Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
شِئْت لاتخذت عَلَيْهِ أجرا﴾ (الْكَهْف: ٧٧) . وَالْأَجْر لَا يُؤْخَذ إلَاّ على عمل مَعْلُوم، وَإِنَّمَا كَانَ يكون لَهُ الْأجر لَو عَامله عَلَيْهِ قبل عمله، وَأما بعد أَن أَقَامَهُ بِغَيْر إِذن صَاحبه فَلَا يجْبر صَاحبه على غرم شَيْء، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَفِيه جَوَاز الِاسْتِئْجَار على الْبناء.
٧٦٢٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُسَى قَالَ أخبرنَا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخبرَهُمْ قَالَ أخْبَرَنِي يَعْلَى بنُ مُسْلِمٍ وعَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ يَزيدُ أحَدُهُمَا علَى صاحِبه وغَيْرُهُما قَالَ قدْ سَمِعتُهُ يُحَدِّثُهُ عنْ سَعِيدٍ قَالَ قَالَ لي ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ حدَّثني أبيُّ بنُ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ فانْطَلَقا فوَجَدا جِدَارا يُرِيدُ أنْ ينقَضَّ قَالَ سَعِيدٌ بِيَدِهِ هَكَذَا ورَفَعَ يدَيْهِ فاسْتَقامَ قالَ يَعْلَى حَسِبْتُ أنَّ سَعِيدا قَالَ فمَسَحَهُ بِيَدِهِ فاسْتَقامَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا قَالَ سَعيدٌ أجْرا نأكُلُهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ﴿فَوجدَ جدارا يُرِيد أَن ينفض فأقامه﴾ .
ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق، يعرف بالصغير. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن، قَاضِي الْيمن. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: يعلى بن مُسلم بن هُرْمُز. الْخَامِس: عَمْرو بن دِينَار الْقرشِي الْأَثْرَم. السَّادِس: سعيد بن جُبَير. السَّابِع: عبد الله بن عَبَّاس. الثَّامِن: أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وبصيغة الْإِخْبَار بِجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه رازي وَأَن هشاما يماني وَأَن ابْن جريج وَعمر مكيان وَسَعِيد بن جُبَير كُوفِي. وَفِيه: يروي ابْن جريج عَن شيخين. وَفِيه: يزِيد أَحدهمَا أَي: يعلى أَو عَمْرو.
قَوْله: (سمعته) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْغَيْر، أَي: قَالَ ابْن جريج: وَسمعت غَيرهمَا أَيْضا يحدث عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ الْكرْمَانِي: يلْزم من زِيَادَة أَحدهمَا على صَاحبه نوع محَال، وَهُوَ أَن يكون الشَّيْء مزيدا ومزيدا عَلَيْهِ، ثمَّ أجَاب: بِأَنَّهُ إِن أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا وَاحِدًا معينا مِنْهُمَا فَلَا إِشْكَال وَإِن أَرَادَ كل وَاحِد مِنْهُمَا فَمَعْنَاه أَنه يزِيد شَيْئا غير مَا زَاده الآخر، فَهُوَ مزِيد بِاعْتِبَار شَيْء مزيدعليه، بِاعْتِبَار شَيْء آخر، ثمَّ قَالَ: هَذَا الْمَرْوِيّ مَجْهُول، إِذْ لَا يعلم الزِّيَادَة مِنْهُ، ثمَّ أجَاب: علم من سِيَاقه زِيَادَة يعلى إِذْ قَالَ: حسبت.
وَقد ذكرنَا تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من كل الْوُجُوه فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب ذهَاب مُوسَى فِي الْبَحْر إِلَى الْخضر، وَهنا ذكر قِطْعَة من حَدِيث مُوسَى وَالْخضر، وَقد أوردهُ مُسْتَوفى فِي التَّفْسِير. قَوْله: (يُرِيد) نِسْبَة الْإِرَادَة إِلَى الْجِدَار مجَاز. وَفِيه: حجَّة على من يُنكر الْمجَاز. قَوْله: ﴿أَن ينْقض﴾ وقرىء: ينقاض، أَي: ينقلع من أَصله، وَيُقَال للبئر إِذا انهارت: انقاضت، بالضاد الْمُعْجَمَة، وقرىء بِالْمُهْمَلَةِ مَوضِع الْألف، أَي: ينشق طولا. قَوْله: (يرفع يَدَيْهِ) ، أَي: إِلَى الْجِدَار، فاستقام، وَهُوَ تَفْسِير لقَوْله: فأقامه، وروى: يَده، بِالْإِفْرَادِ.
٨ - (بابُ الإجارَةِ إلَى نِصْفِ النَّهارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْإِجَارَة إِلَى نصف النَّهَار، يَعْنِي: من أول النَّهَار إِلَى نصفه، ثمَّ قَالَ بعد هَذَا الْبَاب: بَاب الْإِجَارَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر، ثمَّ قَالَ بعد بَاب آخر: بَاب الْإِجَارَة من الْعَصْر إِلَى اللَّيْل، وَهَذَا كُله فِي حكم يَوْم وَاحِد، وَأَرَادَ بذلك إِثْبَات صِحَة الْإِجَارَة بِأَجْر مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم، إِذْ لَوْلَا جَازَت مَا أقره الشَّارِع فِي الحَدِيث الَّذِي ضرب بِهِ الْمثل، كَمَا يَأْتِي، وَمَا اتَّخذهُ من هَذَا الحَدِيث، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون الْغَرَض من كل ذَلِك إِثْبَات جَوَاز الْإِجَارَة بِقِطْعَة من النَّهَار إِذا كَانَت مَعْلُومَة مُعينَة دفعا لتوهم من يتَوَهَّم أَن أقل الْأَجَل الْمَعْلُوم أَن يكون يَوْمًا كَامِلا.
٨٦٢٢ - حدَّثنا سلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حَدثنَا حمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مَثَلُكُمْ ومثَلُ أهْلِ الكتابَيْنِ كمَثَل رَجُلٍ اسْتَأجَرَ أُجَرَاءَ فقالَ
стр. 3502
منْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إلَى نِصْفِ النهارِ عَلى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ ثُمَّ قالَ من يَعْمَلُ لِي مِن نِصْفِ النهارِ إِلَى صلاةِ العَصْرِ علَى قِيراطٍ فعَمِلَتِ النَّصارَى ثُمَّ قالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ العَصْرِ إِلَى أنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ على قِيراطَيْنِ فأنْتُمْ هُمْ فغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصارَى فَقالوا مَا لَنا أكْثرَ عمَلاً وأقَلَّ عَطاء قالَ هَلْ نَقَصْتُكُم مِنْ حَقِّكُم قَالُوا لَا فذَلِكَ فَضْلِي أوُتيهِ مَنْ أشاءُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من يعْمل لي غدْوَة إِلَى نصف النَّهَار) .
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب من أدْرك رَكْعَة من الْعَصْر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه، وَبَينهمَا تفَاوت فِي الْمَتْن أَيْضا، وَلَكِن الأَصْل وَاحِد، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ، ولنذكر بعض شَيْء.
قَوْله: (أهل الْكِتَابَيْنِ) ، المُرَاد بِهِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى. قَوْله: (كَمثل رجل) فِيهِ حذف تَقْدِيره: وَهُوَ مثلكُمْ مَعَ نَبِيكُم وَمثل أهل الْكِتَابَيْنِ مَعَ أَنْبِيَائهمْ كَمثل رجل اسْتَأْجر، فالمثل مَضْرُوب للْأمة مَعَ نَبِيّهم، والممثل بِهِ الأجراء مَعَ من استأجرهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْقيَاس يَقْتَضِي أَن يُقَال: كَمثل أجراء، ثمَّ قَالَ: هُوَ من تَشْبِيه الْمُفْرد بالمفرد فَلَا اعْتِبَار إلَاّ بالمجموعين، أَو التَّقْدِير: مثل الشَّارِع مَعكُمْ كَمثل رجل مَعَ أجراء. قَوْله: (على قِيرَاط) وَفِي رِوَايَة عبد الله بن دِينَار: على قِيرَاط قِيرَاط، وَالْمرَاد بالقيراط النَّصِيب، وَهُوَ فِي الأَصْل نصف دانق، والدانق سدس دِرْهَم قَوْله: (فَغضِبت الْيَهُود وَالنَّصَارَى) ، أَي: الْكفَّار مِنْهُم. قَوْله: (أَكثر) بِالرَّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى تَقْدِير: مَا لنا نَحن أَكثر، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَأما النصب فعلى الْحَال. وَيجوز أَن يكون خَبرا كَانَ تَقْدِيره: مَا لنا كُنَّا أَكثر عملا؟ قَوْله: (عملا) ، نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (وَأَقل عَطاء) مثله على الْعَطف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ كَانُوا أَكثر عملا وَوقت الظّهْر إِلَى الْعَصْر مثل وَقت الْعَصْر إِلَى الْمغرب؟ وَأجَاب بِأَنَّهُ لَا يلْزم من أكثرية الْعَمَل أكثرية الزَّمَان، وَقد مضى الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فَذَلِك فضلي) ، فِيهِ حجَّة لأهل السّنة على أَن الثَّوَاب من الله على سَبِيل الْإِحْسَان مِنْهُ.
٩ - (بابُ الإجارَةِ إِلَى صَلاةِ الْعَصْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِجَارَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر.
٩٦٢٢ - حدَّثنا إسماعِيلُ بنُ أبِي أوَيْسٍ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ دينارٍ مَوْلَى عَبْدِ الله ابنِ عُمَرَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إنَّما مَثَلُكُمْ واليَهُودُ والنَّصارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً فقالَ منْ يَعْمَلُ لِي نِصْفَ النَّهارِ علَى قِيراطٍ قِيراطٍ فعَمِلَتِ اليَهُودُ علَى قِيراطٍ قيراطٍ ثُمَّ عَملَتِ النَّصارَى علَى قيراطٍ قيراطٍ ثُمَّ أنْتُمْ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلَى مغَارِبِ الشِّمْسِ على قِيراطَيْنِ قيرَاطَيْنِ فغَضِبَتِ الْيَهُودُ والنَّصَارَى وَقَالُوا نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلاً وأقَلُّ عَطاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئا قَالُوا لَا فقالَ فذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أشَاءُ. .
وَقَالَ ابْن بطال: لفظ نَحن أَكثر عملا من قَول الْيَهُود خَاصَّة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿نسيا حوتهما﴾ (الْكَهْف: ١٦) . وَالنَّاسِي هُوَ يُوشَع. وَقَوله تَعَالَى: ﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ (الرَّحْمَن: ٢٢) . وَالْحَال أَنه لَا يخرج إلَاّ من المالح، هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (وَالْيَهُود) ، عطف على الْمُضمر الْمَجْرُور بِدُونِ إِعَادَة الْخَافِض، وَهُوَ جَائِز على رَأْي الْكُوفِيّين، وَقيل: يجوز الرّفْع على تَقْدِير: وَمثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى، على حذف الْمُضَاف وَإِعْطَاء الْمُضَاف إِلَيْهِ إعرابه، وَقيل: فِي أصل أبي ذَر بِالنّصب، وَوَجهه أَن تكون الْوَاو بِمَعْنى: مَعَ. قَوْله: (على قِيرَاط قِيرَاط) ، بالتكرار ليدل على تَقْسِيم القراريط على جَمِيعهم. قَوْله: (إِلَى مغارب الشَّمْس)
стр. 3503
وَوَقع فِي رِوَايَة سُفْيَان الْآتِيَة فِي (فَضَائِل الْقُرْآن) إِلَى مغرب الشَّمْس، على الْإِفْرَاد وَهُوَ الأَصْل، وَهنا الْجمع كَأَنَّهُ بِاعْتِبَار الْأَزْمِنَة المتعددة بِاعْتِبَار الطوائف الْمُخْتَلفَة الْأَزْمِنَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (هَل ظلمتكم) أَي: هَل نقصتكم فَإِن قلت: لم كَانَ للْمُؤْمِنين قيراطان؟ قلت: لإيمانهم بمُوسَى وَعِيسَى، ﵉، لِأَن التَّصْدِيق أَيْضا عمل.
٠١ - (بابُ إثْمِ مَنْ مَنَعَ أجْرَ الأجيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم الَّذِي يمْنَع أجر الْأَجِير، وَقد أخر ابْن بطال هَذَا الْبَاب عَن الْبَاب الَّذِي بعده، وَهُوَ الْأَوْجه، فَإِن فِيهِ رِعَايَة الْمُنَاسبَة.
٠٧٢٢ - حدَّثنا يوسفُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ عَن إسْمَاعِيلَ بنِ أمَيَّةَ عنْ سَعِيدَ بنِ أبِي سَعِيد عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ قَالَ الله تَعَالَى ثلاثَةٌ أَنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رجُلٌ أعطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ ورَجُلٌ باعَ حُرّا فأكَلَ ثَمَنُهُ ورجلٌ اسْتَأجَرَ أَجِيرا فاسْتَوْفَى مِنُهُ ولَمْ يُعْطِهِ أجْرَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٢٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِثْم من بَاعَ حرا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن بشر ابْن مَرْحُوم عَن يحيى بن سليم عَن إِسْمَاعِيل بن علية إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن يُوسُف بن مُحَمَّد بن سَابق الْعُصْفُرِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ هَهُنَا، وَهُوَ حَدِيث وَاحِد، ويوسف هَذَا من أَفْرَاده.
١١ - (بابُ الإجارَةِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْإِجَارَة من أول وَقت الْعَصْر إِلَى أول دُخُول اللَّيْل.
١١ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن يزِيد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ مثل الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى كَمثل رجل اسْتَأْجر قوما يعْملُونَ لَهُ عملا يَوْمًا إِلَى اللَّيْل على أجر مَعْلُوم فعملوا لَهُ إِلَى نصف النَّهَار فَقَالُوا لَا حَاجَة لنا إِلَى أجرك الَّذِي شرطت لنا وَمَا عَملنَا بَاطِل فَقَالَ لَهُم لَا تَفعلُوا أكملوا بَقِيَّة عَمَلكُمْ وخذوا أجركُم كَامِلا فَأَبَوا وَتركُوا واستأجر أجيرين بعدهمْ فَقَالَ لَهما أكملا بَقِيَّة يومكما هَذَا ولكما الَّذِي شرطت لَهُم من الْأجر فعملا حَتَّى إِذا كَانَ حِين صَلَاة الْعَصْر قَالَا لَك مَا عَملنَا بَاطِل وَلكم الْأجر الَّذِي جعلت لنا فِيهِ فَقَالَ لَهما أكملا بَقِيَّة عملكما فَإِن مَا بَقِي من النَّهَار شَيْء يسير فأبيا واستأجر قوما أَن يعملوا لَهُ بَقِيَّة يومهم فعملوا بَقِيَّة يومهم حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس واستكملوا أجر الْفَرِيقَيْنِ كليهمَا فَذَلِك مثلهم وَمثل مَا قبلوا من هَذَا النُّور) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " واستأجر قوما " أَن يعملوا إِلَى قَوْله الشَّمْس وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب من أدْرك رَكْعَة من الْعَصْر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن كريب عَن أبي أُسَامَة عَن بريد إِلَى آخِره بأخصر مِنْهُ وَهنا أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء بن كريب أَي كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن بريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف عَن أبي بردة واسْمه عَامر عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس قَوْله " كَمثل رجل اسْتَأْجر قوما " هُوَ من بَاب الْقلب وَالتَّقْدِير كَمثل قوم استأجرهم قوم أَو هُوَ من بَاب التَّشْبِيه بالمركب قَوْله " إِلَى اللَّيْل " هَذَا
стр. 3504
مُغَاير لحَدِيث ابْن عمر لِأَن فِيهِ أَنه استأجرهم على أَن يعملوا إِلَى نصف النَّهَار وَأجِيب بِأَن ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى من عجز عَن الْإِيمَان بِالْمَوْتِ قبل ظُهُور دين آخر وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من أدْرك دين الْإِسْلَام وَلم يُؤمن بِهِ وَقد تقدم تَمام الْبَحْث فِي ذَاك الْبَاب قَوْله " لَا حَاجَة لنا إِلَى أجرك " إِشَارَة إِلَى أَنهم كفرُوا وتولوا وَاسْتغْنى الله عَنْهُم وَهَذَا من بَاب إِطْلَاق القَوْل وَإِرَادَة لَازمه لِأَن لَازمه ترك الْعَمَل الْمعبر بِهِ عَن ترك الْإِيمَان قَوْله " وَمَا عَملنَا بَاطِل " إِشَارَة إِلَى إحباط عَمَلهم بكفرهم بِعِيسَى ﵊ إِذْ لَا يَنْفَعهُمْ الْإِيمَان بمُوسَى ﵊ وَحده بعد بعثة عِيسَى ﵊ وَكَذَلِكَ القَوْل فِي النَّصَارَى إِلَّا أَن فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن مدتهم كَانَت قدر نصف الْمدَّة فاقتصروا على نَحْو الرّبع من جَمِيع النَّهَار قَوْله " لَا تَفعلُوا " أَي إبِْطَال الْعَمَل وَترك الْأجر الْمَشْرُوط (فَإِن قلت) الْمَفْهُوم مِنْهُ أَن أهل الْكِتَابَيْنِ لم يَأْخُذُوا شَيْئا وَمن السَّابِق أَنهم أخذُوا قيراطا قيراطا (قلت) الآخذون هم الَّذين مَاتُوا قبل النّسخ والتاركون الَّذين كفرُوا بِالنَّبِيِّ الَّذِي بعد نَبِيّهم قَوْله " فَإِنَّمَا بَقِي من النَّهَار شَيْء يسير " أَي بِالنِّسْبَةِ لما مضى مِنْهُ وَالْمرَاد مَا بَقِي من الدُّنْيَا حَتَّى إِذا كَانَ حِين صَلَاة الْعَصْر هُوَ بِنصب حِين وَيجوز الرّفْع قَالَه بَعضهم وَلم يبين وَجهه وَلَا وَجه النصب (قلت) أما النصب فعلى الظَّرْفِيَّة وَأما الرّفْع فعلى أَنه اسْم كَانَ قَوْله " أجر الْفَرِيقَيْنِ كليهمَا " كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَغَيره وَحكى ابْن التِّين أَن فِي رِوَايَته كِلَاهُمَا بِالرَّفْع ثمَّ خطأه (قلت) لَيْسَ لما قَالَه وَجه لِأَن كِلَاهُمَا بِالْألف على لُغَة من يَجْعَل الْمثنى فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة بِالْألف قَوْله " فَذَلِك مثلهم " أَي مثل الْمُسلمين وَمثل مَا قبلوا من هَذَا النُّور أَي نور الْهِدَايَة إِلَى الْحق وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَذَلِك مثل الْمُسلمين الَّذين قبلوا هدى الله وَمَا جَاءَ بِهِ رَسُوله وَمثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى تركُوا مَا أَمرهم الله بِهِ وَالْمَقْصُود من التمثيلين من الأول بَيَان أَن أَعمال هَذِه الْأمة أَكثر ثَوابًا من أَعمال سَائِر الْأُمَم وَمن الثَّانِي أَن الَّذين لم يُؤمنُوا بِمُحَمد رَسُول الله ﷺ َ - أَعْمَالهم السالفة على دينهم لَا ثَوَاب لَهَا قيل اسْتدلَّ بِهِ على أَن بَقَاء هَذِه الْأمة تزيد على الْألف لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن مُدَّة الْيَهُود نَظِير مدتي النَّصَارَى وَالْمُسْلِمين وَقد اتّفق أهل النَّقْل على أَن مُدَّة الْيَهُود إِلَى بعثة النَّبِي ﷺ َ - كَانَت أَكثر من ألفي سنة وَمُدَّة النَّصَارَى من ذَلِك سِتّمائَة سنة وَقيل أقل فَيكون مُدَّة الْمُسلمين أَكثر من ألف قطعا (قلت) فِيهِ نظر لِأَنَّهُ صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس من طرق صِحَاح أَنه قَالَ الدُّنْيَا سَبْعَة أَيَّام كل يَوْم ألف سنة وَبعث رَسُول الله ﷺ َ - فِي الْيَوْم الآخر مِنْهَا وَقد مَضَت مِنْهُ سنُون أَو مئون وَيُؤَيّد هَذَا أَيْضا حَدِيث زمل الْخُزَاعِيّ حِين قصّ على رَسُول الله ﷺ َ - رُؤْيَاهُ وَقَالَ فِيهَا رَأَيْتُك على مِنْبَر لَهُ سبع دَرَجَات الحَدِيث وَفِيه فِي الْمِنْبَر ودرجاته الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سنة بعثت فِي آخرهَا ألفا وَقد صحّح أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ هَذَا الأَصْل بآثار -
٢١ - (بابُ مَنِ اسْتأجرَ أَجِيرا فتَرَكَ أجْرَهُ فعَمِلَ فِيهِ الْمُسْتأجِرُ فَزادَ أوْ منْ عَمِلَ فِي مالِ غَيْرِهِ فاسْتَفْضَلَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من اسْتَأْجر أَجِيرا فَترك أجره، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فَترك الْأَجِير أجره وغايته أَنه أظهر فَاعل ترك. قَوْله: (فَعمل فِيهِ) ، ويروى: بِهِ، أَي: اتّجر فِيهِ أَو زرع فَزَاد أَي ربح. قَوْله: (من عمل فِي مَال غَيره) ، عطف على: من اسْتَأْجر. قَوْله: (فاستفضل) ، بِمَعْنى: أفضل، يَعْنِي: أفضل من مَال غَيره الشَّيْء، وَلَيْسَ السِّين فِيهِ للطلب.
٢٧٢٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني سالِمُ بنُ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ انْطَلَقَ ثلاثةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ أوَوْا المَبِيتَ إلَى غارٍ فدَخَلُوهُ فانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ فقالُوا إنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إلَاّ أنْ تَدْعُوا الله بصالِحِ أعْمَالِكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أللَّهُمَّ كانَ لِي أبَوانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ وكُنْتُ لَا أغْبَقُ قَبْلَهُمَا أهْلاً ولَا مَالا فنأى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ
стр. 3505
يوْما فَلَمْ أرِحْ عَلَيْهِما حَتَّى نامَا فَحَلَبْتُ لَهُما غَبُوقَهُما فوَجدْتُهُما نائِمَيْنِ وكَرِهْتُ أنْ أغبِقَ قَبْلَهُما أهْلاً أوْ مَالا فَلَبِثْتُ والقَدَحُ على يَدَيَّ أنْتَظِرِ اسْتِيقَاظَهُما حَتَّى بَرَق الفَجْرُ فاسْتَيْقَظَا فشَرِبا غَبُوقَهُما اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ منْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فانْفَرَجَتْ شيْئا لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ قَالَ النَّبِي ﷺ وَقَالَ الآخرُ أللَّهُمَّ كانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كانَتْ أحَبَّ النَّاسَ إلَيَّ فأرَدْتُها عنْ نَفْسها فامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى ألَمَّتْ بِا سَنَةٌ مِنَ السِّنينَ فَجاءَتْنِي فأعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ ومِائَةَ دِينَارٍ علَى أنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلتْ حتَّى إذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قالتْ لَا احلُّ لَكَ أنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إلَاّ بِحَقِّهِ فتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا فانْصَرَفْتُ عَنْهَا وهْيَ أحَبُّ النَاسِ إلَيَّ وتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أعْطَيْتُهَا اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابتِغَاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فيهِ فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْها قَالَ النبيُّ ﷺ وَقَالَ الثَّالِثُ اللَّهُمَّ إنِّيي استَأجَرْتُ أُجَرَاءَ فأعْطَيْتُهُمْ أجْرَهُمْ غَيْرَ رجلٍ واحِدٍ ترَكَ الَّذِي لَهُ وذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أجْرَهُ حتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأمْوَالُ فجَاءَنِي بَعْدَ حِين فَقَالَ يَا عَبْدَ الله أدِّي إلَيَّ أجْرِي فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى منْ أجْرِكَ مِنَ الإبِلِ والْبَقَرِ والغَنَمِ والرَّقِيقِ فَقَالَ يَا عَبْدَ الله لَا تَسْتَهْزِىءْ بِي فقُلْتُ إنِّي لَا أسْتَهْزِىءُ بِكَ فأخذَهُ كُلَّهُ فاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكّ مِنْهُ شَيْئا اللَّهُمَّ فإنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأعطيتهم أجرهم غير رجل وَاحِد ترك الَّذِي لَهُ وَذهب) إِلَى قَوْله: (بعد حِين) . قَالَ الْمُهلب: لَيْسَ فِيهِ دَلِيل لما ترْجم لَهُ، وَإِنَّمَا أتجر الرجل فِي أجر أجيره ثمَّ أعطَاهُ على سَبِيل التَّبَرُّع، وَإِنَّمَا الَّذِي كَانَ يلْزمه قدر الْعَمَل خَاصَّة. قلت: وَرِجَاله هَكَذَا قد تقدمُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.
وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا لغيره بِغَيْر إِذْنه. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أبي عَاصِم عَن ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَبَينهمَا تفَاوت فِي الْمَتْن يعرف بِالنّظرِ.
قَوْله: (ثَلَاثَة رَهْط) ، الرَّهْط من الرِّجَال مَا دون الْعشْرَة، وَقيل: إِلَى الْأَرْبَعين وَلَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَيجمع على أرهط وأرهاط وأراهط، جمع الْجمع. قَوْله: (حَتَّى أووا) ، يُقَال: أَوَى فلَان إِلَى منزله يأوي أويا على وزن فعول، وَقَالَ أَبُو زيد: فعلت وأفعلت بِمَعْنى، يَعْنِي: أَوَى بِالْقصرِ وآوى بِالْمدِّ سَوَاء، وَالْمَبِيت مَوضِع البيتوتة، وَكلمَة: إِلَى، فِي: إِلَى غَار، للانتهاء. يَعْنِي: انْتهى، أويهم لأجل البيتوتة إِلَى غَار، وَهُوَ كَهْف فِي الْجَبَل. قَوْله: (فانحدرت) أَي: هَبَطت وَنزلت. قَوْله: (لَا ينجيكم) ، بِضَم الْيَاء، من الإنجاء بِالْجِيم، وَهُوَ التخليص. قَوْله: (إلَاّ أَن تدعوا الله) ، بِسُكُون الْوَاو لِأَنَّهُ جمع، وَأَصله: تدعون، من الدُّعَاء فَسَقَطت النُّون لأجل: أَن. قَوْله: (أللهم قد) ذكرنَا مَعْنَاهُ هُنَاكَ فِي ذَلِك الْبَاب. قَوْله: (لَا أغبق) ، من الغبوق بالغين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره قَالَ، وَهُوَ: شرب الْعشي، وضبطوا: لَا أغبق، بِفَتْح الْهمزَة من الثلاثي إلَاّ الْأصيلِيّ، فَإِنَّهُ يضمها من الرباعي، وخطؤه فِيهِ. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : يُقَال: غبقت الرجل، وَلَا يُقَال: أغبقته، والغبوق: شرب آخر النَّهَار مُقَابل الصبوح، وَاسم الشَّرَاب الغبق. قَوْله: (أَهلا) الْأَهْل الزَّوْجَات، وَالْمَال الرَّقِيق، وَقَالَ الدادي: وَالدَّوَاب أَيْضا. وَقَالَ ابْن التِّين: وَلَيْسَ للدواب هُنَا معنى يذكر بِهِ. قَوْله: (فنَاء بِي) بِمد بعد النُّون بِوَزْن جَاءَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: فنأى، بِفَتْح النُّون والهمزة مَقْصُورا على وزن: سقى، أَي: بعد، وأصل هَذِه الْمَادَّة
стр. 3506
من النأي، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهمزَة: الْبعد، يُقَال: نأى بِي طلب شَيْء، أَي: بعد. قَوْله: (فَلم أرح) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء أَي: لم أرجع على أَبَوي حَتَّى أخذهما النّوم. قَوْله: (والقدح) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (حَتَّى برق الْفجْر) أَي: ظهر الضياء. قَوْله: (فأردتها عَن نَفسهَا) ، كِنَايَة عَن طلب الْجِمَاع. قَوْله: (حَتَّى ألمت بهَا) أَي: حَتَّى نزلت بهَا سنة من سني الْقَحْط فأحوجتها. قَوْله: (عشْرين وَمِائَة) ، أَي: عشْرين دِينَارا وَمِائَة، وَوَقع هُنَاكَ مائَة، والتخصيص بِالْعدَدِ لَا يُنَافِي الزِّيَادَة، وَالْمِائَة كَانَت بالتماسها وَالْعشْرُونَ تبرع مِنْهُ كَرَامَة لَهَا. قَوْله: (لَا أحل لَك) ، بِضَم الْهمزَة من الْإِحْلَال. قَوْله: (أَن تفض الْخَاتم) كِنَايَة عَن الْوَطْء، يُقَال: فض الْخَاتم والختم إِذا كَسره وفتحه. قَوْله: (فتحرجت) ، يُقَال: تحرج فلَان إِذا فعل فعلا يخرج بِهِ من الْحَرج، وَهُوَ الْإِثْم والضيق. قَوْله: (وَتركت الذَّهَب الَّذِي أعطيتهَا) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (الَّتِي أعطيتهَا) ، وَالذَّهَب يذكر وَيُؤَنث. قَوْله: (فأفرج عَنَّا) ، بوصل الْهمزَة وَضم الرَّاء، فَإِذا قطع الْهمزَة وَكسر الرَّاء. فَالْأول أَمر من الْفرج. وَالثَّانِي: من الإفراج. قَوْله: (أجراء) جمع أجِير. قَوْله: (فثمرت) أَي: كثرت من التثمير. قَوْله: (كل مَا ترى) مُبْتَدأ وَخَبره. قَوْله: (من أجرك) ، أَي: من أجرتك. قَوْله: (من الْإِبِل. .) إِلَى آخِره، بَيَان لما ترى، وَهنا زَاد الْإِبِل وَالْبَقر، وَهُنَاكَ بقرًا وراعيها، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، وَقد ذكرنَا بعض الْخلاف فِيمَن اتّجر فِي مَال غَيره، فَقَالَ قوم: لَهُ الرِّبْح إِذا أدّى رَأس المَال إِلَى صَاحبه سَوَاء كَانَ غَاصبا لِلْمَالِ أَو وَدِيعَة عِنْده مُتَعَدِّيا فِيهِ، وَهُوَ قَول عَطاء وَمَالك وَرَبِيعَة وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف، وَاسْتحبَّ مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ تنزهه، وَيتَصَدَّق بِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ يرد المَال وَيتَصَدَّق بِالرِّبْحِ كُله. وَلَا يطيب لَهُ شَيْء من ذَلِك، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن وَزفر، وَقَالَ قوم: الرِّبْح لرب المَال، وَهُوَ ضَامِن لما تعدى فِيهِ، وَهُوَ قَول ابْن عمر وَأبي قلَابَة، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن اشْترى السّلْعَة بِالْمَالِ بِعَيْنِه فَالرِّبْح وَرَأس المَال لرب المَال، وَإِن اشْتَرَاهَا بِمَال بِغَيْر عينه قبل أَن يستوجبها بِثمن مَعْرُوف بِالْعينِ، ثمَّ نقد المَال مِنْهُ أَو الْوَدِيعَة، فَالرِّبْح لَهُ وَهُوَ ضَامِن لما اسْتهْلك من مَال غَيره، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٣١ - (بابُ منْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَليّ ظَهْرِهِ ثْمَّ تصَدَّقَ بِهِ وأُجْرَةِ الحَمَّالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من أجر نَفسه لغيره ليحمل مَتَاعه على ظَهره، ثمَّ تصدق بِهِ أَي: بأجره، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ثمَّ تصدق مِنْهُ. قَوْله: (وَأُجْرَة الْحمال) أَي: وَبَاب فِي بَيَان أُجْرَة الْحمال، ويروى: وَأجر الْحمال.
٣٧٢٢ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيى بنِ سَعِيدٍ قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا الأعْمَشُ عنْ شَقِيقٍ عنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ إذَا أمَرَ بالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أحدُنا إِلَى السُّوقِ فيُحَامِلُ فيُصِيبُ المُدَّ وإنَّ لبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ ألْفٍ قَالَ مَا نَرَاهُ إلَاّ نَفسَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تعلم من مَعْنَاهُ لِأَن مَعْنَاهُ: أَن النَّبِي، ﷺ ، إِذا كَانَ يَأْمر بِالصَّدَقَةِ يسمعهُ فُقَرَاء الصَّحَابَة ويرغب فِي الصَّدَقَة لما يسمع من الْأجر الجزيل فِيهَا، ثمَّ يذهب إِلَى السُّوق فَيحمل شَيْئا من أَمْتعَة النِّسَاء على ظَهره بأجره، ثمَّ يتَصَدَّق بِهِ، وَهَذَا معنى التَّرْجَمَة أَيْضا، وَكَذَلِكَ فِي الحَدِيث مَا يُطَابق قَوْله: وَأجر الْحمال، لِأَنَّهُ حِين يحمل شَيْئا بِأُجْرَة يصدق عَلَيْهِ أَنه حمال، وَأَنه يَأْخُذ الْأُجْرَة.
ثمَّ الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب (اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة) ، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد، وبعين هَذَا الْمَتْن، غير أَن فِيهِ هُنَا زِيَادَة شَيْء، وَهُوَ قَوْله: (مَا نرَاهُ إلَاّ نَفسه) .
وَسَعِيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن الْعَاصِ الْقرشِي الْأمَوِي أَبُو عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وشقيق أَبُو وَائِل، وَأَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَامر الْأنْصَارِيّ البدري.
قَوْله: (فيحامل) أَي: يعْمل صَنْعَة الحمالين، من المحاملة من بَاب المفاعلة الَّتِي تكون من الْإِثْنَيْنِ، وَالْمرَاد هُنَا: أَن الْحمل من أَحدهمَا وَالْأُجْرَة من الآخر كالمساقاة والمزارعة، ويروى: تحامل، على وزن: تفَاعل، بِلَفْظ الْمَاضِي أَي: تكلّف حمل مَتَاع الْغَيْر ليكتسب مَا يتَصَدَّق بِهِ. قَوْله: (فنصيب الْمَدّ) أَي: من الطَّعَام. وَهُوَ أجرته. قَوْله: (وَأَن لبَعْضهِم لمِائَة ألف) ، أَي: من الدَّرَاهِم أَو الدَّنَانِير، وَاللَّام فِي: الْمِائَة، للتَّأْكِيد، تسمى اللَّام الابتدائية لدخولها على اسْم إِن، وَهُوَ لفظ: فَإِنَّهُ اسْم: إِن، وخبرها مقدما، قَوْله:
стр. 3507
لبَعْضهِم، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (وَمَا كَانَ لَهُ يَوْمئِذٍ دِرْهَم) ، أَي: فِي الْيَوْم الَّذِي كَانَ يحمل بِالْأُجْرَةِ، لأَنهم كَانُوا فُقَرَاء فِي ذَلِك الْوَقْت وَالْيَوْم هم أَغْنِيَاء. قَوْله: (قَالَ: مَا نرَاهُ إِلَّا نَفسه) أَي: قَالَ شَقِيق الرَّاوِي: مَا أَظن أَبَا مَسْعُود أَرَادَ بذلك الْبَعْض إلَاّ نَفسه، فَإِنَّهُ كَانَ من الْأَغْنِيَاء، وَقد جَاءَ ذَلِك مُبينًا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من طَرِيق زَائِدَة عَن الْأَعْمَش: أَن قَائِل ذَلِك هُوَ أَبُو وَائِل الرَّاوِي، وَالله أعلم.
٤١ - (بابُ أجْرِ السَّمْسَرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السمسرة أَي: الدّلَالَة، والسمسار بِالْكَسْرِ: الدَّلال. وَفِي (الْمغرب) السمسرة مصدر، وَهُوَ أَن يُوكل الرجل من الْحَاضِرَة للقادمة، فيبيع لَهُم مَا يجلبونه، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: وَقيل فِي تَفْسِير قَوْله، ﷺ : (لَا يَبِيع حَاضر لبادٍ) ، أَنه لَا يكون لَهُ سمسارا، وَمِنْه كَانَ أَبُو حنيفَة يكره السمسرة.
ولَمْ يَرَ ابنُ سِيرِينَ وعَطَاءٌ وإبْرَاهِيمُ والحَسَنُ بأجرِ السِّمْسَارِ بَأْسا
أَي: لم يَرَ مُحَمَّد بن سِيرِين وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ بِأَجْر السمسار بَأْسا، وَتَعْلِيق ابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم وَصله ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا حَفْص عَن أَشْعَث عَن الحكم وَحَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن سِيرِين، قَالَا: لَا بَأْس بِأَجْر السمسار إِذا اشْترى يدا بيد، وَتَعْلِيق عَطاء وَصله ابْن أبي شييبة أَيْضا: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا اللَّيْث أَبُو عبد الْعَزِيز، قَالَ: سَأَلت عَطاء عَن السمسرة، فَقَالَ: لَا بَأْس بهَا. وَقَالَ بَعضهم: وَكَأن المُصَنّف أَشَارَ إِلَى الرَّد على من كرهها، وَقد نَقله ابْن الْمُنْذر عَن الْكُوفِيّين. انْتهى. قلت: لم يقْصد البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على أحد، وَإِنَّمَا نقل عَن هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين أَنهم لَا يرَوْنَ بَأْسا بالسمسرة، وَطَرِيقَة الرَّد لَا تكون هَكَذَا.
وَهَذَا الْبَاب فِيهِ اخْتِلَاف للْعُلَمَاء، فَقَالَ مَالك: يجوز أَن يستأجره على بيع سلْعَته إِذا بَين لذَلِك أَََجَلًا، قَالَ: وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لَهُ: بِعْ هَذَا الثَّوْب وَلَك دِرْهَم أَنه جَائِز، وَإِن لم يُوَقت لَهُ ثمنا، وَكَذَلِكَ إِن جعل لَهُ فِي كل مائَة دِينَار شَيْئا، وَهُوَ جعل، وَقَالَ أَحْمد: لَا بَأْس أَن يُعْطِيهِ من الْألف شَيْئا مَعْلُوما، وَذكر ابْن الْمُنْذر عَن حَمَّاد وَالثَّوْري أَنَّهُمَا كرها أجره، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن دفع لَهُ ألف دِرْهَم يَشْتَرِي بهَا بزا بِأَجْر عشر دَرَاهِم، فَهُوَ فَاسد، وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: اشْتَرِ مائَة ثوب فَهُوَ فَاسد، فَإِن اشْترى فَلهُ أجر مثله، وَلَا يُجَاوز مَا سمى من الْأجر، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا جعل لَهُ فِي كل ألف شَيْئا مَعْلُوما لم يجز، لِأَن ذَلِك غير مَعْلُوم فَإِن عمل على ذَلِك فَلهُ أجره وَإِن اكتراه شهرا على أَن يَشْتَرِي لَهُ وَيبِيع فَذَلِك جَائِز. وَقَالَ ابْن التِّين أُجْرَة السمسار ضَرْبَان: إِجَارَة وجعالة: فَالْأول: يكون مُدَّة مَعْلُومَة فيجتهد فِي بَيْعه، فَإِن بَاعَ قبل ذَلِك أَخذ بِحِسَابِهِ، وَإِن انْقَضى الْأَجَل أَخذ كَامِل الْأُجْرَة. وَالثَّانِي: لَا يضْرب فِيهَا أجل، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من الْمَذْهَب، وَلَكِن لَا تكون الْإِجَارَة والجعالة إلَاّ معلومين، وَلَا يسْتَحق فِي الْجعَالَة شَيْئا إلَاّ بِتمَام الْعَمَل، وَهُوَ البيع، والجعالة الصَّحِيحَة أَن يُسمى لَهُ ثمنا إِن بلغه مَا بَاعَ، أَو يُفَوض إِلَيْهِ، فَإِن بلغ الْقيمَة بَاعَ، وَإِن قَالَ الْجَاعِل: لَا تبع إلَاّ بأَمْري فَهُوَ فَاسد. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: أُجْرَة السمسار مَحْمُولَة على الْعرف يقل عَن قوم وَيكثر عَن قوم، وَلَكِن جوزت لما مضى من عمل النَّاس عَلَيْهِ على أَنَّهَا مَجْهُولَة، قَالَ: وَمثل ذَلِك أُجْرَة الْحجام، وَقَالَ ابْن التِّين: وَهَذَا الَّذِي ذكره غير جَار على أصُول مَالك، وَإِنَّمَا يجوز من ذَلِك عِنْده مَا كَانَ ثمنه مَعْلُوما لَا غرر فِيهِ.
وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَا بَأسَ أنْ يَقولَ بِعْ هذَا الثَّوْبَ فَما زَاد علَى كذَا وكَذَا فَهُوَ لَكَ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس نَحوه.
وَقَالَ ابنُ سِيرينَ إذَا قالَ بِعْهُ بِكَذَا فَما كانَ مِنْ رِبْحٍ فَهْوَ لَكَ أوْ بَيْنِي وبَيْنَكَ فَلَا بَأسَ بِهِ
هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن يُونُس عَن ابْن سِيرِين، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَأما قَول ابْن عَبَّاس وَابْن سِيرِين فَأكْثر الْعلمَاء لَا يجيزون هَذَا البيع، وَمِمَّنْ كرهه: الثَّوْريّ والكوفيون، وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك: لَا يجوز، فَإِن بَاعَ فَلهُ أجر مثله، وَأَجَازَهُ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالا: هُوَ من بَاب الْقَرَاض، وَقد لَا يربح الْمُقَارض.
стр. 3508
وَقَالَ النبيُّ ﷺ المؤمنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السمسرة إِذا شرطت بِشَيْء معِين يَنْبَغِي أَن يكون السمسار وَصَاحب الْمَتَاع ثابتين على شَرطهمَا لقَوْله ﷺ : (الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم) ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو دَاوُد فِي الْقَضَاء من حَدِيث الْوَلِيد بن رَبَاح، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، عَن أبي هُرَيْرَة، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَطاء: بلغنَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم) وروى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مثله وَزَاد: مَا وَافق الْحق، وروى إِسْحَاق فِي (مُسْنده) من طَرِيق كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا: الْمُسلمُونَ على شروطهم إلَاّ شرطا حرم حَلَالا أَو أحل حَرَامًا، وَكثير ابْن عبد الله ضَعِيف عِنْد الْأَكْثَرين إلَاّ أَن البُخَارِيّ قوي أمره وَكَذَلِكَ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة، وَفِي بعض نسخ البُخَارِيّ وَقَالَ النَّبِي ﷺ : (الْمُسلمُونَ على شروطهم) ، وَقيل: ظن ابْن التِّين أَن قَوْله: وَقَالَ النَّبِي ﷺ : (الْمُسلمُونَ على شروطهم) بَقِيَّة كَلَام ابْن سِيرِين، فشرح على ذَلِك، فَوَهم وَقد اعْترض عَلَيْهِ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي وَغَيره.
٤٧٢٢ - حدَّثنا مُسَدَّد قَالَ حَدثنَا عبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حَدثنَا مَعْمَرٌ عنِ ابنِ طاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ نَهَى رسولُ الله ﷺ أنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ ولَا يَبِيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ قُلْتُ يَا ابنَ عبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ لَا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبادٍ قَالَ لَا يَكُونُ لَهُ سَمْسارا. .
مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب البيع فِي بَاب النَّهْي عَن تلقي الركْبَان فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَيَّاش بن الْوَلِيد عَن عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه. . إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن معمر بن رَاشد عَن عبد الله بن طَاوُوس عَن أَبِيه طَاوُوس عَن عبد الله بن عَبَّاس، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصى. قَوْله: (لَا يَبِيع) بِالنّصب على أَن لَا زَائِدَة، وبالرفع بِتَقْدِير: قَالَ قبله عطفا على نهي، وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ لَا يكون لَهُ سمسارا يَعْنِي من أجل الْمضرَّة الدَّاخِلَة على النَّاس لَا من أجل أجرته، وَالله أعلم.
٤٧٢٢ - حدَّثنا مُسَدَّد قَالَ حَدثنَا عبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حَدثنَا مَعْمَرٌ عنِ ابنِ طاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ نَهَى رسولُ الله ﷺ أنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ ولَا يَبِيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ قُلْتُ يَا ابنَ عبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ لَا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبادٍ قَالَ لَا يَكُونُ لَهُ سَمْسارا. .
مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب البيع فِي بَاب النَّهْي عَن تلقي الركْبَان فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَيَّاش بن الْوَلِيد عَن عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه. . إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن معمر بن رَاشد عَن عبد الله بن طَاوُوس عَن أَبِيه طَاوُوس عَن عبد الله بن عَبَّاس، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصى. قَوْله: (لَا يَبِيع) بِالنّصب على أَن لَا زَائِدَة، وبالرفع بِتَقْدِير: قَالَ قبله عطفا على نهي، وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ لَا يكون لَهُ سمسارا يَعْنِي من أجل الْمضرَّة الدَّاخِلَة على النَّاس لَا من أجل أجرته، وَالله أعلم.
٥١ - (بابٌ هَلْ يُؤاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي أرْضِ الحَرْبِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يُؤجر الرجل الْمُسلم نَفسه من رجل مُشْرك فِي دَار الْحَرْب؟ وَلم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام، لِأَن حَدِيث الْبَاب يتَضَمَّن إِجَارَة خباب نَفسه، وَهُوَ مُسلم إِذْ ذَاك فِي عمله للعاص بن وَائِل وَهُوَ مُشْرك، وَكَانَ ذَلِك بِمَكَّة، وَكَانَت مَكَّة إِذْ ذَاك دَار حَرْب، وأطلع النَّبِي ﷺ على ذَلِك فأقره، وَلكنه يحْتَمل أَن يكون كَانَ ذَلِك لأجل الضَّرُورَة، أَو كَانَ ذَلِك قبل الْإِذْن فِي قتال الْمُشْركين ومنابذتهم، وَقبل الْأَمر بِمَنْع إذلال الْمُؤمن نَفسه. وَقَالَ الْمُهلب: كره أهل الْعلم ذَلِك إلَاّ للضَّرُورَة بِشَرْطَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يكون عمله فِيمَا يحل للْمُسلمِ، وَالْآخر: أَن لَا يُعينهُ على مَا هُوَ ضَرَر على الْمُسلمين، وَقَالَ ابْن الْمُنِير: اسْتَقَرَّتْ الْمذَاهب على أَن الصناع فِي حوانيتهم يجوز لَهُم الْعَمَل لأهل الذِّمَّة، وَلَا يعْتد ذَلِك من الذلة، بِخِلَاف أَن يَخْدمه فِي منزله وبطريق التّبعِيَّة لَهُ.
٥٧٢٢ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قَالَ حَدثنَا أبِي قَالَ حَدثنَا الأعْمَشُ عنْ مُسْلِمٍ عنْ مَسْرُوقٍ قَالَ حَدثنَا خَبَّابٌ قَالَ كُنْتُ رَجُلاً قِينا فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ ابنِ وائِلٍ فاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ فأتَيْتُه أتَقاضَاهُ فَقَالَ لَا وَالله لَا أقْضِيكَ حتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فَقُلْتُ أما وَالله حتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلا قالَ وإنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فإنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مالٌ وَوَلَدٌ فأقْضِيكَ فأنزلَ الله تَعَالَى أفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوُتِيَنَّ مَالا وَوَلَدا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب ذكر الْقَيْن والحداد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد
стр. 3509
بن بشار عَن ابْن أبي عدي عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن خباب ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ الْكُوفِي، قاضيها، عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى مُسلم عَن مَسْرُوق إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. والقين، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْحداد.
قَوْله: (أما) ، حرف التَّنْبِيه وَجَوَاب الْقسم مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا أكفر. قَوْله: (حَتَّى تَمُوت) غَايَة لَهُ، وَالْغَرَض التأييد كَمَا فِي قَوْلك: إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَبعد الْبَعْث لَا يُمكن الْكفْر. قَوْله: (فَلَا) أَي: فَلَا أكفر، ويروى هَكَذَا: فَلَا أكفر. فَإِن قلت: الْفَاء لَا تدخل جَوَاب الْقسم. قلت: الْمَذْكُور مُفَسّر للمقدر، ويروى: أمَّا، بتَشْديد الْمِيم، وَتَقْدِيره: أمَّا أَنا فَلَا أكفر، وَالله، وأمَّا غَيْرِي فَلَا أعلم حَاله، قَوْله: (وَإِنِّي) همزَة الِاسْتِفْهَام مقدرَة فِيهِ، وَإِنَّمَا أكد بِأَن وَاللَّام مَعَ أَن الْمُخَاطب هُوَ خباب غير مُنكر وَلَا مُتَرَدّد فِي ذَلِك، لِأَن الْعَاصِ فهم مِنْهُ التَّأْكِيد فِي مُقَابلَة إِنْكَاره، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَتَقول هَذَا الْكَلَام الْمُؤَكّد؟
٦١ - (بابُ مَا يُعْطَى فِي الرقَيَّةِ عَلى أحْياءِ الَعرَبِ بِفاتِحَةِ الْكِتابِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مَا يعْطى فِي الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب، وَلم يبين الحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث على عَادَته فِي ذَلِك. والرقية، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: من رقاه رقيا ورقية ورقيا، فَهُوَ راقٍ: إِذا عوذه، وَصَاحبه رقاه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقد يُقَال: استرقيته، بِمَعْنى: رقيته. قَالَ: وَعَن الْكسَائي: ارتقيته، بِهَذَا الْمَعْنى، وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه: كل كَلَام استشفي بِهِ من وجع أَو خوف أَو شَيْطَان أَو سحر فَهُوَ رقية، وَفِي مُعظم نسخ البُخَارِيّ وأكثرها هَكَذَا: بَاب مَا يعْطى فِي الرّقية على أَحيَاء الْعَرَب بِفَاتِحَة الْكتاب، وَاعْترض عَلَيْهِ بتقييده بأحياء الْعَرَب بِأَن الحكم لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْمحَال وَلَا الْأَمْكِنَة، وَأجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ ترْجم بالواقع وَلم يتَعَرَّض لنفي غَيره. قلت: هَذَا الْجَواب غير مقنع لِأَنَّهُ قَيده بأحياء الْعَرَب، والقيد شَرط إِذا انْتَفَى يَنْتَفِي الْمَشْرُوط، وَهَذَا الْقَائِل لم يكتف بِهَذَا الْجَواب الَّذِي لَا يرضى بِهِ حَتَّى قَالَ: والأحياء جمع حَيّ، وَالْمرَاد بِهِ: طَائِفَة مَخْصُوصَة، وَهَذَا الْكَلَام أَيْضا يشْعر بالتقييد، وَالْأَصْل فِي الْبَاب الْإِطْلَاق، فَافْهَم.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ عَن النبيِّ ﷺ أحَقُّ مَا أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرا كِتابُ الله
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة لقِرَاءَة الْقُرْآن وللتعليم أَيْضا وللرقيا بِهِ أَيْضا لعُمُوم اللَّفْظ، وَهُوَ يُفَسر أَيْضا الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة، فَإِنَّهُ مَا بَين فِيهِ حكم مَا يعْطى فِي الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب، وَهَذَا الَّذِي علقه البُخَارِيّ طرف من حَدِيث وَصله هُوَ فِي كتاب الطِّبّ فِي: بَاب الشَّرْط فِي الرّقية بقطيع من الْغنم، حَدثنِي سيدان بن مضَارب ... إِلَى آخِره وَفِي آخِره: إِن أَحَق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَخذ الْأجر على الرّقية بِالْفَاتِحَةِ، وَفِي أَخذه على التَّعْلِيم، فَأَجَازَهُ عَطاء وَأَبُو قلَابَة، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر، وَنَقله الْقُرْطُبِيّ عَن أبي حنيفَة فِي الرّقية، وَهُوَ قَول إِسْحَاق. وَكره الزُّهْرِيّ تَعْلِيم الْقُرْآن بِالْأَجْرِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا يجوز أَن يَأْخُذ الْأجر على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَقَالَ الْحَاكِم من أَصْحَابنَا فِي كِتَابه (الْكَافِي) : وَلَا يجوز أَن يسْتَأْجر رجل رجلا أَن يعلم وَلَده الْقُرْآن وَالْفِقْه والفرائض أَو يؤمهم رَمَضَان أَو يُؤذن، وَفِي (خُلَاصَة الْفَتَاوَى) نَاقِلا عَن الأَصْل: لَا يجوز الِاسْتِئْجَار على الطَّاعَات كتعليم الْقُرْآن وَالْفِقْه وَالْأَذَان والتذكير والتدريس وَالْحج والغزو، يَعْنِي: لَا يجب الْأجر، وَعند أهل الْمَدِينَة: يجوز، وَبِه أَخذ الشَّافِعِي ونصير وعصام، وَأَبُو نصر الْفَقِيه وَأَبُو اللَّيْث ﵏. وَالْأَصْل الَّذِي بنى عَلَيْهِ حُرْمَة الِاسْتِئْجَار على هَذِه الْأَشْيَاء: أَن كل طَاعَة يخْتَص بهَا الْمُسلم لَا يجوز الِاسْتِئْجَار عَلَيْهَا، لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء طَاعَة وقربة تقع على الْعَامِل. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إلَاّ مَا سعى﴾ (النَّجْم: ٩٣) . فَلَا يجوز أَخذ الْأُجْرَة من غَيره كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة، وَاحْتَجُّوا على ذَلِك بِأَحَادِيث: مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام الدستوَائي حَدثنِي يحى بن أبي كثير عَن أبي رَاشد الحبراني قَالَ: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن شبْل: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: إقرأوا الْقُرْآن وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَعنهُ: وَلَا تجفوا وَلَا تقلوا فِيهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَيْضا فِي (مُسْنده) وَابْن أبي شيبَة وَعبد الرَّزَّاق فِي (مصنفيهما) . وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ عبد بن حميد وَأَبُو يعلى الْموصِلِي وَالطَّبَرَانِيّ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) عَن حَمَّاد بن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عبد الرَّحْمَن
стр. 3510
ابْن عَوْف مَرْفُوعا نَحوه. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَن الضَّحَّاك بن نبراس الْبَصْرِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ نَحوه. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْمُغيرَة بن زِيَاد الْموصِلِي عَن عبَادَة بن نسي عَن الْأسود بن ثَعْلَبَة عَن عبَادَة بن الصَّامِت رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: علَّمتُ نَاسا من أهل الصّفة الْقُرْآن فأهدى إليَّ رجل مِنْهُم قوسا، فَقلت: لَيست بِمَال، وأرمي بهَا فِي سَبِيل الله. فَسَأَلت النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك؟ فَقَالَ: إِن أردْت أَن يطوقك الله طوقا من نَار فاقبلها. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق آخر من حَدِيث جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن عبَادَة بن الصَّامِت، قَالَ: كَانَ النَّبِي، ﷺ ، إِذا قدم الرجل مُهَاجرا دَفعه إِلَى رجل منا يُعلمهُ الْقُرْآن، فَدفع إليَّ رجلا كَانَ معي وَكنت أقرئه الْقُرْآن، فَانْصَرَفت يَوْمًا إِلَى أَهلِي فَرَأى أَن عَلَيْهِ حَقًا، فأهدى إِلَيّ قوسا مَا رَأَيْت أَجود مِنْهَا عودا، وَلَا أحسن مِنْهَا عَطاء، فَأتيت رَسُول الله، ﷺ ، فاستفتيته، فَقَالَ: جَمْرَة بَين كتفيك تقلدتها أَو تعلقتها. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (كتاب الْفَضَائِل) عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج عَن بشر بن عبد الله بن يسَار بِهِ سندا ومتنا. وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح الأسناد وَلم يخرجَاهُ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عَطِيَّة الكلَاعِي عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: علمت رجلا الْقُرْآن فأهدى إليَّ قوسا، فَذكرت ذَلِك للنَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ: إِن أَخَذتهَا أخذت قوسا من نَار. قَالَ: فرددتها. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ من حَدِيث أم الدَّرْدَاء عَن أبي الدَّرْدَاء أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (من أَخذ قوسا على تَعْلِيم الْقُرْآن قَلّدهُ الله قوسا من نَار) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (شعب الْإِيمَان) من حَدِيث سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من قَرَأَ الْقُرْآن يَأْكُل بِهِ النَّاس جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَوَجهه عَظمَة لَيْسَ عَلَيْهِ لحم) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن يرفعهُ: (اقرأوا الْقُرْآن وسلوا الله بِهِ، فَإِن من بعدكم قوم يقرأون الْقُرْآن يسْأَلُون النَّاس بِهِ) . وَذكر ابْن بطال من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن أبي جرهم عَن أبي هُرَيْرَة، قلت: (يَا رَسُول الله ﴿مَا تَقول فِي المعلمين؟ قَالَ﴾ أجرهم حرَام) وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، مَرْفُوعا: (لَا تستأجروا المعلمين) وَهَذَا غير صَحِيح، وَفِي إِسْنَاده أَحْمد بن عبد الله الْهَرَوِيّ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: دجال يضع الحَدِيث، وَوَافَقَهُ صَاحب التَّنْقِيح، وَهَذِه الْأَحَادِيث، وَإِن كَانَ فِي بَعْضهَا مقَال، لَكِنَّهَا يُؤَكد بَعْضهَا بَعْضًا، وَلَا سِيمَا حَدِيث الْقوس، فَإِنَّهُ صَحِيح كَمَا ذكرنَا، وَإِذا تعَارض نصان أَحدهمَا مُبِيح وَالْآخر محرم يدل على النّسخ كَمَا نذكرهُ عَن قريب، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي حَدِيث أبي سعد الْخُدْرِيّ الَّذِي يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فِي هَذَا الْبَاب.
وَأجَاب ابْن الْجَوْزِيّ نَاقِلا عَن أَصْحَابه عَن حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثَلَاثَة أجوبة: أَحدهَا: أَن الْقَوْم كَانُوا كفَّارًا فَجَاز أَخذ أَمْوَالهم. وَالثَّانِي: أَن حق الضَّيْف وَاجِب وَلم يضيفوهم. وَالثَّالِث: أَن الرّقية لَيست بقربة مَحْضَة، فَجَاز أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلَا نسلم أَن جَوَاز أَخذ الإجر فِي الرقي يدل على جَوَاز التَّعْلِيم بِالْأَجْرِ، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: وَمعنى قَوْله ﷺ : (إِن أَحَق مَا إخذتم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله) ، يَعْنِي: إِذا رقيتم بِهِ، وَحمل بعض من منع أَخذ الْأجر على تَعْلِيم الْقُرْآن الْأجر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور على الثَّوَاب، وَبَعْضهمْ ادعوا أَنه مَنْسُوخ بالأحاديث الْمَذْكُورَة الَّتِي فِيهَا الْوَعيد، وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بِأَنَّهُ إِثْبَات النّسخ بالإحتمال، وَهُوَ مَرْدُود. قلت: منع هَذَا بِدَعْوَى الِاحْتِمَال مَرْدُود، وَمن الَّذِي قَالَ هَذَا الحَدِيث يحْتَمل النّسخ، بل الَّذِي ادّعى النّسخ إِنَّمَا قَالَ: هَذَا الحَدِيث يحْتَمل الْإِبَاحَة، وَالْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة تمنع الْإِبَاحَة قطعا، والنسخ هُوَ الْحَظْر بعد الْإِبَاحَة، لِأَن الْإِبَاحَة أصل فِي كل شَيْء، فَإِذا طَرَأَ الْحَظْر يدل على النّسخ بِلَا شكّ، وَقَالَ بَعضهم: الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة لَيْسَ فِيهَا مَا تقوم بِهِ الْحجَّة فَلَا تعَارض الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. قلت: لَا نسلم عدم قيام الْحجَّة فِيهَا. فَإِن حَدِيث الْقوس صَحِيح، وَفِيه الْوَعيد الشَّديد. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَيجوز الْأجر على الرقى وَإِن كَانَ يدْخل فِي بعضه الْقُرْآن، لِأَنَّهُ لَيْسَ على النَّاس أَن يرقي بَعضهم بَعْضًا، وَتَعْلِيم النَّاس بَعضهم بَعْضًا الْقُرْآن وَاجِب، لِأَن فِي ذَلِك التَّبْلِيغ عَن الله تَعَالَى، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَول الطَّحَاوِيّ هَذَا غلط، لِأَن تعلمه لَيْسَ بِفَرْض، فَكيف تَعْلِيمه؟ وَإِنَّمَا الْفَرْض الْمعِين مِنْهُ على كل أحد مَا تقوم بِهِ الصَّلَاة، وَغير ذَلِك فَضِيلَة ونافلة، وَكَذَلِكَ تَعْلِيم النَّاس بَعضهم بَعْضًا، لَيْسَ بِفَرْض مُتَعَيّن عَلَيْهِم، وَإِنَّمَا هُوَ على الْكِفَايَة، وَلَا فرق بَين الْأُجْرَة فِي الرقي وعَلى تَعْلِيم الْقُرْآن، لِأَن ذَلِك كُله مَنْفَعَة. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام صادر بقلة الْأَدَب وَعدم مُرَاعَاة أدب الْبَحْث، سَوَاء كَانَ هَذَا الْكَلَام مِنْهُ أَو هُوَ نَقله
стр. 3511
من غَيره، وَكَيف يَقُول: لِأَن تعلمه لَيْسَ بِفَرْض فَكيف تَعْلِيمه؟ فَإِذا لم يكن تَعْلِيمه وتعلمه فرضا فَلَا يفْرض قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الصَّلَاة. وَقد أَمر الله تَعَالَى بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا بقوله: (فاقرأوا) فَإِذا أسلم أحد من أهل الْحَرْب أَفلا يفْرض عَلَيْهِ أَن يعلم مِقْدَار مَا تجوز بِهِ صلَاته؟ وَإِذا لم يجد إلَاّ أحدا مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن كُله أَو بعضه، أَفلا يجب عَلَيْهِ أَن يُعلمهُ مِقْدَار مَا تجوز بِهِ الصَّلَاة؟ وَقَوله: وَإِنَّمَا الْفَرْض الْمعِين مِنْهُ مَا تقوم بِهِ الصَّلَاة، يدل على أَن تعلمه فرض عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يقدر على هَذَا الْمِقْدَار إلَاّ بالتعليم، إِذْ لَا يقدر عَلَيْهِ من ذَاته، فَإِذا كَانَ مَا تقوم بِهِ الصَّلَاة من الْقِرَاءَة فرضا عَلَيْهِ يكون تعلمه هَذَا الْمِقْدَار فرضا عَلَيْهِ، لِأَن مَا يقوم بِهِ الْفَرْض فرض، والتعلم لَا يحصل إلَاّ بالتعليم، فَيكون فرضا على كل حَال، سَوَاء كَانَ على التَّعْيِين أَو على الْكِفَايَة، وَكَيف لَا يكون فرضا وَقد أَمر رَسُول الله ﷺ بالتبليغ من الله تَعَالَى؟ وَلَو كَانَ آيَة من الْقُرْآن؟ وَأوجب التَّبْلِيغ عَلَيْهِ، ﷺ : بلغُوا عني وَلَو آيَة من كتاب الله تَعَالَى.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لَا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ إلَاّ أنْ يُعُطى شَيْئا فلْيَقْبَلْهُ
الشّعبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي شيبَة عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن عُثْمَان بن الْحَارِث، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا سُفْيَان عَن أَيُّوب بن عَائِذ الطَّائِي عَنهُ، وَقَول الشّعبِيّ هَذَا يدل على أَن أَخذ الْأجر بالاشتراط لَا يجوز فَإِن اعطى من غير شَرط فَإِنَّهُ يجوز أَخذه لِأَنَّهُ إمَّا هبة أَو صَدَقَة، وَلَيْسَ بِأُجْرَة، وأصحابنا الْحَنَفِيَّة قَائِلُونَ بِهَذَا أَيْضا. قَوْله: (إِلَّا أَن يعْطى) ، الِاسْتِثْنَاء فِيهِ مُنْقَطع، مَعْنَاهُ: لَكِن الْإِعْطَاء بِدُونِ الِاشْتِرَاط جَائِز فيقبله، ويروى: إِن، بِكَسْر الْهمزَة أَي: لَكِن إِن يعْطى شَيْئا بِدُونِ الشَّرْط فليقبله، وَإِنَّمَا كتب يعْطى، بِالْألف على قِرَاءَة الْكسَائي: ﴿من يتقِ ويصبر﴾ أَو الْألف حصلت من إشباع الفتحة.
وَقَالَ الحَكَمُ لَمْ أسْمَعْ أحدا كَرِهَ أجْرَ المُعَلِّمِ
الحكم، بِفَتْح الْحَاء وَالْكَاف: ابْن عتيبة، وَوصل تَعْلِيقه الْبَغَوِيّ فِي (الجعديات) : حَدثنَا عَليّ بن الْجَعْد عَن شُعْبَة سَأَلت مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أجر الْمعلم، فَقَالَ: أرى لَهُ أجرا، قَالَ: وَسَأَلت الحكم، فَقَالَ: مَا سَمِعت فَقِيها يكرههُ. انْتهى. قلت: نفي الحكم سَمَاعه من أَخذ كَرَاهَة أجر الْمعلم لَا يسْتَلْزم النَّفْي عَن الْكل، لِأَن النبيي ﷺ كره لعبادة بن الصَّامِت حِين أهْدى لَهُ من كَانَ يُعلمهُ قوسا ... الحَدِيث، وَقد مر عَن قريب، وَقَالَ عبد الله بن شَقِيق: يكره أرش الْمعلم، فَإِن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كَانُوا يكرهونه ويرونه شَدِيدا، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانُوا يكْرهُونَ أَن يَأْخُذُوا على الغلمان فِي الْكتاب أجرا، وَذهب الزُّهْرِيّ وَإِسْحَاق إِلَى: أَنه لَا يجوز أَخذ الْأجر عَلَيْهِ.
وأعْطَى الحَسَنُ دَراهِمَ عَشْرَةً
أَي: أعْطى الْحسن الْبَصْرِيّ عشرَة دَرَاهِم أجر الْمعلم، وَوصل تَعْلِيقه مُحَمَّد بن سعد فِي (الطَّبَقَات) من طَرِيق يحيى بن سعيد بن أبي الْحسن، قَالَ: لما حذقت قلت لِعَمِّي: يَا عماه! إِن الْمعلم يُرِيد شَيْئا. قَالَ: مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ شَيْئا. ثمَّ قَالَ: أعْطه خَمْسَة دَرَاهِم، فَلم أزل بِهِ حَتَّى قَالَ: أَعْطوهُ عشرَة دَرَاهِم، ورورى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا حَفْص عَن أَشْعَث عَن الْحسن أَنه قَالَ: لَا بَأْس أَن يَأْخُذ على الْكِتَابَة أجرا، وَكره الشَّرْط. انْتهى، وَالْكِتَابَة غير التَّعْلِيم.
ولَمْ يَرَ ابنَ سِيرينَ بأجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسا. وَقَالَ كانَ يُقالُ السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الحُكْمِ وكانُوا يُعْطَوْنَ عَلى الخَرْصِ
قيل: وَجه ذكر القسام والخارص فِي هَذَا الْبَاب الِاشْتِرَاك فِي أَن جنسهما وجنس تَعْلِيم الْقُرْآن والرقية وَاحِد. انْتهى. قلت: هَذَا وَجه فِيهِ تعسف، وَيُمكن أَن يُقَال: وَقع هَذَا اسْتِطْرَادًا لَا قصدا، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، والقسام، بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد، مُبَالغَة قَاسم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: القسام جمع الْقَاسِم، فعلى قَوْله: الْقَاف مَضْمُومَة. قلت: السُّحت، بِضَم السِّين وَسُكُون
стр. 3512
الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَحكى ضم الْحَاء وَهُوَ شَاذ، وَقد فسره بالرشوة فِي الحكم، وَهُوَ بِتَثْلِيث الرَّاء، وَقيل بِفَتْح الرَّاء الْمصدر، وبالكسر الِاسْم. وَقيل: السُّحت مَا يلْزم الْعَار بِأَكْلِهِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرِّشْوَة الوصلة إِلَى الْحَاجة بالمصانعة وَأَصله من الرشاء الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ إِلَى المَاء. وَقَالَ: السُّحت الْحَرَام الَّذِي لَا يحل كَسبه لِأَنَّهُ يسحت الْبركَة أَي يذهبها، واشتقاقه من السُّحت بِالْفَتْح، وَهُوَ الإهلاك والاستئصال. قَوْله: (وَكَانُوا يُعْطون) أَي: الْأُجْرَة، على الْخرص، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالصاد الْمُهْملَة، وَهُوَ الْحِرْز وزنا وَمعنى. وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الْبيُوع.
ثمَّ اعْمَلْ أَن قَول ابْن سِيرِين: فِي أُجْرَة القسام، مُخْتَلف فِيهِ، فروى عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) : من طَرِيق يحيى بن عَتيق عَن مُحَمَّد وَهُوَ ابْن سِيرِين: أَنه كَانَ يكره أجور القسام، وَيَقُول: كَانَ يُقَال: السُّحت الرِّشْوَة على الحكم، وَأرى هَذَا حكما يُؤْخَذ عَلَيْهِ الْأجر، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة، قَالَ: قتل لِابْنِ الْمسيب: مَا ترى فِي كسب القسام؟ فكرهه، وَكَانَ الْحسن يكره كَسبه، وَقَالَ ابْن سِيرِين: إِن لم يكن حسنا فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَجَاءَت عَنهُ رِوَايَة جمع بهَا مَا بَين هَذَا الِاخْتِلَاف، قَالَ ابْن سعد: حَدثنَا عَارِم حَدثنَا حَمَّاد عَن يحيى عَن مُحَمَّد هُوَ ابْن سِيرِين، أَنه كَانَ يكره أَن يشارط القسام، فَكَأَنَّهُ كَانَ يكره لَهُ أَخذ الْأُجْرَة على سَبِيل المشارطة وَلَا يكرهها إِذا كَانَت بِغَيْر اشْتِرَاط. وَأما قَول ابْن سِيرِين: السُّحت الرِّشْوَة فِي الحكم، فَأَخذه مِمَّا جَاءَ عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، من قَوْلهم فِي تَفْسِير السُّحت: إِنَّه الرِّشْوَة فِي الحكم، أخرجه الطَّبَرِيّ بأسانيده عَنْهُم، وَرَوَاهُ من وَجه آخر مَرْفُوعا بِرِجَال ثِقَات، وَلكنه مُرْسل وَلَفظه: كل جسم أَنْبَتَهُ السُّحت فَالنَّار أولى بِهِ. قيل: يَا رَسُول الله! وَأما السُّحت قَالَ: (الرِّشْوَة فِي الحكم) .
١٦ - (حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان قَالَ حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن أبي المتَوَكل عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ انْطلق نفر من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - فِي سفرة سافروها حَتَّى نزلُوا على حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب فاستضافوهم فَأَبَوا أَن يضيفوهم فلدغ سيد ذَلِك الْحَيّ فسعوا لَهُ بِكُل شَيْء لَا يَنْفَعهُ شَيْء فَقَالَ بَعضهم لَو أتيتم هَؤُلَاءِ الرَّهْط الَّذين نزلُوا لَعَلَّه أَن يكون عِنْد بَعضهم شَيْء فأتوهم فَقَالُوا يَا أَيهَا الرَّهْط إِن سيدنَا لدغ وسعينا لَهُ بِكُل شَيْء لَا يَنْفَعهُ فَهَل عِنْد أحد مِنْكُم من شَيْء فَقَالَ بَعضهم نعم وَالله إِنِّي لأرقي وَلَكِن وَالله لقد استضفناكم فَلم تضيفونا فَمَا أَنا براق لكم حَتَّى تجْعَلُوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الْغنم فَانْطَلق يتفل عَلَيْهِ وَيقْرَأ الْحَمد لله رب الْعَالمين فَكَأَنَّمَا نشط من عقال فَانْطَلق يمشي وَمَا بِهِ قلبة قَالَ فأوفوهم جعلهم الَّذِي صالحوهم عَلَيْهِ فَقَالَ بَعضهم اقسموا فَقَالَ الَّذِي رقى لَا تَفعلُوا حَتَّى نأتي النَّبِي ﷺ َ - فَنَذْكُر لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُر مَا يَأْمُرنَا فقدموا على رَسُول الله ﷺ َ - فَذكرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يدْريك أَنَّهَا رقية ثمَّ قَالَ قد أصبْتُم اقسموا واضربوا لي مَعكُمْ سَهْما فَضَحِك رَسُول الله ﷺ َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَانْطَلق يتفل عَلَيْهِ وَيقْرَأ الْحَمد لله رب الْعَالمين وَهُوَ الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الثَّانِي أَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي الثَّالِث أَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة هُوَ جَعْفَر بن أبي وحشية وَهُوَ مَشْهُور بكنيته أَكثر من اسْمه وَاسم أَبِيه أَبُو وحشية إِيَاس الرَّابِع أَبُو المتَوَكل واسْمه عَليّ بن دَاوُد بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَقيل دَاوُد النَّاجِي بالنُّون وَالْجِيم السَّامِي بِالسِّين الْمُهْملَة مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة الْخَامِس أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك مَشْهُور باسمه وكنيته
стр. 3513
(ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رجال هَذَا الحَدِيث كلهم مذكورون بالكنى وَهَذَا غَرِيب جدا وَفِيه أَن شَيْخه وَمن بعده كلهم بصريون غير أبي عوَانَة فَإِنَّهُ واسطي وَفِيه عَن أبي بشر عَن أبي المتَوَكل عَن أبي سعيد وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي آخر الْبَاب بتصريح أبي بشر بِالسَّمَاعِ مِنْهُ وتابع أَبُو عوَانَة على هَذَا الْإِسْنَاد شُعْبَة كَمَا فِي آخر الْبَاب وهشيم كَمَا أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَخَالفهُم الْأَعْمَش فَرَوَاهُ عَن جَعْفَر بن أبي وحشية عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد جعل بدل أبي المتَوَكل أَبَا نَضرة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيقه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ طَرِيق شُعْبَة أصح من طَرِيق الْأَعْمَش وَقَالَ ابْن مَاجَه هُوَ الصَّوَاب وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِيهِ اضْطِرَاب وَلَيْسَ بِشَيْء (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِيه عَن بنْدَار عَن غنْدر وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن بنْدَار وَأبي بكر بن نَافِع عَن غنْدر بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ وَفِي الْبيُوع عَن مُسَدّد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن بنْدَار بِهِ وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن أبي كريب وأوله بعثنَا فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " انْطلق نفر " النَّفر رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه قَالَ ابْن الْأَثِير وَيجمع على أَنْفَار وَهَذَا يدل على أَنهم مَا كَانُوا أَكثر من الْعشْرَة وَفِي سنَن ابْن مَاجَه بعثنَا فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عِنْد التِّرْمِذِيّ بعثنَا رَسُول الله ﷺ َ - ثَلَاثِينَ رجلا فنزلنا بِقوم لَيْلًا فسألناهم الْقرى أَي الضِّيَافَة وَفِيه عدد السّريَّة وَوقت النُّزُول وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ بعث سَرِيَّة عَلَيْهَا أَبُو سعيد وفيهَا تعْيين أَمِير السّريَّة والسرية طَائِفَة من الْجَيْش يبلغ أقصاها أَرْبَعمِائَة تبْعَث إِلَى الْعَدو وَتجمع على السَّرَايَا قَوْله " حَيّ " اعْلَم أَن طَبَقَات أَنْسَاب الْعَرَب سِتّ الشّعب بِفَتْح الشين وَهُوَ النّسَب الْأَبْعَد كعدنان مثلا وَهُوَ أَبُو الْقَبَائِل الَّذين ينسبون إِلَيْهِ وَيجمع على شعوب والقبيلة وَهِي مَا انقسم بِهِ الشّعب كربيعة وَمُضر والعمارة بِكَسْر الْعين وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْقَبِيلَة كقريش وكنانة وَيجمع على عمارات وعمائر والبطن وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْعِمَارَة كبني عبد منَاف وَبني مَخْزُوم وَيجمع على بطُون وأبطن والفخذ وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْبَطن كبني هَاشم وَبني أُميَّة وَيجمع على أفخاذ والفصيلة بالصَّاد الْمُهْملَة وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْفَخْذ كبني الْعَبَّاس وَأكْثر مَا يَدُور على الْأَلْسِنَة من الطَّبَقَات الْقَبِيلَة ثمَّ الْبَطن وَرُبمَا عبر عَن كل وَاحِد من الطَّبَقَات السِّت بالحي إِمَّا على الْعُمُوم مثل أَن يُقَال حَيّ من الْعَرَب وَإِمَّا على الْخُصُوص مثل أَن يُقَال حَيّ من بني فلَان وَقَالَ الْهَمدَانِي فِي الْأَنْسَاب الشّعب والحي بِمَعْنى قَوْله " فاستضافوهم " أَي طلبُوا مِنْهُم الضِّيَافَة قَوْله " فَأَبَوا " أَي امْتَنعُوا من أَن يضيفوهم بِالتَّشْدِيدِ من التضييف ويروى بِالتَّخْفِيفِ وَقَالَ ثَعْلَب ضفت الرجل إِذا أنزلت بِهِ وأضفته إِذا أنزلته وَقَالَ ابْن التِّين ضَبطه فِي بعض الْكتب أَن يضيفوهم بِفَتْح الْيَاء وَالْوَجْه ضمهَا قَوْله " فلدغ " على بِنَاء الْمَجْهُول من اللدغ بِالدَّال الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة وَهُوَ اللسغ وزنا وَمعنى وَأما اللذغ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة فَهُوَ الإحراق الْخَفِيف واللدغ فِي الحَدِيث ضرب ذَات الْحمة من حَيَّة أَو عقرب وَقد بَين فِي التِّرْمِذِيّ أَنَّهَا عقرب (فَإِن قلت) عِنْد النَّسَائِيّ من رِوَايَة هشيم أَنه مصاب فِي عقله أَو لديغ (قلت) هَذَا شكّ من هشيم وَرَوَاهُ الْبَاقُونَ أَنه لديغ وَلم يشكوا خُصُوصا تَصْرِيح الْأَعْمَش بِأَنَّهُ لديغ من عقرب وَسَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن من طَرِيق معبد بن سِيرِين بِلَفْظ أَن سيد الْحَيّ سليم وَكَذَا فِي الطِّبّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن سيد الْقَوْم سليم والسليم هُوَ اللديغ قيل لَهُ ذَلِك تفاؤلا بالسلامة وَقيل لاستسلامه بِمَا نزل بِهِ (فَإِن قلت) جَاءَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق خَارِجَة بن الصَّلْت عَن عَمه أَنه مر بِقوم وَعِنْدهم رجل مَجْنُون موثق فِي الْحَدِيد فَقَالُوا إِنَّك جِئْت من عِنْد هَذَا الرجل بِخَير فَارق لنا هَذَا الرجل وَفِي لفظ عَن خَارِجَة بن الصَّلْت عَن عَمه يَعْنِي علاقَة بن صحار أَنه رقى مَجْنُونا موثقًا بالحديد بِفَاتِحَة الْكتاب ثَلَاثَة أَيَّام كل يَوْم مرَّتَيْنِ فبرأ فأعطوني مِائَتي شَاة فَأخْبرت النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ " خُذْهَا ولعمري من أكل برقية
стр. 3514
بَاطِل فقد أكلت برقية حق " (قلت) هما قضيتان لِأَن الراقي هُنَاكَ أَبُو سعيد وَهنا علاقَة بن صحار وَبَينهمَا اخْتِلَاف كثير قَوْله " جعلا " بِضَم الْجِيم وَهُوَ الْأُجْرَة على الشَّيْء وَيُقَال أَيْضا جعَالَة والجعل بِالْفَتْح مصدر يُقَال جعلت لَك كَذَا جعلا وَجعلا قَوْله " فسعوا لَهُ بِكُل شَيْء " أَي مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة أَن يتداوى بِهِ من لدغة الْعَقْرَب وَقَالَ الْخطابِيّ يَعْنِي عالجوا طلبا للشفاء يُقَال سعى لَهُ الطَّبِيب عالجه بِمَا يشفيه أَو وصف لَهُ مَا فِيهِ الشِّفَاء وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فشفوا بالشين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَعَلِيهِ شرح الْخطابِيّ فَقَالَ مَعْنَاهُ طلبُوا لَهُ الشِّفَاء يُقَال شفى الله مريضي إِذا أَبرَأَهُ وشفى لَهُ الطَّبِيب أَي عالجه بِمَا يشفيه أَو وصف لَهُ مَا فِيهِ الشِّفَاء وَادّعى ابْن التِّين أَن هَذَا تَصْحِيف (قلت) الَّذِي قَالَه أقرب قَوْله " لَو أتيتم هَؤُلَاءِ الرَّهْط " قَالَ ابْن التِّين قَالَ تَارَة نَفرا وَتارَة رهطا قَوْله " لَو أتيتم " جَوَاب لَو مَحْذُوف أَو هُوَ لِلتَّمَنِّي قَوْله " فأتوهم " وَفِي رِوَايَة معبد بن سِيرِين أَن الَّذِي جَاءَ فِي الرسلية جَارِيَة مِنْهُم فَيحمل على أَنه كَانَ مَعهَا غَيرهَا قَوْله " وسعينا " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فشفينا من الشِّفَاء كَمَا ذكرنَا عَن قريب قَوْله " فَقَالَ بَعضهم " وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد فَقَالَ رجل من الْقَوْم نعم وَالله إِنِّي لأرقي بِكَسْر الْقَاف وَبَين الْأَعْمَش أَن الَّذِي قَالَ ذَلِك أَبُو سعيد رَاوِي الْخَبَر وَلَفظه قلت نعم أَنا وَلَكِن لَا أرقيه حَتَّى تعطونا غنما (فَإِن قلت) فِي رِوَايَة معبد بن سِيرِين أخرجهَا مُسلم فَقَامَ منا رجل مَا كُنَّا نظنه يحسن رقية وَسَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ أَكنت تحسن رقية فَفِي هَذَا مَا يشْعر بِأَنَّهُ غَيره (قلت) لَا مَانع من أَن يكنى الرجل عَن نَفسه وَهُوَ من بَاب التَّجْرِيد فَلَعَلَّ أَبَا سعيد صرح تَارَة وكنى أُخْرَى وَوَقع فِي حَدِيث جَابر رَوَاهُ الْبَزَّار فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار أَنا أرقيه وَأَبُو سعيد أَنْصَارِي وَحمل بعض الشَّارِحين ذَلِك على تعدد الْقِصَّة وَكَانَ أَبُو سعيد روى قصتين كَانَ فِي إِحْدَاهمَا راقيا وَفِي الْأُخْرَى كَانَ غَيره قيل هَذَا بعيد جدا لِاتِّحَاد مخرج الحَدِيث والسياق وَالسَّبَب قَوْله " فصالحوهم " أَي وافقوهم قَوْله " غنم " على قطيع من الْغنم والقطيع طَائِفَة من الْغنم والمواشي وَقَالَ الدَّاودِيّ يَقع على مَا قل وَكثر وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ ثَلَاثُونَ شَاة قَوْله " يتفل عَلَيْهِ " من تفل بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق يتفل بِكَسْر الْفَاء وَضمّهَا تفلا وَهُوَ نفخ مَعَه قَلِيل بصاق وَقَالَ ابْن بطال التفل البصاق وَقيل مَحل التفل فِي الرّقية يكون بعد الْقِرَاءَة لتَحْصِيل بركَة الْقِرَاءَة فِي الْجَوَارِح الَّتِي يمر عَلَيْهَا الرِّيق فَتحصل الْبركَة فِي الرِّيق الَّذِي يتفله قَوْله " وَيقْرَأ الْحَمد لله رب الْعَالمين " وَفِي رِوَايَة شُعْبَة فَجعل يقْرَأ عَلَيْهِ بِفَاتِحَة الْكتاب وَكَذَا فِي حَدِيث جَابر وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش فَقَرَأت عَلَيْهِ وَأَنه سبع مَرَّات وَفِي رِوَايَة جَابر ثَلَاث مَرَّات قَوْله " نشط " بِضَم النُّون وَكسر الشين الْمُعْجَمَة من الثلاثي الْمُجَرّد كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْجَمِيع وَقَالَ الْخطابِيّ وَهُوَ لُغَة وَالْمَشْهُور نشط إِذا عقد وَأنْشط إِذا حل يُقَال نشطته إِذا عقدته وأنشطته إِذا حللته وفكيته وَعند الْهَرَوِيّ فَكَأَنَّمَا نشط من عقال وَقيل مَعْنَاهُ أقيم بِسُرْعَة وَمِنْه يُقَال رجل نشيط والعقال بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف هُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ ذِرَاع الْبَهِيمَة قَوْله " يمشي " جملَة وَقعت حَالا قَوْله " قلبة " بالفتحات أَي عِلّة وَقيل لِلْعِلَّةِ قلبة لِأَن الَّذِي تصيبه يتقلب من جنب إِلَى جنب ليعلم مَوضِع الدَّاء وبخط الدمياطي أَنه دَاء مَأْخُوذ من القلاب يَأْخُذ الْبَعِير فيشتكي مِنْهُ قلبه فَيَمُوت من يَوْمه قَالَه ابْن الْأَعرَابِي قَوْله " فَقَالَ الَّذِي رقى " بِفَتْح الْقَاف قَوْله " فَنَنْظُر مَا يَأْمُرنَا " أَي فنتبعه وَلم يُرِيدُوا أَن يكون لَهُم الْخيرَة فِي ذَلِك قَوْله " وَمَا يدْريك أَنَّهَا رقية " قَالَ الدَّاودِيّ مَعْنَاهُ وَمَا أَدْرَاك وَقد روى كَذَلِك وَلَعَلَّه هُوَ الْمَحْفُوظ لِأَن ابْن عُيَيْنَة قَالَ إِذا قَالَ وَمَا يدْريك فَلم يعلم وَإِذا قَالَ وَمَا أَدْرَاك فقد أعلم وَاعْترض بِأَن ابْن عُيَيْنَة إِنَّمَا قَالَ ذَلِك فِيمَا وَقع فِي الْقرَان وَلَا فرق بَينهمَا فِي اللُّغَة أَي فِي نفي الدارية وَوَقع فِي رِوَايَة هشيم وَمَا أَدْرَاك وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ وَمَا علمك أَنَّهَا رقية قَالَ حق ألقِي فِي روعي وَهَذِه الْكَلِمَة أَعنِي وَمَا أَدْرَاك وَمَا يدْريك تسْتَعْمل عِنْد التَّعَجُّب من الشَّيْء وَفِي تَعْظِيمه قَوْله " قد أصبْتُم " أَي فِي الرّقية قَوْله " واضربوا لي سَهْما " أَي اجعلوا لي مِنْهُ نَصِيبا وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالغَة فِي تصويبه إيَّاهُم كَمَا وَقع لَهُ فِي قصَّة الْحمار الوحشي وَغير ذَلِك (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز الرّقية بِشَيْء من كتاب الله تَعَالَى وَيلْحق بِهِ مَا كَانَ من الدَّعْوَات المأثورة أَو مِمَّا يشابهها وَلَا يجوز بِأَلْفَاظ مِمَّا لَا يعلم مَعْنَاهَا من الْأَلْفَاظ الْغَيْر الْعَرَبيَّة وَفِيه خلاف فَقَالَ الشّعبِيّ وَقَتَادَة وَسَعِيد بن جُبَير وَجَمَاعَة آخَرُونَ يكره الرقي وَالْوَاجِب على الْمُؤمن أَن يتْرك ذَلِك اعتصاما بِاللَّه تَعَالَى وتوكلا عَلَيْهِ وثقة بِهِ وانقطاعا إِلَيْهِ
стр. 3515
وعلما بِأَن الرّقية لَا تَنْفَعهُ وَإِن تَركهَا لَا يضرّهُ إِذْ قد علم الله تَعَالَى أَيَّام الْمَرَض وَأَيَّام الصِّحَّة فَلَو حرص الْخلق على تقليل أَيَّام الْمَرَض وزمن الدَّاء وعَلى تَكْثِير أَيَّام الصِّحَّة مَا قدرُوا على ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أخرجه الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبي مجلز قَالَ كَانَ عمرَان بن حُصَيْن ينْهَى عَن الكي فابتلي فَكَانَ يَقُول لقد اكتويت كَيَّة بِنَار فَمَا أبرأتني من إِثْم وَلَا شفتني من سقم وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالثَّوْري وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَآخَرُونَ لَا بَأْس بالرقى وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث الْبَاب وَغَيره وَفِيه جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب مُسْتَوْفِي وَفِيه أَن سُورَة الْفَاتِحَة فِيهَا شِفَاء وَلِهَذَا من أسمائها الشافية وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد مَرْفُوعا فَاتِحَة الْكتاب شِفَاء من كل سقم وَلأبي دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود مرض الْحسن أَو الْحُسَيْن فَنزل جِبْرَائِيل ﵊ فَأمره أَن يقْرَأ الْفَاتِحَة على إِنَاء من المَاء أَرْبَعِينَ مرّة فَيغسل يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وَرَأسه وَقَالَ ابْن بطال مَوضِع الرّقية مِنْهَا إياك نستعين وَعبارَة الْقُرْطُبِيّ موضعهَا إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين وَالظَّاهِر أَنَّهَا كلهَا رقية لقَوْله وَمَا يدْريك أَنَّهَا رقية وَلم يقل فِيهَا فَيُسْتَحَب قرَاءَتهَا على اللديغ وَالْمَرِيض وَصَاحب العاهة وَفِيه مَشْرُوعِيَّة الضِّيَافَة على أهل الْبَوَادِي وَالنُّزُول على مياه الْعَرَب والطلب مِمَّا عِنْدهم على سَبِيل الْقرى أَو الشرى وَفِيه مُقَابلَة من امْتنع من المكرمة بنظير صَنِيعه كَمَا صنعه الصَّحَابِيّ من الِامْتِنَاع من الرّقية فِي مُقَابلَة امْتنَاع أُولَئِكَ من ضيافتهم وَهَذَا طَريقَة مُوسَى ﵇ فِي قَوْله لَو شِئْت لاتخذت عَلَيْهِ أجرا وَلم يعْتَذر الْخضر ﵇ عَن ذَلِك إِلَّا بِأَمْر خَارج عَن ذَلِك وَفِيه الِاشْتِرَاك فِي الْمَوْهُوب إِذا كَانَ أَصله مَعْلُوما وَفِيه جَوَاز قبض الشَّيْء الَّذِي ظَاهره الْحل وَترك التَّصَرُّف فِيهِ إِذا عرضت فِيهِ شُبْهَة وَفِيه عَظمَة الْقُرْآن فِي صُدُور الصَّحَابَة خُصُوصا الْفَاتِحَة وَفِيه أَن الرزق الَّذِي قسم لأحد لَا يفوتهُ وَلَا يَسْتَطِيع من هُوَ فِي يَده مَنعه مِنْهُ وَفِيه الِاجْتِهَاد عِنْد فقد النَّص
(قَالَ أَبُو عبد الله وَقَالَ شُعْبَة قَالَ حَدثنَا أَبُو بشر سَمِعت أَبَا المتَوَكل بِهَذَا) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة هُوَ جَعْفَر بن أبي وحشية الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث وَأَبُو المتَوَكل عَليّ بن دَاوُد الْمَذْكُور فِيهِ وَوَصله التِّرْمِذِيّ بِهَذِهِ الصِّيغَة وَالْبُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ وَلَكِن وَصله بالعنعنة -
٧١ - (بابُ ضَرِيبَةِ الْعَبْد وتَعاهُدِ ضَرَائِبِ الإماءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي النّظر فِي ضريبة العَبْد، والضريبة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة على وزن فعيلة بِمَعْنى مفعولة: وَهِي مَا يقرره السَّيِّد على عَبده فِي كل يَوْم أَن يُعْطِيهِ. قَوْله: (وتعاهد) ، أَي: وَفِي بَيَان افتقاد ضَرَائِب الْإِمَاء، والضرائب جمع ضريبة، وَالْإِمَاء جمع أمة، وَإِنَّمَا اختصها بالتعاهذ لكَونهَا مَظَنَّة لطريق الْفساد فِي الْأَغْلَب مَعَ أَنه يخْشَى أَيْضا من اكْتِسَاب لعبد بِالسَّرقَةِ مثلا، وَقيل: كَأَنَّهُ أَرَادَ بالتعاهد التفقد لمقدار ضريبة الْأمة لاحْتِمَال أَن تكون ثَقيلَة فتحتاج إِلَى التكسب بِالْفُجُورِ.
٧٧٢٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ النبيَّ ﷺ فأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَو صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وكَلَّمَ مَوالِيَهُ فَخَفَّفَ عنْ غَلَّتِهِ أوْ ضَرِيبَتِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَخفف عَن غَلَّته) ، وَهُوَ النّظر فِي ضريبة العَبْد والْحَدِيث مضى بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد فِيمَا مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب ذكر الْحجام، غير أَن هُنَاكَ: وَأمر أَهله أَن يخففوا من خراجه، وَهُنَاكَ: من صَاع من تمر، وَهنا لَيْسَ فِيهِ ذكر التَّمْر، بل قَالَ: من طَعَام، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، لِأَن الطَّعَام هُوَ المطعوم، وَالتَّمْر مطعوم، أَو كَانَت الْقَضِيَّة مرَّتَيْنِ. قَوْله: (أَو
стр. 3516
صَاعَيْنِ) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فَكلم موَالِيه) أَي: ساداته، وهم بَنو حَارِثَة على الصَّحِيح، وَمولى أَبُو طيبَة مِنْهُم هُوَ محيصة بن مَسْعُود، وَإِنَّمَا ذكر الموَالِي بِلَفْظ الْجمع إِمَّا بِاعْتِبَار أَنه كَانَ مُشْتَركا بَين طَائِفَة؟ وَإِمَّا مجَازًا كَمَا يُقَال: تَمِيم قتلوا فلَانا، وَالْقَاتِل هُوَ شخص وَاحِد مِنْهُم. قَوْله: (فَخفف من غَلَّته) ، بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام وَهِي الْخراج والضريبة وَالْأَجْر بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (أَو ضريبته) ، شكّ من الرَّاوِي. فَإِن قلت: مَا فِيهِ مَا يدل على ضَرَائِب الْإِمَاء، والترجمة مُشْتَمِلَة عَلَيْهِ. قلت: بِالْقِيَاسِ على ضريبة العَبْد.
٨١ - (بابُ خَرَاجِ الحَجَّامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خراج الْحجام، أَي: أجره.
٨٧٢٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قل حَدثنَا ابنُ طاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ احْتجَمَ النبيُّ ﷺ وأعْطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب ذكر الْحجام، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن خَالِد بن عبد الله عَن خَالِد الْحذاء عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: احْتجم النَّبِي، ﷺ ، وَأعْطى الَّذِي حجمه، وَلَو كَانَ حَرَامًا لم يُعْطه. وَهنا أخرجه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي عَن وهيب بن خَالِد عَن عبد الله بن طَاوُوس.
٩٧٢٢ - حدَّثنا مسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ خالِدٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ احْتَجَم النبيُّ ﷺ وأعْطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ ولَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمْ يُعْطِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأعْطى الْحجام أجره) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى.
قَوْله: (وَلَو علم كَرَاهِيَة لم يُعْطه) ، أَي: وَلَو علم النَّبِي ﷺ كَرَاهِيَة أجر الْحجام لم يُعْطه أجره، وَلَفظه فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسَدّد: وَلَو كَانَ حَرَامًا لم يُعْطه، يدل على أَن المُرَاد بالكراهية هُنَا كَرَاهِيَة التَّحْرِيم.
٠٨٢٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا مِسْعَرٌ عنْ عَمْرِو بنِ عامرٍ قَالَ سَمِعْتُ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقولُ كانَ النبيُّ ﷺ يَحْتَجِمُ ولَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أحَدا أجْرَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن: ومسعر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء: ابْن كدام، مر فِي: بَاب الْوضُوء بِالْمدِّ. وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَامر الْأنْصَارِيّ مر فِي الْوضُوء من غير حدث، وَلَيْسَت لَهُ رِوَايَة فِي البُخَارِيّ إلَاّ عَن أنس، لَهُ حَدِيث فِي الْوضُوء وَأخر فِي الصَّلَاة، وَهَذَا الْمَذْكُور هُنَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن وَكِيع عَن مسعر بِهِ.
قَوْله: (وَلم يكن يظلم أحدا أجره) ، أَعم من أجر الْحجام وَغَيره، مِمَّن يسْتَعْمل فِي عمل، وَالْمرَاد أَنه يُوفي أجر كل أجِير، وَلم يكن يظلم أَي: ينقص من أجر أحد، وَلَا يردهُ بِغَيْر أجر.
٩١ - (بابُ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ العَبْدِ أنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من كلم موَالِي العَبْد أَن يخففوا، أَي: بِأَن يخففوا عَنهُ من خراجه، أَي: من ضريبته الَّتِي وَضعهَا مَوْلَاهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا التكليم بطرِيق التَّفْضِيل لَا على وَجه الْإِلْزَام، إلَاّ إِذا كَانَ العَبْد لَا يُطيق ذَلِك، وَإِنَّمَا جمع: الْمولى، إِمَّا بِاعْتِبَار كَون العَبْد مُشْتَركا بَين جمَاعَة، وَإِمَّا بِاعْتِبَار أَنه مجَاز، كَمَا ذكرنَا عَن قريب فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب السَّابِق.
стр. 3517
١٨٢٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ دَعَا النبيُّ ﷺ غلَاما حَجَّاما فحَجَمَهُ وأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أوْ صَاعَيْنِ أوْ مُدٍّ أوْ مُدَّيْنِ وكَلَّمع فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وكلم فِيهِ فَخفف من ضريبته) ، والْحَدِيث عَن حميد عَن أنس مر عَن قريب، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه عَن حميد: سَمِعت أنسا.
قَوْله: (دَعَا النَّبِي، ﷺ ، غُلَاما) قَالَ بَعضهم: هُوَ أَبُو طيبَة كَمَا تقدم قبل بَاب. قلت: من أَيْن علم أَنه هُوَ؟ فَلم لَا يجوز أَن يكون غَيره؟ وَمن ادّعى أَن النَّبِي ﷺ ، لم يكن لَهُ إلَاّ حجام وَاحِد مُتَعَيّن فَعَلَيهِ الْبَيَان. وَقد روى ابْن مَنْدَه فِي (معرفَة الصَّحَابَة) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ قَالَ: كَانَ جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يحدث أَن رَسُول الله ﷺ احْتجم على كَاهِله من أجل الشَّاة الَّتِي أكلهَا، حجمه أَبُو هِنْد مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَن أَبَا هِنْد حجم النَّبِي ﷺ فِي اليافوخ ... الحَدِيث. وَقَالَ ابْن مَنْدَه: قيل: إسم أبي هِنْد سِنَان، وَقيل: سَالم. قَوْله: (وكلم فِيهِ) ، مَفْعُوله مَحْذُوف، أَي: كلم النَّبِي ﷺ فِي الْغُلَام الْمَذْكُور مَوْلَاهُ بِأَن يُخَفف عَنهُ من ضريبته، وَكلمَة: فِي، للتَّعْلِيل، أَي: كلم لأَجله كَمَا فِي قَوْله ﷺ : (إِن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها) أَي: لأجل هرة.
وَفِيه: اسْتِعْمَال العَبْد بِغَيْر إِذن سَيّده إِذا كَانَ معدا لعمل ومعروفا بِهِ. وَفِيه: الحكم بِالدَّلِيلِ، لِأَنَّهُ اسْتدلَّ على أَنه مَأْذُون لَهُ فِي الْعَمَل لانتصابه لَهُ وَعرض نَفسه عَلَيْهِ، وَيجوز للحجام أَن يَأْكُل من كَسبه، وَكَذَلِكَ السَّيِّد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
٠٢ - (بابُ كَسْبِ الْبَغِيِّ والإماءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم كسب الْبَغي وَالْإِمَاء الْبَغي الْفَاجِرَة، يُقَال: بَغت الْمَرْأَة تبغي، بِالْكَسْرِ: بغيا إِذا زنت، فَهِيَ بغي، وَيجمع على: بَغَايَا. وَالْإِمَاء جمع: أمة. وَالْبَغي أَعم من أَن تكون أمة أَو حرَّة، وَالْأمة أَعم من أَن تكون بغية أَو عفيفة، وَلم يُصَرح بالحكم تَنْبِيها على أَن الْمَمْنُوع من كسب الْبَغي مُطلق، والممنوع من كسب الْأمة مُقَيّد بِالْفُجُورِ، لِأَن كسبها بالصنائع الْجَائِزَة غير مَمْنُوع.
وكَرِهَ إبْرَاهِيمُ أجْرَ النَّائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ
إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي هَاشم عَنهُ: أَنه كره أجر النائحة والمغنية والكاهن، وَكَرِهَهُ أَيْضا الشّعبِيّ وَالْحسن، وَقَالَ عبد الله بن هُبَيْرَة: وأكلهم السُّحت، قَالَ: مهر الْبَغي، فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة فِي ذكر أثر إِبْرَاهِيم هَذَا فِي هَذَا الْبَاب؟ قلت: قَالَ بَعضهم: كَانَ البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن النَّهْي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَحْمُول على مَا كَانَت الحرفة فِيهِ مَمْنُوعَة، أَو تجر إِلَى أَمر مَمْنُوع. انْتهى. قلت: هَذَا لَا يصلح أَن يكون جَوَابا عَن السُّؤَال عَن الْمُنَاسبَة فِي ذكر الْأَثر الْمَذْكُور، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِن بَين كسب الْبَغي وَأجر النائحة والمغنية مُنَاسبَة من حَيْثُ إِن كلَاّ مِنْهُمَا مَعْصِيّة كَبِيرَة. وَأَن إِجَارَة كل مِنْهُمَا بَاطِلَة، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ.
وقَوْلُ الله تعالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلى البِغَاءِ إِن يُرِدْنَ تحَصُّنا لِتَبْتَغُوا عَرَض الحَياةِ الدُّنْيَا ومَنْ يُكْرِهْهُنَّ فإنَّ الله منْ بَعْدِ إكْرَاهِهنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النُّور: ٣٣) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ تَقْدِيره: وَبَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تكْرهُوا﴾ الْآيَة، ذكر هَذِه الْآيَة فِي معرض الدَّلِيل لحُرْمَة كسب الْبَغي لِأَنَّهُ نهي عَن إِكْرَاه الفتيات أَي: الْإِمَاء على الْبغاء، أَي: الزِّنَا، وَالنَّهْي يَقْتَضِي تَحْرِيم ذَلِك، وَتَحْرِيم هَذَا يَسْتَدْعِي حُرْمَة زناهن وَحُرْمَة زناهن تَسْتَلْزِم حُرْمَة وضع الضرائب عَلَيْهِنَّ، وَهِي تَقْتَضِي حُرْمَة الْأجر الْحَاصِل من ذَلِك.
ثمَّ سَبَب نزُول
стр. 3518
هَذِه الْآيَة، فِيمَا ذكره مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي تَفْسِيره نزلت هَذِه الْآيَة فِي سِتّ جوَار لعبد الله بن أبي بن سلول كَانَ يكرههن على الزِّنَا، وَيَأْخُذ أُجُورهنَّ، وَهِي: معَاذَة ومسيكة وَأُمَيْمَة وَعمرَة وأروى وَقتيلَة، فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُنَّ يَوْمًا بِدِينَار، وَجَاءَت أُخْرَى بِبرد، فَقَالَ لَهما: إرجعا فازنيا، فَقَالَتَا: وَالله لَا نَفْعل، قد جَاءَ الله تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ وَحرم الزِّنَا، فَأَتَتَا الرَّسُول ﷺ وشكتا إِلَيْهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، ذكره الواحدي فِي (أَسبَاب النُّزُول) وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن نجيح عَن مُجَاهِد قَالَ: فِي قَوْله: ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء﴾ (النُّور: ٣٣) . قَالَ: إماءكم على الزِّنَا، وَأَن عبد الله بن أبي أَمر أمة لَهُ بِالزِّنَا فزنت فَجَاءَت بِبرد، فَقَالَ: إرجعي فازني على آخر. قَالَت: وَالله مَا أَنا براجعة، فَنزلت. وَهَذَا أخرجه مُسلم من طَرِيق أبي سُفْيَان عَن جَابر مَرْفُوعا، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق أبي الزبير: سمع جَابِرا قَالَ: جَاءَت مُسَيْكَة أمة لبَعض الْأَنْصَار فَقَالَت: إِن سَيِّدي يكرهني على الْبغاء. . فَنزلت. قَوْله: (فَتَيَاتكُم) ، جمع: فتاة، وَهِي الشَّابَّة، والفتى الشَّاب، وَقد فتي، بِالْكَسْرِ، يُفْتِي فَهُوَ فتي السن بَين الفتا والفتي السخي الْكَرِيم، وَقد تفتَّى وتفاتى، وَالْجمع: فتيَان وفتية، وفتو، على فعول، وفتي مثل عَصا، والفتيان: اللَّيْل وَالنَّهَار، واستفتيت الْفَقِيه فِي مَسْأَلَة فأفتاني، وَالِاسْم الْفتيا وَالْفَتْوَى. قَوْله: ﴿إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ (النُّور: ٣٣) . أَي: تعففا. وَقَالَ بَعضهم، قَوْله: ﴿إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ (النُّور: ٣٣) . لَا مَفْهُوم لَهُ، بل خرج مخرج الْغَالِب. قلت: الْمَفْهُوم لَا يَصح نَفْيه لِأَن كلمة: إِن، تَقْتَضِي ذَلِك، وَلَكِن الَّذِي يُقَال هُنَا: أَن: إِن، لَيست للشّرط، بل بِمَعْنى: إِذْ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ (آل عمرَان: ٩٣١) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله﴾ (الْفَتْح: ٧٢) . وَمعنى: إِن، فِي هَذِه كلهَا بِمَعْنى: إِذْ، وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الشَّرْط لِأَنَّهُ لَا يجوز إكراههن على الزِّنَا إِن لم يردن تَحَصُّنًا، ثمَّ قَالَ: وَكلمَة: إِن، وإيثارها على: إِذا، إيذان بِأَن الباغيات كن يفعلن ذَلِك برغبة وطواعية، وَقيل: إِن أردن تَحَصُّنًا. مُتَّصِل بقوله: ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم﴾ (النُّور: ٢٣) . أَي: من أَرَادَ أَن يلْزم الحصانة فليتزوج. وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَالْمعْنَى: ﴿فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم﴾ (النُّور: ٣٣) . لمن أَرَادَ تَحَصُّنًا. قَوْله: (لتبتغوا) أَي: لتطلبوا بإكراههن على الزِّنَا أُجُورهنَّ على الزِّنَا. قَوْله: (غَفُور رَحِيم) أَي: لَهُنَّ، وَقيل: لَهُم، لمن تَابَ عَن ذَلِك بعد نزُول الْآيَة، وَقيل: لَهُنَّ وَلَهُم إِن تَابُوا وَأَصْلحُوا.
٢٨٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ مالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ عنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عنْ ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ البَغِيِّ وحُلْوانِ الْكَاهِنِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمهر الْبَغي) . والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَاخِر الْبيُوع فِي: بَاب ثمن الْكَلْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
٣٨٢٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بن إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ جُحَادَةَ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ نَهى النبيُّ ﷺ عَن كَسْبِ الإماءِ. (الحَدِيث ٣٨٢٢ طرفه فِي: ٨٤٣٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن جحادة، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة: الْأَيَامَى، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْكُوفِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة: واسْمه سلمَان الْأَشْجَعِيّ. والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن الْجَعْد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه، وَقد ذكرنَا أَن المُرَاد من كسب الْإِمَاء الْمنْهِي: هُوَ الْكسْب الَّذِي تحصله الْأمة بِالْفُجُورِ، وَأما الَّذِي تحصله بالصناعة الْمُبَاحَة فَغير مَنْهِيّ عَنهُ.
١٢ - (بابُ عَسْبِ الفَحْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن عسب الْفَحْل، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَة عسب الْفَحْل، وَهُوَ بِفَتْح الْعين وَسُكُون
стр. 3519
السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَقد اخْتلف أهل اللُّغَة فِيهِ: هَل هُوَ الضراب أَو الْكِرَاء الَّذِي يُؤْخَذ عَلَيْهِ أَو مَاء الْفَحْل؟ فَحكى أَبُو عبيد عَن الْأمَوِي: أَنه الْكِرَاء الَّذِي يُؤْخَذ على ضراب الْفَحْل، وَبِه صدر الْجَوْهَرِي كَلَامه فِي (الصِّحَاح) ، ثمَّ قَالَ: وعسب الْفَحْل أَيْضا ضرابه. وَيُقَال: مَاؤُهُ، وَصدر صَاحب (الْمُحكم) كَلَامه بِأَن العسب: ضراب الْفَحْل، ثمَّ قَالَ: عسب الرجل يعسبه عسبا أعطَاهُ، وَقَالَ أَبُو عبيد: العسب فِي الحَدِيث الْكِرَاء، وَالْأَصْل فِيهِ الضراب. قَالَ: وَالْعرب تسمي الشَّيْء باسم غَيره إِذا كَانَ مَعَه، أَو من سَببه، كَمَا قَالُوا للمزادة: راوية، والراوية: الْبَعِير الَّذِي يستقى عَلَيْهِ، قَالَ شَيخنَا: وَيدل على مَا قَالَه أَبُو عبيد رِوَايَة الشَّافِعِي: (نهى عَن ثمن بيع عسب الْفَحْل) ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْمَشْهُور فِي الفقهيات أَن العسب الضراب، وَقَالَ الْغَزالِيّ: هُوَ النُّطْفَة. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) عسب الرجل عسبا أكرى مِنْهُ فحلاً ينزيه. وَقَالَ أَبُو عَليّ: وَلَا يتَصَرَّف مِنْهُ فعل، يُقَال: قطع الله عسبه أَي: مَاءَهُ ونسله، وَنقل ابْن التِّين عَن أَصْحَاب مَالك: أَن معنى عسب الْفَحْل أَن يتَعَدَّى عَلَيْهِ بِغَيْر أجر. وَقَالُوا: لَيْسَ بمعقول أَن يُسمى الْكِرَاء عسبا.
٤٨٢٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ وإسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلِيِّ بن الحَكَمِ عنْ نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ عَسْبِ الفَحْلِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن علية، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: عَليّ بن الحكم، بالفتحتين: الْبنانِيّ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد النُّون الأولى. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن مُسَددًا روى عَن شيخين. وَفِيه: أَن إِسْمَاعِيل بن علية ذكر هُنَا بنسبته إِلَى أَبِيه وشهرته باسم أمه عَلَيْهِ أَكثر. وَفِيه: أَن الروَاة كلهم بصريون مَا خلا نَافِعًا. وَفِيه: أَن عَليّ بن الحكم ثِقَة عِنْد الْجَمِيع إلَاّ أَن أَبَا الْفَتْح الْأَزْدِيّ لينه. قَالَ بَعضهم: لينه بِلَا مُسْتَند. قلت: لَو لم يظْهر عِنْده شَيْء لما لينه، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن مُسَدّد عَن إِسْمَاعِيل وَحده بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع وَأبي عمار عَن إِسْمَاعِيل بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن علية بِهِ، وَعَن حميد بن مسْعدَة عَن عبد الْوَارِث بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن حميد بن مسْعدَة عَن عبد الْوَارِث، وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة. أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة الْأَعْمَش عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن ثمن الْكَلْب وعسب الْفَحْل، وَفِي رِوَايَة للنسائي: عسب التيس وَعَن أنس أخرجه ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب، عَن ابْن شهَاب، عَن أنس أَن النَّبِي، ﷺ ، نهى عَن أجر عسب الْفَحْل. قَالَ أَبُو حَاتِم: إِنَّمَا يروي من كَلَام أنس، وَيزِيد لم يسمع من الزُّهْرِيّ، وَإِنَّمَا كتب إِلَيْهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا. وَعَن أبي سعيد أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة هِشَام عَن ابْن أبي نعيم عَنهُ، قَالَ: نهى عَن عسب الْفَحْل، وَعَن جَابر أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي الزبير أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول: نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن بيع ضراب الْجمل. وَعَن عَليّ ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه عبد الله بن أَحْمد فِي (زوائده) على الْمسند من حَدِيث عَاصِم بن ضَمرَة عَنهُ: أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن كل ذِي نَاب من السبَاع، وَعَن كل ذِي مخلب من الطُّيُور، وَعَن ثمن الْميتَة، وَعَن لحم الْحمر الْأَهْلِيَّة، وَعَن مهر الْبَغي، وَعَن عسب الْفَحْل، وَعَن المياثر الأرجوان.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ من حرم بيع عسب الْفَحْل وإجارته، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الصَّحَابَة: مِنْهُم: عَليّ وَأَبُو هُرَيْرَة، وَهُوَ قَول أَكثر الْفُقَهَاء، كَمَا حكى عَنْهُم الْخطابِيّ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَجزم أَصْحَاب الشَّافِعِي بِتَحْرِيم البيع لِأَن مَاء الْفَحْل غير مُتَقَوّم وَلَا مَعْلُوم وَلَا مَقْدُور على تَسْلِيمه. وحكوا فِي إِجَارَته وَجْهَيْن: أصَحهمَا:
стр. 3520
الْمَنْع، وَذهب ابْن أبي هُرَيْرَة إِلَى جَوَاز الْإِجَارَة عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول مَالك، وَإِنَّمَا يجوز عِنْدهم إِذا اسْتَأْجرهُ على نزوات مَعْلُومَة وعَلى مُدَّة مَعْلُومَة، فَإِن آجره على الطّرق حَتَّى يحمل لم يَصح، وَرخّص فِيهِ الْحسن وَابْن سِيرِين، وَقَالَ عَطاء: لَا بَأْس بِهِ إِذا لم يجد مَا يطرقه.
وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث، فَكرِهت طَائِفَة أَن يسْتَأْجر الْفَحْل لينزيه مُدَّة مَعْلُومَة بِأَجْر مَعْلُوم، وَذَلِكَ عَن أبي سعيد والبراء، وَذهب الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر إِلَى: إِنَّه لَا يجوز، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس أَن رجلا من كلاب سَأَلَ رَسُول الله، ﷺ ، عَن عسب الْفَحْل فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! إِنَّا نطرق الْفَحْل فنركم، فَرخص فِي الْكَرَامَة، ثمَّ قَالَ: حسن غَرِيب.
وَفِيه: جَوَاز قبُول الْكَرَامَة على عسب الْفَحْل وَإِن حرم بَيْعه وإجارته، وَبِه صرح أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: وَيجوز أَن يُعْطي صَاحب الْأُنْثَى صَاحب الْفَحْل شَيْئا على سَبِيل الْهَدِيَّة، خلافًا لِأَحْمَد، انْتهى. وَمَا ذهب إِلَيْهِ أَحْمد قد حُكيَ عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، فروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَسْرُوق، قَالَ: سَأَلت عبد الله عَن السُّحت؟ قَالَ: الرجل يطْلب الْحَاجة فيهدى إِلَيْهِ فيقبلها، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر أَن رجلا سَأَلَهُ أَنه تقبل رجلا أَي: صمنه، فَأعْطَاهُ دَرَاهِم وَحمله وكساه، فَقَالَ: أَرَأَيْت لَو لم تقبله أَكَانَ يعطيك؟ قَالَ: لَا، قَالَ: لَا يصلح لَك، وروى أَيْضا عَن أبي مَسْعُود، عقبَة بن عَمْرو، وَأَنه أَتَى إِلَى أَهله، فَإِذا هَدِيَّة، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: الَّذِي شفعت لَهُ، فَقَالَ: أخرجوها أتعجل أجر شَفَاعَتِي فِي الدُّنْيَا. وَرُوِيَ عَن عبد الله بن جَعْفَر أَنه كلم عليا فِي حَاجَة دهقان، فَبعث إِلَى عبد الله بن جَعْفَر بِأَرْبَعِينَ ألفا، فَقَالَ: ردوهَا عَلَيْهِ، فَإنَّا أهل بَيت لَا نبيع الْمَعْرُوف. وَقد رُوِيَ نَحْو هَذَا فِي حَدِيث مَرْفُوع، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) من رِوَايَة خَالِد بن أبي عمرَان عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: من شفع لِأَخِيهِ شَفَاعَة فأهدى لَهُ هَدِيَّة عَلَيْهَا، فقد أَتَى بَابا عَظِيما من أَبْوَاب الرِّبَا، وَهَذَا معنى مَا ورد: كل قرض جر مَنْفَعَة فَهُوَ رَبًّا، وروى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : من حَدِيث أبي عَامر الْهَوْزَنِي عَن أبي كَبْشَة الْأَنمَارِي: أَنه أَتَاهُ فَقَالَ: أطرقني فرسك، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: من أطرق فرسا فعقب لَهُ كَانَ لَهُ كَأَجر سبعين فرسا حمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله، وَإِن لم يعقب كَانَ لَهُ كَأَجر فرس حمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله. قَوْله: (أطرقني) ، أَي: أعرني فرسك للإنزاء. ثمَّ الْحِكْمَة فِي كَرَاهَة إِجَارَته عِنْد من يمْنَعهَا أَنَّهَا لَيست من مَكَارِم الْأَخْلَاق. وَمن جوزها من الشَّافِعِيَّة والحنابلة بِمدَّة مَعْلُومَة قاسها على جَوَاز الِاسْتِئْجَار لتلقيح النّخل، وَهُوَ قِيَاس بالفارق، لِأَن الْمَقْصُود هُنَا مَاء الْفَحْل وَصَاحبه عَاجز عَن تَسْلِيمه، بِخِلَاف تلقيح النّخل.
٢٢ - (بابٌ إذَا اسْتَأجَرَ أحَدٌ أرْضا فماتَ أحَدُهُمَا)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اسْتَأْجر أَرضًا فَمَاتَ أَحدهمَا، أَي: أحد المتواجرين، وَلَيْسَ هُوَ بإضمار قبل الذّكر لِأَن لفظ: اسْتَأْجر، يدل على الْمُؤَجّر، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يَنْفَسِخ أم لَا؟ وَإِنَّمَا لم يجْزم بِالْجَوَابِ للِاخْتِلَاف فِيهِ.
وَقَالَ ابنُ سِيرينَ لَيْسَ لأِهْلِهِ أنْ يُخْرِجُوهُ إلَى تَمامِ الأجَلِ
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: لَيْسَ لأَهله، أَي: لأهل الْمَيِّت، أَن يخرجوه أَي الْمُسْتَأْجر إِلَى تَمام الْأَجَل، أَي: الْمدَّة الَّتِي وَقع العقد عَلَيْهَا، قَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ لأَهله: إِي: لوَرثَته أَن يخرجوه أَي: عقد الِاسْتِئْجَار أَي: يتصرفوا فِي مَنَافِع الْمُسْتَأْجر. قلت: قَول الْكرْمَانِي: أَي عقد الِاسْتِئْجَار، بَيَان لعود الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: أَن يخرجوه، إِلَى عقد الِاسْتِئْجَار، وَهَذَا لَا معنى لَهُ، بل الضَّمِير يعود إِلَى الْمُسْتَأْجر كَمَا ذكرنَا، وَلَكِن لم يمض ذكر الْمُسْتَأْجر، فَكيف يعود إِلَيْهِ؟ وَكَذَلِكَ الضَّمِير فِي: أَهله: لَيْسَ مرجعه مَذْكُورا ففيهما إِضْمَار قبل الذّكر، وَلَا يجوز أَن يُقَال: مرجع الضميرين يفهم من لفظ التَّرْجَمَة، لِأَن التَّرْجَمَة وضعت بعد قَول ابْن سِيرِين هَذَا بِمدَّة طَوِيلَة، وَلَيْسَ كُله كلَاما مَوْضُوعا على نسق وَاحِد حَتَّى يَصح هَذَا، وَلَكِن الْوَجْه فِي هَذَا أَن يُقَال: إِن مرجع الضميرين مَحْذُوف، والقرينة تدل عَلَيْهِ، فَهُوَ فِي حكم الملفوظ.
وأصل الْكَلَام فِي أصل الْوَضع هَكَذَا: سُئِلَ مُحَمَّد بن سِيرِين فِي رجل اسْتَأْجر من رجل أَرضًا، فَمَاتَ أَحدهمَا، هَل لوَرَثَة الْمَيِّت أَن يخرجُوا يَد الْمُسْتَأْجر من تِلْكَ الأَرْض أم لَا؟
стр. 3521
فَأجَاب: بقوله: لَيْسَ لأَهله، أَي: لأهل الْمَيِّت أَن يخرجُوا الْمُسْتَأْجر إِلَى تَمام الْأَجَل، أَي: أجل الْإِجَارَة، أَي: الْمدَّة الَّتِي وَقع عَلَيْهَا العقد، وَقَالَ بَعضهم: الْجُمْهُور على عدم الْفَسْخ، وَذهب الْكُوفِيُّونَ وَاللَّيْث إِلَى الْفَسْخ، وَاحْتَجُّوا بِأَن الْوَارِث ملك الرَّقَبَة وَالْمَنْفَعَة تبع لَهَا فارتفعت يَد الْمُسْتَأْجر عَنْهَا بِمَوْت الَّذِي آجره، وَتعقب بِأَن الْمَنْفَعَة قد تنفك عَن الرَّقَبَة، كَمَا يجوز بيع مسلوب الْمَنْفَعَة، فَحِينَئِذٍ ملك الْمَنْفَعَة باقٍ للْمُسْتَأْجر بِمُقْتَضى العقد، وَقد اتَّفقُوا على أَن الْإِجَارَة لَا تَنْفَسِخ بِمَوْت نَاظر الْوَقْف، فَكَذَلِك هُنَا انْتهى. قلت: الَّذِي يتْركهُ الْمَيِّت ينْتَقل بِالْمَوْتِ إِلَى الْوَارِث، ثمَّ يَتَرَتَّب الحكم على هَذَا عِنْد موت الْمُؤَجّر أَو موت الْمُسْتَأْجر، أما إِذا مَاتَ الْمُؤَجّر فقد انْتَقَلت رَقَبَة الدَّار إِلَى الْوَارِث والمستحق من الْمَنَافِع الَّتِي حدثت على ملكه. قد فَاتَ بِمَوْتِهِ فبطلت الْإِجَارَة لفَوَات الْمَعْقُود عَلَيْهِ، لِأَن بعد مَوته تحدث الْمَنْفَعَة على ملك الْوَارِث، فَإِذا كَانَت الْمَنْفَعَة على ملك الْوَارِث كَيفَ يَقُول هَذَا الْقَائِل: فَملك الْمَنْفَعَة بَاقٍ للْمُسْتَأْجر بِمُقْتَضى العقد؟ وَمُقْتَضى العقد هُوَ قيام الْإِجَارَة، وَقيام الْإِجَارَة بالمتؤاجرين؟ فَإِذا مَاتَ أَحدهمَا زَالَ ذَلِك الِاقْتِضَاء، وَأما إِذا مَاتَ الْمُسْتَأْجر فَلَو بَقِي العقد لبقي على أَن يخلفه الْوَارِث، وَذَا لَا يتَصَوَّر، لِأَن الْمَنْفَعَة الْمَوْجُودَة فِي حَيَاته تلاشت، فَكيف يُورث الْمَعْدُوم؟ وَالَّتِي تحدث لَيست بمملوكة لَهُ ليخلفه الْوَارِث فِيهَا، إِذْ الْملك لَا يسْبق الْوُجُود، فَإِذا ثَبت انْتِفَاء الْإِرْث تعين بطلَان العقد. وَقَوله: الْمَنْفَعَة قد تنفك عَن الرَّقَبَة، كَمَا يجوز بيع مسلوب الْمَنْفَعَة كَلَام واهٍ جدا لِأَن الْمَنْفَعَة عرض، وَالْعرض كَيفَ يقوم بِذَاتِهِ، وتنظيره بِبيع مسلوب الْمَنْفَعَة غير صَحِيح، لِأَن مسلوب الْمَنْفَعَة لم يكن فِيهَا مَنْفَعَة أصلا وَقت البيع حَتَّى يُقَال: كَانَت فِيهِ مَنْفَعَة، ثمَّ انفكت عَنهُ، وَفَاتَ بذاتها، وَفِي الْإِجَارَة الْمَنْفَعَة مَوْجُودَة وَقت العقد لِأَنَّهَا تحدث سَاعَة فساعة، وَلَكِن قِيَامهَا بِالْعينِ وَحين انْتَقَلت الْعين إِلَى ملك الْوَارِث انْتَقَلت الْمَنْفَعَة مَعهَا لقيامها مَعهَا، وتنظيرها بِالْمَسْأَلَة الاتفاقية أَيْضا غير صَحِيح. لِأَن النَّاظر لَا يرجع إِلَيْهِ العقد والعاقد من وَقع الْمُسْتَحق عَلَيْهِ. فَإِن قلت: الْمُوكل إِذا مَاتَ يَنْفَسِخ العقد، مَعَ أَنه غير عَاقد؟ قلت: نَحن نقُول: كلما مَاتَ الْعَاقِد لنَفسِهِ يَنْفَسِخ، وَلم نلتزم بِأَن كل مَا انْفَسَخ يكون بِمَوْت الْعَاقِد، لِأَن الْعَكْس غير لَازم فِي مثله.
وَقَالَ الحَكَمُ والحَسَنُ وإيَاسُ بنُ مُعَاوِيَةَ تُمْضِي الإجَارَةُ إلَى أجَلِهَا
الحكم، بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ ابْن عتيبة أحد الْفُقَهَاء الْكِبَار بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ مِمَّن روى عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ وَإيَاس بن مُعَاوِيَة بن قُرَّة الْمُزنِيّ. قَوْله: (تُمضي الْإِجَارَة) على صِيغَة بِنَاء الْفَاعِل أَو على صِيغَة بِنَاء الْمَفْعُول. قَوْله: (إِلَى أجلهَا) أَي: إِلَى مُدَّة الْإِجَارَة، وَالْحَاصِل أَن الْإِجَارَة لَا تَنْفَسِخ عِنْدهم بِمَوْت أحد المتؤاجرين، وَوصل ابْن أبي شيبَة هَذَا الْمُعَلق من طَرِيق حميد عَن الْحسن وَإيَاس بن مُعَاوِيَة نَحوه، وَأَيْضًا من طَرِيق أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين نَحوه.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ أعْطَى النبيُّ ﷺ خَيْبَرَ بالشَّطْرِ فكانَ ذَلِك على عَهْدِ النبيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ ولَمْ يُذْكَرْ أنَّ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ جَدَّدا الإجارةَ بَعْدَ مَا قُبِضَ النبيُّ ﷺ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لما أعْطى خَيْبَر بالشطر اسْتمرّ الْأَمر عَلَيْهِ فِي حَيَاته وَبعده أَيْضا، فَدلَّ على أَن عقد الْإِجَارَة لَا يَنْفَسِخ بِمَوْت أحد المتؤاجرين، وَهَذَا تَعْلِيق أدرج فِيهِ البُخَارِيّ كَلَامه، وَالتَّعْلِيق أخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) على مَا نذكرهُ فِي مَوْضِعه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهَذَا حجَّة من يَدعِي عدم الْفَسْخ بِالْمَوْتِ، وَلَكِن هَذَا لَا يفيدهم فِي الِاسْتِدْلَال، وَلِهَذَا قَالَ ابْن التِّين: قَول ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ الرَّاوِي لَيْسَ مِمَّا بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ، لِأَن خَيْبَر مُسَاقَاة وَالْمُسَاقَاة سنة على حيالها. انْتهى. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا من جِهَة أبي حنيفَة: إِن قَضِيَّة خَيْبَر لم تكن بطرِيق الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة بل كَانَت بطرِيق الْخراج على وَجه الْمَنّ عَلَيْهِم وَالصُّلْح، لِأَن النَّبِي ﷺ ملكهَا غنيمَة، فَلَو كَانَ ﷺ أَخذ كلهَا جَازَ وَتركهَا فِي أَيْديهم بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا فضلا، وَكَانَ ذَلِك خراج مقاسمة وَهُوَ جَائِز كخراج التوظيف، وَلَا
стр. 3522
نزاع فِيهِ، وَإِنَّمَا النزاع أَن يوظف فِي جَوَاز الْمُزَارعَة والمعاملة، وخراج الْمُقَاسَمَة أَن يوظف الإِمَام فِي الْخَارِج شَيْئا مُقَدرا عشرا أَو ثلثا أَو ربعا، وَيتْرك الْأَرَاضِي على ملكهم منّا عَلَيْهِم، فَإِن لم تخرج الأَرْض شَيْئا فَلَا شَيْء عَلَيْهِم، وَلم ينْقل عَن أحد من الروَاة أَنه تصرف فِي رقابهم أَو رِقَاب أَوْلَادهم، وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ فِي (شَرحه لمختصر الطَّحَاوِيّ) : وَمِمَّا يدل على أَن مَا شَرط من نصف الثَّمر أَو الزَّرْع كَانَ على وَجه الْخراج أَنه لم يروَ فِي شَيْء من الْأَخْبَار أَن النَّبِي ﷺ أَخذ مِنْهُم الْجِزْيَة إِلَى أَن مَاتَ، وَلَا أَبُو بكر وَلَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِلَى أَن أجلاهم، وَلَو لم يكن ذَلِك لأخذ مِنْهُم الْجِزْيَة حِين نزلت آيَة الْجِزْيَة، وَسَنذكر بَقِيَّة الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِي بَاب الْمُزَارعَة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٥٨٢٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ بنُ أسْمَاءَ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أعْطَى رسولُ الله ﷺ خَيْبَرَ أنْ يَعْمَلوها ويَزْرَعُوهَا ولَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وأنَّ ابنَ عُمَرَ حدَّثَهُ أنَّ المَزَارِعَ كانَتْ تُكْرَى على شَيْءٍ سَمَّاهُ نَافِعٌ لَا أحْفَظُهُ. .
٦٨٢٢ - وأنَّ رافِعَ بنَ خَدِيجٍ حَدَّثَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ وَقَالَ عُبَيْدُ الله عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ حَتَّى أجْلَاهُمْ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. .
هَذَا أَيْضا لَيْسَ بداخل فِيمَا ترْجم بِهِ على مَا ذكرنَا الْآن أَن قَضِيَّة خَيْبَر لم تكن بطرِيق الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة إِلَى آخِره. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هِيَ إِجَارَة وَسكت على ذَلِك، وسكوته كَانَ خيرا لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ يُعلل كَلَامه بِشَيْء لَا يقبله أحد. وَقَالَ ابْن التِّين: وَمَا ذكر من حَدِيث رَافع لَيْسَ مِمَّا بوب عَلَيْهِ أَيْضا، لِأَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نكرِي الأَرْض بِالثُّلثِ وَالرّبع وعَلى الماديانات. وإقبال الجداول فنهينا عَن ذَلِك. وَجُوَيْرِية مصغر جَارِيَة ضد الواقفة: ابْن أَسمَاء بِوَزْن حَمْرَاء، وَهُوَ من الْأَعْلَام الْمُشْتَركَة، وَقد مر غير مرّة. قَوْله: (وَأَن ابْن عمر) عطف على: عَن عبد الله، أَي: عَن نَافِع أَن ابْن عمر حَدثهُ أَيْضا أَنه كَانَت الْمزَارِع تكرى على شَيْء من حاصلها. قَوْله: (سَمَّاهُ نَافِع) أَي: قَالَ جوَيْرِية: سمى نَافِع مِقْدَار ذَلِك الشَّيْء، لَكِن أَنا لَا أحفظ مِقْدَاره. قَوْله: (وَأَن رَافع بن خديج حدث) إِنَّمَا قَالَ: وَأَن ابْن عمر حَدثهُ، بالضمير، وَقَالَ هَذَا: حدث، بِلَا ضمير، لِأَن ابْن عمر حدث نَافِعًا بِخِلَاف نَافِع، فَإِنَّهُ لم يحدث لَهُ خُصُوصا وَيحْتَمل أَن يكون الضَّمِير محذوفا، وَسَيَجِيءُ بَيَان حكم هَذَا الْبَاب فِي الْمُزَارعَة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَقَالَ عبيد الله) إِلَى آخِره، تَعْلِيق وَصله مُسلم فَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل وَزُهَيْر بن حَرْب، وَاللَّفْظ لزهير، قَالَ: حَدثنَا يحيى وَهُوَ الْقطَّان عَن عبيد الله، قَالَ: أَخْبرنِي نَافِع عَن ابْن عمر: (أَن رَسُول الله، ﷺ ، عَامل أهل خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا من ثَمَر أَو زرع) وَرَوَاهُ أَيْضا من وُجُوه أُخْرَى، وَفِي آخِره: قَالَ لَهُم رَسُول الله، ﷺ : (نقركم بهَا على ذَلِك مَا شِئْنَا) . فَقَروا بهَا حَتَّى أجلاهم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى تيماء وأريحاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقَالَ عبيد الله، هُوَ كَلَام مُوسَى وَمن تَتِمَّة حَدِيثه، وَمِنْه تحصل التَّرْجَمَة. قلت: لَيْسَ هُوَ من كَلَام مُوسَى بل هُوَ كَلَام مُسْتَأْنف مُعَلّق، وَلَا هُوَ من تَتِمَّة حَدِيثه وَلَا مِنْهُ تحصل التَّرْجَمَة، لِأَنَّهَا فِي الْإِجَارَة وَهَذَا لَيْسَ بإجاره، وَإِنَّمَا هُوَ خَارج، على مَا ذكرنَا عَن قريب. وَعبيد الله، بتصغير العَبْد: ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب.
بِسم الله الرحْمانِ الرَّحِيم
٨٣ - (كتابُ الحَوالاتِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الحوالات، وَهِي جمع: حِوَالَة، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا، مُشْتَقَّة من التَّحَوُّل والانتقال، قَالَ ثَعْلَب: تَقول: أحلّت فلَانا على فلَان بِالدّينِ إِحَالَة، قَالَ ابْن طريف: مَعْنَاهُ أتبعته على غَرِيم ليأخذه. وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه: يَعْنِي: أَزَال عَن نَفسه الدّين إِلَى غَيره، وَحَوله تحويلاً، وَفِي (نَوَادِر) اللحياني: أحيله إِحَالَة وإحالاً، وَهِي عِنْد الْفُقَهَاء: نقل دين من ذمَّة إِلَى ذمَّة. قَوْله:
стр. 3523
(كتاب الْحِوَالَة) بعد الْبَسْمَلَة وَقع كَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين لم يَقع إلَاّ لفظ: بَاب الْحِوَالَة، لَا غير.
١ - (بابٌ فِي الحَوالَةِ وهَلْ يَرْجِعُ فِي الحَوَالَةِ ؟)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحِوَالَة، وَهل يرجع الْمُحِيل فِي الْحِوَالَة أم لَا؟ وَإِنَّمَا لم يجْزم بالحكم لِأَن فِيهِ خلافًا، وَهُوَ أَن الْحِوَالَة عقد لَازم عِنْد الْبَعْض، وَجَائِز عِنْد آخَرين، فَمن قَالَ: عقد لَازم فَلَا يرجع فِيهَا، وَمن قَالَ عقد جَائِز فَلهُ الرُّجُوع.
وَقَالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ إذَا كانَ يَوْمَ أحَالَ عَلَيْهِ مَليّا جازَ
أَي: إِذا كَانَ الْمحَال عَلَيْهِ يَوْم أحَال الْمُحِيل عَلَيْهِ. أَي: على الْمحَال عَلَيْهِ، مَلِيًّا، يَعْنِي: غَنِيا، من ملىء الرجل إِذا صَار مَلِيًّا. وَهُوَ مَهْمُوز اللَّام، وَلَيْسَ هُوَ من معتل اللَّام، وأصل: مَلِيًّا: مليئا على وزن: فعيلاً، فكأنهم قلبوا الْهمزَة يَاء وأدغموا الْيَاء فِي الْيَاء. قَوْله: (جَازَ) ، جَوَاب: إِذا، يَعْنِي: جَازَ هَذَا الْفِعْل وَهُوَ الْحِوَالَة، وَمَفْهُومه أَنه إِذا كَانَ مُفلسًا فَلهُ أَن يرجع، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة والأثرم، وَاللَّفْظ لَهُ، من طَرِيق سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة وَالْحسن أَنَّهُمَا سئلا عَن رجل احتال على رجل فأفلس، قَالَ: إِذا كَانَ مَلِيًّا يَوْم احتال عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع، وَجُمْهُور الْعلمَاء على عدم الرُّجُوع. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يرجع صَاحب الدّين على الْمُحِيل إِذا مَاتَ الْمحَال عَلَيْهِ مُفلسًا أَو حكم بإفلاسه أَو جحد الْحِوَالَة، وَلم يكن لَهُ بَيِّنَة، وَبِه قَالَ شُرَيْح وَعُثْمَان البتي وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَآخَرُونَ، وَقَالَ الحكم: لَا يرجع مَا دَامَ حَيا حَتَّى يَمُوت وَلَا يتْرك شَيْئا، فَإِن الرجل يوسر مرّة ويعسر أُخْرَى. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَعبيد وَاللَّيْث وَأَبُو ثَوْر: لَا يرجع عَلَيْهِ وَإِن توى وَسَوَاء غره بالفلس أَو طول عَلَيْهِ أَو أنكرهُ. وَقَالَ مَالك: لَا يرجع على الَّذِي أَحَالهُ إلَاّ أَن يغره بفلس.
وَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ وأهْلُ المِيرَاثِ فيَأخُذُ هَذا عَيْنا وَهَذَا دَيْنا فإنْ تَوِيَ لأِحَدِهِما لَمْ يَرْجِعْ عَلى صاحِبِه.
يتخارج الشريكان أَي: يخرج هَذَا الشَّرِيك مِمَّا وَقع فِي نصيب صَاحبه، وَذَلِكَ الآخر كَذَلِك أَرَادَ أَن ذَلِك فِي الْقِسْمَة بِالتَّرَاضِي بِغَيْر قرعَة مَعَ اسْتِوَاء الدّين وَإِقْرَار من عَلَيْهِ وحضوره فَأخذ أَحدهمَا عينا وَالْآخر الدّين، ثمَّ إِذا توى الدّين أَي: إِذا هلك لم تنقضِ الْقِسْمَة لِأَنَّهُ رَضِي بِالدّينِ عوضا فَتْوَى فِي ضَمَانه، فَالْبُخَارِي أَدخل قسْمَة الدُّيُون وَالْعين فِي التَّرْجَمَة، وقاس الْحِوَالَة عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الحكم بَين الْوَرَثَة أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (وَأهل الْمِيرَاث) قَوْله: (فَإِن توى) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْوَاو على وزن: قوى، من: توى المَال يتوى من بَاب علم: إِذا هلك، وَيُقَال: توى حق فلَان على غَرِيمه إِذا ذهب توى وتواء، وَالْقصر أَجود فَهُوَ: تو وتاو، وَمِنْه: لَا توى على مَال امرىء مُسلم، وَتَفْسِيره فِي حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْمُحْتَال عَلَيْهِ يَمُوت مُفلسًا، قَالَ: يعود الدّين إِلَى ذمَّة الْمُحِيل.
٧٨٢٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّناد عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ فإذَا اتْبِعَ أحَدُكُمْ على مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِذا أتبع) إِلَى آخِره، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: هُوَ عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَقد تكَرر ذكرهمَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد ابْن سَلمَة، والْحَارث بن مِسْكين كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم أربعتهم عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحِوَالَة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا وَابْن
стр. 3524
مَاجَه من رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَفِي الْبَاب عَن ابْن عمر رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة يُونُس بن عبيد عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (مطل الْغَنِيّ ظلم وَإِذا أُحِيل أحدكُم على ملي فَليَحْتَلْ) . وَعَن الشريد بن سُوَيْد أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة مُحَمَّد بن مَيْمُون بن مُسَيْكَة عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لي: الْوَاجِد يحل عرضه وعقوبته، وَعَن جَابر أخرجه الْبَزَّار من رِوَايَة مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (مطل الْغَنِيّ ظلم وَإِذا أتبع أحدكُم على ملي فَليتبعْ) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مطل الْغَنِيّ ظلم) ، المطل فِي الأَصْل من قَوْلهم: مطلت الحديدة أمطلها إِذا مددتها لتطول. وَفِي (الْمُحكم) : المطل التسويف بالعدة وَالدّين، مطله حَقه وَبِه يمطله مطلاً فأمطل. قَالَ الْقَزاز: وَالْفَاعِل ماطل ومماطل، وَالْمَفْعُول: ممطول ومماطل. تَقول: ماطلني ومطلني حَقي. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: المطل عدم قَضَاء مَا اسْتحق أَدَاؤُهُ مَعَ التَّمَكُّن مِنْهُ. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: المطل المدافعة، وَإِضَافَة المطل إِلَى الْغَنِيّ إِضَافَة الْمصدر للْفَاعِل هُنَا وَإِن كَانَ الْمصدر قد يُضَاف إِلَى الْمَفْعُول، لِأَن الْمَعْنى أَنه يحرم على الْغَنِيّ الْقَادِر أَن يمطل بِالدّينِ بعد اسْتِحْقَاقه، بِخِلَاف الْعَاجِز، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّه مُضَاف للْمَفْعُول، وَالْمعْنَى: أَنه يجب وَفَاء الدّين وَلَو كَانَ مُسْتَحقّه غَنِيا، وَلَا يكون غناهُ سَببا لتأخيره حَقه عَنهُ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فِي حق الْغَنِيّ فَهُوَ فِي حق الْفَقِير أولى، وَفِيه تكلّف وتعسف، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد عِنْد النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه: المطل ظلم الْغَنِيّ، وَالْمعْنَى: أَنه من الظُّلم، أطلق ذَلِك للْمُبَالَغَة فِي التنفير عَن المطل، وَقد رَوَاهُ الجوزقي من طَرِيق همام عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: إِن من الظُّلم مطل الْغَنِيّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه لُغَة، وَفِي الشَّرْع: هُوَ محرم مَذْمُوم، وَعَن سَحْنُون: ترد شَهَادَة الملي إِذا مطل لكَونه سمي ظَالِما. وَعند الشَّافِعِي: بِشَرْط التّكْرَار. قَوْله: (فَإِذا أتبع) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: هُوَ بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة مَبْنِيا لما لم يسم فَاعله عِنْد الْجَمِيع. وَقَوله: (فَليتبعْ) ، بِالتَّخْفِيفِ من تبِعت الرجل بحقي أتبعه تباعة، بِالْفَتْح: إِذا طلبته، وَقيل: فَليتبعْ، بِالتَّشْدِيدِ وَالْأول أَجود عِنْد الْأَكْثَر. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِن أَكثر الْمُحدثين يَقُولُونَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وَالصَّوَاب التَّخْفِيف، وَمَعْنَاهُ: إِذا أُحِيل فَليَحْتَلْ، وَقد رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ: أَحْمد عَن وَكِيع عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي الزِّنَاد، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عمر بِلَفْظ: فإا أحلّت على ملي فَأتبعهُ وَهَذَا بتَشْديد التَّاء بِلَا خلاف. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْأَشْهر فِي الرِّوَايَات، وَإِذا اتبع، يَعْنِي بِالْوَاو، وَلِأَنَّهُمَا جملتان لَا تعلق لأحداهما بِالْأُخْرَى. وغفل عَمَّا فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) هُنَا فَإِنَّهُ بِالْفَاءِ فِي جَمِيع الرِّوَايَات، وَهُوَ كالتوطئة وَالْعلَّة لقبُول الْحِوَالَة. فَإِن قلت: رَوَاهُ مُسلم بِالْوَاو، وَكَذَا البُخَارِيّ فِي الْبَاب الَّذِي بعده. قلت: نعم لَكِن قَالَ: وَمن اتبع، وَقَوله: لي الْوَاجِد، قَالَ ابْن التِّين: لي الْوَاجِد بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء أَي: مطله، يُقَال: لواه بِدِينِهِ ليا وليانا وأصل: لي لوى، اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء، وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، والواجد، بِالْجِيم: الْغَنِيّ الَّذِي يجد مَا يقْضِي بِهِ دينه. قَوْله: يحل عرضه، أَي: لومه وعقوبته، أَي: حَبسه، هَذَا تَفْسِير سُفْيَان، وَالْعرض مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه أَو من يلْزمه أمره، وَقيل: هُوَ جَانِبه الَّذِي يصونه من نَفسه وحسبه ويحامي عَنهُ أَن ينتقص ويثلب، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: عرض الرجل نَفسه وبدنه لَا غير، وَفِي (الفصيح) : الْعرض ريح الرجل الطّيبَة أَو الخبيثة. وَيُقَال: هُوَ نقي الْعرض، أَي: بَرِيء من أَن يشْتم أَو يعاب. وَقَالَ ابْن خالويه: الْعرض الْجلد، يُقَال: هُوَ نقي الْعرض، أَي: لَا يعاب بِشَيْء. وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: يحل عرضه: يغلظ عَلَيْهِ وعقوبته يحبس بِهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الزّجر عَن المطل. وَاخْتلف: هَل يعد فعله عمدا كَبِيرَة أم لَا؟ فالجمهور على أَن فَاعله يفسق، لَكِن هَل يثبت فسقه بمطله مرّة وَاحِدَة أم لَا؟ قَالَ النَّوَوِيّ: مُقْتَضى مَذْهَبنَا اشْتِرَاط التّكْرَار، ورد عَلَيْهِ السُّبْكِيّ فِي (شرح الْمِنْهَاج) : بِأَن مُقْتَضى مَذْهَبنَا عَدمه، وَاسْتدلَّ بِأَن منع الْحق بعد طلبه وَانْتِفَاء الْعذر عَن أَدَائِهِ كالغصب، وَالْغَصْب كَبِيرَة، وتسميته ظلما يشْعر بِكَوْنِهِ كَبِيرَة، والكبيرة لَا يشْتَرط فِيهَا التّكْرَار. نعم، لَا يحكم عَلَيْهِ بذلك إلَاّ بعد أَن يظْهر عدم عذره انْتهى. وَفِيه: أَن الْعَاجِز عَن الْأَدَاء لَا يدْخل فِي المطل. وَفِيه: أَن الْمُعسر لَا يحبس وَلَا يُطَالب حَتَّى يوسر، وَقيل: لصَاحب
стр. 3525
الْحق أَن يحْبسهُ، وَقيل: يلازمه. وَفِيه: أَمر بِقبُول الْحِوَالَة، فمذهب الشَّافِعِي: يسْتَحبّ لَهُ الْقبُول. وَقيل: الْأَمر فِيهِ للْوُجُوب، وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد، وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ الْوُجُوب وَالنَّدْب، وَالْجُمْهُور على أَنه ندب لِأَنَّهُ من بَاب التَّيْسِير على الْمُعسر، وَقيل: مُبَاح، وَلما سَأَلَ ابْن وهب مَالِكًا عَنهُ! قَالَ: هَذَا أَمر ترغيب وَلَيْسَ بإلزام، وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يُطِيع سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، بِشَرْط أَن يكون بدين وإلَاّ فَلَا حِوَالَة لِاسْتِحَالَة حَقِيقَتهَا إِذْ ذَاك، وَإِنَّمَا يكون حمالَة. وَفِي (التَّوْضِيح) ؛ وَمن شَرطهَا تَسَاوِي الدينَيْنِ قدرا ووصفا وجنسا كالحلول وَالتَّأْخِير، وَقَالَ ابْن رشد: وَمِنْهُم من أجازها فِي الذَّهَب وَالدَّرَاهِم فَقَط، ومنعها فِي الطَّعَام، وَأَجَازَ مَالك إِذا كَانَ الطعامان كِلَاهُمَا من قرض إِذا كَانَ دين الْمحَال حَالا، وَأما إِن كَانَ أَحدهمَا من سلم فَإِنَّهُ لَا يجوز إِلَّا أَن يكون الدينان حَالين، وَعند ابْن الْقَاسِم وَغَيره من أَصْحَاب مَالك: يجوز ذَلِك إِذا كَانَ الدّين الْمحَال بِهِ حَالا، وَلم يفرق بَين ذَلِك الشَّافِعِي لِأَنَّهُ كَالْبيع فِي ضَمَان الْمُسْتَقْرض. وَأما أَبُو حنيفَة، فَأجَاز الْحِوَالَة بِالطَّعَامِ وَشبهه بِالدَّرَاهِمِ، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَن الْحِوَالَة ضد الْحمالَة فِي أَنه إِذا أفلس الْمحَال عَلَيْهِ لم يرجع صَاحب الدّين على الْمُحِيل بِشَيْء، وَعند أبي حنيفَة: يرجع صَاحب الدّين على الْمُحِيل إِذا مَاتَ الْمحَال عَلَيْهِ مُفلسًا أَو حكم بإفلاسه أَو جحد الْحِوَالَة وَلَا بَيِّنَة لَهُ، وَبِه قَالَ ابْن شُرَيْح وَعُثْمَان البتي وَجَمَاعَة، وَقد مر فِي أول الْبَاب وَفِي الرَّوْضَة للنووي: أما الْمحَال عَلَيْهِ فَإِن كَانَ عَلَيْهِ دين للْمُحِيل لم يعْتَبر رِضَاهُ على الْأَصَح، وَإِن لم يكن لم يَصح بِغَيْر رِضَاهُ قطعا وبإذنه وَجْهَان، وَفِي الْجَوَاهِر للمالكية أما الْمحَال عَلَيْهِ فَلَا يشْتَرط رِضَاهُ، وَفِي بعض كتب الْمَالِكِيَّة: يشْتَرط رِضَاهُ إِذا كَانَ عدوا وإلَاّ فَلَا، وَأما الْمُحِيل فرضاه شَرط عندنَا وَعِنْدهم لِأَنَّهُ الأَصْل فِي الْحِوَالَة وَفِي الْعُيُون والزيادات لَيْسَ بِشَرْط، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : ورئي بِخَط بعض الْفُضَلَاء فِي قَوْله: مطل الْغَنِيّ ظلم، دلَالَة على أَن الْحِوَالَة إِنَّمَا تكون بعد حُلُول الْأَجَل فِي الدّين، لِأَن المطل لَا يكون إِلَّا بعد الْحُلُول. وَفِيه: مُلَازمَة المماطل وإلزامه بِدفع الدّين والتوصل إِلَيْهِ بِكُل طَرِيق وَأَخذه مِنْهُ قهرا.
٢ - (بابٌ إِذا أحالَ على مُلِيٍّ فَليْسَ لَهُ رَدٌّ)
هَذَا الْبَاب وَقع فِي نُسْخَة الْفربرِي لَا غير أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أحَال صَاحب الْحق على رجل ملي فَلَيْسَ لَهُ رد.
٨٨٢٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يوسُفَ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنُ ابنِ ذَكْوَانَ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ ومَنْ أُتْبِعَ علَى مَلِيٍّ فلْيَتَّبِعْ. (انْظُر الحَدِيث ٧٨٢٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَلَيْسَ هَذَا مُحَمَّد بن يُوسُف ابْن وَاقد أَبُو عبد الله الْفرْيَابِيّ، وَهُوَ أَيْضا شيخ البُخَارِيّ، روى عَنهُ فِي الْكتاب، وَذكر ابْن مَسْعُود أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف فِي كتاب الْحِوَالَة، وَكَذَا ذكره خلف وَأَبُو الْعَبَّاس الطرقي وَمن طَرِيقه أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن الثَّوْريّ وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. قَوْله: (عَن ابْن ذكْوَان) ، هُوَ عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَالْكَلَام فِيهِ قد مر عَن قريب.
٣ - (بابٌ إِذا أحالَ دَيْنَ المَيِّتِ على رَجُلٍ جازَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِن أحَال دين الْمَيِّت على رجل جَازَ، أَي: هَذَا الْفِعْل، وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا ترْجم بالحوالة، فَقَالَ: إِن أحَال دين الْمَيِّت، ثمَّ أَدخل حَدِيث سَلمَة، وَهُوَ فِي الضَّمَان لِأَن الْحِوَالَة وَالضَّمان متقاربان، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو ثَوْر لِأَنَّهُمَا ينتظمان فِي كَون كل مِنْهُمَا نقل ذمَّة إِلَى ذمَّة آخر، فِي هَذَا الحَدِيث نقل مَا فِي ذمَّة الْمَيِّت إِلَى ذمَّة الضَّامِن، فَصَارَ كالحوالة.
٩٨٢٢ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْراهِيمَ قَالَ حَدثنَا يَزيدُ بنُ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ أُتَى بجَنَازَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عليْها فَقالَ هلْ
стр. 3526
عَلَيْهِ دَيْنٌ قالُوا لَا قَالَ فَهَلْ ترَكَ شَيْئا قَالُوا لَا فَصَلَّى عليهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا يَا رسولَ الله صلِّ عَلَيْهَا قَالَ هلْ عَلَيْها دَيْنٌ قَالَ نعَمْ قالْ فهَلْ تَرَكَ شَيْئا قَالُوا ثَلاثَةَ دَنانِيرَ فصَلَّى عَلَيْها ثُمَّ أُتِيَ بالثَّالِثَةِ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْها قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيئا قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا ثَلاثَةُ دَنانِير قَالَ صلُّوا عَلَى صاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتادَةَ صلِّ علَيْهِ يَا رسولَ الله وعلَيَّ دَيْنَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. (الحَدِيث ٩٨٢٢ طرفه فِي: ٥٩٢٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَن ابْن بطال الْآن.
وَرِجَاله ثَلَاثَة، وَهَذَا سَابِع ثلاثيات البُخَارِيّ. الأول: مكي بن إِبْرَاهِيم بن بشير بن فرقد الْبَلْخِي أَبُو السكن، وروى مُسلم عَنهُ بِوَاسِطَة. الثَّانِي: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد، بِضَم الْعين: مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع، مَاتَ سنة سِتّ أَو سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة. الثَّالِث: سَلمَة بن الْأَكْوَع، هُوَ سَلمَة بن عَمْرو بن الْأَكْوَع، وَيَقُول: سَلمَة بن وهب بن الْأَكْوَع، واسْمه: سِنَان بن عبد الله الْمدنِي، شهد بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة وَبَايع رَسُول الله ﷺ ثَلَاث مَرَّات، وَكَانَ يسكن الربذَة، وَكَانَ شجاعا راميا، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَسبعين وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْكفَالَة عَن أبي عَاصِم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن عمر وَعلي وَمُحَمّد بن الْمثنى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جُلُوسًا) ، جمع: جَالس وانتصابه على أَنه خبر: كَانَ. قَوْله: (إِذْ) ، كلمة مفاجأة. قَوْله: (أُتِي) بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَلِكَ آتِي، فِي الْمَوْضِعَيْنِ الآخرين. وَذكر ثَلَاثَة أَحْوَال: الأول: لم يتْرك مَالا وَلَا دينا. الثَّانِي: عَلَيْهِ دين وَترك مَالا. الثَّالِث: عَلَيْهِ دين وَلم يتْرك مَالا، وَلم يذكر الرَّابِع وَهُوَ: الَّذِي لَا دين عَلَيْهِ وَترك مَالا، وَهَذَا حكمه أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ أَيْضا، وَلم يذكرهُ إِمَّا لِأَنَّهُ لم يَقع، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ كثيرا. قَوْله: (ثَلَاثَة دَنَانِير) فِي الْأَخير، وروى الْحَاكِم من حَدِيث جَابر: وَفِيه دِينَارَانِ، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن جَابر، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أَسمَاء بنت يزِيد. فَإِن قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين رِوَايَة الثَّلَاث وَرِوَايَة الْإِثْنَيْنِ؟ قلت: يحمل بِأَنَّهُ كَانَ دينارين وَنصفا، فَمن قَالَ: ثَلَاثَة، جبر الكُسر، وَمن قَالَ: دينارين، ألغى النّصْف، أَو كَانَ أصل ذَلِك ثَلَاثَة فوفى الْمَيِّت قبل مَوته دِينَارا وَبَقِي عَلَيْهِ دِينَارَانِ فَمن قَالَ ثَلَاثَة فباعتبار الأَصْل وَمن قَالَ دينارين فباعتبار مَا بَقِي من الدّين قَوْله " قَالَ أَبُو قَتَادَة " الْحَارِث بن ربعي الخزرجي الْأنْصَارِيّ فَارس رَسُول الله ﷺ َ - مر فِي الْوضُوء وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن نفس أبي قَتَادَة فَقَالَ حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان قَالَ حَدثنَا أَبُو دَاوُد قَالَ أخبرنَا شُعْبَة عَن عُثْمَان بن عبد الله بن موهب قَالَ سَمِعت عبد الله بن أبي قَتَادَة يحدث عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ َ - أَتَى بِرَجُل ليُصَلِّي عَلَيْهِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - " صلوا على صَاحبكُم فَإِن عَلَيْهِ دينا قَالَ أَبُو قَتَادَة هُوَ عَليّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - بِالْوَفَاءِ فصلى عَلَيْهِ " وَفِي رِوَايَة ابْن ماجة فَقَالَ ابْن قَتَادَة أَنا أتكفل بِهِ وَفِي رِوَايَة أَبُو دَاوُد هما عَليّ يَا رَسُول الله قَالَ بِالْوَفَاءِ وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فَجعل رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول هما عَلَيْك وَفِي مَالك وَحقّ الرجل عَلَيْك وَالْمَيِّت مِنْهُمَا بَرِيء فَقَالَ نعم فصلى عَلَيْهِ وَجعل رَسُول الله ﷺ َ - إِذا لَقِي أَبَا قَتَادَة يَقُول مَا صنعت فِي الدينارين حَتَّى إِذا كَانَ آخر ذَلِك قَالَ قد قضيتهما يَا رَسُول الله قَالَ الْآن حِين بردت عَلَيْهِ جلدته وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أَسمَاء بنت يزِيد فَقَالَ على صَاحبكُم دين قَالُوا دِينَارَانِ قَالَ أَبُو قَتَادَة أَنا بِدِينِهِ يَا رَسُول الله وروى الدراقطني من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عَطاء بن عجلَان عَن أبي اسحق عَن عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا أَتَى بِجنَازَة لم يسْأَل عَن شَيْء من عمل الرجل وَيسْأل عَن دينه فَإِن قيل عَلَيْهِ دين كف وَإِن قيل لَيْسَ عَلَيْهِ دين صلى فَأتى بِجنَازَة فَلَمَّا قَامَ ليكبر سَأَلَ هَل عَلَيْهِ قَالُوا دِينَارَانِ فَعدل عَنهُ وَقَالَ صلوا على صَاحبكُم فَقَالَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ هما عَليّ وَهُوَ بَرِيء مِنْهُمَا فصلى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لعَلي " جَزَاك الله خيرا وَفك الله رهانك كَمَا فَككت رهان أَخِيك إِنَّه لَيْسَ من ميت يَمُوت وَعَلِيهِ دين إِلَّا وَهُوَ مُرْتَهن بِدِينِهِ وَمن فك رهان ميت فك الله رهانه يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ بَعضهم هَذَا لعَلي خَاصَّة أم للْمُسلمين عَامَّة قَالَ بل للمسمين عَامَّة " وروى عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ نَحوه وَفِيه أَن عليا قَالَ أَنا ضَامِن لدينِهِ وَفِي
стр. 3527
رِوَايَة الطَّحَاوِيّ من حَدِيث شريك عَن عبد الله بن عقيل قَالَ إِن رجلا مَاتَ وَعَلِيهِ دين فَلم يصل عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ - حَتَّى قَالَ أَبُو الْيُسْر أَو غَيره هُوَ عَليّ فصلى عَلَيْهِ فَجَاءَهُ من الْغَد يتقاضاه فَقَالَ أما كَانَ ذَلِك أمس ثمَّ أَتَاهُ من بعد الْغَد فَأعْطَاهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - الْآن بردت عَلَيْهِ جلدته (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ الْكفَالَة من الْمَيِّت وَقَالَ ابْن بطال اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن تكفل عَن ميت بدين فَقَالَ ابْن أبي ليلى وَمُحَمّد وَأَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ الْكفَالَة جَائِزَة عَنهُ وَإِن لم يتْرك الْمَيِّت شَيْئا وَلَا رُجُوع لَهُ فِي مَال الْمَيِّت إِن ثاب للْمَيت مَال وَكَذَلِكَ إِن كَانَ للْمَيت مَال وَضمن عَنهُ لم يرجع فِي قَوْلهم لِأَنَّهُ مُتَطَوّع وَقَالَ مَالك لَهُ أَن يرجع فِي مَاله كَذَلِك إِن قَالَ إِنَّمَا أدّيت لأرجع فِي مَال الْمَيِّت وَإِن لم يكن للْمَيت مَال وَعلم الضَّامِن بذلك فَلَا رُجُوع لَهُ إِن ثاب للْمَيت قَالَ ابْن الْقَاسِم لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْهَدِيَّة وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن لم يتْرك الْمَيِّت شَيْئا فَلَا تجوز الْكفَالَة وَإِن ترك جَازَت بِقدر مَا ترك وَقَالَ الْخطابِيّ فِيهِ إِن ضَمَان الدّين عَن الْمَيِّت يبريه إِذا كَانَ مَعْلُوما سَوَاء خلف الْمَيِّت وَفَاء أَو لم يخلف وَذَلِكَ أَنه ﷺ َ - إِنَّمَا امْتنع من الصَّلَاة لارتهان ذمَّته بِالدّينِ فَلَو لم يبرأ بِضَمَان أبي قَتَادَة لما صلى عَلَيْهِ وَالْعلَّة الْمَانِعَة قَائِمَة. وَفِيه فَسَاد قَول مَالك أَن الْمُؤَدى عَنهُ الدّين يملكهُ أَولا عَن الضَّامِن لِأَن الْمَيِّت لَا يملك وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا قبل أَن يكون للْمُسلمين بَيت مَال إِذْ بعده كَانَ الْقَضَاء عَلَيْهِ وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ لَعَلَّه ﷺ َ - امْتنع عَن الصَّلَاة عَن الْمَدْيُون الَّذِي لم يتْرك وَفَاء تحذيرا عَن الدّين وزجرا عَن المماطلة أَو كَرَاهَة أَن يُوقف دعاؤه عَن الْإِجَابَة بِسَبَب مَا عَلَيْهِ من مظْلمَة الْخلق وَقَالَ الْكرْمَانِي الحَدِيث حجَّة على أبي حنيفَة حَيْثُ قَالَ لَا يصلح الضَّمَان عَن الْمَيِّت إِذا لم يتْرك وَفَاء وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَخَالف أَبُو حنيفَة الحَدِيث قلت هَذَا إساءة الْأَدَب وحاشا من أبي حنيفَة أَن يُخَالف الحَدِيث الثَّابِت عَن رَسُول الله ﷺ َ - عِنْد وُقُوفه عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَدَب أَن يَقُول ترك الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث ثمَّ تَركه فِي الْموضع الَّذِي ترك الْعَمَل بِهِ إِمَّا لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده أَو لم يقف عَلَيْهِ أَو ظهر عِنْده نسخه. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي يَأْتِي بعد أَرْبَعَة أَبْوَاب يدل على النّسخ وَهُوَ قَوْله أَنا أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم فَمن توفّي من الْمُؤمنِينَ فَترك دينا فعلي قَضَاؤُهُ وَمن ترك مَالا فلورثته وَفِي رِوَايَة أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ من ترك كلأ فإليه وَمن ترك مَالا فللوارث قَالَ أَبُو بشر يُونُس ابْن حبيب سَمِعت أَبَا الْوَلِيد يَقُول هَذَا نسخ تِلْكَ الْأَحَادِيث الَّتِي جَاءَت فِي ترك الصَّلَاة على من عَلَيْهِ الدّين وَقَالَ أَبُو بكر عبد الله بن أَحْمد الصفار حَدثنَا مُحَمَّد بن الْفضل الطَّبَرِيّ أَنبأَنَا أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي أَنبأَنَا مُحَمَّد بن بكير الْحَضْرَمِيّ حَدثنَا خَالِد بن عبد الله عَن حُسَيْن بن قيس عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - لَا يُصَلِّي على من مَاتَ وَعَلِيهِ دين فَمَاتَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ عَلَيْهِ دين قَالُوا نعم فَقَالَ صلوا على صَاحبكُم فَنزل جِبْرِيل ﵊ فَقَالَ إِن الله يَقُول إِنَّمَا الظَّالِم عِنْدِي فِي الدُّيُون الَّتِي حملت فِي الْبَغي والإسراف وَالْمَعْصِيَة فَأَما الْمُتَعَفِّف ذُو الْعِيَال فَأَنا ضَامِن أَن أؤدي عَنهُ فصلى عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ - وَقَالَ بعد ذَلِك من ترك ضيَاعًا أَو دينا فَإِلَيَّ أَو عَليّ وَمن ترك مِيرَاثا فلأهله فصلى عَلَيْهِم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْتِزَامه ﷺ َ - بدين الْمَوْتَى يحْتَمل أَن يكون تَبَرعا على مُقْتَضى كرم أخلاقه لَا أَنه أَمر وَاجِب عَلَيْهِ قَالَ وَقَالَ بعض أهل الْعلم يجب على الإِمَام أَن يقْضِي من بَيت المَال دين الْفُقَرَاء اقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ َ - فَإِنَّهُ قد صرح بِوُجُوب ذَلِك عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ فعلي قَضَاؤُهُ وَلِأَن الْمَيِّت الْمَدْيُون خَافَ أَن يعذب فِي قَبره عَليّ ذَلِك الدّين لقَوْله ﷺ َ - الْآن حِين بردت جلدته وكما أَن على الإِمَام أَن يسد رمقه ويراعي مصْلحَته الدُّنْيَوِيَّة فالأخروية أولى وَقَالَ ابْن بطال فَإِن لم يُعْط الإِمَام عَنهُ شَيْئا وَقع الْقصاص مِنْهُ فِي الْآخِرَة وَلم يحبس الْمَيِّت عَن الْجنَّة بدين لَهُ مثله فِي بَيت المَال إِلَّا أَن يكون دينه أَكثر مِمَّا لَهُ فِي بَيت المَال وَفِي شرح الْمُهَذّب قيل أَنه ﷺ َ - كَانَ يَقْضِيه من مصَالح الْمُسلمين وَقيل من مَاله وَقيل كَانَ هَذَا الْقَضَاء وَاجِبا عَلَيْهِ وَقيل لم يصل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يكن للْمُسلمين يَوْمئِذٍ بَيت مَال فَلَمَّا فتح الله عَلَيْهِم وَصَارَ لَهُم بَيت مَال صلى على من مَاتَ وَعَلِيهِ دين ويوفيه مِنْهُ
стр. 3528
(بَاب الْكفَالَة فِي الْقَرْض والديون بالأبدان وَغَيرهَا)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْكفَالَة فِي الْقَرْض والديون أَي دُيُون الْمُعَامَلَات وَهُوَ من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص قَوْله " بالأبدان " يتَعَلَّق بِالْكَفَالَةِ قَوْله " وَغَيرهمَا " أَي وَغير الْأَبدَان وَهِي الْكفَالَة بالأموال وَفِي بعض النّسخ بَاب الْكفَالَة فِي القروض والديون وَوجه إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْحِوَالَة من حَيْثُ أَن الْحِوَالَة وَالْكَفَالَة الَّتِي هِيَ الضَّمَان متقاربان لِأَن كلا مِنْهُمَا نقل دين من ذمَّة إِلَى ذمَّة وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب وَقَالَ الْمُهلب الْكفَالَة بالقرض الَّذِي هُوَ السّلف بالأموال كلهَا جَائِزَة وَحَدِيث الْخَشَبَة الملقاة فِي الْبَحْر أصل فِي الْكفَالَة بالديون من قرض كَانَت أَو بيع (وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد عَن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ عَن أَبِيه أَن عمر ﵁ بَعثه مُصدقا فَوَقع رجلا على جَارِيَة امْرَأَته فَأخذ حَمْزَة من الرجل كَفِيلا حَتَّى قدم على عمر وَكَانَ عمر قد جلده مائَة جلدَة فَصَدَّقَهُمْ وعذره بالجهالة)
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَخذه حَمْزَة من الرجل كَفِيلا) ، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: عبد الله بن ذكْوَان وَقد تكَرر ذكره، وَمُحَمّد بن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ حجازي ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) ، وروى لَهُ النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة، وَأَبُو دَاوُد والطحاويي وَأَبُو حَمْزَة بن عَمْرو بن عُوَيْمِر بن الْحَارِث الْأَعْرَج الْأَسْلَمِيّ، يكنى أَبَا صَالح، وَقيل: أَبَا مُحَمَّد مَاتَ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَله صُحْبَة وَرِوَايَة.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّحَاوِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم، قَالَ: أخبرنَا ابْن أبي الزِّنَاد، قَالَ: حَدثنِي أبي عَن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ عَن أَبِيه: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بَعثه مُصدقا على سعد ابْن هذيم، فَأتى حَمْزَة بِمَال ليصدقه، فَإِذا رجل يَقُول لامْرَأَته: أُدي صَدَقَة مَال مَوْلَاك، وَإِذا الْمَرْأَة تَقول لَهُ: بل أَنْت فأدِّ صَدَقَة مَال أَبِيك، فَسَأَلَهُ حَمْزَة عَن أمرهَا وقولهما: فَأخْبر أَن ذَلِك الرجل زوج تِلْكَ الْمَرْأَة، وَأَنه وَقع على جَارِيَة لَهَا، فَولدت ولدا فأعتقته امْرَأَته، قَالُوا: فَهَذَا المَال لِابْنِهِ من جاريتها، فَقَالَ لَهُ حَمْزَة لأرجمنك بِالْحِجَارَةِ، فَقيل لَهُ: أصلحك الله، إِن أمره قد رفع إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فجلده عمر مائَة وَلم ير عَلَيْهِ الرَّجْم، فَأخذ حَمْزَة بِالرجلِ كَفِيلا حَتَّى يقدم على عمر فيسأله عَمَّا ذكر من جلد عمر إِيَّاه وَلم ير عَلَيْهِ رجما، فَصَدَّقَهُمْ عمر بذلك، من قَوْلهم، وَقَالَ: إِنَّمَا دَرأ عَنهُ الرَّجْم عذره بالجهالة. انْتهى.
قَوْله: (مُصدقا) بتَشْديد الدَّال الْمَكْسُورَة على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من التَّصْدِيق، أَي: أَخذ الصَّدَقَة عَاملا عَلَيْهَا، فَصَدَّقَهُمْ، بِالتَّخْفِيفِ أَي: صدق الرجل للْقَوْم واعترف بِمَا وَقع مِنْهُ، لكنه اعتذر بِأَنَّهُ لم يكن عَالما بِحرْمَة وطىء جَارِيَة امْرَأَته أَو بِأَنَّهَا جاريتها، لِأَنَّهَا التبست واشتبهت بِجَارِيَة نَفسه أَو بِزَوْجَتِهِ، أَو صدق عمر الكفلاء فِيمَا كَانُوا يَدعُونَهُ أَنه قد جلده مرّة لذَلِك، وَيحْتَمل أَن يكون الصدْق بِمَعْنى الْإِكْرَام كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فِي مقْعد صدق﴾ (الْقَمَر: ٥٥) . أَي: كريم، فَمَعْنَاه: فَأكْرم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الكفلاء وَعذر الرجل بِجَهَالَة الْحُرْمَة أَو الِاشْتِبَاه. قَوْله: (فَأخذ حَمْزَة من الرجل كَفِيلا) ، لَيْسَ المُرَاد من الْكفَالَة هَهُنَا الْكفَالَة الْفِقْهِيَّة، بل المُرَاد التعهد والضبط عَن حَال الرجل. وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ ذَلِك على سَبِيل التَّرْهِيب على الْمَكْفُول بِبدنِهِ والاستيثاق، لَا أَن ذَلِك لَازم للْكَفِيل إِذا زَالَ الْمَكْفُول بِهِ، واستفيد من هَذِه الْقِصَّة مَشْرُوعِيَّة الْكفَالَة بالأبدان، فَإِن حَمْزَة بن عَمْرو صَحَابِيّ، وَقد فعله وَلم يُنكر عَلَيْهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَعَ كَثْرَة الصَّحَابَة حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا جلد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، للرجل مائَة تعزيرا وَكَانَ ذَلِك بِحَضْرَة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ ابْن التِّين: فِيهِ شَاهد لمَذْهَب مَالك فِي مُجَاوزَة الإِمَام فِي التَّعْزِير قدر الْحَد، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فعل صَحَابِيّ عَارضه مَرْفُوع صَحِيح فَلَا حجَّة فِيهِ.
قلت: هَذَا الْبَاب فِيهِ خلاف بَين الْعلمَاء، فمذهب مَالك وَأبي ثَوْر وَأبي يُوسُف فِي قَول الطَّحَاوِيّ: إِن التَّعْزِير لَيْسَ لَهُ مِقْدَار مَحْدُود، وَيجوز للْإِمَام أَن يبلغ بِهِ مَا رَآهُ وَأَن يتَجَاوَز بِهِ الْحُدُود. وَقَالَت طَائِفَة: التَّعْزِير مائَة جلدَة فَأَقل. وَقَالَت طَائِفَة: أَكثر التَّعْزِير مائَة جلدَة إلَاّ جلدَة. وَقَالَت طَائِفَة: أَكْثَره تِسْعَة وَتسْعُونَ سَوْطًا فَأَقل، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى، وَأبي يُوسُف فِي رِوَايَة. وَقَالَت طَائِفَة: أَكْثَره ثَلَاثُونَ سَوْطًا. وَقَالَت طَائِفَة: أَكْثَره
стр. 3529
عشرُون سَوْطًا. وَقَالَت طَائِفَة: لَا يتَجَاوَز بالتعزير تِسْعَة، وَهُوَ بعض قَول الشَّافِعِي. وَقَالَت طَائِفَة: أَكْثَره عشرَة أسواذ فَأَقل لَا يتَجَاوَز بِهِ أَكثر من ذَلِك، وَهُوَ قَول اللَّيْث بن سعد وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَاب الظَّاهِر، وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث الْمَرْفُوع، وَهُوَ قَوْله، ﷺ : (لَا يجلد فَوق عشر جلدات إلَاّ فِي حد من حُدُود الله) ، بِأَنَّهُ فِي حق من يرتدع بالردع، ويؤثر فِيهِ أدنى الزّجر كأشراف النَّاس وأشراف أَشْرَافهم، وَأما السفلة وأسقاط النَّاس فَلَا يُؤثر فيهم عشر جلدات وَلَا عشرُون، فيعزرهم الإِمَام بِحَسب مَا يرَاهُ، وَقد ذكر الطَّحَاوِيّ حَدِيث حَمْزَة بن عَمْرو الْمَذْكُور فِي: بَاب الرجل يَزْنِي بِجَارِيَة امْرَأَته، فروى فِي أول الْبَاب حَدِيث سَلمَة بن المحبق: أَن رجلا زنى بِجَارِيَة امْرَأَته، فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : (إِن كَانَ استكرهها فَهِيَ حرَّة وَعَلِيهِ مثلهَا، وَإِن كَانَت طاوعة فَهِيَ لَهُ وَعَلِيهِ مثلهَا) . ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى هَذَا الحَدِيث، وَقَالُوا: هَذَا هُوَ الحكم فِيمَن زنى بِجَارِيَة امْرَأَته. قلت: أَرَادَ بالقوم: الشّعبِيّ وعامر بن مطر وَقبيصَة وَالْحسن، ثمَّ قَالَ الطحاويي: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: بل نرى عَلَيْهِ الرَّجْم إِن كَانَ مُحصنا، وَالْجَلد: إِن كَانَ غير مُحصن. قلت: أَرَادَ بالآخرين هَؤُلَاءِ جَمَاهِير الْفُقَهَاء من التَّابِعين، وَمن بعدهمْ مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم، ثمَّ أجابوا عَن حَدِيث سَلمَة بن المحبق أَنه مَنْسُوخ بِحَدِيث النُّعْمَان بن بشير، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَلَفظ أبي دَاوُد: أَن رجلا يُقَال لَهُ عبد الرَّحْمَن بن حنين وَقع على جَارِيَة امْرَأَته، فَرفع إِلَى النُّعْمَان بن بشير، وَهُوَ أَمِير على الْكُوفَة، فَقَالَ: لأقضين فِيك بقضية رَسُول الله، ﷺ ، إِن كَانَت أحلَّتها لَك جلدتك مائَة، وَإِن لم تكن أحلَّتها لَك رَجَمْتُك بِالْحِجَارَةِ، فوجدوها أحلَّتها لَهُ، فجلده مائَة. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَثَبت بِهَذَا مَا رَوَاهُ سَلمَة بن المحبق، قَالُوا: قد عمل عبد الله بن مَسْعُود بعد رَسُول الله ﷺ مثل مَا فِي حَدِيث سَلمَة فَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن هَذَا بقوله: وَخَالفهُ فِي ذَلِك حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ، وسَاق حَدِيثه على مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَقَالَ أَيْضا: وَقد أنكر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على عبد الله بن مَسْعُود فِي هَذَا قَضَاءَهُ بِمَا قد نسخ، فَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن الْحسن، قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن عَاصِم عَن خَالِد الْحذاء عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، قَالَ: ذكر لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، شَأْن الرجل الَّذِي أَتَى ابْن مَسْعُود وَامْرَأَته، وَقد وَقع على جَارِيَة امْرَأَته، فَلم ير عَلَيْهِ حدا، فَقَالَ عَليّ: لَو أَتَانِي صَاحب ابْن أم عبد لرضخت رَأسه بِالْحِجَارَةِ، لم يدرِ ابْن أم عبد مَا حدث بعده، فَأخْبر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن ابْن مَسْعُود تعلق فِي ذَلِك بِأَمْر قد كَانَ ثمَّ نسخ بعده، فَلم يعلم ابْن مَسْعُود بذلك، وَقد خَالف عَلْقَمَة بن قيس النَّخعِيّ عَن عبد الله ابْن مَسْعُود فِي الحكم الْمَذْكُور، وَذهب إِلَى قَول من خَالف عبد الله، وَالْحَال أَن عَلْقَمَة أعلم أَصْحَاب عبد الله بِعَبْد الله وأجلهم، فَلَو لم يثبت نسخ مَا كَانَ ذهب إِلَيْهِ عبد الله لما خَالف قَوْله، مَعَ جلالة قدر عبد الله عِنْده.
وَقَالَ جرِيرٌ والأشْعَثُ لِعَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ فِي المُرْتَدِّينَ اسْتَتِبْهُمْ وكَفِّلْهُمْ فتابُوا وكَفَلَهُمْ عَشائِرُهُمْ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وكفلهم) وَلَا خلاف فِي جَوَاز الْكفَالَة بِالنَّفسِ، جرير هُوَ ابْن عبد الله البَجلِيّ، والأشعث بن قيس الْكِنْدِيّ الصَّحَابِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق مُخْتَصر من قصَّة أخرجَا الْبَيْهَقِيّ بِطُولِهَا من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن حَارِثَة بن مضرب، قَالَ: صليت الْغَدَاة مَعَ عبد الله بن مَسْعُود، فَلَمَّا سلم قَامَ رجل فَأخْبرهُ أَنه انْتهى إِلَى مَسْجِد بني حنيفَة، فَسمع مُؤذن عبد الله بن نواحة يشْهد أَن مُسَيْلمَة رَسُول الله، فَقَالَ عبد الله: عَليّ بِابْن النواحة وَأَصْحَابه، فجيء بهم، فَأمر قُرَيْظَة بن كَعْب فَضرب عنق ابْن النواحة، ثمَّ اسْتَشَارَ النَّاس فِي أُولَئِكَ النَّفر، فَأَشَارَ إِلَيْهِ عدي بن حَاتِم بِقَتْلِهِم، فَقَامَ جرير والأشعث فَقَالَا: بل استتبهم وكفلهم عَشَائِرهمْ، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق قيس بن أبي حَازِم أَن عدَّة الْمَذْكُورين كَانُوا مائَة وَسبعين رجلا، وَمعنى التكفيل هُنَا مَا ذَكرْنَاهُ فِي حديطث حَمْزَة بن عَمْرو: الضَّبْط والتعهد حَتَّى لَا يرجِعوا إِلَى الارتداد، لَا أَنه كَفَالَة لَازِمَة.
وَقَالَ حَمَّادٌ إذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمات فَلا شَيْءَ علَيْهِ وَقَالَ الحَكَمُ يَضْمَن
حَمَّاد هُوَ ابْن أبي سُلَيْمَان، واسْمه مُسلم الْأَشْعَرِيّ أَبُو إِسْمَاعِيل الْكُوفِي الْفَقِيه، وَهُوَ أحد مَشَايِخ الإِمَام أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأكْثر الرِّوَايَة عَنهُ، وَثَّقَهُ يحيى بن معِين وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَة. وَالْحكم، بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ ابْن عتيبة، ومذهبه أَن الْكَفِيل بِالنَّفسِ يضمن الْحق الَّذِي على الْمَطْلُوب، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ إِذا تكفل
стр. 3530
بِنَفسِهِ، وَعَلِيهِ مَال فَإِنَّهُ لم يأتِ بِهِ غرم المَال، وَيرجع بِهِ على الْمَطْلُوب، فَإِن اشْترط ضَمَان نَفسه أَو وَجهه وَقَالَ: لَا أضمن المَال فَلَا شَيْء عَلَيْهِ من المَال.
(قَالَ أَبُو عبد الله وَقَالَ اللَّيْث حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل سَأَلَ بعض بني إِسْرَائِيل أَن يسلفه ألف دِينَار فَقَالَ ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أشهدهم فَقَالَ كفى بِاللَّه شَهِيدا قَالَ فأتني بالكفيل قَالَ كفى بِاللَّه كَفِيلا قَالَ صدقت فَدَفعهَا إِلَيْهِ إِلَى أجل مسلمى فَخرج فِي الْبَحْر فَقضى حَاجته ثمَّ التمس مركبا يركبهَا يقدم عَلَيْهِ للأجل الَّذِي أَجله فَلم يجد مركبا فَأخذ خَشَبَة فنقرها فَأدْخل فِيهَا ألف دِينَار وصحيفة مِنْهُ إِلَى صَاحبه ثمَّ زجج موضعهَا ثمَّ أَتَى بهَا إِلَى الْبَحْر فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي كنت تسلفت فلَانا ألف دِينَار فَسَأَلَنِي كَفِيلا فَقلت كفى بِاللَّه كَفِيلا فَرضِي بك وسألني شَهِيدا فَقلت كفى بِاللَّه شَهِيدا فَرضِي بك وَأَنِّي جهدت أَن أجد مركبا أبْعث إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلم أقدر وَإِنِّي أستودعكها فَرمى بهَا فِي الْبَحْر حَتَّى ولجت فِيهِ ثمَّ انْصَرف وَهُوَ فِي ذَلِك يلْتَمس مركبا يخرج إِلَى بَلَده فَخرج الرجل الَّذِي كَانَ أسلفه ينظر لَعَلَّ مركبا قد جَاءَ بِمَالِه فَإِذا بالخشبة الَّتِي فِيهَا المَال فَأَخذهَا لأَهله حطبا فَلَمَّا نشرها وجد المَال والصحيفة ثمَّ قدم الَّذِي كَانَ أسلفه فَأتى بِالْألف دِينَار فَقَالَ وَالله مَا زلت جاهدا فِي طلب مركب لآتيك بِمَالك فَمَا وجدت مركبا قبل الَّذِي أتيت فِيهِ قَالَ هَل كنت بعثت إِلَيّ بِشَيْء قَالَ أخْبرك أَنِّي لم أجد مركبا قبل الَّذِي جِئْت فِيهِ قَالَ فَإِن الله قد أدّى عَنْك الَّذِي بعثت فِي الْخَشَبَة فَانْصَرف بِالْألف الدِّينَار راشدا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَسَأَلَنِي كَفِيلا وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وعلقه عَن اللَّيْث بن سعد عَن جَعْفَر بن ربيعَة ابْن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة الْقرشِي الْمصْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَمضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي بَاب مَا يسْتَخْرج من الْبَحْر وعلقه فِيهِ أَيْضا عَن اللَّيْث عَن جَعْفَر بن ربيعَة عَن الْأَعْرَج وَلكنه مُخْتَصر وَكَذَلِكَ ذكره مُعَلّقا عَن اللَّيْث نَحوه مُخْتَصرا فِي كتاب الْبيُوع فِي بَاب التِّجَارَة فِي الْبَحْر وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَنه أخرجه أَيْضا فِي الاستقراض واللقطة والشروط والاستئذان وَمر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ مستقصى وَنَذْكُر هُنَا أَيْضا أَشْيَاء لزِيَادَة التَّوْضِيح وَالْبَيَان وَقَالَ بَعضهم أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل لم أَقف على اسْمه لَكِن رَأَيْت فِي مُسْند الصَّحَابَة الَّذين نزلُوا مصر لمُحَمد بن الرّبيع الجيزي لَهُ بِإِسْنَاد لَهُ فِيهِ مَجْهُول عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ يرفعهُ أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّجَاشِيّ فَقَالَ لَهُ أَسْلفنِي ألف دِينَار إِلَى أجل فَقَالَ من الْحميل بك قَالَ الله فَأعْطَاهُ الْألف وَضرب بهَا الْأَجَل أَي سَافر بهَا فِي تِجَارَة فَلَمَّا بلغ الْأَجَل أَرَادَ الْخُرُوج إِلَيْهِ فحبسته الرّيح فَعمل تابوتا فَذكر الحَدِيث نَحْو حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ هَذَا الْقَائِل واستفدنا مِنْهُ أَن الَّذِي أقْرض هُوَ النَّجَاشِيّ فَيجوز أَن يكون نسبته إِلَى بني إِسْرَائِيل بطرِيق الِاتِّبَاع لَهُم لَا أَنه من نسلهم انْتهى قلت انْتهى هَذَا الْكَلَام فِي الْبعد إِلَى حد السُّقُوط لِأَن السَّائِل والمسؤل مِنْهُ كِلَاهُمَا من بني إِسْرَائِيل على مَا يُصَرح بِهِ ظَاهر الْكَلَام وَبَين الْحَبَشَة وَبني إِسْرَائِيل بعد عَظِيم فِي النِّسْبَة وَفِي الأَرْض وَيبعد أَن يكون ذَلِك الانتساب إِلَى بني إِسْرَائِيل بطرِيق الِاتِّبَاع وَهَذَا يأباه من لَهُ نظر تَامّ فِي تصرفه فِي وُجُوه مَعَاني الْكَلَام على أَن الحَدِيث الْمَذْكُور ضَعِيف لَا يعْمل بِهِ فَافْهَم قَوْله " مركبا " أَي سفينة قَوْله " يقدم " بِفَتْح الدَّال وَهُوَ جملَة حَالية قَوْله " وصحيفة " أَي مَكْتُوبًا قَوْله " زحج " بالزاي وَالْجِيم قَالَ الْخطابِيّ أَي
стр. 3531
سوى مَوضِع النقر وَأَصْلحهُ وَهُوَ من تزجيج الحواجب وَهُوَ حذف زَوَائِد الشّعْر وَقَالَ عِيَاض وَمَعْنَاهُ سمرها بمسامير كالزج أَو حشي شقوق لصاقها بِشَيْء ورقعه بالزج قَوْله " تسلفت فلَانا " قَالَ بَعضهم كَذَا وَقع هُنَا وَالْمَعْرُوف تعديته بِحرف الْجَرّ كَمَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ استلفت من فلَان (قلت) تنظيره باستلفت غير موجه لِأَن تسلفت من بَاب التفعل واستسلفت من بَاب الاستفعال وَتفعل يَأْتِي للمتعدي بِلَا حرف الْجَرّ كتوسد التُّرَاب واستسلفت مَعْنَاهُ طلبت مِنْهُ السّلف وَلَا بُد من حرف الْجَرّ قَوْله " فَرضِي بذلك " هَذِه رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره " فَرضِي بِهِ " وَرِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " فَرضِي بك " قَوْله " جهدت " بِفَتْح الْجِيم وَالْهَاء قَوْله " حَتَّى ولجت " فِيهِ بتَخْفِيف اللَّام أَي حَتَّى دخلت فِي الْبَحْر من الولوج وَهُوَ الدُّخُول قَوْله " وَهُوَ فِي ذَلِك " الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله " يلْتَمس " أَي يطْلب قَوْله " ينظر " جملَة حَالية قَوْله " فَإِذا بالخشبة " كلمة إِذا للمفاجأة قَوْله " حطبا " نصب على أَنه مفعول لفعل مَحْذُوف تَقْدِيره فَأَخذهَا لأجل أَهله يَجْعَلهَا حطبا للإيقاد قَوْله " فَلَمَّا نشرها " أَي قطعهَا بِالْمِنْشَارِ وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ " فَلَمَّا كسرهَا " وَفِي رِوَايَة أبي سَلمَة " وَغدا رب المَال يسْأَل عَن صَاحبه كَمَا كَانَ يسْأَل فيجد الْخَشَبَة فيحملها إِلَى أَهله فَقَالَ أوقدوا هَذِه فكسروها فانتثرت الدَّنَانِير مِنْهَا والصحيفة فقرأها وَعرف قَوْله " فَانْصَرف بِالْألف الدِّينَار " وَهَذَا على مَذْهَب الْكُوفِيّين وَرَاشِد أنصب على الْحَال من فَاعل انْصَرف (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز التحدث عَمَّا كَانَ فِي زمن بني إِسْرَائِيل وَقد جَاءَ " تحدثُوا عَن بني إِسْرَائِيل وَلَا حرج عَلَيْكُم " وَفِيه جَوَاز التِّجَارَة فِي الْبَحْر وَجَوَاز ركُوبه وَفِيه جَوَاز أجل الْقَرْض احْتج بِهِ من يرى بذلك وَمن مَنعه يَقُول الْقَرْض إِعَارَة والتأجيل فِيهَا غير لَازم لِأَنَّهَا تبرع وَأما الَّذِي فِي الحَدِيث فَكَانَ على سَبِيل الْمُسَامحَة لَا على طَرِيق الْإِلْزَام وَفِيه طلب الشُّهُود فِي الدّين وَطلب الْكَفِيل بِهِ وَفِيه فضل التَّوَكُّل على الله وَأَن من صَحَّ توكله تكفل الله بنصره وعونه قَالَ ﴿وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه﴾ وَفِيه أَن جَمِيع مَا يُوجد فِي الْبَحْر فَهُوَ لواجده مَا لم يُعلمهُ ملكا لأحد -
٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمَانُكم فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (النِّسَاء: ٣٣) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان معنى قَول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الْكفَالَة الْتِزَام بِغَيْر عوض تَطَوّعا فتلزم كَمَا لزم اسْتِحْقَاق الْمِيرَاث بِالْحلف الَّذِي وجد على وَجه التَّطَوُّع، وَأول الْآيَة: ﴿وَلكُل جعلنَا موَالِي مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم إِن الله كَانَ على كل شَيْء شَهِيدا﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَأَبُو صَالح وَقَتَادَة وَزيد بن أسلم وَالسُّديّ وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل بن حَيَّان: ﴿وَلكُل جعلنَا موَالِي﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . أَي: وَرَثَة. وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة: أَي عصبَة، وَقَالَ ابْن جرير: الْعَرَب تسمي ابْن الْعم مولى، وَقَالَ الزّجاج: الْمولى كل من يليك وكل من والاك فِي محبَّة فَهُوَ مولى لَك. قلت: لفظ الْمولى مُشْتَرك يُطلق على معانٍ كَثِيرَة، يُطلق على الْمُنعم والمعتِق والمعتَق وَالْجَار والناصر والصهر والرب وَالتَّابِع، وَزَاد ابْن الباقلاني فِي (مَنَاقِب الْأَئِمَّة) : الْمَكَان والقرار، وَأما بِمَعْنى الْوَلِيّ فكثير، وَلَا يعرف فِي اللُّغَة بِمَعْنى الإِمَام. قَوْله: ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . قَالَ البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير: عاقدت، هُوَ مولى الْيَمين وَهُوَ الْحلف، وَذكر ابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَجَمَاعَة آخَرين أَنهم الحلفاء، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: أَنبأَنَا الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . قَالَ: كَانَ هَذَا حلفا فِي الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: ﴿عاقدت﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . من المعاقدة، مفاعلة من عقد الْحلف، وقرىء: عقدت، هُوَ حلف الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يتوارثون بِهِ وَنسخ بِآيَة الْمَوَارِيث. وَفِي (تَفْسِير) عبد بن حميد من حَدِيث مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن عبد الله بن عُبَيْدَة: العقد خَمْسَة: عقدَة النِّكَاح، وعقدة الشَّرِيك لَا يخونه وَلَا يَظْلمه، وعقدة البيع، وعقدة الْعَهْد. قَالَ الله : ﴿أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ (الْمَائِدَة: ١) . وعقدة الْحلف، قَالَ الله : ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . وَفِي (تَفْسِير) مقَاتل: كَانَ الرجل يرغب فِي الرجل فيحالفه ويعاقده على أَن يكون مَعَه وَله من مِيرَاثه كبعض وَلَده، فَلَمَّا نزلت آيَة الْمَوَارِيث جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَذكر لَهُ ذَلِك، فَنزلت: ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . الْآيَة، يَعْنِي: أعطوهم الَّذِي سميتم لَهُ من الْمَوَارِيث، وَعَن عِكْرِمَة: ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . الْآيَة ... كَانَ الرجل يحالف الرجل لَيْسَ بَينهمَا نسب، فيرث أَحدهمَا
стр. 3532
الآخر، فنسخ ذَلِك فِي الْأَنْفَال: ﴿وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ (الْأَنْفَال: ٥٧) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد أَنَّهَا نزلت فِي أبي بكر وَابْنه عبد الرَّحْمَن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، حِين أَبى الْإِسْلَام، فَحلف أَبُو بكر أَن لَا يورثه. فَلَمَّا أسلم أمره الله : أَن يورثه نصِيبه. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: الَّذِي يجب أَن يحمل عَلَيْهِ حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور فِي الْبَاب أَن يكون ﴿وَلكُل جعلنَا موَالِي﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . نَاسِخا لما كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَأَن يكون ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . غير نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ. وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، وَمثله يرْوى عَن ابْن عَبَّاس. وَمِمَّنْ قَالَ: إِنَّهَا محكمَة: مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة: وَقَالَ: هَذَا الحكم باقٍ غير مَنْسُوخ، وَجمع بَين الْآيَتَيْنِ بِأَن جعل أولى الْأَرْحَام أولى من أَوْلِيَاء المعاقدة، فَإِذا فقد ذَوُو الْأَرْحَام ورث المعاقدون وَكَانُوا أَحَق بِهِ من بَيت المَال. قَوْله: ﴿إِن الله كَانَ على كل شَيْء شَهِيدا﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . يَعْنِي: إِن الله شَاهد بَيْنكُم فِي تِلْكَ العهود والمعاقدات وَلَا تنشؤا بعد نزُول هَذِه الْآيَة معاقدة.
٢٩٢٢ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسامَةَ عنْ إدْرِيسَ عنْ طَلْحَةَ بنِ مُصَرِّفٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . قَالَ ورَثَةً ﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . قَالَ كانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ الأنْصَاريَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النبيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ فلَمَّا نَزَلَتْ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَاليَ﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . نَسَخَتْ ثُمَّ قَالَ ﴿والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمَانُكُمْ﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . إلَاّ النَّصْرَ والرِّفَادَةَ والنَّصِيحَةَ وقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ ويُوصَى لَهُ.؟
وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي الْكفَالَة وَالْحوالَة مَا قيل: إِن الْكَفِيل والغريم الَّذِي وَقعت الْحِوَالَة عَلَيْهِ ينْتَقل الْحق عَلَيْهِ كَمَا ينْتَقل هَهُنَا حق الْوَارِث عَنهُ إِلَى الْحلف، فَشبه انْتِقَال الْحق على الْمُكَلف بانتقاله عَنهُ، أَو بِاعْتِبَار أَن أحد الْمُتَعَاقدين كَفِيل عَن الآخر، لِأَنَّهُ كَانَ من جملَة المعاقدة، لأَنهم كَانُوا يذكرُونَ فِيهَا: تطلب بِي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عَنْك، وَأما وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث فَظَاهر.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: الصَّلْت، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق: ابْن عبد الرَّحْمَن أَبُو همام الخاركي، مر فِي: بَاب إِذا لم يتم السُّجُود. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث: إِدْرِيس بن يزِيد من الزِّيَادَة الأودي، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة. الرَّابِع: طَلْحَة بن مصرف، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من التصريف، بِمَعْنى: التَّغْيِير: ابْن عَمْرو اليامي من بني يام، مر فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا يتنزه من الشُّبُهَات. الْخَامِس: سعيد بن جُبَير. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وَطَلْحَة بن مصرف روى عَن عبد الله بن أبي أوفى.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن الصَّلْت بن مُحَمَّد أَيْضا، وَفِي الْفَرَائِض عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي الْفَرَائِض عَن هَارُون بن عبد الله.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ: وَرَثَة) أَي: فسر ابْن عَبَّاس الموَالِي بالورثة، وَكَذَا فَسرهَا جمَاعَة من التَّابِعين، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: ابْن عَبَّاس: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ. . إِلَى آخِره. قَوْله: (دون ذَوي رَحمَه) ، أَي: ذَوي أقربائه. قَوْله: (للأخوة) أَي: لأجل الْأُخوة الَّتِي آخى النَّبِي ﷺ بِمد الْهمزَة، يُقَال: آخاه يؤاخيه مؤاخاة وإخاء بِالْكَسْرِ: إِذا جعل بَينهمَا أخوة، والأخوة مصدر يُقَال: أحوت تاخوا إخْوَة. قَوْله: (بَينهم) أَي: بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار. قَوْله: (فَلَمَّا نزلت) ، أَي: الْآيَة الَّتِي هِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكُل جعلنَا موَالِي﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . نسخت آيَة الموَالِي آيَة المعاقدة. قَوْله: (إِلَّا النَّصْر) ، مُسْتَثْنى من الْأَحْكَام الْمقدرَة فِي الْآيَة المنسوخة، أَي: تِلْكَ الْآيَة حكم نصيب الْإِرْث لَا النَّصْر والرفادة، بِكَسْر الرَّاء أَي: المعاونة، والرفادة أَيْضا شَيْء كَانَ تتوافد بِهِ قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة، يخرج مَالا يشترى بِهِ للْحَاج طَعَام
стр. 3533
وزبيب للنبيذ، وَيجوز أَن يكون هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطِعًا أَي: لَكِن النَّصْر وَنَحْوه باقٍ ثَابت. قَوْله: (وَقد ذهب الْمِيرَاث) أَي: من الْمُتَعَاقدين. قَوْله: (ويوصى لَهُ) ، على صِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول، وَالضَّمِير فِي: لَهُ، يرجع إِلَى الَّذِي كَانَ يَرث الْمَيِّت بالأخوة، وَعَن ابْن الْمسيب: نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وَلكُل جعلنَا موَالِي﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . فِي الَّذين كَانُوا يتبنون رجَالًا غير أبنائهم ويورثونهم، فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم أَن يَجْعَل لَهُم نصيب فِي الْوَصِيَّة، ورد الْمِيرَاث إِلَى الموَالِي من ذَوي الرَّحِم والعصبة، وأبى أَن يَجْعَل للمدعين مِيرَاث من أدعاهم وتبناهم، وَلَكِن جعل لَهُم نَصِيبا فِي الْوَصِيَّة.
٣٩٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ فآخَى رسولُ الله ﷺ بَيْنَهُ وبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيع. .
هَذَا الحَدِيث قد مضى فِي أَوَائِل كتاب الْبيُوع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن حميد عَن أنس، وَهنا أخرجه: عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن أبي كثير أبي إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ الْمُؤَدب الْمَدِينِيّ عَن حميد الطَّوِيل ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٤٩٢٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّاءَ قالَ حدَّثنا عاصِمٌ قَالَ قُلْتُ ل أِنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أبَلَغَكَ أنَّ النبِيَّ ﷺ قَالَ لَا حِلْفَ فِي الإسلامِ فَقَالَ قَدْ حالَفَ النبيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ والأنصَارِ فِي دارِي.
لذكر هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب وَجه ظَاهر، وَمُحَمّد بن الصَّباح، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: أَبُو جَعْفَر الدولابي، أَصله هروي نزل بَغْدَاد وَإِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا أَبُو زِيَاد الْأَسدي الخلقاني الْكُوفِي، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام عَن مُسَدّد عَن عباد بن عباد. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن حَفْص ابْن غياث، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفَرَائِض عَن مُسَدّد عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (أبلغك؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (لَا حلف) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام، وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ الْعَهْد يكون بَين الْقَوْم، وَالْمعْنَى: أَنهم لَا يتعاهدون فِي الْإِسْلَام على الْأَشْيَاء الَّتِي كَانُوا يتعاهدون عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن إبيه عَن جُبَير ابْن مطعم مَرْفُوعا: لَا حلف فِي الأسلام، وَإِنَّمَا حلف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة لم يزده الْإِسْلَام إلَاّ شدَّة، وَقَالَ ابْن سَيّده: معنى لَا حلف فِي الْإِسْلَام أَي: لَا تعاهد على فعل شَيْء كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يتعاهدون، والمحالفة فِي حَدِيث أنس هِيَ الإخاء، قَالَه ابْن التِّين. قَالَ: وَذَلِكَ أَن الْحلف فِي الْجَاهِلِيَّة هُوَ بِمَعْنى النُّصْرَة فِي الْإِسْلَام. وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي (التَّهْذِيب) : فَإِن قيل: قد قَالَ ﷺ : (لَا حلف فِي الْإِسْلَام) ، وَهُوَ يُعَارض قَول أنس: حَالف رَسُول الله ﷺ بَين قُرَيْش وَالْأَنْصَار فِي دَاري بِالْمَدِينَةِ، قيل لَهُ: هَذَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام، آخى بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار. قَالَ: وَالَّذِي قَالَ فِيهِ مَا كَانَ من حلف فَلَنْ يزِيدهُ الْإِسْلَام إلَاّ شدَّة، يَعْنِي: مَا لم ينسخه الْإِسْلَام وَلم يُبطلهُ حكم الْقُرْآن، وَهُوَ التعاون على الْحق والنصرة وَالْأَخْذ على يَد الظَّالِم.
٣ - (بابُ مَنْ تَكَفَّلَ عنْ مَيِّتٍ دَيْنالله فلَيْسَ لَهُ أنْ يَرْجِعَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من تكفل عَن ميت دينا كَانَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع عَن الْكفَالَة لِأَنَّهَا لَزِمته وَاسْتقر الْحق فِي ذمَّته. قيل يحْتَمل أَن يُرِيد فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع فِي التَّرِكَة بِالْقدرِ الَّذِي تكفل بِهِ. قلت: قد ذكرنَا أَن فِيهِ اخْتِلَاف الْعلمَاء، فَقَالَ ابْن أبي ليلى: الضَّمَان لَازم سَوَاء ترك الْمَيِّت شَيْئا أم لَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ضَمَان عَلَيْهِ، فَإِن ترك الْمَيِّت شَيْئا ضمن بِقدر مَا ترك، وَإِن ترك وَفَاء ضمن جَمِيع مَا تكفل بِهِ. وَلَا رُجُوع لَهُ فِي التَّرِكَة لِأَنَّهُ مُتَطَوّع. وَقَالَ مَالك: لَهُ الرُّجُوع إِذا ادَّعَاهُ.
стр. 3534
وَبِه قالَ الحَسَنُ
أَي: بِعَدَمِ الرُّجُوع قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور من الْعلمَاء.
٥٩٢٢ - حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَع رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِي بِجَنازَةٍ لِيُصَلِّي عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلى صاحِبِكُمْ. قَالَ أبُو قَتَادَةَ علَيَ دَيْنُهُ يَا رَسُول الله فَصَلَّى عليْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٩٨٢٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قَالَ أَبُو قَتَادَة عَليّ دينه) ، والْحَدِيث قد مضى بأتم مِنْهُ فِي: بَاب إِذا أحَال دين الْمَيِّت على رجل جَازَ، قبل هَذَا الْبَاب ببابين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم عَن يزِيد بن أبي عُبَيْدَة عَن سَلمَة إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن أبي عَاصِم وَهُوَ الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا الحَدِيث ثامن ثلاثيات البُخَارِيّ. قلت: هَذَا الحَدِيث قد مر مرّة كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن فَلَا يكون هَذَا ثامنا، بل سابعا، وَذكر هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ فِي الْحِوَالَة وَذكره هَهُنَا فِي الْكفَالَة لِأَنَّهُمَا متحدان عِنْد الْبَعْض أَو متقاربان، ثمَّ إِنَّه اقْتصر فِي هَذَا الطَّرِيق على ذكر جنازتين من الْأَمْوَات، وَهنا ذكر ثَلَاثَة، وَقد سَاقه الْإِسْمَاعِيلِيّ هُنَا أَيْضا تَاما وَزَاد فِيهِ: أَنه ﷺ قَالَ: ثَلَاث كيات، وَكَأَنَّهُ ذكر ذَلِك لكَونه كَانَ من أهل الصّفة فَلم يُعجبهُ أَن يدّخر شَيْئا.
٦٩٢٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا عَمْرٌ ووقال سَمِعَ محَمَّدَ بنَ عَلِيٍّ عنْ جابرِ ابنِ عَبدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَوْ قدْ جاءَ مالُ البَحْرَيْنِ قَدْ أعْطَيْتُكَ هَكَذَا وهَكذَا فَلَمْ يَجِيءْ مالُ البَحْرَيْنِ حتَّى قبِضَ النبيُّ ﷺ فَلَمَّا جاءَ مالُ البَحْرَيْنِ أمَرَ أبُو بَكْرٍ فنَادَى منْ كانَ لَهُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ عِدَةٌ أوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فأتَيْتُهُ فَقُلْتُ إنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ لي كَذَا وكذَا فَحَثَى لِي حَثْيَهُ فَعَدَدْتُها فإذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ وَقَالَ خُذْ مِثْلَيْهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَمَا قَامَ مقَام النَّبِي، ﷺ ، تكفل بِمَا كَانَ عَلَيْهِ من وَاجِب أَو تطوع، فَلَمَّا الْتزم ذَلِك لزمَه أَن يُوفي جَمِيع مَا عَلَيْهِ من دين وعدة، وَكَانَ ﷺ يحب الْوَفَاء بالوعد، وَنفذ أَبُو بكر ذَلِك.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مدنيان وسُفْيَان وَعَمْرو مكيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَعَمْرو بن دِينَار روى كثيرا عَن جَابر، وَهَهُنَا كَانَ بَينهمَا وَاسِطَة هُوَ: مُحَمَّد بن عَليّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْخمس عَن عَليّ بن عبد الله أَيْضا، وَفِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَفِي الشَّهَادَات عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَو قد جَاءَ) ، وَمعنى: قد، هَهُنَا لتحَقّق الْمَجِيء. قَوْله: (مَال الْبَحْرين) ، وَالْمرَاد بِالْمَالِ مَال الْجِزْيَة، والبحرين على لفظ تَثْنِيَة الْبَحْر، مَوضِع بَين الْبَصْرَة وعمان، وَكَانَ الْعَامِل عَلَيْهَا من جِهَة النَّبِي ﷺ الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ. قَوْله: (قد
стр. 3535
أَعطيتك هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) وَفِي الشَّهَادَات: فَبسط يَده ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (عدَّة) أَي: وأصل عدَّة وعد، فَلَمَّا حذفت الْوَاو عوضت عَنْهَا الْيَاء فِي آخِره فوزنه على هَذَا عِلّة. قَوْله: (فَحثى لي حثية) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، والحثية ملْء الْكَفّ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هِيَ الحفنة. وَقَالَ ابْن فَارس: هِيَ ملْء الْكَفَّيْنِ وَالْفَاء فِي: فَحثى، عطف على مَحْذُوف تَقْدِيره: خُذ هَكَذَا، وَأَشَارَ بيدَيْهِ، وَفِي الْوَاقِع هُوَ تَفْسِير لقَوْله: خُذ هَكَذَا. قَوْله: (وَقَالَ خُذ مثليها) ، أَي: قَالَ أَبُو بكر: خُذ أَيْضا مثلي خَمْسمِائَة، فالجملة ألف وَخَمْسمِائة، وَذَلِكَ لِأَن جَابِرا لما قَالَ: إِن النَّبِي ﷺ قَالَ لي: كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ: لَو قد جَاءَ مَال الْبَحْرين أَعطيتك هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، ثَلَاث مَرَّات، حثى لَهُ أَبُو بكر حثية، فَجَاءَت خَمْسمِائَة، ثمَّ قَالَ: خُذ مثليها، ليصير ثَلَاث مَرَّات تنفيذا لما وعده النَّبِي، ﷺ ، بقوله: هَكَذَا، ثَلَاث مَرَّات، وَكَانَ ذَلِك وَعدا من النَّبِي، ﷺ ، وَكَانَ من خلقه الْوَفَاء بالعهد، ونفذه أَبُو بكر بعد وَفَاته، ﷺ .
وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد الْعدْل من الصَّحَابَة وَلَو جر ذَلِك نفعا لنَفسِهِ، لِأَن أَبَا بكر لم يلْتَمس من جَابر شَاهدا على صِحَة دَعْوَاهُ. انْتهى. قلت: إِنَّمَا لم يلْتَمس شَاهدا مِنْهُ لِأَنَّهُ عدل بِالْكتاب وَالسّنة. أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ (آل عمرَان: ٠١) . ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٤١) . فَمثل جَابر إِن لم يكن من خير أمة فَمن يكون. وَأما السّنة: فَقَوله ﷺ : (من كذب عَليّ مُتَعَمدا. .) الحَدِيث، وَلَا يظنّ ذَلِك لمُسلم. فضلا عَن صَحَابِيّ، فَلَو وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة الْيَوْم فَلَا تقبل إلَاّ بِبَيِّنَة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيحْتَمل أَن يكون أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، علم بذلك فَقضى لَهُ بِعِلْمِهِ فيستدل بِهِ على جَوَاز مثل ذَلِك للْحَاكِم. انْتهى.
قلت: هَذَا الْبَاب فِيهِ تَفْصِيل وَلَيْسَ على الْإِطْلَاق، لِأَن علم القَاضِي على أَنْوَاع.
مِنْهَا: مَا يعلم بِهِ قبل الْبلُوغ وَقبل الْولَايَة من الْأَقْوَال الَّتِي يسْمعهَا وَالْأَفْعَال الَّتِي يشاهدها. وَمِنْهَا: مَا يعلمهَا بعد الْبلُوغ قبل الْولَايَة. وَمِنْهَا: مَا يُعلمهُ بعد الْولَايَة وَلَكِن فِي غير عمله الَّذِي وليه. وَمِنْهَا: مَا يُعلمهُ بعد الْولَايَة فِي عمله الَّذِي وليه. فَفِي الْفَصْل الأول: لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ مُطلقًا. وَفِي الْفَصْل الثَّانِي: خلاف بَين أبي حنيفَة وصاحبيه، فَعِنْدَ أبي حنيفَة: لَا يقْضِي، وَعِنْدَهُمَا: يقْضِي إلَاّ فِي الْحُدُود وَالْقصاص، وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ، وَفِي الثَّانِي: لَا يقْضِي أَيْضا، وَفِي الرَّابِع: يقْضِي بِلَا خلاف. وَقَالَ ابْن التِّين: فِي الحَدِيث جَوَاز هبة الْمَجْهُول والآبق وَالْكَلب، وَفِي (حاوي) الْحَنَابِلَة: وَتَصِح هبة الْمشَاع، وَإِن تَعَذَّرَتْ قسمته، وَفِي (الرَّوْضَة) للشَّافِعِيَّة: تجوز هبة الْمشَاع سَوَاء المنقسم أَو غَيره، وساء وهبه للشَّرِيك أَو غَيره، وَيجوز هبة الأَرْض المزروعة مَعَ زَرعهَا وَدون زَرعهَا وَعَكسه. انْتهى، وَعِنْدنَا: لَا تجوز الْهِبَة فِيمَا لَا يقسم إلَاّ محوزة أَي: مفرغة عَن أَمْلَاك الْوَاهِب حَتَّى لَا تصح هبة الثَّمر على الشّجر وَالزَّرْع على الأَرْض بِدُونِ الشّجر وَالْأَرْض، وَكَذَا الْعَكْس، وَهبة الْمشَاع فِيمَا لَا يقسم جَائِزَة.
وَفِيه: الْعدة، فجمهور الْعلمَاء مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد على أَن إنجاز الْعدة مُسْتَحبّ، وأوجه الْحسن وَبَعض الْمَالِكِيَّة، وَقد اسْتدلَّ بعض الشَّافِعِيَّة بِهَذَا الحَدِيث على وجوب الْوَفَاء بالوعد فِي حق النَّبِي ﷺ لأَنهم زَعَمُوا أَنه من خَصَائِصه، وَلَا دلَالَة فِيهِ أصلا لَا على الْوُجُوب وَلَا على الخصوصية.
(بابُ جُوَارِ أبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النبيِّ ﷺ وعَقْدِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جوَار أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِضَم الْجِيم وَكسرهَا وَالْمرَاد بِهِ: الزِّمَام والأمان. قَوْله: (فِي عهد النَّبِي، ﷺ ، أَي: فِي زَمَنه. قَوْله: (وعقده) أَي: عقد أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٧٩٢٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ قَالَ ابنُ شِهابٍ فأخبَرَنِي عُرْوَةُ ابنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النبيِّ ﷺ قالَتْ لَمْ أعْقل أبَوَيَّ إلَاّ وهُمَا يَدِينانِ الدِّين. وَقَالَ أَبُو صالحٍ حدَّثني عبدُ الله عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ
стр. 3536
الزُّبِيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمْ أعْقَلْ أبَوَيَّ قَطُّ إلَاّ وهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ ولَمْ يَمُرَّ عَلَيْنا يَوْمٌ إلَاّ يأتِينَا فيهِ رسولُ الله ﷺ طَرَفَيِّ النَّهَارِ بُكْرَةً وعَشيَّةً فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ خرَجَ أبُو بَكْرٍ مُهَاجِرا قِبَلَ الحَبَشَةِ حتَّى إِذا بلَغَ بَرُكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابنُ الدَّغِنَةِ وهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ فَقَالَ أيْنَ تريدُ يَا أبَا بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أخْرَجَنِي قَوْمِي فَأَنا أُرِيدُ أنْ أسِيحَ فِي الأرْضِ فأعْبُدَ رَبِّييي قَالَ ابنُ الدَّغِنَةِ إنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ ولَا يَخْرُجُ فإنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ وتصِلْ الرَّحِمَ وتَحْمِلُ الْكَلَّ وتَقْرِي الضَّيْفَ وتُعينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ وَأَنا لَكَ جارٌ فارْجِعْ فاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلادِكَ فارْتَحَلَ ابنُ الدَّغِنَةِ فرَجَعَ معَ أبِي بَكْرٍ فَطافَ فِي أشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ إنَّ أبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلَهُ ولَا يخْرَجُ أتُخْرِجُونَ رجُلاً يَكْسِبُ المَعْدُومَ ويَصِلُ الرَّحِمَ ويَحْمِلُ الْكَلَّ ويقْرِي الضَّيْفَ ويُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ فأنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جوَارَ ابنِ الدَّغِنَةِ وآمَنُوا أبَا بَكْرٍ وقالُوا لابنِ الدَّغِنَةِ مُرْ أبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فلْيُصلِّ ولْيَقْرأ مَا شاءَ ولَا يْؤْذِينا بِذَلِكَ ولَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ فإنَّا قَدْ خَشِينَايي أنْ يَفْتَنَ أبْناءَنا ونساءَنا قَالَ ذَلِكَ ابنُ الدَّغِنَةِ لأِبِي بَكْرٍ فطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلاةِ ولَا القِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دارِهِ ثُمَّ بدَا لأبِي بكْرٍ فابْتَنى مَسْجِدا بِفِناءِ دَارِهِ وبَرَزَ فَكانَ يُصَلِّي فِيهِ ويَقْرَأُ القُرْآنَ فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِساءُ المُشْرِكِينَ وأبْناؤُهُمْ يَعْجَبُونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ وكانَ أبُو بَكْرٍ رَجلاً بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يقرَأُ القُرآنَ فأفْزعَ ذَلِكَ أشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ فأرْسَلُوا إِلَى ابنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِم عَلَيْهِمْ فقالُوا لَهُ إنَّا كُنَّا أجرْنا أبَا بَكْرٍ عَلَى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وإنَّهْ جاوَزَ ذَلِكَ فابْتَنَى مَسْجِدا بِفناءِ دَارِهِ وأعْلَنَ الصَّلَاةَ والْقِراءَةَ وقدْ خَشِينا أنْ يَفْتِنَ أبْنَاءَنا ونِسَاءَنا فأْتِهِ فإنَّ أحَبَّ أنْ يَقْتَصِرَ علَى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فَي دَارِه فَعلَ وإنْ أبَى إلَاّ أَن يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أنْ يَرُدِّ إلَيْكَ ذِمَّتِكَ فإنَّا كَرِهْنَا أنْ نُخْفِرَكَ ولَسْنا مُقِرِّينَ لأِبِي بَكْرٍ الاسْتِعْلانَ قالتْ عائِشَةُ فأتَى ابنُ الدَّغِنَةِ أبَا بَكْرٍ فَقَالَ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ فإمَّا أنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وإمَّا أنْ تَرُدَّ إلَيَّ ذِمَّتِي فإنِّي لَا أُحِبُّ أنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ قَالَ أبُو بَكْرٍ إنِّي أرُدُّ إلَيْكَ جِوَارَكَ وأرْضِي بِجَوَارِ الله ورَسولُ الله ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ قَدْ أُريتُ دارَ هِجْرَتِكُمْ رَأيْتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وهُما الحَرَّتَانِ فَهاجَرَ منْ هاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رسولُ الله ﷺ ورَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ بَعْضُ منْ كانَ هاجَرَ إلَى أرْضِ الحَبَشَةِ وتَجَهَّزَ أبُو بَكْرٍ مُهاجِرا فَقَالَ لَهُ رسولُ الله ﷺ عَلَى رِسْلِكَ فإنِّي أرْجُو أَن يُؤْذَنَ لِي قَالَ أبُو بَكْرٍ هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بأبِي أنْتَ قَالَ نَعَمْ فحَبَسَ أبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ علَى رسولِ الله ﷺ لِيَصْحَبَهُ وعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كانَتَا
стр. 3537
عِنْدَهُ ورقَ السَّمُرِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن المجير مُلْتَزم للمجار أَن لَا يُؤْذِي من جِهَة من أَجَارَ مِنْهُ وَكَانَ ضمن لَهُ أَن لَا يُؤْذِي وَأَن تكون الْعهْدَة فِي ذَلِك عَلَيْهِ، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَمَّا قيل، كَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر هَذَا فِي كَفَالَة الْأَبدَان كَمَا ناسب ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . كَفَالَة الْأَمْوَال.
ذكر رِجَاله وهم تِسْعَة: الأول: يحيى بن بكير، هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: أَبُو صَالح، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَقَالَ أَبُو نعيم والأصيلي والجياني وَآخَرُونَ: إِنَّه سُلَيْمَان ابْن صَالح ولقبه سلمويه وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هُوَ أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث وَقَالَ الدمياطي: هُوَ أَبُو صَالح مَحْبُوب بن مُوسَى الْفراء. قيل: الْمُعْتَمد على الأول لِأَنَّهُ وَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن عَن الْفربرِي عَن البُخَارِيّ، قَالَ: قَالَ أَبُو صَالح سلمويه: حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك. السَّابِع: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّامِن: يُونُس بن يزِيد. التَّاسِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى جده، وَأَنه وَاللَّيْث وَأَبا صَالح على قَول من يَقُول: إِنَّه كَاتب اللَّيْث مصريون، وَعقيل إيلي وَالزهْرِيّ وَعُرْوَة مدنيان وَعبد الله بن الْمُبَارك وَأَبُو صَالح، على قَول من يَقُول: إِنَّه سلمويه، مروزيان، وَعبد الله على قَول من يَقُول: أَبُو صَالح كَاتب اللَّيْث، هُوَ عبد الله بن وهب، مصري.
وَقد مضى صدر هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد فِي: بَاب الْمَسْجِد يكون فِي الطَّرِيق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة زوج النَّبِي، ﷺ ، قَالَت: لم أَعقل أَبَوي إِلَّا وهما يدينان ... الحَدِيث مُخْتَصرا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب: فَأَخْبرنِي عُرْوَة) ، فِيهِ مَحْذُوف. وَقَوله: (فَأَخْبرنِي) ، عطف عَلَيْهِ تَقْدِيره: قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي كَذَا وَكَذَا، وعقيب ذَلِك أَخْبرنِي بِهَذَا. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو صَالح: حَدثنِي عبد الله) ، هَذَا تَعْلِيق سقط من رِوَايَة أبي ذَر، وسَاق الحَدِيث عَن عقيل وَحده. قَوْله: (لم أَعقل أَبَوي) ، أَي: لم أعرف، يَعْنِي مَا وجدتهما مُنْذُ عقلت إلَاّ متدينين بدين الْإِسْلَام. قَوْله: (قطّ) ، بتَشْديد الطَّاء الْمَضْمُونَة للنَّفْي فِي الْمَاضِي، تَقول مَا رَأَيْته قطّ. وَقَالَ أَبُو عَليّ: وَقد تجزم إِذا كَانَت بِمَعْنى التَّعْلِيل، وتضم وتثقل إِذا كَانَت فِي معنى الزَّمن والحين من الدَّهْر، تَقول: لم أر هَذَا قطّ، وَلَيْسَ عِنْدِي إلَاّ هَذَا فَقَط. قَوْله: (وهما يدينان الدّين) ، أَي: يطيعان الله، وَذَلِكَ أَن مولدها بعد الْبَعْث بِسنتَيْنِ، وَقيل: بِخمْس، وَقيل: بِسبع، وَلَا وَجه لَهُ لإجماعهم أَنَّهَا كَانَت حِين هَاجر النَّبِي، ﷺ ، بنت ثَمَان، وَأكْثر مَا قيل أَن مقَامه بِمَكَّة بعد الْبَعْث ثَلَاث عشرَة سنة، وَإِنَّمَا يَصح خمس على قَول من يَقُول: أَقَامَ ثَلَاث عشرَة سنة، وسنتين على قَول من يَقُول: أَقَامَ عشرا بهَا، وَتَزَوجهَا وَهِي بنت سِتّ، وَقيل: سبع، وَبنى بهَا وَهِي بنت تسع، وَمَات عَنْهَا وَهِي بنت ثَمَانِي عشر سنة، وَعَاشَتْ بعده ثَمَان وَأَرْبَعين سنة. قَوْله: (فَلَمَّا ابتلى الْمُسلمُونَ) أَي: بإيذاء الْمُشْركين. قَوْله: (خرج أَبُو بكر مُهَاجرا) أَي: حَال كَونه مُهَاجرا. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: أصل المهاجرة عِنْد الْعَرَب خُرُوج البدوي من الْبَادِيَة إِلَى المدن، يُقَال: هَاجر البدوي إِذا حضر وَأقَام كَأَنَّهُ ترك الأولى للثَّانِيَة. قَوْله: (حَتَّى إِذا بلغ برك الغماد) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة على الْأَكْثَر، ويروى بِكَسْرِهَا وبسكون الرَّاء وبالكاف، وَفِي (الْمطَالع) : وبكسر الْبَاء، وَقع للأصيلي وَالْمُسْتَمْلِي وَأبي مُحَمَّد الْحَمَوِيّ، قَالَ: وَهُوَ مَوضِع بأقاصي هجر، والغماد، بِكَسْر الْغَيْن وَضمّهَا. كَذَا ذكره ابْن دُرَيْد. وف (مُعْجم) الْبكْرِيّ، قَالَ أَحْمد بن يَعْقُوب الْهَمدَانِي: برك الغماد فِي أقْصَى الْيمن. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: برك ونعام موضعان فِي أَطْرَاف الْيمن. وَقَالَ الهجري: برك من الْيَمَامَة. وَقيل: إِن البرك والبريك مُصَغرًا لبني هِلَال بن عَامر. قَوْله: (ابْن الدغنة) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة
стр. 3538
وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح النُّون المخففة، على مِثَال الْكَلِمَة، وَيُقَال: بِضَم الدَّال والغين وَتَشْديد النُّون، وَيُقَال: بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْغَيْن، وَفِي الْمطَالع عِنْد الْمروزِي: الدغنة، بِفَتْح الدَّال وبفتح الْغَيْن. قَالَ الْأصيلِيّ: كَذَا قرأناه، وَعند الْقَابِسِيّ: الدغنة، بِفَتْح الدَّال وَكسر الْغَيْن وَتَخْفِيف النُّون، وَحكى الجياني فِيهِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُقَال: ابْن الدثنة أَيْضا، وتسكن الثَّاء أَيْضا، والدغنة: اسْم أمه، وَمَعْنَاهُ لُغَة: الْغَيْم الممطر، والدثنة الْكَثِيرَة اللَّحْم المسترخية. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: واسْمه ربيعَة بن رفيع. قَوْله: (وَهُوَ سيد القارة) ، بِالْقَافِ وَتَخْفِيف الرَّاء: قَبيلَة مَوْصُوفَة بجودة الرَّمْي. وَفِي (الْمطَالع) : القارة بَنو الْهون بن خُزَيْمَة. قلت: خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر، سموا بذلك لأَنهم فِي بعض حربهم لبني بكر صفوا فِي قارة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: القارة أكمة سَوْدَاء فِيهَا حِجَارَة. قَوْله: (أَن أسيح) ، أَي: أَن أَسِير، يُقَال: ساح فِي الأَرْض يسيح سياحة إِذا ذهب فِيهَا، وَأَصله من السيح، وَهُوَ المَاء الْجَارِي المنبسط على الأَرْض. قَوْله: (لَا يَخرُج) ، على بِنَاء الْفَاعِل (وَلَا يُخرج) ، على بِنَاء الْمَفْعُول. قَوْله: (تكسب الْمَعْدُوم) أَي: تكسب معاونة الْفَقِير، وتحقيقه مر فِي كتاب الْإِيمَان. قَوْله: (وَتحمل الْكل) ، بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام، وَهُوَ الثّقل، أَي: ثقل العجزة، كَذَا فسره الْكرْمَانِي. وَفِي (الْمغرب) : الْكل الْيَتِيم، وَمن هُوَ عِيَال وَثقل على صَاحبه. قَوْله: (وتقرى الضَّيْف) ، بِفَتْح التَّاء من: قرى يقري، من بَاب: ضرب يضْرب، تَقول: قريت قرى، مثل: قليته قلى، وقراءً: أَحْسَنت إِلَيْهِ، إِذا كسرت الْقَاف قصرت، وَإِذا فتحت مددت. وَفِي (الْمطَالع) : الْقرى، بِالْكَسْرِ مَقْصُورا مَا يهيأ للضيف من طَعَام، وَنزل. وَقَالَ القالي: إِذا فتحت أَوله مددته. قَوْله: (على نَوَائِب الْحق) ، النوائب: جمع نائبة. وَهِي مَا يَنُوب الْإِنْسَان، أَي: ينزل بِهِ من الْمُهِمَّات والحوادث، من نابه ينوبه شَيْء إِذا نزل بِهِ واعتراه. قَوْله: (وَأَنا لَك جَار) ، أَي مجير، وَفِي (الصِّحَاح) : الْجَار الَّذِي أجرته من أَن يَظْلمه ظَالِم. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي جَار لكم﴾ (الْأَنْفَال: ٨٤) . وَالْمعْنَى هُنَا: أَنا مؤمنك مِمَّن أخافك مِنْهُم، وَفِي (الْمغرب) : أجاره يجيره إِجَارَة: إغاثة، والهمزة للسلب، وَالْجَار المجير والمجار. قَوْله: (فَرجع مَعَ أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) ، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: رَجَعَ أَبُو بكر مَعَه، عكس الْمَذْكُور، وَلَكِن هَذَا من إِطْلَاق الرُّجُوع وَإِرَادَة لَازمه الَّذِي هُوَ الْمَجِيء، أَو: هُوَ من قبيل المشاكلة، لِأَن أَبَا بكر كَانَ رَاجعا، وَأطلق الرُّجُوع بِاعْتِبَار مَا كَانَ قبله بِمَكَّة. قَوْله: (فَطَافَ) ، أَي: ابْن الدغنة (فِي أَشْرَاف كفار قُرَيْش) أَي: ساداتهم، وهم جمع شرِيف، وشريف الْقَوْم سيدهم وَكَبِيرهمْ. قَوْله: (أتخرجون؟) ، بِضَم التَّاء: من الْإِخْرَاج، والهمزة للاستفهام على سَبِيل الأنكار. قَوْله: (يكْسب الْمَعْدُوم) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: رجلا، وَمَا بعده عطف عَلَيْهَا. قَوْله: (فانفذت) ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي: امضوا جواره وَرَضوا بِهِ (وآمنوا أَبَا بكر) أَي: جَعَلُوهُ فِي أَمن ضد الْخَوْف قَوْله: (مُر) ، أَمر من: يَأْمر. قَوْله: (فليعبد) ، قيل: الْفَاء، لَا معنى لَهَا هُنَا، وَقيل: تَقْدِيره: مر أَبَا بكر ليعبد ربه، فليعبد ربه، قَالَه الْكرْمَانِي قلت: هَذَا الَّذِي ذكره أَيْضا لَا معنى لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُفِيد زِيَادَة شَيْء، بل تصلح الْفَاء أَن تكون جَزَاء شَرط، تَقْدِيره: مر أَبَا بكر إِذا قبل مَا تشْتَرط عَلَيْهِ فليعبد ربه فِي دَاره. قَوْله: (بذلك) ، إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من الصَّلَاة وَالْقِرَاءَة. قَوْله: (وَلَا يستعلن بِهِ) ، أَي: بالمذكور من الصَّلَاة وَالْقِرَاءَة، والاستعلان: الْجَهْر، وَلَكِن مُرَادهم الْجَهْر بِدِينِهِ وَصلَاته وقراءته. قَوْله: (أَن يفتن) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف من الْفِتْنَة، يُقَال: فتنته أفتنه فتنا وفتونا. وَيُقَال: أفتنه، وَهُوَ قَلِيل، والفتنة تسْتَعْمل على معانٍ كَثِيرة، وَأَصلهَا الامتحان، وَالْمرَاد هُنَا أَن يخرج أَبْنَاءَهُم ونساءهم مِمَّا هم فِيهِ من الضلال إِلَى الدّين. وَقَوله: (أبناءنا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: أَن يفتن (قَالَ ذَلِك) أَي: قَالَ ابْن الدغنة: وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى مَا شرطت أَشْرَاف قُرَيْش عَلَيْهِ. قَوْله: (فَطَفِقَ أَبُو بكر) ، بِكَسْر الْفَاء، يُقَال: طفق يفعل كَذَا، مثل جعل يفعل كَذَا، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة، وَلكنه من النَّوْع الَّذِي يدل على الشُّرُوع فِيهِ، وَيعْمل عمل كَانَ، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : يُقَال: طفق يفعل كَذَا، مثل: ظلّ. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن ظلّ من الْأَفْعَال النَّاقِصَة، وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : طفق مَا نسي طفوقا إِذا دَامَ فعله لَيْلًا وَنَهَارًا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَطَفِقَ مسحا﴾ (ص: ٣٣) . الْآيَة، وَفِيه نظر (ثمَّ بدا لأبي بكر) ، أَي: ظهر لَهُ رَأْي فِي أمره بِخِلَاف مَا كَانَ يَفْعَله. قَوْله: (فابتنى مَسْجِدا بِفنَاء دَاره) ، بِكَسْر الْفَاء، وَهُوَ مَا امْتَدَّ من جَوَانِب الدَّار وَهُوَ أول مَسْجِد بني فِي الْإِسْلَام، قَالَه أَبُو الْحسن. قَالَ الدَّاودِيّ: بِهَذَا يَقُول مَالك وفريق من الْعلمَاء إِن من كَانَت لداره طَرِيقا متسعا لَهُ أَن يرتفق مِنْهَا بِمَا لَا يضر بِالطَّرِيقِ. قَوْله: (وبرز) ، أَي: ظهر من البروز. قَوْله:
стр. 3539
(فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ) ، أَي: فِي الْمَسْجِد الَّذِي بناه بِفنَاء دَاره. قَوْله: (فيتقصف) ، أَي: يزدحم حيضا حَتَّى يكسر بَعضهم بَعْضًا بالوقوع عَلَيْهِ، وأصل القصف الْكسر وَمِنْه ريح قاصفة، أَي: شَدِيدَة تكسر الشّجر. قَوْله: (بكَّاء) ، مُبَالغَة باكي من الْبكاء. قَوْله: (فأفزع ذَلِك) ، من الْفَزع وَهُوَ الْخَوْف، وَذَلِكَ فِي مَحل الرّفْع، فَاعله: وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا فعله أَبُو بكر من قِرَاءَة الْقُرْآن جَهرا وبكائه. وَقَوله: (أَشْرَاف قُرَيْش) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول أفزع. قَوْله: (وَإِن جَاوز ذَلِك) ، أَي: مَا شرطنا عَلَيْهِ. قَوْله: (وَإِن أَبى إلَاّ أَن يعلن ذَلِك) ، أَي: وَإِن امْتنع إلَاّ أَن يجْهر بِمَا ذكر من الصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن. قَوْله: (ذمنك) ، أَي: عَهْدك، قَوْله: (أَن نخفرك) ، بِضَم النُّون وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالفاء: من الإخفار، بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ نقض الْعَهْد، يُقَال: خفرته إِذا أجرته وحميته، وأخفرته إِذا نقضت عَهده وَلم تف بِهِ، والهمزة فِيهِ للسلب. قَوْله: (إِنِّي أخفرت) على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (أرْضى بجوار الله) ، أَي: حماه. قَوْله: (قد أريت) ، على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (سبخَة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي الأَرْض تعلوها الملوحة وَلَا تكَاد تنْبت شَيْئا إلَاّ بعض الشّجر. قَوْله: (بَين لابتين) ، اللابتان تَثْنِيَة لابة بِالتَّخْفِيفِ وَهِي أَرض فِيهَا حِجَارَة سود كَأَنَّهَا احترقت بالنَّار، وَكَذَلِكَ الْحرَّة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء. قَوْله: (مُهَاجرا) حَال، أَي: طَالب الْهِجْرَة من مَكَّة. قَوْله: (على رسلك) ، بِكَسْر الرَّاء: على هينتك من غير عجلة، يُقَال: إفعل كَذَا على رسلك، أَي اتئد، وَفِي (التَّوْضِيح) : الرُّسُل، بِفَتْح الرَّاء: السّير السهل، وَضَبطه فِي الأَصْل بِكَسْر الرَّاء، وَبَعض الرِّوَايَات بِفَتْحِهَا. قَوْله: (أَن يُؤذن) على بِنَاء الْمَجْهُول من الْإِذْن. قَوْله: (بِأبي) ، أَي: مفدى بِأبي. قَوْله: (أَنْت) مُبْتَدأ وَخَبره: بِأبي، أَو: أَنْت، تَأْكِيد لفاعل ترجو، و: بِأبي، قسم. قَوْله: (ورق السمر) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم الْمِيم، قَالَ الْكرْمَانِي: شجر الطلح، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ ضرب من شجر الطلح، الْوَاحِد سَمُرَة. وَفِي (الْمغرب) : السمر من شجر العضاه، وَهُوَ كل شجر يعظم وَله شوك وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ: خَالص وَغير خَالص، فالخالص: الغرف والطلح وَالسّلم والسدر والسيال والسمر والينبوت والقتاد الْأَعْظَم والكهنبل والغرب والعوسج، وَمَا لَيْسَ بخالص: فالشوحط والنبع والشريان والسراء والنشم والعجرم والتالب، وَوَاحِد العضاه عضاهة وعضهة وعضة، بِحَذْف الْهَاء الْأَصْلِيَّة، كَمَا فِي الشّفة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْجَوَاز، وَكَانَ مَعْرُوفا بَين الْعَرَب، وَكَانَ وُجُوه الْعَرَب يجيرون من لَجأ إِلَيْهِم واستجار بهم، وَقد أَجَارَ أَبُو طَالب رَسُول الله ﷺ ، وَلَا يكون الْجوَار إلَاّ لمن ظلم. وَفِيه: أَنه إِذا خشِي الْمُؤمن على نَفسه من ظَالِم أَنه مُبَاح لَهُ وَجَائِز أَن يستجير بِمن يمنعهُ ويحميه من الظُّلم، وَإِن كَانَ يجيره كَافِرًا، إِن أَرَادَ الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ، وَإِن أَرَادَ الْأَخْذ بالشدة فَلهُ ذَلِك، كَمَا رد الصّديق الْجوَار وَرَضي بجوار الله وَرَسُوله، وَالصديق يَوْمئِذٍ كَانَ من الْمُسْتَضْعَفِينَ، فآثر الصَّبْر على مَا ناله من الْأَذَى محتسبا على الله تَعَالَى وإيفاء بِهِ فوفاه الله لَهُ مَا وثق بِهِ فِيهِ وَلم ينله مَكْرُوه حَتَّى أذن لَهُ فِي الْهِجْرَة فَخرج مَعَ حَبِيبه ونجاهما الله من كيد أعدائهما حَتَّى بلغ مُرَاده من الله من إِظْهَار النُّبُوَّة وإعلاء الدّين. وَفِيه: مَا كَانَ للصديق من الْفضل والصدق فِي نصْرَة رَسُوله وبذله نَفسه وَمَاله فِي ذَلِك مِمَّا لم يخف مَكَانَهُ وَلَا جهل مَوْضِعه. وَفِيه: أَن كل من ينْتَفع بإقامته لَا يخرج من بَلَده وَيمْنَع مِنْهُ إِن أَرَادَهُ، حَتَّى قَالَ مُحَمَّد بن سَلمَة: إِن الْفَقِيه لَيْسَ لَهُ أَن يَغْزُو لِأَن ثمَّة من يَنُوب عَنهُ فِيهِ وَلَيْسَ يُوجد من يقوم مقَامه فِي التَّعْلِيم، وَيمْنَع من الْخُرُوج أَن أَرَادَهُ وَاحْتج بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة﴾ الْآيَة.
٥ - (بابُ الدَّيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الدّين، هَذَا هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت لَا بَاب وَلَا تَرْجَمَة، وَسقط الحَدِيث أَيْضا من رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَابْن شبويه: بَاب، بِغَيْر تَرْجَمَة وَبِه جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ وَذكر ابْن بطال هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور هُنَا فِي آخر: بَاب من تكفل عَن ميت بدين، وَهَذَا هُوَ اللَّائِق، لِأَن الحَدِيث لَا تعلق لَهُ بترجمة جوَار أبي بكر حَتَّى يكون مِنْهَا أَو يثبت: بَاب، بِلَا تَرْجَمَة لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون كالفصل مِنْهَا وَلَيْسَ كَذَلِك، وَأما التَّرْجَمَة: بِبَاب الدّين فمحلها أَن يكون فِي كتاب الْفَرْض. فَافْهَم.
стр. 3540
٨٩٢٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يُؤْتَى بالرَّجل المُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْألَ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلا فإنْ حُدِّثَ أنَّهُ تَرَكَ لِدِينِهِ وَفَاء صلَّى وإلَاّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ صلُّوا على صاحِبِكُمْ فلَمَّا فَتَحَ الله عَليْهِ الفُتُوحَ قَالَ أَنا أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِم فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ فَتُرِكَ دَيْنا فعَلَيَّ قَضاؤُهُ ومنْ تَرَكَ مَالا فَلِوَرَثَتِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي أَنه فِي بَيَان حكم الدّين. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم وَلَا سِيمَا بِهَذَا السَّنَد.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات عَن يحيى بن بكير. وَأخرجه: مُسلم فِي الْفَرَائِض عَن عبد الْملك بن شُعَيْب، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز عَن أبي الْفضل مَكْتُوم بن الْعَبَّاس.
قَوْله: (عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة) ، هَكَذَا رَوَاهُ عقيل، وَتَابعه يُونُس وَابْن أخي ابْن شهَاب وَابْن أبي ذِئْب، كَمَا أخرجه مُسلم، وَخَالفهُم معمر فَرَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن جَابر، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ. قَوْله: (الْمُتَوفَّى) ، أَي: الْمَيِّت. قَوْله: (عَلَيْهِ الدّين) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فَيسْأَل) أَي: رَسُول الله. قَوْله: (هَل ترك لدينِهِ فضلا) أَي: قدرا زَائِدا على مؤونة تَجْهِيزه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: قَضَاء، بدل: فضلا، وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن. قَوْله: (وَفَاء) أَي: مَا يُوفي بِهِ دينه. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يتْرك وَفَاء، قَالَ إِلَى آخِره، قَوْله: (الْفتُوح) ، يَعْنِي: من الْغَنَائِم وَغير ذَلِك. قَوْله: (أَنا أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم) ، لِأَنَّهُ، ﷺ : تكفل بدين من مَاتَ من أمته معدما. وَهُوَ قَوْله: (فعلي قَضَاؤُهُ) ، قَوْله: (فَترك دينا) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة: (فَترك دينا أَو ضَيْعَة) ، أَي: عيالاً، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (ضيَاعًا) ، وَأَصله مصدر: ضَاعَ يضيع ضيَاعًا، بِفَتْح الضَّاد فَسمى الْعِيَال بِالْمَصْدَرِ، كَمَا يُقَال: من مَاتَ وَترك فقرا أَي فُقَرَاء. قَوْله: (فعلي قَضَاؤُهُ) ، أَي: مِمَّا أَفَاء الله تَعَالَى عَلَيْهِ من الْغَنَائِم وَالصَّدقَات. قَوْله: (فلورثته) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَهُوَ لوَرثَته) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن عمْرَة: (فليرثه عصبته) .
وَفِيه من الْفَوَائِد: تحريض النَّاس على قَضَاء الدُّيُون فِي حياتهم والتوصل إِلَى الْبَرَاءَة مِنْهَا، وَلَو لم يكن أَمر الدّين شَدِيدا لما ترك النَّبِي، ﷺ ، الصَّلَاة على الْمَدْيُون، وَاخْتلف فِي أَن صلَاته على الْمَدْيُون كَانَت حَرَامًا عَلَيْهِ أَو جَائِزَة؟ حكى فِيهِ وَجْهَان، وَقَالَ الثَّوْريّ: الصَّوَاب الْجَزْم بِجَوَازِهِ مَعَ وجود الضَّامِن، وَقَالَ ابْن بطال: قَوْله: (من ترك دينا فعلي) ، نَاسخ لتَركه الصَّلَاة على من مَاتَ وَعَلِيهِ دين. وَفِيه: إِن الإِمَام يلْزمه أَن يفعل هَكَذَا فِيمَن مَاتَ وَعَلِيهِ دين، فَإِن لم يَفْعَله وَقع الْقصاص مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة وَالْإِثْم عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا إِن كَانَ حق الْمَيِّت فِي بَيت الْمَيِّت بَقِي بِقدر مَا عَلَيْهِ من الدّين وإلَاّ فبقسطه.
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم
٠٤ - (كَتابُ الوكالَةِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْوكَالَة وأحكامها وَفِي بعض النّسخ: كتاب فِي الْوكَالَة، وَوَقعت التَّسْمِيَة عِنْد أبي ذَر بعد كتاب الْوكَالَة، بِفَتْح الْوَاو، وَجَاء بِكَسْرِهَا وَهِي التَّفْوِيض، يُقَال: وكلت الْأَمر إِلَيْهِ وكلا ووكولاً إِذا فوضته إِلَيْهِ، وَجَعَلته نَائِبا فِيهِ، وَالْوكَالَة هِيَ الْحِفْظ فِي اللُّغَة، وَمِنْه الْوَكِيل فِي أَسمَاء الله تَعَالَى، وَالتَّوْكِيل تَفْوِيض الْأَمر وَالتَّصَرُّف إِلَى الْغَيْر، وَالْوَكِيل الْقَائِم بِمَا فوض إِلَيْهِ، وَالله أعلم.
١ - (بابٌ فِي وَكالَةِ الشَّرِيكِ الشَّرِيكِ فِي القِسْمَةِ وغَيْرِها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم وكَالَة الشَّرِيك فِي الْقِسْمَة. قَوْله: (الشَّرِيك فِي الْقِسْمَة) بدل من: الشَّرِيك، الأول. قَوْله: (أَو غَيرهَا) ، أَي: الشَّرِيك فِي غير الْقِسْمَة، وَلم يَقع عِنْد النَّسَفِيّ لفظ: بَاب، وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْده: كتاب الْوكَالَة ووكالة الشَّرِيك، بواو الْعَطف.
следующие страницы →