أَبُو حنيفَة يَقُول فِيمَا سَمِعت أَحْمد بن أبي عمرَان يذكر أَنه سمع مُحَمَّد بن سَمَّاعَة عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة قَالَ معنى ذَلِك عندنَا أَن يعرى الرجل الرجل تمر نَخْلَة من نخله فَلم يسلم ذَلِك إِلَيْهِ حَتَّى يَبْدُو لَهُ يَعْنِي يظْهر لَهُ أَن لَا يُمكنهُ من ذَلِك فيعطيه مَكَانَهُ خرصه تَمرا فَيخرج بذلك عَن إخلاف الْوَعْد وَقَالَ ابْن الْأَثِير الْعرية هِيَ أَن من لَا نخل لَهُ من ذَوي الْحَاجة يدْرك الرطب وَلَا نقد بِيَدِهِ يَشْتَرِي بِهِ الرطب لِعِيَالِهِ وَلَا نخل لَهُم يُطعمهُمْ مِنْهُ وَيكون قد فضل لَهُ تمر من قوته فَيَجِيء إِلَى صَاحب النّخل فَيَقُول لَهُ بِعني تمر نَخْلَة أَو نخلتين بِخرْصِهَا من التَّمْر فيعطيه ذَلِك الْفَاضِل من التَّمْر بِتَمْر تِلْكَ النخلات ليصيب من رطبها مَعَ النَّاس فَرخص فِيهِ إِذا كَانَ دون خَمْسَة أوسق وَقَالَ ابْن زرقون هِيَ عَطِيَّة ثَمَر النّخل دون الرّقاب كَانُوا يُعْطون ذَلِك إِذا دهمتهم سنة لمن لَا نخل لَهُ فيعطيه من نخله مَا سمحت بِهِ نَفسه مثل الأفقار والمنحة والعمرى وَكَانَت الْعَرَب تتمدح بالأعراء وَقَالَ النَّوَوِيّ ﵀ الْعرية هِيَ أَن يخرص الخارص نخلات فَيَقُول هَذَا الرطب الَّذِي عَلَيْهَا إِذا يبس يَجِيء مِنْهُ ثَلَاثَة أوسق من التَّمْر مثلا فيعطيه صَاحبه لإِنْسَان بِثَلَاثَة أوسق ويتقاصان فِي الْمجْلس فيتسلم الثّمن ويتسلم بَايع الرطب الرطب بِالتَّخْلِيَةِ وَهَذَا جَائِز فِيمَا دون خَمْسَة أوسق وَلَا يجوز فِيمَا زَاد على خَمْسَة أوسق وَفِي جَوَازه فِي خَمْسَة أوسق قَولَانِ للشَّافِعِيّ أصَحهمَا لَا يجوز وَالأَصَح أَنه يجوز ذَلِك للْفُقَرَاء والأغنياء وَأَنه لَا يجوز فِي غير الرطب وَالْعِنَب وَبِه قَالَ أَحْمد وَقَالَ أَبُو عمر فجملة قَول مَالك وَأَصْحَابه فِي الْعَرَايَا أَن العراية هِيَ أَن يهب الرجل حَائِطه خَمْسَة أوسق فَمَا دونهَا ثمَّ يُرِيد أَن يَشْتَرِيهَا من المعري عِنْد طيب الثَّمَرَة فأبيح لَهُ أَن يَشْتَرِيهَا بِخرْصِهَا تَمرا عِنْد الْجذاذ وَإِن عجل لَهُ لم يجز وَلَا يجوز ذَلِك لغير المعري لِأَن الرُّخْصَة وَردت فِيهِ وَجَائِز بيعهَا من غَيره بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِم وَسَائِر الْعرُوض وَقَالَ أَيْضا وَلَا يجوز البيع فِي الْعَرَايَا عِنْد مَالك وَأَصْحَابه إِلَّا لوَجْهَيْنِ إِمَّا لدفع ضَرَر دُخُول المعرى على المعرى وَإِمَّا لِأَن يرفق المعرى فتكفيه المؤلة فِيهَا فأرخص لَهُ أَن يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِخرْصِهَا تَمرا إِلَى الْجذاذ وَفِي الاستذكار يجوز الإعراء فِي كل نوع من الثَّمر كَانَ مِمَّا ييبس ويدخر أم لَا وَفِي القثاء والموز والبطيخ قَالَه ابْن حبيب قبل الْأَبَّار وَبعده لعام أَو لأعوام فِي جَمِيع الْحَائِط أَو بعضه وَقَالَ عبد الْوَهَّاب بيع الْعَارِية جَائِز بأَرْبعَة شُرُوط أَحدهَا أَن يزهي وَهُوَ قَول جُمْهُور الْفُقَهَاء وَقَالَ يزِيد بن حبيب يجوز وَقبل بَدو الصّلاح وَالثَّانِي أَن يكون خَمْسَة أوسق فأدنى وَهُوَ رِوَايَة المصريين عَن مَالك وروى عَنهُ أَبُو الْفرج عَمْرو بن مُحَمَّد أَنه لَا يجوز إِلَّا فِي خَمْسَة أوسق فَإِن خرصت أقل من خَمْسَة أوسق فَلَمَّا جذت وجد أَكثر فَفِي الْمُدَوَّنَة روى صَدَقَة بن حبيب عَن مَالك أَن الْفضل لصَاحب الْعَارِية وَلَو أقل من الْخرص ضمن الْخرص وَلَو خلطه قبل أَن يكيله لم يكن عَلَيْهِ زِيَادَة وَلَا نقص وَالثَّالِث أَن يُعْطِيهِ خرصها عِنْد الْجذاذ وَلَا يجوز لَهُ تَعْجِيل الْخرص تَمرا خلافًا للشَّافِعِيّ فِي قَوْله أَنه يجب عَلَيْهِ أَن يعجل الْخرص تَمرا وَلَا يجوز أَن يفترقا حَتَّى يتقابضا وَالشّرط الرَّابِع أَن يكون من صنعها فَإِذا بَاعهَا بِخرْصِهَا إِلَى الْجذاذ ثمَّ أَرَادَ تَعْجِيل الْخرص جَازَ قَالَه ابْن حبيب وَعَن مَالك فِيمَا يَصح ذَلِك فِيهِ من الثِّمَار رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا أَنه لَا يجوز إِلَّا فِي النّخل وَالْعِنَب وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَالثَّانيَِة أَنه يجوز فِي كل مَا ييبس ويدخر من الثِّمَار كالجوز واللوز والتين وَالزَّيْتُون والفستق رَوَاهُ أَحْمد وَقَالَ أَشهب فِي الزَّيْتُون يجوز إِذا كَانَ ييبس ويدخر وَأما النّخل الَّذِي لَا يتتمر وَالْعِنَب الَّذِي لَا يتزبب فعلى اشْتِرَاط التيبيس يجب أَن لَا يجوز
٦٧ - (بابُ بَيْعِ الشَّعِيرِ بالشَّعِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الشّعير بِالشَّعِيرِ. كَيفَ هُوَ. وَهُوَ أَنه يجوز إِذا كَانَا متساويين يدا بيد على مَا يَجِيء بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله:
٤٧١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهاب عنْ مالِكِ بنِ أوْسٍ قَالَ أخبَرَهُ أنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفا بِمائَةِ دِينارٍ فَدعانِي طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ الله فتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي فأخذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُها فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ حتَّى يَأتِيَ خازِنِي منَ الْغَابَةِ وعُمَرُ يَسْمَعُ ذَلِكَ فَقَالَ
стр. 3401
وَالله لَا تُفَارِقُهُ حتَّى تأخُذَ مِنْهُ قَالَ رسولُ الله ﷺ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رَبًّا إلَاّ هاءَ وهاءَ والْبُرُّ بالْبُرِّ رَبًّا إلَاّ هاءَ وهاءَ والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ والتَّمْرُ بالتَّمْرِ إلَاّ هاءَ وهاءَ. (انْظُر الحَدِيث ٤٣١٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالشعِير بِالشَّعِيرِ) . والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَا يذكر فِي بيع الطَّعَام. قَوْله: (صرفا) ، قَالَ الْعلمَاء: بيع الذَّهَب بِالْفِضَّةِ يُسمى صرفا لصرفه عَن مُقْتَضى الْبياعَات من جَوَاز التَّفَرُّق قبل التَّقَابُض، وَقيل: من صريفهما وَهُوَ تصويتهما فِي الْمِيزَان، كَمَا أَن بيع الذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ يُسمى مراطلة. قَوْله: (فتراوضنا) ، بالضاد الْمُعْجَمَة، يُقَال: فلَان يراوض فلَانا على أَمر كَذَا، أَي: يداريه ليدخله فِيهِ. قَوْله: (حَتَّى يَأْتِي) أَي: اصبر حَتَّى يَأْتِي، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ ظن جَوَازه كَسَائِر الْبيُوع، وَمَا كَانَ بلغه حكم الْمَسْأَلَة، فَلَمَّا أبلغه عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ترك المصارفة.
٧٧ - (بابُ بَيْعِ الذَّهَبِ بالذَّهَبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الذَّهَب بِالذَّهَب كَيفَ هُوَ؟ وَهُوَ أَنه يجوز إِذا كَانَا متساويين يدا بيد.
٨٧ - (بابُ بَيْعِ الْفِضَّةِ بالْفِضَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْفضة بِالْفِضَّةِ مَا حكمه؟ يَعْنِي، يجوز متساويتين فِي الْمجْلس.
٦٧١٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثنا عَمِّي قَالَ حدَّثنا ابنُ أخِي الزُّهْرِيِّ عنْ عَمِّهِ قَالَ حدَّثني سالِمُ بنُ عَبْدِ الله عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ أَبَا سَعِيدٍ حدَّثَهُ مِثْلَ ذَلِكَ حدِيثا عنْ رسولِ الله ﷺ فلَقِيَهُ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ فَقَالَ يَا أبَا سعِيدٍ مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُ
стр. 3402
عَن رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ أبُو سَعِيدٍ فِي الصَّرْفِ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلاً بِمِثْلٍ والوَرِقُ بالوَرِق مثْلاً بِمِثْلٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالْوَرق بالورق مثلا بِمثل) وَالْوَرق، بِكَسْر الرَّاء: الْفضة.
ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: عبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّانِي: عَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّالِث: مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم. الرَّابِع: عَمه مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سَالم بن عبد الله بن عمر. السَّادِس: عبد الله ابْن عمر بن الْخطاب. السَّابِع: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، واسْمه سعد بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: اللقى. وَفِيه: السماع وَهُوَ عَمه. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رجال الْإِسْنَاد كلهم مدنيون وَأَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده وَابْن أخي الزُّهْرِيّ كلهم زهريون، وَأَن شَيْخه مَاتَ بِبَغْدَاد سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن عَمه فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن أَبِيه الصَّحَابِيّ وَرِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
قَوْله: (إِن أَبَا سعيد حَدثهُ) ، أَي: حدث عبد الله بن عمر. قَوْله: (مثل ذَلِك) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: مثل حَدِيث أبي بكرَة فِي وجوب الْمُسَاوَاة. فَإِن قلت: مَا وَجه: فَلَقِيَهُ، إِذْ الْكَلَام يتم بِدُونِهِ؟ قلت: يَعْنِي: فَلَقِيَهُ بعد ذَلِك مرّة أُخْرَى. انْتهى. وَقيل: هَذَا الحَدِيث أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجْهَيْن: عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم شيخ شيخ البُخَارِيّ بِلَفْظ: إِن أَبَا سعيد حَدثهُ حَدِيثا مثل حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله ﷺ فِي الصّرْف، قَالَ أَبُو سعيد ... فَذكره، فَظهر بِهَذِهِ الرِّوَايَة معنى قَوْله: مثل ذَلِك، أَي: مثل حَدِيث عمر، أَي: حَدِيث عمر الْمَاضِي قَرِيبا فِي قصَّة طَلْحَة بن عبيد الله. انْتهى. قلت: حَدِيث عمر الَّذِي ذكره مضى فِي: بَاب مَا يذكر فِي بيع الطَّعَام، وَالَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي أقرب لِأَنَّهُ مَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَلَيْسَ بَينهمَا بَاب آخر. قَوْله: (مَا هَذَا؟) أَي: مَا هَذَا الَّذِي تحدثه؟ وَإِنَّمَا قَالَ: مَا هَذَا؟ لِأَنَّهُ كَانَ يعْتَقد قبل ذَلِك جَوَاز المفاضلة. قَوْله: (فِي الصّرْف) أَي: فِي شَأْن الصّرْف، وَهُوَ بيع الذَّهَب بِالْفِضَّةِ وَبِالْعَكْسِ. قَوْله: (الذَّهَب بِالذَّهَب) ، يجوز فِي الذَّهَب الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى أَنه مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: الذَّهَب يُبَاع بِالذَّهَب، أَو يكون مَرْفُوعا بِإِسْنَاد الْفِعْل الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول إِلَيْهِ تَقْدِيره: يُبَاع الذَّهَب، وَأما النصب فعلى أَنه مفعول لفعل مُقَدّر تَقْدِيره: بيعوا الذَّهَب بِالذَّهَب، وَقَوله: الذَّهَب يتَنَاوَل جَمِيع أَنْوَاعه من مَضْرُوب وَغير مَضْرُوب، وصحيح ومكسور، وجيد ورديء. وَقَالَ بَعضهم: وخالص ومغشوش، قلت: قَوْله: ومغشوش، لَيْسَ على إِطْلَاقه، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ غشه كثيرا غَالِبا على الذَّهَب يكون حكمه حكم الْعرُوض. قَوْله: (مثلا بِمثل) ، بِالنّصب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالرَّفْع، مثل بِمثل، فوجهه بِإِسْنَاد الْفِعْل الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول إِلَيْهِ تَقْدِيره: يُبَاع مثل بِمثل، وَأما وَجه النصب فعلى أَنه حَال تَقْدِيره: الذَّهَب يُبَاع بِالذَّهَب، حَال كَونهمَا متماثلين، يَعْنِي متساويين، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مصدر فِي مَوضِع الْحَال، قلت: قَوْله: مصدر، لَيْسَ بِصَحِيح على مَا لَا يخفى.
٧٧١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عَن أبِي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَاّ مِثْلاً بمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ولَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقَ ألَاّ مِثْلاً بمِثْلٍ ولَا تُشِفُّوا بَعْضَها عَلى بَعْضٍ وَلَا تبيعُوا مِنْها غائِبا بِناجِزٍ. (انْظُر الحَدِيث ٦٧١٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تَبِيعُوا الْوَرق بالورق) ، وَالْوَرق بِكَسْر الرَّاء هُوَ: الْفضة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك، وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح وَعَن شَيبَان بن فروخ، وَعَن أبي مُوسَى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَعَن حميد بن مسْعدَة وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود.
قَوْله: (إلَاّ مِثلاً
стр. 3403
بِمثل) أَي: إلَاّ حَال كَونهمَا متماثلين، أَي: متساويين، قَوْله: (وَلَا تشفوا) ، بِضَم التَّاء من الإشفاف، وَهُوَ التَّفْضِيل، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ رباعي من أشف. قلت: لَا، بل هُوَ ثلاثي مزِيد فِيهِ، يُقَال: شف الدِّرْهَم يشف: إِذا زَاد، وَإِذا نقص، من الأضداد وأشفه غَيره يشفه، وَفِي الحَدِيث: نهى عَن شف مَا لم يضمن، بِكَسْر الشين، وَهُوَ الزِّيَادَة وَالرِّبْح. قَوْله: (بناجز) ، من النجز، بالنُّون وَالْجِيم وَالزَّاي، وَالْمرَاد: بالغائب الْمُؤَجل، وبالناجز الْحَاضِر يَعْنِي: لَا بُد من التَّقَابُض فِي الْمجْلس.
وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: حجَّة للشَّافِعِيّ فِي قَوْله: من كَانَ لَهُ على آخر دَرَاهِم وَالْآخر عَلَيْهِ دَنَانِير لم يجز أَن يقاضي أَحدهمَا الآخر بِمَالِه، لِأَنَّهُ يدْخل فِي معنى بيع الذَّهَب بالورق دينا، لِأَنَّهُ إِذا لم يجز غَائِب بناجز فأحرى أَن لَا يجوز غَائِب بغائب. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سعيد بن جُبَير عَن ابْن عمر، قَالَ: كنت أبيع الْإِبِل بِالبَقِيعِ فأبيع بِالدَّنَانِيرِ فآخذ مَكَانهَا الْوَرق، وأبيع بالورق فآخذ مَكَانهَا الدَّنَانِير، فَأتيت رَسُول الله، ﷺ ، فَوَجَدته خَارِجا من بَيت حَفْصَة، فَسَأَلته عَن ذَلِك، فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ بِالْقيمَةِ. قلت: قَالَ ابْن بطال: لَا يدْخل هَذَا فِي بيع الذَّهَب بالورق دينا، لِأَن النَّهْي الَّذِي بِقَبض الدَّرَاهِم عَن الدَّنَانِير لم يقْصد إِلَى التَّأْخِير فِي الصّرْف. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث لَا نعرفه مَرْفُوعا إلَاّ من حَدِيث سماك بن حَرْب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عمر، وروى دَاوُد عَن أبي هِنْد هَذَا الحَدِيث عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عمر مَوْقُوفا، وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم أَنه لَا بَأْس أَن يقبض عَن الذَّهَب من الْوَرق وَالْوَرق من الذَّهَب، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقد كره بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم ذَلِك.
٩٧ - (بابُ بَيْعِ الدِّينارِ بالدِّينارِ نَسَاءً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الدِّينَار بالدينار حَال كَونه نسَاء، بِفَتْح النُّون وَالسِّين الْمُهْملَة وبالمد. وَمَعْنَاهُ: مُؤَخرا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: النِّسَاء التَّأْخِير، يُقَال: نسأت الشَّيْء نسَاء وأنسأته إنساء. قلت: مادته من: النُّون وَالسِّين والهمزة، وَفِي الحَدِيث: من أحب أَن ينسأ فِي أَجله. . أَي: يُؤَخر.
٩٧١٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا الضَّحَّاكُ بن مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَمْرُو بنُ دِينارٍ أنَّ أَبَا صالِحٍ الزَّيَّاتَ أخبَرَهُ أنَّه سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ الدِّينارُ بالدِّينَارِ والدِّرْهَمُ بالدِّرْهَمِ فَقُلْتُ لَهُ فإنَّ ابنَ عَبَّاسٍ لَا يَقُولُهُ فقالَ أبُو سَعِيدٍ سألْتُهُ فَقُلْتُ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ الله قَالَ كُلُّ ذَلِكَ لَا أقُولُ وأنْتُمْ أعْلَمُ بِرَسُولِ الله ﷺ مِنِّي وَلَكِنَّنِي أَخْبرنِي أُسامَةُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ لَا رِبا إلَاّ فِي النَّسِيئَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الدِّينَار بالدينار) .
ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد، وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، حدث عَنهُ بالواسطة وَفِي مَوَاضِع أخر حدث عَنهُ بِغَيْر وَاسِطَة. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: عَمْرو بن دِينَار. الْخَامِس: أَبُو صَالح، واسْمه: ذكْوَان الزيات السمان، كَانَ يجلب الزَّيْت وَالسمن إِلَى الْكُوفَة. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، واسْمه: سعد بن مَالك. السَّابِع: عبد الله بن عَبَّاس. الثَّامِن: أُسَامَة ابْن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَالضَّحَّاك بصريان، وَابْن جريج وَعَمْرو مكيان، وَأَبُو صَالح مدنِي سكن الْكُوفَة. وَفِيه: ثَلَاثَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَمُحَمّد بن عباد وَابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح. خمستهم عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَنهُ بِهِ.
стр. 3404
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سمع أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يَقُول: الدِّينَار بالدينار وَالدِّرْهَم بالدرهم) ، كَذَا وَقع فِي هَذَا الطَّرِيق، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أبي صَالح قَالَ: (سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يَقُول: الدِّينَار بالدينار وَالدِّرْهَم بالدرهم. مثل بِمثل، من زَاد أَو أزداد فقد أربى، فَقلت: أَرَأَيْت هَذَا الَّذِي يَقُول؟ أَشَيْء سمعته من رَسُول الله، ﷺ ؟ أَو وجدته فِي كتاب الله تَعَالَى؟ فَقَالَ: لم أسمعهُ من رَسُول الله، ﷺ ، وَلم أَجِدهُ فِي كتاب الله تَعَالَى، وَلَكِن حَدثنِي أُسَامَة بن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: الرِّبَا فِي النَّسِيئَة) . قَوْله: (إِن ابْن عَبَّاس لَا يَقُول) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (يَقُول غير هَذَا) ، قَوْله: (قَالَ أَبُو سعيد: سَأَلته) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (قد لقِيت ابْن عَبَّاس، فَقلت لَهُ) . قَوْله: (كل ذَلِك) ، بِالرَّفْع، أَي: لم يكن لَا السماع من النَّبِي ﷺ وَلَا الوجدان فِي كتاب الله تَعَالَى، وَيجوز بِالنّصب على أَنه مفعول مقدم وفاعله. قَوْله: (لَا أَقُول) ، وَالْفرق بَين الإعرابين أَن الْمَرْفُوع هُوَ السَّلب الْكُلِّي، والمنصوب لسلب الْكل، وَالْأول أبلغ وأعم وَإِن كَانَ أخص من وَجه آخر. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لم أسمعهُ من رَسُول الله، ﷺ ، وَلم أَجِدهُ فِي كتاب الله تَعَالَى) . كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لمُسلم، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: عَن عَطاء أَن أَبَا سعيد لَقِي ابْن عَبَّاس فَذكر نَحوه، وَفِيه: (فَقَالَ كل: لَا أَقُول: أما رَسُول الله ﷺ فَأنْتم أعلم بِهِ، وَأما كتاب الله فَلَا أعلمهُ) . أَي: لَا أعلم هَذَا الحكم فِيهِ. وَمعنى قَوْله: أَنْتُم أعلم برَسُول الله ﷺ لأنكم كُنْتُم بالغين كَامِلين عِنْد مُلَازمَة رَسُول الله ﷺ وَأَنا كنت صَغِيرا. قَوْله: (لَا رَبًّا إلَاّ فِي النَّسِيئَة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: الرِّبَا فِي النَّسِيئَة، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن ابْن عَبَّاس: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة، وَفِي رِوَايَة عَطاء عَنهُ: ألَا إِنَّمَا الرِّبَا، وَفِي رِوَايَة طَاوُوس عَنهُ: لَا رَبًّا فِيمَا كَانَ يدا بيد، وروى الْحَاكِم من طَرِيق حبَان الْعَدوي، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: سَأَلت أَبَا مجلز عَن الصّرْف، فَقَالَ: كَانَ ابْن عَبَّاس لَا يرى بِهِ بَأْسا زَمَانا من عمره، مَا كَانَ مِنْهُ عينا بِعَين يدا بيد، وَكَانَ يَقُول: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة، فَلَقِيَهُ أَبُو سعيد بِالشَّعِيرِ، فَذكر الْقِصَّة، والْحَدِيث، وَفِيه: التَّمْر بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ وَالشعِير بِالشَّعِيرِ وَالذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ يدا بيد مثلا بِمثل، فَمن زَاد فَهُوَ رَبًّا، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: اسْتغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ. فَكَانَ ينْهَى عَنهُ أَشد النَّهْي.
وَاتفقَ الْعلمَاء على صِحَة حَدِيث أُسَامَة وَاخْتلفُوا فِي الْجمع ببينه وَبَين حَدِيث أبي سعيد، فَقيل: مَنْسُوخ، وَقيل: معنى لَا رَبًّا لَا رَبًّا أغْلظ شَدِيد التَّحْرِيم المتوعد عَلَيْهِ بالعقاب الشَّديد، كَمَا تَقول الْعَرَب: لَا عَالم فِي الْبَلَد إلَاّ زيد، مَعَ أَن فِيهَا عُلَمَاء غَيره، وَإِنَّمَا الْقَصْد نفي الْأَكْمَل، لَا نفي الأَصْل، وَأَيْضًا فنفي تَحْرِيم رَبًّا الْفضل من حَدِيث أُسَامَة إِنَّمَا هُوَ بِالْمَفْهُومِ، فَيقدم عَلَيْهِ حَدِيث أبي سعيد، لِأَن دلَالَته بالمنطوق، وَيحمل حَدِيث أُسَامَة على الرِّبَا الْأَكْبَر. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: معنى حَدِيث أُسَامَة: لَا رَبًّا إلَاّ فِي النَّسِيئَة، إِذا اخْتلف أَنْوَاع الْمَبِيع، وَالْفضل فِيهِ يدا بيد رَبًّا، جمعا بَينه وَبَين حَدِيث أبي سعيد. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا التلفيق بَين حَدِيث أُسَامَة وَحَدِيث أبي سعيد؟ قلت: الْحصْر إِنَّمَا يخْتَلف بِحَسب اخْتِلَاف اعْتِقَاد السَّامع، فَلَعَلَّهُ كَانَ يعْتَقد الرِّبَا فِي غير الْجِنْس حَالا، فَقيل: ردا لاعْتِقَاده لَا رَبًّا إلَاّ فِي النَّسِيئَة، أَي: فِيهِ مُطلقًا، وَقد أَوله الْعلمَاء بِأَنَّهُ مَحْمُول على غير الربويات، وَهُوَ كَبيع الدّين بِالدّينِ مُؤَجّلا، بِأَن يكون لَهُ ثوب مَوْصُوف فيبيعه بِعَبْد مَوْصُوف مُؤَجّلا، وَإِن بَاعه بِهِ حَالا يجوز أَو مَحْمُول على الْأَجْنَاس الْمُخْتَلفَة فَإِنَّهُ لَا رَبًّا فِيهَا من حَيْثُ التَّفَاضُل، بل يجوز مُتَفَاضلا يدا بيد، وَهُوَ مُجمل. وَحَدِيث أبي سعيد مُبين، فَوَجَبَ الْعَمَل بالمبين وتنزيل الْمُجْمل عَلَيْهِ، أَو: هُوَ مَنْسُوخ، وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على ترك الْعَمَل بِظَاهِرِهِ.
٠٨ - (بابُ بَيْع الوَرَقِ بالذَّهَبِ نَسيئَةً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْوَرق أَي: الْفضة بِالذَّهَب حَال كَونه نَسِيئَة، أَي: مُؤَجّلا.
١٨١٢ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخبرنِي حَبِيبُ بنُ أبي ثابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا المِنْهَالِ قَالَ سألْتُ البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ وزَيْدَ بنَ أرْقَمَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ عنِ الصَّرْف فَكُلُّ واحدٍ
стр. 3405
مِنْهُمَا يَقُولُ هَذَا خَيْرٌ مِنِّي فَكِلَاهُمَا يَقُولُ نَهَى رسولُ الله ﷺ عنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بالوَرِقِ دَيْنا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: نهى النَّبِي ﷺ عَن بيع الذَّهَب بالورق دينا، أَي: نَسِيئَة. فَإِن قلت: كَيفَ هَذِه الْمُطَابقَة والترجمة بيع الْوَرق بِالذَّهَب والْحَدِيث عَكسه، وَهُوَ: بيع الذَّهَب بالورق؟ قلت: الْبَاء تدخل على الثّمن إِذا كَانَ العوضان غير النَّقْدَيْنِ اللَّذين هما للثمنية، أما إِذا كَانَا نقدين فَلَا تفَاوت فِي أَيهمَا دخلت، فهما فِي الْمَعْنى سَوَاء. وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب التِّجَارَة فِي الْبر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْفضل بن يَعْقُوب عَن الْحجَّاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار وعامر بن مُصعب، كِلَاهُمَا عَن أبي الْمنْهَال يَقُول: سَأَلت الْبَراء بن العازب وَزيد بن أَرقم ... الحَدِيث.
قَوْله: (عَن الصّرْف) أَي: بيع الدَّرَاهِم بِالذَّهَب أَو عَكسه. قَوْله: (هَذَا خير مني) ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان، قَالَ: والقَ زيد بن أَرقم فَاسْأَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ أعظمنا تِجَارَة، فَسَأَلته الحَدِيث.
وَفِي الحَدِيث: مَا كَانَت الصَّحَابَة عَلَيْهِ من التَّوَاضُع، وإنصاف بَعضهم بَعْضًا، وَمَعْرِفَة بَعضهم حق الآخر.
١٨ - (بابُ بَيْع الذَّهَبِ بالوَرِق يدَا بِيدٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الذَّهَب بالورق حَال كَونه يدا بيد، وَهَذِه التَّرْجَمَة عكس التَّرْجَمَة السَّابِقَة، فَإِن قلت: ذكر فِي تِلْكَ التَّرْجَمَة نَسِيئَة، وَفِي هَذِه يدا بيد، هَل فِيهِ زِيَادَة نُكْتَة؟ قلت: نعم، أما فِي تِلْكَ التَّرْجَمَة فَلِأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من وَجه آخر عَن أبي الْمنْهَال بِلَفْظ: إِن كَانَ يدا بيد فَلَا بَأْس، وَإِن كَانَ نَسَاء فَلَا يصلح، وَأما هُنَا فَلِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرق الحَدِيث الَّذِي فِيهِ، فقد أخرجه مُسلم عَن أبي الرّبيع عَن عباد الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ من طَرِيقه، وَفِيه: فَسَأَلَهُ رجل، فَقَالَ: يدا بيد، فلأجل هَذِه النُّكْتَة قَالَ هُنَاكَ: نَسِيئَة، وَقَالَ هُنَا: يدا بيد.
٢٨١٢ - حدَّثنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ قَالَ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ الْعَوَّامِ قَالَ أخبرنَا يَحْيَى بنُ أبِي إسْحَاقَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي بَكْرَةَ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عنِ الْفِضَّةِ والذَّهَبِ بِالذَّهَب إلَاّ سَواءً بِسَوَاءٍ وأمَرَنَا أنْ نَبْتَاعَ الذَّهَبَ بالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا والْفِضَّةِ بالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا. (انْظُر الحَدِيث ٥٧١٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه مُخْتَصر من الحَدِيث الَّذِي فِيهِ ذكر: يدا بيد، كَمَا ذكرنَا الْآن، فَانْدفع قَول من قَالَ: ذكر فِي التَّرْجَمَة (يدا بيد) ، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث ذَلِك، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث قبله بِثَلَاثَة أَبْوَاب فِي: بَاب بيع الذَّهَب بِالذَّهَب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن صَدَقَة بن الْفضل عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه، وَهنا أخرجه: عَن عمرَان بن ميسرَة ضد الميمنة وَهُوَ من أَفْرَاده، عَن عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْعَوام، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو، عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (إلَاّ سَوَاء بِسواءٍ) أَي: متساويين. قَوْله: (وأمرنا) هُوَ أَمر إِبَاحَة. قَوْله: (أَن نبتاع) أَي: نشتري، وَاحْتج بِهِ على جَوَاز بيع الربويات بَعْضهَا بِبَعْض إِذا كَانَ سَوَاء بِسَوَاء ويدا بيد، وَعند اخْتِلَاف الْجِنْس يجوز كَيفَ كَانَ، إِذا كَانَ يدا بيد. وروى مُسلم: (إِذا اخْتلف الْأَجْنَاس فبيعوا كَيفَ شِئْتُم) .
٢٨ - (بابُ بَيْع المزَابَنَةِ وهْيَ بَيْعُ التَّمْرِ بالثَّمَرِ وبَيْعُ الزَّبِيبِ بالكَرْمِ وبَيْعُ العَرَايا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْمُزَابَنَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهَا وَفِي الْعَرَايَا فِي: بَاب بيع الزَّبِيب بالزبيب مُسْتَوفى. قَوْله: (وَهِي) أَي: الْمُزَابَنَة: بيع التَّمْر، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: (بالثمر) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْمِيم، وَأَرَادَ بِهِ: الرطب، يَعْنِي: بيع التَّمْر الْيَابِس بالرطب. قَوْله: (بِالْكَرمِ) ، أَي: بالعنب.
стр. 3406
قَالَ أنَسٌ نَهىَ النبيُّ ﷺ عنِ المُزَابَنَةِ والمُحَاقَلَةِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَسَيَأْتِي هَذَا التَّعْلِيق مَوْصُولا فِي: بَاب المخاصرة والمحاقلة، مفاعلة من الحقل، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْقَاف: وَهُوَ الزَّرْع، وموضعه، وَهِي: بيع الْحِنْطَة فِي سنبلها بحنطة صَافِيَة. وَقيل: هِيَ الْمُزَارعَة بِالثُّلثِ أَو الرّبع أَو نَحوه مِمَّا يخرج مِنْهَا، فَيكون كالمخابرة. وروى جَابر: (أَن النَّبِي، ﷺ ، نهى عَن المخابرة والمحاقلة) . والمحاقلة: أَن يَبِيع الرجل الزَّرْع قبل إِدْرَاكه، وَقَالَ اللَّيْث: بِمِائَة فرق من الْحِنْطَة، وَالْمُخَابَرَة: كِرَاء الأَرْض بِالثُّلثِ أَو الرّبع، وَقيل: هِيَ بيع الزَّرْع قبل إِدْرَاكه. وَقَالَ اللَّيْث: الحقل الزَّرْع إِذا تشعب قبل أَن يغلظ. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: إِذا كَانَت المحاقلة مَأْخُوذَة من هَذَا فَهُوَ بيع الزَّرْع قبل إِدْرَاكه. قَالَ: والمحقلة المزرعة، وَقيل: لَا تنْبت البقلة إلَاّ الحقلة. وَقَالَ أَبُو عبيد: المحاقلة مَأْخُوذَة من الحقل، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه النَّاس: القراح، بالعراق. وَفِي الحَدِيث: (مَا تَصْنَعُونَ بمحاقلكم؟) أَي: بمزارعكم. وَتقول للرجل: أحقل، أَي: ازرع، وَإِنَّمَا وَقع الْخطر فِي المحاقلة والمزابنة لِأَنَّهُمَا من الْكَيْل، وَلَيْسَ يجوز شَيْء من الْكَيْل وَالْوَزْن إِذا كَانَا من جنس وَاحِد إلَاّ يدا بيد، ومثلاً بِمثل. وَهَذَا مَجْهُول لَا يدْرِي أَيهمَا أَكثر.
٣٨١٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهُ ولَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بالتَّمْرِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تَبِيعُوا الثَّمر بِالتَّمْرِ) فَإِنَّهُ بيع الْمُزَابَنَة. قَوْله: (التَّمْر) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْمِيم. وَقَوله: (بالثمر) بالثاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْمِيم، وَهُوَ الرطب.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل، بِضَم الْعين. والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن جحين بن الْمثنى عَن اللَّيْث.
قَوْله: (يَبْدُو صَلَاحه) أَي: يظْهر. قَالَ النَّوَوِيّ: يَبْدُو، بِلَا همز، وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يُنَبه عَلَيْهِ أَنه يَقع فِي كثير من كتب الْمُحدثين وَغَيرهم: حَتَّى يبدوا، هَكَذَا بِأَلف فِي الْخط، وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب حذفهَا فِي مثل هَذَا للناصب، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي إِثْبَاتهَا إِذا لم يكن ناصب مثل: زيد يبدوا، وَالِاخْتِيَار حذفهَا أَيْضا. وَيَقَع مثله فِي: حَتَّى تزهوا، وَصَوَابه حذف الْألف. قَوْله: (صَلَاحه) هُوَ ظُهُور حمرته أَو صفرته، وَفِي رِوَايَة لمُسلم فِي حَدِيث جَابر: حَتَّى يطعم، وَفِي رِوَايَة: حَتَّى يشقه، والإشقاق أَن يحمر أَو يصفر أَو يُؤْكَل مِنْهُ شَيْء، وَفِي رِوَايَة: حَتَّى تشقح، وَقَالَ سعيد بن مينا الرَّاوِي عَن جَابر: يحمارَّ ويصفارَّ ويؤكل مِنْهَا. وَفِي رِوَايَة للطحاوي، فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: حَتَّى يُؤْكَل مِنْهُ، وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي حَدِيث جَابر: حَتَّى يطيب، وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: حَتَّى يصلح، وَفِي رِوَايَة لمُسلم فِي حَدِيث ابْن عمر: مَا صَلَاحه؟ قَالَ: تذْهب عاهته.
ثمَّ إعلم أَن بَدو الصّلاح متفاوت بتفاوت الأثمار، فبدو صَلَاح التِّين أَن يطيب وتوجد فِيهِ الْحَلَاوَة وَيظْهر السوَاد فِي أسوده وَالْبَيَاض فِي أبيضه، وَكَذَلِكَ الْعِنَب الْأسود بَدو صَلَاحه أَن يتَحَوَّل إِلَى السوَاد وَأَن ينحو أبيضه إِلَى الْبيَاض مَعَ النضج، وَكَذَلِكَ الزَّيْتُون بَدو صَلَاحه أَن يتَحَوَّل إِلَى السوَاد، وبدو صَلَاح القثاء والفقوص أَن ينْعَقد ويبلغ مبلغا يُوجد لَهُ طعم، وَأما البطيح فَإِن ينحو نَاحيَة الاصفرار وَالطّيب، وَأما اللوز، فروى أَشهب وَابْن نَافِع عَن مَالك: أَنه يُبَاع إِذا بلغ فِي شَجَره قبل أَن يطيب، فَإِنَّهُ لَا يطيب حَتَّى ينْزع، وَأما الجزر واللفت والفجل والثوم والبصل فبدو صَلَاحه إِذا اسْتَقل ورقه وَتمّ وانتفع بِهِ، وَلم يكن فِي قلعه فَسَاد، وَالْبر والفول والجلبان والحمص والعدس إِذا يبس، والياسمين وَسَائِر الْأَنْوَار أَن يفتح أكمامه وَيظْهر نوره، والقصيل والقصب والقرطم إِذا بلغ أَنه يرْعَى دون فَسَاد.
ذكر مَذَاهِب الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب: قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن بَاعَ الثَّمر قبل بَدو صَلَاحه بِشَرْط الْقطع صَحَّ بِالْإِجْمَاع. قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَو شَرط الْقطع ثمَّ لم يقطع فَالْبيع صَحِيح، وَيلْزمهُ البَائِع بِالْقطعِ، فَإِن تَرَاضيا على إبقائه جَازَ، وَإِن بَاعَ بِشَرْط التبقية فَالْبيع بَاطِل بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ رُبمَا تتْلف الثَّمَرَة قبل إِدْرَاكهَا، فَيكون البَائِع قد أكل مَال أَخِيه بِالْبَاطِلِ، وَأما إِذا شَرط الْقطع فقد انْتَفَى هَذَا الضَّرَر، وَإِن بَاعهَا مُطلقًا بِلَا شَرط الْقطع فمذهبنا وَمذهب الْجُمْهُور أَن البيع بَاطِل، وَبِه
стр. 3407
قَالَ مَالك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجب شَرط الْقطع. انْتهى. قلت: مَذْهَب الثَّوْريّ وَابْن أبي ليلى وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق: عدم جَوَاز بيع الثِّمَار فِي رُؤُوس النّخل حَتَّى تحمر أَو تصفر.
وَمذهب الْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، جَوَاز بيع الثِّمَار على الْأَشْجَار بعد ظُهُورهَا، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة، وَأحمد فِي قَول، وحجتهم فِي هَذَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ، عَن عبد الله بن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من بَاعَ نخلا قد أبرت فثمرتها للْبَائِع إلَاّ أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع) . وَزَاد التِّرْمِذِيّ: وَمن بَاعَ عبدا وَله مَال فَمَاله للَّذي بَاعه إلَاّ أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع وَقَالَ هَذَا الحَدِيث حسن صَحِيح وَجه التَّمَسُّك بِهِ انه ﷺ جعل فِيهِ تمر النّخل لبائعها إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع فَيكون لَهُ باشتراطه إِيَّاهَا، وَيكون ذَلِك مبتاعا لَهَا، وَفِي هَذَا إِبَاحَة بيع الثِّمَار قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا، لِأَن كل مَا لَا يدْخل فِي بيع غَيره إلَاّ بالاشتراط هُوَ الَّذِي يكون مَبِيعًا وَحده، وَمَا لَا يدْخل فِي بيع غَيره من غير اشْتِرَاط هُوَ الَّذِي لَا يجوز أَن يكون مَبِيعًا وَحده.
قَوْله: قد أبرت، من قَوْلهم: فلَان أبر نخله، إِذا لقحه، وَالِاسْم مِنْهُ: الإبار، كالإزار، وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث الْمَذْكُور: أَن المُرَاد مِنْهُ البيع قبل أَن يتكون، فَيكون بَائِعهَا بَائِعا بِمَا لَيْسَ عِنْده، وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، ﵀، مَا ملخصه: أَن قوما قَالُوا: إِن النَّهْي الْمَذْكُور لَيْسَ للتَّحْرِيم، وَلكنه على المشورة مِنْهُ عَلَيْهِم لِكَثْرَة مَا كَانُوا يختصمون إِلَيْهِ فِيهِ، وَرووا فِي ذَلِك عَن زيد بن ثَابت، قَالَ: كَانَ النَّاس فِي عهد النَّبِي ﷺ يتبايعون الثِّمَار، فَإِذا جد النَّاس وَحضر تقاضيهم قَالَ الْمُبْتَاع إِنَّه أصَاب الثَّمر العفن والدمان، وأصابه قشام، عاهات، يحتجون بهَا. فَقَالَ، ﷺ ، لما كثرت عِنْده الْخُصُومَة فِي ذَلِك: (لَا تتبايعوا حَتَّى يَبْدُو صَلَاح الثَّمر) ، كالمشورة يُشِير بهَا لِكَثْرَة خصومتهم، فَكَانَ نَهْيه عَن ذَلِك على هَذَا الْمَعْنى، وَأخرج الطَّحَاوِيّ حَدِيث زيد هَذَا بِإِسْنَاد صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا وَالْبَيْهَقِيّ. قَوْله: العفن، بِفتْحَتَيْنِ: الْفساد، وَأما بِكَسْر الْفَاء فَهُوَ من الصِّفَات المشبهة، والدمان، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم وَفِي آخِره نون: هُوَ فَسَاد التَّمْر قبل إِدْرَاكه حَتَّى يسود، ويروى بِاللَّامِ وبالراء فِي مَوضِع النُّون. والقشام، بِضَم الْقَاف: دَاء يَقع فِي الثَّمَرَة فتهلك.
قَالَ سالِمٌ وأخبَرَنِي عَبْدُ الله عَنْ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بالرُّطَبِ أوْ بالتَّمْرِ ولَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ.
هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَسَيَأْتِي فِي آخر الْبَاب أَنه أفرد حَدِيث زيد بن ثَابت من طَرِيق نَافِع عَن ابْن عمر، وَقد ذكر فِي: بَاب بيع الزَّبِيب بالزبيب من وَجه آخر عَن نَافِع مضموما فِي سِيَاق وَاحِد.
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَلم يفصل حَدِيث ابْن عمر من حَدِيث زيد بن ثَابت. وَأَشَارَ إِلَى أَنه وهم فِيهِ، وَالصَّوَاب التَّفْصِيل.
قَوْله: (رخص بعد ذَلِك) ، أَي: بعد النَّهْي عَن بيع التَّمْر بالثمر فِي بيع الْعَرَايَا، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا من أصرح مَا ورد فِي الرَّد على من حمل من الْحَنَفِيَّة النَّهْي عَن بيع التَّمْر بالثمر على عُمُومه، وَمنع أَن يكون بيع الْعَرَايَا مُسْتَثْنى مِنْهُ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمَا حكمان وردا فِي سِيَاق وَاحِد، وَكَذَلِكَ من زعم مِنْهُم، كَمَا حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَنْهُم، أَن بيع الْعَرَايَا مَنْسُوخ بِالنَّهْي عَن بيع التَّمْر بالثمر، لِأَن الْمَنْسُوخ لَا يكون إلَاّ بعد النَّاسِخ. انْتهى. قلت: إبْقَاء النَّهْي على الْعُمُوم أولى من إبِْطَال شَيْء مِنْهُ وَلَا منع من أَن يكون النَّهْي عَن بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ، وَبيع الْعَرَايَا حكمين واردين فِي سِيَاق وَاحِد، وَعُمُوم النَّهْي ثَابت بِيَقِين. وَقَول زيد بن ثَابت: إِنَّه، ﷺ ، رخص بعد ذَلِك، لَا يُخرجهُ عَن عُمُومه الْمُتَيَقن، لِأَن معنى كَلَامه أَن النَّبِي، ﷺ ، أظهر بعد نَهْيه عَن بيع التَّمْر بالثمر أَن بيع الْعرية رخصَة، لَا أَنه مُسْتَثْنى مِنْهُ، على أَن الْعرية فِي الأَصْل عَطِيَّة وَهبة.
فَإِن قلت: الرُّخْصَة لَا دخل لَهَا فِي العطايا والهبات، وَلَا تكون الرُّخْصَة إلَاّ فِي شَيْء محرم، وَلَو كَانَت الْعرية رخصَة لم يكن لقَوْله: وَرخّص بعد ذَلِك فِي بيع الْعرية، فَائِدَة وَلَا معنى؟ قلت: معنى الرُّخْصَة فِيهِ أَن الرجل إِذا أعرى الرجل شَيْئا من ثمره فقد وعد أَن يُسلمهُ إِلَيْهِ ليملكه الْمُسلم إِلَيْهِ بِقَبْضِهِ إِيَّاه، وعَلى الرجل أَن يَفِي بوعده وَإِن كَانَ غير مَأْخُوذ بِهِ فِي الحكم، فَرخص للمعري أَن يحبس مَا أعرى بِأَن يُعْطي المعري خرصة تَمرا بَدَلا مِنْهُ من غير أَن يكون إِثْمًا، وَلَا فِي حكم من أخلف موعدا، فَهَذَا مَوضِع الرُّخْصَة.
فَإِن قلت: كَيفَ سميت الْعرية بيعا؟ قلت: سميت
стр. 3408
بذلك لتصورها بِصُورَة البيع، لَا أَن يكون بيعا حَقِيقَة. ألَا تَرى أَنه لم يملكهَا المعري لَهُ لِانْعِدَامِ الْقَبْض، وَلِأَنَّهُ لَو كَانَت بيعا لكَانَتْ بيع التَّمْر بالثمر إِلَى أجل وَأَنه لَا يجوز بِلَا خلاف، فَدلَّ ذَلِك على أَن الْعرية المرخص فِيهَا لَيست بِبيع حَقِيقَة، بل هِيَ عَطِيَّة كَمَا نَص عَلَيْهِ أَبُو حنيفَة فِي تَفْسِيره الْعرية، وَنقل ابْن الْمُنْذر عَن بعض الْحَنَفِيَّة غير صَحِيح.
قَوْله: (بالرطب أَو التَّمْر) كلمة: أَو، تحْتَمل أَن تكون للتَّخْيِير، وتحتمل أَن تكون للشَّكّ، وَلَكِن يُؤَيّد كَونهَا للتَّخْيِير مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق صَالح بن كيسَان، وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ، كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ: بِلَفْظ: بالرطب وبالتمر، وَلم يرخص فِي غير ذَلِك، هَكَذَا ذكره بِالْوَاو.
٥٨١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبَرنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهىَ عنْ المُزَابَنَةِ والمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءِ والثَّمَرِ بالتَّمْرِ كَيْلاً وبَيْعُ الْكَرْمِ بالزَّبِيبِ كَيْلاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب بيع الزَّبِيب بالزبيب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك، وَهنا: عَن عبد الله ابْن يُوسُف عَن مَالك. قَوْله: (اشْتِرَاء الثَّمر) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة. قَوْله: (بِالتَّمْرِ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْمِيم. قَوْله: (وَبيع الْكَرم) ، أَي: الْعِنَب، (وَكيلا) فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَنْصُوب على التَّمْيِيز.
٦٨١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ داوُدَ بنِ الحُصَيْنِ عنْ أبِي سفْيانَ مَوْلَى ابنِ أبِي أحْمَدَ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهىَ عنِ المُزَابَنَةِ والمُحَاقَلَةِ والمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَدَاوُد بن الْحصين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة: مولى عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَأَبُو سُفْيَان مَشْهُور بكنيته حَتَّى قَالَ الْحَاكِم: لَا يعرف اسْمه. وَقَالَ الكلاباذي: اسْمه قزمان، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الزَّاي، وَكَذَا روى أَبُو دَاوُد عَن شَيْخه القعْنبِي فِي (سنَنه) ، وَابْن أبي أَحْمد هُوَ عبد الله بن أبي أَحْمد بن جحش الْأَسدي، ابْن أخي زَيْنَب بنت جحش أم الْمُؤمنِينَ، وَحكى الْوَاقِدِيّ أَن أَبَا سُفْيَان كَانَ مولى لبني عبد الْأَشْهَل، وَكَانَ يُجَالس عبد الله بن أبي أَحْمد، فنسب إِلَيْهِ.
وَرِجَال هَذَا الحَدِيث كلهم مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ، وَلَيْسَ لداود هَذَا وَلَا لشيخه فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر ابْن أبي السَّرْح عَن ابْن وهب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي (الْأَحْكَام) عَن مُحَمَّد بن يحيى.
قَوْله: (نهى عَن الْمُزَابَنَة والمحاقلة) ، قد مر تفسيرهما عَن قريب، وَفسّر هُنَا الْمُزَابَنَة بقوله: (والمزابنة اشْتِرَاء الثَّمر) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة (بِالتَّمْرِ) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق (فِي رُؤُوس النّخل) ، وَزَاد ابْن مهْدي عَن مَالك عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ لفظ: كَيْلا، وَهُوَ مُوَافق لحَدِيث ابْن عمر الَّذِي قبله، وَقَالَ بَعضهم: ذكر الْكَيْل لَيْسَ بِقَيْد. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن الإشتراء بِمَاذَا يكون؟ ومعيار الزَّبِيب وَالتَّمْر هُوَ الْكَيْل. وَوَقع فِي (الْمُوَطَّأ) فِي هَذَا الحَدِيث تَفْسِير المحاقلة بقوله: والمحاقلة كِرَاء الأَرْض، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم.
٧٨٧١٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عنِ الشَّيْبَانيِّ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ نَهىَ النبيُّ ﷺ عنِ المُحَاقَلَةِ والمُزَابَنَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم الضَّرِير وَقد تقدم والشيباني بالشين الْمُعْجَمَة هُوَ سُلَيْمَان أَبُو إِسْحَق وَقد تقدم وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث قُتَيْبَة عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ َ - عَن المحاقلة والمزابنة وَعَن زيد بن ثَابت أخرجه التِّرْمِذِيّ من طَرِيق ابْن إِسْحَق عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن زيد بن ثَابت أَن النَّبِي ﷺ َ - نهى عَن المحاقلة
стр. 3409
والمزابنة وَعَن سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي عَيَّاش عَنهُ سمع عَنهُ يَقُول نهى رَسُول الله ﷺ َ - عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ نَسِيئَة
١٣٣ - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة قَالَ حَدثنَا مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن زيد بن ثَابت ﵃ أَن رَسُول الله ﷺ َ - أرخص لصَاحب الْعرية أَن يَبِيعهَا بِخرْصِهَا) مُنَاسبَة ذكر هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب من حَيْثُ أَنه قد ذكر حَدِيث عبد الله بن عمر عَن زيد بن ثَابت فِي ضمن حَدِيث أخرجه عَن عبد الله بن عمر بِرِوَايَة سَالم عَنهُ وَهنا ذكره بِإِسْنَاد مُسْتَقل عَن ابْن عمر عَن زيد بِرِوَايَة نَافِع عَن مَوْلَاهُ عبد الله والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن أبي النُّعْمَان وَفِي الشّرْب عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَزُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن رَافع وَمُحَمّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن رمح وَأبي الرّبيع الزهْرَانِي وَأبي كَامِل الجحدري وَعلي بن حجر وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن هناد بن السّري وَعَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي قدامَة وَفِي الشُّرُوط عَن عِيسَى بن حَمَّاد وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ وَعَن هِشَام بن عمار وَمُحَمّد بن الصَّباح قَوْله " أرخص لصَاحب الْعرية " بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى عَن قريب قَوْله " أَن يَبِيعهَا بِخرْصِهَا " بِفَتْح الْخَاء مصدر وبكسرها اسْم للشَّيْء المخروص وَمَعْنَاهُ بِقدر مَا فِيهَا إِذا صَار تَمرا وَزَاد الطَّبَرَانِيّ عَن عَليّ بن عبد الْعَزِيز عَن القعْنبِي شيخ البُخَارِيّ فِيهِ كَيْلا وَمثله للْبُخَارِيّ من رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع وَسَيَأْتِي بعد بَاب وَرَوَاهُ مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك فَقَالَ بِخرْصِهَا من التَّمْر وَنَحْوه للْبُخَارِيّ من رِوَايَة يحيى بن سعيد عَن نَافِع فِي كتاب الشّرْب وَلمُسلم من رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال عَن يحيى بن سعيد بِلَفْظ رخص فِي الْعرية يَأْخُذهَا أهل الْبَيْت بِخرْصِهَا تَمرا يأكلونها رطبا وَمن طَرِيق اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد بِلَفْظ رخص فِي بيع الْعرية بِخرْصِهَا تَمرا
(بَاب بيع الثَّمر على رُؤْس النّخل بِالذَّهَب وَالْفِضَّة)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الثَّمر بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْمِيم المفتوحتين قَوْله " على رُؤُوس النّخل " جملَة وَقعت حَالا من الثَّمر وَالْبَاء فِي بِالذَّهَب تتَعَلَّق بِلَفْظ بيع الثَّمر وَذكر الذَّهَب وَالْفِضَّة لَيْسَ بِقَيْد لِأَنَّهُ يجوز بَيْعه بالعروض أَيْضا وَلَكِن لما كَانَ غَالب مَا يتعامل بِهِ النَّاس هُوَ الذَّهَب وَالْفِضَّة فَلذَلِك ذكرهمَا وَأَيْضًا فِيهِ اتِّبَاع لظَاهِر لفظ الحَدِيث لِأَن الْمَذْكُور فِيهِ الدِّينَار وَالدِّرْهَم وهما الذَّهَب وَالْفِضَّة
١٣٤ - (حَدثنَا يحيى بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنَا ابْن وهب قَالَ أخبرنَا ابْن جريج عَن عَطاء وَأبي الزبير عَن جَابر ﵁ قَالَ نهى النَّبِي ﷺ َ - عَن بيع الثَّمر حَتَّى يطيب وَلَا يُبَاع شَيْء مِنْهُ إِلَّا بالدينار وَالدِّرْهَم إِلَّا الْعَرَايَا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَلَا يُبَاع شَيْء مِنْهُ إِلَّا بالدينار وَالدِّرْهَم " وهما الذَّهَب وَالْفِضَّة (فَإِن قلت) لَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر رُؤْس النّخل (قلت) المُرَاد من قَوْله بيع الثَّمر أَي الثَّمر الْكَائِن على رُؤْس الشّجر يدل عَلَيْهِ قَوْله حَتَّى يطيب فَإِن الثَّمر الَّذِي هُوَ الرطب لَا يطيب إِلَّا على رُؤْس الشّجر وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي وَلكنه سكن مصر سمع عبد الله بن وهب وَهُوَ من أَفْرَاده وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز وَقد تكَرر ذكره وَأَبُو الزبير بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه مُحَمَّد بن مُسلم بن تدرس بِلَفْظ مُخَاطب مضارع الدَّرْس والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع أَيْضا عَن إِسْحَق بن إِسْمَاعِيل وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن هِشَام بن عمار قَوْله " عَن عَطاء وَأبي الزبير " كَذَا جمع بَينهمَا عبد الله بن وهب وَتَابعه أَبُو عَاصِم عِنْد مُسلم وَيحيى بن أَيُّوب عِنْد الطَّحَاوِيّ كِلَاهُمَا عَن ابْن جريج وَرَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة
стр. 3410
عِنْد مُسلم عَن ابْن جريج أَخْبرنِي عَطاء قَوْله " عَن جَابر " وَفِي رِوَايَة أبي عَاصِم الْمَذْكُور أَنَّهُمَا سمعا جَابر بن عبد الله قَوْله " عَن بيع الثَّمر " بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي الرطب قَوْله " حَتَّى يطيب " أَي طعمه وَالْغَرَض مِنْهُ أَن يَبْدُو صَلَاحه قَوْله " وَلَا يُبَاع شَيْء مِنْهُ " أَي من الثَّمر قَوْله " إِلَّا بالدينار وَالدِّرْهَم " وَقد ذكرنَا الْآن وَجه ذكرهمَا قَوْله " إِلَّا الْعَرَايَا " أَي إِلَّا الْعَرَايَا بالابتياع بالدينار وَالدِّرْهَم ويفسر هَذَا رِوَايَة يحيى بن أَيُّوب فَإِن فِي رِوَايَته " أَن رَسُول الله ﷺ َ - رخص فِيهَا " أَي فِي الْعَرَايَا وَهِي بيع الرطب فِيهَا بعد أَن يخرص وَيعرف قدره بِقدر ذَلِك من التَّمْر وَقد مر أَن قوما مِنْهُم الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة احْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله على عدم جَوَاز بيع الثِّمَار على رُؤْس النّخل حَتَّى تحمر أَو تصفر وَأَجَازَ ذَلِك قوم بعد ظُهُورهَا وَمِنْهُم أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأَصْحَابه وَقَالَ ابْن الْمُنْذر ادّعى الْكُوفِيُّونَ أَن بيع الْعَرَايَا مَنْسُوخ بنهيه ﷺ َ - عَن بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ وَهَذَا مَرْدُود لِأَن الَّذِي روى النَّهْي عَن بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ هُوَ الَّذِي روى الرُّخْصَة فِي الْعَرَايَا وَقَالَ بَعضهم وَرِوَايَة سَالم الْمَاضِيَة فِي الْبَاب الَّذِي قبله تدل على أَن الرُّخْصَة فِي بيع الْعَرَايَا وَقع بعد النَّهْي عَن بيع التَّمْر بالثمر وَلَفظه عَن ابْن عمر مَرْفُوعا وَلَا تَبِيعُوا الثَّمر بِالتَّمْرِ قَالَ وَعَن زيد بن ثَابت أَنه ﷺ َ - رخص بعد ذَلِك فِي بيع الْعرية وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ لفظ الرُّخْصَة فَإِنَّهَا تكون بعد منع انْتهى قلت أما قَول ابْن الْمُنْذر فَإِنَّهُ مَرْدُود لِأَن رِوَايَة من روى النَّهْي عَن بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ وروى الرُّخْصَة فِي الْعَرَايَا لَا يسْتَلْزم منع النّسخ على أَنا قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن هَذَا النَّقْل عَن الْكُوفِيّين الْحَنَفِيَّة غير صَحِيح وَأما قَول هَذَا الْقَائِل الَّذِي قَالَ وَرِوَايَة مُسلم إِلَى آخِره فقد روينَاهُ فِيمَا مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَلِأَن هَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على حكمين مقرونين أَحدهمَا النَّهْي عَن بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ وَالْآخر الترخيص فِي الْعَرَايَا وَلَا يلْزم من ذكرهمَا مقرونين أَن يكون حكمهمَا وَاحِدًا ثمَّ خرج أَحدهمَا عَن الآخر لِأَن كلا مِنْهُمَا كَلَام مُسْتَقل بِذَاتِهِ وَقد يقرن الشَّيْء بالشَّيْء وحكمهما مُخْتَلف ونظائر هَذَا كَثِيرَة وَقد ذكر أهل التَّحْقِيق من الْأُصُولِيِّينَ أَن من الْعَمَل بالوجوه الْفَاسِدَة مَا قَالَ بَعضهم أَن الْقرَان فِي النّظم يُوجب الْقرَان فِي الحكم وَقَول زيد بن ثَابت أَنه ﷺ َ - رخص فِي بيع الْعرية كَلَام تَامّ لَا يفْتَقر إِلَى مَا يتم بِهِ. فَإِن قلت الِاسْتِثْنَاء فِي الحَدِيث يَقْتَضِي أَن الْعَرَايَا قد خرجت من صدر الْكَلَام فَيَقْتَضِي أَن تكون الرُّخْصَة بعد الْمَنْع قلت الِاسْتِثْنَاء من قَوْله وَلَا يُبَاع شَيْء مِنْهُ إِلَّا بالدينار وَالدِّرْهَم وَلم تكن الْعرية دَاخِلَة فِي صدر الْكَلَام الَّذِي هُوَ النَّهْي عَن بيع التَّمْر بالثمر لِأَنَّهَا عَطِيَّة وَهبة فَلَا تدخل تَحت البيع حَتَّى يسْتَثْنى مِنْهُ وَلما لم يكن بيعا بَين بِالِاسْتِثْنَاءِ أَنه لَا يَجْعَل فِيهَا الدِّينَار وَالدِّرْهَم كَمَا فِي البيع وَالدَّلِيل على كَونهَا هبة مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فَقَالَ حَدثنَا أَحْمد بن دَاوُد قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عون قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب وَعبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ َ - نهى البايع والمبتاع عَن الْمُزَابَنَة قَالَ وَقَالَ زيد بن ثَابت رخص فِي الْعَرَايَا فِي النَّخْلَة والنخلتين توهبان للرجل فيبيعهما بخرصهما تَمرا وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي الْكَبِير ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ فَهَذَا زيد بن ثَابت وَهُوَ أحد من روى عَن النَّبِي ﷺ َ - الرُّخْصَة فِي الْعرية فقد أخبر أَنَّهَا الْهِبَة وَقَالَ الطَّحَاوِيّ أَيْضا وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ " خففوا فِي الصَّدقَات فَإِن فِي المَال الْعرية وَالْوَصِيَّة " حَدثنَا بذلك أَبُو بكرَة قَالَ حَدثنَا أَبُو عمر الضَّرِير قَالَ أخبرنَا جرير بن خازم قَالَ سَمِعت قيس بن سعد يحدث عَن مَكْحُول الشَّامي عَن رَسُول الله ﷺ َ - بذلك فَدلَّ على أَن الْعرية إِنَّمَا هِيَ شَيْء يملكهُ أَرْبَاب الْأَمْوَال قوما فِي حياتهم كَمَا يملكُونَ الْوَصَايَا بعد مماتهم قلت إِسْنَاده صَحِيح وَهُوَ مُرْسل والمرسل حجَّة عندنَا فَإِن قلت زيد بن ثَابت سمى الْعرية بيعا حَيْثُ قَالَ وَرخّص بعد ذَلِك فِي بيع الْعرية قلت سَمَّاهَا بيعا لتصورها بِصُورَة البيع لَا أَنَّهَا بيع حَقِيقَة لِانْعِدَامِ الْقَبْض وَلِأَنَّهَا لَو جعلت بيعا حَقِيقَة لَكَانَ بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ إِلَى أجل وَأَنه لَا يجوز بِلَا خلاف وَقد ذكرنَا هَذَا مرّة فِيمَا مضى
١٣٥ - (حَدثنَا عبد الله بن عبد الْوَهَّاب قَالَ سَمِعت مَالِكًا وَسَأَلَهُ عبيد الله بن الرّبيع قَالَ أحَدثك دَاوُد عَن أبي سُفْيَان عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ - رخص فِي بيع الْعَرَايَا فِي خَمْسَة أوسق أَو دون خَمْسَة أوسق قَالَ نعم)
стр. 3411
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الحَدِيث السَّابِق فِيهِ ذكر الْعَرَايَا وَهَذَا الحَدِيث فِي الْعَرَايَا فَهُوَ مُطَابق لَهُ من هَذِه الْحَيْثِيَّة والمطابق للمطابق مُطَابق لذَلِك المطابق والْحَدِيث السَّابِق فِيهِ ذكر الْعَرَايَا مُطلقًا وَهَذَا الحَدِيث يشْعر أَن المُرَاد من ذَلِك الْمُطلق هُوَ الْمُقَيد بِخَمْسَة أوسق كَمَا يَجِيء بَيَانه مفصلا إِن شَاءَ الله تَعَالَى (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة الأول عبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي الثَّانِي مَالك بن أنس الثَّالِث عبيد الله بتصغير العَبْد ابْن الرّبيع وَكَانَ الرّبيع حَاجِب للخليفة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَهُوَ وَالِد الْفضل وَزِير الْخَلِيفَة هرون الرشيد الرَّابِع دَاوُد بن الْحصين بِضَم الْحَاء وَقد مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله الْخَامِس أَبُو سُفْيَان مولى ابْن أبي أَحْمد وَقد مضى هُوَ أَيْضا مَعَ دَاوُد هُنَاكَ السَّادِس أَبُو هُرَيْرَة (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد بِصِيغَة الِاسْتِفْهَام فِي مَوضِع وَفِيه السماع وَالسُّؤَال وَهُوَ إِطْلَاق السماع على مَا قرىء على الشَّيْخ فَأقر بِهِ بقوله نعم والاصطلاح عِنْد الْمُحدثين على أَن السماع مَخْصُوص بِمَا حدث بِهِ الشَّيْخ لفظا وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ بَصرِي وَدَاوُد وَأَبُو سُفْيَان مدنيان وَقد ذكرنَا أَنه لَيْسَ لداود وَلَا لأبي سُفْيَان حَدِيث فِي البُخَارِيّ سوى حديثين أَحدهمَا هَذَا وَالْآخر عَن أبي سعيد الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشُّرُوط عَن يحيى بن قزعة عَن مَالك بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن القعْنبِي وَيحيى بن يحيى كِلَاهُمَا عَن مَالك بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي كريب عَن زيد بن وهب كِلَاهُمَا عَن مَالك وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الشُّرُوط عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور الكوسج وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " رخص " بِالتَّشْدِيدِ من الترخيص كَذَا هُوَ عِنْد الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني أرخص من الأرخاص قَوْله " فِي بيع الْعَرَايَا " أَي فِي بيع ثَمَر الْعَرَايَا لِأَن الْعَرَايَا هِيَ النّخل قَوْله " فِي خَمْسَة أوسق " وَهُوَ وسق بِفَتْح الْوَاو وَقيل بِالْكَسْرِ أَيْضا وَالْفَتْح أفْصح وَهُوَ سِتُّونَ صَاعا وَهُوَ ثَلَاثمِائَة وَعِشْرُونَ رطلا عِنْد أهل الْحجاز وَأَرْبَعمِائَة وَثَمَانُونَ رطلا عِنْد أهل الْعرَاق على اخْتلَافهمْ فِي مِقْدَار الصَّاع وَالْمدّ وَالْأَصْل فِي الوسق الْحمل وكل شَيْء وسقته فقد حَملته قَوْله " أَو دون خَمْسَة أوسق " شكّ من الرَّاوِي وَقد بَينه مُسلم فِي رِوَايَته أَن الشَّك من دَاوُد بن الْحصين وَلَفظه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - رخص فِي بيع الْعَرَايَا بِخرْصِهَا فِيمَا دون خَمْسَة أوسق أَو فِي خَمْسَة شكّ دَاوُد قَالَ خَمْسَة أَو دون خَمْسَة والْحَدِيث رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا حَدثنَا ابْن مَرْزُوق قَالَ حَدثنَا القعْنبِي وَعُثْمَان بن عمر قَالَا حَدثنَا مَالك بن أنس عَن دَاوُد بن الْحصين عَن أبي سُفْيَان مولى ابْن أبي أَحْمد عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - رخص فِي بيع الْعَرَايَا فِي خَمْسَة أوسق أَو فِيمَا دون خَمْسَة أوسق شكّ دَاوُد فِي خَمْسَة أَو فِيمَا دون خَمْسَة قَوْله " قَالَ نعم " الْقَائِل هُوَ مَالك وَهَذَا التَّحَمُّل يُسمى عرض السماع وَكَانَ مَالك يختاره على التحديث فِي لَفظه وَاخْتلف المحدثون فِيمَا إِذا سكت الشَّيْخ فَالصَّحِيح أَنه ينزل منزلَة الْإِقْرَار إِذا كَانَ عَارِفًا وَلم يمنعهُ مَانع وَالْأولَى أَن يَقُول نعم لما فِيهِ من قطع النزاع (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَالَ ابْن قدامَة فِي الْمُغنِي الْعَرَايَا لَا تجوز إِلَّا فِيمَا دون خَمْسَة أوسق وَبِهَذَا قَالَ ابْن الْمُنْذر وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي قَوْله الآخر تجوز فِي الْخَمْسَة وَرَوَاهُ الْجوزجَاني عَن إِسْمَاعِيل بن سعيد عَن أَحْمد واتفقا على أَنَّهَا لَا تجوز فِي الزِّيَادَة على خَمْسَة أوسق وَقَالَ أَيْضا إِنَّمَا يجوز بيعهَا بِخرْصِهَا من التَّمْر لَا أقل مِنْهُ وَلَا أَكثر وَيجب أَن يكون التَّمْر الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ مَعْلُوما بِالْكَيْلِ وَلَا يجوز جزَافا وَلَا نعلم فِي هَذَا عِنْد من أَبَاحَ بيع الْعَرَايَا اخْتِلَافا وَاخْتلف فِي معنى خرصها من التَّمْر فَقيل مَعْنَاهُ أَن يطِيف الخارص بالعرية فَينْظر كم يَجِيء مِنْهَا تَمرا فيشتريها بِمثلِهِ من التَّمْر وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَنقل حَنْبَل عَن أَحْمد أَنه قَالَ بِخرْصِهَا رطبا وَيُعْطِي تَمرا وَلَا يجوز أَن يَشْتَرِيهَا بِخرْصِهَا رطبا وَهُوَ أحد
стр. 3412
الْوُجُوه لأَصْحَاب الشَّافِعِي وَالثَّانِي يجوز وَالثَّالِث يجوز مَعَ اخْتِلَاف النَّوْع وَلَا يجوز مَعَ اتفاقه وَلَا يجوز بيعهَا إِلَّا لمحتاج إِلَى أكلهَا رطبا وَلَا يجوز بيعهَا لَغَنِيّ وَهَذَا أحد قولي الشَّافِعِي وأباحها فِي القَوْل الآخر مُطلقًا للغني والمحتاج وَلَا يجوز بيعهَا فِي غير النّخل وَهُوَ مَذْهَب اللَّيْث وَقَالَ القَاضِي يجوز فِي بَقِيَّة الثِّمَار من الْعِنَب والتين وَغَيرهمَا وَهُوَ قَول مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَجَازَهُ الشَّافِعِي فِي النّخل وَالْعِنَب دون غَيرهمَا انْتهى وَقَالَ القَاضِي قَوْله فِيمَا دون خَمْسَة أوسق أَو فِي خَمْسَة أوسق مَا يدل أَنه يخْتَص بِمَا يوسق ويكال وَقَالَ الْكرْمَانِي قَالَ الشَّافِعِي الأَصْل تَحْرِيم بيع الْمُزَابَنَة وَجَاءَت الْعَرَايَا رخصَة والراوي شكّ فِي الْخَمْسَة فَوَجَبَ الْأَخْذ بِالْيَقِينِ وَطرح الْمَشْكُوك فَبَقيت الْخَمْسَة على التَّحْرِيم الَّذِي هُوَ الأَصْل انْتهى (قلت) يرد عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَحْمد والطَّحَاوِي وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَق عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان عَن الْوَاسِع بن حبَان عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله ﷺ َ - رخص فِي الْعرية فِي الوسق والوسقين وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة وَقَالَ فِي كل عشرَة أقناء قنو يوضع فِي الْمَسْجِد للْمَسَاكِين هَذَا لفظ الطَّحَاوِيّ والأقناء جمع قنو بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون النُّون وَهُوَ العذق بِمَا فِيهِ من الرطب وَقَالَ الْمَازرِيّ ذهب ابْن الْمُنْذر إِلَى تَحْدِيد ذَلِك بأَرْبعَة أوسق لوروده فِي حَدِيث جَابر من غير شكّ فِيهِ فَتعين طرح الرِّوَايَة الَّتِي وَقع فِيهَا الشَّك وَالْأَخْذ بالرواية المتيقنة قَالَ وألزم الْمُزنِيّ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ القَوْل بِهِ انْتهى (قلت) الْإِلْزَام مَوْجُود فِيمَا رَوَاهُ أَحْمد والطَّحَاوِي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَيْضا وَقَالَ بَعضهم وَفِيمَا نَقله الْمَازرِيّ نظر لِأَن مَا نَقله لَيْسَ فِي شَيْء من كتب ابْن الْمُنْذر انْتهى (قلت) هَذِه مدافعة بِغَيْر وَجه لِأَنَّهُ لَا يلْزم من نفي كَون هَذَا فِي كتبه بِدَعْوَاهُ أَن يرد مَا نَقله الْمَازرِيّ لِإِمْكَان اطِّلَاعه فِيمَا لم يطلع عَلَيْهِ هَذَا الْقَائِل وَاحْتج بعض الْمَالِكِيَّة بِأَن لَفْظَة دون خَمْسَة أوسق صَالِحَة لجَمِيع مَا تَحت الْخَمْسَة فَلَو علمنَا بهَا للَزِمَ رفع هَذِه الرُّخْصَة ورد بِأَن الْعَمَل بهَا مُمكن بِأَن يحمل على أقل مَا تصدق عَلَيْهِ قيل وَهُوَ الْمُفْتى بِهِ فِي مَذْهَب الشَّافِعِيَّة
١٣٦ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ قَالَ يحيى بن سعيد سَمِعت بشيرا قَالَ سَمِعت سهل بن أبي حثْمَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - نهى عَن بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ وَرخّص فِي الْعرية أَن تبَاع بِخرْصِهَا يأكلها أَهلهَا رطبا وَقَالَ سُفْيَان مرّة أُخْرَى إِلَّا أَنه رخص فِي الْعرية يَبِيعهَا أَهلهَا بِخرْصِهَا يأكلونها رطبا قَالَ هُوَ سَوَاء قَالَ سُفْيَان فَقلت ليحيى وَأَنا غُلَام إِن أهل مَكَّة يَقُولُونَ إِن النَّبِي ﷺ َ - رخص لَهُم فِي بيع الْعَرَايَا فَقَالَ وَمَا يدْرِي أهل مَكَّة قلت إِنَّهُم يَرْوُونَهُ عَن جَابر فَسكت قَالَ سُفْيَان إِنَّمَا أردْت أَن جَابِرا من أهل الْمَدِينَة قيل لِسُفْيَان وَلَيْسَ فِيهِ نهي عَن بيع الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحه قَالَ لَا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله نهى عَن بيع الثَّمر بالثاء الْمُثَلَّثَة بِالتَّمْرِ وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَبشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء ابْن يسَار بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة ضد الْيَمين الْأنْصَارِيّ الْمَدِينِيّ وَقد مر فِي كتاب الْوضُوء فِي بَاب من تمضمض من السويق وَسَهل بن أبي حثْمَة بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ سهل بن أبي حثْمَة واسْمه عَامر بن سَاعِدَة الْأنْصَارِيّ وكنيته أَبُو يحيى وَقيل أَبُو مُحَمَّد والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشّرْب عَن زَكَرِيَّا عَن أبي أُسَامَة عَن الْوَلِيد بن كثير عَن بشير بن يسَار عَن رَافع وَسَهل بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَالْحسن بن عَليّ والقعنبي وقتيبة وَمُحَمّد بن رمح وَمُحَمّد بن الْمثنى وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن الْحسن بن عَليّ بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن الْحُسَيْن بن عِيسَى وَفِيه وَفِي الشُّرُوط عَن عبد الله بن مُحَمَّد قَوْله " قَالَ قَالَ يحيى " وَسَيَأْتِي فِي آخر الْبَاب مَا يدل على أَن سُفْيَان صرح بتحديث يحيى بن سعيد لَهُ بِهِ
стр. 3413
قَوْله " سَمِعت سهل بن أبي حثْمَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث الْوَلِيد بن كثير عَن بشير بن يسَار بن رَافع بن خديج وَسَهل بن حثْمَة حدّثنَاهُ وَفِي رِوَايَة لمُسلم من طَرِيق سُلَيْمَان بن بِلَال عَن يحيى بن سعيد عَن بشير بن يسَار عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - سهل بن أبي حثْمَة قَوْله " أَن تبَاع " بدل من الْعَارِية قَوْله " بِخرْصِهَا " قد ذكرنَا عَن قريب أَنه بِفَتْح الْخَاء وَكسرهَا وَأنكر ابْن الْعَرَبِيّ الْفَتْح وجوزهما النَّوَوِيّ قَالَ وَمَعْنَاهُ بِقدر مَا فِيهَا إِذا صَار تَمرا والخرص هُوَ التخمين والحدس قَوْله " رطبا " بِضَم الرَّاء وَقَالَ الْكرْمَانِي وروى بِفَتْحِهَا فَهُوَ متناول للعنب وَقَالَ أهل النَّخْلَة هم البائعون لَا المُشْتَرِي والآكل هُوَ المُشْتَرِي لَا البَائِع ثمَّ قَالَ قلت الضَّمِير فِي يأكلها أَهلهَا رَاجع إِلَى الثِّمَار الَّتِي يدل عَلَيْهَا الْخرص وَأهل الثِّمَار هم المشترون وَذكر الْأكل لَيْسَ بِقَيْد بل هُوَ لبَيَان الْوَاقِع وَعَن أبي عبيد أَنه شَرطه قَوْله " هُوَ سَوَاء " أَي هَذَا القَوْل الأول سَوَاء بِلَا تفَاوت بَينهمَا إِذْ الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي يأكلها عَائِد إِلَى الثِّمَار كَمَا فِي الأول وَالْمَرْفُوع إِلَى أهل المخروص فحاصلها وَاحِد وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِسَوَاء الْمُسَاوَاة بَين الثَّمر وَالرّطب على تَقْدِير الْجَفَاف قَوْله " قَالَ سُفْيَان مرّة أُخْرَى " إِلَى آخِره هُوَ من كَلَام عَليّ بن عبد الله وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَالْغَرَض أَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة حَدثهمْ بِهِ مرَّتَيْنِ على لفظين وَالْمعْنَى وَاحِد قيل أَشَارَ بقوله هُوَ سَوَاء إِلَيْهِ أَي الْمَعْنى وَاحِد قَوْله " قَالَ سُفْيَان ليحيى " أَي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قلت ليحيى هُوَ ابْن سعيد الْمَذْكُور لما حَدثهُ بِهِ قَوْله " وَأَنا غُلَام " جملَة اسمية وَقعت حَالا وَفِيه أَشَارَ سُفْيَان إِلَى قدم طلبه وَأَنه كَانَ فِي سنّ الصبى يناظر شُيُوخه ويباحثهم قَوْله " وَمَا يدْرِي أهل مَكَّة " بِضَم الْيَاء وَأهل مَكَّة كَلَام إضافي مَنْصُوب بِهِ قَوْله " أَنهم " أَي أهل مَكَّة يروون هَذَا الحَدِيث عَن جَابر بن عبد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " قَالَ سُفْيَان " أَي قَالَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله " إِنَّمَا أردْت " أَي إِنَّمَا كَانَ الْحَامِل لي على قولي ليحيى بن سعيد أَنهم يروون عَن جَابر أَن جَابِرا من أهل الْمَدِينَة فَرجع الحَدِيث إِلَى أهل الْمَدِينَة قَوْله " قيل لِسُفْيَان " بِلَفْظ قيل هُوَ عَليّ بن عبد الله الْمَذْكُور فِي أول الحَدِيث وَلَكِن لم يعرف الْقَائِل من هُوَ قَوْله " وَلَيْسَ فِيهِ " أَي فِي هَذَا الحَدِيث قَوْله " قَالَ لَا " أَي لَيْسَ فِيهِ نهي عَن بيع الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحه وَإِن كَانَ هُوَ صَحِيحا من رِوَايَة غَيره
(بَاب تَفْسِير الْعَرَايَا)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير الْعَرَايَا وَهُوَ جمع عَارِية وَقد استقصينا الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِي بَاب بيع الزَّبِيب بالزبيب (وَقَالَ مَالك الْعرية أَن يعري الرجل الرجل النَّخْلَة ثمَّ يتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ فَرخص لَهُ أَن يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِتَمْر) مَالك هُوَ ابْن أنس صَاحب الْمَذْهَب قَوْله " أَن يعرى " بِضَم الْيَاء من الإعراء وَهُوَ الْإِعْطَاء يُقَال عروت الرجل إِذا أَتَيْته تسأله معروفه " فأعراه " أَي أعطَاهُ فالرجل الأول مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل وَالرجل الثَّانِي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول وَقَوله " النَّخْلَة " مَنْصُوب أَيْضا على المفعولية قَوْله " بِتَمْر " بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن عبد الْبر من طَرِيق ابْن وهب عَن مَالك وروى الطَّحَاوِيّ من طَرِيق ابْن نَافِع عَن مَالك أَن الْعرية النَّخْلَة للرجل فِي حَائِط غَيره وَكَانَت الْعَادة أَنهم يخرجُون بأهلهم فِي وَقت الثِّمَار إِلَى الْبَسَاتِين فَيكْرَه صَاحب النّخل الْكثير دُخُول الآخر عَلَيْهِ فَيَقُول أَنا أُعْطِيك بخرص نخلتك تَمرا فَرخص لَهُ فِي ذَلِك (وَقَالَ ابْن إِدْرِيس الْعرية لَا تكون إِلَّا بِالْكَيْلِ من التَّمْر يدا بيد لَا يكون بالجزاف وَمِمَّا يقويه قَول سهل ابْن أبي حثْمَة بالأوسق الموسقة) ابْن إِدْرِيس هَذَا هُوَ عبد الله الأودي الْكُوفِي كَذَا قَالَه ابْن التِّين وَعَلِيهِ الْأَكْثَرُونَ وَتردد ابْن بطال فِيهِ وَجزم الْمزي فِي
стр. 3414
التَّهْذِيب بِأَنَّهُ الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ هَذَا الْكَلَام كُله قَول مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأَن لَهُ هَذَا الْموضع فِي صَحِيح مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَمَوْضِع آخر فِي كتاب الزَّكَاة وَكَلَام ابْن بطال يدل على أَن قَوْله وَمِمَّا يقويه إِلَى آخِره من كَلَام البُخَارِيّ لَا من كَلَام ابْن إِدْرِيس وَقَالَ ابْن بطال هَذَا إِجْمَاع فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْوِيَة وَلم يَأْتِ ذكر الأوساق الموسقة إِلَّا فِي حَدِيث مَالك عَن دَاوُد بن الْحصين وَفِي حَدِيث جَابر من رِوَايَة ابْن إِسْحَق لَا فِي رِوَايَة ابْن أبي حثْمَة وَإِنَّمَا يرْوى عَن سهل من قَوْله من رِوَايَة اللَّيْث عَن جَعْفَر بن أبي ربيعَة عَن الْأَعْرَج قَالَ سَمِعت سهل بن أبي حثْمَة قَالَ لَا يُبَاع التَّمْر فِي رُؤْس النّخل بالأوسق الموسقة إِلَّا أوسق ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة أَو خَمْسَة فيأكلها النَّاس وَهِي الْمُزَابَنَة قَوْله " لَا يكون إِلَّا بِالْكَيْلِ " أَي لَا بُد أَن يكون مَعْلُوم الْقدر إِذْ لَا بُد من الْعلم بالمساواة قَوْله " يدا بيد " أَي لَا بُد من التَّقَابُض فِي الْمجْلس قَوْله " بالجزاف " بِضَم الْجِيم وَفتحهَا وَكسرهَا وَهُوَ مُعرب كزاف قَوْله " وَمِمَّا يقويه " أَي وَمِمَّا يُقَوي كَلَام ابْن إِدْرِيس بِأَنَّهُ لَا يكون جزَافا قَول سهل بن أبي حثْمَة يَعْنِي فِي كَونه مَكِيلًا مَعْلُوم الْمِقْدَار قَوْله " بالأوسق " جمع وسق جمع قلَّة وَقَوله " الموسقة " تَأْكِيد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿والقناطير المقنطرة﴾ وكقول النَّاس آلَاف مؤلفة (وَقَالَ ابْن إِسْحَاق فِي حَدِيثه عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ كَانَت الْعَرَايَا أَن يعري الرجل الرجل فِي مَاله النَّخْلَة والنخلتين) أَي قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار صَاحب الْمَغَازِي وَحَدِيثه عَن نَافِع وَصله التِّرْمِذِيّ قَالَ حَدثنَا هناد حَدثنَا عَبدة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن زيد بن ثَابت أَن النَّبِي ﷺ َ - نهى عَن المحاقلة والمزابنة إِلَّا أَنه قد أذن لأهل الْعَرَايَا أَن يبيعوها بِمثل خرصها انْتهى وَأما تَفْسِيره فوصله أَبُو دَاوُد عَنهُ قَالَ حَدثنَا هناد حَدثنَا عَبدة عَن ابْن إِسْحَق قَالَ الْعَرَايَا أَن يهب الرجل للرجل النخلات فَيشق عَلَيْهِ أَن يقوم عَلَيْهَا فيبيعها بِمثل خرصها (وَقَالَ يزِيد عَن سُفْيَان بن حُسَيْن الْعَرَايَا نخل كَانَت توهب للْمَسَاكِين فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن ينتظروا بهَا رخص لَهُم أَن يبيعوها بِمَا شاؤا من التَّمْر) يزِيد من الزِّيَادَة هُوَ ابْن هرون الوَاسِطِيّ أحد الْأَعْلَام وسُفْيَان بن حُسَيْن الوَاسِطِيّ من أَتبَاع التَّابِعين قَوْله " أَن ينتظروا بهَا " أَي جذاذها وَالْجُمْهُور على أَنه بعكس هَذَا قَالُوا كَانَ سَبَب الرُّخْصَة أَن الْمَسَاكِين الَّذين مَا كَانَ لَهُم نخلات وَلَا نقود يشْتَرونَ بهَا الرطب وَقد فضل من قوتهم التَّمْر كَانُوا وعيالهم يشتهون الرطب فَرخص لَهُم فِي شِرَاء الرطب بِالتَّمْرِ وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الإِمَام أَحْمد فِي حَدِيث سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن زيد بن ثَابت مَرْفُوعا فِي الْعَرَايَا قَالَ سُفْيَان بن حُسَيْن فَذكره وَحكى عَن الشَّافِعِي أَنه قيد الْعرية بالمساكين محتجا بِحَدِيث سُفْيَان بن حُسَيْن هَذَا وَهُوَ اخْتِيَار الْمُزنِيّ وَأنْكرهُ الشَّيْخ أَبُو حَامِد نَقله عَن الشَّافِعِي قيل لَعَلَّ مُسْتَند الشَّافِعِي مَا ذكره فِي اخْتِلَاف الحَدِيث عَن مَحْمُود بن لبيد قَالَ قلت لزيد بن ثَابت مَا عراياكم هَذِه قَالَ فلَان وَأَصْحَابه شكوا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - أَن الرطب يحضر وَلَيْسَ عِنْدهم ذهب وَلَا فضَّة يشْتَرونَ بهَا مِنْهُ وَعِنْدهم فضل تمر من قوت سنتهمْ فَرخص لَهُم أَن يشتروا الْعَرَايَا بِخرْصِهَا من التَّمْر يأكلونها رطبا
١٣٧ - (حَدثنَا مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ أخبرنَا مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن زيد بن ثَابت ﵃ أَن رَسُول الله ﷺ َ - رخص فِي الْعَرَايَا أَن تبَاع بِخرْصِهَا كَيْلا)
стр. 3415
مُحَمَّد وَقع كَذَا غير مَنْسُوب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن الْمروزِي المجاور بِمَكَّة وَهُوَ من أَفْرَاده وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف ابْن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمَدِينِيّ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب بيع الزَّبِيب بالزبيب قَوْله " كَيْلا " نصب على التَّمْيِيز أَي من حَيْثُ الْكَيْل (قَالَ مُوسَى بن عقبَة والعرايا نخلات مَعْلُومَات تأتيها فتشتريها) هَذَا تَفْسِيره للعرايا قَالَ الْكرْمَانِي كَيفَ صَحَّ كَلَامه تَفْسِيرا للعرايا وَهُوَ صَادِق على كل مَا يُبَاع فِي الدُّنْيَا من النخلات بِأَيّ غَرَض كَانَ قلت غَرَضه بَيَان أَنَّهَا مُشْتَقَّة من عروت إِذا أتيت وترددت إِلَيْهِ لَا من العرى بِمَعْنى التجرد انْتهى قلت وَتَبعهُ بَعضهم بل أَخذ مِنْهُ بقوله لَعَلَّه أَرَادَ أَن يبين أَنَّهَا مُشْتَقَّة من عروت إِلَى آخِره نَحْو مَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت هَذَا تَوْجِيه بعيد جدا فَأَي شَيْء من كَلَامه هَذَا يُوضح أَن غَرَضه بَيَان الِاشْتِقَاق وَيُمكن أَن يُقَال أَنه اخْتَصَرَهُ للْعلم بِهِ (كمل الْجُزْء الْحَادِي عشر من عُمْدَة الْقَارِي شرح صَحِيح الإِمَام البُخَارِيّ قدس الله سره وَهُوَ أول العقد الثَّانِي ويتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الثَّانِي عشر ومطلعه (بَاب بيع الثِّمَار) نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ التَّوْفِيق لإتمامه على هَذَا الْوَجْه الْحسن وَمَا ذَلِك على الله بعزيز)
стр. 3416
٥٨ - (بابُ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أنْ يبْدُو صَلَاحُهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الثِّمَار، بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة، حمع ثَمَرَة بِفَتْح الْمِيم: وَهُوَ يتَنَاوَل الرطب وَغَيره. قَوْله: (قبل أَن يَبْدُو) ، بِنصب الْوَاو أَي: قبل أَن يظْهر، وَلَا يهمز كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَإِنَّمَا لم يجْزم بِحكم الْمَسْأَلَة بِالنَّفْيِ أَو بالإثبات لقُوَّة الْخلاف فِيهَا بَين الْعلمَاء، فَقَالَ ابْن أبي ليلى وَالثَّوْري: لَا يجوز بيع الثَّمَرَة قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا مُطلقًا، وَمن نقل فِيهِ الْإِجْمَاع فقدوهم، وَقَالَ يزِيد بن أبي حبيب: يجوز مُطلقًا، وَلَو شَرط التبقية. وَمن نقل فِيهِ الْإِجْمَاع أَيْضا فقد وهم. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَمَالك فِي رِوَايَة: إِن شَرط الْقطع لم يبطل وإلَاّ بَطل. وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: يَصح إِن لم يشْتَرط التبقية، وَالنَّهْي مَحْمُول على بيع الثِّمَار قبل أَن يُوجد أصلا. وَقيل: هُوَ على ظَاهره، لَكِن النَّهْي فِيهِ للتنزيه، وَقد ذكرنَا مَذْهَب أَصْحَابنَا وَمذهب مخالفيهم فِي: بَاب بيع الْمُزَابَنَة، بدلائلهم.
٣٩١٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ عنْ أبِي الزِّنادِ كانَ عُرْوَة بنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عنْ سَهْلِ بنِ أبِي حَثْمَةَ الأنْصَارِيِّ منْ بَنِي حارِثَةَ أنَّهُ حَدَّثَهُ عنْ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ النَّاسُ فِي عَهْد رسولِ الله ﷺ يَتَبَايَعُونَ الثِّمارَ فإذَا جَذَّ النَّاس وحَضَرَ تَقاضيهِمْ قَالَ المُبْتَاعُ إنَّهُ أصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَّانُ أصَابَهُ مُرَاضٌ أصَابَهُ قُشَامٌ عاهَات يَحْتَجُّونَ بِها فَقَالَ رسولُ الله ﷺ لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الخُصُومَةُ فِي ذالِكَ فإمَّا لَا فَلَا تَتَبايَعُوا حَتَّى يَبْدُو صلَاحُ الثَّمَرِ كالمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ قَالَ وأخْبرنِي خارِجَةُ ابنُ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ أنَّ زيْدَ بنَ ثَابِتٍ لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ ثِمارَ أرْضِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثرَيَّا فيَتَبَيَّنَ الأصْفَرُ مِنَ الأحْمَرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَا تتبايعوا حَتَّى يَبْدُو صَلَاح الثَّمر) ، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: هُوَ عبد الله بن ذكْوَان، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت غير مَوْصُول.
وَأخرجه أَبُو دَاوُد: حَدثنَا أَحْمد بن صَالح، قَالَ: حَدثنَا عَنْبَسَة بن خَالِد، قَالَ: حَدثنِي يُونُس، قَالَ: سَأَلت أَبَا الزِّنَاد عَن بيع الثَّمر قبل أَن يَبْدُو صَلَاحه، وَمَا ذكر فِي ذَلِك، فَقَالَ: كَانَ عُرْوَة بن الزبير يحدث عَن سهل بن أبي حثْمَة عَن زيد بن ثَابت، قَالَ: كَانَ النَّاس يتبايعون الثِّمَار قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا، فَإِذا جذ النَّاس وَحضر تقاضيهم قَالَ الْمُبْتَاع: قد أصَاب الثَّمر الدمَان وأصابه قشام وأصابه مراض، عاهات يحتجون بهَا، فَلَمَّا كثرت خصومتهم عِنْد
стр. 3417
النَّبِي ﷺ قَالَ رَسُول الله ﷺ ، كالمشورة يُشِير بهَا: فَأَما لَا، فَلَا تتبايعوا الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحه، لِكَثْرَة خصومتهم وَاخْتِلَافهمْ. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي (سنَنه) مَوْصُولا. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ فِي معرض الْجَواب عَن الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا النَّهْي عَن بيع الثِّمَار حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا، الَّتِي احتجت بهَا الشَّافِعِيَّة والمالكية والحنابلة، حَيْثُ قَالُوا: لَا يجوز بيع الثِّمَار فِي رُؤُوس النّخل حَتَّى تحمر أَو تصفر. فَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد قَالَ قوم: إِن النَّهْي الَّذِي كَانَ من رَسُول الله ﷺ عَن بيع الثِّمَار حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا لم يكن مِنْهُ تَحْرِيم ذَلِك، وَلكنه على المشورة مِنْهُ عَلَيْهِم، لِكَثْرَة مَا كَانُوا يختصمون إِلَيْهِ فِيهِ. وَرووا فِي ذَلِك عَن زيد بن ثَابت حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، قَالَ: حَدثنَا أَبُو زرْعَة وهب الله عَن يُونُس بن زيد، قَالَ: قَالَ أَبُو الزِّنَاد: كَانَ عُرْوَة بن الزبير يحدث عَن سهل بن أبي حثْمَة الْأنْصَارِيّ أَنه أخبرهُ أَن زيد بن ثَابت كَانَ يَقُول: كَانَ النَّاس فِي عهد رَسُول الله ﷺ يتبايعون الثِّمَار، فَإِذا جذ النَّاس وَحضر تقاضيهم، قَالَ الْمُبْتَاع: إِنَّه أصَاب الثَّمر العفن والدمان، وأصابه مراق، قَالَ أَبُو جَعْفَر: الصَّوَاب هُوَ مراق، وأصابه قشام، عاهات يحتجون بهَا، والقشام: شَيْء يُصِيبهُ حَتَّى لَا يرطب. قَالَ: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ، لما كثرت عِنْده الْخُصُومَة فِي ذَلِك: فَلَا تتبايعوا حَتَّى يَبْدُو صَلَاح الثَّمر، كالمشورة يُشِير بهَا لِكَثْرَة خصومتهم، فَدلَّ مَا ذكرنَا أَن أول مَا روينَا فِي أول هَذَا الْبَاب عَن رَسُول الله، ﷺ ، من نَهْيه ﷺ عَن بيع الثِّمَار حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا إِنَّمَا كَانَ على هَذَا الْمَعْنى لَا على مَا سواهُ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من بني حَارِثَة) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة، وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد رِوَايَة تَابِعِيّ عَن مثله عَن صَحَابِيّ عَن مثله، وَالْأَرْبَعَة مدنيون. قَوْله: (فِي عهد رَسُول الله ﷺ أَي: فِي زَمَنه وأيامه. قَوْله: (فَإِذا جذ النَّاس) ، بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة أَي: فَإِذا قطعُوا ثَمَر النّخل، وَمِنْه الْجذاذ، وَهُوَ الْمُبَالغَة فِي الْأَمر، كَذَا فِي الرِّوَايَة: جذ، على صِيغَة الثلاثي وَفِي رِوَايَة ابْن ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: أجذ، بِزِيَادَة ألف على صِيغَة الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ. وَمثله، قَالَ النَّسَفِيّ: وَقَالَ ابْن التِّين أَكثر الرِّوَايَات: أجذ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ دخلُوا فِي زمن الْجذاذ، مثل أظلم دخل فِي الظلام، وَفِي (الْمُحكم) : جذ النّخل يجذه جذا وجذاذا وجذاذا: صرمه. قَوْله: (تقاضيهم) ، بالضاد الْمُعْجَمَة، يُقَال: تقاضيت ديني وبديني واستقضيته: طلبت قَضَاهُ. قَوْله: (قَالَ الْمُبْتَاع) ، أَي: المُشْتَرِي، وَهُوَ من الصِّيَغ الَّتِي يشْتَرك فِيهَا الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَالْفرق بِالْقَرِينَةِ. قَوْله: (الدمَان) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم ضَبطه أَبُو عبيد، وَضبط الْخطابِيّ بِضَم أَوله، وَقَالَ عِيَاض: هما صَحِيحَانِ، وَالضَّم رِوَايَة الْقَابِسِيّ وَالْفَتْح رِوَايَة السَّرخسِيّ، قَالَ: وَرَوَاهَا بَعضهم بِالْكَسْرِ، وَذكره أَبُو عبيد عَن ابْن أبي الزِّنَاد بِلَفْظ: الإدمان، زَاد فِي أَوله الْألف، وَفتحهَا وَفتح الدَّال، وَفَسرهُ أَبُو عبيد بِأَنَّهُ فَسَاد الطّلع وتعفنه وسواده، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الدمال، بِاللَّامِ العفن. وَقَالَ الْقَزاز: الدمَان فَسَاد النّخل قبل إِدْرَاكه، وَإِنَّمَا يَقع ذَلِك فِي الطّلع يخرج قلب النَّخْلَة أسود معفونا، وَوَقع فِي رِوَايَة يُونُس: الدمار، بالراء بدل النُّون وَهُوَ تَصْحِيف، قَالَه عِيَاض، وَوَجهه غَيره بِأَنَّهُ أَرَادَ الْهَلَاك، كَأَنَّهُ قَرَأَهُ بِفَتْح أَوله. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَعند أبي دَاوُد فِي رِوَايَة ابْن داسة: الدمار، بالراء كَأَنَّهُ ذهب إِلَى الْفساد المهلك لجميعه الْمَذْهَب لَهُ، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا معنى لَهُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الدمال، بِاللَّامِ فِي آخِره: التَّمْر المتعفن، وَزعم بَعضهم أَنه فَسَاد التَّمْر وعفنه قبل إِدْرَاكه حَتَّى تسود من الدمن، وَهُوَ السرقين، وَالَّذِي فِي (غَرِيب) الْخطابِيّ، بِالضَّمِّ، وَكَأَنَّهُ الْأَشْبَه، لِأَن مَا كَانَ من الأدواء والعاهات فَهُوَ بِالضَّمِّ: كالسعال والزكام والصداع. قَوْله: (أَصَابَهُ مراض) ، كَذَا هُوَ بِضَم الْمِيم عِنْد الْأَكْثَر، قَالَه الْخطابِيّ، لِأَنَّهُ اسْم لجَمِيع الْأَمْرَاض، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والنسفي: مراض بِكَسْر الْمِيم، ويروى: أَصَابَهُ مرض. قَوْله: (قشام) ، بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة، قَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ أَن ينتفض ثَمَر النّخل قبل أَن يصير بلحا. وَقيل: هُوَ أكال يَقع فِي الثَّمر، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ فِي رِوَايَته: والقشام شَيْء يُصِيبهُ حَتَّى لَا يرطب. قَوْله: (أَصَابَهُ ثَالِثا) ، بدل من أَصَابَهُ ثَانِيًا. وَهُوَ بدل من الأول. قَوْله: (عاهات) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف: تَقْدِيره، هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة عاهات، أَي: آفَات وأمراض، وَهُوَ جمع عاهة، وَأَصلهَا عوهة قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَذكره الْجَوْهَرِي فِي الأجوف الواوي، وَقَالَ: العاهة الآفة، يُقَال: عيه الزَّرْع وإيف، وَأَرْض معيوهة، وأعاه الْقَوْم: أَصَابَت ماشيتهم العاهة. وَقَالَ الْأمَوِي: أَعوه الْقَوْم، مثله. قَوْله: (يحتجون بهَا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: جمع لفظ: يحتجون، نظرا إِلَى أَن لفظ الْمُبْتَاع جنس
стр. 3418
صَالح للقليل وَالْكثير انْتهى. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى، وَإِنَّمَا جمعه بِاعْتِبَار الْمُبْتَاع وَمن مَعَه من أهل الْخُصُومَات بِقَرِينَة قَوْله: يتبايعون. قَوْله: (فَأَما لَا) ، أَصله: فَإِن لَا تتركوا هَذِه الْمُبَايعَة، فزيدت كلمة: مَا، للتوكيد، وأدغمت النُّون فِي الْمِيم وَحذف الْفِعْل. وَقَالَ الجواليقي: الْعَوام يفتحون الْألف وَالصَّوَاب كسرهَا، وَأَصله: أَن لَا يكون كَذَلِك الْأَمر فافعل هَذَا، و: مَا، زَائِدَة وَعَن سِيبَوَيْهٍ: أفعل هَذَا إِن كنت لَا تفعل غَيره، لكِنهمْ حذفوا لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاه. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: دخلت: مَا، صلَة كَقَوْلِه : ﴿فإمَّا تَرين من الْبشر أحدا﴾ (مَرْيَم: ٦٢) . فَاكْتفى: بِلَا، من الْفِعْل كَمَا تَقول الْعَرَب: من سلم عَلَيْك فَسلم عَلَيْهِ وَمن لَا، يَعْنِي: وَمن لَا يسلم عَلَيْك فَلَا تسلم عَلَيْهِ، فَاكْتفى، بِلَا، من الْفِعْل وَأَجَازَ: من أكرمني أكرمته، وَمن لَا. . مَعْنَاهُ: من لَا يكرمني لم أكْرمه، وَقد أمالت الْعَرَب: لَا، إمالة خَفِيفَة، والعوام يشبعون إمالتها فَتَصِير ألفها يَاء، وَهُوَ خطأ وَمَعْنَاهُ: إِن لم يكن هَذَا فَلْيَكُن هَذَا، قيل: وَإِنَّمَا يجوز إمالتها لتضمنها الْجُمْلَة، وإلَاّ فَالْقِيَاس أَن لَا تمال الْحُرُوف. وَقَالَ التَّيْمِيّ: قد تكْتب: لَا، هَذِه بلام وياء وَتَكون: لَا، ممالة، وَمِنْهُم من يَكْتُبهَا بِالْألف وَيجْعَل عَلَيْهَا فَتْحة محرفة عَلامَة للإمالة، فَمن كتب بِالْيَاءِ تبع لفظ الإمالة، وَمن كتب بِالْألف تبع أصل الْكَلِمَة. قَوْله: (حَتَّى يَبْدُو صَلَاح الثَّمر) ، صَلَاح الثَّمر هُوَ أَن يصير إِلَى الصّفة الَّتِي يطْلب كَونه على تِلْكَ الصّفة. وَهُوَ بِظُهُور النضج والحلاوة وَزَوَال العفوصة وبالتموه واللين وبالتلون وبطيب الْأكل، وَقيل: هُوَ بِطُلُوع الثريا، وهما متلازمان. قَوْله: (كالمشورة) ، بِفَتْح الْمِيم وَضم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو على وزن فعولة، وَيُقَال بِسُكُون الشين وَفتح الْوَاو على وزن مفعلة. وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ مفعلة لَا مفعولة لِأَنَّهَا مصدر، والمصادر لَا تَجِيء على مِثَال مفعولة، وَقَالَ الْفراء: مشورة قَليلَة، وَزعم صَاحب الثقيف والحريري فِي آخَرين: أَن تسكين الشين فتح الْوَاو مِمَّا لحن فِيهِ الْعَامَّة، وَلَكِن الْفراء نَقله، وَهِي مُشْتَقَّة من شرث الْعَسَل إِذا اجتنيته، فَكَانَ المستشير يجتني الرَّأْي من المشير، وَقيل: أَخذ من قَوْلك: شرت الدَّابَّة، إِذا أجريتها مقبلة ومدبرة لتسبر جريها وتختبر جوهرها، فَكَانَ المستشير يسْتَخْرج الرَّأْي الَّذِي عِنْد المشير، وكلا الإشتقاقين مُتَقَارب مَعْنَاهُ من الآخر، وَالْمرَاد بِهَذِهِ المشورة: أَن لَا يشتروا شَيْئا حَتَّى يتكامل صَلَاح جَمِيع هَذِه الثَّمَرَة لِئَلَّا تجْرِي مُنَازعَة.
قَوْله: (وَأَخْبرنِي) أَي: قَالَ أَبُو الزِّنَاد: وَأَخْبرنِي خَارِجَة بن زيد بن ثَابت، وَإِنَّمَا قَالَ بِالْوَاو عطفا على كَلَامه السَّابِق، وخارجة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْجِيم هُوَ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. قَوْله: (حَتَّى تطلع الثريا) ، وَهُوَ مصغر الثروي، وَصَارَ علما للنجم الْمَخْصُوص، وَالْمعْنَى: حَتَّى تطلع مَعَ الْفجْر، وَقد روى أَبُو دَاوُد من طَرِيق عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: إِذا طلع النَّجْم صباحا رفعت العاهة عَن كل بلد، وَفِي رِوَايَة أبي حنيفَة عَن عَطاء: رفعت العاهة من الثِّمَار والنجم هُوَ الثريا، وطلوعها صباحا يَقع فِي أول فصل الصَّيف، وَذَلِكَ عِنْد اشتداد الْحر فِي بِلَاد الْحجاز وَابْتِدَاء نضج الثِّمَار، وَالْمُعْتَبر فِي الْحَقِيقَة النضج وطلوع النَّجْم عَلامَة لَهُ، وَقد بَينه فِي الحَدِيث بقوله: ويتبين الْأَصْفَر من الْأَحْمَر.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله رَوَاهُ عَلِيُّ بنُ بَحْرٍ. قَالَ حَدثنَا حَكَّامٌ قَالَ حدَّثنا عَنْبَسَة عنْ زَكَرِيَّاءَ عنْ أبِي الزِّنادِ عنْ عُرْوَةَ عنْ سَهْلٍ عنْ زَيْدٍ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى. قَوْله: (رَوَاهُ) ، أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور عَليّ بن بَحر ضد الْبر الْقطَّان الرَّازِيّ وَهُوَ أحد شُيُوخ البُخَارِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وحكام، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ للْمُبَالَغَة: ابْن سلم، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام، وَهُوَ أَيْضا رازي، توفّي سنة تسعين وَمِائَة، وعنبسة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة: ابْن سعيد بن ضريس، بالضاد الْمُعْجَمَة مصغر ضرس كُوفِي، ولي قَضَاء الرّيّ فَعرف بالرازي، وَلَيْسَ لعنبسه هَذَا فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع الْمَوْقُوف، كَذَا لشيخه زَكَرِيَّا بن خَالِد الرَّازِيّ، وَلَا يعرف لَهُ راوٍ غير عَنْبَسَة، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله ابْن ذكْوَان، وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، وَسَهل هُوَ ابْن أبي حثْمَة، وَزيد هُوَ ابْن ثَابت الْأنْصَارِيّ.
وَقد روى أَبُو دَاوُد حَدِيث الْبَاب من طَرِيق عَنْبَسَة بن خَالِد عَن يُونُس بن يزِيد، قَالَ: سَأَلت أَبَا الزِّنَاد عَن بيع الثَّمر قبل أَن يَبْدُو صَلَاحه وَمَا ذكر فِي ذَلِك؟ فَقَالَ: كَانَ عُرْوَة بن الزبير يحدث عَن سهل بن أبي حثْمَة عَن زيد بن ثَابت، قَالَ: كَانَ النَّاس يتبايعون الثِّمَار قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا ... الحَدِيث، فَذكره نَحْو حَدِيث الْبَاب، وعنبسة بن خَالِد هَذَا غير عَنْبَسَة بن سعيد فَافْهَم.
стр. 3419
٤٩١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسفَ قَالَ أخبرنَا مالِك عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عنْ بَيْعِ الثِّمارِ حتَّى يَبْدو صلَاحُها نَهَى الْبَائِعَ والْمُبْتاعَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا بِإِسْنَاد مثل إِسْنَاد البُخَارِيّ.
قَوْله: (نهى عَن بيع الثِّمَار) ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن تصيبها آفَة فتتلف فيضيع مَال صَاحبه. قَوْله: (نهى البَائِع) ، لِأَنَّهُ يُرِيد أكل المَال بِالْبَاطِلِ، وَنهى الْمُبْتَاع أَي: المُشْتَرِي لِأَنَّهُ يُوَافقهُ على حرَام، وَلِأَنَّهُ بصدد تَضْييع لمَاله. وَفِيه أَيْضا: قطع النزاع والتخاصم. وَمُقْتَضى الحَدِيث جَوَاز بيعهَا بعد بَدو الصّلاح مُطلقًا، سَوَاء شَرط الْإِبْقَاء أَو لم يشْتَرط، لِأَن مَا بعد الْغَايَة مُخَالف لما قبلهَا، وَقد جعل النَّهْي ممتدا إِلَى غَايَة بَدو الصّلاح، وَالْمعْنَى فِيهِ: أَن يُؤمن فِيهَا العاهة وتغلب السَّلامَة فيثق المُشْتَرِي بحصولها بِخِلَاف مَا قبل بَدو الصّلاح، فَإِنَّهُ بصدد الْغرَر.
وَاخْتلف السّلف فِي قَوْله: (حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا) هَل المُرَاد مِنْهُ جنس الثِّمَار؟ حَتَّى لَو بدا الصّلاح فِي بُسْتَان من الْبَلَد مثلا جَازَ بيع ثَمَرَة جَمِيع الْبَسَاتِين، وَإِن لم يبد الصّلاح فِيهَا أَو لَا بُد من بَدو الصّلاح فِي كل بُسْتَان على حِدة؟ أَو لَا بُد من بَدو الصّلاح فِي كل جنس على حِدة؟ أَو فِي كل شَجَرَة على حِدة؟ على أَقْوَال. وَالْأول: قَول اللَّيْث، وَهُوَ عِنْد الْمَالِكِيَّة بِشَرْط أَن يكون الصّلاح متلاحقا. وَالثَّانِي: قَول أَحْمد، وَعنهُ فِي رِوَايَة كالرابع، وَالثَّالِث: قَول الشَّافِعِيَّة. قلت: هَذَا كُله غير مُحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد الْحَنَفِيَّة.
٥٩١٢ - حدَّثنا ابْن مُقاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا حُمَيْدٌ الطَّويلُ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهىَ أنْ تُباعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ. قَالَ أبُو عَبْدِ الله يَعْنِي حَتَّى تَحْمَرَّ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: أَبُو الْحسن الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (ثَمَرَة النّخل) ، ذكر النّخل لَيْسَ بِقَيْد، وَإِنَّمَا ذكره لكَونه الْغَالِب عِنْدهم. قَوْله: (حَتَّى تزهو) ، قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: زها النّخل يزهو إِذا ظَهرت ثَمَرَته، وأزهي إِذا احمر واصفر. وَقَالَ غَيره: يزهو خطأ، وَإِنَّمَا يُقَال: يزهي، وَقد حَكَاهُمَا أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ الْخَلِيل: أزهي الثَّمر. وَفِي (الْمُحكم) : الزهو والزهو، الْبُسْر إِذا ظَهرت فِيهِ الْحمرَة، وَقيل: إِذا لون، واحدته زهوة، وأزهي النّخل وزهي: تلون بحمرة وصفرة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الصَّوَاب فِي الْعَرَبيَّة يزهى، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَل حَدِيث الْبَاب وَغَيره يدل على التَّحْرِيم أَو الْكَرَاهَة؟ فبالأول قَالَ الْجُمْهُور، وَإِلَى الثَّانِي صَار أَبُو حنيفَة.
قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، فسر لفظ: تزهو، بقوله: تحمر. قيل: رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ تشعر بِأَن قَائِل ذَلِك هُوَ عبد الله بن الْمُبَارك، فَإِذا صَحَّ هَذَا يكون لفظ: أَبُو، زَائِدا ليبقى: قَالَ عبد الله، وَيكون المُرَاد بِهِ: عبد الله بن الْمُبَارك أحد رُوَاة الحَدِيث الْمَذْكُور.
٦٩١٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ سَليمِ بنِ حَيَّانَ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ مِيناءَ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ نِهىَ النبيُّ ﷺ أنْ تُباعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ فَقِيلَ وَمَا تُشَقِّحُ قَالَ تحمارُّ وتصْفَارُّ ويُؤْكَلُ مِنْها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وسليم، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام: ابْن حَيَّان من الْحَيَاة وَسَعِيد بن ميناء بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون ممدودا ومقصورا، تقدم فِي: بَاب التَّكْبِير على الْجِنَازَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن عبد الله بن هِشَام. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن خَلاد الْبَاهِلِيّ عَن يحيى.
قَوْله: (حَتَّى تشقح) ، بِضَم أَوله وَسُكُون ثَانِيه، قَالَ بَعضهم: من أشقح يشقح إشقاحا إِذا احمر أَو اصفر، والإسم الشقحة، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْقَاف بعْدهَا حاء مُهْملَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: التشقح تغير اللَّوْن إِلَى الصُّفْرَة أَو الْحمرَة، والشقحة لون خلص فِي الْحمرَة. انْتهى. قلت: هَذَا كَمَا ترى جعله بَعضهم من بَاب الْأَفْعَال، وَجعله الْكرْمَانِي من بَاب التفعيل. وَقَالَ ابْن
стр. 3420
الْأَثِير: نهى عَن بيع الثَّمر حَتَّى تشقح، هُوَ أَن يحمر أَو يصفر، يُقَال: أشقحت البسرة وشقحت إشقاحا وتشقيحا، وَالِاسْم الشقحة. قَوْله: (قيل: مَا تشقح؟ . .) إِلَى آخِره هَذَا التَّفْسِير من قَول سعيد بن ميناء رَاوِي الحَدِيث، بيَّن ذَلِك أَحْمد فِي رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث عَن بهز بن أَسد عَن سليم بن حَيَّان أَنه هُوَ الَّذِي سَأَلَ سعيد بن ميناء عَن ذَلِك فَأَجَابَهُ بذلك، وَكَذَلِكَ أخرجه مُسلم من طَرِيق بهز، قَالَ: حَدثنَا سليم بن حَيَّان حَدثنَا سعيد بن ميناء عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن الْمُزَابَنَة والمحاقلة وَالْمُخَابَرَة وَعَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى تشقح. قَالَ: قلت لسَعِيد: مَا تشقح؟ قَالَ: تحمار وتصفار ويؤكل مِنْهَا. وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سليم بن حَيَّان، فَقَالَ فِي رِوَايَته: قلت لجَابِر: مَا تشقح ... ؟ الحَدِيث. قلت: هَذَا يدل على أَن السَّائِل عَن ذَلِك هُوَ سعيد بن ميناء وَالَّذِي فسره هُوَ جَابر. قَوْله: (تحمار وتصفار) ، كِلَاهُمَا من بَاب الافعيلال من الثلاثي الَّذِي زيدت فِيهِ الْألف والتضعيف لِأَن أَصلهمَا: حمر وصفر. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَرَادَ بالإحمرار والإصفرار ظُهُور أَوَائِل الْحمرَة والصفرة قبل أَن يشْبع، وَإِنَّمَا يُقَال: تفعال من اللَّوْن الْغَيْر المتمكن. قلت: فِيهِ نظر، لأَنهم إِذا أَرَادوا فِي لفظ حمر مُبَالغَة يَقُولُونَ: احمرَّ فيزيدون على أصل الْكَلِمَة الْألف والتضعيف، ثمَّ إِذا أَرَادوا الْمُبَالغَة فِيهِ يَقُولُونَ: إحمارَّ، فيزيدون فِيهِ أَلفَيْنِ والتضعيف، واللون الْغَيْر المتمكن هُوَ الثلاثي الْمُجَرّد، أَعنِي: حمر، فَإِذا تمكن يُقَال: احمر، وَإِذا ازْدَادَ فِي التَّمَكُّن يُقَال: احمار، لِأَن الزِّيَادَة تدل على التكثير وَالْمُبَالغَة. وَقَالَ بَعضهم: وَإِنَّمَا يُقَال: يفعال، فِي اللَّوْن الْغَيْر المتمكن إِذا كَانَ يَتلون، وَأنكر هَذَا بعض أهل اللُّغَة، وَقَالَ: لَا فرق بَين يحمر ويحمار. انْتهى. قلت: قَائِل هَذَا مَا مس شَيْئا من علم الصّرْف، وَالتَّحْقِيق فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ.
٦٨ - (بابُ بَيْعِ النَّخْلِ قَبْلَ أنْ يَبْدُو صَلَاحُها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع ثَمَر النّخل، وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التَّرْجَمَة معقودة لحكم بيع الْأُصُول وَالَّتِي قبلهَا لحكم بيع الثِّمَار انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام فَاسد غير صَحِيح، بل كل من الترجمتين معقودة لبيع الثِّمَار: أما التَّرْجَمَة الأولى فَهِيَ قَوْله: بَاب فِي بيع الثِّمَار قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا، وَلم يذكر فِيهِ النّخل ليشْمل ثمار جَمِيع الْأَشْجَار المثمرة، وَهَهُنَا ذكر النّخل، وَالْمرَاد ثَمَرَته وَلَيْسَ المُرَاد عين النّخل، لِأَن بيع عين النّخل لَا يحْتَاج أَن يُقيد ببدو الصّلاح أَو بِعَدَمِهِ، ألَا ترى فِي الحَدِيث يَقُول: وَعَن النّخل حَتَّى تزهو، والزهو صفة الثَّمَرَة لَا صفة عين النّخل، وَالتَّقْدِير عَن: ثَمَر النّخل، فَافْهَم.
٧٩١٢ - حدَّثني عَلِيُّ بنُ الْهَيْثَمِ قَالَ حدَّثنا مُعَلَّى حدَّثنا هُشَيْمٌ قَالَ أخبرنَا حُمَيْدٌ قَالَ حدَّثنا أنَسْ بنُ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ نَهىَ عنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حتَّى يَبْدُو صَلَاحُها وعنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُو قِيلَ وَمَا يَزْهُو قَالَ يحْمَارُّ ويصْفَارُّ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَعَن النّخل) ، أَي: وَعَن ثَمَر النّخل كَمَا ذكرنَا. وَعلي بن الْهَيْثَم، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالثاء الْمُثَلَّثَة: الْبَغْدَادِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَمعلى، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة: ابْن مَنْصُور الرَّازِيّ الْحَافِظ، طلبوه على الْقَضَاء فَامْتنعَ، مَاتَ سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ، وَإِنَّمَا روى عَنهُ فِي (الْجَامِع) بِوَاسِطَة. وهشيم، بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن بشير الوسطي مر فِي التَّيَمُّم. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (حَدثنِي) ، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا عَليّ. قَوْله: (وَعَن النّخل) ، أَي: عَن بيع ثَمَر النّخل، وَهَذَا لَيْسَ بتكرار، لِأَن المُرَاد بقوله: نهى عَن بيع الثَّمَرَة غير ثَمَر النّخل، بِقَرِينَة عطفه عَلَيْهِ، وَلِأَن الزهو مَخْصُوص بالرطب، وَالْبَاقِي قد شرح عَن قريب، وَلم يسم السَّائِل عَن ذَلِك فِي هَذِه الرِّوَايَة وَلَا المسؤول، وَسَيَأْتِي بعد خَمْسَة أَبْوَاب: عَن حميد بِرِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَنهُ، وَفِيه: قُلْنَا لأنس: مَا زهوها؟ قَالَ: تحمر.
стр. 3421
٧٨ - (بابٌ إذَا باعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أنْ يَبْدُو صَلَاحُهَا ثُمَّ أصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَهْوَ مِنَ البَائِعِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا بَاعَ شخص الثِّمَار قبل بَدو صَلَاحهَا ثمَّ أَصَابَته عاهة أَي: آفَة، فَهُوَ من البَائِع أَي: من مَال البَائِع، وَالْفَاء جَوَاب: إِذا، لتضمن معنى الشَّرْط، فَهَذَا يدل على أَن البُخَارِيّ قَائِل بِصِحَّة هَذَا البيع، وَإِن لم يبد صَلَاحه، لِأَنَّهُ: إِذا لم يفْسد فَالْبيع صَحِيح.
٨٩١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكُ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ فَقِيلَ لَهُ ومَا تُزْهِيَ قَالَ حَتَّى تَحْمَرَّ فَقَالَ أرأيْتَ إذَا منَعَ الله الثَّمَرَةَ بِمَ يأخُذْ أحدُكُمْ مالَ أخِيهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله) إِن منع الله الثَّمَرَة. . إِلَى آخِره، لِأَن الثَّمَرَة إِذا أصابتها آفَة وَلم يقبضهَا المُشْتَرِي تكون من ضَمَان البَائِع، فَإِذا قبضهَا المُشْتَرِي فَهُوَ من مَال المُشْتَرِي.
وَفِي هَذَا الْبَاب أَقْوَال للْعُلَمَاء وتفصيل، فَقَالَ ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) : الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على وُجُوه.
الأول: أَن مَا تهلكه الْجَائِحَة من الثِّمَار من ضَمَان البَائِع فِي الْجُمْلَة، وَبِهَذَا قَالَ أَكثر أهل الْمَدِينَة، مِنْهُم: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو عبيد وَجَمَاعَة من أهل الحَدِيث. الثَّانِي: أَن الْجَائِحَة كل آفَة لَا صنع للآدمي فِيهَا: كَالرِّيحِ وَالْبرد وَالْجَرَاد والعطش. الثَّالِث: أَن ظَاهر الْمَذْهَب أَنه: لَا فرق بَين قَلِيل الْجَائِحَة وكثيرها، إلَاّ أَن مَا جرت الْعَادة بِتَلف مثله كالشيء الْيَسِير الَّذِي لَا يَنْضَبِط فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ.
وَقَالَ أَحْمد: إِنِّي لَا أَقُول فِي عشرَة ثَمَرَات وَعشْرين ثَمَرَة لَا أَدْرِي مَا الثُّلُث؟ وَلَكِن إِذا كَانَت جَائِحَة فَوق الثُّلُث أَو الرّبع أَو الْخمس تُوضَع، وَمِنْه رِوَايَة أُخْرَى: إِن مَا كَانَ دون الثُّلُث فَهُوَ من ضَمَان المُشْتَرِي، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يَأْكُل الطَّائِر مِنْهَا وينثر الرّيح وَيسْقط مِنْهَا، فَلم يكن بُد من ضَابِط وحد فاصل بَين هَذَا وَبَين الْجَائِحَة، وَالثلث قد رَأينَا الشَّرْع اعْتَبرهُ فِي مَوَاضِع مِنْهَا: الْوَصِيَّة وعطايا الْمَرِيض، إِذا ثَبت هَذَا فَإِنَّهُ إِذا تلف شَيْء لَهُ قدر خَارج عَن الْعَادة وضع من الثّمن بِقدر الذَّاهِب، وَإِن تلف الْجَمِيع بَطل العقد وَيرجع المُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثّمن، وَإِن تلف الْبَعْض وَكَانَ الثُّلُث فَمَا زَاد وضع بِقسْطِهِ من الثّمن، وَإِن كَانَ دونه لم يرجع بِشَيْء، وَإِن اخْتلفَا فِي الْجَائِحَة أَو فِي قدر مَا أتلفت فَالْقَوْل قَول البَائِع، لِأَن الأَصْل السَّلامَة. انْتهى.
وَقَالَ جُمْهُور السّلف وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد وَأَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَدَاوُد وَأَصْحَابه: مَا ذهب من الثَّمر الْمَبِيع الَّذِي أَصَابَته جَائِحَة من شَيْء، سَوَاء كَانَ قَلِيلا أَو كثيرا بعد قبض المُشْتَرِي إِيَّاه، فَهُوَ ذَاهِب من مَال المُشْتَرِي، وَالَّذِي ذهب فِي يَد البَائِع قبل قبض المُشْتَرِي فَذَاك يبطل الثّمن عَن المُشْتَرِي.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَتَّى تزهى) ، بِضَم التَّاء من الإذهاء. قَالَ الْخطابِيّ: هَذِه الرِّوَايَة هِيَ الصَّوَاب، وَلَا يُقَال فِي النّخل: يزهو، وَإِنَّمَا يُقَال: يزهى، لَا غير، ورد عَلَيْهِ غَيره فَقَالَ: زهى إِذا طَال واكتمل، وأزهى إِذا احمر واصفر. قَوْله: (فَقيل لَهُ: وَمَا تزهى؟) لم يسم السَّائِل فِي هَذِه الرِّوَايَة وَلَا المسؤول أَيْضا، وَقد رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن مَالك بِلَفْظ: قيل. يَا رَسُول الله! وَمَا تزهى؟ قَالَ: حَتَّى تحمرَّ، وَهَكَذَا أخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيق يحيى بن أَيُّوب وَأَبُو عوَانَة من طَرِيق سُلَيْمَان ابْن بِلَال، كِلَاهُمَا عَن حميد، وَظَاهره الرّفْع، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَغَيره عَن حميد مَوْقُوفا على أنس، كَمَا مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: رَسُول الله ﷺ ، ويروى: فَقَالَ رَسُول الله أَرَأَيْت أَي أَخْبرنِي؟ قَالَ أهل البلاغة: هُوَ من بَاب الْكِنَايَة، حَيْثُ استفهم وَأَرَادَ الْأَمر. قَوْله: (إِذا منع الله الثَّمَرَة) إِلَى آخِره، هَكَذَا صرح مَالك بِرَفْع هَذِه الْجُمْلَة، وَتَابعه مُحَمَّد ابْن عباد عَن الدَّرَاورْدِي عَن حميد مُقْتَصرا على هَذِه الْجُمْلَة الْأَخِيرَة، وَجزم الدَّارَقُطْنِيّ وَغير وَاحِد من الْحفاظ بِأَنَّهُ أَخطَأ فِيهِ، وَبِذَلِك جزم ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) عَن أَبِيه وَأبي زرْعَة، وَالْخَطَأ فِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز من مُحَمَّد بن عباد، فقد رَوَاهُ إِبْرَاهِيم ابْن حَمْزَة عَن الدَّرَاورْدِي كَرِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر الْآتِي ذكرهَا، وَرَوَاهُ مُعْتَمر بن سُلَيْمَان وَبشر بن الْمفضل عَن حميد
стр. 3422
فَقَالَ فِيهِ: قَالَ: أَفَرَأَيْت ... إِلَى آخِره، قَالَ: فَلَا أَدْرِي أنس قَالَ بِمَ يسْتَحل أَو حدث بِهِ عَن النَّبِي ﷺ ؟ أخرجه الْخَطِيب فِي (المدرج) وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن حميد فعطفه على كَلَام أنس فِي تَفْسِير قَوْله: تزهى، وَظَاهره الْوَقْف. وَأخرجه الجوزقي من طَرِيق زيد بن هَارُون والخطيب من طَرِيق أبي خَالِد الْأَحْمَر، كِلَاهُمَا عَن حميد بِلَفْظ، قَالَ: أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة ... الحَدِيث وَرَوَاهُ ابْن الْمُبَارك وهشيم، كَا تقدم آنِفا عَن حميد، فَلم يذكرَا هَذَا الْقدر الْمُخْتَلف فِيهِ، وتابعهما جمَاعَة من أَصْحَاب حميد عَنهُ على ذَلِك، قيل: وَلَيْسَ فِي جَمِيع مَا تقدم مَا يمْنَع أَن يكون التَّفْسِير مَرْفُوعا، لِأَن مَعَ الَّذِي رَفعه زِيَادَة علم عَن مَا عِنْد الَّذِي وَقفه، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الَّذِي وَقفه مَا يَنْفِي قَول من رَفعه. قَوْله: (بِمَ يَأْخُذ أحدكُم مَال أَخِيه؟) أَي: بِأَيّ شَيْء يَأْخُذ أحدكُم مَال أَخِيه إِذا تلف الثَّمر، لِأَنَّهُ إِذا تلف الثَّمر لَا يبْقى للْمُشْتَرِي فِي مُقَابلَة مَا دفع شَيْء، فَيكون أَخذ البَائِع بِالْبَاطِلِ، ويروى: بِمَ يسْتَحل أحدكُم مَال أَخِيه وَفِيه إِجْرَاء الحكم على الْغَالِب لِأَن تطرق التّلف إِلَى مَا بدا صَلَاحه مُمكن، وَعدم تطرقه إِلَى مَا لم يبد صَلَاحه مُمكن، فأنيط الحكم فِي الْغَالِب فِي الْحَالين.
٩٩١٢ - قَالَ اللَّيْثُ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ لَوْ أنَّ رجُلاً ابْتَاعَ تَمْرا قَبْلَ أنْ يَبْدُو صَلَاحُهُ ثُمَّ أصابَتْهُ عاهَةٌ كانَ مَا أصَابَهُ عَلى رَبِّهِ قَالَ أخبرنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا ولَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بالتَّمْرِ. .
أَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق عَن اللَّيْث بن سعد عَن يُونُس بن يزِيد أَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ استنبط الحكم المترجم بِهِ من الحَدِيث.
قَوْله: (ابْتَاعَ) ، أَي: اشْترى. قَوْله: (ثمرا) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة. قَوْله: (عاهة) ، أَي: آفَة. قَوْله: (على ربه) ، أَي: وَاقع على صَاحبه وَهُوَ بَائِعه مَحْسُوب عَلَيْهِ، وَفهم من هَذَا أَن الزُّهْرِيّ أطلق كَلَامه وَلم يفصل هَل كَانَ حُصُول العاهة قبل قبض المُشْتَرِي أَو بعده، فمذهب الْحَنَفِيَّة بالتفصيل كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَقبض المُشْتَرِي الثِّمَار فِي رُؤُوس النّخل يكون بِالتَّخْلِيَةِ بِأَن يخلى البَائِع بَين المُشْتَرِي وَبَينهَا وإمكانه إِيَّاه مِنْهَا. قَوْله: (أَخْبرنِي) من كَلَام الزُّهْرِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عبد الله: أَن رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا تتبايعوا الثَّمر ... إِلَى آخِره، فَكَأَن الزُّهْرِيّ استنبط مَا قَالَه من عُمُوم النَّهْي، وَقد مضى هَذَا فِي: بَاب بيع الْمُزَابَنَة، فَإِنَّهُ قَالَ: حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا تَبِيعُوا الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمر بِالتَّمْرِ. .) الحَدِيث. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لَا تَبِيعُوا الثَّمر) بالثاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْمِيم. قَوْله: (بِالتَّمْرِ) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْمِيم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا عَام خصص بالعرايا. قلت: قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن هَذَا الْعَام على عُمُومه، وَأَن بيع الْعَرَايَا حكم مُسْتَقل بِذَاتِهِ لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء ليخرج من عُمُوم الحَدِيث الْمَذْكُور.
٨٨ - (بابُ شِرَاءِ الطَّعَامِ إِلَى أجَلٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شِرَاء الطَّعَام إِلَى أجل.
٠٠٢٢ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفصِ بنِ غِياثٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ ذَكَرْنا عِنْدَ إبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ فَقَالَ ل اَ بَأسَ بِهِ ثُمَّ حَدثنَا عنِ الأسْوَدِ عَن عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعاما مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى إجَلٍ فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اشْترى طَعَاما من يَهُودِيّ إِلَى أجل) وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي: بَاب شِرَاء النَّبِي ﷺ بِالنَّسِيئَةِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُعلى بن أَسد عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش، وَهُوَ سُلَيْمَان. وَهنا أخرجه: عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم هوالنخعي. قَوْله: (فِي السّلف) أَي: السّلم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.
стр. 3423
٩٨ - (بابٌ إذَا أرادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْر مِنْهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أَرَادَ الشَّخْص بيع تمر بِتَمْر خير من ثمره، وَكِلَاهُمَا بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْمِيم، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: مَاذَا يضع حَتَّى يسلم من الرِّبَا؟
٢٠٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مالِكٍ عنْ عَبْدِ المَجِيدِ بن سُهَيْلِ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ اسْتَعْمَلَ رجُلاً عَلَى خَيْبَرَ فجاءَهُ بِتَمْرٍ جِنيبٍ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أكُلُّ تَمْر خَيْبَرَ هَكَذَا قَالَ لَا وَالله يَا رسولَ الله إنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بالصَّاعَيْنِ بالثَّلاثَةِ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ لَا تَفْعَلْ بِعْ الجَمْعَ بالدَّرَاهِمُ ثُمَّ ابْتَعْ بالدَّرَاهِمِ جَنِيبا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (بِعْ الْجمع جنيبا) ، فَإِنَّهُ أسلم من الرِّبَا، فَإِن التَّمْر كُله جنس وَاحِد فَلَا يجوز بيع صَاع مِنْهُ بِصَاع من تمر آخر إلَاّ سَوَاء بِسَوَاء، فَلَا يجوز بالتفاضل. وَعبد الْمجِيد بن سُهَيْل مصغر سهل، ضد الصعب ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ الْمدنِي، يكنى أَبَا وهب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْوكَالَة عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الْمَغَازِي عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَفِي نُسْخَة عَن القعْنبِي، ثَلَاثَتهمْ، أَعنِي قُتَيْبَة وَعبد الله بن يُوسُف وَإِسْمَاعِيل عَن مَالك، وَأخرجه فِي الِاعْتِصَام عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أَخِيه عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، كِلَاهُمَا عَن عبد الْمجِيد الْمَذْكُور عَنهُ عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد ابْن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك وَعَن نصر بن عَليّ وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، كِلَاهُمَا عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن سعيد عَن قَتَادَة عَنهُ عَن أبي سعيد بِمَعْنَاهُ، وَلم يذكر أَبَا هُرَيْرَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن سعيد بن الْمسيب) ، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال: عَن عبد الْمجِيد أَنه سمع سعيد بن الْمسيب، أخرجه البُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام. قَوْله: (عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعَن أبي هُرَيْرَة) ، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان الْمَذْكُور أَن أَبَا سعيد وَأَبا هُرَيْرَة حَدَّثَاهُ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: ذِكرُ أبي هُرَيْرَة لَا يُوجد فِي هَذَا الحَدِيث إلَاّ لعبد الْمجِيد، وَقد رَوَاهُ قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي سعيد وَحده، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جمَاعَة من أَصْحَاب أبي سعيد عَنهُ. قَوْله: (اسْتعْمل رجلا) قيل: هُوَ سَواد بن غزيَّة، وَقيل: مَالك بن صعصعة، ذكره الْخَطِيب. قلت: سَواد، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: ابْن غزيَّة، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الزَّاي وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف على وزن عَطِيَّة ابْن وهب حَلِيف الْأَنْصَار، وَهُوَ الَّذِي أسر يَوْمئِذٍ خَالِد بن هِشَام وَمَالك بن صعصعة الخزرجي ثمَّ الْمَازِني. قَوْله: (تمر جنيب) ، بِفَتْح الْجِيم وَكسر النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، قَالَ مَالك: هُوَ الكبيس، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هُوَ الطّيب، وَقيل: الصلب، وَقيل: الَّذِي أخرج مِنْهُ حشفه ورديئه، وَقَالَ التَّيْمِيّ: هُوَ تمر غَرِيب غير الَّذِي كَانُوا يعهدونه، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ نوع من التَّمْر، وَهُوَ أَجود تمورهم، وَهُوَ بِخِلَاف الْجمع بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وَهُوَ كل لون من النّخل لَا يعرف اسْمه، وَقيل: هُوَ تمر مختلط من أَنْوَاع مُتَفَرِّقَة وَلَيْسَ مرغوبا فِيهِ، وَلَا يخْتَلط إلَاّ لرداءته. قَوْله: (بالصاعين) ، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان: بالصاعين من الْجمع، أَي: غير الصاعين اللَّذين هما عوض الصَّاع الَّذِي هُوَ من الجنيب، وَكَون الْمعرفَة الْمُعَادَة عين الأول عِنْد عدم الْقَرِينَة على الْمُغَايرَة، وَهُوَ كَقَوْلِه: ﴿تؤتي الْملك من تشَاء﴾ (آل عمرَان: ٦٢) . فَإِنَّهُ فِيهِ غير الأول. قَوْله: (بِالثَّلَاثَةِ) ، كَذَا وَفِي رِوَايَة القايسي بِالتَّاءِ وَفِي رِوَايَة أكثرين بِالثلَاثِ بِلَا تَاء وَكِلَاهُمَا جَائِز لِأَن الصَّاع يذكر وَيُؤَنث قَوْله (لَا تفعل) وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان: وَلَكِن مثلا بِمثل، أَي: بِعْ الْمثل بِالْمثلِ، وَزَاد فِي آخِره: وَكَذَلِكَ الْمِيزَان، أَي: فِي بيع مَا يُوزن من المقتات بِمثلِهِ. قَوْله: (بِعْ الْجمع) ، أَي: التَّمْر الَّذِي يُقَال لَهُ: (الْجمع بِالدَّرَاهِمِ، ثمَّ ابتع) أَي: ثمَّ اشترِ بِالدَّرَاهِمِ جنيبا، وَأمره ﷺ بذلك ليَكُون بصفقتين، فَلَا يدْخلهُ الرِّبَا.
стр. 3424
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن عبد الْبر: لَا خلاف بَين أهل الْعلم فِي أَن مَا دخل فِي الْجِنْس الْوَاحِد من جنس التَّفَاضُل وَالزِّيَادَة لم تجز فِيهِ الزِّيَادَة، لَا فِي كيل وَلَا فِي وزن، وَالْوَزْن والكيل فِي ذَلِك سَوَاء عِنْدهم إِلَّا أَن كَانَ أَصله الْكل لَا يُبَاع إِلَّا كَيْلا وَمَا كَانَ أَصله الْوَزْن لَا يُبَاع إلَاّ وزنا، وَمَا كَانَ أَصله الْكَيْل فَبيع وزنا فَهُوَ عِنْدهم مماثلة، وَإِن كَرهُوا ذَلِك. وَمَا كَانَ مَوْزُونا فَلَا يجوز أَن يُبَاع كَيْلا عِنْد جَمِيعهم، لِأَن الْمُمَاثلَة لَا تدْرك بِالْكَيْلِ إلَاّ فِيمَا كَانَ كَيْلا لَا وزنا اتبَاعا للسّنة، وَأَجْمعُوا أَن الذَّهَب وَالْوَرق والنحاس وَمَا أشبهه لَا يجوز يَبِيع شىء كُله كَيْلا لكيل يُوَجه من الْوُجُوه وَالتَّمْر كُله على اخْتِلَاف انواعه جنس وَاحِد لَا يجوز فِيهِ التَّفَاضُل فِي البيع والمعاوضة، وَكَذَلِكَ الْبر وَالزَّبِيب، وكل طَعَام مَكِيل، هَذَا حكم الطَّعَام المقتات عِنْد مَالك. وَعند الشَّافِعِي: الطَّعَام كُله مقتات أَو غير مقتات، وَعند الْكُوفِيّين: الطَّعَام الْمكيل وَالْمَوْزُون دون غَيره، وَقد احْتج بِحَدِيث الْبَاب من أجَاز بيع الطَّعَام من رجل نَقْدا ويبتاع مِنْهُ طَعَاما قبل الِافْتِرَاق وَبعده، لِأَنَّهُ ﷺ لم يخص فِيهِ بَائِع الطَّعَام وَلَا مبتاعه من غَيره، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَأبي ثَوْر، وَلَا يجوز هَذَا عِنْد مَالك. وَقَالَ ابْن بطال: وَزعم قوم أَن بيع الْعَامِل الصاعين بالصاع كَانَ قبل نزُول آيَة الرِّبَا، وَقبل إخبارهم بِتَحْرِيم التَّفَاضُل بذلك، فَلذَلِك لم يَأْمُرهُ بفسخه. قَالَ: وَهَذِه غَفلَة، لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي غَنَائِم خَيْبَر للسعدين: أريتما فَردا، وَفتح خَيْبَر مقدم على مَا كَانَ بعد ذَلِك مِمَّا وَقع فِي ثَمَرهَا وَجَمِيع أمرهَا وَقد احْتج بعض الشَّافِعِيَّة بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْعينَة لَيست حَرَامًا، يَعْنِي: الْحِيلَة الَّتِي يعملها بَعضهم توصلاً إِلَى مَقْصُود الرِّبَا، بِأَن يُرِيد أَن يُعْطِيهِ مائَة دِرْهَم بمائتين، فيبيعه ثوبا بمائتين ثمَّ يَشْتَرِي مِنْهُ بِمِائَة، وَدَلِيل هَذَا من الحَدِيث أَن النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ: بِعْ هَذَا واشتر بِثمنِهِ من هَذَا، وَلم يفرق بَين أَن يَشْتَرِي من المُشْتَرِي أَو من غَيره، فَدلَّ على أَنه لَا فرق. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا كُله لَيْسَ بِحرَام عِنْد الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَآخَرين، وَقَالَ مَالك وَأحمد: هُوَ حرَام، وَفِي الحَدِيث حجَّة على من يَقُول: إِن بيع الرِّبَا جَائِز بِأَصْلِهِ من حَيْثُ إِنَّه بيع مَمْنُوع بوصفه من حَيْثُ هُوَ رَبًّا، فَيسْقط الرِّبَا وَيصِح البيع. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلَو كَانَ على مَا ذكر لما فسخ رَسُول الله، ﷺ ، هَذِه الصَّفْقَة، وَلَا أَمر برد الزِّيَادَة على الصَّاع. وَفِيه: جَوَاز اخْتِيَار طيب الطَّعَام، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَفِي التَّخْيِير لَهُ، ﷺ ، التَّمْر الطّيب وإقرارهم عَلَيْهِ دَلِيل على أَن النَّفس يرفق بهَا لحقها، وَهُوَ عكس مَا يصنعه جهال المتزهدين من حملهمْ على أنفسهم مَا لَا يُطِيقُونَ، جهلا مِنْهُم بِالسنةِ. وَفِيه: جَوَاز الْوكَالَة فِي البيع وَغَيره. وَفِيه: أَن الْبيُوع الْفَاسِدَة تُرَدُّ.
٠٩ - (بابُ منْ باعَ نَخْلاً قَدْ أُبِرَّتْ أوْ أرْضا مزْرُوعَةً أوْ بإجَارةٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من بَاعَ نخلا، وَالنَّخْل اسْم جنس يذكر وَيُؤَنث، وَالْجمع: نخيل. قَوْله: (قد أُبِرَّت) ، جملَة وَقعت صفة لقَوْله: نخلا، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة من التَّأْبِير، وَهُوَ التشقيق والتلقيح، وَمَعْنَاهُ: شقّ طلع النَّخْلَة الْأُنْثَى ليذر فِيهِ شَيْء من طلع النَّخْلَة الذّكر، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يُقَال: أبرت النَّخْلَة آبرها، بِكَسْر الْبَاء وَضمّهَا، فَهِيَ: مأبورة، وإبار كل ثَمَر بِحَسبِهِ، وَبِمَا جرت عَادَتهم فِيهِ بِمَا يثبت ثمره ويعقده، وَقد يعبر بالتأبير عَن ظُهُور الثَّمَرَة وَعَن انْعِقَادهَا، وَأَن يفعل فِيهَا شَيْء. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَبرته آبره أبرا وإبرا بِالتَّخْفِيفِ كأكلته أكلا. وأبرته بِالتَّشْدِيدِ أُؤبره تأبيرا، كعلمته أعلمهُ تَعْلِيما، والإبار: شقّ طلع النَّخْلَة سَوَاء خطّ فِيهِ شَيْء أم لَا، وَلَو تأبرت بِنَفسِهَا أَي: تشققت فَحكمهَا فِي البيع حكم المؤبرة بِفعل الْآدَمِيّ. قَوْله: (أَو أَرضًا) أَو بَاعَ أَرضًا مزروعة. قَوْله: (أَو بِإِجَارَة) ، عطف على: بَاعَ بِتَقْدِير فعل مُقَدّر تَقْدِيره: أَو أَخذ بِإِجَارَة، وَجَوَاب: مَن، مَحْذُوف تَقْدِيره: فثمرتها للَّذي أبرها، وَلم يذكرهُ اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث. قَالَ أبُو عَبْدِ الله وَقَالَ لِي إبراهِيمُ أخبرنَا هِشامٌ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ أبِي مُلَيْكَةَ يُخَبِّرُ عنْ نافِعٍ مَوْلَى ابْن عُمَرَ أنَّ أيَّما نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبِرَّتْ لَمْ يُذْكَر الثَّمَرُ فالثَّمَرُ لِلَّذِي أبَرَّهَا وكَذَلِكَ الْعَبْدُ والحَرْثُ سَمَّى لَهُ نافِعٌ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نخل بِيعَتْ قد أُبرت) . فَإِن قلت: للتَّرْجَمَة ثَلَاثَة أَجزَاء: الأول: بيع النّخل المؤبرة. وَالثَّانِي: بيع الأَرْض
стр. 3425
المزروعة. وَالثَّالِث: الْإِجَارَة، فَأَيْنَ مُطَابقَة الحَدِيث لهَذِهِ الْأَجْزَاء؟ قلت: قَوْله: (نخل بِيعَتْ قد أبرت) مُطَابق للجزى الأول. وَقَوله: والحرث، هُوَ الزَّرْع مُطَابق للجزء الثَّانِي، فالزرع للْبَائِع إِذا بَاعَ الأَرْض المزروعة وَيفهم مِنْهُ أَنه: إِذا آجر أرضه وفيهَا زرع فالزرع لَهُ، وَإِن كَانَت الْإِجَارَة فَاسِدَة عندنَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَقَالَ خُوَاهَر زَاده: إِن كَانَ الزَّرْع قد أدْرك جَازَت الْإِجَارَة، وَيُؤمر الْآجر بالحصاد وَالتَّسْلِيم، فعلى كل حَال فالزرع للمؤجر، وَهَذَا مُطَابق للجزء الثَّالِث، وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح قد تنبه لهَذَا مَعَ دَعْوَى بَعضهم الدَّعَاوَى العريضة فِي هَذَا الْفَنّ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن يُوسُف ين يزِيد بن زادان الْفراء، هَكَذَا نسبه فِي (التَّلْوِيح) . وَقَالَ بَعضهم: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الرَّازِيّ، وَقَالَ الْمزي: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر.
إِذا قَالَت حذام فصدقوها!
الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَقَالَ الْمزي: هِشَام هَذَا هُوَ ابْن سُلَيْمَان بن عِكْرِمَة بن خَالِد بن الْعَاصِ الْقرشِي المَخْزُومِي. الثَّالِث: عبد الْملك ابْن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم: واسْمه زُهَيْر بن عبد الله. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: الْأَخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن إِبْرَاهِيم رازي وَأَن هشاما صنعاني قاضيها، وَكَانَ من الْأَبْنَاء، وَأَن ابْن جريج وَابْن أبي مليكَة مكيان، وَأَن نَافِعًا مدنِي، وَهَذَا الْأَثر من أَفْرَاده.
ذكر حكمه: أما حكمه أَولا: فَإِنَّهُ ذكر هَذَا عَن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور على سَبِيل المحاورة والمذاكرة حَيْثُ قَالَ: قَالَ لي إِبْرَاهِيم، وَلم يقل: حَدثنِي، وَقد تقدم غير مرّة أَن قَول البُخَارِيّ عَن شُيُوخه بِهَذِهِ الصِّيغَة يدل على أَنه أَخذه مِنْهُم فِي حَالَة المذاكرة. وَأما ثَانِيًا: فَإِنَّهُ مَوْقُوف على نَافِع، لِأَن ابْن جريج رَوَاهُ عَن نَافِع، هَكَذَا مَوْقُوفا. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الطرقي: الصَّحِيح من رِوَايَة نَافِع مَا اقْتصر عَلَيْهِ فِي هَذَا الحَدِيث من التَّأْبِير خَاصَّة، قَالَ: وَحَدِيث العَبْد يَعْنِي: من ابْتَاعَ عبدا وَله مَال فَمَاله للْبَائِع إلَاّ أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع، يذكرهُ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: وَقد رَوَاهُ عَن نَافِع عبد ربه بن سعيد وَبُكَيْر بن الْأَشَج، فجمعا بَين الْحَدِيثين مثل رِوَايَة سَالم وَعِكْرِمَة بن خَالِد فَإِنَّهُمَا رويا الْحَدِيثين جَمِيعًا عَن ابْن عمر عَن النَّبِي، ﷺ . وَقَالَ أَبُو عمر: اتّفق نَافِع وَسَالم عَن ابْن عمر مَرْفُوعا فِي قصَّة النّخل، وَاخْتلفَا فِي قصَّة العَبْد: رَفعهَا سَالم ووقفها نَافِع على عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَنَافِع يروي حَدِيث النّخل عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي، ﷺ ، وَحَدِيث العَبْد عَن ابْن عمر مَوْقُوفا. قيل: وَحَدِيث الْحَرْث لم يروه غير ابْن جريج، وَوصل مَالك وَاللَّيْث وَغَيرهمَا عَن نَافِع عَن ابْن عمر قصَّة النّخل دون غَيرهَا، وَاخْتلف على نَافِع وَسَالم فِي رفع مَا عدا النّخل، فَرَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه مَرْفُوعا فِي قصَّة النّخل وَالْعَبْد مَعًا، وروى مَالك وَاللَّيْث وَأَيوب وَعبيد الله بن عمر وَغَيرهم عَن نَافِع عَن ابْن عمر قصَّة النّخل، وَعَن ابْن عمر عَن عمر قصَّة العَبْد مَوْقُوفَة، كَذَلِك أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق مَالك بالإسنادين مَعًا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَيّمَا نخل) ، كلمة: أَي، تَجِيء لمعان خَمْسَة، أَحدهَا: للشّرط نَحْو ﴿أيّا مَا تَدْعُو فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ (الْإِسْرَاء: ١١) . وَهنا كَذَلِك تَقْدِيره: أَي نخل من النخيل بِيعَتْ، فَلذَلِك دخلت الْفَاء فِي جوابها، وَهُوَ قَوْله: (فالثمر للَّذي أبرها) ، وَذكر النّخل لَيْسَ بِقَيْد، وَإِنَّمَا ذكر لأجل أَن سَبَب وُرُود الحَدِيث كَانَ فِي النّخل وَهُوَ الظَّاهِر، وإمَّا لِأَن الْغَالِب فِي أَشْجَارهم كَانَ النّخل، وَفِي مَعْنَاهُ كل ثَمَر بارز يرى فِي الشّجر: كالعنب والتفاح إِذْ أبيع أصُول الشّجر لم تدخل هَذِه الثِّمَار فِي بيعهَا إلَاّ أَن يشْتَرط. قَوْله: (بِيعَتْ) ، بِكَسْر الْبَاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (قد أبرت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا، وَقعت حَالا، وَالْجُمْلَة الَّتِي قبلهَا صفة، وَكَذَلِكَ قَوْله: (لم يذكر الثَّمر) ، جملَة حَالية قيد بهَا لِأَنَّهُ إِذا ذكر الثَّمر لأحد من الْمُتَعَاقدين فَهُوَ لَهُ بِمُقْتَضى الشَّرْط. قَوْله: (وَكَذَلِكَ العَبْد) ، يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: إِذا بِيعَتْ الْأُم الْحَامِل وَلها ولد رَقِيق مُنْفَصِل فَهُوَ للْبَائِع، وَإِن كَانَ جَنِينا لم يظْهر فَهُوَ للْمُشْتَرِي. وَالثَّانِي: إِذا بيع العَبْد وَله مَال على مَذْهَب من يَقُول: إِنَّه يملك فَإِنَّهُ للْبَائِع، وروى مُسلم قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد، قَالَ: حَدثنَا لَيْث عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من ابْتَاعَ نخلا
стр. 3426
قبل أَن تؤبر فثمرتها للَّذي بَاعهَا إلَاّ أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع، وَمن ابْتَاعَ عبدا لَهُ فَمَاله للَّذي بَاعه إلَاّ أَن يَشْتَرِطه الْمُبْتَاع) . قَوْله: (والحرث) ، أَي: الزَّرْع فَإِنَّهُ للْبَائِع إِذا بَاعَ الأَرْض المزروعة. قَوْله: (سمى لَهُ نَافِع) أَي: سمى لِابْنِ جريج هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، أَي: التَّمْر وَالْعَبْد والحرث، وَهُوَ بِتَمَامِهِ مَوْقُوف على نَافِع.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: أَخذ بِظَاهِر هَذَا وبظاهر حَدِيث ابْن عمر الْمَرْفُوع الَّذِي هُوَ عقيب هَذَا كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَالك وَالشَّافِعِيّ وَاللَّيْث وَأحمد وَإِسْحَاق، فَقَالُوا: من بَاعَ نخلا قد أبرت وَلم يشْتَرط ثَمَرَته الْمُبْتَاع فالثمرة للْبَائِع، وَهِي فِي النّخل متروكة إِلَى الْجذاذ، وعَلى البَائِع السَّقْي وعَلى المُشْتَرِي تخليته وَمَا يَكْفِيهِ من المَاء، وَكَذَلِكَ إِذا بَاعَ الثَّمَرَة دون الأَصْل فعلى البَائِع السَّقْي. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: سَوَاء أبرت أَو لم تؤبر هِيَ للْبَائِع وَللْمُشْتَرِي أَن يُطَالِبهُ بقلعها عَن النّخل فِي الْحَال، وَلَا يلْزمه أَن يصبر إِلَى الْجذاذ فَإِن اشْترط البَائِع فِي البيع ترك الثَّمَرَة إِلَى الْجذاذ فَالْبيع فَاسد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تَعْلِيق الحكم بالإبار إمَّا للتّنْبِيه لَهُ على مَا لم يؤبر، أَو لغير ذَلِك، أَو لم يقْصد بِهِ نفي الحكم عَمَّا سوى الحكم الْمَذْكُور.
وتلخيص مَأْخَذ اخْتلَافهمْ فِي الحَدِيث أَن أَبَا حنيفَة اسْتعْمل الحَدِيث لفظا ومعقولاً، وَاسْتَعْملهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ لفظا ودليلا وَلَكِن الشَّافِعِي يسْتَعْمل دلَالَته من غير تَخْصِيص، ويستعملها مَالك مخصصة. وَبَيَان ذَلِك أَن أَبَا حنيفَة جعل الثَّمَرَة للْبَائِع فِي الْحَالين، وَكَأَنَّهُ رأى أَن ذكر الإبار تَنْبِيه على مَا قبل الإبار، وَهَذَا الْمَعْنى يُسمى فِي الْأُصُول: مَعْقُول الْخطاب، وَاسْتَعْملهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ على أَن الْمَسْكُوت عَنهُ حكمه حكم الْمَنْطُوق، وَهَذَا يُسَمِّيه أهل الْأُصُول دَلِيل الْخطاب، وَقَول الثَّوْريّ وَأهل الظَّاهِر وفقهاء أَصْحَاب الحَدِيث كَقَوْل الشَّافِعِي، وَقَول الْأَوْزَاعِيّ نَحْو قَول أبي حنيفَة، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: سَوَاء أبرت، أَو لم تؤبر الثَّمَرَة للْمُشْتَرِي، اشْترط أَو لم يشْتَرط، قَالَ أَبُو عمر: إِنَّه خَالف لحَدِيث ورده جهلا بِهِ.
الثَّانِي: أَن الْمَالِكِيَّة استدلت بِهِ على كَون الثَّمَرَة مَعَ الْإِطْلَاق للْبَائِع بعد الإبار إلَاّ أَن يشْتَرط، وَأَنَّهَا قبل الإبار للْمُشْتَرِي. قلت: كَأَن مَالِكًا يرى أَن ذكر الإبار هَهُنَا لتعليق الحكم ليدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ.
الثَّالِث: قَالَ مَالك: إِذا لم يشْتَرط المُشْتَرِي الثَّمَرَة فِي شِرَاء الأَصْل جَازَ لَهُ شراؤها بعد شِرَاء الأَصْل، وَهَذَا مَشْهُور قَوْله، وَعنهُ: أَنه لَا يجوز لَهُ إفرادها بِالشِّرَاءِ مَا لم تطب، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي.
الرَّابِع: اسْتدلَّ بِهِ أَشهب من الْمَالِكِيَّة على جَوَاز اشْتِرَاط بعض الثَّمر، وَقَالَ: يجوز لمن ابْتَاعَ نخلا قد أبرت أَن يشْتَرط من الثَّمر نصفهَا أَو جُزْءا مِنْهَا، وَكَذَلِكَ فِي مَال العَبْد، لِأَن مَا جَازَ اشْتِرَاط جَمِيعه جَازَ اشْتِرَاط بعضه، وَمَا لم يدْخل الرِّبَا فِي جَمِيعه فأحرى أَن لَا يدْخل فِي بعضه. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَا يجوز لمبتاع النّخل المؤبر أَن يشْتَرط مِنْهَا جُزْءا، وَإِنَّمَا لَهُ أَن يشْتَرط جَمِيعهَا أَو لَا يشْتَرط شَيْئا مِنْهَا.
الْخَامِس: استدلت بِهِ أَصْحَابنَا على أَن من بَاعَ رَقِيقا وَله مَال أَن مَاله لَا يدْخل فِي البيع، وَيكون للْبَائِع إلَاّ أَن يَشْتَرِطه الْمُبْتَاع.
السَّادِس: اسْتدلَّ بِهِ على أَن المؤبر يُخَالف فِي الحكم غير المؤبر، وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: لَو بَاعَ نَخْلَة بَعْضهَا مؤبر وَبَعضهَا غير مؤبر فالجميع للْبَائِع، فَإِن بَاعَ نخلتين فَكَذَلِك بِشَرْط اتِّحَاد الصّفة، فَإِن أفرد فلكلٍ حكمه. وَيشْتَرط كَونهمَا فِي بُسْتَان وَاحِد، فَإِن تعدد فَلِكُل حكمه. وَنَصّ أَحْمد على أَن الَّذِي يؤبر للْبَائِع وَالَّذِي لَا يؤبر للْمُشْتَرِي، وَجعلت الْمَالِكِيَّة الحكم للأغلب.
السَّابِع: اخْتلف الشَّافِعِيَّة فِيمَا لَو بَاعَ نَخْلَة وَبقيت ثَمَرَتهَا ثمَّ خرج طلع آخر من تِلْكَ النَّخْلَة، فَقَالَ ابْن أبي هُرَيْرَة: هُوَ للْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ لَيْسَ للْبَائِع إلَاّ مَا وجد دون مَا لم يُوجد. وَقَالَ الْجُمْهُور: وَهُوَ للْبَائِع لكَونه من ثَمَرَة المؤبر دون غَيرهَا.
الثَّامِن: روى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَن من اشْترى أَرضًا مزروعة وَلم يسنبل فالزرع للْبَائِع إلَاّ أَن يَشْتَرِطه المُشْتَرِي، وَإِن وَقع البيع وَالْبذْر وَلم ينْتَه فَهُوَ للْمُبْتَاع بِغَيْر شَرط، وروى ابْن عبد الحكم عَن مَالك إِن كَانَ الزَّرْع لقح أَكْثَره ولقاحه أَن يتحبب ويسنبل حَتَّى لَو يبس حِينَئِذٍ لم يكن فَسَادًا، فَهُوَ للْبَائِع إلَاّ أَن يَشْتَرِطه المُشْتَرِي، وَإِن كَانَ لم يلقح فَهُوَ للْمُبْتَاع.
التَّاسِع: إِن وَقع العقد على النّخل أَو على العَبْد خَاصَّة ثمَّ زَاده شَيْئا يلْحق الثَّمَرَة وَالْمَال. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِن كَانَ بِحَضْرَة البَائِع وَتَقْدِيره جَازَ، وإلَاّ فَلَا. وَقَالَ أَشهب: يجوز فِي الثَّمَرَة وَلَا يجوز فِي مَال العَبْد.
الْعَاشِر: اسْتدلَّ بِهِ الطَّحَاوِيّ على جَوَاز بيع الثَّمَرَة على رُؤُوس النّخل قبل بَدو صَلَاحهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ، ﷺ ، جعل فِيهِ ثَمَر النّخل للْبَائِع عِنْد عدم اشْتِرَاط المُشْتَرِي، فَإِذا اشْترط المُشْتَرِي ذَلِك يكون لَهُ، وَيكون المُشْتَرِي مُشْتَريا لَهَا أَيْضا. وَاعْترض الْبَيْهَقِيّ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّه يسْتَدلّ بالشَّيْء فِي غير مَا ورد فِيهِ، حَتَّى إِذا جَاءَ مَا ورد فِيهِ اسْتدلَّ بِغَيْرِهِ عَلَيْهِ كَذَلِك، فيستدل لجَوَاز بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا بِحَدِيث التَّأْبِير، وَلَا يعْمل
стр. 3427
بِحَدِيث التَّأْبِير. انْتهى. قلت: هَل الْبَيْهَقِيّ عَن الدلالات الْأَرْبَعَة للنَّص، وَهِي عبارَة النَّص وإشارته ودلالته واقتضاؤه، وبهذه يكون الِاسْتِدْلَال بالنصوص، والطَّحَاوِي مَا ترك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه اسْتدلَّ على مَا ذهب إِلَيْهِ بِإِشَارَة النَّص، والخصم اسْتدلَّ بعبارته، وهما سَوَاء فِي إِيجَاب الحكم، وَلم يُوَافق الْخصم فِي الْعَمَل بعبارته لِأَن عِبَارَته تَعْلِيق الحكم بالإبارة للتّنْبِيه على مَا لم يؤبر أَو لغير ذَلِك، فَافْهَم، فَإِن فِيهِ دقة عَظِيمَة لَا يفهمها إلَاّ من لَهُ يَد فِي وُجُوه الاستدلالات بالنصوص.
٤٠٢٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ منْ باعَ نَخْلاً قَدْ أُبِرَّتْ فثَمَرُها لِلْبائِعِ إلَاّ أنْ يَشْتَرطَ المُبْتَاعُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشُّرُوط عَن عبد الله بن يُوسُف أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الشُّرُوط عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن هِشَام بن عمار، خمستهم عَن مَالك بِهِ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي أثر نَافِع قبله.
١٩ - (بابُ بَيْعِ الزَّرْعِ بالطَّعام كَيْلا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الزَّرْع بِالطَّعَامِ كَيْلا، أَي: من حَيْثُ الْكَيْل، نصب على التَّمْيِيز.
٥٠٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ نَهَى رسولُ الله ﷺ عنِ المُزَابَنَةِ أنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حائِطِهِ إنْ كانَ نَخْلاً بِتَمْرٍ كَيْلا وإنْ كانَ كَرْما أنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً أوْ كانَ زَرْعا أنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعامٍ ونَهىَ عنْ ذالِكَ كُلِّهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَإِن كَانَ زرعا أَن يَبِيعهُ بكيل طَعَام. والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ، كِلَاهُمَا فِي الْبيُوع نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات نَحوه.
قَوْله: (عَن الْمُزَابَنَة) ، قد مضى تَفْسِيرهَا غير مرّة. قَوْله: (أَن يَبِيع) ، يدل عَن الْمُزَابَنَة. قَوْله: (ثَمَر حَائِطه) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْمِيم، وَأَرَادَ بِهِ الرطب، والحائط هُوَ الْبُسْتَان من النّخل إِذا كَانَ عَلَيْهِ حَائِط، وَهُوَ الْجِدَار، وَجمعه: حَوَائِط. قَوْله: (إِن كَانَ نخلا) أَي: إِن كَانَ الْحَائِط نخلا، وَهَذِه الشُّرُوط تَفْصِيل لَهُ، وَيقدر جَزَاء الشَّرْط الثَّانِي نهى أَن يَبِيعهُ لقَرِينَة السِّيَاق، وَكَذَا يقدر جَزَاء الشَّرْط الأول. وَأما بيع الزَّرْع بِالطَّعَامِ فيسمى بالمحاقلة، وَأطلق عَلَيْهَا الْمُزَابَنَة تَغْلِيبًا أَو تَشْبِيها. وَقد مضى تَفْسِير المحاقلة أَيْضا. قَوْله: (وَنهى عَن ذَلِك) ، أَي: عَن الْمَذْكُور كُله.
وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على أَنه لَا يجوز بيع الزَّرْع قبل أَن يقطع بِالطَّعَامِ لِأَنَّهُ بيع مَجْهُول بِمَعْلُوم، وَأما بيع رطب ذَلِك بيابسه بعد الْقطع وَإِمْكَان الْمُمَاثلَة فالجمهور لَا يجيزون بيع شَيْء من ذَلِك بِجِنْسِهِ، لَا مُتَفَاضلا وَلَا متماثلاً، خلافًا لأبي حنيفَة. قلت: هَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَحْكَام: الأول: بيع الثَّمر بالثاء الْمُثَلَّثَة على رُؤُوس النّخل بِالتَّمْرِ، وَهُوَ الْمُزَابَنَة وَهُوَ غير جَائِز. وَالثَّانِي: بيع الْعِنَب على رُؤُوس الْكَرم بالزبيب كَيْلا، وَهُوَ أَيْضا الْمُزَابَنَة، وَهُوَ أَيْضا غير جَائِز. وَالثَّالِث: بيع الزَّرْع على الأَرْض بكيل من طَعَام، وَهُوَ الْحِنْطَة، وَهَذَا محاقلة وَهُوَ أَيْضا غير جَائِز. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ المحاقلة بيع الزَّرْع بِالْحِنْطَةِ، والمزابنة بيع الثَّمر على رُؤُوس النَّحْل بِالتَّمْرِ، وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أهل الْعلم، كَرهُوا بيع المحاقلة والمزابنة. وَقَالَ بَعضهم: وَاحْتج الطَّحَاوِيّ لأبي حنيفَة فِي جَوَاز بيع الزَّرْع الرطب بالحب الْيَابِس بِأَنَّهُم أَجمعُوا على جَوَاز بيع الرطب بالرطب مثلا بِمثل، مَعَ أَن رُطُوبَة أَحدهمَا لَيست كرطوبة الآخر، بل يخْتَلف اخْتِلَافا متباينا، ثمَّ قَالَ: وَتعقب بِأَنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص فَهُوَ فَاسد، وَبِأَن الرطب بالرطب وَإِن تفَاوت لكنه نُقْصَان يسير، فعفى عَنهُ لقلته، بِخِلَاف الرطب بِالتَّمْرِ. فَإِن تفاوته تفَاوت كثير انْتهى. قلت: ... . .
стр. 3428
٢٩ - (بابُ بَيْعِ النَّخْلِ بأصْلِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع ثَمَر النّخل بِأَصْلِهِ أَي: بِأَصْل النّخل.
٦٠٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ أيُّما امْرِىءٍ أبَّرَ نَخْلاً ثُمَّ باعَ أصْلَها فَللَّذِي أبَّرَ ثَمَرُ النَّخْلِ إلَاّ أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ بَاعَ أَصْلهَا) والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث إِلَى آخِره نَحوه، وَتَفْسِير التَّأْبِير قد مضى. قَوْله: (ثمَّ بَاعَ أَصْلهَا) أَي: أصل النّخل، وَالنَّخْل قد يسْتَعْمل مؤنثا نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالنَّخْل باسقات﴾ (ق: ٠١) . وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة، نَحْو: شجر الْأَرَاك، لِأَن المُرَاد من الأَصْل هُوَ النَّخْلَة لَا أرْضهَا. قَوْله: (إلَاّ أَن يَشْتَرِطه الْمُبْتَاع) أَي: المُشْتَرِي، وَلَفظ الْمُبْتَاع، وَإِن كَانَ عَاما، فالاستثناء يخصصه للْمُشْتَرِي، وَأَيْضًا لفظ الافتعال يدل عَلَيْهِ، يُقَال: كسب لِعِيَالِهِ واكتسب لنَفسِهِ، وَلَا يُقَال: اكْتسب لِعِيَالِهِ. فَافْهَم. وَقَالَ ابْن بطال: ذهب الْجُمْهُور إِلَى منع من اشْترى النّخل وَحده أَن يَشْتَرِي ثمره قبل أَن يَبْدُو صَلَاحه فِي صَفْقَة أُخْرَى، بِخِلَاف مَا لَو اشْتَرَاهَا تبعا للنخل، فَيجوز، وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك الْجَوَاز مُطلقًا، قَالَ: وَالْأول أولى لعُمُوم النَّهْي عَن ذَلِك، وَالله أعلم.
٣٩ - (بابُ بَيْعِ المُخَاضَرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع المخاضرة، والمخاضرة، بِالْخَاءِ وَالضَّاد المعجمتين: مفاعلة من الخضرة، وَالْمرَاد بهَا: بيع الثِّمَار والحبوب وَهِي خضر قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا.
٧٠٢٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ وهْبٍ قَالَ حَدثنَا عُمَرُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثني إسْحَاقُ بنُ أبِي طَلْحَةَ الأنصَارِيُّ عَن أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ قَالَ نَهَى رسولُ الله ﷺ عنِ المُحَاقَلَةِ والمُخَاضَرَةِ والمُلامَسَةِ والمُنَابَذَةِ والمُزَابَنَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: والمخاضرة.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِسْحَاق بن وهب العلاف. الثَّانِي: عمر بن يُونُس الْحَنَفِيّ. الثَّالِث: أَبوهُ يُونُس بن الْقَاسِم أَبُو عمر الْحَنَفِيّ. الرَّابِع: إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة، وَهُوَ إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة، واسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس بن مَالك. الْخَامِس: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه واسطي وَعمر بن يُونُس يمامي وَأَبوهُ كَذَلِك وَإِسْحَاق بن أبي طَلْحَة مدنِي، وَكَانَ يسكن دَار جده بِالْمَدِينَةِ. توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن عَمه.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَهَذِه المنهيات خَمْسَة، قد مر تَفْسِير الْكل فِيمَا مضى، وَتَفْسِير المخاضرة فِي أول هَذَا الْبَاب، وَزعم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن فِي بعض الرِّوَايَات: والمخاضرة: بيع الثِّمَار قبل أَن تطعم، وَبيع الزَّرْع قبل أَن يشْتَد ويفرك مِنْهُ، وَقَالَ ابْن بطال: أَجمعُوا: أَنه لَا يجوز بيع الزَّرْع أَخْضَر إلَاّ الفصيل للدواب. وَأَجْمعُوا: أَنه يجوز بيع الْبُقُول إِذا قلعت من الأَرْض وأحاط المُشْتَرِي بهَا علما. قَالَ: وَمن بيع المخاضرة شراؤها مغيبة فِي الأَرْض كالفجل والكراث والبصل واللفت وَشبهه، فَأجَاز شراءها مَالك. وَقَالَ: إِذا اسْتَقل ورقه وَأمن، والأمان عِنْده أَن يكون مَا يقطع مِنْهُ لَيْسَ بِفساد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: بيع اللفت فِي الأَرْض جَائِز، وَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا رَآهُ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز بيع مَا لَا يرى، وَهُوَ عِنْدِي بيع الْغرَر، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلفُوا فِي بيع القثاء والبطيخ وَمَا يَأْتِي بَطنا بعد بطن. فَقَالَ مَالك: يجوز بَيْعه إِذا بدا صَلَاحه، وَيكون للْمُشْتَرِي مَا ينْبت حَتَّى يَنْقَطِع ثمره، لِأَن وقته مَعْرُوف عِنْد النَّاس. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا يجوز بيع بطن مِنْهُ إلَاّ بعد طيبه كالبطن الأول، وَهُوَ عِنْدهم من بيع مَا لم يخلق، وَجعله مَالك كالثمرة إِذا بدا صَلَاحهَا جَازَ مَا بدا صلاجه وَمَا لم يبدُ لحاجتهم إِلَى ذَلِك، وَلَو منعُوا مِنْهُم لأضرهم، لِأَن مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرَر يجوز فِيهِ بعض
стр. 3429
الْغرَر. ألَا يرى أَن الظِّئْر يكرى لأجل لَبنهَا الَّذِي لم يخلق وَلم يُوجد إلَاّ أَوله، وَلَا يدْرِي كم يشرب الصَّبِي مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَو اكترى عبدا لخدمته فالمنفعة الَّتِي وَقع عَلَيْهَا العقد لم تخلق، وَإِنَّمَا تتجدد أَولا فأولاً، حَتَّى لَو مَاتَ العَبْد تَعَذَّرَتْ المحاسبة على مَا حصل من الْمَنْفَعَة، وَقد جرت الْعَادة فِي الْأَغْلَب إِذا كَانَ الأَصْل سليما من الْآفَات أَن تتتابع بطونها وتتلاحق، وَعدم مشاهدته لَا تدل على بطلَان بَيْعه، بِدَلِيل بيع الْجَوْز واللوز فِي قشورهما وفساده يتَبَيَّن من خَارج.
٨٠٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا إسماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عنْ بَيْع ثَمَرِ التَّمْرِ حتَّى تَزْهُو فَقُلْنَا لأِنَسٍ مَا زَهْوُها قَالَ تَحْمَرُّ وتَصْفَرّ أرَأيْتَ أنْ مَنَعَ الله الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مالَ أخِيكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من معنى الحَدِيث، لِأَن الثَّمَرَة قبل زهوها خضراء، فَتدخل فِي بيع المخاضرة، قبل الزهو، وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن كثير أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ الْمَدِينِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي ابْن حجر، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل بِهِ.
قَوْله: (ثَمَر التَّمْر) ، الأول بالثاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْمِيم، وَالثَّانِي بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْمِيم، ويروى: بيع الثَّمر، بِدُونِ الْإِضَافَة إِلَى شَيْء. قَوْله: (أَرَأَيْت) ، مَعْنَاهُ أَخْبرنِي. قَوْله: (أَن منع الله الثَّمَرَة) يَعْنِي: لم يخرج شَيْء. قَوْله: (بِمَ تستحل؟) يَعْنِي: إِذا تلف الثَّمر لَا يبْقى فِي مُقَابلَة شَيْء عوض ذَلِك، فَيكون البَائِع آكلاً لمَال غَيره بِالْبَاطِلِ. وَاحْتِمَال التّلف بعد الزهو، وَإِن كَانَ مُمكنا، لَكِن تطرقه إِلَى الباذي أسْرع وَأظْهر وَأكْثر.
٤٩ - (بابُ بَيْعِ الجُمَّارِ وأكْلِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْجمار، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم، هُوَ قلب النَّخْلَة. وَيُقَال: شحمها. قَوْله: (وَأكله) أَي: وَفِي بَيَان حكم أكله.
٩٠٢٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ هِشامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ وهْوَ يَأكُلُ جُمَّارا فَقَالَ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةُ كالرَّجُلِ المُؤْمِنِ فأرَدْتُ أنْ أقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فإذَا أَنا أحدِّثُهُمْ قَالَ هِيَ النَّخْلَةُ. .
هَذِه التَّرْجَمَة لَهَا جزءان. أَحدهمَا: بيع الْجمار، وَالْآخر: أكله، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث إلَاّ الْأكل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا الَّذِي يدل على بيع الْجمار؟ ثمَّ قَالَ: جَوَاز أكله. وَلَعَلَّ الحَدِيث مُخْتَصر مِمَّا فِيهِ ذَلِك، أَو غَرَضه الْإِشَارَة إِلَى أَنه لم يجد حَدِيثا يدل عَلَيْهِ بِشَرْطِهِ انْتهى. قلت: الْجَواب الأول أوجه من الآخرين. وَعَن هَذَا قَالَ ابْن بطال: بيع الْجمار وَأكله من الْمُبَاحَات بِلَا خلاف، وكل مَا انْتفع بِهِ للْأَكْل فبيعه جَائِز. وَقَالَ بَعضهم: فَائِدَة التَّرْجَمَة دفع توهم الْمَنْع من ذَلِك لكَونه قد يظنّ إفسادا وإضاعة وَلَيْسَ كَذَلِك. قلت: الْمَقْصُود من التَّرْجَمَة أَن يدل على شَيْء فِي الحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ فِي بَابهَا، وَهَذَا الَّذِي قَالَه أَجْنَبِي من ذَلِك. وَلَيْسَ بِشَيْء على مَا لَا يخفى.
وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب طرح الإِمَام الْمَسْأَلَة على أَصْحَابه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر، وَهنا أخرجه: عَن أبي الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ عَن أبي عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي عَن أبي بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: جَعْفَر بن أبي وحشية، واسْمه: إِيَاس الْبَصْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (وَهُوَ يَأْكُل جمارا) جملَة حَالية، وَهَذِه الْجُمْلَة لَيست مَذْكُورَة هُنَاكَ فَلذَلِك هُنَا ترْجم للْأَكْل. قَوْله: (فَإِذا أَنا) كلمة: إِذا، للمفاجأة. وَقَوله: (أحدثهم) جوابها، أَي: أَصْغَرهم، فَمَعْنَى الصغر فِي السن أَن أتقدم على الأكابر وأتكلم بحضورهم.
وَفِيه: أكل الشَّارِع بِحَضْرَة الْقَوْم تواضعا، وَلَا عِبْرَة بقول بَعضهم: إِنَّه يكره أظهاره، وَإنَّهُ يخفى مدخله كَمَا يخفى مخرجه. وَفِيه: مُرَاعَاة الصغار الْأَدَب بِحُضُور الْكِبَار.
стр. 3430
٥٩ - (بابُ منْ أجْرَى أمْرَ الأمْصَارِ عَلَى مَا يتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي البُيُوعِ والإجَارَةِ والمِكْيَالِ والوَزْنِ وسُنَنهمْ عَلِى نِيَّاتِهِمْ ومَذَاهِبِهِمْ المَشْهُورَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من أجْرى أمرهَا إِلَى الْأَمْصَار على مَا يَتَعَارَفُونَ بَينهم، أَي: على عرفهم وعوائدهم فِي أَبْوَاب الْبيُوع والإجارات والمكيال، وَفِي بعض النّسخ: والكيل وَالْوَزْن مثلا بِمثل، كل شَيْء لم ينص عَلَيْهِ الشَّارِع أَنه كيلي أَو وزني يعْمل فِي ذَلِك على مَا يتعارفه أهل تِلْكَ الْبَلدة مثلا: الْأرز فَإِنَّهُ لم يَأْتِ فِيهِ نَص من الشَّارِع أَنه كيلي أَو وزني، فَيعْتَبر فِي عَادَة أهل كل بَلْدَة على مَا بَينهم من الْعرف فِيهِ، فَإِنَّهُ فِي الْبِلَاد المصرية يُكَال، وَفِي الْبِلَاد الشامية يُوزن، وَنَحْو ذَلِك من الْأَشْيَاء، لِأَن الرُّجُوع إِلَى الْعرف جملَة من الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة.
قَوْله: (وسننهم) ، عطف على مَا يَتَعَارَفُونَ بَينهم أَي: على طريقتهم الثَّابِتَة على حسب مقاصدهم وعاداتهم الْمَشْهُورَة.
وَحَاصِل الْكَلَام أَن البُخَارِيّ قصد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِثْبَات الِاعْتِمَاد على الْعرف وَالْعَادَة.
وَقَالَ شُرَيْحٌ للْغَزَّالِينَ سنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ رِبْحا
شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْحَارِث الْكِنْدِيّ القَاضِي من عهد عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (للغزالين) هُوَ جمع: غزال، وَهُوَ بياع الْغَزل. قَوْله: (سنتكم) ، يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى أَنه مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (بَيْنكُم) ، يَعْنِي: عادتكم وطريقتكم بَيْنكُم مُعْتَبرَة، وَأما النصب فعلى تَقْدِير إلزموا سنتكم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق ابْن سِيرِين: أَن نَاسا من الغزالين اخْتَصَمُوا إِلَى شُرَيْح فِي شَيْء كَانَ بَينهم، فَقَالُوا: إِن سنتنا بَيْننَا كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: سنتكم بَيْنكُم. قَوْله: (ربحا) ، قيل: لَا معنى لَهُ هَهُنَا، وَإِنَّمَا مَحَله فِي آخر الْأَثر الَّذِي بعده. قلت: هَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ، وَلكنه غير صَحِيح، لِأَن هَذِه اللَّفْظَة هُنَا لَا فَائِدَة لَهَا وَلَا معنى يُطَابق الْأَثر.
وَقَالَ عَبْدُ الوهَّابِ عنْ أيّوبَ عَن محَمَّدٍ لَا بأسَ الْعَشْرَةُ بأحَدَ عَشَرَ ويأخُذُ لِلْنَّفقَةِ رِبحا
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عرف الْبَلَد أَن الْمُشْتَرى بِعشْرَة دَرَاهِم يُبَاع بِأحد عشر، فَبَاعَهُ المُشْتَرِي على ذَلِك الْعرف لم يكن بِهِ بَأْس، وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن عبد الْوَهَّاب، هَذَا. قَوْله: (لَا بَأْس الْعشْرَة بِأحد عشر) ، أَي: لَا بَأْس أَن يَبِيع مَا اشْتَرَاهُ بِمِائَة دِينَار مثلا كل عشرَة مِنْهُ بِأحد عشر، فَيكون رَأس المَال عشرَة وَالرِّبْح دِينَارا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْعشْرَة، بِالرَّفْع وَالنّصب إِذا كَانَ عرف الْبَلَد أَن الْمُشْتَرى بِعشْرَة دَرَاهِم يُبَاع بِأحد عشر درهما، فيبيعه على ذَلِك الْعرف، فَلَا بَأْس بِهِ. وَيَأْخُذ لأجل النَّفَقَة ربحا. قلت: أما وَجه الرّفْع فعلى أَنه مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (بِأحد عشر) ، وَالتَّقْدِير: تبَاع بِأحد عشر. وَأما النصب فعلى تَقْدِير: بيع الْعشْرَة، يَعْنِي: الْمُشْتَرى بِعشْرَة، بِأحد عشر.
وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَأَجَازَهُ قوم وَكَرِهَهُ آخَرُونَ، وَمِمَّنْ كرهه ابْن عَبَّاس وَابْن عمر ومسروق وَالْحسن، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق. قَالَ أَحْمد: البيع مَرْدُود، وَأَجَازَهُ ابْن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ، وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ، وَحجَّة من كرهه لِأَنَّهُ بيع مَجْهُول، وَحجَّة من أجَازه بِأَن الثّمن مَعْلُوم وَالرِّبْح مَعْلُوم وأصل هَذَا الْبَاب بيع الصُّبْرَة كل قفيز بدرهم وَلَا يعلم مقدارها من الطَّعَام، فَأَجَازَهُ قوم وأباه آخَرُونَ، وَمِنْهُم من قَالَ: لَا يلْزم إِلَّا القفيز الْوَاحِد. وَعَن مَالك: لَا يَأْخُذ فِي الْمُرَابَحَة أجر السمسار وَلَا أجر الشد والطي وَلَا النَّفَقَة على الرَّقِيق، وَلَا كِرَاء الْبَيْت، وَإِنَّمَا يحْسب هَذَا فِي أصل المَال وَلَا يحْسب لَهُ ربح، وَأما كِرَاء الْبَز فيحسب لَهُ الرِّبْح لِأَنَّهُ لَا بُد مِنْهُ، فَإِن أربحه الْمُشْتَرى على مَا لَا تَأْثِير لَهُ جَازَ إِذا رَضِي بذلك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يحْسب فِي الْمُرَابَحَة أُجْرَة القصارة والسمسرة وَنَفَقَة الرَّقِيق وكسوتهم، وَيَقُول: قَامَ عَليّ بِكَذَا، وَلَا يَقُول: اشْتَرَيْته بِكَذَا.
قَوْله: (وَيَأْخُذ للنَّفَقَة) ، أَي: لأجل النَّفَقَة ربحا، هَذَا مَحل ذكر الرِّبْح، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقد ذكرنَا الْآن خلاف مَالك فِيهِ.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ لِهِنْدٍ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وولَدَكِ بِالمَعْرُوفِ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، ﷺ ، قَالَ لهِنْد: خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ عَادَة النَّاس، وَهَذَا
стр. 3431
يدل على أَن الْعرف عمل جَار. وَقَالَ ابْن بطال: الْعرف عِنْد الْفُقَهَاء أَمر مَعْمُول بِهِ، وَهُوَ كالشرط اللَّازِم فِي الشَّرْع، وَمِمَّا يدل على مَا قَالَه قَضِيَّة هِنْد بنت عتبَة زوج أبي سُفْيَان وَالِد مُعَاوِيَة، وَهَذَا التَّعْلِيق يَأْتِي الْآن مَوْصُولا.
وَذكر ابْن بطال بعض مسَائِل من الْفِقْه الَّتِي يعْمل فِيهَا بِالْعرْفِ. مِنْهَا: لَو وكل رجل رجلا على بيع سلْعَة فَبَاعَهَا بِغَيْر النَّقْد الَّذِي هُوَ عرف النَّاس لم يجز ذَلِك، وَلَزِمَه النَّقْد الْجَارِي. وَكَذَا: لَو بَاعَ طَعَاما مَوْزُونا أَو مَكِيلًا بِغَيْر الْوَزْن أَو الْكَيْل الْمَعْهُود لم يجز، وَلزِمَ الْكَيْل الْمَعْهُود الْمُتَعَارف من ذَلِك.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ومَنْ كانَ فَقِيرا فَلْيأكُل بالمَعْرُوف﴾ (النِّسَاء: ٦) .
هَذَا من التَّرْجَمَة، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر فِي صدر الْبَاب أَو يكْتَفى بِذكرِهِ فِي حَدِيث عَائِشَة الْآتِي فِي هَذَا الْبَاب، وَالْمرَاد مِنْهُ فِي التَّرْجَمَة حِوَالَة، وَإِلَى الْيَتِيم فِي أكله من مَاله على الْعرف.
واكْتَرَى الحَسَنُ مِنْ عَبْدِ الله بنِ مِرْدَاسِ حِمَارا فَقَالَ بِكَمْ قَالَ بِدَانِقَيْنِ فَرَكِبَهُ ثُمَّ جاءَ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ الحِمَارَ الحِمَارَ فَرَكِبَهُ ولَمْ يُشَارِطْهُ فبَعَثَ إلَيْهِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْحسن لم يشارط المكاري فِي الْمرة الثَّانِيَة اعْتِمَادًا على الْأُجْرَة الْمُتَقَدّمَة، وَزَاد بعد ذَلِك على الْأُجْرَة الْمُتَقَدّمَة على سَبِيل الْفضل. وَقد جرى الْعرف أَن شخصا إِذا اكترى حمارا أَو فرسا أَو جملا للرُّكُوب إِلَى مَوضِع معِين بِأُجْرَة مُعينَة، ثمَّ فِي ثَانِي مرّة إِذا أَرَادَ ركُوب حمَار هَذَا على الْعَادة لَا يشارطه الْأُجْرَة لاستغنائه عَن ذَلِك، بِاعْتِبَار الْعرف الْمَعْهُود بَينهمَا، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَعبد الله بن مرادس، بِكَسْر الْمِيم: هُوَ صَاحب الْحمار الَّذِي اكتراه مِنْهُ الْحسن. وَوصل هَذَا التَّعْلِيق سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن يُونُس فَذكر مثله.
قَوْله: (بدانقين) ، تَثْنِيَة دانق بِفَتْح النُّون وَكسرهَا: وَهُوَ سدس الدِّرْهَم. قَوْله: (فَرَكبهُ) ، فِيهِ حذف أَي: فَرضِي الْحسن بدانقين فَأَخذه فَرَكبهُ. قَوْله: (ثمَّ جَاءَ) ، أَي: الْحسن مرّة أُخْرَى إِلَى عبد الله بن مرداس، فَقَالَ: الْحمار الْحمار، بالتكرار وَيجوز فيهمَا النصب وَالرَّفْع، أما النصب فعلى تَقْدِير: هَات الْحمار، فينصب على المفعولية، وَأما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء، وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: الْحمار مَطْلُوب، أَو أطلب، أَو نَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَلم يشارطه) ، يَعْنِي الْأُجْرَة اعْتِمَادًا على الْأُجْرَة الْمُتَقَدّمَة للْعُرْف بذلك. قَوْله: (فَبعث إِلَيْهِ) أَي: بعث الْحسن إِلَى عبد الله الْمَذْكُور (بِنصْف دِرْهَم) فَزَاد على الدانقين دانقا آخر على سَبِيل الْفضل وَالْكَرم.
٠١٢٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ حَجَمَ رسولَ الله ﷺ أبُو طَيْبَةَ فأمَرَ لَهُ رسولُ الله ﷺ بِصاعٍ مِنْ تَمْرٍ وأمَرَ أهْلَه أنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لم يشارط الْحجام الْمَذْكُور على أجرته اعْتِمَادًا على الْعرف فِي مثله، وَقد مضى الحَدِيث بِعَيْنِه إِسْنَادًا ومتنا فِيمَا مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي بَاب ذكر الْحجام، غير أَن هُنَاكَ: حجم أَبُو طيبَة رَسُول الله ﷺ ، وَهنا: حجم رَسُول الله ﷺ أَبُو طيبَة.
١١٢٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ هِشَامٍ عنْ عُروَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعاوِيَة لِرَسُولِ الله ﷺ إنَّ أَبَا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحُ فَهَلْ عَلَيَّ جُناح أنْ اخُذَ مِنْ مالِهِ سِرّا قَالَ خُذِي أنْتِ وبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بالمَعْرُوفِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (خذي أَنْت وبنوك مَا يَكْفِيك بِالْمَعْرُوفِ) من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أحالها على الْعرف فِيمَا لَيْسَ فِيهِ تَحْدِيد شَرْعِي. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، نَص عَلَيْهِ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) [/ ح.
والْحَدِيث
стр. 3432
أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَفِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن كثير، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بِهِ.
قَوْله: (هِنْد) يصرف وَلَا يصرف، وَهِي بنت عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن ربيعَة بن عبد شمس بن عبد منَاف، زَوْجَة أبي سُفْيَان، أسلمت عَام الْفَتْح وَمَاتَتْ فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأَبُو سُفْيَان اسْمه: صَخْر بن حَرْب ضد الصُّلْح ابْن أُميَّة بن عبد شمس، أسلم يَوْم فتح مَكَّة، وَكَانَ رَئِيس قُرَيْش يَوْمئِذٍ، وَقد مر فِي حَدِيث هِرقل. قَوْله: (شحيح) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وبالحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ، والشحيح: هُوَ الْبَخِيل الْحَرِيص. قَوْله: (جنَاح) ، بِضَم الْجِيم: أَي: إِثْم. قَوْله: (أَن آخذ) أَي: بِأَن آخذ، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (سرا) ، نصب على التَّمْيِيز أَي: من حَيْثُ السِّرّ، وَيجوز أَن يكون صفة لمصدر مَحْذُوف أَي أخذا سرا غير جهر، قَوْله: (وبنوك) ، ويروى: وبنيك، بِالْجَرِّ. أما وَجه الأول فعلى أَنه مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: خذي، وَإِنَّمَا ذكر أَنْت ليَصِح الْعَطف عَلَيْهِ، وَفِيه خلاف بَين الْبَصرِيين والكوفيين، وَأما النصب فعلى أَنه مفعول مَعَه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُقْتَضى الْمقَام أَن يُقَال أَيْضا: وَمَا يَكْفِي بنيك، أَو: مَا يكفيكم. قلت: تَقْدِيره: مَا يَكْفِي لنَفسك ولبنيك، وَاقْتصر عَلَيْهَا لِأَنَّهَا هِيَ الكافلة لأمورهم. وَقَالَ أَيْضا: فَإِن قلت: هَذِه الْقِصَّة بِمَكَّة وَأَبُو سُفْيَان فِيهَا، فَكيف حكم رَسُول الله ﷺ فِي غيبته وَهُوَ فِي الْبَلَد؟ قلت: هَذَا لم يكن حكما بل كَانَ فَتْوَى. انْتهى. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَاسْتدلَّ بِحَدِيث هِنْد على الْقَضَاء على الْغَائِب، وبالإفتاء لِأَن زَوجهَا أَبَا سُفْيَان كَانَ متواريا بهَا. انْتهى. قلت: لم يكن غَائِبا وَلَا متواريا. وَقَالَ السُّهيْلي: كَانَ حَاضرا سؤالها، فَقَالَ: أَنْت فِي حل مِمَّا أخذت، فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ على جَوَاز الْقَضَاء على الْغَائِب.
وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: نَفَقَة الزَّوْجَة وَالْأَوْلَاد الصغار، وَأَنَّهَا مقدرَة بالكفاية. قَالَ: وَفِيه: أَخذ الْحق من مَال الْغَيْر بِدُونِ إِذْنه. قلت: لَيْسَ هَذَا على إِطْلَاقه بل هَذَا إِذا ظفر بِجِنْس حَقه، وَفِي خلاف جنس حَقه لَا بُد من إِذْنه أَو إِذن الْحَاكِم. قَالَ: وَفِيه: إِطْلَاق الْفَتْوَى وَإِرَادَة تَعْلِيقهَا بِمَا يَقُوله المستفتي. وَفِيه: خُرُوج الْمُزَوجَة من بَيتهَا لحاجتها إِذا علمت رضى الزَّوْج بِهِ.
١٥٤ - (حَدثنِي إِسْحَاق قَالَ حَدثنَا ابْن نمير قَالَ أخبرنَا هِشَام ح وحَدثني مُحَمَّد قَالَ سَمِعت عُثْمَان بن فرقد قَالَ سَمِعت هِشَام بن عُرْوَة يحدث عَن أَبِيه أَنه سمع عَائِشَة ﵂ تَقول وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ أنزلت فِي وَالِي الْيَتِيم الَّذِي يُقيم عَلَيْهِ وَيصْلح فِي مَاله إِن كَانَ فَقِيرا أكل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله أكل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ. (ذكر رِجَاله) وهم سَبْعَة. الأول اسحق قَالَ الغساني لم أَجِدهُ مَنْسُوبا لأحد من الروَاة وَقَالَ خلف وَغَيره فِي الْأَطْرَاف أَنه اسحق بن مَنْصُور واستخرج أَبُو نعيم هَذَا الحَدِيث من مُسْند اسحق بن رَاهَوَيْه عَن ابْن نمير وَقَالَ أخرجه البُخَارِيّ عَن اسحق وَقَالَ فِي التَّفْسِير أخرجه البُخَارِيّ عَن اسحق بن مَنْصُور. الثَّانِي ابْن نمير هُوَ عبد الله بن نمير بِضَم النُّون وَقد مر فِي التَّيَمُّم. الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع مُحَمَّد بن الْمثنى الْمَشْهُور بالزمن وَقد مر فِي الْإِيمَان كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي وَيُقَال هُوَ مُحَمَّد بن سَلام وَالظَّاهِر أَنه هُوَ الأول. الْخَامِس عُثْمَان بن فرقد بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة على وزن جَعْفَر هُوَ الْعَطَّار فِيهِ مقَال لَكِن البُخَارِيّ لم يخرج لَهُ مَوْصُولا إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَقد قرنه بِابْن نمير وَذكر لَهُ آخر تَعْلِيقا فِي الْمَغَازِي. السَّادِس عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّابِع أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه السماع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن شَيْخه اسحق إِن كَانَ ابْن مَنْصُور فَهُوَ مروزي انْتقل إِلَى نيسابور وَإِن كَانَ هُوَ ابْن رَاهَوَيْه فَكَذَلِك مروزي انْتقل إِلَى نيسابور وَفِيه أَن شَيْخه الآخر إِن كَانَ ابْن الْمثنى فَهُوَ بَصرِي وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن سَلام فَهُوَ البُخَارِيّ البيكندي وَفِيه أَن عبد الله بن نمير كُوفِي وَأَن عُثْمَان بن فرقد بَصرِي وَأَن هشاما وأباه عُرْوَة مدنيان "
стр. 3433
(ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن نمير عَن هِشَام فِي التَّفْسِير وَمن طَرِيق عُثْمَان بن فرقد من أَفْرَاده وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي كريب عَن عبد الله بن نمير (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ " هَذَا فِي سُورَة النِّسَاء وَأول الْآيَة ﴿وابتلوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا وبدارا أَن يكبروا وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فأشهدوا عَلَيْهِم وَكفى بِاللَّه حسيبا﴾ قَوْله " وابتلوا الْيَتَامَى " أَي اختبروهم قَالَه ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَالْحسن وَالسُّديّ وَمُقَاتِل بن حَيَّان قَوْله " حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح " قَالَ مُجَاهِد يَعْنِي الْحلم قَوْله " فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا " يَعْنِي صلاحا فِي دينهم وحفظا لأموالهم قَالَه سعيد بن جُبَير ثمَّ نهى الله عَن أكل أَمْوَال الْيَتَامَى من غير حَاجَة ضَرُورِيَّة إسرافا ومبادرة قبل بلوغهم قَوْله " وَمن كَانَ غَنِيا " أَي من كَانَ فِي غنية عَن مَال الْيَتِيم فليستعفف عَنهُ وَلَا يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا قَوْله " أنزلت " أَي هَذِه الْآيَة فِي وَالِي الْيَتِيم وَهُوَ الَّذِي يَلِي أمره ويتولاه قَوْله " الَّذِي يُقيم عَلَيْهِ " قَالَ ابْن التِّين الصَّوَاب يقوم لِأَنَّهُ من الْقيام لَا من الْإِقَامَة قلت لَا مَانع من ذَلِك لِأَن مَعْنَاهُ يلازمه ويعتكف عَلَيْهِ أَو يُقيم نَفسه عَلَيْهِ وَكَذَا أخرجه أَبُو نعيم عَن هِشَام من وَجه آخر وَذهل صَاحب التَّوْضِيح عَن هَذَا الْمَعْنى وَقَالَ الصَّوَاب يقوم بِالْوَاو وَلِأَن يُقيم مُتَعَدٍّ بِغَيْر حرف جر قَوْله " أكل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ " يَعْنِي بِقدر قِيَامه عَلَيْهِ وَقَالَ الْفُقَهَاء لَهُ أَن يَأْكُل أقل الْأَمريْنِ أُجْرَة مثله أَو قدر حَاجته وَاخْتلفُوا هَل يرد إِذا أيسر على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ أكل بِأُجْرَة عمله وَكَانَ فَقِيرا وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي لِأَن الْآيَة أَبَاحَتْ الْأكل من غير بدل وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا عبد الْوَهَّاب حَدثنَا حُسَيْن عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ لَيْسَ لي مَال ولي يَتِيم فَقَالَ " كل من مَال يَتِيمك غير مُسْرِف وَلَا مبذر وَلَا متاثل مَالا وَمن غير أَن تَقِيّ مَالك " وَقَالَ تفدي مَالك شَاك حُسَيْن وروى ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من حَدِيث عَليّ بن مهْدي عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان عَن أبي عَامر الخراز عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله مِمَّا أضْرب يَتِيمِي قَالَ " مَا كنت ضَارِبًا مِنْهُ ولدك غير واق مَالك بِمَالِه وَلَا متاثل مِنْهُ مَالا " وَقَالَ ابْن جرير حَدثنَا الْحسن بن يحيى أخبرنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا الثَّوْريّ عَن يحيى بن سعيد عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ إِن فِي حجري أيتاما وَإِن لَهُم إبِلا ولي إبل وَأَنا أمنح فِي إبلي وأفقر فَمَاذَا يحل لي من أَلْبَانهَا فَقَالَ إِن كنت تبغي ضَالَّتهَا وَتَهْنَأ جَرْبَاهَا وَتَلوط حَوْضهَا وتسقي عَلَيْهَا فَاشْرَبْ غير مُضر بِنَسْل وَلَا نَاهِك فِي الْحَلب وَبِهَذَا القَوْل وَهُوَ عدم الْبَدَل يَقُول عَطاء بن أبي رَبَاح وَعِكْرِمَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعطية الْعَوْفِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالثَّانِي نعم لِأَن مَال الْيَتِيم على الْخطر وَإِنَّمَا أُبِيح للْحَاجة فَيرد بدله كَأَكْل مَال الْغَيْر للْمُضْطَر عِنْد الْحَاجة قَوْله " وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ " يَعْنِي الْقَرْض كَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس وروى من طَرِيق السّديّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ قَالَ يَأْكُل بِثَلَاث أَصَابِع وَقَالَ الشّعبِيّ لَا يَأْكُل مِنْهُ إِلَّا أَن يضْطَر إِلَيْهِ كَمَا يضْطَر إِلَى الْميتَة فَإِن أكل مِنْهُ قَضَاهُ رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَقيل أَن الْوَلِيّ يستقرض من مَال الْيَتِيم إِذا افْتقر وَبِه قَالَ عُبَيْدَة وَعَطَاء وَأَبُو الْعَالِيَة وَقيل فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ فِي مَال نَفسه لِئَلَّا يحْتَاج إِلَى مَال الْيَتِيم وَقَالَ مُجَاهِد لَيْسَ عَلَيْهِ أَن يَأْخُذ قرضا وَلَا غَيره وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَذهب إِلَى أَن الْآيَة مَنْسُوخَة نسختها ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ قَوْله " فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم " يَعْنِي بعد بلوغهم الْحلم وإيناس الرشد فَحِينَئِذٍ سلموهم أَمْوَالهم فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فأشهدوا عَلَيْهِم لِئَلَّا يَقع من بَعضهم جحود وإنكار لما قَبضه وتسلمه قَوْله " وَكفى بِاللَّه حسيبا " أَي محاسبا وَشَاهدا ورقيبا على الْأَوْلِيَاء فِي حَال نظرهم للْأُم حَال تسلمهم الْأَمْوَال هَل هِيَ كَامِلَة وفرة أَو نَاقِصَة مبخوسة مدحلسة مروج حسباها مُدَلّس أمورها الله عَالم بذلك كُله وَلِهَذَا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " يَا أَبَا ذَر إِنِّي أَرَاك ضَعِيفا وَإِنِّي أحب لَك مَا أحب لنَفْسي لَا تأمرن على اثْنَيْنِ وَلَا تولين مَال يَتِيم " -
стр. 3434
٦٩ - (بابُ بَيْعِ الشَّرِيكِ مِنْ شَرِيكِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الشَّرِيك من شَرِيكه.
٣١٢٢ - حدَّثني مَحْمُودٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جعَلَ رسولُ الله ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مالٍ لَمْ يُقْسَمْ فإذَا وقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الشُّفْعَة لَا تقوم إلَاّ بالشفيع، وَهُوَ إِذا أَخذ الدَّار الْمُشْتَركَة بَينه وَبَين رجل حِين بَاعَ مَا يَخُصُّهُ بِالشُّفْعَة فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ من شَرِيكه فَصدق عَلَيْهِ أَنه بيع الشَّرِيك من الشَّرِيك. ومحمود هُوَ ابْن غيلَان، بالغين الْمُعْجَمَة، وَعبد الرَّزَّاق ابْن همام، وَمعمر ابْن رَاشد، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأَبُو سَلمَة ابْن عبد الرحمان.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب وَفِيه وَفِي الشّركَة وَفِي الشُّفْعَة عَن مُسَدّد، وَفِي الشّركَة وَفِي ترك الْحِيَل عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع أَيْضا عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن عبد بن حميد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي كل مَال لم يقسم) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، على مَا يَأْتِي عَن قريب فِي كل مَا لم يقسم، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) عَن عبد الرَّزَّاق: فِي كل مَا لم يقسم، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَنهُ فَقَالَ: فِي الْأَمْوَال مَا لم يقسم، وَالْمرَاد من قَوْله: فِي كل مَا لم يقسم: الْعقار وَإِن كَانَ اللَّفْظ عَاما، قَوْله: (فَإِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شَفَقَة) ، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تكون مقسومة غير مشاعة. قَوْله: (صرفت) على صِيغَة الْمَجْهُول، بتَشْديد الرَّاء وتخفيفها.
ذكر مَذَاهِب الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب: مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر: أَن لَا شُفْعَة إلَاّ لِشَرِيك لم يقاسم، وَلَا تجب الشُّفْعَة بالجوار، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث جَابر الْمَذْكُور، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الشُّفْعَة فِي كل شرك بِأَرْض أَو ربع أَو حَائِط لَا يصلح أَن يَبِيع حَتَّى يعرض على شَرِيكه فَيَأْخُذ أَو يدع) . وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد أَيْضا، وَاحْتج الثَّوْريّ وَالْحسن بن حَيّ وَإِسْحَاق وَأحمد فِي رِوَايَة، وَأَبُو عبيد والظاهرية: أَن أحد الشَّرِيكَيْنِ إِذا عرض عَلَيْهِ الآخر فَلم يَأْخُذ سقط حَقه من الشُّفْعَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن الحكم بن عتيبة أَيْضا.
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابهم: لَا يسْقط حَقه بذلك، بل لَهُ أَن يَأْخُذ بعد البيع لِأَن الشُّفْعَة لم تجب بعد، وَإِنَّمَا تجب لَهُ بعد البيع، فَتَركه مَا لم يجب لَهُ بعد لَا معنى لَهُ، وَلَا يسْقط حَقه إِذا وَجب. وَقَالَ النَّخعِيّ وَشُرَيْح القَاضِي وَالثَّوْري وَعَمْرو بن حُرَيْث وَالْحسن بن حَيّ وَقَتَادَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: تجب الشُّفْعَة فِي الْأَرَاضِي والرباع والحوائط للشَّرِيك الَّذِي لم يقاسم ثمَّ للشَّرِيك الَّذِي قَاسم وَقد بَقِي حق طَرِيقه أَو شربه، ثمَّ من بعدهمَا للْجَار الملازق وَهُوَ الَّذِي دَاره على ظهر الدَّار المشفوعة، وبابه فِي سكَّة أُخْرَى، وَرُوِيَ عَن عَطاء أَنه قَالَ: الشُّفْعَة فِي كل شَيْء حَتَّى فِي الثَّوْب، وَحكى مقَالَة عَطاء عَن بعض الشَّافِعِيَّة وَمَالك، وَأنْكرهُ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد، وَحكى عَن مَالك وَأحمد وجوب الشُّفْعَة فِي السفن، وَفِي (حاوي) الْحَنَابِلَة: وكل مَا لَا يقسم وَلَا هُوَ مُتَّصِل بعقار كالسيف والجوهرة وَالْحجر وَالْحَيَوَان وَمَا فِي معنى ذَلِك، فَفِي وجوب الشُّفْعَة فِيهِ رِوَايَتَانِ ذكرهمَا ابْن أبي مُوسَى، وَلَا تُؤْخَذ الثِّمَار بِالشُّفْعَة تبعا، ذكره القَاضِي. وَقَالَ أَبُو الْخطاب، تُؤْخَذ، وعَلى ذَلِك يخرج الزَّرْع، وَلَا شُفْعَة فِيمَا يقسم من المنقولات بِحَال. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) ؛ وَلَا شُفْعَة فِي المنقولات سَوَاء بِيعَتْ وَحدهَا أم مَعَ الأَرْض، وَيثبت فِي الأَرْض سَوَاء بيع الشّقص مِنْهَا وَحده أم مَعَ شَيْء من المنقولات، وَمَا كَانَ مَنْقُولًا ثمَّ أثبت فِي الأوض للدوام كالأبنية وَالْأَشْجَار، فَإِن بِيعَتْ مُنْفَرِدَة فَلَا شُفْعَة فِيهَا على الصَّحِيح.
стр. 3435
وَلَو كَانَ على الشّجر ثَمَرَة مؤبرة وأدخلت فِي البيع بِالشّرطِ لم تثبت فِيهَا الشُّفْعَة، فَيَأْخُذ الشَّفِيع الأَرْض والنخيل بحصتهما، وَإِن كَانَت غير مؤبرة دخلت فِي البيع، وَهل للشَّفِيع أَخذهَا؟ وَجْهَان أَو قَولَانِ أصَحهمَا: نعم. انْتهى.
ثمَّ اخْتلف من يَقُول بِالشُّفْعَة للْجَار، فَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: لَا شُفْعَة إلَاّ للْجَار الملازق، وَقَالَ الْحسن بن حَيّ: للْجَار مُطلقًا بعد الشَّرِيك، وَقَالَ آخَرُونَ: الْجَار الَّذِي تجب لَهُ الشُّفْعَة أَرْبَعُونَ دَارا حول الدَّار. وَقَالَ آخَرُونَ: من كل جَانب من جَوَانِب الدَّار أَرْبَعُونَ دَارا. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ كل من صلى مَعَه صَلَاة الصُّبْح فِي الْمَسْجِد، وَقَالَ بَعضهم: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، وَحجَّة أَصْحَابنَا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ أَحَادِيث رويت عَن النَّبِي ﷺ . مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، فَقَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن أبي دَاوُد البرنسي، قَالَ: حَدثنَا عَليّ ابْن صَالح الْقطَّان وَأحمد بن حبَان، قَالَا: حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (جَار الدَّار أَحَق بِالدَّار) . وَأخرجه الْبَزَّار أَيْضا فِي (مُسْنده) . فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَلَا يعرف حَدِيث قَتَادَة عَن أنس إلَاّ من حَدِيث عِيسَى بن يُونُس؟ قلت: مَا لعيسى بن يُونُس فَإِنَّهُ حجَّة ثَبت، فَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ حِين سُئِلَ عَنهُ: بخٍ بخٍ ثِقَة مَأْمُون، وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عمار عِيسَى: حجَّة، وَهُوَ أثبت من إِسْرَائِيل. وَقَالَ الْعجلِيّ: كَانَ ثبتا فِي الحَدِيث، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا يضر كَون الحَدِيث عَنهُ وَحده. وَمِنْهَا: حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب أخرجه التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا عَليّ بن حجر، قَالَ: أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن علية عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (جَار الدَّار أَحَق بِالدَّار) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من سِتَّة طرق صِحَاح أَحدهَا مُرْسل. فَإِن قلت: الْحسن لم يسمع من سَمُرَة إلَاّ ثَلَاثَة أَحَادِيث، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا؟ قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِنَّه سمع مِنْهُ عدَّة أَحَادِيث، وَقَالَ الْحَاكِم فِي أثْنَاء كتاب الْبيُوع من (الْمُسْتَدْرك) : قد احْتج البُخَارِيّ بالْحسنِ عَن سَمُرَة، وَذَلِكَ بعد أَن روى حَدِيثا من رِوَايَة الْحسن عَن سَمُرَة. وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أخرجه الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكرَة حَدثنَا أَبُو أَحْمد، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن الحكم عَمَّن سمع عليا وَعبد الله بن مَسْعُود يَقُولَانِ: قضى رَسُول الله، ﷺ ، بالجوار. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: حَدثنَا جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور عَن الحكم عَن عَليّ وَعبد الله قَالَا: قضى رَسُول الله، ﷺ ، بِالشُّفْعَة للجوار. قلت: فِي سَنَد الطَّحَاوِيّ مَجْهُول، وَفِي سَنَد ابْن أبي شيبَة الحكم عَن عَليّ، وَالْحكم لم يدْرك عليا وَلَا عبد الله. وَمِنْهَا: حَدِيث عَمْرو بن حُرَيْث، أخرجه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح مثل الحَدِيث الَّذِي قبله، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة مَوْقُوفا على عَمْرو بن حُرَيْث أَنه: كَانَ يقْضِي بالجوار، أَي يقْضِي للْجَار بِالشُّفْعَة بِسَبَب الْجوَار، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كتب إِلَى شُرَيْح أَن يقْضِي بِالشُّفْعَة للْجَار الملازق، وَأخرجه أَيْضا ابْن أبي شيبَة نَحوه، وَفِيه: فَكَانَ شُرَيْح يقْضِي للرجل من أهل الْكُوفَة على الرجل من أهل الشَّام، وَأجَاب الْأَصْحَاب عَن حَدِيث الْبَاب أَن جَابِرا قَالَ: جعل رَسُول الله ﷺ الشُّفْعَة فِي كل مَال لم يقسم، وَلَفظه فِي حَدِيثه الثَّانِي الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا الْبَاب: قضى النَّبِي ﷺ بِالشُّفْعَة فِي كل مَا لم يقسم، وَهَذَانِ اللفظان إِخْبَار عَن النَّبِي ﷺ بِمَا قضى، ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك، فَإِذا وَقعت الْحُدُود ... إِلَى آخِره، وَهَذَا قَول من رأى جَابِرا لم يحكه عَن رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا يكون هَذَا حجَّة علينا أَن لَو كَانَ رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك على أَنه روى عَن جَابر أَيْضا أَنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : الْجَار أَحَق بشفعة جَاره، فَإِن كَانَ غَائِبا انْتظر إِذا كَانَ طريقهما وَاحِدًا، أخرجه الطَّحَاوِيّ من ثَلَاث طرق صِحَاح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب وَلَا نعلم أحدا روى هَذَا الحَدِيث غير عبد الْملك بن مَالك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن جَابر، وَقد تكلم شُعْبَة فِي عبد الْملك من أجل هَذَا الحَدِيث، وَعبد الْملك ثِقَة مَأْمُون عِنْد أهل الحَدِيث لَا نعلم أحدا تكلم فِيهِ غير شُعْبَة من أجل هَذَا الحَدِيث، وَقد روى وَكِيع عَن شُعْبَة عَن عبد الْملك هَذَا الحَدِيث، وروى عَن ابْن الْمُبَارك عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، قَالَ: عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان ميزَان، يَعْنِي: فِي الْعلم.
следующие страницы →