← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

الزُّبِيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمْ أعْقَلْ أبَوَيَّ قَطُّ إلَاّ وهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ ولَمْ يَمُرَّ عَلَيْنا يَوْمٌ إلَاّ يأتِينَا فيهِ رسولُ الله ﷺ طَرَفَيِّ النَّهَارِ بُكْرَةً وعَشيَّةً فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ خرَجَ أبُو بَكْرٍ مُهَاجِرا قِبَلَ الحَبَشَةِ حتَّى إِذا بلَغَ بَرُكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابنُ الدَّغِنَةِ وهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ فَقَالَ أيْنَ تريدُ يَا أبَا بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أخْرَجَنِي قَوْمِي فَأَنا أُرِيدُ أنْ أسِيحَ فِي الأرْضِ فأعْبُدَ رَبِّييي قَالَ ابنُ الدَّغِنَةِ إنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ ولَا يَخْرُجُ فإنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ وتصِلْ الرَّحِمَ وتَحْمِلُ الْكَلَّ وتَقْرِي الضَّيْفَ وتُعينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ وَأَنا لَكَ جارٌ فارْجِعْ فاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلادِكَ فارْتَحَلَ ابنُ الدَّغِنَةِ فرَجَعَ معَ أبِي بَكْرٍ فَطافَ فِي أشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ إنَّ أبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلَهُ ولَا يخْرَجُ أتُخْرِجُونَ رجُلاً يَكْسِبُ المَعْدُومَ ويَصِلُ الرَّحِمَ ويَحْمِلُ الْكَلَّ ويقْرِي الضَّيْفَ ويُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ فأنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جوَارَ ابنِ الدَّغِنَةِ وآمَنُوا أبَا بَكْرٍ وقالُوا لابنِ الدَّغِنَةِ مُرْ أبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فلْيُصلِّ ولْيَقْرأ مَا شاءَ ولَا يْؤْذِينا بِذَلِكَ ولَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ فإنَّا قَدْ خَشِينَايي أنْ يَفْتَنَ أبْناءَنا ونساءَنا قَالَ ذَلِكَ ابنُ الدَّغِنَةِ لأِبِي بَكْرٍ فطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلاةِ ولَا القِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دارِهِ ثُمَّ بدَا لأبِي بكْرٍ فابْتَنى مَسْجِدا بِفِناءِ دَارِهِ وبَرَزَ فَكانَ يُصَلِّي فِيهِ ويَقْرَأُ القُرْآنَ فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِساءُ المُشْرِكِينَ وأبْناؤُهُمْ يَعْجَبُونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ وكانَ أبُو بَكْرٍ رَجلاً بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يقرَأُ القُرآنَ فأفْزعَ ذَلِكَ أشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ فأرْسَلُوا إِلَى ابنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِم عَلَيْهِمْ فقالُوا لَهُ إنَّا كُنَّا أجرْنا أبَا بَكْرٍ عَلَى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وإنَّهْ جاوَزَ ذَلِكَ فابْتَنَى مَسْجِدا بِفناءِ دَارِهِ وأعْلَنَ الصَّلَاةَ والْقِراءَةَ وقدْ خَشِينا أنْ يَفْتِنَ أبْنَاءَنا ونِسَاءَنا فأْتِهِ فإنَّ أحَبَّ أنْ يَقْتَصِرَ علَى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فَي دَارِه فَعلَ وإنْ أبَى إلَاّ أَن يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أنْ يَرُدِّ إلَيْكَ ذِمَّتِكَ فإنَّا كَرِهْنَا أنْ نُخْفِرَكَ ولَسْنا مُقِرِّينَ لأِبِي بَكْرٍ الاسْتِعْلانَ قالتْ عائِشَةُ فأتَى ابنُ الدَّغِنَةِ أبَا بَكْرٍ فَقَالَ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ فإمَّا أنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وإمَّا أنْ تَرُدَّ إلَيَّ ذِمَّتِي فإنِّي لَا أُحِبُّ أنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ قَالَ أبُو بَكْرٍ إنِّي أرُدُّ إلَيْكَ جِوَارَكَ وأرْضِي بِجَوَارِ الله ورَسولُ الله ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ قَدْ أُريتُ دارَ هِجْرَتِكُمْ رَأيْتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وهُما الحَرَّتَانِ فَهاجَرَ منْ هاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رسولُ الله ﷺ ورَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ بَعْضُ منْ كانَ هاجَرَ إلَى أرْضِ الحَبَشَةِ وتَجَهَّزَ أبُو بَكْرٍ مُهاجِرا فَقَالَ لَهُ رسولُ الله ﷺ عَلَى رِسْلِكَ فإنِّي أرْجُو أَن يُؤْذَنَ لِي قَالَ أبُو بَكْرٍ هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بأبِي أنْتَ قَالَ نَعَمْ فحَبَسَ أبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ علَى رسولِ الله ﷺ لِيَصْحَبَهُ وعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كانَتَا

стр. 3537

عِنْدَهُ ورقَ السَّمُرِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن المجير مُلْتَزم للمجار أَن لَا يُؤْذِي من جِهَة من أَجَارَ مِنْهُ وَكَانَ ضمن لَهُ أَن لَا يُؤْذِي وَأَن تكون الْعهْدَة فِي ذَلِك عَلَيْهِ، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَمَّا قيل، كَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر هَذَا فِي كَفَالَة الْأَبدَان كَمَا ناسب ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) . كَفَالَة الْأَمْوَال. ذكر رِجَاله وهم تِسْعَة: الأول: يحيى بن بكير، هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: أَبُو صَالح، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَقَالَ أَبُو نعيم والأصيلي والجياني وَآخَرُونَ: إِنَّه سُلَيْمَان ابْن صَالح ولقبه سلمويه وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هُوَ أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث وَقَالَ الدمياطي: هُوَ أَبُو صَالح مَحْبُوب بن مُوسَى الْفراء. قيل: الْمُعْتَمد على الأول لِأَنَّهُ وَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن عَن الْفربرِي عَن البُخَارِيّ، قَالَ: قَالَ أَبُو صَالح سلمويه: حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك. السَّابِع: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّامِن: يُونُس بن يزِيد. التَّاسِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى جده، وَأَنه وَاللَّيْث وَأَبا صَالح على قَول من يَقُول: إِنَّه كَاتب اللَّيْث مصريون، وَعقيل إيلي وَالزهْرِيّ وَعُرْوَة مدنيان وَعبد الله بن الْمُبَارك وَأَبُو صَالح، على قَول من يَقُول: إِنَّه سلمويه، مروزيان، وَعبد الله على قَول من يَقُول: أَبُو صَالح كَاتب اللَّيْث، هُوَ عبد الله بن وهب، مصري. وَقد مضى صدر هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد فِي: بَاب الْمَسْجِد يكون فِي الطَّرِيق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة زوج النَّبِي، ﷺ ، قَالَت: لم أَعقل أَبَوي إِلَّا وهما يدينان ... الحَدِيث مُخْتَصرا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب: فَأَخْبرنِي عُرْوَة) ، فِيهِ مَحْذُوف. وَقَوله: (فَأَخْبرنِي) ، عطف عَلَيْهِ تَقْدِيره: قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي كَذَا وَكَذَا، وعقيب ذَلِك أَخْبرنِي بِهَذَا. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو صَالح: حَدثنِي عبد الله) ، هَذَا تَعْلِيق سقط من رِوَايَة أبي ذَر، وسَاق الحَدِيث عَن عقيل وَحده. قَوْله: (لم أَعقل أَبَوي) ، أَي: لم أعرف، يَعْنِي مَا وجدتهما مُنْذُ عقلت إلَاّ متدينين بدين الْإِسْلَام. قَوْله: (قطّ) ، بتَشْديد الطَّاء الْمَضْمُونَة للنَّفْي فِي الْمَاضِي، تَقول مَا رَأَيْته قطّ. وَقَالَ أَبُو عَليّ: وَقد تجزم إِذا كَانَت بِمَعْنى التَّعْلِيل، وتضم وتثقل إِذا كَانَت فِي معنى الزَّمن والحين من الدَّهْر، تَقول: لم أر هَذَا قطّ، وَلَيْسَ عِنْدِي إلَاّ هَذَا فَقَط. قَوْله: (وهما يدينان الدّين) ، أَي: يطيعان الله، وَذَلِكَ أَن مولدها بعد الْبَعْث بِسنتَيْنِ، وَقيل: بِخمْس، وَقيل: بِسبع، وَلَا وَجه لَهُ لإجماعهم أَنَّهَا كَانَت حِين هَاجر النَّبِي، ﷺ ، بنت ثَمَان، وَأكْثر مَا قيل أَن مقَامه بِمَكَّة بعد الْبَعْث ثَلَاث عشرَة سنة، وَإِنَّمَا يَصح خمس على قَول من يَقُول: أَقَامَ ثَلَاث عشرَة سنة، وسنتين على قَول من يَقُول: أَقَامَ عشرا بهَا، وَتَزَوجهَا وَهِي بنت سِتّ، وَقيل: سبع، وَبنى بهَا وَهِي بنت تسع، وَمَات عَنْهَا وَهِي بنت ثَمَانِي عشر سنة، وَعَاشَتْ بعده ثَمَان وَأَرْبَعين سنة. قَوْله: (فَلَمَّا ابتلى الْمُسلمُونَ) أَي: بإيذاء الْمُشْركين. قَوْله: (خرج أَبُو بكر مُهَاجرا) أَي: حَال كَونه مُهَاجرا. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: أصل المهاجرة عِنْد الْعَرَب خُرُوج البدوي من الْبَادِيَة إِلَى المدن، يُقَال: هَاجر البدوي إِذا حضر وَأقَام كَأَنَّهُ ترك الأولى للثَّانِيَة. قَوْله: (حَتَّى إِذا بلغ برك الغماد) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة على الْأَكْثَر، ويروى بِكَسْرِهَا وبسكون الرَّاء وبالكاف، وَفِي (الْمطَالع) : وبكسر الْبَاء، وَقع للأصيلي وَالْمُسْتَمْلِي وَأبي مُحَمَّد الْحَمَوِيّ، قَالَ: وَهُوَ مَوضِع بأقاصي هجر، والغماد، بِكَسْر الْغَيْن وَضمّهَا. كَذَا ذكره ابْن دُرَيْد. وف (مُعْجم) الْبكْرِيّ، قَالَ أَحْمد بن يَعْقُوب الْهَمدَانِي: برك الغماد فِي أقْصَى الْيمن. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: برك ونعام موضعان فِي أَطْرَاف الْيمن. وَقَالَ الهجري: برك من الْيَمَامَة. وَقيل: إِن البرك والبريك مُصَغرًا لبني هِلَال بن عَامر. قَوْله: (ابْن الدغنة) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة

стр. 3538

وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح النُّون المخففة، على مِثَال الْكَلِمَة، وَيُقَال: بِضَم الدَّال والغين وَتَشْديد النُّون، وَيُقَال: بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْغَيْن، وَفِي الْمطَالع عِنْد الْمروزِي: الدغنة، بِفَتْح الدَّال وبفتح الْغَيْن. قَالَ الْأصيلِيّ: كَذَا قرأناه، وَعند الْقَابِسِيّ: الدغنة، بِفَتْح الدَّال وَكسر الْغَيْن وَتَخْفِيف النُّون، وَحكى الجياني فِيهِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُقَال: ابْن الدثنة أَيْضا، وتسكن الثَّاء أَيْضا، والدغنة: اسْم أمه، وَمَعْنَاهُ لُغَة: الْغَيْم الممطر، والدثنة الْكَثِيرَة اللَّحْم المسترخية. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: واسْمه ربيعَة بن رفيع. قَوْله: (وَهُوَ سيد القارة) ، بِالْقَافِ وَتَخْفِيف الرَّاء: قَبيلَة مَوْصُوفَة بجودة الرَّمْي. وَفِي (الْمطَالع) : القارة بَنو الْهون بن خُزَيْمَة. قلت: خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر، سموا بذلك لأَنهم فِي بعض حربهم لبني بكر صفوا فِي قارة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: القارة أكمة سَوْدَاء فِيهَا حِجَارَة. قَوْله: (أَن أسيح) ، أَي: أَن أَسِير، يُقَال: ساح فِي الأَرْض يسيح سياحة إِذا ذهب فِيهَا، وَأَصله من السيح، وَهُوَ المَاء الْجَارِي المنبسط على الأَرْض. قَوْله: (لَا يَخرُج) ، على بِنَاء الْفَاعِل (وَلَا يُخرج) ، على بِنَاء الْمَفْعُول. قَوْله: (تكسب الْمَعْدُوم) أَي: تكسب معاونة الْفَقِير، وتحقيقه مر فِي كتاب الْإِيمَان. قَوْله: (وَتحمل الْكل) ، بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام، وَهُوَ الثّقل، أَي: ثقل العجزة، كَذَا فسره الْكرْمَانِي. وَفِي (الْمغرب) : الْكل الْيَتِيم، وَمن هُوَ عِيَال وَثقل على صَاحبه. قَوْله: (وتقرى الضَّيْف) ، بِفَتْح التَّاء من: قرى يقري، من بَاب: ضرب يضْرب، تَقول: قريت قرى، مثل: قليته قلى، وقراءً: أَحْسَنت إِلَيْهِ، إِذا كسرت الْقَاف قصرت، وَإِذا فتحت مددت. وَفِي (الْمطَالع) : الْقرى، بِالْكَسْرِ مَقْصُورا مَا يهيأ للضيف من طَعَام، وَنزل. وَقَالَ القالي: إِذا فتحت أَوله مددته. قَوْله: (على نَوَائِب الْحق) ، النوائب: جمع نائبة. وَهِي مَا يَنُوب الْإِنْسَان، أَي: ينزل بِهِ من الْمُهِمَّات والحوادث، من نابه ينوبه شَيْء إِذا نزل بِهِ واعتراه. قَوْله: (وَأَنا لَك جَار) ، أَي مجير، وَفِي (الصِّحَاح) : الْجَار الَّذِي أجرته من أَن يَظْلمه ظَالِم. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي جَار لكم﴾ (الْأَنْفَال: ٨٤) . وَالْمعْنَى هُنَا: أَنا مؤمنك مِمَّن أخافك مِنْهُم، وَفِي (الْمغرب) : أجاره يجيره إِجَارَة: إغاثة، والهمزة للسلب، وَالْجَار المجير والمجار. قَوْله: (فَرجع مَعَ أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) ، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: رَجَعَ أَبُو بكر مَعَه، عكس الْمَذْكُور، وَلَكِن هَذَا من إِطْلَاق الرُّجُوع وَإِرَادَة لَازمه الَّذِي هُوَ الْمَجِيء، أَو: هُوَ من قبيل المشاكلة، لِأَن أَبَا بكر كَانَ رَاجعا، وَأطلق الرُّجُوع بِاعْتِبَار مَا كَانَ قبله بِمَكَّة. قَوْله: (فَطَافَ) ، أَي: ابْن الدغنة (فِي أَشْرَاف كفار قُرَيْش) أَي: ساداتهم، وهم جمع شرِيف، وشريف الْقَوْم سيدهم وَكَبِيرهمْ. قَوْله: (أتخرجون؟) ، بِضَم التَّاء: من الْإِخْرَاج، والهمزة للاستفهام على سَبِيل الأنكار. قَوْله: (يكْسب الْمَعْدُوم) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: رجلا، وَمَا بعده عطف عَلَيْهَا. قَوْله: (فانفذت) ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي: امضوا جواره وَرَضوا بِهِ (وآمنوا أَبَا بكر) أَي: جَعَلُوهُ فِي أَمن ضد الْخَوْف قَوْله: (مُر) ، أَمر من: يَأْمر. قَوْله: (فليعبد) ، قيل: الْفَاء، لَا معنى لَهَا هُنَا، وَقيل: تَقْدِيره: مر أَبَا بكر ليعبد ربه، فليعبد ربه، قَالَه الْكرْمَانِي قلت: هَذَا الَّذِي ذكره أَيْضا لَا معنى لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُفِيد زِيَادَة شَيْء، بل تصلح الْفَاء أَن تكون جَزَاء شَرط، تَقْدِيره: مر أَبَا بكر إِذا قبل مَا تشْتَرط عَلَيْهِ فليعبد ربه فِي دَاره. قَوْله: (بذلك) ، إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من الصَّلَاة وَالْقِرَاءَة. قَوْله: (وَلَا يستعلن بِهِ) ، أَي: بالمذكور من الصَّلَاة وَالْقِرَاءَة، والاستعلان: الْجَهْر، وَلَكِن مُرَادهم الْجَهْر بِدِينِهِ وَصلَاته وقراءته. قَوْله: (أَن يفتن) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف من الْفِتْنَة، يُقَال: فتنته أفتنه فتنا وفتونا. وَيُقَال: أفتنه، وَهُوَ قَلِيل، والفتنة تسْتَعْمل على معانٍ كَثِيرة، وَأَصلهَا الامتحان، وَالْمرَاد هُنَا أَن يخرج أَبْنَاءَهُم ونساءهم مِمَّا هم فِيهِ من الضلال إِلَى الدّين. وَقَوله: (أبناءنا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: أَن يفتن (قَالَ ذَلِك) أَي: قَالَ ابْن الدغنة: وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى مَا شرطت أَشْرَاف قُرَيْش عَلَيْهِ. قَوْله: (فَطَفِقَ أَبُو بكر) ، بِكَسْر الْفَاء، يُقَال: طفق يفعل كَذَا، مثل جعل يفعل كَذَا، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة، وَلكنه من النَّوْع الَّذِي يدل على الشُّرُوع فِيهِ، وَيعْمل عمل كَانَ، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : يُقَال: طفق يفعل كَذَا، مثل: ظلّ. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن ظلّ من الْأَفْعَال النَّاقِصَة، وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : طفق مَا نسي طفوقا إِذا دَامَ فعله لَيْلًا وَنَهَارًا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَطَفِقَ مسحا﴾ (ص: ٣٣) . الْآيَة، وَفِيه نظر (ثمَّ بدا لأبي بكر) ، أَي: ظهر لَهُ رَأْي فِي أمره بِخِلَاف مَا كَانَ يَفْعَله. قَوْله: (فابتنى مَسْجِدا بِفنَاء دَاره) ، بِكَسْر الْفَاء، وَهُوَ مَا امْتَدَّ من جَوَانِب الدَّار وَهُوَ أول مَسْجِد بني فِي الْإِسْلَام، قَالَه أَبُو الْحسن. قَالَ الدَّاودِيّ: بِهَذَا يَقُول مَالك وفريق من الْعلمَاء إِن من كَانَت لداره طَرِيقا متسعا لَهُ أَن يرتفق مِنْهَا بِمَا لَا يضر بِالطَّرِيقِ. قَوْله: (وبرز) ، أَي: ظهر من البروز. قَوْله:

стр. 3539

(فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ) ، أَي: فِي الْمَسْجِد الَّذِي بناه بِفنَاء دَاره. قَوْله: (فيتقصف) ، أَي: يزدحم حيضا حَتَّى يكسر بَعضهم بَعْضًا بالوقوع عَلَيْهِ، وأصل القصف الْكسر وَمِنْه ريح قاصفة، أَي: شَدِيدَة تكسر الشّجر. قَوْله: (بكَّاء) ، مُبَالغَة باكي من الْبكاء. قَوْله: (فأفزع ذَلِك) ، من الْفَزع وَهُوَ الْخَوْف، وَذَلِكَ فِي مَحل الرّفْع، فَاعله: وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا فعله أَبُو بكر من قِرَاءَة الْقُرْآن جَهرا وبكائه. وَقَوله: (أَشْرَاف قُرَيْش) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول أفزع. قَوْله: (وَإِن جَاوز ذَلِك) ، أَي: مَا شرطنا عَلَيْهِ. قَوْله: (وَإِن أَبى إلَاّ أَن يعلن ذَلِك) ، أَي: وَإِن امْتنع إلَاّ أَن يجْهر بِمَا ذكر من الصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن. قَوْله: (ذمنك) ، أَي: عَهْدك، قَوْله: (أَن نخفرك) ، بِضَم النُّون وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالفاء: من الإخفار، بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ نقض الْعَهْد، يُقَال: خفرته إِذا أجرته وحميته، وأخفرته إِذا نقضت عَهده وَلم تف بِهِ، والهمزة فِيهِ للسلب. قَوْله: (إِنِّي أخفرت) على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (أرْضى بجوار الله) ، أَي: حماه. قَوْله: (قد أريت) ، على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (سبخَة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي الأَرْض تعلوها الملوحة وَلَا تكَاد تنْبت شَيْئا إلَاّ بعض الشّجر. قَوْله: (بَين لابتين) ، اللابتان تَثْنِيَة لابة بِالتَّخْفِيفِ وَهِي أَرض فِيهَا حِجَارَة سود كَأَنَّهَا احترقت بالنَّار، وَكَذَلِكَ الْحرَّة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء. قَوْله: (مُهَاجرا) حَال، أَي: طَالب الْهِجْرَة من مَكَّة. قَوْله: (على رسلك) ، بِكَسْر الرَّاء: على هينتك من غير عجلة، يُقَال: إفعل كَذَا على رسلك، أَي اتئد، وَفِي (التَّوْضِيح) : الرُّسُل، بِفَتْح الرَّاء: السّير السهل، وَضَبطه فِي الأَصْل بِكَسْر الرَّاء، وَبَعض الرِّوَايَات بِفَتْحِهَا. قَوْله: (أَن يُؤذن) على بِنَاء الْمَجْهُول من الْإِذْن. قَوْله: (بِأبي) ، أَي: مفدى بِأبي. قَوْله: (أَنْت) مُبْتَدأ وَخَبره: بِأبي، أَو: أَنْت، تَأْكِيد لفاعل ترجو، و: بِأبي، قسم. قَوْله: (ورق السمر) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم الْمِيم، قَالَ الْكرْمَانِي: شجر الطلح، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ ضرب من شجر الطلح، الْوَاحِد سَمُرَة. وَفِي (الْمغرب) : السمر من شجر العضاه، وَهُوَ كل شجر يعظم وَله شوك وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ: خَالص وَغير خَالص، فالخالص: الغرف والطلح وَالسّلم والسدر والسيال والسمر والينبوت والقتاد الْأَعْظَم والكهنبل والغرب والعوسج، وَمَا لَيْسَ بخالص: فالشوحط والنبع والشريان والسراء والنشم والعجرم والتالب، وَوَاحِد العضاه عضاهة وعضهة وعضة، بِحَذْف الْهَاء الْأَصْلِيَّة، كَمَا فِي الشّفة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْجَوَاز، وَكَانَ مَعْرُوفا بَين الْعَرَب، وَكَانَ وُجُوه الْعَرَب يجيرون من لَجأ إِلَيْهِم واستجار بهم، وَقد أَجَارَ أَبُو طَالب رَسُول الله ﷺ ، وَلَا يكون الْجوَار إلَاّ لمن ظلم. وَفِيه: أَنه إِذا خشِي الْمُؤمن على نَفسه من ظَالِم أَنه مُبَاح لَهُ وَجَائِز أَن يستجير بِمن يمنعهُ ويحميه من الظُّلم، وَإِن كَانَ يجيره كَافِرًا، إِن أَرَادَ الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ، وَإِن أَرَادَ الْأَخْذ بالشدة فَلهُ ذَلِك، كَمَا رد الصّديق الْجوَار وَرَضي بجوار الله وَرَسُوله، وَالصديق يَوْمئِذٍ كَانَ من الْمُسْتَضْعَفِينَ، فآثر الصَّبْر على مَا ناله من الْأَذَى محتسبا على الله تَعَالَى وإيفاء بِهِ فوفاه الله لَهُ مَا وثق بِهِ فِيهِ وَلم ينله مَكْرُوه حَتَّى أذن لَهُ فِي الْهِجْرَة فَخرج مَعَ حَبِيبه ونجاهما الله من كيد أعدائهما حَتَّى بلغ مُرَاده من الله من إِظْهَار النُّبُوَّة وإعلاء الدّين. وَفِيه: مَا كَانَ للصديق من الْفضل والصدق فِي نصْرَة رَسُوله وبذله نَفسه وَمَاله فِي ذَلِك مِمَّا لم يخف مَكَانَهُ وَلَا جهل مَوْضِعه. وَفِيه: أَن كل من ينْتَفع بإقامته لَا يخرج من بَلَده وَيمْنَع مِنْهُ إِن أَرَادَهُ، حَتَّى قَالَ مُحَمَّد بن سَلمَة: إِن الْفَقِيه لَيْسَ لَهُ أَن يَغْزُو لِأَن ثمَّة من يَنُوب عَنهُ فِيهِ وَلَيْسَ يُوجد من يقوم مقَامه فِي التَّعْلِيم، وَيمْنَع من الْخُرُوج أَن أَرَادَهُ وَاحْتج بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة﴾ الْآيَة. ٥ - (بابُ الدَّيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الدّين، هَذَا هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت لَا بَاب وَلَا تَرْجَمَة، وَسقط الحَدِيث أَيْضا من رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَابْن شبويه: بَاب، بِغَيْر تَرْجَمَة وَبِه جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ وَذكر ابْن بطال هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور هُنَا فِي آخر: بَاب من تكفل عَن ميت بدين، وَهَذَا هُوَ اللَّائِق، لِأَن الحَدِيث لَا تعلق لَهُ بترجمة جوَار أبي بكر حَتَّى يكون مِنْهَا أَو يثبت: بَاب، بِلَا تَرْجَمَة لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون كالفصل مِنْهَا وَلَيْسَ كَذَلِك، وَأما التَّرْجَمَة: بِبَاب الدّين فمحلها أَن يكون فِي كتاب الْفَرْض. فَافْهَم.

стр. 3540

٨٩٢٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يُؤْتَى بالرَّجل المُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْألَ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلا فإنْ حُدِّثَ أنَّهُ تَرَكَ لِدِينِهِ وَفَاء صلَّى وإلَاّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ صلُّوا على صاحِبِكُمْ فلَمَّا فَتَحَ الله عَليْهِ الفُتُوحَ قَالَ أَنا أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِم فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ فَتُرِكَ دَيْنا فعَلَيَّ قَضاؤُهُ ومنْ تَرَكَ مَالا فَلِوَرَثَتِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي أَنه فِي بَيَان حكم الدّين. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم وَلَا سِيمَا بِهَذَا السَّنَد. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات عَن يحيى بن بكير. وَأخرجه: مُسلم فِي الْفَرَائِض عَن عبد الْملك بن شُعَيْب، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز عَن أبي الْفضل مَكْتُوم بن الْعَبَّاس. قَوْله: (عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة) ، هَكَذَا رَوَاهُ عقيل، وَتَابعه يُونُس وَابْن أخي ابْن شهَاب وَابْن أبي ذِئْب، كَمَا أخرجه مُسلم، وَخَالفهُم معمر فَرَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن جَابر، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ. قَوْله: (الْمُتَوفَّى) ، أَي: الْمَيِّت. قَوْله: (عَلَيْهِ الدّين) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فَيسْأَل) أَي: رَسُول الله. قَوْله: (هَل ترك لدينِهِ فضلا) أَي: قدرا زَائِدا على مؤونة تَجْهِيزه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: قَضَاء، بدل: فضلا، وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن. قَوْله: (وَفَاء) أَي: مَا يُوفي بِهِ دينه. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يتْرك وَفَاء، قَالَ إِلَى آخِره، قَوْله: (الْفتُوح) ، يَعْنِي: من الْغَنَائِم وَغير ذَلِك. قَوْله: (أَنا أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم) ، لِأَنَّهُ، ﷺ : تكفل بدين من مَاتَ من أمته معدما. وَهُوَ قَوْله: (فعلي قَضَاؤُهُ) ، قَوْله: (فَترك دينا) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة: (فَترك دينا أَو ضَيْعَة) ، أَي: عيالاً، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (ضيَاعًا) ، وَأَصله مصدر: ضَاعَ يضيع ضيَاعًا، بِفَتْح الضَّاد فَسمى الْعِيَال بِالْمَصْدَرِ، كَمَا يُقَال: من مَاتَ وَترك فقرا أَي فُقَرَاء. قَوْله: (فعلي قَضَاؤُهُ) ، أَي: مِمَّا أَفَاء الله تَعَالَى عَلَيْهِ من الْغَنَائِم وَالصَّدقَات. قَوْله: (فلورثته) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَهُوَ لوَرثَته) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن عمْرَة: (فليرثه عصبته) . وَفِيه من الْفَوَائِد: تحريض النَّاس على قَضَاء الدُّيُون فِي حياتهم والتوصل إِلَى الْبَرَاءَة مِنْهَا، وَلَو لم يكن أَمر الدّين شَدِيدا لما ترك النَّبِي، ﷺ ، الصَّلَاة على الْمَدْيُون، وَاخْتلف فِي أَن صلَاته على الْمَدْيُون كَانَت حَرَامًا عَلَيْهِ أَو جَائِزَة؟ حكى فِيهِ وَجْهَان، وَقَالَ الثَّوْريّ: الصَّوَاب الْجَزْم بِجَوَازِهِ مَعَ وجود الضَّامِن، وَقَالَ ابْن بطال: قَوْله: (من ترك دينا فعلي) ، نَاسخ لتَركه الصَّلَاة على من مَاتَ وَعَلِيهِ دين. وَفِيه: إِن الإِمَام يلْزمه أَن يفعل هَكَذَا فِيمَن مَاتَ وَعَلِيهِ دين، فَإِن لم يَفْعَله وَقع الْقصاص مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة وَالْإِثْم عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا إِن كَانَ حق الْمَيِّت فِي بَيت الْمَيِّت بَقِي بِقدر مَا عَلَيْهِ من الدّين وإلَاّ فبقسطه. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم ٠٤ - (كَتابُ الوكالَةِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْوكَالَة وأحكامها وَفِي بعض النّسخ: كتاب فِي الْوكَالَة، وَوَقعت التَّسْمِيَة عِنْد أبي ذَر بعد كتاب الْوكَالَة، بِفَتْح الْوَاو، وَجَاء بِكَسْرِهَا وَهِي التَّفْوِيض، يُقَال: وكلت الْأَمر إِلَيْهِ وكلا ووكولاً إِذا فوضته إِلَيْهِ، وَجَعَلته نَائِبا فِيهِ، وَالْوكَالَة هِيَ الْحِفْظ فِي اللُّغَة، وَمِنْه الْوَكِيل فِي أَسمَاء الله تَعَالَى، وَالتَّوْكِيل تَفْوِيض الْأَمر وَالتَّصَرُّف إِلَى الْغَيْر، وَالْوَكِيل الْقَائِم بِمَا فوض إِلَيْهِ، وَالله أعلم. ١ - (بابٌ فِي وَكالَةِ الشَّرِيكِ الشَّرِيكِ فِي القِسْمَةِ وغَيْرِها) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم وكَالَة الشَّرِيك فِي الْقِسْمَة. قَوْله: (الشَّرِيك فِي الْقِسْمَة) بدل من: الشَّرِيك، الأول. قَوْله: (أَو غَيرهَا) ، أَي: الشَّرِيك فِي غير الْقِسْمَة، وَلم يَقع عِنْد النَّسَفِيّ لفظ: بَاب، وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْده: كتاب الْوكَالَة ووكالة الشَّرِيك، بواو الْعَطف.

стр. 3541

وقدْ أشْرَكَ النبيُّ ﷺ علِيّا فِي هَدْيهِ ثُمَّ أمَرَهُ بِقِسْمَتِهَا مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أشرك عليا فِي قسْمَة الْهَدْي. فَإِن قلت: لَيْسَ من الْبَاب مَا يدل على الشّركَة فِي غير الْقِسْمَة. قلت: يُؤْخَذ هَذَا بطرِيق الْإِلْحَاق، ثمَّ فِي الحَدِيث شَيْئَانِ: أَحدهمَا: التَّشْرِيك فِي الْهَدْي، وَالْآخر: التَّشْرِيك فِي الْقِسْمَة. أما الأول: فَرَوَاهُ جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي ﷺ أَمر عليا أَن يُقيم على إِحْرَامه وأشرك فِي الْهَدْي، وَسَيَأْتِي مَوْصُولا فِي الشّركَة. وَالْآخر: حَدِيث عَليّ أَن النَّبِي ﷺ أمره أَن يقوم على بدنه وَأَن يقسم بدنه كلهَا، وَقد مضى فِي كتاب الْحَج مَوْصُولا فِي: بَاب لَا يُعْطي الجزار من الْهَدْي شَيْئا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: يَعْنِي: النَّبِي، ﷺ : فَقُمْت على الْبدن فَأمرنِي فقسمت لحومها، ثمَّ أَمرنِي فقسمت جلالها وجلودها. ٩٩٢٢ - حدَّثنا قَبيصَةُ قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ ابنِ أبِي نجيح عنْ مُجاهِدٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي لَيْلى عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أمَرَني رسولُ الله ﷺ أنْ أتَصَدَّقَ بِجِلالِ الْبُدْنِ الَّتي نُحِرَتْ وبِجُلُودِها. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه علم أَنه، ﷺ ، أشركه فِي هَدْيه. والْحَدِيث مر فِي الْبَاب الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن الَّذِي أخرجه عَن مُحَمَّد بن كثير، وَهنا أخرجه عَن قبيصَة، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عقبَة العامري الْكُوفِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عبد الله بن أبي نجيح إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، والجلال، بِكَسْر الْجِيم: جمع جلّ، وَالْبدن، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الدَّال وَضمّهَا: جمع بَدَنَة، وَقَالَ ابْن بطال: وكَالَة الشَّرِيك جَائِزَة كَمَا تجوز شركَة الْوَكِيل، وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْأَجْنَبِيّ فِي إِن ذَلِك مُبَاح مِنْهُ. ٠٠٣٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يَزيدَ عنْ أبي الخَيْرِ عنْ عُقْبَة بنِ عامِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاهُ غنَما يَقْسِمُها علَى صَحابَتِه فبَقِي عَتُودٌ فذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ضَحِّ أنْتَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ إِنَّمَا وَكله على قسْمَة الضَّحَايَا وَهُوَ شريك للْمَوْهُوب إِلَيْهِم، فتوكيله على ذَلِك كتوكيل شركائه الَّذين قسم بَينهم الْأَضَاحِي. قيل: يحْتَمل أَن يكون ﷺ وهب لكل وَاحِد من الْمَقْسُوم فيهم مَا صَار إِلَيْهِ فَلَا تتجه الشّركَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ سَيَأْتِي حَدِيث فِي الْأَضَاحِي من طَرِيق آخر بِلَفْظ: أَنه قسم بَينهم ضحايا، فَدلَّ على أَنه عين تِلْكَ الْغنم للضحايا فوهب لَهُم جُمْلَتهَا، ثمَّ أَمر عقبَة بقسمتها، فَيصح الِاسْتِدْلَال بِهِ لما ترْجم لَهُ. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن خَالِد بن فروخ، مَاتَ بِمصْر فِي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي حبيب أَبُو الرَّجَاء. الرَّابِع: أَبُو الْخَيْر ضد الشَّرّ مرْثَد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن عبد الله. الْخَامِس: عقبَة بن عَمْرو. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وكل الروَاة مصريون غير أَن شَيْخه حراني حزرى لكنه سكن مصر وَمَات فِيهَا كَمَا ذكرنَا. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الضحاياأيضا عَن عَمْرو بن خَالِد، فِي الشّركَة عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه مُسلم فِي الضَّحَايَا عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رمح. قَوْله: (عتود) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَهُوَ من أَوْلَاد الْمعز

стр. 3542

صَغِير إِذا قوي، وَفِي (الصِّحَاح) : العتود مَا رعى وَقَوي وأتى عَلَيْهِ حول، وَقيل: إِذا قدر على السفاد، وَجمعه: أعتدة وعتان وعدان قَوْله: (ضحِّ أَنْت) ، ويروى: ضح بِهِ أَي: بالعتود، وَهُوَ أَمر من: ضحى يُضحي تضحية. وَفِيه: الْأُضْحِية بِمَا يعْطى. وَفِيه: الِاخْتِصَار بالأضحية بالجذع من الْمعز، لِأَن العتود من أَوْلَاد الْمعز. وَفِيه: التَّوْكِيل بِالْقِسْمَةِ. ٢ - (بابٌ إِذا وكَّلَ المُسْلِمُ حَرْبيا فِي دارِ الحَرْبِ أوْ فِي دارِ الإسْلامِ جازَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وكَّل ... إِلَى آخِره. قَوْله: (وَفِي دَار الْإِسْلَام) أَي: أَو وكَّل حَرْبِيّا كَائِنا فِي دَار الْإِسْلَام، يَعْنِي: كَانَ الْحَرْبِيّ فِي دَار الْإِسْلَام بِأَمَان ووكَّله مُسلم. قَوْله: (جَازَ) ، أَي: التَّوْكِيل، يدل عَلَيْهِ قَوْله: (وكل) كَمَا فِي قَوْله: ﴿اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ (الْمَائِدَة: ٨) . أَي: الْعدْل أقرب ... ١٠٣٢ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني يوسُفُ بنُ المَاجِشُونِ عنْ صالِحِ بنِ إبْرَاهِيمَ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ عبدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوفٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كاتَبْتُ أُمَيَّةَ ابنَ خَلَفٍ كِتَابا بِأَن يَحْفَظَني فِي صاغِيَتِي بِمَكَّةَ وأحْفَظَهُ فِي صاغِيَتِهِ بالمَدِينَةِ فلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمانَ قَالَ لَا أعْرِفُ الرَّحْمانَ كاتِبْنِي باسْمِكَ الذِي كانَ فِي الجاهِلِيَّةِ فكَاتَبْتُهُ عبدُ عَمْرٍ وفلَمَّا كانَ فِي يَوْم بَدْرٍ خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لأحْرِزَهُ حينَ نامَ النَّاسُ فأبْصَرَهُ بلالٌ فخَرَجَ حتَّى وقَفَ علَى مَجْلِس مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ لَا نَجَوْتُ إنْ نَجا أُمَيَّةُ فَخَرجَ معَهُ فَرِيقٌ منَ الأنصَارِ فِي آثَارِنا فلَمَّا خَشِيتُ أنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمْ ابْنَهُ لأشْغلَهُمْ فقَتَلُوهُ ثمَّ أبَوْا حتَّى يَتْبَعُونا وكانَ رجُلاً ثَقيلاً فلمَّا أدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ ابْرُكْ فألْقَيْتُ علَيْهِ نَفْسِي لأِمْنَعَهُ فتَخَلَّلُوهُ بالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ وأصَابَ أحَدُهُم رِجلي بِسَيْفِهِ: وكانَ عَبْدُ الرَّحْمانِ يُرِينَا ذَلِكَ الأثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ. (الحَدِيث ١٠٣٢ طرفه فِي: ١٧٩٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهُوَ مُسلم فِي دَار الْإِسْلَام كَاتب إِلَى أُميَّة بن خلف، وَهُوَ كَافِر فِي دَار الْحَرْب بتفويضه إِلَيْهِ لينْظر فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ، وَهُوَ معنى التَّوْكِيل، لِأَن الْوَكِيل إنماهو مرصد لمصَالح مُوكله وَقَضَاء حَوَائِجه، ورد بِهَذَا مَا قَالَه ابْن التِّين: لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث، وكَالَة إِنَّمَا تعاقد أَن يجير كل وَاحِد مِنْهُمَا صاغية صَاحبه. فَإِن قلت: بِمُجَرَّد هَذَا يَصح تَوْكِيل مُسلم حَرْبِيّا فِي دَار الْحَرْب. قلت: الظَّاهِر أَن عبد الرَّحْمَن لم يفعل هَذَا إلَاّ باطلاع النَّبِي ﷺ ، فَلم يُنكر عَلَيْهِ فَدلَّ على صِحَّته. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِي شَيْئَيْنِ والْحَدِيث لَا يدل إلَاّ على أَحدهمَا، وَهُوَ: تَوْكِيل الْمُسلم حَرْبِيّا وَهُوَ فِي دَار الْحَرْب، قلت: إِذا صَحَّ هَذَا فتوكيله إِيَّاه فِي دَار الْإِسْلَام يكون بطرِيق الأولى أَن يَصح، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: تَوْكِيل الْمُسلم حَرْبِيّا مستأمنا وتوكيل الْحَرْبِيّ الْمُسْتَأْمن مُسلما لَا خلاف فِي جَوَاز ذَلِك. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى بن عَمْرو أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي. الثَّانِي: يُوسُف ابْن يَعْقُوب بن عبد الله بن أبي سَلمَة الْمَاجشون، بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا. الثَّالِث: صَالح بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي، يكنى أَبَا عَمْرو. الرَّابِع: أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الْقرشِي، يكنى أَبَا إِسْحَاق، وَقيل: أَبَا مُحَمَّد، توفّي سنة سِتّ وَتِسْعين. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بن عبد عَوْف الْقرشِي أَبُو مُحَمَّد، أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ، توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَدفن بِالبَقِيعِ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَلَفظ الْمَاجشون هُوَ لقب يَعْقُوب وَهُوَ لفظ فَارسي وَمَعْنَاهُ: المورد. وَفِيه: أَن الروَاة

стр. 3543

كلهم مدنيون. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي مُخْتَصرا عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله أَيْضا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كاتبت أُميَّة بن خلف) يَعْنِي: كتبت إِلَيْهِ كتابا، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: عَاهَدت أُميَّة بن خلف وكاتبته، وَأُميَّة، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم المخففة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن خلف، بِالْخَاءِ وَاللَّام المفتوحتين: ابْن وهب ابْن حذافة بن جمح بن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر. وَقَالَ عُلَمَاء السّير: كَانَ أُميَّة بن خلف الجُمَحِي أَشد النَّاس على رَسُول الله ﷺ ، فجَاء فِي يَوْم بِعظم نخر فَفتهُ فِي يَده، وَقَالَ: يَا مُحَمَّد تزْعم أَن رَبك هَذَا، ثمَّ نفخه فطار، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿قَالَ: من يحيي الْعِظَام وَهِي رَمِيم﴾ (يس: ٨٧) . قَوْله: (صاغيتي) ، بصاد مُهْملَة وغين مُعْجمَة: هِيَ المَال، وَقيل: الْحَاشِيَة، يُقَال: صاغية الرجل: حَاشِيَته، وكل من يصغي إِلَيْهِ، أَي: يمِيل، وَعَن الْقَزاز: صاغية الرجل أَهله، يُقَال أكْرمُوا فلَانا فِي صاغيته، أَي: فِي أَهله، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: خالصته، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الصاغية هم الْقَوْم الَّذين يميلون إِلَيْهِ ويأتونه، أَي: أَتْبَاعه وحواشيه. قلت: فعلى هَذَا تكون الصاغية مُشْتَقَّة من: صغيت إِلَى فلَان، أَي: ملت بسمعي إِلَيْهِ، وَمِنْه: ﴿ولتصغي إِلَيْهِ أَفْئِدَة الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة﴾ (الْأَنْعَام: ٣١١) . وكل مائل إِلَى شَيْء أَو مَعَه فقد صغى إِلَيْهِ، وأصغى. وَفِي حَدِيث الْهِرَّة: أَنه كَانَ يصغي لَهَا الْإِنَاء أَي: يميله إِلَيْهَا ليسهل عَلَيْهَا الشّرْب مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الصاغية خاصية الْإِنْسَان، والمائلون إِلَيْهِ ذكره فِي تَفْسِير هَذَا الحَدِيث، وَقيل: الْأَشْبَه أَن يكون هَذَا هُوَ الْأَلْيَق بتفسير هَذَا الحَدِيث، وَالله تَعَالَى أعلم، وَقَالَ ابْن التِّين: وَرَوَاهُ الدَّاودِيّ: ظاعنتي، بالظاء المشالة الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة بعْدهَا نون، ثمَّ فسره: بِأَنَّهُ الشَّيْء الَّذِي يسفر إِلَيْهِ، قَالَ: وَلم أر هَذَا لغيره. قَوْله: (لَا أعرف الرَّحْمَن) ، قَالَ بَعضهم: أَي: لَا أعترف بتوحيده. قلت: هَذَا الَّذِي فسره لَا يَقْتَضِيهِ قَوْله: (لَا أعرف الرَّحْمَن) ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه لما كتب إِلَيْهِ ذكر اسْمه بِعَبْد الرَّحْمَن، فَقَالَ: مَا أعرف الرَّحْمَن الَّذِي جعلت نَفسك عبدا لَهُ، أَلا ترى أَنه قَالَ: كاتبني بِاسْمِك الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ اسْمه فِي الْجَاهِلِيَّة: عبد عَمْرو، فَلذَلِك كَاتبه: عبد عَمْرو، وَقيل: كَانَ اسْمه فِي الْجَاهِلِيَّة: عبد الْكَعْبَة فَسَماهُ النَّبِي ﷺ : عبد الرَّحْمَن، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح مَعْنَاهُ لَا أعبد من تعبده، وَهَذِه حمية الْجَاهِلِيَّة الَّتِي ذكرت حِين لم يقرؤا كِتَابه ﷺ يَوْم الْحُدَيْبِيَة، لما كتب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، قَالُوا: لَا نَعْرِف الرَّحْمَن أكتب بِاسْمِك أللهم. قَوْله: (وَلما كَانَ يَوْم بدر) ، يَعْنِي: غَزْوَة يَوْم بدر، وَكَانَت يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع عشر من رَمَضَان فِي السّنة الثَّانِيَة، قَالَه عُرْوَة بن الزبير وَقَتَادَة وَالسُّديّ وَأَبُو جَعْفَر الباقر، وَقيل: غير ذَلِك، وَلَكِن لَا خلاف أَنَّهَا فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة، وَبدر: بِئْر لرجل كَانَ يدعى بَدْرًا، قَالَه الشّعبِيّ. وَقَالَ البلاذري: بدر اسْم مَاء لخَالِد بن النَّضر، بَينه وَبَين الْمَدِينَة ثَمَانِيَة برد. قَوْله: (لأحرزه) ، بِضَم الْهمزَة من الْإِحْرَاز أَي: لأحفظه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لأحوزه من الْحِيَازَة أَي: الْجمع، وَفِي بَعْضهَا من: الْحَوْز، أَي: الضَّبْط وَالْحِفْظ، وَفِي بَعْضهَا: من التحويز أَي: التبعيد. قَوْله: (حِين نَام النَّاس) ، أَي: حِين رقدوا، وَأَرَادَ بذلك اغتنام غفلتهم ليصون دَمه. قَوْله: (فَأَبْصَرَهُ بِلَال) ، أَي: أبْصر أُميَّة بِلَال بن حمامة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: بِلَال. قَوْله: (أُميَّة بن خلف) ، بِالنّصب على الإغراء أَي: إلزموا أُميَّة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ أُميَّة. وَقَالَ بَعضهم: خبر مُبْتَدأ مُضْمر. قلت: لَا يُقَال لمثل هَذَا الْمَحْذُوف مُضْمر، وَلَيْسَ بمصطلح هَذَا، وَالْفرق بَين الْمُضمر والمحذوف قَائِم. قَوْله: (لَا نجوت إِن نجى أُميَّة) ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِلَال، لِأَن أُميَّة كَانَ يعذب بِلَالًا بِمَكَّة عذَابا شَدِيدا لأجل إِسْلَامه، وَكَانَ يُخرجهُ إِلَى الرمضاء إِذا حميت فيضجعه على ظَهره، ثمَّ يَأْخُذ الصَّخْرَة الْعَظِيمَة فَيَضَعهَا على صَدره، وَيَقُول: لَا تزَال هَكَذَا حَتَّى تفارق دين مُحَمَّد، فَيَقُول بِلَال: أحد أحد. قَوْله: (فَخرج مَعَه) ، أَي: فَخرج مَعَ بِلَال فريق من الْأَنْصَار، وَكَانَ قد استصرخ بالأنصار وأغراهم على قَتله. قَوْله: (خلفت لَهُم ابْنه) أَي: ابْن أُمِّيّه واسْمه عَليّ. قَوْله: (لأشغلهم) ، بِضَم الْهمزَة، من الأشغال يَعْنِي: يشتغلون بِابْنِهِ عَن أَبِيه أُميَّة. قَوْله: (فَقَتَلُوهُ) ، أَي: قتلوا ابْنه، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: فَكنت بَين أُميَّة وَابْنه آخذ بأيديهما، فَلَمَّا رَآهُ بِلَال صرخَ بِأَعْلَى صَوته: يَا أنصار الله! رَأس الْكفْر أُميَّة بن خلف، فأحاطوا بِنَا، وَأَنا أذب عَنهُ، فَضرب رجل ابْنه بِالسَّيْفِ فَوَقع، وَصَاح أُميَّة صَيْحَة مَا سَمِعت مثلهَا قطّ، فَقلت: أَنْج نَفسك، فوَاللَّه لَا أُغني عَنْك شَيْئا. قَوْله: (ثمَّ أَبَوا) ، من الإباء بِمَعْنى: الِامْتِنَاع، ويروى: ثمَّ أَتَوا من الْإِتْيَان. قَوْله: (وَكَانَ رجلا ثقيلاً) ، أَي: كَانَ أُميَّة رجلا ضخما. قَوْله: (فَلَمَّا أدركونا) ، أَي: قَالَ

стр. 3544

عبد الرَّحْمَن: لما أدركنا الْأَنْصَار وبلال مَعَهم (قلت لَهُ) : أَي: لأمية (أبرك) أَمر من البروك (فبرك فألقيت عَلَيْهِ نَفسِي لأمنعه) مِنْهُم. قَوْله: (فتجللوه بِالسُّيُوفِ) ، بِالْجِيم أَي: غشوه بهَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، أَي: أدخلُوا أسيافهم خلاله حَتَّى وصلوا إِلَيْهِ وطعنوا بهَا من تحتي، من قَوْلهم: خللته بِالرُّمْحِ، وأختللته، إِذا طعنته بِهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: فتحلوه، بلام وَاحِدَة مُشَدّدَة، وَالَّذِي قتل أُميَّة رجل من الْأَنْصَار من بني مَازِن، وَقَالَ ابْن هِشَام: وَيُقَال قَتله معَاذ بن عفراء وخارجة بن زيد وخبيب بن أساف، اشْتَركُوا فِي قَتله، وَالَّذِي قتل عَليّ بن أُميَّة عمار بن يَاسر. قَوْله: (وَأصَاب أحدهم) أَي: أحد الَّذين باشروا قتل أُميَّة (رجْلي بِسَيْفِهِ) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن قُريْشًا لم يكن لَهُم أَمَان يَوْم بدر، وَلِهَذَا لم يجز بِلَال وَمن مَعَه من الْأَنْصَار أَمَان عبد الرَّحْمَن، وَقد نسخ هَذَا بِحَدِيث: يجير على الْمُسلمين أَدْنَاهُم. وَفِيه: الْوَفَاء بالعهد، لِأَن عبد الرَّحْمَن كَانَ صديقا لأمية بِمَكَّة فوفي بالعهد الَّذِي كَانَ بَينهمَا. وَقَالَ عبد الرَّحْمَن: وَكَانَ اسْمِي عبد عَمْرو، فسميت عبد الرَّحْمَن حِين أسلمت كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَكَانَ يلقاني بِمَكَّة فَيَقُول: يَا عبد عَمْرو أرغبت عَن اسْم سمَّاكَهُ أَبوك؟ فَأَقُول: نعم. فَيَقُول: إِنِّي لَا أعرف الرَّحْمَن، فَاجْعَلْ بيني وَبَيْنك شَيْئا أَدْعُوك بِهِ، فَسَماهُ عبد الإلَه، فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر مَرَرْت بِهِ وَهُوَ وَاقِف مَعَ ابْنه عَليّ بن أُميَّة وَمَعِي أَدْرَاع وَأَنا أحملها، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: يَا عبد عَمْرو، فَلم أجبه، ال: يَا عبد الإل هـ! قلت: نعم. قَالَ: هَل لَك فِي؟ فَأَنا خير لَك من هَذِه الأدراع الَّتِي مَعَك. قلت: نعم، فطرحت الأدراع من يَدي وَأخذت بِيَدِهِ وَيَد ابْنه، وَهُوَ يَقُول: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قطّ؟ فرآهما بِلَال، فَصَارَ أمره مَا ذكرنَا، وَكَانَ عبد الرَّحْمَن يَقُول: رحم الله بِلَالًا، ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري. وَفِيه: مجازاة الْمُسلم الْكَافِر على الْبر، يكون مِنْهُ للْمُسلمِ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ على جميل فعله، وَالسَّعْي لَهُ فِي تخليصه من الْقَتْل وَشبهه. وَفِيه: أَيْضا: المجازاة على سوء الْفِعْل بِمثلِهِ، والانتقام من الظَّالِم. وَفِيه: أَن من أُصِيب حِين يَتَّقِي عَن مُشْرك أَنه لَا شَيْء فِيهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الله سَمِعَ يوسُفُ صالِحا وإبْرَاهِيمُ أباهُ أَبُو عبد الله: هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، سمع يُوسُف ... إِلَى آخِره، ثَبت فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي: يُوسُف هُوَ ابْن الْمَاجشون الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور، وَصَالح هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَفَائِدَة ذكر هَذَا، وَإِن كَانَ سماعهما علم من الْإِسْنَاد. تَحْقِيق لِمَعْنى السماع حَتَّى لَا يظنّ أَنه عنعن بِمُجَرَّد إِمْكَان السماع، كَمَا هُوَ مَذْهَب بعض الْمُحدثين، كمسلم وَغَيره. ٣ - (بابُ الوَكالَة فِي الصَّرْفِ والمِيزَانِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوكَالَة فِي الصّرْف، يَعْنِي ف بيع النَّقْد بِالنَّقْدِ. قَوْله: (وَالْمِيزَان) أَي: الْوكَالَة فِي الْمِيزَان، أَي: فِي الْمَوْزُون. وَقد وكَّل عُمَر وابنُ عُمَرَ فِي الصَّرْفِ هَذَانِ تعليقان. أما تَعْلِيق عمر فوصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق مُوسَى بن أنس عَن أَبِيه أَن عمر أعطَاهُ آنِية مموهة بِالذَّهَب، فَقَالَ لَهُ: إذهب فبعها، فَبَاعَهَا من يَهُودِيّ بِضعْف وَزنه، فَقَالَ لَهُ عمر: أردده. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ: أزيدك. فَقَالَ لَهُ عمر: لَا إلَاّ بوزنه. وَأما تَعْلِيق ابْن عمر فوصله سعيد بن مَنْصُور أَيْضا من طَرِيق الْحسن بن سعد قَالَ: كَانَت لي عِنْد ابْن عمر دَرَاهِم، فَأَصَبْت عِنْده دَنَانِير، فَأرْسل معي رَسُولا إِلَى السُّوق، فَقَالَ: إِذا قَامَت على سعرها فأعرضها عَلَيْهِ فَإِن أَخذهَا وإلَاّ فاشترِ لَهُ حَقه، ثمَّ: إقضه إِيَّاه.

стр. 3545

٣٠٣٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ المَجِيدِ بنِ سُهَيْلِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابْن عَوْفٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِي وَأبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ اسْتَعْمعلَ رجُلاً عَلَى خَيْبَرَ فجاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنيبٍ فَقَالَ أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا فَقَالَ إنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذَا بالصَّاعَيْنِ والصَّاعَيْنِ بِالثَّلاثَةِ فَقَالَ لَا تفْعَلْ بِعِ الجَمْعَ بالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بالدَّرَاهِمِ جَنِينا وَقَالَ فِي المِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، ﷺ ، قَالَ لعامل خَيْبَر: (بِعْ الْجمع بِالدَّرَاهِمِ ثمَّ ابتع) أَي: اشْتَرِ (بِالدَّرَاهِمِ جنيبا) وَهَذَا تَوْكِيل فِي البيع وَالشِّرَاء، وَبيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ يدا بيد مثل الصّرْف سَوَاء، وَهُوَ شبهه فِي الْمَعْنى، وَيكون بيع الدِّرْهَم بالدرهم وَالدِّينَار بالدينار كَذَلِك، إِذْ لَا قَائِل بِالْفَصْلِ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا أَرَادَ بيع تمر بِتَمْر خير مِنْهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن قُتَيْبَة عَن مَالك عَن عبد الْمجِيد ... إِلَى آخِره نَحوه، غير أَنه لم يذكر هُنَاكَ: وَقَالَ فِي الْمِيزَان مثل ذَلِك، مَعْنَاهُ أَن الموزونات حكمهَا فِي الرِّبَا حكم المكيلات، فَلَا يُبَاع رَطْل برطلين. قَالَ الدَّاودِيّ: أَي لَا يجوز التَّمْر بِالتَّمْرِ إلَاّ كَيْلا بكيل، أَو وزنا بِوَزْن، وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن التِّين بِأَن التَّمْر لَا يُوزن. قلت: هَذَا غير وَارِد عَلَيْهِ، لِأَن من التَّمْر تَمرا لَا يُبَاع إلَاّ بِالْوَزْنِ، وَهَذَا التَّمْر الْعِرَاقِيّ لَا يُبَاع فِي الْبِلَاد الشامية والمصرية إِلَّا بِالْوَزْنِ. قَوْله: (عبد الْمجِيد) حكى ابْن عبد الْبر أَنه وَقع فِي رِوَايَة عبد الله بن يُوسُف: عبد الحميد، بِالْحَاء الْمُهْملَة قبل الْمِيم، قَالَ: وَكَذَا وَقع ليحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ عَن مَالك، وَهُوَ خطأ، وَقد مر الْكَلَام فِي شرح الحَدِيث هُنَاكَ فَنَذْكُر بعض شَيْء وَهُوَ أَن اسْم ذَلِك الْعَامِل: سَواد بن غزيَّة، والجنيب، بِفَتْح الْجِيم وَكسر النُّون: الْخِيَار من التَّمْر، وَالْجمع، بِالْفَتْح: التَّمْر الْمُخْتَلط من الْجيد والرديء. ٤ - (بابٌ إذَا أبْصَرَ الرَّاعِي أوِ الوَكِيلُ شَاة تَمُوتُ أوْ شَيْئا يَفْسُدُ ذَبَحَ وأصْلَحَ مَا يَخَافُ علَيْهِ الْفَسادَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: (إِذا أبْصر الرَّاعِي) أَي: راعي الْغنم. قَوْله: (أَو الْوَكِيل) أَي: أَو أبْصر الْوَكِيل. قَوْله: (شَاة) أَي: أبْصر الرَّاعِي مِنْهَا شَاة تَمُوت، أَي: أشرفت على الْمَوْت. قَوْله: (أَو شَيْئا يفْسد) ، يرجع إِلَى الْوَكِيل أَي: أَو أبْصر الْوَكِيل شَيْئا يفْسد أَي أشرف على الْفساد. قَوْله: (ذبح) أَي: الرَّاعِي ذبح تِلْكَ الشَّاة لِئَلَّا تذْهب مجَّانا. قَوْله: (وَأصْلح) ، يرجع إِلَى الْوَكِيل، أَي: أصلح مَا يخَاف عَلَيْهِ الْفساد بإبقائه، مثلا إِذا كَانَت تَحت يَده فَاكِهَة أَو نَحْوهَا مِمَّا يخَاف عَلَيْهِ الْفساد فَإِنَّهُ يصلح ذَلِك بِوَجْه من الْوُجُوه الَّتِي لَا يحصل مِنْهُ ضَرَر للْمُوكل، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِعَين مَا ذكرت فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَفِي بعض النّسخ: أَو أصلح مَا يخَاف الْفساد، وَهُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه: فَأصْلح بدل: وَأصْلح، وعَلى هَذِه الرِّوَايَة جَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: جَازَ، وَنَحْو ذَلِك، وعَلى رِوَايَة الْأصيلِيّ قَوْله: ذبح وَأصْلح، جَوَاب الشَّرْط. ٤٠٢٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ سَمِعَ المُعْتَمِرَ قَالَ أنْبأنا عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ أنَّهُ سَمِعَ ابنَ كعْبِ بنِ مالِكٍ يُحَدِّثُ عنْ أبِيهِ أنَّهُ كانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسلْعٍ فأبْصَرَتْ جارِيةٌ لَنا بِشاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتا فكَسَرَتْ حَجَرا فذَبَحَتْها بِهِ فَقال لَهُمْ لَا تأكُلُوا حتَّى أسألَ النبيَّ ﷺ أوْ أُرْسِلَ إلَى النبيِّ ﷺ منْ يَسْألُهُ وأنَّهُ سألَ النبيَّ ﷺ عنْ ذَاكَ أوْ أرْسَلَ إلَيْهِ فأمَرَهُ بأكْلِهَا. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي مَسْأَلَة الرَّاعِي ظَاهِرَة، لِأَن الْجَارِيَة كَانَت راعية للغنم، فَلَمَّا رَأَتْ شَاة مِنْهَا تَمُوت ذبحتها، وَلما رفع

стр. 3546

أمرهَا إِلَى النَّبِي ﷺ أَمر بأكلها وَلم يُنكر على من ذَبحهَا، وَأما مَسْأَلَة الْوَكِيل فملحقة بهَا، لِأَن يَد كل من الرَّاعِي وَالْوَكِيل يَد أَمَانَة فَلَا يعملان إلَاّ بِمَا فِيهِ مصلحَة ظَاهِرَة. فَإِن قلت: الْجَارِيَة فِي الحَدِيث كَانَت ملكا لصَاحب الْغنم. قلت: لَا يضرنا ذَلِك لِأَن الْكَلَام فِي جَوَاز الذّبْح الَّذِي تتضمنه التَّرْجَمَة، وَلَيْسَ الْكَلَام فِي الضَّمَان، وَلِهَذَا رد على ابْن التِّين فِي قَوْله: لَيْسَ غَرَض البُخَارِيّ بِحَدِيث الْبَاب الْكَلَام فِي تَحْلِيل الذَّبِيحَة أَو تَحْرِيمهَا، وَإِنَّمَا غَرَضه إِسْقَاط الضَّمَان عَن الرَّاعِي وَالْوَكِيل. انْتهى. وَالْغَرَض الَّذِي نسبه إِلَى البُخَارِيّ لَا يدل عَلَيْهِ الحَدِيث. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه. الثَّانِي: مُعْتَمر بن سُلَيْمَان. الثَّالِث: عبيد الله بن عمر الْعمريّ. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: ابْن كَعْب. اخْتلف فِيهِ، ذكر الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) أَنه عبد الله بن كَعْب حَيْثُ قَالَ: وَمن مُسْند كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي، ﷺ ، ثمَّ قَالَ عبد الله بن كَعْب ابْن مَالك عَن أَبِيه كَعْب بن مَالك، ثمَّ ذكر هَذَا الحَدِيث، وروى ابْن وهب عَن أُسَامَة بن زيد عَن ابْن شهَاب عَن عبد الرَّحْمَن ابْن كَعْب عَن مَالك عَن أَبِيه طرفا من هَذَا الحَدِيث. فَهَذَا يَقْتَضِي أَنه عبد الرَّحْمَن، وَذكره البُخَارِيّ فِي مَوضِع آخر فَسَماهُ: عبد الرَّحْمَن. السَّادِس: كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ، هُوَ أحد الثَّلَاثَة الَّذين نزل فيهم: ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾ (التَّوْبَة: ٨١١) [/ ح. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: لفظ الإنباء بِصِيغَة الْجمع، وَلَا فرق بَين: أَنبأَنَا وَأخْبرنَا عِنْد الْبَعْض، وَقَالَ آخَرُونَ: يجوز فِي الإجازات أَن يَقُول: أَنبأَنَا، وَلَا يُقَال أخبرنَا. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول كتاب الْعلم. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ مروزي الأَصْل النَّيْسَابُورِي الدَّارِيّ والمعتمر بَصرِي والبقية مدنيون، وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة ابْن عبد الْأَعْلَى: حَدثنَا الْمُعْتَمِر سَمِعت عبيد الله عَن نَافِع أَنه سمع ابْن كَعْب يخبر عبد الله بن عمر عَن أَبِيه بِهَذَا الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْن الْمُبَارك، عَن نَافِع: سمع رجال من الْأَنْصَار عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ ، لم يقل عَن أَبِيه، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع وَعبيدَة بن حميد عَن عبيد الله عَن نَافِع سمع أبي بن كَعْب يخبر عبد الله: كَانَت لنا جَارِيَة ... لم يذكر أَبَاهُ، وَقَالَ أَبُو عمر: قد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَلَيْسَ بِشَيْء وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب رِوَايَة مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن نَافِع عَن رجل من الْأَنْصَار عَن معَاذ بن سعد أَو سعد بن معَاذ: أَن جَارِيَة لكعب بِهَذَا ... وَالله أعلم. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الذَّبَائِح عَن مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي عَن مُعْتَمر وَعَن صَدَقَة بن فضل وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن مَالك. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الذَّبَائِح عَن هناد بن السّري. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّه) ، أَي: إِن الشان. قَوْله: (غنم) ، الْغنم يتَنَاوَل الشياه والمعز. قَوْله: (بسلع) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وَفِي آخِره عين مُهْملَة: وَهُوَ جبل بِالْمَدِينَةِ، وَقيل: فَوق الْمَدِينَة. وَقَالَ ابْن سهل: بِسُكُون اللَّام وَفتحهَا، وَذكر أَنه روى بالغين الْمُعْجَمَة. قَوْله: (أَو أرسل) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (عَن ذَلِك) ، أَي: عَن ذبح الْجَارِيَة الشَّاة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: تَصْدِيق الرَّاعِي وَالْوَكِيل على مَا اؤتمن عَلَيْهِ حَتَّى يظْهر عَلَيْهِ دَلِيل الْخِيَانَة وَالْكذب، وَهُوَ قَول مَالك وَجَمَاعَة، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِذا خَافَ الْمَوْت على شَاة فذبحها لم يضمن، وَيصدق أَن جَاءَ بهَا مذبوحة، وَقَالَ غَيره: يضمن حَتَّى يبين، مَا قَالَ. وَاخْتلف ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب إِذا أنزى على إناث الْمَاشِيَة بِغَيْر أَمر أَرْبَابهَا فَهَلَكت؟ فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَا ضَمَان عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ من صَلَاح المَال ونمائه. وَقَالَ أَشهب: عَلَيْهِ الضَّمَان، وَقَالَ ابْن التِّين: فِيهِ خمس فَوَائِد: جَوَاز ذَكَاة النِّسَاء وَالْإِمَاء، والذكاة بِالْحجرِ، وذكاة مَا أشرف على الْمَوْت، وذكاة غير الْمَالِك بِغَيْر وكَالَة. وَفِيه: الْإِرْسَال بالسؤال وَالْجَوَاب. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَهُوَ فِي البُخَارِيّ على الشَّك، أرسل أَو سَأَلَ وَلَا حجَّة فِيمَا شكّ فِيهِ. قلت: وَرِوَايَة (الْمُوَطَّأ) صَرِيحَة

стр. 3547

بالسؤال، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَن ابْن وهب. وَفِيه: دَلِيل على إجَازَة ذَبِيحَة الْمَرْأَة بِغَيْر ضَرُورَة إِذا أَحْسَنت الذّبْح، وَكَذَا الصَّبِي إِذا طاقه، قَالَه ابْن عبد الْبر، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَالْحسن ابْن حَيّ، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَعَطَاء وطاووس وَمُجاهد وَالنَّخَعِيّ. وَفِيه: أَن الذّبْح بِالْحجرِ يجوز، لَكِن إِذا كَانَ حدا وأفرى الْأَوْدَاج وأنهر الدَّم. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ فُقَهَاء الْأَمْصَار: أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري: على جَوَاز مَا ذبح بِغَيْر إِذن مَالِكه، وردوا بِهِ على من أَبى من أكل ذَبِيحَة السَّارِق وَالْغَاصِب، وهم دَاوُد وَأَصْحَابه ومقدمهم عِكْرِمَة، وَهُوَ قَول شَاذ. وَفِيه: جَوَاز أكل الْمَذْبُوح الَّذِي أشرف على الْمَوْت إِذا كَانَ فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة، وإلَاّ فَلَا يجوز. وَفِيه: جَوَاز الذّبْح بِكُل جارح إلَاّ السن وَالظفر فَإِنَّهُمَا مستثنيان. قَالَ عُبَيْدُ الله فَيُعْجِبُنِي أَنَّهَا أمَةٌ وأنَّها ذَبَحَتْ عبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ، وَفِي بعض النّسخ: فَأَعْجَبَنِي. تابَعَهُ عَبْدَةُ عنْ عُبَيْدِ الله أَي: تَابع الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان عَبدة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان الْكُوفِي فِي رِوَايَة: عَن عبيد الله الْمَذْكُور، وَذكر البُخَارِيّ فِي الذَّبَائِح هَذِه الْمُتَابَعَة مَوْصُولَة عَن صَدَقَة بن الْفضل، وَسَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٥ - (بابٌ وكالَةُ الشَّاهِدِ والغَائِبِ جائِزَةٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ وكَالَة الشَّاهِد، أَي: الْحَاضِر، ووكالة الْغَائِب جَائِزَة. قَوْله: (وكَالَة) ، بِالرَّفْع مُبْتَدأ. قَوْله: (الْغَائِب) ، عطف على الشَّاهِد، وَقَوله: (جَائِزَة) ، خبر الْمُبْتَدَأ. وكَتَبَ عَبْدُ الله بنُ عَمْرٍ وَإِلَى قَهْرَمانِهِ وهْوَ غائِبٌ عنْهُ أنْ يَزَكِّي عنْ أهْلِهِ الصَّغِيرِ والْكَبِيرِ عبد الله، قَالَ بَعضهم: هُوَ ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: عبد الله هُوَ ابْن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرَأَيْت النّسخ فِيهِ مُخْتَلفَة، فَفِي بَعْضهَا: عبد الله بن عَمْرو، بِالْوَاو، وَفِي بَعْضهَا: عبد الله بن عمر، بِلَا وَاو. قَوْله: (إِلَى قهرمانه) ، القهرمان، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْهَاء وَفتح الرَّاء وَتَخْفِيف الْمِيم وَفِي آخِره نون: وَهُوَ خَادِم الشَّخْص الْقَائِم بِقَضَاء حَوَائِجه، وَهُوَ لُغَة فارسية. قَوْله: (وَهُوَ غَائِب عَنهُ) أَي: وَالْحَال أَن قهرمانه غَائِب عَن عبد الله. قَوْله: (أَن يُزكي) ، أَرَادَ بِهِ أَن يُزكي زَكَاة الْفطر (عَن أَهله الصَّغِير وَالْكَبِير) وَهَذَا يدل على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: جَوَاز تَوْكِيل الْحَاضِر الْغَائِب، وَيَجِيء الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَالْآخر: وجوب صَدَقَة الْفطر على الرجل عَن أَهله الصَّغِير وَالْكَبِير، وَهَذَا ظَاهر الْأَثر. وَفِيه: تَفْصِيل وَخلاف قد مر فِي: بَاب صَدَقَة الْفطر. ٥٠٣٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْم قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ سلَمَةَ عنْ أبي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كانَ لِرَجُلٍ علَى النَّبِيِّ ﷺ جَمَلٌ سِنٌّ مِن الإبِلِ فَجاءَهُ يَتقَاضَاهُ فَقَالَ أعْطُوهُ فطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إلَاّ سِنَّا فَوْقَهَا فَقَالَ أعْطُوهُ فَقَالَ أوْفَيْتَنِي أوفَى الله بِكَ قَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ خَيَارَكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضاءً. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي وكَالَة الْحَاضِر، فِي قَوْله: (أَعْطوهُ) وَأما وكَالَة الْغَائِب فَقَالَ بَعضهم: وَأما الْغَائِب فيستفاد مِنْهُ بطرِيق الأولى. قلت: لَيْسَ فِيهِ شَيْء يدل على حكم الْغَائِب، فضلا عَن الْأَوْلَوِيَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: التَّرْجَمَة تستفاد من لفظ: (أَعْطوهُ) وَهُوَ، وَإِن كَانَ خطابا للحاضرين لكَونه بِحَسب الْعرف وقرائن الْحَال، شَامِل لكل وَاحِد من وكلاء رَسُول الله، ﷺ ، غيبا وحضورا.

стр. 3548

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: سَلمَة بن كهيل، بِضَم الْكَاف وَفتح الْهَاء. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وسُفْيَان وَسَلَمَة كوفيون وَأَبُو سَلمَة مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاستقراض عَن أبي نعيم أَيْضا، وَعَن مُسَدّد وَعَن أبي الْوَلِيد ومسدد أَيْضا، وَفِي الْوكَالَة أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي الْهِبَة عَن عَبْدَانِ وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن أبي كريب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار بِهِ وَعَن أبي كريب بِهِ مُخْتَصرا، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن مَنْصُور، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم مُخْتَصرا. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن بشار. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سنّ) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون أَي: ذَات سنّ، وَهُوَ أحد أَسْنَان الْإِبِل، وَأَسْنَانهَا مَعْرُوفَة فِي كتب اللُّغَة إِلَى عشر سِنِين، فَفِي الْفَصْل الأول: حوار، ثمَّ الفصيل إِذا فصل، فَإِذا دخل فِي السّنة الثَّانِيَة فَهُوَ ابْن مَخَاض أَو ابْنة مَخَاض، فَإِذا دخل فِي الثَّالِثَة فَهُوَ ابْن لبون أَو بنت لبون، فَإِذا دخل فِي الرَّابِعَة فَهُوَ حق أَو حقة، فَإِذا دخل فِي الْخَامِسَة فَهُوَ جذع أَو جَذَعَة، فَإِذا دخل فِي السَّادِسَة فَهُوَ ثني أَو ثنية، فَإِذا دخل فِي السَّابِعَة فَهُوَ رباعي أَو ربَاعِية، فَإِذا دخل فِي الثَّامِنَة فَهُوَ سديس أَو سدس، فَإِذا دخل فِي التَّاسِعَة فَهُوَ بازل، فَإِذا دخل فِي الْعَاشِرَة فَهُوَ مخلف، ثمَّ لَيْسَ لَهُ اسْم بعد ذَلِك، وَلَكِن يُقَال: بازل عَام، وبازل عَاميْنِ، ومخلف عَام، ومخالف عَاميْنِ، ومخلف ثَلَاثَة أَعْوَام إِلَى خمس سِنِين، حَكَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) عَن النَّضر بن شُمَيْل وَأبي عبيد والرياشي. قَوْله: (يتقاضاه) يَعْنِي: يطْلب أَن يَقْضِيه. قَوْله: (أوفيتني) ، يُقَال: أوفاه حَقه إِذا أعطَاهُ وافيا، وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول: أوفاك الله، فِي مُقَابلَته، وَلكنه زَاد الْبَاء فِي الْمَفْعُول توكيدا. قَوْله: (خياركم) ، يحْتَمل أَن يكون مُفردا بِمَعْنى الْمُخْتَار، وَأَن يكون جمعا. قَوْله: (أحسنكم) ، خبر لقَوْله: خياركم، وَالْأَصْل التطابق بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي الْإِفْرَاد وَغَيره، وَلكنه إِذا كَانَ الْخِيَار بِمَعْنى الْمُخْتَار، فالمطابقة حَاصِلَة وإلَاّ فأفعل التَّفْضِيل الْمُضَاف الْمَقْصُود مِنْهُ الزِّيَادَة يجوز فِيهِ الْإِفْرَاد والمطابقة لمن هُوَ لَهُ، وروى أَيْضا: أحاسنكم، وَهُوَ جمع: أحسن، وَورد: محاسنكم، بِالْمِيم. قَالَ عِيَاض: جمع محسن، بِفَتْح الْمِيم كمطلع ومطالع، وَالْأول أَكثر، وَفِي (الْمطَالع) : وَيحْتَمل أَن يكون سماهم بِالصّفةِ أَي: ذُو المحاسن. قَوْله: (قَضَاء) ، بِالنّصب على التَّمْيِيز. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: تَوْكِيل الْحَاضِر الصَّحِيح على قَول عَامَّة الْفُقَهَاء، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد إلَاّ أَن مَالِكًا قَالَ: يجوز ذَلِك وَإِن لم يرض خَصمه إِذا لم يكن الْوَكِيل عدوا للخصم، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَهَذَا الحَدِيث حجَّة على أبي حنيفَة فِي قَوْله: إِنَّه لَا يجوز تَوْكِيل الْحَاضِر بِالْبَلَدِ الصَّحِيح الْبدن إلَاّ برضى خَصمه أَو عذر مرض أَو سفر ثَلَاثَة أَيَّام، وَهَذَا الحَدِيث خلاف قَوْله، لِأَنَّهُ، ﷺ أَمر أَصْحَابه أَن يقضوا عَنهُ السن الَّتِي كَانَت عَلَيْهِ، وَذَلِكَ تَوْكِيل مِنْهُ لَهُم على ذَلِك، وَلم يكن، ﷺ ، غَائِبا وَلَا مَرِيضا وَلَا مُسَافِرًا؟ قلت: لَيْسَ الحَدِيث بِحجَّة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي الْجَوَاز، وَلَكِن يَقُول: لَا يلْزم، يَعْنِي: لَا يسْقط حق الْخصم فِي طلب الْحُضُور وَالدَّعْوَى وَالْجَوَاب بِنَفسِهِ، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى فِي الْأَصَح، وَالْمَرْأَة كَالرّجلِ بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا، وَاسْتحْسن بعض أَصْحَابنَا أَنَّهَا توكل إِذا كَانَت غير بَرزَة. وَفِيه: جَوَاز الْأَخْذ بِالدّينِ، وَلَا يخْتَلف الْعلمَاء فِي جَوَازه عِنْد الْحَاجة وَلَا يتَعَيَّن طَالبه. وَفِيه: حجَّة من قَالَ بِجَوَاز قرض الْحَيَوَان، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَقَالَ القَاضِي: أجَاز جُمْهُور الْعلمَاء استسلاف سَائِر الْأَشْيَاء من الْحَيَوَان وَالْعرُوض، واستثنيت من ذَلِك الْحَيَوَان لِأَنَّهُ قد يردهَا بِنَفسِهِ، فَحِينَئِذٍ يكون عَارِية الْفروج، وَأَجَازَ ذَلِك بعض أَصْحَابنَا بِشَرْط أَن يردهَا غَيرهَا، وَأَجَازَ استقراض الْجَوَارِي الطَّبَرِيّ والمزني، وَرُوِيَ عَن دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ ابْن حبيب وَأَصْحَابه وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ: يجوز استقراض الْحَيَوَان كُله إلَاّ الْإِمَاء، وَعند مَالك: إِن اسْتقْرض أمة وَلم يَطَأهَا ردهَا بِعَينهَا

стр. 3549

وَإِن حملت ردهَا بعد الْولادَة وَقِيمَة وَلَدهَا إِن ولد حَيا، وَمَا نقصتها الْولادَة، وَإِن مَاتَت لزمَه مثلهَا، فَإِن لم يُوجد مثلهَا فقيمتها. وَقَالَ ابْن قدامَة: أما بَنو آدم، فَقَالَ أَحْمد: أكره قرضهم، فَيحْتَمل كَرَاهَة تَنْزِيه، وَيصِح قرضهم، وَهُوَ قَول ابْن جريج والمزني، وَيحْتَمل أَنه كَرَاهَة تَحْرِيم، فَلَا يَصح قرضهم، وَاخْتَارَهُ القَاضِي فِي (شرح الْمُهَذّب) : استقراض الْحَيَوَان فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب: مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وجماهير الْعلمَاء: جَوَازه إِلَّا الْجَارِيَة لمن ملك وَطأهَا، فَإِنَّهُ لَا يجوز، وَيجوز إقراضها لمن لَا يجوز لَهُ وطؤهما كمحرمها، وللمرأة وَالْخُنْثَى. الثَّانِي: مَذْهَب ابْن جرير وَدَاوُد، وَيجوز قرض الْجَارِيَة وَسَائِر الْحَيَوَان لكل أحد. الثَّالِث: مَذْهَب أبي حنيفَة والكوفيين وَالثَّوْري وَالْحسن بن صَالح، وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة مَنعه، وَقد مر الْجَواب عَمَّا قَالُوا من جَوَاز قرض الْحَيَوَان فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع العبيد وَالْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، وَفِيه مَا يدل أَن الْمقْرض إِذا أعطَاهُ الْمُسْتَقْرض أفضل مِمَّا اقْترض جِنْسا أَو كَيْلا أَو وزنا، أَن ذَلِك مَعْرُوف، وَأَنه يطيب لَهُ أَخذه مِنْهُ لِأَنَّهُ ﷺ اثنى فِيهِ على من أحسن الْقَضَاء، وَأطلق ذَلِك وَلم يُقَيِّدهُ. قلت: هَذَا عِنْد جمَاعَة الْعلمَاء إِذا لم يكن بِغَيْر شَرط مِنْهُمَا فِي حِين السّلف، وَقد أجمع الْمُسلمُونَ نقلا عَن النَّبِي ﷺ : أَن اشْتِرَاط الزِّيَادَة فِي السّلف رَبًّا. وَفِيه: دَلِيل على أَن للْإِمَام أَن يستسلف للْمَسَاكِين على الصَّدقَات ولسائر الْمُسلمين على بَيت المَال، لِأَنَّهُ كالوصي لجميعهم وَالْوَكِيل، مَعْلُوم أَنه ﷺ لم يستسلف ذَلِك لنَفسِهِ لِأَنَّهُ قَضَاهُ من إبل الصَّدَقَة، وَمَعْلُوم أَن الصَّدَقَة مُحرمَة عَلَيْهِ، لَا يحل لَهُ أكلهَا وَلَا الِانْتِفَاع بهَا. فَإِن قلت: فلِمَ أعْطى من أَمْوَالهم أَكثر مِمَّا اسْتقْرض لَهُم؟ قلت: هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَنه جَائِز للْإِمَام إِذا اسْتقْرض للْمَسَاكِين أَن يرد من مَالهم أَكثر مِمَّا أَخذ على وَجه النّظر وَالصَّلَاح إِذا كَانَ على غير شَرط. فَإِن قلت: إِن الْمُسْتَقْرض مِنْهُ غنى، وَالصَّدَََقَة لَا تحل لَغَنِيّ؟ قلت: قد يحْتَمل أَن يكون الْمُسْتَقْرض مِنْهُ قد ذهبت إبِله بِنَوْع من حوائج الدُّنْيَا، فَكَانَ فِي وَقت صرف مَا أَخذ مِنْهُ إِلَيْهِ فَقِيرا تحل لَهُ الزَّكَاة، فَأعْطَاهُ النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم خيرا من بعيره بِمِقْدَار حَاجته، وَجمع فِي ذَلِك وضع الصَّدَقَة فِي موضعهَا وَحسن الْقَضَاء، وَيحْتَمل أَن يكون غارما أَو عَارِيا مِمَّن يحل لَهُ الصَّدَقَة من الْأَغْنِيَاء. وَقيل: وَيحْتَمل أَنه كَانَ اقْترض لنَفسِهِ، فَلَمَّا جَاءَت إبل للصدقة اشْترى مِنْهَا بَعِيرًا مِمَّن اسْتَحَقَّه، فملكه بِثمنِهِ وأوفاه مُتَبَرعا بِالزِّيَادَةِ من مَاله، يدل عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم: (اشْتَروا لَهُ بَعِيرًا) . وَقيل: إِن الْمُقْتَرض كَانَ بعض المحتاجين، اقْترض لنَفسِهِ، فَأعْطَاهُ، ﷺ ، من الصَّدَقَة، وَهَذَا يرد قَول من قَالَ: إِنَّه كَانَ يَهُودِيّا. وَقيل يحْتَمل أَنه ﷺ كَانَ اقترضه لبَعض نَوَائِب الْمُسلمين، لِأَنَّهُ اقترضه لخاصة نَفسه، وَعبر الرَّاوِي عَن ذَلِك مجَازًا، إِذْ كَانَ هُوَ الْآمِر ﷺ . وَأما قَول من قَالَ: كَانَ استسلافه ذَلِك قبل أَن تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة ففاسد، لِأَنَّهُ لم ويزل ﷺ مُحرمَة عَلَيْهِ الصَّدَقَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَذَلِكَ من خَصَائِصه، وَمن عَلَامَات نبوته فِي الْكتب الْقَدِيمَة، بِدَلِيل قصَّة سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ٦ - (بابُ الوَكَالَةِ فِي قَضاءِ الدُّيُونِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوكَالَة فِي قَضَاء الدُّيُون. ٦٠٣٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَة بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رجُلاً أتَى النبيَّ ﷺ يَتَقَاضاهُ فأغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أصْحَابُهُ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ دَعُوهُ فإنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مقَالاً ثُمَّ قَالَ أعْطُوهُ سِنّا مِثْلَ سِنِّهِ قالُوا يَا رسولَ الله لَا نَجِدُ إلَاّ أمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ أعْطُوهُ فإنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أحْسَنَكُمْ قَضاءً. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَعْطوهُ سنا) ، لِأَن أمره ﷺ بِإِعْطَاء السن وكَالَة فِي قَضَاء دينه، وَهَذَا الحَدِيث هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، لكنه من وَجه آخر، وَبَينهمَا بعض تفَاوت فِي الْمَتْن بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان، وَأخرجه هُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان عَن سَلمَة، وَهَهُنَا أخرجه: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَأبي أَيُّوب الواشحي الْبَصْرِيّ، قَاضِي مَكَّة عَن شُعْبَة

стр. 3550

ابْن الْحجَّاج إِلَى آخِره. قَوْله: (يتقاضاه) ، جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (فَأَغْلَظ) ، يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من الإغلاظ التَّشْدِيد فِي الْمُطَالبَة من غير كَلَام يَقْتَضِي الْكفْر، أَو كَانَ المتقاضي كَافِرًا. قَوْله: (فهمَّ بِهِ أَصْحَابه) أَي: قصدوه ليؤذوه بِاللِّسَانِ أَو بِالْيَدِ أَو غير ذَلِك. قَوْله: (دَعوه) أَي: أتركوه وَلَا تتعرضوا لَهُ، وَهَذَا من غَايَة حلمه وَحسن خلقه ﷺ . قَوْله: (فَإِن لصَاحب الْحق مقَالا) ، يَعْنِي: صولة الطّلب وَقُوَّة الْحجَّة، لَكِن على من يمطل أَو يسيء الْمُعَامَلَة، وَأما من أنصف من نَفسه فبذل مَا عِنْده وَاعْتذر عَمَّا لَيْسَ عِنْده فَلَا تجوز الاستطالة عَلَيْهِ بِحَال. قَوْله: (إلَاّ مثل) ، تَقْدِيره: لَا نجد سنا إلَاّ سنا أمثل، أَي: أفضل من سنه، وَقَالَ الْمُهلب: من آذَى السُّلْطَان بجفاء وَشبهه فَإِن لأَصْحَابه أَن يعاقبوه وينكروا عَلَيْهِ وَإِن لم يَأْمُرهُم السُّلْطَان بذلك. ٧ - (بابٌ إِذا وهَبَ شَيْئا لوكِيلٍ أوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جازَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وهب أحد شَيْئا لوكيل، بِالتَّنْوِينِ أَي: لوكيل قوم، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى قوم الْمَذْكُور من قبيل قَوْله: بَين ذراعي وجبهة الْأسد، وَالتَّقْدِير: بَين ذراعي الْأسد وجبهته. قَوْله: (أَو شَفِيع قوم) ، عطف على مَا قبله، وَالتَّقْدِير: أَو وهب شَيْئا لشفيع قوم. قَوْله: (جَازَ) ، جَوَاب الشَّرْط. لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سألُوهُ المَغَانِمَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ نَصِيبيي لَكُمْ هَذَا تَعْلِيل للتَّرْجَمَة بَيَانه أَن وَفد هوَازن كَانُوا رسلًا أَتَوا النَّبِي ﷺ وَكَانُوا وكلاء وشفعاء فِي رد سَبْيهمْ الَّذِي سباه رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ الْمَغَانِم، فَقبل النَّبِي ﷺ شفاعتهم، فَرد إِلَيْهِم نصِيبه من السَّبي، وتوضيح ذَلِك فِيمَا ذكره مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ بحنين، فَلَمَّا أصَاب من هوَازن مَا أصَاب من أَمْوَالهم وسباياهم أدركهم وَفد هوَازن بالجعرانة، وَقد أَسْلمُوا، فَقَالُوا يَا رَسُول الله أمنن علينا منَّ الله عَلَيْك. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (نِسَاؤُكُمْ وأبناؤكم أحب إِلَيْكُم أم أَمْوَالكُم؟ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله خيرتنا بَين أحسابنا وَأَمْوَالنَا، بل أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا أحب إِلَيْنَا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أما مَا كَانَ لي ولبني عبد الْمطلب فَهُوَ لكم، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول الله، وَقَالَت الْأَنْصَار: وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول الله، فَردُّوا إِلَى النَّاس نِسَاءَهُمْ وأبناءهم، وَكَانَت قسْمَة غَنَائِم هوَازن قبل دُخُوله، ﵇، مَكَّة مُعْتَمِرًا من الْجِعِرَّانَة. قَالَ إِبْنِ اسحاق: لما انْصَرف النَّبِي ﷺ عَن الطَّائِف وَنزل الْجِعِرَّانَة فِيمَن مَعَه من النَّاس، وَمَعَهُ من هوَازن سبي كثير، وَقد قَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه يَوْم ظعن من ثَقِيف: يَا رَسُول الله! أدع عَلَيْهِم. فَقَالَ: أللهم إهدِ ثقيفا وإيت بهم. قَالَ: ثمَّ أَتَاهُ وَفد هوَازن بالجعرانة. وَكَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ من سبي هوَازن سِتَّة آلَاف من الذَّرَارِي وَالنِّسَاء، وَمن الْإِبِل وَالشَّاة مَا لَا يدْرِي عدته. وَقَالَ غَيره: وَكَانَت عدَّة الْإِبِل أَرْبَعَة وَعشْرين ألف بعير، وَالْغنم أَكثر من أَرْبَعِينَ ألف شَاة، وَمن الْفضة أَرْبَعَة آلَاف أُوقِيَّة. وَالْمَقْصُود أَن النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم رد إِلَيْهِم سَبْيهمْ، فَعِنْدَ ابْن إِسْحَاق: قبل الْقِسْمَة، وَعند غَيره بعْدهَا. وَكَانَت غَزْوَة هوَازن يَوْم حنين بعد الْفَتْح فِي خَامِس من شَوَّال سنة ثَمَان، وحنين وَاد بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاثَة أَمْيَال، وهوازن فِي قيس غيلَان وَفِي خُزَاعَة، فَفِي قيس غيلَان: هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس غيلَان، وَفِي خُزَاعَة: هوَازن بن أسلم بن أقْصَى، وهوازن هَذَا بطن، وَفِي هوَازن قيس غيلَان بطُون كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هوَازن ضرب من الطُّيُور، وَقَالَ غَيره: هُوَ جمع هوزن، وَقيل: الهوزون السراب ووزنه: فوعل. قلت: هَذَا يدل على أَن الْوَاو زَائِدَة، مثل وَاو جَهورِي الصَّوْت، أَي: شَدِيد عَال. ٨٠٣٢ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قالَ وزَعَمَ عُرْوَةُ أنَّ مرْوَانَ بنَ الحَكَمِ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ قَالَ أخْبَرَاهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قامَ حِينَ جاءَهُ وَفد هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فسَألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِم أمْوَالَهُمْ وسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 3551

أحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أصْدَقهُ فاخْتَارُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إمَّا السَّبْيَ وإمَّا المَالَ وقَدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ بِكُمْ وقَدْ كانَ رسولُ الله ﷺ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّ رسولَ الله ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَاّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قالُوا قالُوا فَإنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فقامَ رسولُ الله ﷺ فِي المُسْلِمِينِ فأثْنَى عَلى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ هؤُلاءِ قَدْ جاؤُنا تَائِبِينَ وإنِّي قَدْ رَأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيِّبَ بِذَلكَ فَلْيَفْعَلْ ومنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يَكونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ مِنْ أوَّلِ مَا يُفِيءُ الله عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ لَهُمْ فقالَ رسولُ الله ﷺ إنَّا لَا نَدْرِي منْ أذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأذَنْ فارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إلَيْنَا عُرَفَاءَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رسولِ الله ﷺ فأخْبَرُوهُ أنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وأذِنُوا ... مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله ﷺ : فِيهِ (إِنِّي أردْت أَن أرد إِلَيْهِم سَبْيهمْ) الحَدِيث ... وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن وَفد هوَازن كَانُوا وكلاء وشفعاء فِي رد سَبْيهمْ، فَهَذَا يُطَابق التَّرْجَمَة. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ سعيد بن كثير بن عفير أَبُو عُثْمَان. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ الْأمَوِي، قَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه رأى النَّبِي ﷺ وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَتُوفِّي النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. السَّابِع: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره رَاء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا: ابْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ، سمع النَّبِي ﷺ . ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة التَّثْنِيَة فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع الرَّابِع هُوَ قَوْله: زعم، لِأَن زعم هَهُنَا بِمَعْنى: قَالَ: قَالَ الْكرْمَانِي: والزعم يسْتَعْمل فِي القَوْل الْمُحَقق. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى جده وَأَنه وَاللَّيْث مصريان وَأَن عقيلاً أيلي والبقية مدنيون وَأَن مَرْوَان من أَفْرَاده. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْخمس وَفِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن عفير وَفِي الْعتْق وَالْهِبَة عَن سعيد بن أبي مَرْيَم وَفِي الْهِبَة والمغازي أَيْضا عَن يحيى بن بكير. وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْأَحْكَام عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن هَارُون بن مُوسَى بِقصَّة العرفاء مختصرة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَفد هوَازن) ، الْوَفْد هم الْقَوْم يَجْتَمعُونَ ويريدون الْبِلَاد، واحدهم وَافد، وَكَذَلِكَ الَّذين يقصدون الْأُمَرَاء لزيارة واسترفاد وانتجاع وَغير ذَلِك، تَقول: وَفد يفد فَهُوَ وَافد، وأوفدته فوفد، وأوفد على الشَّيْء فَهُوَ موفد إِذا أشرف، وهوازن مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (مُسلمين) حَال. قَوْله: (أحب الحَدِيث) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: أصدقة. قَوْله: (اسْتَأْنَيْت بهم) أَي: انتظرت بهم وتربصت، يُقَال: أنيت وتأنيت واستأنيت، وَيُقَال للمتمكث فِي الْأَمر: مستأنِ، ويروى: فقد كنت اسْتَأْنَيْت بكم. قَوْله: (فَلَمَّا تبين لَهُم) ، أَي: فحين ظهر لَهُم. وَقَوله: (أَن رَسُول الله) ، فِي مَحل الرّفْع فَاعل، تبين، قَوْله: (حِين قفل من الطَّائِف) ، أَي: حِين رَجَعَ، وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ لما فتح مَكَّة فِي رَمَضَان لعشر بَقينَ مِنْهُ سنة ثَمَان، ثمَّ خرج إِلَى هوَازن فِي خَامِس شَوَّال لغزوهم، وَجرى مَا جرى، وَهزمَ الله تَعَالَى أعداءه، ثمَّ سَار إِلَى الطَّائِف حِين فرغ من حنين، وَهِي غَزْوَة هوَازن يَوْم حنين، وَنزل قَرِيبا من الطَّائِف، فَضرب بِهِ عسكره. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: حاصر رَسُول الله ﷺ أهل الطَّائِف ثَلَاثِينَ لَيْلَة ثمَّ انْصَرف عَنْهُم لتأخر الْفَتْح إِلَى الْعَام الْقَابِل، وَلما انْصَرف عَن الطَّائِف

стр. 3552

نزل على الْجِعِرَّانَة فِيمَن مَعَه من النَّاس وَلما نزل على الْجِعِرَّانَة انْتظر وَفد هوَازن بضع عشرَة لَيْلَة، وَهُوَ معنى قَوْله فِي الحَدِيث: (انتظرهم بضع عشرَة لَيْلَة حِين قفل من الطَّائِف) ، ثمَّ جرى مَا ذكر فِي الحَدِيث. قَوْله: (أَن يطيب) من الثلاثي من طَابَ يطيب وَمن بَاب أطاب يطيب، وَمن بَاب التفعيل من طيب يطيب. قَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي يرد السَّبي مجَّانا بِرِضا نَفسه وَطيب قلبه. وَفِي (التَّوْضِيح) : أَرَادَ أَن يطيب أنفسهم، لأهل هوَازن، بِمَا أَخذ مِنْهُم من الْعِيَال لرفع الشحناء والعداوة وَلَا تبقى إحْنَة الْغَلَبَة لَهُم فِي انتزاع السَّبي مِنْهُم فِي قُلُوبهم، فيولد ذَلِك اخْتِلَاف الْكَلِمَة. قلت: الْمَعْنى على كَونه من الثلاثي: أَن يطيب نَفسه بذلك أَي: يدْفع السَّبي إلهم فَلْيفْعَل، وَهُوَ جَوَاب: من المتضمنة معنى الشَّرْط، فَلذَلِك حصلت فِيهِ الْفَاء، وَالْفِعْل هُنَا لَازم وعَلى كَونه من بَاب الإفعال أَو التفعيل يكون الْفِعْل مُتَعَدِّيا وَالْمَفْعُول محذوفا تَقْدِيره: أَن يطيب نَفسه بذلك، بِضَم الْيَاء وَكسر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء، وَأَن يطيب، بِضَم الْيَاء وَفتح الطَّاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (على حَظه) أَي: على نصِيبه من السَّبي. قَوْله: (مَا يفِيء الله) من: أَفَاء يفِيء من بَاب: أفعل يفعل من الْفَيْء، وَهُوَ مَا يحصل للْمُسلمين من أَمْوَال الْكفَّار من غير حَرْب وَلَا جِهَاد، وأصل الْفَيْء: الرُّجُوع. يُقَال: فَاء يفِيء فيئة وفيوا كَأَنَّهُ كَانَ فِي الأَصْل لَهُم فَرجع إِلَيْهِم، وَمِنْه قيل للظل الَّذِي بعد الزَّوَال: فَيْء، لِأَنَّهُ يرجع من جَانب الغرب إِلَى جَانب الشرق. قَوْله: (قد طيبنَا ذَلِك لرَسُول الله، ﷺ ، أَي: لأَجله، ويروى: يَا رَسُول الله. قَوْله: (حَتَّى يرفع إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ) العرفاء جمع عريف، وَهُوَ الَّذِي يعرف أَمر الْقَوْم وأحوالهم، وَهُوَ النَّقِيب وَهُوَ دون الرئيس. وَفِي (التَّلْوِيح) : العريف: الْقيم بِأَمْر الْقَبِيلَة والمحلة يَلِي أَمرهم وَيعرف الْأَمِير حَالهم، وَهُوَ مُبَالغَة فِي اسْم من يعرف الْجند وَنَحْوهم، فعيل بِمَعْنى فَاعل، والعرافة عمله وَهُوَ النَّقِيب، وَقيل: النَّقِيب فَوق العريف وَإِنَّمَا قَالَ ﷺ : (حَتَّى يرجع إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ) للتقصي عَن أصل الشَّيْء فِي استطابة النُّفُوس، ويروى: حَتَّى يرفعوا إِلَيْنَا، على لُغَة أكلوني البراغيث. قَوْله: (أَخْبرُوهُ) أَي: وَأخْبر عُرَفَاؤُهُمْ النَّبِي ﷺ أَنهم قد طيبُوا ذَلِك وأذنوا رَسُول الله ﷺ أَن يرد السَّبي إِلَيْهِم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الْغَنِيمَة إِنَّمَا يملكهَا الغانمون بِالْقِسْمَةِ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، واستفيد ذَلِك من انْتِظَاره، ﷺ . وَفِيه: دَلِيل أَيْضا على استرقاق الْعَرَب وتملكهم كالعجم، إلَاّ أَن الْأَفْضَل عتقهم للترحم ومراعاتها، كَمَا فعل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي خِلَافَته، حِين ملك الْمُرْتَدين، وَهُوَ على وَجه النّدب لَا على الْوُجُوب. وَفِيه: أَن الْعِوَض إِلَى أجل مَجْهُول جَائِز، قَالَه ابْن التِّين: قَالَ: إِذْ لَا يدْرِي مَتى يفِيء الله عَلَيْهِم. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: يُمكن أَن يُقَاس عَلَيْهِ من أكره على بيع مَاله فِي حق عَلَيْهِ، قَالَ ابْن بطال: فِيهِ بيع الْمُكْره فِي الْحق جَائِز، لِأَن النَّبِي، ﷺ ، حكم دبر السَّبي، قَالَ: من أحب أَن يكون على حَظه وَلم يَجْعَل لَهُم الْخِيَار فِي إمْسَاك السَّبي أصلا وَإِنَّمَا خَيرهمْ فِي أَن يعوضهم من غَنَائِم أخر، وَلم يخيرهم فِي أَعْيَان السَّبي، لِأَنَّهُ قَالَ لَهُم بعد أَن رد أهلهم: وَإِنَّمَا خَيرهمْ فِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ لِئَلَّا تجحف بِالْمُسْلِمين فِي مغانمهم. وَفِيه: أَنه يجوز للامام إِذا جَاءَهُ أهل الْحَرْب مُسلمين بعد أَن غنم أَمْوَالهم وأهليهم أَن يرد عَلَيْهِم إِذا رأى فِي ذَلِك مصلحَة. وَفِيه: اتِّخَاذ العرفاء. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد. وَفِيه: من رأى قبُول إِقْرَار الْوَكِيل على مُوكله، لِأَن العرفاء كَانُوا كالوكلاء فِيمَا أقِيمُوا لَهُ من أَمرهم، فَلَمَّا سمع النَّبِي، ﷺ ، مقَالَة العرفاء أنفذ ذَلِك وَلم يسألهم عَمَّا قَالُوهُ، وَكَانَ فِي ذَلِك تَحْرِيم فروج السبايا على من كَانَت حلت لَهُ، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو يُوسُف، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِقْرَار الْوَكِيل جَائِز عِنْد الْحَاكِم، وَلَا يجوز عِنْد غَيره، وَقَالَ مَالك: لَا يقبل إِقْرَاره وَلَا إِنْكَاره إلَاّ أَن يَجْعَل ذَلِك إِلَيْهِ مُوكله. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يقبل إِقْرَاره عَلَيْهِ، وَالله أعلم. ٨ - (بابٌ إذَا وكِّل رَجُلٌ أنْ يُعْطِيَ شَيْئا ولَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِي فأعْطَى عَلَى مَا يتَعَارَفُهُ الناسُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وكل رجل رجلا أَن يُعْطي شَيْئا وَلم يعين أَي: الَّذِي وكل كم يُعْطي أَي: الْوَكِيل فَأعْطى أَي: الْوَكِيل على مَا يتعارفه النَّاس، أَي: على عرف النَّاس فِي هَذِه الصُّورَة، وَجَزَاء: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ جَائِز أَو نَحوه.

стр. 3553

٩٠٣٢ - حدَّثنا المَكِّيُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حَدثنَا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحٍ وغَيْرِهِ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ولَمْ يُبَلِّغْهُ كُلُّهُمْ رَجُلٌ واحِدٌ مِنْهُمْ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفالٍ إنَّما هُوَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ فمَرَّ بِي النبيُّ ﷺ فقالِ مَنْ هَذَا قُلْتُ جابِرُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ مَا لَكَ قلْتُ إنِّي على جَمَلٍ ثَفالٍ قَالَ أمَعَكَ قَضيبٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أعْطِنِيهِ فأعْطَيْتُهُ فَضَرَبهُ فزَجَرهُ فكانَ مِنْ ذَلِكَ المَكانِ مِنْ أوَّلِ الْقَوْمِ قَالَ بِعْنِيهِ فقُلْتُ بلْ هُوَ لكَ يَا رسولَ الله قَالَ بِعْنِيهِ قَدْ أخَذْتُهُ بأرْبَعَةِ دَنانِيرَ ولَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ فلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ أخَذْتُ أرْتَحِلُ قَالَ أيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ تَزَوَّجْتُ امْرَأةً قَدْ خلَا مِنْها زَوْجُها قَالَ فهَلَاّ جارِيةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ قلْتُ إنَّ أبي تُوَفِّيَ وتَرَكَ بَناتٍ فأردْتُ أنْ أنْكِحَ امرَأةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلا مِنْها قَالَ فَذَلِكَ فلَمَّا قَدِمنا المَدِينَةِ قَالَ يَا بِلَالُ إقْضِيه وزِدْهُ فأعْطَاهُ أرْبَعَةَ دَنانِيرَ وزَادَهُ قِيرَاطا قَالَ جابرٌ لَا تُفَارِقُنِي زِيادَةُ رسولِ الله ﷺ فلَمْ يَكنِ القِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله ﷺ : (يَا بِلَال اقضِهِ وزده، فَأعْطَاهُ أَرْبَعَة دَنَانِير وزاده قيراطا) فَإِنَّهُ ﷺ لم يذكر مِقْدَار مَا يُعْطِيهِ عِنْد أمره بِالزِّيَادَةِ، فاعتمد بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْعرف فِي ذَلِك، فزاده قيراطا. وَرِجَال هَذَا الحَدِيث قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشُّرُوط. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَنهُ عَن عَطاء عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ: قد أخذت جملك بأَرْبعَة دَنَانِير، وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة لم يزدْ على هَذَا، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي كتاب الْبيُوع: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الْوَهَّاب حَدثنَا عبيد الله عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: كنت مَعَ النَّبِي، ﷺ ، فِي غزَاة فأبطأني جملي. . الحَدِيث مطولا، وَفِيه: فَأمر بِلَالًا أَن يزن لي أُوقِيَّة، فوزن لي بِلَال فأرجح. وَقَالَ بَعضهم: وَقد تقدم فِي الْحَج شَيْء من ذَلِك. قلت: لَيْسَ فِي الْحَج شَيْء من ذَلِك، وَإِنَّمَا الَّذِي تقدم فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء الدَّوَابّ وَالْحمير، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَغَيره يزِيد بَعضهم على بعض وَلم يبلغهُ كلهم رجل وَاحِد مِنْهُم عَن جَابر) كَذَا وَقع فِي أَكثر نسخ البُخَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم: عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَغَيره يزِيد بَعضهم على بعض لم يبلغهُ كُله رجل مِنْهُم، ثمَّ قَالَ: كَذَا للْأَكْثَر، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ أَي: لَيْسَ جَمِيع الحَدِيث عِنْد وَاحِد مِنْهُم بِعَيْنِه، وَإِنَّمَا عِنْد بَعضهم مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْد الآخر. انْتهى. قلت: فِي (شرح عَلَاء الدّين صَاحب (التَّلْوِيح) بِخَطِّهِ وَضَبطه: عَن عَطاء وَغَيره إِلَى آخِره، مثل مَا ذَكرْنَاهُ الْآن بِعَيْنِه، ثمَّ قَالَ: كَذَا فِي أَكثر نسخ البُخَارِيّ، ثمَّ قَالَ: وَفِي الْإِسْمَاعِيلِيّ لم يبلغهُ كل رجل مِنْهُم عَن جَابر، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا لفظ حَدِيث حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، أَنبأَنَا ابْن جريج، وَعند أبي نعيم: لم يبلغهم كلهم إلَاّ رجل وَاحِد عَن جَابر، وَكَذَا هُوَ عِنْد أبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي كتاب (الْأَطْرَاف) وَتَبعهُ الْمزي، وَفِيه نظر، إِذْ ذكرَاهُ من (صَحِيح البُخَارِيّ) ثمَّ قَالَ الشَّيْخ عَلَاء الدّين الْمَذْكُور: وَفِي بعض النّسخ المقروءة على شَيخنَا الْحَافِظ أبي مُحَمَّد التوني على يبلغهُ، ضمة على الْيَاء وفتحة على الْبَاء وَشدَّة على اللَّام وجزمة على الْغَيْن. وَفِي أُخْرَى على الْيَاء فَتْحة وعَلى الْبَاء جزمة، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْن التِّين مَعْنَاهُ أَن بَعضهم بَينه وَبَين جَابر غَيره، قَالَ: وَفِي رِوَايَة لم يبلغهُ كلهم، وكل وَاحِد مِنْهُم عَن جَابر، وَفِي (التَّوْضِيح) : وبخط الدمياطي لم يبلغهُ بِضَم أَوله وَكسر ثالثه مشددا، ثمَّ قَالَ: وَذكر ابْن التِّين أَن فِي رِوَايَة: (وكل) ، بدل رجل، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَعضهم، الضَّمِير فِيهِ رَاجع إِلَى الْغَيْر، وَهُوَ فِي معنى الْجمع وَفِي: لم يبلغهُ، إِلَى الحَدِيث أَو إِلَى الرَّسُول، وَرجل يدل عَن الْكل، وَعَن جَابر مُتَعَلق بعطاء، وَفِي أَكثر الرِّوَايَات لَفْظَة: الْغَيْر، بِالْجَرِّ، وَأما رَفعه

стр. 3554

فَهُوَ على الِابْتِدَاء، وَيزِيد خَبره، وَيحْتَمل أَن يكون: رجل، فَاعل فعل مُقَدّر نَحْو: بلغه، وعَلى التقادير: لَا يخفى مَا فِي هَذَا التَّرْكِيب من التعجرف، وَلَو كَانَ كلمة: كلهم، ضمير الْفَرد لَكَانَ ظَاهرا. انْتهى. قلت: التعجرف الَّذِي ذكره من الروَاة والتعجرف والعجرفة والعجرفيه بِمَعْنى: يُقَال فلَان يتعجرف على فلَان إِذا كَانَ يركبه بِمَا يكره، وَلَا يهاب شَيْئا، وَيُقَال: جمل فِيهِ تعجرف وعجرفة إِذا كَانَ فِيهِ خرق وَقلة مبالاة لسرعته، وَالصَّوَاب هُنَا التَّرْكِيب الَّذِي فِي رِوَايَة الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور فِي سَنَده. قَوْله: (وَغَيره) بِالْجَرِّ، أَي: وَعَن غير عَطاء. قَوْله: (يزِيد بَعضهم على بعض) ، حَال وَالضَّمِير فِي بَعضهم يرجع إِلَى لفظ غَيره، لِأَن غير عَطاء يحْتَمل أَن يكون جمعا. قَوْله: (وَلم يبلغهُ) ، أَيْضا حَال، أَي: وَالْحَال أَنهم لم يبلغُوا الحَدِيث، بل بلغه رجل وَاحِد مِنْهُم، فَلَا بُد من تَقْدِير عل قبل رجل ليستقيم الْمَعْنى، وَغير هَذَا الْوَجْه معجرف. قَوْله: (على ثفال) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَالْفَاء الْخَفِيفَة: وَهُوَ الْبَعِير البطيء السّير الثقيل الْحَرَكَة، والثفال، بِكَسْر الثَّاء جلد أَو كسَاء يوضع تَحت الرَّحَى، يَقع عَلَيْهِ الدَّقِيق. وَقَالَ ابْن التِّين: وَصوب كسر الثَّاء، هُنَاكَ قَالَه ابْن فَارس، (فَكَانَ من ذَلِك الْمَكَان) ، أَي: فَكَانَ الْجمل من مَكَان الضَّرْب من أَوَائِل الْقَوْم، وَفِي مباديهم ببركة رَسُول الله، ﷺ ، حَيْثُ تبدل ضعفه بِالْقُوَّةِ. قَوْله: (بل هُوَ لَك يَا رَسُول الله) أَي: بِغَيْر ثمن. قَوْله: (قَالَ: بل بعنيه) ، أَي: قَالَ رَسُول الله ﷺ : بل بِعني الْجمل بِالثّمن، وَذكر كلمة: بل، للإضراب عَن قَول جَابر إِنَّه لَا يَأْخُذهُ بِلَا ثمن. قَوْله: (قَالَ: قد أَخَذته بأَرْبعَة دَنَانِير) أَي: قَالَ ﷺ : قد أخذت الْجمل بأَرْبعَة دَنَانِير، فِيهِ ابْتِدَاء المُشْتَرِي بِذكر الثّمن، كَذَا هُوَ بِخَط الْحَافِظ الدمياطي، وَذكره الدَّاودِيّ الشَّارِح بِلَفْظ: أَربع الدَّنَانِير، وَقَالَ: سَقَطت التَّاء لما دخلت الْألف وَاللَّام، وَذَلِكَ جَائِز فِيمَا دون الْعشْرَة، وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن التِّين بِأَنَّهُ قَول مخترع لم يقلهُ أحد غَيره. قَوْله: (وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة) أَي: لَك أَن تركب إِلَى الْمَدِينَة، وَهَذَا إِعَارَة من رَسُول الله ﷺ لَهُ، وَإِبَاحَة للِانْتِفَاع لَا أَنه كَانَ شرطا للْبيع. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِذا كَانَ على قرب مثل تِلْكَ الْمسَافَة، وَإِن كَانَ روى عَنهُ كَرَاهَة ذَلِك، وَلَا يجوز فِيمَا بعد عَنهُ، وَقَالَ قوم: ذَلِك جَائِز، وَإِن بعد، وَقَالَت فرقة: لَا يجوز وَإِن قرب. قَوْله: (قد خلا مِنْهَا) أَي: مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا. قَوْله: (فَهَلا جَارِيَة) ، انتصاب جَارِيَة بِفعل مُقَدّر، أَي: هلا تزوجت جَارِيَة. قَوْله: (قد جربت) أَي: اختبرت حوادث الدَّهْر وَصَارَت ذَات تجربة تقدر على تعهد إخواتي وتفقد أحوالهن. قَوْله: (قَالَ: فَذَلِك) ، أَي: قَالَ رَسُول الله ﷺ : فَذَلِك، وَهُوَ مُبْتَدأ خبر مَحْذُوف أَي: فَذَلِك مبارك. وَنَحْوه. قَوْله: (إقضه) ، أَي: اقْضِ دينه، وَهُوَ ثمن الْجمل. قَوْله: (وزده) أَي: زد على الثّمن، وَهُوَ أَمر من زَاد يزِيد، نَحْو: بَاعَ يَبِيع، وَالْأَمر مِنْهُ: بِعْ، بِالْكَسْرِ. قَوْله: (فَلم يكن القيراط يُفَارق جراب جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) ، وَهَذَا من قَول عَطاء الرَّاوِي، كَذَا وَقع لفظ: جراب، بِالْجِيم فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: قرَاب، بِالْقَافِ وَهُوَ الَّذِي يدْخل فِيهِ السَّيْف بغمده، قَالَ الدَّاودِيّ: القراب خريطة، ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين: بِأَن الخريطة لَا يُقَال لَهَا: قرَاب، وَقد زَاد مُسلم فِي آخر هَذَا الحَدِيث، فَأَخذه أهل الشَّام يَوْم الْحرَّة. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هذاالحديث: أَن الْمُتَعَارف بَين النَّاس مثل النَّص عَلَيْهِ، وَعَن هَذَا قَالَ ابْن بطال: والمأمور بِالصَّدَقَةِ إِذا أعْطى مَا يتعارفه النَّاس جَازَ وَنفذ، فَإِن أعْطى أَكثر مِمَّا يتعارفه النَّاس يتَوَقَّف ذَلِك على رضَا صَاحب المَال، فَإِن أجَاز ذَلِك وإلَاّ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمِقْدَار ذَلِك، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه لَو أمره أَن يُعْطي فلَانا قَفِيزا فَأعْطَاهُ قفيزين ضمن الزِّيَادَة بِالْإِجْمَاع. ٩ - (بابُ وكالَةِ الإمْرَأةِ الإمامَ فِي النِّكَاحِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَوْكِيل الْمَرْأَة الإِمَام فِي عقد النِّكَاح وَالْوكَالَة يَعْنِي: التَّوْكِيل مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وَالْإِمَام، بِالنّصب مَفْعُوله، وَفِي بعض النّسخ وكَالَة الْمَرْأَة. ٠١٣٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ جاءَتْ امْرأةٌ إِلَى رسولِ الله ﷺ فقالَتْ يَا رسولَ الله إنِّي قَدْ وهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي فَقالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا قَالَ قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا معَكَ مِنَ القُرآنِ. .

стр. 3555

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَرْأَة لما قَالَت لرَسُول الله ﷺ : قد وهبت لَك نَفسِي، كَانَ ذَلِك كَالْوكَالَةِ على تَزْوِيجهَا من نَفسه أَو مِمَّن رأى تَزْوِيجهَا مِنْهُ، وَقد جَاءَ فِي كتاب النِّكَاح أَنَّهَا جعلت أمرهَا إِلَيْهِ صَرِيحًا، وَهُوَ طَرِيق من طرق حَدِيث الْبَاب، وَبِهَذَا يُجَاب عَمَّا قَالَه الدَّاودِيّ أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث أَنه ﷺ استأذنها، وَلَا أَنَّهَا وكلته. وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: اسْمه سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج، وَسَهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد وَفِي النِّكَاح عَن عبد الله بن يُوسُف أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن الْحسن بن عَليّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن هَارُون بن عبد الله. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَت امْرَأَة) ، اخْتلف فِي اسْمهَا، فَقيل: هِيَ خَوْلَة بنت حَكِيم، وَقيل: هِيَ أم شريك الْأَزْدِيَّة. وَقيل مَيْمُونَة، ذكر هَذِه الْأَقْوَال أَبُو الْقَاسِم بن بشكوال فِي كتاب (المبهمات) : وَالصَّحِيح أَنَّهَا خَوْلَة أَو أم شريك، لِأَنَّهُمَا، وَإِن كَانَتَا مِمَّن وهبت نفسهما للنَّبِي ﷺ ، وَلكنه لم يتَزَوَّج بهما، وَأما مَيْمُونَة فَإِنَّهَا إِحْدَى زَوْجَاته ﷺ ، فَلَا يَصح أَن تكون هَذِه، لِأَن هَذِه قد زَوجهَا لغيره، وَقد روى الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: لم يكن عِنْد النَّبِي ﷺ امْرَأَة وهبت نَفسهَا لَهُ، لِأَنَّهُ لم يقبلهن وَإِن كن حَلَالا. قَوْله: (وهبت لَك من نَفسِي) ويروى: (وهبت لَك نَفسِي، بِدُونِ كلمة: من. قَالَ النَّوَوِيّ: قَول الْفُقَهَاء: وهبت من فلَان كَذَا، مِمَّا يُنكر عَلَيْهِم. قلت: لَا وَجه للإنكار لِأَن: من، تَجِيء زَائِدَة فِي الْمُوجب، وَهِي جَائِزَة عِنْد الْأَخْفَش والكوفيين. قَوْله: (فَقَالَ رجل: زوجنيها) ، وَلَفظه فِي النِّكَاح: (فَقَامَ رجل من أَصْحَابه فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿إِن لم يكن لَك بهَا حَاجَة فزوجنيها) . قَوْله: (قد زَوَّجْنَاكهَا بِمَا مَعَك من الْقُرْآن) . وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي هَذِه اللَّفْظَة، فَفِي رِوَايَة مُسلم وَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: (زوجتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: ملكتكها، وَفِي رِوَايَة لَهُ: أملكناكها، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر الْهَرَوِيّ: أمكناكها، وَفِي أَكثر رِوَايَات (الْمُوَطَّأ) : أنكحتكها، وَكَذَا فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم فِي أَكثر نسخه: ملكتكها، على بِنَاء الْمَجْهُول، وَكَذَا نَقله القَاضِي عِيَاض عَن رِوَايَة الْأَكْثَرين لمُسلم، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رِوَايَة من روى: ملكتكها، وهم، قَالَ: الصَّوَاب رِوَايَة من روى: زوجتكها، قَالَ: وهم أَكثر وأحفظ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيحْتَمل صِحَة اللَّفْظَيْنِ، وَيكون جرى لفظ التَّزْوِيج أَولا فملكها، ثمَّ قَالَ لَهُ: إذهب فقد ملكتكها بِالتَّزْوِيجِ السَّابِق. قلت: هَذَا هُوَ الْوَجْه، وَقد ذكرنَا أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي التَّوْحِيد، وَلكنه مُخْتَصر جدا. وَأخرجه فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب تَزْوِيج الْمُعسر، وَلَفظه: جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله﴾ جِئْت أهب لَك نَفسِي. قَالَ: فَنظر إِلَيْهَا رَسُول الله ﷺ ، فَصَعدَ النّظر إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثمَّ طأطأ رَسُول الله ﷺ رَأسه، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَة أَنه لم يقضِ فِيهَا شَيْئا، جَلَست، فَقَامَ رجل من أَصْحَابه، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن لم يكن لَك بهَا حَاجَة فزوجنيها. قَالَ: وَهل عنْدك من شَيْء؟ قَالَ: لَا، وَالله يَا رَسُول الله! فَقَالَ: إذهب إِلَى أهلك فَانْظُر. هَل تَجِد شَيْئا؟ فَذهب ثمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَالله يَا رَسُول الله مَا وجدت شَيْئا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أنظر وَلَو خَاتمًا من حَدِيد، وَلَكِن هَذَا إزَارِي. قَالَ: مَاله رادء فلهَا نصفه، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا تصنع بإزارك إِن لبسته لم يكن عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْء، وَإِن لبسته لم يكن عَلَيْك مِنْهُ شَيْء؟ فَجَلَسَ الرجل حَتَّى إِذا طَال مَجْلِسه، قَامَ فَرَآهُ رَسُول الله ﷺ موليا، فَأمر بِهِ، فدعي، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ لَهُ: مَاذَا مَعَك من الْقُرْآن؟ قَالَ: معي سُورَة كَذَا وَكَذَا، عَددهَا، قَالَ: تقرؤهن عَن ظهر قَلْبك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: إذهب فقد ملكتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن. وَإِنَّمَا سقنا هَذَا هَهُنَا لِأَنَّهُ كالشرح لحَدِيث الْبَاب يُوضح مَا فِيهِ من الْأَحْكَام. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ يشْتَمل على أَحْكَام: الأول فِيهِ: جَوَاز هبة الْمَرْأَة نَفسهَا للنَّبِي ﷺ ، وَهُوَ من خَصَائِصه، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي﴾ (الْأَحْزَاب:: ٠٥) . الْآيَة ... قَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: لَا تحل الْهِبَة لأحد بعد النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ أَبُو عمر: أجمع الْعلمَاء على أَنه لَا يجوز أَن يطَأ فرجا وهب لَهُ وَطْؤُهُ دون رقبته بِغَيْر صدَاق. الثَّانِي فِيهِ: أَنه ﷺ يجوز لَهُ اسْتِبَاحَة من شَاءَ مِمَّن وهبت نَفسهَا لَهُ بِغَيْر صدَاق، وَهَذَا أَيْضا من الخصائص. الثَّالِث: اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالْحسن بن حَيّ، على أَن النِّكَاح ينْعَقد بِلَفْظ الْهِبَة، فَإِن سمى مهْرا لزمَه، وَإِن لم يسم فلهَا مهر الْمثل؟ قَالُوا: وَالَّذِي خص بِهِ رَسُول الله ﷺ تعرى الْبضْع من الْعِوَض لَا النِّكَاح، بِلَفْظ الْهِبَة: وَعَن الشَّافِعِي

стр. 3556

لَا ينْعَقد إلَاّ بِالتَّزْوِيجِ أَو الْإِنْكَاح، وَبِه قَالَ ربيعَة وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد وَدَاوُد وَآخَرُونَ. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِن وهب ابْنَته وَهُوَ يُرِيد إنكاحها فَلَا أحفظه عَن مَالك، وَهُوَ عِنْدِي جَائِز كَالْبيع، وَحَكَاهُ ابْن عبد الْبر عَن أَكثر الْمَالِكِيَّة الْمُتَأَخِّرين، ثمَّ قَالَ: الصَّحِيح أَنه لَا ينْعَقد بِلَفْظ الْهِبَة نِكَاح كَمَا أَنه لَا ينْعَقد بِلَفْظ النِّكَاح هبة شَيْء من الْأَمْوَال وَفِي الْجَوَاهِر، أَرْكَان النِّكَاح أَرْبَعَة: الصِّيغَة: وَهِي كل لفظ يَقْتَضِي التَّمْلِيك على التَّأْبِيد فِي حَال الْحَيَاة كالإنكاح وَالتَّزْوِيج وَالتَّمْلِيك وَالْبيع وَالْهِبَة، وَمَا فِي مَعْنَاهَا، قَالَ القَاضِي أَبُو الْحسن، وَلَفظ الصَّدَقَة، وَفِي (الرَّوْضَة) للنووي: وَلَا ينْعَقد بِغَيْر لفظ التَّزْوِيج والإنكاح، وَكَذَا قَالَ فِي (حاوي) الْحَنَابِلَة. الرَّابِع فِيهِ: اسْتِحْبَاب عرض الْمَرْأَة نَفسهَا على الرجل الصَّالح ليتزوجها. الْخَامِس: فِيهِ: أَنه يسْتَحبّ لمن طلبت إِلَيْهِ حَاجته وَهُوَ لَا يُرِيد أَن يَقْضِيهَا أَن لَا يخجل الطَّالِب بِسُرْعَة الْمَنْع، بل يسكت سكُوتًا يفهم السَّائِل ذَلِك مِنْهُ، أللهم إلَاّ إِذا لم يفهم السَّائِل ذَلِك إلَاّ بِصَرِيح الْمَنْع، فَيصح. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد عَن أبي حَازِم: التَّصْرِيح بِالْمَنْعِ، بقوله فَقَالَ مَالك: مَا لي الْيَوْم فِي النِّسَاء حَاجَة. السَّادِس فِيهِ: أَن من طلب حَاجَة يُرِيد بهَا الْخَيْر فَسكت عَنهُ لَا يرجع من أول وهلة لاحْتِمَال قَضَائهَا فِيمَا بعد، وَفِي رِوَايَة للطبراني: فَقَامَتْ حَتَّى راقبنا لَهَا من طول الْقيام ... الحَدِيث، بل لَا بَأْس بتكرار السُّؤَال إِذا لم يجب. السَّابِع فِيهِ: أَنه لَا بَأْس بِالْخطْبَةِ لمن عرضت نَفسهَا على غَيره إِذا صرح المعروض بِالرَّدِّ أَو فهم مِنْهُ بِقَرِينَة الْحَال. الثَّامِن: فِيهِ: إنعقاد النِّكَاح بالاستيجاب وَإِن لم يُوجد بعد الْإِيجَاب قبُول، وَقد بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ: بَاب إِذا قَالَ الْخَاطِب للْوَلِيّ: زَوجنِي فُلَانَة، فَقَالَ: زوجتكها بِكَذَا وَكَذَا، جَازَ النِّكَاح وَإِن لم يقل الزَّوْج رضيت أَو قبلت، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: إِن هَذَا هُوَ النَّص، وَظَاهر الْمَذْهَب قَالَ وَحكى الإِمَام وَجها، أَن من الْأَصْحَاب من أثبت فِيهِ الْخلاف. التَّاسِع: أَن التَّعْلِيق فِي الاستيجاب لَا يمْنَع من صِحَة العقد، وَقَالَ شَيخنَا: قد أطلق أَصْحَاب الشَّافِعِي تَصْحِيح القَوْل بِأَن النِّكَاح لَا يقبل التَّعْلِيق، قَالَ الرَّافِعِيّ: إِنَّه الْأَصَح الَّذِي ذكره الْأَكْثَرُونَ، وحكوا عَن أبي حنيفَة صِحَة النِّكَاح مَعَ التَّعْلِيق. قلت: مَذْهَب الإِمَام أَنه إِذا علق النِّكَاح بِالشّرطِ يبطل الشَّرْط وَيصِح النِّكَاح، كَمَا إِذا قَالَ: تَزَوَّجتك بِشَرْط أَن لَا يكون لَك مهر. الْعَاشِر: فِيهِ: اسْتِحْبَاب تعْيين الصَدَاق، لِأَنَّهُ أقطع للنزاع وأنفع للْمَرْأَة، لِأَنَّهَا إِذا طلقت قبل الدُّخُول وَجب لَهَا نصف الْمُسَمّى، بِخِلَاف مَا إِذا لم يسم الْمهْر فَإِنَّهُ إِنَّمَا تجب الْمُتْعَة. الْحَادِي عشر: فِيهِ: جَوَاز تَزْوِيج الْوَلِيّ وَالْحَاكِم الْمَرْأَة للمعسر إِذا رضيت بِهِ. الثَّانِي عشر: فِيهِ: أَنه لَا بَأْس للمعسر المعدم أَن يتَزَوَّج امْرَأَة إِذا كَانَ مُحْتَاجا إِلَى النِّكَاح، لِأَن الظَّاهِر من حَال هَذَا الرجل الَّذِي فِي الحَدِيث أَنه كَانَ مُحْتَاجا إِلَيْهِ، وإلَاّ لما سَأَلَهُ مَعَ كَونه غير وَاجِد إلَاّ إزَاره، وَلَيْسَ لَهُ رِدَاء، فَإِن كَانَ غير مُحْتَاج إِلَيْهِ يكره لَهُ ذَلِك. الثَّالِث عشر فِي قَوْله: إزارك إِن أَعْطيته جَلَست وَلَا إِزَار لَك، دَلِيل على أَن الْمَرْأَة تسْتَحقّ جَمِيع الصَدَاق بِالْعقدِ قبل الدُّخُول، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه، وَنحن نقُول: لَا تسْتَحقّ إلَاّ النّصْف، وَبِه قَالَ مَالك، وَعنهُ كَقَوْل الشَّافِعِي. الرَّابِع عشر: اسْتدلَّ الشَّافِعِي بقوله: وَلَو خَاتمًا من حَدِيد، على أَنه يَكْتَفِي بِالصَّدَاقِ، بِأَقَلّ مَا يتمول بِهِ كخاتم الْحَدِيد وَنَحْوه. وَفِي (الرَّوْضَة) : لَيْسَ للصداق حد مُقَدّر بل كل مَا جَازَ أَن يكون ثمنا ومثمنا أَو أُجْرَة جَازَ جعله صَدَاقا، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَمذهب مَالك: أَنه لَا يرى فِيهِ عددا معينا، بل يجوز بِكُل مَا وَقع عَلَيْهِ الِاتِّفَاق، غير أَنه يكون مَعْلُوما: وَعَن مَالك: لَا يجوز بِأَقَلّ من ربع دِينَار، وَقَالَ ابْن حزم: وَجَائِز أَن يكون صَدَاقا كل مَا لَهُ نصف، قل أَو كثر، وَلَو أَنه حَبَّة بر أَو حَبَّة شعير أَو غير ذَلِك، وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أكره أَن يكون الْمهْر مثل أجر الْبَغي، وَلَكِن الْعشْرَة وَالْعشْرُونَ. وَعنهُ: السّنة فِي النِّكَاح الرطل من الْفضة، وَعَن الشّعبِيّ: أَنهم كَانُوا يكْرهُونَ أَن يتَزَوَّج الرجل على أقل من ثَلَاث أواقي. وَعَن سعيد بن جُبَير: أَنه كَانَ يحب أَن يكون الصَدَاق خمسين درهما، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا يجوز أَن يكون الصَدَاق أقل من عشرَة دَرَاهِم. لما روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن شريك عَن دَاوُد الزعافري عَن الشّعبِيّ، قَالَ: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا مهر بِأَقَلّ من عشرَة دَرَاهِم، وَالظَّاهِر أَنه قَالَ ذَلِك توقيفا، لِأَنَّهُ بَاب لَا يُوصل إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاس فَإِن قلت. قَالَ ابْن حزم: الرِّوَايَة عَن عَليّ بَاطِلَة لِأَنَّهَا عَن دَاوُد بن يزِيد الزعافري الأودي وَهُوَ فِي غَايَة السُّقُوط، ثمَّ هِيَ مُرْسلَة لِأَن الشّعبِيّ لم يسمع من عَليّ حَدِيثا. قلت: قَالَ ابْن عدي: لم أر حَدِيثا مُنْكرا جَاوز الْحَد، إِذْ روى عَنهُ ثِقَة، وَإِن كَانَ لَيْسَ بِقَوي فِي

стр. 3557

الحَدِيث فَإِنَّهُ يكْتب حَدِيثه وَيقبل إِذا روى عَنهُ ثِقَة، وَذكر الْمزي: أَن الشّعبِيّ سمع عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَئِن سلمنَا أَن رِوَايَته مُرْسلَة فقد قَالَ الْعجلِيّ: مُرْسل الشّعبِيّ صَحِيح، وَلَا يكَاد يُرْسل، إلَاّ صَحِيحا. وَأما الْجَواب عَن قَوْله: وَلَو خَاتمًا من جَدِيد، فَنَقُول: إِنَّه خَارج مخرج الْمُبَالغَة، كَمَا قَالَ: تصدقوا وَلَو بظلف محرق، وَفِي لفظ: وَلَو بفرسن شَاة، وَلَيْسَ الظلْف والفرسن مِمَّا ينْتَفع بهما وَلَا يتَصَدَّق بهما وَيُقَال: لَعَلَّ الْخَاتم كَانَ يُسَاوِي ربع دِينَار فَصَاعِدا، لِأَن الصواغ قَلِيل عِنْدهم كَذَا قَالَه بعض الْمَالِكِيَّة، لِأَن أقل الصَدَاق عِنْدهم ربع دِينَار. وَيُقَال: لَعَلَّ التماسه للخاتم لم يكن ليَكُون كل الصَدَاق بل شَيْء يعجله لَهَا قبل الدُّخُول. الْخَامِس عشر: احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة، والظاهرية على أَن: التَّزْوِيج على سُورَة من الْقُرْآن مُسَمَّاة جَائِز، وَعَلِيهِ أَن يعلمهَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور: قد ذهب الشَّافِعِي إِلَى هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: إِن لم يكن شَيْء يصدقها وَتَزَوجهَا على سُورَة من الْقُرْآن فَالنِّكَاح جَائِز، وَيعلمهَا السُّورَة من الْقُرْآن. وَقَالَ بعض أهل الْعلم: النِّكَاح جَائِز وَيجْعَل لَهَا صدَاق مثلهَا. وَهُوَ قَول أهل الْكُوفَة وَأحمد وَإِسْحَاق. قلت: وَهُوَ قَول اللَّيْث بن سعد وَأبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَمَالك وَأحمد فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن الجووزي: فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن تَعْلِيم الْقُرْآن يجوز أَن يكون صَدَاقا، وَهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَالْأُخْرَى: لَا يجوز، وَإِنَّمَا جَازَ لذَلِك الرجل خَاصَّة. وَأَجَابُوا عَن قَوْله: قد زَوَّجْنَاكهَا بِمَا مَعَك من الْقُرْآن، أَنه إِن حمل على ظَاهره يكون تَزْوِيجهَا على السُّورَة لَا على تعليمها، فالسورة من الْقُرْآن لَا تكون مهْرا بِالْإِجْمَاع، فَحِينَئِذٍ يكون المعني: زوجتكها بِسَبَب مَا مَعَك من الْقُرْآن وبحرمته وببركته، فَتكون الْبَاء للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنكُمْ ظلمتم أَنفسكُم باتخاذكم الْعجل﴾ (الْبَقَرَة: ٤٥) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿فكلاً أَخذنَا بِذَنبِهِ﴾ (العنكبوت: ٠٤) . وَهَذَا لَا يُنَافِي تَسْمِيَة المَال. فَإِن قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة: على مَا مَعَك من الْقُرْآن. وَفِي مُسْند أَسد السّنة: مَعَ مَا مَعَك من الْقُرْآن؟ قلت: أما: على، فَإِنَّهُ يَجِيء للتَّعْلِيل أَيْضا كالباء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) . والمعني لهدايته إيَّاكُمْ وَيكون المعني زوجتها لأجل مَا مَعَك من الْقُرْآن يَعْنِي لأجل حرمته وبركته، وَلَا يُنَافِي هَذَا أَيْضا تَسْمِيَة المَال. وَأما: مَعَ، فَإِنَّهَا للمصاحبة، وَالْمعْنَى: زوجتكها لمصاحبتك الْقُرْآن، فَالْكل يعود إِلَى معنى وَاحِد، وَهُوَ أَن التَّزْوِيج إِنَّمَا كَانَ على حُرْمَة السُّورَة وبركتها لَا أَنَّهَا صَارَت مهْرا، لِأَن السُّورَة من الْقُرْآن لَا تكون مهْرا بِالْإِجْمَاع، كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: الأَصْل فِي: الْبَاء، أَن تكون للمقابلة فِي مثل هَذَا الْموضع، كَمَا فِي نَحْو قَوْلك: بِعْتُك ثوبي بِدِينَار. قلت: لَا نسلم أَن الأَصْل فِي: الْبَاء، أَن تكون للمقابلة، بل الأَصْل فِيهَا أَنَّهَا مَوْضُوعَة للإلصاق حَتَّى قيل: إِنَّه معنى لَا يفارقها، وَلَو كَانَت للمقابلة هَهُنَا للَزِمَ أَن تكون تِلْكَ الْمَرْأَة كالموهوبة، وَذَلِكَ لَا يجوز إلَاّ للنَّبِي ﷺ ، لِأَن فِي إِحْدَى رِوَايَات البُخَارِيّ: فقد ملكتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن، فالتمليك هبة، وَالْهِبَة فِي النِّكَاح اخْتصَّ بهَا النَّبِي ﷺ لقَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ﴾ (الْأَحْزَاب: ٠٥) . فَإِن قلت: معنى قَوْله ﷺ : زوجتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن، بِأَن تعلمهَا مَا مَعَك من الْقُرْآن أَو مِقْدَارًا مِنْهُ وَيكون ذَلِك صَدَاقهَا، أَي: تعليمها إِيَّاه، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا جَاءَ فِي رِوَايَة لمُسلم: انْطلق فقد زوجتكها فعلمها من الْقُرْآن. وَجَاء فِي رِوَايَة عَطاء: فعلمها عشْرين آيَة. قلت: هَذَا عدُول عَن ظَاهر اللَّفْظ بِغَيْر دَلِيل، وَلَئِن سلمنَا هَذَا، فَهَذَا لَا يُنَافِي تَسْمِيَة المَال، فَيكون قد زَوجهَا مِنْهُ مَعَ تحريضه على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَيكون ذَلِك الْمهْر مسكوتا عَنهُ إِمَّا لِأَنَّهُ ﷺ قد أصدق عَنهُ كَمَا كفر عَن الواطىء فِي رَمَضَان إِذْ لم يكن عِنْده شَيْء، وودى الْمَقْتُول بِخَيْبَر إِذْ لم يخلف أَهله، كل ذَلِك رفقا بأمته وَرَحْمَة لَهُم، أَو يكون أبقى الصَدَاق فِي ذمَّته وأنكحها نِكَاح تَفْوِيض، حَتَّى يتَّفق لَهُ صدَاق، أَو حَتَّى يكْسب بِمَا مَعَه من الْقُرْآن صَدَاقا، فعلى جَمِيع التَّقْدِير لم يكن فِيهِ حجَّة على جَوَاز النِّكَاح بِغَيْر صدَاق من المَال. السَّادِس عشر: فِيهِ: أَنه لَا بَأْس بِلبْس خَاتم الْحَدِيد، وَقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: إِنَّه لَا يكره لهَذَا الحَدِيث، وَلِحَدِيث معيقيب: كَانَ خَاتم النَّبِي ﷺ من حَدِيد ملوي عَلَيْهِ فضَّة، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَذهب آخَرُونَ إِلَى تَحْرِيمه وَتَحْرِيم الْخَاتم النّحاس أَيْضا لحَدِيث: أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ وَعَلِيهِ خَاتم من شبه، قَالَ: مَالِي أجد مِنْك ريح الْأَصْنَام؟ فطرحه، ثمَّ جَاءَ وَعَلِيهِ خَاتم من حَدِيد، فَقَالَ: مَا لي أرى عَلَيْك حلية أهل النَّار؟ فطرحه. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا. السَّابِع عشر: اسْتدلَّ

стр. 3558

بِهِ البُخَارِيّ على ولَايَة الإِمَام للنِّكَاح، فَقَالَ: بَاب السُّلْطَان ولي، لقَوْل النَّبِي ﷺ زَوَّجْنَاكهَا بِمَا مَعَك من الْقُرْآن. الثَّامِن عشر فِيهِ: دلَالَة على أَنه لَيْسَ للنِّسَاء أَن تمْتَنع من تَزْوِيج أحد أَرَادَ رَسُول الله ﷺ أَن يُزَوّجهَا مِنْهُ، غَنِيا كَانَ أَو فَقِيرا، شريفا كَانَ أَو وضيعا، صَحِيحا كَانَ أَو ضَعِيفا. وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا ... ﴾ (الْأَحْزَاب: ٦٣) . الْآيَة، نزلت فِي زَيْنَب لما خطبهَا رَسُول الله ﷺ لزيد بن حَارِثَة، فامتنعت، وَفِي إِسْنَاده ضعف. التَّاسِع عشر: فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز الْخطْبَة على الْخطْبَة مَا لم يتراكنا، لَا سِيمَا مَعَ مَا رأى من زهد النَّبِي ﷺ فِيهَا. الْعشْرُونَ: فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز النّظر للمتزوج وتكراره، والتأمل فِي محاسنها، فهم ذَلِك من قَوْله: فَصَعدَ النّظر إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ. وَأما النظرة الأولى فمباحة للْجَمِيع. الْحَادِي والعشريون: فِيهِ دَلِيل على إجَازَة إنكاح الْمَرْأَة دون أَن يسْأَل: هَل هِيَ فِي عدَّة أم لَا، على ظَاهر الْحَال، والحكام يبحثون عَن ذَلِك احْتِيَاطًا، قَالَه الْخطابِيّ. الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: قَالَ القَاضِي: فِيهِ جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَهُوَ مَذْهَب كَافَّة الْعلمَاء، وَمنعه أَبُو حنيفَة إلَاّ للضَّرُورَة، وعَلى هَذَا اخْتلفُوا فِي أَخذ الْأُجْرَة على الصَّلَاة، وعَلى الْأَذَان وَسَائِر أَفعَال الْبر، فَروِيَ عَن مَالك كَرَاهَة جَمِيع ذَلِك فِي صَلَاة الْفَرْض وَالنَّفْل، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه إلَاّ أَن مَالِكًا أجازها على الْأَذَان، وَأَجَازَ الْإِجَازَة على جَمِيع ذَلِك ابْن عبد الحكم. وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأَصْحَابه، وَمنع ذَلِك ابْن حبيب فِي كل شَيْء، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ: لَا صَلَاة لَهُ، وَرُوِيَ عَن مَالك إِجَازَته فِي النَّافِلَة، وَرُوِيَ عَنهُ إِجَازَته فِي الْفَرِيضَة دون النَّافِلَة. الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: قَالَ الإِمَام: قَالَ بعض الْأَئِمَّة، فِيهِ: دَلِيل على أَن الْهِبَة لَا تدخل فِي ملك الْمَوْهُوب لَهُ إلَاّ بِالْقبُولِ، لِأَن الْمَوْهُوبَة كَانَت جَائِزَة للنَّبِي ﷺ ، وَقد وهبت هَذِه لَهُ نَفسهَا فَلم تصر زَوجته بذلك، قَالَه الشَّافِعِي. الرَّابِع وَالْعشْرُونَ: قَالَ ابْن عبد الْبر. فِيهِ: دَلِيل على أَن الصَدَاق إِذا كَانَ جَارِيَة وَوَطئهَا الزَّوْج حد لِأَنَّهُ وطىء ملك غَيره. قلت: هُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَعند أَصْحَابنَا: إِذا أقرّ أَنه زنى بِجَارِيَة امْرَأَته حد، وَإِن قَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تحل لي لَا يحد. ٠١ - (بَاب إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلاً فتَرَكَ الوَكِيلُ شَيْئا فأجازَهُ المُوَكِّلُ فَهْوَ جائِزٌ وإنْ أقْرَضَهُ إلَى أجلٍ مُسَمَّى جازَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وكل رجل رجلا فَترك الْوَكِيل شَيْئا مِمَّا وكل فِيهِ فَأَجَازَهُ الْمُوكل جَازَ. قَوْله: (وَإِن أقْرضهُ) أَي: وَإِن أقْرض الْوَكِيل شَيْئا مِمَّا وكل فِيهِ جَازَ، يَعْنِي: إِذا أجَازه الْمُوكل. وَقَالَ الْمُهلب: مَفْهُوم التَّرْجَمَة أَن الْمُوكل إِذا لم يجز مَا فعله الْوَكِيل، مِمَّا لم يَأْذَن لَهُ فِيهِ، فَهُوَ غير جَائِز. ١١٣٢ - وَقَالَ عثْمانُ بنُ الهَيْثَمِ أبُو عَمْرٍ وحدَّثنا عَوْفٌ عَن مُحَمَّدِ بنِ سِيرينَ عَن أبِي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ وكَّلَنِي رسولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زَكاةِ رَمَضانَ فأتَانِي آتٍ فجعَلَ يَحْثُو منَ الطَّعامِ فأخَذْتُهُ وقُلْتُ وَالله لأرْفَعَنَّكَ إلَى رسُولِ الله ﷺ قَالَ إنِّي مُحْتاجٌ وعَلَيَّ عِيالٌ ولِي حاجَةٌ شَدِيدةٌ قَالَ فَخَلَّيْت عَنْهُ فأصْبَحْتُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فعَلَ أسِيرُكَ البارحَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رسولَ الله شَكا حاجَةً شَدِيدَةً وَعِيالاً فَرَحِمْتَهُ فخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ أما أنَّهُ قَدْ

стр. 3559

كَذَبَكَ وسَيَعُودُ فعَرَفْتُ أنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُول الله ﷺ أنَّهُ سَيَعُودُ فرَصَدْتُهُ فَجاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ فَأخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأرْفَعَنَّكَ إِلَى رسولِ الله ﷺ قَالَ دَعْنِي فإنِّي محْتَاجٌ وعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أعُودُ فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فأصْبَحْتُ فقالَ لِي رسولُ الله ﷺ يَا أبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أسِيرُكَ قُلْتُ يَا رسولَ الله شَكَا حاجَةً شدِيدَةً وعِيالاً فرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلهُ قَالَ أما أنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وسَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ: الثَّالِثةَ فجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ فأخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إلَى رسُولِ الله الله وهاذا آخِرُ ثَلاثِ مَرَّاتٍ إنَّكَ تَزْعَمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ قالَ دَعْنِي أُعلِّمْكَ كلِماتٍ يَنْفَعُكَ الله بِهَا قُلْتُ مَا هْوَ قَالَ إذَا أوَيْتَ إلَى فِرَاشِك فاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيَّ ﴿الله لَا إلاهَ إلَاّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِم الآيَةَ فإنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ منَ الله حافِظُ ولَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فأصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ مَا فَعَلَ إسِيرُكَ الْبَارِحَةِ قلْتُ يَا رسولَ الله زَعَمَ أنَّهُ يُعَلِّمُني كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي الله بهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ مَا هِيَ قُلْتُ قَالَ لِي إذَا أَوَيْتَ إلَى فِرَاشِكَ فاقْرَأ آيَةَ الكُرْسيَّ مِنْ أوَّلِها حتَّى تَخْتِمَ الله لَا إلاه إلَاّ هُو الحَيُّ القَيُّومُ وَقَالَ لِي لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حافِظٌ ولَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ وكانُوا أحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ أمَّا أنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وهْوَ كَذُوبٌ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لَا قَالَ ذَاكَ شَيْطَانٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ وَكيلا لحفظ زَكَاة رَمَضَان، وَهُوَ صَدَقَة الْفطر، وَترك شَيْئا مِنْهَا حَيْثُ سكت حِين أَخذ مِنْهَا ذَلِك الْآتِي، وَهُوَ الشَّيْطَان، فَلَمَّا أخبر النَّبِي، ﷺ ، بذلك سكت عَنهُ وَهُوَ إجَازَة مِنْهُ. فَإِن قلت: من أَيْن يُسْتَفَاد جَوَاز الْإِقْرَاض إِلَى أجل مُسَمّى؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: حَيْثُ أمهله إِلَى الرّفْع إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وأوجه مِنْهُ مَا قَالَه الْمُهلب: إِن الطَّعَام كَانَ مجموعا للصدقة، فَلَمَّا أَخذ السَّارِق وَقَالَ لَهُ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاج وَتَركه، فَكَأَنَّهُ أسلفه ذَلِك الطَّعَام إِلَى أجل، وَهُوَ وَقت قسمته وتفرقته على الْمَسَاكِين: لأَنهم كَانُوا يجمعونه قبل الْفطر بِثَلَاثَة أَيَّام للتفرقة، فَكَأَنَّهُ أسلفه إِلَى ذَلِك الْأَجَل. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: عُثْمَان بن الْهَيْثَم، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره مِيم: وكنيته أَبُو عَمْرو الْمُؤَذّن الْبَصْرِيّ، مَاتَ قَرِيبا من سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقد مر فِي آخر الْحَج. الثَّانِي: عَوْف، بِالْفَاءِ: الْأَعرَابِي، وَقد مر فِي الْإِيمَان. الثَّالِث: مُحَمَّد بن سِيرِين. الرَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: أَنه ذكره هَكَذَا مُعَلّقا وَلم يُصَرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ حَتَّى زعم ابْن الْعَرَبِيّ أَنه مُنْقَطع، وَكَذَا ذكره فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَفِي صفة إِبْلِيس. وَأخرجه النَّسَائِيّ مَوْصُولا فِي: الْيَوْم وَاللَّيْلَة، عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب عَن عُثْمَان ابْن الْهَيْثَم بِهِ، وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا من حَدِيث الْحسن بن السكن، وَأَبُو نعيم من حَدِيث هِلَال بن بشر عَنهُ، وَالتِّرْمِذِيّ نَحوه من حَدِيث أبي أَيُّوب وَقَالَ: حسن غَرِيب، وَصَححهُ قوم وَضَعفه آخَرُونَ. . وَفِيه: أَن عُثْمَان من مشايخه وَمن أَفْرَاده، وَقَالَ فِي كتاب اللبَاس وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور: حَدثنَا عُثْمَان بن الْهَيْثَم أَو مُحَمَّد عَنهُ. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يحفظ زَكَاة رَمَضَان) ، المُرَاد بِهِ صَدَقَة الْفطر، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (آتٍ) ، أَصله: آتِي، فَاعل إعلال قاضٍ. قَوْله: (يحثو) ، قَالَ الطَّيِّبِيّ: أَي: ينثر الطَّعَام فِي وعائه. قلت: يُقَال: حثا يحثو وحثى يحثي، قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: وَأَعْلَى اللغتين حثى يحثي، وَكله بِمَعْنى الغرف، وَفِي رِوَايَة أبي المتَوَكل عَن أبي هُرَيْرَة: أَنه كَانَ على تمر الصَّدَقَة فَوجدَ أثر كف كَأَنَّهُ قد أَخذ مِنْهُ، وَلابْن الضريس من هَذَا الْوَجْه، فَإِذا التَّمْر قد أَخذ مِنْهُ ملْء كف. قَوْله: (فَأَخَذته) ، وَفِي رِوَايَة أبي المتَوَكل زِيَادَة وَهِي: أَن أَبَا هُرَيْرَة شكا ذَلِك إِلَى النَّبِي، ﷺ ، أَولا، فَقَالَ لَهُ: (إِن أردْت أَن تَأْخُذهُ فَقل: سُبْحَانَ من سخرك لمُحَمد) . قَالَ: فقلتها فَإِذا أَنا بِهِ قَائِم بَين يَدي فَأَخَذته. قَوْله: (وَالله لأرفعنك) ، أَي: لأذهبن بك أشكوك إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 3560

ليحكم عَلَيْك بِقطع الْيَد، يُقَال: رَفعه إِلَى الْحَاكِم إِذا أحضرهُ للشكوى. قَوْله: (وَعلي عِيَال) أَي: نَفَقَة عِيَال، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ (يُوسُف: ٢٨) . وَقيل: عَليّ، بِمَعْنى، لي، وَفِي رِوَايَة أبي المتَوَكل: فَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذته لأهل بَيت فُقَرَاء من الْجِنّ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَلَا أَعُود. قَوْله: (أسيرك) ، قَالَ الدَّاودِيّ: قيل لَهُ: أَسِير، لِأَنَّهُ كَانَ ربطه بسير، وَهُوَ الْحَبل، وَهَذَا عَادَة الْعَرَب، كَانُوا يربطون الْأَسير بالقد، وَقَالَ ابْن التِّين: قَول الدَّاودِيّ: إِن السّير الْحَبل من الْجلد لم يذكرهُ غَيره، وَإِنَّمَا السّير الْجلد، فَلَو كَانَ مأخوذا مِمَّا ذكره لَكَانَ تصغيره: سيير، وَلم تكن الْهمزَة: فَاء. وَفِي (الصِّحَاح) : شدَّة بالإسار وَهُوَ الْقد. قَوْله: (قد كَذبك) أَي: فِي قَوْله: إِنَّه مُحْتَاج، وَسَيَعُودُ إِلَى الْأَخْذ. قَوْله: (فرصدته) أَي: رقبته. قَوْله: (فجَاء) ، هَكَذَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: فَجعل. قَوْله: (دَعْنِي) ، وَفِي رِوَايَة أبي المتَوَكل: خلِّ عني. قَوْله: (ينفعك الله بهَا) وَفِي رِوَايَة أبي المتَوَكل: إِذْ قلتهن لم يقربك ذكر وَلَا أُنْثَى من الْجِنّ، وَفِي رِوَايَة ابْن الضريس من هَذَا الْوَجْه: لَا يقربك من الْجِنّ ذكر وَلَا أُنْثَى صَغِير وَلَا كَبِير. قَوْله: (فَقلت: مَا هُوَ؟) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، أَي: الْكَلَام أَو النافع أَو الشَّيْء، وَفِي رِوَايَة غَيره: مَا هِيَ، وَهَذَا ظَاهر، وَفِي رِوَايَة أبي المتَوَكل: وَمَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات؟ قَوْله: (إِذا أويت) ، من الثلاثي يُقَال: أَوَى إِلَى منزله إِذا أَتَى إِلَيْهِ، وآويت غَيْرِي من الْمَزِيد. قَوْله: (آيَة الْكُرْسِيّ ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيُّوم﴾ (الْبَقَرَة: ٥٥٢)) ، حَتَّى تختم الْآيَة وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ والإسماعيلي: ( ﴿الله لَا إلاه إلَاّ هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ (الْبَقَرَة: ٥٥٢) من أَولهَا حَتَّى تختمها) ، وَفِي حَدِيث معَاذ بن جبل زِيَادَة، وَهِي خَاتِمَة سُورَة الْبَقَرَة. قَوْله: (لن يزَال) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لم يزل، وَوَقع لَهُم عكس ذَلِك فِي فَضَائِل الْقُرْآن. قَوْله: (من الله) أَي: من جِهَة أَمر الله، وَقدرته، أَو من بَأْس الله ونقمته، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله﴾ (الرَّعْد: ١١) . قَوْله: (وَلَا يقربك) ، بِفَتْح الرَّاء وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (وَكَانُوا) ، أَي: الصَّحَابَة: (أحرص النَّاس على تعلم الْخَيْر) قيل: هَذَا مدرج من كَلَام بعض رُوَاته، قلت: هَذَا يحْتَمل، وَالظَّاهِر أَنه غير مدرج، وَلَكِن فِيهِ الْتِفَات، لِأَن مُقْتَضى الْكَلَام أَن يُقَال: وَكُنَّا أحرص شَيْء عَن الْخَيْر. قَوْله: (وَهُوَ كذوب) ، هَذَا تتميم فِي غَايَة الْحسن، لِأَنَّهُ لما أثبت الصدْق لَهُ أوهم الْمَدْح، فاستدركه بِصِيغَة تفِيد الْمُبَالغَة فِي كذبه، وَفِي حَدِيث معَاذ بن جبل: صدق الْخَبيث وَهُوَ كذوب، وَفِي رِوَايَة أبي المتَوَكل: أَو مَا علمت أَنه كَذَلِك؟ قَوْله: (مُنْذُ ثَلَاث) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: مذ ثَلَاث. قَوْله: (ذَاك شَيْطَان) ، كَذَا وَقع هُنَا بِدُونِ الْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة الْجَمِيع، أَي: شَيْطَان من الشَّيَاطِين. وَوَقع فِي فَضَائِل الْقُرْآن: ذَاك الشَّيْطَان، بِالْألف وَاللَّام للْعهد الذهْنِي. وَقد وَقع مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة لِمعَاذ بن جبل، وَأبي بن كَعْب، وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَأبي أسيد الْأنْصَارِيّ، وَزيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. أما حَدِيث معَاذ بن جبل، فقد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن شَيْخه يحيى بن عُثْمَان بن صَالح بِإِسْنَادِهِ إِلَى بُرَيْدَة. قَالَ: بَلغنِي أَن معَاذ بن جبل أَخذ الشَّيْطَان على عهد رَسُول الله ﷺ ، فَأَتَيْته فَقلت: بَلغنِي أَنَّك أخذت الشَّيْطَان على عهد رَسُول الله ﷺ قَالَ: نعم، ضم إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، تمر الصَّدَقَة فَجَعَلته فِي غرفَة لي، فَكنت أجد فِيهِ كل يَوْم نُقْصَانا، فشكوت ذَلِك إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ لي: هُوَ عمل الشَّيْطَان، فارصدْه، قَالَ: فرصدته لَيْلًا، فَلَمَّا ذهب هوى من اللَّيْل أقبل على صُورَة الْفِيل، فَلَمَّا انْتهى إِلَى الْبَاب دخل من خلل الْبَاب على غير صورته، فَدَنَا من التَّمْر فَجعل يلتقمه، فشددت على ثِيَابِي فتوسطته، فَقلت: أشهد أَن لَا إلاه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، يَا عَدو الله، وَثَبت إِلَى تمر الصَّدَقَة فَأَخَذته وَكَانُوا أَحَق بِهِ مِنْك؟ لأرفعنك إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فيفضحك، فعاهدني أَن لَا يعود، فَغَدَوْت إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: مَا فعل أسيرك؟ فَقلت: عاهدني أَن لَا يعود. قَالَ: إِنَّه عَائِد، فارصده. فرصدته اللَّيْلَة الثانة، فَصنعَ مثل ذَلِك، وصنعت مثل ذَلِك، وعاهدني أَن لَا يعود، فخليت سَبيله، ثمَّ غَدَوْت إِلَى رَسُول الله ﷺ لأخبره فَإِذا مناديه يُنَادي: أَيْن معَاذ؟ فَقَالَ لي: يَا معَاذ! مَا فعل أسيرك؟ قَالَ: فَأَخْبَرته، فَقَالَ لي: إِنَّه عَائِد فارصده، فرصدته اللَّيْلَة الثَّالِثَة فَصنعَ مثل ذَلِك، وصنعت مثل ذَلِك، فَقَالَ: يَا عَدو الله عاهدتني مرَّتَيْنِ وَهَذِه الثَّالِثَة، لأرفعنك إِلَى رَسُول الله ﷺ فيفضحك، فَقَالَ: إِنِّي شَيْطَان ذُو عِيَال، وَمَا أَتَيْتُك إِلَّا من نَصِيبين، وَلَو أصبت شَيْئا

стр. 3561

دونه مَا أَتَيْتُك، وَلَقَد كُنَّا فِي مدينتكم هَذِه حَتَّى بعث صَاحبكُم، فَلَمَّا نزل عَلَيْهِ آيتان أنفرتانا مِنْهَا، فوقعنا بنصيبين، وَلَا تقرآن فِي بَيت إلَاّ لم يلج فِيهِ الشَّيْطَان ثَلَاثًا، فَإِن خليت سبيلي علمتكهما. قلت: نعم. قَالَ: آيَة الْكُرْسِيّ وخاتمة سُورَة الْبَقَرَة أَمن الرَّسُول إِلَى آخرهَا، فخليت سَبيله ثمَّ غَدَوْت إِلَى رَسُول الله ﷺ لأخبره فَإِذا مناديه يُنَادي: أَيْن معَاذ بن جبل؟ فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ قَالَ لي: مَا فعل أسيرك؟ قلت: عاهدني أَن لَا يعود، وأخبرته بِمَا قَالَ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : صدق الْخَبيث وَهُوَ كذوب. قَالَ: فَكنت أقرؤهما عَلَيْهِ بعد ذَلِك فَلَا أجد فِيهِ نُقْصَانا. وَأما حَدِيث أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فقد رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي: حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي حَدثنَا مُبشر عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عَبدة بن أبي لبَابَة عَن عبد الله ابْن أبي بن كَعْب أَن أَبَاهُ أخبرهُ أَنه: كَانَ لَهُ جرن فِيهِ تمر، فَكَانَ يتعاهده فَوَجَدَهُ ينقص، قَالَ: فحرسه ذَات لَيْلَة فَإِذا هُوَ بِدَابَّة شبه الْغُلَام المحتلم، قَالَ: فَسلمت فَرد عَليّ السَّلَام، قَالَ: فَقلت: أَنْت جني أم أنسي؟ قَالَ: جني. قَالَ: قلت: ناولني يدك. قَالَ: فناولني فَإِذا يَده يَد كلب وَشعر كلب، فَقلت: هَكَذَا خلق الْجِنّ؟ قَالَ: لقد علمت الْجِنّ مَا فيهم أَشد مني. قلت: فَمَا حملك على مَا صنعت؟ قَالَ: بَلغنِي أَنَّك رجل تحب الصَّدَقَة فأحببنا أَن نصيب من طَعَامك. قَالَ فَقَالَ لَهُ أبي: فَمَا الَّذِي يجيرنا مِنْكُم؟ قَالَ: هَذِه الْآيَة، آيَة الْكُرْسِيّ، ثمَّ غَدا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : صدق الْخَبيث) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) ، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم. وَأما حَدِيث أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي (فَضَائِل الْقُرْآن) : (حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار، قَالَ: حَدثنَا أَبُو أَحْمد، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن ابْن أبي ليلى عَن أَخِيه عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَنه كَانَت لَهُ سهوة فِيهَا تمر، فَكَانَت تَجِيء فتأخذ مِنْهُ الغول، قَالَ: فَشَكا ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: إذهب فَإِذا رَأَيْتهَا فَقل: بِسم الله، أجيبي رَسُول الله ﷺ ، فَأَخذهَا فَحَلَفت أَن لَا تعود، فأرسلها فجَاء إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: مَا فعل أسيرك؟ قَالَ: حَلَفت أَن لَا تعود، فَقَالَ: كذبت وَهِي معاودة للكذب. قَالَ: فَأَخذهَا مرّة أُخْرَى فَحَلَفت أَن لَا تعود، فأرسلها، فجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: مَا فعل أسيرك؟ قَالَ: حَلَفت أَن لَا تعود. فَقَالَ: كذبت وَهِي معاودة للكذب، فَأَخذهَا فَقَالَ: مَا أَنا بتاركك حَتَّى أذهب بك إِلَى النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَت: إِنِّي ذاكرة لَك شَيْئا، آيَة الْكُرْسِيّ اقرأها فِي بَيْتك فَلَا يقربك شَيْطَان وَلَا غَيره، فجَاء إِلَى النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ: مَا فعل أسيرك؟ فَأخْبرهُ بِمَا قَالَت. قَالَ: صدقت وَهِي كذوب) ، وَهَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. وَأما حَدِيث أَبُو سعيد الْأنْصَارِيّ فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مَالك بن حَمْزَة بن أبي أسيد عَن أَبِيه عَن جده أبي أسيد السَّاعِدِيّ الخزرجي، وَله بِئْر فِي الْمَدِينَة، يُقَال لَهَا: بِئْر بضَاعَة، قد بَصق فِيهَا النَّبِي، ﷺ ، فَهِيَ ينشر بهَا ويتيمن بهَا، قَالَ: فَقطع أَبُو أسيد تمر حَائِطه فَجَعلهَا فِي غرفَة، وَكَانَت الغول تخَالفه إِلَى مشْربَته فتسرق تمره وتفسده عَلَيْهِ، فَشَكا إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: إِذا قَالَ تِلْكَ الغول: يَا أَبَا أسيد، فاستمع عَلَيْهَا، فَإِذا سَمِعت اقتحامها، فَقل: بِسم الله أجيبي رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَت الغول: يَا أَبَا أسيد اعفني أَن تكلفني أَن أذهب إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فأعطيك موثقًا من الله أَن لَا أخالفك إِلَى بَيْتك وَلَا أسرق تمرك، وأدلك على آيَة تقرؤها فِي بَيْتك فَلَا تخَالف إِلَى أهلك، وتقرؤها على إنائك وَلَا تكشف غطاءه، فَأعْطَاهُ الموثق الَّذِي رَضِي بِهِ مِنْهَا، فَقَالَت: الْآيَة الَّتِي أدلك عَلَيْهَا آيَة الْكُرْسِيّ، ثمَّ حكت أستها تضرط، فَأتى النَّبِي ﷺ فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة حَيْثُ ولت، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (صدقت وَهِي كذوب) . وَأما حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا، وَفِيه: أَنه خرج إِلَى حَائِطه فَسمع جلبة فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رجل من الْجِنّ: أصابتنا السّنة فَأَرَدْت أَن أُصِيب من ثماركم. قَالَ لَهُ: مَا الَّذِي يعيذنا مِنْكُم؟ قَالَ: آيَة الْكُرْسِيّ. قَوْله: (جرن) ، بِضَمَّتَيْنِ جمع: جرين، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء، وَهُوَ مَوضِع تحفيف التَّمْر. قَوْله: (سهوة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْوَاو، وَهِي: الطاق فِي الْحَائِط يوضع فِيهَا الشَّيْء، وَقيل: هِيَ الصّفة، وَقيل: المخدع بَين الْبَيْتَيْنِ، وَقيل: هِيَ شَبيه بالرف، وَقيل: بَيت صَغِير كالخزانة الصَّغِيرَة. قَوْله: (الغول) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَهُوَ شَيْطَان يَأْكُل النَّاس، وَقيل: هُوَ من يَتلون من الْجِنّ. قَوْله: (أَبُو أسيد) ، بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين، واسْمه: مَالك بن ربيعَة. قَوْله: (ينشر بهَا) من النشرة، وَهِي ضرب من الرّقية والعلاج يعالج بِهِ من كَانَ يظنّ أَن بِهِ مسا من الْجِنّ، سميت نشرة لِأَنَّهُ ينشر بهَا عَنهُ مَا خامره من

стр. 3562

الدَّاء أَي: يكْشف ويزال. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن السَّارِق لَا يقطع فِي مجاعَة، وَأَنه يجوز أَن يُعْفَى عَنهُ قبل أَن يبلغ الإِمَام. وَفِيه: أَن الشَّيْطَان قد يعلم علما ينْتَفع بِهِ إِذا صدق. وَفِيه: أَن الكذوب قد يصدق مَعَ الندرة. وَفِيه: عَلَامَات النُّبُوَّة لقَوْله: مَا فعل أسيرك البارحة. وَفِيه: تَفْسِير لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٢) . يَعْنِي: الشَّيَاطِين، إِن المُرَاد بذلك مَا هم عَلَيْهِ من خلقهمْ الروحانية، فَإِذا استحضروا فِي صُورَة الْأَجْسَام المدركة بِالْعينِ جَازَت رُؤْيَتهمْ، كَمَا شخص الشَّيْطَان لأبي هُرَيْرَة فِي صُورَة سَارِق. وَفِيه: أَن الْجِنّ يَأْكُلُون الطَّعَام، وَهُوَ مُوَافق لقَوْله ﷺ : (سَأَلُونِي الزَّاد) . وَقَالَ ابْن التِّين: وَفِي شعر الْعَرَب أَنهم لَا يَأْكُلُون. وَفِيه: ظُهُور الْجِنّ وتكلمهم بِكَلَام الْإِنْس. وَفِيه: قبُول عذر السَّارِق. وَفِيه: وَعِيد أبي هُرَيْرَة بِرَفْعِهِ إِلَيْهِ وخدعة الشَّيْطَان. وَفِيه: فِي الثَّالِثَة بَلَاغ فِي الْإِعْذَار. وَفِيه: فضل آيَة الْكُرْسِيّ. وَفِيه: أَن للشَّيْطَان نَصِيبا مِمَّن ترك ذكر الله تَعَالَى عِنْد الْمَنَام. وَفِيه: أَن من أقيم فِي حفظ شَيْء يُسمى وَكيلا. وَفِيه: أَن الْجِنّ تسرق وتخدع. وَفِيه: جَوَاز جمع زَكَاة الْفطر قبل لَيْلَة الْفطر، وتوكيل الْبَعْض لحفظها وتفرقتها. وَفِيه: جَوَاز تعلم الْعلم مِمَّن لم يعْمل بِعِلْمِهِ. ١١ - (بابٌ إذَا باعَ الوَكِيلُ شَيْئاً فاسِداً فَبَيعُهُ مَرْدُودٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا بَاعَ الْوَكِيل شَيْئا من الْأَشْيَاء الَّتِي وكل فِيهَا بيعا فَاسِدا فبيعه مَرْدُود. ٢١٣٢ - حدَّثنا إسْحاقُ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى بنُ صَالِحٍ قَالَ حَدثنَا مُعَاوِيَةُ هوَ ابنُ سَلَاّمٍ عنْ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ عُقْبَةَ بنَ عبدِ الْغافِرِ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ جاءَ بِلالٌ إِلَى النبيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ فَقَالَ لَهُ النبيُّ ﷺ مِنْ أيْنَ هَذَا قَالَ بِلالٌ كانَ عِنْدَنا تَمرٌ رَدِيءٌ فبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصاعٍ لِنُطْعِمَ النبيَّ ﷺ فَقَالَ النبيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ أوَّهُ أوهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبا لَا تَفْعَلْ ولَكِنْ إذَا أرَدْتَ أنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْع آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (عين الرِّبَا لَا تفعل) لِأَن من الْمَعْلُوم أَن بيع الرِّبَا مِمَّا يجب رده. وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِالرَّدِّ، بل فِيهِ إِشْعَار بِهِ، وَلَعَلَّه أَشَارَ بذلك إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه، فَعِنْدَ مُسلم من طَرِيق أبي نَضرة عَن أبي سعيد فِي نَحْو هَذِه الْقِصَّة فَقَالَ: هَذَا الرِّبَا فَردُّوهُ. انْتهى. قلت: الَّذِي يعلم بِالرَّدِّ من الحَدِيث فَوق الْعلم بتصريح الرَّد، لِأَن فِيهِ الرَّد بِمرَّة وَاحِدَة، وَالْمَفْهُوم من متن الحَدِيث بمرات. الأولى: قَوْله: (أوه أوه) ، بالتكرار، وَالثَّانِي: قَوْله: (عين الرِّبَا) ، وَالثَّالِثَة: قَوْله: (لَا تفعل) ، وَالرَّابِعَة: قَوْله: (وَلَكِن) إِلَى آخِره. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق، اخْتلف فِيهِ، فَقَالَ أَبُو نعيم: هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: إِسْحَاق هَذَا لم ينْسبهُ أحد من شُيُوخنَا فِيمَا بَلغنِي، قَالَ: وَيُشبه أَن يكون إِسْحَاق بن مَنْصُور، فقد روى مُسلم عَن إِسْحَاق ابْن مَنْصُور عَن يحيى بن صَالح هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم: وَجزم أَبُو عَليّ الجياني بِأَنَّهُ ابْن مَنْصُور. قلت: من أَيْن هَذَا الْجَزْم من أبي عَليّ الجياني؟ بل قَوْله يدل على أَنه مُتَرَدّد فِيهِ لقَوْله: وَيُشبه أَن يكون إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَلَا يلْزم من إِخْرَاج مُسلم عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن يحيى بن صَالح هَذَا الحَدِيث أَن يكون رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا كَذَلِك. الثَّانِي: يحيى ابْن صَالح أَبُو زَكَرِيَّا الوحاظي، ووحاظ بطن من حمير. الثَّالِث: مُعَاوِيَة بن سَلام، بتَشْديد اللَّام: أَبُو سَلام. الرَّابِع: يحيى ابْن أبي كثير، وَقد تكَرر ذكره. الْخَامِس: عقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف: ابْن عبد الغافر العوذي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالذال الْمُعْجَمَة، قتل فِي الجماجم سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، واسْمه: سعد بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

стр. 3563

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه إِن كَانَ ابْن رَاهَوَيْه فَهُوَ مروزي سكن نيسابور، وَإِن كَانَ ابْن مَنْصُور فَهُوَ أَيْضا مروزي انْتقل بآخرة إِلَى نيسابور، وَيحيى بن صَالح حمصي وَمُعَاوِيَة بن سَلام الحبشي الْأسود، وَيحيى بن أبي كثير يمامي طائي. وَفِيه: أَن شَيْخه ذكر غير مَنْسُوب. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هِشَام بن عمار. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (برني) ، بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر النُّون بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة: وَهُوَ ضرب من التَّمْر أصفر مدور، وَهُوَ أَجود التمور، قَالَه صَاحب (الْمُحكم) : قَالَ بَعضهم: قيل لَهُ ذَلِك لِأَن كل تَمْرَة تشبه البرنية. قلت: كَلَامه يشْعر أَن الْيَاء فِيهِ للنسبة، وَلَيْسَت الْيَاء فِيهِ للنسبة، فَكَأَنَّهُ مَوْضُوع، هَكَذَا مثل كرْسِي وَنَحْوه. قَوْله: (كَانَ عندنَا) ، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: كَانَ عِنْدِي. قَوْله: (رَدِيء) ، قَالَ بَعضهم: رَدِيء، بِالْهَمْزَةِ على وزن: عَظِيم. قلت: نعم هُوَ مَهْمُوز اللَّام من: ردىء الشَّيْء يردأ رداءة، فَهُوَ رَدِيء، أَي: فَاسد، وأردأته أَي: أفسدته، وَلَكِن لما كثر اسْتِعْمَاله حسن فِيهِ التَّخْفِيف بِأَن قلبت الْهمزَة يَاء لانكسار مَا قبلهَا وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَت: رديّ بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (لنطعم النَّبِي ﷺ ، أَي: لأجل أَن نطعم، وَاللَّام فِيهِ مَكْسُورَة وَالنُّون مَضْمُومَة من الْإِطْعَام، وَلَفظ النَّبِي مَنْصُوب بِهِ، هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: ليطعم، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْعين من: طعم يطعم، وَلَفظ النَّبِي مَرْفُوع بِهِ. قَوْله: (عِنْد ذَلِك) ، أَي: عِنْد قَول بِلَال. قَوْله: (أوه) مرَّتَيْنِ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْوَاو وَسُكُون الْهَاء، وَهِي كلمة تقال عِنْد الشكاية والحزن. وَقَالَ ابْن قرقول: بِالْقصرِ وَالتَّشْدِيد وَسُكُون الْهَاء، وَكَذَا روينَاهُ، وَقيل: بِمد الْهمزَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَقد يُقَال بِالْمدِّ لتطويل الصَّوْت بالشكاية، وَقيل بِسُكُون الْوَاو وَكسر الْهَاء، وَمن الْعَرَب من يمد الْهمزَة وَيجْعَل بعْدهَا واوين: آووه، وَكله بِمَعْنى: التحزن، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا تأوه ليَكُون أبلغ فِي الزّجر، وَقَالَهُ إِمَّا للتألم من هَذَا الْفِعْل، وَإِمَّا من سوء الْفَهم. قَوْله: (عين الرِّبَا) ، بالتكرار أَيْضا أَي: هَذَا البيع نفس الرِّبَا حَقِيقَة، وَوَقع فِي مُسلم مرّة وَاحِدَة. قَوْله: (وَلَكِن إِذا أردْت أَن تشتري) ، أَي: أَن تشتري التَّمْر الْجيد. قَوْله: (فبع التَّمْر) ، أَي: فبع التَّمْر الرَّدِيء بِبيع آخر، أَي: بِبيع شَيْء آخر، بِأَن تبيعه بحنطة أَو شعير مثلا. قَوْله: (ثمَّ اشتره) ، أَي: ثمَّ اشْتَرِ التَّمْر الْجيد، ويروى: ثمَّ اشْتَرِ بِهِ، أَي: بِثمن الرَّدِيء، فعلى هَذِه الرِّوَايَة مفعول: اشترِ مَحْذُوف تَقْدِيره: ثمَّ اشْتَرِ الْجيد بِثمن الرَّدِيء، وَيدل على مَا قُلْنَاهُ مَا قد رُوِيَ عَن بِلَال فِي هَذَا الْخَبَر: انْطلق فَرده على صَاحبه وَخذ تمرك وبعه بحنطة أَو شعير ثمَّ اشْتَرِ بِهِ من هَذَا التَّمْر، ثمَّ جئني بِهِ، رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَن بِلَال، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَلَكِن إِذا أردْت أَن تشتري التَّمْر فبعه بِبيع آخر ثمَّ اشترِه، أَي: إِذا أردْت أَن تشتري التَّمْر الْجيد فبع التَّمْر الرَّدِيء بِبيع آخر ثمَّ اشْتَرِ الْجيد، وَبَين التركيبين مُغَايرَة ظَاهرا، وَلَكِن فِي الْحَقِيقَة يرجعان إِلَى معنى وَاحِد، وَهُوَ أَن لَا يَشْتَرِي الْجيد بِضعْف الرَّدِيء، بل إِذا أَرَادَ أَن يَشْتَرِي الْجيد يَبِيع ذَلِك الردي، بِشَيْء، وَيَأْخُذ ثمنه، ثمَّ يَشْتَرِي بِهِ التَّمْر الْجيد، حَتَّى لَا يَقع الرِّبَا فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه الْكَرِيم: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وذروا مَا بَقِي من الربوا﴾ . إِلَى قَوْله: ﴿فلكم من رُؤُوس أَمْوَالكُم﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٢) . قد أَمر الله برد عقد الرِّبَا، ورد رَأس المَال وَلَا خلاف أَيْضا أَن من بَاعَ بيعا فَاسِدا أَن بَيْعه مَرْدُود. واستفيد من حَدِيث الْبَاب حُرْمَة الرِّبَا وَعظم أمره، وَقد تقدم الْبَحْث فِيهِ فِي: بَاب مَا إِذا أَرَادَ بيع تمر بِتَمْر خير مِنْهُ، وَهُوَ فِي كتاب الْبيُوع. ٢١ - (بابُ الوَكالَةِ فِي الوَقْفِ ونَفَقَتِهِ وأنْ يُطْعِمَ صَدِيقا لَهُ ويَأكُلَ بالمَعْرُوفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوكَالَة فِي الْوَقْف. قَوْله: (وَنَفَقَته) أَي: نَفَقَة الْوَكِيل، يدل عَلَيْهِ لفظ الْوكَالَة. قَوْله: (وَأَن يطعم) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وإطعام الْوَكِيل صديقه من مَال الْوَقْف الَّذِي هُوَ وَكيل فِيهِ. قَوْله: (وَيَأْكُل) أَي: الْوَكِيل (بِالْمَعْرُوفِ) يَعْنِي: بِمَا يتعارفه الوكلاء فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حبس نَفسه لتصرف مُوكله وَالْقِيَام بأَمْره قِيَاسا على ولي الْيَتِيم؟ قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ:

стр. 3564

﴿وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النِّسَاء: ٦) . فَهَذَا مُبَاح عِنْد الْحَاجة، وَالْوَقْف كَذَلِك، وَلَيْسَ هَذَا مثل من اؤتمن على مَال غَيره لغير الصَّدَقَة فَأعْطى مِنْهُ فَقِيرا بِغَيْر إِذن ربه، فَإِنَّهُ لَا يجوز ذَلِك بِالْإِجْمَاع. ٣١٣٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ فِي صدَقَةِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَيْسَ علَى الوَلِيِّ جُناحٌ أَن يأكُلَ ويُؤْكِلَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَأثِّلٍ فكانَ ابنُ عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ يُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِم. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة تَتَضَمَّن أَرْبَعَة أَشْيَاء، والْحَدِيث يشملها، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة الْمَكِّيّ وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار الْمَكِّيّ. قَوْله: (قَالَ فِي صَدَقَة عمر) إِلَى آخِره، قَالَ الْكرْمَانِي، ﵀: صَدَقَة، بِالتَّنْوِينِ، وَعمر، فَاعل، هَذَا على سَبِيل الْإِرْسَال، إِذْ هُوَ لم يدْرك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي بَعْضهَا: صَدَقَة عمر، بِالْإِضَافَة، وَفِي بَعْضهَا: عَمْرو، بِالْوَاو، فالقائل بِهِ هُوَ ابْن دِينَار، أَي: قَالَ ابْن دِينَار فِي الْوَقْف الْعمريّ ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم فِي صَدَقَة عمر، أَي: فِي رِوَايَته لَهَا عَن ابْن عمر كَمَا جزم بذلك الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) . قلت: لم يذكر الْمزي هَذَا فِي الْأَطْرَاف) أصلا، وَإِنَّمَا قَالَ بعد الْعَلامَة بِحرف الْخَاء الْمُعْجَمَة: حَدِيث عَمْرو بن دِينَار ... إِلَى آخِره، مَا ذكره البُخَارِيّ، ثمَّ قَالَ: مَوْقُوف، وَالصَّوَاب الْمُحَقق مَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَالتَّقْدِير الَّذِي قدره هَذَا الْقَائِل خلاف الأَصْل، وَلَا ثمَّة دَاع يَدعُوهُ إِلَى ذَلِك، وَقَوله، ويوضحه رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر: لَا يسْتَلْزم مَا ذكره من التَّقْدِير الْمَذْكُور بالتعسف. قَوْله: (لَيْسَ على الْوَلِيّ) أَي: الَّذِي يتَوَلَّى أَمر الْوَقْف، قَوْله: (جنَاح) أَي: إِثْم، قَوْله: (أَن يَأْكُل) ، أَي: بِأَن يَأْكُل مِنْهُ. قَوْله: (أَو يُؤْكَل) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْكَاف، وَهُوَ من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ. قَوْله: (صديقا) ، نصب على أَنه مفعول: يُؤْكَل. قَوْله: (لَهُ) ، أَي: للوالي، وَهُوَ جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: صديقا، قَوْله: (غير متاثل) ، نصب على الْحَال من بَاب التفعل، بِالتَّشْدِيدِ، أَي: غير جَامع، يُقَال: مَال مؤثل، ومجد مؤثل أَي: مَجْمُوع ذُو أصل، وَاثِلَة الشَّيْء أَصله، فالمتأثل من يجمع مَالا ويجعله أَلا. قَوْله: (مَالا) مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (فَكَانَ) ، أَي: ابْن عمر إِلَى آخِره، فَأَشَارَ إِلَيْهِ الْمزي أَنه مَوْقُوف، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قلت: قد ذكرنَا أَن الْكرْمَانِي صرح بِأَنَّهُ مُرْسل، فَكيف يكون الْمَعْطُوف على الْمُرْسل مَوْصُولا؟ قَوْله: (يهدي) ، بِضَم الْيَاء من الإهداء. قَوْله: (للنَّاس) ، ويروى: لناس بِدُونِ الْألف، وَاللَّام. قَوْله: (كَانَ) أَي: ابْن عمر: (ينزل عَلَيْهِم) أَي: على النَّاس، وَهَذِه الْجُمْلَة حَال بِتَقْدِير: قد، كَمَا فِي قَوْله: ﴿أوجاؤكم حصرت﴾ (النِّسَاء: ٠٩) . أَي: قد حصرت. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز أكل الْوَلِيّ على الْوَقْف وإيكاله غَيره بِالْمَعْرُوفِ، وَقد أَخذ هَذَا من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النِّسَاء: ٠٩) . وَهَذَا فِي مَال الْيَتِيم، وَفِي مَال الْوَقْف أَهْون من ذَلِك، وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا مُبَاح عِنْد الْحَاجة، وَهَذَا سنة الْوَقْف: أَن يَأْكُل مِنْهُ الْوَلِيّ ويؤكل لِأَن الْحَبْس لهَذَا حبس. وَقَالَ ابْن التِّين: فِيهِ: أَن النَّاس فِي أوقافهم على شروطهم، وأهداه ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ على وَجْهَيْن: أَحدهمَا للشّرط الَّذِي فِي الْوَقْف أَن يُؤْكَل صديقا لَهُ، وَالْآخر: أَنه كَانَ ينزل على الَّذين يهدى إِلَيْهِم مُكَافَأَة عَن طعامهم، فَكَأَنَّهُ هُوَ أكله. وَفِيه: الاستضافة ومكافأة الضَّيْف، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب مستقصىً فِي كتاب الْوَقْف، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٣١ - (بابُ الوَكالَة فِي الحُدودِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوكَالَة فِي إِقَامَة الْحُدُود. ٤١٣٢ - ٥١٣٢ حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ أخبرنَا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ وَأبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ واغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأةِ هذَا فإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْهَا ...

стр. 3565

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أغد يَا أنيس) إِلَى آخِره، فَإِن أمره بذلك تَفْوِيض لَهُ. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة، وَزيد بن خَالِد يكنى أَبَا طَلْحَة الْجُهَنِيّ الصَّحَابِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي ثَمَانِيَة مَوَاضِع فِي الندور وَفِي الْمُحَاربين وَفِي الصُّلْح وَفِي الْأَحْكَام وَفِي الشُّرُوط وَفِي الِاعْتِصَام وَفِي خبر الْوَاحِد وَفِي الشَّهَادَات. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن قُتَيْبَة وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن أبي الطَّاهِر وحرملة وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى وَعَن نصر بن عَليّ وَغير وَاحِد كلهم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء وَفِي الرَّجْم عَن قُتَيْبَة وَفِي الْقَضَاء والشروط عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين وَفِي الرَّجْم عَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن عبد الْعَزِيز بن سَلمَة وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحُدُود من أبي بكر بن أبي شيبَة وَهِشَام بن عمار وَمُحَمّد بن الصَّباح. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ: واغد يَا أنيس) ، طرف من حَدِيث طَوِيل أخرجه فِي كتاب الْمُحَاربين فِي: بَاب الِاعْتِرَاف بِالزِّنَا، حَدثنَا عَليّ بن عبد الله أخبرنَا سُفْيَان، قَالَ: حفظناه من الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عبيد الله أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة وَزيد ابْن خَالِد، قَالَ: كُنَّا عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَامَ رجل فَقَالَ: أنْشدك الله إلَاّ قضيت بَيْننَا بِكِتَاب الله، فَقَامَ خَصمه وَكَانَ أفقه مِنْهُ، فَقَالَ: اقْضِ بَيْننَا بِكِتَاب الله وإيذن لي، قَالَ: قل. قَالَ: إِن ابْني كَانَ عسيفاً على هَذَا فزنى بامرأته، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَة شَاة وخادم، ثمَّ سَأَلت أهل الْعلم فَأَخْبرُونِي أَن على ابْني جلد مائَة وتغريب عَام، وعَلى امْرَأَته الرَّجْم. فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لأقضين بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله، جلّ ذكره: الْمِائَة شَاة وَالْخَادِم مَرْدُود، وعَلى ابْنك جلد مائَة وتغريب عَام، وأغد يَا أنيس على امْرَأَة هَذَا، فَإِن اعْترفت فارجمها. فغدا عَلَيْهَا فَاعْترفت فرجمها ... الحَدِيث، وَذكر هُنَا هَذِه الْقطعَة لأجل التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة. قَوْله: (واغدُ) أَمر من: غَدا يَغْدُو، وبالغين الْمُعْجَمَة من الغدو، وَهُوَ الذّهاب وَهُوَ عطف على مَا تقدم عَلَيْهِ فِي الحَدِيث. قَوْله: (يَا أنيس) تَصْغِير أنس، وَهُوَ أنيس بن الضَّحَّاك الْأَسْلَمِيّ، وَيُقَال: مكبرا، ذكر لَهُ عمر حَدِيثا، وَإِنَّمَا خصّه من بَين الصَّحَابَة قصدا إِلَى أَنه لَا يُؤمر فِي الْقَبِيلَة إلَاّ رجل مِنْهُم لنفورهم عَن حكم غَيرهم، وَكَانَت الْمَرْأَة أسلمية. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْوكَالَة فِي الْحُدُود وَالْقصاص، فَذهب أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف إِلَى أَنه لَا يجوز قبُولهَا فِي ذَلِك، وَلَا يُقَام الْحَد وَالْقصاص حَتَّى يحضر الْمُدَّعِي، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَقَالَ ابْن أبي ليلى وَجَمَاعَة: تقبل الْوكَالَة فِي ذَلِك، وَقَالُوا: لَا فرق بَين الْحُدُود وَالْقصاص والديون إلَاّ أَن يَدعِي الْخصم أَن صَاحبه قد عَفا عَنهُ فتوقف عَن النّظر فِيهِ حَتَّى يحضر. ٦١٣٢ - حدَّثنا ابنُ سَلَاّمٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عنْ أيُّوبَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَة عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ قالَ جِيءَ بالنُّعَيْمَانِ أَو ابنِ النُّعَيْمانِ أَو ابنِ النُّعَيْمَانِ شارِباً فأمرَ رسولُ الله ﷺ منْ كانَ فِي البَيْتِ أنْ يَضْرِبوا قَالَ فكُنتُ أَنا فِيمَنْ ضَرَبَهُ فضَرَبناهُ بالنِّعالَ والجَرِيدِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأمر من كَانَ فِي الْبَيْت أَن يضربوه) ، لِأَن الإِمَام إِذا لم يتول إِقَامَة الْحَد بِنَفسِهِ وَولى غَيره كَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة التَّوْكِيل. وَرِجَاله: مُحَمَّد بن سَلام، قَالَ الْكرْمَانِي: الصَّحِيح البيكندي البُخَارِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَابْن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، وَعقبَة بن الْحَارِث بن عَامر الْقرشِي النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ، لَهُ صُحْبَة، أسلم يَوْم فتح مَكَّة، روى لَهُ البُخَارِيّ ثَلَاثَة أَحَادِيث. قَوْله: (بالنعيمان) ، بِالتَّصْغِيرِ. قَوْله: (أَو بِابْن النعيمان) ، شكّ من الرَّاوِي، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة: جِيءَ بنعمان أَو نعيمان، فَشك هَل هُوَ بِالتَّكْبِيرِ أَو التصغير، وَفِي رِوَايَة: بالنعيمان، بِغَيْر شكّ، وَوَقع عِنْد الزبير بن بكار فِي النّسَب من طَرِيق أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه، قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يُقَال لَهُ النعيمان، يُصِيب الشَّرَاب ... فَذكر الحَدِيث نَحوه، وروى ابْن مَنْدَه من حَدِيث مَرْوَان بن قيس السّلمِيّ من صحابة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 3566

أَن النَّبِي ﷺ ، مر بِرَجُل سَكرَان يُقَال لَهُ نعيمان، فَأمر بِهِ فَضرب ... الحَدِيث، وَهُوَ: النعيمان بن عَمْرو بن رِفَاعَة بن الْحَارِث بن سَواد بن مَالك بن غنم بن مَالك بن النجار الْأنْصَارِيّ الَّذِي شهد بَدْرًا، وَكَانَ مزاحا وَقَالَ ابْن عبد الْبر: إِنَّه كَانَ رجلا صَالحا، وَأَن الَّذِي حَده النَّبِي، ﷺ ، كَانَ ابْنه. قَوْله: (شارباً) ، حَال، يَعْنِي: متصفاً بالشرب، لِأَنَّهُ حِين جِيءَ بِهِ لم يكن شارباً حَقِيقَة، بل كَانَ سَكرَان، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي الْحُدُود، وَهُوَ سَكرَان، وَزَاد عَلَيْهِ: فشق عَلَيْهِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن حد الشّرْب أخف الْحُدُود، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَفِيه: أَن حد الْخمر لَا يستأنى فِيهِ الْإِقَامَة كَحَد الْحَامِل لتَضَع الْحمل. وَفِيه: إِقَامَة الْحُدُود وَالضَّرْب بالنعال والجريد، وَكَانَ ذَلِك فِي زمن النَّبِي ﷺ ثمَّ رتبه عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثَمَانِينَ. ٤١ - (بَاب الوَكالَةِ فِي الْبُدْنِ وتَعاهُدِها) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوكَالَة فِي أَمر الْبدن الَّتِي تهدى، وَهُوَ بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة جمع: بَدَنَة. قَوْله: (وتعاهدها) أَي: وَفِي بَيَان تعاهد الْبدن، وَهُوَ افتقاد أمرهَا. ٧١٣٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثَنِي مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بن أبِي بَكْرِ بنِ حَزْم عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّها أخبَرَتْهُ قَالَت عائِشةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنا فتَلْتُ قَلائِدَ هَدْي رسولِ الله ﷺ بِيَدَيَّ ثُمَّ قلَّدَها رسولُ الله ﷺ بِيَدَيْهِ ثُمَّ بعَثَ بِها معَ أبِي فلَمْ يَحْرُمْ على رسولِ الله ﷺ شَيْءٌ أحَلَّهُ الله لَهُ حَتَّى نحِرَ الهدْيُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي كلا جزأيها ظَاهِرَة، أما فِي الْجُزْء الأول وَهُوَ قَوْله: (ثمَّ بعث بهَا مَعَ أبي) فَإِنَّهُ، ﷺ ، فوض أمرهَا لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين بعث بهَا. وَأما فِي الثَّانِي، وَهُوَ قَوْله: (قلدها بيدَيْهِ) ، لِأَنَّهُ تعاهد مِنْهُ فِي ذَلِك. وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس الْمدنِي، ابْن أُخْت مَالك بن أنس. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب من قلد القلائد بِيَدِهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك ... إِلَى آخِره، بأتم مِنْهُ وأطول، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٥١ - (بابٌ إِذا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ ضعْهُ حَيْث أرَاكَ الله وَقَالَ الوَكِيلُ قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ الرجل لوَكِيله الَّذِي وَكله: ضع الشَّيْء الْفُلَانِيّ حَيْثُ أَرَاك الله، يَعْنِي فِي أَي مَوضِع شِئْت. وَقَالَ الْوَكِيل: قد سَمِعت مَا قلت لي وَوَضعه حَيْثُ أَرَادَ، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، يَعْنِي: جَازَ هَذَا الْأَمر. ٨١٣٢ - حدَّثني يَحْيَى بنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأتُ علَى مالِكٍ عنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يقُولُ كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ الأنْصَارِ بالمَدِينَةِ مَالا وكانَ أحَبَّ أمْوالِهِ إلَيْهِ بِيرُحاءَ وَكَانَت مُستَقْبِلَةَ المَسْجِدِ وكانَ رسولُ الله ﷺ يَدْخُلُها ويَشْرَبُ من ماءٍ فِيها طَيِّبٍ فلمَّا نَزَلَتْ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مَمَّا تُحِبُّونَ قامَ أبُو طَلْحَةَ إلَى رسولِ الله ﷺ فقالَ يَا رسولَ الله إنَّ الله تعَالى يَقولُ فِي كِتَابِهِ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مَمَّا تُحِبُّونَ وإنَّ أحَبَ أمْوالِي إلَيَّ بِيرَحَاءَ وإنَّهَا صَدَقَةٌ لله أرْجُو بِرَّها وذَخْرَها عِنْدَ الله فَضَعْهَا يَا رسولَ الله

стр. 3567

حَيْثُ شِئْتَ فَقَالَ بَخٍ ذلِكَ مالٌ رَائِحٌ قدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيها وأرَى أنْ تَجْعَلَها فِي الأقْرَبِينَ قَالَ أفْعَلُ يَا رسولَ الله فَقَسَمَهَا أبُو طَلْحَةَ فِي أقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّه. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَول أبي طَلْحَة للنَّبِي ﷺ : إِنَّهَا صَدَقَة فضعها يَا رَسُول الله حَيْثُ شِئْت، فَإِنَّهُ لم يُنكر عَلَيْهِ ذَلِك، وَإِن كَانَ مَا وَضعهَا بِنَفسِهِ بل أمره أَن يَضَعهَا فِي الْأَقْرَبين، وَيفهم مِنْهُ أَن الْوكَالَة لَا تتمّ إلَاّ بِالْقبُولِ، أَلا ترى أَن أَبَا طَلْحَة قَالَ لرَسُول الله ﷺ : ضعها يَا رَسُول الله حَيْثُ شِئْت! فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَن يَجْعَلهَا فِي الْأَقْرَبين، بعد أَن قَالَ: قد سَمِعت مَا قلت فِيهَا، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك ... إِلَى آخِره نَحوه، وَأخرجه هُنَا: عَن يحيى بن يحيى بن بكر بن زِيَاد التَّمِيمِي الْحَنْظَلِي شيخ مُسلم أَيْضا، مَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء سلخ صفر سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (رائج) ، بِالْجِيم: من الرواج، وَقيل: بِالْحَاء، وَقيل: بِالْبَاء الْمُوَحدَة. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: دُخُول الشَّارِع حَوَائِط أَصْحَابه وشربه من المَاء العذب. وَفِيه: رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى. تابَعَهُ إسْماعِيلُ عنْ مالِكٍ يَعْنِي: تَابع يحيى بن يحيى إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك عَن أنس، وَسَيَأْتِي مَوْصُولا فِي تَفْسِير آل عمرَان. وَقَالَ روْحٌ عنْ مالِكٍ رابِحٌ يَعْنِي: قَالَ روح بن عبَادَة فِي رِوَايَته عَن مَالك: رابح، بِالْبَاء الْمُوَحدَة من الرِّبْح، وَقد ذكرنَا الْآن أَن فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات. ٦١ - (بابُ وَكالةِ الأمِينِ فِي الخِزَانَةِ ونَحْوِها) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم وكَالَة الرجل الْأمين فِي الخزانة وَنَحْوهَا. ٩١٣٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ الخَازِنُ الأمِينُ الَّذِي يُنْفِقُ ورُبَّمَا قَالَ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كامِلاً مُوَفَّرا طَيِّبٌ نَفْسُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ بِهِ أحَدُ المُتَصَدِّقِينِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الخازن الْأمين مفوض إِلَيْهِ الْإِنْفَاق والإعطاء بِحَسب أَمر الْآمِر بِهِ، وَمُحَمّد بن الْعَلَاء أَبُو كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَبُو بردة كَذَلِك بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَاسم أبي مُوسَى: عبد الله بن قيس، والْحَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب أجر الْخَادِم، بِهَذَا الْإِسْنَاد والمتن بعينهما، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. بِسم الله الرحمان (كتاب المُزَارَعَةِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْمُزَارعَة، وَهِي مفاعلة من الزَّرْع، والزراعة هِيَ الْحَرْث والفلاحة، وَتسَمى: مخابرة ومحاقلة، ويسميها أهل الْعرَاق: القراح، وَفِي الْمغرب: القراح من الأَرْض كل قِطْعَة على حيالها لَيْسَ فِيهَا شجر وَلَا شائب سبخ، وَتجمع على: أقرحة، كمكان وأمكنة. وَفِي الشَّرْع: الْمُزَارعَة عقد على زرع بِبَعْض الْخَارِج، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: كتاب الْحَرْث، وَفِي بعض النّسخ: كتاب الْحَرْث والزراعة. ١ - (بابُ فَضْلِ الزَّرْعِ والْغِرْسِ إذَا اكِلَ مِنه) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الزِّرَاعَة وغرس الْأَشْجَار إِذا أكل مِنْهُ، أَي: من كل وَاحِد من الزَّرْع وَالْغَرْس، وَهَذَا الْقَيْد لَا بُد مِنْهُ

стр. 3568

لحُصُول الْأجر، وَهَذِه التَّرْجَمَة كَذَا هِيَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ والكشميهني بعد قَوْله: كتاب الْمُزَارعَة، إلَاّ أَنَّهُمَا أخرا الْبَسْمَلَة عَن كتاب الْمُزَارعَة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَرْث والمزارعة، وَفضل الزَّرْع، وَلم يذكر فِيهِ كتاب الْمُزَارعَة، قيل: هُوَ للأصيلي وكريمة. وقَوْلِهِ تعالَى: ﴿أفَرَأيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاما﴾ (الْوَاقِعَة: ٣٦، ٥٦) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: فضل الزَّرْع، وَذكر هَذِه الْآيَة لاشتمالها على الْحَرْث وَالزَّرْع، وَأَيْضًا تدل على إِبَاحَة الزَّرْع من جِهَة الامتنان بِهِ، وفيهَا وَفِي الْآيَات الَّتِي قبلهَا رد وتبكيت على الْمُشْركين الَّذين قَالُوا: نَحن موجودون من نُطْفَة حدثت بحرارة كائنة، وأنكروا الْبَعْث والنشور بِأُمُور ذكرت فِيهَا، من جُمْلَتهَا قَوْله: أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ؟ أَي تثيرون فِي الأَرْض وتعملون فِيهَا وتطرحون البذار، أأنتم تزرعونه أَي تنبتونه وتردونه نباتاً ينمي إِلَى أَن يبلغ الْغَايَة. قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو نشَاء لجعلناه حطاماً﴾ (الْوَاقِعَة: ٣٦، ٥٦) . أَي: هشيماً لَا ينْتَفع بِهِ وَلَا تقدرون على مَنعه، وَقيل: نبتاً لَا قَمح فِيهِ، فظللتم تفكهون أَي: تفجعون، وَقيل: تَحْزَنُونَ، وَهُوَ من الأضداد، تَقول الْعَرَب: تفكهت أَي تنعمت وتفكهت، أَي: حزنت، وَقيل: التفكه التَّكَلُّم فِيمَا لَا يَعْنِيك، وَمِنْه قيل للمزاح: فكاهة، وَأخذُوا من قَوْله: أم نَحن الزارعون؟ أَن لَا يَقُول أحد: زرعت، وَلَكِن يَقُول: حرثت، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) عَن رَسُول الله ﷺ : (لَا يَقُولَن أحدكُم: زرعت، وَليقل: حرثت) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: (ألم تسمعوا قَول الله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ أأنتم تزرعونه أم نَحن الزارعون﴾ (الْوَاقِعَة: ٣٦، ٥٦) . قلت: هَذَا الحَدِيث أخرجه ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَفِي تَفْسِير عبد ابْن حميد عَن أبي عبد الرَّحْمَن، يَعْنِي السّلمِيّ، أَنه كره أَن يُقَال: زرعت، وَيَقُول حرثت. ٠٢٣٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدثنَا أَبُو عَوَانَةَ ح وحدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ المُبَارَكِ قَالَ حدَّثنا أَبُو عَوانَةَ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَا مِنْ مُسلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً أوْ يَزْرَعُ زَرْعاً فَيأكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أوْ إنْسانٌ أوْ بَهِيمَةٌ إلَاّ كانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ. (الحَدِيث ٠٢٣٢ طرفه فِي: ٢١٠٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرجه بطريقين عَن شيخين: أَحدهمَا: عَن قُتَيْبَة عَن أبي عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح ابْن عبد الله الْيَشْكُرِي عَن قَتَادَة. وَالْآخر: عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك بن عبد الله الْعَبْسِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، ويروي عَن قَتَادَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أبي الْوَلِيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن قُتَيْبَة. وَقَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي أَيُّوب، وَأم مُبشر، وَجَابِر، وَزيد بن خَالِد. قلت: أما حَدِيث: أبي أَيُّوب فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: (مَا من رجل يغْرس غرساً إلَاّ كتب الله لَهُ من الْأجر قدر مَا يخرج من ثَمَر ذَلِك الْغَرْس) . وَأما حَدِيث أم مُبشر فَأخْرجهُ مُسلم فِي أَفْرَاده من رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر عَن أم مُبشر عَن النَّبِي ﷺ بِنَحْوِ حَدِيث عَطاء، وَأبي الزبير وَعَمْرو بن دِينَار عَن جَابر، وَلم يسق لَفظه. وَأما حَدِيث جَابر فَأخْرجهُ مُسلم أَيْضا فِي أَفْرَاده من رِوَايَة عبد الْملك بن سُلَيْمَان الْعَزْرَمِي عَن عَطاء عَن جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُول للهلله ﷺ : (مَا من مُسلم يغْرس غرسا إلَاّ كَانَ مَا أكل مِنْهُ لَهُ صَدَقَة، وَمَا سرق مِنْهُ لَهُ صَدَقَة، وَمَا أكل السَّبع فَهُوَ لَهُ صَدَقَة، وَمَا أكلت الطير فَهُوَ لَهُ صَدَقَة، وَلَا يزراه أحدا إلَاّ كَانَ لَهُ صَدَقَة) . وَأخرجه أَيْضا من رِوَايَة اللَّيْث عَن أبي الزبير عَن جَابر: أَن النَّبِي ﷺ دخل على أم معبد

стр. 3569

أَو أم مُبشر الْأَنْصَارِيَّة فِي نخل لَهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : (من غرس هَذَا النّخل أمسلم أم كَافِر؟ فَقَالَت: بل مُسلم، فَقَالَ: (لَا يغْرس مُسلم غرساً، وَلَا يزرع زرعا فيأكل مِنْهُ إنس ان وَلَا دَابَّة وَلَا شَيْء إلَاّ كَانَت لَهُ صَدَقَة) . وَأخرجه أَيْضا من رِوَايَة زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق أَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار أَنه سمع جَابر بن عبد الله، يَقُول: دخل النَّبِي ﷺ على أم معبد وَلم يشك، فَذكر نَحوه، قلت: أم مُبشر هَذِه هِيَ امْرَأَة زيد بن حَارِثَة، كَمَا ورد فِي (الصَّحِيح) فِي بعض طرق الحَدِيث، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: يُقَال: إِنَّهَا أم بشر بنت البرار بن معْرور، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيُقَال: إِن فِيهَا أَيْضا أم بشير، قَالَ: فَحصل أَنه يُقَال لَهَا أم مُبشر وَأم معبد وَأم بشير، قيل: اسْمهَا خليدة، بِضَم الْخَاء وَلم يَصح. وَأما حَدِيث زيد بن خَالِد ... . . ... وَقَالَ شَيخنَا فِي شرح هَذَا الحَدِيث: وَفِي الْبَاب مِمَّا لم يذكرهُ التِّرْمِذِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء والسائب بن خَلاد ومعاذ بن أنس وصحابي لم يسم. وَأما حَدِيث أبي الدَّرْدَاء فَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) عَنهُ: أَن رجلا مر بِهِ وَهُوَ يغْرس غرسا بِدِمَشْق، فَقَالَ: أتفعل هَذَا وَأَنت صَاحب رَسُول الله، ﷺ ؟ قَالَ: لَا تعجل عَليّ، سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من غرس غرساً لم يَأْكُل مِنْهُ آدَمِيّ وَلَا خلق من خلق الله إلَاّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَة) . وَأما حَدِيث السَّائِب بن خَلاد فَأخْرجهُ أَحْمد أَيْضا من رِوَايَة خَلاد بن السَّائِب عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من زرع زرعا فَأكل مِنْهُ الطير أَو الْعَافِيَة كَانَ لَهُ صَدَقَة) . وَأما حَدِيث معَاذ بن أنس، فَأخْرجهُ أَحْمد أَيْضا عَنهُ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: (من بنى بَيْتا فِي غير ظلم وَلَا اعتداء، أَو غرس غرساً فِي غير ظلم وَلَا اعتداء، كَانَ لَهُ أجرا جَارِيا مَا انْتفع من خلق الرَّحْمَن ﵎ أحد) ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي كتاب التَّوَكُّل. وَأما حَدِيث الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يسم، فَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا من رِوَايَة: فنج، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد النُّون وبالجيم، قَالَ: كنت أعمل فِي الدينباد وأعالج فِيهِ، فَقدم يعلى بن أُميَّة أَمِيرا على الْيمن، وَجَاء مَعَه رجال من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، فَجَاءَنِي رجل مِمَّن قدم مَعَه، وَأَنا فِي الزَّرْع، وَفِي كمه جوز، فَذكر الحَدِيث، وَفِيه فَقَالَ رجل: سَمِعت رَسُول الله ﷺ بأذني هَاتين يَقُول: (من نصب شَجَرَة فَصَبر على حفظهَا وَالْقِيَام عَلَيْهَا حَتَّى تثمر كَانَ لَهُ فِي كل شَيْء يصاب من ثَمَرهَا صَدَقَة، عِنْد الله، . قلت: وَعند يحيى بن آدم: حَدثنَا عبد السَّلَام بن حَرْب حَدثنَا إِسْحَاق بن أبي فَرْوَة عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن أبي أسيد، يرفعهُ: (من زرع زرعا أَو غرس غرساً فَلهُ أجر مَا أَصَابَت مِنْهُ العوافي) وَذكر عَليّ بن عبد الْعَزِيز فِي (الْمُنْتَخب) بِإِسْنَاد حسن عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن قَامَت السَّاعَة وبيد أحدكُم فسيلة، فاستطاع أَن لَا تقوم حَتَّى يغرسها فليغرسها) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فضل الْغَرْس وَالزَّرْع، وَاسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَن الزِّرَاعَة أفضل المكاسب، وَاخْتلف فِي أفضل المكاسب، فَقَالَ النَّوَوِيّ: أفضلهَا الزِّرَاعَة، وَقيل: أفضلهَا الْكسْب بِالْيَدِ، وَهِي الصَّنْعَة، وَقيل: أفضلهَا التِّجَارَة، وَأكْثر الْأَحَادِيث تدل على أَفضَلِيَّة الْكسْب بِالْيَدِ. وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث أبي بردة، قَالَ: (سُئِلَ رَسُول الله ﷺ : أَي الْكسْب أطيب؟ قَالَ: عمل الرجل بِيَدِهِ وكل بيع مبرور) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَقد يُقَال: هَذَا أطيب من حَيْثُ الْحل، وَذَاكَ أفضل من حَيْثُ الِانْتِفَاع الْعَام، فَهُوَ نفع مُتَعَدٍّ إِلَى غَيره، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يخْتَلف الْحَال فِي ذَلِك باخْتلَاف حَاجَة النَّاس، فَحَيْثُ كَانَ النَّاس مُحْتَاجين إِلَى الأقوات أَكثر، كَانَت الزِّرَاعَة أفضل، للتوسعة على النَّاس، وَحَيْثُ كَانُوا مُحْتَاجين إِلَى المتجر لانْقِطَاع الطّرق كَانَت التِّجَارَة أفضل، وَحَيْثُ كَانُوا مُحْتَاجين إِلَى الصَّنَائِع أَشد، كَانَت الصَّنْعَة أفضل، وَهَذَا حسن. وَفِيه: أَن الثَّوَاب الْمُتَرَتب على أَفعَال الْبر فِي الْآخِرَة يخْتَص بِالْمُسلمِ دون الْكَافِر، لِأَن الْقرب إِنَّمَا تصح من الْمُسلم، فَإِن تصدق الْكَافِر أَو بنى قنطرة للمارة أَو شَيْئا من وُجُوه الْبر لم يكن لَهُ أجر فِي الْآخِرَة، وَورد فِي حَدِيث آخر: أَنه يطعم فِي الدنيابذلك، ويجازى بِهِ من دفع مَكْرُوه عَنهُ، وَلَا يدّخر لَهُ شَيْء مِنْهُ فِي الْآخِرَة. فَإِن قلت: قَوْله ﷺ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث: مَا من عبد وَهُوَ يتَنَاوَل الْمُسلم وَالْكَافِر. قلت: يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد. وَفِيه: أَن الْمَرْأَة تدخل فِي قَوْله: مَا من مُسلم، لِأَن هَذَا اللَّفْظ من الْجِنْس الَّذِي إِذا كَانَ الْخطاب بِهِ يدْخل فِيهِ الْمَرْأَة، لِأَنَّهُ ﷺ لم يرد بِهَذَا اللَّفْظ أَن الْمسلمَة إِذا فعلت هَذَا الْفِعْل لم يكن لَهَا هَذَا الثَّوَاب، بل الْمسلمَة فِي هَذَا الْفِعْل فِي اسْتِحْقَاق الثَّوَاب مثل الْمُسلم سَوَاء. وَفِيه: حُصُول الْأجر للغارس والزارع، وَإِن لم يقصدا ذَلِك، حَتَّى لَو غرس وَبَاعه أَو زرع وَبَاعه كَانَ لَهُ بذلك صَدَقَة لتوسعته على النَّاس فِي أقواتهم، كَمَا ورد الْأجر للجالب، وَإِن كَانَ يَفْعَله للتِّجَارَة والاكتساب. فَإِن قلت: فِي بعض طرق حَدِيث جَابر عِنْد مُسلم: إلَاّ كَانَت لَهُ صَدَقَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَقَوله: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، هَل يُرِيد بِهِ أَن أجره لَا يَنْقَطِع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَإِن فني الزَّرْع وَالْغِرَاس؟ أَو يُرِيد مَا بَقِي من ذَلِك الزَّرْع وَالْغِرَاس مُنْتَفعا بِهِ، وَإِن بَقِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة؟ قلت: الظَّاهِر أَن المُرَاد الثَّانِي. وَزَاد النَّوَوِيّ:

стр. 3570

أَن مَا يُولد من الْغِرَاس وَالزَّرْع كَذَلِك، فَقَالَ فِيهِ: إِن أجر فَاعل ذَلِك مُسْتَمر مَا دَامَ الْغِرَاس وَالزَّرْع وَمَا يُولد مِنْهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَفِيه: أَن الْغَرْس وَالزَّرْع واتخاذ الصَّنَائِع مُبَاح وَغير قَادِح فِي الزّهْد، وَقد فعله كثير من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد ذهلب قوم من المتزهدة إِلَى أَن ذَلِك مَكْرُوه وقادح فِي الزّهْد، ولعلهم تمسكوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: (لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَة فتركنوا إِلَى الدُّنْيَا) ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) . وَأجِيب بِأَن هَذَا النَّهْي مَحْمُول على الاستكثار من الضّيَاع والانصراف إِلَيْهَا بِالْقَلْبِ الَّذِي يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الركون إِلَى الدُّنْيَا. وَأما إِذا اتخذها غير مستكثر وقلل مِنْهَا، وَكَانَت لَهُ كفافاً وعفافاً، فَهِيَ مُبَاحَة غير قادحة فِي الزّهْد، وسبيلها كسبيل المَال الَّذِي اسْتَثْنَاهُ النَّبِي ﷺ بقوله: (إلَاّ من أَخذه بِحقِّهِ وَوَضعه فِي حَقه) . وَفِيه: الحض على عمَارَة الأَرْض لنَفسِهِ وَلمن يَأْتِي بعده. . وَفِيه: جَوَاز نِسْبَة الزَّرْع إِلَى الْآدَمِيّ، والْحَدِيث الَّذِي ورد فِيهِ الْمَنْع غير قوي، وَفِيه: قَالَ الطَّيِّبِيّ: نكر مُسلما فاوقعه فِي سِيَاق النَّفْي، وَزَاد: من، الاستغراقية، وَعم الْحَيَوَان ليدل على سَبِيل الْكِنَايَة، على أَن أَي مُسلم كَانَ حرا أَو عبدا مُطيعًا أَو عَاصِيا يعْمل أَي عمل من الْمُبَاح ينْتَفع بِمَا عمله أَي حَيَوَان كَانَ، يرجع نَفعه إِلَيْهِ ويثاب عَلَيْهِ. وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا أبانُ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ عنِ النبيِّ ﷺ كَذَا وَقع: قَالَ لنا مُسلم، فِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي وكريمة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَآخَرين: وَقَالَ وَلمُسلم، بِدُونِ لفظ: لنا، وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ الفراهيدي مَوْلَاهُم القصاب الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبَان بن يزِيد الْعَطَّار، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره عَن شَيْخه مُسلم بِغَيْر لفظ التحديث حَتَّى قَالَ بعض الْعلمَاء: إِنَّه مُعَلّق، وأبى ذَلِك الْحَافِظ أَبُو نعيم، فَزعم أَن البُخَارِيّ روى عَنهُ هَذَا الحَدِيث. وأتى بِهِ لتصريح قَتَادَة فِيهِ بِسَمَاعِهِ من أنس ليسلم من تَدْلِيس قَتَادَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن عبد بن حميد: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أبان بن يزِيد الْعَطَّار حَدثنَا قَتَادَة (حَدثنَا أنس بن مَالك: أَن نَبِي الله ﷺ دخل نخلا لأم مُبشر امْرَأَة من الْأَنْصَار فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : من غرس هَذَا النّخل؟ مُسلم أَو كَافِر؟ قَالُوا: مُسلم) . بنحوهم، يَعْنِي: بِنَحْوِ حَدِيث جَابر وَأنس وَأم معبد، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقيل: إِن البُخَارِيّ لَا يخرج لأَبَان إلَاّ اسْتِشْهَادًا. وَأجِيب: بِأَنَّهُ ذكر هُنَا إِسْنَاده وَلم يسق مَتنه، لِأَن غَرَضه بَيَان أَنه صرح بِالتَّحْدِيثِ عَن قَتَادَة عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ٢ - (بابُ مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاشْتِغَالِ بآلَةِ الزَّرْعِ أوْ مُجَاوزَةِ الحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يحذر ... إِلَى آخِره، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة. قَوْله: (أَو مُجَاوزَة الْحَد) ، أَي: فِي بَيَان مُجَاوزَة الْحَد الَّذِي أَمر بِهِ، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه: أَو يُجَاوز الْحَد، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي ذَر: أَو جَاوز الْحَد، وَالْمرَاد بِالْحَدِّ الَّذِي شرع سَوَاء كَانَ وَاجِبا أَو سنة أَو ندبا. ١٢٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ قَالَ حدَّثنا عبدُ الله بنُ سالِمٍ الحِمْصِيِّ قَالَ حدَّثنا محَمَّدُابنُ زِيادٍ الألْهانِيُّ عنْ أبِي امَامَةَ الباهِليِّ قَالَ ورَأى سِكةً وشَيْئا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ فَقَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقولُ لَا يَدْخُلُ هَذا بَيْتَ قَوْمٍ إلَاّ أُدْخِلَهُ الذُّلُّ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يدْخل هَذَا بَيت قوم إلَاّ أدخلهُ الذل) ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يَنْبَغِي الحذر من عواقب الِاشْتِغَال بِهِ، لِأَن كل مَا كَانَ عاقبته ذلاً يحذر عَنهُ، وَلما ذكر فضل الزَّرْع وَالْغَرْس فِي الْبَاب السَّابِق أَرَادَ الْجمع بَينه وَبَين حَدِيث هَذَا الْبَاب، لِأَن بَينهمَا مُنَافَاة بِحَسب الظَّاهِر. وَأَشَارَ إِلَى كَيْفيَّة الْجمع بشيئين أَحدهمَا: هُوَ قَوْله: مَا يحذر من عواقب الِاشْتِغَال بِآلَة الزَّرْع، وَذَلِكَ إِذا اشْتغل بِهِ فضيع بِسَبَبِهِ مَا أَمر بِهِ. وَالْآخر: هُوَ قَوْله: أَو مُجَاوزَة الْحَد، وَذَلِكَ فِيمَا إِذا لم يضيع، وَلكنه جَاوز الْحَد فِيهِ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا لمن يقرب من الْعَدو فَإِنَّهُ إِذا اشْتغل بالحرث لَا يشْتَغل بالفروسية ويتأسد عَلَيْهِ الْعَدو، وَأما غَيرهم فالحرث

стр. 3571

مَحْمُود لَهُم. وَقَالَ : ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم. .﴾ (الْأَنْفَال: ٠٦) . الْآيَة، وَلَا يقوم إلَاّ بالزراعة. وَمن هُوَ بالثغور المتقاربة لِلْعَدو لَا يشْتَغل بالحرث، فعلى الْمُسلمين أَن يمدوهم بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. وَعبد الله بن يُوسُف التنيسِي أَبُو مُحَمَّد من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَعبد الله بن سَالم أَبُو يُوسُف الْأَشْعَرِيّ، مَاتَ سنة تسع وَسبعين وَمِائَة، وَمُحَمّد بن زِيَاد الْأَلْهَانِي، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون اللَّام: نِسْبَة إِلَى ألهان أَخُو هَمدَان بن مَالك بن زيد، هَذَا فِي كهلان، وألهان أَيْضا فِي حمير وَهُوَ: ألهان بن جشم بن عبد شمس، وَنسبَة مُحَمَّد بن زِيَاد إِلَى ألهان هَذَا. قَالَ ابْن دُرَيْد: ألهان، من قَوْلهم: لهنوا ضيوفهم أَي: أطعموهم مَا يتعلل بِهِ قبل الْغذَاء، وَكَانَ ألهان جمع: لَهُنَّ، وَاسم مَا يَأْكُلهُ الضَّيْف: لهنة، وَلَيْسَ لعبد الله بن سَالم ولمحمد بن زِيَاد فِي الصَّحِيح غير هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم: وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم شَامِيُّونَ وَكلهمْ حمصيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ. قلت: شيخ البُخَارِيّ أَيْضا أَصله من دمشق. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ. قَوْله: (عَن أبي أُمَامَة) ، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : سَمِعت أَبَا أُمَامَة. قَوْله: (وَرَأى سكَّة) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، و: السِّكَّة، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْكَاف: هِيَ الحديدة الَّتِي يحرث بهَا. قَوْله: (إلَاّ أدخلهُ الذَّال) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إلَاّ دخله الذل، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم الْمَذْكُورَة إلَاّ أدخلُوا على أنفسهم ذلاً لَا يخرج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَوجه الذل مَا يلْزم الزَّارِع من حُقُوق الأَرْض فيطالبهم السُّلْطَان بذلك. وَقيل: إِن الْمُسلمين إِذا أَقبلُوا على الزِّرَاعَة شغلوا عَن الْعَدو، وَفِي ترك الْجِهَاد نوع ذل. وَفِي الحَدِيث عَلامَة النُّبُوَّة، قَالَ ابْن بطال: وَذَلِكَ أَنه ﷺ علم أَن من يَأْتِي آخر الزَّمَان يَجُورُونَ فِي أَخذ الصَّدقَات والعشور، وَيَأْخُذُونَ فِي ذَلِك أَكثر مِمَّا يجب لَهُم، لِأَنَّهُ ذل لمن أَخذ مِنْهُ بِغَيْر الْحق. انْتهى. قلت: قُوَّة الذل وكثرته فِي الزراعين فِي أَرَاضِي مصر، فَإِن أَصْحَاب الإقطاعات يتسلطون عَلَيْهِم وَيَأْخُذُونَ مِنْهُم فَوق مَا عَلَيْهِم بِضَرْب وَحبس وتهديد بَالغ، ويجعلونهم كالعبيد المشترين فَلَا يتخلصون مِنْهُم، فَإِذا مَاتَ وَاحِد مِنْهُم يُقِيمُونَ وَلَده عوضه بِالْغَصْبِ وَالظُّلم، وَيَأْخُذُونَ غَالب مَا تَركه ويحرمون ورثته. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد) ، هُوَ: مُحَمَّد بن الزياد الرَّاوِي، وَاسم أبي أُمَامَة الَّذِي روى عَنهُ: صدي، بِضَم الصَّاد وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْديد الْيَاء: ابْن عجلَان بن وهب الْبَاهِلِيّ نزل بحمص وَمَات فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا: دقوة، على عشرَة أَمْيَال من حمص سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وعمره إِحْدَى وَتسْعُونَ سنة، وَقد قيل: إِنَّه آخر من مَاتَ بِالشَّام من الصَّحَابَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر فِي الْأَطْعِمَة، وَآخر فِي الْجِهَاد من قَوْله: يدْخل فِي حكم الْمَرْفُوع، وَفِي بعض النّسخ: قَالَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَهَذَا وَقع للمستملي وَحده. ٣ - (بابُ اقْتِناءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اقتناء الْكَلْب، والاقتناء بِالْقَافِ من بَاب الافتعال من اقتنى، يُقَال: قناه يقنوه واقتناه إِذا اتَّخذهُ لنَفسِهِ دون البيع، وَمِنْه الْقنية وَهِي مَا اقتنى من شَاة أَو نَاقَة أَو غَيرهمَا، يُقَال: غنم قنوة وقنية، وَيُقَال: قنوت الْغنم وَغَيرهَا قنوة وقنوة، وقنيت أَيْضا قنية وقنية إِذا اقتنيتها لنَفسك لَا للتِّجَارَة، قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ إِبَاحَة الْحَرْث بِدَلِيل إِبَاحَة اقتناء الْكلاب الْمنْهِي عَن اتخاذها لأجل الْحَرْث، فَإِذا رخص من أجل الْحَرْث فِي الْمَمْنُوع من اتِّخَاذه كَانَ أقل درجاته أَن يكون مُبَاحا. قلت: هَذَا استنباط عَجِيب، لِأَن إِبَاحَة الْحَرْث بِالنَّصِّ وَلَو فرض مَوضِع لَيْسَ فِيهِ كلب لَا يُبَاح فِيهِ الْحَرْث. ٢٢٣٢ - حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضالَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثيرٍ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ منْ أمسَكَ كلْباً فإنَّهُ ينْقُصُ كلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ إلَاّ كَلْبَ حَرْث أوْ ماشِيَةٍ. (الحَدِيث ٢٢٣٢ طرفه فِي: ٤٢٣٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إلَاّ كلب حرث) . ومعاذ، بِضَم الْمِيم وبذال مُعْجمَة: ابْن فضَالة، بِفَتْح الْفَاء: أَبُو زيد الْبَصْرِيّ، وَهِشَام الدستوَائي. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن زُهَيْر بن حَرْب: حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا هِشَام الدستوَائي حَدثنَا يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من مسك كَلْبا فَإِنَّهُ ينقص من عمله كل يَوْم قِيرَاط إلَاّ كلب حرث أَو كلب مَاشِيَة) . وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هيرة، قَالَ: قَالَ

стр. 3572

رَسُول الله ﷺ : (من اتخذ كَلْبا إلَاّ كلب مَاشِيَة أَو صيد أَو زرع انْتقصَ من أجره كل يَوْم قِيرَاط) . قَالَ الزُّهْرِيّ: فَذكر لِابْنِ عمر قَول أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ: يرحم الله أَبَا هُرَيْرَة، كَانَ صَاحب زرع. فَإِن قلت: مَا أَرَادَ ابْن عمر بقوله: يرحم الله أَبَا هُرَيْرَة كَانَ صَاحب زرع؟ قلت: قيل: أنكر زِيَادَة الزَّرْع عَلَيْهِ، والأحوط أَن يُقَال: إِنَّه أَرَادَ بذلك الْإِشَارَة إِلَى تثبيت رِوَايَة أبي هُرَيْرَة، وَأَن سَبَب حفظه لهَذِهِ الزِّيَادَة دون غَيره أَنه كَانَ صَاحب زرع، مشتغلاً بِشَيْء يحْتَاج إِلَى معرفَة أَحْكَامه، وَمَعَ هَذَا جَاءَ لفظ: زرع، فِي حَدِيث ابْن عمر، فِي رِوَايَة مُسلم على مَا نذكرها الْآن، وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من اقتنى كَلْبا، إِلَّا كلب مَاشِيَة أَو ضارية، نقص من عمله كل يَوْم قِيرَاط) . وروى أَيْضا من حَدِيث سَالم عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من اقتنى كَلْبا إلَاّ كلب صيد وماشية، نقص من أجره كل يَوْم قيراطان) . وروى أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن دِينَار: أَنه سمع ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من اقتنى كَلْبا إلَاّ كلب ضارية أَو مَاشِيَة. نقص من عمله كل يَوْم قيراطان) . وروى أَيْضا من حَدِيث سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أَيّمَا أهل دَار اتَّخذُوا كَلْبا، إلَاّ كلب مَاشِيَة أَو كلب صائد، نقص من عمله كل يَوْم قيراطان) . وروى أَيْضا من حَدِيث أبي الحكم، قَالَ: سَمِعت ابْن عمر يحدث عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (من اتخذ كَلْبا، إلَاّ كلب زرع أَو غنم أَو صيد، نقص من أجره كل يَوْم قِيرَاط) . وروى أَيْضا من حَدِيث سعيد عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (من اقتنى كَلْبا، لَيْسَ بكلب صيد وَلَا مَاشِيَة وَلَا أَرض، فَإِنَّهُ ينقص من أجره كل يَوْم قيراطان) . وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن مُغفل: (مَا من أهل بَيت يربطون كَلْبا إلَاّ نقص من عَمَلهم كل يَوْم قِيرَاط، إلَاّ كلب صيد أَو كلب حرث أَو كلب غنم) . وَقَالَ: حَدِيث حسن. قَوْله: (قِيرَاط) ، القيراط هُنَا مِقْدَار مَعْلُوم عِنْد الله، وَالْمرَاد نقص جُزْء من أَجزَاء عمله. فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين قَوْله: قِيرَاط، وَقَوله: قيرطان؟ قلت: يجوز أَن يَكُونَا فِي نَوْعَيْنِ من الْكلاب أَحدهمَا أَشد إِيذَاء. وَقيل: القيراطان فِي المدن والقرى، والقيراط فِي الْبَوَادِي. وَقيل: هما فِي زمانين، فَذكر القيراط أَولا ثمَّ زَاد التَّغْلِيظ فَذكر القيراطين، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب النَّقْص، فَقيل: امْتنَاع الْمَلَائِكَة من دُخُول بَيته، أَو مَا يلْحق المارين من الْأَذَى، أَو ذَلِك عُقُوبَة لَهُم لاتخاذهم مَا نهى عَن اتِّخَاذه، أَو لِكَثْرَة أكله للنجاسات، أَو لكَرَاهَة رائحتها، أَو لِأَن بَعْضهَا شَيْطَان، أَو لولوغه فِي الْأَوَانِي عِنْد غَفلَة صَاحبهَا. قَوْله: (أَو مَاشِيَة) ، كلمة: أَو، للتنويع أَي: أَو كلب مَاشِيَة، والماشية اسْم يَقع على الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي الْغنم، وَيجمع على مواشي. وَاخْتلف فِي الْأجر الَّذِي ينقص: هَل هُوَ من الْعَمَل الْمَاضِي أَو الْمُسْتَقْبل؟ حكى الرَّوْيَانِيّ هَذَا، وَقَالَ ابْن التِّين: المُرَاد بِهِ أَنه لَو لم يَتَّخِذهُ لَكَانَ عمله كَامِلا، فَإِذا اقتناه نقص من ذَلِك الْعَمَل، وَلَا يجوز أَن ينقص من عمل مضى، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه: لَيْسَ عمله فِي الْكَمَال عمل من لم يتَّخذ انْتهى. فَإِن قلت: هَل يجوز اتِّخَاذه لغير الْوُجُوه الْمَذْكُورَة؟ قلت: قَالَ ابْن عبد الْبر مَا حَاصله: إِن هَذِه الْوُجُوه الثَّلَاثَة تثبت بِالسنةِ، وَمَا عَداهَا فداخل فِي بَاب الْحَظْر، وَقيل: الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة إِبَاحَة اتِّخَاذه لحراسة الدَّرْب إِلْحَاقًا للمنصوص بِمَا فِي مَعْنَاهُ. وَقَالَ ابنُ سِيرينَ وَأَبُو صالِحٍ عَن أبِي هُرَيرَة رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ إلَاّ كَلْب غَنَم أوْ حَرْثٍ أوْ صَيْدٍ أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَأَبُو صَالح) ، أَي: وَقَالَ أَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان، وَوصل تَعْلِيقه أَبُو الشَّيْخ عبد الله بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب (التَّرْغِيب) لَهُ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح، وَمن طَرِيق سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، بِلَفْظ: (من اقتنى كَلْبا، إلَاّ كلب مَاشِيَة أَو صيد أَو حرث، فَإِنَّهُ ينقص من عمله كل يَوْم قيراطان) ، وَلم يقل سُهَيْل: أَو حرث. وَقَالَ أَبُو حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ كَلْبَ صَيْدٍ أوْ ماشِيَةٍ أَبُو حَازِم هَذَا هُوَ سلمَان الْأَشْجَعِيّ مولى عزة الأشجعية، ذكره الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) ؛ وَقَالَ أَبُو حَازِم: عَن أبي هُرَيْرَة، وَلم

стр. 3573

يذكر شَيْئا غَيره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو الشَّيْخ من طَرِيق زيد بن أبي أنيسَة عَن عدي بن ثَابت عَن أبي حَازِم بِلَفْظ: (أَيّمَا أهل دَار ربطوا كَلْبا، لَيْسَ بكلب صيد وَلَا مَاشِيَة، نقص من أجرهم كل يَوْم قِيرَاط) . ٣٢٣٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَن يَزِيدَ بنِ خُصَيْفَةَ أنَّ السَّائِبَ بنَ يَزيدَ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بنَ أبِي زُهَيْرٍ رَجُلاً مِنْ أزْدِشَنُوءَةَ وكانَ مِن أصْحابِ النبيِّ ﷺ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ مَنِ اقْتَنَى كلْباً لَا يُغْنِي عنهُ زَرْعاً ولَا ضرعاً نقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ قلْتُ أنْتَ سَمِعْتَ هَذَا منْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ إِي ورَبِّ هَذا المَسْجِدِ. (الحَدِيث ٣٢٣٢ طرفه فِي: ٥٢٣٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يُغني عَنهُ زرعا) ، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن عبد الله بن خصيفَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء: تَصْغِير خصفة، مر فِي: بَاب رفع الصَّوْت فِي الْمَسَاجِد، والسائب بن يزِيد من الزِّيَادَة صَحَابِيّ صَغِير مَشْهُور، وسُفْيَان بن أبي زُهَيْر مصغر زهر واسْمه القرد، بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء: الْأَزْدِيّ الشنائي، وَهُوَ من السراة يعد فِي أهل الْمَدِينَة. وَقَالَ بَعضهم: وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم مدنيون. قلت: عبد الله بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ تنيسي أَصله من دمشق، وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن عَليّ بن حجر بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن خَالِد بن مخلد عَن مَالك بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رجلا) ، بِالنّصب، ويروى بِالرَّفْع، وَجه النصب على تَقْدِير: أَعنِي أَو أخص، وَوجه الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ رجل من أَزْد شنُوءَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة، وَضم النُّون وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْهمزَة، قَالَ بَعضهم: وَهِي قَبيلَة مَشْهُورَة نسبوا إِلَى شنُوءَة، واسْمه الْحَارِث بن كَعْب بن عبد الله بن مَالك بن نصر بن الأزد. قلت: قَالَ ابْن هِشَام: وشنوءة هُوَ عبد الله بن كَعْب بن عبد الله بن مَالك بن نصر بن الأزد، فَدلَّ على أَن اسْم شنُوءَة: عبد الله، لَا: الْحَارِث، والمرجع فِيهِ إِلَى ابْن هِشَام وَأَمْثَاله، لَا إِلَى غَيرهم. قَالَ الرشاطي: وَإِنَّمَا قيل: أَزْد شنُوءَة، لشنآن كَانَ بَينهم، والشنآن: البغض. قَالَ يَعْقُوب: والنسبه إِلَيْهِ شنئي. قَالَ: وَيُقَال: شنوة، بتَشْديد الْوَاو غير مَهْمُوز، وينسب إِلَيْهِ: الشنوي. وَيُقَال أَيْضا فِي النِّسْبَة إِلَى شنُوءَة: شنائي، وَيُقَال: الشنيء، بِفَتْح الشين وَضم النُّون وَكسر الْهمزَة، وَيُقَال أَيْضا الشنوئي، بِفَتْح الشين وَضم النُّون وَسُكُون الْوَاو وَكسر الْهمزَة، فَهَذِهِ النِّسْبَة على أَرْبَعَة أوجه، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) . قَوْله: (لَا يُغني) ، من الإغناء. قَوْله: (عَنهُ) ، أَي: عَن الْكَلْب، ويروى: لَا يغنى بِهِ، أَي: لَا ينفع بِسَبَبِهِ أَو لَا يُقيم بِهِ. قَوْله: (وَلَا ضرعا) ، الضَّرع اسْم لكل ذَات ظلف. وخف، وَهَذَا كِنَايَة عَن الْمَاشِيَة. قَوْله: (أَنْت سَمِعت) هَذَا للتثبيت فِي الحَدِيث. قَوْله: (وَرب هَذَا الْمَسْجِد) ، قسم للتَّأْكِيد. وَاسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ بعض الْمَالِكِيَّة على طَهَارَة الْكَلْب الْجَائِز اتِّخَاذه، لِأَن فِي ملابسته مَعَ الِاحْتِرَاز عَنهُ مشقة شَدِيدَة. قَالُوا: الْإِذْن فِي اتِّخَاذه أذن فِي مكملات مَقْصُوده، قُلْنَا: وَهَذَا يُعَارضهُ حَدِيث الْأَمر من غسل مَا ولغَ فِيهِ الْكَلْب سبع مَرَّات. فَإِن قَالُوا: هَذَا أَمر تعبدي فَلَا يسْتَلْزم النَّجَاسَة ﴿﴾ قُلْنَا: الْخَبَر عَام، فبعمومه يدل على أَن الْغسْل لنجاسته. وَمن فَوَائده: الْحَث على تَكْثِير الْأَعْمَال الصَّالِحَة، والتحذير من الْأَعْمَال الَّتِي فِي ارتكابها نقص الْأجر. ٤ - (بابُ اسْتِعْمالِ البَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِعْمَال الْبَقر للحراثة، الْبَقر اسْم جنس، وَالْبَقَرَة تقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَإِنَّمَا دَخلته الْهَاء على أَنه وَاحِد من جنس، وَالْجمع: بقرات، والباقر: جمَاعَة الْبَقر مَعَ رعاتها. وَفِي (الْمغرب) : الباقور والبيقور والأبقور: الْبَقر. وَعَن قطرب: الباقورة: الْبَقر، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الباقورة الْبَقر بلغَة أهل الْيمن، وَفِي الصَّدَقَة لأهل الْيمن فِي ثَلَاثِينَ باقورة: بقرة: وَقَالَ الْجَوْهَرِي: البقير، جمَاعَة الْبَقر.

стр. 3574

٤٢٣٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبيِّ ﷺ قَالَ بَيْنَما رجُلٌ راكِبٌ علَى بَقَرةٍ الْتَفَتَتْ إلَيْهِ فَقالَتْ لَمْ أُخْلَقْ لِهَذا خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ قَالَ آمَنْتُ بِهِ أَنا وأبُو بَكْرٍ وعُمَرَ وأخذَ الذِّئْبُ شَاة فتَبِعَها الرَّاعِي فَقَالَ الذِّئْبُ منْ لَها يَوْمَ السَّبُع يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَها غَيْرِي قَالَ آمَنْتُ بِهِ أَنا وَأَبُو بَكْرً وعُمَرُ قَالَ أبُو سلَمَةَ وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي القَوْمِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: خلقت للحراثة، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ، وَقد تكَرر ذكره، وَسعد هُوَ إِبْرَاهِيم ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَفِي بعض النّسخ: إِبْرَاهِيم مَذْكُور. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي المناقب عَن عَليّ عَن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن عباد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب مقطعا عَن مُحَمَّد ابْن بشار بِهِ وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَيْنَمَا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَصله: بَين، زيدت فِيهِ. مَا، ويضاف إِلَى جملَة، وَجَوَابه. قَوْله: (التفتت إِلَيْهِ) . قَوْله: (لهَذَا) ، أَي: للرُّكُوب، يدل عَلَيْهِ قَوْله: رَاكب. قَوْله: (آمَنت بِهِ) ، أَي: بتكلم الْبَقَرَة. قَوْله: (أَنا) ، إِنَّمَا أضمره لصِحَّة الْعَطف على الضَّمِير الْمُتَّصِل على رَأْي الْبَصرِيين. قَوْله: (فَقَالَ الذِّئْب: من لَهَا؟) أَي: للشاة. قَوْله: (يَوْم السَّبع) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: أَكثر الْمُحدثين يرونه بِضَم الْبَاء، قَالَ: وَالْمعْنَى على هَذَا، أَي: إِذا أَخذهَا السَّبع لم يقدر على خلاصها فَلَا يرعاها حِينَئِذٍ غَيْرِي، أَي: إِنَّك تهرب وأكون أَنا قَرِيبا مِنْهَا أنظر مَا يفضل لي مِنْهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَرْفُوع: يتركون الْمَدِينَة على خير مَا كَانَت لَا يَغْشَاهَا إلَاّ العوافي، يُرِيد السبَاع وَالطير. قَالَ: وَهَذَا لم نسْمع بِهِ، وَلَا بُد من وُقُوعه. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قِرَاءَة النَّاس، بِضَم الْبَاء، وَإِنَّمَا هُوَ بإسكانها وَالضَّم تَصْحِيف، وَيُرِيد بالساكن الْبَاء: الإهمال، وَالْمعْنَى من لَهَا يَوْم يهملها أَرْبَابهَا لعَظيم مَا هم فِيهِ من الكرب، أما بِمَعْنى: يحدث من فتْنَة، أَو يُرِيد بِهِ يَوْم الصَّيْحَة. وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري عَن ابْن الْأَعرَابِي: السَّبع، بِسُكُون الْبَاء، هُوَ الْموضع الَّذِي يكون فِيهِ الْمَحْشَر، فَكَأَنَّهُ قَالَ: من لَهَا يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالَ ابْن قرقول: السَّاكِن الْبَاء؛ عيد لَهُم فِي الْجَاهِلِيَّة، كَانُوا يشتغلون بِهِ بلعبهم فيأكل الذِّئْب غَنمهمْ وَلَيْسَ بالسبع الَّذِي يَأْكُل النَّاس. وَقيل: يَوْم السَّبع بِسُكُون الْبَاء، أَي: يَوْم الْجُوع. وَقَالَ ابْن قرقول: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا هُوَ يَوْم السَّبع، بِالْيَاءِ بِاثْنَتَيْنِ من تحتهَا، أَي: يَوْم الضّيَاع، يُقَال: أسعت، وأضعت، بِمَعْنى. وَقَالَ القَاضِي: الروايه بِالضَّمِّ وَإِمَّا بِالسُّكُونِ فَمن جعلهَا اسْما للموضع الَّذِي عِنْده الْمَحْشَر أَي من لَهَا يَوْم الْقِيَامَة وَقد أنكر عَلَيْهِ إِذْ يَوْم الْقِيَامَة لَا يكون الذِّئْب راعيها وَلَا لَهُ تعلق بهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَاهُ من لَهَا عِنْد الْفِتَن حِين يَتْرُكهَا النَّاس هملا لَا راعي لَهَا نهيبة للسباع فَيبقى لَهَا السَّبع رَاعيا أَي مُنْفَردا بهَا قَوْله " مَا هما " أَي لم يكونها يَوْمئِذٍ حاضرين وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك رَسُول الله ﷺ َ - ثِقَة بهما لعلمه بِصدق إيمانهما وَقُوَّة يقينهما وَكَمَال معرفتهما بقدرة الله تَعَالَى (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ علم من أَعْلَام النُّبُوَّة وَفِيه فضل الشَّيْخَيْنِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لِأَنَّهُ نزلهما بِمَنْزِلَة نَفسه وَهِي من أعظم الخصائص وَقَالَ ابْن الْمُهلب فِيهِ بَيَان أَن كَلَام الْبَهَائِم من الخصائص الَّتِي خصت بهَا بَنو إِسْرَائِيل وَهَذِه الْوَاقِعَة كَانَت فيهم وَهُوَ الَّذِي فهمه البُخَارِيّ إِذْ خرجه فِي بَاب ذكر بني إِسْرَائِيل قلت لَا يلْزم من ذكر البُخَارِيّ هَذَا فِي بني إِسْرَائِيل اختصاصهم بذلك وَقد روى ابْن وهب أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب وَصَفوَان بن أُميَّة وجدا ذئبا أَخذ ظَبْيًا فاستنقذاه مِنْهُ فَقَالَ لَهما طعمة أطعمنيها الله تَعَالَى وَرُوِيَ مثل هَذَا أَيْضا أَنه جرى لأبي جهل وَأَصْحَاب لَهُ وَعند أبي الْقَاسِم عَن أنس قَالَ كنت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي غَزْوَة تَبُوك فشردت على غنمي فجَاء الذِّئْب فَأخذ مِنْهَا شَاة فاشتدت الرُّعَاة خَلفه فَقَالَ الذِّئْب طعمة أطعمنيها الله تنزعونها مني فبهت الْقَوْم فَقَالَ مَا تعْجبُونَ (ح) وَذكر ابْن الْأَثِير أَن قصَّة الذِّئْب كَانَت أَيْضا فِي المبعث وَالَّذِي كَلمه الذِّئْب اسْمه أهبان بن أَوْس الْأَسْلَمِيّ أَبُو عقبَة سكن الْكُوفَة وَقيل أهبان بن عقبَة وَهُوَ عَم سَلمَة بن الْأَكْوَع وَكَانَ

стр. 3575

من أَصْحَاب الشَّجَرَة وَعَن الْكَلْبِيّ هُوَ أهبان بن الْأَكْوَع واسْمه سِنَان بن عياذ بن ربيعَة وَقَالَ الذَّهَبِيّ أهبان بن أَوْس الْأَسْلَمِيّ يكلم الذِّئْب أَبُو عقبَة كُوفِي وَقيل أَن مُكَلم الذِّئْب أهبان بن عياذ الْخُزَاعِيّ وَقَالَ ابْن بطال وَهَذَا الحَدِيث حجَّة على من جعل عِلّة الْمَنْع من أكل الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير أَنَّهَا خلقت للزِّينَة وَالرُّكُوب لقَوْله ﴿لتركبوها وزينة﴾ وَقد خلقت الْبَقر للحراثة كَمَا أنطقها الله وَلم يمْنَع ذَلِك من أكل لحومها لَا فِي بني إِسْرَائِيل وَلَا فِي الْإِسْلَام قلت الْبَقر خلقت للْأَكْل بِالنَّصِّ كَمَا خلقت هَذِه الثَّلَاثَة للرُّكُوب بِالنَّصِّ وَالْبَقر لم تخلق للرُّكُوب فَلذَلِك قَالَت لراكبها لم أخلق لهَذَا وَقَوْلها خلقت للحراثة لَيْسَ بحصر فِيهَا وَلما كَانَت فِيهَا منفعتان الْأكل والحراثة ذكرت مَنْفَعَة الحراثة لكَونهَا أبعد فِي الذِّهْن من مَنْفَعَة الْأكل وَلِأَن الْأكل كَانَ مقررا عِنْد الرَّاكِب بِخِلَاف الحراثة بل رُبمَا كَانَ يظنّ أَنَّهَا غير متصورة عِنْده فنبهته عَلَيْهَا دون الْأكل (بَاب إِذا قَالَ اكْفِنِي مُؤنَة النّخل أَو غَيره وتشركني فِي الثَّمر) أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ صَاحب النخيل لغيره اكْفِنِي مُؤنَة النّخل والمؤنة هِيَ الْعَمَل فِيهِ من السَّقْي وَالْقِيَام عَلَيْهِ بِمَا يتَعَلَّق بِهِ وتشركني فِي الثَّمر أَي الثَّمر الَّذِي يحصل من النّخل وَهَذِه صُورَة الْمُسَاقَاة وَهِي جَائِزَة قَوْله " أَو غَيره " أَي أَو غير النّخل مثل الْكَرم يكون لَهُ وَيَقُول لغيره اكْفِنِي مُؤنَة هَذَا الْكَرم وتشركني فِي الْعِنَب الَّذِي يحصل مِنْهُ وَهَذَا أَيْضا جَائِز وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره مَاذَا قَالَ اكْفِنِي إِلَى آخِره جَازَ هَذَا القَوْل قَوْله " النّخل " رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره النخيل وَهُوَ جمع نخل كالعبيد جمع عبد وَهُوَ جمع نَادِر قَوْله " وتشركني " قَالَ الْكرْمَانِي بِالرَّفْع وَالنّصب وَلم يبين وجههما وَجه الرّفْع على تَقْدِيره حذف الْمُبْتَدَأ أَي وَأَنت تشركني وَالْوَاو فِيهِ للْحَال وَوجه النصب على تَقْدِير كلمة أَن بعد الْوَاو أَي اكْفِنِي مُؤنَة النّخل وَأَن تشركني فِي الثَّمر أَي وعَلى أَن تشركني وَقد ذكر الْكُوفِيُّونَ أَن أَن بِالْفَتْح وَسُكُون النُّون يَأْتِي بِمَعْنى الشَّرْط كَانَ بِكَسْر الْهمزَة ٦ - (حَدثنَا الحكم بن نَافِع قَالَ أخبرنَا شُعَيْب قَالَ حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَت الْأَنْصَار للنَّبِي ﷺ َ - اقْسمْ بَيْننَا وَبَين إِخْوَاننَا النخيل قَالَ لَا فَقَالُوا تكفوننا الْمُؤْنَة ونشرككم فِي الثَّمَرَة قَالُوا سمعنَا وأطعنا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " تكفوننا الْمُؤْنَة ونشرككم فِي الثَّمَرَة ". وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ أَبُو الْيَمَان الْحِمصِي وَشُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشُّرُوط وَأخرجه النَّسَائِيّ مثله فِيهِ قَوْله " قَالَت الْأَنْصَار " يَعْنِي حِين قدم النَّبِي ﷺ َ - الْمَدِينَة قَالُوا يَا رَسُول الله اقْسمْ بَيْننَا وَبَين إِخْوَاننَا يَعْنِي الْمُهَاجِرين النخيل وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِك لِأَن الْأَنْصَار لما بَايعُوا النَّبِي ﷺ َ - لَيْلَة الْعقبَة شَرط عَلَيْهِم النَّبِي ﷺ َ - مواساة من هَاجر إِلَيْهِم فَلَمَّا قدم الْمُهَاجِرُونَ قَالَت الْأَنْصَار أقسم يَا رَسُول الله بَيْننَا وَبينهمْ وَيعْمل كل وَاحِد سَهْمه فَلم يفعل النَّبِي ﷺ َ - ذَلِك وَهُوَ معنى قَوْله " قَالَ لَا " أَي قَالَ النَّبِي ﷺ َ - لَا أفعل ذَلِك يَعْنِي الْقِسْمَة لِأَنَّهُ كره أَن يخرج شَيْء من عقار الْأَنْصَار عَنْهُم وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - أَيْضا أَن الْمُهَاجِرين لَا علم لَهُم بِعَمَل النّخل فَقَالَت الْأَنْصَار حِينَئِذٍ تكفوننا الْمُؤْنَة وَقد فسرناها ونشرككم فِي الثَّمَرَة وَهُوَ معنى قَوْله فَقَالُوا أَي الْأَنْصَار للمهاجرين تكفوننا الْمُؤْنَة ونشرككم فِي الثَّمَرَة قَالُوا أَي الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار كلهم قَالُوا سمعنَا وأطعنا يَعْنِي امتثلنا أَمر النَّبِي ﷺ َ - فِيمَا أَشَارَ إِلَيْهِ وَهَذِه صُورَة الْمُسَاقَاة ثمَّ ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي عَمَلهم على النّصْف مِمَّا يخرج الثَّمَرَة لِأَن الشّركَة إِذا أبهمت وَلم يكن فِيهَا حد مَعْلُوم كَانَت نِصْفَيْنِ وَقَالَ الْمُهلب فِيهِ حجَّة على جَوَاز الْمُسَاقَاة ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين بِأَن الْمُهَاجِرين كَانُوا ملكوا من الْأَنْصَار نَصِيبا من الأَرْض وَالْمَال بِاشْتِرَاط النَّبِي ﷺ َ -
следующие страницы →