← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

مَحْمُود لَهُم. وَقَالَ : ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم. .﴾ (الْأَنْفَال: ٠٦) . الْآيَة، وَلَا يقوم إلَاّ بالزراعة. وَمن هُوَ بالثغور المتقاربة لِلْعَدو لَا يشْتَغل بالحرث، فعلى الْمُسلمين أَن يمدوهم بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. وَعبد الله بن يُوسُف التنيسِي أَبُو مُحَمَّد من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَعبد الله بن سَالم أَبُو يُوسُف الْأَشْعَرِيّ، مَاتَ سنة تسع وَسبعين وَمِائَة، وَمُحَمّد بن زِيَاد الْأَلْهَانِي، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون اللَّام: نِسْبَة إِلَى ألهان أَخُو هَمدَان بن مَالك بن زيد، هَذَا فِي كهلان، وألهان أَيْضا فِي حمير وَهُوَ: ألهان بن جشم بن عبد شمس، وَنسبَة مُحَمَّد بن زِيَاد إِلَى ألهان هَذَا. قَالَ ابْن دُرَيْد: ألهان، من قَوْلهم: لهنوا ضيوفهم أَي: أطعموهم مَا يتعلل بِهِ قبل الْغذَاء، وَكَانَ ألهان جمع: لَهُنَّ، وَاسم مَا يَأْكُلهُ الضَّيْف: لهنة، وَلَيْسَ لعبد الله بن سَالم ولمحمد بن زِيَاد فِي الصَّحِيح غير هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم: وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم شَامِيُّونَ وَكلهمْ حمصيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ. قلت: شيخ البُخَارِيّ أَيْضا أَصله من دمشق. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ. قَوْله: (عَن أبي أُمَامَة) ، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : سَمِعت أَبَا أُمَامَة. قَوْله: (وَرَأى سكَّة) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، و: السِّكَّة، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْكَاف: هِيَ الحديدة الَّتِي يحرث بهَا. قَوْله: (إلَاّ أدخلهُ الذَّال) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إلَاّ دخله الذل، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم الْمَذْكُورَة إلَاّ أدخلُوا على أنفسهم ذلاً لَا يخرج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَوجه الذل مَا يلْزم الزَّارِع من حُقُوق الأَرْض فيطالبهم السُّلْطَان بذلك. وَقيل: إِن الْمُسلمين إِذا أَقبلُوا على الزِّرَاعَة شغلوا عَن الْعَدو، وَفِي ترك الْجِهَاد نوع ذل. وَفِي الحَدِيث عَلامَة النُّبُوَّة، قَالَ ابْن بطال: وَذَلِكَ أَنه ﷺ علم أَن من يَأْتِي آخر الزَّمَان يَجُورُونَ فِي أَخذ الصَّدقَات والعشور، وَيَأْخُذُونَ فِي ذَلِك أَكثر مِمَّا يجب لَهُم، لِأَنَّهُ ذل لمن أَخذ مِنْهُ بِغَيْر الْحق. انْتهى. قلت: قُوَّة الذل وكثرته فِي الزراعين فِي أَرَاضِي مصر، فَإِن أَصْحَاب الإقطاعات يتسلطون عَلَيْهِم وَيَأْخُذُونَ مِنْهُم فَوق مَا عَلَيْهِم بِضَرْب وَحبس وتهديد بَالغ، ويجعلونهم كالعبيد المشترين فَلَا يتخلصون مِنْهُم، فَإِذا مَاتَ وَاحِد مِنْهُم يُقِيمُونَ وَلَده عوضه بِالْغَصْبِ وَالظُّلم، وَيَأْخُذُونَ غَالب مَا تَركه ويحرمون ورثته. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد) ، هُوَ: مُحَمَّد بن الزياد الرَّاوِي، وَاسم أبي أُمَامَة الَّذِي روى عَنهُ: صدي، بِضَم الصَّاد وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْديد الْيَاء: ابْن عجلَان بن وهب الْبَاهِلِيّ نزل بحمص وَمَات فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا: دقوة، على عشرَة أَمْيَال من حمص سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وعمره إِحْدَى وَتسْعُونَ سنة، وَقد قيل: إِنَّه آخر من مَاتَ بِالشَّام من الصَّحَابَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر فِي الْأَطْعِمَة، وَآخر فِي الْجِهَاد من قَوْله: يدْخل فِي حكم الْمَرْفُوع، وَفِي بعض النّسخ: قَالَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَهَذَا وَقع للمستملي وَحده. ٣ - (بابُ اقْتِناءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اقتناء الْكَلْب، والاقتناء بِالْقَافِ من بَاب الافتعال من اقتنى، يُقَال: قناه يقنوه واقتناه إِذا اتَّخذهُ لنَفسِهِ دون البيع، وَمِنْه الْقنية وَهِي مَا اقتنى من شَاة أَو نَاقَة أَو غَيرهمَا، يُقَال: غنم قنوة وقنية، وَيُقَال: قنوت الْغنم وَغَيرهَا قنوة وقنوة، وقنيت أَيْضا قنية وقنية إِذا اقتنيتها لنَفسك لَا للتِّجَارَة، قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ إِبَاحَة الْحَرْث بِدَلِيل إِبَاحَة اقتناء الْكلاب الْمنْهِي عَن اتخاذها لأجل الْحَرْث، فَإِذا رخص من أجل الْحَرْث فِي الْمَمْنُوع من اتِّخَاذه كَانَ أقل درجاته أَن يكون مُبَاحا. قلت: هَذَا استنباط عَجِيب، لِأَن إِبَاحَة الْحَرْث بِالنَّصِّ وَلَو فرض مَوضِع لَيْسَ فِيهِ كلب لَا يُبَاح فِيهِ الْحَرْث. ٢٢٣٢ - حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضالَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثيرٍ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ منْ أمسَكَ كلْباً فإنَّهُ ينْقُصُ كلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ إلَاّ كَلْبَ حَرْث أوْ ماشِيَةٍ. (الحَدِيث ٢٢٣٢ طرفه فِي: ٤٢٣٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إلَاّ كلب حرث) . ومعاذ، بِضَم الْمِيم وبذال مُعْجمَة: ابْن فضَالة، بِفَتْح الْفَاء: أَبُو زيد الْبَصْرِيّ، وَهِشَام الدستوَائي. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن زُهَيْر بن حَرْب: حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا هِشَام الدستوَائي حَدثنَا يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من مسك كَلْبا فَإِنَّهُ ينقص من عمله كل يَوْم قِيرَاط إلَاّ كلب حرث أَو كلب مَاشِيَة) . وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هيرة، قَالَ: قَالَ

стр. 3572

رَسُول الله ﷺ : (من اتخذ كَلْبا إلَاّ كلب مَاشِيَة أَو صيد أَو زرع انْتقصَ من أجره كل يَوْم قِيرَاط) . قَالَ الزُّهْرِيّ: فَذكر لِابْنِ عمر قَول أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ: يرحم الله أَبَا هُرَيْرَة، كَانَ صَاحب زرع. فَإِن قلت: مَا أَرَادَ ابْن عمر بقوله: يرحم الله أَبَا هُرَيْرَة كَانَ صَاحب زرع؟ قلت: قيل: أنكر زِيَادَة الزَّرْع عَلَيْهِ، والأحوط أَن يُقَال: إِنَّه أَرَادَ بذلك الْإِشَارَة إِلَى تثبيت رِوَايَة أبي هُرَيْرَة، وَأَن سَبَب حفظه لهَذِهِ الزِّيَادَة دون غَيره أَنه كَانَ صَاحب زرع، مشتغلاً بِشَيْء يحْتَاج إِلَى معرفَة أَحْكَامه، وَمَعَ هَذَا جَاءَ لفظ: زرع، فِي حَدِيث ابْن عمر، فِي رِوَايَة مُسلم على مَا نذكرها الْآن، وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من اقتنى كَلْبا، إِلَّا كلب مَاشِيَة أَو ضارية، نقص من عمله كل يَوْم قِيرَاط) . وروى أَيْضا من حَدِيث سَالم عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من اقتنى كَلْبا إلَاّ كلب صيد وماشية، نقص من أجره كل يَوْم قيراطان) . وروى أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن دِينَار: أَنه سمع ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من اقتنى كَلْبا إلَاّ كلب ضارية أَو مَاشِيَة. نقص من عمله كل يَوْم قيراطان) . وروى أَيْضا من حَدِيث سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أَيّمَا أهل دَار اتَّخذُوا كَلْبا، إلَاّ كلب مَاشِيَة أَو كلب صائد، نقص من عمله كل يَوْم قيراطان) . وروى أَيْضا من حَدِيث أبي الحكم، قَالَ: سَمِعت ابْن عمر يحدث عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (من اتخذ كَلْبا، إلَاّ كلب زرع أَو غنم أَو صيد، نقص من أجره كل يَوْم قِيرَاط) . وروى أَيْضا من حَدِيث سعيد عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (من اقتنى كَلْبا، لَيْسَ بكلب صيد وَلَا مَاشِيَة وَلَا أَرض، فَإِنَّهُ ينقص من أجره كل يَوْم قيراطان) . وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن مُغفل: (مَا من أهل بَيت يربطون كَلْبا إلَاّ نقص من عَمَلهم كل يَوْم قِيرَاط، إلَاّ كلب صيد أَو كلب حرث أَو كلب غنم) . وَقَالَ: حَدِيث حسن. قَوْله: (قِيرَاط) ، القيراط هُنَا مِقْدَار مَعْلُوم عِنْد الله، وَالْمرَاد نقص جُزْء من أَجزَاء عمله. فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين قَوْله: قِيرَاط، وَقَوله: قيرطان؟ قلت: يجوز أَن يَكُونَا فِي نَوْعَيْنِ من الْكلاب أَحدهمَا أَشد إِيذَاء. وَقيل: القيراطان فِي المدن والقرى، والقيراط فِي الْبَوَادِي. وَقيل: هما فِي زمانين، فَذكر القيراط أَولا ثمَّ زَاد التَّغْلِيظ فَذكر القيراطين، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب النَّقْص، فَقيل: امْتنَاع الْمَلَائِكَة من دُخُول بَيته، أَو مَا يلْحق المارين من الْأَذَى، أَو ذَلِك عُقُوبَة لَهُم لاتخاذهم مَا نهى عَن اتِّخَاذه، أَو لِكَثْرَة أكله للنجاسات، أَو لكَرَاهَة رائحتها، أَو لِأَن بَعْضهَا شَيْطَان، أَو لولوغه فِي الْأَوَانِي عِنْد غَفلَة صَاحبهَا. قَوْله: (أَو مَاشِيَة) ، كلمة: أَو، للتنويع أَي: أَو كلب مَاشِيَة، والماشية اسْم يَقع على الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي الْغنم، وَيجمع على مواشي. وَاخْتلف فِي الْأجر الَّذِي ينقص: هَل هُوَ من الْعَمَل الْمَاضِي أَو الْمُسْتَقْبل؟ حكى الرَّوْيَانِيّ هَذَا، وَقَالَ ابْن التِّين: المُرَاد بِهِ أَنه لَو لم يَتَّخِذهُ لَكَانَ عمله كَامِلا، فَإِذا اقتناه نقص من ذَلِك الْعَمَل، وَلَا يجوز أَن ينقص من عمل مضى، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه: لَيْسَ عمله فِي الْكَمَال عمل من لم يتَّخذ انْتهى. فَإِن قلت: هَل يجوز اتِّخَاذه لغير الْوُجُوه الْمَذْكُورَة؟ قلت: قَالَ ابْن عبد الْبر مَا حَاصله: إِن هَذِه الْوُجُوه الثَّلَاثَة تثبت بِالسنةِ، وَمَا عَداهَا فداخل فِي بَاب الْحَظْر، وَقيل: الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة إِبَاحَة اتِّخَاذه لحراسة الدَّرْب إِلْحَاقًا للمنصوص بِمَا فِي مَعْنَاهُ. وَقَالَ ابنُ سِيرينَ وَأَبُو صالِحٍ عَن أبِي هُرَيرَة رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ إلَاّ كَلْب غَنَم أوْ حَرْثٍ أوْ صَيْدٍ أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَأَبُو صَالح) ، أَي: وَقَالَ أَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان، وَوصل تَعْلِيقه أَبُو الشَّيْخ عبد الله بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب (التَّرْغِيب) لَهُ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح، وَمن طَرِيق سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، بِلَفْظ: (من اقتنى كَلْبا، إلَاّ كلب مَاشِيَة أَو صيد أَو حرث، فَإِنَّهُ ينقص من عمله كل يَوْم قيراطان) ، وَلم يقل سُهَيْل: أَو حرث. وَقَالَ أَبُو حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ كَلْبَ صَيْدٍ أوْ ماشِيَةٍ أَبُو حَازِم هَذَا هُوَ سلمَان الْأَشْجَعِيّ مولى عزة الأشجعية، ذكره الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) ؛ وَقَالَ أَبُو حَازِم: عَن أبي هُرَيْرَة، وَلم

стр. 3573

يذكر شَيْئا غَيره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو الشَّيْخ من طَرِيق زيد بن أبي أنيسَة عَن عدي بن ثَابت عَن أبي حَازِم بِلَفْظ: (أَيّمَا أهل دَار ربطوا كَلْبا، لَيْسَ بكلب صيد وَلَا مَاشِيَة، نقص من أجرهم كل يَوْم قِيرَاط) . ٣٢٣٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَن يَزِيدَ بنِ خُصَيْفَةَ أنَّ السَّائِبَ بنَ يَزيدَ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بنَ أبِي زُهَيْرٍ رَجُلاً مِنْ أزْدِشَنُوءَةَ وكانَ مِن أصْحابِ النبيِّ ﷺ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ مَنِ اقْتَنَى كلْباً لَا يُغْنِي عنهُ زَرْعاً ولَا ضرعاً نقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ قلْتُ أنْتَ سَمِعْتَ هَذَا منْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ إِي ورَبِّ هَذا المَسْجِدِ. (الحَدِيث ٣٢٣٢ طرفه فِي: ٥٢٣٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يُغني عَنهُ زرعا) ، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن عبد الله بن خصيفَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء: تَصْغِير خصفة، مر فِي: بَاب رفع الصَّوْت فِي الْمَسَاجِد، والسائب بن يزِيد من الزِّيَادَة صَحَابِيّ صَغِير مَشْهُور، وسُفْيَان بن أبي زُهَيْر مصغر زهر واسْمه القرد، بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء: الْأَزْدِيّ الشنائي، وَهُوَ من السراة يعد فِي أهل الْمَدِينَة. وَقَالَ بَعضهم: وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم مدنيون. قلت: عبد الله بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ تنيسي أَصله من دمشق، وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن عَليّ بن حجر بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن خَالِد بن مخلد عَن مَالك بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رجلا) ، بِالنّصب، ويروى بِالرَّفْع، وَجه النصب على تَقْدِير: أَعنِي أَو أخص، وَوجه الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ رجل من أَزْد شنُوءَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة، وَضم النُّون وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْهمزَة، قَالَ بَعضهم: وَهِي قَبيلَة مَشْهُورَة نسبوا إِلَى شنُوءَة، واسْمه الْحَارِث بن كَعْب بن عبد الله بن مَالك بن نصر بن الأزد. قلت: قَالَ ابْن هِشَام: وشنوءة هُوَ عبد الله بن كَعْب بن عبد الله بن مَالك بن نصر بن الأزد، فَدلَّ على أَن اسْم شنُوءَة: عبد الله، لَا: الْحَارِث، والمرجع فِيهِ إِلَى ابْن هِشَام وَأَمْثَاله، لَا إِلَى غَيرهم. قَالَ الرشاطي: وَإِنَّمَا قيل: أَزْد شنُوءَة، لشنآن كَانَ بَينهم، والشنآن: البغض. قَالَ يَعْقُوب: والنسبه إِلَيْهِ شنئي. قَالَ: وَيُقَال: شنوة، بتَشْديد الْوَاو غير مَهْمُوز، وينسب إِلَيْهِ: الشنوي. وَيُقَال أَيْضا فِي النِّسْبَة إِلَى شنُوءَة: شنائي، وَيُقَال: الشنيء، بِفَتْح الشين وَضم النُّون وَكسر الْهمزَة، وَيُقَال أَيْضا الشنوئي، بِفَتْح الشين وَضم النُّون وَسُكُون الْوَاو وَكسر الْهمزَة، فَهَذِهِ النِّسْبَة على أَرْبَعَة أوجه، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) . قَوْله: (لَا يُغني) ، من الإغناء. قَوْله: (عَنهُ) ، أَي: عَن الْكَلْب، ويروى: لَا يغنى بِهِ، أَي: لَا ينفع بِسَبَبِهِ أَو لَا يُقيم بِهِ. قَوْله: (وَلَا ضرعا) ، الضَّرع اسْم لكل ذَات ظلف. وخف، وَهَذَا كِنَايَة عَن الْمَاشِيَة. قَوْله: (أَنْت سَمِعت) هَذَا للتثبيت فِي الحَدِيث. قَوْله: (وَرب هَذَا الْمَسْجِد) ، قسم للتَّأْكِيد. وَاسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ بعض الْمَالِكِيَّة على طَهَارَة الْكَلْب الْجَائِز اتِّخَاذه، لِأَن فِي ملابسته مَعَ الِاحْتِرَاز عَنهُ مشقة شَدِيدَة. قَالُوا: الْإِذْن فِي اتِّخَاذه أذن فِي مكملات مَقْصُوده، قُلْنَا: وَهَذَا يُعَارضهُ حَدِيث الْأَمر من غسل مَا ولغَ فِيهِ الْكَلْب سبع مَرَّات. فَإِن قَالُوا: هَذَا أَمر تعبدي فَلَا يسْتَلْزم النَّجَاسَة ﴿﴾ قُلْنَا: الْخَبَر عَام، فبعمومه يدل على أَن الْغسْل لنجاسته. وَمن فَوَائده: الْحَث على تَكْثِير الْأَعْمَال الصَّالِحَة، والتحذير من الْأَعْمَال الَّتِي فِي ارتكابها نقص الْأجر. ٤ - (بابُ اسْتِعْمالِ البَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِعْمَال الْبَقر للحراثة، الْبَقر اسْم جنس، وَالْبَقَرَة تقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَإِنَّمَا دَخلته الْهَاء على أَنه وَاحِد من جنس، وَالْجمع: بقرات، والباقر: جمَاعَة الْبَقر مَعَ رعاتها. وَفِي (الْمغرب) : الباقور والبيقور والأبقور: الْبَقر. وَعَن قطرب: الباقورة: الْبَقر، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الباقورة الْبَقر بلغَة أهل الْيمن، وَفِي الصَّدَقَة لأهل الْيمن فِي ثَلَاثِينَ باقورة: بقرة: وَقَالَ الْجَوْهَرِي: البقير، جمَاعَة الْبَقر.

стр. 3574

٤٢٣٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبيِّ ﷺ قَالَ بَيْنَما رجُلٌ راكِبٌ علَى بَقَرةٍ الْتَفَتَتْ إلَيْهِ فَقالَتْ لَمْ أُخْلَقْ لِهَذا خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ قَالَ آمَنْتُ بِهِ أَنا وأبُو بَكْرٍ وعُمَرَ وأخذَ الذِّئْبُ شَاة فتَبِعَها الرَّاعِي فَقَالَ الذِّئْبُ منْ لَها يَوْمَ السَّبُع يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَها غَيْرِي قَالَ آمَنْتُ بِهِ أَنا وَأَبُو بَكْرً وعُمَرُ قَالَ أبُو سلَمَةَ وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي القَوْمِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: خلقت للحراثة، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ، وَقد تكَرر ذكره، وَسعد هُوَ إِبْرَاهِيم ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَفِي بعض النّسخ: إِبْرَاهِيم مَذْكُور. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي المناقب عَن عَليّ عَن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن عباد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب مقطعا عَن مُحَمَّد ابْن بشار بِهِ وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَيْنَمَا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَصله: بَين، زيدت فِيهِ. مَا، ويضاف إِلَى جملَة، وَجَوَابه. قَوْله: (التفتت إِلَيْهِ) . قَوْله: (لهَذَا) ، أَي: للرُّكُوب، يدل عَلَيْهِ قَوْله: رَاكب. قَوْله: (آمَنت بِهِ) ، أَي: بتكلم الْبَقَرَة. قَوْله: (أَنا) ، إِنَّمَا أضمره لصِحَّة الْعَطف على الضَّمِير الْمُتَّصِل على رَأْي الْبَصرِيين. قَوْله: (فَقَالَ الذِّئْب: من لَهَا؟) أَي: للشاة. قَوْله: (يَوْم السَّبع) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: أَكثر الْمُحدثين يرونه بِضَم الْبَاء، قَالَ: وَالْمعْنَى على هَذَا، أَي: إِذا أَخذهَا السَّبع لم يقدر على خلاصها فَلَا يرعاها حِينَئِذٍ غَيْرِي، أَي: إِنَّك تهرب وأكون أَنا قَرِيبا مِنْهَا أنظر مَا يفضل لي مِنْهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَرْفُوع: يتركون الْمَدِينَة على خير مَا كَانَت لَا يَغْشَاهَا إلَاّ العوافي، يُرِيد السبَاع وَالطير. قَالَ: وَهَذَا لم نسْمع بِهِ، وَلَا بُد من وُقُوعه. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قِرَاءَة النَّاس، بِضَم الْبَاء، وَإِنَّمَا هُوَ بإسكانها وَالضَّم تَصْحِيف، وَيُرِيد بالساكن الْبَاء: الإهمال، وَالْمعْنَى من لَهَا يَوْم يهملها أَرْبَابهَا لعَظيم مَا هم فِيهِ من الكرب، أما بِمَعْنى: يحدث من فتْنَة، أَو يُرِيد بِهِ يَوْم الصَّيْحَة. وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري عَن ابْن الْأَعرَابِي: السَّبع، بِسُكُون الْبَاء، هُوَ الْموضع الَّذِي يكون فِيهِ الْمَحْشَر، فَكَأَنَّهُ قَالَ: من لَهَا يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالَ ابْن قرقول: السَّاكِن الْبَاء؛ عيد لَهُم فِي الْجَاهِلِيَّة، كَانُوا يشتغلون بِهِ بلعبهم فيأكل الذِّئْب غَنمهمْ وَلَيْسَ بالسبع الَّذِي يَأْكُل النَّاس. وَقيل: يَوْم السَّبع بِسُكُون الْبَاء، أَي: يَوْم الْجُوع. وَقَالَ ابْن قرقول: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا هُوَ يَوْم السَّبع، بِالْيَاءِ بِاثْنَتَيْنِ من تحتهَا، أَي: يَوْم الضّيَاع، يُقَال: أسعت، وأضعت، بِمَعْنى. وَقَالَ القَاضِي: الروايه بِالضَّمِّ وَإِمَّا بِالسُّكُونِ فَمن جعلهَا اسْما للموضع الَّذِي عِنْده الْمَحْشَر أَي من لَهَا يَوْم الْقِيَامَة وَقد أنكر عَلَيْهِ إِذْ يَوْم الْقِيَامَة لَا يكون الذِّئْب راعيها وَلَا لَهُ تعلق بهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَاهُ من لَهَا عِنْد الْفِتَن حِين يَتْرُكهَا النَّاس هملا لَا راعي لَهَا نهيبة للسباع فَيبقى لَهَا السَّبع رَاعيا أَي مُنْفَردا بهَا قَوْله " مَا هما " أَي لم يكونها يَوْمئِذٍ حاضرين وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك رَسُول الله ﷺ َ - ثِقَة بهما لعلمه بِصدق إيمانهما وَقُوَّة يقينهما وَكَمَال معرفتهما بقدرة الله تَعَالَى (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ علم من أَعْلَام النُّبُوَّة وَفِيه فضل الشَّيْخَيْنِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لِأَنَّهُ نزلهما بِمَنْزِلَة نَفسه وَهِي من أعظم الخصائص وَقَالَ ابْن الْمُهلب فِيهِ بَيَان أَن كَلَام الْبَهَائِم من الخصائص الَّتِي خصت بهَا بَنو إِسْرَائِيل وَهَذِه الْوَاقِعَة كَانَت فيهم وَهُوَ الَّذِي فهمه البُخَارِيّ إِذْ خرجه فِي بَاب ذكر بني إِسْرَائِيل قلت لَا يلْزم من ذكر البُخَارِيّ هَذَا فِي بني إِسْرَائِيل اختصاصهم بذلك وَقد روى ابْن وهب أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب وَصَفوَان بن أُميَّة وجدا ذئبا أَخذ ظَبْيًا فاستنقذاه مِنْهُ فَقَالَ لَهما طعمة أطعمنيها الله تَعَالَى وَرُوِيَ مثل هَذَا أَيْضا أَنه جرى لأبي جهل وَأَصْحَاب لَهُ وَعند أبي الْقَاسِم عَن أنس قَالَ كنت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي غَزْوَة تَبُوك فشردت على غنمي فجَاء الذِّئْب فَأخذ مِنْهَا شَاة فاشتدت الرُّعَاة خَلفه فَقَالَ الذِّئْب طعمة أطعمنيها الله تنزعونها مني فبهت الْقَوْم فَقَالَ مَا تعْجبُونَ (ح) وَذكر ابْن الْأَثِير أَن قصَّة الذِّئْب كَانَت أَيْضا فِي المبعث وَالَّذِي كَلمه الذِّئْب اسْمه أهبان بن أَوْس الْأَسْلَمِيّ أَبُو عقبَة سكن الْكُوفَة وَقيل أهبان بن عقبَة وَهُوَ عَم سَلمَة بن الْأَكْوَع وَكَانَ

стр. 3575

من أَصْحَاب الشَّجَرَة وَعَن الْكَلْبِيّ هُوَ أهبان بن الْأَكْوَع واسْمه سِنَان بن عياذ بن ربيعَة وَقَالَ الذَّهَبِيّ أهبان بن أَوْس الْأَسْلَمِيّ يكلم الذِّئْب أَبُو عقبَة كُوفِي وَقيل أَن مُكَلم الذِّئْب أهبان بن عياذ الْخُزَاعِيّ وَقَالَ ابْن بطال وَهَذَا الحَدِيث حجَّة على من جعل عِلّة الْمَنْع من أكل الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير أَنَّهَا خلقت للزِّينَة وَالرُّكُوب لقَوْله ﴿لتركبوها وزينة﴾ وَقد خلقت الْبَقر للحراثة كَمَا أنطقها الله وَلم يمْنَع ذَلِك من أكل لحومها لَا فِي بني إِسْرَائِيل وَلَا فِي الْإِسْلَام قلت الْبَقر خلقت للْأَكْل بِالنَّصِّ كَمَا خلقت هَذِه الثَّلَاثَة للرُّكُوب بِالنَّصِّ وَالْبَقر لم تخلق للرُّكُوب فَلذَلِك قَالَت لراكبها لم أخلق لهَذَا وَقَوْلها خلقت للحراثة لَيْسَ بحصر فِيهَا وَلما كَانَت فِيهَا منفعتان الْأكل والحراثة ذكرت مَنْفَعَة الحراثة لكَونهَا أبعد فِي الذِّهْن من مَنْفَعَة الْأكل وَلِأَن الْأكل كَانَ مقررا عِنْد الرَّاكِب بِخِلَاف الحراثة بل رُبمَا كَانَ يظنّ أَنَّهَا غير متصورة عِنْده فنبهته عَلَيْهَا دون الْأكل (بَاب إِذا قَالَ اكْفِنِي مُؤنَة النّخل أَو غَيره وتشركني فِي الثَّمر) أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ صَاحب النخيل لغيره اكْفِنِي مُؤنَة النّخل والمؤنة هِيَ الْعَمَل فِيهِ من السَّقْي وَالْقِيَام عَلَيْهِ بِمَا يتَعَلَّق بِهِ وتشركني فِي الثَّمر أَي الثَّمر الَّذِي يحصل من النّخل وَهَذِه صُورَة الْمُسَاقَاة وَهِي جَائِزَة قَوْله " أَو غَيره " أَي أَو غير النّخل مثل الْكَرم يكون لَهُ وَيَقُول لغيره اكْفِنِي مُؤنَة هَذَا الْكَرم وتشركني فِي الْعِنَب الَّذِي يحصل مِنْهُ وَهَذَا أَيْضا جَائِز وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره مَاذَا قَالَ اكْفِنِي إِلَى آخِره جَازَ هَذَا القَوْل قَوْله " النّخل " رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره النخيل وَهُوَ جمع نخل كالعبيد جمع عبد وَهُوَ جمع نَادِر قَوْله " وتشركني " قَالَ الْكرْمَانِي بِالرَّفْع وَالنّصب وَلم يبين وجههما وَجه الرّفْع على تَقْدِيره حذف الْمُبْتَدَأ أَي وَأَنت تشركني وَالْوَاو فِيهِ للْحَال وَوجه النصب على تَقْدِير كلمة أَن بعد الْوَاو أَي اكْفِنِي مُؤنَة النّخل وَأَن تشركني فِي الثَّمر أَي وعَلى أَن تشركني وَقد ذكر الْكُوفِيُّونَ أَن أَن بِالْفَتْح وَسُكُون النُّون يَأْتِي بِمَعْنى الشَّرْط كَانَ بِكَسْر الْهمزَة ٦ - (حَدثنَا الحكم بن نَافِع قَالَ أخبرنَا شُعَيْب قَالَ حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَت الْأَنْصَار للنَّبِي ﷺ َ - اقْسمْ بَيْننَا وَبَين إِخْوَاننَا النخيل قَالَ لَا فَقَالُوا تكفوننا الْمُؤْنَة ونشرككم فِي الثَّمَرَة قَالُوا سمعنَا وأطعنا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " تكفوننا الْمُؤْنَة ونشرككم فِي الثَّمَرَة ". وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ أَبُو الْيَمَان الْحِمصِي وَشُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشُّرُوط وَأخرجه النَّسَائِيّ مثله فِيهِ قَوْله " قَالَت الْأَنْصَار " يَعْنِي حِين قدم النَّبِي ﷺ َ - الْمَدِينَة قَالُوا يَا رَسُول الله اقْسمْ بَيْننَا وَبَين إِخْوَاننَا يَعْنِي الْمُهَاجِرين النخيل وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِك لِأَن الْأَنْصَار لما بَايعُوا النَّبِي ﷺ َ - لَيْلَة الْعقبَة شَرط عَلَيْهِم النَّبِي ﷺ َ - مواساة من هَاجر إِلَيْهِم فَلَمَّا قدم الْمُهَاجِرُونَ قَالَت الْأَنْصَار أقسم يَا رَسُول الله بَيْننَا وَبينهمْ وَيعْمل كل وَاحِد سَهْمه فَلم يفعل النَّبِي ﷺ َ - ذَلِك وَهُوَ معنى قَوْله " قَالَ لَا " أَي قَالَ النَّبِي ﷺ َ - لَا أفعل ذَلِك يَعْنِي الْقِسْمَة لِأَنَّهُ كره أَن يخرج شَيْء من عقار الْأَنْصَار عَنْهُم وَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - أَيْضا أَن الْمُهَاجِرين لَا علم لَهُم بِعَمَل النّخل فَقَالَت الْأَنْصَار حِينَئِذٍ تكفوننا الْمُؤْنَة وَقد فسرناها ونشرككم فِي الثَّمَرَة وَهُوَ معنى قَوْله فَقَالُوا أَي الْأَنْصَار للمهاجرين تكفوننا الْمُؤْنَة ونشرككم فِي الثَّمَرَة قَالُوا أَي الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار كلهم قَالُوا سمعنَا وأطعنا يَعْنِي امتثلنا أَمر النَّبِي ﷺ َ - فِيمَا أَشَارَ إِلَيْهِ وَهَذِه صُورَة الْمُسَاقَاة ثمَّ ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي عَمَلهم على النّصْف مِمَّا يخرج الثَّمَرَة لِأَن الشّركَة إِذا أبهمت وَلم يكن فِيهَا حد مَعْلُوم كَانَت نِصْفَيْنِ وَقَالَ الْمُهلب فِيهِ حجَّة على جَوَاز الْمُسَاقَاة ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين بِأَن الْمُهَاجِرين كَانُوا ملكوا من الْأَنْصَار نَصِيبا من الأَرْض وَالْمَال بِاشْتِرَاط النَّبِي ﷺ َ -

стр. 3576

على الْأَنْصَار مواساة الْمُهَاجِرين لَيْلَة الْعقبَة قَالَ فَلَيْسَ ذَلِك من الْمُسَاقَاة فِي شَيْء ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يلْزم من اشْتِرَاط الْمُوَاسَاة ثُبُوت الِاشْتِرَاك فِي الأَرْض إِذْ لَو ثَبت ذَلِك بِمُجَرَّد ذكر الْمُوَاسَاة لم يبْق لسؤالهم لذَلِك ورده ﷺ َ - معنى - ٦ - (بابُ قَطْعِ الشَّجَرِ والنخْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قطع الشّجر والنخيل، وَلم يذكر حكمه اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَحكمه أَنه يجوز إِذا كَانَ الْقطع لمصْلحَة مثل إنكاء الْعَدو وَنَحْوه، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سعيد بن جُبَير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة على أُصُولهَا﴾ (الْحَشْر: ٥) . قَالَ: اللينة النَّخْلَة ﴿وليخزي الْفَاسِقين﴾ (الْحَشْر: ٥) . قَالَ: استنزلوهم من حصونهم، قَالَ: وَأمرُوا بِقطع النّخل، فحك فِي صُدُورهمْ، قَالَ الْمُسلمُونَ: قد قَطعنَا بَعْضًا وَتَركنَا بَعْضًا فلنسألن رَسُول الله ﷺ : هَل لنا فِيمَا قَطعنَا من أجر؟ وَهل علينا فِيمَا تركنَا من وزر؟ فَأنْزل الله : ﴿مَا قطعْتُمْ من لينَة﴾ (الْحَشْر: ٥) . الْآيَة، وَيَأْتِي عَن البُخَارِيّ الْآن من حَدِيث ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ حرق نخل بني النَّضِير وَقطع، وَهِي البويرة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَذهب قوم من أهل الْعلم إِلَى هَذَا الحَدِيث وَلم يرَوا بَأْسا بِقطع الْأَشْجَار وتخريب الْحُصُون، وَكره بَعضهم ذَلِك، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ. قَالَ الْأَوْزَاعِيّ: نهى أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يقطع شَجرا مثمراً أَو يخرب عَامِرًا، وَعمل بذلك الْمُسلمُونَ بعده. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا بَأْس بالتحريق فِي أَرض الْعَدو، وَقطع الْأَشْجَار وَالثِّمَار. وَقَالَ أَحْمد: وَقد يكون فِي مَوَاضِع لَا يَجدونَ مِنْهُ بدا، فَأَما بالعبث فَلَا يحرق. وَقَالَ إِسْحَاق: التحريق سنة إِذا كَانَ إنكاء فيهم، انْتهى كَلَام التِّرْمِذِيّ، وَذكر بعض أهل الْعلم أَنه ﷺ ، قطع نَخْلهمْ ليغيظهم بذلك، وَنزل فِي ذَلِك: ﴿وليخزي الْفَاسِقين﴾ (الْحَشْر: ٥) . فَكَانَ قطع النّخل وعقر الشّجر خزياً لَهُم. وَحكى النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي: أَنه مَذْهَب الْجُمْهُور وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَقَالَ ابْن بطال: ذهب طَائِفَة إِلَى أَنه إِذا رجى أَن يصير الْبَلَد للْمُسلمين فَلَا بَأْس أَن يتْرك ثمارهم، فَإِن قلت: روى النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن حبشِي، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من قطع سِدْرَة صوب الله رَأسه فِي النَّار) . وَعَن عُرْوَة مَرْفُوعا، نَحوه مُرْسلا. قلت: كَانَ عُرْوَة يقطعهُ من أرضه، وَيحمل الحَدِيث على تَقْدِير صِحَّته أَنه أَرَادَ سدر مَكَّة، وَقيل: سدر الْمَدِينَة، لِأَنَّهُ أنس وظل لمن جاءهما، وَلِهَذَا كَانَ عُرْوَة يقطعهُ من أرضه لَا أَنه كَانَ يقطعهُ من الْأَمَاكِن الَّتِي يسْتَأْنس بهَا، وَلَا يستظل الْغَرِيب بهَا هُوَ وبهيمته. وَقَالَ أنَسُ أمَرَ النبيُّ ﷺ بالنَّخْلِ فقُطِعَ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ويوضح الحكم الَّذِي لم يذكر فِيهَا، وَهُوَ طرف من حَدِيث طَوِيل قد ذكره فِي: بَاب نبش قُبُور الْجَاهِلِيَّة بَين أَبْوَاب الْمَسَاجِد فِي كتاب الصَّلَاة. ٦٢٣٢ - حدَّثنا موسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ عنْ عبدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ حرَّقَ نَخْلَ بَني النَّضِيرِ وقَطَعَ وهْيَ البوَيْرَةُ ولَهَا يَقولُ حَسَّانُ. (وهَانَ علَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَجُوَيْرِية بن أَسمَاء، وَعبد الله: هُوَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق بن حَيَّان. قَوْله: (بني النَّضِير) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة، وهم قوم من الْيَهُود، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: قُرَيْظَة وَالنضير والنحام وَعمر وَبَنُو الْخَزْرَج بن الصَّرِيح بن التومان بن السمط بن اليسع بن سعد بن لاوي ابْن خير بن النحام بن تخوم بن عازر بن عذر بن هَارُون بن عمرَان بن يصهر بن لاوي بن يَعْقُوب، وَهُوَ إِسْرَائِيل بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لم يسلم من بني النَّضِير إلَاّ رجلَانِ: يَامِين بن عُمَيْر بن عَمْرو بن جحاش،

стр. 3577

وَأَبُو سعيد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها، وَالنِّسْبَة إِلَى بني النَّضِير: النضيري، وَيُقَال فِيهِ: النضري أَيْضا. قَوْله: (وَهِي البويرة) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء مَوضِع مَعْرُوف من بلد بني النَّضِير. قَوْله: (وَلها) أَي: وللبويرة يَقُول حسان بن ثَابت بن الْمُنْذر بن حرَام الخزرجي الْأنْصَارِيّ: مَاتَ قبل الْأَرْبَعين فِي خلَافَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْبَيْت الْمَذْكُور من الْمُتَوَاتر، وَلما أنْشدهُ حسان أَجَابَهُ سُفْيَان بن الْحَارِث بقوله: (أدام الله ذَلِك من صنيعوحرق فِي نَوَاحِيهَا السعير) قَوْله: (وَهَان) ، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: هان، بِلَا وَاو، فَيكون الْبَيْت مخروماً. قَوْله: (على سراة) ، بِفَتْح السِّين: السادات وَهُوَ جمع السّري على غير قِيَاس. قَوْله: (بني لؤَي) ، بِضَم اللَّام وَفتح الْهمزَة مصغر: لأي، اسْم رجل، وَالْمرَاد مِنْهُم: أكَابِر قُرَيْش. قَوْله: (مستطير) أَي: منتشر. ٧ - (بابٌ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر حَدِيث، وَكَذَا وَقع بِغَيْر تَرْجَمَة عِنْد الْجَمِيع، وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْفَصْل من الْبَاب الَّذِي قبله. ٧٢٣٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا عبدُ الله قَالَ أخبرنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ حَنْظَلَة بنِ قَيْسٍ الأنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعَ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ قَالَ كُنَّا أكْثَرَ أهْلِ المَدِينَةِ مُزْدَرَعاً كُنَّا نُكْرِي الأرْضَ بالنَّاحِيَةِ مِنْها مُسَمَّى لِسَيِّدِ الأرْضِ قَالَ فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وتَسْلَمُ الأرْضُ ومِمَّا يُصابُ الأرْضُ ويَسْلمُ ذَلِكَ فَنُهِينا وأمَّا الذَّهَبُ والوَرِقُ فلَم يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. . قيل: لَا وَجه لإدخال هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، وَلَعَلَّ النَّاسِخ غلط فَكَتبهُ فِي غير مَوْضِعه. وَأجِيب: بِأَن لَهُ وَجها، لَعَلَّ وَجههَا من حَيْثُ إِن من اكترى أَرضًا لمُدَّة فَلهُ أَن يزرع ويغرس فِيهَا مَا شَاءَ، فَإِذا تمت الْمدَّة فَلصَاحِب الأَرْض طلبه بقلعهما، فَهَذَا من بَاب إِبَاحَة قطع الشّجر. قلت: هَذَا الْمِقْدَار كَاف فِي طلب الْمُطَابقَة فِي ذكر متن الحَدِيث هُنَا. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: حَنْظَلَة بن قيس الزرقي، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وبالقاف: الْأنْصَارِيّ. الْخَامِس: رَافع بن خديج، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وبالجيم: ابْن رَافع الْأنْصَارِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع والإخبار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه رازيان وَيحيى وحَنْظَلَة مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه ذكر مُجَردا عَن النِّسْبَة وَكَذَلِكَ عبد الله ذكر مُجَردا. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُزَارعَة عَن صَدَقَة عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَفِي الشُّرُوط عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عَمْرو النَّاقِد عَن سُفْيَان وَعَن أبي الرّبيع وَعَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الرَّازِيّ وَعَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث وَعَن قُتَيْبَة عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُزَارعَة عَن مُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن يحيى بن حبيب وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مزدرعاً) ، نصب على التَّمْيِيز، والمزدرع مَكَان الزَّرْع وَيجوز أَن يكون مصدرا، أَي: كُنَّا أَكثر أهل الْمَدِينَة زرعا، والمزدرع أَصله المزترع لِأَنَّهُ من بَاب الافتعال، وَلَكِن قلب التَّاء دَالا لِأَن مخرج التَّاء لَا يُوَافق الزَّاي لشدتها. قَوْله: (نكرِي الأَرْض) ، بِضَم النُّون من الإكراء. قَوْله: (مُسَمّى) ، الْقيَاس فِيهِ مُسَمَّاة لِأَنَّهُ حَال من النَّاحِيَة، وَلَكِن ذكر بِاعْتِبَار أَن نَاحيَة الشَّيْء بعضه، وَيجوز أَن يكون التَّذْكِير بِاعْتِبَار الزَّرْع، ويروى: تسمي، بِلَفْظ الْفِعْل، وَهُوَ أَيْضا حَال. قَوْله:

стр. 3578

(لسَيِّد الأَرْض) ، أَي: مَالِكهَا، جعل الأَرْض كَالْعَبْدِ الْمَمْلُوك وَأطلق السَّيِّد عَلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: رَافع بن خديج. قَوْله: (فمما يصاب ذَلِك) ، أَي: فكثيراً مَا يصاب ذَلِك الْبَعْض، أَي: يَقع لَهُ مُصِيبَة وَيصير مؤوفاً فيتلف ذَلِك وَيسلم بَاقِي الأَرْض، وَبِالْعَكْسِ تَارَة، وَهُوَ معنى قَوْله: وَمِمَّا يصاب الأَرْض وَيسلم ذَلِك أَي: الْبَعْض، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فمهما، فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَرِوَايَة الْأَكْثَرين أولى لِأَن: مهما، يسْتَعْمل لأحد معَان ثَلَاثَة: أَحدهَا: يتَضَمَّن معنى الشَّرْط فِيمَا لَا يعقل غير الزَّمَان. وَالثَّانِي: الزَّمَان وَالشّرط، والزمخشري يُنكر ذَلِك. وَالثَّالِث: الِاسْتِفْهَام، وَلَا يُنَاسب مهما هُنَا إلَاّ بالتعسف، يعلم ذَلِك من يتَأَمَّل فِيهِ، وَأما من لَا عَرَبِيَّة لَهُ فَلَا يفهم من ذَلِك شَيْئا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون: مهما، بِمَعْنى: رُبمَا، لِأَن حُرُوف الْجَرّ يُقَام بَعْضهَا مقَام الْبَعْض، سِيمَا، وَمن، التبعضية تناسب: رب، التقليلية، وعَلى هَذَا الِاحْتِمَال لَا يحْتَاج أَن يُقَال: إِن لفظ ذَلِك من بَاب وضع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر. قَوْله: (فنهينا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: نهينَا عَن هَذَا الإكراء على هَذَا الْوَجْه لِأَنَّهُ مُوجب لحرمان أحد الطَّرفَيْنِ، فَيُؤَدِّي إِلَى الْأكل بِالْبَاطِلِ. قَوْله: (وَالْوَرق) ، بِكَسْر الرَّاء هُوَ الْفضة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الْفضة عوض الورث. قَوْله: (فَلم يكن يَوْمئِذٍ) ، يَعْنِي: فَلم يكن الذَّهَب وَالْفِضَّة يكرى بهما، لَا أَن مَعْنَاهُ فَلَيْسَ الذَّهَب وَالْفِضَّة موجودين. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن إكراء الأَرْض بِجُزْء مِنْهَا، أَي: بِجُزْء مِمَّا يخرج مِنْهَا مَنْهِيّ عَنهُ، وَهُوَ مَذْهَب عَطاء وَمُجاهد ومسروق وَالشعْبِيّ وطاووس وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالقَاسِم بن مُحَمَّد، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَزفر، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث رَافع ابْن خديج الْمَذْكُور. وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا أخرجه الطَّحَاوِيّ. حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي جرير بن حَازِم عَن يعلى بن حَكِيم عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن رَافع بن خديج، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من كَانَت لَهُ أَرض فليزرعها أَو ليزرعها أَخَاهُ وَلَا يكريها بِالثُّلثِ وَلَا بِالربعِ وَلَا بِطَعَام مُسَمّى) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل إِلَى آخِره، وَسَيَأْتِي بعد عشرَة أَبْوَاب، وَبِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث عبد الله بن السَّائِب، قَالَ: سَأَلت عبد الله ابْن مُغفل عَن الْمُزَارعَة، فَقَالَ: أَخْبرنِي ثَابت بن الضَّحَّاك أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الْمُزَارعَة، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا من حَدِيث جَابر بن عبد الله، وَسَيَأْتِي أَيْضا هَذَا بعد أَبْوَاب، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث سَالم: أَن عبد الله ابْن عمر، قَالَ: كنت أعلم فِي عهد رَسُول الله ﷺ أَن الأَرْض تكرى ... الحَدِيث، وَسَيَأْتِي هَذَا أَيْضا بعد أَبْوَاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَلما كَانَت أَحَادِيث هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة مُخْتَلفَة الْأَلْفَاظ ومتباينة الْمعَانِي كثرت فِيهِ مَذَاهِب النَّاس وأقوال الْعلمَاء. قَالَ أَبُو عمر: لَا يجوز كِرَاء الأَرْض بِشَيْء من الطَّعَام مَأْكُولا كَانَ أَو مشروباً على حَال، لِأَن ذَلِك فِي معنى بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ نَسِيئَة، وَكَذَلِكَ: لَا يجوز كِرَاء الأَرْض بِشَيْء مِمَّا يخرج مِنْهَا وَإِن لم يكن طَعَاما وَلَا مشروباً سوى الْخشب والقصب والحطب، لِأَنَّهُ فِي معنى المراقبة، هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ عَن مَالك وَأَصْحَابه. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلف النَّاس فِي منع كِرَاء الأَرْض على الْإِطْلَاق، فَقَالَ بِهِ طَاوُوس وَالْحسن أخذا بِظَاهِر النَّهْي عَن المحاقلة، وفسرها الرَّاوِي بكرَاء الأَرْض، فَأطلق. وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: إِنَّمَا يمْنَع على التَّقْيِيد دون الْإِطْلَاق، وَاخْتلفُوا فِي ذَلِك، فعندهما أَن كراءها بالجزء لَا يجوز من غير خلاف، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ بعض الصَّحَابَة وَبَعض الْفُقَهَاء بِجَوَازِهِ تَشْبِيها بالقراض، وَأما إكراءها بِالطَّعَامِ مَضْمُونا فِي الذِّمَّة فَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ ابْن حزم: وَمِمَّنْ أجَاز إِعْطَاء الأَرْض بِجُزْء مُسَمّى مِمَّا يخرج مِنْهَا: أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن عمر وَسعد وَابْن مَسْعُود وخباب وَحُذَيْفَة ومعاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن مُوسَى وَابْن أبي ليلى وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن وَابْن الْمُنْذر، وَاخْتلف فِيهَا عَن اللَّيْث، وأجازها أَحْمد وَإِسْحَاق، إلَاّ أَنَّهُمَا قَالَا إِن الْبذر يكون من عِنْد صَاحب الأَرْض، وَإِنَّمَا على الْعَامِل الْبَقر والآلة وَالْعَمَل، وَأَجَازَهُ بعض أَصْحَاب الحَدِيث، وَلم يبال مِمَّن جعل الْبذر مِنْهُمَا. ٨ - (بابُ المُزَارَعَةِ بالشَّطْرِ ونَحْوِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمُزَارعَة بالشطر، أَي: بِالنِّصْفِ، قَالَ بَعضهم: رَاعى المُصَنّف لفظ: الشّطْر، لوروده فِي الحَدِيث،

стр. 3579

وَألْحق غَيره لتساويهما فِي الْمَعْنى، وَلَوْلَا مُرَاعَاة لفظ الحَدِيث لَكَانَ قَوْله: الْمُزَارعَة بالجزء أخصر. قلت: قد يُطلق الشّطْر وَيُرَاد بِهِ الْبَعْض، فَاخْتَارَ لفظ الشّطْر لمراعاة لفظ الحَدِيث، ولكونه يُطلق على الْبَعْض وَالْبَعْض هُوَ الْجُزْء. فَإِن قلت: فعلى هَذَا لَا حَاجَة إِلَى قَوْله: وَنَحْوه؟ قلت: إِذا أُرِيد بِلَفْظ الشّطْر الْبَعْض يكون المُرَاد بِنَحْوِهِ الْجُزْء، فَلَا يحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى التعسف بالإلحاق. فَافْهَم. وَقل قيْسُ بنُ مُسْلِمً عَن أبِي جَعْفَرٍ قَالَ مَا بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إلَاّ يَزْرَعُونَ علَى الثُّلْثِ والرُّبْعِ قيس بن مُسلم الجدلي أَبُو عَمْرو الْكُوفِي، مر فِي بَاب زِيَادَة الْإِيمَان، وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن الباقر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ، قَالَ: أَخْبرنِي قيس بن مُسلم عَن أبي جَعْفَر بِهِ. قَوْله: (أهل بَيت هِجْرَة) ، أَرَادَ بِهِ الْمُهَاجِرين. قَوْله: (وَالرّبع) ، الْوَاو فِيهِ بِمَعْنى أَو، وَقَالَ بَعضهم: الْوَاو عاطفة على الْفِعْل لَا على الْمَجْرُور، أَي: يزرعون على الثُّلُث ويزرعون على الرّبع. قلت: لَا يُقَال الْحَرْف يعْطف على الْفِعْل، وَإِنَّمَا الْوَاو هُنَا بِمَعْنى: أَو، كَمَا قُلْنَا، فَإِذا خليناها على أَصْلهَا يكون فِيهِ حذف تَقْدِيره: وإلَاّ يزرعون على الرّبع، وَنقل ابْن التِّين عَن الْقَابِسِيّ شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه أنكر رِوَايَة قيس بن مُسلم عَن أبي جَعْفَر، وَعلل بِأَن قيسا كُوفِي وَأَبا جَعْفَر مدنِي، وَلم يروه عَن قيس أحد من الْمَدَنِيين، ورد هَذَا بِأَن انْفِرَاد الثِّقَة الْحَافِظ لَا يضر. وَالْآخر: ذكر أَن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْآثَار فِي هَذَا الْبَاب ليعلم أَنه لم يَصح فِي الْمُزَارعَة على الْجُزْء حَدِيث مُسْند، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ذهل عَن حَدِيث ابْن عمر الَّذِي فِي آخر الْبَاب، وَهُوَ الَّذِي احْتج بِهِ من قَالَ بِالْجَوَازِ. وَزَارَعَ عَلِيٌّ وسَعْد بنُ مَالِكٍ وعَبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ وعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ والْقَاسِمُ وعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وآلُ أبِي بَكْرٍ وآلِ عُمَرَ وآلُ عَلِيٍّ وابنُ سِيرينَ وصل تَعْلِيق عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَمْرو بن صليعٍ عَنهُ أَنه: لم ير بَأْسا بالمزارعة على النّصْف. وَوصل تَعْلِيق سعد بن مَالك، وَهُوَ سعد بن أبي وَقاص، وَتَعْلِيق عبد الله بن مَسْعُود، الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا فَهد حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد أخبرنَا شريك عَن إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، قَالَ: سَأَلت مُوسَى بن طَلْحَة عَن الْمُزَارعَة، فَقَالَ: أقطع عُثْمَان عبد الله أَرضًا، وأقطع سَعْدا أَرضًا، وأقطع خباباً أَرضًا وأقطع صهيباً أَرضًا فَكل جاري، فَكَانَا يزرعان بِالثُّلثِ وَالرّبع. انْتهى وَفِيه: خباب وصهيب أَيْضا. وَوصل تَعْلِيق عمر بن عبد الْعَزِيز ابْن أبي شيبَة من طَرِيق خَالِد الْحذاء: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَى عدي بن أَرْطَأَة أَن يزارع بِالثُّلثِ أَو الرّبع. وَوصل تَعْلِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد عبد الرَّزَّاق، قَالَ: سَمِعت هشاماً يحدث أَن ابْن سِيرِين أرْسلهُ إِلَى الْقَاسِم بن مُحَمَّد يسْأَله عَن رجل قَالَ لآخر: إعمل فِي حائطي هَذَا وَلَك الثُّلُث أَو الرّبع، قَالَ: لَا بَأْس. قَالَ: فَرَجَعت إِلَى ابْن سِيرِين فَأَخْبَرته، فَقَالَ: هَذَا أحسن مَا يصنع فِي الأَرْض، وَوصل تَعْلِيق عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام ابْن أبي شيبَة، قَالَه بَعضهم وَلم أَجِدهُ. وَوصل تَعْلِيق آل أبي بكر وَآل عمر فوصله ابْن أبي شيبَة بِسَنَدِهِ إِلَى أبي شيبَة، بِسَنَدِهِ إِلَى أبي جَعْفَر الباقر: أَنه سُئِلَ عَن الْمُزَارعَة بِالثُّلثِ وَالرّبع؟ فَقَالَ: إِن نظرت فِي آل أبي بكر وَآل عمر وَجَدتهمْ يَفْعَلُونَ ذَلِك، قلت آل الرجل أهل بَيته، لِأَن الْآل الْقَبِيلَة ينْسب إِلَيْهَا فَيدْخل كل من ينْسب إِلَيْهِ من قبل آبَائِهِ إِلَى أقْصَى أَب لَهُ فِي الْإِسْلَام الْأَقْرَب والأبعد. وَوصل تَعْلِيق مُحَمَّد بن سِيرِين بن سعيد بن مَنْصُور بِإِسْنَادِهِ عَنهُ: أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يَجْعَل الرجل للرجل طَائِفَة من زرعه أَو حرثه، على أَن يَكْفِيهِ مؤونتها وَالْقِيَام عَلَيْهَا. وَقَالَ عبدُ الرَّحْمانُ بنُ الأسْوَدِ كُنْتُ أُشَارِكُ عبدَ الرَّحْمانِ بنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن يزِيد بن قيس النَّخعِيّ أَبُو بكر الْكُوفِي، وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي هُوَ أَخُو الْأسود بن يزِيد، وَابْن أخي عَلْقَمَة بن قيس، وَهُوَ أَيْضا أدْرك جمَاعَة من الصَّحَابَة. وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي شيبَة، وَزَاد فِيهِ، واحمله إِلَى عَلْقَمَة وَالْأسود، فَلَو رَأيا بِهِ بَأْسا لنهياني عَنهُ.

стр. 3580

وعامَلَ عُمَرُ الناسَ علَى إنْ جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فلَهُ الشَّطْرُ وإنْ جاؤُا بالبَذْرِ فلَهُمْ كذَا هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن يحيى بن سعيد: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أجلى أهل نَجْرَان وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَاشْترى بَيَاض أَرضهم وكرومهم، فعامل عمر النَّاس: إِن هم جاؤا بالبقر وَالْحَدِيد من عِنْدهم فَلهم الثُّلُثَانِ ولعمر الثُّلُث، وَإِن جَاءَ عمر بالبذر من عِنْده فَلهُ الشّطْر، وعاملهم فِي النّخل على أَن لَهُم الْخمس، وَله الْبَاقِي وعاملهم فِي الْكَرم على أَن لَهُم الثُّلُث وَله الثُّلثَيْنِ. وَقَالَ الحسَنُ لَا بَأْسَ أنْ تَكُونَ الأرضُ لِأَحَدِهِمَا فيُنْفِقَانِ جَمِيعاً فَما خَرَجَ فَهْوَ بَيْنَهُمَا الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، قَالَ بَعضهم: أما قَول الْحسن فوصله سعيد بن مَنْصُور نَحوه. قلت: لم أَقف على ذَلِك بعد الْكَشْف. ورَأى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ أَي: رأى مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ مَا قَالَه الْحسن الْبَصْرِيّ، يَعْنِي: يذهب إِلَيْهِ فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: أما قَول الزُّهْرِيّ فوصله عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة نَحوه. قلت: لم أَجِدهُ عِنْدهمَا. وقالَ الحَسَنُ لَا بَأْسَ أنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ علَى النِّصْفِ أَن يجتنى من: جنيت الثَّمَرَة إِذا أَخَذتهَا من الشَّجَرَة. وَقَالَ ابْن بطال: أما اجتناء الْقطن والعصفر ولقاط الزَّيْتُون والحصاد، كل ذَلِك غير مَعْلُوم، فَأَجَازَهُ جمَاعَة من التَّابِعين، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل قاسوه على الْقَرَاض، لِأَنَّهُ يعْمل بِالْمَالِ على جُزْء مِنْهُ مَعْلُوم لَا يدْرِي مبلغه، وَمنع من ذَلِك مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، لِأَنَّهَا عِنْدهم إِجَارَة بِثمن مَجْهُول لَا يعرف. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ وابنُ سِيرينَ وعطَاءٌ والحَكَمُ والزُّهْرِيُّ وقَتادَةُ لَا بأسَ أنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بالثُّلْثِ أوِ الرُّبْعِ ونَحْوَهُ إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح وَالْحكم هُوَ ابْن عتيبة وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم وَقَتَادَة هُوَ ابْن دعامة، قَالُوا: لَا بَأْس أَن يعْطى للنساج الْغَزل لينسجه وَيكون ثلث المنسوج لَهُ وَالْبَاقِي لمَالِك الْغَزل، وَأطلق الثَّوْب على الْغَزل مجَازًا. أما قَول إِبْرَاهِيم فوصله أَبُو بكر الْأَثْرَم من طَرِيق الحكم أَنه: سَأَلَ إِبْرَاهِيم عَن الحواك يُعْطي الثَّوْب على الثُّلُث وَالرّبع، فَقَالَ: لَا بَأْس بذلك، وَأما قَول ابْن سِيرِين فوصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق ابْن عون: سَأَلت مُحَمَّدًا هُوَ ابْن سِيرِين عَن الرجل يدْفع إِلَى النساج الثَّوْب بِالثُّلثِ أَو بِالربعِ أَو بِمَا تَرَاضيا عَلَيْهِ فَقَالَ لَا أعلم بِهِ بَأْسا وَقَالَ بَعضهم وَأما قَول عَطاء وَالْحكم فوصلهما ابْن أبي شيبَة. قلت: لم أجد ذَلِك عِنْده. وَأما قَول الزُّهْرِيّ فَلم أَقف عَلَيْهِ. وَأما قَول قَتَادَة فوصله ابْن أبي شيبَة بِلَفْظ: أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يدْفع الثَّوْب إِلَى النساج بِالثُّلثِ. وَقَالَ أَصْحَابنَا: من دفع إِلَى حائك غزلاً لينسجه بِالنِّصْفِ فَهَذَا فَاسد، فللحائك أجر مثله. وَفِي (الْمَبْسُوط) : حكى الْحلْوانِي عَن أستاذه أبي عَليّ أَنه كَانَ يُفْتِي بِجَوَاز ذَلِك فِي دياره بنسف، لِأَن فِيهِ عرفا ظَاهرا، وَكَذَا مَشَايِخ بَلخ يفتون بِجَوَاز ذَلِك فِي الثِّيَاب للتعامل، وَكَذَا قَالُوا: لَا يجوز إِذا اسْتَأْجر حمارا يحمل طَعَاما بقفيز مِنْهُ، لِأَنَّهُ جعل الْأجر بعض مَا يخرج من عمله، فَيصير فِي معنى قفيز الطَّحَّان وَقد نهى عَنهُ ﷺ ، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: نهى عَن عسب الْفَحْل وَعَن قفيز الطَّحَّان، وَتَفْسِير: قفيز الطَّحَّان: أَن يسْتَأْجر ثوراً ليطحن لَهُ حِنْطَة بقفيز من دقيقه، وَكَذَا إِذا اسْتَأْجر أَن يعصر لَهُ سمسماً بِمن من دهنه أَو اسْتَأْجر امْرَأَة لغزل هَذَا الْقطن أَو هَذَا الصُّوف برطل من الْغَزل، وَكَذَا اجتناء الْقطن بِالنِّصْفِ، ودياس الدخن بِالنِّصْفِ، وحصاد الْحِنْطَة بِالنِّصْفِ، وَنَحْو ذَلِك، وكل ذَلِك لَا يجوز.

стр. 3581

وَقَالَ مَعْمَرٌ لَا بأسَ أَن تكُونَ المَاشِيَةُ علَى الثُّلْثِ أوِ الرُّبْعِ إلَى أجَلٍ مُسَمًّى معمر، بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد. قَوْله: (أَن تكون الْمَاشِيَة) ، ويروى: أَن يكْرِي الْمَاشِيَة، وَذَلِكَ: أَن يكْرِي دَابَّة تحمل لَهُ طَعَاما مثلا إِلَى مُدَّة مُعينَة، على أَن يكون ذَلِك بَينهمَا أَثلَاثًا أَو أَربَاعًا، فَإِنَّهُ لَا بَأْس. وَعِنْدنَا: لَا يجوز ذَلِك، وَعَلِيهِ أُجْرَة الْمثل لصَاحب الدَّابَّة. ٨٢٣٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِيَاضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ أنَّ عبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أخْبَرَهُ عنِ النبيِّ ﷺ عامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَر أوْ زَرْعٍ فَكانَ يُعْطِي أزْوَاجَهُ مِائَةَ وسْقٍ ثَمانُونَ وسْقَ تَمْرٍ وعِشْرُونَ وسْقَ شَعِيرٍ فقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ فَخَيَّرَ أزْوَاجَ النبيِّ ﷺ أنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنَ المَاءِ والأرْضِ أوْ يُمْضِي لَهُنَّ فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأرْضَ ومِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الوَسْقَ وكانَتْ عائِشَةُ اخْتَارَتِ الأرْضَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَامل خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا من تمر أَو زرع) ، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (أخبرهُ عَن النَّبِي ﷺ ، ويروى: أخبرهُ أَن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (عَامل خَيْبَر) أَي: أهل خَيْبَر، نَحْو: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ (يُوسُف: ٢٨) . أَي: أهل الْقرْيَة. قَوْله: (بِشَطْر) ، أَي: بِنصْف مَا يخرج مِنْهَا. قَوْله: (من ثَمَر) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة إِشَارَة إِلَى الْمُسَاقَاة. قَوْله: (أَو زرع) ، إِشَارَة إِلَى الْمُزَارعَة. قَوْله: (فَكَانَ يُعْطي أَزوَاجه مائَة وسق) ، الوسق سِتُّونَ صَاعا بِصَاع النَّبِي ﷺ ، وَفِي كتاب الْخراج ضَبطه ابْن التِّين: الوسق، بِضَم الْوَاو، وَقَالَ غَيره: هُوَ بِالْفَتْح. قَوْله: (ثَمَانُون وسق تمر وَعِشْرُونَ وسق شعير) ، كذاا هُوَ: ثَمَانُون وَعِشْرُونَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ثَمَانِينَ وَعشْرين، وَجه الرّفْع على تَقْدِير: مِنْهَا ثَمَانُون وسق تمر، فَيكون ارْتِفَاع: ثَمَانُون، على الِابْتِدَاء، وَخَبره مقدما لفظ: مِنْهَا. وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: وَعِشْرُونَ، أَي: وَمِنْهَا عشرُون، وَوجه النصب على تَقْدِير: أَعنِي ثَمَانِينَ وسق تمر وَعشْرين وسق شعير، وَقَالَ بَعضهم: الرّفْع على الْقطع، وَثَمَانِينَ على الْبَدَل، وَلَا يَصح شَيْء من ذَلِك يعرف بِالتَّأَمُّلِ، وَلَفظ: وسق، فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَنْصُوب على التَّمْيِيز، وَكِلَاهُمَا بِالْإِضَافَة. قَوْله: (فقسم عمر) ، ويروى: وَقسم بِالْوَاو. وَقَالَ بَعضهم: وَقسم عمر أَي: خَيْبَر وَصرح بذلك أَحْمد فِي رِوَايَته عَن ابْن نمير عَن عبيد الله بن عمر. قلت: فِي كثير من النّسخ قلت: خَيْبَر، مَوْجُود فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير إلَاّ فِي نُسْخَة سقط مِنْهَا هَذَا اللَّفْظ. قَوْله: (أَن يقطع) ، بِضَم الْيَاء من الإقطاع بِكَسْر الْهمزَة، يُقَال: أقطع السُّلْطَان فلَانا أَرض كَذَا، إِذا أعطَاهُ وَجعله قطيعة لَهُ. قَوْله: (ويمضي لَهُنَّ) أَي: أَو يجْرِي لَهُنَّ قِسْمَتهنَّ على مَا كَانَ فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ كَمَا كَانَ من التَّمْر وَالشعِير. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: هَذَا الحَدِيث عُمْدَة من أجَاز الْمُزَارعَة. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي كِرَاء الأَرْض بِالشّرطِ وَالثلث وَالرّبع، فَأجَاز ذَلِك عَليّ وَابْن مَسْعُود وَسعد وَالزُّبَيْر وَأُسَامَة وَابْن عمر ومعاذ وخباب، وَهُوَ قَول ابْن الْمسيب وطاووس وَابْن أبي ليلى وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد، وَهَؤُلَاء أَجَازُوا الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة. وكرهت ذَلِك طَائِفَة، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعِكْرِمَة وَالنَّخَعِيّ، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر، قَالُوا: لَا تجوز الْمُزَارعَة، وَهُوَ كِرَاء الأَرْض بِجُزْء مِنْهَا، وَيجوز عِنْدهم الْمُسَاقَاة، ومنعها أَبُو حنيفَة وَزفر فَقَالَا: لَا تجوز الْمُزَارعَة وَلَا الْمُسَاقَاة بِوَجْه من الْوُجُوه، وَقَالُوا: الْمُزَارعَة مَنْسُوخَة بِالنَّهْي عَن كِرَاء الأَرْض بِمَا يخرج، وَهِي إِجَارَة مَجْهُولَة، لِأَنَّهُ قد لَا تخرج الأَرْض شَيْئا. وأدعوا أَن الْمُسَاقَاة مَنْسُوخَة بِالنَّهْي عَن الْمُزَابَنَة، وَذكر الطَّحَاوِيّ حَدِيث رَافع: نهى رَسُول الله ﷺ عَن الْمُزَارعَة، وَحَدِيث ابْن عمر: كُنَّا لَا نرى بَأْسا حَتَّى زعم رَافع أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن المخابرة، وَمثله: نهى عَن كِرَاء الأَرْض، وَحَدِيث ثَابت بن الضَّحَّاك: أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الْمُزَارعَة. وَحَدِيث جَابر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من كَانَت لَهُ أَرض فليزرعها أَو ليزرعها أَخَاهُ وَلَا يؤاجرها) . وَفِي لفظ: (من لم يدع المخابرة فليؤذن

стр. 3582

بِحَرب من الله . وَأجَاب أَبُو حنيفَة عَن حَدِيث الْبَاب بِأَن مُعَاملَة النَّبِي ﷺ أهل خَيْبَر لم كن بطرِيق الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة، بل كَانَت بطرِيق الْخراج على وَجه الْمَنّ عَلَيْهِم وَالصُّلْح، لِأَنَّهُ ﷺ ملكهَا غنيمَة، فَلَو كَانَ أَخذ كلهَا جَازَ وَتركهَا فِي أَيْديهم بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا فضلا، وَكَانَ ذَلِك خراج مقاسمة وَهُوَ جَائِز كخراج التوظيف، وَلَا نزاع فِيهِ، وَإِنَّمَا النزاع فِي جَوَاز الْمُزَارعَة والمعاملة، وخراج الْمُقَاسَمَة أَن يوظف الإِمَام فِي الْخَارِج شَيْئا مُقَدرا عشرا أَو ثلثا أَو ربعا وَيتْرك الْأَرَاضِي على ملكهم منا عَلَيْهِم، فَإِن لم تخرج الأَرْض شَيْئا فَلَا شَيْء عَلَيْهِم، وَهَذَا تَأْوِيل صَحِيح، فَإِنَّهُ لم ينْقل عَن أحد من الروَاة أَنه تصرف فِي رقابهم أَو رِقَاب أَوْلَادهم. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ فِي (شَرحه لمختصر الطَّحَاوِيّ) : وَمِمَّا يدل على أَن مَا شَرط من نصف الثَّمر وَالزَّرْع كَانَ على وَجه الْجِزْيَة، أَنه لم يرو فِي شَيْء من الْأَخْبَار أَنه ﷺ أَخذ مِنْهُم الْجِزْيَة إِلَى أَن مَاتَ، وَلَا أَبُو بكر وَلَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِلَى أَن أجلاهم، وَلَو لم يكن ذَلِك لأخذ مِنْهُم الْجِزْيَة حِين نزلت آيَة الْجِزْيَة، وَالْخَرَاج الموظف أَن يَجْعَل الإِمَام فِي ذمتهم بِمُقَابلَة الأَرْض شَيْئا من كل جريب يصلح للزِّرَاعَة صَاعا ودرهماً. فَإِن قلت: رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قسم أَرَاضِي خَيْبَر على سِتَّة وَثَلَاثِينَ سَهْما، وَهَذَا على أَنَّهَا مَا كَانَت خراج مقاسمة؟ قلت: يجوز أَنه ﷺ قسم خراج الْأَرَاضِي بِأَن جعل خراج هَذِه الأَرْض لفُلَان وخراج هَذِه لفُلَان. فَإِن قلت: رُوِيَ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أجلى أهل خَيْبَر وَلم يعطهم قيمَة الْأَرَاضِي، فَدلَّ ذَلِك على عدم الْملك. قلت: يجوز أَنه مَا أَعْطَاهُم زمَان الإجلاء، وَأَعْطَاهُمْ بعد ذَلِك. وَفِيه: تَخْيِير عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَزوَاج النَّبِي ﷺ بَين أَن يقطع لَهُنَّ من الأَرْض وَبَين إجرائهن على مَا كن عَلَيْهِ فِي عهد النَّبِي ﷺ من غير أَن يملكهن، لِأَن الأَرْض لم تكن موروثة عَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ فَإِذا توفين عَادَتْ الأَرْض وَالنَّخْل على أَصْلهَا وَقفا مسبلاً، وَكَانَ عمر يعطيهن ذَلِك، لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: (مَا تركت بعد نَفَقَة نسَائِي فَهُوَ صَدَقَة) ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقيل: إِن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يقطعهن سوى هَذِه الأوسق اثْنَي عشر ألفا لكل وَاحِدَة مِنْهُنَّ، وَمَا يجْرِي عَلَيْهِم فِي سَائِر السّنة. ٩ - (بابٌ إِذا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنينَ فِي المُزَارَعَةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم يشْتَرط رب الأَرْض سنيناً مَعْلُومَة فِي عقد الْمُزَارعَة، وَلم يذكر جَوَاب: إِذا، الَّذِي هُوَ: يجوز أَو لَا يجوز لَكَانَ الِاخْتِلَاف فِيهِ، قَالَ ابْن بطال: قد اخْتلف الْعلمَاء فِي الْمُزَارعَة من غير أجل، فكرهها مَالك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا لم يسم سِنِين مَعْلُومَة فَهُوَ على سنة وَاحِدَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَحكى عَن بَعضهم أَنه قَالَ: أُجِيز ذَلِك اسْتِحْسَانًا، وَادّعى الْقيَاس لقَوْله ﷺ : (نقركم مَا شِئْنَا) . قَالَ: فَيكون لصَاحب النّخل وَالْأَرْض أَن يخرج المساقي والمزارع من الأَرْض مَتى شَاءَ، وَفِي ذَلِك دلَالَة أَن الْمُزَارعَة تخَالف الْكِرَاء، لَا يجوز فِي الْكِرَاء أَن يَقُول: أخرجك عَن أرضي مَتى شِئْت، وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم أَن الْكِرَاء فِي الدّور وَالْأَرضين لَا يجوز إلَاّ وقتا مَعْلُوما. قلت: لصِحَّة الْمُزَارعَة على قَول من يجيزها شُرُوط، مِنْهَا بَيَان الْمدَّة بِأَن يُقَال: إِلَى سنة أَو سنتَيْن، وَمَا أشبهه، وَلَو بَين وقتا لَا يدْرك الزَّرْع فِيهَا تفْسد الْمُزَارعَة، وَكَذَا لَو بَين مُدَّة لَا يعِيش أَحدهمَا إِلَيْهَا غَالِبا تفْسد أَيْضا، وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة: أَن الْمُزَارعَة تصح بِلَا بَيَان الْمدَّة، وَتَقَع على زرع وَاحِد، وَاخْتَارَهُ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَعَن أَحْمد: يجوز بِلَا بَيَان الْمدَّة لِأَنَّهَا عقد جَائِز غير لَازم، وَعند أَكثر الْفُقَهَاء: لَازم. ٩٢٣٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ عامَلَ النَّبِي ﷺ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَر أوْ زَرْعٍ. . هَذَا الحَدِيث قد مضى فِي الْبَاب السَّابِق بأتم مِنْهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أنس بن عِيَاض عَن عبيد الله عَن نَافِع، وَهنا أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع، وَأَعَادَهُ مُخْتَصرا لأجل التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، والمطابقة بَينهمَا ظَاهِرَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّض إِلَى بَيَان الْمدَّة.

стр. 3583

٠١ - (بابٌ) يجوز فِيهِ التَّنْوِين على تَقْدِير: هَذَا بَاب، وَيجوز تَركه على السّكُون فَلَا يكون معرباً، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ فِي الْمركب، وَوَقع: بَاب، كَذَا بِغَيْر تَرْجَمَة عِنْد الْكل، وَقد ذكرنَا أَن: بَابا، كلما وَقع كَذَا فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْفَصْل من الْبَاب الَّذِي قبله. ٠٣٣٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفيانُ قَالَ عَمْرٌ وقُلْتُ لِ طَاوُوسٍ لَوْ تَرَكتَ المُخَابَرَةَ فإنَّهُمْ يَزْعَمونَ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عنْهُ قَالَ أيْ عمْرٌ وإنِّي أُعْطِيهمْ وأعِينُهُمْ وإنْ أعْلَمَهُمْ أخْبَرَنِي يَعْنِي ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عنْهُ ولَكنْ قَالَ أنْ يَمْنَحَ أحَدُكُمْ أخاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَأخُذَ عَلَيْهِ خَرْجاً مَعْلُوماً. وَجه دُخُوله فِي الْبَاب السَّابِق من حَيْثُ إِن لِلْعَامِلِ فِيهِ جُزْءا مَعْلُوما، وَهنا: لَو ترك رب الأَرْض هَذَا الْجُزْء لِلْعَامِلِ كَانَ خيرا لَهُ من أَن يَأْخُذهُ مِنْهُ، وَفِيه: جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة لِأَن الْأَوْلَوِيَّة فِي التّرْك لَا تنَافِي الْجَوَاز فَافْهَم. وَرِجَاله أَرْبَعَة، قد ذكرُوا غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُزَارعَة عَن قبيصَة بن عقبَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَفِي الْهِبَة عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد عَن يحيى بن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ وَعَن ابْن أبي عمر عَن الثَّقَفِيّ بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن رمح وَعَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد ابْن كثير عَن الثَّوْريّ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُزَارعَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله المخرمي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن رمح وَعَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ وَعَن أبي بكر بن خَلاد الْبَاهِلِيّ وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ عَمْرو) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره: عَن سُفْيَان، حَدثنَا عَمْرو. قَوْله: (لَو تركت المخابرة) ، جَوَاب: لَو، مَحْذُوف تَقْدِيره: لَو تركت المخابرة لَكَانَ خيرا، أَو يكون: لَو، لِلتَّمَنِّي فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب، وَفسّر الْكرْمَانِي المخابرة من جِهَة مَأْخَذ هَذَا اللَّفْظ، فَقَالَ: المخابرة من: الْخَبِير، وَهُوَ الأكار، أَو من: الْخِبْرَة، بِضَم الْخَاء، وَهِي النَّصِيب أَو، من: خَيْبَر، لِأَن أول هَذِه الْمُعَامَلَة وَقعت فِيهَا. انْتهى. وَالْمُخَابَرَة: هِيَ الْعَمَل فِي الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا، وَهِي الْمُزَارعَة لَكِن الْفرق بَينهمَا من وَجه، وَهُوَ أَن الْبذر من الْعَامِل فِي المخابرة، وَفِي الْمُزَارعَة من الْمَالِك، وَالدَّلِيل على أَن المخابرة هِيَ الْمُزَارعَة رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار بِلَفْظ: لَو تركت الْمُزَارعَة، يُخَاطب ابْن عَبَّاس بذلك. قَوْله: (فَإِنَّهُم) ، الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل، لِأَن عمرا يُعلل كَلَامه فِي خطابه لطاووس بترك المخابرة، بقوله: فَإِنَّهُم، أَي: فَإِن النَّاس، وَمرَاده مِنْهُم: رَافع بن خديج وعمومته وَالثَّابِت بن الضَّحَّاك وَجَابِر بن عبد الله وَمن روى مِنْهُم. قَوْله: (يَزْعمُونَ) ، أَي: يَقُولُونَ: أَن النَّبِي ﷺ نهى عَنهُ، أَي: عَن الزَّرْع على طَرِيق المخابرة. قَوْله: (قَالَ: أَي عَمْرو!) أَي: قَالَ طَاوُوس: يَا عَمْرو. قَوْله: (إِنِّي أعطيهم) ، من الْإِعْطَاء. قَوْله: (وأعينهم) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة: من الْإِعَانَة، وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وأغنيهم، بالغين الْمُعْجَمَة الساكنة من الإغناء، وَالْأول أوجه، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَغَيره. قَوْله: (وَإِن أعلمهم) أَي: وَإِن أعلم هَؤُلَاءِ الَّذين يَزْعمُونَ أَنه ﷺ نهى عَنهُ. قَوْله: (أَخْبرنِي) ، خبر: إِن، وَبَين المُرَاد من هَذَا الأعلم بقوله: يَعْنِي: ابْن عَبَّاس. قَوْله: (لم ينْه عَنهُ) أَي: عَن الزَّرْع على طَرِيق المخابرة، وَلَا مُعَارضَة بَين هَذَا وَبَين قَوْله: نهى عَنهُ، لِأَن النَّهْي كَانَ فِيمَا يشترطون شرطا فَاسِدا، وَعَدَمه فِيمَا لم يكن كَذَلِك، وَقيل: المُرَاد بالإثبات نهي التَّنْزِيه، وبالنفي نهي التَّحْرِيم. قَوْله: (أَن يمنح) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون، قَالَ بَعضهم: أَن يمنح، بِفَتْح الْهمزَة والحاء على أَنَّهَا تعليلية، وبكسر الْهمزَة وَسُكُون الْحَاء على أَنَّهَا شَرْطِيَّة، وَالْأول أشهر. انْتهى. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل أَن بِفَتْح الْهمزَة مَصْدَرِيَّة، وَلَام

стр. 3584

الِابْتِدَاء مقدرَة قبلهَا تَقْدِيره: لِأَن يمنح، أَي: لمنح أحدكُم أَخَاهُ خير لكم، والمصدر مُضَاف إِلَى أحدكُم مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: خير لكم، وَيُؤَيّد مَا ذَكرْنَاهُ أَنه وَقع فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ بلام الِابْتِدَاء ظَاهِرَة، فَإِنَّهُ روى هَذَا الحَدِيث، وَفِيه: لِأَن يمنح أحدكُم أَخَاهُ أرضه خير لَهُ من أَن يَأْخُذ عَلَيْهَا خراجاً مَعْلُوما. وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: يمنح أحدكُم، بِدُونِ: أَن، وَاللَّام، وَقد جَاءَ: أَن، بِالْفَتْح بِمَعْنى: إِن، بِالْكَسْرِ الشّرطِيَّة، فيحنئذ يكون: يمنح، مَجْزُومًا بِهِ، وَجَوَاب الشَّرْط، خير، وَلَكِن فِيهِ حذف تَقْدِيره: هُوَ خير لكم. قَوْله: (من أَن يَأْخُذ) ، أَن هُنَا أَيْضا مَصْدَرِيَّة أَي: من أَخذه عَلَيْهِ، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى قَوْله: أَخَاهُ. قَوْله: (خرجا) أَي: أُجْرَة، وَالْغَرَض أَنه يَجْعَلهَا لَهُ منحة أَي عَطِيَّة عَارِية، لأَنهم كَانُوا يتنازعون فِي كِرَاء الأَرْض حَتَّى أفْضى بهم إِلَى التقاتل وَقد بَين الطَّحَاوِيّ عِلّة النَّهْي فِي حَدِيث رَافع، فَقَالَ: حَدثنَا عَليّ بن شيبَة، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى، قَالَ: حَدثنَا بشر بن الْمفضل عَن عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن أبي عُبَيْدَة بن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر عَن الْوَلِيد بن أبي الْوَلِيد عَن عُرْوَة بن الزبير عَن زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: يغْفر الله لرافع بن خديج، أَنا وَالله كنت أعلم مِنْهُ بِالْحَدِيثِ، إِنَّمَا جَاءَ رجلَانِ من الْأَنْصَار إِلَى رَسُول الله ﷺ قد اقتتلا، فَقَالَ: (إِن كَانَ هَذَا شَأْنكُمْ فَلَا تكروا الْمزَارِع) . فَسمع قَوْله: لَا تكروا الْمزَارِع. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا زيد بن ثَابت يخبر أَن قَول النَّبِي ﷺ : لَا تكروا الْمزَارِع النَّهْي الَّذِي قد سَمعه رَافع لم يكن من النَّبِي ﷺ على وَجه التَّحْرِيم، وَإِنَّمَا كَانَ لكراهيته وُقُوع الشَّرّ بَينهم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس من الْمَعْنى الَّذِي ذكره زيد بن ثَابت من حَدِيث رَافع بن خديج شَيْء ثمَّ روى حَدِيث الْبَاب نَحوه. ١١ - (بابُ المُزَارَعَةِ مَعَ اليَهُودِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمُزَارعَة مَعَ الْيَهُود، وَأَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أَنه لَا فرق فِي جَوَاز الْمُزَارعَة بَين الْمُسلمين وَأهل الذِّمَّة، وَإِنَّمَا خصص الْيَهُود بِالذكر، وَإِن كَانَ الحكم يَشْمَل أهل الذِّمَّة كلهم، لِأَن الْمَشْهُور فِي حَدِيث الْبَاب الْيَهُود، فَإِذا جَازَت الْمُزَارعَة مَعَ الْيَهُود جَازَت مَعَ غَيرهم من أهل الذِّمَّة كَذَلِك. ١٣٣٢ - حدَّثنا ابنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرَنا عبدُ الله قَالَ أخبرنَا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ أعْطَى خَيْبرَ الْيَهُودَ على أنْ يَعْمَلُوهَا ويَزْرَعُوها ولَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْها. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ. والْحَدِيث مضى فِيمَا قبل هَذَا الْبَاب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن عبيد الله عَن نَافِع إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٢١ - (بابُ مَا يُكْرَه مِنَ الشُّرُوطِ فِي المُزَارَعَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره إِلَى آخِره. ٢٣٣٢ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ قَالَ أخبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ يَحْيَى قَالَ سَمِعَ حَنْظلَةَ الزُّرَقِيَّ عنْ رافِعٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كنَّا أكْثَرَ أهْلِ المَدِينَةِ حَقْلاً وكانَ أحَدُنَا يُكْرِي أرْضَهُ فيَقُولُ هَذِهِ القِطْعَةُ لِي وهَذِهِ لَكَ فَرُبَّمَا أخْرَجَتْ ذِهْ ولَمْ تُخْرِجِ ذِهْ فنَهَاهُمْ النبيُّ ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَيَقُول: هَذِه الْقطعَة لي) إِلَى آخِره. وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة شَرط يُؤَدِّي إِلَى النزاع، وَهُوَ ظَاهر، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وحَنْظَلَة ابْن قيس الزرقي. والْحَدِيث مضى فِي الْبَاب الْمَذْكُور مُجَردا الملحق: بِبَاب قطع الشّجر والنخيل، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَإِنَّمَا أَشَارَ بِذكر هَذَا إِلَى

стр. 3585

أَن النَّهْي فِي حَدِيث رَافع مَحْمُول على مَا إِذا تضمن العقد شرطا فِيهِ جَهَالَة. قَوْله: (حقلاً) ، نصب على التَّمْيِيز، وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف أَي: زرعا، وَقيل: هُوَ الفدان الَّذِي يزرع. قَوْله: (ذه) ، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وبسكون الْهَاء إِشَارَة إِلَى الْقطعَة. وَفِيه: بَيَان عِلّة النَّهْي. ٣١ - (بابٌ إذَا زَرَعَ بِمالِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وكانَ فِي ذَلكَ صَلَاحٌ لَهُمْ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ بَيَان زرع أحد مَال قوم بِغَيْر إِذن مِنْهُم. قَوْله: (وَكَانَ) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فِي ذَلِك) ، أَي: فِي ذَلِك الزَّرْع (صَلَاح لَهُم) أَي: لهَؤُلَاء الْقَوْم. ٣٣٣٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أبُو ضُمْرَةَ قَالَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَة عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ بَيْنَما ثلاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ أخَذَهُمُ المَطَرُ فأوُوْا إِلَى غارٍ فِي جَبَلٍ فانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غارِهِمْ صَخْرَةٌ مِن الجَبلِ فانْطَبَقتْ عليْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ انْظُرُوا أعْمالاً عَمِلْتُموها صالِحَةً لله فادْعوا الله بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُها عنْكُمْ قَالَ أحَدُهُمْ اللَّهُمَّ إنَّهُ كانَ لِي والِدَانِ شَيْخانِ كَبِيرانِ ولِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أرْعَى علَيْهِمْ فإذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فبَدَأتُ بِوَالِدَيَّ أسقِيهِما قَبْلَ بَنِيَّ وإنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَات يَوْمٍ فَلَم آتِ حتَّى أمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا فحَلَبْتُ كَما كُنْتُ أحلُبُ فقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِما أكْرَهُ أنْ أُوقِظَهُما وأكرَهُ أنْ أسْقِيَ الصِّبْيَةَ والصِّبْيَةُ يتَضَاغُونَ عِنْدَ قَدَمَيَّ حتَّى طلَعَ الفَجْرُ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ لَنا فَرْجَةً نَرى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفَرَجَ الله فَرَأوْا السَّماءَ وَقَالَ الآخَرُ أللَّهُمَّ إنَّها كانتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أحْبَبْتُها كأشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجالُ النِّساءَ فطَلَبْتُ مِنْها فأبَتْ حَتَّى أتَيْتُها بِمِائَةِ دِينارٍ فبَغَيْتُ حتَّى جَمَعْتُها فلَمَّا وقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْها قالَتْ يَا عَبْدَ الله اتَّقِ الله ولَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ إلَاّ بِحَقِّه فقُمْتُ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عنَّا فَرْجَةً ففَرَجَ. وَقَالَ الثَّالِثُ اللَّهُمَّ إنِّي اسْتأجَرْتُ أجيرابِفَرَقِ أرُزٍّ فلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ أعْطِنِي حَقِّي فعَرَضْتُ عَلَيْهِ فرَغِبَ عنْهُ فلَمْ أزَلْ أزْرَعُهُ حتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرا ورَاعِيهَا فَجاءَنِي فَقَالَ اتَّقِ الله فقُلْتُ اذْهَبْ إِلَى ذالِكَ البَقَرِ ورُعَاتِها فَخُذْ فَقَالَ اتَّقِ الله ولَا تسْتَهْزِىءْ بِي فَقُلْتُ إنِّي لَا أسْتَهْزِيءُ بِكَ فخُذْ فأخَذَهُ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ مَا بَقِيَ فَفَرَجَ الله. قَالَ أَبُو عَبْدِ الله. وَقَالَ ابنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ فَسَعَيْتُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُسْتَأْجر عيَّن للْأَجِير أُجْرَة، فَبعد إعراضه عَنهُ تصرف فِيهِ بِمَا فِيهِ صَلَاح لَهُ، فَلَو كَانَ تصرفه فِيهِ غير جَائِز لَكَانَ مَعْصِيّة، وَلَا يتوسل بِهِ إِلَى الله تَعَالَى. فَإِن قلت: التوسل إِنَّمَا كَانَ برد الْحق إِلَى مُسْتَحقّه بِزِيَادَتِهِ النامية، لَا بتصرفه. كَمَا أَن الْجُلُوس مَعَ الْمَرْأَة كَانَ مَعْصِيّة والتوسل لم يكن إلَاّ بترك الزِّنَا. قلت: لما ترك صَاحب الْحق الْقَبْض وَوضع الْمُسْتَأْجر يَده ثَانِيًا على الْفرق كَانَ وضعا مستأنفاً على ملك الْغَيْر، ثمَّ تصرفه فِيهِ إصْلَاح لَا تَضْييع، فاغتفر ذَلِك وَلم يعد تَعَديا، فَلم يمْنَع عَن التوسل بذلك، مَعَ أَن جلّ قَصده خلاصه من الْمعْصِيَة وَالْعَمَل بِالنِّيَّةِ، وَمَعَ هَذَا لَو هلك الْفرق لَكَانَ ضَامِنا لَهُ لعدم الْإِذْن فِي زراعته، وَبِهَذَا يُجَاب عَن قَول من قَالَ: لَا تصح هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ أَن يكون الزَّارِع مُتَطَوعا، إِذْ لَا خسارة على صَاحب المَال، لِأَنَّهُ لَو هلك كَانَ من الزَّارِع، وَإِنَّمَا تصح على سَبِيل التفضل بِالرِّبْحِ وَضَمان رَأس المَال، وَقد مرت هَذِه الْقِصَّة فِي كتاب الْبيُوع

стр. 3586

فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا لغيره بِغَيْر إِذْنه فَرضِي، وَقد مر الْكَلَام فِيهَا، وَأَنه أخرجه هُنَاكَ: عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أبي عَاصِم عَن ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَأخرجه هُنَا: عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أبي إِسْحَاق الْحزَامِي الْمَدِينِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن أبي ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم، وَهُوَ أنس بن عِيَاض، مر فِي: بَاب التبرز فِي الْبيُوت. ولنذكر هُنَا بعض شَيْء. قَوْله: (يَمْشُونَ) ، حَال. قَوْله: (فأووا) ، بِفَتْح الْهمزَة بِلَا مد. قَوْله: (فِي جبل) ، صفة: غَار. أَي: كَائِن فِيهِ. قَوْله: (صَالِحَة) بِالنّصب صفة لقَوْله: أعمالاً، ويروى: خَالِصَة. قَوْله: (يفرجها) ، بِضَم الرَّاء. قَوْله: (أللهم إِنَّه) ، أَي: إِن الشَّأْن، وَفِي قَول الآخر: أللهم إِنَّهَا، أَي: إِن الْقِصَّة، إِذا الْجُمْلَة مؤنث، وَفِي قَول الثَّالِث: أللهم إِنِّي، أسْند إِلَيْهِ، وَهَذَا من بَاب التفنن الَّذِي فِيهِ يحلو الْكَلَام ويونق. قَوْله: (والصبية) ، جمع صبي، وَكَذَلِكَ الصبوة، وَالْوَاو الْقيَاس، وَلَكِن الْيَاء أَكثر اسْتِعْمَالا. قَوْله: (فَلم آتٍ) ، بِالْفَاءِ، ويروى: وَلم آتٍ، بِالْوَاو. قَوْله: (نَامَا) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: نائمين. قَوْله: (يتضاغون) ، بالمعجمتين، أَي: يتصايحون، من ضغا يضغو ضغواً، وضغاء إِذا صَاح وضج. قَوْله: (فَأَبت عَليّ حَتَّى أتيتها) ، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: فَأَبت حَتَّى أتيتها، بِدُونِ لَفْظَة: عَليّ، قَوْله: (فرج) أَي: فُرْجَة أُخْرَى لَا كلهَا. قَوْله: (بفرق أرز) ، الْفرق بِفتْحَتَيْنِ إِنَاء يَأْخُذ سِتَّة عشر رطلا، وَذَلِكَ ثَلَاثَة أصوع كَذَا فِي (التَّهْذِيب) قَالَ الْأَزْهَرِي: والمحدثون على سُكُون الرَّاء، وَكَلَام الْعَرَب على التحريك. وَفِي (الصِّحَاح) : الْفرق مكيال مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ سِتَّة عشر رطلا. قَالَ: وَقد يُحَرك. وَالْجمع: فرقان. كبطن وبطنان. وَقَالَ بَعضهم: الْفرق، بِالسُّكُونِ: أَرْبَعَة أَرْطَال، وَفِي (نَوَادِر) هِشَام: عَن مُحَمَّد الْفرق سِتَّة وَثَلَاثُونَ رطلا، قَالَ صَاحب (الْمغرب) : وَلم أجد هَذَا فِي أصُول اللُّغَة. قلت: قَالَ فِي (الْمُحِيط) ؛ الْفرق سِتُّونَ رطلا، وَلَا يلْزم من عدم وجدانه هُوَ، وَأَن لَا يجد غَيره، فَإِن لُغَة الْعَرَب وَاسِعَة. قَوْله: (أرز) فِيهِ: لُغَات قد ذَكرنَاهَا هُنَاكَ، وَقد مر فِي الْبيُوع: فرق من ذرة، والتوفيق بَينهمَا من جِهَة أَنَّهُمَا كَانَا صنفين، فالبعض من أرز، وَالْبَعْض من ذرة. أَو كَانَ أجيران، لأَحَدهمَا: أرز وَللْآخر ذرة وَقَالَ بَعضهم: لما كَانَا حبين متقاربين أطلق أَحدهمَا على الآخر. قلت: هَذَا أَخذه من الْكرْمَانِي، وَالْوَجْه فِيهِ بعيد، وَلَا يَقع مثل هَذَا الْإِطْلَاق من فصيح قَوْله: (حَتَّى أتيتها) ، ويروى: حَتَّى آتيها. قَوْله: (فبغيت) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة والغين الْمُعْجَمَة، أَي: طلبت، يُقَال: بغى يَبْغِي بغاءً، إِذا طلب. قَوْله: (قَالَ: أَعْطِنِي حَقي) ، ويروى: فَقَالَ، بِالْفَاءِ، قَوْله: (وراعيها) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة غَيره: ورعاتها، بِالْجمعِ. قَوْله: (فَقلت: إذهب إِلَى ذَلِك الْبَقر) ، ويروى: قلت إذهب، بِلَا فَاء. قَوْله: (إِلَى ذَلِك الْبَقر) ، ويروى إِلَى تِلْكَ الْبَقر، فالتذكير بِاعْتِبَار اللَّفْظ، والتأنيث بِاعْتِبَار معنى الجمعية فِيهِ. قَوْله: (فَقلت: إِنِّي لَا أستهزىء) ، ويروى: فَقَالَ: إِنِّي لَا أستهزىء. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) ، أَي: البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (قَالَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة عَن نَافِع: فسعيت) ، يَعْنِي: أَن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور رَوَاهُ عَن نَافِع كَمَا رَوَاهُ عَمه مُوسَى بن عقبَة، إِلَّا أَنه خَالفه فِي هَذِه اللَّفْظَة، وَهِي قَوْله: فبغيت، بِالْبَاء والغين الْمُعْجَمَة، فَقَالَهَا: سعيت، بِالسِّين وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ من السَّعْي. وَقَالَ الجياني: وَقع فِي رِوَايَة لأبي ذَر: وَقَالَ إِسْمَاعِيل عَن عقبَة، وَهُوَ وهم، وَالصَّوَاب: إِسْمَاعِيل بن عقبَة، وَهُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن عقبَة ابْن أخي مُوسَى. وَتَعْلِيق إِسْمَاعِيل وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب فِي: بَاب إِجَابَة دُعَاء من بر وَالِديهِ. ٤١ - (بابُ أوْقَافِ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ وأرْضِ الخَرَاجِ ومُزَارَعَتِهِمْ ومُعَامَلَتِهِمْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم أوقاف النَّبِي، ﷺ ، وَبَيَان أَرض الْخراج، وَبَيَان مزارعتهم، وَبَيَان معاملتهم. قَالَ ابْن بطال: معنى هَذِه التَّرْجَمَة: أَن الصَّحَابَة كَانُوا يزارعون أوقاف النَّبِي، ﷺ ، بعد وَفَاته على مَا كَانَ عَلَيْهِ يهود خَيْبَر. وَقَالَ النبيُّ ﷺ لِعُمَرَ تصَدَّقْ بأصْلِهِ لَا يُبَاعُ ولَكِنْ يُنْفِقُ ثَمرَهُ فتَصَدَّقَ بِهِ مطابقته للصدر الأول من التَّرْجَمَة، وَهِي تظهر من قَوْله ﷺ لعمر: (تصدق بِأَصْلِهِ) إِلَى آخِره، وَهَذَا حكم وقف الصَّحَابِيّ،

стр. 3587

وَكَذَلِكَ يكون حكم أوقاف بَقِيَّة الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب قَول الله : ﴿وابتلوا الْيَتَامَى﴾ (النِّسَاء: ٦) . الْآيَة، فَقَالَ: حَدثنَا هَارُون، حَدثنَا أَبُو سعيد مولى بني هَاشم، حَدثنَا صَخْر بن جوَيْرِية عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تصدق بِمَال لَهُ على عهد رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ يُقَال لَهُ: ثمغ، وَكَانَ نخلا، فَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله! إِنِّي اسْتَفَدْت مَالا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيس، فَأَرَدْت أَن أَتصدق بِهِ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (تصدق بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث، وَلَكِن ينْفق ثمره) . فَتصدق بِهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فصدقته تِلْكَ فِي سَبِيل الله وَفِي الرّقاب وَالْمَسَاكِين والضيف وَابْن السَّبِيل وَلِذِي الْقُرْبَى، وَلَا جنَاح على من وليه أَن يَأْكُل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ أَو يُؤْكَل صديقه غير مُتَمَوّل بِهِ. قَوْله: (تصدق بِأَصْلِهِ) ، هَذِه الْعبارَة كِنَايَة عَن الْوَقْف، وَلَفظ: تصدق، أَمر. قَوْله: (وَلَكِن ينْفق) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَتصدق بِهِ) ، أَي: فَتصدق عمر بِهِ، وَالضَّمِير يرجع إِلَى المَال الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهُوَ المَال الَّذِي كَانَ يُقَال لَهُ: ثمغ، وَكَانَ نخلا، والثمغ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره غين مُعْجمَة: وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ثمغ، وصرمة بن الْأَكْوَع مالان معروفان بِالْمَدِينَةِ لعمر بن الْخطاب فوقفهما. وَفِي (مُعْجم الْبكْرِيّ) : ثمغ مَوضِع تِلْقَاء الْمَدِينَة كَانَ فِيهِ مَال لعمر بن الْخطاب، فَخرج إِلَيْهِ يَوْمًا ففاتته صَلَاة الْعَصْر، فَقَالَ: شغلتني ثمغ عَن الصَّلَاة، أشهدكم أَنَّهَا صَدَقَة. ٤٣٣٢ - حدَّثنا صَدَقَةُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ عنْ مالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إلَاّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أهْلِهَا كمَا قسَمَ النبيُّ ﷺ خَيْبَرَ. . مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة، بَيَان ذَلِك أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما فتح السوَاد لم يقسمها بَين أَهلهَا بل وضع على من بهم من أهل الذِّمَّة الْخراج فزارعهم وعاملهم، وَبِهَذَا يظْهر أَيْضا دُخُول هَذَا الْبَاب فِي أَبْوَاب الْمُزَارعَة. وَرِجَاله سِتَّة: الأول: صَدَقَة بن الْفضل الْمروزِي وَهُوَ من أَفْرَاده. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: مَالك بن أنس. الرَّابِع: زيد بن أسلم أَبُو أُسَامَة، مولى عمر بن الْخطاب الْعَدوي، مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: أَبوهُ أسلم مولى عمر بن الْخطاب، يكنى أَبَا خَالِد، كَانَ من سبي الْيمن، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: أَبُو زيد الحبشي البجاوي من بجاوة، كَانَ من سبي عين التَّمْر، اشْتَرَاهُ عمر بِمَكَّة سنة إِحْدَى عشرَة لما بَعثه أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ليقيم للنَّاس الْحَج، مَاتَ قبل مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ صلى عَلَيْهِ وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة وَمِائَة سنة. السَّادِس: عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن أبي مَرْيَم وَمُحَمّد بن الْمثنى وَفِي الْجِهَاد عَن صَدَقَة بن الْفضل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَلَفظ أَحْمد: لَئِن عِشْت إِلَى هَذَا الْعَام الْمقبل لَا يفتح النَّاس قَرْيَة إلَاّ قسمتهَا بَيْنكُم. قَوْله: (مَا فتحت) على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله: (قَرْيَة) ، مَرْفُوع بِهِ وَيجوز فتحت على بِنَاء الْفَاعِل، وقرية بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (إلَاّ قسمتهَا) ، زَاد ابْن إِدْرِيس الثَّقَفِيّ فِي رِوَايَة: مَا افْتتح الْمُسلمُونَ قَرْيَة من قرى الْكفَّار إلَاّ قسمتهَا سهماناً. قَوْله: (بَين أَهلهَا) ، أَي: الْغَانِمين. قَوْله: كَمَا قسم النَّبِي، ﷺ ، وَزَاد ابْن إِدْرِيس فِي رِوَايَته وَلَكِن أردْت أَن يكون جِزْيَة تجْرِي عَلَيْهِم، وَقد كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يعلم أَن المَال يعز، وَأَن الشُّح يغلب، وَأَن لَا ملك بعد كسْرَى يُقيم وتحرز خزائنه فيغنى بهَا فُقَرَاء الْمُسلمين، فأشفق أَن يبْقى آخر النَّاس لَا شَيْء لَهُم، فَرَأى أَن يحبس الأَرْض وَلَا يقسمها، كَمَا فعل بِأَرْض السوَاد نظرا للْمُسلمين وشفقة على آخِرهم بدوام نَفعهَا لَهُم ودر خَيرهَا عَلَيْهِم، وَبِهَذَا قَالَ مَالك فِي أشهر قوليه: إِن الأَرْض لَا تقسم. ٥١ - (بابُ منْ أحْيا أرْضاً مَوَاتاً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من أحيى أَرضًا مواتاً، بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الْوَاو، وَهُوَ الأَرْض الخراب، وَعَن الطَّحَاوِيّ هُوَ

стр. 3588

مَا لَيْسَ بِملك لأحد وَلَا هُوَ من مرافق الْبَلَد وَكَانَ خَارج الْبَلَد سَوَاء قرب مِنْهُ أَو بعد فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَعَن أبي يُوسُف: أَرض الْموَات هِيَ الْبقْعَة الَّتِي لَو وقف رجل على أدناه من العامر ونادى بِأَعْلَى صَوته لم يسمعهُ أقرب من فِي العامر إِلَيْهِ، وَقَالَ الْقَزاز: الْموَات الأَرْض الَّتِي لم تعمر، شبهت الْعِمَارَة بِالْحَيَاةِ وتعطيلها بفقد الْحَيَاة، وإحياء الْموَات أَن يعمد الشَّخْص لأرض لَا يعلم تقدم ملك عَلَيْهَا لأحد فيحييها بالسقي أَو الزَّرْع أَو الْغَرْس أَو الْبناء، فَيصير بذلك ملكه، سَوَاء فِيمَا قرب من الْعمرَان أم بعد، وَسَوَاء أذن لَهُ الإِمَام بذلك أم لم يَأْذَن عِنْد الْجُمْهُور، وَعند أبي حنيفَة: لَا بُد من إِذن الإِمَام مُطلقًا، وَعند مَالك فِيمَا قرب، وَضَابِط الْقرب مَا بِأَهْل الْعمرَان إِلَيْهِ حَاجَة من رعي وَنَحْوه، وَعَن قريب يَأْتِي بسط الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ورَأي ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أرْضِ الخَرَابِ بِالكُوفَةِ مَوَاتٌ أَي: رأى الْإِحْيَاء عَليّ بن أبي طَالب فِي أَرض الخراب بِالْكُوفَةِ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: فِي أَرض الْموَات. وَقَالَ عُمَرُ مَنْ أحْيَا أرْضاً مَيِّتَةً فَهْيَ لَهُ هَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن ابْن شهَاب عَن سَالم عَن أَبِيه مثله، وروى أَبُو عبيد بن سَلام فِي كتاب الْأَمْوَال بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الثَّقَفِيّ، قَالَ: كتب عمر بن الْخطاب أَن من أحيى مواتاً فَهُوَ أَحَق بِهِ، وَعَن الْعَبَّاس بن يزِيد أَن عمر بن الْخطاب قَالَ: من أحيى أَرضًا مواتاً لَيْسَ فِي يَد مُسلم وَلَا معاهد فَهِيَ لَهُ، وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه، قَالَ: كَانَ النَّاس يتحجرون على عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: من أحيى أَرضًا فَهِيَ لَهُ. قَالَ يحيى: كَأَنَّهُ لم يَجْعَلهَا لَهُ بالتحجير حَتَّى يُحْيِيهَا، وَفِي لفظ: وَذَلِكَ أَن قوما كَانُوا يتحجرون أَرضًا ثمَّ يدعونها وَلَا يحيونها، وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب، قَالَ: أقطع رَسُول الله، ﷺ ، نَاسا من مزينة أَو جُهَيْنَة أَرضًا، فعطلوها، فجَاء قوم فأحيوها، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَو كَانَت قطيعة مني أَو من أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لرددتها، وَلَكِن من رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: وَقَالَ عِنْد ذَلِك: من عطل أَرضًا ثَلَاث سِنِين لم يعمر فجَاء غَيره فعمرها فَهِيَ لَهُ، وَفِي لفظ: حَتَّى يمْضِي ثَلَاث سِنِين فأحياها غَيره فَهُوَ أَحَق بهَا. قَوْله: (ميتَة) ، قَالَ شَيخنَا: هُوَ بتَشْديد الْيَاء، وَأَصله: ميوتة، اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأبدلت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، وَلَا يُقَال هُنَا: أَرضًا ميتَة، بِالتَّخْفِيفِ لِأَنَّهُ لَو خففت لحذف التَّأْنِيث، كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِي: أَنه يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لنحيي بِهِ بَلْدَة مَيتا﴾ (الْفرْقَان: ٩٤) . وَلم يقل: ميتَة. ويُرْوَى عنْ عُمَرَ وابنِ عَوْفٍ عنِ النبيِّ ﷺ أَي: يرْوى عَن عَمْرو بن عَوْف بن يزِيد الْمُزنِيّ الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي ﷺ مثله. وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ فِيهِ حَقٌّ أَي: قَالَ عَمْرو بن عَوْف الْمَذْكُور، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه زَاده، وَقَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فِي غير حق مُسلم فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم فِيهِ حق، وَوَصله الطَّبَرَانِيّ وَابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة كثير بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَفِي رِوَايَة لَهُ: من أحيى مواتاً من الأَرْض فِي غير حق مُسلم فَهُوَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَرَوَاهُ أَيْضا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَامر الْعَقدي عَن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف حَدثنِي أبي أَن أَبَاهُ حَدثهُ أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول: من أحيى أَرضًا مواتاً من غير أَن يكون فِيهَا حق مُسلم، فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَكثير هَذَا ضَعِيف، وَلَيْسَ لجده عَمْرو بن عَوْف فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ غير عَمْرو بن عَوْف الْأنْصَارِيّ الْبَدِيِّ الَّذِي يَأْتِي حَدِيثه فِي الْجِزْيَة وَغَيرهَا، وَقَالَ

стр. 3589

الْكرْمَانِي عقيب قَوْله: وَقَالَ: أَي: عَمْرو، وَفِي بعض الرِّوَايَات: عمر، أَي ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن عَوْف، أَي: عبد الرَّحْمَن ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: فَذكر عمر يكون تَكْرَارا. قلت: فِيهِ فَوَائِد. الأولى: أَنه تَعْلِيق بِصِيغَة الْقُوَّة وَهَذَا بِصِيغَة التمريض، وَهُوَ بِدُونِ الزِّيَادَة، وَهَذَا مَعهَا، وَهُوَ غير مَرْفُوع إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَهَذَا مَرْفُوع، انْتهى. قلت: عمر، هُنَا بِدُونِ الْوَاو يَعْنِي: عمر بن الْخطاب، قَالُوا: إِنَّه تَصْحِيف، فَلَمَّا جعلُوا عمر بِدُونِ الْوَاو جعلُوا الْوَاو وَاو عطف، وَقَالُوا: وَابْن عَوْف، وَأَرَادُوا بِهِ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَذكر الْكرْمَانِي مَا ذكره ثمَّ ذكر فِيهِ فَوَائِد: الأولى: الْمَذْكُورَة، فَلَا حَاجَة إِلَيْهَا لِأَن مَا ذكره لَيْسَ بِصَحِيح فِي الأَصْل، وَمَعَ هَذَا هُوَ قَالَ فِي آخر كَلَامه: وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يَعْنِي أَنه: عَمْرو، بِالْوَاو، وَهُوَ: ابْن عَوْف الْمُزنِيّ لَا أَنه عمر بن الْخطاب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف. قَوْله: (وَلَيْسَ لعرق ظَالِم فِيهِ حق) ، روى: لعرق، بِالتَّنْوِينِ وبالإضافة أَي: من غرس فِي أَرض غَيره بِدُونِ إِذْنه فَلَيْسَ لَهُ فِي الْإِبْقَاء فِيهَا حق، فَإِن أضيف فَالْمُرَاد بالظالم الغارس، وَسمي ظَالِما لِأَنَّهُ تصرف فِي ملك الْغَيْر بِلَا اسْتِحْقَاق، وَإِن وصف بِهِ فالمغروس سمي بِهِ لِأَنَّهُ الظَّالِم أَو لِأَن الظُّلم وصل بِهِ على الْإِسْنَاد الْمجَازِي، وَقيل: مَعْنَاهُ: لعرق ذِي ظلم، قَالَ ابْن حبيب: بَلغنِي عَن ربيعَة أَنه قَالَ: الْعرق الظَّالِم عرقان ظَاهر وباطن، فالباطن مَا احتفره الرجل من الْآبَار، وَالظَّاهِر الْغَرْس، وَعنهُ: الْعُرُوق أَرْبَعَة: عرقان فَوق الأَرْض وهما: الْغَرْس والنبات، وعرقان فِي جوفها: الْمِيَاه والمعادن. وَفِي (الْمعرفَة) للبيهقي: قَالَ الشَّافِعِي: جماع الْعرق الظَّالِم كل مَا حفر أَو غرس أَو بنى ظلما فِي حق امرىء بِغَيْر خُرُوجه مِنْهُ. وَفِي كتاب (الْخراج) لِابْنِ آدم: عَن الثَّوْريّ، وَسُئِلَ عَن الْعرق الظَّالِم، فَقَالَ: هُوَ المنتزى. قلت: من انتزى على أرضي إِذا أَخذهَا وَهُوَ من بَاب الافتعال من: النزو، بالنُّون وَالزَّاي، وَهُوَ: الوثبة، وَعند النَّسَائِيّ، عَن عُرْوَة بن الزبير: هُوَ الرجل يعْمل الأَرْض الخربة وَهِي للنَّاس وَقد عجزوا عَنْهَا فتركوها حَتَّى خربَتْ. ويُرْوَى فيهِ عنْ جابِر عنِ النبيِّ ﷺ أَي: يرْوى فِي هَذَا الْبَاب عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا لم يذكر الْمَرْوِيّ بِعَيْنِه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِهِ، بل لَيْسَ صَحِيحا عِنْده، وَلِهَذَا قَالَ: يرْوى، ممرضاً. قلت: نفس الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يحيى بن أَيُّوب بن إِبْرَاهِيم عَن الثَّقَفِيّ وَعَن عَليّ بن مُسلم عَن عباد بن عباد عَن هِشَام بن عُرْوَة، وَلَفظه: من أحيى أَرضًا ميتَة فَلهُ فِيهَا أجر، وَمَا أكلت العوافي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَة، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث سعيد بن زيد عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا، وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: من أحَاط حَائِطا على أَرض فَهِيَ لَهُ، وروى ابْن عدي من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهُوَ أَحَق بهَا، وَإِسْنَاده ضَعِيف، وروى ابْن عدي أَيْضا من حَدِيث أنس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: من عمر أَرضًا خراباً فَأكل مِنْهَا سبع أَو طَائِر أَو شَيْء كَانَ لَهُ ذَلِك صَدَقَة، وَفِي إِسْنَاده سَلمَة بن سُلَيْمَان الضَّبِّيّ، قَالَ: ابْن عدي مُنكر الحَدِيث عَن الثِّقَات، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث مَرْوَان بن الحكم، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : الْبِلَاد بِلَاد الله والعباد عباد الله. وَمن أحَاط على حَائِط فَهُوَ لَهُ. وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِيهِ من حَدِيث عبد الله بن عمر، وَقَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أسمر بن مُضرس من رِوَايَة عقيلة بنت أسمر عَن أَبِيهَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : من سبق إِلَى مَا لم يسْبقهُ إِلَيْهِ مُسلم فَهُوَ لَهُ.

стр. 3590

٥٣٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحْمانِ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ منْ أعْمرَ أرْضاً لَيْسَتْ لأحَدٍ فَهُوَ أحَقُّ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله بن أبي جَعْفَر وَاسم أبي جَعْفَر: يسَار الْأمَوِي الْقرشِي الْمصْرِيّ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْأسود يَتِيم عُرْوَة بن الزبير، وَقد تقدما فِي الْغسْل. وَنصف الْإِسْنَاد الأول مصريون وَالنّصف الثَّانِي مدنيون. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (أعمر) بِفَتْح الْهمزَة من بَاب الْأَفْعَال من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَقَالَ عِيَاض: كَذَا وَقع، وَالصَّوَاب عمر ثلاثياً قَالَ تَعَالَى: ﴿وعمروها أَكثر مِمَّا عمروها﴾ (الرّوم: ٩) . وَكَذَا قَالَ فِي (الْمطَالع) وَقَالَ ابْن بطال: وَيحْتَمل أَن يكون أَصله: من اعْتَمر أَرضًا، وَسَقَطت التَّاء من الأَصْل. قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا الْكَلَام مَعَ مَا فِيهِ من توهم الْغَلَط، لِأَن صَاحب (الْعين) ذكر: أعمرت الأَرْض، وَقَالَ غَيره: يُقَال: أعمر الله بَاب مَنْزِلك، فَالْمُرَاد من أعمر أَرضًا بِالْإِحْيَاءِ فَهُوَ أَحَق، أَي: أَحَق بِهِ من غَيره، وَإِنَّمَا حذف هَذَا الَّذِي قدرناه للْعلم بِهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: من أعمر، على بِنَاء الْمَجْهُول أَي: من أعْمرهُ غَيره، فَالْمُرَاد من الْغَيْر الإِمَام، وَهَذَا يدل على أَن إِذن الإِمَام لَا بُد مِنْهُ، وَوَقع فِي (جمع الْحميدِي) : من عمر، ثلاثياً، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر: عَن يحيى بن بكير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ. قَوْله: (فَهُوَ أَحَق) ، زَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فَهُوَ أَحَق بهَا) ، أَي: من غَيره، وَاحْتج بِهِ الشَّافِعِي وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد على أَنه لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى إِذن الإِمَام فِيمَا قرب وَفِيمَا بعد، وَعَن مَالك: فِيمَا قرب لَا بُد من إِذن الإِمَام وَإِن كَانَ فِي فيافي الْمُسلمين والصحارى وَحَيْثُ لَا يتشاح النَّاس فِيهِ فَهِيَ لَهُ بِغَيْر إِذْنه، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ لأحد أَن يحيي مواتاً إلَاّ بِإِذن الإِمَام فِيمَا بَعدت وَقربت، فَإِن أَحْيَاهُ بِغَيْر إِذْنه لم يملكهُ، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول مَكْحُول وَابْن سِيرِين وَابْن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ. وَاحْتج أَبُو حنيفَة بقوله، ﷺ : (لَا حمى إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ) فِي (الصَّحِيحَيْنِ) والحمى: مَا حمي من الأَرْض فَدلَّ أَن حكم الْأَرْضين إِلَى الْأَئِمَّة لَا إِلَى غَيرهم. فَإِن قلت: احْتج الطَّحَاوِيّ لِلْجُمْهُورِ مَعَ حَدِيث الْبَاب بِالْقِيَاسِ على مَاء الْبَحْر وَالنّهر، وَمَا يصاد من طير وحيوان، فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على أَن مَا أَخذه أَو صَاده ملكه، سَوَاء قرب أَو بعد، وَسَوَاء أذن الإِمَام أم لم يَأْذَن. قلت: هَذَا قِيَاس بالفارق، فَإِن الإِمَام لَا يجوز لَهُ تمْلِيك مَاء نهر لأحد، وَلَو ملك رجلا أَرضًا ملكه، وَلَو احْتَاجَ الإِمَام إِلَى بيعهَا فِي نَوَائِب الْمُسلمين جَازَ بَيْعه لَهَا، وَلَا يجوز ذَلِك فِي مَائِهِمْ وَلَا صيدهم وَلَا نهرهم، وَلَيْسَ للْإِمَام بيعهَا وَلَا تمليكها لأحد، وَإِن الإِمَام فِيهَا كَسَائِر النَّاس. وَاحْتج بَعضهم لأبي حنيفَة بِحَدِيث معَاذ يرفعهُ: (إِنَّمَا للمرء مَا طابت بِهِ نفس إِمَامه) . قلت: هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث بَقِيَّة عَن رجل لم يسمه عَن مَكْحُول عَنهُ، وَقَالَ: هَذَا مُنْقَطع فِيمَا بَين مَكْحُول وَمن فَوْقه، وَفِيه رجل مَجْهُول، وَلَا حجَّة فِي مثل هَذَا الْإِسْنَاد. فَإِن قلت: رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث عَمْرو بن وَاقد عَن مُوسَى بن يسَار عَن مَكْحُول عَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن معَاذ؟ قلت: قَالَ: عَمْرو مَتْرُوك بِاتِّفَاق. وَأجِيب: عَن أَحَادِيث الْبَاب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهَا: من أَحْيَاهَا على شَرَائِط الْإِحْيَاء فَهِيَ لَهُ، وَمن شَرَائِطه: تحظيرها، وَإِذن لَهُ فِي ذَلِك، وتمليكه إِيَّاهَا. وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَعَن الطَّحَاوِيّ: عَن مُحَمَّد بن عبيد الله بن سعيد أبي عون الثَّقَفِيّ الْأَعْوَر الْكُوفِي التَّابِعِيّ، قَالَ: خرج رجل من أهل الْبَصْرَة يُقَال لَهُ: أَبُو عبد الله إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِن بِأَرْض الْبَصْرَة أَرضًا لَا تضر بِأحد من الْمُسلمين وَلَيْسَ بِأَرْض خراج. فَإِن شِئْت أَن تقطعنيها اتخذها قضباً وَزَيْتُونًا! فَكتب عمر إِلَى أبي مُوسَى: إِن كَانَت حمى فاقطعها إِيَّاه، أفَلَا تَرى أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يَجْعَل لَهُ أَخذهَا وَلَا جعل لَهُ ملكهَا إلَاّ بإقطاع خَليفَة ذَلِك الرجل إِيَّاهَا وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ يَقُول لَهُ: وَمَا حَاجَتك إِلَى إقطاعي إياك تحميها وتعمرها فتملكها فَدلَّ ذَلِك أَن الْإِحْيَاء عِنْد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ مَا أذن الإِمَام فِيهِ للَّذي يَتَوَلَّاهُ ويملكه إِيَّاه. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد دلّ على ذَلِك أَيْضا مَا حَدثنَا بِهِ ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا أَزْهَر السمان عَن ابْن عون عَن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لنا رِقَاب الأَرْض، فَدلَّ ذَلِك على أَن رِقَاب الْأَرْضين كلهَا إِلَى أَئِمَّة الْمُسلمين، وَأَنَّهَا لَا تخرج من أَيْديهم إلَاّ بإخراجهم إِيَّاهَا إِلَى من رَأَوْا على حسن النّظر

стр. 3591

مِنْهُم للْمُسلمين إِلَى عمَارَة بِلَادهمْ، وصلاحها. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَهَذَا قَول أبي حنيفَة، وَبِه نَأْخُذ. قَالَ عُرْوَةُ قَضَىَ بِهِ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فِي خِلافَتِهِ أَي: قَالَ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام: قضى بالحكم الْمَذْكُور وَهُوَ أَن من: أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أَيَّام خِلَافَته، وَقد تقدم فِي أول الْ بَاب عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ. وَقد ذكرنَا أَن مَالِكًا وَصله، وَهَذَا قَوْله، وَالَّذِي رَوَاهُ عُرْوَة فعله، وَفِي (كتاب الْخراج) ليحيى بن آدم: من طَرِيق مُحَمَّد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ، قَالَ: كتب عمر بن الْخطاب: من أحيى مواتاً من الأَرْض فَهُوَ أَحَق بِهِ، وروى من وَجه آخر عَن عَمْرو بن شُعَيْب أَو غَيره: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: من عطل أَرضًا ثَلَاث سِنِين لم يعمرها فجَاء غَيره فعمرها فَهِيَ لَهُ، وَعنهُ قَالَ أَصْحَابنَا: إِنَّه إِذا حجر أَرضًا وَلم يعمرها ثَلَاث سِنِين أَخذهَا الإِمَام وَدفعهَا إِلَى غَيره، لِأَن التحجير لَيْسَ بإحياء ليتملكها بِهِ، لِأَن الإحيار هُوَ الْعِمَارَة، والتحجير للإعلام. وَذكر فِي (الْمُحِيط) أَنه يصير ملكا للمحجر، وَذكر خُوَاهَر زادة: أَن التحجير يُفِيد ملكا مؤقتاً إِلَى ثَلَاث سِنِين، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْأَصَح، وَأحمد. وَالْأَصْل عندنَا: أَن من أحيى مواتاً هَل يملك رقبَتهَا؟ قَالَ بَعضهم: لَا يملك رقبَتهَا، وَإِنَّمَا يملك استغلالها، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي قَول. وَعند عَامَّة الْمَشَايِخ، يملك رقبَتهَا، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَثَمَرَة الْخلاف فِيمَن أَحْيَاهَا ثمَّ تَركهَا فزرعها غَيره، فعلى قَول الْبَعْض: الثَّانِي أَحَق بهَا، وعَلى قَول الْعَامَّة الأول يَنْزِعهَا من الثَّانِي كمن أخرب دَاره أَو عطل بستانه وَتَركه حَتَّى مرت عَلَيْهِ سنُون، فَإِنَّهُ لَا يخرج عَن ملكه، وَلَكِن إِذا حجرها وَلم يعمرها ثَلَاث سِنِين يَأْخُذهَا الإِمَام كَمَا ذكرنَا، وَتَعْيِين الثَّلَاث بأثر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ عندنَا: يملكهُ الذِّمِّيّ بِالْإِحْيَاءِ كَالْمُسلمِ، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة: لَا يملكهُ فِي دَار الْإِسْلَام، وَسَوَاء فِي ذَلِك الْحَرْبِيّ وَالذِّمِّيّ والمستأمن، وَاسْتدلَّ الشَّافِعِي بِحَدِيث أسمر بن مُضرس، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَاسْتدلَّ أَصْحَابنَا بِعُمُوم الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب، وَحكى الرَّافِعِيّ عَن الْأُسْتَاذ أبي طَاهِر: أَن الذِّمِّيّ يملك بِالْإِحْيَاءِ إِذا كَانَ بِإِذن الإِمَام. ٦١ - (١٧٧ بابٌ) قد ذكرنَا غير مرّة أَن لَفْظَة بَاب، إِذا ذكرت مُجَرّدَة عَن التَّرْجَمَة تكون بِمَعْنى الْفَصْل من الْبَاب السَّابِق، وَلَيْسَ فِيهِ تَنْوِين، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بعد العقد والتركيب، أللهم إلَاّ إِذا قُلْنَا: هَذَا بَاب، فَيكون حِينَئِذٍ منوناً مَرْفُوعا على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. ٦٣٣٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرَ عنْ مُوسَى بنِ عقْبَةَ عنْ سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ أُرِيَ وهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الوَادِي فَقِيلَ لَهُ إنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ فَقَالَ موسَى وقَدْ أناخَ بِنا سالِمٌ بالمُناخِ الَّذِي كانَ عبدُ الله يُنِيخُ بِهِ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رسولِ الله ﷺ وهْوَ أسْفَلُ مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الوَادِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الطَّرِيقِ وسَطٌ مِنْ ذَلِكَ. وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب من حَيْثُ إِنَّه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن ذَا الحليفة لَا يملك بِالْإِحْيَاءِ لما فِيهِ من منع النَّاس النُّزُول فِيهِ، وَأَن الْموَات يجوز الِانْتِفَاع بِهِ، وَأَنه غير مَمْلُوك لأحد، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ فِي وَجه الْمُطَابقَة، وَقد تكلم الْمُهلب فِيهِ بِمَا لَا يجدي، ورد عَلَيْهِ ابْن بطال بِمَا لَا ينفع، وَجَاء آخر نصر الْمُهلب فِي ذَلِك، وَالْكل لَا يشفي العليل وَلَا يروي الغليل، فَلذَلِك تَرَكْنَاهُ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ العقيق وادٍ مبارك، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن أبي

стр. 3592

بكر عَن فُضَيْل بن سُلَيْمَان عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَى آخِره. وَأخرجه هُنَاكَ: عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر أبي إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ الْمُؤَدب الْمَدِينِيّ عَن مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمَدِينِيّ ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أرى) على بِنَاء الْمَجْهُول من الْمَاضِي من الإراءة، والمناخ بِضَم الْمِيم. قَوْله: (أَسْفَل) بِالرَّفْع وَالنّصب، والمعرس، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء الْمَفْتُوحَة: مَوضِع التَّعْرِيس، وَهُوَ النُّزُول فِي آخر اللَّيْل. ٧٣٣٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرَنا شُعَيْبُ بنُ إسْحَاقَ عنِ الأوْزَاعِيِّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ اللَّيْلَةَ أتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وهْوَ بالْعَقِيقِ أنْ صَلِّ فِي هذَا الوَادِي المُبَارَكِ وقُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ. (انْظُر الحَدِيث ٤٣٥١ وطرفه) . هَذَا أَيْضا مضى فِي كتاب الْحَج فِي الْبَاب الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن الْحميدِي عَن الْوَلِيد وَبشر بن بكر التنيسِي، قَالَا: حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ ... إِلَى آخِره، نَحوه وَهنا أخرجه: عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن رَاهَوَيْه عَن شُعَيْب بن إِسْحَاق الدِّمَشْقِي عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٧١ - (بابٌ إذَا قالَ رَبُّ الأرْضَ أُقِرُّكَ مَا أقَرَّكَ الله ولَمْ يَذْكُرْ أجَلاً مَعْلُوماً فَهُمَا علَى تَرَاضِيهِما) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ رب الأَرْض للمزارع: أقرك مَا أقرك الله، أَي مُدَّة إِقْرَار الله تَعَالَى إياك. قَوْله: (وَلم يذكر) ، أَي: وَالْحَال أَن رب الأَرْض لم يذكر أَََجَلًا مَعْلُوما، يَعْنِي: مُدَّة مَعْلُومَة. قَوْله: (فهما) ، أَي: رب الأَرْض والمزارع، (على تراضيهما) ، يَعْنِي: على مَا تَرَاضيا عَلَيْهِ. ٨٣٣٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ المقْدَامِ قَالَ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا موسَى قَالَ أخْبرَنا نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ وَقَالَ عبدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ حدَّثني موسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أجْلَى الْيَهُودَ والنَّصارَى مِنْ أرْضِ الحِجَازِ وكانَ رسولُ الله ﷺ لَمَّا ظَهَرَ علَى خَيْبَرَ أرَادَ إخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْها وكانَتِ الأرْضُ حِينَ ظَهَرَ علَيْها لله ولِرَسُولهِ ﷺ ولِلْمُسْلِمينَ وأرَادَ إخْرَاجَ اليَهُودِ مِنْها فَسأَلَتِ اليَهودُ رسولَ الله ﷺ لِيُقِرَّهُمْ بِها أنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا ولَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ فَقَالَ لَهُم رسولُ الله ﷺ نُقِرُّكُمْ بِها علَى ذَلِكَ مَا شِئْنا فقَرُّوا بِها حتَّى أجْلاهُمْ عُمَرُ إلَى تَيْمَاءَ وأرِيحاءَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نقركم بهَا على ذَلِك مَا شِئْنَا) . ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: أَحْمد بن الْمِقْدَام، بِكَسْر الْمِيم: ابْن سُلَيْمَان أَبُو الْأَشْعَث الْعجلِيّ. الثَّانِي: فُضَيْل مصغر فضل بن سُلَيْمَان النميري، مضى فِي الصَّلَاة. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر. السَّادِس: عبد الرَّزَّاق بن همام الْحِمْيَرِي. السَّابِع: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار

стр. 3593

بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه وفضيل ابْن سُلَيْمَان بصريان وَأَن مُوسَى بن عقبَة مدنِي. وَأَن عبد الرَّزَّاق يمامي وَأَن ابْن جريج مكي وَأَن نَافِعًا مدنِي. وَفِيه: أَنه أخرجه مَوْصُولا من طَرِيق فُضَيْل ومعلقاً من طَرِيق ابْن جريج، وَأَنه سَاقه على لفظ الرِّوَايَة الْمُعَلقَة. وَأخرج الْمُعَلق مُسْندًا فِي كتاب الْخمس، فَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن الْمِقْدَام حَدثنَا الفضيل بن سُلَيْمَان حَدثنَا مُوسَى بن عقبَة أَخْبرنِي نَافِع، وَطَرِيق ابْن جريج أخرجه مُسلم، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن رَافع وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أجْلَى) قَالَ الْهَرَوِيّ: جلا الْقَوْم عَن مواطنهم، وَأجلى بِمَعْنى وَاحِد، والإسم: الْجلاء والإجلاء، يُقَال: جلاء عَن الوطن يجلو جلا، وأجلي يجلي إجلاء: إِذا خرج مفارقاً، وجلوته أَنا وأجليته، وَكِلَاهُمَا لَازم ومتعد. قَوْله: (من أَرض الْحجاز) ، قَالَ الْوَاقِدِيّ: الْحجاز من الْمَدِينَة إِلَى تَبُوك، وَمن الْمَدِينَة إِلَى طَرِيق الْكُوفَة، وَمن وَرَاء ذَلِك إِلَى مَشَارِق أَرض الْبَصْرَة، فَهُوَ نجد. وَمَا بَين الْعرَاق وَبَين وجرة وَعمرَة الطَّائِف نجد، وَمَا كَانَ من وَرَاء وجرة إِلَى الْبَحْر فَهُوَ تهَامَة، وَمَا كَانَ بَين تهَامَة ونجد فَهُوَ حجاز، وَإِنَّمَا سمي حجازاً لِأَنَّهُ يحجز بَين تهَامَة ونجد. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْحجاز هُوَ مَكَّة وَالْمَدينَة واليمن ومخاليفها وعمارتها. قلت: لم أدر من أَيْن أَخذ الْكرْمَانِي أَن الْيمن من الْحجاز؟ نعم، هِيَ من جَزِيرَة الْعَرَب. قَالَ الْمَدِينِيّ: جَزِيرَة الْعَرَب خَمْسَة أَقسَام: تهَامَة ونجد وحجاز وعروض ويمن، وَلم يذكر أحد أَن الْيمن من أَرض الْحجاز. قَوْله: (وَكَانَ رَسُول الله ﷺ . .) ، إِلَى آخِره، مَوْصُولا لِابْنِ عمر. قَوْله: (لما ظهر) أَي: غلب. قَوْله: (لله وَلِرَسُولِهِ وللمسلمين) ، كَذَا فِي الْأُصُول، وَكَذَا عِنْد ابْن السكن عَن الْفربرِي، وَفِي رِوَايَة فُضَيْل بن سُلَيْمَان الَّتِي تَأتي: وَكَانَت الأَرْض لما ظهر عَلَيْهَا للْيَهُود وَلِلرَّسُولِ وللمسلمين، ووفق الْمُهلب بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن رِوَايَة ابْن جريج مَحْمُولَة على الْحَال الَّتِي آل إِلَيْهَا الْأَمر بعد الصُّلْح، وَرِوَايَة فُضَيْل مَحْمُولَة على الْحَال الَّتِي كَانَت قبل، وَذَلِكَ أَن خَيْبَر فتح بَعْضهَا صلحا وَبَعضهَا عنْوَة، فَالَّذِي فتح عنْوَة كَانَ جَمِيعه لله وَلِرَسُولِهِ وللمسلمين، وَالَّذِي فتح صلحا كَانَ للْيَهُود ثمَّ صَار للْمُسلمين بِعقد الصُّلْح. قَوْله: (ليقرهم) أَي: ليسكنهم. قَوْله: (أَن يكفوا بهَا) أَي: بِأَن يكفوا بهَا، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: لكفاية عمل نخيلاتها ومزارعها وَالْقِيَام بتعهدها وعمارتها، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن عبد الرَّزَّاق: أَن يقرهم بهَا على أَن يكفوا، أَي: على كفايتها. قَوْله: (على ذَلِك) أَي: على مَا ذكر من كِفَايَة الْعَمَل وَنصف الثَّمر لَهُم. قَوْله: (فقروا بهَا) ، بِفَتْح الْقَاف، أَي: سكنوا بهَا أَي: بِخَيْبَر، وَضَبطه بَعضهم بِضَم الْقَاف، وَله وَجه. قَوْله: (إِلَى تيماء وأريحاء) ، تيماء بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالمد: من أُمَّهَات الْقرى على الْبَحْر من بِلَاد طَيء، وَمِنْهَا يخرج إِلَى الشَّام. قَالَه ابْن قرقول، وَفِي (الْمغرب) ؛ تيماء مَوضِع قريب من الْمَدِينَة. وأريحاء، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا حاء مُهْملَة، وبالمد، وَيُقَال لَهَا: أُرِيح أَيْضا، وَهِي قَرْيَة بِالشَّام. قَالَه الْبكْرِيّ: سميت بأريحاء بن لمك بن أرفخشذ بن سَام بن نوح، ﵇. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْقُرْطُبِيّ: تمسك بعض أهل الظَّاهِر على جَوَاز الْمُسَاقَاة إِلَى أجل مَجْهُول بقوله: نقركم بهَا على ذَلِك مَا شِئْنَا، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء على: أَنَّهَا لَا تجوز إلَاّ لأجل مَعْلُوم، قَالُوا: وَهَذَا الْكَلَام كَانَ جَوَابا لما طلبُوا حِين أَرَادَ إخراجهم مِنْهَا، فَقَالُوا: نعمل فِيهَا وَلكم النّصْف ونكفيكم مؤونة الْعَمَل، فَلَمَّا فهمت الْمصلحَة أجابهم إِلَى الْإِبْقَاء وَوَقفه على مَشِيئَته، وَبعد ذَلِك عاملهم على الْمُسَاقَاة، وَقد دلّ على ذَلِك قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: عَامل رَسُول الله ﷺ أهل خَيْبَر على شطر مَا يخرج مِنْهَا، ففرد العقد بِالذكر دون ذكر الصُّلْح، وَزعم النَّوَوِيّ: أَن الْمُسَاقَاة جَازَت للنَّبِي ﷺ خَاصَّة فِي أول الْإِسْلَام، يَعْنِي: بِغَيْر أجل مَعْلُوم. قَالَ: وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا أطلقا الْمُسَاقَاة اقْتضى ذَلِك سنة وَاحِدَة، قَالَ ابْن بطال: وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن الْحسن. قلت: لَيْسَ هَذَا قَول مُحَمَّد بن الْحسن، وَهَذَا غلط، وَإِنَّمَا هُوَ قَول مُحَمَّد بن سَلمَة، فَإِنَّهُ قَالَ: تجوز الْمُزَارعَة بِلَا بَيَان الْمدَّة، فَكَذَلِك الْمُسَاقَاة تجوز لِأَنَّهَا كالمزارعة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَشرط بَيَان الْمدَّة فِي الْمُسَاقَاة لِأَنَّهَا كالمزارعة، وكل وَاحِد مِنْهُمَا كَالْإِجَارَةِ فَلَا يجوز إلَاّ بِبَيَان الْمدَّة، فَإِذا لم يبينا لم تجز، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، إلَاّ أَنه يَنْبَغِي أَن يكون أقل الْمدَّة مَا يُمكن إِدْرَاك الثَّمَرَة فِيهِ، وَبِه قَالَ أَحْمد. وَاخْتلفت أَقْوَال الشَّافِعِي فِي

стр. 3594

أَكثر مُدَّة الْإِجَارَة وَالْمُسَاقَاة، فَقَالَ فِي مَوضِع: سنة، وَقَالَ فِي مَوضِع: إِلَى ثَلَاثِينَ سنة. وَقَالَ ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) ؛ وَهَذَا تحكم. وَقَالَ فِي مَوضِع: إِلَى مَا شَاءَ وَبِه قَالَ أَحْمد. وَقَالَ أَصْحَابنَا فِي الِاسْتِحْسَان: إِذا لم يبين الْمدَّة يجوز، وَيَقَع على أول ثَمَر يخرج فِي تِلْكَ السّنة. فَإِن قلت: قد ذكرت الْآن: إِذا لم يبينا الْمدَّة لم يجز، وَهنا نقُول: يجوز؟ قلت: ذَاك قِيَاس وَهَذَا اسْتِحْسَان، وَيَقَع العقد على أول ثَمَرَة تخرج فِي تِلْكَ السّنة، لِأَن لإدراكها وقتا مَعْلُوما وَإِن تَأَخّر أَو تقدم، فَذَلِك يسير فَلَا يَقع بِسَبَبِهِ الْمُنَازعَة عَادَة، بِخِلَاف الزَّرْع فَإِنَّهُ لَا يجوز بِلَا ذكر الْمدَّة قِيَاسا واستحساناً، لِأَن ابتداءه يخْتَلف كثيرا خَرِيفًا وصيفاً وربيعاً، فَتَقَع الْجَهَالَة فِي الِابْتِدَاء والانتهاء بِنَاء عَلَيْهِ، وَلَو لم تخرج الثَّمَرَة فِي الْمُسَاقَاة فِي أول السّنة الَّتِي وَقع العقد فِيهَا بِدُونِ ذكر الْمدَّة تبطل الْمُسَاقَاة. وَفِي (التَّوْضِيح) : كل من أجَاز الْمُسَاقَاة فَإِنَّهُ أجازها إِلَى أجل مَعْلُوم، إلَاّ مَا ذكر ابْن الْمُنْذر عَن بَعضهم: أَنه يؤول الحَدِيث على جَوَازهَا بِغَيْر أجل، وأئمة الْفَتْوَى على خِلَافه، وَأَنَّهَا لَا تجوز إلَاّ بِأَجل مَعْلُوم. وَقَالَ مَالك: الْأَمر عندنَا فِي النّخل تساقي السنتين وَالثَّلَاث والأربع، والأقل وَالْأَكْثَر،، وأجازها أَصْحَابه فِي عشر سِنِين فَمَا دونهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فَإِن قيل: لم ينص ابْن عمر وَلَا غَيره على مُدَّة مَعْلُومَة مِمَّن روى هَذِه الْقِصَّة، فَمن أَيْن لكم اشْتِرَاط الْأَجَل؟ فَالْجَوَاب: أَن الْإِجْمَاع قد انْعَقَد على منع الْإِجَارَة المجهولة. وَأما قَوْله ﷺ : (أقركم مَا أقره الله) ، لَا يُوجب فَسَاد عقده، وَيُوجب فَسَاد عقد غَيره بعده، لِأَنَّهُ كَانَ ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي بتقرير الْأَحْكَام ونسخها، فَكَانَ بَقَاء حكمه مَوْقُوفا على تَقْرِير الله تَعَالَى لَهُ، فَإِذا شَرط ذَلِك فِي عقده لم يُوجب فَسَاده، وَلَيْسَ كَذَلِك صورته من غَيره، لِأَن الْأَحْكَام قد ثبتَتْ وتقررت. وَفِيه: مساقاته، ﷺ ، على نصف الثَّمر تَقْتَضِي عُمُوم الثَّمر، فَفِيهِ حجَّة لمن أجازها فِي الْأُصُول كلهَا، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَمَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز إلَاّ فِي النّخل وَالْكَرم خَاصَّة، وجوزها فِي الْقَدِيم فِي سَائِر الْأَشْجَار المثمرة. وَقَالَ أَصْحَابنَا: تجوز الْمُسَاقَاة فِي النّخل وَالشَّجر وَالْكَرم والرطاب وأصول الباذنجان، وَلم يجوز الشَّافِعِي قولا وَاحِدًا فِي الرطاب، وَقَالَ دَاوُد: لَا يجوز إلَاّ فِي النّخل خَاصَّة، وَعَن مَالك: جَوَاز الْمُسَاقَاة فِي المقاثي والبطيخ والباذنجان. وَفِيه: إجلاء عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْيَهُود من الْحجاز، لِأَنَّهُ لم يكن لَهُم عهد من النَّبِي، ﷺ ، على بقائهم فِي الْحجاز دَائِما، بل كَانَ ذَلِك مَوْقُوفا على مَشِيئَته، وَلما عهد، ﷺ ، عِنْد مَوته بإخراجهم من جَزِيرَة الْعَرَب، وانتهت النّوبَة إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجهم إِلَى تيماء وأريحاء بِالشَّام. ٨١ - (بابُ مَا كانَ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ يُوَاسي بَعْضُهُمْ بَعْضاً فِي الزِّرَاعَةِ والثَّمرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ، أَي: وجد، وَوَقع من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَوْله: (يواسي) ، من الْمُسَاوَاة وَهِي الْمُشَاركَة فِي شَيْء بِلَا مُقَابلَة مَال، وَهِي جملَة وَقعت حَالا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ . ٩٣٣٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ مُقاتِل قَالَ أخبرنَا عبدُ الله قَالَ أخبرنَا الأوْزَاعِيُّ عنْ أبِي النَّجاشِيِّ مَوْلَى رافِعِ بنِ خَدِيجٍ قَالَ سَمِعْتُ رَافِع بنَ خَديجِ بنِ رَافِعٍ عنْ عَمِّهِ ظهيرِ بنِ رافِعٍ قَالَ ظُهَيْرٌ لَقَدْ نَهانا رسولُ الله ﷺ عنْ أمْرٍ كانَ بِنا رافِقاً قُلْتُ مَا قَالَ رسولُ الله ﷺ فَهْوَ حَقٌّ قَالَ دَعانِي رسولُ الله ﷺ قَالَ مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ قلْتُ نُؤَاجِرُها علَى الرُّبعِ وعَلى الأوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ والشَّعِيرِ قَالَ لَا تَفْعَلُوا ازْرَعُوها أوْ أزْرِعُوها أوْ أمْسِكُوها قَالَ رَافِعٌ قُلْتُ سَمعاً وطَاعَةً. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو أزرِعوها) يَعْنِي: أعطوها لغيركم يَزْرَعهَا بِغَيْر أُجْرَة، وَهَذِه هِيَ الْمُوَاسَاة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع: أَبُو النَّجَاشِيّ، بِفَتْح النُّون وَتَخْفِيف الْجِيم وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء وتخفيفها: واسْمه عَطاء بن صُهَيْب، مولى رَافع بن خديج. الْخَامِس: هُوَ رَافع بن خديج، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره

стр. 3595

جِيم: ابْن رَافع الْأنْصَارِيّ. السَّادِس: ظهير، بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْهَاء مصغر ظهر ابْن رَافع الْأنْصَارِيّ، عَم رَافع بن خديج. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان وَالْأَوْزَاعِيّ شَامي والبقية مدنيون. وَفِيه: الْأَوْزَاعِيّ عَن أبي النَّجَاشِيّ عَطاء، وروى الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا، كَمَا فِي ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب، معنى الحَدِيث عَن عَطاء عَن جَابر، وَهُوَ عَطاء بن أبي رَبَاح، فَكَانَ الحَدِيث عِنْده عَن كل مِنْهُمَا بِسَنَدِهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من وَجه آخر إِلَى الْأَوْزَاعِيّ: حَدثنِي أَبُو النَّجَاشِيّ. وَفِيه: سَمِعت رَافع بن خديج. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر عَن الْأَوْزَاعِيّ: حَدثنِي أَبُو النَّجَاشِيّ: قَالَ: صَحِبت رَافع بن خديج سِتّ سِنِين ... ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن أبي مسْهر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُزَارعَة عَن هِشَام بن عمار عَن يحيى بن حَمْزَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن دُحَيْم عَن الْوَلِيد ابْن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لقد نَهَانَا) ، بَينه فِي آخر الحَدِيث بقوله: لَا تَفعلُوا فَإِنَّهُ نهى صَرِيحًا. قَوْله: (رافقاً) أَي: ذَا رفق، وانتصابه على أَنه خبر كَانَ، واسْمه الضَّمِير الَّذِي فِي كَانَ الَّذِي يرجع إِلَى قَوْله: أَمر، وَيجوز أَن يكون إِسْنَاد الرِّفْق إِلَى الْأَمر بطرِيق الْمجَاز. قَوْله: (بمحاقلكم) ، بمزارعكم، جمع محقل من الحقل، وَهُوَ الزَّرْع. قَوْله: (على الرّبع) ، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْبَاء وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: على الرّبيع، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْبَاء، وَهُوَ النَّهر الصَّغِير أَي: على الزَّرْع الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: على الرّبيع، بِالتَّصْغِيرِ. قَوْله: (وعَلى الأوسق) ، جمع وسق، وَكلمَة: الْوَاو، بِمَعْنى: أَو، أَي: أَو الرّبيع، وَكَذَا: الأوسق، وَيحْتَمل أَن يكون عَن مؤاجرة الأَرْض بِالثُّلثِ أَو الرّبع مَعَ اشْتِرَاط صَاحب الأَرْض أوسقاً من الشّعير وَنَحْوه. قَوْله: (ازرعوها) ، بِكَسْر الْهمزَة: أَمر من زرع يزرع يَعْنِي: ازرعوها بِأَنْفُسِكُمْ. قَوْله: (أَو أزرِعوها) ، بِفَتْح الْهمزَة من: الإزراع، يَعْنِي: أزرِعوها غَيْركُمْ، يَعْنِي أعطوها لغيركم يزرعونها بِلَا أُجْرَة، وَكلمَة: أَو، للتَّخْيِير لَا للشَّكّ. وَقيل: كلمة: أَو، بِمَعْنى الْوَاو. قلت: بل هُوَ تَخْيِير من رَسُول الله ﷺ بَين الْأُمُور الثَّلَاثَة: أَن يزرعوا بِأَنْفسِهِم، أَو يجعلوها مزرعة للْغَيْر مجَّانا، أَو يمسكوها معطلة. قَوْله: (سمعا وَطَاعَة) ، بِالنّصب وَالرَّفْع، قَالَه الْكرْمَانِي وَلم يبين وَجهه. قلت: أما النصب فعلى أَنه مصدر لفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: أسمع كلامك سمعا، وأطيعك طَاعَة. وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: كلامك أَو أَمرك سمع أَي مسموع، وَفِيه مُبَالغَة، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي: طَاعَة، أَي: أَمرك طَاعَة، يَعْنِي: مُطَاع، أَو: أَنْت مُطَاع فِيمَا تَأمره. وَاحْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور قوم، وكرهوا إِجَارَة الأَرْض بِجُزْء مِمَّا يخرج عَنْهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب ذكر مُجَردا عقيب: بَاب قطع الشّجر النخيل. ٠٤٣٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى قَالَ أخبرنَا الأوْزَاعِيُّ عنْ عَطاءٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانُوا يَزْرَعُونَها بالثُّلُثِ والرُّبُعِ والنِّصْفِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ منْ كانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أوْ لِيَمْنَحْها فإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أرْضَهُ. (الحَدِيث ٠٤٣٢ طرفه فِي: ٢٣٦٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو ليمنحها) فَإِن المنحة هِيَ الْمُوَاسَاة، وَعبيد الله بن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي الْكُوفِي، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِبَة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن الحكم بن مُوسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُزَارعَة عَن هِشَام بن عمار عَن يحيى بن حَمْزَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن دُحَيْم. قَوْله: (كَانُوا) ، أَي: الصَّحَابَة فِي عصر النَّبِي ﷺ . قَوْله: (بِالثُّلثِ وَالرّبع وَالنّصف) أَي: أَو الرّبع أَو النّصْف. وَكلمَة: الْوَاو فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى: أَو. قَوْله: (أَو ليمنحها) ، من: منح يمنح من بَاب فتح يفتح، إِذا أعْطى، ومنح يمنح من بَاب ضرب

стр. 3596

يضْرب، وَالِاسْم: المنحة، بِالْكَسْرِ وَهِي: الْعَطِيَّة، والمنيحة منحة اللَّبن كالناقة أَو الشَّاة تعطيها غَيْرك يحتلبها، ثمَّ يردهَا عَلَيْك، واستمنحه: طلب منحته، وروى مُسلم من حَدِيث مطر الْوراق عَن جَابر بِلَفْظ: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: من كَانَت لَهُ أَرض فليزرعها، فَإِن عجز عَنْهَا فليمنحها أَخَاهُ الْمُسلم وَلَا يؤاجرها. وَبِه احْتج أَيْضا من كره إِجَارَة الأَرْض بِالثُّلثِ أَو الرّبع وَنَحْوهمَا. ١٤٣٢ - وَقَالَ الرَّبِيعُ بنُ نافِعٍ أبُو تَوْبَةَ حَدثنَا مُعاوِيَةُ عنْ يَحْيَى عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ منْ كانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَزْرَعْها أوْ لِيَمْنَحْها أخاهُ فَإِن أَبى فَلْيُمْسِكْ أرْضَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق. الرّبيع خلاف الخريف ابْن نَافِع ضد الضار وَأَبُو تَوْبَة كنيته بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: الْحلَبِي الْحَافِظ الثِّقَة كَانَ يعد من الأبدال، مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ سكن طرسوس وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي الطَّلَاق، وَمُعَاوِيَة هُوَ ابْن سَلام، بتَشْديد اللَّام، مر فِي الْكُسُوف، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن حسن الْحلْوانِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي، كِلَاهُمَا عَن أبي تَوْبَة بِهِ. ٢٤٣٢ - حدَّثنا قَبِيصَةُ قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ ذَكَرْتُهُ لِطاوُوسٍ فَقَالَ يُزْرِعُ قَالَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عنْهُ ولَكِنْ قَالَ أنْ يَمْنَحَ أحَدُكُمْ أخاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَأخُذَ شَيْئاً مَعْلوماً. . قبيصَة، هُوَ بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عقبَة الْكُوفِي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. قَوْله: (ذكرته) أَي: قَالَ عَمْرو: ذكرت حَدِيث رَافع بن خديج الْمَذْكُور آنِفا لطاووس، وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي فِيهِ النَّهْي عَن كِرَاء الأَرْض. قَوْله: (فَقَالَ: يزرع) أَي: فَقَالَ طَاوُوس: يزرع، بِضَم الْيَاء من الإزراع يَعْنِي: يزرع غَيره. قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس) إِلَى آخِره، فِي معرض التَّعْلِيل من جِهَة طَاوُوس، يَعْنِي: لِأَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِن النَّبِي ﷺ لم ينْه عَنهُ، أَي: لم ينْه عَن الزَّرْع، يَعْنِي: لم يحرمه، وَصرح بذلك التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى الشَّيْبَانِيّ حَدثنَا شريك عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله ﷺ لم يحرم الْمُزَارعَة، وَلَكِن أَمر أَن يرفق بَعضهم بِبَعْض، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ: حَدِيث رَافع حَدِيث فِيهِ اضْطِرَاب، يرْوى هَذَا الحَدِيث عَن رَافع بن خديج عَن عمومته، وَرُوِيَ عَنهُ عَن ظهير بن رَافع وَهُوَ أحد عمومته، وَقد رُوِيَ عَنهُ هَذَا الحَدِيث على رِوَايَات مُخْتَلفَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَقد عقل ابْن عَبَّاس الْمَعْنى من الْخَبَر وَأَن لَيْسَ المُرَاد بِهِ تَحْرِيم الْمُزَارعَة بِشَطْر مَا يخرج من الأَرْض، فَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك أَن يتمانحوا أراضيهم وَأَن يرفق بَعضهم بَعْضًا. وَقد ذكر رَافع فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب النَّوْع الَّذِي حرم مِنْهَا، وَالْعلَّة من أجلهَا نهى عَنْهَا، وَذَلِكَ قَوْله: كَانَ النَّاس يؤاجرون على عهد النَّبِي ﷺ الماذيانات وإقبال الجداول وأسباع من الزَّرْع، فأعلمك فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْمنْهِي عَنهُ هُوَ الْمَجْهُول مِنْهُ دون الْمَعْلُوم، وَأَنه كَانَ من عَادَتهم أَن يشترطوا فِيهَا شُرُوطًا فَاسِدَة، وَأَن يستثنوا من الزَّرْع مَا على السواني والجداول، وَيكون خَاصّا لرب الأَرْض، والمزارعة وَحِصَّة الشَّرِيك لَا يجوز أَن تكون مَجْهُولَة، وَقد يسلم مَا على السواني والجداول وَيهْلك سَائِر الزَّرْع فَيبقى الْمزَارِع لَا شَيْء لَهُ، وَهَذَا خطر. قَوْله: (وَلَكِن قَالَ) ، أَي: ابْن عَبَّاس. قَوْله: (أَن يمنح أحدكُم) ، قد ذكرنَا وَجه هَذَا فِي لفظ: بَاب، الَّذِي ذكر مُجَردا عقيب: بَاب إِذا لم يشْتَرط السنين فِي الْمُزَارعَة، لِأَنَّهُ روى عَن ابْن عَبَّاس هُنَاكَ مثل هَذَا، وَقد أمعنا الْكَلَام فِيهِ. ٣٤٣٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى

стр. 3597

عَنْهُمَا كانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ على عَهْدِ النبيِّ ﷺ وَأبي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وصَدْراً مِنْ إمَارَةِ مُعاوِيَةَ. (الحَدِيث ٣٤٣٢ طرفه فِي: ٥٤٣٢) . ٤٤٣٢ - ثُمَّ حُدِّثَ عنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ فَذَهَبَ ابنُ عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ فذَهَبْتُ مَعَهُ فسَألَهُ فقالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ قدْ عَلِمْتَ أنَّا كنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنا علَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ بِما على الأرْبِعاءِ وبِشيْءٍ مِنَ التِّبْنِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من حَيْثُ إِن رَافع بن خديج لما روى النَّهْي عَن كِرَاء الْمزَارِع يلْزم مِنْهُ عَادَة أَن أَصْحَاب الأَرْض إِمَّا يزرعون بِأَنْفسِهِم أَو يمنحون بهَا لمن يزرع من غير بدل فَتحصل فِيهِ الْمُوَاسَاة، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَفِي بعض النّسخ هُوَ مَذْكُور باسم أَبِيه، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. قَوْله: (كَانَ يكْرِي) ، بِضَم الْيَاء من الإكراء. قَوْله: (أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان) ، أَي: وَفِي عهد أبي بكر وعهد عمر وعهد عُثْمَان، وَالْمرَاد أَيَّام خلافتهم. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يَذكر عَليّ بن أبي طَالب؟ قلت: لَعَلَّه لم يزرع فِي أَيَّامه، وَهَذَا أحسن من قَول بَعضهم، وَإِنَّمَا لم يذكر ابْن عمر عليا لِأَنَّهُ لم يبايعه لوُقُوع الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ، وَفِي الْقلب من هَذَا حزازة. قَوْله: (وصدراً) قَوْله: (من إِمَارَة مُعَاوِيَة) ، بِكَسْر الْهمزَة، قَالَ بَعضهم: أَي خِلَافَته. قلت: هَذَا التَّفْسِير لَيْسَ بِشَيْء، وَإِنَّمَا قَالَ: فِي إمارته، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُبَايع لمن لم يجْتَمع عَلَيْهِ النَّاس، وَمُعَاوِيَة لم يجْتَمع عَلَيْهِ النَّاس، وَلِهَذَا لم يُبَايع لِابْنِ الزبير وَلَا لعبد الْملك فِي حَال اخْتِلَافهمَا. قَوْله: (ثمَّ حدث) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: ثمَّ حدث ابْن عمر، أَي: أخبر عَن رَافع، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَحدث، بِفَتْح الْحَاء على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يكْرِي أرضه فَأَتَاهُ إِنْسَان فَأخْبرهُ عَن رَافع الحَدِيث. قَوْله: (فَذَهَبت مَعَه) ، الْقَائِل بِهَذَا نَافِع، أَي: ذهبت مَعَ ابْن عمر. قَوْله: (قد علمت) ، بِفَتْح التَّاء، خطاب لرافع. (على الْأَرْبَعَاء) جمع: ربيع، وَهُوَ النَّهر الصَّغِير، وروى الطَّحَاوِيّ بِمثلِهِ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ: حَدثنَا ربيع الجيزي، قَالَ: حَدثنَا حسان بن غَالب، قَالَ: حَدثنَا يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع، أَن رَافع بن خديج أخبر عبد الله بن عمر، وَهُوَ متكىء على يَدي: أَن عمومته جاؤوا إِلَى رَسُول الله ﷺ ثمَّ رجعُوا فَقَالُوا: إِن رَسُول الله ﷺ نهى عَن كِرَاء الْمزَارِع، فَقَالَ ابْن عمر: قد علمنَا أَنه كَانَ صَاحب مزرعة يكريها على عهد رَسُول الله ﷺ ، على أَن لَهُ مَا فِي ربيع السواقي الَّذِي تفجر مِنْهُ المَاء وَطَائِفَة من التِّبْن وَلَا أَدْرِي مَا هُوَ. انْتهى. حَاصِل حَدِيث ابْن عمر هَذَا أَنه يُنكر على رَافع إِطْلَاقه فِي النَّهْي عَن كِرَاء الْأَرَاضِي، وَيَقُول الَّذِي نَهَاهُ عَنهُ، ﷺ ، هُوَ الَّذِي كَانُوا يدْخلُونَ فِيهِ الشَّرْط الْفَاسِد، وَهُوَ أَنهم يشترطون مَا على الْأَرْبَعَاء وَطَائِفَة من التِّبْن، وَهُوَ مَجْهُول، وَقد يسلم هَذَا ويصيب غَيره آفَة أَو بِالْعَكْسِ، فَتَقَع الْمُنَازعَة فَيبقى الْمزَارِع أَو رب الأَرْض بِلَا شَيْء، وَأما النَّهْي عَن كِرَاء الأَرْض بِبَعْض مَا يخرج مِنْهَا إِذا كَانَ ثلثا أَو ربعا أَو مَا أشبه ذَلِك فَلم يثبت. ٥٤٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَن عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أَخْبرنِي سالِمٌ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كُنْتُ أعْلَمُ فِي عَهْدِ رسولِ الله ﷺ أنَّ الأرْضَ تُكْرَى ثُمَّ خَشِيَ عبدُ الله أنْ يَكُونَ النبيُّ ﷺ قَدْ أحْدَث فِي ذَلِكَ شَيْئا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ فتَرَكَ كِرَاءَ الأرْضِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٣٢) . ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث استظهاراً لحَدِيث رَافع مَعَ علمه بِأَن الأَرْض كَانَت تكرى على عهد النَّبِي ﷺ ، وَلكنه

стр. 3598

خشِي أَن يكون النَّبِي ﷺ قد أحدث فِي ذَلِك أَي: حكم بِمَا هُوَ نَاسخ لما كَانَ يُعلمهُ من جَوَاز ذَلِك، فَترك كِرَاء الأَرْض. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه مَوْصُولا، وأوله: أَن عبد الله كَانَ يكْرِي أرضه حَتَّى بلغه أَن رَافع بن خديج ينْهَى عَن كِرَاء الأَرْض فَلَقِيَهُ، فَقَالَ: يَا ابْن خديج! مَا هَذَا؟ قَالَ: سَمِعت عمي، وَكَانَا قد شَهدا بَدْرًا يحدثان أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن كِرَاء الأَرْض، فَقَالَ عبد الله: قد كنت أعلم فِي عهد رَسُول الله ﷺ أَن الأَرْض تكرى، ثمَّ خشِي عبد الله أَن يكون رَسُول الله ﷺ أحدث فِي ذَلِك شَيْئا لم يكن علمه، فَترك كِرَاء الأَرْض. وَقد احْتج بِهَذَا من كره إِجَارَة الأَرْض بِجُزْء مِمَّا يخرج مِنْهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. ٩١ - (بابُ كِرَاءِ الأرْضِ بالذَّهَبِ والْفِضَّةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم كِرَاء الأَرْض بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن كِرَاء الأَرْض بِالذَّهَب وَالْفِضَّة غير مَنْهِيّ عَنهُ، وَإِنَّمَا النَّهْي الَّذِي ورد عَن كِرَاء الأَرْض فِيمَا إِذا أكريت بِشَيْء مَجْهُول، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور، وَدلّ عَلَيْهِ أَيْضا حَدِيث الْبَاب، وَقد مر أَن طَائِفَة قَليلَة لم يجوزوا كِرَاء الأَرْض مُطلقًا. وَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ إنَّ أمْثَلَ مَا أنْتُمْ صانِعُونَ أنْ تَسْتَأْجِرُوا الأرْضَ الْبَيْضَاءَ مِنَ السَّنةِ إلَى السَّنَةِ هَذَا التَّعْلِيق وَصله وَكِيع فِي (مُصَنفه) عَن سُفْيَان عَن عبد الْكَرِيم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِن أمثل مَا أَنْتُم صانعون أَن تستأجروا الأَرْض الْبَيْضَاء بِالذَّهَب وَالْفِضَّة. قَوْله: (إِن أمثل) ، أَي: أفضل، وَفِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة حكى جَوَاز ذَلِك عَن سعد بن أبي وَقاص، وَسَعِيد بن الْمسيب وَابْن جُبَير وَسَالم وَعُرْوَة وَمُحَمّد بن مُسلم وَإِبْرَاهِيم وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد ابْن عَليّ بن الْحُسَيْن، وَحكي جَوَاز ذَلِك عَن رَافع مَرْفُوعا. وَفِي حَدِيث سعيد بن زيد: وأمرنا النَّبِي ﷺ أَن نكريها بِالذَّهَب وَالْوَرق، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع الصَّحَابَة على جَوَازه، وَقَالَ ابْن بطال: قد ثَبت عَن رَافع مَرْفُوعا أَن كِرَاء الأَرْض بالنقدين جَائِز، وَهُوَ خَاص يقْضِي على الْعَام الَّذِي فِيهِ النَّهْي عَن كِرَاء الأَرْض بِغَيْر اسْتثِْنَاء ذهب وَلَا فضَّة، وَالزَّائِد من الْأَخْبَار أولى أَن يُؤْخَذ بِهِ لِئَلَّا تتعارض الْأَخْبَار فَيسْقط شَيْء مِنْهَا. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا هناد حَدثنَا أَبُو بكر ابْن عَيَّاش عَن أبي حُصَيْن عَن مُجَاهِد عَن رَافع بن خديج، قَالَ: نَهَانَا رَسُول الله، ﷺ ، عَن أَمر كَانَ لنا نَافِعًا إِذا كَانَت لِأَحَدِنَا أَرض أَن نعطيها بِبَعْض خراجها أَو بِدَرَاهِم؟ وَقَالَ: إِذا كَانَت لأحدكم أَرض فليمنحها أَخَاهُ أَو ليزرعها. قلت: أَبُو بكر بن عَيَّاش فِيهِ مقَال، وَقَالَ النَّسَائِيّ: هُوَ مُرْسل، وَهُوَ كَمَا قَالَ: فَإِن مُجَاهدًا لم يسمعهُ من رَافع، سقط بَينهمَا ابْن لرافع ابْن خديج كَمَا رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) من رِوَايَة عَمْرو بن دِينَار أَن مُجَاهدًا قَالَ لطاووس: انْطلق بِنَا إِلَى ابْن رَافع بن خديج فاسمع مِنْهُ الحَدِيث عَن أَبِيه، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبد الْكَرِيم الْجَزرِي عَن مُجَاهِد، قَالَ: أخذت بيد طَاوُوس حَتَّى أدخلته على ابْن رَافع بن خديج فحدثه عَن أَبِيه، قَالَ شَيخنَا: وَيحْتَمل أَن الَّذِي سقط بَينهمَا أسيد بن ظهير ابْن أخي رَافع، فقد رَوَاهُ كَذَلِك أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن أسيد بن ظهير عَنهُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة سعيد بن عبد الرَّحْمَن عَن مُجَاهِد عَن أسيد بن أبي رَافع. ٧٤٣٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ خَالِدٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيثُ عَن رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبدِ الرَّحْمان عنْ حَنْظَلَةَ ابنِ قَيْسٍ عنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قَالَ حدَّثنِي عَمَّايَ أنَّهُمْ كانُوا يُكْرُونَ الأرْضَ على عَهْدِ النبيِّ ﷺ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأرْبِعَاءِ أوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صاحبُ الأرْضِ فنَهَى النبيُّ ﷺ عنْ ذَلِكَ فقُلْتُ لِرَافِعٍ فَكَيْفَ هِيَ بالدِّينَارِ والدِّرْهَمِ فَقَالَ رَافِعٌ لَيْسَ بِها بأسٌ بالدِّينارِ والدِّرْهَمِ. (الحَدِيث ٧٤٣٢ طرفه فِي: ٣١٠٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقَالَ رَافع: لَيْسَ بهَا) إِلَى آخِره. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن خَالِد بن فروخ. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: ربيعَة، بِفَتْح الرَّاء: ابْن أبي عبد الرَّحْمَن، واسْمه: فروخ، مولى الْمُنْكَدر بن عبد الله،

стр. 3599

ويكنى: أَبَا عُثْمَان، وَهُوَ الَّذِي يُسمى: ربيعَة الرَّأْي. الرَّابِع: حَنْظَلَة بن قيس الزرقي الْأنْصَارِيّ. الْخَامِس: رَافع بن خديج. السَّادِس وَالسَّابِع: عماه، فأحدهما، ظهير، وَالْآخر قَالَ الكلاباذي: لم أَقف على اسْمه. وَقيل: اسْمه مظهر، بِضَم الْمِيم وَفتح الظَّاء وَتَشْديد الْهَاء الْمَكْسُورَة، كَذَا ضَبطه عبد الْغَنِيّ وَابْن مَاكُولَا، وَقيل: اسْمه مهير، كَذَا ذكره فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) لِلْبَغوِيِّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه حراني جزري سكن مصر، وَمَات بهَا سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَن اللَّيْث مصري، والبقية مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما ربيعَة وحَنْظَلَة. وَفِيه: رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صحابيين. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على الْأَرْبَعَاء) ، قد مر عَن قريب أَنه جمع: الرّبيع، وَهُوَ النَّهر الصَّغِير. قَوْله: (يستثنيه صَاحب الأَرْض) ، كاستثناء الثُّلُث أَو الرّبع من المزروع لصَاحب الأَرْض. قَوْله: (فَقلت لرافع) الْقَائِل هُوَ حَنْظَلَة بن قيس. قَوْله: (كَيفَ هِيَ) ، ويروى: (فَكيف هِيَ) ، بِالْفَاءِ أَي: كَيفَ الْمُزَارعَة، يَعْنِي: كَيفَ حكمهَا بالدينار وَالدِّرْهَم؟ قَوْله: (فَقَالَ رَافع) إِلَى آخِره، فَقَوْل رَافع يحْتَمل أَن يكون بِاجْتِهَاد مِنْهُ، وَيحْتَمل أَن يكون علم ذَلِك بطرِيق التَّنْصِيص على جَوَازه، أوعلم أَن جَوَاز الْكِرَاء بالدينار وَالدِّرْهَم غير دَاخل فِي النَّهْي عَن كِرَاء الأَرْض بِجُزْء مِمَّا يخرج مِنْهَا، وَمِمَّا يدل على كَون مَا قَالَه مَرْفُوعا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَن رَافع بن خديج، قَالَ: (نهى رَسُول الله، ﷺ ، عَن المحاقلة والمزابنة وَقَالَ: إِنَّمَا يزرع ثَلَاثَة: رجل لَهُ أَرض، وَرجل منح أَرضًا، وَرجل أَكْرِي أَرضًا بِذَهَب أَو فضَّة) . وَفِيه نظر، لِأَن النَّسَائِيّ قَالَ بعد أَن رَوَاهُ: إِن الْمَرْفُوع مِنْهُ النَّهْي عَن المحاقلة والمزابنة، وَإِن بَقِيَّته مدرجة من كَلَام سعيد بن الْمسيب. وَقَالَ اللَّيْثُ أراهُ وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الفَهْمِ بالحَلالِ والحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ المُخَاطَرَةِ وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول إِلَى اللَّيْث، ﵀ أَي: قَالَ اللَّيْث بن سعد: أرَاهُ أَي: أَظُنهُ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب يرجع إِلَى شَيْخه ربيعَة الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث، وَمعنى: أَظُنهُ أَنه لم يجْزم بِرِوَايَة شَيْخه لَهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر هُنَا: قَالَ أَبُو عبد الله، من هَهُنَا قَالَ أَبُو اللَّيْث: أرَاهُ، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (ذَوُو الْفَهم بالحلال وَالْحرَام لم يجيزوه) ، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَابْن شبويه: (ذُو الْفَهم) ، بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَا وَقع: لم يجزه، بِالْإِفْرَادِ، قَوْله: (لما فِيهِ من المخاطرة) ، وَهِي الإشراف على الْهَلَاك، ثمَّ اخْتلفُوا فِي هَذَا النَّقْل عَن اللَّيْث: هَل هُوَ فِي نفس الحَدِيث أم مدرج، فَعِنْدَ النَّسَفِيّ وَابْن شبويه: مدرج، وَلِهَذَا سقط هَذَا عِنْدهمَا، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الظَّاهِر من السِّيَاق أَنه من كَلَام رَافع، وَقَالَ التوربشتي شَارِح (المصابيح) لم يتَبَيَّن لي أَن هَذِه الزِّيَادَة من قَول بعض الروَاة، أَو من قَول البُخَارِيّ، وَقيل: أَكثر الطّرق فِي البُخَارِيّ تبين أنَّها من كَلَام اللَّيْث وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. (بابٌ) كَذَا وَقع لفظ: بَاب، مُجَردا عَن التَّرْجَمَة عِنْد جَمِيع الروَاة، وَهُوَ كالفصل من الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ غير منون، لِأَن التَّنْوِين عَلامَة الْإِعْرَاب، وَالْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بعد العقد والتركيب، أللهم إلَاّ إِذا قُلْنَا: تَقْدِيره: هَذَا بَاب، فَيكون حِينَئِذٍ معرباً على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. ٨٤٣٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنَانٍ قَالَ حدَّثنا فُلَيْحٌ قَالَ حدَّثنا هِلالٌ ح وحدَّثنا عَبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا أَبُو عامِرٍ قَالَ حَدثنَا فلَيْحٌ عنْ هِلَالِ بنِ عَلِيٍّ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَوماً يُحَدِّثُ وعِنْدَهُ رجُلٌ مِنْ أهْلِ البَادِيَةِ أنَّ رَجُلاً مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ

стр. 3600

اسْتأذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ ألَسْتَ فِيما شِئْتَ قَالَ بَلى ولَكِنِّي أحِبُّ أنْ أزْرَعَ قَالَ فَبَذَرَ فبَادَرَ الطَّرْفَ نباتُهُ واسْتوَاؤُهُ واسْتِحْصَادُهُ فكَانَ أمْثال الجِبالِ فيَقُولُ الله تَعَالَى دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فإنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شيءٌ فَقَالَ الأعْرَابِيُّ وَالله لَا تَجِدُهُ إلَاّ قُرَشِيَّاً أوْ أنْصَاريَّاً فإنَّهُمْ أصْحابُ زَرْعٍ وأمَّا نَحْنُ فلَسْنَا بأصْحَابِ زَرْعٍ فضَحِكَ النبيُّ ﷺ . (الحَدِيث ٨٤٣٢ طرفه فِي: ٩١٥٧) . وَجه إِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب يُمكن أَن يكون فِي قَوْله: فَإِنَّهُم أَصْحَاب زرع مَعَ التَّنْبِيه على أَن أَحَادِيث النَّهْي عَن كِرَاء الأَرْض إِنَّمَا هُوَ نهي تَنْزِيه لَا نهي تَحْرِيم، لِأَن الزَّرْع لَو لم يكن من الْأُمُور الَّتِي يحرض فِيهَا بالاستمرار عَلَيْهِ لما تمنى الرجل الْمَذْكُور فِيهِ الزَّرْع فِي الْجنَّة مَعَ عدم الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ فِيهَا. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: مُحَمَّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَفِي آخِره نون أَيْضا، وَقد تقدم فِي أول الْعلم. الثَّانِي: فليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان، وَقد تقدم فِي أول الْعلم. الثَّالِث: هِلَال بن عَليّ، وَهُوَ هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، وَيُقَال: هِلَال بن أبي، وَيُقَال: هِلَال بن أُسَامَة. الرَّابِع: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْمَعْرُوف بالمسندي. الْخَامِس: أَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو بن قيس الْعَقدي. السَّادِس: عَطاء بن يسَار ضد الْيَمين تقدم فِي الْإِيمَان. السَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن فليحاً وهلالاً وَعَطَاء مدنيون، وَأَن عبد الْملك بَصرِي وَأَن شَيْخه عبد الله بن مُحَمَّد البُخَارِيّ، وَأَنه من أَفْرَاده، وَكَذَلِكَ مُحَمَّد بن سِنَان من أَفْرَاده. وَفِيه: أَنه سَاق الحَدِيث على لفظ الْإِسْنَاد الثَّانِي، وَفِي كتاب التَّوْحِيد على لفظ مُحَمَّد بن سِنَان. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُحَمَّد بن سِنَان وَهُوَ من أَفْرَاده. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَعِنْده رجل) ، جملَة حَالية. قَوْله: (من أهل الْبَادِيَة) ، وَفِي رِوَايَة: من أهل البدو، وهما من غير همز، لِأَنَّهُ من: بدا الرجل يَبْدُو، إِذا خرج إِلَى الْبَادِيَة، وَالِاسْم: البداوة، بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور، وَحكى: بَدَأَ بِالْهَمْز يبْدَأ، وَهُوَ قَلِيل. قَوْله: (أَن رجلا) ، بِفَتْح همزَة: أَن، لِأَنَّهُ فِي مَحل المفعولية. قَوْله: (اسْتَأْذن ربه فِي الزَّرْع) أَي: فِي مُبَاشرَة الزَّرْع، يَعْنِي: سَأَلَ الله تَعَالَى أَن يزرع. قَوْله: (أَلَسْت فِيمَا شِئْت؟) وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن سِنَان: أولست فِيمَا شِئْت، بِزِيَادَة الْوَاو، وَمعنى هَذَا اسْتِفْهَام على سَبِيل التَّقْرِير، يَعْنِي: أولست كَائِنا فِيمَا شِئْت من التشهيات، قَالَ: بلَى، الْأَمر كَذَلِك، وَلَكِن أحب الزَّرْع. قَوْله: (فبذر) ، يَعْنِي ألقِي الْبذر، وَفِيه حذف تَقْدِيره: فَأذن لَهُ بالزرع فَعِنْدَ ذَلِك قَامَ وَرمى الْبذر على أَرض الْجنَّة فنبت فِي الْحَال واستوى، وَأدْركَ حَصَاده فَكَانَ كل حَبَّة مثل الْحَبل. قَوْله: (فبادر) ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن سِنَان: فأسرع فتبادر. قَوْله: (الطّرف) ، مَنْصُوب بقوله: فبادر، و: نَبَاته، بِالرَّفْع فَاعله. قَالَ ابْن قرقول: الطّرف: بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون الرَّاء: هُوَ امتداد لحظ الْإِنْسَان حَيْثُ أدْرك. وَقيل: طرف الْعين، أَي: حركتها، أَي: تحرّك أجفانها. قَوْله: (واستحصاده) ، من الحصد، وَهُوَ قلع الزَّرْع، وَالْمعْنَى: أَنه لما بزر لم يكن بَين ذَلِك وَبَين اسْتِوَاء الزَّرْع ونجاز أمره كُله من الْقلع والحصد والتذرية وَالْجمع إلَاّ قدر لمحة الْبَصَر. قَوْله: (دُونك) ، بِالنّصب على الإغراء، أَي: خُذْهُ. قَوْله: (فَإِنَّهُ) ، أَي: فَإِن الشَّأْن لَا يشبعك شَيْء، من الإشباع، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن سِنَان: لَا يسعك، بِفَتْح الْيَاء وَالسِّين الْمُهْملَة وَضم الْعين، وَله معنى صَحِيح. قَوْله: (فَقَالَ الْأَعرَابِي) ، هُوَ ذَلِك الرجل الَّذِي كَانَ عِنْده من أهل الْبَادِيَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن فِي الْجنَّة يُوجد كل مَا تشْتَهي الْأَنْفس من أَعمال الدُّنْيَا ولذاتها، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وفيهَا مَا تشتهيه الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين﴾ (الزخرف: ١٧) . وَفِيه: أَن من لزم طَريقَة أَو حَالَة من الْخَيْر أَو الشَّرّ أَنه يجوز وَصفه بهَا وَلَا حرج على واصفه. وَفِيه: مَا جبل الله نفوس بني آدم عَلَيْهِ من الاستكثار وَالرَّغْبَة فِي مَتَاع الدُّنْيَا إلَاّ أَن الله تَعَالَى أغْنى أهل الْجنَّة عَن نصب الدُّنْيَا وتعبها. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى فضل القناعة وذم الشره. وَفِيه: الْإِخْبَار عَن الْأَمر الْمُحَقق الْآتِي بِلَفْظ الْمَاضِي، فَافْهَم.

стр. 3601

١٢ - (بابُ مَا جاءَ فِي الْغَرْسِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَا جَاءَ فِي غرس مَا يغْرس من أصُول النباتات. ٩٤٣٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا يَعْقوبُ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ قالَ إنَّا كُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ كانَتْ لَنا عَجُوزٌ تأخُذُ مِنْ أصُولِ سِلْقٍ لَنا كُنَّا نَغرُسُهُ فِي أرْبِعَائِنَا فتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ لَا أعْلَمُ إلَاّ أنَّهُ قَالَ لَيسَ فِيهِ شَحْمٌ ولَا ودَكٌ فإذَا صلَّيْنَا الجُمُعَةُ زُرْنَاهَا فقَرَّبَتْهُ إلَيْنَا فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ مِنْ أجْلِ ذَلِكَ وَمَا كُنَّا نتَغَدَّى ولَا نَقِيلُ إلَاّ بَعْدَ الجُمُعَةِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: كُنَّا نغرسه فِي أربعائنا، وإدخاله هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْمُزَارعَة من حَيْثُ إِن الْغَرْس وَالزَّرْع من بَاب وَاحِد، وَقد مضى الحَدِيث فِي آخر الْجُمُعَة فِي: بَاب قَول الله : ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله﴾ (الْجُمُعَة: ٠١) . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مقطعاً بطريقين، وَفِيهِمَا اخْتِلَاف بِبَعْض زِيَادَة ونقصان. الطَّرِيق الأول: عَن سعيد ابْن أبي مَرْيَم عَن أبي غَسَّان عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد. وَالثَّانِي: عَن عبد الله بن مسلمة عَن ابْن أبي حَازِم عَن سهل، وَهَهُنَا أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقَارِي من قارة، حَيّ من الْعَرَب، أَصله مدنِي سكن الاسكندرية، عَن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج الْمدنِي، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فِي أربعائنا) ، قد مر عَن قريب أَن الْأَرْبَعَاء جمع: ربيع، وَهُوَ النَّهر الصَّغِير، وَمَعْنَاهُ كُنَّا نغرسه على الْأَنْهَار والسلق، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة: والودك، بِفتْحَتَيْنِ، دسم اللَّحْم. قَوْله: (لَا أعلم إِلَّا أَنه قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَحم وَلَا ودك) ، من قَول يَعْقُوب الرَّاوِي. ٠٥٣٢ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ يَقُولُونَ إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ وَالله المَوْعِدُ ويَقولُونَ مَا لِلْمُهَاجرينَ والأنْصارَ لَا يُحدِّثونَ مِثْلَ أحادِيثِهِ وإنَّ إخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بالأسْوَاقِ وإنَّ إخْوَتِي مِنَ الأنْصَارِ كانَ يَشْغَلهمْ عَمَلُ أمْوَالِهِمْ وكُنْتُ امْرَءًا مِسْكِيناً ألْزَمُ رسولَ الله ﷺ عَلَى ملءِ بَطْنِي فأحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ وأعِي حِينَ يَنْسَوْنَ وَقَالَ النبيُّ ﷺ يَوْماً لَنْ يَبْسُطَ أحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أقْضِي مقَالَتي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ إلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئاً أبدا فبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُها حتَّى قَضَى النبيُّ ﷺ مقَالَتَهُ ثُمَّ جَمَعْتُها إلَى صَدْرِي فَوالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقالَتِهِ تِلْكَ إلَى يَوْمِي هَذا وَالله لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتابِ الله مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئاً أبَداً ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قوْلِه: ﴿الرَّحِيمُ﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥١) . . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِن إخْوَانِي من الْأَنْصَار كَانَ يشغلهم عمل أَمْوَالهم) ، فَإِن المُرَاد من ذَلِك عَمَلهم فِي الْأَرَاضِي

стр. 3602

بالزراعة وَالْغَرْس، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب حفظ الْعلم، أخصر من ذَلِك، فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَهنا أخرجه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل ابْن أبي سَلمَة الْمنْقري الْبَصْرِيّ الْمدنِي: يُقَال لَهُ: التَّبُوذَكِي وَقد تكَرر ذكره عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف أبي إِسْحَاق الزُّهْرِيّ الْقرشِي الْمَدِينِيّ، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَالله الْموعد) ، إِمَّا مصدر ميمي، وَإِمَّا اسْم زمَان، أَو اسْم مَكَان، وعَلى كل تَقْدِير لَا يَصح أَن يخبر بِهِ عَن الله تَعَالَى، وَلَكِن لَا بُد من إِضْمَار تَقْدِيره فِي كَونه مصدرا. وَالله هُوَ الواعد، وَإِطْلَاق الْمصدر على الْفَاعِل للْمُبَالَغَة، يَعْنِي: الواعد فِي فعله بِالْخَيرِ وَالشَّر، والوعد يسْتَعْمل فِي الْخَيْر وَالشَّر، يُقَال: وعدته خيرا ووعدته شرا، فَإِذا أسقط الْخَيْر وَالشَّر يُقَال فِي الْخَيْر: الْوَعْد وَالْعدة، وَفِي الشَّرّ: الإيعاد والوعيد. وَتَقْدِيره فِي كَونه اسْم زمَان، و: عِنْد الله الْموعد يَوْم الْقِيَامَة وَتَقْدِيره فِي كَونه اسْم مَكَان، و: عِنْد الله الْموعد فِي الْحَشْر، وَحَاصِل الْمَعْنى على كل تَقْدِير: فَالله تَعَالَى يحاسبني إِن تَعَمّدت كذبا، وَيُحَاسب من ظن بِي ظن السوء. قَوْله: (عمل أَمْوَالهم) ، أَي: الزَّرْع وَالْغَرْس. قَوْله: (على ملْء بَطْني) ، بِكَسْر الْمِيم. قَوْله: (وأعي) ، أَي: أحفظ من: وعى يعي وعياً إِذا حفظ، وَفهم. وَأَنا واعٍ، وَالْأَمر مِنْهُ: عِ أَي: إحفظ. قَوْله: (ثمَّ يجمعه) ، بِالنّصب عطفا على قَوْله: لن يبسط، وَكَذَا قَوْله: فينسى، وَالْمعْنَى: إِن الْبسط الْمَذْكُور وَالنِّسْيَان لَا يَجْتَمِعَانِ، لِأَن الْبسط الَّذِي بعده الْجمع المتعقب للنسيان منفي، فَعِنْدَ وجود الْبسط يَنْعَدِم النسْيَان، وَبِالْعَكْسِ فَافْهَم. قَوْله: (نمرة) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم: وَهِي بردة من صوف يلبسهَا الْأَعْرَاب، وَالْمرَاد: بسط بَعْضهَا لِئَلَّا يلْزم كشف الْعَوْرَة. قَوْله: (فوالذي بَعثه بِالْحَقِّ) أَي: فَحق الله الَّذِي بعث مُحَمَّدًا ﷺ . قَوْله: ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥١، ٠٦١) . هَذِه آيتان فِي سُورَة الْبَقَرَة ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلَاّ الَّذِي تَابُوا وَأَصْلحُوا وبينوا فَأُولَئِك أَتُوب عَلَيْهِم وَأَنا التواب الرَّحِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥١، ٠٦١) . هَذَا وَعِيد شَدِيد لمن كتم مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل من الدلالات الْبَيِّنَة الصَّحِيحَة، وَالْهَدْي النافع للقلوب من بعد مَا بَينه الله لِعِبَادِهِ فِي كتبه الَّتِي أنزلهَا على رسله، قَالَ ابْن عَبَّاس: نزلت فِي رُؤَسَاء الْيَهُود: كَعْب بن الْأَشْرَف وَكَعب بن أسيد وَمَالك بن الضَّيْف وَغَيرهم، كَانُوا يتمنون أَن يكون النَّبِي مِنْهُم، فَلَمَّا بعث مُحَمَّد ﷺ خَافُوا أَن تذْهب مأكلتهم من السفلة، فعمدوا إِلَى صفة النَّبِي ﷺ فغيروها فِي كِتَابهمْ ثمَّ أخرجوها إِلَيْهِم، فَقَالُوا: هَذَا نعت النَّبِي الَّذِي يبْعَث فِي آخر الزَّمَان، وَهُوَ لَا يشبه نعت النَّبِي الَّذِي بِمَكَّة، فَلَمَّا تطرق السلفة إِلَى صفة النَّبِي من الَّتِي غيروها جحدوه لأَنهم وجدوه مُخَالفا، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يكتمون﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥١، ٠٦١) . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: نزلت فِي أهل الْكتاب كتموا صفة مُحَمَّد ﷺ ثمَّ أخبر أَنهم يلعنهم كل شَيْء على صنيعهم ذَلِك، ولعنة الله على عباده عبارَة عَن طرده إيَّاهُم وإبعاده، ولعنة اللاعنين عبارَة عَن دُعَائِهِمْ باللعن قَوْله: ﴿اللاعنون﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥١، ٠٦١) . جمع: لَاعن، يَعْنِي: دَوَاب الأَرْض، هَكَذَا قَالَ الْبَراء بن عَازِب، وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: اللاعنون كل دَابَّة وَالْجِنّ وَالْإِنْس، وَقَالَ مُجَاهِد: إِذا أجدبت الأَرْض قَالَت الْبَهَائِم: هَذَا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم. وَقَالَ قَتَادَة وَأَبُو الْعَالِيَة وَالربيع بن أنس: ﴿يلعنهم اللاعنون﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥١، ٠٦١) . يَعْنِي: يلعنهم مَلَائِكَة الله والمؤمنون، ثمَّ اسْتثْنى الله تَعَالَى من هَؤُلَاءِ من تَابَ إِلَيْهِ بقوله: ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥١، ٠٦١) . الْآيَة. وَفِيه: دلَالَة على أَن الداعية إِلَى كفر أَو بِدعَة إِذا تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿وبينوا﴾ أَي: رجعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ وَأَصْلحُوا أَحْوَالهم وأعمالهم، وبينوا للنَّاس مَا كَانُوا كتموه. وَقد ورد أَن الْأُمَم السالفة لم تكن تقبل التَّوْبَة من مثل هَؤُلَاءِ، وَلَكِن هَذَا من شَرِيعَة نَبِي التَّوْبَة وَنَبِي الرَّحْمَة ﷺ . ٢٤ - (كِتابُ المساقاةِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْمُسَاقَاة، وَلم يَقع لفظ: كتاب الْمُسَاقَاة فِي كثير من النّسخ، وَوَقع فِي بعض النّسخ: كتاب الشّرْب، وَوَقع لأبي ذَر التَّسْمِيَة، ثمَّ قَوْله: فِي الشّرْب، ثمَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ أَفلا يُؤمنُونَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٣) .

стр. 3603

وَقَوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم المَاء الَّذِي تشربون﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٦) . إِلَى قَوْله: ﴿فلولا تشكرون﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٦) . وَوَقع فِي بعض النّسخ: بَاب فِي الشّرْب، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ أَفلا يُؤمنُونَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٣) . وَقَوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم المَاء الَّذِي تشربون﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٦) . إِلَى قَوْله: ﴿فلولا تشكرون﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٦) . وَوَقع فِي شرح ابْن بطال: كتاب المياة خَاصَّة، وَأثبت النَّسَفِيّ لفظ: بَاب خَاصَّة. أما الْمُسَاقَاة فَهِيَ: الْمُعَامَلَة بلغَة أهل المدنية، ومفهومها اللّغَوِيّ هُوَ الشَّرْعِيّ، وَهِي معاقدة دفع الْأَشْجَار والكروم إِلَى من يقوم بإصلاحهما، على أَن يكون لَهُ سهم مَعْلُوم من ثَمَرهَا، وَلأَهل الْمَدِينَة لُغَات يختصون بهَا، كَمَا قَالُوا للمساقاة: مُعَاملَة، وللمزارعة: مخابرة، وللإجارة: بيع، وللمضاربة: مقارضة، وللصلاة: سَجْدَة. فَإِن قلت: المفاعلة تكون بَين اثْنَيْنِ، وَهنا لَيْسَ كَذَلِك. قلت: هَذَا لَيْسَ بِلَازِم، وَهَذَا كَمَا فِي قَوْله: قَاتله الله، يَعْنِي: قَتله الله، وسافر فلَان، بِمَعْنى: سفر، أَو لِأَن العقد على السَّقْي صدر من اثْنَيْنِ، كَمَا فِي الْمُزَارعَة، أَو من بَاب التغليب، وَأما الشّرْب، فبكسر الشين الْمُعْجَمَة: النَّصِيب والحظ من المَاء، يُقَال: كم شرب أَرْضك، وَفِي الْمثل آخرهَا: شربا أقلهَا شرباً، وَأَصله فِي سقِِي المَاء، لِأَن آخر الْإِبِل يرد وَقد نزف الْحَوْض، وَقد سمع الْكسَائي عَن الْعَرَب أقلهَا شرباً على الْوُجُوه الثَّلَاثَة، يَعْنِي الْفَتْح وَالضَّم وَالْكَسْر، وسمعهم أَيْضا يَقُولُونَ: أعذب الله شربكم، بِالْكَسْرِ، أَي: ماءكم. وَقيل: الشّرْب أَيْضا وَقت الشّرْب، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الشّرْب، بِالْفَتْح الْمصدر وبالضم وَالْكَسْر، يُقَال: شرب شرباً وشرباً وشرباً، وقريء: فشاربون شرب الهيم بالوجوه الثَّلَاثَة. وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٣) . وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: كتاب الْمُسَاقَاة، أَو على قَوْله: فِي الشّرْب، أَو على قَوْله: بَاب الشّرْب، أَو على قَوْله: بَاب الْمِيَاه، على اخْتِلَاف النّسخ، وَفِي بعض النّسخ: قَالَ الله عزوجل: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٣) . الْآيَة، وَقَالَ قَتَادَة: كل حَيّ مَخْلُوق من المَاء. فَإِن قلت: قد رَأينَا مخلوقاً من المَاء غير حَيّ. قلت: لَيْسَ فِي الْآيَة: لم يخلق من المَاء إلَاّ حَيّ، وَقيل: مَعْنَاهُ أَن كل حَيَوَان أرضي لَا يعِيش إلَاّ بِالْمَاءِ. وَقَالَ الرّبيع بن أنس: من المَاء، أَي: من النُّطْفَة، وَقَالَ ابْن بطال: يدْخل فِيهِ الْحَيَوَان والجماد، لِأَن الزَّرْع وَالشَّجر لَهَا موت إِذا جَفتْ ويبست، وحياتها خضرتها ونضرتها. وقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أفَرَأَيْتُمْ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْنَاهُ أجاجاً فلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٦) . وَقَول، بِالْجَرِّ عطف على: قَوْله، الأول لما أنزل الله تَعَالَى: ﴿نَحن خَلَقْنَاكُمْ فلولا تصدقُونَ﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٥) . ثمَّ خاطبهم بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تمنون﴾ إِلَى قَوْله: ﴿ومتاعاً للمقوين﴾ (الْوَاقِعَة: ٣٧) . وكل هَذِه الخطابات للْمُشْرِكين الطبيعيين لما قَالُوا: نَحن موجودون من نُطْفَة حدثت بحرارة كامنة، فَرد الله عَلَيْهِم بِهَذِهِ الخطابات، وَمن جُمْلَتهَا قَوْله: ﴿أَفَرَأَيْتُم المَاء الَّذِي تشربون﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٦) . أَي: المَاء العذب الصَّالح للشُّرْب، ﴿أأنتم أنزلتموه من المزن﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٦) . أَي: السَّحَاب. قَوْله: ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٦) . أَي: المَاء ﴿أجاجاً﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٦) . أَي: ملحاً شَدِيد الملوحة زعافاً مرا لَا يقدرُونَ على شربه. قَوْله: ﴿فلولا تشكرون﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٦) . أَي: فَهَلا تشكرون. الأُجاجُ: المُرُّ، المُزْنُ: السَّحابُ هَذَا تَفْسِير البُخَارِيّ، وَهُوَ من كَلَام أبي عُبَيْدَة، لِأَن الأجاج المر، وَأخرجه ابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة مثله، وَقد ذكرنَا الْآن أَنه الشَّديد الملوحة. وَقيل: شَدِيد المرارة، وَقيل: الْمَالِك، وَقيل: الْحَار، حَكَاهُ ابْن فَارس وَفِي (الْمُنْتَهى) : وَقد أج يؤج أجوجاً قَوْله: (المزن) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الزَّاي، جمع: مزنة، وَهِي السَّحَاب الْأَبْيَض، وَهُوَ تَفْسِير مُجَاهِد وَقَتَادَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده: منصباً، قبل قَوْله: المزن، وَوَقع بعد قَوْله: السَّحَاب فراتاً عذباً، فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَفسّر الثجاج بقوله: منصباً، وَقد فسره ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة هَكَذَا، وَيُقَال: مطر ثجاج إِذا انصب جدا، والفرات أعذب العذوبة، وَهُوَ منتزع من قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا عذب فرات﴾ (الْفرْقَان: ٣٥ وفاطر: ٢١) . وروى ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ: العذب الْفُرَات الحلو، وَمن عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا ترْجم لباب فِي شَيْء يذكر فِيهِ مَا يُنَاسِبه من الْأَلْفَاظ الَّتِي فِي الْقُرْآن ويفسرها تكثيراً للفوائد.

стр. 3604

١ - (بابٌ فِي الشُّرْبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الشّرْب، وَقد مر تَفْسِير الشّرْب عَن قريب. ومنْ رَأى صَدَقَةَ المَاءِ وهِبَتَهُ ووَصِيَّتَهُ جائِزَةً مَقْسُوماً كانَ أوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ أَي: فِي بَيَان من رأى ... إِلَى آخِره، قَالَ بَعضهم: أَرَادَ البُخَارِيّ بالترجمة الرَّد على من قَالَ: إِن المَاء لَا يملك. قلت: من أَيْن يعلم أَنه أَرَادَ بالترجمة الرَّد على من قَالَ: إِن المَاء لَا يملك، وَيحْتَمل الْعَكْس، وَأَيْضًا فَقَوله: إِن المَاء لَا يملك، لَيْسَ على الْإِطْلَاق، لِأَن المَاء على أَقسَام: قسم مِنْهُ لَا يملك أصلا، وكل النَّاس فِيهِ سَوَاء فِي الشّرْب وَسقي الدَّوَابّ وَكري النَّهر مِنْهُ إِلَى أرضه، وَذَلِكَ كالأنهار الْعِظَام مثل النّيل والفرات وَنَحْوهمَا، وَقسم مِنْهُ يملك، وَهُوَ المَاء الَّذِي يدْخل فِي قسْمَة أحد إِذا قسمه الإِمَام بَين قوم، فَالنَّاس فِيهِ شُرَكَاء فِي الشّرْب وَسقي الدَّوَابّ دون كري النَّهر، وَقسم مِنْهُ يكون محرزا فِي الْأَوَانِي كالجباب والدنان والجرار وَنَحْوهَا، وَهَذَا مَمْلُوك لصَاحبه بالإحراز، وَانْقطع حق غَيره عَنهُ كَمَا فِي الصَّيْد الْمَأْخُوذ حَتَّى لَو أتْلفه رجل يضمن قِيمَته، وَلَكِن شُبْهَة الشّركَة فِيهِ بَاقِيَة بقوله ﷺ : (الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي الثَّلَاث: المَاء والكلأ وَالنَّار) ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن رجل من الصَّحَابَة وَأحمد فِي (مُسْنده) وَابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَالْمرَاد شركَة إِبَاحَة لَا شركَة ملك، فَمن سبق إِلَى أَخذ شَيْء مِنْهُ فِي وعَاء أَو غَيره وأحرزه فَهُوَ أَحَق بِهِ، وَهُوَ ملكه دون سواهُ، لكنه لَا يمْنَع من يخَاف على نَفسه من الْعَطش أَو مركبه، فَإِن مَنعه يقاتله بِلَا سلَاح، بِخِلَاف المَاء الثَّانِي فَإِنَّهُ يقاتله فِيهِ بِالسِّلَاحِ. قَوْله: (من رأى صَدَقَة المَاء) إِلَى آخِره لم يبين المُرَاد مِنْهُ: هَل هُوَ جَائِز أم لَا؟ وَظَاهر الْكَلَام يحْتَمل الْجَوَاز وَعَدَمه، وَلَكِن فِيهِ تَفْصِيل، وَهُوَ: أَن الرجل إِذا كَانَ لَهُ شرب فِي المَاء وَأوصى أَن يسْقِي مِنْهُ أَرض فلَان يَوْمًا أَو شهرا أَو سنة أجيزت من الثُّلُث، فَإِن مَاتَ الْمُوصى لَهُ بطلت الْوَصِيَّة بِمَنْزِلَة مَا إِذا أوصى بِخِدْمَة عَبده لإِنْسَان فَمَاتَ الْمُوصى لَهُ بطلت الْوَصِيَّة، وَإِذا أوصى بِبيع الشّرْب وهبته أَو صدقته، فَإِن ذَلِك لَا يَصح للْجَهَالَة أَو للغرر فَإِنَّهُ على خطر الْوُجُود لِأَن المَاء يَجِيء وَيَنْقَطِع، وَكَذَا لَا يَصح أَن يكون مُسَمّى فِي النِّكَاح حَتَّى يجب مهر الْمثل وَلَا بدل الصُّلْح عَن الدَّعْوَى، وَلَا يُبَاع الشّرْب فِي دين صَاحبه بِدُونِ أَرض بعد مَوته، وَكَذَا فِي حَيَاته، وَلَو بَاعَ المَاء المحرز فِي إِنَاء أَو وهبه لشخص أَو تصدق بِهِ فَإِنَّهُ يجوز، وَلَو كَانَ مُشْتَركا بَينه وَبَين آخر فَلَا يجوز قبل الْقِسْمَة، فَافْهَم، هَذِه الْفَوَائِد الَّتِي خلت عَنْهَا الشُّرُوح. وَقَالَ عُثْمانُ قَالَ النَّبِي ﷺ : منْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فيَكُونُ دَلْوُهُ فِيها كَدِلَاءِ المُسْلِمينَ فاشْتَرَاهَا عُثْمانُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أَي: قَالَ عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق سقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَوَصله التِّرْمِذِيّ: (حَدثنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: أخبرنَا عبد الله بن جَعْفَر الرقي، قَالَ: حَدثنَا عبيد الله بن عَمْرو عَن زيد هُوَ ابْن أبي أنيسَة عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، قَالَ: لما حصر عُثْمَان أشرف عَلَيْهِم فَوق دَاره، ثمَّ قَالَ: أذكركم بِاللَّه ﴿هَل تعلمُونَ أَن حراء حِين انتفض قَالَ رَسُول الله ﷺ : اثْبتْ حراء فَلَيْسَ عَلَيْك إلَاّ نَبِي أَو صديق أَو شَهِيد؟ قَالُوا: نعم. قَالَ: أذكركم بِاللَّه﴾ هَل تعلمُونَ أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ فِي جَيش الْعسرَة: من ينْفق نَفَقَة متقبلة؟ وَالنَّاس مجهدون معسرون فجهزت ذَلِك الْجَيْش؟ قَالُوا: نعم، ثمَّ قَالَ: أذكركم بِاللَّه هَل تعلمُونَ أَن بِئْر رومة لم يكن يشرب مِنْهَا أحد إلَاّ بِثمن فابتعتها فجعلتها للغني وَالْفَقِير وَابْن السَّبِيل؟ قَالُوا: نعم. وَأَشْيَاء عدهَا) . ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بِئْر رومة) بِإِضَافَة: بِئْر، إِلَى: رومة، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وبالميم. ورومة علم على صَاحب الْبِئْر، وَهُوَ رومة الْغِفَارِيّ. وَقَالَ ابْن بطال: بِئْر رومة كَانَت ليهودي، وَكَانَ

стр. 3605

يقفل عَلَيْهَا بقفل ويغيب فَيَأْتِي الْمُسلمُونَ ليشربوا مِنْهَا فَلَا يجدونه حَاضرا فيرجعون بِغَيْر مَاء، فَشَكا الْمُسلمُونَ ذَلِك، فَقَالَ، ﷺ : من يَشْتَرِيهَا ويمنحها للْمُسلمين وَيكون نصِيبه فِيهَا كنصيب أحدهم فَلهُ الْجنَّة؟ فاشتراها عُثْمَان. وَهِي بِئْر مَعْرُوفَة بِمَدِينَة النَّبِي، ﵊، اشْتَرَاهَا عُثْمَان بِخَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم فوقفها، وَزعم الْكَلْبِيّ أَنه كَانَ قبل أَن يَشْتَرِيهَا عُثْمَان يَشْتَرِي مِنْهَا كل قربَة بدرهم. قَوْله: (فَيكون دلوه فِيهَا) أَي: دلو عُثْمَان فِي الْبِئْر الْمَذْكُور كدلاء كل الْمُسلمين، يَعْنِي: يوقفها وَيكون حَظه مِنْهَا كحظ غَيره من غير مزية، وَظَاهره أَن لَهُ الِانْتِفَاع إِذا شَرطه، وَلَا شكّ أَنه إِذا جعلهَا للسقاة إِن لَهُ الشّرْب وَإِن لم يشْتَرط لدُخُوله فِي جُمْلَتهمْ. وَفِيه: جَوَاز بيع الْآبَار. وَفِيه: جَوَاز الْوَقْف على نَفسه وَلَو وقف على الْفُقَرَاء ثمَّ صَار فَقِيرا جَازَ أَخذه مِنْهُ. ١٥٣٢ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا أبُو غسَّانَ قَالَ حدَّثني أَبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ ابنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أتِيَ النبيُّ ﷺ بِقَدَحٍ فشَرِبَ مِنهُ وعنْ يَمِينهِ غلَامٌ أصْغَرُ الْقَوْمِ والأشْيَاخُ عنْ يَسارِهِ فَقَالَ يَا غُلامُ أتَأذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَهُ الأشْياخَ قَالَ مَا كُنْتُ لِأُؤثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أحدا يَا رسولَ الله فأعْطَاهُ إيَّاهُ. . وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب من حَيْثُ مَشْرُوعِيَّة قسْمَة المَاء، وَأَنه يملك، إِذْ لَو كَانَ لَا يُمكن لما جَاءَت فِيهِ الْقِسْمَة. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث أَن الْقدح كَانَ فِيهِ مَاء؟ قلت: جَاءَ مُفَسرًا فِي كتاب الْأَشْرِبَة بِأَنَّهُ كَانَ شرابًا، وَالشرَاب هُوَ المَاء أَو اللَّبن المشوب بِالْمَاءِ. وَرِجَاله: سعيد بن أبي مَرْيَم، وَهُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي مَوْلَاهُم الْمصْرِيّ، وَأَبُو غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وبالنون: واسْمه مُحَمَّد بن مُضر اللَّيْثِيّ الْمدنِي نزل عسقلان، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج الْمدنِي، قَالَ أَبُو عَمْرو: روى أَبُو حَازِم هَذَا الحَدِيث عَن أَبِيه، وَقَالَ فِيهِ: وَعَن يسَاره أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكر أبي بكر فِيهِ عِنْدهم خطأ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْفُوظ فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عَمْرو بن حَرْمَلَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: دخلت أَنا وخَالِد بن الْوَلِيد مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، على مَيْمُونَة، فجاءتنا بِإِنَاء فِيهِ لبن فَشرب رَسُول الله ﷺ وَأَنا مَعَه، وخَالِد عَن يسَاره، فَقَالَ لي: الشربة لَك، وَإِن شِئْت آثرت خَالِدا. فَقلت: مَا كنت لأوثر بسؤرك أحدا، ثمَّ قَالَ رَسُول الله، ﷺ : من أطْعمهُ الله طَعَاما فَلْيقل: أللهم بَارك لنا فِيهِ وأطعمنا خيرا مِنْهُ، وَمن سقَاهُ الله لَبَنًا فَلْيقل: أللهم بَارك لنا فِيهِ وزدنا مِنْهُ. قَوْله: (وَعَن يَمِينه غُلَام) ، هُوَ الْفضل بن عَبَّاس، حَكَاهُ ابْن بطال، وَحكى ابْن التِّين أَنه أَخُوهُ عبد الله. قَوْله: (بفضلي) ، ويروى: بِفضل. وَفِيه: فَضِيلَة الْيَمين على الشمَال، وَقد أمروا بالشرب بهَا والمعاطاة دون الشمَال. وَفِيه: أَن من اسْتحق شَيْئا من الْأَشْيَاء لم يدْفع عَنهُ، صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا، إِذا كَانَ مِمَّن يجوز إِذْنه. ٢٥٣٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّها حُلِبَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ شاةٌ داجِنٌ وهْوَ فِي دَارِ أنَسِ بنِ مالِكٍ وشِيبَ لَبَنُها بِماءٍ مِنَ البِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أنَسٍ فأعْطِيَ رسولُ الله ﷺ القَدَحَ فشَرِبَ مِنْهُ حتَّى إذَا نَزَعَ الْقَدَحَ مِنْ فِيهِ وعَلَى يَسارهِ أبُو بَكْرٍ وعنْ يَمِينِهِ أعْرَابِيٌّ فَقَالَ عُمَرُ وخافَ أنْ يُعْطِيهِ الأعْرَابِيَّ أعْطِ أبَا بَكْرٍ يَا رسولَ الله عِنْدَكَ فأعْطَاهُ الأعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ قالَ الأيْمَنَ فالأيْمَنَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وشيب لَبنهَا بِمَاء وَالْمَاء يجْرِي فِيهِ الْقِسْمَة وانه يملك وَهَذَا الاسناد بِعَيْنِه قد مر غير مرّة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن ابي حَمْزَة الْحِمصِي وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم والْحَدِيث

стр. 3606

أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَة عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار، ستتهم عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس. قَوْله: (شَاة دَاجِن) ، الدَّاجِن شَاة ألفت الْبيُوت وأقامت بهَا، وَالشَّاة تذكر وتؤنث، فَلذَلِك قَالَ: دَاجِن، وَلم يقل: داجنة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الدَّاجِن الشَّاة الَّتِي يعلفها النَّاس فِي مَنَازِلهمْ، يُقَال: دجنت تدجن دجوناً. قَوْله: (وشيب) على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: خلط من شَاب يشوب شوباً، وأصل الشوب الْخَلْط. قَوْله: (وعَلى يسَاره) إِنَّمَا قَالَ هُنَا: بعلى، وَفِي يَمِينه: بعن، لِأَن لَعَلَّ يسَاره كَانَ موضعا مرتفعاً فَاعْتبر استعلاؤه، أَو كَانَ الْأَعرَابِي بَعيدا عَن رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (وَعَن يَمِينه أَعْرَابِي) ، قيل: إِنَّه خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَكَاهُ ابْن التِّين، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُقَال لَهُ: أَعْرَابِي. قيل: الْحَامِل لَهُ على ذَلِك أَنه رأى فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، الَّذِي مضى ذكره عَن قريب، وَهُوَ أَنه قَالَ: دخلت أَنا وخَالِد ابْن الْوَلِيد على مَيْمُونَة ... الحَدِيث، فَظن أَن الْقِصَّة وَاحِدَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن هَذِه الْقِصَّة فِي بَيت مَيْمُونَة، وقصة أنس فِي دَاره، وَبَينهمَا فرق. قَوْله: (وَخَافَ أَن يُعْطِيهِ) ، جملَة حَالية، وَالضَّمِير فِي: خَافَ، يرجع إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: (أعْط أَبَا بكر) تذكيراً لرَسُول الله ﷺ وإعلاماً للأعراب بجلالة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَذَا وَقع: أعطِ أَبَا بكر، لجَمِيع أَصْحَاب الزُّهْرِيّ، وشذ معمر فِيمَا رَوَاهُ وهب عَنهُ، فَقَالَ: عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، بدل: عمر، أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالَّذِي فِي البُخَارِيّ هُوَ الصَّحِيح. قيل: إِن معمراً لما حدث بِالْبَصْرَةِ حدث من حفظه فَوَهم فِي أَشْيَاء، فَكَانَ هَذَا مِنْهَا. قلت: الْأَوْجه أَن يُقَال: يحْتَمل أَن يكون مَحْفُوظًا أَن يكون كل من عمر وَعبد الرَّحْمَن قَالَ ذَلِك. لتوفر دواعي الصَّحَابَة على تَعْظِيم أبي بكر، وَهَذَا أحسن من أَن يُنسب معمراً إِلَى الشذوذ وَالوهم. قَالَ النَّسَائِيّ: معمر بن رَاشد الثِّقَة الْمَأْمُون، وَقَالَ الْعجلِيّ: بَصرِي رَحل إِلَى صنعاء وَسكن بهَا وَتزَوج، ورحل إِلَيْهِ سُفْيَان وَسمع مِنْهُ هُنَاكَ، وَسمع هُوَ أَيْضا من سُفْيَان. قَوْله: (الْأَيْمن فالأيمن) بِالنّصب على تَقْدِير: أعْط الْأَيْمن، وبالرفع على تَقْدِير: الْأَيْمن أَحَق، وَيدل على تَرْجِيح رِوَايَة الرّفْع قَوْله فِي بعض لَعَلَّهَا طرقه: الأيمنون الأيمنون. قَالَ أنس: فَهِيَ سنة فَهِيَ سنة فَهِيَ سنة. هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي طوالة عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: مَشْرُوعِيَّة تَقْدِيم من هُوَ على يَمِين الشَّارِب فِي الشّرْب وَإِن كَانَ مفضولاً بِالنِّسْبَةِ إِلَى من كَانَ على يسَار الشَّارِب، لفضل جِهَة الْيَمين على جِهَة الْيَسَار، وَهل هُوَ على جِهَة الِاسْتِحْبَاب أَو أَنه حق ثَابت للجالس على الْيَمين؟ فَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِنَّه سنة. قَالَ: وَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّهَا سنة وَاضِحَة، وَخَالف فِيهِ ابْن حزم فَقَالَ: لَا بُد من مناولة الْأَيْمن كَائِنا من كَانَ، فَلَا يجوز مناولة غير الْأَيْمن إلَاّ بِإِذن الْأَيْمن. قَالَ: وَمن لم يرد أَن يناول أحدا فَلهُ ذَلِك. فَإِن قلت: فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، أخرجه أَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سقى قَالَ: (ابدأوا بالكبراء، أَو قَالَ: بالأكابر) . فَكيف الْجمع بَين أَحَادِيث الْبَاب؟ قلت: يحْتَمل هَذَا الحَدِيث على مَا إِذا لم يكن على جِهَة يَمِينه ﷺ بل كَانَ الْحَاضِرُونَ تِلْقَاء وَجهه مثلا، أَو وَرَاءه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَأما تَقْدِيم الأفاضل والكبار فَهُوَ عِنْد التَّسَاوِي فِي بَاقِي الْأَوْصَاف، وَلِهَذَا يقدم الأعلم والأقرأ على الأسن النسيب فِي الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة. وَفِيه: أَن غير المشروب، مثل: الْفَاكِهَة وَاللَّحم وَنَحْوهمَا، هَل حكمه حكم المَاء؟ فَنقل عَن مَالك تَخْصِيص ذَلِك بالشرب، وَقَالَ ابْن عبد الْبر وَغَيره: لَا يَصح هَذَا عَن مَالك. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: يشبه أَن يكون قَول مَالك: إِن السّنة وَردت فِي الشّرْب خَاصَّة، وَإِنَّمَا يقدم الْأَيْمن فالأيمن فِي غَيره بِالْقِيَاسِ، لِأَن السّنة منصوصة فِيهِ وَكَيف مَا كَانَ فَالْعُلَمَاء متفقون على اسْتِحْبَاب التَّيَامُن فِي الشّرْب وأشباهه. وَفِيه: جَوَاز شوب اللَّبن بِالْمَاءِ لنَفسِهِ وَلأَهل بَيته ولأضيافه، وَإِنَّمَا يمْتَنع شوبه بِالْمَاءِ إِذا أَرَادَ بَيْعه لِأَنَّهُ غش. وَفِيه: أَن الجلساء شُرَكَاء فِي الْهَدِيَّة، وَذَلِكَ على جِهَة الْأَدَب والمروءة وَالْفضل والأخوة، لَا على الْوُجُوب، لإجماعهم على أَن الْمُطَالبَة بذلك غير وَاجِبَة لأحد. فَإِن قلت رُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ (جلساؤكم شركاؤكم فِي الْهَدِيَّة) : رويي أَنه، ﷺ ، قَالَ: جلساؤكم شركاؤكم فِي الْهَدِيَّة. فَإِن قلت: مَحْمُول على مَا ذكرنَا مَعَ أَن إِسْنَاده فِيهِ لين. وَفِيه: دلَالَة أَن من قدم إِلَيْهِ شَيْء من الْأكل أَو الشّرْب فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يسْأَل من أَيْن هُوَ وَمَا أَصله؟ إِذا علم طيب مكسب صَاحبه فِي الْأَغْلَب.

стр. 3607

الأسئلة والأجوبة فِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب: الأول: مَا الْحِكْمَة فِي كَون ابْن عَبَّاس لم يُوَافق اسْتِئْذَان النَّبِي ﷺ لَهُ فِي أَن يقدم فِي الشّرْب من هُوَ أولى مِنْهُ بذلك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ ﷺ لم يَأْمُرهُ بذلك بقوله: أترك لَهُ حَقك، وَلَو أمره لأطاعه، فَلَمَّا لم يَقع مِنْهُ إلَاّ اسْتِئْذَانه لَهُ فِي ذَلِك فَقَط لم يفوت نَفسه حَظه من سُؤْر النَّبِي ﷺ . الثَّانِي: مَا الْحِكْمَة فِي كَونه، ﷺ ، اسْتَأْذن ابْن عَبَّاس أَن يُعْطي خَالِد بن الْوَلِيد، قبله، وَلم يسْتَأْذن الْأَعرَابِي فِي أَن يُعْطي أَبَا بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبله؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَأْذن الْغُلَام دون الْأَعرَابِي إدلالاً على الْغُلَام، وَهُوَ ابْن عَبَّاس، ثِقَة بِطيب نَفسه بِأَصْل الأستئذان، والأشياخ أَقَاربه، وَأما الْأَعرَابِي فَلم يَسْتَأْذِنهُ مَخَافَة من إيحاشه فِي اسْتِئْذَانه فِي صرفه إِلَى أَصْحَابه، وَرُبمَا سبق إِلَى قلب ذَلِك الْأَعرَابِي شَيْء يأنف بِهِ لقرب عَهده بالجاهلية. الثَّالِث: هَل من سبق إِلَى مجْلِس عَالم أَو كَبِير أَو إِلَى مَوضِع من الْمَسْجِد إو إِلَى مَوضِع مُبَاح فَهُوَ أَحَق بِهِ مِمَّن يَجِيء بعده أم لَا؟ أُجِيب: بِأَن الْحِكْمَة حكم الشّرْب، فِي أَن الْقَاعِد على الْيَمين أَحَق، كَائِنا من كَانَ، فَكَذَلِك هُنَا السَّابِق أَحَق كَائِنا من كَانَ، وَلَا يُقَام أحد من مجْلِس جلسه. ٢ - (بابُ منْ قالَ إنَّ صاحِبَ المَاءِ أحَقُّ بالمَاءِ حتَّى يَرْوَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (يرْوى) ، بِفَتْح الْوَاو: من الرّيّ، وَقَالَ ابْن بطال: لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن صَاحب المَاء أَحَق بِالْمَاءِ حَتَّى يَروى. لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ هَذَا تَعْلِيل للتَّرْجَمَة، وَوَجهه أَن منع فضل المَاء إِنَّمَا يتَوَجَّه إِذا فضل عَن حَاجَة صَاحبه، فَهَذَا يدل على أَنه أَحَق بمائه عِنْد عدم الْفضل، وَالْمرَاد من: حَاجَة صَاحبه، حَاجَة نَفسه وَعِيَاله وزرعه وماشيته، وَهَذَا فِي غير المَاء المحرز فِي الْإِنَاء، فَإِن المحرز فِيهِ لَا يجب بذل فَضله إلَاّ للْمُضْطَر، وَهُوَ الصَّحِيح. ثمَّ قَوْله: (لَا يمْنَع) على صِيغَة الْمَجْهُول، وبالرفع لِأَنَّهُ نفي بِمَعْنى النَّهْي، وَذكر عِيَاض أَنه فِي رِوَايَة أبي ذَر بِالْجَزْمِ بِلَفْظ النَّهْي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ عَقِيبه، كَمَا يجيىء الْآن. ٣٥٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن منع فضل المَاء يدل على أَن صَاحب المَاء أَحَق بِهِ عِنْد عدم الْفضل، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي إحْيَاء الْموَات عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، أربعتهم عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ البُخَارِيّ، وَكَذَلِكَ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه من رِوَايَة سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد بِلَفْظ: لَا يمْنَع أحدكُم فضل المَاء يمْنَع بِهِ الْكلأ. وَفِي لفظ بِهَذَا الْإِسْنَاد: ثَلَاث لَا يمنعن: المَاء والكلأ وَالنَّار. وَأخرج ابْن مَاجَه أَيْضا من رِوَايَة حَارِث عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا يمْنَع فضل المَاء وَلَا يمْنَع نفع الْبِئْر. وَأخرج أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من منع فضل مَائه أَو فضل كلائه مَنعه الله فَضله. وَأخرج أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من منع فضل مَائه مَنعه الله فَضله يَوْم الْقِيَامَة. وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) من رِوَايَة مَكْحُول عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : لَا تمنعوا عباد الله فضل المَاء وَلَا كلأ وَلَا نَارا فَإِن الله جعلهَا مَتَاعا للموقين وَقُوَّة للمستضعفين. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يمْنَع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (ليمنع بِهِ) ، اللَّام هَذِه، وَإِن كَانَ النُّحَاة يَقُولُونَ إِنَّهَا لَام كي

стр. 3608

فَهِيَ لبَيَان الْعَاقِبَة والمآل، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزناً﴾ (الْقَصَص: ٨) . قَوْله: (الْكلأ) ، بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام وبالهمزة: العشب، سَوَاء كَانَ يَابسا أَو رطبا. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ اسْم للنوع وَلَا وَاحِد لَهُ، وَمعنى هَذَا الْكَلَام مَا قَالَه الْخطابِيّ: هَذَا فِي الرجل يحْفر الْبِئْر فِي الْموَات فيملكها بِالْإِحْيَاءِ، وبقرب الْبِئْر موَات فِيهِ كلأ ترعاه الْمَاشِيَة، وَلَا يكون لَهُم مقَام إِذا منعُوا المَاء، فَأمر صَاحب المَاء أَن لَا يمْنَع الْمَاشِيَة فضل مائَة لِئَلَّا يكون مَانِعا للكلأ. قلت: توضيح ذَلِك الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور: أَن يكون حول بِئْر رجل كلأ لَيْسَ عِنْده مَاء غَيره، وَلَا يُمكن أَصْحَاب الْمَوَاشِي رعيه إِلَّا إِذا مكنوا من سقِِي بهائمهم من تِلْكَ الْبِئْر لِئَلَّا يتضرروا بالعطش بعد الرَّعْي، فيستلزم مَنعهم من المَاء مَنعهم من الرَّعْي، وعَلى هَذَا يخْتَص الْبَذْل بِمن لَهُ مَاشِيَة، وَيلْحق بِهِ الرُّعَاة إِذا احتاجوا إِلَى الشّرْب لأَنهم إِذا منعُوا مِنْهُ امْتَنعُوا من الرَّعْي هُنَاكَ. وَقَالَ ابْن بزيزة: منع المَاء بعد الرّيّ من الْكَبَائِر، ذكره يحيى فِي (خراجه) . ٤٥٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ وأبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلأ. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٣٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي، ويروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم من رِوَايَة هِلَال بن أُسَامَة عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لَا يُبَاع فضل المَاء ليباع بِهِ الْكلأ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لَا يمْنَع فضل المَاء ليمنع بِهِ الْكلأ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة اللَّيْث عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، نَحْو رِوَايَة أبي دَاوُد. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أَن هَذَا النَّهْي للتَّحْرِيم أَو التَّنْزِيه؟ فَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وبنوا ذَلِك على أَن المَاء يملك أم لَا؟ فَالْأولى حمله على الْكَرَاهَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَالنَّهْي فِيهِ على التَّحْرِيم عِنْد مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ، وَنَقله الْخطابِيّ وَابْن التِّين عَن الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واستحبه بَعضهم وَحمله على النّدب، وَالأَصَح عندنَا أَنه يجب بذله للماشية لَا للزَّرْع. قلت: كَذَلِك مَذْهَب الْحَنَفِيَّة: الِاخْتِصَاص بالماشية، وَفرق الشَّافِعِي فِيمَا حَكَاهُ الْمُزنِيّ عَنهُ بَين الْمَوَاشِي وَالزَّرْع بِأَن الْمَاشِيَة ذَات أَرْوَاح يخْشَى من عطشها مَوتهَا بِخِلَاف الزَّرْع. وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن صَاحب المَاء أَحَق بِهِ حَتَّى يُروى لِأَنَّهُ ﷺ نهى عَن بيع فضل المَاء، فَأَما من لَا يفضل لَهُ فَلَا يدْخل فِي هَذَا النَّهْي، لِأَن صَاحب الشَّيْء أولى بِهِ. وَتَأْويل الْمَنْع عِنْد مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وَغَيره: مَعْنَاهُ فِي آبار الْمَاشِيَة فِي الصَّحرَاء يحفرها الْمَرْء وبقربها كلأ مُبَاح، فَإِذا منع المَاء اخْتصَّ بالكلأ، فَأمر أَن لَا يمْنَع فضل المَاء لِئَلَّا يكون مَانِعا للكلأ. وَقَالَ القَاضِي فِي (إشرافه) فِي حافر الْبِئْر فِي الْموَات: لَا يجوز لَهُ منع مَا زَاد على قدر حَاجته لغيره بِغَيْر عوض، وَقَالَ قوم: يلْزمه بِالْعِوَضِ، أما حافرها فِي ملكه فَلهُ منع مَا عمل من ذَلِك، وَيكون أَحَق بِمَائِهَا حَتَّى يرْوى، وَيكون للنَّاس مَا فضل إلَاّ من مر بهم لشفاههم ودوابهم فَإِنَّهُم لَا يمْنَعُونَ كَمَا يمْنَع من سواهُم. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَهُ أَن يمْنَع من دُخُول أرضه وَأخذ مَائه لَا أَن لَا يكون لشفاههم ودوابهم مَاء فيسقيهم، وَلَيْسَ عَلَيْهِ سقِِي زرعهم. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ، نَاقِلا عَن القَاضِي بعلامة (قض) : اخْتلفت الرِّوَايَات فِي هَذَا الحَدِيث فروى البُخَارِيّ: لَا تمنعوا فضل المَاء لتمنعوا بِهِ فضل الْكلأ، مَعْنَاهُ: من كَانَ لَهُ بِئْر فِي موَات من الأَرْض لَا يمْنَع مَاشِيَة غَيره أَن ترد فضل مَائه الَّذِي زَاد على مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ ليمنعها بذلك عَن فضل الْكلأ، فَإِنَّهُ إِذا مَنعهم عَن فضل مَاء من الأَرْض لَا مَاء بهَا (مَا شيته) ، سواهُ لم يُمكن لَهُم الرَّعْي بهَا، فَيصير الْكلأ مَمْنُوعًا بِمَنْع المَاء. وروى مُسلم: لَا يُبَاع فضل المَاء ليمنع بِهِ الْكلأ. وَالْمعْنَى: لَا يُبَاع فضل المَاء ليباع بِهِ الْكلأ، أَي: لَا يُبَاع فضل المَاء ليصير بِهِ البَائِع لَهُ كالبائع للكلأ، فَإِن من أَرَادَ الرَّعْي فِي حوالي مَائه إِذا مَنعه من الْوُرُود على مَائه، إلَاّ بعوض اضْطر إِلَى شِرَائِهِ، فَيكون بَيْعه للْمَاء بيعا للكلأ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا يجب على صَاحب الْبِئْر بذل الْفَاضِل عَن حَاجته لزرع غَيره فِيمَا يملكهُ من

стр. 3609

المَاء، وَيجب بذله للماشية، وللوجوب شُرُوط: أَحدهَا: أَن لَا يجد صَاحب الْمَاشِيَة مَاء مُبَاحا. وَالثَّانِي: إِن يكون الْبَذْل لحَاجَة الْمَاشِيَة. وَالثَّالِث: أَن يكون هُنَاكَ مرعى، وَأَن يكون المَاء فِي مستقره، فالماء الْمَوْجُود فِي إِنَاء لَا يجب بذل فَضله على الصَّحِيح، ثمَّ عابروا السَّبِيل يبْذل لَهُم ولمواشيهم، وَلمن أَرَادَ الْإِقَامَة فِي الْموضع وَجْهَان، لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة فِي الْإِقَامَة، وَالأَصَح الْوُجُوب، وَإِذا أَوجَبْنَا الْبَذْل هَل يجوز أَن يَأْخُذ عَلَيْهِ أجرا كإطعام الْمُضْطَر؟ وَجْهَان وَالصَّحِيح: لَا، لِأَنَّهُ ﷺ نهى عَن بيع فضل المَاء. ٣ - (بابٌ منْ حَفَرَ بِئْراً فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من حفر بِئْرا فِي ملكه، فَإِنَّهُ لَا يضمن، لِأَن لَهُ التَّصَرُّف فِي ملكه. ٥٥٣٢ - حدَّثنا مَحْمُودٌ قَالَ أخبرنَا عُبَيْدُ الله عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي حَصِينٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ المَعْدِنُ جُبَارٌ والْبِئْرُ جُبَارٌ والْعَجْماءُ جُبارٌ وَفِي الرِّكازِ الخُمْسُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والبئر جَبَّار) ، يَعْنِي: هدر لَا شَيْء فِيهِ، وَالْمرَاد من جَبَّار الْبِئْر أَنه إِذا حفرهَا فِي مَوضِع يسوغ لَهُ حفرهَا، فَسقط فِيهَا أحد لَا ضَمَان عَلَيْهِ. وَقيل: مَعْنَاهُ أَن يسْتَأْجر من يحْفر لَهُ بِئْرا فانهارت عَلَيْهِ الْبِئْر فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب فِي الرِّكَاز الْخمس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ : العجماء جَبَّار والبئر جَبَّار والمعدن جَبَّار وَفِي الرِّكَاز الْخمس، هَهُنَا أخرجه: عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن أبي حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة: واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم، عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات السمان ... إِلَى آخِره. وَعبيد الله بن مُوسَى هُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا، روى عَنهُ بِدُونِ وَاسِطَة فِي أول الْإِيمَان، وَهنا بِوَاسِطَة مَحْمُود. قَوْله: (حَدثنَا مَحْمُود أخبرنَا عبيد الله) ، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنِي مَحْمُود وَأَخْبرنِي عبيد الله، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. ٤ - (بابُ الخُصُومَةِ فِي البِئْرِ والقَضَاءِ فِيها) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخُصُومَة فِي الْبِئْر، وَفِي بَيَان الْقَضَاء، أَي: الحكم فِيهَا، أَي: فِي الْبِئْر. ٦٥٣٢ - ٧٥٣٢ حدَّثنا عَبْدَانُ عنْ أبي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ شَقيقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ منْ حَلَفَ عَلى يَمينٍ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امْرِىءٍ هُوَ عَلَيْها فاجِرٌ لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ فأنزلَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمانِهِمْ ثَمناً قَلِيلاً﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . الْآيَة فَجَاءَ الأشْعَثُ فَقَالَ مَا حَدَّثَكُمْ أبُو عبدِ الرَّحْمانِ فيَّ أُنْزِلَتْ هذِه الآيةُ كانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أرْضِ ابنِ عَمٍّ لِي فَقَالَ لِي شُهُودَكَ قُلْتُ مَا لِي شُهودٌ قَالَ فَيَمِينُهُ قُلْتُ يَا رسولَ الله إِذا يَحْلِف فَذَكَرَ النبيُّ ﷺ ... مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ حكم فِي الْبِئْر الْمَذْكُورَة بِطَلَب الْبَيِّنَة من الْمُدَّعِي وبيمين الْمُدعى عَلَيْهِ. عِنْد عجز الْمُدَّعِي عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة، وعبدان لقب عبد الله الْمروزِي، وَقد مر غير مرّة. وَأَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: مُحَمَّد ابْن مَيْمُون السكرِي، وَقد مر فِي: بَاب نفض الْيَدَيْنِ فِي الْغسْل، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وشقيق بن سَلمَة أَبُو وَائِل الْأَسدي الْكُوفِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، والأشعث بن قيس أَبُو مُحَمَّد الْكِنْدِيّ، وَفد إِلَى النَّبِي ﷺ سنة عشر من الْهِجْرَة فِي وَفد كِنْدَة، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا فأسلموا، وَكَانَ مِمَّن ارْتَدَّ بعد موت النَّبِي ﷺ ، ثمَّ أسلم وَله قصَّة طَوِيلَة.

стр. 3610

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَشْخَاص وَفِي الشَّهَادَات عَن مُحَمَّد بن سَلام، وَفِي الْأَشْخَاص أَيْضا عَن بشر بن خَالِد، وَفِي النذور عَن مُوسَى، وَفِي التَّفْسِير عَن حجاج بن الْمنْهَال، وَفِي الشّركَة عَن قُتَيْبَة، وَفِي النذور أَيْضا عَن بنْدَار، وَفِي الْأَحْكَام عَن إِسْحَاق بن نصر، وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن أبي بكر وَإِسْحَاق وَابْن نمير، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع وَعَن ابْن نمير عَن أَبِيه وَعَن إِسْحَاق عَن جرير بهوأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن عيس وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع وَفِي التَّفْسِير عَن هُنَا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء عَن هناد وَفِي التَّفْسِير عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب وَعَن مُحَمَّد بن قدامَة، وَلم يذكر حَدِيث عبد الله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعلي بن مُحَمَّد، وَفِي بعض الْأَلْفَاظ اخْتِلَاف. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يقتطع بهَا) ، أَي: بِالْيَمِينِ أَي: بِسَبَبِهَا، وَمعنى يقتطع: يَأْخُذ قِطْعَة بِسَبَب الْيَمين من مَال امرىء. قَوْله: (هُوَ عَلَيْهَا فَاجر) ، أَي: كَاذِب، وَهِي جملَة إسمية وَقعت حَالا بِلَا وَاو، كَمَا فِي قَوْلك: كَلمته فوه إِلَى فِي. قَوْله: (لَقِي الله تَعَالَى) ، يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا على الأَصْل. قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يَعْنِي بِالْغَضَبِ، إِرَادَة عُقُوبَة أَو عُقُوبَة نَفسهَا، إِذْ يعبر بِالْغَضَبِ عَن الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَإِذا لقِيه وَهُوَ يُرِيد عِقَابه أَو قد عاقبه جَازَ بعد ذَلِك أَن لَا يُرِيد عِقَابه وَأَن يدْفع عَنهُ تماديه إِن كَانَ أنزلهُ بِهِ، بِشَرْط أَن لَا يكون مُتَعَلق إِرَادَته عَذَاب واصب. وَقَالَ شَيخنَا: الظَّاهِر أَن المُرَاد بغضب الله مُعَامَلَته بمعاملة المغضوب عَلَيْهِ من كَونه لَا ينظر إِلَيْهِ وَلَا يكلمهُ، كَمَا ثَبت فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم، فَذكر مِنْهُم: وَرجل حلف على يَمِين كَاذِبَة بعد الْعَصْر ليقتطع بهَا مَال امرىء مُسلم) الحَدِيث، وَأما كَون المُرَاد بِالْغَضَبِ إِرَادَة الْعقُوبَة أَو الْعقُوبَة نَفسهَا فَإِنَّهُ يردهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث الْأَشْعَث بن قيس مَرْفُوعا: من حلف على يَمِين صبرا ليقتطع بهَا مَال امرىء مُسلم لَقِي الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ مُجْتَمع عَلَيْهِ غَضبا، عَفا الله عَنهُ أَو عاقبه) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، فَهَذَا يدل على أَنه لم يرد بِالْغَضَبِ إِرَادَة الْعقُوبَة أَو الْعقُوبَة، لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ عُقُوبَته لوقعت الْعقُوبَة على وفْق الْإِرَادَة. ذكر اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِيهِ: فَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود والأشعث بن قيس وَمَعْقِل بن يسَار: لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، وَفِي بعض طرق حَدِيث الْأَشْعَث: لَقِي الله وَهُوَ أَجْذم، وَفِي رِوَايَة عمرَان بن حُصَيْن والْحَارث بن برصاء وَجَابِر بن عبد الله: فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة وَجَابِر بن عتِيك: أوجب الله لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة. وَفِي حَدِيث أبي سَوْدَة: إِن ذَلِك يعقم الرَّحِم، وَفِي حَدِيث سعيد بن زيد: إِنَّه لَا يُبَارك لَهُ فِيهَا، وَفِي حَدِيث ثَعْلَبَة بن صد مُغيرَة: نُكْتَة سَوْدَاء فِي قلبه، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عبد الله بن أنيس. فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: لَا مُنَافَاة بَين شَيْء من ذَلِك، فقد يجْتَمع لَهُ جَمِيع ذَلِك كُله نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَإِنَّمَا يشكل مِنْهُ رِوَايَة: حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار، فَيحمل ذَلِك على المستحل لذَلِك، أَو على تَقْدِير: أَن ذَلِك جَزَاؤُهُ إِن جازاه، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ (النِّسَاء: ٣٩) . وَالله أعلم. ذكر بَيَان من خرج هَذِه الْأَحَادِيث: أما حَدِيث ابْن مَسْعُود فقد مضى الْآن. وَأما حَدِيث الْأَشْعَث بن قيس فَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَأخرجه بَقِيَّة الْأَئِمَّة. وَأما حَدِيث معقل بن يسَار فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة شُعْبَة عَن عِيَاض عَن أبي خَالِد، قَالَ: رَأَيْت رجلَيْنِ يختصمان عِنْد معقل بن يسَار، فَقَالَ معقل: قَالَ النَّبِي، ﷺ : (من حلف على يَمِين ليقتطع بهَا مَال رجل لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَأما حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من حلف على يَمِين مصبورة كَاذِبًا فَليَتَبَوَّأ بِوَجْهِهِ مَقْعَده من النَّار) ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ. وَأما حَدِيث الْحَارِث بن برصاء فَأخْرجهُ الْحَاكِم من رِوَايَة عبيد بن جريج عَن الْحَارِث بن برصاء، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من اقتطع مَال أَخِيه الْمُسلم بِيَمِين فاجرة فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، ليبلغ شاهدكم غائبكم، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَقَالَ: هَذَا صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا السِّيَاق. وَأما حَدِيث جَابر بن عبد الله فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن نسطاس عَن جَابر
следующие страницы →