Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
يدل على أَن الْعرف عمل جَار. وَقَالَ ابْن بطال: الْعرف عِنْد الْفُقَهَاء أَمر مَعْمُول بِهِ، وَهُوَ كالشرط اللَّازِم فِي الشَّرْع، وَمِمَّا يدل على مَا قَالَه قَضِيَّة هِنْد بنت عتبَة زوج أبي سُفْيَان وَالِد مُعَاوِيَة، وَهَذَا التَّعْلِيق يَأْتِي الْآن مَوْصُولا.
وَذكر ابْن بطال بعض مسَائِل من الْفِقْه الَّتِي يعْمل فِيهَا بِالْعرْفِ. مِنْهَا: لَو وكل رجل رجلا على بيع سلْعَة فَبَاعَهَا بِغَيْر النَّقْد الَّذِي هُوَ عرف النَّاس لم يجز ذَلِك، وَلَزِمَه النَّقْد الْجَارِي. وَكَذَا: لَو بَاعَ طَعَاما مَوْزُونا أَو مَكِيلًا بِغَيْر الْوَزْن أَو الْكَيْل الْمَعْهُود لم يجز، وَلزِمَ الْكَيْل الْمَعْهُود الْمُتَعَارف من ذَلِك.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ومَنْ كانَ فَقِيرا فَلْيأكُل بالمَعْرُوف﴾ (النِّسَاء: ٦) .
هَذَا من التَّرْجَمَة، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر فِي صدر الْبَاب أَو يكْتَفى بِذكرِهِ فِي حَدِيث عَائِشَة الْآتِي فِي هَذَا الْبَاب، وَالْمرَاد مِنْهُ فِي التَّرْجَمَة حِوَالَة، وَإِلَى الْيَتِيم فِي أكله من مَاله على الْعرف.
واكْتَرَى الحَسَنُ مِنْ عَبْدِ الله بنِ مِرْدَاسِ حِمَارا فَقَالَ بِكَمْ قَالَ بِدَانِقَيْنِ فَرَكِبَهُ ثُمَّ جاءَ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ الحِمَارَ الحِمَارَ فَرَكِبَهُ ولَمْ يُشَارِطْهُ فبَعَثَ إلَيْهِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْحسن لم يشارط المكاري فِي الْمرة الثَّانِيَة اعْتِمَادًا على الْأُجْرَة الْمُتَقَدّمَة، وَزَاد بعد ذَلِك على الْأُجْرَة الْمُتَقَدّمَة على سَبِيل الْفضل. وَقد جرى الْعرف أَن شخصا إِذا اكترى حمارا أَو فرسا أَو جملا للرُّكُوب إِلَى مَوضِع معِين بِأُجْرَة مُعينَة، ثمَّ فِي ثَانِي مرّة إِذا أَرَادَ ركُوب حمَار هَذَا على الْعَادة لَا يشارطه الْأُجْرَة لاستغنائه عَن ذَلِك، بِاعْتِبَار الْعرف الْمَعْهُود بَينهمَا، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَعبد الله بن مرادس، بِكَسْر الْمِيم: هُوَ صَاحب الْحمار الَّذِي اكتراه مِنْهُ الْحسن. وَوصل هَذَا التَّعْلِيق سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن يُونُس فَذكر مثله.
قَوْله: (بدانقين) ، تَثْنِيَة دانق بِفَتْح النُّون وَكسرهَا: وَهُوَ سدس الدِّرْهَم. قَوْله: (فَرَكبهُ) ، فِيهِ حذف أَي: فَرضِي الْحسن بدانقين فَأَخذه فَرَكبهُ. قَوْله: (ثمَّ جَاءَ) ، أَي: الْحسن مرّة أُخْرَى إِلَى عبد الله بن مرداس، فَقَالَ: الْحمار الْحمار، بالتكرار وَيجوز فيهمَا النصب وَالرَّفْع، أما النصب فعلى تَقْدِير: هَات الْحمار، فينصب على المفعولية، وَأما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء، وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: الْحمار مَطْلُوب، أَو أطلب، أَو نَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَلم يشارطه) ، يَعْنِي الْأُجْرَة اعْتِمَادًا على الْأُجْرَة الْمُتَقَدّمَة للْعُرْف بذلك. قَوْله: (فَبعث إِلَيْهِ) أَي: بعث الْحسن إِلَى عبد الله الْمَذْكُور (بِنصْف دِرْهَم) فَزَاد على الدانقين دانقا آخر على سَبِيل الْفضل وَالْكَرم.
٠١٢٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ حَجَمَ رسولَ الله ﷺ أبُو طَيْبَةَ فأمَرَ لَهُ رسولُ الله ﷺ بِصاعٍ مِنْ تَمْرٍ وأمَرَ أهْلَه أنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لم يشارط الْحجام الْمَذْكُور على أجرته اعْتِمَادًا على الْعرف فِي مثله، وَقد مضى الحَدِيث بِعَيْنِه إِسْنَادًا ومتنا فِيمَا مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي بَاب ذكر الْحجام، غير أَن هُنَاكَ: حجم أَبُو طيبَة رَسُول الله ﷺ ، وَهنا: حجم رَسُول الله ﷺ أَبُو طيبَة.
١١٢٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ هِشَامٍ عنْ عُروَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعاوِيَة لِرَسُولِ الله ﷺ إنَّ أَبَا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحُ فَهَلْ عَلَيَّ جُناح أنْ اخُذَ مِنْ مالِهِ سِرّا قَالَ خُذِي أنْتِ وبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بالمَعْرُوفِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (خذي أَنْت وبنوك مَا يَكْفِيك بِالْمَعْرُوفِ) من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أحالها على الْعرف فِيمَا لَيْسَ فِيهِ تَحْدِيد شَرْعِي. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، نَص عَلَيْهِ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) [/ ح.
والْحَدِيث
стр. 3432
أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَفِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن كثير، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بِهِ.
قَوْله: (هِنْد) يصرف وَلَا يصرف، وَهِي بنت عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن ربيعَة بن عبد شمس بن عبد منَاف، زَوْجَة أبي سُفْيَان، أسلمت عَام الْفَتْح وَمَاتَتْ فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأَبُو سُفْيَان اسْمه: صَخْر بن حَرْب ضد الصُّلْح ابْن أُميَّة بن عبد شمس، أسلم يَوْم فتح مَكَّة، وَكَانَ رَئِيس قُرَيْش يَوْمئِذٍ، وَقد مر فِي حَدِيث هِرقل. قَوْله: (شحيح) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وبالحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ، والشحيح: هُوَ الْبَخِيل الْحَرِيص. قَوْله: (جنَاح) ، بِضَم الْجِيم: أَي: إِثْم. قَوْله: (أَن آخذ) أَي: بِأَن آخذ، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (سرا) ، نصب على التَّمْيِيز أَي: من حَيْثُ السِّرّ، وَيجوز أَن يكون صفة لمصدر مَحْذُوف أَي أخذا سرا غير جهر، قَوْله: (وبنوك) ، ويروى: وبنيك، بِالْجَرِّ. أما وَجه الأول فعلى أَنه مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: خذي، وَإِنَّمَا ذكر أَنْت ليَصِح الْعَطف عَلَيْهِ، وَفِيه خلاف بَين الْبَصرِيين والكوفيين، وَأما النصب فعلى أَنه مفعول مَعَه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُقْتَضى الْمقَام أَن يُقَال أَيْضا: وَمَا يَكْفِي بنيك، أَو: مَا يكفيكم. قلت: تَقْدِيره: مَا يَكْفِي لنَفسك ولبنيك، وَاقْتصر عَلَيْهَا لِأَنَّهَا هِيَ الكافلة لأمورهم. وَقَالَ أَيْضا: فَإِن قلت: هَذِه الْقِصَّة بِمَكَّة وَأَبُو سُفْيَان فِيهَا، فَكيف حكم رَسُول الله ﷺ فِي غيبته وَهُوَ فِي الْبَلَد؟ قلت: هَذَا لم يكن حكما بل كَانَ فَتْوَى. انْتهى. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَاسْتدلَّ بِحَدِيث هِنْد على الْقَضَاء على الْغَائِب، وبالإفتاء لِأَن زَوجهَا أَبَا سُفْيَان كَانَ متواريا بهَا. انْتهى. قلت: لم يكن غَائِبا وَلَا متواريا. وَقَالَ السُّهيْلي: كَانَ حَاضرا سؤالها، فَقَالَ: أَنْت فِي حل مِمَّا أخذت، فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ على جَوَاز الْقَضَاء على الْغَائِب.
وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: نَفَقَة الزَّوْجَة وَالْأَوْلَاد الصغار، وَأَنَّهَا مقدرَة بالكفاية. قَالَ: وَفِيه: أَخذ الْحق من مَال الْغَيْر بِدُونِ إِذْنه. قلت: لَيْسَ هَذَا على إِطْلَاقه بل هَذَا إِذا ظفر بِجِنْس حَقه، وَفِي خلاف جنس حَقه لَا بُد من إِذْنه أَو إِذن الْحَاكِم. قَالَ: وَفِيه: إِطْلَاق الْفَتْوَى وَإِرَادَة تَعْلِيقهَا بِمَا يَقُوله المستفتي. وَفِيه: خُرُوج الْمُزَوجَة من بَيتهَا لحاجتها إِذا علمت رضى الزَّوْج بِهِ.
١٥٤ - (حَدثنِي إِسْحَاق قَالَ حَدثنَا ابْن نمير قَالَ أخبرنَا هِشَام ح وحَدثني مُحَمَّد قَالَ سَمِعت عُثْمَان بن فرقد قَالَ سَمِعت هِشَام بن عُرْوَة يحدث عَن أَبِيه أَنه سمع عَائِشَة ﵂ تَقول وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ أنزلت فِي وَالِي الْيَتِيم الَّذِي يُقيم عَلَيْهِ وَيصْلح فِي مَاله إِن كَانَ فَقِيرا أكل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله أكل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ. (ذكر رِجَاله) وهم سَبْعَة. الأول اسحق قَالَ الغساني لم أَجِدهُ مَنْسُوبا لأحد من الروَاة وَقَالَ خلف وَغَيره فِي الْأَطْرَاف أَنه اسحق بن مَنْصُور واستخرج أَبُو نعيم هَذَا الحَدِيث من مُسْند اسحق بن رَاهَوَيْه عَن ابْن نمير وَقَالَ أخرجه البُخَارِيّ عَن اسحق وَقَالَ فِي التَّفْسِير أخرجه البُخَارِيّ عَن اسحق بن مَنْصُور. الثَّانِي ابْن نمير هُوَ عبد الله بن نمير بِضَم النُّون وَقد مر فِي التَّيَمُّم. الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع مُحَمَّد بن الْمثنى الْمَشْهُور بالزمن وَقد مر فِي الْإِيمَان كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي وَيُقَال هُوَ مُحَمَّد بن سَلام وَالظَّاهِر أَنه هُوَ الأول. الْخَامِس عُثْمَان بن فرقد بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة على وزن جَعْفَر هُوَ الْعَطَّار فِيهِ مقَال لَكِن البُخَارِيّ لم يخرج لَهُ مَوْصُولا إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَقد قرنه بِابْن نمير وَذكر لَهُ آخر تَعْلِيقا فِي الْمَغَازِي. السَّادِس عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّابِع أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه السماع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن شَيْخه اسحق إِن كَانَ ابْن مَنْصُور فَهُوَ مروزي انْتقل إِلَى نيسابور وَإِن كَانَ هُوَ ابْن رَاهَوَيْه فَكَذَلِك مروزي انْتقل إِلَى نيسابور وَفِيه أَن شَيْخه الآخر إِن كَانَ ابْن الْمثنى فَهُوَ بَصرِي وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن سَلام فَهُوَ البُخَارِيّ البيكندي وَفِيه أَن عبد الله بن نمير كُوفِي وَأَن عُثْمَان بن فرقد بَصرِي وَأَن هشاما وأباه عُرْوَة مدنيان "
стр. 3433
(ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن نمير عَن هِشَام فِي التَّفْسِير وَمن طَرِيق عُثْمَان بن فرقد من أَفْرَاده وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي كريب عَن عبد الله بن نمير (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ " هَذَا فِي سُورَة النِّسَاء وَأول الْآيَة ﴿وابتلوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا وبدارا أَن يكبروا وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فأشهدوا عَلَيْهِم وَكفى بِاللَّه حسيبا﴾ قَوْله " وابتلوا الْيَتَامَى " أَي اختبروهم قَالَه ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَالْحسن وَالسُّديّ وَمُقَاتِل بن حَيَّان قَوْله " حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح " قَالَ مُجَاهِد يَعْنِي الْحلم قَوْله " فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا " يَعْنِي صلاحا فِي دينهم وحفظا لأموالهم قَالَه سعيد بن جُبَير ثمَّ نهى الله عَن أكل أَمْوَال الْيَتَامَى من غير حَاجَة ضَرُورِيَّة إسرافا ومبادرة قبل بلوغهم قَوْله " وَمن كَانَ غَنِيا " أَي من كَانَ فِي غنية عَن مَال الْيَتِيم فليستعفف عَنهُ وَلَا يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا قَوْله " أنزلت " أَي هَذِه الْآيَة فِي وَالِي الْيَتِيم وَهُوَ الَّذِي يَلِي أمره ويتولاه قَوْله " الَّذِي يُقيم عَلَيْهِ " قَالَ ابْن التِّين الصَّوَاب يقوم لِأَنَّهُ من الْقيام لَا من الْإِقَامَة قلت لَا مَانع من ذَلِك لِأَن مَعْنَاهُ يلازمه ويعتكف عَلَيْهِ أَو يُقيم نَفسه عَلَيْهِ وَكَذَا أخرجه أَبُو نعيم عَن هِشَام من وَجه آخر وَذهل صَاحب التَّوْضِيح عَن هَذَا الْمَعْنى وَقَالَ الصَّوَاب يقوم بِالْوَاو وَلِأَن يُقيم مُتَعَدٍّ بِغَيْر حرف جر قَوْله " أكل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ " يَعْنِي بِقدر قِيَامه عَلَيْهِ وَقَالَ الْفُقَهَاء لَهُ أَن يَأْكُل أقل الْأَمريْنِ أُجْرَة مثله أَو قدر حَاجته وَاخْتلفُوا هَل يرد إِذا أيسر على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ أكل بِأُجْرَة عمله وَكَانَ فَقِيرا وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي لِأَن الْآيَة أَبَاحَتْ الْأكل من غير بدل وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا عبد الْوَهَّاب حَدثنَا حُسَيْن عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ لَيْسَ لي مَال ولي يَتِيم فَقَالَ " كل من مَال يَتِيمك غير مُسْرِف وَلَا مبذر وَلَا متاثل مَالا وَمن غير أَن تَقِيّ مَالك " وَقَالَ تفدي مَالك شَاك حُسَيْن وروى ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من حَدِيث عَليّ بن مهْدي عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان عَن أبي عَامر الخراز عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله مِمَّا أضْرب يَتِيمِي قَالَ " مَا كنت ضَارِبًا مِنْهُ ولدك غير واق مَالك بِمَالِه وَلَا متاثل مِنْهُ مَالا " وَقَالَ ابْن جرير حَدثنَا الْحسن بن يحيى أخبرنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا الثَّوْريّ عَن يحيى بن سعيد عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ إِن فِي حجري أيتاما وَإِن لَهُم إبِلا ولي إبل وَأَنا أمنح فِي إبلي وأفقر فَمَاذَا يحل لي من أَلْبَانهَا فَقَالَ إِن كنت تبغي ضَالَّتهَا وَتَهْنَأ جَرْبَاهَا وَتَلوط حَوْضهَا وتسقي عَلَيْهَا فَاشْرَبْ غير مُضر بِنَسْل وَلَا نَاهِك فِي الْحَلب وَبِهَذَا القَوْل وَهُوَ عدم الْبَدَل يَقُول عَطاء بن أبي رَبَاح وَعِكْرِمَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعطية الْعَوْفِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالثَّانِي نعم لِأَن مَال الْيَتِيم على الْخطر وَإِنَّمَا أُبِيح للْحَاجة فَيرد بدله كَأَكْل مَال الْغَيْر للْمُضْطَر عِنْد الْحَاجة قَوْله " وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ " يَعْنِي الْقَرْض كَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس وروى من طَرِيق السّديّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ قَالَ يَأْكُل بِثَلَاث أَصَابِع وَقَالَ الشّعبِيّ لَا يَأْكُل مِنْهُ إِلَّا أَن يضْطَر إِلَيْهِ كَمَا يضْطَر إِلَى الْميتَة فَإِن أكل مِنْهُ قَضَاهُ رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَقيل أَن الْوَلِيّ يستقرض من مَال الْيَتِيم إِذا افْتقر وَبِه قَالَ عُبَيْدَة وَعَطَاء وَأَبُو الْعَالِيَة وَقيل فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ فِي مَال نَفسه لِئَلَّا يحْتَاج إِلَى مَال الْيَتِيم وَقَالَ مُجَاهِد لَيْسَ عَلَيْهِ أَن يَأْخُذ قرضا وَلَا غَيره وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَذهب إِلَى أَن الْآيَة مَنْسُوخَة نسختها ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ قَوْله " فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم " يَعْنِي بعد بلوغهم الْحلم وإيناس الرشد فَحِينَئِذٍ سلموهم أَمْوَالهم فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فأشهدوا عَلَيْهِم لِئَلَّا يَقع من بَعضهم جحود وإنكار لما قَبضه وتسلمه قَوْله " وَكفى بِاللَّه حسيبا " أَي محاسبا وَشَاهدا ورقيبا على الْأَوْلِيَاء فِي حَال نظرهم للْأُم حَال تسلمهم الْأَمْوَال هَل هِيَ كَامِلَة وفرة أَو نَاقِصَة مبخوسة مدحلسة مروج حسباها مُدَلّس أمورها الله عَالم بذلك كُله وَلِهَذَا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " يَا أَبَا ذَر إِنِّي أَرَاك ضَعِيفا وَإِنِّي أحب لَك مَا أحب لنَفْسي لَا تأمرن على اثْنَيْنِ وَلَا تولين مَال يَتِيم " -
стр. 3434
٦٩ - (بابُ بَيْعِ الشَّرِيكِ مِنْ شَرِيكِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الشَّرِيك من شَرِيكه.
٣١٢٢ - حدَّثني مَحْمُودٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جعَلَ رسولُ الله ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مالٍ لَمْ يُقْسَمْ فإذَا وقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الشُّفْعَة لَا تقوم إلَاّ بالشفيع، وَهُوَ إِذا أَخذ الدَّار الْمُشْتَركَة بَينه وَبَين رجل حِين بَاعَ مَا يَخُصُّهُ بِالشُّفْعَة فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ من شَرِيكه فَصدق عَلَيْهِ أَنه بيع الشَّرِيك من الشَّرِيك. ومحمود هُوَ ابْن غيلَان، بالغين الْمُعْجَمَة، وَعبد الرَّزَّاق ابْن همام، وَمعمر ابْن رَاشد، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأَبُو سَلمَة ابْن عبد الرحمان.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب وَفِيه وَفِي الشّركَة وَفِي الشُّفْعَة عَن مُسَدّد، وَفِي الشّركَة وَفِي ترك الْحِيَل عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع أَيْضا عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن عبد بن حميد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي كل مَال لم يقسم) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، على مَا يَأْتِي عَن قريب فِي كل مَا لم يقسم، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) عَن عبد الرَّزَّاق: فِي كل مَا لم يقسم، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَنهُ فَقَالَ: فِي الْأَمْوَال مَا لم يقسم، وَالْمرَاد من قَوْله: فِي كل مَا لم يقسم: الْعقار وَإِن كَانَ اللَّفْظ عَاما، قَوْله: (فَإِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شَفَقَة) ، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تكون مقسومة غير مشاعة. قَوْله: (صرفت) على صِيغَة الْمَجْهُول، بتَشْديد الرَّاء وتخفيفها.
ذكر مَذَاهِب الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب: مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر: أَن لَا شُفْعَة إلَاّ لِشَرِيك لم يقاسم، وَلَا تجب الشُّفْعَة بالجوار، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث جَابر الْمَذْكُور، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الشُّفْعَة فِي كل شرك بِأَرْض أَو ربع أَو حَائِط لَا يصلح أَن يَبِيع حَتَّى يعرض على شَرِيكه فَيَأْخُذ أَو يدع) . وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد أَيْضا، وَاحْتج الثَّوْريّ وَالْحسن بن حَيّ وَإِسْحَاق وَأحمد فِي رِوَايَة، وَأَبُو عبيد والظاهرية: أَن أحد الشَّرِيكَيْنِ إِذا عرض عَلَيْهِ الآخر فَلم يَأْخُذ سقط حَقه من الشُّفْعَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن الحكم بن عتيبة أَيْضا.
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابهم: لَا يسْقط حَقه بذلك، بل لَهُ أَن يَأْخُذ بعد البيع لِأَن الشُّفْعَة لم تجب بعد، وَإِنَّمَا تجب لَهُ بعد البيع، فَتَركه مَا لم يجب لَهُ بعد لَا معنى لَهُ، وَلَا يسْقط حَقه إِذا وَجب. وَقَالَ النَّخعِيّ وَشُرَيْح القَاضِي وَالثَّوْري وَعَمْرو بن حُرَيْث وَالْحسن بن حَيّ وَقَتَادَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: تجب الشُّفْعَة فِي الْأَرَاضِي والرباع والحوائط للشَّرِيك الَّذِي لم يقاسم ثمَّ للشَّرِيك الَّذِي قَاسم وَقد بَقِي حق طَرِيقه أَو شربه، ثمَّ من بعدهمَا للْجَار الملازق وَهُوَ الَّذِي دَاره على ظهر الدَّار المشفوعة، وبابه فِي سكَّة أُخْرَى، وَرُوِيَ عَن عَطاء أَنه قَالَ: الشُّفْعَة فِي كل شَيْء حَتَّى فِي الثَّوْب، وَحكى مقَالَة عَطاء عَن بعض الشَّافِعِيَّة وَمَالك، وَأنْكرهُ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد، وَحكى عَن مَالك وَأحمد وجوب الشُّفْعَة فِي السفن، وَفِي (حاوي) الْحَنَابِلَة: وكل مَا لَا يقسم وَلَا هُوَ مُتَّصِل بعقار كالسيف والجوهرة وَالْحجر وَالْحَيَوَان وَمَا فِي معنى ذَلِك، فَفِي وجوب الشُّفْعَة فِيهِ رِوَايَتَانِ ذكرهمَا ابْن أبي مُوسَى، وَلَا تُؤْخَذ الثِّمَار بِالشُّفْعَة تبعا، ذكره القَاضِي. وَقَالَ أَبُو الْخطاب، تُؤْخَذ، وعَلى ذَلِك يخرج الزَّرْع، وَلَا شُفْعَة فِيمَا يقسم من المنقولات بِحَال. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) ؛ وَلَا شُفْعَة فِي المنقولات سَوَاء بِيعَتْ وَحدهَا أم مَعَ الأَرْض، وَيثبت فِي الأَرْض سَوَاء بيع الشّقص مِنْهَا وَحده أم مَعَ شَيْء من المنقولات، وَمَا كَانَ مَنْقُولًا ثمَّ أثبت فِي الأوض للدوام كالأبنية وَالْأَشْجَار، فَإِن بِيعَتْ مُنْفَرِدَة فَلَا شُفْعَة فِيهَا على الصَّحِيح.
стр. 3435
وَلَو كَانَ على الشّجر ثَمَرَة مؤبرة وأدخلت فِي البيع بِالشّرطِ لم تثبت فِيهَا الشُّفْعَة، فَيَأْخُذ الشَّفِيع الأَرْض والنخيل بحصتهما، وَإِن كَانَت غير مؤبرة دخلت فِي البيع، وَهل للشَّفِيع أَخذهَا؟ وَجْهَان أَو قَولَانِ أصَحهمَا: نعم. انْتهى.
ثمَّ اخْتلف من يَقُول بِالشُّفْعَة للْجَار، فَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: لَا شُفْعَة إلَاّ للْجَار الملازق، وَقَالَ الْحسن بن حَيّ: للْجَار مُطلقًا بعد الشَّرِيك، وَقَالَ آخَرُونَ: الْجَار الَّذِي تجب لَهُ الشُّفْعَة أَرْبَعُونَ دَارا حول الدَّار. وَقَالَ آخَرُونَ: من كل جَانب من جَوَانِب الدَّار أَرْبَعُونَ دَارا. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ كل من صلى مَعَه صَلَاة الصُّبْح فِي الْمَسْجِد، وَقَالَ بَعضهم: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، وَحجَّة أَصْحَابنَا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ أَحَادِيث رويت عَن النَّبِي ﷺ . مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، فَقَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن أبي دَاوُد البرنسي، قَالَ: حَدثنَا عَليّ ابْن صَالح الْقطَّان وَأحمد بن حبَان، قَالَا: حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (جَار الدَّار أَحَق بِالدَّار) . وَأخرجه الْبَزَّار أَيْضا فِي (مُسْنده) . فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَلَا يعرف حَدِيث قَتَادَة عَن أنس إلَاّ من حَدِيث عِيسَى بن يُونُس؟ قلت: مَا لعيسى بن يُونُس فَإِنَّهُ حجَّة ثَبت، فَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ حِين سُئِلَ عَنهُ: بخٍ بخٍ ثِقَة مَأْمُون، وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عمار عِيسَى: حجَّة، وَهُوَ أثبت من إِسْرَائِيل. وَقَالَ الْعجلِيّ: كَانَ ثبتا فِي الحَدِيث، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا يضر كَون الحَدِيث عَنهُ وَحده. وَمِنْهَا: حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب أخرجه التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا عَليّ بن حجر، قَالَ: أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن علية عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (جَار الدَّار أَحَق بِالدَّار) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من سِتَّة طرق صِحَاح أَحدهَا مُرْسل. فَإِن قلت: الْحسن لم يسمع من سَمُرَة إلَاّ ثَلَاثَة أَحَادِيث، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا؟ قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِنَّه سمع مِنْهُ عدَّة أَحَادِيث، وَقَالَ الْحَاكِم فِي أثْنَاء كتاب الْبيُوع من (الْمُسْتَدْرك) : قد احْتج البُخَارِيّ بالْحسنِ عَن سَمُرَة، وَذَلِكَ بعد أَن روى حَدِيثا من رِوَايَة الْحسن عَن سَمُرَة. وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أخرجه الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكرَة حَدثنَا أَبُو أَحْمد، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن الحكم عَمَّن سمع عليا وَعبد الله بن مَسْعُود يَقُولَانِ: قضى رَسُول الله، ﷺ ، بالجوار. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: حَدثنَا جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور عَن الحكم عَن عَليّ وَعبد الله قَالَا: قضى رَسُول الله، ﷺ ، بِالشُّفْعَة للجوار. قلت: فِي سَنَد الطَّحَاوِيّ مَجْهُول، وَفِي سَنَد ابْن أبي شيبَة الحكم عَن عَليّ، وَالْحكم لم يدْرك عليا وَلَا عبد الله. وَمِنْهَا: حَدِيث عَمْرو بن حُرَيْث، أخرجه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح مثل الحَدِيث الَّذِي قبله، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة مَوْقُوفا على عَمْرو بن حُرَيْث أَنه: كَانَ يقْضِي بالجوار، أَي يقْضِي للْجَار بِالشُّفْعَة بِسَبَب الْجوَار، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كتب إِلَى شُرَيْح أَن يقْضِي بِالشُّفْعَة للْجَار الملازق، وَأخرجه أَيْضا ابْن أبي شيبَة نَحوه، وَفِيه: فَكَانَ شُرَيْح يقْضِي للرجل من أهل الْكُوفَة على الرجل من أهل الشَّام، وَأجَاب الْأَصْحَاب عَن حَدِيث الْبَاب أَن جَابِرا قَالَ: جعل رَسُول الله ﷺ الشُّفْعَة فِي كل مَال لم يقسم، وَلَفظه فِي حَدِيثه الثَّانِي الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا الْبَاب: قضى النَّبِي ﷺ بِالشُّفْعَة فِي كل مَا لم يقسم، وَهَذَانِ اللفظان إِخْبَار عَن النَّبِي ﷺ بِمَا قضى، ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك، فَإِذا وَقعت الْحُدُود ... إِلَى آخِره، وَهَذَا قَول من رأى جَابِرا لم يحكه عَن رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا يكون هَذَا حجَّة علينا أَن لَو كَانَ رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك على أَنه روى عَن جَابر أَيْضا أَنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : الْجَار أَحَق بشفعة جَاره، فَإِن كَانَ غَائِبا انْتظر إِذا كَانَ طريقهما وَاحِدًا، أخرجه الطَّحَاوِيّ من ثَلَاث طرق صِحَاح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب وَلَا نعلم أحدا روى هَذَا الحَدِيث غير عبد الْملك بن مَالك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن جَابر، وَقد تكلم شُعْبَة فِي عبد الْملك من أجل هَذَا الحَدِيث، وَعبد الْملك ثِقَة مَأْمُون عِنْد أهل الحَدِيث لَا نعلم أحدا تكلم فِيهِ غير شُعْبَة من أجل هَذَا الحَدِيث، وَقد روى وَكِيع عَن شُعْبَة عَن عبد الْملك هَذَا الحَدِيث، وروى عَن ابْن الْمُبَارك عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، قَالَ: عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان ميزَان، يَعْنِي: فِي الْعلم.
стр. 3436
٧٩ - (بابُ بَيْعِ الأرْضِ والدُّورِ والعُرُوضِ مُشاعا غَيْرَ مَقْسُومٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الأَرْض ... إِلَى آخِره. قَوْله: (الدؤر) بِالْهَمْز وَالْوَاو كليهمَا بِالْوَاو فَقَط جمع دَار، وَالْعرُوض بالضاد الْمُعْجَمَة جمع عرض بِالْفَتْح، وَهُوَ الْمَتَاع. قَوْله: (مشَاعا) ، نصب على الْحَال، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: مشاعة، لَكِن لما صَار: الْمشَاع كالاسم، وَقطع النّظر فِيهِ عَن الوصفية جَازَ تذكيره أَن يكون بِاعْتِبَار الْمَذْكُور أَو بِاعْتِبَار كل وَاحِد.
٤١٢٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ مَحْبُوب قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبِي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَضَي النبيُّ ﷺ بالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مالٍ لَمْ يُقْسَمْ فإذَا وقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: كل مَا لَا يقسم، وَقد ذكرنَا أَن هَذَا اللَّفْظ عَام، وَأُرِيد بِهِ الْخَاص فِي الْعقار، والبحث فِيهِ قد مضى فِي الْبَاب السَّابِق من أَن الشُّفْعَة فِي الْأَرْضين والدور خَاصَّة. وَأما بيع الْعرُوض مشَاعا فَأكْثر الْعلمَاء أَنه: لَا شُفْعَة فِيهَا، كَمَا مر، وَإِنَّمَا ذكر الْعرُوض فِي التَّرْجَمَة وَلَيْسَ لَهَا ذكر فِي الحَدِيث تَنْبِيها على الْخلاف فِيهِ على الْإِجْمَال، فَيُوقف عَلَيْهِ من الْخَارِج.
وَرِجَال الحَدِيث كلهم قد مروا، فمحمد بن مَحْبُوب ضد المبغوض قد مر فِي الْغسْل، وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد قد مر فِي بَاب: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم﴾ (الْإِسْرَاء: ٥٨) . وَقَالَ الْخطابِيّ هُنَا: معنى الشَّفَقَة نفي الضَّرَر، وَإِنَّمَا يتَحَقَّق مَعَ الشّركَة وَلَا ضَرَر على الْجَار، فَلَا وَجه لنزع ملك الْمُبْتَاع مِنْهُ بعد استقراره. انْتهى. قلت: هَذَا مدافعة للأحاديث الصَّحِيحَة الَّتِي فِيهَا الشُّفْعَة للْجَار، وَقد ذَكرنَاهَا عَن قريب. قَوْله: (وَلَا ضَرَر على الْجَار) مَمْنُوع لاحْتِمَال أَن يكون المُشْتَرِي من شرار النَّاس، أَو مِمَّن يشْتَغل بِالْمَعَاصِي فيتضرر بِهِ الْجَار، وَلَا ضَرَر أعظم من هَذَا لاستمراره لَيْلًا وَنَهَارًا. وَقَوله: بعد استقراره، غير صَحِيح، لِأَن حق الْغَيْر فِيهِ، فَكيف يُقَال إِنَّه مُسْتَقر وَهَذِه كلهَا معاندة ومكابرة.
٧٥١ - ح دَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بِهَذَا وَقَالَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث عَن شَيْخه أَحدهمَا مُحَمَّد بن مَحْبُوب عَن عبد الْوَاحِد، وَالْآخر عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد، وَأَشَارَ بِهِ أَيْضا إِلَى اخْتِلَاف كل فِي قَوْله فِي كل مَا لم يقسم، فَإِن فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن مَحْبُوب: فِي كل مَا لم يقسم، وَفِي رِوَايَة مُسَدّد. وَفِي كل مَال لم يقسم. قَوْله: (بِهَذَا) ، أَي: بِهَذَا الحَدِيث، الْمَذْكُور.
تابَعَهُ هِشَامٌ عنْ مَعْمَرٍ
أَي: تَابع عبد الْوَاحِد هِشَام بن يُوسُف الْيَمَانِيّ فِي رِوَايَته: فِي كل مَال لم يقسم، وَهَذِه المتابة وَصلهَا البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي ترك الْحِيَل.
قَالَ عبْدُ الرَّزَّاقِ فِي كُلِّ مالٍ رَواهُ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ إسْحَاقَ عنِ الزُّهْرِيِّ
أَي: قَالَ عبد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته عَن معمر: فِي كل مَال، وَكَذَا قَالَ عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق الْقرشِي، قَالَ أَبُو دَاوُد: إِنَّه قدري ثِقَة. قَوْله: (عَن الزُّهْرِيّ) ، أَي: رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَطَرِيق عبد الرَّزَّاق وَصله البُخَارِيّ فِي الْبَاب السَّابِق، وَطَرِيق عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَصله مُسَدّد فِي (مُسْنده) عَن بشر بن الْمفضل عَنهُ، وَوَقع عِنْد السَّرخسِيّ فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق وَفِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد فِي الْمَوْضِعَيْنِ: فِي كل مَال، وللباقين: فِي كل مَا لم يقسم، فِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد، و: كل مَال، فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا الْفرق بَين هَذِه الأساليب الثَّلَاثَة؟ قلت: الْمُتَابَعَة هِيَ أَن يروي الرَّاوِي الآخر الحَدِيث بِعَيْنِه، وَالرِّوَايَة أَعم مِنْهَا، وَالْقَوْل إِنَّمَا يسْتَعْمل عِنْد السماع على سَبِيل المذاكرة. انْتهى. قلت: هَذِه فَائِدَة جليلة وَأَرَادَ بالأساليب الثَّلَاثَة قَوْله: تَابعه، وَقَوله: قَالَ عبد الرَّزَّاق، وَقَوله: رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن.
стр. 3437
٨٩ - (بابٌ إذَا اشْتَرَى شَيْئا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَرَضِيَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اشْترى أحد شَيْئا لأجل غَيره بِغَيْر إِذن مِنْهُ، يَعْنِي بطرِيق الفضول، وَأَشَارَ بِهِ البُخَارِيّ إِلَى بيع الْفُضُولِيّ، وَكَأَنَّهُ مَال إِلَى جَوَاز بيع الْفُضُولِيّ، فَلذَلِك عقد هَذِه التَّرْجَمَة. قَوْله: (فَرضِي) أَي: فَرضِي ذَلِك الْغَيْر بذلك الشِّرَاء بعد وُقُوعه بِغَيْر إِذن مِنْهُ.
٥١٢٢ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْراهيم حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ أخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أخبرَني مُوسى ابنُ عُقْبةَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ خَرَجَ ثَلاثَةٌ يَمْشُونَ فأصَابَهُمُ المَطَرُ فدَخَلُوا فِي غارٍ فِي جَبَلً فانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ فَقَالَ بعضُهُمْ لِبَعْضٍ ادْعُوا الله بِأفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ فَقَالَ أحدُهُمْ اللَّهُمَّ إنِّي كانَ لِي أبَوَانِ شَيْخَانِ كبِيرانِ فكُنْتُ أخْرُجُ فأرْعَى ثُمَّ أجيءُ فأحْلُبُ فأجِيءُ بالحِلَابِ فآتِي بِهِ أبَوَي فيَشْرَبانِ ثُمَّ أسْقِي الصِّبْيَةَ وأهْلِي وامْرَأتِي فاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً فَجِئْتُ فإذَا هُمَا نائِمان قَالَ فَكَرِهْتُ أنْ أُوقِظَهُمَا والصِّبْيَةُ يتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ فلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأبِي ودَأبَهُمَا حَتَّى طلَعَ الفَجْرُ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَراى مِنْهَا السَّماءَ قَالَ فَفُرِجَ عَنْهُمْ وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأةً منْ بناتِ عَمِّي كأشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّساءَ فقالَتْ لَا تَنالُ ذَلِكَ مِنْها حَتَّى تُعْطِيهَا مائَةَ دِينارٍ فسَعَيْتُ فِيها حتَّى جَمعْتُها فلَمَّا قَعدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قالَتِ اتَّقِ الله ولَا تَفُض الخَاتَمَ إلَاّ بِحَقِّهِ فقُمْتُ وتَرَكْتُهَا فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً قَالَ ففَرَجَ عَنْهُمُ الثُّلْثَيْنِ وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي اسْتَأجَرْتُ أجِيرا بِفَرَقٍ مِنْ ذرَّةٍ فأعطيته وأبى ذَاك أنْ يأخُذَ فَعَمَدْتُ إِلَى ذالِكَ الْفَرْقِ فزَرَعْتُهُ حتَّى اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرا وراعِيهَا ثُمَّ جاءَ فَقال يَا عَبْدَ الله أعْطِنِي حَقِّي فَقُلْتُ انْطَلِقْ إلاى تِلْكَ الْبَقَرِ وراعِيها فإنَّها لَكَ فقالَ أتَسْتَهْزِىءُ بِي فقُلْتُ مَا أسْتَهْزِيءُ بِكَ ولاكِنَّها لَكَ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا فَكُشِفَ عَنْهُمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى اشْتريت مِنْهُ بقرًا) فَإِنَّهُ اشْترى شَيْئا لغيره بِغَيْر إِذْنه، ثمَّ لما جَاءَ الْأَجِير الْمَذْكُور وَأخْبرهُ الرجل بذلك فَرضِي وَأَخذه.
وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير الدَّوْرَقِي، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك ابْن عبد الْعَزِيز، ومُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمَدِينِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُزَارعَة عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أنس بن عِيَاض. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن الْمسَيبِي عَن أنس بن عِيَاض وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد بن حميد كِلَاهُمَا عَن أبي عَاصِم بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّقَائِق عَن يُوسُف بن سعيد عَن حجاج عَن ابْن جريج بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج ثَلَاثَة) أَي: ثَلَاثَة من النَّاس، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: بَيْنَمَا ثَلَاثَة نفر يَمْشُونَ. وَقَوله: (يَمْشُونَ) حَال وَمحله النصب. قَوْله: (أَصَابَهُم الْمَطَر) بِالْفَاءِ، عطف على: خرج ثَلَاثَة، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: أَصَابَهُم، بِدُونِ الْفَاء لِأَنَّهُ خبر بَيْنَمَا. قَوْله: (فَدَخَلُوا فِي غَار) ، فِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فأووا إِلَى غَار، بقصر الْهمزَة، وَيجوز مدها أَي: انضموا إِلَى الْغَار وجعلوه
стр. 3438
لَهُم مأوى. قَوْله: (فِي جبل) أَي: فِي غَار كَائِن فِي جبل. قَوْله: (فانحطت عَلَيْهِم صَخْرَة) ، أَي: على بَاب غارهم، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فانحطت على فَم الْغَار صَخْرَة من الْجَبَل. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: النَّبِي، ﷺ ، (فَقَالَ بَعضهم لبَعض: أدعوا الله بِأَفْضَل عمل عملتموه) وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فَقَالَ بَعضهم لبَعض: انْظُرُوا أعمالاً عملتموها صَالِحَة لله تَعَالَى فَادعوا الله بهَا، لَعَلَّه يفرجها عَنْكُم. قَالَ أحدهم: أَي أحد الثَّلَاثَة، وَهَهُنَا: فَقَالَ، بِالْفَاءِ. قَوْله: (أللهم) . إعلم أَن لفظ: اللَّهُمَّ، يسْتَعْمل فِي كَلَام الْعَرَب على ثَلَاثَة أنحاء: أَحدهَا: للنداء الْمَحْض وَهُوَ ظَاهر. وَالثَّانِي: للإيذان بنذرة الْمُسْتَثْنى كَقَوْلِك بعد كَلَام: أللهم، إلَاّ إِذا كَانَ كَذَا. وَالثَّالِث: ليدل على تَيَقّن الْمُجيب فِي الْجَواب المقترن هُوَ بِهِ، كَقَوْلِك لمن قَالَ: أَزِيد قَائِم أللهم نعم أَو أللهم لَا، كَأَنَّهُ يُنَادِيه تَعَالَى مستشهدا على مَا قَالَ من الْجَواب. وأللهم هَذَا هُنَا من هَذَا الْقَبِيل. قَوْله: (إِنِّي كَانَ لي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كبيران) . قَوْله: أَبَوَانِ، من بَاب التغليب لِأَن الْمَقْصُود الْأَب وَالأُم، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: أللهم إِنَّه كَانَ لي والدان شَيْخَانِ كبيران ولي صبية صغَار وَكنت أرعى عَلَيْهِم، وَفِي رِوَايَة هَذَا الْبَاب: وَكنت أخرج فأرعى، يَعْنِي: كنت أخرج إِلَى المرعى فأرعى، أَي: إبلي. قَوْله: (ثمَّ أجيء) أَي: من المرعى (فأحلب) أَي: الَّتِي يحلب مِنْهَا، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فَإِذا رحت عَلَيْهِم حلبت. قَوْله: (فأجيء بالحلاب) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللَّام: وَهُوَ الْإِنَاء الَّذِي يحلب فِيهِ، وَيُرَاد بِهِ هَهُنَا اللَّبن المحلوب فِيهِ. قَوْله: (فَآتي بِهِ) أَي: بالحلاب. قَوْله: (أَبَوي) ، من بَاب التغليب، كَمَا ذكرنَا عَن قريب، وَأَصله: أَبَوَانِ لي، فَلَمَّا أضيف إِلَيّ يَاء الْمُتَكَلّم وَسَقَطت النُّون وانتصب على المفعولية قلبت ألف التَّثْنِيَة ياءٍ وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء. قَوْله: (فيشربان) مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: فأناولهما إِيَّاه فيشربان. قَوْله: (وأسقي الصبية) ، بِكَسْر الصَّاد: جمع صبي وَكَذَلِكَ الصبوة، والواوو الْقيَاس وَالْيَاء أَكثر اسْتِعْمَالا. وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فَبَدَأت بوالدي أسقيهما قبل بني، أَي: قبل أَن أَسْقِي بني، وَأَصله بنُون لي، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وَسَقَطت النُّون وقلبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، فَصَارَ: بني، بِضَم النُّون، وأبدلت الضمة كسرة لأجل الْيَاء فَصَارَ: بني، قَوْله: (وَأَهلي) ، المُرَاد بالأهل هَهُنَا الأقرباء نَحْو: الْأَخ وَالْأُخْت، حَتَّى لَا يكون عطف امْرَأَتي على أَهلِي عطف الشَّيْء على نَفسه. قَوْله: (فاحتبست لَيْلَة) أَي: تَأَخَّرت لَيْلَة من اللَّيَالِي بِسَبَب أَمر عرض لي، وَفِي بَاب الْمُزَارعَة: وَإِنِّي استأخرت ذَات يَوْم فَلم آتٍ حَتَّى أمسيت. قَوْله: (استأخرت) بِمَعْنى تَأَخَّرت، يُقَال: تَأَخّر واستأخر بِمَعْنى، وَلَيْسَ السِّين فِيهِ للطلب. قَوْله: (ذَات يَوْم) الْإِضَافَة فِيهِ من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الإسم أَي: قِطْعَة من زمَان هَذَا الْيَوْم أَي: من صَاحِبَة هَذَا الإسم. قَوْله: (فَإِذا هما نائمان) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة، وَقد ذكر غير مرّة أَنَّهَا تُضَاف إِلَى جملَة، فَقَوله: هما، مُبْتَدأ و: نائمان، خَبره. وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فوجدتهما نَامَا فحلبت كَمَا كنت أحلب. قَوْله: (فَكرِهت أَن أوقظهما) ، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فَقُمْت عِنْد رؤوسهما أكره أَن أوقظهما وأكره أَن أَسْقِي الصبية. قَوْله: (والصبية يتضاغون) ، أَي: يصيحون، وَهُوَ من بَاب التفاعل من: الضغاء، بالمعجمتين وَهُوَ: الصياح بالبكاء، وَيُقَال: ضغا الثَّعْلَب ضغاء أَي: صَاح، وَكَذَلِكَ السنور، وَيُقَال: ضغا يضغو ضغوا وضغاء: إِذا صَاح وضج. قَوْله: (عِنْد رجْلي) ، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: يتضاغون عِنْد قدمي حَتَّى طلع الْفجْر. قَوْله: (فَلم يزل ذَلِك دأبي ودأبهما) ، الدأب الْعَادة والشأن، وَقَالَ الْفراء: أَصله من دأبت، إلَاّ أَن الْعَرَب حولت مَعْنَاهُ إِلَى الشَّأْن. قَوْله: (أللهم إِن كنت تعلم أَنِّي فعلت ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فَإِن كنت تعلم أَنِّي فعلته، وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظَة: أللهم. قَوْله: (ابْتِغَاء وَجهك) ، أَي: طلبا لمرضاتك، وَالْمرَاد بِالْوَجْهِ الذَّات، وانتصاب ابْتِغَاء على أَنه مفعول لَهُ، أَي: لأجل ابْتِغَاء وَجهك. قَوْله: (فأفرجْ عَنَّا) أَمر من: فرج يفرج، من بَاب: نصر ينصر، وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ بِضَم الرَّاء فِي أَكثر الْأُمَّهَات. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: إِنَّه بِكَسْرِهَا، وَهُوَ دُعَاء فِي صُورَة الْأَمر، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فأفرج لنا. قَوْله: (فُرْجَة) ، بِضَم الْفَاء وَفتحهَا، والفرجة فِي الْحَائِط كالشق، والفرجة انفراج الكروب، وَقَالَ النّحاس: الفرجة بِالْفَتْح فِي الْأَمر، والفرجة بِالضَّمِّ فِيمَا يُرى من الْحَائِط وَنَحْوه، قلت: الفرجة هُنَا بِالضَّمِّ قطعا على مَا لَا يخفى. قَوْله: (فَفرج عَنْهُم) أَي: فرج بِقدر مَا دَعَاهُ، وَهِي الَّتِي بهَا ترى السَّمَاء، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فَفرج الله لَهُم فَرَأَوْا السَّمَاء. قَوْله: (وَقَالَ الآخر: أللهم إِن كنت تعلم أَنِّي كنت أحب أمْرَأَة من بَنَات عمي كأشد مَا يحب الرجل النِّسَاء) وَفِي كتاب الْمُزَارعَة: أللهم إِنَّهَا كَانَت لي بنت عَم أحببتها كأشد مَا يحب الرِّجَال النِّسَاء. قَوْله: (كأشد) الْكَاف
стр. 3439
زَائِدَة أَو أَرَادَ تَشْبِيه محبته بأشد المحبات. قَوْله: (فَقَالَت: لَا تنَال ذَلِك مِنْهَا) أَي: قَالَت بنت عَمه: لَا تنَال مرادك مِنْهَا حَتَّى تعطيها مائَة دِينَار، وَفِيه الْتِفَات لِأَن مُقْتَضى الْكَلَام: لَا تنَال مني حَتَّى تُعْطِينِي، وَفِي بَاب الْمُزَارعَة: فطلبت مِنْهَا فَأَبت حَتَّى أتيتها بِمِائَة دِينَار أَي: طلبت من بنت عمي فامتنعت، وَقَالَت: حَتَّى تُعْطِينِي مائَة دِينَار، فجمعتها حَتَّى أتيتها بِمِائَة دِينَار الَّتِي طلبتها. قَوْله: (فسعيت فِيهَا) أَي: فِي مائَة دِينَار (حَتَّى جمعتها) وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فبغيت حَتَّى جمعتها، أَي: فطلبت، من الْبَغي وَهُوَ الطّلب هَكَذَا فِي رِوَايَة السجري، وَفِي رِوَايَة العذري والسمرقندي وَابْن ماهان، فَبعثت حَتَّى جمعتها. وَفِي (الْمطَالع) : وَالْأول هُوَ الْمَعْرُوف، بالغين الْمُعْجَمَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف دون الثَّانِي، وَهُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة. قَوْله: (فَلَمَّا قعدت بَين رِجْلَيْهَا) وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فَلَمَّا وَقعت بَين رِجْلَيْهَا. قَوْله: (قَالَت: إتق الله) ، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: قَالَت: يَا عبد الله إتق الله، أَي: خف الله وَلَا ترتكب الْحَرَام. قَوْله: (وَلَا تقض الْخَاتم إلَاّ بِحقِّهِ) ، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: وَلَا تفتح الْخَاتم إلَاّ بِحقِّهِ، و: لَا تفض، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسرهَا، و: الْخَاتم، بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا، وَهُوَ كِنَايَة عَن بَكَارَتهَا. قَوْله: (إلَاّ بِحقِّهِ) أَي: إلَاّ بِالنِّكَاحِ، أَي: لَا تُزِلِ البكارةَ إلَاّ بحلال. قَوْله: (فَقُمْت) أَي: من بَين رِجْلَيْهَا وتركتها، يَعْنِي لم أفعل بهَا شَيْئا، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: وتركتها. قَوْله: (فَفرج عَنْهُم الثُّلثَيْنِ) أَي: فَفرج الله عَنْهُم ثُلثي الْموضع الَّذِي عَلَيْهِ الصَّخْرَة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُزَارعَة إلَاّ قَوْله: فَفرج، لَيْسَ إلَاّ قَوْله: (أللهم إِن كنت تعلم أَنِّي اسْتَأْجَرت أَجِيرا بفرق من ذرة) وَفِي الْمُزَارعَة: أللهم إِنِّي اسْتَأْجَرت أَجِيرا بفرق أرز، الْفرق، بِفَتْح الرَّاء وسكونها: مكيال يسع ثَلَاثَة آصَع. وَقَالَ ابْن قرقول: روينَاهُ بالإسكان وَالْفَتْح عَن أَكثر شُيُوخنَا، وَالْفَتْح أَكثر. قَالَ الْبَاجِيّ: وَهُوَ الصَّوَاب، وَكَذَا قيدناه عَن أهل اللُّغَة، وَلَا يُقَال: فرق بالإسكان، وَلَكِن فرق بِالْفَتْح، وَكَذَا حكى النّحاس، وَذكر ابْن دُرَيْد أَنه قد قيل بالإسكان. قَوْله: (ذرة) ٧ بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء الْخَفِيفَة، وَهُوَ حب مَعْرُوف، وَأَصله ذرو أَو ذري، وَالْهَاء عوض. و: الْأرز، بِفَتْح الْهمزَة وَضم الرَّاء وَتَشْديد الزَّاي، وَهُوَ مَعْرُوف، وَفِيه سِتّ لُغَات: أرز وأرز فتتبع الضمة الضمة، و: ارز وارز مثل: رسل ورسل، ورز ورنز، وَهُوَ لُغَة عبد الْقَيْس. قَوْله: (فأعطيته وأبى ذَاك أَن يَأْخُذ) ، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فَلَمَّا قضى عمله قَالَ: أَعْطِنِي حَقي، فعرضت عَلَيْهِ فَرغب عَنهُ. قَوْله: (أَعْطيته) أَي: أَعْطَيْت الْفرق من ذرة، (وأبى) أَي: امْتنع. قَوْله: (ذَاك) ، أَي: الْأَجِير الْمَذْكُور. قَوْله: (أَن يَأْخُذ) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: أَبى من الْأَخْذ، وَهُوَ معنى قَوْله: فَرغب عَنهُ، أَي: أعرض عَنهُ فَلم يَأْخُذهُ. قَوْله: (فعمدت) ، بِفَتْح الْمِيم أَي: قصدت، يُقَال: عَمَدت إِلَيْهِ وعمدت لَهُ أعمد عمدا أَي: قصدت. قَوْله: (فزرعته) أَي: الْفرق الْمَذْكُور (حَتَّى اشْتريت مِنْهُ بقرًا وراعيها) وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فرغت عَنهُ فَلم أزل أزرعه حَتَّى جمعت مِنْهُ بقرًا وراعيها، ويروى: ورعاتها بِضَم الرَّاء جمع راعي. قَوْله: (ثمَّ جَاءَ) أَي: الْأَجِير الْمَذْكُور، (فَقَالَ: يَا عبد الله أَعْطِنِي حَقي) وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فَجَاءَنِي فَقَالَ اتَّقِ الله قَوْله: (فَقلت انْطلق إِلَى تِلْكَ الْبَقر وراعيها فَإِنَّهَا لَك) . وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فَقلت: إذهب إِلَى ذَلِك الْبَقر ورعاتها فَخذ، ويروى: إِلَى تِلْكَ الْبَقر. قَوْله: (فَقَالَ أتستهزىء بِي؟) من اسْتَهْزَأَ بفلان: إِذا سخر مِنْهُ، وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة، فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تستهزىء بِي. قَوْله: (فَقلت: مَا استهزىء بك وَلكنهَا لَك) وَفِي رِوَايَة الْمُزَارعَة: فَقَالَ: إِنِّي لَا استهزىء بك فَخذه، فَأَخذه. ويروى: فَقلت إِنِّي ... إِلَى آخِره. قَوْله: (فافرج عَنَّا، فكشف عَنْهُم) أَي: فكشف بَاب المغارة، وَفِي رِوَايَة المز ارعة، فافرج مَا بَقِي، فَفرج أَي فَفرج الله مَا بَقِي من بَاب المغارة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْإِخْبَار عَن مُتَقَدِّمي الْأُمَم وَذكر أَعْمَالهم لترغيب أمته فِي مثلهَا، وَلم يكن ﷺ يتَكَلَّم بِشَيْء إلَاّ لفائدة، وَإِذا كَانَ مزاحه كَذَلِك فَمَا ظَنك بأخباره؟ وَفِيه: جَوَاز بيع الْإِنْسَان مَال غَيره بطرِيق الفضول، وَالتَّصَرُّف فِيهِ بِغَيْر إِذن مَالِكه إِذا أجَازه الْمَالِك بعد ذَلِك، وَلِهَذَا عقد البُخَارِيّ التَّرْجَمَة، وَقَالَ بَعضهم: طَرِيق الِاسْتِدْلَال بِهِ يبتنى على أَن شرع من قبلنَا شرع لنا، وَالْجُمْهُور على خِلَافه. انْتهى. قلت: شرع من قبلنَا يلْزمنَا مَا لم يقص الشَّارِع الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وَهنا طَرِيق آخر فِي الْجَوَاز، وَهُوَ: أَنه ﷺ ذكر هَذِه الْقِصَّة فِي معرض الْمَدْح وَالثنَاء على فاعلها، وَأقرهُ على ذَلِك، وَلَو كَانَ لَا يجوز لبينه. وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه: دَلِيل على صِحَة قَول ابْن الْقَاسِم: إِذا أودع رجل رجلا طَعَاما فَبَاعَهُ الْمُودع بِثمن: فَرضِي الْمُودع بِهِ، فَلهُ الْخِيَار إِن شَاءَ أَخذ الثّمن الَّذِي بَاعه بِهِ، وَإِن شَاءَ أَخذ مثل طَعَامه، وَمنع أَشهب. قَالَ: لِأَنَّهُ طَعَام بِطَعَام فِيهِ
стр. 3440
خِيَار. وَفِيه: الِاسْتِدْلَال لأبي ثَوْر فِي قَوْله: إِن من غصب قمحا فزرعه إِن كل مَا أخرجت الأَرْض من الْقَمْح فَهُوَ لصَاحب الْحِنْطَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: اسْتدلَّ بِهِ أَحْمد على أَن الْمُسْتَوْدع إِذا أتجر فِي مَال الْوَدِيعَة وَربح أَن الرِّبْح إِنَّمَا يكون لرب المَال، قَالَ: وَهَذَا لَا يدل على مَا قَالَ، وَذَلِكَ أَن صَاحب الْفرق إِنَّمَا تبرع بِفِعْلِهِ وتقرب بِهِ إِلَى الله، ، وَقد قَالَ: إِنَّه اشْترى بقرًا وَهُوَ تصرف مِنْهُ فِي أَمر لم يُوكله بِهِ، فَلَا يسْتَحق عَلَيْهِ ربحا، وَالْأَشْبَه بِمَعْنَاهُ أَنه قد تصدق بِهَذَا المَال على الْأَجِير بعد أَن أتجر فِيهِ، وأنماه، وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَكثر الْفُقَهَاء فِي الْمُسْتَوْدع إِذا أتجر بِمَال الْوَدِيعَة وَالْمُضَارب إِذا خَالف رب المَال فربحا أَنه لَيْسَ لصَاحب المَال من الرِّبْح شَيْء، وَعند أبي حنيفَة: الْمضَارب ضَامِن لرأس المَال وَالرِّبْح لَهُ وَيتَصَدَّق بِهِ، والوضيعة عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن كَانَ اشْترى السّلْعَة بِعَين المَال فَالْبيع بَاطِل، وَإِن كَانَ بِغَيْر عينه فالسلعة ملك المُشْتَرِي وَهُوَ ضَامِن لِلْمَالِ. وَقَالَ ابْن بطال: وَأما من أتجر فِي مَال غَيره؟ فَقَالَت طَائِفَة: يطيب لَهُ الرِّبْح إِذا رد رَأس المَال إِلَى صَاحبه، سَوَاء كَانَ غَاصبا لِلْمَالِ أَو كَانَ وَدِيعَة عِنْده مُتَعَدِّيا فِيهِ، هَذَا قَول عَطاء وَمَالك وَاللَّيْث وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف، وَاسْتحبَّ مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ تنزهه عَنهُ، وَيتَصَدَّق بِهِ. وَقَالَت طَائِفَة: يرد المَال وَيتَصَدَّق بِالرِّبْحِ كُله، وَلَا يطيب لَهُ مِنْهُ شَيْء، هَذَا قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن وَزفر. وَقَالَت طَائِفَة: الرِّبْح لرب المَال وَهُوَ ضَامِن لما تعدى فِيهِ، هَذَا قَول ابْن عمر وَأبي قلَابَة، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَقَالَ ابْن بطال: وإصح هَذِه الْأَقْوَال قَول من قَالَ: إِن الرِّبْح للْغَاصِب والمتعدي وَالله أعلم. وَفِيه: إِثْبَات كرامات الْأَوْلِيَاء وَالصَّالِحِينَ. وَفِيه: فضل الْوَالِدين وَوُجُوب النَّفَقَة عَلَيْهِمَا، وعَلى الْأَوْلَاد والأهل، قَالَ الْكرْمَانِي: نَفَقَة الْفُرُوع مُتَقَدّمَة على الْأُصُول فَلم تَركهم جائعين؟ قلت: لَعَلَّ فِي دينهم نَفَقَة الأَصْل مُقَدّمَة، أَو كَانُوا يطْلبُونَ الزَّائِد على سد الرمق، والصياح لم يكن من الْجُوع، قلت: قَوْله: والصياح لم يكن من الْجُوع، فِيهِ نظر لَا يخفى. وَفِيه: أَنه يسْتَحبّ الدُّعَاء فِي حَال الكرب والتسل بِصَالح الْعَمَل إِلَى الله تَعَالَى، كَمَا فِي الاسْتِسْقَاء. وَفِيه: فضل بر الْوَالِدين وَفضل خدمتهما وإيثارهما على من سواهُمَا من الْأَوْلَاد وَالزَّوْجَة. وَفِيه: فضل العفاف والانكفاف عَن الْمُحرمَات بعد الْقُدْرَة عَلَيْهَا. وَفِيه: جَوَاز الْإِجَارَة بِالطَّعَامِ. وَفِيه: فَضِيلَة أَدَاء الْأَمَانَة. وَفِيه: قبُول التَّوْبَة، وَأَن من صلح فِيمَا بَقِي، غفر لَهُ، وَأَن من هم بسيئة فَتَركهَا ابْتِغَاء وَجهه كتب لَهُ أجرهَا. ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ (الرَّحْمَن: ٦٤) . وَفِيه: سُؤال الرب ﷻ بإنجاز وعده، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا﴾ (الطَّلَاق: ٢) . وَقَالَ: ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ من أمره يسرا﴾ (الطَّلَاق: ٤) .
٩٩ - (بابُ الشِّرَاءِ والبَيْعِ مَعَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الحَرْبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشِّرَاء وَالْبيع مَعَ الْمُشْركين. قَوْله: (وَأهل الْحَرْب) ، من عطف الْخَاص على الْعَام، وَفِي بعض النّسخ: أهل الْحَرْب، بِدُونِ: الْوَاو، فعلى هَذَا يكون: أهل الْحَرْب، صفة: للْمُشْرِكين.
٦١٢٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدثنَا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي عُثْمَانَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ ثُمَّ جاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعانٌ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُها فَقَالَ لَهُ النبيُّ ﷺ بَيْعا أمْ عَطِيَّةً أوْ قَالَ أمْ هِبَةً قَالَ لَا بَلْ بَيْعٌ فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاة.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَاشْترى مِنْهُ شَاة) ، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، ومعتمر بن سُلَيْمَان بن طرخان، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بالنُّون.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِبَة عَن أبي النُّعْمَان أَيْضا. وَأخرجه فِي الْأَطْعِمَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن عبيد الله بن معَاذ وحامد بن عَمْرو وَمُحَمّد بن عبد الْأَعْلَى ثَلَاثَتهمْ عَن مُعْتَمر.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مشعان) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَبعدهَا عين مُهْملَة وَبعد الْألف نون مُشَدّدَة: أَي
стр. 3441
طَوِيل جدا فَوق الطول، وَعَن الْأَصْمَعِي: شعر مشعان، بتَشْديد النُّون: متنفش، وإشعانّ الشّعْر اشعينانا: كاحمارّ احميرارا، وَفِي (التَّهْذِيب) : تَقول الْعَرَب: رَأَيْت فلَانا مشعانَّ الرَّأْس إِذا رَأَيْته شعثا متنفش الرَّأْس مغبرا، وروى عَمْرو عَن أَبِيه: أشعن الرجل إِذا نامى عدوه، فاشعان شعره. قَوْله: (بيعا؟) ، مَنْصُوب على المصدرية أَي: اتبيع بيعا. قيل: وَيجوز الرّفْع أَي: أَهَذا بيع؟ قَوْله: (أم عَطِيَّة) ، بِالنّصب عطف على: بيعا. قَوْله: (أَو قَالَ) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: قَالَ الرجل: لَيْسَ عَطِيَّة، أَو: لَيْسَ هبة (بل بيع) أَي: بل هُوَ بيع، وَأطلق البيع عَلَيْهِ بِاعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز بيع الْكَافِر وَإِثْبَات ملكه على مَا فِي يَده، وَقَالَ الْخطابِيّ فِي قَوْله: أم هبة؟ دَلِيل على قبُول الْهَدِيَّة من الْمُشرك لَو وهب. فَإِن قلت: قد قَالَ ﷺ لعياض بن حمَار حِين أهْدى لَهُ فِي شركه: إِنَّا لَا نقبل زبد الْمُشْركين، يُرِيد عطاهم. قلت: قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: يشبه أَن يكون ذَلِك مَنْسُوخا، لِأَنَّهُ قبل هَدْيه غير وَاحِد من أهل الشّرك، أهْدى لَهُ الْمُقَوْقس وأكيدر دومة. قَالَ: إلَاّ أَن يزْعم زاعم أَن بَين هَدَايَا أهل الشّرك وهدايا أهل الْكتاب فرقا. انْتهى.
قلت: فِيهِ نظر فِي مَوَاضِع.
الأول: أَن الزَّعْم بِالْفرقِ الْمَذْكُور يردهُ قَول عبد الرَّحْمَن فِي نفس هَذَا الحَدِيث: إِن هَذَا الرجل كَانَ مُشْركًا، وَقد قَالَ لَهُ: أبيع أم هَدِيَّة؟
الثَّانِي: هَدِيَّة أكيدر كَانَت قبل إِسْلَام عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَاوِي هَذَا الحَدِيث، لِأَن إِسْلَامه كَانَ فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة، وَذَلِكَ فِي سنة سبع، وهدنة أكيدر كَانَت بعد وَفَاة سعد بن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الَّذِي قَالَ فِي حَقه، ﷺ ، لما عجب النَّاس من هَدِيَّة أكيدر: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لمناديل سعد بن معَاذ فِي الْجنَّة أحسن من هَذِه، وَسعد توفّي بعد غَزْوَة بني قُرَيْظَة سنة أَربع فِي قَول عقبَة، وَعند إِبْنِ إِسْحَاق: سنة خمس، وأيّا مَا كَانَ فَهُوَ قبل إِسْلَام عبد الرَّحْمَن، وبَعْثُ حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى الْمُقَوْقس كَانَ فِي سنة سِتّ، ذكره ابْن مَنْدَه وَغَيره، فَدلَّ على أَنه قبل هَذَا الحَدِيث.
الثَّالِث: لقَائِل أَن يَقُول: هَذَانِ اللَّذَان قبل مِنْهُمَا هديتهما لَيْسَ سوقة، إِنَّمَا هما ملكان. فَقبل هديتهما تألفا، لِأَن فِي رد هديتهما نوع حُصُول شَيْء.
الرَّابِع: نقُول: كَانَ قبُول هديتهم بإثابته عَلَيْهِمَا، وَقَوله ﷺ لهَذَا الْمُشرك أَيْضا كَانَ تأنيسا لَهُ، وَلِأَن يثيبه بِأَكْثَرَ مِمَّا أهْدى، وَكَذَا يُقَال فِي هَدِيَّة كسْرَى الْمَذْكُورَة فِي كتاب الْحَرْبِيّ من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ورد هَدِيَّة عِيَاض بن حمَار وَكَانَ بَينه وَبَين النَّبِي، ﷺ ، معرفَة قبل الْبعْثَة، فَلَمَّا بعث أهْدى لَهُ فَرد هديته، وَكَذَا رد هَدِيَّة ذِي الجوشن، وَكَانَت فرسا، وَكَذَا رد هَدِيَّة ملاعب الأسنة، لأَنهم كَانُوا سوقة وَلَيْسوا ملوكا، وَأهْدى لَهُ ملك أَيْلَة بغلة، وفروة الجذامي هَدِيَّة فقبلهما وَكَانَا ملكَيْنِ، وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا مَا ذكره أَبُو عبيد فِي (كتاب الْأَمْوَال) : أَنه ﷺ إِنَّمَا قبل هَدِيَّة أبي سُفْيَان بن حَرْب لِأَنَّهَا كَانَت فِي مُدَّة الْهُدْنَة، وَكَذَا هَدِيَّة الْمُقَوْقس إِنَّمَا كَانَ قبلهَا لِأَنَّهُ أكْرم حَاطِبًا وَأقر بنبوته ﷺ وَلم يؤيسه من إِسْلَامه، وَقبُول هَدِيَّة الأكيدر لِأَن خَالِدا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قدم بِهِ فحقن ﷺ دَمه وَصَالَحَهُ على الْجِزْيَة، لِأَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيّا ثمَّ خلى سَبيله، وَكَذَا ملك أَيْلَة لما أهْدى كَسَاه ﷺ بردا لَهُ، وَهَذَا كُله يرجع إِلَى أَنه ﷺ كَانَ لَا يقبل هَدِيَّة إلَاّ ويكافىء.
ثمَّ إعلم أَن النَّاس اخْتلفُوا فِيمَا يهدى للأئمة، فَروِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يُوجب رده إِلَى بَيت المَال، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: مَا أهْدى إِلَيْهِ أهل الْحَرْب فَهُوَ لَهُ دون بَيت المَال، وَأما مَا يهدى للنَّبِي ﷺ خَاصَّة فَهُوَ فِي ذَلِك بِخِلَاف النَّاس، لِأَن الله تَعَالَى اختصه فِي أَمْوَال أهل الْحَرْب بِخَاصَّة لم تكن لغيره، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِن الله يُسَلط رسله على من يَشَاء﴾ (الْحَشْر: ٦) . بعد قَوْله: ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله﴾ (الْحَشْر: ٦) . فسبيل مَا تصل إِلَيْهِ يَده من أَمْوَالهم على جِهَة الْهَدِيَّة وَالصُّلْح سَبِيل الْفَيْء يَضَعهُ حَيْثُ أرَاهُ الله، فَأَما الْمُسلمُونَ إِذا أهدوا إِلَيْهِ فَكَانَ من سجيته أَن لَا يردهَا بل يثيبهم عَلَيْهَا.
وَفِيه: أَن ابتياع الأشاء من الْمَجْهُول الَّذِي لَا يعرف جَائِز حَتَّى يطلع على مَا يلْزم التورع عَنهُ، أَو يُوجب ترك مبايعته غصب أَو سَرقَة أَو شبههما، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: من كَانَ بِيَدِهِ شَيْء فَظَاهره أَنه مَالِكه، وَلَا يلْزم المُشْتَرِي أَن يعلم حَقِيقَة ملكه.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي مبايعة من الْغَالِب على مَاله الْحَرَام
стр. 3442
وَقبُول هديته وجائزته، فرخصت فِيهِ طَائِفَة، فَكَانَ الْحسن بن أبي الْحسن لَا يرى بَأْسا أَن يَأْكُل الرجل من طَعَام العشار والصراف وَالْعَامِل، وَيَقُول: قد أحل الله طَعَام الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَقد أخبر أَن الْيَهُود أكالون للسحت. قَالَ الْحسن: مَا لم يعرفوا شَيْئا مِنْهُ حَرَامًا، يَعْنِي: معينا. وَعَن الزُّهْرِيّ وَمَكْحُول: إِذا كَانَ المَال فِيهِ حرَام وحلال فَلَا بَأْس أَن يُؤْكَل مِنْهُ، إِنَّمَا يكره من ذَلِك الشَّيْء الَّذِي يعرف بِعَيْنِه، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا أحب مبايعة من أَكثر مَاله رَبًّا أَو كَسبه من حرَام، فَإِن بُويِعَ لَا يفْسخ البيع. وَقَالَ ابْن بطال: وَالْمُسلم وَالذِّمِّيّ وَالْحَرْبِيّ فِي هَذَا سَوَاء، وَحجَّة من رخص حَدِيث الْبَاب، وَحَدِيث رَهنه ﷺ درعه عِنْد الْيَهُودِيّ، وَكَانَ ابْن عمر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يأخذان هَدَايَا الْمُخْتَار، وَبعث عَمْرو بن عبيد الله بن معمر إِلَى ابْن عمر بِأَلف دِينَار، وَإِلَى الْقَاسِم بن مُحَمَّد بِأَلف دِينَار فَأَخذهَا ابْن عمر وَقَالَ: لقد جاءتنا على حَاجَة، وأبى أَن يقبلهَا الْقَاسِم، فَقَالَت امْرَأَته: إِن لم تقبلهَا فَأَنا ابْنة عَمه كَمَا هُوَ ابْن عَمه، فأخذتها. وَقَالَ عَطاء: بعث مُعَاوِيَة إِلَى عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بطوق من ذهب فِيهِ جَوْهَر قوم بِمِائَة ألف، وقسمته بَين أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. وكرهت طَائِفَة الْأَخْذ مِنْهُم رُوِيَ ذَلِك عَن مَسْرُوق وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَبشر بن سعيد وطاووس وَابْن سِيرِين وَالثَّوْري وَابْن الْمُبَارك وَمُحَمّد بن وَاسع وَأحمد، وَأخذ ابْن الْمُبَارك قذاة من الأَرْض وَقَالَ: من أَخذ مِنْهُم مثل هَذِه فَهُوَ مِنْهُم.
٠٠١ - (بابُ شِرَاءِ المَمْلُوكِ مِنَ الحَرْبِيِّ وهِبَتِهِ وعِتْقِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شِرَاء الْمَمْلُوك من الْحَرْبِيّ، وَحكم هِبته وعتقه. وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِثْبَات ملك الْحَرْبِيّ وَجَوَاز تصرفه فِي ملكه بِالْبيعِ وَالْهِبَة وَالْعِتْق وَغَيرهَا، إِذْ أقرّ ﷺ سلمَان عِنْد مَالِكه من الْكفَّار وَأمره أَن يُكَاتب، وَقبل الْخَلِيل، ﵊، هبة الْجَبَّار وَغير ذَلِك مِمَّا تضمنه أَحَادِيث الْبَاب.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ لِسَلْمَانَ كاتِبْ وكانَ حُرّا فَظَلَمُوهُ وباعُوهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يعلم من قَضِيَّة سلمَان تَقْرِير أَحْكَام الْحَرْبِيّ على مَا كَانَ عَلَيْهِ، وسلمان هُوَ الْفَارِسِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وقصته طَوِيلَة على مَا ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره، وملخصها: أَنه هرب من أَبِيه لطلب الْحق وَكَانَ مجوسيا، فلحق براهب ثمَّ براهب ثمَّ بآخر، وَكَانَ يصحبهم إِلَى وفاتهم حَتَّى دله الْأَخير إِلَى الْحجاز وَأخْبرهُ بِظُهُور رَسُول الله، ﷺ ، فقصده مَعَ بعض الْأَعْرَاب فغدروا بِهِ وباعوه فِي وَادي الْقرى ليهودي، ثمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ يَهُودِيّ آخر من بني قُرَيْظَة، فَقدم بِهِ الْمَدِينَة، فَلَمَّا قدم رَسُول الله، ﷺ ، وَرَأى عَلَامَات النُّبُوَّة أسلم، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : كَاتب عَن نَفسك، عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخمسين سنة، وَقيل: مِائَتَيْنِ وَخمْس وَسبعين سنة، وَمَات سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ بالمداين.
ثمَّ هَذَا التَّعْلِيق الَّذِي علقه البُخَارِيّ أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) . وَالْحَاكِم من حَدِيث زيد بن صوحان سلمَان. وَأخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مَحْمُود بن لبيد عَن سلمَان. قَالَ: كنت رجلا فارسيا ... فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: ثمَّ مر بِي نفر من بني كلب تجار، فحملوني مَعَهم حَتَّى إِذا قدمُوا وَادي الْقرى ظلموني فباعوني من رجل يَهُودِيّ ... الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : كَاتب يَا سلمَان. قَالَ: فكاتب صَاحِبي على ثَلَاثمِائَة ودية ... الحَدِيث، وَفِي حَدِيث الْحَاكِم مَا يدل أَنه هُوَ ملك رقبته لَهُم، وَعِنْده من حَدِيث أبي الطُّفَيْل عَن سلمَان وَصَححهُ، وَفِيه: فَمر نَاس من أهل مَكَّة فسألتهم عَن النَّبِي، ﷺ ، فَقَالُوا نعم، ظهر منا رجل يزْعم أَنه نَبِي، فَقلت لبَعْضهِم: هَل لكم أَن أكون عبدا لبعضكم على أَن تحملوني عقبَة وتطعموني من الْكسر، فَإِذا بَلغْتُمْ إِلَى بِلَادكُمْ فَمن شَاءَ أَن يَبِيع بَاعَ وَمن شَاءَ أَن يستعبد استعبد؟ فَقَالَ رجل مِنْهُم: أَنا، فصرت عبدا لَهُ حَتَّى أَتَى بِي مَكَّة فجعلني فِي بُسْتَان لَهُ ... الحَدِيث.
قَوْله: (كَاتب) أَمر من الْمُكَاتبَة. قَوْله: (وَكَانَ حرا) ، جملَة وَقعت حَالا من: قَالَ، لَا من قَوْله: (كَاتب) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ أمره رَسُول الله ﷺ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ حر؟ قلت: أَرَادَ بِالْكتاب صُورَة الْكِتَابَة لَا حَقِيقَتهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أفد عَن نَفسك وتخلص من ظلمه. انْتهى. قلت: هَذَا السُّؤَال غير وَارِد، فَلَا يحْتَاج إِلَى الْجَواب، فَكَانَ الْكرْمَانِي اعْتقد أَن قَوْله ﷺ : وَكَانَ حرا، يَعْنِي فِي حَال الْكِتَابَة، فَإِنَّهُ فِي ذَلِك الْوَقْت كَانَ فِي ملك الَّذِي اشْتَرَاهُ لِأَنَّهُ غلب عَلَيْهِ
стр. 3443
بعض الْأَعْرَاب فِي وَادي الْقرى فملكه بالقهر، ثمَّ بَاعه من يَهُودِيّ، وَاشْترى مِنْهُ يَهُودِيّ آخر كَمَا ذكرنَا. وَقَوله ﷺ : (وَكَانَ حرا) إِخْبَار مِنْهُ بحريَّته فِي أول أمره قبل أَن يخرج من دَار الْحَرْب، وَالْعجب من الْكرْمَانِي أَنه قَالَ: قَوْله: (وَكَانَ حرا) حَال من: قَالَ، يَعْنِي من: قَالَ النَّبِي ﷺ ، لَا من: قَوْله: (كَاتب) فَكيف غفل عَن هَذَا وَسَأَلَ هَذَا السُّؤَال السَّاقِط؟ وَنَظِير ذَلِك مَا قَالَه صَاحب (التَّوْضِيح) : وَلَكِن مَا هُوَ فِي الْبعد مثل مَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَهُوَ أَنه قَالَ: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ لِلْيَهُودِيِّ ملك سلمَان وَهُوَ مُسلم، فَلَا يجوز للْكَافِرِ ملك مُسلم؟ قلت: أجَاب عَنهُ الطَّبَرِيّ: بِأَن حكم هَذِه الشَّرِيعَة أَن من غلب من أهل الْحَرْب على نفس غَيره أَو مَاله، وَلم يكن المغلوب على ذَلِك مِمَّن دخل فِي الْإِسْلَام، فَهُوَ ملك للْغَالِب، وَكَانَ سلمَان حِين غلب نَفسه لم يكن مُؤمنا، وَإِنَّمَا كَانَ إيمَانه تَصْدِيق النَّبِي، ﷺ ، إِذا بعث مَعَ إِقَامَته على شَرِيعَة عِيسَى، ﵊، انْتهى. وَيُؤَيّد مَا ذكره الطَّبَرِيّ أَنه ﷺ لما قدم الْمَدِينَة وَسمع بِهِ سلمَان فَذهب إِلَيْهِ بِبَعْض تمر يختبره إِن كَانَ هُوَ هَذَا النَّبِي يقبل الْهَدِيَّة وَيرد الصَّدَقَة، فَلَمَّا تحَققه دخل فِي ذَلِك الْوَقْت فِي الْإِسْلَام، كَمَا هوشرطه، فَلذَلِك أمره، ﷺ ، بِالْكِتَابَةِ ليخرج من ملك مَوْلَاهُ الْيَهُودِيّ.
وسُبِيَ عَمَّارٌ وصُهَيْبٌ وبِلَالٌ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أم عمار كَانَت من موَالِي بني مَخْزُوم وَكَانُوا يعاملون عمارا مُعَاملَة السَّبي، فَهَذَا هُوَ السَّبي، فَهَذَا هُوَ الْوَجْه هُنَا لِأَن عمارا مَا سبي، على مَا نذكرهُ. وَأما صُهَيْب وبلاد فباعهما الْمُشْركُونَ على مَا نذكرهُ، فدخلا فِي قَوْله فِي التَّرْجَمَة: شِرَاء الْمَمْلُوك من الْحَرْبِيّ. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَوْله: (وَسبي عمار وصهيب وبلال) يَعْنِي: أَنه كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يسبي بَعضهم بَعْضًا ويملكون بذلك. انْتهى. قلت: هَذَا الْكَلَام الَّذِي يقرب قطّ من الْمَقْصُود أَخذه من صَاحب (التَّلْوِيح) ، وَكَون أهل الْجَاهِلِيَّة سابين بَعضهم بَعْضًا لَا يسْتَلْزم كَون عمار مِمَّن سبي وَلَا بلالد وَإِنَّمَا كَانَا يعذبان فِي الله تَعَالَى حَتَّى خلصهما الله تَعَالَى ببركة إسلامهما، نعم سبي صُهَيْب وَبيع على يَد الْمُشْركين، وَرُوِيَ عَن ابْن سعد أَنه قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَامر الْعَقدي وَأَبُو حُذَيْفَة مُوسَى بن مَسْعُود، قَالَا: حَدثنَا زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَن حَمْزَة بن صُهَيْب عَن أَبِيه، قَالَ: إِنِّي رجل من الْعَرَب من النمر بن قاسط، وَلَكِنِّي سبيت، سبتني الرّوم غُلَاما صَغِيرا بعد أَن عقلت أَهلِي وقومي وَعرفت نسبي، وَعَن ابْن سعد: كَانَ أَبَاهُ من النمر بن قاسط، وَكَانَ عَاملا لكسرى: فسبت الرّوم صهيبا لما غزت أهل فَارس فابتاعه مِنْهُم عبد الله بن جدعَان، وَقيل: هرب من الرّوم إِلَى مَكَّة فحالف ابْن جدعَان، فَهَذَا يُنَاسب التَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ دخل فِي قَوْله: شِرَاء الْمَمْلُوك من الْحَرْبِيّ. وَأما بِلَال فَإِن ابْن إِسْحَاق ذكر فِي (الْمَغَازِي) : حَدثنِي هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ: مر أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بأمية بن خلف وَهُوَ يعذب بِلَالًا، فَقَالَ: أَلا تتقي الله فِي هَذَا الْمِسْكِين؟ فَقَالَ: انقذه أَنْت بِمَا ترى. فَأعْطَاهُ أَبُو بكر غُلَاما أجلد مِنْهُ، وَأخذ بِلَالًا، فَأعْتقهُ. وَقيل غير ذَلِك، فحاصل الْكَلَام أَنه أَيْضا يُنَاسب التَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ دخل فِي قَوْله: شِرَاء الْمَمْلُوك من الْحَرْبِيّ، أما الشِّرَاء فَإِن أَبَا بكر قايض مَوْلَاهُ، والمقايضة نوع من الْبيُوع، وَأما كَونه اشْترى من الْحَرْبِيّ لِأَن مَكَّة فِي ذَلِك الْوَقْت كَانَت دَار الْحَرْب وَأَهْلهَا من أهل الْحَرْب، وَأما عمار فَإِنَّهُ كَانَ عَرَبيا عنسيا، بالنُّون وَالسِّين الْمُهْملَة، مَا وَقع عَلَيْهِ سباء، وَإِنَّمَا سكن أَبوهُ يَاسر، مَكَّة وحالف بني مَخْزُوم فَزَوجُوهُ سميَّة، بِضَم السِّين: وَهِي من مواليهم، أسلم عمار بِمَكَّة قَدِيما، وَأَبوهُ وَأمه وَكَانُوا مِمَّن يعذب فِي الله، ، (فَمر بهم النَّبِي، ﷺ ، وهم يُعَذبُونَ: فَقَالَ صبرا آل يَاسر، فَإِن مَوْعدكُمْ الْجنَّة) . وَقيل أَبُو جهل سميَّة، طَعنهَا بِحَرْبَة فِي قُبُلِها فَكَانَت أول شَهِيد فِي الْإِسْلَام. وَقَالَ مُسَدّد: لم يكن أحد أَبَوَاهُ مسلمان غير عمار بن يَاسر، وَلَيْسَ لَهُ وَجه فِي دُخُوله فِي التَّرْجَمَة إلَاّ بتعسف، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: سبي، أَي أسر: وَلم يذكر شَيْئا غَيره، لِأَنَّهُ لم يجد شَيْئا يذكرهُ، على أَن السَّبي هَل يَجِيء بِمَعْنى الْأسر؟ فِيهِ كَلَام.
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالله فَضَّلَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ﴾ (النَّحْل: ١٧) .
стр. 3444
مُطَابقَة هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿على مَا ملكت أَيْمَانهم﴾ (النَّحْل: ١٧) . وَالْخطاب فِيهِ للْمُشْرِكين، فَأثْبت لَهُم ملك الْيَمين مَعَ كَون ملكهم غَالِبا على غير الأوضاع الشَّرْعِيَّة. وَقيل: مَقْصُوده صِحَة ملك الْحَرْبِيّ وَملك الْمُسلم عَنهُ. قلت: إِذا صَحَّ ملكهم يَصح تصرفهم فِيهِ بِالْبيعِ وَالشِّرَاء وَالْهِبَة وَالْعِتْق وَنَحْوهَا، وَقَالَ ابْن التِّين: مَعْنَاهُ: أَن الله فضل الْملاك على مماليكهم، فَجعل الْمَمْلُوك لَا يقوى على ملك مَعَ مَوْلَاهُ، وَاعْلَم أَن الْمَالِك لَا يُشْرك مَمْلُوكه فِيمَا عِنْده، وهما من بني آدم، فَكيف تَجْعَلُونَ بعض الرزق الَّذِي يرزقكم الله لله، وَبَعضه لأصنامكم فتشركون بَين الله وَبَين الْأَصْنَام وَأَنْتُم لَا ترْضونَ ذَاك مَعَ عبيدكم لأنفسكم؟ وَقَالَ ابْن بطال: تَضَمَّنت التقريع للْمُشْرِكين والتوبيخ لَهُم على تسويتهم عبَادَة الْأَصْنَام بِعبَادة الرب تَعَالَى، وتعظم فنبههم الله تَعَالَى على أَن مماليكهم غير مساوين فِي أَمْوَالهم فَالله تَعَالَى أولى بإفراد الْعِبَادَة، وَأَنه لَا يُشْرك مَعَه أحد من عبيده إِذْ لَا مَالك فِي الْحَقِيقَة سواهُ، وَلَا يسْتَحق الإلهية غَيره. قَوْله: ﴿أفبنعمة الله يجحدون﴾ (النَّحْل: ١٧) . الِاسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار، مَعْنَاهُ: لَا تجحدوا نعْمَة الله وَلَا تكفرُوا بهَا، وجحودهم بِأَن جعلُوا مَا رزقهم الله لغيره، وَقيل: أنعم الله عَلَيْهِم بالبراهين فجحدوا نعمه.
٧١٢٢ - حدَّثنا أبوُ اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حَدثنَا أَبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ هاجرَ إبراهِيمُ ﵊ بِسارَةَ فدَخَلَ بِها قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ أوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةَ فَقِيلَ دَخَلَ إبْرَاهِيمُ بامْرَأةٍ هِيَ مِنْ أحْسَنِ النِّساءِ فأرْسَلَ إلَيْهِ أنْ يَا إبْرَاهِيمُ مَنْ هاذِهِ الَّتِي معَكَ قَالَ أُخْتِي ثُمَّ رجَعَ إلَيْهَا فَقَالَ لَا تُكَذِّبِي حَدِيثِي فإنِّي أخْبَرْتُهُمْ أنَّكِ أُخْتِي وَالله إنْ عَلَى الأرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرُكِ فأرْسَلَ بِهَا إلَيْهِ فقامَ إلَيْهَا فقامَتْ تَوَضَّأُ وتصَلِّي فقالَتْ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وبِرَسُولِكَ وأحْصَنْتُ فَرْجِي إلَاّ عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ قَالَ الأعْرَجُ قَالَ أبُو سلَمَةَ بنُ عبْدِ الرَّحْمانِ إنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قالَتِ اللَّهُمَّ إنْ يَمُتْ يُقالُ هِيَ قَتَلَتْهُ فارْسِلَ ثُمَّ قامَ إلَيهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأ وتُصَلي وتَقُولُ أللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وبِرَسُولِكَ وأحصَنْتِ فَرْجِي إلَاّ علَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هاذا الكافِرَ فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ أبُو سَلَمَةَ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ فقالَتِ اللَّهُمَّ إنْ يَمُتُ فيُقَالُ هِيَ قتَلَتْهُ فأُرْسِلَ فِي الثَّانيَةِ أوْ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ وَالله مَا أرْسَلْتُمْ إلَيَّ إلَاّ شَيْطانا ارْجِعُوهَا إلَى إبْرَاهِيمَ وأعْطُوها آجَرَ فرَجعَتْ إلَى إبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَالَت أشَعَرْتَ أنَّ الله كبَتَ الكَافِرَ وأخْدَمَ ولِيدَةً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: أعطوها هَاجر فَقَبلتهَا سارة، فَهَذِهِ هبة من الْكَافِر إِلَى الْمُسلم، فَدلَّ ذَلِك على جَوَاز تصرف الْكَافِر فِي ملكه، وَرِجَاله كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَتَخْفِيف الْمِيم: الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِبَة وَفِي الْإِكْرَاه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَاجر إِبْرَاهِيم، ﵊، بسارة) أَي: سَافر بهَا، و: سارة، بتَخْفِيف الرَّاء، بنت توبيل ابْن ناحور. وَقيل: سارة بنت هاران بن ناحور، وَقيل: بنت هاران بن ناحور، وَقيل: بنت هاران بن تارخ، وَهِي بنت أَخِيه على هَذَا وَأُخْت لوط. قَالَه الْعُتْبِي فِي (المعارف) والنقاش فِي التَّفْسِير قَالَ: وَذَلِكَ أَن نِكَاح بنت الْأَخ كَانَ حَلَالا إِذْ ذَاك، ثمَّ إِن النقاش نقض هَذَا القَوْل، فَقَالَ فِي تَفْسِير قَوْله : ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا﴾ (الشورى: ٣١) . إِن هَذَا يدل على تَحْرِيم بنت الْأَخ على لِسَان نوح، ﵊، قَالَ السُّهيْلي: هَذَا هُوَ الْحق، وَإِنَّمَا توهموا أَنَّهَا بنت أَخِيه، لِأَن هاران أَخُوهُ، وَهُوَ هاران الْأَصْغَر، وَكَانَت هِيَ بنت هاران الْأَكْبَر وَهُوَ عَمه. قَوْله: (فَدخل بهَا قَرْيَة) الْقرْيَة من قريت المَاء فِي الْحَوْض أَي: جمعته، سميت بذلك لِاجْتِمَاع النَّاس فِيهَا، وَتجمع
стр. 3445
على قرى، قَالَ الدَّاودِيّ: الْقرْيَة تقع على المدن الصغار والكبار، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْقرْيَة الْأُرْدُن وَالْملك صادوق، وَكَانَت هَاجر لملك من مُلُوك القبط، وَعند الطَّبَرِيّ: كَانَت امْرَأَة ملك من مُلُوك مصر، فَلَمَّا قَتله أهل عين شمس احتملوها مَعَهم، وَزعم أَن الْملك الَّذِي أَرَادَ سارة اسْمه سِنَان بن علوان، أَخُو الضَّحَّاك، وَقَالَ ابْن هِشَام فِي (كتاب التيجان) : إِن إِبْرَاهِيم، ﵊، خرج من مَدين إِلَى مصر، وَكَانَ مَعَه من الْمُؤمنِينَ ثَلَاثمِائَة وَعِشْرُونَ رجلا، وبمصر ملكهَا عَمْرو بن امرىء الْقَيْس بن نابليون من سبأ. قَوْله: (أَو جَبَّار) ، شكّ من الرَّاوِي، والجبار يُطلق على ملك عَاتٍ ظَالِم. قَوْله: (فَقيل: دخل إِبْرَاهِيم بِامْرَأَة) ، وَقَالَ ابْن هِشَام وشى بِهِ حناط كَانَ إِبْرَاهِيم يتمار مِنْهُ، فَأمر بِإِدْخَال إِبْرَاهِيم وَسَارة عَلَيْهِ، ثمَّ نحى إِبْرَاهِيم وَقَامَ إِلَى سارة، فَلَمَّا صَار إِبْرَاهِيم، ﵊، خَارج الْقصر جعله الله لَهُ كالقارورة الصافية، فَرَأى الْملك وَسَارة وَسمع كَلَامهمَا، فهم عَمْرو بسارة وَمد يَده إِلَيْهَا، فيبست فَمد الْأُخْرَى فَكَذَلِك، فَلَمَّا رأى ذَلِك كف عَنْهَا. وَقَالَ ابْن هِشَام: وَكَانَ الحناط أخبر الْملك بِأَنَّهُ رَآهَا تطحن، فَقَالَ الْملك: يَا إِبْرَاهِيم! مَا يَنْبَغِي لهَذِهِ أَن تخذم نَفسهَا؟ فَأمر لَهُ بهاجر. قَوْله: (قَالَ: أُخْتِي) يَعْنِي: فِي الدّين.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: على هَذَا الحَدِيث إِشْكَال مَا زَالَ يختلج فِي صَدْرِي، وَهُوَ أَن يُقَال: مَا معنى توريته، ﵇، عَن الزَّوْجَة بالأخت، وَمَعْلُوم أَن ذكرهَا بِالزَّوْجِيَّةِ كَانَ أسلم لَهَا، لِأَنَّهُ إِذا قَالَ: هَذِه أُخْتِي قَالَ: زوجنيها. وَإِذا قَالَ امْرَأَتي سكت هَذَا إِن كَانَ الْملك يعْمل بِالشَّرْعِ، فَأَما إِذا كَانَ كَمَا وصف من جوره فَمَا يُبَالِي إِذا كَانَت زَوْجَة أَو أُخْتا إِلَى أَن وَقع لي أَن الْقَوْم كَانُوا على دين الْمَجُوس، وَفِي دينهم أَن الْأُخْت إِذا كَانَت زَوْجَة كَانَ أَخُوهَا الَّذِي هُوَ زَوجهَا أَحَق بهَا من غَيره، فَكَانَ الْخَلِيل، ﵊، أَرَادَ أَن يستعصم من الْجَبَّار بِذكر الشَّرْع الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ، فَإِذا هُوَ جَبَّار لَا يُرَاعِي جَانب دينه. قَالَ: وَاعْترض على هَذَا بِأَن الَّذِي جَاءَ على مَذْهَب الْمَجُوس زرادشت، وَهُوَ مُتَأَخّر عَن هَذَا الزَّمن، فَالْجَوَاب أَن لمَذْهَب الْقَوْم أصلا قَدِيما ادَّعَاهُ زرادشت وَزَاد عَلَيْهِ خرافات، وَقد كَانَ نِكَاح الْأَخَوَات جَائِزا فِي زمن آدم، ﵇، وَيُقَال: كَانَت حرمته على لِسَان مُوسَى، ﵊، قَالَ: وَيدل على أَن دين الْمَجُوس لَهُ أصل مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَن النَّبِي ﷺ أَخذ الْجِزْيَة من مجوس هجر، وَمَعْلُوم أَن الْجِزْيَة لَا تُؤْخَذ إلَاّ مِمَّن لَهُ كتاب أَو شُبْهَة كتاب، ثمَّ سَأَلت عَن هَذَا بعض عُلَمَاء أهل الْكتاب فَقَالَ: كَانَ من مَذْهَب الْقَوْم أَن من لَهُ زَوْجَة لَا يجوز لَهُ أَن يتَزَوَّج إلَاّ أَن يهْلك زَوجهَا، فَلَمَّا علم إِبْرَاهِيم، ﵊، هَذَا قَالَ: هِيَ أختى، كَأَنَّهُ قَالَ: إِن كَانَ الْملك عادلاً، فَخَطَبَهَا مني أمكنني دَفعه، وَإِن كَانَ ظَالِما تخلصت من الْقَتْل، وَقيل: إِن النُّفُوس تأبى أَن يتَزَوَّج الْإِنْسَان بِامْرَأَة وَزوجهَا مَوْجُود، فَعدل، ﵇، عَن قَوْله: زَوْجَتي، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قَتله أَو طرده عَنْهَا، أَو تَكْلِيفه لفراقها. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قيل: إِن من سيرة هَذَا الْجَبَّار أَنه لَا يغلب الْأَخ على أُخْته وَلَا يَظْلمه فِيهَا، وَكَانَ يغلب الزَّوْج على زَوجته. وَالله أعلم.
قَوْله: (إِن على الأَرْض) كلمة: إِن، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون للنَّفْي، يَعْنِي: وَالله مَا على الأَرْض مُؤمن غَيْرِي وَغَيْرك. قَوْله: (وَغَيْرك) ، بِالْجَرِّ عطفا على: غَيْرِي، ويروى بِالرَّفْع بَدَلا عَن الْمحل، ويروى: مَنْ يُؤمن، بِكَلِمَة: مَنْ، الموصولة: وَصدر صلتها مَحْذُوف تَقْدِيره: وَالله، الَّذِي على الأَرْض لَيْسَ بِمُؤْمِن غَيْرِي وَغَيْرك. قَوْله: (فَقَامَتْ تَوَضَّأ) ، بِرَفْع الْهمزَة فِي مَحل النصب على الْحَال، وَتصلي (عطف عَلَيْهِ) . قَوْله: (أللهم إِن كنت آمَنت. .) قيل: شَرط مَدْخُول أَن كَونه مشكوكا فِيهِ، وَالْإِيمَان مَقْطُوع بِهِ. وَأجِيب: بِأَنَّهَا كَانَت قَاطِعَة بِهِ، وَلكنهَا ذكرته على سَبِيل الْفَرْض هَهُنَا هضما لنَفسهَا. قَوْله: (فغط) ، قَالَ ابْن التِّين: ضبط فِي بعض الْأُصُول بِفَتْح الْغَيْن وَالصَّوَاب بِالضَّمِّ، كَذَا فِي بعض الْأُصُول. قلت: هُوَ بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة، وَمَعْنَاهُ: أَخذ مجاري نَفسه حَتَّى سمع لَهُ غطيط، يُقَال: غط المخنوق إِذا سمع غَطِيطه. قَوْله: (حَتَّى ركض بِرجلِهِ) ، أَي: حركها وضربها على الأَرْض. قَوْله: (قَالَ الْأَعْرَج) ، هُوَ الْمَذْكُور فِي السَّنَد، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، قَالَ أَبُو سَلمَة: إِن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: قَالَت: أللهم إِن يمت (ح) هُوَ مَوْقُوف ظَاهرا، وَكَذَا ذكره صَاحب (الْأَطْرَاف) ، وَكَانَ أَبَا الزِّنَاد روى الْقطعَة الأولى مُسندَة، وَهَذِه مَوْقُوفَة. قَوْله: (يُقَال: هِيَ قتلته) ، ويروى: يقل هِيَ قتلته، وَهُوَ الظَّاهِر لوُجُوب الْجَزْم فِيهِ، وَوجه رِوَايَة: يُقَال: هُوَ، إِمَّا أَن الْألف حصلت من إشباع الفتحة، وَإِمَّا أَنه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت﴾ (النِّسَاء: ٨٧) . بِالرَّفْع فِي قِرَاءَة بَعضهم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قيل: هُوَ بِتَقْدِير الْفَاء: قلت: تَقْدِيره: فيدرككم الْمَوْت، وَكَذَلِكَ
стр. 3446
هُنَا يكون التَّقْدِير: فَيُقَال. قَوْله: (فِي الثَّانِيَة) ، أَي: أرسل سارة فِي الْمرة الثَّانِيَة. قَوْله: (أَو فِي الثَّالِثَة) ، شكّ من الرَّاوِي أَي: أَو أرسلها فِي الْمرة الثَّالِثَة. قَوْله: (إلَاّ شَيْطَانا) أَي: متمردا من الْجِنّ، وَكَانُوا يهابون الْجِنّ ويعظمون أَمرهم، وَيُقَال: سَبَب قَوْله ذَلِك أَنه جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: لما قبضت يَده عَنْهَا، قَالَ لَهَا: ادعِي لي، فَقَالَ ذَلِك لِئَلَّا يتحدث بِمَا ظهر من كرامتها فتعظم فِي نفوس النَّاس وتتبع، فَلبس على السَّامع بِذكر الشَّيْطَان. قَوْله: (إرجعوا) ، بِكَسْر الْهمزَة أَي: ردوهَا إِلَى إِبْرَاهِيم، ﵊. قَوْله: (وأعطوها آجر) أَي: أعْطوا سارة آجر، وَهِي الوليدة: اسْمهَا آجر، بِهَمْزَة ممدودة وجيم مَفْتُوحَة وَفِي آخِره رَاء، واستعملوا الْهَاء مَوضِع الْهمزَة، فَقيل: هَاجر، وَهِي أم إِسْمَاعِيل، ﵊، كَمَا أَن سارة أم إِسْحَاق، ﵊، وَقيل: إِن هَاجر من حقن من كورة أنصنا قَوْله. قلت: حقن، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَفِي آخِره نون، وَهُوَ اسْم لقرية من صَعِيد مصر، قَالَه ابْن الْأَثِير. قلت: هُوَ كفر من كفور كورة أنصنا، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة ثمَّ نون ثَانِيَة وَألف مَقْصُورَة، وَهِي بَلْدَة بالصعيد الْأَوْسَط على شط النّيل من الْبر الشَّرْقِي فِي قبالة الأشمونيين من الْبر الآخر، وَبهَا آثَار عَظِيمَة ومزدرع كثير. وَقَالَ اليعقوبي: هِيَ مَدِينَة قديمَة يُقَال إِن سحرة فِرْعَوْن كَانُوا فِيهَا. قَوْله: (أشعرت) ، أَي: أعلمت تخاطب إِبْرَاهِيم، ﵊، قَوْله: (كبت الْكَافِر) ، أَي: رده خاسئا خائبا. وَقيل: أحزنه. وَقيل: أغاظه، لِأَن الكبت شدَّة الغيظ، وَقيل: صرعه، وَقيل: أذله، وَقيل: أَخْزَاهُ، وَقيل: أَصله كبد، أَي: بلغ الْهم كبده فأبدل من الدَّال تَاء. قَوْله: (واخدم وليدة) أَي: أعطي خَادِمًا أَي: أَعْطَاهَا أمة تخدمها، والوليدة تطلق على الْجَارِيَة وَإِن كَانَت كَبِيرَة، وَفِي الأَصْل الْوَلِيد الطِّفْل وَالْأُنْثَى وليدة وَالْجمع ولائد. فَافْهَم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إِبَاحَة الْمعَارض لقَوْله: إِنَّهَا أُخْتِي وَإِنَّهَا مندوحة عَن الْكَذِب. وَفِيه: إِن أخوة الْإِسْلَام أخوة تجب أَن يتسمى بهَا. وَفِيه: الرُّخْصَة فِي الأنقياد للظالم أَو الْغَاصِب. وَفِيه: قبُول صلَة السُّلْطَان الظَّالِم وَقبُول هَدِيَّة الْمُشرك. وَفِيه: إِجَابَة الدُّعَاء بإخلاص النِّيَّة وكفاية الرب، ﷻ ، لمن أخلصها بِمَا يكون نوعا من الْآفَات وَزِيَادَة فِي الْإِيمَان تَقْوِيَة على التَّصْدِيق وَالتَّسْلِيم والتوكل. وَفِيه: ابتلاء الصَّالِحين لرفع درجاتهم. وَفِيه: أَن من قَالَ لزوجته: أُخْتِي، وَلم ينوِ شَيْئا لَا يكون طَلَاقا، وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: مثل أُخْتِي، لَا يكون ظِهَارًا. وَفِيه: أَخذ الحذر مَعَ الْإِيمَان بِالْقدرِ. وَفِيه: مُسْتَند لمن يَقُول: إِن طَلَاق الْمُكْره لَا يَقع، وَلَيْسَ بِشَيْء. وَفِيه: الْحِيَل فِي التَّخَلُّص من الظلمَة، بل إِذا علم أَنه لَا يتَخَلَّص إلَاّ بِالْكَذِبِ جَازَ لَهُ الْكَذِب الصراح، وَقد يجب فِي بعض الصُّور بالِاتِّفَاقِ لكَونه يُنجي نَبيا أَو وليا مِمَّن يُرِيد قَتله أَو لنجاة الْمُسلمين من عدوهم، وَقَالَ الْفُقَهَاء: لَو طلب ظَالِم وَدِيعَة لإِنْسَان ليأخذها غصبا وَجب عَلَيْهِ الْإِنْكَار وَالْكذب فِي أَنه لَا يعلم موضعهَا.
٨١٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهابٍ عَن عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها قالَتِ اخْتَصَمَ سَعْدُ بنُ أبِي وقاصٍ وعَبْدُ بنُ زَمْعَةَ فِي غلامٍ فقالَ سَعْدٌ هَذَا يَا رسولَ الله ابنُ أخي عُتْبَةَ بنِ أبِي وقَّاصٍ عَهدَ إلَى أنَّهُ ابْنُهُ انْظُر إِلَى شبَهِهِ وَقَالَ عَبدُ بنُ زَمْعَةَ هَذَا أخي يَا رسولَ الله وُلِدَ علَى فِراشِ أبِي مِنْ ولِيدَتِهِ فنَظَرَ رسولُ الله ﷺ إلاى شبَهِهِ فرَأى شبَها بَيِّنا بِعُتْبَةَ فَقال هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ الوَلدُ لِلْفِراشِ ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ واحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عبد بن زَمعَة قَالَ: هَذَا ابْن أمة أبي، ولد على فرَاشه، فَأثْبت لِأَبِيهِ أمه وملكا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلم يُنكر ﷺ ذَلِك، وَسمع خصامهما وَهُوَ دَلِيل على تَنْفِيذ عهد الْمُشرك وَالْحكم بِهِ، وَإِن تصرف الْمُشرك فِي ملكه يجوز كَيفَ شَاءَ، وَحكم النَّبِي ﷺ هُنَا بِأَن الْوَلَد للْفراش فَلم ينظر إِلَى الشّبَه وَلَا اعْتَبرهُ. والْحَدِيث قد مر فِي تَفْسِير المشبهات فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن يحيى بن قزعة عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَوْله: (أنظر إِلَى شبهه) أَي: إِلَى مشابهة الْغُلَام بِعتبَة، والعاهر: الزَّانِي.
стр. 3447
٩١٢٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لِصُهَيْبٍ اتَّقِ الله وَلَا تدَّعِ إلَى غَيْرِ أبيكَ فقالَ صُهَيْبٌ مَا يَسُرُّنِي أنَّ لي كَذَا وكَذا وَأنِّي قُلْتُ ذَلِكَ وَلاكِنِّي سُرِقْتُ وأنَا صَبِيٌّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَتِمَّة قصَّته، وَهِي أَن كَلْبا ابتاعه من الرّوم فَاشْتَرَاهُ ابْن جدعَان فاعتقه، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ، وَسعد هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (قَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لِصُهَيْب: إتق الله) إِلَى آخِره إِنَّمَا قَالَ عبد الرَّحْمَن ذَلِك لِأَن صهيبا كَانَ يَقُول: إِنَّه ابْن سِنَان بن مَالك بن عبد عَمْرو بن عقيل، نسبه إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى النمر بن قاسط، وَأَن أمه من بني تَمِيم، وَكَانَ لِسَانه أعجميا لِأَنَّهُ رَبِّي بَين الرّوم فغلب عَلَيْهِ لسانهم. فَإِن قلت: وروى الْحَاكِم من طَرِيق مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة عَن يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِصُهَيْب: مَا جدت عَلَيْك فِي الْإِسْلَام إلَاّ ثَلَاثَة أَشْيَاء: اكتنيت أَبَا يحيى، وَإنَّك لَا تمسك شَيْئا، وتدعى إِلَى النمر بن قاسط، فَقَالَ: أما الكنية، فَإِن رَسُول الله، ﷺ ، كناني. وَأما النَّفَقَة، فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه﴾ . وَأما النّسَب، فَلَو كنت من رَوْثَة لانتسبت إِلَيْهَا، وَلَكِن كَانَ الْعَرَب يسبي بَعضهم بَعْضًا، فسباني نَاس بعد أَن عرفت مولدِي وَأَهلي، فباعوني، فَأخذت بلسانهم يَعْنِي بِلِسَان الرّوم قلت: سِيَاق الحَدِيث يدل على أَن الْمُرَاجَعَة كَمَا كَانَت بَين صُهَيْب وَبَين عبد الرَّحْمَن كَانَت كَذَلِك بَينه وَبَين عمر بن الْخطاب. قلت: النمر بن قاسط فِي ربيعَة بن نزار، وَهُوَ النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار. قَوْله: (اتَّقِ الله) ، أَي: خف الله وَلَا تنتسب إِلَى غير أَبِيك، فَكَأَن عبد الرَّحْمَن كَانَ يُنكر عَلَيْهِ ذَلِك، وَلَا يحملهُ إلَاّ على خِلَافه، فَأجَاب صُهَيْب بقوله: (مَا يسرني أَن لي كَذَا وَكَذَا) .
٠٢٢٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ أخبرَهُ أنَّهُ قَالَ يَا رسولَ الله أرَأيْتَ أُمُورا كُنْتُ أتَحَنَّثُ أوْ أتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وعَتاقَةٍ وصَدَقَةٍ هَلْ لِي فِيها أجْرٌ قَالَ حَكِيمٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسولُ الله ﷺ أسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلفَ لَك مِنْ خَيْرٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِيمَا تضمنه الحَدِيث من وُقُوع الصَّدَقَة والعتاقة من الْمُشرك، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن صِحَة ملك الْمُشرك لِأَن صِحَة الْعتْق متوقفة على صِحَة الْملك فيطابق هَذَا قَوْله فِي التَّرْجَمَة وهبته وعتقه، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب من تصدق فِي الشّرك، ثمَّ أسلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة إِلَى آخِره.
قَوْله: (أَرَأَيْت أمورا؟) وَهُنَاكَ: أَرَأَيْت أَشْيَاء. وَقَوله: (أَو أتحنت) ، غير مَذْكُور هُنَاكَ، وَفِي التَّلْوِيح: أتحنث أَو أتحنت، كَذَا فِي نُسْخَة السماع الأول بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالثَّانِي بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة، وَعَلَيْهَا تمريض وَفِي بعض النّسخ بِالْعَكْسِ، كَذَا ذكره ابْن التِّين، قَالَ: وَلم يذكر أحد من اللغويين التَّاء الْمُثَنَّاة، وَإِنَّمَا هُوَ الْمُثَلَّثَة كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث حراء، (فَيَتَحَنَّث) أَي: فيتعبد، وَفِي (الْمطَالع) قَول حَكِيم بن حزَام: (كنت أتحنت) بتاء مثناة، رَوَاهُ الْمروزِي فِي: بَاب من وصل رَحمَه، وَهُوَ غلط من جِهَة الْمَعْنى، وَأما الرِّوَايَة فصحيحة، وَالوهم فِيهِ من شُيُوخ البُخَارِيّ بِدَلِيل قَول البُخَارِيّ: وَيُقَال أَيْضا عَن أبي الْيَمَان: (أتحنث أَو أتحنت) ، على الشَّك، وَالصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ الكافة بالثاء الْمُثَلَّثَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: (أتحبب) ، من الْمحبَّة، وَالله تَعَالَى أعلم.
١٠١ - (بابُ جُلُودِ المَيْتَةِ قَبْلَ أنْ تدْبَغَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم جُلُود الْميتَة قبل دباغها، هَل يَصح بيعهَا أم لَا؟ وسنوضح فِي الحَدِيث جَوَاز بيعهَا.
стр. 3448
١٢٢٢ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حَدثنَا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا أبِي عنْ صالِحٍ قَالَ حدَّثني ابنُ شِهَابٍ أنَّ عُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله قَالَ أخبَرَهُ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ مَرَّ بِشاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ هَلَاّ انْتَفَعْتُمْ بإهَابِهَا قالُوا إنَّها مَيِّتَة قَالَ إنَّمَا حَرُمَ أكْلُهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (هلا انتفعتم بإهابها؟) لِأَنَّهُ يدل على أَنه ينْتَفع بجلد الْمَيِّت، وَالِانْتِفَاع بِهِ يدل على جَوَاز بَيْعه، لِأَن الشَّارِع خص الْحُرْمَة فِيهَا بِغَيْر الْأكل، وَغير الْأكل أَعم من أَن يكون بِالْبيعِ وَغَيره، وَظَاهره جَوَاز الِانْتِفَاع بِهِ، سَوَاء دبغ أَو لم يدبغ، وَهُوَ مَذْهَب الزُّهْرِيّ، وَكَانَ البُخَارِيّ أَيْضا اخْتَار هَذَا الْمَذْهَب، وَبِمَا ذَكرْنَاهُ يسْقط اعْتِرَاض من يُورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيث الَّذِي أوردهُ تعرض للْبيع، والْحَدِيث أَيْضا أوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة.
وَرِجَاله سَبْعَة: زُهَيْر مصغر زهر ابْن حَرْب ضد الصُّلْح ابْن شَدَّاد أَبُو خَيْثَمَة، وَيَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم بن سعد، وَأَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعبيد الله بن عبد الله بتصغير الابْن وتكبير الْأَب ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الصَّدَقَة على موَالِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سعيد بن عفير عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عبد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
٢٠١ - (بابُ قَتْلِ الخِنْزِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قتل الْخِنْزِير: هَل هُوَ مَشْرُوع كَمَا شرع تَحْرِيم أكله؟ أَي: مَشْرُوع؟ وَالْجُمْهُور على جَوَاز قَتله مُطلقًا إلَاّ مَا رُوِيَ شاذا من بعض الشَّافِعِيَّة أَنه يتْرك الْخِنْزِير إِذا لم يكن فِيهِ ضراوة، وَقَالَ ابْن التِّين: وَمذهب الْجُمْهُور أَنه إِذا وجد الْخِنْزِير فِي دَار الْكفْر وَغَيرهَا وتمكنا من قَتله قَتَلْنَاهُ. قلت: يَنْبَغِي أَن يسْتَثْنى خِنْزِير أهل الذِّمَّة لِأَنَّهُ مَال عِنْدهم، وَنحن نهينَا عَن التَّعَرُّض إِلَى أَمْوَالهم. فَإِن قلت: يَأْتِي عَن قريب أَن عِيسَى، ﵇، حِين ينزل يقتل الْخِنْزِير مُطلقًا. قلت: يقتل الْخِنْزِير بعد قتل أَهله، كَمَا أَنه يكسر الصَّلِيب لِأَنَّهُ ينزل وَيحمل النَّاس كلهم على الْإِسْلَام لتقرير شَرِيعَة نَبينَا ﷺ ، فَإِذا جَازَ قتل أهل الْكفْر حِينَئِذٍ سَوَاء كَانُوا من أهل الذِّمَّة أَو من أهل الْحَرْب، فَقتل خنزيرهم وَكسر صليبهم بطرِيق الأولى والأحق، ألَا تَرى أَنه ﷺ (يضع الْجِزْيَة) ، يَعْنِي: يرفعها لِأَن النَّاس كلهم يسلمُونَ؟ فَمن لم يدْخل فِي الْإِسْلَام يقْتله، فَلَا يبْقى وَجه لأخذ الْجِزْيَة لِأَن الْجِزْيَة، إِنَّمَا تُؤْخَذ فِي هَذِه الْأَيَّام لتصرف فِي مصَالح الْمُسلمين، مِنْهَا دفع أعدائهم، وَفِي زمن عِيسَى، ﵊، لَا يبْقى عَدو للدّين، لِأَن النَّاس كلهم مُسلمُونَ، وَيفِيض المَال بَينهم فَلَا يحْتَاج أحد إِلَى شَيْء من الْجِزْيَة لارتفاعها بذهاب أَهلهَا. فَإِن قلت: مَا وَجه دُخُول هَذَا الْبَاب فِي أَبْوَاب الْبيُوع؟ قلت: كَانَ البُخَارِيّ فهم أَن كل مَا حرم وَلم يجز بَيْعه يجوز قَتله، فالخنزير حرم الشَّارِع بَيْعه كَمَا فِي حَدِيث جَابر الْآتِي، فَجَاز قَتله، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة أَدخل هَذَا الْبَاب فِي أَبْوَاب الْبيُوع، وَقَالَ بَعضهم: وَوجه دُخُوله فِي أبوواب البيع الْإِشَارَة إِلَى أَن مَا أَمر بقتْله لَا يجوز بَيْعه. قلت: فِيهِ نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَنه يحْتَاج إِلَى بَيَان الْموضع الَّذِي أَمر النَّبِي، ﷺ ، بقتل الْخِنْزِير، وَتَحْرِيم بَيْعه لَا يسْتَلْزم جَوَاز قَتله، وَالْآخر أَن قَوْله: (ماأمر بقتْله لَا يجوز بَيْعه) ، لَيْسَ بكلي، فَإِن الشَّارِع أَمر بقتل الْحَيَّات صَرِيحًا، مَعَ أَن جمَاعَة من الْعلمَاء، مِنْهُم أَبُو اللَّيْث، قَالُوا: يجوز بيع الْحَيَّات إِذا كَانَت ينْتَفع بهَا للأدوية.
وَقَالَ جابرٌ حَرَّمَ النبيُّ ﷺ بَيْعَ الخِنْزِيرِ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن مَشْرُوعِيَّة قتل الْخِنْزِير كَانَ مَبْنِيا على كَونه محرما أكله، فَهَذَا الْقدر بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّة يَكْفِي لوُجُود الْمُطَابقَة، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث البُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن جَابر، بِلَفْظ: سَمِعت النَّبِي، ﷺ ،
стр. 3449
عَام الْفَتْح، وَهُوَ بِمَكَّة، يَقُول: إِن الله تَعَالَى وَرَسُوله حرما بيع الْخمر وَالْميتَة وَالْخِنْزِير والأصنام بعد تِسْعَة أَبْوَاب.
٢٢٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ حَكما مُقْسِطا فيَكْسِرَ الصَّلِيبَ ويَقْتُلَ الخِنْزِيرَ ويَضَعَ الجِزْيَةَ ويَفِيضَ المالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أحدٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيقتل الْخِنْزِير) ، والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَقَالَ حسن صَحِيح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ليوشكن) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد، ويوشكن من أَفعَال المقاربة، وَهُوَ مضارع دخلت عَلَيْهِ نون التَّأْكِيد، وماضيه: أوشك، وَأنكر الْأَصْمَعِي مَجِيء الْمَاضِي مِنْهُ، وَحكى الْخَلِيل اسْتِعْمَال الْمَاضِي فِي قَول الشَّاعِر:
وَلَو سالوا الشرَّاب لأوشكونا
وأفعال المقاربة أَنْوَاع: نوع: مِنْهَا: مَا وضع للدلالة على دنو الْخَبَر، وَهُوَ ثَلَاثَة: كَاد وكرب وأوشك، وَمَعْنَاهُ هُنَا: ليسرعن، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ لَيَكُونن. قَالَ: وَجَاء يُوشك بِمَعْنى: يكون وَمعنى يقرب. قَوْله: (أَن ينزل) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على الفاعلية، وَالْمعْنَى: ليسرعن نزُول ابْن مَرْيَم فِيكُم، ونزوله من السَّمَاء، فَإِن الله رَفعه إِلَيْهَا وَهُوَ حَيّ ينزل عِنْد المنارة الْبَيْضَاء بشرقي دمشق وَاضِعا كفيه على أَجْنِحَة ملكَيْنِ، وَكَانَ نُزُوله عِنْد انفجار الصُّبْح. قَوْله: (حكما) بِفتْحَتَيْنِ، بِمَعْنى الْحَاكِم. قَوْله: (مقسطا) أَي: عادلاً، من الإقساط، يُقَال: أقسط إِذا عدل، وقسط إِذا ظلم، فَكَأَن الْهمزَة فِيهِ للسلب، كَمَا يُقَال: شكا إِلَيْهِ فأشكاه. قَوْله: (فيكسر الصَّلِيب) ، الْفَاء فِيهِ تفصيلية لقَوْله حكما مقسطا، وويرى: حكما عدلا، قَالَ الطَّيِّبِيّ: يُرِيد بقوله: يكسر الصَّلِيب إبِْطَال النَّصْرَانِيَّة وَالْحكم بشرع الْإِسْلَام. وَفِي (التَّوْضِيح) : يكسر الصَّلِيب، أَي: بعد قتل أَهله. قلت: فتح لي هُنَا معنى من الْفَيْض الإلهي، وَهُوَ: أَن المُرَاد من كسر الصَّلِيب إِظْهَار كذب النَّصَارَى حَيْثُ ادعوا أَن الْيَهُود صلبوا عِيسَى، ﵊، على خشب، فَأخْبر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَزِيز بكذبهم وافترائهم، فَقَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه لَكِن شبه لَهُم﴾ (النِّسَاء: ٧٥١) . وَذَلِكَ أَنهم لما نصبوا لَهُ خَشَبَة ليصلبوا عَلَيْهَا، ألْقى الله تَعَالَى شبه عِيسَى على الَّذِي دلهم عَلَيْهِ، واسْمه: يهوذا، وصلبوه مَكَانَهُ، وهم يظنون أَنه عِيسَى، وَرفع الله عِيسَى إِلَى السَّمَاء، ثمَّ تسلطوا على أَصْحَابه بِالْقَتْلِ والصلب وَالْحَبْس حَتَّى بلغ أَمرهم إِلَى صَاحب الرّوم، فَقيل لَهُ: إِن الْيَهُود قد تسلطوا على أَصْحَاب رجل كَانَ يذكر لَهُم أَنه رَسُول الله، وَكَانَ يحيي الْمَوْتَى ويبرىء الأكمه والأبرص وَيفْعل الْعَجَائِب، فعدوا عَلَيْهِ وقتلوه وصلبوه، فَأرْسل إِلَى المصلوب فَوضع عَن جذعه وَجِيء بالجذع الَّذِي صلب عَلَيْهِ فَعَظمهُ، صَاحب الرّوم وَجعلُوا مِنْهُ صلبانا، فَمن ثمَّ عظمت النَّصَارَى الصلبان، وَمن ذَلِك الْوَقْت دخل دين النَّصْرَانِيَّة فِي الرّوم، ثمَّ يكون كسر عِيسَى الصَّلِيب حِين ينزل إِشَارَة إِلَى كذبهمْ فِي دَعوَاهُم أَنه قتل وصلب، وَإِلَى بطلَان دينهم، وَأَن الدّين الْحق هُوَ الدّين الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، وَهُوَ دين الْإِسْلَام دين مُحَمَّد ﷺ الَّذِي هُوَ نزل لإظهاره وَإِبْطَال بَقِيَّة الْأَدْيَان بقتل النَّصَارَى وَالْيَهُود وَكسر الْأَصْنَام، وَقتل الْخِنْزِير وَغير ذَلِك. قَوْله: (وَيقتل الْخِنْزِير) ، قَالَ الطَّيِّبِيّ: وَمعنى قتل الْخِنْزِير تَحْرِيم اقتنائه وَأكله، وَإِبَاحَة قَتله. وَفِيه بَيَان أَن أعيانها نَجِسَة، لِأَن عِيسَى، ﵊، إِنَّمَا يَقْتُلهَا على حكم شرع الْإِسْلَام وَالشَّيْء الطَّاهِر المنتفع بِهِ لَا يُبَاح إِتْلَافه. انْتهى. وَقيل: يحْتَمل أَنه لتضعيف أهل الْكفْر عِنْدَمَا يُرِيد قِتَالهمْ، وَيحْتَمل أَنه يقْتله بَعْدَمَا يقتلهُمْ. قَوْله: (وَيَضَع الْجِزْيَة) ، وَقد مر تَفْسِيره فِي أول الْبَاب. قَوْله: (وَيفِيض المَال) ، أَي: يكثر ويتسع، من فاض المَاء إِذا سَالَ وارتفع، وَضَبطه الدمياطي بِالنّصب عطفا على مَا قبله من المنصوبات، وَقَالَ ابْن التِّين: إعرابه بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ كَلَام مُسْتَأْنف غير مَعْطُوف لِأَنَّهُ لَيْسَ من فعل عِيسَى، ﵊. قَوْله: (حَتَّى لَا يقبله أحد) ، لكثرته واستغناء كل وَاحِد بِمَا فِي يَده، وَيُقَال: يكثر المَال حَتَّى يفضل مِنْهُ بأيدي ملاكه مَا لَا حَاجَة لَهُم بِهِ فيدور وَاحِد مِنْهُم على من يقبل شَيْئا مِنْهُ فَلَا يجده.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث مَا فِيهِ: قَالَه ابْن بطال دَلِيل على أَن الْخِنْزِير حرَام فِي شَرِيعَة عِيسَى، ﵊، وَقَتله لَهُ تَكْذِيب
стр. 3450
لِلنَّصَارَى أَنه حَلَال فِي شريعتهم. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الِانْتِفَاع بِشعرِهِ، فكرهه ابْن سِيرِين وَالْحكم وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لَا ينْتَفع من الْخِنْزِير بِشَيْء وَلَا يجوز بيع شَيْء مِنْهُ، وَيجوز للخرازين أَن يبيعوا شَعْرَة أَو شعرتين للخرازة، وَرخّص فِيهِ الْحسن وَطَائِفَة، وَذكر عَن مَالك: أَنه لَا بَأْس بالخرازة بِشعرِهِ، وَأَنه لَا بَأْس بِبيعِهِ وشرائه، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: يجوز للخراز أَن يَشْتَرِيهِ، وَلَا يجوز لَهُ أَن يَبِيعهُ، وَمِنْه مَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) أَن الْخِنْزِير أَسْوَأ حَالا من الْكَلْب، لِأَنَّهُ لم ينزل بقتْله بِخِلَافِهِ. قلت: الْخِنْزِير نجس الْعين حَتَّى لَا يجوز دباغة جلده، بِخِلَاف الْكَلْب على مَا عرف فِي الْفُرُوع.
٣٠١ - (بابٌ لَا يُذَابُ شَحْمُ المَيْتَةِ ولَا يُباعُ ودَكُهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يذاب شَحم الْميتَة، وَلَا يذاب مَجْهُول من: يذيب إذابة، من ذاب الشيى ذوبا ضد: جمد قَوْله: (ودكه) بِفَتْح الْوَاو وَالدَّال، وَفِي (الْمغرب) : الودك من اللَّحْم والشحم مَا يتحلب مِنْهُ، وَقَول الْفُقَهَاء: ودك الْميتَة من ذَلِك، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الودك: هُوَ دسم اللَّحْم ودهنه الَّذِي يسْتَخْرج مِنْهُ.
روَاهُ جابِرٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: روى الْمَذْكُور من ترك إذابة شَحم الْميتَة وَترك بيع الودك جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا تَعْلِيق أسْندهُ البُخَارِيّ فِي بَاب بيع الْميتَة والأصنام، يَأْتِي بعد ثَمَانِيَة أَبْوَاب.
١٦٦ - (حَدثنَا الْحميدِي قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار قَالَ أَخْبرنِي طَاوس أَنه سمع ابْن عَبَّاس ﵄ يَقُول بلغ عمر أَن فلَانا بَاعَ خمرًا فَقَالَ قَاتل الله فلَانا ألم يعلم أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ قَاتل الله الْيَهُود حرمت عَلَيْهِم الشحوم فجملوها فَبَاعُوهَا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله حرمت عَلَيْهِم الشحوم فجملوها بِالْجِيم والْحميدِي بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة هُوَ عبد الله بن الزبير ابْن عِيسَى الْقرشِي الْمَكِّيّ وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَكَانَ الْحميدِي أثبت النَّاس وَفِيه وَقَالَ جالسته تسع عشرَة سنة أَو نَحْوهَا والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب واسحق بن إِبْرَاهِيم ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ وَعَن أُميَّة بن بسطَام عَن يزِيد بن زُرَيْع وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الذَّبَائِح وَفِي التَّفْسِير عَن اسحق بن إِبْرَاهِيم بِهِ وَأخرجه ابْن ماجة فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ قَوْله " قَاتل الله فلَانا " قَالَ الْبَيْضَاوِيّ أَي عاداهم وَقيل قَتلهمْ فَأخْرج فِي صُورَة الْمُبَالغَة أَو عبر عَنهُ بِمَا هُوَ سَبَب عَنهُ فَمنهمْ بِمَا اخترعوا من الْحِيَل انتصبوا لمحاربة الله ومقاتلته وَمن قَاتله قَتله وَقَالَ الْخطابِيّ قيل أَن الَّذِي فِيهِ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ هَذَا القَوْل سَمُرَة فَإِنَّهُ خللها ثمَّ بَاعهَا وَكَيف يجوز على مثل سَمُرَة أَن يَبِيع عين الْخمر وَقد شاع تَحْرِيمهَا لكنه أول فِيهَا بِأَن خللها وَغير اسْمهَا كَمَا أولوه بالإذابة فِي الشَّحْم فعابه عمر على ذَلِك انْتهى قلت قَالَ مُسلم حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَاللَّفْظ لأبي بكر قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو وَعَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بلغ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن سَمُرَة بَاعَ خمرًا فَقَالَ قَاتل الله سَمُرَة ألم يعلم أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ لعن الله الْيَهُود حرمت عَلَيْهِم الشحوم فجملوها فَبَاعُوهَا " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الزَّعْفَرَانِي عَن سُفْيَان وَزَاد فِي رِوَايَته سَمُرَة بن جُنْدُب وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيره اخْتلف فِي تَفْسِيره بيع سَمُرَة الْخمر على ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهمَا أَنه أَخذهَا من أهل الْكتاب عَن قيمَة الْجِزْيَة فَبَاعَهَا مِنْهُم مُعْتَقدًا جَوَاز ذَلِك وَالثَّانِي أَن يكون بَاعَ الْعصير مِمَّن يَتَّخِذهُ خمرًا والعصير يُسمى خمرًا كَمَا يُسمى الْعِنَب بِهِ لِأَنَّهُ يؤول إِلَيْهِ قَالَ الْخطابِيّ وَلَا يظنّ بسمرة أَنه بَاعَ عين الْخمر بعد أَن شاع تَحْرِيمهَا وَإِنَّمَا بَاعَ الْعصير وَالثَّالِث أَن يكون خلل الْخمر وباعها لما ذكرنَا آنِفا وَقَالَ
стр. 3451
الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي كِتَابه الْمدْخل يجوز أَن سَمُرَة علم بتحريمها وَلم يعلم بِحرْمَة بيعهَا وَلَو لم يكن كَذَلِك لما أقره عمر على عمله ولعزله لَو فعله عَن علم انْتهى وَهَذَا يرد قَول بَعضهم وَلم أر فِي شَيْء من الْأَخْبَار أَن سَمُرَة كَانَ واليا لعمر على شَيْء من أَعماله انْتهى لِأَن قَول الَّذِي اطلع على شَيْء حجَّة على قَول من يَدعِي عدم الِاطِّلَاع عَلَيْهِ وَأَيْضًا الدَّعْوَى بِعَدَمِ رُؤْيَة شَيْء فِي الْأَخْبَار الَّذِي نَقله غير وَاحِد من الْحفاظ غير مسموعة لِأَنَّهُ يبعد أَن يطلع أحد على جَمِيع مَا وَقع فِي قَضِيَّة من الْأَخْبَار قَوْله " قَاتل الله الْيَهُود " فسره البُخَارِيّ من رِوَايَة أبي ذَر باللعنة وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَالَ الْهَرَوِيّ مَعْنَاهُ قَتلهمْ الله وَحكى عَن بَعضهم عاداهم وَالْأَصْل فِي فَاعل أَن يكون من اثْنَيْنِ وَرُبمَا يكون من وَاحِد مثل سَافَرت وطارقت قَوْله " فجملوها " بِالْجِيم أَي أذابوها يُقَال جمل الشَّحْم يجمله من بَاب نصر ينصر إِذا أذابه وَمِنْه الْجَمِيل وَهُوَ الشَّحْم الْمُذَاب وَقَالَ الدَّاودِيّ وَمِنْه سمى الْجمال لِأَنَّهُ يكون عَن الشَّحْم وَلَيْسَ هَذَا بَين لِأَنَّهُ قد يكون بعد الهزال وَقَالَ بَعضهم وَجه تَشْبِيه عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بيع الْمُسلمين الْخمر بِبيع الْيَهُودِيّ الْمُذَاب من الشَّحْم الِاشْتِرَاك فِي النَّهْي عَن تنَاول كل مِنْهُمَا قلت هَذَا لَا يُسمى تَشْبِيها لعدم شُرُوط التَّشْبِيه فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ تَمْثِيل يَعْنِي بيع فلَان الْخمر مثل بيع الْيَهُودِيّ الشَّحْم الْمُذَاب وَالْمعْنَى حَال هَذَا الرجل الَّذِي بَاعَ الْخمر العجيبة الشَّأْن كَحال الْيَهُود الَّذين حرم عَلَيْهِم الشَّحْم ثمَّ جملوه فباعوه وعلماء الْبَيَان قد فرقوا بَين التَّشْبِيه والتمثيل وَجعلُوا لكل وَاحِد بَابا مُفردا نعم إِذا كَانَ وَجه التَّشْبِيه منتزعا من أُمُور يُسمى تمثيلا كَمَا فِي تَشْبِيه ﴿مثل الَّذِي حملُوا التَّوْرَاة ثمَّ لم يحملوها كَمثل الْحمار يحمل أسفارا﴾ فَإِن تَشْبِيه مثل الْيَهُود الَّذين كلفوا بِالْعَمَلِ بِمَا فِي التَّوْرَاة ثمَّ لم يعملوا بذلك بِمثل الْحمار الْحَامِل للأسفار فَإِن وَجه التَّشْبِيه بَينهمَا وَهُوَ حرمَان الِانْتِفَاع بأبلغ نَافِع مَعَ الكد والتعب فِي استصحابه لَا يخفى كَونه منتزعا من عدَّة أُمُور وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا كل مَا حرم تنَاوله حرم بَيْعه قلت قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن هَذَا لَيْسَ بكلي فَإِن الْحَيَّة يحرم تنَاولهَا وَلَا يحرم بيعهَا للضَّرُورَة للتداوي وَقَالَ أَيْضا وَتَنَاول الْخمر وَالسِّبَاع وَغَيرهمَا مِمَّا حرم أكله إِنَّمَا يَتَأَتَّى بعد ذبحه وَهُوَ بِالذبْحِ يصير ميتَة لِأَنَّهُ لَا ذَكَاة لَهُ وَإِذا صارة ميتَة صَار نجسا وَلم يجز بَيْعه انْتهى قلت كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يَقُول هَذَا فِي مَذْهَبنَا لِأَن من لم يقف على مَذَاهِب الْعلمَاء فِي مثل هَذَا يعْتَقد أَنه أَمر مجمع عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن عندنَا مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه إِذا ذبح يطهر لَحْمه حَتَّى إِذا صلى وَمَعَهُ من ذَلِك أَكثر من قدر الدِّرْهَم تصح صلَاته وَلَو وَقع فِي المَاء لَا يُنجسهُ لِأَنَّهُ بالذكاة يطهر لِأَن الذَّكَاة أبلغ من الدّباغ فِي إِزَالَة الدِّمَاء والرطوبات وَقَالَ الْكَرْخِي كل حَيَوَان يطهر جلده بالدباع يطهر بالذكاة فَهَذَا يدل على أَنه يطهر لَحْمه وشحمه وَسَائِر أَجْزَائِهِ وَفِي الْبَدَائِع الذَّكَاة تطهر المذكي بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ إِلَّا الدَّم المسفوح هُوَ الصَّحِيح وَقَالَ ابْن بطال أجمع الْعلمَاء على تَحْرِيم بيع الْميتَة بِتَحْرِيم الله تَعَالَى لَهَا قَالَ تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم﴾ وَاعْترض بعض الْمَلَاحِدَة بِأَن الابْن إِذا ورث من أَبِيه جَارِيَة كَانَ الْأَب وَطئهَا فَإِنَّهَا تحرم على الابْن وَيحل لَهُ بيعهَا بِالْإِجْمَاع وَأكل ثمنهَا وَقَالَ القَاضِي هَذَا تمويه على من لَا علم عِنْده لِأَن جَارِيَة الْأَب لم يحرم على الابْن مِنْهَا غير الِاسْتِمْتَاع على هَذَا الْوَلَد دون غَيره من النَّاس وَيحل لهَذَا الابْن الِانْتِفَاع بهَا فِي جَمِيع الْأَشْيَاء سوى الِاسْتِمْتَاع وَيحل لغيره الِاسْتِمْتَاع وَغَيره بِخِلَاف الشحوم فَإِنَّهَا مُحرمَة الْمَقْصُود مِنْهَا وَهُوَ الْأكل مِنْهَا على جَمِيع الْيَهُود وَكَذَلِكَ شحوم الْميتَة مُحرمَة الْأكل على كل وَاحِد فَكَانَ مَا عدا الْأكل تَابعا بِخِلَاف مَوْطُوءَة الْأَب وَفِي الحَدِيث لعن العَاصِي الْمعِين وَلَكِن يحْتَمل أَن قَول عمر كَانَ للتغليظ لِأَن هَذَا كلمة تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد إِرَادَة الزّجر وَلَيْسَت على حَقِيقَتهَا وَفِيه إبِْطَال الْحِيَل والوسائل إِلَى الْمحرم وَفِيه تَحْرِيم بيع الْخمر وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَغَيره فِيهِ الْإِجْمَاع وشذ من قَالَ يجوز بيعهَا وَيجوز بيع العنقود المستحيل بَاطِنه خمرًا وَقَالَ بَعضهم فِيهِ أَن الشَّيْء إِذا حرم عينه حرم ثمنه قلت هَذَا لَيْسَ بكلي وَقَالَ أَيْضا فِيهِ دَلِيل على أَن بيع الْمُسلم الْخمر من الذِّمِّيّ لَا يجوز وَكَذَا تَوْكِيل الذِّمِّيّ الْمُسلم فِي بيع الْخمر قلت لَا خلاف فِي المسئلة الأولى وَلَا فِي الثَّانِيَة وَلَكِن الْخلاف فِيمَا إِذا وكل الذِّمِّيّ الْمُسلم بِبيع الْخمر والْحَدِيث لَا يدل على مسئلة التَّوْكِيل من الْجَانِبَيْنِ وَفِيه اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي الْأَشْبَاه والنظائر وَقَالَ بَعضهم وَاسْتدلَّ بِهِ على تَحْرِيم جثة الْكَافِر إِذا قَتَلْنَاهُ وَأَرَادَ الْكفَّار شِرَاءَهُ قلت وَجه هَذَا الِاسْتِدْلَال من هَذَا الحَدِيث غير ظَاهِرَة -
стр. 3452
٤٢٢٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيد بنَ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ قاتَلَ الله يَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فباعُوهَا وأكلُوا أثْمانَهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وعبدان هُوَ: عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ الْمدنِي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم بِإِسْنَاد البُخَارِيّ. قَوْله: (يهود) يُغير تَنْوِين لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف للعلمية والتأنيث، لِأَنَّهُ علم للقبيلة، ويروى: يهودا، بِالتَّنْوِينِ، وَوَجهه أَن يكون بِاعْتِبَار الْحَيّ فَيبقى بعلة وَاحِدَة فَيَنْصَرِف.
قَالَ أَبُو عَبدِ الله قاتَلَهُمُ الله لَعَنَهُمْ قُتِلَ لعِنَ الخَرَّاصُونَ. الْكَذَّابُونَ
هَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَقَالَ: تَفْسِير قَاتلهم لعنهم، وَاسْتشْهدَ على ذَلِك بقوله تَعَالَى: ﴿قتل الخراصون﴾ (الذاريات: ٠١) . يَعْنِي: لعن الخراصون، وَهُوَ تَفْسِير ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: قتل، رَوَاهُ الطَّبَرِيّ عَنهُ فِي تَفْسِيره، والخراصون الكذابون، رَوَاهُ الطَّبَرِيّ أَيْضا عَن مُجَاهِد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي معنى اللَّعْن عَن قريب.
٤٠١ - (بابُ بَيْعِ التَّصاوِيرِ الَّتِي لَيْسَ فِيها رُوحٌ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم التصاوير، أَي: المصورات الَّتِي لَيْسَ فِيهَا روح: كالأشجار وَنَحْوهَا. قَوْله: (وَمَا يكره) أَي: وَفِي بَيَان مَا يكره من ذَلِك من اتِّخَاذ أَو عمل أَو بيع أَو نَحْو ذَلِك.
٥٢٢٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ أخبرنَا عَوْفٌ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي الحَسَنِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما إذَا أتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبَّاسٍ إنِّي إنْسَانٌ إنَّما مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي وإنِّي أصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَا أُحَدِّثُكَ إلَاّ مَا سَمِعْتُ منْ رسولِ الله ﷺ سَمِعْتُهُ يَقولُ منْ صَوَّرَ صورَةً فإنَّ الله مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيها الرُّوحَ ولَيْسَ بِنافِخٍ فِيها أبَدا فَرَبا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً واصْفَرَّ وجْهُهُ فَقَالَ وَيْحَكَ إنْ أبَيْتَ إلَاّ أنْ تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَعَلَيْك بِهَذَا الشّجر) ، وَكَانَ البُخَارِيّ فهم من قَوْله فِي الحَدِيث: إِنَّمَا معيشتي من صَنْعَة يَدي، وَإجَابَة ابْن عَبَّاس بِإِبَاحَة صور الشّجر، وَشبهه إِبَاحَة البيع وجوازه فترجم عَلَيْهِ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي. الثَّانِي: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث: عَوْف، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو فِي آخِره فَاء: ابْن أبي حميد الْأَعرَابِي، يعرف بِهِ وَلَيْسَ بأعرابي الأَصْل يكنى أَبَا سهل، وَيُقَال: أَبُو عبد الله. الرَّابِع: سعيد بن أبي الْحسن، أَخُو الْحسن الْبَصْرِيّ، وَاسم أبي الْحسن: يسَار، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن هَؤُلَاءِ كلهم بصريون. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن سعيد بن أبي الْحسن لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ مَوْصُولا سوى هَذَا الحَدِيث.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن نصر بن عَليّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم، وَفِي الْبَاب عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. أخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا فَهد، قَالَ: حَدثنَا القعْنبِي، قَالَ: حَدثنَا
стр. 3453
عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (المصورون يُعَذبُونَ يَوْم الْقِيَامَة، يُقَال لَهُم: أحيوا مَا خلقْتُمْ) ، وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا وَغَيره، وَعَن أبي هُرَيْرَة أخرجه النَّسَائِيّ قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن عَليّ حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا همام عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من صور صُورَة كلف يَوْم الْقِيَامَة أَن ينْفخ فِيهَا الرّوح، وَلَيْسَ بنافخ) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذْ أَتَاهُ رجل) ، كلمة: إِذْ، للمفاجأة، وَقد ذكرنَا غير مرّة أَن: إِذْ وَإِذا، يضافان إِلَى جملَة، فَقَوله: (أَتَاهُ رجل) جملَة فعلية، وَقَوله: (فَقَالَ ابْن عَبَّاس) ، جَوَاب: إِذْ. قَوْله: (إِنَّمَا معيشتي من صَنْعَة يَدي) يَعْنِي: مَا معيشتي إلَاّ من عمل يَدي. قَوْله: (حَتَّى ينْفخ فِيهَا) ، أَي: إِلَى أَن ينْفخ فِي الصُّورَة. قَوْله: (وَلَيْسَ بنافخ) أَي: لَا يُمكن لَهُ النفخ قطّ، فيعذب أبدا. قَوْله: (فربا) أَي: فربا الرجل أَي أَصَابَهُ الربو، وَهُوَ مرض يحصل للرجل يَعْلُو نَفسه ويضيق صَدره، وَقَالَ ابْن قرقول: أَي ذكر وامتلأ خوفًا. وَعَن صَاحب (الْعين) : رَبًّا الرجل أَصَابَهُ نفس فِي جَوْفه، وَهُوَ الربو والربوة والربوة، وَهُوَ نهج وَنَفس متواتر، وَقَالَ ابْن التِّين: مَعْنَاهُ انتفخ كَأَنَّهُ خجل من ذَلِك. قَوْله: (وَيحك) ، كلمة ترحم، كَمَا أَن: وَيلك، كلمة عَذَاب. قَوْله: (كل شَيْء) ، بِالْجَرِّ بدل الْكل عَن الْبَعْض، وَهَذَا جَائِز عِنْد بعض النُّحَاة، وَهُوَ قسم خَامِس من الْإِبْدَال كَقَوْل الشَّاعِر:
(رحم الله أعظما دفنوهابسجستان طَلْحَة الطلحات)
ويروى: نضر الله أعظما، وَيجوز أَن يكون فِيهِ مُضَاف مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: عَلَيْك، بِمثل الشّجر، أَو يكون وَاو الْعَطف فِيهِ مقدرَة، تَقْدِيره: وكل شَيْء، كَمَا فِي: التَّحِيَّات المباركات الصَّلَوَات الطَّيِّبَات، فَإِن مَعْنَاهُ: والصلوات، وبواو الْعَطف جَاءَ فِي رِوَايَة أبي نعيم من طَرِيق خودة عَن عَوْف: فَعَلَيْك بِهَذَا الشّجر وكل شَيْء لَيْسَ فِيهِ روح، وَفِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي بِلَفْظ: فَاصْنَعْ الشّجر ومالا نفس لَهُ. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هُوَ بَيَان للشجر، لِأَنَّهُ لما مَنعه عَن التَّصْوِير وأرشده إِلَى جنس الشّجر، رأى أَنه غير وافٍ بِالْمَقْصُودِ، فأوضحه بِهِ، وَيجوز النصب على التَّفْسِير.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن تَصْوِير ذِي روح حرَام، وَأَن مصوره توعد بِعَذَاب شَدِيد، وَهُوَ قَوْله: فَإِن الله معذبه حَتَّى ينْفخ فِيهَا، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: كل مُصَور فِي النَّار يَجْعَل لَهُ بِكُل صُورَة صورها نفسا، فيعذبه فِي جَهَنَّم. وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبي جُحَيْفَة: لعن رَسُول الله، ﷺ ، المصورين. وَعَن عُمَيْر عَن أُسَامَة بن زيد يرفعهُ: قَاتل الله قوما يصورون مَا لَا يخلقون. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا كره هَذَا من أجل أَن الصُّورَة الَّتِي فِيهَا الرّوح كَانَت تعبد فِي الْجَاهِلِيَّة، فَكرِهت كل صُورَة، وَإِن كَانَت لَا فَيْء لَهَا وَلَا جسم قطعا للذريعة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي حَدِيث مُسلم: أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن لَا يكون فِي النَّار أحد يزِيد عَذَابه على عَذَاب المصورين، وَهَذَا يُعَارضهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ادخُلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ (غَافِر: ٦٤) . وَقَوله، ﷺ : (أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة إِمَام ضَلَالَة) . وَقَوله: (أَشد النَّاس عذَابا عَالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ) ، وَأَشْبَاه ذَلِك، وَوجه التَّوْفِيق: أَن النَّاس الَّذين أضيف إِلَيْهِم: أَشد، لَا يُرَاد بهم كل نوع النَّاس، بل بَعضهم المشاركون فِي ذَلِك الْمَعْنى المتوعد عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ، ففرعون أَشد المدعين للإلهية عذَابا، وَمن يَقْتَدِي بِهِ فِي ضَلَالَة كفر أَشد مِمَّن يَقْتَدِي بِهِ فِي ضَلَالَة بِدعَة، وَمن صور صورا ذَات أَرْوَاح أَشد عذَابا مِمَّن يصور مَا لَيْسَ بِذِي روح، فَيجوز أَن يَعْنِي بالمصورين الَّذين يصورون الْأَصْنَام لِلْعِبَادَةِ، كَمَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تفعل، وكما يفعل النَّصَارَى، فَإِن عَذَابهمْ يكون أَشد مِمَّن يصورها لَا لِلْعِبَادَةِ. انْتهى. وَلقَائِل أَن يَقُول: أَشد النَّاس عذَابا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الْأمة لَا إِلَى غَيرهَا من الْكفَّار، فَإِن صورها لتعبد أَو لمضاهاة خلق الله تَعَالَى فَهُوَ كَافِر قَبِيح الْكفْر، فَلذَلِك زيد فِي عَذَابه. قلت: قَول الْقُرْطُبِيّ: وَمن صور صورا ذَات أَرْوَاح أَشد عذَابا مِمَّن يصور مَا لَيْسَ بِذِي روح، فِيهِ نظر لَا يخفى، وَفِيه إِبَاحَة تَصْوِير مَا لَا روح لَهُ كالشجر وَنَحْوه، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث، فَإِنَّهُم استدلوا على ذَلِك بقول ابْن عَبَّاس: فَعَلَيْك بِهَذَا الشّجر ... إِلَى آخِره، فَإِن ابْن عَبَّاس استنبط قَوْله من قَوْله، ﷺ (فَإِن الله معذبه حَتَّى ينْفخ فِيهَا) . أَي: الرّوح، فَدلَّ هَذَا على أَن المصور إِنَّمَا يسْتَحق هَذَا الْعَذَاب لكَونه قد بَاشر تَصْوِير حَيَوَان مُخْتَصّ بِاللَّه تَعَالَى، وتصوير جماد لَيْسَ لَهُ فِي معنى ذَلِك، فَلَا بَأْس بِهِ.
وَذهب جمَاعَة
стр. 3454
مِنْهُم اللَّيْث بن سعيد وَالْحسن بن حَيّ وَبَعض الشَّافِعِيَّة إِلَى كَرَاهَة التَّصْوِير مُطلقًا، سَوَاء كَانَت على الثِّيَاب أَو على الْفرش والبسط وَنَحْوهَا، وَاحْتَجُّوا بِعُمُوم قَوْله، ﷺ : (لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ صُورَة وَلَا كلب وَلَا جنب) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَوله، ﷺ : (لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ كلب وَلَا صُورَة) ، أخرجه مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن أبي طَلْحَة، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ نَحوه من حَدِيث أبي أَيُّوب عَن رَسُول الله، ﷺ ، وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي سَلمَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أَن جِبْرِيل، ﵊، قَالَ لرَسُول الله، ﷺ : إِنَّا لَا ندخل بَيْتا فِيهِ صُورَة) . وَأخرجه مُسلم مطولا. وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: دخل عليَّ رَسُول الله ﷺ وَأَنا مستترة بقرام ستر فِيهِ صُورَة فهتكه، ثمَّ قَالَ: (إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة الَّذين يشبهون بِخلق الله تَعَالَى) . وَأخرجه مُسلم بأتم مِنْهُ. وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث أُسَامَة بن زيد عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ صُورَة. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ مطولا. وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي الزبير: قَالَ: سَأَلت جَابِرا عَن الصُّور فِي الْبَيْت وَعَن الرجل يفعل ذَلِك؟ فَقَالَ: زجر رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك.
وَخَالف الْآخرُونَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، وهم النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة، وَقَالُوا: إِذا كَانَت الصُّور على الْبسط والفرش الَّتِي تُوطأ بالأقدام فَلَا بَأْس بهَا، وَأما إِذا كَانَت على الثِّيَاب والستائر وَنَحْوهمَا، فَإِنَّهَا تحرم، وَقَالَ أَبُو عمر: ذكر ابْن الْقَاسِم: قَالَ: كَانَ مَالك يكره التماثيل فِي الأسرة والقباب، وَأما الْبسط والوسائد وَالثيَاب فَلَا بَأْس بِهِ. وَكره أَن يُصَلِّي إِلَى قبَّة فِيهَا تماثيل. وَقَالَ الثَّوْريّ: لَا بَأْس بالصور فِي الوسائد لِأَنَّهَا تُوطأ وَيجْلس عَلَيْهَا، وَكَانَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه يكْرهُونَ التصاوير فِي الْبيُوت بتمثال، وَلَا يكْرهُونَ ذَلِك فِيمَا يبسط، وَلم يَخْتَلِفُوا أَن التصاوير فِي الستور الْمُعَلقَة مَكْرُوهَة، وَكَذَلِكَ عِنْدهم مَا كَانَ خرطا أَو نقشا فِي الْبناء.
وَقَالَ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي: وَإِن دعِي رجل إِلَى عرس فَرَأى صُورَة ذَات روح، أَو صورا ذَات أَرْوَاح، لم يدْخل إِن كَانَت مَنْصُوبَة، وَإِن كَانَت تُوطأ فَلَا بَأْس، وَإِن كَانَت صُورَة الشّجر. وَقَالَ قوم: إِنَّمَا كره من ذَلِك مَا لَهُ ظلّ وَمَا لَا ظلّ لَهُ فَلَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ عِيَاض: وَأَجْمعُوا على منع مَا كَانَ لَهُ ظلّ، وَوُجُوب تَغْيِيره إلَاّ مَا ورد فِي اللّعب بالبنات لصغار الْبَنَات، والرخصة فِي ذَلِك، وَكره مَالك شِرَاء ذَلِك لابنته، وَادّعى بَعضهم أَن إِبَاحَة اللّعب للبنات مَنْسُوخ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَاسْتثنى بعض أَصْحَابنَا من ذَلِك مَا لَا يبْقى كصور الفخار والشمع وَمَا شاكل ذَلِك، وَهُوَ مطَالب بِدَلِيل التَّخْصِيص، وَكَانَت الْجَاهِلِيَّة تعْمل أصناما من الْعَجْوَة، حَتَّى إِن بَعضهم جَاع فَأكل صنمه. قلت: بَنو باهلة كَانُوا يصنعون الْأَصْنَام من الْعَجْوَة، فَوَقع فيهم الغلاء فأكلوها وَقَالُوا: بَنو باهلة أكلُوا آلِهَتهم.
وَحجَّة الْمُخَالفين لأهل الْمقَالة الأولى حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قدم رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعِنْدِي نمط لي فِيهِ صُورَة، فَوَضَعته على سهوتي، فاجتذبه، فَقَالَ: لَا تستروا الْجِدَار. قَالَت: فصنعته وسادتين. أخرجه الطَّحَاوِيّ وَأخرجه مُسلم بأتم مِنْهُ، والنمط بِفَتْح النُّون وَالْمِيم، هُوَ ضرب من الْبسط لَهُ خمل رَقِيق وَيجمع على أنماط. والسهوة، بِالسِّين الْمُهْملَة بَيت صَغِير منحدر فِي الأَرْض قَلِيلا، شَبيه بالمخدع والخزانة. وَقيل: هُوَ كالصفة تكون بَين يَدي الْبَيْت، وَقيل: شَبيه بالرف والطاق يوضع فِيهِ الشَّيْء، والوسادة المخدة.
وَأَجَابُوا عَن الْأَحَادِيث الَّتِي مَضَت بِأَنا عَملنَا بهَا على عمومها، وعملنا بِحَدِيث عَائِشَة أَيْضا وبأمثاله الَّتِي رويت فِي هَذَا الْبَاب فِيمَا إِذا كَانَت الصُّور مِمَّا كَانَ يُوطأ ويهان، فَإِذن نَحن عَملنَا بِأَحَادِيث الْبَاب كلهَا بِخِلَاف هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُم عمِلُوا بِبَعْضِهَا وأهملوا بَعْضهَا.
وَفِيه: مَا قَالَه الْقُرْطُبِيّ: يُسْتَفَاد من قَوْله: (وَلَيْسَ بنافخ) جَوَاز التَّكْلِيف بِمَا لَا يقدر عَلَيْهِ، قَالَ: وَلَكِن لَيْسَ مَقْصُود الحَدِيث التَّكْلِيف، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود مِنْهُ تَعْذِيب الْمُكَلف وَإِظْهَار عَجزه عَمَّا تعاطاه مُبَالغَة فِي توبيخه وَإِظْهَار قبح فعله.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله سَمِعَ سَعيدُ بنُ أبِي عَرُوبَةَ مِنَ النِّضْرِ بنِ أنَسٍ هَذا الوَاحِدِ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، ﵀، وَالنضْر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: هُوَ النَّضر بن أنس بن مَالك البُخَارِيّ
стр. 3455
الْأنْصَارِيّ، يكنى أَبَا مَالك، عداده فِي أهل الْبَصْرَة، وَلم يسمع سعيد هَذَا من النَّضر إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد الَّذِي رَوَاهُ عَوْف الْأَعرَابِي، وَهُوَ معنى قَوْله: هَذَا الْوَاحِد، أَي: هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد.
أخرج البُخَارِيّ هَذَا فِي كتاب اللبَاس: عَن عَيَّاش بن الْوَلِيد عَن عبد الْأَعْلَى عَن ابْن أبي عرُوبَة سَمِعت النَّضر بِحَدِيث قَتَادَة، قَالَ: كنت عِنْد ابْن عَبَّاس ... فَذكره، وروى مُسلم: فَأدْخل بَين سعيد وَالنضْر قَتَادَة، قَالَ الجياني: وَلَيْسَ بِشَيْء لتصريح البُخَارِيّ وَغَيره بِسَمَاع سعيد من النَّضر هَذَا الحَدِيث وَحده، وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا عَن أبي غَسَّان، وَعَن أبي مُوسَى عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه عَن قَتَادَة عَن النَّضر مثله.
٥٠١ - (بابُ تَحْرِيمِ التِّجَارَةِ فِي الخَمْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَحْرِيم التِّجَارَة فِي الْخمر، وَذكر البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذِه التَّرْجَمَة فِي أَبْوَاب الْمَسْجِد لَكِن بِقَيْد الْمَسْجِد حَيْثُ قَالَ: بَاب تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر فِي الْمَسْجِد، وَهَذِه التَّرْجَمَة أَعم من تِلْكَ التَّرْجَمَة لِأَنَّهَا غير مُقَيّدَة بِشَيْء.
وَقَالَ جابِرٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حرَّمَ النبيُّ ﷺ بَيْعَ الخَمْرِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَوَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب بيع الْميتَة والإصنام، وَسَيَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٦٢٢٢ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي الضُّحَى عنْ مسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَمَّا نَزَلَتْ آياتُ سورَةِ الْبَقَرَةِ عنْ آخِرِهَا خرَجَ النبيُّ ﷺ فَقَالَ حُرِّمَتِ التِّجارَةُ فِي الخَمْرِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حرمت التِّجَارَة فِي الْخمر) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب الْبَصْرِيّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو الضُّحَى مُسلم بن صبيح الْكُوفِي، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر فِي الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَبْدَانِ عَن أبي جَمْرَة عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (لما نزلت آيَات سُورَة الْبَقَرَة) أَي: من أول آيَة الرِّبَا إِلَى آخر السُّورَة، وَلَفظه هُنَاكَ: لما نزلت الْآيَات من سُورَة الْبَقَرَة فِي الرِّبَا. قَوْله: (خرج النَّبِي، ﷺ ، أَي: من الْبَيْت إِلَى الْمَسْجِد، وَكَذَا هُوَ هُنَاكَ، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا.
٦٠١ - (بابُ إثْمِ مَنْ باعَ حُرّا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من بَاعَ حرا، يَعْنِي عَالما بذلك مُتَعَمدا، وَالْحر يسْتَعْمل فِي بني آدم على الْحَقِيقَة، وَقد يسْتَعْمل فِي غَيرهم مجَازًا، كَمَا يُقَال فِي الْوَقْف، وَقَالَ بَعضهم: وَالْحر الظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ من بني آدم، وَيحْتَمل مَا هُوَ أَعم من ذَلِك، فَيدْخل فِيهِ مثل الْمَوْقُوف. انْتهى. قلت: لَا معنى لقَوْله: وَالْحر الظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ من بني آدم، لِأَن لفظ الْحر مَوْضُوع فِي اللُّغَة لمن لم يمسهُ رق، وَعَن هَذَا قَالَ الْجَوْهَرِي: الْحر خلاف العَبْد، والحرة خلاف الْأمة. وَقَوله: أَعم من ذَلِك، إِن أَرَادَ بِهِ عُمُوم لفظ حر، فَإِنَّهُ فِي أَفْرَاده، وَلَا يدْخل فِيهِ شَيْء خَارج عَنْهَا، وَإِن أَرَادَ بِهِ أَن لفظ: حر، يسْتَعْمل لمعان كَثِيرَة مثل مَا يُقَال: حر الرمل وحر الدَّار يَعْنِي وَسطهَا، وحر الْوَجْه مَا بدا من الوجنة، وَالْحر فرخ الْحَمَامَة وَولد الظبية والحية، وطين حر لَا رمل فِيهِ، وَغير ذَلِك، فَلَا هموم فِي كل وَاحِد مِنْهَا بِلَا شكّ، وَعند إِطْلَاقه يُرَاد بِهِ الْحر خلاف العَبْد، فَكيف يَقُول: وَيحْتَمل مَا هُوَ أَعم من ذَلِك؟ وَهَذَا كَلَام لَا طائل تَحْتَهُ.
٧٢٢٢ - حدَّثني بِشْرُ بنُ مَرْحُومٍ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ عنْ إسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيَّةَ عنْ سعِيدِ بنِ أبِي سَعيدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ قَالَ الله ثلاثَةٌ
стр. 3456
أَنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ رَجُلُ أعطَى بِي ثُمَّ غدَرَ ورَجُلٌ باعَ حُرّا فأكَلَ ثَمَنَهُ ورَجُلٌ استَأجَرَ أجِيرا فاسْتَوْفَى مِنْهُ ولَمْ يُعْطِهِ أجْرَهُ. (الحَدِيث ٧٢٢٢ طرفه فِي: ٠٧٢٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَرجل بَاعَ حرا فَأكل ثمنه) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مَرْحُوم ضد المعذب وَهُوَ بشر بن عُبَيْس بن مَرْحُوم بن عبد الْعَزِيز بن مهْرَان مولى آل مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان الْقرشِي الْعَطَّار، مَاتَ سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وعبيس، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة. الثَّانِي: يحيى بن سليم، بِضَم السِّين الْمُهْملَة: الْقرشِي الخراز الْحذاء، يكنى أَبَا زَكَرِيَّا، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي، مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: سعيد المَقْبُري، وَقد تكَرر ذكره. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه طائفي نزل مَكَّة مُخْتَلف فِي توثيقه وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ مَوْصُولا سوى هَذَا الحَدِيث، وَذكره فِي الْإِجَارَة من وَجه آخر عَنهُ. وَفِيه: أَن يحيى وَإِسْمَاعِيل مكيان وَسَعِيد مدنِي روى الحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، رَوَاهُ أَبُو جَعْفَر النُّفَيْلِي عَن يحيى بن سليم، فَقَالَ: عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَالْمَحْفُوظ قَول الْجَمَاعَة، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ثَلَاثَة) ، أَي: ثَلَاثَة أنفس، وَذكر الثَّلَاثَة لَيْسَ للتخصيص، لِأَن الله تَعَالَى خصم لجَمِيع الظَّالِمين. وَلَكِن لما أَرَادَ التَّشْدِيد على هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة صرح بهَا. قَوْله: (خصمهم) ، الْخصم يَقع على الْوَاحِد والإثنين وَالْجَمَاعَة والمذكر والمؤنث، بِلَفْظ وَاحِد، وَزعم الْهَرَوِيّ أَن الْخصم بِالْفَتْح: الْجَمَاعَة من الْخُصُوم، والخصم بِكَسْر الْخَاء: الْوَاحِد، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْخصم هُوَ المولع بِالْخُصُومَةِ الماهر فِيهَا. وَعَن يَعْقُوب: يُقَال للخصم خصيم، وَفِي (الواعي) : خصيم للمخاصِم والمخاصَم، وَعَن الْفراء: كَلَام الْعَرَب الفصحاء أَن الإسم إِذا كَانَ مصدرا فِي الأَصْل لَا يثنونه وَلَا يجمعونه، وَمِنْهُم من يثنيه ويجمعه، فالفصحاء يَقُولُونَ: هَذَا خصم فِي جَمِيع الْأَحْوَال، وَالْآخرُونَ يَقُولُونَ: هَذَانِ خصمان، وهم خصوم وخصماء، وَكَذَا مَا أشبهه. قَوْله: (أعطي بِي) حذف فِيهِ الْمَفْعُول تَقْدِيره: أعْطى الْعَهْد باسمي وَالْيَمِين بِهِ، ثمَّ نقض الْعَهْد وَلم يَفِ بِهِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: مَعْنَاهُ حلف فِي قَوْله ثمَّ غدر، يَعْنِي: نقض الْعَهْد الَّذِي عهد عَلَيْهِ واجترأ على الله تَعَالَى. قَوْله: (بَاعَ حرا) أَي: عَالما مُتَعَمدا، فَإِن كَانَ جَاهِلا، فَلَا يدْخل فِي هَذَا القَوْل قَوْله: (فَأكل ثمنه) ، خص الْأكل بِالذكر لِأَنَّهُ أعظم مَقْصُود. قَوْله: (فاستوفى مِنْهُ) أَي: استوفى الْعَمَل مِنْهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الْعَذَاب الشَّديد على الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين: إِمَّا الأول: فَلِأَنَّهُ هتك حُرْمَة اسْم الله تَعَالَى. وَأما الثَّانِي: فَلِأَن الْمُسلمين أكفاء فِي الْحُرِّيَّة والذمة، وللمسلم على الْمُسلم أَن ينصره وَلَا يَظْلمه، وَأَن ينصحه وَلَا يغشه، وَلَيْسَ فِي الظُّلم أعظم مِمَّن يستعبده أَو يعرضه على ذَلِك، وَمن بَاعَ حرا فقد مَنعه التَّصَرُّف فِيمَا أَبَاحَ الله لَهُ وألزمه حَال الذلة وَالصغَار، فَهُوَ ذَنْب عَظِيم يُنَازع الله بِهِ فِي عباده. وَأما الثَّالِث: فَهُوَ دَاخل فِي بيع حر، لِأَنَّهُ استخدمه بِغَيْر عوض، وَهَذَا عين الظُّلم. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وكل من لقِيت من أهل الْعلم على أَن من بَاعَ حرا لَا قطع عَلَيْهِ ويعاقب، ويروى عَن ابْن عَبَّاس: يرد البيع ويعاقبان، وروى حلاس عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: تقطع يَده، وَالصَّوَاب قَول الْجَمَاعَة، لِأَنَّهُ لَيْسَ بسارق، وَلَا يجوز قطع غير السَّارِق، وَذكر ابْن حزم عَن عبد الله بن بُرَيْدَة: أَن رجلا بَاعَ نَفسه فَقضى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِأَنَّهُ عبد كَمَا أقرّ، وَجعل ثمنه فِي سَبِيل الله تَعَالَى، وروى ابْن أبي شيبَة عَن شريك عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (إِذا أقرّ على نَفسه بالعبودية فَهُوَ عبد) ، وروى سعيد بن مَنْصُور، فَقَالَ: حَدثنَا هشيم أَنبأَنَا مُغيرَة بن مقسم عَن النَّخعِيّ
стр. 3457
فِيمَن سَاق إِلَى امْرَأَة رجلا، فَقَالَ إِبْرَاهِيم: هُوَ رهن بِمَا جعل فِيهِ حَتَّى يفتك نَفسه، وَعَن زُرَارَة بن أوفى، قَاضِي الْبَصْرَة التَّابِعِيّ: أَنه بَاعَ حرا فِي دين عَلَيْهِ، قَالَ ابْن حزم: وروينا هَذَا القَوْل عَن الشَّافِعِي، وَهِي قولة غَرِيبَة لَا يعرفهَا من أَصْحَابه إلَاّ من تبحر فِي الْآثَار. قَالَ: وَهَذَا قَضَاء عمر وَعلي بِحَضْرَة الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلم يعترضهما معترض. قَالَ: وَقد جَاءَ أثر بِأَن الْحر يُبَاع فِي دينه فِي صدر الْإِسْلَام إِلَى أَن أنزل الله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عسرة فنظرة إِلَى ميسرَة﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨٢) . وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ (أَن رَسُول الله ﷺ بَاعَ حرا أفلس) ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حجاج عَن ابْن جريج، فَقَالَ: عَن أبي سعيد أَو سعد على الشَّك، وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث مُسلم بن خَالِد الزنْجِي عَن زيد بن أسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن الْبَيْلَمَانِي عَن سرق: أَنه اشْترى من أَعْرَابِي بَعِيرَيْنِ فباعهما، فَقَالَ، ﷺ : يَا أَعْرَابِي! إذهب فبعه حَتَّى تستوفي حَقك، فاعتقه الْأَعرَابِي. وَرَوَاهُ ابْن سعد عَن أبي الْوَلِيد الْأَزْرَقِيّ عَن مُسلم، وَهُوَ سَنَد صَحِيح، وَضَعفه عبد الْحق بِأَن قَالَ: مُسلم وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم ضعيفان، وَلَيْسَ بجيد، لِأَن مُسلما وَثَّقَهُ غير وَاحِد، وَصحح حَدِيثه، وَعبد الرَّحْمَن لَا مدْخل لَهُ فِي هَذَا لَا جرم. وَأخرجه الْحَاكِم من حَدِيث بنْدَار: حَدثنَا عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن عبد الله ابْن دِينَار حَدثنَا زيد بن أسلم، ثمَّ قَالَ: على شَرط البُخَارِيّ، وَفِي (التَّوْضِيح) : ويعارضه فِي (مَرَاسِيل) أبي دَاوُد عَن الزُّهْرِيّ، كَأَن يكون على عهد النَّبِي، ﷺ ، دُيُون على رجال مَا علمنَا حرا بيع فِي دين.
٧٠١ - (بابُ أمرِ النبيِّ ﷺ الْيَهُودَ بِبَيْعِ أرْضِيهِمْ ودِمَنِهِمْ حينَ أجْلاهُمْ فِيهِ المَقْبُرِيُّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر النَّبِي ﷺ الْيَهُود فِي بيع أرضيهم، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بِفَتْح الرَّاء وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَفِيه شذوذان: أَحدهمَا: أَنه جمع سَلامَة وَلَيْسَ من الْعُقَلَاء. وَالْآخر: أَنه لم يبْق مفرده سالما لتحريك الرَّاء. قَوْله: (حِين أجلاهم) ، أَي: من الْمَدِينَة. قَوْله: (فِيهِ المَقْبُري) ، أَي: فِي أمره ﷺ الْيَهُود حَدِيث سعيد المَقْبُري، بِفَتْح الْبَاء وَضمّهَا، وَجَاء الْكسر أَيْضا وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى مَا أخرجه فِي الْجِهَاد فِي: بَاب إِخْرَاج الْيَهُود من جَزِيرَة الْعَرَب، عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: بَينا نَحن فِي الْمَسْجِد إِذْ خرج علينا النَّبِي ﷺ فَقَالَ: (انْطَلقُوا إِلَى الْيَهُود) وَفِيه، فَقَالَ: (إِنِّي أُرِيد أَن أجليكم، فَمن وجد مِنْكُم بِمَا لَهُ شَيْئا فليبعه، وإلَاّ فاعلموا أَن الأَرْض لله وَرَسُوله) . قَالَ ابْن إِسْحَاق: فسألوا رَسُول الله ﷺ أَن يجليهم ويكف عَن دِمَائِهِمْ على أَن لَهُم مَا حملت الْإِبِل من أَمْوَالهم لَا الْحلقَة، فاحتملوا ذَلِك وَخَرجُوا إِلَى خَيْبَر، وخلوا الْأَمْوَال لرَسُول الله ﷺ ، فَكَانَت لَهُ خَاصَّة يَضَعهَا حَيْثُ يَشَاء، فَقَسمهَا سيدنَا رَسُول الله ﷺ على الْمُهَاجِرين، وَهَؤُلَاء الْيَهُود الَّذين أجلاهم هم بَنو النَّضِير، وَذَلِكَ أَنهم أَرَادوا الْغدر برَسُول الله ﷺ وَأَن يلْقوا عَلَيْهِ حجرا، فَأوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ بذلك، فَأمره بإجلائهم وَأمرهمْ أَن يَسِيرُوا حَيْثُ شاؤوا، فَلَمَّا سمع المُنَافِقُونَ بذلك بعثوا إِلَى بني النَّضِير: أثبتوا وتمتعوا فَإنَّا لم نسلمكم، إِن قوتلتم قاتلنا مَعكُمْ، وَإِن خَرجْتُمْ خرجنَا مَعكُمْ، فَلم يَفْعَلُوا: ﴿وَقذف الله فِي قُلُوبهم الرعب﴾ (الْأَحْزَاب: ٦٢، الْحَشْر: ٢) . فسألوا رَسُول الله، ﷺ ، أَن يجليهم ويكف عَن دِمَائِهِمْ فأجابهم بِمَا ذَكرْنَاهُ.
فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض حَدِيث سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، لِأَن فِيهِ أَن النَّبِي ﷺ أَمرهم بِبيع أرضيهم، قلت: أمره بذلك كَانَ قبل أَن يَكُونُوا حَربًا، ثمَّ أطلعه الله على الْغدر مِنْهُم، وَكَانَ قبل ذَلِك أَمرهم بِبيع أرضيهم وإجلائهم فَلم يَفْعَلُوا لأجل قَول الْمُنَافِقين لَهُم إثبتوا، فعزموا على مقاتلته ﷺ ، فصاروا حَربًا فَحلت بذلك دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ، فَخرج إِلَيْهِم رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه فِي السِّلَاح وحاصرهم، فَلَمَّا يئسوا من عون الْمُنَافِقين ألْقى الله فِي قُلُوبهم الرعب، وسألوا رَسُول الله ﷺ الَّذِي كَانَ عرض عَلَيْهِم قبل ذَلِك، فَلم يبح لَهُم بيع الأَرْض وَقَاضَاهُمْ أَن يجليهم ويحملوا مَا اسْتَقَلت بِهِ الْإِبِل، على أَن يكف عَن دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ، فَجَلَوْا عَن دِيَارهمْ ﴿وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال﴾ (الْأَحْزَاب: ٥٢) . وَكَانَت أَرضهم وَأَمْوَالهمْ مِمَّا لم يوجف عَلَيْهَا بِقِتَال، فَصَارَت خَالِصَة لرَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَضَعهَا حَيْثُ يَشَاء، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَلم يسلم من بني النَّضِير إلَاّ رجلَانِ أسلما على أموالهما، فأحرزاها، قَالَ: وَنزلت فِي بني النَّضِير سُورَة الْحَشْر إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَن كتب الله عَلَيْهِم الْجلاء. .﴾ (الْحَشْر: ٣) . الْآيَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم عبر عَمَّا رَوَاهُ بِهَذِهِ الْعبارَة وَلم يذكر
стр. 3458
الحَدِيث بِعَيْنِه؟ قلت: لِأَن الحَدِيث لم يثبت على شَرطه، انْتهى، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَنَّهُ غَفلَة مِنْهُ، لِأَنَّهُ غفل عَن الْإِشَارَة إِلَى هَذَا الحَدِيث. غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه اكْتفى هُنَا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ لِاتِّحَاد مخرجه عِنْده، ففر من تكراره على صوورته بِغَيْر فَائِدَة زَائِدَة كَمَا هُوَ الْغَالِب من عَادَته. انْتهى. قلت: التّكْرَار حَاصِل على مَا لَا يخفى، مَعَ أَن ذكر هَذَا لَا دخل لَهُ فِي كتاب الْبيُوع، وَلِهَذَا سقط هَذَا فِي بعض النّسخ.
٨٠١ - (بابُ بَيْعِ العَبِيدِ والحَيوَانِ بالحَيَوانِ نَسيئَةً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع العَبْد نَسِيئَة وَبيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، هَذَا تَقْدِير الْكَلَام، وَقَوله: (وَالْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ) من عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (نَسِيئَة) ، بِفَتْح النُّون وَكسر السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْهمزَة، أَي: مُؤَجّلا، وانتصابه على التَّمْيِيز. وَقَالَ بَعضهم: وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْعَبدِ جنس مَا يستعبد فَيدْخل الذّكر وَالْأُنْثَى. قلت: لَا نسلم أَن يكون المُرَاد بِالْعَبدِ جنس مَا يستعبد، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضُوعه فِي اللُّغَة، وَإِنَّمَا هُوَ خلاف الْأمة كَمَا نَص عَلَيْهِ أهل اللُّغَة، وَلَا حَاجَة لإدخال الْأُنْثَى فِيهِ إِلَى هَذَا التَّكَلُّف والتعسف، وَقد علم أَنه إِذا أورد حكم فِي الذُّكُور يدْخل فِيهِ الْإِنَاث إلَاّ بِدَلِيل، يخص الذُّكُور.
وَاعْلَم أَن هَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على حكمين.
الأول: فِي بيع العَبْد بِالْعَبدِ نَسِيئَة وَبيع العَبْد بعبدين أَو أَكثر نَسِيئَة، فَإِنَّهُ يجوز عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ مَالك: إِنَّمَا يجوز إِذا اخْتلف الْجِنْس، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه والكوفيون: لَا يجوز ذَلِك، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي شِرَاء العَبْد بالعبدين: حَدثنَا قُتَيْبَة أخبرنَا اللَّيْث عَن أبي الزبير عَن جَابر، قَالَ: (جَاءَ عبد يُبَايع النَّبِي ﷺ على الْهِجْرَة، وَلَا يشْعر النَّبِي ﷺ أَنه عبد، فجَاء سَيّده يُريدهُ، قَالَ النَّبِي ﷺ : (بعنيه، فَاشْتَرَاهُ بعبدين أسودين، ثمَّ لم يُبَايع أحدا بعد حَتَّى يسْأَله: أعبد هُوَ؟ ثمَّ قَالَ: وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أهل الْعلم أَنه لَا بَأْس عبد بعبدين يدا بيد) . وَاخْتلفُوا فِيهِ إِذا كَانَ نسأ وَأخرجه مُسلم، وَبَقِيَّة أَصْحَاب السّنَن.
الحكم الثَّانِي: فِي بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ فَالْعُلَمَاء اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَت طَائِفَة: لَا رَبًّا فِي الْحَيَوَان، وَجَائِز بعضه بِبَعْض نَقْدا ونسيئة، اخْتلف أَو لم يخْتَلف، هَذَا مَذْهَب عَليّ وَابْن عمر وَابْن الْمسيب، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَأبي ثَوْر. وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس بالبعير النجيب بالبعيرين من حَاشِيَة الْإِبِل نَسِيئَة، وَإِن كَانَت من نعم وَاحِدَة إِذا اخْتلفت وَبَان اختلافها، وَإِن اشْتبهَ بَعْضهَا بَعْضًا واتفقت أجناسها فَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا اثْنَان بِوَاحِد إِلَى أجل، وَيُؤْخَذ يدا بيد، وَهُوَ قَول سُلَيْمَان بن يسَار، وَرَبِيعَة وَيحيى بن سعيد. وَقَالَ الثَّوْريّ والكوفيون وَأحمد: لَا يجوز بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، اخْتلفت أجناسها أَو لم تخْتَلف، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الْحسن عَن سَمُرَة أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهَة بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، ثمَّ روى حَدِيث سَمُرَة هَذَا وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَسَمَاع الْحسن من سَمُرَة صَحِيح، هَكَذَا قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَغَيره، وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم فِي بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ وَأهل الْكُوفَة، وَبِه يَقُول أَحْمد.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب: عَن ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قلت: حَدِيث ابْن عمر أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي كتاب الْعِلَل: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو الْمقدمِي عَن زِيَاد بن جُبَير عَن ابْن عمر، قَالَ: (نهى رَسُول الله ﷺ عَن بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة) ، وَحَدِيث جَابر أخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي سعيد الْأَشَج عَن حَفْص بن غياث وَأبي خَالِد عَن حجاج عَن أبي الزبير عَن جَابر: أَن رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا بَأْس بِالْحَيَوَانِ وَاحِد بِاثْنَيْنِ يدا بيد وَكَرِهَهُ نَسِيئَة) . وَحَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْعِلَل: حَدثنَا سُفْيَان بن وَكِيع حَدثنَا مُحَمَّد بن حميد هُوَ الأحمري عَن معمر عَن يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ (نهى عَن بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة) .
فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ بعد تَخْرِيجه حَدِيث سَمُرَة: أَكثر الْحفاظ لَا يثبتون سَماع الْحسن من سَمُرَة فِي غير حَدِيث الْعَقِيقَة؟ قلت: قَول الحافظين الكبيرين الحجتين: التِّرْمِذِيّ وَعلي بن الْمَدِينِيّ، كافٍ فِي هَذَا، مَعَ أَنَّهُمَا مثبتان، وَالْبَيْهَقِيّ ينْقل النَّفْي فَلَا يُفِيد شَيْئا. فَإِن قلت: حَدِيث ابْن عمر قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: إِنَّمَا يرْوى عَن زِيَاد بن جُبَير عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 3459
مُرْسلا؟ قلت: رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ مَوْصُولا بِإِسْنَاد جيد. قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن سَالم الصَّائِغ وَعبيد الله بن مُحَمَّد بن حشيش وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الصَّيْرَفِي، قَالُوا: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن دِينَار عَن مُوسَى بن عبد عَن زِيَاد بن جُبَير عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن النَّبِي، ﷺ : (نهى عَن بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة) . فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث ضَعِيف بِمُحَمد بن دِينَار الطَّاحِي الْبَصْرِيّ بِمَا رُوِيَ عَن ابْن معِين: أَنه ضَعِيف؟ قلت: الْبَيْهَقِيّ لتحامله على أَصْحَابنَا يثبت بِمَا لَا يثبت، وَقد روى أَحْمد بن أبي خَيْثَمَة عَن ابْن معِين أَنه قَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَكَذَا قَالَه النَّسَائِيّ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق، وَقَالَ ابْن عدي: حسن الحَدِيث.
فَإِن قلت: حَدِيث جَابر فِيهِ الْحجَّاج بن أَرْطَأَة وَهُوَ ضَعِيف. قلت: قَالَ ابْن حبَان: صَدُوق يكْتب حَدِيثه، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (الْمِيزَان) : أحد الْأَعْلَام على لين فِي حَدِيثه، روى لَهُ مُسلم مَقْرُونا بِغَيْرِهِ، وروى لَهُ الْأَرْبَعَة.
فَإِن قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ فِيهِ الْبَيْهَقِيّ: إِنَّه عَن عِكْرِمَة عَن النَّبِي، ﷺ ، مُرْسل؟ قلت: أخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيقين متصلين، وَأخرجه الْبَزَّار أَيْضا مُتَّصِلا، ثمَّ قَالَ: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أجلّ إِسْنَادًا مِنْهُ، وَهَذِه الْأَحَادِيث مَعَ اخْتِلَاف طرقها يُؤَيّد بَعْضهَا بَعْضًا، وَيرد قَول الشَّافِعِي أَنه لَا يثبت الحَدِيث فِي بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، ثمَّ إِن الشَّافِعِي وَمن مَعَه احْتَجُّوا لما ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيث عبد الله بن عَمْرو أخرجه أَبُو دَاوُد: حَدثنَا حَفْص بن عمر، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَعَن يزِيد ابْن أبي حبيب عَن مُسلم بن جُبَير عَن أبي سُفْيَان عَن عَمْرو بن حريش عَن عبد الله بن عَمْرو: أَن رَسُول الله، ﷺ : (أمره أَن يُجهز جَيْشًا، فنفدت الْإِبِل فَأمره أَن يَأْخُذ على قَلَائِص الصَّدَقَة، فَكَانَ يَأْخُذ الْبَعِير بالبعيرين إِلَى إبل الصَّدَقَة) . وَرَاه الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَفِي رِوَايَته فِي قلاص الصَّدَقَة، والقلاص، بِكَسْر الْقَاف جمع قلص بِضَم الْقَاف وَاللَّام، وَهُوَ جمع قلُوص، فَيكون القلاص جمع الْجمع، وَقَالَ: القلوص يجمع على قلص وقلائص، وَجمع القلص قلاص، والقلوص من النوق الشَّابَّة، وَهِي بِمَنْزِلَة الْجَارِيَة من النِّسَاء، وَأَجَابُوا عَنهُ بِأَن فِي إِسْنَاده اخْتِلَافا كثيرا. وَذكر عبد الْغَنِيّ فِي (الْكَمَال) فِي: بَاب الكنى: أَبُو سُفْيَان روى عَن عمر بن حريش روى عَنهُ مُسلم بن جُبَير، وَلم يذكر شَيْئا غير ذَلِك. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة عَمْرو بن حريش: مَا رُوِيَ عَنهُ سوى أبي سُفْيَان، وَلَا يُدْرَى من أَبُو سُفْيَان، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ بعد أَن رَوَاهُ: ثمَّ نسخ ذَلِك بِآيَة الرِّبَا، بَيَان ذَلِك أَن آيَة الرِّبَا تحرم كل فضل خَال عَن الْعِوَض فَفِي بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، يُوجد الْمَعْنى الَّذِي حرم بِهِ الرِّبَا، فنسخ كَمَا نسخ بِآيَة الرِّبَا استقراض الْحَيَوَان، لِأَن النَّص الْمُوجب للحظر يكون مُتَأَخِّرًا عَن الْمُوجب للْإِبَاحَة، وَمثل هَذَا النّسخ يكون بِدلَالَة التَّارِيخ، فيندفع بِهَذَا قَول النَّوَوِيّ وَأَمْثَاله: أَن النّسخ لَا يكون إلَاّ بِمَعْرِِفَة التَّارِيخ، وَإِن حَدِيث أبي رَافع الَّذِي رَوَاهُ مُسلم وَغَيره أَن النَّبِي، ﷺ : (استسلف من رجل بكرا، فَقدمت عَلَيْهِ إبل من إبل الصَّدَقَة، فَأمر أَبَا رَافع أَن يقْضِي الرجل بكره، فَرجع إِلَيْهِ أَبُو رَافع فَقَالَ: لم أجد فِيهَا إلَاّ جملا خيارا رباعيا، فَقَالَ: أعْطه إِيَّاه، إِن خِيَار النَّاس أحْسنهم قَضَاء) . احْتج بِهِ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من جَوَاز استقراض الْحَيَوَان، قَالُوا: وَهُوَ حجَّة على منع ذَلِك. وَأجَاب المانعون عَن ذَلِك بِأَنَّهُ مَنْسُوخ بِآيَة الرِّبَا بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَمَعَ هَذَا لَيْسَ فِيهِ إلَاّ الثَّنَاء على من أحسن الْقَضَاء، فَأطلق ذَلِك وَلم يُقَيِّدهُ بِصفة، وَلم يكن ذَلِك بِشَرْط الزِّيَادَة، وَقد أجمع الْمُسلمُونَ بِالنَّقْلِ عَن النَّبِي، ﷺ ، أَن اشْتِرَاط الزِّيَادَة فِي السّلف رَبًّا حرَام، وَكَذَلِكَ أجابوا عَن كل حَدِيث يشبه حَدِيث أبي رَافع بِأَنَّهُ كَانَ قبل آيَة الرِّبَا. وَعَن هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وفقهاء الْكُوفَة وَالثَّوْري وَالْحسن بن صَالح: إِن استقراض الْحَيَوَان لَا يجوز، وَلَا يجوز الاستقراض إلَاّ مِمَّا لَهُ مثل: كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، فَلَا يجوز قرض مَا لَا مثل لَهُ من المزروعات والعدديات المتفاوتة، لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى إِيجَاب رد الْعين، وَلَا إِلَى إِيجَاب الْقيمَة لاخْتِلَاف تَقْوِيم المقومين، فَتعين أَن يكون الْوَاجِب فِيهِ رد الْمثل، فَيخْتَص جَوَازه بِمَا لَهُ مثل، وَعَن هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: لَا يجوز الْقَرْض فِي الْخبز لَا وزنا وَلَا عددا، وَقَالَ مُحَمَّد: يجوز عددا.
стр. 3460
واشْتَرَى ابنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأرْبَعَةِ أبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ يُوفِيهَا صاحِبَهَا بالرَّبَذَةِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن فِيهِ بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا عَن مَالك، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أبي بشر عَن نَافِع أَن ابْن عمر اشْترى نَاقَة بأَرْبعَة أَبْعِرَة بالربذة، فَقَالَ لصَاحب النَّاقة: إذهب فَانْظُر، فَإِن رضيت فقد وَجب البيع، وَأجِيب عَن هَذَا بِأَن ابْن أبي شيبَة روى عَن ابْن عمر خلاف ذَلِك، فَقَالَ: حَدثنَا ابْن أبي زَائِدَة عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين، قلت لِابْنِ عمر: الْبَعِير بالبعيرين إِلَى أجل، فكرهه.
قَوْله: (رَاحِلَة) ، هِيَ مَا أمكن ركُوبهَا من الْإِبِل، سَوَاء كَانَت ذكرا أَو انثى، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرَّاحِلَة من الْإِبِل الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال. وَالتَّاء فِيهِ للْمُبَالَغَة، يَسْتَوِي فِيهَا الذّكر وَالْأُنْثَى، وَهِي الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وَتَمام الْخلق وَحسن المنظر، فَإِذا كَانَت فِي جمَاعَة الْإِبِل عرفت، والأبعرة جمع: بعير، وَيجمع أَيْضا على: بعران، وَهُوَ أَيْضا يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (مَضْمُونَة عَلَيْهِ) أَي: تكون تِلْكَ الرَّاحِلَة فِي ضَمَان البَائِع. قَوْله: (يوفيها صَاحبهَا) أَي: يُسَلِّمهَا صَاحب الرَّاحِلَة إِلَى المُشْتَرِي. قَوْله: (بالربذة) ، أَي: فِي الربذَة، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره تَاء، قَالَ بَعضهم: هُوَ مَكَان مَعْرُوف بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، قلت: هِيَ قَرْيَة مَعْرُوفَة قرب الْمَدِينَة، بهَا قبر أبي ذَر الْغِفَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ ابْن قرقول: وَهِي على ثَلَاث مراحل من الْمَدِينَة، قريب من ذَات عرق، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ذَات عرق ثنية أَو هضبة بَينهَا وَبَين مَكَّة يَوْمَانِ، وَبَعض يَوْم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذَات عرق أول بِلَاد تهَامَة.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ قدْ يَكُونُ الْبَعِيرُ خَيْرا مِنَ البَعِيرَيْنِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الشَّافِعِي قَالَ: أخبرنَا ابْن علية عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن بعير ببعيرين؟ فَقَالَ: قد يكون الْبَعِير خيرا من البعيرين. قلت: فَإِن اسْتدلَّ بِهِ من يجوز بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال بِهِ، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه كرهه لأجل الْفضل الَّذِي لَيْسَ فِي مُقَابلَته شَيْء.
واشْتَرَى رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ بَعِيرا بِبَعِيرَيْنِ فأعْطاهُ أحدَهُما وَقَالَ آتِيكَ بالآخَرَ غَدا رَهْوا إنْ شاءَ الله
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا لِأَنَّهُ اشْترى بَعِيرًا ببعيرين نَسِيئَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) فَقَالَ: أخبرنَا معمر عَن بديل الْعقيلِيّ عَن مطرف بن عبد الله بن الشخير: أَن رَافع بن خديج اشْترى. . فَذكره، وَرَافِع، بِكَسْر الْفَاء: ابْن خديج، بفتخ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره جِيم: الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ.
قَوْله: (رهوا) بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْهَاء وَهُوَ فِي الأَصْل: السّير السهل، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا: أَنا آتِيك بِهِ سهلاً بِلَا شدَّة وَلَا مماطلة، وَأَن المأتي بِهِ يكون سهل السّير رَفِيقًا غير خشن فَإِن قلت: بِمَ انتصاب رهوا؟ قلت: على التَّفْسِير الأول يكون مَنْصُوبًا على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: أَنا آتِيك بِهِ إتيانا رهوا، وعَلى الثَّانِي يكون حَال عَن قَوْله بِالْآخرِ بالتأويل. فَافْهَم.
وَقَالَ ابنُ المُسَيَّبِ لَا رِبا فِي الحَيَوانِ الْبَعِيرُ بالبَعِيرَيْنِ والشَّاةُ بالشَّاتَيْنِ إلَى أجَلٍ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَابْن الْمسيب هُوَ سعيد بن الْمسيب من كبار التَّابِعين، وَقد تكَرر ذكره. قَوْله: (لَا رَبًّا فِي الْحَيَوَان) ، وَصله مَالك عَن ابْن شهَاب عَنهُ: لَا رَبًّا فِي الْحَيَوَان، وَالْبَاقِي وَصله ابْن بِي شيبَة من طَرِيق آخر عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ: لَا بَأْس بالبعير بالبعيرين نَسِيئَة، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) أَنبأَنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ سُئِلَ سعيد ... فَذكره.
وَقَالَ ابنُ سِيرينَ لَا بأسَ بَعِيرٌ بِبَعِيرَيْنِ نَسِيئةً ودِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: بعير ببعيرين، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين من كبار التَّابِعين، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين، قَالَ: لَا بَأْس بعير ببعيرين وَدِرْهَم بدرهم نَسِيئَة، وَإِن كَانَ أحد البعيرين نَسِيئَة فَهُوَ مَكْرُوه. قَوْله: (وَدِرْهَم بدرهم) ، كَذَا هُوَ فِي مُعظم الروايت، وَوَقع فِي بَعْضهَا: وَدِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ نَسِيئَة. قَالَ ابْن بطال: هَذَا خطأ، وَالصَّوَاب مَا ذكره عبد الرَّزَّاق.
стр. 3461
٨٢٢٢ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبً قَالَ حَدثنَا حَمادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ فِي السَّبْيِ صَفِيَّةُ فَصارَتْ إلَى دِحْيَةَ الْكُلْبِيِّ ثُمَّ صارَتْ إلَى النبيِّ ﷺ . .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ اشْترى صَفِيَّة من دحْيَة بسبعة أرؤس، وَذَلِكَ أَنه ﷺ لما جمع فِي خَيْبَر السَّبي جَاءَ دحْيَة فَقَالَ: أَعْطِنِي جَارِيَة مِنْهُ، قَالَ: إذهب فَخذ جَارِيَة، فَأخذ صَفِيَّة، فَقيل: يَا رَسُول الله إِنَّهَا سيدة قُرَيْظَة وَالنضير مَا تصلح إلَاّ لَك، فَأَخذهَا مِنْهُ كَمَا ذكرنَا وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فَقَالَ لدحية: خُذ جَارِيَة من السَّبي غَيرهَا، وَقَالَ ابْن بطال: ينزل تبديلها بِجَارِيَة غير مُعينَة منزلَة بيع جَارِيَة بِجَارِيَة نَسِيئَة، وَالَّذِي ذكره البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصر من حَدِيث خَيْبَر. أخرجه فِي النِّكَاح عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد عَن ثَابت وَشُعَيْب بن الحبحاب، كِلَاهُمَا عَن أنس بِهِ، وَعَن مُسَدّد عَن حَمَّاد عَن ثَابت عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، كِلَاهُمَا عَن أنس بِهِ، وَأخرجه عَن مُسَدّد فِي النِّكَاح أَيْضا عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد عَن ثَابت وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، كِلَاهُمَا عَن أنس بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أَحْمد ابْن عَبدة عَن حَمَّاد عَن ثَابت وَعبد الْعَزِيز بِهِ، وَمن حَدِيث شُعَيْب بن الحبحاب أخرجه مُسلم أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن عَمْرو بن مَنْصُور وَمُحَمّد بن رَافع، وَفِي الْوَلِيمَة أَيْضا عَن عمرَان بن مُوسَى عَن عبد الْوَارِث بِهِ، وَمن حَدِيث عبد الْعَزِيز أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد عَن عبد الْعَزِيز عَن أنس مُخْتَصرا.
وَصفِيَّة بنت حييّ ابْن أَخطب بن سفنة بن ثَعْلَبَة النضيرية أم الْمُؤمنِينَ من بَنَات هَارُون بن عمرَان أخي مُوسَى بن عمرَان، ﵉، وَأمّهَا برة بنت سموأل سباها رَسُول الله، ﷺ ، عَام خَيْبَر فِي شهر رَمَضَان سنة سبع من الْهِجْرَة، ثمَّ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا، وروى لَهَا عشرَة أَحَادِيث، اتفقَا على حَدِيث وَاحِد، مَاتَت فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة خمسين، قَالَه الْوَاقِدِيّ. ودحية، بِكَسْر الدَّال وَفتحهَا: ابْن خَليفَة بن فَرْوَة الْكَلْبِيّ رَسُول رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى قَيْصر، وَقد مر ذكره فِي أول الْكتاب.
٩٠١ - (بابُ بَيْعِ الرَّقِيقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الرَّقِيق.
٩٢٢٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرنَا ابنُ مُحَيْرِيزِ أنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أخبرهُ أنَّهُ بَيْنَما هُوَ جالِسٌ عِنْدَ النبيِّ ﷺ قَالَ يَا رسولَ الله إِنَّا نصِيبُ سَبْيا فنُحِبُّ الأثْمَانَ فَكَيْفَ تَرَى فِي العَزْلِ فَقَالَ أوَ إنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَا عَلَيْكُمْ أنْ لَا تَفْعَلُوا ذالِكُمْ فإنَّهَا لَيْسَتْ نَسمَةٌ كتَبَ الله أنْ تَخْرُجَ إلَاّ هِيَ خارِجَةٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لم يمْنَع عَن بيع السَّبي لما قَالُوا: إِنَّا نصيب السَّبي فَنحب الْأَثْمَان، والأثمان لَا تَجِيء إلَاّ بِالْبيعِ، والسبي فِيهِ الرَّقِيق وَغَيره.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن حَمْزَة الْحِمصِي وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَقد تكَرر ذكرهم، وَابْن محيريز بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره زَاي، وَهُوَ: عبد الله بن محيريز الجُمَحِي الْقرشِي اليمامي، يكنى أَبَا محيريز، مَاتَ فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن جوَيْرِية عَن مَالك، وَفِي الْقدر عَن حبَان بن مُوسَى عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس، كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ بِهِ، وَفِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، وَفِي الْعتْق عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، كِلَاهُمَا عَن ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن وَفِي التَّوْحِيد عَن إِسْحَاق بن عَفَّان. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن عبد الله بن مُحَمَّد بِهِ وَعَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر وَعَن مُحَمَّد بن الْفرج، وَفِيه قصَّة لأبي صرمة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعتْق
стр. 3462
عَن عَليّ بن حجر بِهِ، وَعَن عَمْرو بن مَنْصُور وَعَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي وَعَن عبد الْملك بن شُعَيْب وَعَن يحيى بن أَيُّوب وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن عَبَّاس بن عبد الْعَظِيم وَعَن كثير بن عبيد وَفِيه وَفِي النعوت عَن هَارُون بن عبد الله.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّا نصيب سيبا) أَي: نجامع الْإِمَاء المسبية، وَنحن نُرِيد أَن نبيعهن فنعزل الذّكر عَن الْفرج وَقت الْإِنْزَال حَتَّى لَا ينزل فِيهِ دفعا لحُصُول الْوَلَد الْمَانِع من البيع، إِذْ أُمَّهَات الْأَوْلَاد حرَام بيعهَا، وَكَيف تحكم فِي الْعَزْل أهوَ جَائِز أم لَا؟ وَاخْتلف فِيهِ أهَلْ كَانُوا أهل كتاب أم لَا؟ على قَوْلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأصيلِيّ: كَانُوا عَبدة أوثان، وَإِنَّمَا جَازَ وطؤهن قبل نزُول: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: كَانُوا أهل كتاب فَلم يحْتَج فِيهِنَّ إِلَى ذكر الْإِسْلَام، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالظَّاهِر الأول لقَوْله فِي بعض طرقه: فأصبنا سبيا من سبي الْعَرَب، ثمَّ نقل عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد أَنه كَانَ أسر فِي بني المصطلق أَكثر من سَبْعمِائة، وَمِنْهُم جوَيْرِية بنت الْحَارِث أعْتقهَا رَسُول الله ﷺ وَتَزَوجهَا، وَلما دخل بهَا سَأَلته فِي الأسرى فوهبهم لَهَا، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (أَو أَنكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِك ﴿؟) على التَّعَجُّب مِنْهُ، وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى الْعَزْل. قَوْله: (لَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا) ، أَي: لَيْسَ عدم الْفِعْل وَاجِبا عَلَيْكُم، وَقَالَ الْمبرد: كلمة: لَا، زَائِدَة أَي: لَا بَأْس عَلَيْكُم فِي فعله، وَأما من لم يجوّز الْعَزْل فَقَالَ: لَا، نفي لما سَأَلُوهُ، و: عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا، كَلَام مُسْتَأْنف مؤكذ لَهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ: مَا عَلَيْكُم ضَرَر فِي ترك الْعَزْل، لِأَن كل نفس قدر الله تَعَالَى خلقهَا لَا بُد أَن يخلقها، سَوَاء عزلتم أم لَا؟ قَوْله: (نسمَة) ، بِفَتْح النُّون وَالسِّين الْمُهْملَة وَهُوَ كل ذَات روح، وَيُقَال: النَّسمَة النَّفس وَالْإِنْسَان، وَيُرَاد بهَا الذّكر وَالْأُنْثَى، وَالنَّسَمُ: الْأَرْوَاح، والنسيم: الرّيح الطّيبَة. قَوْله: (إلَاّ هِيَ خَارِجَة) ويروى: إلَاّ وَهِي خَارِجَة، بِالْوَاو أَي: جف الْقَلَم بِمَا يكون.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: السُّؤَال عَن الْعَزْل من الْإِمَاء. وَأجَاب ﷺ بِأَن مَا قدر من النَّسمَة يكون، وَفِي حَدِيث النَّسَائِيّ: (سَأَلَ رجل رَسُول الله ﷺ عَن الْعَزْل؟ فَقَالَ: إِن امْرَأَتي مرضع وَأَنا أكره أَن تحمل. فَقَالَ ﷺ : مَا قدر فِي الرَّحِم سَيكون) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث جَابر: (أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي، ﷺ : أَن لي جَارِيَة أَطُوف عَلَيْهَا وأكره أَن تحمل. فَقَالَ: إعزل عَنْهَا إِن شِئْت فَإِنَّهُ سيأتيها مَا قدر لَهَا) . وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان عَنهُ: قُلْنَا: يَا رَسُول الله﴾ إِنَّا كُنَّا نعزل، فَزَعَمت الْيَهُود أَنَّهَا الموؤودة الصُّغْرَى. فَقَالَ: كذبت الْيَهُود، إِن الله إِذا أَرَادَ أَن يخلقه لم تَمنعهُ) . ثمَّ إِن هَذَا السَّبي الْمَذْكُور فِي الحَدِيث كَانَ من سبي هوَازن، وَذَلِكَ يَوْم حنين سنة ثَمَان، لِأَن مُوسَى بن عقبَة روى هَذَا الحَدِيث عَن ابْن محيريز عَن أبي سعيد، فَقَالَ: أصبْنَا سبيا من سبي هوَازن، وَذَلِكَ يَوْم حنين، سنة ثَمَان. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَمَ مُوسَى بن عقبَة فِي ذَلِك، وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي عَن أبي الوداك عَن أبي سعيد، قَالَ: لما أصبْنَا سبي حنين سَأَلنَا رَسُول الله، ﷺ . عَن الْعَزْل؟ فَقَالَ: (لَيْسَ من كل المَاء يكون الْوَلَد) . وروى من حَدِيث ابْن محيريز: قَالَ: دخلت أَنا وَأَبُو الصرمة على أبي سعيد الْخُدْرِيّ، فَسَأَلَهُ أَبُو الصرمة، فَقَالَ: يَا أَبَا سعيد! هَل سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يذكر الْعَزْل؟ فَقَالَ: نعم، غزونا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، غَزْوَة المصطلق، فسبينا كرائم الْعَرَب، فطالت علينا الْعزبَة ورغبنا فِي الْفِدَاء، فأردنا أَن نستمتع ونعزل، فَقُلْنَا: نَفْعل وَرَسُول الله، ﷺ ، بَين أظهرنَا لَا نَسْأَلهُ؟ فسألنا رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: (لَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا مَا كتب الله خلق نسمَة هِيَ كائنة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا سَتَكُون) . قَوْله: (غَزْوَة المصطلق) ، أَي: بني المصطلق، وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع، قَالَ القَاضِي: قَالَ أهل الحَدِيث: هَذَا أولى من رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة أَنه فِي غَزْوَة أَوْطَاس، وَكَانَت غَزْوَة بني المصطلق فِي سنة سِتّ أَو خمس أَو أَربع. وَفِيه: فِي قَوْله: (فَنحب الْأَثْمَان) ، دلَالَة على عدم جَوَاز بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَهُوَ حجَّة على دَاوُد وَغَيره مِمَّن يجوز بيعهنَّ. وَفِيه: إِبَاحَة الْعَزْل عَن الْأمة، قَالَ الرَّافِعِيّ: يجوز الْعَزْل فِي الْأمة قطعا. وَحكى فِي الْبَحْر فِيهِ وَجْهَان، وَأما الزَّوْجَة فَالْأَصَحّ جَوَازه عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَلكنه يكره، وَمِنْهُم من جوزه عِنْد إِذْنهَا وَمنعه عِنْد عَدمه، وَهُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة أَيْضا. وَذكر بعض الْعلمَاء أَرْبَعَة أَقْوَال: الْجَوَاز، وَعَدَمه، وَمذهب مَالك: جَوَازه فِي التَّسَرِّي وَفِي الْحرَّة مَوْقُوف على إِذْنهَا وَإِذن سَيِّدهَا إِن كَانَت للْغَيْر. وَرَابِعهَا: يجوز برضى الْمَوْطُوءَة كَيفَ مَا كَانَت، وَحجَّة من أجَاز حَدِيث جَابر: (كُنَّا نعزل وَالْقُرْآن ينزل، فَبلغ ذَلِك النَّبِي، ﷺ ، وَلم ينهنا) . وَحجَّة من منع أَنه، ﷺ ، لما سُئِلَ عَنهُ قَالَ: (ذَلِك الوأد الْخَفي) .
стр. 3463
وَفِيه: دلَالَة على أَن الْوَلَد يكون مَعَ الْعَزْل. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَلِهَذَا صحّح أَصْحَابنَا أَنه لَو قَالَ: وطِئت وعزلت لحقه الْوَلَد على الْأَصَح.
٠١١ - (بابُ بَيْعِ المدَبَّرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْمُدبر، وَهُوَ الْمُعَلق عتقه بِمَوْت سَيّده، كَذَا قَالُوا. قلت: التَّدْبِير لُغَة) : النّظر فِيمَا يؤول إِلَيْهِ عاقبته، وَشرعا: التَّدْبِير تَعْلِيق الْعتْق بِمُطلق مَوته، كَقَوْلِه: إِذا مت فَأَنت حر، أَو: أَنْت حر يَوْم أَمُوت. أَو: أَنْت حر عَن دبر مني، أَو: أَنْت مُدبر أَو: دبرتك. أَو قَالَ: أَعتَقتك بعد موتِي. أَو: أَنْت عَتيق أَو مُعتق أَو مُحَرر بعد موتِي. أَو: إِن مت فَأَنت حر، أَو: إِن حدث لي حدث فَأَنت حر، لِأَن الْحَدث يُرَاد بِهِ الْمَوْت عَادَة، وَكَذَا إِذا قَالَ: أَنْت حر مَعَ موتِي أَو فِي موتِي فَهَذِهِ كلهَا أَلْفَاظ التَّدْبِير الْمُطلق، فَالْحكم فِيهَا: أَنه لَا يجوز بَيْعه وَلَا هِبته، وَلكنه يستخدم ويؤجر، وَالْأمة تُوطأ وَتنْكح وتعتق بِمَوْت الْمولى من ثلثه، وَإِن مَاتَ فَقِيرا يسْعَى فِي ثلي قِيمَته، وَيسْعَى فِي جَمِيع قِيمَته إِن مَاتَ الْمولى مديونا مُسْتَغْرقا.
وَأما أَلْفَاظ التَّدْبِير الْمُقَيد فَهِيَ كَقَوْلِه: إِن مت من مرضِي هَذَا أَو من سَفَرِي هَذَا فَأَنت حر، فَحكمه أَنه يجوز بَيْعه بِالْإِجْمَاع، فَإِن وجد الشَّرْط عتق. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: يجوز بيع الْمُدبر بِكُل حَال. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيره: اتَّفقُوا على مَشْرُوعِيَّة التَّدْبِير، وَاتَّفَقُوا على أَنه من الثُّلُث، غير اللَّيْث بن سعد وَزفر فَإِنَّهُمَا قَالَا: من رَأس المَال، وَاخْتلفُوا: هَل هُوَ عقد جَائِز أَو لَازم؟ فَمن قَالَ: لَازم: منع التَّصَرُّف فِيهِ إلَاّ بِالْعِتْقِ. وَمن قَالَ: جَائِز، أجَاز، وبالأول قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ والكوفيون، وَبِالثَّانِي قَالَ الشَّافِعِي وَأهل الحَدِيث.
٠٣٢٢ - حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ قَالَ حدَّثنا وكِيعٌ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ عنْ عطاءٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ باعَ النبيُّ ﷺ المدَبَّرَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، بِضَم النُّون وَفتح الْمِيم: وَهُوَ مصغر نمر الْحَيَوَان الْمَشْهُور. الثَّانِي: وَكِيع بن الْجراح الرواسِي. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، وَاسم أبي خَالِد سعد، وَيُقَال: هُرْمُز، وَيُقَال: كثير. الرَّابِع: سَلمَة بن كهيل مصغر كهل الْحَضْرَمِيّ، كَانَ ركنا من الْأَركان، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة. الْخَامِس: عَطاء بن أبي رَبَاح. السَّادِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: إِن شَيْخه ووكيعا وَإِسْمَاعِيل وَسَلَمَة كلهم كوفيون وَأَن عَطاء مكي. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد وهم: إِسْمَاعِيل وَسَلَمَة ووعطاء، فإسماعيل وَسَلَمَة قريبان من صغَار التَّابِعين، وَعَطَاء من أوساطهم. وَفِيه: ثَلَاثَة ذكرُوا مجردين بِلَا نِسْبَة. وَفِيه: أَن شَيْخه ذكر مَنْسُوبا إِلَى جده.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْعتْق عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي، وَفِيه وَفِي الْبيُوع عَن مَحْمُود بن غيلَان، وَفِيه وَفِي الْقَضَاء عَن عبد الْأَعْلَى بن وَاصل، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن نمير وَعلي بن مُحَمَّد، كِلَاهُمَا عَن وَكِيع عَن إِسْمَاعِيل بِهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَأحمد لما ذَهَبا إِلَيْهِ من جَوَاز بيع الْمُدبر بِكُل حَال، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي: بَاب بيع المزايدة. قَوْله: (الْمُدبر) أَي: الْمُدبر الَّذِي كَانَ للرجل الْمُحْتَاج، قد ذكرنَا هُنَاكَ أَن الَّذِي اشْتَرَاهُ: نعيم، وَاسم الْمُدبر: يَعْقُوب، وَاسم سَيّده: أَبُو مَذْكُور، وَالثمن: ثَمَانمِائَة دِرْهَم.
١٣٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرِو سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يقولُ باعَهُ رسولُ الله ﷺ . .
هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي: حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار، هَكَذَا أوردهُ مُخْتَصرا وَلم يذكر من يعود عَلَيْهِ الضَّمِير. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن
стр. 3464
سُفْيَان فَزَاد فِي آخِره: يَعْنِي الْمُدبر، وَأخرجه مُسلم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأبي بكر بن أبي شيبَة جَمِيعًا عَن سُفْيَان بِلَفْظ: دبر رجل من الْأَنْصَار غُلَاما لَهُ لم يكن لَهُ مَال غَيره، فَبَاعَهُ رَسُول الله، ﷺ ، فَاشْتَرَاهُ ابْن النحام عبدا قبطيا مَاتَ عَام أول فِي إِمَارَة ابْن الزبير، وَهَكَذَا أخرجه أَحْمد عَن سُفْيَان بِتَمَامِهِ نَحوه، وَقد أخرجه البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي كَفَّارَات الْإِيمَان من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو نَحوه وَلم يقل فِيهِ فِي إمارات ابْن الزبير وَلَا عين الثّمن.
٣٣٢٢ - حدَّثني زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حَدثنَا يَعْقُوبُ قَالَ حَدثنَا أبِي عنْ صالِحٍ قَالَ حدَّثَ ابنُ شِهَابٍ أنَّ عُبَيْدَ الله أخْبَرَهُ أنَّ زَيْدَ بنَ خالِدٍ وَأَبا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخْبَرَاهُ أنَّهُما سَمِعَا رسولَ الله ﷺ يُسْئَلُ عنِ الأمَةِ تَزْنِي ولَمْ تُحْصَنْ قَالَ اجْلِدُوهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها ثُمَّ بِيعُوها بعْدَ الثَّالِثَةِ أوِ الرَّابِعَةِ. .
قيل: لَا معنى لإدخال هَذَا فِي بيع الْمُدبر، وَلِهَذَا أسقط هَذَا الْبَاب ابْن التِّين وَأدْخلهُ ابْن بطال فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ: بَاب بيع الرَّقِيق، وَقَالَ بَعضهم: وَجه دُخُول هَذَا فِي هَذَا الْبَاب عُمُوم الْأَمر بِبيع الْأمة إِذا زنت، فَيشْمَل مَا إِذا كَانَت مُدبرَة أَو غير مُدبرَة، فَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز بيع الْمُدبرَة فِي الْجُمْلَة. انْتهى. قلت: أَخذ هَذَا الْقَائِل بعض كَلَامه هَذَا من الْكرْمَانِي، وَزَاد عَلَيْهِ من عِنْده فَإِن الْكرْمَانِي قَالَ: فَإِن قلت: مَا وَجه تعلقه بالمدبر؟ قلت: لفظ الْأمة الْمُطلقَة شَامِل للمدبرة وَغَيرهَا. انْتهى. قلت: هَذَا الْكَلَام كُله لَيْسَ بموجه، لِأَن الْأمة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث إِنَّمَا أَمر ﷺ بِبَيْعِهَا لأجل تكَرر زنَاهَا، وَالْأمة الْمُدبرَة يجوز بيعهَا عِنْدهم مُطلقًا، سَوَاء تكَرر الزِّنَا مِنْهَا أَو لم يتَكَرَّر، أَو لم تزنِ أصلا. وَقَول هَذَا الْقَائِل: فَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز بيع الْمُدبرَة فِي الْجُمْلَة كَلَام واهٍ، لِأَن الْأَخْذ الَّذِي ذكره لَا يكون إلَاّ بِدلَالَة من اللَّفْظ من أَقسَام الدّلَالَة الثَّلَاثَة، وَلَا يَصح أَيْضا على رَأْي أهل الْأُصُول، فَإِن الَّذِي يدل لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بِعِبَارَة النَّص أَو بإشارته أَو بدلالته، فَأَي ذَلِك أَرَادَ هَذَا الْقَائِل فَلَا يدْرِي مَا قَالَه، وَالصَّوَاب مَعَ ابْن بطال وَابْن التِّين.
ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: زُهَيْر مصغر زهر بن حَرْب، ضد الصُّلْح، الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الثَّالِث أَبوهُ ابراهيم بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: صَالح بن كيسَان. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. السَّادِس: عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. السَّابِع: زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ. الثَّامِن: أَبُو هُرَيْرَة.
وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب بيع العَبْد الزَّانِي، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من وَجه آخر: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَأخرجه: عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله عَن أبي هُرَيْرَة، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
قَوْله: (لم تحصن) ، بِفَتْح الصَّاد وَكسرهَا.
٤٣٢٢ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عبْدِ الله قَالَ أخبرنِي اللَّيْثُ عنْ سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقولُ إذَا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكُمْ فتَبَيَّنَ زِناهَا فلْيَجْلِدْها الحَدَّ ولَا يُثَرِّبْ عَلَيْها ثُمَّ إنْ زَنَتْ فلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ ولَا يُثَرِّبْ ثُمْ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فتَبَيَّنَ زِناهَا فَلْيَبِعْها ولَوْ بِحَبلٍ مِنْ شَعرٍ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي هُرَيْرَة وَحده أخرجه عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أبي الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن اللَّيْث بن سعد عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه أبي سعيد كيسَان مولى بني لَيْث، وَهَذَا أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُحَاربين عَن عبد الله بن يُوسُف. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود، وَالنَّسَائِيّ فِي الرَّحِم، جَمِيعًا عَن عِيسَى بن حَمَّاد كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث بِهِ.
قَوْله: (فَتبين) أَي: ظهر زنَاهَا وَثَبت. قَوْله: (وَلَا يثرب) أَي: وَلَا
стр. 3465
يوبخها بِالزِّنَا بعد الضَّرْب، والتثريب اللوم، وَقيل أَرَادَ: لَا يَقع فِي عقوبتها التثريب بل يضْربهَا الْحَد، فَإِن زنا الْإِمَاء لم يكن عِنْد الْعَرَب مَكْرُوها وَلَا مُنْكرا، فَأَمرهمْ بِحَدّ الْإِمَاء كَمَا أَمرهم بِحَدّ الْحَرَائِر، ومادته: ثاء مُثَلّثَة وَرَاء وباء مُوَحدَة. قَوْله: (وَلَو بِحَبل) أَي: وَلَو كَانَ بِحَبل من شعر.
١١١ - (بابٌ هَلْ يُسَافِرُ بالجَارِيَةِ أنْ يَسْتَبْرِئَها)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يُسَافر شخص بالجارية الَّتِي اشْتَرَاهَا قبل أَن يَسْتَبْرِئهَا؟ وَإِنَّمَا قيد بِالسَّفرِ، وَإِن كَانَ فِي الْحَضَر أَيْضا لَا بُد من الِاسْتِبْرَاء، لِأَن السّفر مَظَنَّة المخالطة وَالْمُلَامَسَة غَالِبا، واستبراء الْجَارِيَة طلب بَرَاءَة رَحمهَا من الْحمل، وَأَصله من: استبرأت الشَّيْء إِذا طلبت أمره لتعرفه وتقطع الشُّبْهَة. وَقيل: الِاسْتِبْرَاء عبارَة عَن التعرف والتبصر احْتِيَاطًا، والاستبراء الَّذِي يذكر مَعَ الِاسْتِنْجَاء فِي الطَّهَارَة هُوَ أَن يستفرغ بَقِيَّة الْبَوْل وينقي مَوْضِعه وَمَجْرَاهُ، وَكلمَة: هَل: هُنَا للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، وَلم يذكر جَوَابه لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ.
ولَمْ يَرَ الحَسَنُ بَأْسا أَن يُقَبِّلَها أوْ يُبَاشِرَهَا
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن ابْن علية، قَالَ: سُئِلَ يُونُس عَن الرجل يَشْتَرِي الْأمة فيستبرئها يُصِيب مِنْهَا الْقبْلَة والمباشرة؟ فَقَالَ ابْن سِيرِين: يكره ذَلِك، وَيذكر عَن الْحسن أَنه كَانَ لَا يرى بالقبلة بَأْسا. قَوْله: (أَو يُبَاشِرهَا) يَعْنِي فِيمَا دون الْفرج، ويروى: ويباشرها بِالْوَاو، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن، قَالَ: يُصِيب مَا دون الْفرج، وَلَفظ الْمُبَاشرَة أَعم من التَّقْبِيل وَغَيره، وَلَكِن الْفرج مُسْتَثْنى لأجل الْمعرفَة بِبَرَاءَة الرَّحِم.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إذَا وُهِبَتِ الوَلِيدَةُ الَّتِي تُوطأ أوْ بِيعَتْ أوْ عَتَقَتْ فَلْيُسْتَبْرأ رَحِمُها بِحَيْضَةٍ ولَا تَسْتَبُرَأُ العَذْرَاءُ
ابْن عمر هُوَ عبد الله بن عمر. قَوْله: (إِذا وهبت) إِلَى قَوْله: (بِحَيْضَة) ، تَعْلِيق وَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة من طَرِيق عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر والوليدة الْجَارِيَة. قَوْله: (الَّتِي تُوطأ) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَو بِيعَتْ) ، بِكَسْر الْبَاء على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا. قَوْله: (أَو عتقت) ، بِفَتْح الْعين وَقيل بضَمهَا، وَلَيْسَ بِشَيْء. قَوْله: (فليستبرأ) على صِيغَة الْمَجْهُول أَو الْمَعْلُوم أَي: ليستبرىء الْمُتَّهب وَالْمُشْتَرِي والمتزوج بهَا الْغَيْر الْمُعْتق. قَوْله: (وَلَا تستبرأ الْعَذْرَاء) وَهِي الْبكر إِذْ لَا شكّ فِي بَرَاءَة رَحمهَا من الْوَلَد، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن عبد الْوَهَّاب عَن سعيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: إِن اشْترى أمة عذراء فَلَا يَسْتَبْرِئهَا. وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا خلاف مَا يَقُوله مَالك. قيل: وَالشَّافِعِيّ أَيْضا. وَقيل: يستبرىء اسْتِحْبَابا، وَعَن ابْن سِيرِين فِي الرجل يَشْتَرِي الْأمة الْعَذْرَاء، قَالَ لَا يقربن رَحمهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا. وَعَن الْحسن: يَسْتَبْرِئهَا وَإِن كَانَت بكرا، وَكَذَا قَالَه عِكْرِمَة، وَقَالَ عَطاء فِي رجل اشْترى جَارِيَة من أَبَوَيْهَا عذراء، وَقَالَ: يَسْتَبْرِئهَا بحيضتين. وَمذهب جمَاعَة مِنْهُم: ابْن الْقَاسِم وَسَالم وَاللَّيْث وَأَبُو يُوسُف: لَا اسْتِبْرَاء إلَاّ على الْبَالِغَة، وَكَانَ أَبُو يُوسُف لَا يرى اسْتِبْرَاء الْعَذْرَاء وَإِن كَانَت بَالِغَة، ذكره ابْن الْجَوْزِيّ عَنهُ، وَقَالَ إِيَاس بن مُعَاوِيَة فِي رجل اشْترى جَارِيَة صَغِيرَة، لَا يُجَامع مثلهَا، قَالَ: لَا بَأْس أَن يَطَأهَا وَلَا يَسْتَبْرِئهَا، وَكره قَتَادَة تقبيلها حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا. وَقَالَ أَيُّوب اللَّخْمِيّ، وَقعت فِي سهم ابْن عمر جَارِيَة يَوْم جَلُولَاء، فَمَا ملك نَفسه حَتَّى قبلهَا. قَالَ ابْن بطال: ثَبت هَذَا عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
وَقَالَ عَطاءٌ لَا بأسَ أنْ يُصِيبَ مِنْ جَارِيَتِهِ الحامِلِ مَا دُونَ الْفَرْجِ وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إلَاّ عَلى أزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُمْ
عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ، وَالْمرَاد بقوله: (الْحَامِل) من غير سَيِّدهَا، لِأَنَّهَا: إِذا كَانَت حَامِلا من سَيِّدهَا فَلَا يرتاب فِي حلّه، ثمَّ وَجه الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ هُوَ أَن الله تَعَالَى مدح الحافظين فروجهم إلَاّ عَلى أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم، فَإِنَّهَا دلّت على جَوَاز الِاسْتِمْتَاع بِجَمِيعِ وجوهه لَكِن خرج الْوَطْء بِدَلِيل، فَبَقيَ الْبَاقِي على أَصله.
стр. 3466
٣٥٢٢ - حدَّثنا عَبْدُ الغَفَّارِ بنُ داوُدَ قَالَ حدَّثنا يَعْقوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَمْرِو بنِ أبِي عَمْرٍ وعنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَدِمَ النبيُّ ﷺ خَيْبَرَ فَلَمَّا فتَحَ الله عَلَيْهِ الحصْنَ ذكِرَ لَهُ جَمالُ صفيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بن أخْطَبَ وقَدْ قتلَ زَوْجُها وكانَتْ عَرُوسا فاصْطَفاها رسولُ الله ﷺ لِنَفْسهِ فخَرَجَ بِها حتَّى بلغْنَا سَدَّ الرَّوْحاءِ حلَّتْ فبَنَى بهَا ثُمَّ صنَعَ حَيْسا فِي نطَعٍ صغيرٍ ثمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ فكانَتْ تِلُكَ وَلِيمَةَ رسولِ الله ﷺ علَى صفِيَّةَ ثُمَّ خَرَجْنا إِلَى المَدِينَةِ قَالَ فرأيْتُ رسولَ الله ﷺ يحَوِّي لَها ورَاءَهُ بِعَباءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فيَضَعُ رُكْبَتَهُ فتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تَرْكَبَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، ﷺ ، لما اصْطفى صَفِيَّة استبرأها بِحَيْضَة ثمَّ بنى بهَا، وَهَذَا يفهم من قَوْله: حَتَّى بلغنَا سد الروحاء حلت، فَإِن المُرَاد بقوله: حلت أَي: طهرت من حَيْضهَا. وَقد روى الْبَيْهَقِيّ أَنه ﷺ اسْتَبْرَأَ صَفِيَّة بِحَيْضَة.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الْغفار بن دَاوُد بن مهْرَان، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْقَارِي، من القارة، حَلِيف بني زهرَة، وَقد مر فِي: بَاب الْخطْبَة على الْمِنْبَر. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو، واسْمه: ميسرَة يكنى أَبَا عُثْمَان. الرَّابِع: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَعبد الْغفار حراني سكن مصر وَأَن يَعْقُوب مدنِي سكن إسكندرية وَأَن عَمْرو بن أبي عَمْرو مدنِي مَاتَ فِي أول خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عبد الْغفار، وَفِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن أَحْمد عَن ابْن وهب، وَفِي الْأَطْعِمَة وَفِي الدَّعْوَات عَن قُتَيْبَة أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن سعيد بن مَنْصُور.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خَيْبَر) ، كَانَت غَزْوَة خَيْبَر سنة سِتّ، وَقيل: سبع. قَوْله: (الْحصن) ، اسْمه القموص وَكَانَ، ﷺ ، سبى صَفِيَّة وَابْنَة عَم لَهَا من هَذَا الْحصن. قَوْله: (صَفِيَّة) ، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. الصَّحِيح: أَن هَذَا كَانَ اسْمهَا قبل السَّبي، وَقيل: كَانَ اسْمهَا: زَيْنَب، فسميت صَفِيَّة بعد السَّبي. قَوْله: (بنت حييّ) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف الأولى وَتَشْديد الثَّانِيَة، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: المحدثون يَقُولُونَهُ بِكَسْر الْحَاء، وَأهل اللُّغَة بضَمهَا. قَوْله: (ابْن أَخطب) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (وَقد قتل زَوجهَا) ، وَهُوَ كنَانَة بن أبي الْحقيق وَكَانَ زَوجهَا أَو لأسلام بن مشْكم، وَكَانَ خمارا فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ خلف عَلَيْهَا كنَانَة، وَكَانَت صَفِيَّة رَأَتْ فِي الْمَنَام قمرا أقبل من يثرب وَوَقع فِي حجرها، فقصت على زَوجهَا، فلطم وَجههَا وَقَالَ: أَنْت تزعمين أَن ملك يثرب يتزوجك، وَفِي لفظ: تحبين أَن يكون هَذَا الْملك الَّذِي يَأْتِي من الْمَدِينَة زَوجك، وَفِي لفظ: رَأَيْت كَأَنِّي وَهَذَا الَّذِي يزْعم أَن الله أرْسلهُ وَملك يسترنا بجناحه، وَكَانَ، ﷺ ، رأى بوجهها أثر خضرَة قَرِيبا من عينهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَت: يَا رَسُول الله رَأَيْت فِي الْمَنَام ... فَذكرت مَا مضى إِلَى آخِره، و: هَذِه الخضرة من لطمة على وَجْهي، وَفِي (الإكليل) للْحَاكِم، وَجُوَيْرِية رَأَتْ فِي الْمَنَام كرؤية صَفِيَّة قبل تزَوجهَا برَسُول الله، ﷺ ، وَذكر ابْن سعد أَن أم حَبِيبَة، قَالَت: رَأَيْت فِي النّوم كَأَن آتِيَا يَقُول لي: يَا أم الْمُؤمنِينَ، فَفَزِعت وأولت أَن النَّبِي، ﷺ ، يَتَزَوَّجنِي، وَعَن ابْن عَبَّاس: رَأَتْ سَوْدَة فِي الْمَنَام كَأَن النَّبِي، ﷺ أقبل يمشي حَتَّى وطىء على عُنُقهَا، فَقَالَ زَوجهَا: إِن صدقت رُؤْيَاك لتتزوجي بِهِ، ثمَّ رَأَيْت لَيْلَة
стр. 3467
أُخْرَى أَن قمرا أَبيض انقض عَلَيْهَا من السَّمَاء وَهِي مُضْطَجِعَة، فَأخْبرت زَوجهَا السَّكْرَان، فَقَالَ: إِن صدقت رُؤْيَاك لم ألبث إلَاّ يَسِيرا حَتَّى أَمُوت وتتزوجيه من بعدِي، فاشتكى من يَوْمه ذَلِك وَلم يلبث إلَاّ قَلِيلا حَتَّى مَاتَ. قَوْله: (وَكَانَت عروسا) الْعَرُوس: نعت يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث، وَعَن الْخَلِيل: رجل عروس وَامْرَأَة عروس وَنسَاء عرائس. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال للرجل عروس كَمَا يُقَال للْمَرْأَة، وَهُوَ اسْم لَهَا عِنْد دُخُول أَحدهمَا بِالْآخرِ، وَيُقَال: أعرس الرجل فَهُوَ معرس إِذا دخل بامرأته عِنْد بنائها. قَوْله: (فاصطفاها) أَي: أَخذهَا صفيا، والصفي سهم رَسُول الله، ﷺ ، من الْمغنم، كَانَ يَأْخُذهُ من الأَصْل قبل الْقِسْمَة جَارِيَة أَو سِلَاحا، وَقيل: إِنَّمَا سميت صَفِيَّة بذلك لِأَنَّهَا كَانَت صَفِيَّة من غنيمَة خَيْبَر. قَوْله: (سد الروحاء) السد، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الدَّال، والروحاء، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وبالمد. مَوضِع قريب من الْمَدِينَة وَفِي (الْمطَالع) : الروحاء من عمل الْفَرْع على نَحْو من أَرْبَعِينَ ميلًا من الْمَدِينَة، وَفِي مُسلم: على سِتَّة وَثَلَاثِينَ، وَفِي كتاب ابْن أبي شيبَة: على ثَلَاثِينَ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: الصَّوَاب الصَّهْبَاء بدل سد الروحاء. وَفِي (الْمطَالع) : الصَّهْبَاء من خَيْبَر على رَوْحَة. قَوْله: (حلت) قد فسرناه عَن قريب فِي أول الْبَاب. قَوْله: (فَبنى بهَا) أَي: دخل بهَا، قَالَ ابْن الْأَثِير: الابتناء وَالْبناء: الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الرجل كَانَ إِذا تزوج بِامْرَأَة بنى عَلَيْهَا قبَّة ليدْخل بهَا فِيهَا. فَيُقَال: بنى الرجل على أَهله. قَالَ الْجَوْهَرِي: لَا يُقَال بنى بأَهْله. قَوْله: (حَيْسًا) ، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة. وَهُوَ: أخلاط من التَّمْر والأقط وَالسمن، وَيُقَال: من الثَّمر والسويق، وَيُقَال: من التَّمْر وَالسمن، وَعَن أبي الْوَلِيد، وَلِيمَة رَسُول الله، ﷺ ، السّمن والأقط وَالثَّمَر. وَفِي لفظ: التَّمْر والسويق. قَوْله: (فِي نطع) ، بِكَسْر النُّون وَفتح الطَّاء على الْأَفْصَح، وَقَالَ ابْن التِّين، يُقَال: قطع، بِسُكُون الطَّاء وَفتحهَا: جُلُود تدبغ وَيجمع بَعْضهَا على بعض وتفرش. قَوْله: (آذن من حولك) أَي: أعلمهُ لإشهاد النِّكَاح، وَهُوَ أَمر من: آذن يُؤذن إِيذَانًا، وَالْخطاب لأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَلِيمَة رَسُول الله، ﷺ ، الْوَلِيمَة: هِيَ الطَّعَام الَّذِي يصنع عِنْد الْعرس. قَوْله: (يحوِّي) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو الْمَكْسُورَة، وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر، وَقَول أهل اللُّغَة: وَفِي رِوَايَة أبي الْحُسَيْن: يحوى، بِالتَّخْفِيفِ ثلاثي وَهُوَ أَن يُدِير كسَاء فَوق سَنَام الْبَعِير ثمَّ يركبه، والعباءة، مَمْدُود: ضرب من الأكيسة، وَكَذَلِكَ العباء. قَوْله: (فَيَضَع ركبته) إِلَى آخِره، قَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت تعظم أَن تجْعَل رجلهَا على ركبته، ﷺ ، فَكَانَت تضع ركبتها على ركبته، وَلما أركبها على الْبَعِير وحجبها علم النَّاس أَنَّهَا زَوجته، وَكَانُوا قبل ذَلِك لَا يَدْرُونَ أَنه تزَوجهَا أم اتخذها أم ولد. وَقَالَ الجاحظ فِي (كتاب الموَالِي) ولد صَفِيَّة مائَة نَبِي وَمِائَة ملك ثمَّ صيرها الله تَعَالَى أمة لسيدنا رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَت من سبط هَارُون، ﵊، وَقَالَ القَاضِي أَبُو عمر مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان النوقائي فِي (كتاب المحنة) : إِن النَّبِي ﷺ لما أَرَادَ الْبناء بصفية استأذنته عَائِشَة أَن تكون فِي المتنقبات، فَقَالَ ﷺ : (يَا عَائِشَة إِنَّك لَو رَأَيْتهَا اقشعر جِلْدك من حسنها) فَلَمَّا رأتها حصل لَهَا ذَلِك، وَقيل: حَدِيث اصطفائه ﷺ بصفية يُعَارضهُ حَدِيث أنس أَنَّهَا صَارَت لدحية، فَأَخذهَا مِنْهُ وَأَعْطَاهُ سَبْعَة أرؤس، ويروى أَنه أعطَاهُ بِنْتي عَمها عوضا مِنْهَا، ويروى أَنه قَالَ لَهُ: خُذ رَأْسا آخر مَكَانهَا. وَأجِيب: لَا مُعَارضَة، لِأَن أَخذهَا من دحْيَة قبل الْقسم وَمَا عوضه فِيهَا لَيْسَ على جِهَة البيع، وَلَكِن على جِهَة النَّفْل أَو الْهِبَة، غير أَن بعض رُوَاة الحَدِيث فِي الصَّحِيح يَقُولُونَ فِيهِ: إِنَّه ترى صَفِيَّة من دحْيَة، وَبَعْضهمْ يزِيد فِيهِ بعد الْقسم. وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ، وَفِي (حَوَاشِي السّنَن) : الإِمَام إِذا نفل مَا لم يعلم بمقداره لَهُ استرجاعه والتعويض عَنهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذهُ بِغَيْر عوض، وَإِعْطَاء دحْيَة كَانَ بِرِضَاهُ فَيكون مُعَاوضَة جَارِيَة بِجَارِيَة. فَإِن قلت: الْوَاهِب مَنْهِيّ عَن شِرَاء هِبته. قلت: لم يَهبهُ من مَال نَفسه، وَإِنَّمَا أعطَاهُ من مَال الله، ، على جِهَة النّظر كَمَا يُعْطي الإِمَام النَّفْل لأحد من أهل الْجَيْش نظرا.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث: أَنه يدل على أَن الِاسْتِبْرَاء أَمَانَة يؤتمن الْمُبْتَاع عَلَيْهَا بِأَن لَا يَطَأهَا حَتَّى تحيض حَيْضَة إِن لم تكن حَامِلا، لِأَن الْحَامِل لَا تُوطأ حَتَّى تضع لِئَلَّا يسْقِي مَاؤُهُ زرع غَيره. وَأجْمع الْفُقَهَاء على أَن حَيْضَة وَاحِدَة بَرَاءَة فِي الرَّحِم إلَاّ أَن مَالِكًا وَاللَّيْث قَالَا: إِن اشْتَرَاهَا فِي أول حَيْضهَا اعْتد بهَا، وَإِن كَانَت فِي آخرهَا لم يعْتد بهَا، وَقَالَ ابْن الْمسيب:
стр. 3468
حيضتان، وَقَالَ ابْن سِيرِين: ثَلَاث حيض، وَاخْتلف إِذا أَمن فِيهَا الْحمل؟ فَقَالَ مَالك: يستبرىء، وَقَالَ مطرف وَابْن الْمَاجشون: لَا.
وَاخْتلفُوا فِي قبْلَة الْجَارِيَة ومباشرتها قبل الِاسْتِبْرَاء، فَأجَاز ذَلِك الْحسن الْبَصْرِيّ وَعِكْرِمَة، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَكَرِهَهُ ابْن سِيرِين، وَهُوَ قَول مَالك وَاللَّيْث وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَوَجهه قطعا للذريعة وحفظا للأنساب. وَحجَّة المجيزين قَوْله ﷺ : (لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع وَلَا حَائِض حَتَّى تطهر) . فَيدل هَذَا على أَن مَا دون الْوَطْء من الْمُبَاشرَة والقبلة فِي حيّز الْمُبَاح، وسفره ﷺ بصفية قبل أَن يَسْتَبْرِئهَا حجَّة فِي ذَلِك، لكَونه لَو لم يحل لَهُ من مباشرتها مَا دون الْجِمَاع، لم يُسَافر بهَا مَعَه، لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يرفعها أَو يَتْرُكهَا، وَكَانَ ﷺ لَا يمس بِيَدِهِ امْرَأَة لَا تحل لَهُ. وَمن هَذَا اخْتلَافهمْ فِي مُبَاشرَة المظاهرة وقبلتها، فَذهب الزُّهْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِلَى أَنه لَا يقبلهَا وَلَا يتلذذ مِنْهَا بِشَيْء. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: لَا بَأْس أَن ينَال مِنْهَا مَا دون الْجِمَاع، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَلذَلِك فسر عَطاء وَقَتَادَة وَالزهْرِيّ قَوْله تَعَالَى: ﴿من قبل أَن يتماسا﴾ (المجادلة: ٣ و ٤) . أَنه عَنى بالمسيس: الْجِمَاع، فِي هَذِه الْآيَة.
٢١١ - (بابُ بَيْعِ المَيْتَةِ والأصْنَامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَحْرِيم بيع الْميتَة وَتَحْرِيم بيع الْأَصْنَام، وَهُوَ جمع صنم. قَالَ الْجَوْهَرِي: (هوالوثن. وَقَالَ غَيره: الوثن مَا لَهُ جثة والصنم مَا كَانَ مصورا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الصَّنَم مَا اتخذ إِلَهًا من دون الله، وَقيل: الصَّنَم مَا كَانَ لَهُ جسم أَو صُورَة، فَإِن لم يكن لَهُ جسم أَو صُورَة فَهُوَ وثن. وَقَالَ فِي: بَاب الْوَاو بعْدهَا الثَّاء الْمُثَلَّثَة: الْفرق بَين الصَّنَم والوثن أَن الوثن: كل مَا لَهُ جثة معمولة من جَوَاهِر الأَرْض أَو من الْخشب وَالْحِجَارَة كصورة الْآدَمِيّ يعْمل وَينصب فيعبد، والصنم: الصُّورَة بِلَا جثة. وَمِنْهُم من لم يفرق بَينهمَا، وَأطلقهُمَا على الْمَعْنيين، وَقد يُطلق الوثن على غير الصُّورَة، وَقد يُطلق الوثن على الصَّلِيب. وَالْميتَة، بِفَتْح الْمِيم: هِيَ الَّتِي تَمُوت حتف أنفها من غير ذَكَاة، شَرْعِيَّة، وَالْإِجْمَاع على تَحْرِيم الْميتَة، وَاسْتثنى مِنْهَا السّمك وَالْجَرَاد.
٦٣٢٢ - حدَّثنا قُتَيبَةُ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يَزيدَ بنِ أبِي حَبِيبٍ عنْ عطَاءِ بنِ أبِي رَباحٍ عنْ جابِر بنِ عَبْد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقُولُ عامَ الْفَتْح وهْوَ بِمَكَّةَ إنَّ الله ورسولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والْمَيْتَةِ والخِنْزيرِ والأصْنامِ فَقِيلَ يَا رسولَ الله أرَأيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فإنَّها يُطْلَى بِهَا السُّفُنْ ويُدْهَنُ بِها الجُلودُ ويَسْتَصْبِحُ بِها النَّاسُ فقالَ لَا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ قاتَلَ الله اليَهُودَ إنَّ الله لَمَّا حرَّمَ شُحُومَها جَمَلُوهُ ثُمَّ باعُوهُ فأكَلُوا ثَمَنَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة، وَفِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن خَالِد عَن اللَّيْث بِبَعْضِه. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْبيُوع عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن أبي عَاصِم بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جمعيا فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن اللَّيْث بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن عَطاء) ، هَذَا رِوَايَة مُتَّصِلَة، وَلَكِن نبه البُخَارِيّ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلقَة الَّتِي عقيب هَذِه: بِأَن يزِيد بن أبي حبيب لم يسمعهُ من عَطاء، وَإِنَّمَا كتب بِهِ إِلَيْهِ على مَا يَأْتِي، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي الِاحْتِجَاج بِالْكِتَابَةِ، فَذهب إِلَى صِحَّتهَا أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَمَنْصُور وَاللَّيْث بن سعد وَآخَرُونَ، وَاحْتج بهَا الشَّيْخَانِ، وَقَالَ ابْن الصّلاح: إِنَّه الصَّحِيح الْمَشْهُور، وَقَالَ أَبُو بكر بن السَّمْعَانِيّ، إِنَّهَا أقوى من الْإِجَازَة، وَتكلم فِيهَا بَعضهم وَلم يرهَا حجَّة، لِأَن الخطوط تشتبه، وَبِه جزم الْمَاوَرْدِيّ فِي (الْحَاوِي) . قَوْله: (عَن جَابر) وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن حجاج بن مُحَمَّد عَن اللَّيْث بِسَنَدِهِ: سَمِعت جَابر بن عبد الله بِمَكَّة. قَوْله: (عَام الْفَتْح) ، أَي: فتح مَكَّة. قَوْله: (وَهُوَ بِمَكَّة) ، جملَة حَالية فِيهِ بَيَان تَارِيخ ذَلِك، وَكَانَ ذَلِك فِي رَمَضَان سنة ثَمَان من الْهِجْرَة. قيل: يحْتَمل أَن يكون التَّحْرِيم وَقع قبل ذَلِك ثمَّ أَعَادَهُ، ﷺ ، يسمعهُ من لم يكن سَمعه. قَوْله: (إِن الله وَرَسُوله حرم) ، هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول الصَّحِيحَة، حرم، بإفراد الْفِعْل وَلم يقل: حرّما، وَهَكَذَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) و (سنَن) النَّسَائِيّ
стр. 3469
وَابْن مَاجَه، وَأما أَبُو دَاوُد فَقَالَ: إِن الله حرم، لَيْسَ فِيهِ: وَرَسُوله، وَقد وَقع فِي بعض الْكتب: أَن الله وَرَسُوله حرما، بالتثنية وَهُوَ الْقيَاس، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من طَرِيق اللَّيْث أَيْضا، وَالْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة الأولى، وَوَجهه: أَنه لما كَانَ أَمر الله هُوَ أَمر رَسُوله، وَكَانَ النَّبِي، ﷺ ، لَا يَأْمر إلَاّ بِمَا أَمر الله بِهِ، كَانَ كَأَن الْأَمر وَاحِد. وَقَالَ صَاحب (الْمُفْهم) : كَانَ أَصله: حرما، لَكِن تأدب النَّبِي ﷺ فَلم يجمع بَينه وَبَين اسْم الله تَعَالَى فِي ضمير الْإِثْنَيْنِ، لِأَن هَذَا من نوع مَا رده على الْخَطِيب الَّذِي قَالَ: وَمن يعصهما فقد غوى، فَقَالَ: بئس الْخَطِيب أَنْت. قل: وَمن يعْص الله وَرَسُوله، قَالَ: وَصَارَ هَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله برىء من الْمُشْركين وَرَسُوله﴾ (التَّوْبَة: ٣) . فِيمَن قَرَأَ بِنصب: رَسُوله، غير أَن الحَدِيث فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير لِأَنَّهُ كَانَ حَقه أَن يقدم: حرم، على: رَسُوله، كَمَا جَاءَ فِي الْآيَة. وَقَالَ شَيخنَا: قد ثَبت فِي (الصَّحِيح) تَثْنِيَة الضَّمِير فِي غير حَدِيث، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُول الله، ﷺ : إِن الله وَرَسُوله ينهيانكم عَن لُحُوم الْحمر، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: فَأمر رَسُول الله، ﷺ ، أَبَا طَلْحَة فَنَادَى إِن الله وَرَسُوله ينهيانكم عَن لُحُوم الْحمر، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: إِن الله، ، وَرَسُوله يَنْهَاكُم، بِالْإِفْرَادِ، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ إِذا تشهد قَالَ: الْحَمد نستعينه، وَفِيه: من يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فَإِنَّهُ لَا يضر إِلَّا نَفسه. قَوْله: (فَقيل: يَا رَسُول الله!) ، وَفِي رِوَايَة عبد الحميد الْآتِيَة: فَقَالَ رجل. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) أَي: أَخْبرنِي عَن شحوم الْميتَة إِلَى قَوْله: (النَّاس) ، أَي: أَخْبرنِي: هَل يحل بيعهَا؟ لِأَن فِيهَا مَنَافِع مقتضية لصِحَّة البيع. قَوْله: (فَقَالَ: لَا) ، أَي: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَا تَبِيعُوهَا (هُوَ حرَام) أَي: بيعهَا حرَام، هَكَذَا فسر بعض الْعلمَاء مِنْهُم الشَّافِعِي، وَمِنْهُم من قَالَ: يحرم الِانْتِفَاع بهَا، فَلَا يجوز الِانْتِفَاع من الْميتَة أصلا عِنْدهم إلَاّ مَا خص بِالدَّلِيلِ: كالجلد إِذا دبغ، وَسُئِلَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي هَذَا الحَدِيث عَن ثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: عَن طلي السفن، وَالثَّانِي: عَن دهن الْجُلُود، وَالثَّالِث: عَن الاستصباح، كل ذَلِك بشحوم الْميتَة، وَكَانَ سُؤَالهمْ عَن بيع ذَلِك ظنا مِنْهُم أَن ذَلِك جَائِز لما فِيهِ من الْمَنَافِع، كَمَا جَازَ بيع الْحمر الْأَهْلِيَّة لما فِيهِ من الْمَنَافِع، وَإِن حرم أكلهَا، فظنوا أَن شحوم الْميتَة مثل ذَلِك يحل بيعهَا وشراؤها وَإِن حرم أكلهَا، فَأخْبر النَّبِي ﷺ أَن ذَلِك لَيْسَ كَالَّذي ظنُّوا، وَأَن بيعهَا حرَام وَثمنهَا حرَام إِذْ كَانَت نَجِسَة، نَظِيره الدَّم وَالْخمر مِمَّا يحرم بيعهَا، وَأكل ثمنهَا، وَأما الاستصباح ودهن السفن والجلود بهَا فَهُوَ بِخِلَاف بيعهَا وَأكل ثمنهَا إِذا كَانَ مَا يدهن بهَا من ذَلِك يغسل بِالْمَاءِ غسل الشَّيْء الَّذِي أَصَابَته النَّجَاسَة فيطهره المَاء، هَذَا قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَجَمَاعَة من الْعلمَاء.
وَمِمَّنْ أجَاز الاستصباح مِمَّا يَقع فِيهِ الْفَأْرَة: عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالْإِجْمَاع قَائِم على أَنه: لَا يجوز بيع الْميتَة والأصنام لِأَنَّهُ لَا يحل الِانْتِفَاع بهَا وَوضع الثّمن فِيهَا إِضَاعَة مَال، وَقد نهى الشَّارِع عَن إضاعته. قلت: على هَذَا التَّعْلِيل إِذا كسرت الْأَصْنَام وَأمكن الِانْتِفَاع برضاضها جَازَ بيعهَا عِنْد بعض الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْحَنَفِيَّة، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي الصلبان على هَذَا التَّفْصِيل. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: فَإِذا أَجمعُوا على تَحْرِيم بيع الْميتَة فَبيع جيفة الْكَافِر من أهل الْحَرْب كَذَلِك. وَقَالَ شَيخنَا: اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ على أَنه لَا يجوز بيع ميتَة الْآدَمِيّ مُطلقًا، سَوَاء فِيهِ الْمُسلم وَالْكَافِر، أما الْمُسلم فلشرفه وفضله، حَتَّى إِنَّه لَا يجوز الِانْتِفَاع بِشَيْء من شعره وَجلده وَجَمِيع أَجْزَائِهِ، وَأما الْكَافِر فَلِأَن نَوْفَل بن عبد الله بن الْمُغيرَة لما اقتحم الخَنْدَق وَقتل، غلب الْمُسلمُونَ على جسده، فَأَرَادَ الْمُشْركُونَ أَن يشتروه مِنْهُم، فَقَالَ ﷺ : لَا حَاجَة لنا بجسده وَلَا بِثمنِهِ فخلى بَينهم وَبَينه، ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره من أهل السّير، قَالَ ابْن هِشَام: أعْطوا رَسُول الله ﷺ بجسده عشرَة آلَاف دِرْهَم، فِيمَا بَلغنِي عَن الزُّهْرِيّ، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن الْمُشْركين أَرَادوا أَن يشتروا جَسَد رجل من الْمُشْركين فَأبى النَّبِي ﷺ أَن يبيعهم.
وَمِنْهُم من اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث على نَجَاسَة ميتَة الْآدَمِيّ إِذْ هُوَ محرم الْأكل وَلَا ينْتَفع بِهِ. قلت: عُمُوم الحَدِيث مَخْصُوص بقوله ﷺ : (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم، فَإِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف فِي جَوَاز بيع كل محرم نجس فِيهِ مَنْفَعَة: كالزبل والعذرة فَمنع من ذَلِك الشَّافِعِي وَمَالك، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ والطبري. وَذهب آخَرُونَ إِلَى إجَازَة ذَلِك من المُشْتَرِي دون البَائِع، وَرَأَوا أَن المُشْتَرِي أعذر من البَائِع لِأَنَّهُ مُضْطَر
стр. 3470
إِلَى ذَلِك، رُوِيَ ذَلِك عَن بعض الشَّافِعِيَّة. وَاسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ أَيْضا من ذهب إِلَى نَجَاسَة سَائِر أَجزَاء الْميتَة من اللَّحْم وَالشعر وَالظفر وَالْجَلد وَالسّن، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد، وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى أَن مَا لَا تحله الْحَيَاة لَا ينجس بِالْمَوْتِ: كالشعر وَالظفر والقرن والحافر والعظم، لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ لَهُ مشط من عاج، وَهُوَ عظم الْفِيل، وَهُوَ غير مَأْكُول فَدلَّ على طَهَارَة عظمه وَمَا أشبهه. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد بالعاج عظم السّمك وَهُوَ الذيل. قلت: قَالَ الْجَوْهَرِي: العاج من عظم الْفِيل، وَكَذَا قَالَه فِي (الْعباب) وَفِي (الْمُحكم) : العاج أَنْيَاب الْفِيل، وَلَا يُسمى غير الناب عاجا، وَقَالَ الْخطابِيّ: العاج الذبل، وَهُوَ خطأ، وَفِي (الْعباب) : الذيل ظهر السلحفاة البحرية تتَّخذ مِنْهَا السوار والخاتم وَغَيرهمَا. وَقَالَ جرير:
(ترى العبس الحولي جونا بُلُوغهَا ... لَهَا مسكا من غير عاج وَلَا ذبل)
فَهَذَا يدل على أَن العاج غير الذبل، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِنَّمَا حرم رَسُول الله ﷺ من الْميتَة لَحمهَا، فَأَما الْجلد وَالشعر وَالصُّوف فَلَا بَأْس بِهِ. وروى أَيْضا من حَدِيث أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، زوج النَّبِي ﷺ تَقول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: لَا بَأْس بمَسك الْميتَة إِذا دبغ، وَلَا بَأْس بصوفها وشعرها وقرونها إِذا غسل بِالْمَاءِ. فَإِن قلت: الحديثان كِلَاهُمَا ضعيفان لِأَن فِي إِسْنَاد الأول: عبد الْجَبَّار بن مُسلم، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ ضَعِيف، وَفِي إِسْنَاد الثَّانِي: يُوسُف بن أبي السّفر، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ مَتْرُوك الحَدِيث. قلت: ابْن حبَان ذكر عبد الْجَبَّار فِي الثِّقَات، وَأما يُوسُف فَإِنَّهُ لَا يُؤثر فِيهِ الضعْف إلَاّ بعد بَيَان جِهَته، وَالْجرْح الْمُبْهم غير مَقْبُول عِنْد الحذاق من الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ كَانَ كَاتب الْأَوْزَاعِيّ. قَوْله: (ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ عِنْد ذَلِك) ، أَي: عِنْد قَوْله: هُوَ حرَام. قَوْله: (قَاتل الله الْيَهُود) أَي: لعنهم. قَوْله: (جملوه) ، بِالْجِيم أَي: أذابوه من جملَة الشَّحْم أجمله جملا وإجمالاً: إِذا أذبته واستخرجت دهنه، و: جملت، أفْصح من: أجملت، وَهَذَا يدل على أَن المُرَاد بقوله: هُوَ حرَام، أَي: البيع لَا الِانْتِفَاع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الضَّمِير فِي: باعوه رَاجع إِلَى الشحوم بِاعْتِبَار الْمَذْكُور، أَو إِلَى الشَّحْم الَّذِي فِي ضمن الشحوم. قلت: الأول لَهُ وَجه، وَالثَّانِي لَا وَجه لَهُ، على مَا لَا يخفى.
قَالَ أبُو عاصِمٍ حَدثنَا عَبْدُ الحَمِيدِ قَالَ حَدثنَا يَزيدُ قَالَ كتَبَ إلَيَّ عطَاءٌ قَالَ سَمِعْتُ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ
أَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاك بن مخلد الشَّيْبَانِيّ، أحد شُيُوخ البُخَارِيّ، وَعبد الحميد بن جَعْفَر بن عبد الله بن أبي الحكم بن سِنَان حَلِيف الْأَنْصَار، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة بِالْمَدِينَةِ، حدث هُوَ وَابْنه سعد وَأَبوهُ جَعْفَر وجده أَبُو الحكم رَافع، وَله صُحْبَة، وَابْن عَمه عمر بن الحكم بن رَافع بن سِنَان، وَهُوَ من ولد القطيون من ولد محرق بن عَمْرو ومزيقيا، وَقيل: القطيون من الْيَهُود وَلَيْسَ من ولد محرق، وَرَافِع بن سِنَان لَهُ حَدِيث فِي (سنَن أبي دَاوُد) من رِوَايَة ابْنه فِي تَخْيِير الصَّبِي بَين أَبَوَيْهِ، وَيزِيد هُوَ ابْن أبي حبيب الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَحْمد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد عَن عبد الحميد بن جَعْفَر أَخْبرنِي يزِيد بن أبي حبيب ... الحَدِيث.
٣١١ - (بابُ ثَمَنِ الكَلْبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم ثمن الْكَلْب.
٧٣٢٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنا مَالك عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ أبِي بَكْرِ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهىَ عنْ ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ الْبَغِيِّ وحُلْوانِ الْكَاهِنِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نهى عَن ثمن الْكَلْب) .
وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام رَاهِب قُرَيْش، مر فِي الصَّلَاة، وَأَبُو مَسْعُود هُوَ عقبَة بن عمر الْأنْصَارِيّ، مر فِي آخر كتاب الْإِيمَان، وَعقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف.
следующие страницы →