← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

٣٥٢٢ - حدَّثنا عَبْدُ الغَفَّارِ بنُ داوُدَ قَالَ حدَّثنا يَعْقوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَمْرِو بنِ أبِي عَمْرٍ وعنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَدِمَ النبيُّ ﷺ خَيْبَرَ فَلَمَّا فتَحَ الله عَلَيْهِ الحصْنَ ذكِرَ لَهُ جَمالُ صفيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بن أخْطَبَ وقَدْ قتلَ زَوْجُها وكانَتْ عَرُوسا فاصْطَفاها رسولُ الله ﷺ لِنَفْسهِ فخَرَجَ بِها حتَّى بلغْنَا سَدَّ الرَّوْحاءِ حلَّتْ فبَنَى بهَا ثُمَّ صنَعَ حَيْسا فِي نطَعٍ صغيرٍ ثمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ فكانَتْ تِلُكَ وَلِيمَةَ رسولِ الله ﷺ علَى صفِيَّةَ ثُمَّ خَرَجْنا إِلَى المَدِينَةِ قَالَ فرأيْتُ رسولَ الله ﷺ يحَوِّي لَها ورَاءَهُ بِعَباءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فيَضَعُ رُكْبَتَهُ فتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تَرْكَبَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، ﷺ ، لما اصْطفى صَفِيَّة استبرأها بِحَيْضَة ثمَّ بنى بهَا، وَهَذَا يفهم من قَوْله: حَتَّى بلغنَا سد الروحاء حلت، فَإِن المُرَاد بقوله: حلت أَي: طهرت من حَيْضهَا. وَقد روى الْبَيْهَقِيّ أَنه ﷺ اسْتَبْرَأَ صَفِيَّة بِحَيْضَة. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الْغفار بن دَاوُد بن مهْرَان، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْقَارِي، من القارة، حَلِيف بني زهرَة، وَقد مر فِي: بَاب الْخطْبَة على الْمِنْبَر. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو، واسْمه: ميسرَة يكنى أَبَا عُثْمَان. الرَّابِع: أنس بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَعبد الْغفار حراني سكن مصر وَأَن يَعْقُوب مدنِي سكن إسكندرية وَأَن عَمْرو بن أبي عَمْرو مدنِي مَاتَ فِي أول خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عبد الْغفار، وَفِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن أَحْمد عَن ابْن وهب، وَفِي الْأَطْعِمَة وَفِي الدَّعْوَات عَن قُتَيْبَة أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن سعيد بن مَنْصُور. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خَيْبَر) ، كَانَت غَزْوَة خَيْبَر سنة سِتّ، وَقيل: سبع. قَوْله: (الْحصن) ، اسْمه القموص وَكَانَ، ﷺ ، سبى صَفِيَّة وَابْنَة عَم لَهَا من هَذَا الْحصن. قَوْله: (صَفِيَّة) ، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. الصَّحِيح: أَن هَذَا كَانَ اسْمهَا قبل السَّبي، وَقيل: كَانَ اسْمهَا: زَيْنَب، فسميت صَفِيَّة بعد السَّبي. قَوْله: (بنت حييّ) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف الأولى وَتَشْديد الثَّانِيَة، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: المحدثون يَقُولُونَهُ بِكَسْر الْحَاء، وَأهل اللُّغَة بضَمهَا. قَوْله: (ابْن أَخطب) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (وَقد قتل زَوجهَا) ، وَهُوَ كنَانَة بن أبي الْحقيق وَكَانَ زَوجهَا أَو لأسلام بن مشْكم، وَكَانَ خمارا فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ خلف عَلَيْهَا كنَانَة، وَكَانَت صَفِيَّة رَأَتْ فِي الْمَنَام قمرا أقبل من يثرب وَوَقع فِي حجرها، فقصت على زَوجهَا، فلطم وَجههَا وَقَالَ: أَنْت تزعمين أَن ملك يثرب يتزوجك، وَفِي لفظ: تحبين أَن يكون هَذَا الْملك الَّذِي يَأْتِي من الْمَدِينَة زَوجك، وَفِي لفظ: رَأَيْت كَأَنِّي وَهَذَا الَّذِي يزْعم أَن الله أرْسلهُ وَملك يسترنا بجناحه، وَكَانَ، ﷺ ، رأى بوجهها أثر خضرَة قَرِيبا من عينهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَت: يَا رَسُول الله رَأَيْت فِي الْمَنَام ... فَذكرت مَا مضى إِلَى آخِره، و: هَذِه الخضرة من لطمة على وَجْهي، وَفِي (الإكليل) للْحَاكِم، وَجُوَيْرِية رَأَتْ فِي الْمَنَام كرؤية صَفِيَّة قبل تزَوجهَا برَسُول الله، ﷺ ، وَذكر ابْن سعد أَن أم حَبِيبَة، قَالَت: رَأَيْت فِي النّوم كَأَن آتِيَا يَقُول لي: يَا أم الْمُؤمنِينَ، فَفَزِعت وأولت أَن النَّبِي، ﷺ ، يَتَزَوَّجنِي، وَعَن ابْن عَبَّاس: رَأَتْ سَوْدَة فِي الْمَنَام كَأَن النَّبِي، ﷺ أقبل يمشي حَتَّى وطىء على عُنُقهَا، فَقَالَ زَوجهَا: إِن صدقت رُؤْيَاك لتتزوجي بِهِ، ثمَّ رَأَيْت لَيْلَة

стр. 3467

أُخْرَى أَن قمرا أَبيض انقض عَلَيْهَا من السَّمَاء وَهِي مُضْطَجِعَة، فَأخْبرت زَوجهَا السَّكْرَان، فَقَالَ: إِن صدقت رُؤْيَاك لم ألبث إلَاّ يَسِيرا حَتَّى أَمُوت وتتزوجيه من بعدِي، فاشتكى من يَوْمه ذَلِك وَلم يلبث إلَاّ قَلِيلا حَتَّى مَاتَ. قَوْله: (وَكَانَت عروسا) الْعَرُوس: نعت يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث، وَعَن الْخَلِيل: رجل عروس وَامْرَأَة عروس وَنسَاء عرائس. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال للرجل عروس كَمَا يُقَال للْمَرْأَة، وَهُوَ اسْم لَهَا عِنْد دُخُول أَحدهمَا بِالْآخرِ، وَيُقَال: أعرس الرجل فَهُوَ معرس إِذا دخل بامرأته عِنْد بنائها. قَوْله: (فاصطفاها) أَي: أَخذهَا صفيا، والصفي سهم رَسُول الله، ﷺ ، من الْمغنم، كَانَ يَأْخُذهُ من الأَصْل قبل الْقِسْمَة جَارِيَة أَو سِلَاحا، وَقيل: إِنَّمَا سميت صَفِيَّة بذلك لِأَنَّهَا كَانَت صَفِيَّة من غنيمَة خَيْبَر. قَوْله: (سد الروحاء) السد، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الدَّال، والروحاء، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وبالمد. مَوضِع قريب من الْمَدِينَة وَفِي (الْمطَالع) : الروحاء من عمل الْفَرْع على نَحْو من أَرْبَعِينَ ميلًا من الْمَدِينَة، وَفِي مُسلم: على سِتَّة وَثَلَاثِينَ، وَفِي كتاب ابْن أبي شيبَة: على ثَلَاثِينَ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: الصَّوَاب الصَّهْبَاء بدل سد الروحاء. وَفِي (الْمطَالع) : الصَّهْبَاء من خَيْبَر على رَوْحَة. قَوْله: (حلت) قد فسرناه عَن قريب فِي أول الْبَاب. قَوْله: (فَبنى بهَا) أَي: دخل بهَا، قَالَ ابْن الْأَثِير: الابتناء وَالْبناء: الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الرجل كَانَ إِذا تزوج بِامْرَأَة بنى عَلَيْهَا قبَّة ليدْخل بهَا فِيهَا. فَيُقَال: بنى الرجل على أَهله. قَالَ الْجَوْهَرِي: لَا يُقَال بنى بأَهْله. قَوْله: (حَيْسًا) ، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة. وَهُوَ: أخلاط من التَّمْر والأقط وَالسمن، وَيُقَال: من الثَّمر والسويق، وَيُقَال: من التَّمْر وَالسمن، وَعَن أبي الْوَلِيد، وَلِيمَة رَسُول الله، ﷺ ، السّمن والأقط وَالثَّمَر. وَفِي لفظ: التَّمْر والسويق. قَوْله: (فِي نطع) ، بِكَسْر النُّون وَفتح الطَّاء على الْأَفْصَح، وَقَالَ ابْن التِّين، يُقَال: قطع، بِسُكُون الطَّاء وَفتحهَا: جُلُود تدبغ وَيجمع بَعْضهَا على بعض وتفرش. قَوْله: (آذن من حولك) أَي: أعلمهُ لإشهاد النِّكَاح، وَهُوَ أَمر من: آذن يُؤذن إِيذَانًا، وَالْخطاب لأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَلِيمَة رَسُول الله، ﷺ ، الْوَلِيمَة: هِيَ الطَّعَام الَّذِي يصنع عِنْد الْعرس. قَوْله: (يحوِّي) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو الْمَكْسُورَة، وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر، وَقَول أهل اللُّغَة: وَفِي رِوَايَة أبي الْحُسَيْن: يحوى، بِالتَّخْفِيفِ ثلاثي وَهُوَ أَن يُدِير كسَاء فَوق سَنَام الْبَعِير ثمَّ يركبه، والعباءة، مَمْدُود: ضرب من الأكيسة، وَكَذَلِكَ العباء. قَوْله: (فَيَضَع ركبته) إِلَى آخِره، قَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت تعظم أَن تجْعَل رجلهَا على ركبته، ﷺ ، فَكَانَت تضع ركبتها على ركبته، وَلما أركبها على الْبَعِير وحجبها علم النَّاس أَنَّهَا زَوجته، وَكَانُوا قبل ذَلِك لَا يَدْرُونَ أَنه تزَوجهَا أم اتخذها أم ولد. وَقَالَ الجاحظ فِي (كتاب الموَالِي) ولد صَفِيَّة مائَة نَبِي وَمِائَة ملك ثمَّ صيرها الله تَعَالَى أمة لسيدنا رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَت من سبط هَارُون، ﵊، وَقَالَ القَاضِي أَبُو عمر مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان النوقائي فِي (كتاب المحنة) : إِن النَّبِي ﷺ لما أَرَادَ الْبناء بصفية استأذنته عَائِشَة أَن تكون فِي المتنقبات، فَقَالَ ﷺ : (يَا عَائِشَة إِنَّك لَو رَأَيْتهَا اقشعر جِلْدك من حسنها) فَلَمَّا رأتها حصل لَهَا ذَلِك، وَقيل: حَدِيث اصطفائه ﷺ بصفية يُعَارضهُ حَدِيث أنس أَنَّهَا صَارَت لدحية، فَأَخذهَا مِنْهُ وَأَعْطَاهُ سَبْعَة أرؤس، ويروى أَنه أعطَاهُ بِنْتي عَمها عوضا مِنْهَا، ويروى أَنه قَالَ لَهُ: خُذ رَأْسا آخر مَكَانهَا. وَأجِيب: لَا مُعَارضَة، لِأَن أَخذهَا من دحْيَة قبل الْقسم وَمَا عوضه فِيهَا لَيْسَ على جِهَة البيع، وَلَكِن على جِهَة النَّفْل أَو الْهِبَة، غير أَن بعض رُوَاة الحَدِيث فِي الصَّحِيح يَقُولُونَ فِيهِ: إِنَّه ترى صَفِيَّة من دحْيَة، وَبَعْضهمْ يزِيد فِيهِ بعد الْقسم. وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ، وَفِي (حَوَاشِي السّنَن) : الإِمَام إِذا نفل مَا لم يعلم بمقداره لَهُ استرجاعه والتعويض عَنهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذهُ بِغَيْر عوض، وَإِعْطَاء دحْيَة كَانَ بِرِضَاهُ فَيكون مُعَاوضَة جَارِيَة بِجَارِيَة. فَإِن قلت: الْوَاهِب مَنْهِيّ عَن شِرَاء هِبته. قلت: لم يَهبهُ من مَال نَفسه، وَإِنَّمَا أعطَاهُ من مَال الله، ، على جِهَة النّظر كَمَا يُعْطي الإِمَام النَّفْل لأحد من أهل الْجَيْش نظرا. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث: أَنه يدل على أَن الِاسْتِبْرَاء أَمَانَة يؤتمن الْمُبْتَاع عَلَيْهَا بِأَن لَا يَطَأهَا حَتَّى تحيض حَيْضَة إِن لم تكن حَامِلا، لِأَن الْحَامِل لَا تُوطأ حَتَّى تضع لِئَلَّا يسْقِي مَاؤُهُ زرع غَيره. وَأجْمع الْفُقَهَاء على أَن حَيْضَة وَاحِدَة بَرَاءَة فِي الرَّحِم إلَاّ أَن مَالِكًا وَاللَّيْث قَالَا: إِن اشْتَرَاهَا فِي أول حَيْضهَا اعْتد بهَا، وَإِن كَانَت فِي آخرهَا لم يعْتد بهَا، وَقَالَ ابْن الْمسيب:

стр. 3468

حيضتان، وَقَالَ ابْن سِيرِين: ثَلَاث حيض، وَاخْتلف إِذا أَمن فِيهَا الْحمل؟ فَقَالَ مَالك: يستبرىء، وَقَالَ مطرف وَابْن الْمَاجشون: لَا. وَاخْتلفُوا فِي قبْلَة الْجَارِيَة ومباشرتها قبل الِاسْتِبْرَاء، فَأجَاز ذَلِك الْحسن الْبَصْرِيّ وَعِكْرِمَة، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَكَرِهَهُ ابْن سِيرِين، وَهُوَ قَول مَالك وَاللَّيْث وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَوَجهه قطعا للذريعة وحفظا للأنساب. وَحجَّة المجيزين قَوْله ﷺ : (لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع وَلَا حَائِض حَتَّى تطهر) . فَيدل هَذَا على أَن مَا دون الْوَطْء من الْمُبَاشرَة والقبلة فِي حيّز الْمُبَاح، وسفره ﷺ بصفية قبل أَن يَسْتَبْرِئهَا حجَّة فِي ذَلِك، لكَونه لَو لم يحل لَهُ من مباشرتها مَا دون الْجِمَاع، لم يُسَافر بهَا مَعَه، لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يرفعها أَو يَتْرُكهَا، وَكَانَ ﷺ لَا يمس بِيَدِهِ امْرَأَة لَا تحل لَهُ. وَمن هَذَا اخْتلَافهمْ فِي مُبَاشرَة المظاهرة وقبلتها، فَذهب الزُّهْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِلَى أَنه لَا يقبلهَا وَلَا يتلذذ مِنْهَا بِشَيْء. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: لَا بَأْس أَن ينَال مِنْهَا مَا دون الْجِمَاع، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَلذَلِك فسر عَطاء وَقَتَادَة وَالزهْرِيّ قَوْله تَعَالَى: ﴿من قبل أَن يتماسا﴾ (المجادلة: ٣ و ٤) . أَنه عَنى بالمسيس: الْجِمَاع، فِي هَذِه الْآيَة. ٢١١ - (بابُ بَيْعِ المَيْتَةِ والأصْنَامِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَحْرِيم بيع الْميتَة وَتَحْرِيم بيع الْأَصْنَام، وَهُوَ جمع صنم. قَالَ الْجَوْهَرِي: (هوالوثن. وَقَالَ غَيره: الوثن مَا لَهُ جثة والصنم مَا كَانَ مصورا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الصَّنَم مَا اتخذ إِلَهًا من دون الله، وَقيل: الصَّنَم مَا كَانَ لَهُ جسم أَو صُورَة، فَإِن لم يكن لَهُ جسم أَو صُورَة فَهُوَ وثن. وَقَالَ فِي: بَاب الْوَاو بعْدهَا الثَّاء الْمُثَلَّثَة: الْفرق بَين الصَّنَم والوثن أَن الوثن: كل مَا لَهُ جثة معمولة من جَوَاهِر الأَرْض أَو من الْخشب وَالْحِجَارَة كصورة الْآدَمِيّ يعْمل وَينصب فيعبد، والصنم: الصُّورَة بِلَا جثة. وَمِنْهُم من لم يفرق بَينهمَا، وَأطلقهُمَا على الْمَعْنيين، وَقد يُطلق الوثن على غير الصُّورَة، وَقد يُطلق الوثن على الصَّلِيب. وَالْميتَة، بِفَتْح الْمِيم: هِيَ الَّتِي تَمُوت حتف أنفها من غير ذَكَاة، شَرْعِيَّة، وَالْإِجْمَاع على تَحْرِيم الْميتَة، وَاسْتثنى مِنْهَا السّمك وَالْجَرَاد. ٦٣٢٢ - حدَّثنا قُتَيبَةُ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يَزيدَ بنِ أبِي حَبِيبٍ عنْ عطَاءِ بنِ أبِي رَباحٍ عنْ جابِر بنِ عَبْد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقُولُ عامَ الْفَتْح وهْوَ بِمَكَّةَ إنَّ الله ورسولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والْمَيْتَةِ والخِنْزيرِ والأصْنامِ فَقِيلَ يَا رسولَ الله أرَأيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فإنَّها يُطْلَى بِهَا السُّفُنْ ويُدْهَنُ بِها الجُلودُ ويَسْتَصْبِحُ بِها النَّاسُ فقالَ لَا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ قاتَلَ الله اليَهُودَ إنَّ الله لَمَّا حرَّمَ شُحُومَها جَمَلُوهُ ثُمَّ باعُوهُ فأكَلُوا ثَمَنَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة، وَفِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن خَالِد عَن اللَّيْث بِبَعْضِه. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْبيُوع عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن أبي عَاصِم بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جمعيا فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن اللَّيْث بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن عَطاء) ، هَذَا رِوَايَة مُتَّصِلَة، وَلَكِن نبه البُخَارِيّ فِي الرِّوَايَة الْمُعَلقَة الَّتِي عقيب هَذِه: بِأَن يزِيد بن أبي حبيب لم يسمعهُ من عَطاء، وَإِنَّمَا كتب بِهِ إِلَيْهِ على مَا يَأْتِي، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي الِاحْتِجَاج بِالْكِتَابَةِ، فَذهب إِلَى صِحَّتهَا أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَمَنْصُور وَاللَّيْث بن سعد وَآخَرُونَ، وَاحْتج بهَا الشَّيْخَانِ، وَقَالَ ابْن الصّلاح: إِنَّه الصَّحِيح الْمَشْهُور، وَقَالَ أَبُو بكر بن السَّمْعَانِيّ، إِنَّهَا أقوى من الْإِجَازَة، وَتكلم فِيهَا بَعضهم وَلم يرهَا حجَّة، لِأَن الخطوط تشتبه، وَبِه جزم الْمَاوَرْدِيّ فِي (الْحَاوِي) . قَوْله: (عَن جَابر) وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن حجاج بن مُحَمَّد عَن اللَّيْث بِسَنَدِهِ: سَمِعت جَابر بن عبد الله بِمَكَّة. قَوْله: (عَام الْفَتْح) ، أَي: فتح مَكَّة. قَوْله: (وَهُوَ بِمَكَّة) ، جملَة حَالية فِيهِ بَيَان تَارِيخ ذَلِك، وَكَانَ ذَلِك فِي رَمَضَان سنة ثَمَان من الْهِجْرَة. قيل: يحْتَمل أَن يكون التَّحْرِيم وَقع قبل ذَلِك ثمَّ أَعَادَهُ، ﷺ ، يسمعهُ من لم يكن سَمعه. قَوْله: (إِن الله وَرَسُوله حرم) ، هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول الصَّحِيحَة، حرم، بإفراد الْفِعْل وَلم يقل: حرّما، وَهَكَذَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) و (سنَن) النَّسَائِيّ

стр. 3469

وَابْن مَاجَه، وَأما أَبُو دَاوُد فَقَالَ: إِن الله حرم، لَيْسَ فِيهِ: وَرَسُوله، وَقد وَقع فِي بعض الْكتب: أَن الله وَرَسُوله حرما، بالتثنية وَهُوَ الْقيَاس، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من طَرِيق اللَّيْث أَيْضا، وَالْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة الأولى، وَوَجهه: أَنه لما كَانَ أَمر الله هُوَ أَمر رَسُوله، وَكَانَ النَّبِي، ﷺ ، لَا يَأْمر إلَاّ بِمَا أَمر الله بِهِ، كَانَ كَأَن الْأَمر وَاحِد. وَقَالَ صَاحب (الْمُفْهم) : كَانَ أَصله: حرما، لَكِن تأدب النَّبِي ﷺ فَلم يجمع بَينه وَبَين اسْم الله تَعَالَى فِي ضمير الْإِثْنَيْنِ، لِأَن هَذَا من نوع مَا رده على الْخَطِيب الَّذِي قَالَ: وَمن يعصهما فقد غوى، فَقَالَ: بئس الْخَطِيب أَنْت. قل: وَمن يعْص الله وَرَسُوله، قَالَ: وَصَارَ هَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله برىء من الْمُشْركين وَرَسُوله﴾ (التَّوْبَة: ٣) . فِيمَن قَرَأَ بِنصب: رَسُوله، غير أَن الحَدِيث فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير لِأَنَّهُ كَانَ حَقه أَن يقدم: حرم، على: رَسُوله، كَمَا جَاءَ فِي الْآيَة. وَقَالَ شَيخنَا: قد ثَبت فِي (الصَّحِيح) تَثْنِيَة الضَّمِير فِي غير حَدِيث، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُول الله، ﷺ : إِن الله وَرَسُوله ينهيانكم عَن لُحُوم الْحمر، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: فَأمر رَسُول الله، ﷺ ، أَبَا طَلْحَة فَنَادَى إِن الله وَرَسُوله ينهيانكم عَن لُحُوم الْحمر، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: إِن الله، ، وَرَسُوله يَنْهَاكُم، بِالْإِفْرَادِ، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ إِذا تشهد قَالَ: الْحَمد نستعينه، وَفِيه: من يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فَإِنَّهُ لَا يضر إِلَّا نَفسه. قَوْله: (فَقيل: يَا رَسُول الله!) ، وَفِي رِوَايَة عبد الحميد الْآتِيَة: فَقَالَ رجل. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) أَي: أَخْبرنِي عَن شحوم الْميتَة إِلَى قَوْله: (النَّاس) ، أَي: أَخْبرنِي: هَل يحل بيعهَا؟ لِأَن فِيهَا مَنَافِع مقتضية لصِحَّة البيع. قَوْله: (فَقَالَ: لَا) ، أَي: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَا تَبِيعُوهَا (هُوَ حرَام) أَي: بيعهَا حرَام، هَكَذَا فسر بعض الْعلمَاء مِنْهُم الشَّافِعِي، وَمِنْهُم من قَالَ: يحرم الِانْتِفَاع بهَا، فَلَا يجوز الِانْتِفَاع من الْميتَة أصلا عِنْدهم إلَاّ مَا خص بِالدَّلِيلِ: كالجلد إِذا دبغ، وَسُئِلَ رَسُول الله، ﷺ ، فِي هَذَا الحَدِيث عَن ثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: عَن طلي السفن، وَالثَّانِي: عَن دهن الْجُلُود، وَالثَّالِث: عَن الاستصباح، كل ذَلِك بشحوم الْميتَة، وَكَانَ سُؤَالهمْ عَن بيع ذَلِك ظنا مِنْهُم أَن ذَلِك جَائِز لما فِيهِ من الْمَنَافِع، كَمَا جَازَ بيع الْحمر الْأَهْلِيَّة لما فِيهِ من الْمَنَافِع، وَإِن حرم أكلهَا، فظنوا أَن شحوم الْميتَة مثل ذَلِك يحل بيعهَا وشراؤها وَإِن حرم أكلهَا، فَأخْبر النَّبِي ﷺ أَن ذَلِك لَيْسَ كَالَّذي ظنُّوا، وَأَن بيعهَا حرَام وَثمنهَا حرَام إِذْ كَانَت نَجِسَة، نَظِيره الدَّم وَالْخمر مِمَّا يحرم بيعهَا، وَأكل ثمنهَا، وَأما الاستصباح ودهن السفن والجلود بهَا فَهُوَ بِخِلَاف بيعهَا وَأكل ثمنهَا إِذا كَانَ مَا يدهن بهَا من ذَلِك يغسل بِالْمَاءِ غسل الشَّيْء الَّذِي أَصَابَته النَّجَاسَة فيطهره المَاء، هَذَا قَول عَطاء بن أبي رَبَاح وَجَمَاعَة من الْعلمَاء. وَمِمَّنْ أجَاز الاستصباح مِمَّا يَقع فِيهِ الْفَأْرَة: عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالْإِجْمَاع قَائِم على أَنه: لَا يجوز بيع الْميتَة والأصنام لِأَنَّهُ لَا يحل الِانْتِفَاع بهَا وَوضع الثّمن فِيهَا إِضَاعَة مَال، وَقد نهى الشَّارِع عَن إضاعته. قلت: على هَذَا التَّعْلِيل إِذا كسرت الْأَصْنَام وَأمكن الِانْتِفَاع برضاضها جَازَ بيعهَا عِنْد بعض الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْحَنَفِيَّة، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي الصلبان على هَذَا التَّفْصِيل. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: فَإِذا أَجمعُوا على تَحْرِيم بيع الْميتَة فَبيع جيفة الْكَافِر من أهل الْحَرْب كَذَلِك. وَقَالَ شَيخنَا: اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ على أَنه لَا يجوز بيع ميتَة الْآدَمِيّ مُطلقًا، سَوَاء فِيهِ الْمُسلم وَالْكَافِر، أما الْمُسلم فلشرفه وفضله، حَتَّى إِنَّه لَا يجوز الِانْتِفَاع بِشَيْء من شعره وَجلده وَجَمِيع أَجْزَائِهِ، وَأما الْكَافِر فَلِأَن نَوْفَل بن عبد الله بن الْمُغيرَة لما اقتحم الخَنْدَق وَقتل، غلب الْمُسلمُونَ على جسده، فَأَرَادَ الْمُشْركُونَ أَن يشتروه مِنْهُم، فَقَالَ ﷺ : لَا حَاجَة لنا بجسده وَلَا بِثمنِهِ فخلى بَينهم وَبَينه، ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره من أهل السّير، قَالَ ابْن هِشَام: أعْطوا رَسُول الله ﷺ بجسده عشرَة آلَاف دِرْهَم، فِيمَا بَلغنِي عَن الزُّهْرِيّ، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن الْمُشْركين أَرَادوا أَن يشتروا جَسَد رجل من الْمُشْركين فَأبى النَّبِي ﷺ أَن يبيعهم. وَمِنْهُم من اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث على نَجَاسَة ميتَة الْآدَمِيّ إِذْ هُوَ محرم الْأكل وَلَا ينْتَفع بِهِ. قلت: عُمُوم الحَدِيث مَخْصُوص بقوله ﷺ : (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم، فَإِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف فِي جَوَاز بيع كل محرم نجس فِيهِ مَنْفَعَة: كالزبل والعذرة فَمنع من ذَلِك الشَّافِعِي وَمَالك، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ والطبري. وَذهب آخَرُونَ إِلَى إجَازَة ذَلِك من المُشْتَرِي دون البَائِع، وَرَأَوا أَن المُشْتَرِي أعذر من البَائِع لِأَنَّهُ مُضْطَر

стр. 3470

إِلَى ذَلِك، رُوِيَ ذَلِك عَن بعض الشَّافِعِيَّة. وَاسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ أَيْضا من ذهب إِلَى نَجَاسَة سَائِر أَجزَاء الْميتَة من اللَّحْم وَالشعر وَالظفر وَالْجَلد وَالسّن، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد، وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى أَن مَا لَا تحله الْحَيَاة لَا ينجس بِالْمَوْتِ: كالشعر وَالظفر والقرن والحافر والعظم، لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ لَهُ مشط من عاج، وَهُوَ عظم الْفِيل، وَهُوَ غير مَأْكُول فَدلَّ على طَهَارَة عظمه وَمَا أشبهه. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد بالعاج عظم السّمك وَهُوَ الذيل. قلت: قَالَ الْجَوْهَرِي: العاج من عظم الْفِيل، وَكَذَا قَالَه فِي (الْعباب) وَفِي (الْمُحكم) : العاج أَنْيَاب الْفِيل، وَلَا يُسمى غير الناب عاجا، وَقَالَ الْخطابِيّ: العاج الذبل، وَهُوَ خطأ، وَفِي (الْعباب) : الذيل ظهر السلحفاة البحرية تتَّخذ مِنْهَا السوار والخاتم وَغَيرهمَا. وَقَالَ جرير: (ترى العبس الحولي جونا بُلُوغهَا ... لَهَا مسكا من غير عاج وَلَا ذبل) فَهَذَا يدل على أَن العاج غير الذبل، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِنَّمَا حرم رَسُول الله ﷺ من الْميتَة لَحمهَا، فَأَما الْجلد وَالشعر وَالصُّوف فَلَا بَأْس بِهِ. وروى أَيْضا من حَدِيث أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، زوج النَّبِي ﷺ تَقول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: لَا بَأْس بمَسك الْميتَة إِذا دبغ، وَلَا بَأْس بصوفها وشعرها وقرونها إِذا غسل بِالْمَاءِ. فَإِن قلت: الحديثان كِلَاهُمَا ضعيفان لِأَن فِي إِسْنَاد الأول: عبد الْجَبَّار بن مُسلم، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ ضَعِيف، وَفِي إِسْنَاد الثَّانِي: يُوسُف بن أبي السّفر، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ مَتْرُوك الحَدِيث. قلت: ابْن حبَان ذكر عبد الْجَبَّار فِي الثِّقَات، وَأما يُوسُف فَإِنَّهُ لَا يُؤثر فِيهِ الضعْف إلَاّ بعد بَيَان جِهَته، وَالْجرْح الْمُبْهم غير مَقْبُول عِنْد الحذاق من الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ كَانَ كَاتب الْأَوْزَاعِيّ. قَوْله: (ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ عِنْد ذَلِك) ، أَي: عِنْد قَوْله: هُوَ حرَام. قَوْله: (قَاتل الله الْيَهُود) أَي: لعنهم. قَوْله: (جملوه) ، بِالْجِيم أَي: أذابوه من جملَة الشَّحْم أجمله جملا وإجمالاً: إِذا أذبته واستخرجت دهنه، و: جملت، أفْصح من: أجملت، وَهَذَا يدل على أَن المُرَاد بقوله: هُوَ حرَام، أَي: البيع لَا الِانْتِفَاع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الضَّمِير فِي: باعوه رَاجع إِلَى الشحوم بِاعْتِبَار الْمَذْكُور، أَو إِلَى الشَّحْم الَّذِي فِي ضمن الشحوم. قلت: الأول لَهُ وَجه، وَالثَّانِي لَا وَجه لَهُ، على مَا لَا يخفى. قَالَ أبُو عاصِمٍ حَدثنَا عَبْدُ الحَمِيدِ قَالَ حَدثنَا يَزيدُ قَالَ كتَبَ إلَيَّ عطَاءٌ قَالَ سَمِعْتُ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ أَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاك بن مخلد الشَّيْبَانِيّ، أحد شُيُوخ البُخَارِيّ، وَعبد الحميد بن جَعْفَر بن عبد الله بن أبي الحكم بن سِنَان حَلِيف الْأَنْصَار، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة بِالْمَدِينَةِ، حدث هُوَ وَابْنه سعد وَأَبوهُ جَعْفَر وجده أَبُو الحكم رَافع، وَله صُحْبَة، وَابْن عَمه عمر بن الحكم بن رَافع بن سِنَان، وَهُوَ من ولد القطيون من ولد محرق بن عَمْرو ومزيقيا، وَقيل: القطيون من الْيَهُود وَلَيْسَ من ولد محرق، وَرَافِع بن سِنَان لَهُ حَدِيث فِي (سنَن أبي دَاوُد) من رِوَايَة ابْنه فِي تَخْيِير الصَّبِي بَين أَبَوَيْهِ، وَيزِيد هُوَ ابْن أبي حبيب الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَحْمد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد عَن عبد الحميد بن جَعْفَر أَخْبرنِي يزِيد بن أبي حبيب ... الحَدِيث. ٣١١ - (بابُ ثَمَنِ الكَلْبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم ثمن الْكَلْب. ٧٣٢٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنا مَالك عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ أبِي بَكْرِ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهىَ عنْ ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ الْبَغِيِّ وحُلْوانِ الْكَاهِنِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نهى عَن ثمن الْكَلْب) . وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام رَاهِب قُرَيْش، مر فِي الصَّلَاة، وَأَبُو مَسْعُود هُوَ عقبَة بن عمر الْأنْصَارِيّ، مر فِي آخر كتاب الْإِيمَان، وَعقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف.

стр. 3471

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِجَارَة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَفِي الطَّلَاق عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي الطِّبّ عَن عبد الله بن مُحَمَّد، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك، وقتيبة وَمُحَمّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث وَعَن أبي بكر عَن سُفْيَان، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ وَفِي النِّكَاح عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث بِهِ وَعَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الصَّيْد عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن هِشَام بن عمار وَمُحَمّد بن الصَّباح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَلما أخرجه التِّرْمِذِيّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعبد الله بن جَعْفَر، وَأخرج هُوَ أَيْضا حَدِيث رَافع بن خديج من حَدِيث السَّائِب بن يزِيد عَنهُ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (كسب الْحجام خَبِيث وَمهر النغي خَبِيث وَثمن الْكَلْب خَبِيث) . وَأخرجه أَيْضا مُسلم وَالْأَرْبَعَة. أما حَدِيث عمر فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث السَّائِب بن يزِيد عَن عمر بن الْخطاب: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: ثمن الْقَيْنَة سحت وَغِنَاهَا حرَام وَالنَّظَر إِلَيْهَا حرَام وَثمنهَا مثل ثمن الْكَلْب وَثمن الْكَلْب سحت وَمن نبت لَحْمه على السُّحت فَالنَّار أولى بِهِ. وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من حَدِيث الْحَارِث عَنهُ، قَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن ثمن الْكَلْب وَأجر الْبَغي وَكسب الْحجام والضب والضبع، وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود ... وَأما حَدِيث جَابر فَأخْرجهُ مُسلم من رِوَايَة أبي الزبير، قَالَ: سَأَلت جَابِرا عَن ثمن الْكَلْب والسنور؟ فَقَالَ: زجر النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك، وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي حَازِم عَنهُ، قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ عَن ثمن الْكَلْب وعسب الْفَحْل، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: وعسب التيس، وَأخرجه الْحَاكِم، وَلَفظه: لَا يحل مهر الزَّانِيَة وَلَا ثمن الْكَلْب، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عَليّ بن رَبَاح أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا يحل ثمن الْكَلْب وَلَا حلوان الكاهن وَلَا مهر الْبَغي. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة قيس بن جُبَير عَن عبد الله بن عَبَّاس، قَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن ثمن الْكَلْب وَإِن جَاءَ يطْلب ثمن الْكَلْب فاملأ كَفه تُرَابا، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عَطاء بن أبي رَبَاح عَنهُ. وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) فَقَالَ: سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الْمعَافى عَن ابْن عمرَان الْحِمصِي عَن ابْن لَهِيعَة عَن عبيد الله بن أبي جَعْفَر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن ثمن الْكَلْب وَإِن كَانَ ضاريا؟ قَالَ أبي: هَذَا حَدِيث مُنكر. وَأما حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر فَأخْرجهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة يحيى بن الْعَلَاء عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَن عبد الله بن جَعْفَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ عَن ثمن الْكَلْب وَكسب الْحجام، أوردهُ فِي تَرْجَمَة يحيى بن الْعَلَاء وَضَعفه. قلت: وَفِي الْبَاب عَن أبي جُحَيْفَة وَعبد الله بن عَمْرو وَأنس بن مَالك والسائب بن يزِيد ومَيْمُونَة بنت سعد. وَأما حَدِيث أبي جُحَيْفَة فَأخْرجهُ البُخَارِيّ وَقد مر. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَأخْرجهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة حُصَيْن عَن مُجَاهِد عَن عبد الله ابْن عَمْرو، قَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن ثمن الْكَلْب وَمهر الْبَغي وَأجر الكاهن وَكسب الْحجام. وَأما حَدِيث أنس فَأخْرجهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَنهُ: ثمن الْكَلْب كلهَا سحت. وَأما حَدِيث السَّائِب بن يزِيد فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن عبد الله، قَالَ: سَمِعت السَّائِب بن يزِيد يَقُول: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (السُّحت ثَلَاثَة: مهر الْبَغي وَكسب الْحجام وَثمن الْكَلْب) . وَأما حَدِيث مَيْمُونَة بنت سعد فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة عبد الحميد بن يزِيد عَن أُميَّة بنت عمر بن عبد الْعَزِيز عَن مَيْمُونَة بنت سعد أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُول الله أَفْتِنَا عَن الْكَلْب؟ فَقَالَ: (الْكَلْب طعمة جَاهِلِيَّة، وَقد أغْنى الله عَنْهَا) . قَالَ شَيخنَا: وَلَيْسَ المُرَاد من هَذَا الحَدِيث أكل الْكَلْب

стр. 3472

وَإِنَّمَا المُرَاد أكل ثمنه، كَمَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث جَابر عَن النَّبِي، ﷺ : أَنه نهى عَن ثمن الْكَلْب وَقَالَ: طعمة جَاهِلِيَّة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (نهى عَن ثمن الْكَلْب) وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يتَنَاوَل جَمِيع أَنْوَاع الْكلاب، وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (وَمهر الْبَغي) وَفِي حَدِيث عَليّ: وَأجر الْبَغي، وَجَاء: وَكسب الْأمة هُوَ مهر الْبَغي لَا الْكسْب الَّذِي تكتسبه بالصنعة وَالْعَمَل، وَإِطْلَاق الْمهْر فِيهِ مجَاز، وَالْمرَاد مَا تَأْخُذهُ على زنَاهَا، وَالْبَغي، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء، وَقَالَ ابْن التِّين: نقل عَن أبي الْحسن أَنه قَالَ بِإِسْكَان الْغَيْن وَتَخْفِيف الْيَاء، وَهُوَ الزِّنَا، وَكَذَلِكَ الْبغاء بِكَسْر الْبَاء ممدودا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء﴾ (النُّور: ٣٣) . يُقَال: بَغت الْمَرْأَة تبغي بغاء، وَالْبَغي يَجِيء بِمَعْنى الطّلب، يُقَال: أبغني، أَي: اطلب لي، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يبغونكم الْفِتْنَة﴾ (التَّوْبَة: ٧٤) . قَالَ الْخطابِيّ: وَأكْثر مَا يَأْتِي ذَلِك فِي الشَّرّ، وَمِنْه الفئة الباغية من الْبَغي وَهُوَ الظُّلم وَأَصله الْحَسَد، وَالْبَغي الْفساد أَيْضا والاستطالة وَالْكبر، وَالْبَغي فِي الحَدِيث: الْفَاجِرَة، وَأَصله بغوي على وزن: فعول، بِمَعْنى فاعلة، اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَ: بغي، بِضَم الْغَيْن، فأبدلت الضمة كسرة لأجل الْيَاء، وَهُوَ صفة لمؤنث، فَلذَلِك جَاءَ بِغَيْر هَاء كَمَا يَجِيء إِذا كَانَت بِمَعْنى مفعول نَحْو: ركُوب وحلوب وَلَا يجوز أَن يكون بغي هُنَا على وزن: فعيل، إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك للزمته الْهَاء كامرأة حليمة وكريمة، وَيجمع الْبَغي على: بَغَايَا. قَوْله: (وحلوان الكاهن) ، الحلوان، بِضَم الْحَاء: الرِّشْوَة، وَهُوَ مَا يعْطى الكاهن وَيجْعَل لَهُ على كهانته، تَقول مِنْهُ: حلوت الرجل حلوانا إِذا حبوته بِشَيْء، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: قَالَ بَعضهم: أَصله من الْحَلَاوَة، شبه بالشَّيْء الحلو، يُقَال: حلوته إِذا أطعمته الحلو كَمَا يُقَال عسلته اذا اطعمته الْعَسَل. وَقَالَ أَبُو عبيد: والحلوان أَيْضا فِي غير هَذَا أَن يَأْخُذ الرجل من مهر ابْنَته لنَفسِهِ، وَهُوَ عيب عِنْد النِّسَاء، وَقَالَت امْرَأَة تمدح زَوجهَا: لَا تَأْخُذ الحلوان من بناتها وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لِابْنِ زرقون: وأصل الحلوان فِي اللُّغَة الْعَطِيَّة، قَالَ الشَّاعِر: (فَمن رجل أحلوه رحلي وناقتييبلِّغ عني الشّعْر إِذْ مَاتَ قَائِله) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: حلوت فلَانا على كَذَا مَالا وَأَنا أحلوه حلوا وحلوانا: إِذا وهبت لَهُ شَيْئا على شَيْء يَفْعَله لَك غير الْأُجْرَة، والحلوان أَيْضا أَن يَأْخُذ الرجل من مهر ابْنَته لنَفسِهِ شَيْئا كَمَا ذكرنَا. والكاهن الَّذِي يخبر بِالْغَيْبِ الْمُسْتَقْبل، والعراف الَّذِي يخبر بِمَا أُخْفِي، وَقد حصل فِي الْوُجُود، وَيجمع الكاهن على: كهنة وكهان، يُقَال: كهن يكهن كهَانَة، مثل: كتب يكْتب كِتَابَة، إِذا تكهن فَإِذا أردْت أَنه صَار كَاهِنًا قلت: كهن بِالضَّمِّ كهَانَة، بِالْفَتْح. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الكاهن الَّذِي يتعاطى الْخَبَر عَن الكائنات فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان، ويدَّعي معرفَة الْأَسْرَار، وَقد كَانَ فِي الْعَرَب كهنة: كشق وسطيح وَغَيرهمَا، فَمنهمْ من كَانَ يزْعم أَن لَهُ تَابعا من الْجِنّ ورئيا يلقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَار، وَمِنْهُم من كَانَ يزْعم أَنه يعرف الْأُمُور بمقدمات أَسبَاب يسْتَدلّ بهَا على مواقعها من كَلَام من يسْأَله أَو فعله أَو حَاله، وَهَذَا يخصونه باسم العراف، كَالَّذي يدعى معرفَة الشَّيْء الْمَسْرُوق وَمَكَان الضَّالة وَنَحْوهمَا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ ثَلَاثَة أَحْكَام: الأول: ثمن الْكَلْب، احْتج بِهِ جمَاعَة على أَنه لَا يجوز بيع الْكَلْب مُطلقًا، الْمعلم وَغَيره، وَمِمَّا يجوز اقتناؤه أَو لَا يجوز، وَأَنه لَا ثمن لَهُ، وَإِلَيْهِ ذهب الْحسن وَمُحَمّد بن سيريين وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَالْحكم وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، وَأهل الظَّاهِر، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك، وَقَالَ ابْن قدامَة: لَا يخْتَلف الْمَذْهَب فِي أَن بيع الْكَلْب بَاطِل على كل حَال. وَكره أَبُو هُرَيْرَة ثمن الْكَلْب، وَرخّص فِي ثمن كلب الصَّيْد خَاصَّة جَابر، وَبِه قَالَ عَطاء وَالنَّخَعِيّ. وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك، فَمنهمْ من قَالَ: لَا يجوز، وَمِنْهُم من قَالَ: الْكَلْب الْمَأْذُون فِي إِمْسَاكه يكره بَيْعه وَيصِح، وَلَا تجوز إِجَارَته، نَص عَلَيْهِ أَحْمد، وَهَذَا قَول بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَقَالَ بَعضهم: يجوز، وَقَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : أكره ثمن الْكَلْب الضاري وَغير الضاري لنَهْيه ﷺ عَن ثمن الْكَلْب، وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لِابْنِ زرقون: وَاخْتلف قَول مَالك فِي ثمن الْكَلْب الْمُبَاح اتِّخَاذه، فَأَجَازَهُ مرّة وَمنعه أُخْرَى، وبإجازته قَالَ

стр. 3473

ابْن كنَانَة وَأَبُو حنيفَة، وَقَالَ سَحْنُون: ويحج بِثمنِهِ، وروى عَنهُ ابْن الْقَاسِم أَنه كره بَيْعه، وَفِي (المزينة) كَانَ مَالك يَأْمر بِبيع الْكَلْب الضاري فِي الْمِيرَاث وَالدّين والمغارم، وَيكرهُ بَيْعه ابْتِدَاء، قَالَ يحيى بن إِبْرَاهِيم: قَوْله: فِي الْمِيرَاث، يَعْنِي: للْيَتِيم، وَأما لأهل الْمِيرَاث الْبَالِغين فَلَا يُبَاع إلَاّ فِي الدّين والمغارم، وَقَالَ أَشهب فِي (ديوانه) عَن مَالك: يفْسخ بيع الْكَلْب إلَاّ أَن يطول. وَحكى ابْن عبد الحكم: أَنه يفْسخ وَإِن طَال. وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَلَا يحل بيع كلب أصلا لَا كلب صيد وَلَا كلب مَاشِيَة وَلَا غَيرهمَا، فَإِن اضْطر إِلَيْهِ وَلم يجد من يُعْطِيهِ إِيَّاه فَلهُ ابتياعه، وَهُوَ حَلَال للْمُشْتَرِي حرَام على البَائِع، ينتزع مِنْهُ الثّمن مَتى قدر عَلَيْهِ كالرشوة فِي دفع الظُّلم وَفِدَاء الْأَسير ومصانعة الظَّالِم وَلَا فرق. ثمَّ إِن الشَّافِعِيَّة قَالُوا: من قتل كلب صيد أَو زرع وماشية لَا يلْزمه قِيمَته. قَالَ الشَّافِعِي: مَا لَا ثمن لَهُ لَا قيمَة لَهُ إِذا قتل، وَبِه قَالَ أَحْمد وَمن نحى إِلَى مَذْهَبهمَا، وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب بالأحاديث الَّتِي فِيهَا منع بيع الْكَلْب وَحُرْمَة ثمنه. وَخَالفهُم فِي ذَلِك جمَاعَة، وهم: عَطاء ابْن أبي رَبَاح، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَابْن كنَانَة وَسَحْنُون من الْمَالِكِيَّة، وَمَالك فِي رِوَايَة، فَقَالُوا: الْكلاب الَّتِي ينْتَفع بهَا يجوز بيعهَا وَيُبَاح أثمانها، وَعَن أبي حنيفَة: أَن الْكَلْب الْعَقُور لَا يجوز بَيْعه وَلَا يُبَاح ثمنه. وَفِي (الْبَدَائِع) : وَأما بيع ذِي نَاب من السبَاع سوى الْخِنْزِير كَالْكَلْبِ والفهد والأسد والنمر وَالذِّئْب والهر وَنَحْوهَا فَجَائِز عِنْد أَصْحَابنَا، ثمَّ عندنَا لَا فرق بَين الْمعلم وَغير الْمعلم فِي رِوَايَة الأَصْل: فَيجوز بَيْعه كَيفَ مَا كَانَ، وروى عَن أبي يُوسُف أَنه: لَا يجوز بيع الْكَلْب الْعَقُور، كَمَا روى عَن أبي حنيفَة فِيهِ، ثمَّ على أصلهم يجب قِيمَته على قَاتله، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن عُثْمَان ابْن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه أغرم رجلا ثمن كلب قَتله عشْرين بَعِيرًا، وَبِمَا رُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه قضى فِي كلب صيد قَتله رجل بِأَرْبَعِينَ درهما، وَقضى فِي كلب مَاشِيَة بكبش. وَقَالَ المخالفون لَهُم: أثر عُثْمَان مُنْقَطع وَضَعِيف. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ثمَّ الثَّابِت عَن عُثْمَان بِخِلَافِهِ، فَإِنَّهُ خطب فَأمر بقتل الْكلاب. قَالَ الشَّافِعِي: فَكيف يَأْمر بقتل مَا يغرم من قَتله قِيمَته؟ وَأثر عبد الله بن عَمْرو لَهُ طَرِيقَانِ: أَحدهمَا مُنْقَطع، وَالْآخر فِيهِ من لَيْسَ بِمَعْرُوف وَلَا يُتَابع عَلَيْهِمَا، كَمَا قَالَه البُخَارِيّ، وَقد روى عبد الله بن عَمْرو النَّهْي عَن ثمن الْكَلْب، فَلَو ثَبت عَنهُ الْقَضَاء بِقِيمَتِه لكَانَتْ الْعبْرَة بروايته لَا بِقَضَائِهِ على الصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ. انْتهى. قلت: الْجَواب عَن هَذَا كُله: أما قَول الْبَيْهَقِيّ: ثمَّ الثَّابِت عَن عُثْمَان بِخِلَافِهِ، فَإِنَّهُ حكى عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: أَخْبرنِي الثِّقَة عَن يُونُس عَن الْحسن: سَمِعت عُثْمَان يخْطب وَهُوَ يَأْمر بقتل الْكلاب، فَلَا يُكتفى بقوله: أَخْبرنِي الثِّقَة، فقد يكون مجروحا عِنْد غَيره، لَا سِيمَا وَالشَّافِعِيّ كثيرا مَا يَعْنِي بذلك ابْن أبي يحيى أَو الزنْجِي، وهما ضعيفان. وَكَيف يَأْمر عُثْمَان بقتل الْكلاب وَآخر الْأَمريْنِ من النَّبِي ﷺ النَّهْي عَن قَتلهَا إلَاّ الْأسود مِنْهَا؟ فَإِن صَحَّ أمره بقتلها فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي وَقت لمفسدة طرأت فِي زَمَانه. قَالَ صَاحب (التَّمْهِيد) : ظهر بِالْمَدِينَةِ اللّعب بالحمام والمهارشة بَين الْكلاب، فَأمر عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بقتل الْكلاب وَذبح الْحمام. قَالَ الْحسن: سَمِعت عُثْمَان غير مرّة يَقُول فِي خطبَته: اقْتُلُوا الْكلاب واذبحوا الْحمام، فَظهر من هَذَا أَنه لَا يلْزم من الْأَمر بقتلها فِي وَقت لمصْلحَة أَن لَا يضمن قاتلها فِي وَقت آخر، كَمَا أَمر بِذبح الْحمام، وَأما قَول الْبَيْهَقِيّ: أثر عُثْمَان مُنْقَطع، وَقد رُوِيَ من وَجه آخر مُنْقَطع عَن يحيى الْأنْصَارِيّ عَن عُثْمَان، فَنَقُول: مَذْهَب الشَّافِعِي أَن الْمُرْسل إِذا رُوِيَ مُرْسلا من وَجه آخر صَار حجَّة وتأيد أَيْضا بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بعدُ عَن عبد الله بن عَمْرو، وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا أَيْضا. وَأما قَوْله: وَالْآخر فِيهِ من لَيْسَ بِمَعْرُوف فَلَا يُتَابع عَلَيْهِ كَمَا قَالَه البُخَارِيّ فَهُوَ إِسْمَاعِيل بن خشَاش الرَّاوِي عَن عبد الله بن عمر، وَقد ذكر ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) : وَكَيف يَقُول: البُخَارِيّ لم يُتَابع عَلَيْهِ؟ وَقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِيمَا بعد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن عبد الله بن عَمْرو، وَذكر ابْن عدي فِي (الْكَامِل) كَلَام البُخَارِيّ، ثمَّ قَالَ: لم أجد لما قَالَه البُخَارِيّ فِيهِ أثرا فأذكره، وَأما قَوْله: فَالْعِبْرَة لروايته لَا بِقَضَائِهِ، غير مُسلم، لِأَن هَذَا الَّذِي قَالَه يُؤَدِّي إِلَى مُخَالفَة الصَّحَابِيّ لرَسُول الله ﷺ فِيمَا روى عَنهُ، وَلَا نظن ذَلِك فِي حق الصَّحَابِيّ، بل الْعبْرَة لقضائه، لِأَنَّهُ لم يقْض بِخِلَاف مَا رَوَاهُ إلَاّ بعد أَن ثَبت عِنْده انتساخ مَا رَوَاهُ. وَهَكَذَا أجَاب الطَّحَاوِيّ عَن الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا النَّهْي عَن ثمن الْكَلْب وَأَنه سحت، فَقَالَ: إِن هَذَا إِنَّمَا كَانَ حِين كَانَ حكم الْكلاب أَن تقتل وَلَا يحل إمْسَاك شَيْء مِنْهَا وَلَا الِانْتِفَاع بهَا، وَلَا شكّ أَن

стр. 3474

مَا حرم الِانْتِفَاع بِهِ كَانَ ثمنه حَرَامًا، فَلَمَّا أَبَاحَ رَسُول الله، ﷺ ، الِانْتِفَاع بهَا للاصطياد وَنَحْوه مَا نهى عَن قَتلهَا نسخ مَا كَانَ من النَّهْي عَن بيعهَا وَتَنَاول ثمنهَا. فَإِن قلت: مَا وَجه هَذَا النّسخ؟ قلت: وَجهه ظَاهر، وَهُوَ أَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة، فَلَمَّا ورد النَّهْي عَن اتِّخَاذ الْكلاب وَورد الْأَمر بقتلها علمنَا أَن اتخاذها حرَام، وَأَن بيعهَا حرَام أَيْضا، لِأَن مَا كَانَ انتفاعه حَرَامًا قِيمَته حرَام كالخنزير وَنَحْوه، ثمَّ لما وَردت الْإِبَاحَة بِالِانْتِفَاعِ بهَا للاصطياد وَنَحْوه، وَورد النَّهْي عَن قَتلهَا، علمنَا أَن مَا كَانَ قبل ذَلِك من الْحكمَيْنِ الْمَذْكُورين قدانتسخ بِمَا ورد بعده، وَلَا شكّ أَن الْإِبَاحَة بعد التَّحْرِيم نسخ لذَلِك التَّحْرِيم وَرفع لحكمه، وَسَيَأْتِي زِيَادَة بَيَان فِي الْمُزَارعَة وَغَيرهَا. فَإِن قلت: مَا حكم السنور؟ قلت: روى الطَّحَاوِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سُفْيَان عَن جَابر: قَالَ: نهى النَّبِي ﷺ عَن ثمن الْكَلْب والسنور، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث فِي إِسْنَاده اضْطِرَاب، ثمَّ روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر، قَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن أكل الهر وثمنه، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. وروى مُسلم من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر، قَالَ: سَأَلت جَابِرا عَن ثمن الْكَلْب والسنور؟ فَقَالَ: زجر النَّبِي، ﷺ ، عَن ذَلِك. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَلَفظه: نهى عَن الْكَلْب والسنور، إلَاّ كلب صيد. وَقَالَ النَّسَائِيّ بعد تَخْرِيجه: هَذَا حَدِيث مُنكر. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز بيع الهر، فَذهب قوم إِلَى جَوَاز بَيْعه وَحل ثمنه، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالْحكم وَحَمَّاد وَمَالك وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وروينا عَن ابْن عَبَّاس أَنه رخص فِي بَيْعه. قَالَ وكرهت طَائِفَة بَيْعه، روينَا ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة وطاووس وَمُجاهد، وَبِه قَالَ جَابر بن زيد، وَأجَاب الْقَائِلُونَ بِجَوَاز بَيْعه عَن الحَدِيث بأجوبه: أَحدهَا: أَن الحَدِيث ضَعِيف وَهُوَ مَرْدُود. وَالثَّانِي: حمل الحَدِيث على الهر إِذا توحش فَلم يقدر على تَسْلِيمه، حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن) عَن بعض أهل الْعلم. وَالثَّالِث: مَا حَكَاهُ البييهقي عَن بَعضهم أَنه: كَانَ ذَلِك فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين كَانَ مَحْكُومًا بِنَجَاسَتِهِ، ثمَّ لما حكم بِطَهَارَة سؤره حل ثمنه. وَالرَّابِع: أَن النَّهْي مَحْمُول على التَّنْزِيه لَا على التَّحْرِيم، وَلَفظ مُسلم: زجر، يشْعر بتَخْفِيف النَّهْي، فَلَيْسَ على التَّحْرِيم بل على التَّنْزِيه، وَعكس ابْن حزم هَذَا، فَقَالَ: الزّجر أَشد النَّهْي وَفِي كل مِنْهُمَا نظر لَا يخفى. وَالْخَامِس: مَا حَكَاهُ ابْن حزم عَن بَعضهم أَنه يُعَارضهُ مَا روى أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس عَن النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنه أَبَاحَ ثمن الهر، ثمَّ رده بِكَلَام طَوِيل. وَالسَّادِس: مَا حَكَاهُ أَيْضا ابْن حزم عَن بَعضهم أَنه: لما صَحَّ الْإِجْمَاع على وجوب الهر وَالْكَلب الْمُبَاح اتِّخَاذه فِي الْمِيرَاث وَالْوَصِيَّة وَالْملك جَازَ بيعيهما، ثمَّ رده أَيْضا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْجَوَاب الْمُعْتَمد أَنه مَحْمُول على مَا لَا نفع فِيهِ، أَو: على أَنه نهي تَنْزِيه حَتَّى يعْتَاد النَّاس هِبته وإعارته. وَالْحكم الثَّانِي: مهر الْبَغي: وَهُوَ مَا يعْطى على النِّكَاح الْمحرم فَإِذا كَانَ محرما وَلم يستبح بِعقد صَارَت الْمُعَاوضَة عَلَيْهِ لَا تحل، لِأَنَّهُ ثمن عَن محرم، وَقد حرم الله الزِّنَا، وَهَذَا مجمع على تَحْرِيمه لَا خلاف فِيهِ بن الْمُسلمين. وَالْحكم الثَّالِث: حلوان الكاهن: وَهُوَ حرَام لِأَنَّهُ ﷺ نهى عَن إتْيَان الْكُهَّان، مَعَ أَن مَا يأْتونَ بِهِ بَاطِل وحله كذب، قَالَ تَعَالَى: ﴿تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السّمع وَأَكْثَرهم كاذبون﴾ (الشُّعَرَاء: ٢٢٢) . وَأخذ الْعِوَض على مثل هَذَا، وَلَو لم يكن مَنْهِيّا عَنهُ من أكل المَال بِالْبَاطِلِ، وَلِأَن الكاهن يَقُول مَا لَا ينْتَفع بِهِ، ويعان بِمَا يعطاه على مَا لَا يحل. ٨٣٢٢ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي عَوْنُ بنُ أبِي جُحَيْفَةَ قَالَ رأيتُ أبي اشْتَرَى حَجَّاما فأمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِّرَتْ فسَألْتُهُ عنْ ذَلِكَ فقالَ إنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عنْ ثَمَنِ الدَّمِ وثَمَنِ الْكَلْبِ وكسْبِ الأمَةِ ولَعَنَ الوَاشِمَةَ والْمُسْتَوْشِمةَ وآكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ ولَعَنَ المُصَوِّرَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ثمن الْكَلْب، والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب مُوكل الرِّبَا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة، وَهنا: عَن حجاج بن منهال السّلمِيّ مَوْلَاهُم الْأنمَاطِي الْبَصْرِيّ عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره، نَحوه، غير أَن فِيهِ: عَن ثمن الْكَلْب وَثمن الدَّم، وَفِيه أَيْضا: اشْترى عبدا حجاما، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. بِسم الله الرَّحِيم

стр. 3475

٥٣ - (كتابُ السَّلَمِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام السّلم، وَالسّلم، بِفتْحَتَيْنِ: بيع على مَوْصُوف فِي الذِّمَّة بِبَدَل يعْطى عَاجلا، وَسمي سلما لتسليم رَأس المَال فِي الْمجْلس، وسلفا لتقديم رَأس المَال، وَالسّلم وَالسَّلَف كِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد، وَوزن وَاحِد، وَقيل: السّلف لُغَة أهل الْعرَاق، وَالسّلم لُغَة: أهل الْحجاز، وَقيل: السّلف بِتَقْدِيم رَأس المَال وَالسّلم تَسْلِيمه فِي الْمجْلس فالسلف أَعم، وقييل: السّلم وَالسَّلَف والتسليف عبارَة عَن معنى وَاحِد غير أَن الِاسْم الْخَاص بِهَذَا الْبَاب السّلم لِأَن السّلف يُقَال على الْقَرْض وَالسّلم فِي الشَّرْع بيع من الْبيُوع الْجَائِزَة بالِاتِّفَاقِ، وَاتفقَ الْعلمَاء على مشروعيته إلَاّ مَا حكى عَن ابْن الْمسيب. وَفِي (التَّلْوِيح) : وكرهت طَائِفَة السّلم روى عَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود أَنه كَانَ يكره السّلم. ١ - (بابُ السَّلَمِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السّلم فِي كيل مَعْلُوم فِيمَا يُكَال، كَذَا وَقع هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَوَقعت الْبَسْمَلَة عِنْده مُقَدّمَة، وَوَقعت فِي رِوَايَة الْكشميهني بَين الْكتاب وَالْبَاب، وَلم يَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لفظ: كتاب السّلم، وَإِنَّمَا وَقع عِنْده لفظ الْبَاب، وَوَقعت الْبَسْمَلَة بعده. ٩٣٢٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ زُرَارَةَ قَالَ أخبرنَا إسْماعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ قَالَ أخبرنَا أبي ابنُ نَجِيحٍ عنْ عبْدِ الله بنِ كَثِيرٍ عنْ أبِي المِنْهَالِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المَدِينَةَ والنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ العامَ والعامَينِ أَو قَالَ عامَيْنِ أوْ ثلاثَةً شَكَّ إسْمَاعِيلُ فَقَالَ منْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ فلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوزْنٍ مَعْلُومٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن زُرَارَة، بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الراءين بَينهمَا ألف وَفِي آخِره هَاء: ابْن وَاقد، أَبُو مُحَمَّد، مر فِي ستْرَة الصَّلَاة. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين وَفتح اللَّام الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم الْأَسدي، وَعَلِيهِ اسْم أمه مولاة لبني أَسد. الثَّالِث: عبد الله بن أبي نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: واسْمه يسَار، ضد الْيَمين. الرَّابِع: عبد الله بن كثير ضد قَلِيل المقريء، أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة، وَبِه جزم الْقَابِسِيّ وَعبد الْغَنِيّ والمزي، وَقَالَ الكلاباذي وَابْن طَاهِر الدمياطي: هُوَ عبد الله بن كثير بن الْمطلب ابْن أبي ودَاعَة السَّهْمِي، كِلَاهُمَا ثِقَة. الْخَامِس: أَبُو الْمنْهَال، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون: عبد الرَّحْمَن بن مطعم الْكُوفِي، وَلَا يشْتَبه عَلَيْك بِأبي الْمنْهَال سيار الْبَصْرِيّ. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه نيسابوري وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وَأَن إِسْمَاعِيل بَصرِي وَابْن أبي نجيح وَعبد الله بن كثير، سَوَاء كَانَ هُوَ المقرىء أَو ابْن الْمطلب، مكيون، وَعبد الله بن كثير بن الْمطلب لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَذكر لَهُ مُسلم حَدِيثا آخر فِي الْجَنَائِز رَوَاهُ عَنهُ ابْن جريج، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لعبد الله بن كثير المقرىء غير هَذَا الحَدِيث، وَلَيْسَ لأحد من الْقُرَّاء السَّبْعَة رِوَايَة إلَاّ لهَذَا وَلابْن أبي النجُود فِي الْمُبَايعَة، وَوَقع فِي (الْمُدَوَّنَة) : عبد الله بن أبي كثير، وَهُوَ غلط وَصَوَابه حذف: أبي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي السّلم عَن مُحَمَّد وَعَن صَدَقَة بن الْفضل وَعلي بن عبد الله وقتيبة، فرقهم ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن أبي نعيم، وَقَالَ عبد الله بن الْوَلِيد: كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى وَعَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ، وَعَن أبي بكر بن أبي

стр. 3476

شيبَة وَإِسْمَاعِيل بن سَالم، كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ وَعَن أبي كريب وَابْن أبي عمر كِلَاهُمَا عَن وَكِيع وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، كِلَاهُمَا عَن الثَّوْريّ بِهِ وَعَن شَيبَان بن فروخ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن النفلي، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الشُّرُوط عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن هِشَام ابْن عمار، أربعتهم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَالنَّاس يسلفون) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، و: يسلفون، بِضَم الْيَاء من أسلف. قَوْله: (الْعَام) ، بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (شكّ إِسْمَاعِيل) ، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن علية وَلم يشك سُفْيَان، فَقَالَ: وهم يسلفون فِي التَّمْر السنتين وَالثَّلَاث، وَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَقَالَ بَعضهم: وَقَوله: السنتين، مَنْصُوب إِمَّا على نزع الْخَافِض أَو على الْمصدر. قلت: هَذَا غلط لَا يخفى، وَمن مس شَيْئا مَا من الْعَرَبيَّة لَا يَقُول هَذَا، وَلَكِن لَو بيّن وَجهه لَكَانَ لَهُ وَجه، وَهُوَ أَن يُقَال: التَّقْدِير فِي وَجه نزع الْخَافِض إِلَى السّنة وَالتَّقْدِير فِي، وَجه النصب على الْمصدر أَن يُقَال: إسلاف السّنة، فالإسلاف مصدر مَنْصُوب، فَلَمَّا حذف قَامَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه. فَافْهَم. قَوْله: (من سلف فِي تمر) ، بتَشْديد اللَّام فِي رِوَايَة ابْن علية وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: من أسلف فِي شَيْء وَهَذِه أشمل. قَوْله: (فِي تمر) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، ويروى: بالثاء الْمُثَلَّثَة. قَوْله: (وَوزن) ، الْوَاو بِمَعْنى: أَو، أَي: أَو فِي وزن مَعْلُوم، وَالْمرَاد اعْتِبَار الْكَيْل فِيمَا يُكَال وَاعْتِبَار الْوَزْن فِيمَا يُوزن. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: اشْتِرَاط تعْيين الْكَيْل فِيمَا يسلم فِيهِ من المكيلات، وَاشْتِرَاط الْوَزْن فِيمَا يُوزن من الموزونات لاخْتِلَاف المكاييل والموزونات، إلَاّ أَن يكون فِي بلد لَيْسَ فِيهِ إلَاّ كيل وَاحِد وَوزن وَاحِد فَإِنَّهُ ينْصَرف إِلَيْهِ عِنْد الْإِطْلَاق، وَلَا خلاف فِي اشْتِرَاط تعْيين الْكَيْل فِيمَا يسلم فِيهِ من الْمكيل، كصاع الْحجاز وقفيز الْعرَاق وإردب مصر، بل مكاييل هَذِه الْبِلَاد فِي أَنْفسهَا مُخْتَلفَة، فَلَا بُد من التعين. وَعَن هَذَا قَالَ ابْن حزم: لَا يجوز السّلم إلَاّ فِي مَكِيل أَو مَوْزُون فَقَط، وَلَا يجوز فِي مذروع وَلَا فِي مَعْدُود وَلَا شَيْء غير مَا ذكر فِي النَّص، وَكَأَنَّهُ قصر السّلم على مَا ذكر فِي الحَدِيث، وَلَيْسَ كَذَلِك بل السّلم يجوز فِيمَا لَا يُكَال وَلَا يوزون، وَلَكِن لَا بُد فِيهِ من صفة الشَّيْء الْمُسلم فِيهِ وَيدخل فِي قَوْله: كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم، إِذْ الْعلم بهما يستلزمه. وَالْأَصْل فِيهِ عندنَا: أَن كل شَيْء يُمكن ضبط صفته وَمَعْرِفَة مِقْدَاره جَازَ السّلم فِيهِ، كمكيل وموزن ومذروع ومعدود مُتَقَارب: كالجوز وَالْبيض، وَعند زفر: لَا يجوز فِي الْمَعْدُود عِنْد تفَاوت آحاده، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يَصح إلَاّ وزنا وَفِي (الرَّوْضَة) : وَيجوز السّلم فِي الْجَوْز واللوز وزنا إِذا لم تخْتَلف قشوره غَالِبا، وَيجوز كَيْلا على الْأَصَح، وَكَذَا الفستق والبندق، وَأما الْبِطِّيخ والقثاء والبقول والسفرجل وَالرُّمَّان والباذنجان والنارنج وَالْبيض فَالْمُعْتَبر فِيهَا الْوَزْن. انْتهى. وَبِه قَالَ أَحْمد. وَفِي (حاوي) الْحَنَابِلَة، وَلَا يسلم فِي مَعْدُود مُخْتَلف من حَيَوَان وَغَيره، وَعنهُ: يَصح وزنا فِي غير الْحَيَوَان كالفلوس إِن جَازَ السّلم فِيهَا، وَعنهُ عددا، وَقيل: فِي المتقارب كجوز وبيض عددا، وَفِي المتفاوت كفاكهة وبقل وزنا. انْتهى. وَمذهب مَالك مَا ذكره فِي (الْجَوَاهِر) ؛ وَيَكْفِي الْعدَد فِي المعدودات وَلَا يفْتَقر إِلَى الْوَزْن إلَاّ أَن يتَفَاوَت آحاده تَفَاوتا يَقْتَضِي اخْتِلَاف أثمانها، فَلَا يَكْفِي فِيهَا حِينَئِذٍ مُجَرّد الْعدَد والمعدود كالبيض والباذنجان وَالرُّمَّان، وَكَذَا الْجَوْز واللوز إِن جرت عَادَة بَيْعه بِالْعدَدِ، وَكَذَا اللَّبن وَكَذَا الْبِطِّيخ إِذا كَانَ متفاوتا غير بَين التَّفَاوُت، وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا يشبه مَا ذكرنَا. انْتهى. وَأما الْفُلُوس فَيجوز السّلم فِيهَا عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف. وَقَالَ مُحَمَّد: لَا يجوز، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة، وَعَن أَحْمد: يجوز وزنا، وَعنهُ عددا وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ فِي سلم الْفُلُوس. وَأما السّلم فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَإِن أسلم فيهمَا قيل: يكون بَاطِلا، وَقيل: ينْعَقد بيعا بِثمن مُؤَجل، مَعْنَاهُ إِذا أسلم فِي الدَّرَاهِم ثوبا مثلا، وَالْأول أصح. وَعند الشَّافِعِي القَوْل الثَّانِي هُوَ الْأَصَح. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اتّفق أَصْحَابنَا على أَنه لَا يجوز إِسْلَام الدَّرَاهِم فِي الدَّنَانِير وَلَا عَكسه سلما مُؤَجّلا. وَفِي الْحَال وَجْهَان: الْأَصَح الْمَنْصُوص فِي (الْأُم) أَنه لَا يَصح، وَالثَّانِي: يَصح بِشَرْط قبضهَا فِي الْمجْلس. حدَّثنا محَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا إسْمَاعِيلُ عنِ ابنِ نَجيحٍ بِهاذا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ اخْتلف فِي مُحَمَّد هَذَا من هُوَ؟ قَالَ أَبُو عَليّ الجياني: لم ينْسب مُحَمَّدًا هَذَا أحد من الروَاة، قَالَ: وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنه

стр. 3477

مُحَمَّد بن سَلام، وَبِه جزم الكلاباذي، وَأَن ابْن سَلام روى عَن إِسْمَاعِيل بن علية. قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور. ٢ - (بابُ السَّلَمِ فِي وَزْنٍ مَعْلُومٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السّلم حَال كَونه فِي وزن مَعْلُوم، وَكَأَنَّهُ قصد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة التَّنْبِيه على أَن مَا يُوزن لَا يسلم فِيهِ كَيْلا وَبِالْعَكْسِ، وَهُوَ أحد الْوَجْهَيْنِ عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَالأَصَح الْجَوَاز. ٠٤٢٢ - حدَّثنا صدَقَةُ قَالَ أخبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ قَالَ أخبرنَا ابنُ أبي نَجِيحٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ كَثيرٍ عنْ أبِي المِنْهَالِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ النبيُّ ﷺ المَدِينَةَ وهُمْ يُسْلِفونَ بالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ والثَّلاثَ فقالَ مَنْ أسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَوزن مَعْلُوم) ، وَهَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِيهِ رِوَايَته عَن صَدَقَة بن الْفضل الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن عبد الله بن كثير عَن أبي الْمنْهَال عبد الرَّحْمَن عَن ابْن عَبَّاس، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى. وَفِيه زِيَادَة وَهِي قَوْله: إِلَى أجل مَعْلُوم، وَهَذَا يدل على أَن السّلم الْحَال لَا يجوز، وَعند الشافعيي: يجوز كالمؤجل، فَإِن صرح بحلول أَو تَأْجِيل فَذَاك، وَإِن أطلق فَوَجْهَانِ، وَقيل: قَولَانِ أصَحهمَا عِنْد الْجُمْهُور يَصح وَيكون حَالا، وَالثَّانِي: لَا ينْعَقد وَلَو صرحا الْأَجَل فِي نفس العقد ثمَّ أسقطاه فِي الْمجْلس سقط، وَصَارَ العقد حَالا. وَقَوله: (إِلَى أجل) ، من جملَة شُرُوط صِحَة السّلم، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي وَمن مَعَه فِي عدم اشْتِرَاط الْأَجَل، وَهُوَ مُخَالفَة للنَّص الصَّرِيح، وَالْعجب من الْكرْمَانِي حَيْثُ يَقُول: لَيْسَ ذكر الْأَجَل فِي الحَدِيث لاشْتِرَاط الْأَجَل لصِحَّة السّلم الْحَال، لِأَنَّهُ إِذا جَازَ مُؤَجّلا مَعَ الْغرَر فجواز الْحَال أولى لِأَنَّهُ أبعد من الْغرَر، بل مَعْنَاهُ: أَن كَانَ أجل فَلْيَكُن مَعْلُوما، كَمَا أَن الْكَيْل لَيْسَ بِشَرْط وَلَا الْوَزْن، بل يجوز فِي الثِّيَاب بالذرع، وَإِنَّمَا ذكر الْكَيْل أَو الْوَزْن بِمَعْنى أَنه: إِن أسلم فِي مَكِيل أَو مَوْزُون فليكونا معلومين. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام مُخَالف لقَوْله ﷺ : (إِلَى أجل مَعْلُوم) ، لِأَن مَعْنَاهُ فليسلم فِيمَا جَازَ السّلم فِيهِ إِلَى أجل مَعْلُوم، وَهَذَا قيد، والقيد شَرط، وَكَلَامه هَذَا يُؤَدِّي إِلَى إِلْغَاء مَا قَيده الشَّارِع من الْأَجَل الْمَعْلُوم، فَكيف يَقُول: مَعَ الْغرَر، وَلَا غرر هَهُنَا أصلا؟ لِأَن الْأَجَل إِذا كَانَ مَعْلُوما فَمن أَيْن يَأْتِي الْغرَر؟ وَالْمَذْكُور الْأَجَل الْمَعْلُوم، والمعلوم صفة الْأَجَل، فَكيف يشْتَرط قيد الصّفة وَلَا يشْتَرط قيد الْمَوْصُوف؟ وَقَوله: كَمَا أَن الْكَيْل لَيْسَ بِشَرْط وَلَا الْوَزْن! قُلْنَا: مَعْنَاهُ أَن الْمُسلم فِيهِ لَا يشْتَرط أَن يكون من المكيلات خَاصَّة وَلَا من الموزونات خَاصَّة، كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن حزم بِظَاهِر الحَدِيث، يَعْنِي: لَا ينْحَصر السّلم فيهمَا، بل مَعْنَاهُ أَن الْمُسلم فِيهِ إِذا كَانَ من المكيلات لَا بُد من إِعْلَام قدر رَأس الْمُسلم فِيهِ، وَذَلِكَ لَا يكون إلَاّ بِالْكَيْلِ فِي المكيلات وَالْوَزْن فِي الموزونات، وَكَون الْكَيْل مَعْلُوما شَرط، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن السّلم فِيمَا لَا يُكَال غير صَحِيح حَتَّى يُقَال: بل يجوز فِي الثِّيَاب بالذرع وَفِي الثِّيَاب أَيْضا لَا يجوز إلَاّ إِذا كَانَ ذرعها مَعْلُوما وصفتها مَعْلُومَة وضبطها مُمكنا. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْمَقْصُود مِنْهُ أَن يخرج الْمُسلم فِيهِ من حد الْجَهَالَة. حَتَّى إِن أسلف فِيمَا أَصله الْكَيْل بِالْوَزْنِ جَازَ. قلت: قد ذكرنَا أَنه لَا يجوز فِي أحد الْوَجْهَيْنِ عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَلَا يَنْبَغِي أَن يُورد الْكَلَام على الْإِطْلَاق، ثمَّ إِنَّهُم اخْتلفُوا فِي حد الْأَجَل، فَقَالَ ابْن حزم: الْأَجَل سَاعَة فَمَا فَوْقهَا، وَعند بعض أَصْحَابنَا لَا يكون أقل من نصف يَوْم، وَعند بَعضهم لَا يكون أقل من ثَلَاثَة أَيَّام، وَقَالَت الْمَالِكِيَّة: يكره أقل من يَوْمَيْنِ وَقَالَ اللَّيْث: خَمْسَة عشر يَوْمًا. حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ قَالَ حدَّثني ابنُ أبِي نَجِيحٍ وَقَالَ فَلْيُسْلِف فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِين عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة إِلَى آخِره، وَفِيه نبه أَيْضا على اشْتِرَاط الْأَجَل، وَهُوَ أَيْضا حجَّة على من لم يَشْتَرِطه.

стр. 3478

١٤٢٢ - حدَّثنا قتَيْبَةُ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ كَثيرٍ عنْ أبي المنْهال قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ قَدِمَ النبيُّ ﷺ وقَال فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلومٍ إلِى أجلٍ معْلُومٍ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة إِلَى آخِره، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت أخرج هَذَا الحَدِيث من أَربع طرق: الأول عَن عَمْرو بن زُرَارَة أخرجه فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَالثَّلَاثَة فِي هَذَا الْبَاب عَن صَدَقَة وَعلي وقتيبة، وَذكر الْأَجَل فِي هَذِه الثَّلَاثَة المفرقة عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. ٤ - (حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن ابْن أبي المجالد ح وَحدثنَا يحيى قَالَ حَدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن أبي المجالد) أَبُو الْوَلِيد هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ وَيحيى هُوَ ابْن معِين أَبُو زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي يُقَال لَهُ خت أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده وَمُحَمّد بن أبي المجالد الْكُوفِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ سمع عبد الله بن أبي أوفى وَعبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى روى عَنهُ أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ وَشعْبَة إِلَّا أَنه قَالَ مرّة مُحَمَّد بن أبي المجالد وَمرَّة مُحَمَّد أَو عبد الله مترددا فِي اسْمه وَلِهَذَا بهم البُخَارِيّ أَولا حَيْثُ قَالَ ابْن أبي المجالد وَبَقِيَّة هَذَا السَّنَد فِي السَّنَد الَّذِي يَأْتِي وَهُوَ قَوْله حَدثنَا حَفْص إِلَى آخِره والمجالد من الْأَعْلَام الَّتِي تسْتَعْمل بلام التَّعْرِيف وَقد يتْرك (حَدثنَا حَفْص بن عمر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد أَو عبد الله بن أبي المجالد قَالَ اخْتلف عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد وَأَبُو بردة فِي السّلف فبعثوني إِلَى ابْن أوفى ﵁ فَسَأَلته فَقَالَ إِنَّا كُنَّا نُسلف على عهد رَسُول الله ﷺ َ - وَأبي بكر وَعمر فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب وَالتَّمْر وَسَأَلت ابْن أَبْزَى فَقَالَ مثل ذَلِك) قيل لَيْسَ لإيراد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب وَجه لِأَن الْبَاب فِي السّلم فِي وزن مَعْلُوم وَلَيْسَ فِي الحَدِيث شَيْء يدل على مَا يُوزن وَأجِيب بِأَنَّهُ جَاءَ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث على مَا يَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظ فيسلفهم فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّيْت وَهُوَ من جنس مَا يُوزن فَكَأَن وَجه إِيرَاده فِي هَذَا الْبَاب الْإِشَارَة إِلَيْهِ (ذكر رِجَاله) وهم سَبْعَة. الأول حَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو عمر الحوضي النمري الْأَزْدِيّ. الثَّانِي شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث هُوَ ابْن أبي المجالد الَّذِي أبهمه أَبُو الْوَلِيد عَن شُعْبَة وَهنا تردد فِيهِ شُعْبَة بَين مُحَمَّد بن أبي المجالد وَبَين عبد الله ابْن أبي المجالد وَذكر البُخَارِيّ فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات الأولى عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن ابْن أبي المجالد وَالثَّانيَِة عَن حَفْص ابْن عمر عَن شُعْبَة بالتردد بَين مُحَمَّد وَعبد الله وَالثَّالِثَة ذكرهَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن الشَّيْبَانِيّ عَن مُحَمَّد بن أبي المجالد وَجزم أَبُو دَاوُد بِأَن اسْمه عبد الله وَكَذَا قَالَ ابْن حبَان وَوَصفه بِأَنَّهُ كَانَ صهر مُجَاهِد وَبِأَنَّهُ كُوفِي ثِقَة وَكَانَ مولى عبد الله بن أبي أوفى. الرَّابِع عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد وَقد مر فِي الْحيض. الْخَامِس أَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْفَقِيه قَاضِي الْكُوفَة واسْمه عَامر. السَّادِس عبد الله بن أبي أوفى واسْمه عَلْقَمَة أَبُو إِبْرَاهِيم وَقيل أَبُو مُحَمَّد وَقيل غير ذَلِك أَخُو زيد بن أبي أوفى لَهما ولأبيهما صُحْبَة. السَّابِع عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الزَّاي مَقْصُورَة (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه السُّؤَال فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه بَصرِي وَأَنه من أَفْرَاده وَشعْبَة واسطي وَعبد الله بن شَدَّاد مدنِي يَأْتِي إِلَى الْكُوفَة وَأَبُو بردة كُوفِي وَكَذَلِكَ ابْن أبي مجَالد كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفِيه اثْنَان من الصَّحَابَة أَحدهمَا ابْن أبي أوفى

стр. 3479

وَالْآخر ابْن أَبْزَى وَقَالَ بَعضهم عبد الله بن شَدَّاد من صغَار الصَّحَابَة قلت لم أر أحدا ذكره من الصَّحَابَة وَذكره الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي كتاب تَجْرِيد الصَّحَابَة وَقَالَ عبد الله بن شَدَّاد بن أُسَامَة بن الْهَاد الْكِنَانِي اللَّيْثِيّ العتواري من قدماء التَّابِعين وَقَالَ الْخَطِيب هُوَ من كبار التَّابِعين وَقَالَ ابْن سعد كَانَ عثمانيا ثِقَة فِي الحَدِيث وَفِيه أَن ابْن أبي المجالد لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ عَن أبي الْوَلِيد وَعَن يحيى عَن وَكِيع وَعَن حَفْص بن عمر وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن اسحق بن خَالِد وَعَن قُتَيْبَة عَن جرير وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْبيُوع عَن حَفْص بن عمر وَمُحَمّد بن كثير وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن عبد الله بن سعيد وَعَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه ابْن ماجة فِي التِّجَارَات عَن مُحَمَّد بن بشار بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " فِي السّلف " أَي فِي السّلم يَعْنِي هَل يجوز السّلم إِلَى من لَيْسَ عِنْده الْمُسلم فِيهِ فِي تِلْكَ الْحَالة أم لَا قَوْله " فبعثوني " هُوَ مقول ابْن أبي المجالد وَإِنَّمَا جمع إِمَّا بِاعْتِبَار أَن أقل الْجمع اثْنَان أَو باعتبارهما وَمن مَعَهُمَا قَوْله " فَقَالَ " أَي ابْن أبي أوفى قَوْله " على عهد رَسُول الله ﷺ َ - " أَي فِي زَمَنه وَأَيَّام حَيَاته قَوْله " وَأبي بكر " أَي وعَلى عهد أبي بكر وَعمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا الخليفتين من بعده ﷺ َ - قَوْله " فِي الْحِنْطَة " ذكر أَرْبَعَة أَشْيَاء كلهَا من المكيلات وَيُقَاس عَلَيْهَا سَائِر مَا يدْخل تَحت الْكَيْل قَوْله " فَقَالَ مثل ذَلِك " أَي فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى مثل مَا قَالَ عبد الله بن أبي أوفى. وَفِيه مَشْرُوعِيَّة السّلم وَالسُّؤَال عَن أهل الْعلم فِي حَادِثَة تحدث. وَفِيه جَوَاز المباحثة فِي الْمَسْأَلَة طلبا للصَّوَاب وَإِلَى الله الْمرجع والمآب - ٣ - (بابُ السَّلَمِ إلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ أصْلٌ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السّلم إِلَى من لَيْسَ عِنْده مِمَّا أسلف فِيهِ أصل. وَقيل: المُرَاد بِالْأَصْلِ أصل الشَّيْء الَّذِي يسلم فِيهِ، فَأصل الْحبّ الزَّرْع، وأصل الثِّمَار الأشحار، وَقَالَ بَعضهم: الْغَرَض من التَّرْجَمَة أَن كَون أصل الْمُسلم فِيهِ لَا يشْتَرط. قلت: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى سلم الْمُنْقَطع، فَإِنَّهُ لَا يجوز عندنَا، وَهَذَا على أَرْبَعَة أوجه: الأول: أَن يكون الْمُسلم فِيهِ مَوْجُودا عِنْد العقد مُنْقَطِعًا عِنْد الْأَجَل فَإِنَّهُ لَا يجوز. وَالثَّانِي: أَن يكون مَوْجُودا وَقت العقد إِلَى الْأَجَل، فَيجوز بِلَا خلاف. وَالثَّالِث: أَن يكون مُنْقَطِعًا عِنْد العقد مَوْجُودا عِنْد الْأَجَل. وَالرَّابِع: أَن يكون مَوْجُودا وَقت العقد وَالْأَجَل، مُنْقَطِعًا فِيمَا بَين ذَلِك، فهذان الْوَجْهَانِ لَا يجوزان عندنَا خلافًا لمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، قَالُوا: لِأَنَّهُ مَقْدُور التَّسْلِيم فيهمَا، قُلْنَا: غير مَقْدُور التَّسْلِيم لِأَنَّهُ يتَوَهَّم موت الْمُسلم إِلَيْهِ فَيحل الْأَجَل، وَهُوَ مُنْقَطع، فيتضرر رب السّلم، فَلَا يجوز. وَفِي (التَّوْضِيح) : وأصل السّلم أَن يكون إِلَى من عِنْده أصل مِمَّا يسلم فِيهِ إلَاّ أَنه لما وَردت السّنة فِي السّلم بِالصّفةِ الْمَعْلُومَة والكيل وَالْوَزْن وَالْأَجَل الْمَعْلُوم، كَانَ عَاما فِيمَن عِنْده أصل وَمن لَيْسَ عِنْده. قلت: إِذا لم يكن الأَصْل مَوْجُودا عِنْد حُلُول الْأَجَل، أَو فِيمَا بَين العقد وَالْأَجَل يكون غررا، والشارع نهى عَن الْغرَر. ٥٤٢٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي المُجَالِدِ قَالَ بَعَثَنِي عَبْدُ الله بنُ شَدَّادٍ وأبُو بُرْدَةَ إلَى عَبْدِ الله بنِ أبي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُما فقالَا سَلْهُ هَلْ كانَ أصْحَابُ النبيِّ ﷺ فِي عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ يُسْلِفُونَ فِي الحِنْطَةِ قَالَ عَبْدُ الله كنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أهْلِ الشَّامِ فِي الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والزَّيْتِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ قُلْتُ إلَى مَنْ كانَ أصْلُهُ عِنْدَهُ قَالَ مَا كُنَّا نَسْألُهُمْ عنْ ذالِكَ ثُمَّ بعَثَانِي إلَى عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ أبْزَى فسَألْتُهُ فَقَالَ كانَ أصْحَابُ النبيِّ ﷺ يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ النبيِّ ﷺ ولَمْ نَسْألْهُمْ ألَهُمْ حَرْثٌ أمْ لَا. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٢٢ وطرفه) (انْظُر الحَدِيث ٣٤٢٢ وطرفه) .

стр. 3480

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قلت: إِلَى من كَانَ أَصله عِنْده) وَفِي قَوْله: (ألهم حرث أم لَا؟) . والْحَدِيث قد مضى فِي الْبَاب السَّابِق وَمضى الْكَلَام فِيهِ بوجوهه، غير أَن فِي هَذَا نَص البُخَارِيّ على أَن اسْم أبي المجالد: مُحَمَّد، وَذكر هُنَا: الزَّيْت، مَوضِع: الزَّبِيب، هُنَاكَ، وَفِيه زِيَادَة، وَهِي السُّؤَال عَن كَون الأَصْل عِنْد الْمُسلم إِلَيْهِ. وَالْجَوَاب بِعَدَمِ ذَلِك، وَعبد الْوَاحِد هُوَ: ابْن زِيَاد، والشيباني بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة: هُوَ أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان، وَقد مر فِي الْحيض. قَوْله: (يسلفون) ، من الإسلاف، ويروى بتَشْديد اللَّام من التسليف. قَوْله: (نبيط أهل الشَّام) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أهل الزِّرَاعَة من أهل الشَّام، وَقيل: هم قوم ينزلون البطائح وتسموا بِهِ لاهتدائهم إِلَى اسْتِخْرَاج المياة من الْيَنَابِيع وَنَحْوهَا، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: أنباطا من أَنْبَاط أهل الشَّام، وهم قوم من الْعَرَب دخلُوا فِي الْعَجم وَالروم، واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، وَكَانَ الَّذين اختلطوا بالعجم مِنْهُم قوم ينزلون البطائح بَين العراقين، وَالَّذين اختلطوا بالروم ينزلون فِي بوادي الشَّام، وَيُقَال لَهُم: النبط، بِفتْحَتَيْنِ وَيجمع على: أَنْبَاط، وَكَذَلِكَ النبيط يجمع على أَنْبَاط، يُقَال: رجل نبطي ونباطي ونباط، وَحكى يَعْقُوب: نباطي، بِضَم النُّون. وَيُقَال: أَنْبَاط الشَّام هم نَصَارَى الشَّام الَّذين عمروها، قَالَ الْجَوْهَرِي: نبط المَاء ينبط وينبط نبوطا: نبع، فَهُوَ نبيط. وَهُوَ الَّذِي ينبط من قَعْر الْبِئْر إِذا حفرت، وأنبط الحفار: بلغ المَاء، والاستنباط: الاستخراج. قَوْله: (إِلَى من كَانَ أَصله) أَي: أصل الْمُسلم فِيهِ، وَهُوَ الثَّمر أَي: الْحَرْث. قَوْله: (ألَهم حرث؟) أَي: زرع. فَافْهَم. وَفِيه: مبايعة أهل الذِّمَّة وَالسّلم إِلَيْهِم. وَفِيه: جَوَاز السّلم فِي السّمن والشيرج وَنَحْوهمَا قِيَاسا على الزَّيْت. حدَّثنا إسْحاقُ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ عبْدِ الله عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنْ محَمَّدِ بنِ أبِي مُجَالِدٍ بِهذَا وَقَالَ فنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن إِسْحَاق بن شاهين الوَاسِطِيّ عَن خَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان الوَاسِطِيّ عَن سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ ... إِلَى آخِره. وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ الوَلِيدِ عنْ سفْيَانَ قَالَ حدَّثنا الشَّيْبانِيُّ وَقَالَ والزَّيْتِ هَذَا طَرِيق آخر مُعَلّق عَن عبد الله بن الْوَلِيد أَبُو مُحَمَّد الْعَدنِي نزيل مَكَّة، روى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَكَانَ يصحح حَدِيثه وسماعه عَن سُفْيَان، قَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكت حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ فِي: بَاب رمي الْجمار من بطن الْوَادي، وَقَالَ البُخَارِيّ: كَانَ يَقُول: أَنا مكي يُقَال لي عدني، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. قَوْله: (وَقَالَ: وَالزَّيْت) يَعْنِي بعد أَن قَالَ: فِي الْحِنْطَة وَالشعِير قَالَ وَالزَّيْت، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سُفْيَان فِي (جَامعه) من طَرِيق عَليّ بن الْحسن الْهِلَالِي عَن عبد الله بن الْوَلِيد، ﵀. حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الشَّيْبَانِيِّ وَقَالَ فِي الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والزَّبِيبِ هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن جرير بن عبد الحميد عَن سُلَيْمَان الشيبانيي، قَوْله: (وَقَالَ فِي الْحِنْطَة) ، أَي: قَالَ فِي رُوَاته: فَنُسلفهُمْ فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب، وَلم يذكر فِيهِ: الزَّيْت، بل ذكر: الزَّبِيب. ٥٤٢٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي المُجَالِدِ قَالَ بَعَثَنِي عَبْدُ الله بنُ شَدَّادٍ وأبُو بُرْدَةَ إلَى عَبْدِ الله بنِ أبي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُما فقالَا سَلْهُ هَلْ كانَ أصْحَابُ النبيِّ ﷺ فِي عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ يُسْلِفُونَ فِي الحِنْطَةِ قَالَ عَبْدُ الله كنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أهْلِ الشَّامِ فِي الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والزَّيْتِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ قُلْتُ إلَى مَنْ كانَ أصْلُهُ عِنْدَهُ قَالَ مَا كُنَّا نَسْألُهُمْ عنْ ذالِكَ ثُمَّ بعَثَانِي إلَى عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ أبْزَى فسَألْتُهُ فَقَالَ كانَ أصْحَابُ النبيِّ ﷺ يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ النبيِّ ﷺ ولَمْ نَسْألْهُمْ ألَهُمْ حَرْثٌ أمْ لَا. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٢٢ وطرفه) (انْظُر الحَدِيث ٣٤٢٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قلت: إِلَى من كَانَ أَصله عِنْده) وَفِي قَوْله: (ألهم حرث أم لَا؟) . والْحَدِيث قد مضى فِي الْبَاب السَّابِق وَمضى الْكَلَام فِيهِ بوجوهه، غير أَن فِي هَذَا نَص البُخَارِيّ على أَن اسْم أبي المجالد: مُحَمَّد، وَذكر هُنَا: الزَّيْت، مَوضِع: الزَّبِيب، هُنَاكَ، وَفِيه زِيَادَة، وَهِي السُّؤَال عَن كَون الأَصْل عِنْد الْمُسلم إِلَيْهِ. وَالْجَوَاب بِعَدَمِ ذَلِك، وَعبد الْوَاحِد هُوَ: ابْن زِيَاد، والشيباني بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة: هُوَ أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان، وَقد مر فِي الْحيض. قَوْله: (يسلفون) ، من الإسلاف، ويروى بتَشْديد اللَّام من التسليف. قَوْله: (نبيط أهل الشَّام) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أهل الزِّرَاعَة من أهل الشَّام، وَقيل: هم قوم ينزلون البطائح وتسموا بِهِ لاهتدائهم إِلَى اسْتِخْرَاج المياة من الْيَنَابِيع وَنَحْوهَا، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: أنباطا من أَنْبَاط أهل الشَّام، وهم قوم من الْعَرَب دخلُوا فِي الْعَجم وَالروم، واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، وَكَانَ الَّذين اختلطوا بالعجم مِنْهُم قوم ينزلون البطائح بَين العراقين، وَالَّذين اختلطوا بالروم ينزلون فِي بوادي الشَّام، وَيُقَال لَهُم: النبط، بِفتْحَتَيْنِ وَيجمع على: أَنْبَاط، وَكَذَلِكَ النبيط يجمع على أَنْبَاط، يُقَال: رجل نبطي ونباطي ونباط، وَحكى يَعْقُوب: نباطي، بِضَم النُّون. وَيُقَال: أَنْبَاط الشَّام هم نَصَارَى الشَّام الَّذين عمروها، قَالَ الْجَوْهَرِي: نبط المَاء ينبط وينبط نبوطا: نبع، فَهُوَ نبيط. وَهُوَ الَّذِي ينبط من قَعْر الْبِئْر إِذا حفرت، وأنبط الحفار: بلغ المَاء، والاستنباط: الاستخراج. قَوْله: (إِلَى من كَانَ أَصله) أَي: أصل الْمُسلم فِيهِ، وَهُوَ الثَّمر أَي: الْحَرْث. قَوْله: (ألَهم حرث؟) أَي: زرع. فَافْهَم. وَفِيه: مبايعة أهل الذِّمَّة وَالسّلم إِلَيْهِم. وَفِيه: جَوَاز السّلم فِي السّمن والشيرج وَنَحْوهمَا قِيَاسا على الزَّيْت. حدَّثنا إسْحاقُ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ عبْدِ الله عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنْ محَمَّدِ بنِ أبِي مُجَالِدٍ بِهذَا وَقَالَ فنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن إِسْحَاق بن شاهين الوَاسِطِيّ عَن خَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان الوَاسِطِيّ عَن سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ ... إِلَى آخِره. وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ الوَلِيدِ عنْ سفْيَانَ قَالَ حدَّثنا الشَّيْبانِيُّ وَقَالَ والزَّيْتِ هَذَا طَرِيق آخر مُعَلّق عَن عبد الله بن الْوَلِيد أَبُو مُحَمَّد الْعَدنِي نزيل مَكَّة، روى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَكَانَ يصحح حَدِيثه وسماعه عَن سُفْيَان، قَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكت حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ فِي: بَاب رمي الْجمار من بطن الْوَادي، وَقَالَ البُخَارِيّ: كَانَ يَقُول: أَنا مكي يُقَال لي عدني، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. قَوْله: (وَقَالَ: وَالزَّيْت) يَعْنِي بعد أَن قَالَ: فِي الْحِنْطَة وَالشعِير قَالَ وَالزَّيْت، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سُفْيَان فِي (جَامعه) من طَرِيق عَليّ بن الْحسن الْهِلَالِي عَن عبد الله بن الْوَلِيد، ﵀. حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الشَّيْبَانِيِّ وَقَالَ فِي الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والزَّبِيبِ هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن جرير بن عبد الحميد عَن سُلَيْمَان الشيبانيي، قَوْله: (وَقَالَ فِي الْحِنْطَة) ، أَي: قَالَ فِي رُوَاته: فَنُسلفهُمْ فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب، وَلم يذكر فِيهِ: الزَّيْت، بل ذكر: الزَّبِيب. ٦٤٢٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخبرنَا عَمْرٌ وَقَالَ سَمِعْتُ أَبَا البَخْتَرِيِّ الطَّائِيَّ قَالَ سألْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ السَّلَم فِي النَّخْلِ قالَتْ نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ بَيْعِ النَّخْلِ حتَّى يْؤكَلَ مِنْهُ وحتَّى يُوزَنَ فَقَالَ الرَّجُلُ وأيُّ شَيءٍ يُوزَنُ قَالَ رَجُلٌ إلَى جانِبِهِ حتَّى يحْرَزَ. قَالَ ابْن بطال: حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا لَيْسَ من هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا هُوَ من الْبَاب الَّذِي بعده المترجم بِبَاب السّلم فِي النّخل، وَهُوَ غلط من النَّاسِخ، وَأجِيب: بِأَن ابْن عَبَّاس لما سُئِلَ عَن السّلم إِلَى من لَهُ نخل عد ذَلِك من قبيل بيع الثِّمَار قبل بَدو صَلَاحهَا، فَإِذا كَانَ السّلم فِي النّخل لَا يجوز لم يبْق لوجودها فِي ملك الْمُسلم إِلَيْهِ فَائِدَة مُتَعَلقَة بالسلم، فَيصير جَوَاز السّلم إِلَى من

стр. 3481

لَيْسَ لَهُ عِنْده أصل وإلَاّ يلْزمه سد بَاب السّلم. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: هُوَ ابْن مرّة، بِضَم الْمِيم، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَمْرو بن مرّة وَهُوَ عَمْرو بن مرّة بن عبد الله الْمرَادِي الْأَعْمَى الْكُوفِي، وَأَبُو البخْترِي، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالراء وَتَشْديد الْيَاء: واسْمه سعيد بن فَيْرُوز الْكُوفِي الطَّائِي، قتل فِي الجماجم سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن الْوَلِيد وَعَن بنْدَار عَن غنْدر، وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر. قَوْله: (فِي النّخل) ، أَي: فِي ثَمَر النّخل. وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا ملخصه: أَن المُرَاد من السّلم مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، وَهُوَ السّلف حَتَّى لَا يُقَال: كَيفَ يَصح معنى السّلم فِيهِ وَلم يَقع العقد على مَوْصُوف فِي الذِّمَّة؟ وَأما النَّهْي عَنهُ فَلِأَنَّهُ من جِهَة أَنه من تِلْكَ الثَّمَرَة خَاصَّة، وَلَيْسَ مسترسلاً فِي الذِّمَّة مُطلقًا. قَوْله: (حَتَّى يُؤْكَل مِنْهُ) مُقْتَضَاهُ أَن يَصح بعد الْأكل الَّذِي هُوَ كِنَايَة عَن ظُهُور الصّلاح، وَمَعَ هَذَا لم يَصح، لِأَن ذكر هَذِه الْغَايَة بَيَان للْوَاقِع لأَنهم كَانُوا يسلفونه قبل صَيْرُورَته مِمَّا يُؤْكَل، والقيود الَّتِي خرجت مخرج الْأَغْلَب لَا مَفْهُوم لَهَا. قَوْله: (فَقَالَ الرجل) ، قَالَ الْكرْمَانِي: إِنَّمَا عرف مَعَ أَن السِّيَاق يَقْتَضِي تنكيره لِأَنَّهُ مَعْهُود إِذا أَرَادَ بِهِ أَبُو البخْترِي نَفسه أَي السَّائِل من ابْن عَبَّاس. قَوْله: (قَالَ رجل) ، لم يدر هَذَا من هُوَ. قَوْله: (وَأي شَيْء يُوزن) ، إِذْ لَا يُمكن وزن الثَّمَرَة الَّتِي على النّخل. قَوْله: (إِلَى جَانِبه) أَي: إِلَى جَانب ابْن عَبَّاس. قَوْله: (حَتَّى يحرز) ، بِتَقْدِيم الرَّاء على الزَّاي: حَتَّى يحفظ ويصان، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى يحرز، بِتَقْدِيم الزَّاي على الرَّاء، أَي: يخرص وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: حَتَّى يحرر، من التَّحْرِير، وَلكنه رَوَاهُ بِالشَّكِّ. وَاعْلَم أَن الْخرص وَالْأكل وَالْوَزْن كلهَا كنايات عَن ظُهُور صَلَاحهَا، وَفَائِدَة ذَلِك معرفَة كمية حُقُوق الْفُقَرَاء قبل أَن يتَصَرَّف فِيهِ الْمَالِك، وَاحْتج بِهَذَا الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ بِأَن السّلم لَا يجوز إلَاّ أَن يكون السّلم فِيهِ مَوْجُودا فِي أَيدي النَّاس فِي وَقت العقد إِلَى حِين حُلُول الْأَجَل، فَإِن انْقَطع فِي شَيْء من ذَلِك لم يجز، وَهُوَ مَذْهَب ابْن عمر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: يجوز السّلم فِيمَا هُوَ مَعْدُوم فِي أَيدي النَّاس إِذا كَانَ مَأْمُون الْوُجُود عِنْد حُلُول الْأَجَل فِي الْغَالِب، فَإِن كَانَ يَنْقَطِع حِينَئِذٍ لم يجز، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْبَاب مفصلا. وَقَالَ مُعاذٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ ووقال أبُو البَخْتَرِيِّ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَهَى النبيُّ ﷺ مِثْلَهُ معَاذ هُوَ ابْن معَاذ التَّمِيمِي قَاضِي الْبَصْرَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن يحيى بن مُحَمَّد عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه بِهِ، وَفِي الحَدِيث السَّابِق، قَالَ شُعْبَة: أخبرنَا عَمْرو، قَالَ: سَمِعت أَبَا البخْترِي، قَالَ: سَأَلت ابْن عَبَّاس. وَهَهُنَا: يَقُول شُعْبَة عَن عَمْرو: قَالَ أَبُو البخْترِي: سَمِعت ابْن عَبَّاس. قَوْله: (مثله) ، أَي: مثل هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور. ٤ - (بابُ السلَمِ فِي النَّخْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السّلم فِي ثَمَر النّخل. ٨٤٢٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وعنْ أبِي البَخْتَرِيِّ قَالَ سألتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ وعنْ بَيْعِ الوَرِقِ نَساءً بِناجِزٍ وسألْتُ ابنَ عَبَّاسٍ عنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ فَقَالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ بَيْعِ النَّخْلِ حتَّى يُؤكَلَ مِنْهُ أوْ يَأكُلَ مِنْهُ وحتَّى يُوزَنَ. . (انْظُر الحَدِيث ٦٤٢٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. قَوْله: (فَقَالَ: نهى) أَي: فَقَالَ ابْن عمر: نهي، بِضَم النُّون على بِنَاء الْمَجْهُول، وَالرِّوَايَات كلهَا متفقة على ضم النُّون. قَوْله: (عَن بيع النّخل) أَي: عَن بيع ثَمَر النّخل. قَوْله: (حَتَّى يصلح) ، أَي: حَتَّى يظْهر فِيهِ الصّلاح. قَوْله: (وَعَن بيع الْوَرق) ، أَي: وَنهى أَيْضا عَن بيع الْوَرق، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء وبكسر الْوَاو وَسُكُون

стр. 3482

الرَّاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء: وَهُوَ الدَّرَاهِم المضروبة، أَي: نهى عَن بيع الْفضة بِالذَّهَب نسأ، أَي: بِالتَّأْخِيرِ، وَهُوَ بِفَتْح النُّون وبالمد وَالْقصر، وَمِنْه: نسأت الدّين أَي: أَخَّرته نسَاء وأنسأته إنسا، وَالنِّسَاء الإسم، فَإِن قلت: انتصاب نسَاء بِمَاذَا؟ قلت: يجوز أَن يكون على الْحَال، وَيكون نسأ بِمَعْنى منسأ على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول. قَوْله: (بناجز) بالزاي فِي آخِره، أَي: بحاضر، يُقَال: نجز ينجز نجزا إِذا حضر وَحصل. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: ابْن عَبَّاس نهى النَّبِي، ﷺ ، عَن بيع ثَمَر النّخل حَتَّى يُؤْكَل مِنْهُ، أَي: حَتَّى يُؤْكَل من النّخل ثمره، أَو يَأْكُلهُ صَاحبه مِنْهُ. قَوْله: (وَحَتَّى يُوزن) أَي: حَتَّى يخرص، وَقد مر عَن قريب. وَاسْتدلَّ بَعضهم بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على جَوَاز السّلم فِي النّخل الْمعِين من الْبُسْتَان الْمعِين، وَلَكِن بعد بَدو صَلَاحه، وَهُوَ مَذْهَب الْمَالِكِيَّة أَيْضا وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ضَعِيف. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اتِّفَاق الْأَكْثَر على منع السّلم فِي بُسْتَان معِين لِأَنَّهُ غرر. قلت: وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة أَيْضا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن سَلام فِي قصَّة إِسْلَام زيد بن سعنة، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفتح النُّون، أَنه قَالَ لرَسُول الله ﷺ : هَل لَك أَن تبيعني تَمرا مَعْلُوما إِلَى أجل مَعْلُوم من حَائِط بني فلَان؟ قَالَ: (لَا أبيعك من حَائِط مُسَمّى، بل أبيعك أوسقا مُسَمَّاة إِلَى أجل مُسَمّى) . ٠٥٢٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرو عنْ أبِي الْبَخْتَريِّ قَالَ سألْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ فَقَالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حتَّى يَصْلُحَ ونِهىَ عنِ الوَرِقِ بالذَّهَبِ نَسَاءً بِناجِزٍ وسألْتُ ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ بَيْعِ النَّخْلِ حتَّى يأكلَ أوْ يُؤْكَلَ وحتَّى يُوزَنَ قُلْتُ وَمَا يُوزَنُ قَالَ رجُلٌ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرَزَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٨٤١ وطرفه) . (انْظُر الحَدِيث ٦٤٢٢ وطرفه) . هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره، قَوْله: (فَقَالَ: نهى النَّبِي، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت: نهى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَنهي عمر إِمَّا عَن السماع عَن رَسُول الله ﷺ ، وَإِمَّا عَن اجْتِهَاده. ٥ - (بابُ الكَفِيلِ فِي السَّلَمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْكَفِيل فِي السّلم. ١٥٢٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَعْلَى قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتِ اشْتَرَى رسولُ الله ﷺ طَعاما مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ ورَهَنَهُ دِرْعا لَهُ مِنْ حدِيدٍ. . قيل: لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث مَا ترْجم بِهِ، وَأجَاب الْكرْمَانِي بِأَنَّهُ: إِمَّا أَن يُرَاد بِالْكَفَالَةِ الضَّمَان، وَلَا شكّ أَن الْمَرْهُون ضَامِن للدّين من حَيْثُ إِنَّه يُبَاع فِيهِ. وَأما يُقَاس على الرَّهْن بِجَامِع كَونهمَا وَثِيقَة، وَلِهَذَا كل مَا صَحَّ الرَّهْن فِيهِ صَحَّ ضَمَانه. وَبِالْعَكْسِ. قلت: إِثْبَات الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين التَّرْجَمَة بِهَذَا الْكَلَام، إِنَّمَا هُوَ بِالْجَرِّ الثقيل، وَمَعَ هَذَا الْجَواب الثَّانِي فِيهِ بعض قرب، وَالْأَقْرَب مِنْهُ أَن يُقَال: إِن عَادَته جرت أَن يُشِير إِلَى بعض مَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث، وَقد روى فِي الرَّهْن عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش، قَالَ: تَذَاكرنَا عِنْد إِبْرَاهِيم الرَّهْن والقبيل فِي السّلف، فَذكر إِبْرَاهِيم هَذَا الحَدِيث، وَفِيه التَّصْرِيح بِالرَّهْنِ وَالْكَفِيل، لِأَن الْقَبِيل هُوَ الْكَفِيل، وَبِهَذَا يُجَاب أَيْضا عَمَّا قَالَه الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِيهِ عقد السّلم، لِأَن السّلف هُوَ السّلم. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء النَّبِي ﷺ بِالنَّسِيئَةِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُعلى بن أَسد عَن عبد الْوَاحِد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَهنا أخرجه: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن يعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وبالقصر: ابْن عبيد بِالتَّصْغِيرِ أبي يُوسُف الطنافسي الْحَنَفِيّ الْكُوفِي، مَاتَ سنة تسع وَمِائَتَيْنِ، عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

стр. 3483

٦ - (بابُ الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الرَّهْن فِي السّلم. ٧ - (بابُ السَّلَمِ إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السّلم الْوَاقِع إِلَى أجل مَعْلُوم أَي: إِلَى مُدَّة مُعينَة. وَفِيه: الرَّد على من أجَاز السّلم الْحَال، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيَّة وَمن تَبِعَهُمْ. وبِهِ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ والأسْوَدُ والحسَنُ أَي: باختصاص السّلم بالأجل، قَالَ ابْن عَبَّاس وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَالْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَتَعْلِيق ابْن عَبَّاس وَصله الشَّافِعِي عَن سُفْيَان عَن قَتَادَة عَن أبي حسان بن مُسلم الْأَعْرَج عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أشهد أَن السّلف الْمَضْمُون إِلَى أجل مُسَمّى قد أَجله الله فِي كِتَابه وَأذن فِيهِ. ثمَّ قَرَأَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَأخرجه الْحَاكِم من هَذَا الْوَجْه وَصَححهُ، وروى ابْن أبي شيبَة من وَجه آخر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَا تسلف إِلَى الْعَطاء وَلَا إِلَى الْحَصاد وَاضْرِبْ أَََجَلًا. وَتَعْلِيق أبي سعيد وَصله عبد الرازق من طَرِيق نُبيح الْعَنزي الْكُوفِي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: السّلم بِمَا يقوم بِهِ السّعر رَبًّا، وَلَكِن أسلف فِي كيل مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم. قلت: نُبيح، بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، والعنزي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وبالزاي، وَتَعْلِيق الْأسود وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ، قَالَ: سَأَلته عَن السّلم فِي الطَّعَام، قَالَ: لَا بَأْس بِهِ كيل مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم. وَلم أَقف على تَعْلِيق الْحسن. وَقَالَ ابنُ عُمَرَ لَا بَأسَ فِي الطَّعَامِ المَوصُوفِ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ مَا لَمْ يَكُ ذالِكَ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ هَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع عَنهُ قَالَ: لَا بَأْس أَن يسلف الرجل فِي الطَّعَام الْمَوْصُوف، فَذكر مثله، وَزَاد: وَثَمَرَة لم يبد صَلَاحهَا، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع نَحوه. قَوْله: (مَا لم يَك) ، أَصله: مَا لم يكن، حذفت النُّون تَخْفِيفًا، ويروى على الأَصْل، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت أساطين الصَّحَابَة عبد الله بن عَبَّاس وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَعبد الله بن عمر

стр. 3484

بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، شرطُوا الْأَجَل فِي السّلم، وَكَذَلِكَ من أساطين التَّابِعين: الْأسود وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَهَذَا كُله حجَّة على من يرى جَوَاز السّلم الْحَال من الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم. وَاخْتَارَ ابْن خُزَيْمَة من الشَّافِعِيَّة تأقيته إِلَى الميسرة، وَاحْتج بِحَدِيث عَائِشَة، رَوَاهُ النَّسَائِيّ: (أَن النَّبِي، ﷺ ، بعث إِلَى يَهُودِيّ: إبعث لي ثَوْبَيْنِ إِلَى الميسرة) . وَابْن الْمُنْذر طعن فِي صِحَّته، وَلَئِن سلمنَا صِحَّته فَلَا دلَالَة فِيهِ على مَا ذكره، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَاّ مُجَرّد الاستدعاء، فَلَا يمْتَنع أَنه إِذا وَقع العقد قيد بِشُرُوطِهِ، وَلذَلِك لم يصف الثَّوْبَيْنِ. ٣٥٢٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنِ ابنِ أبِي نَجيحٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ كَثِيرٍ عنْ أبِي المِنْهَالِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ النبيُّ ﷺ المَدِينَةَ وهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ والثَّلاثَ فَقَالَ أسْلِفُوا فِي الثِّمَارِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ (انْظُر الحَدِيث ٩٣٢٢ وطرافيه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِلَى أجل مَعْلُوم) ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب السّلم فِي كيل مَعْلُوم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَمْرو ابْن زُرَارَة عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن عبد الله بن أبي نجيح ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا: عَن أبي نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح ... إِلَى آخِره، والتكرار لأجل التَّرْجَمَة وَاخْتِلَاف الشُّيُوخ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ الوَلِيدِ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي نَجِيحٍ وَقَالَ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ هَذَا التَّعْلِيق مَوْصُول فِي (جَامع) سُفْيَان من طَرِيق عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي، وَهَذَا فِيهِ فَائِدَتَانِ: الأولى: فِيهِ: بَيَان التحديث، وَالَّذِي قبله مَذْكُور بالعنعنة. وَالْأُخْرَى: فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى أَن من جملَة الشَّرْط فِي السّلم الْوَزْن الْمَعْلُوم فِي الموزونات. ٥٥٢٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا سُفْيانُ عنُ سُلَيْمانَ الشَّيْبَانِيِّ عنْ مُحَمَّدِ بنِ أبِي مُجالِدٍ قَالَ أرْسَلَنِي أبُو بُرْدَةَ وعَبْدُ الله بنُ شَدَّادٍ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبْزَى وعَبْدِ الله بنِ أبِي أوْفَى فسَألْتُهُمَا عنِ السَّلَفِ فقالَا كُنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رسُولِ الله ﷺ فكَانَ يَأتِينَا أنْباطٌ مِنْ أنْباطِ الشَّامِ فنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والزَّبِيبِ إلَى أجَلٍ مُسَمَّى قَالَ قُلْتُ أكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أوْ لَمْ يَكنْ لَهُمْ زَرْعٌ قالَا مَا كُنَّا نَسْألُهُمْ عنْ ذالِكَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٢٢ وطرفه) . (انْظُر الحَدِيث ٢٤٢٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِلَى أجل مُسَمّى) وَهُوَ أجل مَعْلُوم، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب السّلم إِلَى من لَيْسَ عِنْده أصل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من ثَلَاث طرق: عَن مُوسَى بن سماعيل، وَإِسْحَاق، وقتيبة. وَأخرجه هُنَا: عَن مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي. وَهُوَ من أَفْرَاده عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ ... إِلَى آخِره، والتكرار لأجل التَّرْجَمَة وَاخْتِلَاف الشُّيُوخ، والتقديم وَالتَّأْخِير فِي بعض الْمَتْن وَبَعض الزِّيَادَة فِيهِ هُنَا يعرف ذَلِك بِالنّظرِ والتأمل. ٨ - (بابُ السَّلَمِ إلَى أنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السّلم إِلَى أَن تنْتج النَّاقة، وتنتج على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمَعْنَاهُ: إِلَى أَن تَلد النَّاقة، يُقَال: نتجت النَّاقة إِذا ولدت فَهِيَ منتوجة. وأنتجت إِذا حملت فَهِيَ نتوج. وَلَا يُقَال: منتج، ونتجت النَّاقة أنتجها: إِذا أولدتها، والناتج لِلْإِبِلِ كالقابلة للنِّسَاء، وَالْمَقْصُود من هَذِه التَّرْجَمَة بَيَان عدم جَوَاز السّلم إِلَى أجل غير مَعْلُوم، يدل عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب.

стр. 3485

٦٥٢٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ أخبرَنَا جُوَيْرِيَةُ عنُ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانُوا يَتَبَايَعُونَ الجَزُورَ إلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ فنَهَى النبيُّ ﷺ عنْهُ فسَّره نافِعٌ إلَى أنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا. (انْظُر الحَدِيث ٣٤١٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَبل الحبلة) لِأَن مَعْنَاهُ: نتاج النِّتَاج، وَفَسرهُ نَافِع الرَّاوِي عَن ابْن عمر بقوله: أَن تنْتج النَّاقة، يَعْنِي أَن تَلد مَا فِي بَطنهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا فِي بَطنهَا بدل عَن النَّاقة، وَهُوَ الْمُوَافق لتفسير نَافِع لَهُ فِي بَاب بيع الْغرَر، وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ بيع الْجَزُور بِثمن مُؤَجل إِلَى أَن تَلد النَّاقة وتلد وَلَدهَا، وَهُوَ تَفْسِير ابْن عمر، وَقيل: هُوَ بيع ولد ولد النَّاقة، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي بَاب: بيع الْغرَر، وحبل الحبلة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. وَجُوَيْرِية مصغر جَارِيَة وَهُوَ جوَيْرِية بن أَسمَاء ابْن عبيد الضبعِي الْبَصْرِيّ. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم ٦٣ - (كِتابُ الشُّفْعَةِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الشُّفْعَة، وَهُوَ بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْفَاء، وَغلط من حركها، قَالَه بَعضهم. وَقَالَ صَاحب (تثقيف اللِّسَان) : وَالْفُقَهَاء يضمون الْفَاء، وَالصَّوَاب الإسكان. قلت: فعلى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَن ينْسب الْفُقَهَاء إِلَى الْغَلَط صَرِيحًا لرعاية الْأَدَب، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال: وَالصَّوَاب الإسكان، كَمَا قَالَه صَاحب (تثقيف اللِّسَان) . وَاخْتلف فِي اشتقاقها فِي اللُّغَة على أَقْوَال: إِمَّا من الضَّم أَو الزِّيَادَة أَو التقوية والإعانة، أَو من الشَّفَاعَة، وكل ذَلِك يُوجد فِي حق الشَّفِيع. وَقَالَ ابْن حزم: وَهِي لَفْظَة شَرْعِيَّة لم تعرف الْعَرَب مَعْنَاهَا قبل رَسُول الله ﷺ ، كَمَا لم يعرفوا معنى: الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَنَحْوهمَا، حَتَّى بَينهَا الشَّارِع، وَيُقَال: شفعت كَذَا بِكَذَا إِذا جعلته شفعا. وَكَانَ الشَّفِيع يَجْعَل نصِيبه شفعا بِنَصِيب صَاحبه بِأَن ضمه إِلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشُّفْعَة فِي الِاصْطِلَاح: تملك قهري فِي الْعقار بعوض يثبت على الشَّرِيك الْقَدِيم للحادث، وَقيل: هِيَ تملك الْعقار على مُشْتَرِيه جبرا بِمثل ثمنه. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الشُّفْعَة تملك الْبقْعَة جبرا على المُشْتَرِي بِمَا قَامَ عَلَيْهِ. وَقيل: هِيَ ضم بقْعَة مشتراة إِلَى عقار الشَّفِيع بِسَبَب الشّركَة أَو الْجوَار، وَهَذَا أحسن، وَلم يخْتَلف الْعلمَاء فِي مشروعيتها إلَاّ مَا نقل عَن أبي بكر الْأَصَم من إنكارها. (كِتابُ السَّلَمِ فِي الشُّفْعَةِ) كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ سقط مَا سوى الْبَسْمَلَة. ١ - (بابُ الشُّفْعَةِ فِي مَا لَمْ يُقْسَمْ فإذَا وقعَتِ الحُدُودِ فلَا شْفْعَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّفْعَة فِي الْمَكَان الَّذِي لم يقسم. قَوْله: (فَإِذا وَقعت الْحُدُود) أَي: إِذا صرفت وعينت فَلَا شُفْعَة، وَهَذَا الْبَاب بِهَذِهِ التَّرْجَمَة ثَابت عِنْد جَمِيع الروَاة. ٧٥٢٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَضَى رسولُ الله ﷺ بالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فإذَا وقعَتِ الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شفْعَةَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع الشَّرِيك من شَرِيكه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، وَهنا: عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن معمر. . إِلَى آخِره. وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً وَاخْتلف على الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الْإِسْنَاد، فَقَالَ مَالك: عَنهُ عَن أبي سَلمَة وَابْن الْمسيب مُرْسلا، كَذَا

стр. 3486

رَوَاهُ الشَّافِعِي وَغَيره، وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِم والماجشون عَنهُ فوصله بِذكر أبي هُرَيْرَة. أخرجه الْبَيْهَقِيّ، وَرَوَاهُ ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ كَذَلِك لَكِن قَالَ عَنْهُمَا أَو عَن أَحدهمَا أخرجه أَبُو دَاوُد، قلت: هَذَا مِمَّا يضعف حجَّة من احْتج بِهِ فِي اخْتِصَاص ثُبُوت الشُّفْعَة للشَّرِيك دون الْجَار، وَأَيْضًا قَالَ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: إِن قَوْله: فَإِذا وَقعت الْحُدُود ... إِلَى آخِره، مدرج من كَلَام جَابر. قَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَن الأَصْل كل مَا ذكر فِي الحَدِيث فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يثبت الإدراج بِدَلِيل. قلت: قَوْله: كل مَا ... إِلَى آخِره، غير مُسلم، لِأَن أَشْيَاء كَثِيرَة تقع فِي الحَدِيث وَلَيْسَت مِنْهُ، وَأَبُو حَاتِم إِمَام فِي هَذَا الْفَنّ، وَلَو لم يثبت عِنْده الإدراج فِيهِ لما أقدم على الحكم بِهِ. وَقَالَ الكرمانيي: قَالَ التَّيْمِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: الشُّفْعَة إِنَّمَا هِيَ للشَّرِيك، وَأَبُو حنيفَة: للْجَار، وَهَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ. قلت: سُبْحَانَ الله ﴿هَذَا كَلَام عَجِيب، لِأَن أَبَا حنيفَة لم يقل: الشُّفْعَة للْجَار على الْخُصُوص، بل قَالَ: الشُّفْعَة للشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع، ثمَّ فِي حق الْمَبِيع ثمَّ من بعدهمَا للْجَار، وَكَيف يَقُول: هُوَ حجَّة عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يكون حجَّة عَلَيْهِ إِذا ترك الْعَمَل بِهِ، وَهُوَ عمل بِهِ أَولا ثمَّ عمل بِحَدِيث الْجَار، وَلم يهمل وَاحِدًا مِنْهُمَا، وهم عمِلُوا بِأَحَدِهِمَا وأهملوا الآخر بتأويلات بعيدَة فَاسِدَة، وَهُوَ قَوْلهم: أما حَدِيث: (الْجَار أَحَق بصقبه) ، فَلَا دلَالَة فِيهِ، إِذْ لم يقل: أَحَق بشفعته، بل قَالَ: أَحَق بصقبه، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرَاد مِنْهُ بِمَا يَلِيهِ وَيقرب مِنْهُ، أَي: أَحَق بِأَن يتَعَمَّد وَيتَصَدَّق عَلَيْهِ، أَو يُرَاد بالجار الشَّرِيك. قلت: هَذِه مُكَابَرَة وعناد من أريحية التعصب، وَكَيف يَقُول: إِذا لم يقل: أَحَق بشفعته؟ وَقد وَقع فِي بعض أَلْفَاظ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي شيبَة: (جَار الدَّار أَحَق بشفعة الدَّار) . وَكَيف يقبل هَذَا التَّأْوِيل الصَّارِف عَن الْمَعْنى الْوَارِد فِي الشُّفْعَة، وَيصرف إِلَى معنى لَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ؟ وَيرد هَذَا التَّأْوِيل مَا رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (جَار الدَّار أَحَق بِالدَّار) ، ذكره التِّرْمِذِيّ فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الشُّفْعَة. وَقَالَ: حَدِيث حسن. ثمَّ قَالَ: وروى عِيسَى بن يُونُس عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ مثله، وروى عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَالصَّحِيح عِنْد أهل الْعلم حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة، وَلَا يعرف حَدِيث قَتَادَة عَن أنس إلَاّ من حَدِيث عِيسَى بن يُونُس، وَحَدِيث عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّائِفِي عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْبَاب، هُوَ حَدِيث حسن، وروى إِبْرَاهِيم بن ميسرَة عَن عَمْرو بن الشريد عَن أبي رَافع: سَمِعت مُحَمَّدًا يَقُول: كلا الْحَدِيثين عِنْدِي صَحِيح. وَقَالَ الْكرْمَانِي بعد أَن قَالَ: يُرَاد بالجار الشَّرِيك يجب الْحمل عَلَيْهِ جمعا بَين مُقْتَضى الْحَدِيثين. قلت: لم يكتف الْكرْمَانِي بِصَرْف معنى الْجَار عَن مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ إِلَى الشَّرِيك حَتَّى يحكم بِوُجُوب ذَلِك، وَهَذَا يدل على أَنه لم يطلع على مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب من الْأَحَادِيث الدَّالَّة بِثُبُوت الشُّفْعَة للْجَار بعد الشَّرِيك. فَإِن قلت: قَالَ ابْن حبَان: الحَدِيث ورد فِي الْجَار الَّذِي يكون شَرِيكا دون الْجَار الَّذِي لَيْسَ بِشريك، يدل عَلَيْهِ مَا أخبرنَا، وَأسْندَ عَن عَمْرو بن الشريد، قَالَ: كنت مَعَ سعد بن أبي وَقاص والمسور ابْن مخرمَة، فجَاء أَبُو رَافع، مولى رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ لسعد بن مَالك: إشتر مني بَيْتِي الَّذِي فِي دَارك. فَقَالَ: لَا إلَاّ بأَرْبعَة آلَاف منجمة. فَقَالَ: أما وَالله لَوْلَا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (الْجَار أَحَق بصقبه) مَا بعتكها، وَقد أعطيتهَا بِخَمْسِمِائَة دِينَار. قلت: هَذَا معَارض بِمَا أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن حُسَيْن الْمعلم عَن عَمْرو ابْن شُعَيْب عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه: (أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله: أرضي لَيْسَ فِيهَا لأحد شرك وَلَا قسم إلَاّ الْجوَار﴾ فَقَالَ: الْجَار أَحَق بصقبه) . الصقب، بالصَّاد: مَا قرب من الدَّار، وَيُقَال: السقب أَيْضا بِالسِّين. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سقبت الدَّار سقوبا وأسقبت: لُغَتَانِ فصيحتان، أَي: قربت، وأبياتهم متساقبة أَي: متدانية. وَفِي (الْجَامِع) : هُوَ بالصَّاد أَكثر. وَفِي (الْمُنْتَهى) : الصقب، بِالتَّحْرِيكِ: التَّقَرُّب. يُقَال: هَذَا أصقب الْمَوْضِعَيْنِ إِلَيْك، أَي: أقربهما، وَفِي (الزَّاهِر) للأنباري: الصقب: الملاصقة كَأَنَّهُ أَرَادَ بِمَا يَلِيهِ وَمَا يقرب مِنْهُ.

стр. 3487

٢ - (بابُ عَرْضِ الشُّفْعَةِ على صاحِبِهَا قِبلَ الْبَيْعِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان: إِن عرض الشَّرِيك فِيمَا يشفع فِيهِ الشُّفْعَة على من لَهُ الشُّفْعَة قبل صُدُور البيع: هَل يبطل الشُّفْعَة أم لَا؟ وَفِيه خلاف على مَا نذكرهُ. وَقَالَ الحَكَمُ إذَا أذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فلَا شُفْعَةَ لَهُ الحكم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين: ابْن عتيبة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: أَبُو مُحَمَّد، وَيُقَال: أَبُو عبد الله الْكُوفِي التَّابِعِيّ. قَوْله: (إِذا أذن لَهُ) أَي: إِذا أذن الشَّرِيك لصَاحبه فِي البيع قبل البيع سقط حَقه فِي الشُّفْعَة، وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه ابْن أبي شيبَة بِلَفْظ: (إِذا أذن المُشْتَرِي فِي الْمُشْتَرى فَلَا شُفْعَة لَهُ) . وَرَوَاهُ وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أَشْعَث عَن الحكم: (إِذا أذن الشَّفِيع للْمُشْتَرِي فِي الشِّرَاء فَلَا شُفْعَة لَهُ) . وَقَالَ ابْن التِّين: قَول الحكم بن عتيبة هَذَا قَالَ بِهِ سُفْيَان، وَخَالَفَهُمَا مَالك، وَقَالَ: لَا يلْزمه إِذْنه بذلك، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا الْعرض مَنْدُوب إِلَيْهِ كَمَا فعل أَبُو رَافع على مَا يَأْتِي حَدِيثه عَن قريب وَفِي (التَّوْضِيح) : وَإِذا أذن لَهُ شَرِيكه فِي بيع نصِيبه ثمَّ رَجَعَ فطالبه بِالشُّفْعَة؟ فَقَالَت طَائِفَة: لَا شُفْعَة لَهُ، وَهَذَا قَول الْحسن وَالثَّوْري وَأبي عبيد وَطَائِفَة من أهل الحَدِيث، وَقَالَت طَائِفَة: إِن عرض عَلَيْهِ الْأَخْذ بِالشُّفْعَة قبل البيع فَأبى أَن يَأْخُذ، ثمَّ بَاعَ فَأَرَادَ أَن يَأْخُذ بشفعه، فَذَلِك لَهُ، هَذَا قَول مَالك والكوفيين، وَرِوَايَة عَن أَحْمد. وَقَالَ ابْن بطال: وَيُشبه مَذْهَب الشَّافِعِي. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهُوَ مذْهبه، وَحكى أَيْضا عَن عُثْمَان البتي وَابْن أبي ليلى، وَاحْتج أَحْمد، فَقَالَ: لَا تجب لَهُ الشُّفْعَة حَتَّى يَقع البيع، فَإِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك. وَقد احْتج بِمثلِهِ ابْن أبي ليلى، وَذكر الرَّافِعِيّ، قَالَ مَالك: إِذا بَاعَ المُشْتَرِي نصِيبه من أَجْنَبِي وشريكه حَاضر يعلم بَيْعه فَلهُ الْمُطَالبَة بِالشُّفْعَة مَتى شَاءَ، وَلَا تَنْقَطِع شفعته إلَاّ بِمُضِيِّ مُدَّة يعلم أَنه فِي مثلهَا تَارِك، وَاخْتلف فِي الْمدَّة، فَقيل: سنة، وَقيل: فَوْقهَا، وقييل: فَوق ثَلَاث، وَقيل: فَوق خمس، حَكَاهَا ابْن الْحَاجِب. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا وَقع البيع فَعلم الشَّفِيع بِهِ، فَإِن أشهد فِي مَكَانَهُ أَنه على شفعته وَإِلَّا بِطَلَب شفعته، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي: إلَاّ أَن يكون لَهُ عذر مَانع من طلبَهَا من حبس أَو غَيره فَهُوَ على شفعته. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ منْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وهْوَ شاهِدٌ لَا يُغَيِّرُها فَلَا شُفْعَةَ لَهُ الشّعبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْكَبِير، قَالَ مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن الفداني عَن الشّعبِيّ: إِنَّه قَالَ: أدْركْت خَمْسمِائَة من أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، يَقُولُونَ: عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر فِي الْجنَّة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة وَهُوَ ابْن ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَتَعْلِيق الشّعبِيّ وَصله ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع حَدثنَا يُونُس بن أبي إِسْحَاق، قَالَ: سَمِعت الشّعبِيّ يَقُول بِهِ. وَفِيه: لَا ينكرها، بدل: لَا يغيرها. ٨٥٢٢ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي إبْرَاهِيمُ بنُ مَيْسَرَةَ عنْ عَمْرٍ وبنِ الشَّرِيدِ قَالَ وقَفْتُ علَى سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ فَجاءَ المِسْوَرُ بنُ مَحْرَمَةَ فوَضَعَ يَدَهُ عَلى إحْدَى مَنْكِبَيَّ إذْ جاءَ أبُو رَافِعٍ مَوْلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ يَا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَيْتِي فِي دَارِكَ فَقَالَ سعْدٌ وَالله مَا أبْتَاعُهُمَا فَقَالَ المِسْوَرُ وَالله لتَبْتَاعَنَّهُما فَقَالَ سَعْدٌ وَالله لَا أزِيدُكَ عَلى أرْبَعَةِ آلافٍ مُنَجَّمَةٍ أوْ مُقَطَّعَةٍ. قَالَ أبُو رَافِعٍ لَقَدْ أعْطَيْتُ بِها خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ ولَوْلَا أنِّي سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقولُ الجارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أعْطَيْتُكَها بأرْبَعَةِ آلافٍ وَأَنا أَعْطَى بِها خَمْسَمائَةِ دِينَارٍ فأعْطَاها إيَّاهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ابتع مني بَيْتِي الَّذِي فِي دَارك) فَفِي ذَلِك عرض الشَّرِيك بِالْبيعِ شَرِيكه لأجل شفعته قبل صُدُور البيع. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم بن بشير بن فرقد أَبُو السكن الْحَنْظَلِي الْبَلْخِي.

стр. 3488

الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن ميسرَة ضد الميمنة وَقد مر فِي: بَاب الدّهن للْجُمُعَة. الرَّابِع: عَمْرو بن الشريد، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: أَبُو الْوَلِيد، قَالَ الْعجلِيّ: حجازي تَابِعِيّ ثِقَة. وَأَبوهُ الشريد بن سُوَيْد الثَّقَفِيّ صَحَابِيّ شهد الْحُدَيْبِيَة. الْخَامِس: سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّادِس: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا، تقدم فِي آخر كتاب الْوضُوء. السَّابِع: أَبُو رَافع، واسْمه أسلم، بِلَفْظ أفعل التَّفْضِيل: القبطي، كَانَ للْعَبَّاس فوهبه لرَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا بشر رَسُول الله ﷺ بِإِسْلَام الْعَبَّاس أعْتقهُ، مَاتَ فِي أول خلَافَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: ثَلَاثَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، واحدهم صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ، وَهُوَ الْمسور بن مخرمَة، فَإِن مخرمَة: من مسلمة الْفَتْح، وَمن الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، وَشهد حنينا مَعَ النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن عَم سعد بن أبي وَقاص. وَفِيه: أَن شَيْخه بلخي، كَمَا ذكرنَا، وَأَن ابْن جريج وَإِبْرَاهِيم مكيان وَعَمْرو بن شريد طائفي وَهُوَ من أوساط التَّابِعين وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث وَفِيه: إِبْرَاهِيم عَن عَمْرو، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان على مَا يَأْتِي فِي ترك الْحِيَل عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة سَمِعت عَمْرو بن الشريد. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ترك الْحِيَل عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأبي نعيم: كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَعَن مُسَدّد عَن يحيى عَن الثَّوْريّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن النُّفَيْلِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ، وَعَن مَحْمُود بن غيلَان عَن أبي نعيم بيه، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة، وَعلي بن مُحَمَّد وَعبد الله بن الْجراح، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِحْدَى مَنْكِبي) ذكره ابْن التِّين هَكَذَا بِلَفْظ إِحْدَى، وَأنْكرهُ بَعضهم، وَقَالَ: الْمنْكب مُذَكّر، وبخط الْحَافِظ الدمياطي: أحد مَنْكِبي. قَوْله: (إِذْ جَاءَ) كلمة: إِذْ، للمفاجأة مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة، وجوابها قَوْله: فَقَالَ: يَا سعد. قَوْله: (إبتعْ مني) أَي: إشترِ مني. قَوْله: (بَيْتِي فِي دَارك) أَي: بَيْتِي الكائنين فِي دَارك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَيْتِي، بِلَفْظ الْمُفْرد والتثنية، وَلِهَذَا جَاءَت الضمائر الَّتِي بعده مثنى ومفردا مؤنثا بِتَأْوِيل الْبَيْت بالبقعة. قَوْله: (مَا ابتاعهما) ، أَي: مَا اشتريهما. قَوْله: (لتبتاعنهما) ، اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد وَكَذَلِكَ نون التَّأْكِيد، إِمَّا مُخَفّفَة وَإِمَّا مثقلة. قَوْله: (منجمة) ، أَي: موظفة، والنجم: الْوَقْت الْمَضْرُوب. قَوْله: (أَو مقطعَة) ، شكّ من الرَّاوِي وَالْمرَاد: مُؤَجّلَة يُعْطي شَيْئا فَشَيْئًا. قَوْله: (أَرْبَعَة آلَاف) ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ فِي ترك الْحِيَل: أَرْبَعمِائَة مِثْقَال، وَهُوَ يدل على أَن المثقال إِذْ ذَاك عشرَة دَرَاهِم. قَوْله: (لقد أَعْطَيْت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَأَنا أعطي بهَا) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه على إِثْبَات الشُّفْعَة للْجَار، وأوله الْخصم على أَن المُرَاد بِهِ الشَّرِيك بِنَاء على أَن أَبَا رَافع كَانَ شريك سعد فِي الْبَيْتَيْنِ، وَلذَلِك دَعَاهُ إِلَى الشِّرَاء مِنْهُ، ورد هَذَا بِأَن ظَاهر الحَدِيث أَن أَبَا رَافع كَانَ يملك بَيْتَيْنِ من جملَة دَار سعد لَا شِقْصا شَائِعا من دَار سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكر عمر بن شبة أَن سَعْدا كَانَ اتخذ دارين بالبلاط مُتَقَابلين بَينهمَا عشرَة أَذْرع، وَكَانَت الَّتِي عَن يَمِين الْمَسْجِد مِنْهُمَا لأبي رَافع، فاشتراها سعد مِنْهُ، ثمَّ سَاق حَدِيث الْبَاب، فَاقْتضى كَلَامه أَن سَعْدا كَانَ جارا لأبي رَافع قبل أَن يَشْتَرِي مِنْهُ دَاره لَا شَرِيكا. وَقيل: الْجَار، لما احْتمل مَعَاني كَثِيرَة: مِنْهَا: أَن كل من قَارب بدنه بدن صَاحبه قيل لَهُ جَار فِي لِسَان الْعَرَب. وَمِنْهَا: يُقَال لامْرَأَة الرجل جارته لما بَينهمَا من الِاخْتِلَاط بِالزَّوْجِيَّةِ. وَمِنْهَا: أَنه يُسمى الشَّرِيك جارا لما بَينهمَا من الِاخْتِلَاط بِالشّركَةِ وَغير ذَلِك من الْمعَانِي، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون لفظ الْحَار فِي الحَدِيث مُجملا. وَقَوله ﷺ : (فَإِذا وَقعت الْحَد فَلَا شُفْعَة) كَانَ مُفَسرًا فَالْعَمَل بِهِ أولى من الْعَمَل بالمجمل. قلت: دَعْوَى الْإِجْمَال هُنَا دَعْوَى فَاسِدَة لعدم الدَّلِيل على ذَلِك، وَفِي (مُصَنف) عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن شُرَيْح: الخليط أَحَق من غَيره. وَفِي (مُصَنف) ابْن أبي شبة: عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: الشَّرِيك أَحَق بِالشُّفْعَة، فَإِن لم يكن شريك فالجار، وَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن الشَّرِيك غير الْجَار، فَإِن المُرَاد بالجار هُوَ صَاحب

стр. 3489

الدَّار الملاصقة بدار غَيره. وَفِيه: ثُبُوت الشُّفْعَة مُطلقًا، سَوَاء كَانَ الَّذِي لَهُ الشُّفْعَة حَاضرا أَو غَائِبا، وَسَوَاء كَانَ بدويا أَو قرويا، مُسلما أَو ذِمِّيا، صَغِيرا أَو كَبِيرا أَو مَجْنُونا إِذا أَفَاق. وَقَالَ قوم من السّلف: لَا شُفْعَة لمن لم يسكن فِي الْمصر وَلَا للذِّمِّيّ، قَالَه الشّعبِيّ والْحَارث العكلي والبتي، وَزَاد الشّعبِيّ: وَلَا لغَائِب، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: وَلَا شُفْعَة لصغير، وَقَالَ الشّعبِيّ: لَا تبَاع الشُّفْعَة وَلَا توهب وَلَا تعار، هِيَ لصَاحِبهَا الَّذِي وَقعت لَهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيم فِيمَا نَقله الْأَثْرَم: لَا تورث، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن سِيرِين، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ عبد الرَّزَّاق: وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق وَالْحسن بن حَيّ وَأبي سُلَيْمَان، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: تورث. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة أَن الشُّفْعَة تبطل بِمَوْت الشَّفِيع قبل الْأَخْذ بعد الطّلب أَو قبله، فَلَا تورث عَنهُ وَلَا تبطل بِمَوْت المُشْتَرِي لوُجُود الْمُسْتَحق. وَفِيه: مَا يدل على مَكَارِم الْأَخْلَاق لِأَن أَبَا رَافع بَاعَ من سعد بِأَقَلّ مِمَّا أعطَاهُ غَيره، فَهُوَ من بَاب الْإِحْسَان وَالْكَرم، وَإِذا اخْتلف الشَّفِيع وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَار الثّمن فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مُنكر، وَلَا يَتَحَالَفَانِ، فَإِن برهنا فَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الشَّفِيع عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، وَعند أبي يُوسُف: الْبَيِّنَة بَيِّنَة المُشْتَرِي، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد: تهاترتا وَالْقَوْل للْمُشْتَرِي، وعنهما: يقرع، وَعند مَالك: يحكم للأعدل وإلَاّ فباليمين. ٣ - (بابٌ أيُّ الجِوَارِ أقْرَبُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَي الْجوَار أقرب إِذا كَانَ ثمَّة جيران، وَقد ذكرنَا أَن الْجَار الَّذِي يسْتَحق الشُّفْعَة هُوَ الْجَار الملاصق، وَهُوَ الَّذِي دَاره على ظهر الدَّار المشفوعة، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ، والجوار بِضَم الْجِيم وَكسرهَا. ٩٥٢٢ - حدَّثنا حَجَّاجٌ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ ح وحدَّثني عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا شبَابَةُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا أبُو عِمْرَانَ قَالَ سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ عَبْدِ الله عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّ لِي جارَيْنِ فإلَى أيِّهِما أُهْدِي قَالَ إِلَى أقرَبِهِما منْكِ بَابا. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح أَي الْجوَار أقرب. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: حجاج هُوَ ابْن منهال السّلمِيّ الْأنمَاطِي، وَلَيْسَ هُوَ حجاج بن مُحَمَّد الْأَعْوَر، وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا قد روى عَن شُعْبَة، لِأَن البُخَارِيّ سمع من حجاج ابْن منهال وَلم يسمع من حجاج بن مُحَمَّد، وَلَكِن روى لَهُ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَليّ بن عبد الله، كَذَا وَقع فِي النِّسْبَة فِي رِوَايَة ابْن السكن وكريمة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَقع غير مَنْسُوب حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عَليّ فَقَط، وَعَن هَذَا اخْتلفُوا فِيهِ من هُوَ؟ فَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: هُوَ عَليّ بن سَلمَة اللبقي، بِفَتْح اللَّام وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالقاف: النييسابوري، وَبِه جزم الكلاباذي، وَابْن طَاهِر، وَهُوَ الَّذِي ثَبت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَقَالَ ابْن شبويه: هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَهُوَ الْأَظْهر، لِأَن فِي كثير من الْمَوَاضِع يُطلق البُخَارِيّ الرِّوَايَة عَن عَليّ، وَإِنَّمَا يقْصد بِهِ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَلِأَن الْعَادة أَنه إِذا أطلق ينْصَرف إِلَى من يكون أشهر، وَلَا شكّ أَن ابْن الْمَدِينِيّ أشهر من اللبقي. الرَّابِع: شَبابَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف البائين الموحدتين بَينهمَا ألف: ابْن سوار الْفَزارِيّ أَبُو عَمْرو، وَقد مر فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء. الْخَامِس: أَبُو عمرَان، واسْمه: عبد الْملك بن حبيب ضد الْعَدو الْجونِي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون. السَّادِس: طَلْحَة بن عبد الله، قَالَ الْحَافِظ الْمزي: هُوَ طَلْحَة ابْن عبد الله بن عُثْمَان بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ طَلْحَة بن عبد الله الْخُزَاعِيّ، وَالأَصَح مَا قَالَه الْمزي، لِأَن البُخَارِيّ أخرج حَدِيث الْبَاب فِي الْهِبَة من طَرِيق غنْدر عَن شُعْبَة، فَقَالَ: طَلْحَة بن عبد الله رجل من بني تيم بن مرّة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن حَرْب: عَن شُعْبَة عَن طَلْحَة بن عبد الله الْخُزَاعِيّ، وَقَالَ الْحَارِث بن عبد الله: عَن أبي عمرَان الْجونِي عَن طَلْحَة، وَلم ينْسبهُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَسليمَان بن الْأَشْعَث: قَالَ شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث: عَن طَلْحَة، رجل من قُرَيْش. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَالَ يحيى بن يُونُس عَن شُعْبَة: أَخْبرنِي أَبُو عمرَان أَنه سمع طَلْحَة عَن عَائِشَة، قَالَ شُعْبَة: وَأَظنهُ سَمعه من عَائِشَة وَلم يقل سمعته مِنْهَا. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي

стр. 3490

موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَنه من أَفْرَاده، وَأَن شُعْبَة واسطي وَعلي بن عبد الله مديني وشبابة مدائني، وَأَن أَبَا عمرَان بَصرِي. وَفِيه: أَنه لَيْسَ لطلْحَة بن عبد الله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده لم يُخرجهُ مُسلم، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن حجاج، وَفِي الْهِبَة عَن ابْن بشار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد وَسَعِيد بن مَنْصُور. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أهدي) ، بِضَم الْهمزَة من الإهداء، وَقَالَ الْمُهلب: وَإِنَّمَا أَمر بالهدية إِلَى من قرب بَابه لِأَنَّهُ ينظر إِلَى مَا يدْخل دَار جَاره وَمَا يخرج مِنْهَا، فَإِذا رأى ذَلِك أحب أَن يُشَارك فِيهِ، وَأَنه أسْرع إِجَابَة لجاره عِنْدَمَا ينوبه من حَاجَة إِلَيْهِ فِي أَوْقَات الْغَفْلَة والغرة، فَلذَلِك بَدَأَ بِهِ على من بعد بَاب دَاره وَإِن كَانَت دَاره أقرب، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهَذَا الحَدِيث دَال على أَن اسْم الْجَار يَقع على غير الملاصق، لِأَنَّهُ قد يكون لَهُ جَار ملاصق وبابه من سكَّة غير سكته، وَله جَار بَينه وَبَين بَابه قدر ذراعين وَلَيْسَ بملاصق، وَهُوَ أدناهما بَابا. وَقد خرج أَبُو حنيفَة عَن ظَاهر الحَدِيث، فَقَالَ: إِن الْجَار الملاصق إِذا ترك الشُّفْعَة وطلبها الَّذِي يَلِيهِ وَلَيْسَ لَهُ حد وَلَا طَرِيق فَلَا شُفْعَة لَهُ، وعوام الْعلمَاء يَقُولُونَ: إِذا أوصى رجل لجيرانه أعْطى اللزيق وَغَيره إلَاّ أَبَا حنيفَة، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يعْطى إلَاّ اللزيق وَحده. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَ: خرج أَبُو حنيفَة عَن ظَاهر الحَدِيث، خرج عَن ظَاهر الْأَدَب، وَلَا ينْقل عَن إِمَام مثل أبي حنيفَة شَيْء مِمَّا قَالَه إلَاّ بمراعاة الْأَدَب، فَإِن الَّذِي ينْقل عَنهُ شَيْئا من بعده لَا يُسَاوِي مِقْدَاره وَلَا يدانيه لَا فِي الدّين وَلَا فِي الْعلم، وَأَبُو حنيفَة لَا يذهب إِلَى شَيْء إلَاّ بعد أَن يُحَقّق مدركه والسر فِيهِ، وَالْأَصْل فِي النُّصُوص التَّعْلِيل، وَلَا يدْرِي هَذَا إلَاّ من يقف على مداركها، والسر فِي وجوب الشُّفْعَة دفع الْأَذَى من الْخَارِج، وَلِهَذَا قدم الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع، ثمَّ من بعده الشَّرِيك فِي حق الْمَبِيع، ثمَّ من بعدهمَا للْجَار، وَلَا يحصل الضَّرَر فِي منع الشُّفْعَة إلَاّ للْجَار الملاصق لاتصال الجدران، وَوضع الأخشاب بَينه وَبَين صَاحب الْملك، وَلَا مُنَاسبَة بَين الْجَار الَّذِي لَهُ الشُّفْعَة وَبَين الْجَار الَّذِي أوصى إِلَيْهِ بشء، لِأَن أَمر الشُّفْعَة مَبْنِيّ على الْقَهْر، بِخِلَاف الْوَصِيَّة. وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْوَصِيَّة لجيرانه الملاصقين لأَنهم الْجِيرَان تَسْمِيَة وَعرفا، وَفِي مَذْهَب عوام الْعلمَاء عسر عَظِيم، بل لَا يحصل فِيهِ فَائِدَة على قَول من يَقُول: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، وَفِي (مَرَاسِيل) أبي دَاوُد: عَن ابْن شهَاب قَالَ رَسُول الله ﷺ : أَرْبَعُونَ دَارا جَار. قَالَ يُونُس: قلت لِابْنِ شهَاب: وَكَيف أَرْبَعُونَ دَارا؟ قَالَ أَرْبَعُونَ عَن يَمِينه وَعَن يسَاره وَخَلفه وَبَين يَدَيْهِ. وَعَن الْحسن أَرْبَعُونَ من هُنَا وَأَرْبَعُونَ من جوانبها الْأَرْبَع أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ، وَلَو فَرضنَا أَن شخصا من أهل مصر أوصى بِثلث مَاله لجيرانه، فَخرج ثلث مَاله عشرَة دَرَاهِم مثلا، فعلى قَول الْحسن يعْطى هَذِه الْعشْرَة لمِائَة وَعشْرين نفسا، فَيحصل لكل وَاحِد مَا لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة وَلَا ينْتَفع بِهِ الْمُوصى إِلَيْهِ، وَأما على قَول: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، فَحكمه حكم الْعَدَم، فَلَا يحصل مَقْصُود الْمُوصي وَلَا مَقْصُود الْمُوصى لَهُم. فَإِذا قُلْنَا: الْجِيرَان هم الملاصقون لَا يفوت شَيْء من ذَلِك وَيحصل مَقْصُود الْمُوصي من ذَلِك أَيْضا. وَقَالَ ابْن بطال: لَا حجَّة فِي هَذَا الحَدِيث لمن أوجب الشُّفْعَة بالجوار، لِأَن عَائِشَة إِنَّمَا سَأَلت عَمَّن تبدأ بِهِ من جِيرَانهَا بالهدية، فَأَخْبرهَا بِأَن من قرب أولى من غَيره. انْتهى. قلت: إِنَّمَا كَانَ مُرَاد ابْن بطال من هَذَا الْكَلَام التسميع للحنفية فهم مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَلَئِن سلمنَا أَنهم احْتَجُّوا بِهِ فَلهم ذَلِك لِأَنَّهُ ﷺ أَشَارَ إِلَى أَن الْأَقْرَب أولى، فالجار الملاصق أقرب من غَيره فَيكون أَحَق من غَيره، وَلَا سِيمَا بِأَنَّهُ بَاب الْإِكْرَام وَبَاب الإهداء على التعهد والتفضل وَالْإِحْسَان. قَوْله: (قَالَ إِلَى أقربهما مِنْك بَابا) أَي: قَالَ ﷺ : إِلَى أقرب الجارين من حَيْثُ الْبَاب، وَهنا اسْتعْمل أفعل التَّفْضِيل بِوَجْهَيْنِ، مَعَ أَنه لَا يسْتَعْمل إلَاّ بِأحد الْوُجُوه الثَّلَاثَة، لِأَنَّهُ لم يسْتَعْمل إلَاّ بِالْإِضَافَة. وَأما كلمة: من، فَهِيَ من صلَة الْقرب، كَمَا يُقَال: قرب من كَذَا. وَفِيه: افتقاد الْجِيرَان بإرسال شَيْء إِلَيْهِم، وَلَا سِيمَا إِذا كَانُوا فُقَرَاء وَفِيهِمْ أَغْنِيَاء، وَقد قَالَ ﷺ : (لَا يُؤمن أحدكُم بِبَيْت شبعان وجاره طاوٍ) وَقد أوصى الله تَعَالَى بالجار. فَقَالَ: ﴿وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . وَقَالَ، ﷺ : (مَا زَالَ جِبْرِيل، ﵊، يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه) .

стр. 3491

٧٣ - (كِتَابُ الإجَارَة) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْإِجَارَة وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي الْإِجَارَات، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ قَوْله: فِي الْإِجَارَات، وَكَذَا لَيْسَ فِي رِوَايَة البَاقِينَ لفظ: كتاب الْإِجَارَة، وَالْإِجَارَة على وزن فعالة، بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَة اسْم للأجرة، وَهُوَ كِرَاء الْأَجِير، وَقد أجره إِذا أعطَاهُ أجرته من بَابي طلب وَضرب فَهُوَ آجر، وَذَاكَ مأجور، وَفِي كتاب (الْعين) : آجرت مملوكي أَو جَرّه إيجارا فَهُوَ موجر، وَفِي (الأساس) : أجرني دَاره فاستأجرتها، وَهُوَ مؤجر، وَلَا تقل مؤاجر فَإِنَّهُ خطأ فَاحش، وَتقول: أجره إِذا أعطَاهُ أجرته، وَإِذا نقلته إِلَى بَاب الإفعال تَقول: أجر، بِالْمدِّ لِأَن أَصله: اءجر، بهمزتين إِحْدَاهمَا فَاء الْفِعْل وَالْأُخْرَى همزَة أفعل، فقلبت الْهمزَة الثَّانِيَة ألفا للتَّخْفِيف فَصَارَ: آجر، على وزن أفعل، فاسم الْفَاعِل من الأول: آجر، وَمن الثَّانِي: مؤجر، وَفِي الشَّرْع: الْإِجَارَة عقد الْمَنَافِع بعوض، وَقيل: تمْلِيك الْمَنَافِع بعوض، وَقيل: بيع مَنْفَعَة مَعْلُومَة بِأَجْر مَعْلُوم، وَهَذَا أحسن. ١ - (بابٌ فِي استِئْجارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان استيجار الرجل الصَّالح، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قصَّة مُوسَى مَعَ ابْنة شُعَيْب، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ خَيْرَ منِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ (الْقَصَص: ٦٢) . وَقَوله الله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: فِي استيجار الرجل الصَّالح، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن خير من اسْتَأْجَرت. .﴾ (الْقَصَص: ٦٢) . الْآيَة. وَقَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي (تَفْسِيره) : هَذَا قَول صفوراء ابْنة شُعَيْب، ﵊، وَهِي الَّتِي تزَوجهَا مُوسَى، ﵊، وَكَانَت توأمة عبوراء، ولدت صفوراء قبلهَا بِنصْف يَوْم، وَكَانَ بَين الْمَكَان الَّذِي سقى فِيهِ الْغنم وَبَين شُعَيْب ثَلَاثَة أَمْيَال فَمشى مَعهَا وأمرها أَن تمشي خَلفه وتدله على الطَّرِيق، كَرَاهِيَة أَن ينظر إِلَيْهَا وهما على غير جادة، فَقَالَ شُعَيْب لابنته: من أَيْن علمت قوته وأمانته؟ فَقَالَت: أَزَال الْحجر عَن رَأس الْبِئْر، وَكَانَ لَا يطيقه إلَاّ رجال، وَقيل: أَرْبَعُونَ رجلا. وَذكرت أَنه أمرهَا أَن تمشي خَلفه كَرَاهَة أَن ينظر إِلَيْهَا، وسأوضح لَك هَذِه الْقِصَّة حَتَّى تقف على حَقِيقَتهَا مَعَ اخْتِصَار غير مخل. لما قتل مُوسَى القبطي كَمَا أخبر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن، فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ، فَأصْبح فِي الْمَدِينَة خَائفًا يترقب الْأَخْبَار، وَأمر فِرْعَوْن الذباحين بقتل مُوسَى، فَجَاءَهُ رجل من شيعته يُقَال لَهُ: خربيل، وَكَانَ قد آمن بإبراهيم، ﵊، وَصدق مُوسَى، ﵊، وَكَانَ ابْن عَم فِرْعَوْن، وَقَالَ لَهُ: إِن الْمَلأ يأتمرون بك، أَي: يتشاورون فِي قَتلك فَاخْرُج من هَذِه الْمَدِينَة إِنِّي لَك من الناصحين، فَخرج وَلم يدر أَيْن يذهب، فَجَاءَهُ ملك ودله على الطَّرِيق، فهداه إِلَى مَدين وَبَينهَا وَبَين مصر مسيرَة ثَمَانِيَة أَيَّام، وَقيل: عشرَة، وَكَانَ يَأْكُل من ورق الشّجر وَيَمْشي حافيا حَتَّى ورد مَاء مَدين وَنزل عِنْد الْبِئْر، وَإِذا بجنبه أمة من النَّاس يسقون، وَوجد من دونهم امْرَأتَيْنِ تذودان أَي: تمنعان أغنامهما عَن الِاخْتِلَاط بأغنام النَّاس، فَقَالَ لَهما: ﴿مَا خطبكما قَالَتَا لَا نسقي حَتَّى يصدر الرعاء﴾ (الْقَصَص: ٣٢) . لأَنا ضعفاء لَا نقدر على مزاحمتهم ﴿وأبونا شيخ كَبِير﴾ (الْقَصَص: ٥٢) . تعنيان شعيبا، ﵊، وَالْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور أَنه شُعَيْب النَّبِي،، وَقيل: إِنَّه ابْن أخي شُعَيْب، ذكره أَحْمد فِي (تَفْسِيره) وَذكر السُّهيْلي أَن شعيبا هُوَ شيرون بن ضيفون بن مَدين بن إِبْرَاهِيم، ﵊، وَيُقَال: شُعَيْب بن ملكاين، وَقيل: شيرون ابْن أخي شُعَيْب، وَقيل: ابْن عَم شُعَيْب، وَقَالَ وهب: اسْم ابْنَته الْكُبْرَى صفوراء، وَاسم الصُّغْرَى عبوراء،، وَقيل: اسْم إحديهما شرفا، وَقيل: ليا، وَالْمَقْصُود: لما جَاءَ إِلَى شُعَيْب بعد أَن فعل مَا ذكرنَا، قصَّ عَلَيْهِ الْقَصَص، قَالَ: ﴿لَا تخف نجوت من الْقَوْم الظَّالِمين﴾ (الْقَصَص: ٦٢) . و ﴿قَالَت إِحْدَاهمَا﴾ (الْقَصَص: ٣٢) . وَهِي صفوراء ﴿يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين﴾ (الْقَصَص: ٦٢) . فَقَالَ لَهَا شُعَيْب، وَمَا علمك بِهَذَا؟ فَأخْبرت بِالَّذِي فعله مُوسَى، ﵊، فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ شُعَيْب: ﴿إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين﴾ (الْقَصَص: ٧٢) . إِلَى آخر الْآيَة، وَكَانَ فِي شرعهم: يجوز تَزْوِيج الْمَرْأَة على رعي الْغنم، وَأما فِي شرعنا فَفِيهِ خلاف مَشْهُور، وَقَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِك بيني وَبَيْنك ... ﴾ (الْقَصَص: ٨٢) . الْآيَة.

стр. 3492

والخَازِنُ الأمِينُ ومنْ لَمْ يَسْتعْملْ مَنْ أرَادَهُ هَذَا أَيْضا من التَّرْجَمَة، وَلها جزآن: أَحدهمَا: قَوْله: والخازن الْأمين. وَالْآخر: قَوْله: وَمن لم يسْتَعْمل من أَرَادَهُ، وَقد ذكر بعد لكل وَاحِد حَدِيثا، فَالْحَدِيث الأول للجزء الأول وَالثَّانِي للثَّانِي، وَمعنى: من لم يسْتَعْمل من أَرَادَهُ الإِمَام الَّذِي لم يسْتَعْمل الَّذِي أَرَادَ الْعَمَل، لِأَن الَّذِي يُريدهُ يكون طلبه لِحِرْصِهِ فَلَا يُؤمن عَلَيْهِ. ١٦٢٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عَن قرَّةَ بنِ خالِدٍ قَالَ حدَّثني حُمَيْدُ بنُ هِلال قَالَ حدَّثنا أبُو بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أقْبَلْتُ إِلَى النبيِّ ﷺ ومَعِي رَجلانِ منَ الأشْعَرِيِّينَ فَقُلْتُ مَا عَلِمْتُ أنَّهُمَا يَطْلُبَانِ العَمَلَ فقالَ لَنْ أوْ لَا نَسْتَعْمِلُ عَلى عَمَلِنَا مَنْ أرَادَهُ. . مطابقته لقَوْله: وَمن لم يسْتَعْمل من أَرَادَهُ، ظَاهِرَة وَأما وَجه دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب فَلِأَن الَّذِي يطْلب الْعَمَل إِنَّمَا يَطْلُبهُ غَالِبا لتَحْصِيل الْأُجْرَة الَّتِي شرعت لَهُ، وَهَذَا كَانَ فِي ذَلِك الزَّمَان، وَأما الَّذِي يطْلب الْعَمَل فِي زَمَاننَا هَذَا فَلَا يَطْلُبهُ إلَاّ لتَحْصِيل الْأَمْوَال، سَوَاء كَانَ من الْحَلَال أَو الْحَرَام، وللأمر وَالنَّهْي بِغَيْر طَرِيق شَرْعِي، بل غَالب من يطْلب الْعَمَل إِنَّمَا يَطْلُبهُ بالبراطيل والرشوة، وَلَا سِيمَا فِي مصر، فَإِن الْأَمر فَاسد جدا فِي الْعمَّال فِيهَا حَتَّى إِن أَكثر الْقُضَاة يتولون بالرشوة وَهَذَا غير خَافَ على أحد، فنسأل الله الْعَفو والعافية. وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وقرة، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء: ابْن خَالِد أَبُو مُحَمَّد، وَأَبُو خَالِد السدُوسِي الْبَصْرِيّ، وَحميد، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن هِلَال بن هُبَيْرَة الْعَدوي الْهِلَالِي الْبَصْرِيّ مر فِي: بَاب يرد الْمُصَلِّي من بَين يَدَيْهِ، وَأَبُو بردة عَامر، وَقد مضى الْآن. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مُخْتَصرا وَمُطَولًا فِي الْإِجَارَة وَالْأَحْكَام وَفِي استنابة الْمُرْتَدين عَن مُسَدّد عَن يحيى وَفِي الْأَحْكَام أَيْضا عَن عبد الله بن الصَّباح. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي قدامَة وَمُحَمّد بن حَاتِم وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُدُود عَن أَحْمد بن حَنْبَل ومسدد بِتَمَامِهِ وَفِي القضايا عَن أَحْمد بن حَنْبَل

стр. 3493

بِبَعْضِه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة وَفِي الْقَضَاء عَن عَمْرو بن عَليّ، خمستهم عَن يحيى بن سعيد بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ومعى) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (من الْأَشْعَرِيين) أَي: من الْجَمَاعَة الْأَشْعَرِيين، والأشعري نِسْبَة إِلَى الْأَشْعر وَهُوَ نبت بن أدد بن يشحب بن عريب بن يزِيد بن كهلان، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: الْأَشْعَرِيّ، لِأَن أمه وَلدته وَهُوَ أشعر. قَوْله: (فَقلت) ، الْقَائِل هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَي: فَقلت: يَا رَسُول الله! مَا علمت أَنَّهُمَا أَي: أَن الرجلَيْن يطلبان الْعَمَل. وَسَيَجِيءُ فِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَفِيه: معي رجلَانِ من الْأَشْعَرِيين وَكِلَاهُمَا سَأَلَا، أَي: الْعَمَل، فَقلت: وَالَّذِي بَعثك مَا أطلعت على مَا فِي أَنفسهمَا وَلَا علمت أَنَّهُمَا يطلبان الْعَمَل ... الحَدِيث. قَوْله: (فَقَالَ: لن أَو لَا) أَي: فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : (لن نستعمل على عَملنَا من أَرَادَهُ) ، وَقَوله: أوَ، لَشك الرَّاوِي، أَي: لَا نولي من أَرَادَ الْعَمَل. وَذكر ابْن التِّين أَنه ضبط فِي بعض النّسخ: لن أولي، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة، مضارع فعل من التَّوْلِيَة. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي: فعلى هَذِه الرِّوَايَة يكون لفظ: نستعمل، زَائِد، أَو يكون تَقْدِير الْكَلَام: لن أولى على عَملنَا، وَقد وَقع هَذَا الحَدِيث فِي الْأَحْكَام من طَرِيق بريد بن عبد الله عَن أبي بردة بِلَفْظ: إِنَّا لَا نولي على عَملنَا، وَهَذَا يُؤَيّد مَا ذكره الشَّيْخ قطب الدّين، ﵀. وَقَالَ ابْن بطال: لما كَانَ طلب العمالة دلَالَة على الْحِرْص وَجب أَن يحْتَرز من الْحَرِيص عَلَيْهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا نهي، وَظَاهره التَّحْرِيم، كَمَا قَالَ، ﷺ : (لَا تسْأَل الْإِمَارَة وَإِنَّا وَالله لَا نولي على عَملنَا هَذَا أحدا يسْأَله ويحرص عَلَيْهِ) ، فَلَمَّا أعرض عَنْهُمَا وَلم يولهما لحرصهما، ولى أَبَا مُوسَى الَّذِي لَا يحرص عَلَيْهَا والسائل الْحَرِيص يُوكل إِلَيْهَا وَلَا يعان عَلَيْهَا. ٢ - (بابُ رَعْي الغَنمِ عَلى قَرَارِيطَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رعي الْغنم على قراريط، وَهُوَ جمع قراط بتَشْديد الرَّاء فأبدل أحد حرفي التَّضْعِيف يَاء، وَمثل هَذَا كثير فِي لُغَة الْعَرَب، والقيراط نصف دانق، وَقيل: هُوَ نصف عشر الدِّينَار، وَقيل: هُوَ جُزْء من أَرْبَعَة وَعشْرين جُزْءا، وَقَالَ بَعضهم: على، هُنَا بِمَعْنى: الْبَاء، وَهِي للسَّبَبِيَّة أَو الْمُعَاوضَة، وَقيل: إِنَّهَا للظرفية. قلت: تَجِيء، على، بِمَعْنى: الْبَاء، نَحْو: حقيق عَليّ أَن لَا أَقُول، وَقد قَرَأَهُ أبي بِالْبَاء، وَلَكِن كَونهَا للسَّبَبِيَّة غير بعيد، وَكَذَلِكَ كَونهَا للمعاوضة، إِلَّا أَن كَونهَا للظرفية بعيد أللهم إلَاّ أَن يُقَال: إِن القراريط، إسم مَوضِع. ٢٦٢٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ جَدِّهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مَا بَعَثَ الله نَبِيَّا إلَاّ رَعَى الغَنَمَ فَقَالَ أصْحَابُهُ وأنْتَ فَقَالَ نَعَمْ كُنْتُ أرْعَاهَا عَلى قرَاريطَ لأِهْلِ مَكَّةَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت أرعاها على قراريط لأهل مَكَّة) . ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْوَلِيد الْأَزْرَقِيّ، وَيُقَال: الزرقي. الثَّانِي: عَمْرو بن يحيى بن سعيد. الثَّالِث: جده سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي. الرَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه من أَفْرَاده، وهما مكيان، وَأَن سعيد بن عَمْرو جد عَمْرو بن يحيى مدنِي الأَصْل، كَانَ مَعَ أَبِيه إِذْ غلب على دمشق، فَلَمَّا قتل أَبوهُ سيره عبد الْملك بن مَرْوَان مَعَ أهل بَيته إِلَى الْحجاز ثمَّ سكن الْكُوفَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مر فِي بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ. والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي التِّجَارَات عَن سُوَيْد بن سعيد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إلَاّ راعي الْغنم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إلَاّ راعي الْغنم. قَوْله: (وَأَنت) ، أَي: وَأَنت أَيْضا رعيت الْغنم، فَقَالَ: نعم. قَوْله: (على قراريط) ، وَاخْتلف فِي القراريط، فَقيل: هِيَ قراريط النقط، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن سُوَيْد بن سعيد عَن عَمْرو بن يحيى: كنت أرعاها لأهل مَكَّة بالقراريط، وَقَالَ سُوَيْد: شيخ ابْن ماجة، يَعْنِي: كل شَاة بقيراط، يَعْنِي:

стр. 3494

القيراط الَّذِي هُوَ جُزْء من الدِّينَار أَو الدِّرْهَم وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ قراريط اسْم مَوضِع بِمَكَّة قرب جِيَاد وَلم يرد القراريط من النَّقْد وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ الَّذِي قَالَه الْحَرْبِيّ أصح وَهُوَ تبع فِي ذَلِك شَيْخه ابْن نَاصِر فَإِنَّهُ خطأ سويدا فِي تَفْسِيره وَقَالَ بَعضهم لَكِن رجح الأول لِأَن أهل مَكَّة لَا يعْرفُونَ مَكَانا يُقَال لَهُ قراريط (قلت) وَكَذَلِكَ لَا يعْرفُونَ القيراط الَّذِي هُوَ من النَّقْد وَلذَلِك جَاءَ فِي الصَّحِيح " ستفتحون أَرضًا يذكر فِيهَا القراط " وَلَكِن لَا يلْزم من عدم معرفتهم القراريط الَّذِي هُوَ اسْم مَوضِع والقراريط الَّتِي من النَّقْد لَا يكون للنَّبِي ﷺ َ - بذلك علم فالنبي ﷺ َ - لما أخبر بِأَنَّهُ رعى الْغنم على قراريط علمُوا فِي ذَلِك الْوَقْت أَنَّهَا اسْم مَوضِع وَلم يَكُونُوا علمُوا بِهِ قبل ذَلِك لكَون هَذَا الِاسْم قد هجر اسْتِعْمَاله من قديم الزَّمَان فأظهره ﷺ َ - فِي ذَلِك الْوَقْت وَيدل على تأييد ذَلِك شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن كلمة على فِي أصل وَضعهَا للاستعلاء والاستعلاء حَقِيقَة لَا يكون إِلَّا على القراريط الَّذِي هُوَ اسْم مَوضِع وعَلى القراريط من النَّقْد يكون بطرِيق الْمجَاز فَلَا يُصَار إِلَى الْمجَاز إِلَّا عِنْد تعذر الْحَقِيقَة وَلَا تعذر هُنَا وَالثَّانِي جَاءَ فِي رِوَايَة كنت أرعى غنم أَهلِي بجياد وَهُوَ مَوضِع بِأَسْفَل مَكَّة فَهَذَا يدل على أَنه يرْعَى تَارَة بجياد وَتارَة بقراريط الَّذِي هُوَ الْمَكَان وَهَذَا يدل أَيْضا أَنه مَا كَانَ يرْعَى بِأُجْرَة فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا دخل للقراريط من النَّقْد فِي هَذَا الْموضع فَإِن قلت مَتى كَانَ هَذَا الرَّعْي فِي عمره ﷺ َ - (قلت) علم بالاستقراء من كَلَام ابْن إِسْحَاق والواقدي أَنه كَانَ وَعَمه نَحْو الْعشْرين سنة (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِيهِ (قلت) التقدمة والتوطئة فِي تَعْرِيفه سياسة الْعباد وَحُصُول التمرن على مَا سيكلف من الْقيام بِأَمْر أمته (فَإِن قلت) مَا وَجه تَخْصِيص الْغنم فِيهِ (قلت) لِأَنَّهَا أَضْعَف من غَيرهَا وأسرع انقيادا وَهِي من دَوَاب الْجنَّة (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِي ذكره ﷺ َ - ذَلِك (قلت) إِظْهَار تواضعه لرَبه مَعَ كَونه أكْرم الْخلق عَلَيْهِ وتنبيه أمته على مُلَازمَة التَّوَاضُع وَاجْتنَاب الْكبر وَلَو بلغ أقْصَى الْمنَازل الدنياوية وَفِيه أَيْضا اتِّبَاع لأخوته من الرُّسُل الَّذين رعوا الْغنم وَفِي حَدِيث للنسائي قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - بعث مُوسَى وَهُوَ راعي غنم وَبعث دَاوُد وَهُوَ راعي غنم عَلَيْهِمَا وَعَلِيهِ صلوَات الله وَسَلَامه دَائِما أبدا (بَاب اسْتِئْجَار الْمُشْركين عِنْد الضَّرُورَة أَو إِذا لم يُوجد أهل الْإِسْلَام) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم استيجار الْمُسلمين أهل الشّرك عِنْد الضَّرُورَة وَهَذِه التَّرْجَمَة تشعر بِأَنَّهُ لَا يرى اسْتِئْجَار الْمُشرك سَوَاء كَانَ من أهل الذِّمَّة أَو من غَيرهم عِنْد عدم الضَّرُورَة إِلَّا عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَى أحد مِنْهُم لأجل الضَّرُورَة نَحْو عدم وجود أحد من أهل الْإِسْلَام يَكْفِي ذَلِك أَو عِنْد عَدمه أصلا وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَإِذا لم يُوجد أهل الْإِسْلَام وَقَوله " لم يُوجد " على صِيغَة الْمَجْهُول وَفِي بعض النّسخ " وَإِذا لم يجد على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي وَإِذا لم يجد الْمُسلم أحدا من أهل الْإِسْلَام لِأَن يستأجره وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف يعلم مِمَّا قبله لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ وَقد قَرَّرْنَاهُ (وعامل النَّبِي ﷺ َ - يهود خَيْبَر) مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه ﷺ َ - عَامل يهود خَيْبَر على الْعَمَل فِي أرْضهَا إِذْ لم يُوجد من الْمُسلمين من يَنُوب منابهم فِي عمل الأَرْض فِي ذَلِك الْوَقْت وَلما قوي الْإِسْلَام اسْتغنى عَنْهُم حَتَّى أجلاهم عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَسقط بذلك قَول بَعضهم وَفِي استشهاده بِقصَّة مُعَاملَة النَّبِي ﷺ َ - يهود خَيْبَر على أَن يزرعوها نظر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيح بِالْمَقْصُودِ (قلت) كَيفَ يَنْفِي التَّصْرِيح بِالْمَقْصُودِ فِيهِ فَإِن مُعَامَلَته ﷺ َ - يهود خَيْبَر على الزِّرَاعَة فِي معنى استئجاره إيَّاهُم صَرِيحًا ٤ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة ﵂ واستأجر النَّبِي ﷺ َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل ثمَّ من بني عبد بن عدي هاديا خريتا. الخريت الماهر بالهداية قد غمس يَمِين حلف فِي آل العَاصِي

стр. 3495

ابْن وَائِل وَهُوَ على دين كفار قُرَيْش فأمناه فدفعا إِلَيْهِ راحلتيهما ووعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال فأتاهما براحلتيهما صَبِيحَة لَيَال ثَلَاث فارتحلا وَانْطَلق مَعَهُمَا عَامر بن فهَيْرَة وَالدَّلِيل الديلِي فَأخذ بهم وَهُوَ على طَرِيق السَّاحِل) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي " واستأجر النَّبِي ﷺ َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل " وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه ﷺ َ - وَأَبا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ استأجرا هَذَا الرجل وَهُوَ مُشْرك إِذْ لم يجدا أحدا من أهل الْإِسْلَام وَقَول بَعضهم وَفِي استشهاده باستئجار الدَّلِيل الْمُشرك على ذَلِك نظر قَول واه صادر من غير ترو وَلَا تَأمل على مَا لَا يخفى وَهَذَا الحَدِيث يَأْتِي كَامِلا فِي أَوَاخِر كتاب الْإِجَارَة قَوْله " واستأجر " بواو الْعَطف إِنَّمَا وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي الْوَقْت وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا وَقع " اسْتَأْجر " بِدُونِ حرف الْعَطف وَهِي ثَابِتَة فِي الأَصْل فِي نفس الحَدِيث الطَّوِيل لِأَن الْقِصَّة معطوفة على قصَّة قبلهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي واستأجر ذكر بِالْوَاو إشعارا بِأَنَّهُ قد تقدم لَهَا كَلِمَات أخر فِي حِكَايَة هِجْرَة رَسُول الله ﷺ َ - فعطف هَذَا عَلَيْهَا (قلت) نسب بَعضهم الْكرْمَانِي فِي قَوْله هَذَا إِلَى الْوَهم حَيْثُ قَالَ وَوهم من زعم أَن المُصَنّف زَاد الْوَاو للتّنْبِيه على أَنه اقتطع هَذَا الْقدر من الحَدِيث انْتهى (قلت) هَذَا الْقَائِل وهم فِي نَقله كَلَام الْكرْمَانِي على هَذَا الْوَجْه لِأَنَّهُ لم يقل بِأَن المُصَنّف زَاد الْوَاو إِلَى آخِره على هَذَا الْوَجْه وَمَا غر هَذَا الْقَائِل فِيمَا قَالَه إِلَّا قَول الْكرْمَانِي إشعارا وَقَوله فعطف هَذَا عَلَيْهَا وَأخذ مِنْهُمَا مَا ذهب إِلَيْهِ وهمه فنسبه إِلَى الْوَهم وَمعنى قَوْله إشعارا يَعْنِي للإشعار بِأَنَّهُ وَاو الْعَطف حَيْثُ قَالَ قد تقدم لَهَا كَلِمَات أخر يَعْنِي من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَمعنى قَوْله فعطف هَذَا عَلَيْهَا يَعْنِي أظهر وَاو الْعَطف على الْكَلِمَات الَّتِي تقدّمت لَا أَنه زَاد المُصَنّف من عِنْده وَاو الْعَطف قَوْله " رجلا من بني الديل " وَاسم هَذَا الرجل عبد الله بن أَرقم فِيمَا قَالَه ابْن إِسْحَق وَقَالَ ابْن هِشَام عبد الله بن أريقط وَقَالَ مَالك اسْمه رقيط والديلي بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره لَام وَقَالَ الرشاطي الديل فِي الأزد الديلِي بن هداء بن زيد وَفِي ثَعْلَب الديل بن زيد وَفِي إياد الديل بن أُميَّة وَفِي ضبة الديل بن ثَعْلَبَة وَفِي عبد الْقَيْس الديل بن عَمْرو وَالنِّسْبَة إِلَى ذَلِك كُله الديل بِكَسْر الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء من دَال يديل إِذا تعلق الشَّيْء وتحرك وَيُقَال مِنْهُ اندال يندال وَقَالَ ابْن هِشَام رجلا من بني الديلِي بن بكر وَكَانَت أمه من بني سهم بن عَمْرو وَكَانَ مُشْركًا قَوْله " من بني الديل " جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لقَوْله رجلا قَوْله " ثمَّ من بني عبد بن عدي " وَعبد خلاف الْحر وعدي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء من بني بكر قَوْله " هاديا " صفة لرجلا أَيْضا من هداه الطَّرِيق إِذا أرشده إِلَيْهِ قَوْله " خريتا " أَيْضا صفة بعد صفة والخريت بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا تَاء مثناة من فَوق وَهُوَ الماهر الَّذِي يَهْتَدِي لأخرات الْمَفَازَة وَهِي طرقها الْخفية ومضايقها وَقيل أَرَادَ بِهِ أَنه يَهْتَدِي لمثل خرت الإبرة من الطَّرِيق أَي ثقبها وَحكى الْكسَائي خرتنا الأَرْض إِذا عرفناها وَلم تخف علينا طرقها قَوْله " الخريت الماهر " بالهداية مدرج من قَول الزُّهْرِيّ قَوْله " قد غمس يَمِين حلف " أَي دخل فِي جُمْلَتهمْ وغمس نَفسه فِي ذَلِك وَالْحلف بِكَسْر الْحَاء الْعَهْد الَّذِي يكون بَين الْقَوْم وَإِنَّمَا قَالَ غمس إِمَّا لِأَن عَادَتهم أَنهم كَانُوا يغمسون أَيْديهم فِي المَاء وَنَحْوه عِنْد التَّحَالُف وَإِمَّا أَنه أَرَادَ بالغمس الشدَّة قَوْله " الْعَاصِ بن وَائِل " بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف وباللام وَيُقَال العَاصِي بِالْيَاءِ وبدونه وَآل الْعَاصِ هم بَنو سهم رَهْط من قُرَيْش قَوْله " فأمناه " أَي فأمن النَّبِي ﷺ َ - وَأَبُو بكر الرجل من أمنت فلَانا فَهُوَ آمن وَذَاكَ مَأْمُون قَوْله " راحلتيهما " تَثْنِيَة رَاحِلَة وَهِي من الْإِبِل الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء وَالتَّاء فِيهَا للْمُبَالَغَة وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اشتراهما بثمانمائة دِرْهَم وَكَانَ حبسهما فِي دَاره يعلفها إعدادا للسَّفر قَالَ ابْن إِسْحَاق لما قرب أَبُو بكر الراحلتين إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - قدم لَهُ أفضلهما فَقَالَ اركب يَا رَسُول الله فدَاك أبي وَأمي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - إِنِّي لَا أركب بَعِيرًا لَيْسَ لي قَالَ فَهِيَ لَك يَا رَسُول الله بِأبي وَأمي قَالَ مَا الثّمن الَّذِي ابتعتها بِهِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ أَخَذتهَا بذلك " قَالَ فَهِيَ لَك يَا رَسُول الله وروى الْوَاقِدِيّ أَنه أَخذ

стр. 3496

القصوى وروى ابْن عَسَاكِر بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت هِيَ الجدعاء فركبا وانطلقا وَأَرْدَفَ أَبُو بكر عَامر بن فهَيْرَة مَوْلَاهُ خَلفه للْخدمَة فِي الطَّرِيق قَوْله " غَار ثَوْر " الْغَار بالغين الْمُعْجَمَة الْكَهْف وثور اسْم الْحَيَوَان الْمَشْهُور جبل بِأَسْفَل مَكَّة وَفِيه الْغَار الَّذِي بَات فِيهِ النَّبِي ﷺ َ - وَأَبُو بكر لما هاجرا قَوْله " مَعَهُمَا " أَي مَعَ النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " عَامر بن فهَيْرَة " بِضَم الْفَاء وَفتح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء الْأَزْدِيّ وَكَانَ أسود اللَّوْن مَمْلُوكا للطفيل بن عبد الله فَاشْتَرَاهُ أَبُو بكر الصّديق مِنْهُ فَأعْتقهُ وَكَانَ دُخُوله فِي الْإِسْلَام قبل دُخُول رَسُول الله ﷺ َ - دَار الأرقم وَكَانَ حسن الْإِسْلَام وَهَاجَر مَعَهُمَا إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ ثالثهما قتل يَوْم بِئْر مَعُونَة بِفَتْح الْمِيم وبالنون سنة أَربع من الْهِجْرَة قَوْله " فَأخذ بهم " أَي فَأخذ الدَّلِيل الديلِي بِالنَّبِيِّ ﷺ َ - وَأبي بكر وعامر بن فهَيْرَة أَي ملتبسا بهم قَوْله " وَهُوَ على طَرِيق السَّاحِل " أَي طَرِيق سَاحل الْبَحْر ويروى فَأخذ بهم طَرِيق سَاحل الْبَحْر (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ اسْتِئْجَار الْمُسلم الْكَافِر على هدايته الطَّرِيق قلت وعَلى غَيرهَا أَيْضا. وَفِيه اسْتِئْجَار الرجلَيْن الْوَاحِد على عمل وَاحِد لَهما. وَفِيه اسْتِئْجَار الرجل على أَن يدْخل فِي الْعَمَل بعد أَيَّام مَعْلُومَة فَيصح عقدهما قبل الْعَمَل وَقِيَاسه أَن يسْتَأْجر منزلا مُدَّة مَعْلُومَة قبل مَجِيء السّنة بأيام وَأَجَازَ مَالك وَأَصْحَابه اسْتِئْجَار الْأَجِير على أَن يعْمل بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ أَو مَا قرب هَذَا إِذا نَقده الْأُجْرَة وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا اسْتَأْجرهُ ليعْمَل بعد شهر أَو سنة وَلم ينقده فَأَجَازَهُ مَالك وَابْن الْقَاسِم وَقَالَ أَشهب لَا يجوز وَوَجهه أَنه لَا يدْرِي أيعيش الْمُسْتَأْجر أَو الدَّابَّة وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز فِي الرَّاحِلَة الْمعينَة والأجير الْمعِين وَأما إِذا كَانَ كِرَاء مَضْمُونا فَيجوز فِيهِ ضرب الْأَجَل الْبعيد وَتَقْدِيم رَأس المَال وَلَا يجوز أَن يتَأَخَّر رَأس المَال إِلَى الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة لِأَنَّهُ إِذا تَأَخّر كَانَ من بَاب بيع الدّين بِالدّينِ وَتَفْسِير الْكِرَاء الْمَضْمُون أَن يستأجره على حَملَة بِعَينهَا على غير دَابَّة مُعينَة وَالْإِجَارَة الْمَضْمُونَة أَن يستأجره على بِنَاء بَيت لَا يشْتَرط عَلَيْهِ عمل يَده ويصف لَهُ طوله وَعرضه وَجَمِيع آلَته على أَن الْمُؤْنَة فِيهِ كلهَا على الْعَامِل مَضْمُونا عَلَيْهِ حَتَّى يتمه فَإِن مَاتَ قبل تَمَامه كَانَ ذَلِك فِي مَاله وَلَا يضرّهُ بعد الْأَجَل وَفِيه ائتمان أهل الشّرك على السِّرّ وَالْمَال إِذا عهد مِنْهُم وَفَاء ومروءة كَمَا استأمن رَسُول الله ﷺ َ - هَذَا الْمُشرك لما كَانُوا عَلَيْهِ من بَقِيَّة دين إِبْرَاهِيم ﵊ وَإِن كَانَ من الْأَعْدَاء لكنه علم مِنْهُ مُرُوءَة وائتمنه من أجلهَا على سره فِي الْخُرُوج من مَكَّة وعَلى الناقتين اللَّتَيْنِ دفعهما إِلَيْهِ ليوافيهما بهما بعد ثَلَاث فِي غَار ثَوْر (بَاب إِذا اسْتَأْجر أَجِيرا ليعْمَل لَهُ بعد ثَلَاثَة أَيَّام أَو بعد شهر أَو بعد سِتَّة أشهر أَو بعد سنة جَازَ وهما على شَرطهمَا الَّذِي اشترطاه إِذا جَاءَ الْأَجَل) أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اسْتَأْجر شخص أَجِيرا إِلَى آخِره قَوْله " جَازَ " جَوَاب إِذا قَوْله " وهما " أَي الْمُؤَجّر وَالْمُسْتَأْجر على شَرطهمَا قَوْله " إِذا جَاءَ الْأَجَل " أَي الْأَجَل الْمَضْرُوب الْمَذْكُور وَقد ذكرنَا خلاف مَالك وَأَصْحَابه فِيهِ ٥ - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل قَالَ ابْن شهَاب فَأَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة ﵂ زوج النَّبِي ﷺ َ - قَالَت واستأجر رَسُول الله ﷺ َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وَهُوَ على دين كفار قُرَيْش فدفعا إِلَيْهِ راحلتيهما وواعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال براحلتيهما صبح ثَلَاث) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ اسْتِئْجَار النَّبِي ﷺ َ - وَأبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الرجل الْمَذْكُور على أَن ينظر فِي أَمر راحلتيهما ثَلَاثَة أَيَّام وَأَن يحضرهما بعد ثَلَاثَة أَيَّام عِنْد غَار ثَوْر ثمَّ خدمهما بِمَا قصداه من الدّلَالَة على الطَّرِيق بعد تِلْكَ الثَّلَاثَة

стр. 3497

الْأَيَّام فَهَذَا بِعَيْنِه ظَاهر التَّرْجَمَة وَلَكِن فِيهَا ابْتِدَاء الْعَمَل بعد الثَّلَاثَة وقاس عَلَيْهَا البُخَارِيّ إِذا كَانَ ابْتِدَاء الْعَمَل بعد شهر أَو بعد سنة وقاس الْأَجَل الْبعيد على الْأجر الْقَرِيب إِذْ لَا قَائِل بِالْفَصْلِ فَجعل الحَدِيث دَلِيلا على جَوَاز الْأَجَل مُطلقًا وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق هَهُنَا فَلَا يرد اعْتِرَاض من قَالَ أَنه لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّهُمَا استأجراه على أَن لَا يعلم إِلَّا بعد ثَلَاث بل الَّذِي فِي الْخَبَر أَنَّهُمَا استأجراه وابتدأ فِي الْعَمَل من وقته بتسليمهما إِلَيْهِ راحلتيهما وبحفظهما فَكَانَ خروجهما وَخُرُوجه بعد ثَلَاث على الراحلتين اللَّتَيْنِ قَامَ بأمرهما إِلَى ذَلِك الْوَقْت انْتهى قلت هَذَا الْقَائِل صدر كَلَامه هَذَا أَولا بقوله ظن البُخَارِيّ ظنا فَعمل عَلَيْهِ بل هُوَ الَّذِي ظن ظنا فَعمل عَلَيْهِ، بل هُوَ الَّذِي ظن ظنا فَعمل عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ ظن أَن ابْتِدَاء الْإِجَارَة من أول مَا تسلم الرجل الراحلتين، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل أول الْإِجَارَة بعد الثَّلَاث، وَلم تكن إجارتهما إِيَّاه لخدمة الراحلتين، بل كَانَت الْإِجَارَة لأجل الدّلَالَة على الطَّرِيق، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ تسليمهما الراحلتين إِيَّاه لأجل مُجَرّد النّظر فيهمَا، وَلأَجل حفظهما إِلَى مُضِيّ الثَّلَاث، فَإِن ادّعى هَذَا الْمُعْتَرض بِبُطْلَان الْإِجَارَة إِذا لم يشرع فِي الْعَمَل من حِين الْإِجَارَة فَيحْتَاج إِلَى إِقَامَة برهَان، وَلَا يرد أَيْضا اعْتِرَاض من قَالَ: إِن الإبتداء فِي الْعَمَل بعد شهر أَو سنة غرر، فَلَا يدْرِي هَل يعِيش الرجل أم لَا، واغتفر الأمد الْيَسِير لِأَن العطبفيه نَادِر، وَالْغَالِب السَّلامَة. انْتهى. قلت: يكون الحكم فِي الأمد الْكثير بعروض الْمَوْت مثل مَا يكون فِي الأمد الْقصير بعروضه، لِأَن عدم الْعرُوض فِيهِ غير مُحَقّق، فَلَا غرر حِينَئِذٍ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَالْحكم فِي الْمَوْت وجوب الضَّمَان فيهمَا، وَالله أعلم. ٥ - (بابُ الأجِيرِ فِي الْغَزْوِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِئْجَار الْأَجِير فِي الْغَزْو، وَقَالَ ابْن بطال: اسْتِئْجَار الْأَجِير للْخدمَة وكفاية مؤونة الْعَمَل فِي الْغَزْو وَغَيره سَوَاء، وَيحْتَمل أَن يكون أَشَارَ إِلَى أَن الْجِهَاد، وَإِن كَانَ القصدبه تَحْصِيل الْأجر، فَلَا يُنَافِي ذَلِك الِاسْتِعَانَة بالخادم، خُصُوصا لمن لَا يقدر على معاطاة الْأُمُور بِنَفسِهِ. ٦ - (حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن علية قَالَ أخبرنَا ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى عَن يعلى بن أُميَّة ﵁ قَالَ غزوت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - جَيش الْعسرَة فَكَانَ من أوثق أعمالي فِي نَفسِي فَكَانَ لي أجِير فقاتل إنْسَانا فعض أَحدهمَا إِصْبَع صَاحبه فَانْتزع إصبعه فأندر ثنيته فَسَقَطت فَانْطَلق إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فأهدر ثنيته وَقَالَ أفيدع إصبعه فِي فِيك تقضمها قَالَ أَحْسبهُ قَالَ كَمَا يقضم الْفَحْل) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَكَانَ لي أجِير. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة الأول يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير الدَّوْرَقِي الثَّانِي إِسْمَاعِيل بن علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَعليَّة اسْم أمه وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم بن مقسم الْأَسدي الثَّالِث عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الرَّابِع عَطاء بن أبي رَبَاح الْخَامِس صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة التَّمِيمِي أَو التَّيْمِيّ حَلِيف لقريش السَّادِس يعلى بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام مَقْصُورا ابْن أُميَّة بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَيُقَال لَهُ ابْن منية بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ اسْم أمه وَالْأول اسْم أَبِيه أَبُو صَفْوَان (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه بغدادي وَإِنَّمَا قيل لَهُ الدَّوْرَقِي لِأَنَّهُ وأقاربه كَانُوا يلبسُونَ قلانس تسمى الدورقية فنسبوا إِلَيْهَا وَلَيْسوا من بلد دورق وَإِسْمَاعِيل بَصرِي والبقية كلهم مكيون وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَفِيه عَن عَطاء عَن صَفْوَان وَفِي رِوَايَة همام الْمَاضِيَة فِي الْحَج حَدثنِي صَفْوَان بن يعلى

стр. 3498

(ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَفِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد وَفِي الدِّيات مُخْتَصرا عَن أبي عَاصِم أربعتهم عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَنهُ بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عَمْرو بن زُرَارَة وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن شَيبَان بن فروخ وَعَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار وَعَن أبي غَسَّان وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الدِّيات عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن جريج وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقصاص وَعَن عبد الْجَبَّار وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فرقهما وَعَن عبد الْجَبَّار وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَيْضا وَعَن أبي بكر بن إِسْحَاق (ذكره مَعْنَاهُ) قَوْله " جَيش الْعسرَة " بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَهِي غَزْوَة تَبُوك وتعرف أَيْضا بالفاضحة وَقيل لَهَا الْعسرَة لِأَن الْحر كَانَ فِيهَا شَدِيدا والجدب كثيرا وَحين طابت الثِّمَار وَكَانَ النَّاس يحبونَ الْمقَام فِي ثمارهم وظلالهم وَكَانَت فِي رَجَب قَالَ ابْن سعد يَوْم الْخَمِيس وَقَالَ ابْن التِّين خرج فِي أول يَوْم من رَجَب وَرجع فِي سلخ شَوَّال وَقيل رَمَضَان من سنة تسع من الْهِجْرَة قَوْله " فَكَانَ من أوثق أعمالي فِي نَفسِي " أَي مَكَان الْغَزْو من أحكم أعمالي فِي نَفسِي وأقواها اعْتِمَادًا عَلَيْهِ وَيُؤْخَذ مِنْهُ ذكر الرجل الصَّالح عمله قَوْله " فَكَانَ لي أجِير " وَهُوَ الَّذِي يخْدم بِالْأُجْرَةِ قَوْله " فقاتل " أَي الْأَجِير إنْسَانا وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم " أَن يعلى قَاتل رجلا " قَالَ مُسلم حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى وَابْن بشار وَاللَّفْظ لِابْنِ الْمثنى قَالَا حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن زُرَارَة عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ قَاتل يَعْنِي ابْن منية أَو ابْن أُميَّة رجلا فعض أَحدهمَا صَاحبه فَانْتزع يَده من فِيهِ فَنزع ثنيته وَقَالَ ابْن الْمثنى ثنتيه فاختصما إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ " يعَض أحدكُم كَمَا يعَض الْفَحْل لَا دِيَة لَك " وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَرِوَايَة البُخَارِيّ " أَن أَجِيرا ليعلى " هُوَ الأولى إِذْ لَا يَلِيق بيعلى مَعَ جلالته وفضله ذَلِك الْفِعْل وَقَالَ النَّوَوِيّ الصَّحِيح الْمَعْرُوف فِيمَا قَالَه الْحفاظ أَنه أجِير يعلى لَا يعلى وَيحْتَمل أَنَّهُمَا قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره فِي وَقت أَو فِي وَقْتَيْنِ انْتهى قَوْله " يَده " ويروى " ذراعه " قَوْله " أصْبع صَاحبه " فِي الْأصْبع تسع لُغَات والعاشر أصبوع قَوْله " فندر ثنيته " أَي أسقطها بجذبه والثنية مقدم الْأَسْنَان وللإنسان أَربع ثنايا ثِنْتَانِ من فَوق وثنتان من أَسْفَل قَوْله " أفيدع " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار قَوْله " فيقضمها " بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة من القضم وَهُوَ الْأكل بأطراف الْأَسْنَان يُقَال قضمت الدَّابَّة شعيرها بِالْكَسْرِ تقضمه وَفِي الواعي أصل القضم الدق وَالْكَسْر وَلَا يكون إِلَّا فِي الشَّيْء الصلب وماضيه على مَا ذكره ثَعْلَب بِكَسْر الْعين وَحكى ثَابت وَابْن طَلْحَة فتح الْعين وَقَالَ ابْن التِّين القضم هُوَ الْأكل بِأَدْنَى الأضراس قَوْله " الْفَحْل " الذّكر من الْإِبِل وَنَحْوه (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) وَبِه احْتج أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين فِي أَن المعضوض إِذا جبذ يَده فَسَقَطت أَسْنَان العاض أَو فك لحييْهِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا صال الْفَحْل على رجل فَدفعهُ فَأتى عَلَيْهِ لم يلْزمه قِيمَته وَعند مَالك يضمن المعضوض قَالَ الْقُرْطُبِيّ لم يقل أحد بِالْقصاصِ فِي ذَلِك فِيمَا علمت وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الضَّمَان فأسقطه أَبُو حنيفَة وَبَعض أَصْحَابنَا وَضَمنَهُ الشَّافِعِي وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك قَالَ وَنزل بعض أَصْحَابنَا القَوْل بِالضَّمَانِ على مَا إِذا أمكنه نزع يَده بِرِفْق فانتزعها بعنف وَحمل بعض أَصْحَابنَا الحَدِيث على أَنه كَانَ متحرك الثنايا وَقَالَ أَبُو عبد الْملك لم يَصح الحَدِيث عِنْد مَالك وَفِيه اسْتِئْجَار الْأَجِير للْخدمَة وكفاية مُؤنَة الْعَمَل فِي الْغَزْو وَغَيره سَوَاء وَأما الْقِتَال فَلَا يسْتَأْجر عَلَيْهِ لِأَن على كل مُسلم أَن يُقَاتل حَتَّى تكون كلمة الله هِيَ الْعليا (قَالَ ابْن جريج وحَدثني عبد الله بن أبي مليكَة عَن جده بِمثل هَذِه الصّفة أَن رجلا عض يَد رجل فأندر ثنيته فأهدرها أَبُو بكر ﵁ ابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وَعبد الله بن أبي مليكَة تَصْغِير ملكة مَنْسُوب إِلَى جده وَقيل إِلَى جد أَبِيه فَإِنَّهُ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة واسْمه زُهَيْر بن عبد الله بن جدعَان وَله صُحْبَة وَمِنْهُم من زَاد فِي نِسْبَة عبد الله بَين عبيد الله وَزُهَيْر وَقَالَ أَن الَّذِي يكنى أَبَا مليكَة هُوَ عبد الله بن زُهَيْر فعلى الأول فَالْحَدِيث من رِوَايَة زُهَيْر بن عبد الله عَن أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وعَلى الثَّانِي من رِوَايَة عبد الله بن زُهَيْر فَالضَّمِير فِي جده على الأول يعود على عبد الله

стр. 3499

فَيكون الحَدِيث مُتَّصِلا وعَلى الثَّانِي يعود على زُهَيْر فَيكون مُنْقَطِعًا قَالَ بَعضهم قَوْله قَالَ ابْن جريج إِلَى آخِره هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي الكنى عَن أبي بكر بن أبي دَاوُد حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن أَبِيه عَن جده عَن أبي بكر أَن رجلا عض يَد رجل فأندر ثنيته فأهدرها أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح عبد الله بن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكَة زُهَيْر بن عبد الله بن جدعَان قَاضِي الطَّائِف لِابْنِ الزبير توفّي بِمَكَّة سنة أَربع عشرَة وَمِائَة وَقد خَالف البُخَارِيّ ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم وَأَبُو عمر فَرَوَوْه فِي كتب الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة أبي مليكَة زُهَيْر بن عبد الله بن جدعَان من حَدِيث ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن أَبِيه عَن جده عَن أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " بِمثل هَذِه الصّفة " بتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة بعْدهَا الْفَاء ويروى بِمثل هَذِه الْقَضِيَّة بِفَتْح الْقَاف وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف - ٦ - (بابُ مَنِ اسْتَأجَرَ أجِيرا فَبَيَّنَ لَهُ الأجَلَ ولَمْ يُبَيِّنُ لَهُ الْعَمَلَ لِقَوْلِهِ ﴿إنِّي أرِيدُ أنْ أنْكِحَكَ إحْدَى بِنْتَيَّ هَاتَيْننِ عَلَى أنْ تأجُرَنِي﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَالله علَى مَا نقولُ وَكِيلٌ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اسْتَأْجر أَجِيرا فَبين لَهُ الْأَجَل، أَي الْمدَّة وَلم يبين لَهُ، أَي: للْأَجِير الْعَمَل، يَعْنِي: لم يبين أَي عمل يعمله لَهُ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: إِذا اسْتَأْجرهُ، وَجَوَاب: من، مَحْذُوف تَقْدِيره وَهل يَصح ذَلِك أم لَا؟ وميل البُخَارِيّ إِلَى الصِّحَّة، فَلذَلِك ذكر هَذِه الْآيَة فِي معرض الِاحْتِجَاج. حَيْثُ قَالَ: لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابنتيي﴾ (الْقَصَص: ٧٢) . الْآيَة، وَجه الدّلَالَة مِنْهُ أَنه لم يَقع فِي سِيَاق الْقِصَّة الْمَذْكُورَة بَيَان الْعَمَل، وَإِنَّمَا فِيهِ أَن مُوسَى آجر نَفسه من وَالِد الْمَرْأَتَيْنِ. فَإِن قلت: كَيفَ يَقُول لم يَقع فِي سِيَاق الْقِصَّة بَيَان الْعَمَل، وَقد قَالَ شُعَيْب: إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى بِنْتي هَاتين؟ قلت: قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِن قلت: كَيفَ يَصح أَن ينكحه إِحْدَى ابْنَتَيْهِ من غير تَمْيِيز؟ قلت: لم يكن ذَلِك عقد النِّكَاح، وَلَكِن مواعدة ومواضعة أَمر قد عزم عَلَيْهِ، وَلَو كَانَ عقدا لقَالَ: قد أنكحتك، وَلم يقل: إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك. انْتهى. قلت: حَاصله أَن شعيبا، ﵊، إستأجر مُوسَى، لم يبين لَهُ الْعَمَل أَولا، لكنه بَين لَهُ الْأَجَل، فَدلَّ ذَلِك أَن الْإِجَارَة إِذا بَين فِيهَا الْمدَّة وَلم يبين الْعَمَل جَائِزَة، لَكِن هَذَا فِي مَوضِع يكون نفس الْعَمَل مَعْلُوما بِنَفس العقد كاستئجار العَبْد لأجل الْخدمَة وَأما اذا لم يكن نفس الْعَمَل مَعْلُوما بِنَفس العقد فَلَا يجوز إلَاّ بِبَيَان الْعَمَل، لِأَن الْجَهَالَة فِيهِ تقضي إِلَى الْمُنَازعَة، وَقَالَ الْمُهلب، رَحمَه الله تَعَالَى عَلَيْهِ: لَيْسَ فِي الْآيَة دَلِيل على جَهَالَة الْعَمَل فِي الْإِجَارَة، لِأَن ذَلِك كَانَ مَعْلُوما بَينهم من سقِِي وحرث ورعي واحتطاب. وَمَا شاكل ذَلِك من أَعمال الْبَادِيَة ومهنة أَهلهَا فَهَذَا مُتَعَارَف، وَإِن لم يبين لَهُ أشخاص الْأَعْمَال، وَقد عرفه الْمدَّة وسماها لَهُ. انْتهى. وَأجِيب: بِأَن هَذَا ظن أَن البُخَارِيّ أجَاز أَن يكون الْعَمَل مَجْهُولا وَلَيْسَ كَمَا ظن، إِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ أَن التَّنْصِيص على الْعَمَل بِاللَّفْظِ غير مَشْرُوط، وَأَن المنبع الْمَقَاصِد لَا الْأَلْفَاظ، فَيَكْفِي دلَالَة الْفَوَائِد عَلَيْهَا. قلت: يُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عتبَة ابْن الندر، قَالَ: كُنَّا عِنْد رَسُول الله، ﷺ ، (فَقَالَ: إِن مُوسَى، ﵊، آجر نَفسه ثَمَان سِنِين أَو عشرا على عفة فرجه وَطَعَام بَطْنه) . انْتهى. وَلَيْسَ فِيهِ بَيَان الْعَمَل من قبل مُوسَى، ﵊، وَعتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، والندر، بِضَم النُّون وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عتبَة بن الندر السّلمِيّ، صَحَابِيّ يُقَال: هُوَ عتبَة بن عبد السّلمِيّ، وَلَيْسَ بِشَيْء، روى عَنهُ عَليّ بن رَبَاح وخَالِد بن معدان. فَإِن قلت: كَيفَ حكم النِّكَاح على أَعمال الْبدن؟ قلت: لَا يجوز عِنْد أهل الْمَدِينَة، لِأَنَّهُ غرر، وَمَا وَقع من النِّكَاح على مثل هَذَا الصَدَاق لَا يُؤمر بِهِ الْيَوْم لظُهُور الْغرَر فِي طول الْمدَّة، وَهُوَ خُصُوص لمُوسَى، ﵊، عِنْد أَكثر الْعلمَاء، لِأَنَّهُ قَالَ إِحْدَى ابْنَتي هَاتين، وَلم يعينها، وَهَذَا لَا يجوز إلَاّ بِالتَّعْيِينِ. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك، فَقَالَ مَالك: إِذا تزَوجهَا على أَن يؤجرها نَفسه سنة أَو أَكثر يفْسخ النِّكَاح إِن لم يكن دخل بهَا، فَإِن دخل ثَبت النِّكَاح بِمهْر الْمثل، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: إِن كَانَ حرآ فلهَا مهر مثلهَا، وَإِن كَانَ عبدا فلهَا خدمَة سنة، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَقَالَ مُحَمَّد: يجب عَلَيْهِ قيمَة الْخدمَة سنة لِأَنَّهَا مُتَقَومَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: النِّكَاح جَائِز على خدمته إِذا كَانَ وقتا مَعْلُوما، وَيجب عله عين الْخدمَة سنة. وَكَذَلِكَ الْخلاف إِذا تزَوجهَا على تَعْلِيم الْقُرْآن.

стр. 3500

ثمَّ الْكَلَام فِي تَفْسِير الْآيَات الْكَرِيمَة. قَوْله: ﴿إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك﴾ (الْقَصَص: ٧٢) . أَي: أُرِيد أَن أزَوجك ﴿إِحْدَى ابْنَتي هَاتين على أَن تَأْجُرنِي﴾ (الْقَصَص: ٨٢) . نَفسك مُدَّة ثَمَانِي حجج أَي: على أَن تكون أَجِيرا لي ثَمَانِي سِنِين من أجرته إِذا كنت لَهُ أَجِيرا، كَقَوْلِك: أبوته إِذا كنت لَهُ أَبَا، وثماني حجج ظرفه، وَيجوز أَن يكون من آجرته كَذَا إِذا أثْبته إِيَّاه، وَمِنْه تَعْزِيَة رَسُول الله ﷺ : (آجركم الله وَرَحِمَكُمْ الله) ، وثماني حجج مفعول بِهِ، أَي: رعية ثَمَانِي حجج، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ أَن يمهرها إِجَارَة نَفسه فِي رعية الْغنم، وَلَا بُد من تَسْلِيم مَا هُوَ مَال؟ أَلَا ترى إِلَى أبي حنيفَة كَيفَ منع أَن يتَزَوَّج امْرَأَة بِأَن يخدمها سنة؟ وَجوز أَن يَتَزَوَّجهَا بِأَن يخدمها عَبده سنة أَو يسكنهَا دَاره سنة، لِأَنَّهُ فِي الأول سلم نَفسه، وَلَيْسَ بِمَال وَفِي الثَّانِي هُوَ مُسلم مَالا، وَهُوَ العَبْد أَو الدَّار. قلت: الْأَمر على مَذْهَب أبي حنيفَة كَمَا ذكرت، وَأما الشَّافِعِي فقد جوز التَّزْوِيج على الْإِجَازَة بِبَعْض الْأَعْمَال والخدمة إِذا كَانَ الْمُسْتَأْجر لَهُ أَو المخدوم فِيهِ أمرا مَعْلُوما، وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ جَائِزا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة، وَيجوز أَن يكون الْمهْر شَيْئا آخر، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يكون رعي غنمه هَذِه الْمدَّة، وَأَرَادَ أَن ينكحه ابْنَته، فَذكر لَهُ المرادين، وعلق الْإِنْكَاح بالرعية على معنى: أَنِّي أفعل هَذَا إِذا فعلت ذَلِك، على وَجه المفاهدة لَا على وَجه المعاقدة، وَيجوز أَن يستأجره لرعي غنمه ثَمَانِي سِنِين بمبلغ مَعْلُوم ويوفيه إِيَّاه ثمَّ ينكحه ابْنَته بِهِ، وَيجْعَل قَوْله: على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج، عبارَة عَمَّا جرى بَينهمَا ﴿فَإِن أتممت الْعَمَل عشرا فَمن عنْدك﴾ (الْقَصَص: ٧٢) . فإتمامه من عنْدك، وَالْمعْنَى: فَهُوَ من عنْدك لَا من عِنْدِي، يَعْنِي: لَا ألزمك وَلَا أحتمه عَلَيْك، وَلَكِن إِن فعلته فَهُوَ مِنْك تَفْضِيل وتبرع، وإلَاّ فَلَا عَلَيْك ﴿وَمَا أُرِيد أَن أشق عَلَيْك﴾ (الْقَصَص: ٧٢) . فِي هَذِه الْمدَّة فأكلفك مَا يصعب عَلَيْك: ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله من الصَّالِحين﴾ (الْقَصَص: ٧٢) . فِي حسن الْعشْرَة وَالْوَفَاء بالعهد، وَهَذَا شَرط للْأَب وَلَيْسَ بِصَدَاق، وَقيل: صدَاق، وَالْأول أظهر لقَوْله: ﴿تَأْجُرنِي﴾ (الْقَصَص: ٧٢) . وَلم يقل: تأجرها، وَإِنَّمَا قَالَ: إِن شَاءَ الله، للاتكال على توفيقه ومعونته. قَوْله: ﴿قَالَ ذَلِك﴾ (الْقَصَص: ٨٢) . أَي: قَالَ مُوسَى لشعيب ﵉، ذَلِك مُبْتَدأ ﴿بيني وَبَيْنك﴾ (الْقَصَص: ٨٢) . خَبره، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا عاهده عَلَيْهِ شُعَيْب. ثمَّ قَالَ مُوسَى، ﵊: ﴿أَيّمَا الْأَجَليْنِ﴾ (الْقَصَص: ٨٢) . أَي: أجل من الْأَجَليْنِ أطولهما الَّذِي هُوَ الْعشْر وأقصرهما الَّذِي هُوَ ثَمَان. ﴿قضيت﴾ أَي: أوفيتك إِيَّاه وفرغت من الْعَمَل فِيهِ ﴿فَلَا عدان عَليّ﴾ أَي: لَا سَبِيل عَليّ، وَالْمعْنَى: لَا تَعْتَد عَليّ بِأَن تلزمني أَكثر مِنْهُ. قَوْله: ﴿وَالله على مَا نقُول وَكيل﴾ (الْقَصَص: ٨٢) . أَي: على مَا نقُول من النِّكَاح وَالْأَجْر وَالْإِجَارَة وَكيل، أَي: حفيظ وَشَاهد، وَلما اسْتعْمل وَكيل فِي مَوضِع الشَّاهِد عدى بعلى، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: سَأَلَ جِبْرِيل، ﵊: (أَي الْأَجَل قضى مُوسَى؟ فَقَالَ: أتمهما وأكملهما) . يأجُرُ فُلَانا يُعْطِيهِ أجْرا ومِنْهُ فِي التَّعْزِيَةِ آجَرَكَ الله يأجر، بِضَم الْجِيم، وَالْمَقْصُود مِنْهُ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج﴾ (الْقَصَص: ٧٢) . وَبِهَذَا فسر أَبُو عُبَيْدَة فِي (الْمجَاز) . قَوْله: (وَمِنْه) أَي: وَمن هذاالمعنى قَوْلهم فِي التَّعْزِيَة: آجرك الله أَي: يعطيك أجره، وَهَكَذَا فسر أَبُو عُبَيْدَة أَيْضا، وَزَاد: يأجرك أَي: يثيبك. وَقيل: الْمَعْنى فِي قَوْله: على أَن تَأْجُرنِي أَن تكون لي أَجِيرا، أَو التَّقْدِير: على أَن تَأْجُرنِي نَفسك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي جَوَاب من قَالَ: مَا الْفَائِدَة فِي عقد هَذَا الْبَاب إِذْ لم يذكر فِيهِ حَدِيثا؟ بِأَن البُخَارِيّ كثيرا مَا يقْصد بتراجم الْأَبْوَاب بَيَان الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة، فَأَرَادَ هُنَا بَيَان جَوَاز مثل هَذِه الْإِجَارَة، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ، ثمَّ قَالَ: قَالَ الْمُهلب: لَيْسَ كَمَا ترْجم، لِأَن الْعَمَل كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم. انْتهى. قلت: قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. ٧ - (بابٌ إذَا اسْتَأجَرَ أَجِيرا علَى أنْ يُقِيمَ حائِطا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ جازَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اسْتَأْجر أحد أَجِيرا لأجل إِقَامَة حَائِط يُرِيد أَن ينْقض، أَي: بسقط، يُقَال: انقض الطَّائِر سقط من الْهَوَاء بِسُرْعَة. قَوْله: (جَازَ) ، جَوَاب: إِذا، وَقَالَ ابْن التِّين: تبويب البُخَارِيّ يدل على أَن هَذَا جَائِز لجَمِيع النَّاس، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك للخضر، ﵇، خَاصَّة، وَلَعَلَّ البُخَارِيّ أَرَادَ أَن يَبْنِي لَهُ حَائِطا من الأَصْل، أَو يصلح لَهُ حَائِطا. انْتهى. قلت: يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا جَائِزا لجَمِيع النَّاس، وتخصيصه بالخضر، ﵇، لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَجه ذَلِك على الْعُمُوم أَن حَائِط رجل إِذا أشرف على السُّقُوط، فخيف من سُقُوطه، فاستأجر أحدا يعلقه حَتَّى لَا يسْقط فَإِنَّهُ يجوز بِلَا خلاف، ثمَّ بعد التَّعْلِيق إِمَّا أَن يرمه وَيقطع عَيبه، أَو يهده ويبنيه جَدِيدا. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا جَازَ الِاسْتِئْجَار عَلَيْهِ لقَوْل مُوسَى، ﵊: ﴿لَو

стр. 3501

شِئْت لاتخذت عَلَيْهِ أجرا﴾ (الْكَهْف: ٧٧) . وَالْأَجْر لَا يُؤْخَذ إلَاّ على عمل مَعْلُوم، وَإِنَّمَا كَانَ يكون لَهُ الْأجر لَو عَامله عَلَيْهِ قبل عمله، وَأما بعد أَن أَقَامَهُ بِغَيْر إِذن صَاحبه فَلَا يجْبر صَاحبه على غرم شَيْء، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَفِيه جَوَاز الِاسْتِئْجَار على الْبناء. ٧٦٢٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُسَى قَالَ أخبرنَا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخبرَهُمْ قَالَ أخْبَرَنِي يَعْلَى بنُ مُسْلِمٍ وعَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ يَزيدُ أحَدُهُمَا علَى صاحِبه وغَيْرُهُما قَالَ قدْ سَمِعتُهُ يُحَدِّثُهُ عنْ سَعِيدٍ قَالَ قَالَ لي ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ حدَّثني أبيُّ بنُ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ فانْطَلَقا فوَجَدا جِدَارا يُرِيدُ أنْ ينقَضَّ قَالَ سَعِيدٌ بِيَدِهِ هَكَذَا ورَفَعَ يدَيْهِ فاسْتَقامَ قالَ يَعْلَى حَسِبْتُ أنَّ سَعِيدا قَالَ فمَسَحَهُ بِيَدِهِ فاسْتَقامَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا قَالَ سَعيدٌ أجْرا نأكُلُهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ﴿فَوجدَ جدارا يُرِيد أَن ينفض فأقامه﴾ . ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق، يعرف بالصغير. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن، قَاضِي الْيمن. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: يعلى بن مُسلم بن هُرْمُز. الْخَامِس: عَمْرو بن دِينَار الْقرشِي الْأَثْرَم. السَّادِس: سعيد بن جُبَير. السَّابِع: عبد الله بن عَبَّاس. الثَّامِن: أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وبصيغة الْإِخْبَار بِجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه رازي وَأَن هشاما يماني وَأَن ابْن جريج وَعمر مكيان وَسَعِيد بن جُبَير كُوفِي. وَفِيه: يروي ابْن جريج عَن شيخين. وَفِيه: يزِيد أَحدهمَا أَي: يعلى أَو عَمْرو. قَوْله: (سمعته) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْغَيْر، أَي: قَالَ ابْن جريج: وَسمعت غَيرهمَا أَيْضا يحدث عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ الْكرْمَانِي: يلْزم من زِيَادَة أَحدهمَا على صَاحبه نوع محَال، وَهُوَ أَن يكون الشَّيْء مزيدا ومزيدا عَلَيْهِ، ثمَّ أجَاب: بِأَنَّهُ إِن أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا وَاحِدًا معينا مِنْهُمَا فَلَا إِشْكَال وَإِن أَرَادَ كل وَاحِد مِنْهُمَا فَمَعْنَاه أَنه يزِيد شَيْئا غير مَا زَاده الآخر، فَهُوَ مزِيد بِاعْتِبَار شَيْء مزيدعليه، بِاعْتِبَار شَيْء آخر، ثمَّ قَالَ: هَذَا الْمَرْوِيّ مَجْهُول، إِذْ لَا يعلم الزِّيَادَة مِنْهُ، ثمَّ أجَاب: علم من سِيَاقه زِيَادَة يعلى إِذْ قَالَ: حسبت. وَقد ذكرنَا تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من كل الْوُجُوه فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب ذهَاب مُوسَى فِي الْبَحْر إِلَى الْخضر، وَهنا ذكر قِطْعَة من حَدِيث مُوسَى وَالْخضر، وَقد أوردهُ مُسْتَوفى فِي التَّفْسِير. قَوْله: (يُرِيد) نِسْبَة الْإِرَادَة إِلَى الْجِدَار مجَاز. وَفِيه: حجَّة على من يُنكر الْمجَاز. قَوْله: ﴿أَن ينْقض﴾ وقرىء: ينقاض، أَي: ينقلع من أَصله، وَيُقَال للبئر إِذا انهارت: انقاضت، بالضاد الْمُعْجَمَة، وقرىء بِالْمُهْمَلَةِ مَوضِع الْألف، أَي: ينشق طولا. قَوْله: (يرفع يَدَيْهِ) ، أَي: إِلَى الْجِدَار، فاستقام، وَهُوَ تَفْسِير لقَوْله: فأقامه، وروى: يَده، بِالْإِفْرَادِ. ٨ - (بابُ الإجارَةِ إلَى نِصْفِ النَّهارِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْإِجَارَة إِلَى نصف النَّهَار، يَعْنِي: من أول النَّهَار إِلَى نصفه، ثمَّ قَالَ بعد هَذَا الْبَاب: بَاب الْإِجَارَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر، ثمَّ قَالَ بعد بَاب آخر: بَاب الْإِجَارَة من الْعَصْر إِلَى اللَّيْل، وَهَذَا كُله فِي حكم يَوْم وَاحِد، وَأَرَادَ بذلك إِثْبَات صِحَة الْإِجَارَة بِأَجْر مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم، إِذْ لَوْلَا جَازَت مَا أقره الشَّارِع فِي الحَدِيث الَّذِي ضرب بِهِ الْمثل، كَمَا يَأْتِي، وَمَا اتَّخذهُ من هَذَا الحَدِيث، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون الْغَرَض من كل ذَلِك إِثْبَات جَوَاز الْإِجَارَة بِقِطْعَة من النَّهَار إِذا كَانَت مَعْلُومَة مُعينَة دفعا لتوهم من يتَوَهَّم أَن أقل الْأَجَل الْمَعْلُوم أَن يكون يَوْمًا كَامِلا. ٨٦٢٢ - حدَّثنا سلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حَدثنَا حمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مَثَلُكُمْ ومثَلُ أهْلِ الكتابَيْنِ كمَثَل رَجُلٍ اسْتَأجَرَ أُجَرَاءَ فقالَ

стр. 3502

منْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إلَى نِصْفِ النهارِ عَلى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ ثُمَّ قالَ من يَعْمَلُ لِي مِن نِصْفِ النهارِ إِلَى صلاةِ العَصْرِ علَى قِيراطٍ فعَمِلَتِ النَّصارَى ثُمَّ قالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ العَصْرِ إِلَى أنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ على قِيراطَيْنِ فأنْتُمْ هُمْ فغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصارَى فَقالوا مَا لَنا أكْثرَ عمَلاً وأقَلَّ عَطاء قالَ هَلْ نَقَصْتُكُم مِنْ حَقِّكُم قَالُوا لَا فذَلِكَ فَضْلِي أوُتيهِ مَنْ أشاءُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من يعْمل لي غدْوَة إِلَى نصف النَّهَار) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب من أدْرك رَكْعَة من الْعَصْر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه، وَبَينهمَا تفَاوت فِي الْمَتْن أَيْضا، وَلَكِن الأَصْل وَاحِد، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ، ولنذكر بعض شَيْء. قَوْله: (أهل الْكِتَابَيْنِ) ، المُرَاد بِهِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى. قَوْله: (كَمثل رجل) فِيهِ حذف تَقْدِيره: وَهُوَ مثلكُمْ مَعَ نَبِيكُم وَمثل أهل الْكِتَابَيْنِ مَعَ أَنْبِيَائهمْ كَمثل رجل اسْتَأْجر، فالمثل مَضْرُوب للْأمة مَعَ نَبِيّهم، والممثل بِهِ الأجراء مَعَ من استأجرهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْقيَاس يَقْتَضِي أَن يُقَال: كَمثل أجراء، ثمَّ قَالَ: هُوَ من تَشْبِيه الْمُفْرد بالمفرد فَلَا اعْتِبَار إلَاّ بالمجموعين، أَو التَّقْدِير: مثل الشَّارِع مَعكُمْ كَمثل رجل مَعَ أجراء. قَوْله: (على قِيرَاط) وَفِي رِوَايَة عبد الله بن دِينَار: على قِيرَاط قِيرَاط، وَالْمرَاد بالقيراط النَّصِيب، وَهُوَ فِي الأَصْل نصف دانق، والدانق سدس دِرْهَم قَوْله: (فَغضِبت الْيَهُود وَالنَّصَارَى) ، أَي: الْكفَّار مِنْهُم. قَوْله: (أَكثر) بِالرَّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى تَقْدِير: مَا لنا نَحن أَكثر، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَأما النصب فعلى الْحَال. وَيجوز أَن يكون خَبرا كَانَ تَقْدِيره: مَا لنا كُنَّا أَكثر عملا؟ قَوْله: (عملا) ، نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (وَأَقل عَطاء) مثله على الْعَطف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ كَانُوا أَكثر عملا وَوقت الظّهْر إِلَى الْعَصْر مثل وَقت الْعَصْر إِلَى الْمغرب؟ وَأجَاب بِأَنَّهُ لَا يلْزم من أكثرية الْعَمَل أكثرية الزَّمَان، وَقد مضى الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فَذَلِك فضلي) ، فِيهِ حجَّة لأهل السّنة على أَن الثَّوَاب من الله على سَبِيل الْإِحْسَان مِنْهُ. ٩ - (بابُ الإجارَةِ إِلَى صَلاةِ الْعَصْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِجَارَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر. ٩٦٢٢ - حدَّثنا إسماعِيلُ بنُ أبِي أوَيْسٍ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ دينارٍ مَوْلَى عَبْدِ الله ابنِ عُمَرَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إنَّما مَثَلُكُمْ واليَهُودُ والنَّصارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً فقالَ منْ يَعْمَلُ لِي نِصْفَ النَّهارِ علَى قِيراطٍ قِيراطٍ فعَمِلَتِ اليَهُودُ علَى قِيراطٍ قيراطٍ ثُمَّ عَملَتِ النَّصارَى علَى قيراطٍ قيراطٍ ثُمَّ أنْتُمْ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلَى مغَارِبِ الشِّمْسِ على قِيراطَيْنِ قيرَاطَيْنِ فغَضِبَتِ الْيَهُودُ والنَّصَارَى وَقَالُوا نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلاً وأقَلُّ عَطاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئا قَالُوا لَا فقالَ فذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أشَاءُ. . وَقَالَ ابْن بطال: لفظ نَحن أَكثر عملا من قَول الْيَهُود خَاصَّة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿نسيا حوتهما﴾ (الْكَهْف: ١٦) . وَالنَّاسِي هُوَ يُوشَع. وَقَوله تَعَالَى: ﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ (الرَّحْمَن: ٢٢) . وَالْحَال أَنه لَا يخرج إلَاّ من المالح، هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (وَالْيَهُود) ، عطف على الْمُضمر الْمَجْرُور بِدُونِ إِعَادَة الْخَافِض، وَهُوَ جَائِز على رَأْي الْكُوفِيّين، وَقيل: يجوز الرّفْع على تَقْدِير: وَمثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى، على حذف الْمُضَاف وَإِعْطَاء الْمُضَاف إِلَيْهِ إعرابه، وَقيل: فِي أصل أبي ذَر بِالنّصب، وَوَجهه أَن تكون الْوَاو بِمَعْنى: مَعَ. قَوْله: (على قِيرَاط قِيرَاط) ، بالتكرار ليدل على تَقْسِيم القراريط على جَمِيعهم. قَوْله: (إِلَى مغارب الشَّمْس)

стр. 3503

وَوَقع فِي رِوَايَة سُفْيَان الْآتِيَة فِي (فَضَائِل الْقُرْآن) إِلَى مغرب الشَّمْس، على الْإِفْرَاد وَهُوَ الأَصْل، وَهنا الْجمع كَأَنَّهُ بِاعْتِبَار الْأَزْمِنَة المتعددة بِاعْتِبَار الطوائف الْمُخْتَلفَة الْأَزْمِنَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (هَل ظلمتكم) أَي: هَل نقصتكم فَإِن قلت: لم كَانَ للْمُؤْمِنين قيراطان؟ قلت: لإيمانهم بمُوسَى وَعِيسَى، ﵉، لِأَن التَّصْدِيق أَيْضا عمل. ٠١ - (بابُ إثْمِ مَنْ مَنَعَ أجْرَ الأجيرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم الَّذِي يمْنَع أجر الْأَجِير، وَقد أخر ابْن بطال هَذَا الْبَاب عَن الْبَاب الَّذِي بعده، وَهُوَ الْأَوْجه، فَإِن فِيهِ رِعَايَة الْمُنَاسبَة. ٠٧٢٢ - حدَّثنا يوسفُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ عَن إسْمَاعِيلَ بنِ أمَيَّةَ عنْ سَعِيدَ بنِ أبِي سَعِيد عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ قَالَ الله تَعَالَى ثلاثَةٌ أَنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رجُلٌ أعطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ ورَجُلٌ باعَ حُرّا فأكَلَ ثَمَنُهُ ورجلٌ اسْتَأجَرَ أَجِيرا فاسْتَوْفَى مِنُهُ ولَمْ يُعْطِهِ أجْرَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٢٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِثْم من بَاعَ حرا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن بشر ابْن مَرْحُوم عَن يحيى بن سليم عَن إِسْمَاعِيل بن علية إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن يُوسُف بن مُحَمَّد بن سَابق الْعُصْفُرِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ هَهُنَا، وَهُوَ حَدِيث وَاحِد، ويوسف هَذَا من أَفْرَاده. ١١ - (بابُ الإجارَةِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْإِجَارَة من أول وَقت الْعَصْر إِلَى أول دُخُول اللَّيْل. ١١ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن يزِيد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ مثل الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى كَمثل رجل اسْتَأْجر قوما يعْملُونَ لَهُ عملا يَوْمًا إِلَى اللَّيْل على أجر مَعْلُوم فعملوا لَهُ إِلَى نصف النَّهَار فَقَالُوا لَا حَاجَة لنا إِلَى أجرك الَّذِي شرطت لنا وَمَا عَملنَا بَاطِل فَقَالَ لَهُم لَا تَفعلُوا أكملوا بَقِيَّة عَمَلكُمْ وخذوا أجركُم كَامِلا فَأَبَوا وَتركُوا واستأجر أجيرين بعدهمْ فَقَالَ لَهما أكملا بَقِيَّة يومكما هَذَا ولكما الَّذِي شرطت لَهُم من الْأجر فعملا حَتَّى إِذا كَانَ حِين صَلَاة الْعَصْر قَالَا لَك مَا عَملنَا بَاطِل وَلكم الْأجر الَّذِي جعلت لنا فِيهِ فَقَالَ لَهما أكملا بَقِيَّة عملكما فَإِن مَا بَقِي من النَّهَار شَيْء يسير فأبيا واستأجر قوما أَن يعملوا لَهُ بَقِيَّة يومهم فعملوا بَقِيَّة يومهم حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس واستكملوا أجر الْفَرِيقَيْنِ كليهمَا فَذَلِك مثلهم وَمثل مَا قبلوا من هَذَا النُّور) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " واستأجر قوما " أَن يعملوا إِلَى قَوْله الشَّمْس وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب من أدْرك رَكْعَة من الْعَصْر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن كريب عَن أبي أُسَامَة عَن بريد إِلَى آخِره بأخصر مِنْهُ وَهنا أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء بن كريب أَي كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن بريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف عَن أبي بردة واسْمه عَامر عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس قَوْله " كَمثل رجل اسْتَأْجر قوما " هُوَ من بَاب الْقلب وَالتَّقْدِير كَمثل قوم استأجرهم قوم أَو هُوَ من بَاب التَّشْبِيه بالمركب قَوْله " إِلَى اللَّيْل " هَذَا

стр. 3504

مُغَاير لحَدِيث ابْن عمر لِأَن فِيهِ أَنه استأجرهم على أَن يعملوا إِلَى نصف النَّهَار وَأجِيب بِأَن ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى من عجز عَن الْإِيمَان بِالْمَوْتِ قبل ظُهُور دين آخر وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من أدْرك دين الْإِسْلَام وَلم يُؤمن بِهِ وَقد تقدم تَمام الْبَحْث فِي ذَاك الْبَاب قَوْله " لَا حَاجَة لنا إِلَى أجرك " إِشَارَة إِلَى أَنهم كفرُوا وتولوا وَاسْتغْنى الله عَنْهُم وَهَذَا من بَاب إِطْلَاق القَوْل وَإِرَادَة لَازمه لِأَن لَازمه ترك الْعَمَل الْمعبر بِهِ عَن ترك الْإِيمَان قَوْله " وَمَا عَملنَا بَاطِل " إِشَارَة إِلَى إحباط عَمَلهم بكفرهم بِعِيسَى ﵊ إِذْ لَا يَنْفَعهُمْ الْإِيمَان بمُوسَى ﵊ وَحده بعد بعثة عِيسَى ﵊ وَكَذَلِكَ القَوْل فِي النَّصَارَى إِلَّا أَن فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن مدتهم كَانَت قدر نصف الْمدَّة فاقتصروا على نَحْو الرّبع من جَمِيع النَّهَار قَوْله " لَا تَفعلُوا " أَي إبِْطَال الْعَمَل وَترك الْأجر الْمَشْرُوط (فَإِن قلت) الْمَفْهُوم مِنْهُ أَن أهل الْكِتَابَيْنِ لم يَأْخُذُوا شَيْئا وَمن السَّابِق أَنهم أخذُوا قيراطا قيراطا (قلت) الآخذون هم الَّذين مَاتُوا قبل النّسخ والتاركون الَّذين كفرُوا بِالنَّبِيِّ الَّذِي بعد نَبِيّهم قَوْله " فَإِنَّمَا بَقِي من النَّهَار شَيْء يسير " أَي بِالنِّسْبَةِ لما مضى مِنْهُ وَالْمرَاد مَا بَقِي من الدُّنْيَا حَتَّى إِذا كَانَ حِين صَلَاة الْعَصْر هُوَ بِنصب حِين وَيجوز الرّفْع قَالَه بَعضهم وَلم يبين وَجهه وَلَا وَجه النصب (قلت) أما النصب فعلى الظَّرْفِيَّة وَأما الرّفْع فعلى أَنه اسْم كَانَ قَوْله " أجر الْفَرِيقَيْنِ كليهمَا " كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَغَيره وَحكى ابْن التِّين أَن فِي رِوَايَته كِلَاهُمَا بِالرَّفْع ثمَّ خطأه (قلت) لَيْسَ لما قَالَه وَجه لِأَن كِلَاهُمَا بِالْألف على لُغَة من يَجْعَل الْمثنى فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة بِالْألف قَوْله " فَذَلِك مثلهم " أَي مثل الْمُسلمين وَمثل مَا قبلوا من هَذَا النُّور أَي نور الْهِدَايَة إِلَى الْحق وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَذَلِك مثل الْمُسلمين الَّذين قبلوا هدى الله وَمَا جَاءَ بِهِ رَسُوله وَمثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى تركُوا مَا أَمرهم الله بِهِ وَالْمَقْصُود من التمثيلين من الأول بَيَان أَن أَعمال هَذِه الْأمة أَكثر ثَوابًا من أَعمال سَائِر الْأُمَم وَمن الثَّانِي أَن الَّذين لم يُؤمنُوا بِمُحَمد رَسُول الله ﷺ َ - أَعْمَالهم السالفة على دينهم لَا ثَوَاب لَهَا قيل اسْتدلَّ بِهِ على أَن بَقَاء هَذِه الْأمة تزيد على الْألف لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن مُدَّة الْيَهُود نَظِير مدتي النَّصَارَى وَالْمُسْلِمين وَقد اتّفق أهل النَّقْل على أَن مُدَّة الْيَهُود إِلَى بعثة النَّبِي ﷺ َ - كَانَت أَكثر من ألفي سنة وَمُدَّة النَّصَارَى من ذَلِك سِتّمائَة سنة وَقيل أقل فَيكون مُدَّة الْمُسلمين أَكثر من ألف قطعا (قلت) فِيهِ نظر لِأَنَّهُ صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس من طرق صِحَاح أَنه قَالَ الدُّنْيَا سَبْعَة أَيَّام كل يَوْم ألف سنة وَبعث رَسُول الله ﷺ َ - فِي الْيَوْم الآخر مِنْهَا وَقد مَضَت مِنْهُ سنُون أَو مئون وَيُؤَيّد هَذَا أَيْضا حَدِيث زمل الْخُزَاعِيّ حِين قصّ على رَسُول الله ﷺ َ - رُؤْيَاهُ وَقَالَ فِيهَا رَأَيْتُك على مِنْبَر لَهُ سبع دَرَجَات الحَدِيث وَفِيه فِي الْمِنْبَر ودرجاته الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سنة بعثت فِي آخرهَا ألفا وَقد صحّح أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ هَذَا الأَصْل بآثار - ٢١ - (بابُ مَنِ اسْتأجرَ أَجِيرا فتَرَكَ أجْرَهُ فعَمِلَ فِيهِ الْمُسْتأجِرُ فَزادَ أوْ منْ عَمِلَ فِي مالِ غَيْرِهِ فاسْتَفْضَلَ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من اسْتَأْجر أَجِيرا فَترك أجره، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فَترك الْأَجِير أجره وغايته أَنه أظهر فَاعل ترك. قَوْله: (فَعمل فِيهِ) ، ويروى: بِهِ، أَي: اتّجر فِيهِ أَو زرع فَزَاد أَي ربح. قَوْله: (من عمل فِي مَال غَيره) ، عطف على: من اسْتَأْجر. قَوْله: (فاستفضل) ، بِمَعْنى: أفضل، يَعْنِي: أفضل من مَال غَيره الشَّيْء، وَلَيْسَ السِّين فِيهِ للطلب. ٢٧٢٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني سالِمُ بنُ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ انْطَلَقَ ثلاثةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ أوَوْا المَبِيتَ إلَى غارٍ فدَخَلُوهُ فانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ فقالُوا إنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إلَاّ أنْ تَدْعُوا الله بصالِحِ أعْمَالِكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أللَّهُمَّ كانَ لِي أبَوانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ وكُنْتُ لَا أغْبَقُ قَبْلَهُمَا أهْلاً ولَا مَالا فنأى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ

стр. 3505

يوْما فَلَمْ أرِحْ عَلَيْهِما حَتَّى نامَا فَحَلَبْتُ لَهُما غَبُوقَهُما فوَجدْتُهُما نائِمَيْنِ وكَرِهْتُ أنْ أغبِقَ قَبْلَهُما أهْلاً أوْ مَالا فَلَبِثْتُ والقَدَحُ على يَدَيَّ أنْتَظِرِ اسْتِيقَاظَهُما حَتَّى بَرَق الفَجْرُ فاسْتَيْقَظَا فشَرِبا غَبُوقَهُما اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ منْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فانْفَرَجَتْ شيْئا لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ قَالَ النَّبِي ﷺ وَقَالَ الآخرُ أللَّهُمَّ كانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كانَتْ أحَبَّ النَّاسَ إلَيَّ فأرَدْتُها عنْ نَفْسها فامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى ألَمَّتْ بِا سَنَةٌ مِنَ السِّنينَ فَجاءَتْنِي فأعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ ومِائَةَ دِينَارٍ علَى أنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلتْ حتَّى إذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قالتْ لَا احلُّ لَكَ أنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إلَاّ بِحَقِّهِ فتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا فانْصَرَفْتُ عَنْهَا وهْيَ أحَبُّ النَاسِ إلَيَّ وتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أعْطَيْتُهَا اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابتِغَاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فيهِ فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْها قَالَ النبيُّ ﷺ وَقَالَ الثَّالِثُ اللَّهُمَّ إنِّيي استَأجَرْتُ أُجَرَاءَ فأعْطَيْتُهُمْ أجْرَهُمْ غَيْرَ رجلٍ واحِدٍ ترَكَ الَّذِي لَهُ وذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أجْرَهُ حتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأمْوَالُ فجَاءَنِي بَعْدَ حِين فَقَالَ يَا عَبْدَ الله أدِّي إلَيَّ أجْرِي فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى منْ أجْرِكَ مِنَ الإبِلِ والْبَقَرِ والغَنَمِ والرَّقِيقِ فَقَالَ يَا عَبْدَ الله لَا تَسْتَهْزِىءْ بِي فقُلْتُ إنِّي لَا أسْتَهْزِىءُ بِكَ فأخذَهُ كُلَّهُ فاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكّ مِنْهُ شَيْئا اللَّهُمَّ فإنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأعطيتهم أجرهم غير رجل وَاحِد ترك الَّذِي لَهُ وَذهب) إِلَى قَوْله: (بعد حِين) . قَالَ الْمُهلب: لَيْسَ فِيهِ دَلِيل لما ترْجم لَهُ، وَإِنَّمَا أتجر الرجل فِي أجر أجيره ثمَّ أعطَاهُ على سَبِيل التَّبَرُّع، وَإِنَّمَا الَّذِي كَانَ يلْزمه قدر الْعَمَل خَاصَّة. قلت: وَرِجَاله هَكَذَا قد تقدمُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا لغيره بِغَيْر إِذْنه. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أبي عَاصِم عَن ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَبَينهمَا تفَاوت فِي الْمَتْن يعرف بِالنّظرِ. قَوْله: (ثَلَاثَة رَهْط) ، الرَّهْط من الرِّجَال مَا دون الْعشْرَة، وَقيل: إِلَى الْأَرْبَعين وَلَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَيجمع على أرهط وأرهاط وأراهط، جمع الْجمع. قَوْله: (حَتَّى أووا) ، يُقَال: أَوَى فلَان إِلَى منزله يأوي أويا على وزن فعول، وَقَالَ أَبُو زيد: فعلت وأفعلت بِمَعْنى، يَعْنِي: أَوَى بِالْقصرِ وآوى بِالْمدِّ سَوَاء، وَالْمَبِيت مَوضِع البيتوتة، وَكلمَة: إِلَى، فِي: إِلَى غَار، للانتهاء. يَعْنِي: انْتهى، أويهم لأجل البيتوتة إِلَى غَار، وَهُوَ كَهْف فِي الْجَبَل. قَوْله: (فانحدرت) أَي: هَبَطت وَنزلت. قَوْله: (لَا ينجيكم) ، بِضَم الْيَاء، من الإنجاء بِالْجِيم، وَهُوَ التخليص. قَوْله: (إلَاّ أَن تدعوا الله) ، بِسُكُون الْوَاو لِأَنَّهُ جمع، وَأَصله: تدعون، من الدُّعَاء فَسَقَطت النُّون لأجل: أَن. قَوْله: (أللهم قد) ذكرنَا مَعْنَاهُ هُنَاكَ فِي ذَلِك الْبَاب. قَوْله: (لَا أغبق) ، من الغبوق بالغين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره قَالَ، وَهُوَ: شرب الْعشي، وضبطوا: لَا أغبق، بِفَتْح الْهمزَة من الثلاثي إلَاّ الْأصيلِيّ، فَإِنَّهُ يضمها من الرباعي، وخطؤه فِيهِ. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : يُقَال: غبقت الرجل، وَلَا يُقَال: أغبقته، والغبوق: شرب آخر النَّهَار مُقَابل الصبوح، وَاسم الشَّرَاب الغبق. قَوْله: (أَهلا) الْأَهْل الزَّوْجَات، وَالْمَال الرَّقِيق، وَقَالَ الدادي: وَالدَّوَاب أَيْضا. وَقَالَ ابْن التِّين: وَلَيْسَ للدواب هُنَا معنى يذكر بِهِ. قَوْله: (فنَاء بِي) بِمد بعد النُّون بِوَزْن جَاءَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: فنأى، بِفَتْح النُّون والهمزة مَقْصُورا على وزن: سقى، أَي: بعد، وأصل هَذِه الْمَادَّة
следующие страницы →