Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَة عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار، ستتهم عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس.
قَوْله: (شَاة دَاجِن) ، الدَّاجِن شَاة ألفت الْبيُوت وأقامت بهَا، وَالشَّاة تذكر وتؤنث، فَلذَلِك قَالَ: دَاجِن، وَلم يقل: داجنة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الدَّاجِن الشَّاة الَّتِي يعلفها النَّاس فِي مَنَازِلهمْ، يُقَال: دجنت تدجن دجوناً. قَوْله: (وشيب) على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: خلط من شَاب يشوب شوباً، وأصل الشوب الْخَلْط. قَوْله: (وعَلى يسَاره) إِنَّمَا قَالَ هُنَا: بعلى، وَفِي يَمِينه: بعن، لِأَن لَعَلَّ يسَاره كَانَ موضعا مرتفعاً فَاعْتبر استعلاؤه، أَو كَانَ الْأَعرَابِي بَعيدا عَن رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (وَعَن يَمِينه أَعْرَابِي) ، قيل: إِنَّه خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَكَاهُ ابْن التِّين، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُقَال لَهُ: أَعْرَابِي. قيل: الْحَامِل لَهُ على ذَلِك أَنه رأى فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، الَّذِي مضى ذكره عَن قريب، وَهُوَ أَنه قَالَ: دخلت أَنا وخَالِد ابْن الْوَلِيد على مَيْمُونَة ... الحَدِيث، فَظن أَن الْقِصَّة وَاحِدَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن هَذِه الْقِصَّة فِي بَيت مَيْمُونَة، وقصة أنس فِي دَاره، وَبَينهمَا فرق. قَوْله: (وَخَافَ أَن يُعْطِيهِ) ، جملَة حَالية، وَالضَّمِير فِي: خَافَ، يرجع إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: (أعْط أَبَا بكر) تذكيراً لرَسُول الله ﷺ وإعلاماً للأعراب بجلالة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَذَا وَقع: أعطِ أَبَا بكر، لجَمِيع أَصْحَاب الزُّهْرِيّ، وشذ معمر فِيمَا رَوَاهُ وهب عَنهُ، فَقَالَ: عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، بدل: عمر، أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالَّذِي فِي البُخَارِيّ هُوَ الصَّحِيح. قيل: إِن معمراً لما حدث بِالْبَصْرَةِ حدث من حفظه فَوَهم فِي أَشْيَاء، فَكَانَ هَذَا مِنْهَا. قلت: الْأَوْجه أَن يُقَال: يحْتَمل أَن يكون مَحْفُوظًا أَن يكون كل من عمر وَعبد الرَّحْمَن قَالَ ذَلِك. لتوفر دواعي الصَّحَابَة على تَعْظِيم أبي بكر، وَهَذَا أحسن من أَن يُنسب معمراً إِلَى الشذوذ وَالوهم. قَالَ النَّسَائِيّ: معمر بن رَاشد الثِّقَة الْمَأْمُون، وَقَالَ الْعجلِيّ: بَصرِي رَحل إِلَى صنعاء وَسكن بهَا وَتزَوج، ورحل إِلَيْهِ سُفْيَان وَسمع مِنْهُ هُنَاكَ، وَسمع هُوَ أَيْضا من سُفْيَان. قَوْله: (الْأَيْمن فالأيمن) بِالنّصب على تَقْدِير: أعْط الْأَيْمن، وبالرفع على تَقْدِير: الْأَيْمن أَحَق، وَيدل على تَرْجِيح رِوَايَة الرّفْع قَوْله فِي بعض لَعَلَّهَا طرقه: الأيمنون الأيمنون. قَالَ أنس: فَهِيَ سنة فَهِيَ سنة فَهِيَ سنة. هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي طوالة عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: مَشْرُوعِيَّة تَقْدِيم من هُوَ على يَمِين الشَّارِب فِي الشّرْب وَإِن كَانَ مفضولاً بِالنِّسْبَةِ إِلَى من كَانَ على يسَار الشَّارِب، لفضل جِهَة الْيَمين على جِهَة الْيَسَار، وَهل هُوَ على جِهَة الِاسْتِحْبَاب أَو أَنه حق ثَابت للجالس على الْيَمين؟ فَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِنَّه سنة. قَالَ: وَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّهَا سنة وَاضِحَة، وَخَالف فِيهِ ابْن حزم فَقَالَ: لَا بُد من مناولة الْأَيْمن كَائِنا من كَانَ، فَلَا يجوز مناولة غير الْأَيْمن إلَاّ بِإِذن الْأَيْمن. قَالَ: وَمن لم يرد أَن يناول أحدا فَلهُ ذَلِك. فَإِن قلت: فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، أخرجه أَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سقى قَالَ: (ابدأوا بالكبراء، أَو قَالَ: بالأكابر) . فَكيف الْجمع بَين أَحَادِيث الْبَاب؟ قلت: يحْتَمل هَذَا الحَدِيث على مَا إِذا لم يكن على جِهَة يَمِينه ﷺ بل كَانَ الْحَاضِرُونَ تِلْقَاء وَجهه مثلا، أَو وَرَاءه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَأما تَقْدِيم الأفاضل والكبار فَهُوَ عِنْد التَّسَاوِي فِي بَاقِي الْأَوْصَاف، وَلِهَذَا يقدم الأعلم والأقرأ على الأسن النسيب فِي الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة. وَفِيه: أَن غير المشروب، مثل: الْفَاكِهَة وَاللَّحم وَنَحْوهمَا، هَل حكمه حكم المَاء؟ فَنقل عَن مَالك تَخْصِيص ذَلِك بالشرب، وَقَالَ ابْن عبد الْبر وَغَيره: لَا يَصح هَذَا عَن مَالك. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: يشبه أَن يكون قَول مَالك: إِن السّنة وَردت فِي الشّرْب خَاصَّة، وَإِنَّمَا يقدم الْأَيْمن فالأيمن فِي غَيره بِالْقِيَاسِ، لِأَن السّنة منصوصة فِيهِ وَكَيف مَا كَانَ فَالْعُلَمَاء متفقون على اسْتِحْبَاب التَّيَامُن فِي الشّرْب وأشباهه. وَفِيه: جَوَاز شوب اللَّبن بِالْمَاءِ لنَفسِهِ وَلأَهل بَيته ولأضيافه، وَإِنَّمَا يمْتَنع شوبه بِالْمَاءِ إِذا أَرَادَ بَيْعه لِأَنَّهُ غش. وَفِيه: أَن الجلساء شُرَكَاء فِي الْهَدِيَّة، وَذَلِكَ على جِهَة الْأَدَب والمروءة وَالْفضل والأخوة، لَا على الْوُجُوب، لإجماعهم على أَن الْمُطَالبَة بذلك غير وَاجِبَة لأحد. فَإِن قلت رُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ (جلساؤكم شركاؤكم فِي الْهَدِيَّة) : رويي أَنه، ﷺ ، قَالَ: جلساؤكم شركاؤكم فِي الْهَدِيَّة. فَإِن قلت: مَحْمُول على مَا ذكرنَا مَعَ أَن إِسْنَاده فِيهِ لين. وَفِيه: دلَالَة أَن من قدم إِلَيْهِ شَيْء من الْأكل أَو الشّرْب فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يسْأَل من أَيْن هُوَ وَمَا أَصله؟ إِذا علم طيب مكسب صَاحبه فِي الْأَغْلَب.
стр. 3607
الأسئلة والأجوبة فِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب:
الأول: مَا الْحِكْمَة فِي كَون ابْن عَبَّاس لم يُوَافق اسْتِئْذَان النَّبِي ﷺ لَهُ فِي أَن يقدم فِي الشّرْب من هُوَ أولى مِنْهُ بذلك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ ﷺ لم يَأْمُرهُ بذلك بقوله: أترك لَهُ حَقك، وَلَو أمره لأطاعه، فَلَمَّا لم يَقع مِنْهُ إلَاّ اسْتِئْذَانه لَهُ فِي ذَلِك فَقَط لم يفوت نَفسه حَظه من سُؤْر النَّبِي ﷺ .
الثَّانِي: مَا الْحِكْمَة فِي كَونه، ﷺ ، اسْتَأْذن ابْن عَبَّاس أَن يُعْطي خَالِد بن الْوَلِيد، قبله، وَلم يسْتَأْذن الْأَعرَابِي فِي أَن يُعْطي أَبَا بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبله؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَأْذن الْغُلَام دون الْأَعرَابِي إدلالاً على الْغُلَام، وَهُوَ ابْن عَبَّاس، ثِقَة بِطيب نَفسه بِأَصْل الأستئذان، والأشياخ أَقَاربه، وَأما الْأَعرَابِي فَلم يَسْتَأْذِنهُ مَخَافَة من إيحاشه فِي اسْتِئْذَانه فِي صرفه إِلَى أَصْحَابه، وَرُبمَا سبق إِلَى قلب ذَلِك الْأَعرَابِي شَيْء يأنف بِهِ لقرب عَهده بالجاهلية.
الثَّالِث: هَل من سبق إِلَى مجْلِس عَالم أَو كَبِير أَو إِلَى مَوضِع من الْمَسْجِد إو إِلَى مَوضِع مُبَاح فَهُوَ أَحَق بِهِ مِمَّن يَجِيء بعده أم لَا؟ أُجِيب: بِأَن الْحِكْمَة حكم الشّرْب، فِي أَن الْقَاعِد على الْيَمين أَحَق، كَائِنا من كَانَ، فَكَذَلِك هُنَا السَّابِق أَحَق كَائِنا من كَانَ، وَلَا يُقَام أحد من مجْلِس جلسه.
٢ - (بابُ منْ قالَ إنَّ صاحِبَ المَاءِ أحَقُّ بالمَاءِ حتَّى يَرْوَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (يرْوى) ، بِفَتْح الْوَاو: من الرّيّ، وَقَالَ ابْن بطال: لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن صَاحب المَاء أَحَق بِالْمَاءِ حَتَّى يَروى.
لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ
هَذَا تَعْلِيل للتَّرْجَمَة، وَوَجهه أَن منع فضل المَاء إِنَّمَا يتَوَجَّه إِذا فضل عَن حَاجَة صَاحبه، فَهَذَا يدل على أَنه أَحَق بمائه عِنْد عدم الْفضل، وَالْمرَاد من: حَاجَة صَاحبه، حَاجَة نَفسه وَعِيَاله وزرعه وماشيته، وَهَذَا فِي غير المَاء المحرز فِي الْإِنَاء، فَإِن المحرز فِيهِ لَا يجب بذل فَضله إلَاّ للْمُضْطَر، وَهُوَ الصَّحِيح. ثمَّ قَوْله: (لَا يمْنَع) على صِيغَة الْمَجْهُول، وبالرفع لِأَنَّهُ نفي بِمَعْنى النَّهْي، وَذكر عِيَاض أَنه فِي رِوَايَة أبي ذَر بِالْجَزْمِ بِلَفْظ النَّهْي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ عَقِيبه، كَمَا يجيىء الْآن.
٣٥٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن منع فضل المَاء يدل على أَن صَاحب المَاء أَحَق بِهِ عِنْد عدم الْفضل، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي ترك الْحِيَل عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي إحْيَاء الْموَات عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، أربعتهم عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ البُخَارِيّ، وَكَذَلِكَ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه من رِوَايَة سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد بِلَفْظ: لَا يمْنَع أحدكُم فضل المَاء يمْنَع بِهِ الْكلأ. وَفِي لفظ بِهَذَا الْإِسْنَاد: ثَلَاث لَا يمنعن: المَاء والكلأ وَالنَّار. وَأخرج ابْن مَاجَه أَيْضا من رِوَايَة حَارِث عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا يمْنَع فضل المَاء وَلَا يمْنَع نفع الْبِئْر. وَأخرج أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من منع فضل مَائه أَو فضل كلائه مَنعه الله فَضله. وَأخرج أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من منع فضل مَائه مَنعه الله فَضله يَوْم الْقِيَامَة. وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) من رِوَايَة مَكْحُول عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : لَا تمنعوا عباد الله فضل المَاء وَلَا كلأ وَلَا نَارا فَإِن الله جعلهَا مَتَاعا للموقين وَقُوَّة للمستضعفين.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يمْنَع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (ليمنع بِهِ) ، اللَّام هَذِه، وَإِن كَانَ النُّحَاة يَقُولُونَ إِنَّهَا لَام كي
стр. 3608
فَهِيَ لبَيَان الْعَاقِبَة والمآل، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزناً﴾ (الْقَصَص: ٨) . قَوْله: (الْكلأ) ، بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام وبالهمزة: العشب، سَوَاء كَانَ يَابسا أَو رطبا. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ اسْم للنوع وَلَا وَاحِد لَهُ، وَمعنى هَذَا الْكَلَام مَا قَالَه الْخطابِيّ: هَذَا فِي الرجل يحْفر الْبِئْر فِي الْموَات فيملكها بِالْإِحْيَاءِ، وبقرب الْبِئْر موَات فِيهِ كلأ ترعاه الْمَاشِيَة، وَلَا يكون لَهُم مقَام إِذا منعُوا المَاء، فَأمر صَاحب المَاء أَن لَا يمْنَع الْمَاشِيَة فضل مائَة لِئَلَّا يكون مَانِعا للكلأ. قلت: توضيح ذَلِك الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور: أَن يكون حول بِئْر رجل كلأ لَيْسَ عِنْده مَاء غَيره، وَلَا يُمكن أَصْحَاب الْمَوَاشِي رعيه إِلَّا إِذا مكنوا من سقِِي بهائمهم من تِلْكَ الْبِئْر لِئَلَّا يتضرروا بالعطش بعد الرَّعْي، فيستلزم مَنعهم من المَاء مَنعهم من الرَّعْي، وعَلى هَذَا يخْتَص الْبَذْل بِمن لَهُ مَاشِيَة، وَيلْحق بِهِ الرُّعَاة إِذا احتاجوا إِلَى الشّرْب لأَنهم إِذا منعُوا مِنْهُ امْتَنعُوا من الرَّعْي هُنَاكَ. وَقَالَ ابْن بزيزة: منع المَاء بعد الرّيّ من الْكَبَائِر، ذكره يحيى فِي (خراجه) .
٤٥٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ وأبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلأ. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٣٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي، ويروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم من رِوَايَة هِلَال بن أُسَامَة عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لَا يُبَاع فضل المَاء ليباع بِهِ الْكلأ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لَا يمْنَع فضل المَاء ليمنع بِهِ الْكلأ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة اللَّيْث عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، نَحْو رِوَايَة أبي دَاوُد.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أَن هَذَا النَّهْي للتَّحْرِيم أَو التَّنْزِيه؟ فَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وبنوا ذَلِك على أَن المَاء يملك أم لَا؟ فَالْأولى حمله على الْكَرَاهَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَالنَّهْي فِيهِ على التَّحْرِيم عِنْد مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ، وَنَقله الْخطابِيّ وَابْن التِّين عَن الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واستحبه بَعضهم وَحمله على النّدب، وَالأَصَح عندنَا أَنه يجب بذله للماشية لَا للزَّرْع. قلت: كَذَلِك مَذْهَب الْحَنَفِيَّة: الِاخْتِصَاص بالماشية، وَفرق الشَّافِعِي فِيمَا حَكَاهُ الْمُزنِيّ عَنهُ بَين الْمَوَاشِي وَالزَّرْع بِأَن الْمَاشِيَة ذَات أَرْوَاح يخْشَى من عطشها مَوتهَا بِخِلَاف الزَّرْع.
وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن صَاحب المَاء أَحَق بِهِ حَتَّى يُروى لِأَنَّهُ ﷺ نهى عَن بيع فضل المَاء، فَأَما من لَا يفضل لَهُ فَلَا يدْخل فِي هَذَا النَّهْي، لِأَن صَاحب الشَّيْء أولى بِهِ. وَتَأْويل الْمَنْع عِنْد مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وَغَيره: مَعْنَاهُ فِي آبار الْمَاشِيَة فِي الصَّحرَاء يحفرها الْمَرْء وبقربها كلأ مُبَاح، فَإِذا منع المَاء اخْتصَّ بالكلأ، فَأمر أَن لَا يمْنَع فضل المَاء لِئَلَّا يكون مَانِعا للكلأ. وَقَالَ القَاضِي فِي (إشرافه) فِي حافر الْبِئْر فِي الْموَات: لَا يجوز لَهُ منع مَا زَاد على قدر حَاجته لغيره بِغَيْر عوض، وَقَالَ قوم: يلْزمه بِالْعِوَضِ، أما حافرها فِي ملكه فَلهُ منع مَا عمل من ذَلِك، وَيكون أَحَق بِمَائِهَا حَتَّى يرْوى، وَيكون للنَّاس مَا فضل إلَاّ من مر بهم لشفاههم ودوابهم فَإِنَّهُم لَا يمْنَعُونَ كَمَا يمْنَع من سواهُم. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَهُ أَن يمْنَع من دُخُول أرضه وَأخذ مَائه لَا أَن لَا يكون لشفاههم ودوابهم مَاء فيسقيهم، وَلَيْسَ عَلَيْهِ سقِِي زرعهم. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ، نَاقِلا عَن القَاضِي بعلامة (قض) : اخْتلفت الرِّوَايَات فِي هَذَا الحَدِيث فروى البُخَارِيّ: لَا تمنعوا فضل المَاء لتمنعوا بِهِ فضل الْكلأ، مَعْنَاهُ: من كَانَ لَهُ بِئْر فِي موَات من الأَرْض لَا يمْنَع مَاشِيَة غَيره أَن ترد فضل مَائه الَّذِي زَاد على مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ ليمنعها بذلك عَن فضل الْكلأ، فَإِنَّهُ إِذا مَنعهم عَن فضل مَاء من الأَرْض لَا مَاء بهَا (مَا شيته) ، سواهُ لم يُمكن لَهُم الرَّعْي بهَا، فَيصير الْكلأ مَمْنُوعًا بِمَنْع المَاء. وروى مُسلم: لَا يُبَاع فضل المَاء ليمنع بِهِ الْكلأ. وَالْمعْنَى: لَا يُبَاع فضل المَاء ليباع بِهِ الْكلأ، أَي: لَا يُبَاع فضل المَاء ليصير بِهِ البَائِع لَهُ كالبائع للكلأ، فَإِن من أَرَادَ الرَّعْي فِي حوالي مَائه إِذا مَنعه من الْوُرُود على مَائه، إلَاّ بعوض اضْطر إِلَى شِرَائِهِ، فَيكون بَيْعه للْمَاء بيعا للكلأ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا يجب على صَاحب الْبِئْر بذل الْفَاضِل عَن حَاجته لزرع غَيره فِيمَا يملكهُ من
стр. 3609
المَاء، وَيجب بذله للماشية، وللوجوب شُرُوط: أَحدهَا: أَن لَا يجد صَاحب الْمَاشِيَة مَاء مُبَاحا. وَالثَّانِي: إِن يكون الْبَذْل لحَاجَة الْمَاشِيَة. وَالثَّالِث: أَن يكون هُنَاكَ مرعى، وَأَن يكون المَاء فِي مستقره، فالماء الْمَوْجُود فِي إِنَاء لَا يجب بذل فَضله على الصَّحِيح، ثمَّ عابروا السَّبِيل يبْذل لَهُم ولمواشيهم، وَلمن أَرَادَ الْإِقَامَة فِي الْموضع وَجْهَان، لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة فِي الْإِقَامَة، وَالأَصَح الْوُجُوب، وَإِذا أَوجَبْنَا الْبَذْل هَل يجوز أَن يَأْخُذ عَلَيْهِ أجرا كإطعام الْمُضْطَر؟ وَجْهَان وَالصَّحِيح: لَا، لِأَنَّهُ ﷺ نهى عَن بيع فضل المَاء.
٣ - (بابٌ منْ حَفَرَ بِئْراً فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من حفر بِئْرا فِي ملكه، فَإِنَّهُ لَا يضمن، لِأَن لَهُ التَّصَرُّف فِي ملكه.
٥٥٣٢ - حدَّثنا مَحْمُودٌ قَالَ أخبرنَا عُبَيْدُ الله عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي حَصِينٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ المَعْدِنُ جُبَارٌ والْبِئْرُ جُبَارٌ والْعَجْماءُ جُبارٌ وَفِي الرِّكازِ الخُمْسُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والبئر جَبَّار) ، يَعْنِي: هدر لَا شَيْء فِيهِ، وَالْمرَاد من جَبَّار الْبِئْر أَنه إِذا حفرهَا فِي مَوضِع يسوغ لَهُ حفرهَا، فَسقط فِيهَا أحد لَا ضَمَان عَلَيْهِ. وَقيل: مَعْنَاهُ أَن يسْتَأْجر من يحْفر لَهُ بِئْرا فانهارت عَلَيْهِ الْبِئْر فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب فِي الرِّكَاز الْخمس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ : العجماء جَبَّار والبئر جَبَّار والمعدن جَبَّار وَفِي الرِّكَاز الْخمس، هَهُنَا أخرجه: عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن أبي حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة: واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم، عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات السمان ... إِلَى آخِره.
وَعبيد الله بن مُوسَى هُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا، روى عَنهُ بِدُونِ وَاسِطَة فِي أول الْإِيمَان، وَهنا بِوَاسِطَة مَحْمُود.
قَوْله: (حَدثنَا مَحْمُود أخبرنَا عبيد الله) ، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنِي مَحْمُود وَأَخْبرنِي عبيد الله، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٤ - (بابُ الخُصُومَةِ فِي البِئْرِ والقَضَاءِ فِيها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخُصُومَة فِي الْبِئْر، وَفِي بَيَان الْقَضَاء، أَي: الحكم فِيهَا، أَي: فِي الْبِئْر.
٦٥٣٢
- ٧٥٣٢ حدَّثنا عَبْدَانُ عنْ أبي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ شَقيقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ منْ حَلَفَ عَلى يَمينٍ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امْرِىءٍ هُوَ عَلَيْها فاجِرٌ لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ فأنزلَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمانِهِمْ ثَمناً قَلِيلاً﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . الْآيَة فَجَاءَ الأشْعَثُ فَقَالَ مَا حَدَّثَكُمْ أبُو عبدِ الرَّحْمانِ فيَّ أُنْزِلَتْ هذِه الآيةُ كانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أرْضِ ابنِ عَمٍّ لِي فَقَالَ لِي شُهُودَكَ قُلْتُ مَا لِي شُهودٌ قَالَ فَيَمِينُهُ قُلْتُ يَا رسولَ الله إِذا يَحْلِف فَذَكَرَ النبيُّ ﷺ ...
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ حكم فِي الْبِئْر الْمَذْكُورَة بِطَلَب الْبَيِّنَة من الْمُدَّعِي وبيمين الْمُدعى عَلَيْهِ. عِنْد عجز الْمُدَّعِي عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة، وعبدان لقب عبد الله الْمروزِي، وَقد مر غير مرّة. وَأَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: مُحَمَّد ابْن مَيْمُون السكرِي، وَقد مر فِي: بَاب نفض الْيَدَيْنِ فِي الْغسْل، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وشقيق بن سَلمَة أَبُو وَائِل الْأَسدي الْكُوفِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، والأشعث بن قيس أَبُو مُحَمَّد الْكِنْدِيّ، وَفد إِلَى النَّبِي ﷺ سنة عشر من الْهِجْرَة فِي وَفد كِنْدَة، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا فأسلموا، وَكَانَ مِمَّن ارْتَدَّ بعد موت النَّبِي ﷺ ، ثمَّ أسلم وَله قصَّة طَوِيلَة.
стр. 3610
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَشْخَاص وَفِي الشَّهَادَات عَن مُحَمَّد بن سَلام، وَفِي الْأَشْخَاص أَيْضا عَن بشر بن خَالِد، وَفِي النذور عَن مُوسَى، وَفِي التَّفْسِير عَن حجاج بن الْمنْهَال، وَفِي الشّركَة عَن قُتَيْبَة، وَفِي النذور أَيْضا عَن بنْدَار، وَفِي الْأَحْكَام عَن إِسْحَاق بن نصر، وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن أبي بكر وَإِسْحَاق وَابْن نمير، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع وَعَن ابْن نمير عَن أَبِيه وَعَن إِسْحَاق عَن جرير بهوأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن عيس وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع وَفِي التَّفْسِير عَن هُنَا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء عَن هناد وَفِي التَّفْسِير عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب وَعَن مُحَمَّد بن قدامَة، وَلم يذكر حَدِيث عبد الله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعلي بن مُحَمَّد، وَفِي بعض الْأَلْفَاظ اخْتِلَاف.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يقتطع بهَا) ، أَي: بِالْيَمِينِ أَي: بِسَبَبِهَا، وَمعنى يقتطع: يَأْخُذ قِطْعَة بِسَبَب الْيَمين من مَال امرىء. قَوْله: (هُوَ عَلَيْهَا فَاجر) ، أَي: كَاذِب، وَهِي جملَة إسمية وَقعت حَالا بِلَا وَاو، كَمَا فِي قَوْلك: كَلمته فوه إِلَى فِي. قَوْله: (لَقِي الله تَعَالَى) ، يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا على الأَصْل. قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يَعْنِي بِالْغَضَبِ، إِرَادَة عُقُوبَة أَو عُقُوبَة نَفسهَا، إِذْ يعبر بِالْغَضَبِ عَن الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَإِذا لقِيه وَهُوَ يُرِيد عِقَابه أَو قد عاقبه جَازَ بعد ذَلِك أَن لَا يُرِيد عِقَابه وَأَن يدْفع عَنهُ تماديه إِن كَانَ أنزلهُ بِهِ، بِشَرْط أَن لَا يكون مُتَعَلق إِرَادَته عَذَاب واصب. وَقَالَ شَيخنَا: الظَّاهِر أَن المُرَاد بغضب الله مُعَامَلَته بمعاملة المغضوب عَلَيْهِ من كَونه لَا ينظر إِلَيْهِ وَلَا يكلمهُ، كَمَا ثَبت فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم، فَذكر مِنْهُم: وَرجل حلف على يَمِين كَاذِبَة بعد الْعَصْر ليقتطع بهَا مَال امرىء مُسلم) الحَدِيث، وَأما كَون المُرَاد بِالْغَضَبِ إِرَادَة الْعقُوبَة أَو الْعقُوبَة نَفسهَا فَإِنَّهُ يردهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث الْأَشْعَث بن قيس مَرْفُوعا: من حلف على يَمِين صبرا ليقتطع بهَا مَال امرىء مُسلم لَقِي الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ مُجْتَمع عَلَيْهِ غَضبا، عَفا الله عَنهُ أَو عاقبه) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، فَهَذَا يدل على أَنه لم يرد بِالْغَضَبِ إِرَادَة الْعقُوبَة أَو الْعقُوبَة، لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ عُقُوبَته لوقعت الْعقُوبَة على وفْق الْإِرَادَة.
ذكر اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِيهِ: فَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود والأشعث بن قيس وَمَعْقِل بن يسَار: لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، وَفِي بعض طرق حَدِيث الْأَشْعَث: لَقِي الله وَهُوَ أَجْذم، وَفِي رِوَايَة عمرَان بن حُصَيْن والْحَارث بن برصاء وَجَابِر بن عبد الله: فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة وَجَابِر بن عتِيك: أوجب الله لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة. وَفِي حَدِيث أبي سَوْدَة: إِن ذَلِك يعقم الرَّحِم، وَفِي حَدِيث سعيد بن زيد: إِنَّه لَا يُبَارك لَهُ فِيهَا، وَفِي حَدِيث ثَعْلَبَة بن صد مُغيرَة: نُكْتَة سَوْدَاء فِي قلبه، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عبد الله بن أنيس. فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: لَا مُنَافَاة بَين شَيْء من ذَلِك، فقد يجْتَمع لَهُ جَمِيع ذَلِك كُله نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَإِنَّمَا يشكل مِنْهُ رِوَايَة: حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار، فَيحمل ذَلِك على المستحل لذَلِك، أَو على تَقْدِير: أَن ذَلِك جَزَاؤُهُ إِن جازاه، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ (النِّسَاء: ٣٩) . وَالله أعلم.
ذكر بَيَان من خرج هَذِه الْأَحَادِيث: أما حَدِيث ابْن مَسْعُود فقد مضى الْآن. وَأما حَدِيث الْأَشْعَث بن قيس فَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَأخرجه بَقِيَّة الْأَئِمَّة. وَأما حَدِيث معقل بن يسَار فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة شُعْبَة عَن عِيَاض عَن أبي خَالِد، قَالَ: رَأَيْت رجلَيْنِ يختصمان عِنْد معقل بن يسَار، فَقَالَ معقل: قَالَ النَّبِي، ﷺ : (من حلف على يَمِين ليقتطع بهَا مَال رجل لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَأما حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من حلف على يَمِين مصبورة كَاذِبًا فَليَتَبَوَّأ بِوَجْهِهِ مَقْعَده من النَّار) ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ. وَأما حَدِيث الْحَارِث بن برصاء فَأخْرجهُ الْحَاكِم من رِوَايَة عبيد بن جريج عَن الْحَارِث بن برصاء، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من اقتطع مَال أَخِيه الْمُسلم بِيَمِين فاجرة فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، ليبلغ شاهدكم غائبكم، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَقَالَ: هَذَا صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا السِّيَاق. وَأما حَدِيث جَابر بن عبد الله فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن نسطاس عَن جَابر
стр. 3611
ابْن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من حلف على منبري هَذَا على يَمِين آثمة فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار) الحَدِيث، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة بن ثَعْلَبَة، واسْمه: إِيَاس، وَقيل: ثَعْلَبَة، وَالأَصَح أَنه إِيَاس، فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الله بن كَعْب بن مَالك عَن أبي أُمَامَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من اقتطع حق امرىء مُسلم بِيَمِينِهِ فقد أوجب الله لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة، فَقَالَ لَهُ رجل: وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَإِن كَانَ قَضِيبًا من أَرَاك) . وَأما حَدِيث جَابر بن عتِيك فَأخْرجهُ الْحَاكِم من رِوَايَة أبي سُفْيَان بن جَابر بن عتِيك عَن أَبِيه أَنه سمع رَسُول الله، ﷺ يَقُول: (من اقتطع مَال امرىء مُسلم بِيَمِينِهِ حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأدْخلهُ النَّار، قَالُوا: يَا رَسُول الله ﴿وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا؟ قَالَ: وَإِن كَانَ سواكاً، وَإِن كَانَ سواكاً) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَأما حَدِيث أبي سَوْدَة فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة معمر عَن شيخ من بني تَمِيم عَن أبي سَوْدَة، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: الْيَمين الْفَاجِرَة الَّتِي يقتطع بهَا الرجل مَال الْمُسلم يعقم الرَّحِم. وَأما حَدِيث سعيد بن زيد فَأخْرجهُ أَحْمد أَيْضا من رِوَايَة الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي سَلمَة أَن مَرْوَان قَالَ: إذهبوا فأصلحوا بَين هذَيْن، لسَعِيد بن زيد، وروى الحَدِيث وَفِيه: من اقتطع مَال امرىء مُسلم بِيَمِين فَلَا بَارك الله لَهُ فِيهَا، وَأخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ. وَأما حَدِيث ثَعْلَبَة بن مُغيرَة فَأخْرجهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك أَنه سمع ثَعْلَبَة يَقُول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من اقتطع مَال امرىء مُسلم بِيَمِين كَاذِبَة كَانَت نُكْتَة سَوْدَاء فِي قلبه لَا يغيرها شَيْء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَصَححهُ. وَأما حَدِيث عبد الله بن أنيس فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير من رِوَايَة مُحَمَّد بن زيد المُهَاجر عَن أبي أُمَامَة الْأنْصَارِيّ عَن عبد الله بن أنيس الْجُهَنِيّ: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من أكبر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، وَالْيَمِين الْغمُوس، وَمَا حلف حَالف بِاللَّه يَمِين صَبر فَأدْخل فِيهَا مثل جنَاح الْبَعُوضَة إلَاّ جعلهَا الله نُكْتَة فِي قلبه يَوْم الْقِيَامَة، وَأخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ.
قلت: وَفِي الْبَاب عَن أبي ذَر، وَعبد الله ابْن أبي أوفى وَأبي قَتَادَة، وَعبد الرَّحْمَن بن شبْل، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَوَائِل بن حجر، وَأبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ اسْمه: صدي ابْن عجلَان وَأَبُو مُوسَى، وعدي بن عميرَة.
أما حَدِيث أبي ذَر فَأخْرجهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة خَرشَة بن قُتَيْبَة الْحر عَن أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم. قلت: من هم يَا رَسُول الله فقد خابوا وخسروا؟ فَقَالَ: المنان والمسبل إزَاره والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب. وَأما حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى فَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي أَفْرَاده على مَا يَأْتِي. وَأما حَدِيث أبي قَتَادَة فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة معبد بن كَعْب ابْن مَالك عَن أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: إيَّاكُمْ وَكَثْرَة الْحلف فِي البيع فَإِنَّهُ ينْفق ثمَّ يمحق. وَأما حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن شبْل فَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن زيد بن سَلام عَن أبي سَلام عَن أبي رَاشد عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل، رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: إِن التُّجَّار هم الْفجار، فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله﴾ ألم يحل الله البيع؟ قَالَ: بلَى، وَلَكنهُمْ يحلفُونَ ويأثمون، وَزَاد أَحْمد: وَيَقُولُونَ فيكذبون) . وَأما حَدِيث مُعَاوِيَة فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن زيد بن سَلام عَن أبي سَلام عَن أبي رَاشد الحبراني عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل: أَن مُعَاوِيَة قَالَ: إِذا أتيت فسطاطي فَقُمْ فِي النَّاس فَأخْبرهُم مَا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ يَقُول: إِن التُّجَّار ... إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ الْآن، هَكَذَا أسْندهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند مُعَاوِيَة، وَكَأن الرِّوَايَة عِنْده فِيهِ: مَا سَمِعت، بِالضَّمِّ، وَأما حَدِيث وَائِل بن حجر فَأخْرجهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَلْقَمَة بن وَائِل (عَن أَبِيه، قَالَ: جَاءَ رجل من حضر موت وَرجل من كِنْدَة إِلَى النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ: يَا رَسُول الله! إِن هَذَا قد غلبني على أَرض لي ... الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ ، لما أدبر: أما لَئِن حلف على مَال ليأكله ظلما ليلقين الله وَهُوَ عَنهُ معرض) . وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ فَأخْرجهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي (التَّرْغِيب والترهيب) من رِوَايَة خصيب الْجَزرِي عَن أبي غَالب عَن أبي أُمَامَة: أَن رَسُول الله ﷺ (قَالَ: إِن التَّاجِر إِذا كَانَ فِيهِ أَربع خِصَال طَابَ كَسبه: إِذا اشْترى لم يذم، وَإِذا
стр. 3612
بَاعَ لم يمدح، وَلم يُدَلس فِي البيع، وَلم يحلف فِيمَا بَين ذَلِك) وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فَأخْرجهُ الْبَزَّار من حَدِيث ثَابت بن الْحجَّاج عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى: أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، فِي أَرض، أَحدهمَا من حَضرمَوْت فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ ، للْمُدَّعى عَلَيْهِ: أتحلف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إلَاّ هُوَ؟ فَقَالَ الْمُدَّعِي: يَا رَسُول الله لَيْسَ لي إلَاّ يَمِينه. قَالَ: نعم. قَالَ: إِذا يذهب بأرضي، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِن حلف كَاذِبًا لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلم يزكه وَله عَذَاب أَلِيم) ، قَالَ فتورع الرجل عَنْهَا فَردهَا عَلَيْهِ. وَأما حَدِيث عدي بن عميرَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: أَتَى النَّبِي، ﷺ ، رجلَانِ يختصمان فِي أَرض ... وَفِيه، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من حلف على مَال امرىء مُسلم لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، قَالَ: فَمن تَركهَا؟ قَالَ: لَهُ الْجنَّة) . وَفِي رِوَايَة: بَين امرىء الْقَيْس وَرجل من حَضرمَوْت، وَفِيه: فَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: يَا رَسُول الله! فَمَا لمن تَركهَا وَهُوَ يعلم أَنَّهَا حق؟ قَالَ: لَهُ الْجنَّة) .
(قَوْله مَا حَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن أَي أَي شَيْء حَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن وَهُوَ كنية عبد بن مَسْعُود
قَوْله: (فِي) ، بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (فَأنْزل الله ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ ... ﴾ (آل عمرَان: ٧٧)) الْآيَة، هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة آل عمرَان: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . يَعْنِي: إِن الَّذين يعتاضون عَمَّا هدَاهُم الله عَلَيْهِ من اتِّبَاع مُحَمَّد وَذكر صفته للنَّاس وَبَيَان أمره عَن أَيْمَانهم الكاذبة الْفَاجِرَة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وَهِي عرُوض هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا الفانية الزائلة ﴿أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: لَا نصيب لَهُم ﴿فِي الْآخِرَة﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . وَلَا حَظّ لَهُم مِنْهَا ﴿وَلَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . بِعَين رَحمته ﴿وَلَا يزكيهم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: وَلَا يطهرهم من الذُّنُوب والأدناس، بل يَأْمر بهم إِلَى النَّار ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . ثمَّ سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة فِي الْأَشْعَث بن قيس كَمَا ذكره فِي حَدِيث الْبَاب، وَذكر البُخَارِيّ لسَبَب نُزُولهَا وَجها آخر عَن عبد الله بن أبي أوفى: أَن رجلا أَقَامَ سلْعَة فِي السُّوق، فَحلف لقد إعطي بهَا مَا لم يُعْطه، ليوقع فِيهَا رجلا من الْمُسلمين. فَنزل ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ ... ﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . الْآيَة. وَذكر الواحدي أَن الْكَلْبِيّ قَالَ: إِن نَاسا من عُلَمَاء الْيَهُود أولي فاقة اقتحموا إِلَى كَعْب بن الْأَشْرَف، لَعنه الله، فَسَأَلَهُمْ: كَيفَ تعلمُونَ هَذَا الرجل يَعْنِي: سيدنَا رَسُول الله ﷺ فِي كتابكُمْ؟ قَالُوا: وَمَا تعلمه أَنْت؟ قَالَ: لَا. قَالُوا: نشْهد أَنه عبد الله وَرَسُوله، فَقَالَ كَعْب: لقد حرمكم الله خيرا كثيرا، فَقَالُوا: رويداً فَإِنَّهُ شبه علينا وَلَيْسَ هُوَ بالنعت الَّذِي نعت لنا، ففرح كَعْب لَعنه الله، فمارهم وَأنْفق عَلَيْهِم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَقَالَ عِكْرِمَة: نزلت فِي أبي رَافع وكنانة بن أبي الْحقيق وحيي بن أَخطب وَغَيرهم من رُؤُوس الْيَهُود، كتموا مَا عهد الله، ، إِلَيْهِم فِي التَّوْرَاة فِي شَأْن مُحَمَّد ﷺ وبدلوه وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِم غَيره، وحلفوا أَنه من عِنْد الله، لِئَلَّا يفوتهُمْ الرشاء والمأكل الَّتِي كَانَت لَهُم على أتباعهم. قَوْله: (كَانَت لي بِئْر فِي أَرض) زعم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن أَبَا حَمْزَة تفرد بِذكر الْبِئْر عَن الْأَعْمَش قَالَ: وَلَا أعلم فِيمَن رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش إلَاّ قَالَ فِي أَرض، وَالْأَكْثَرُونَ أولى بِالْحِفْظِ من أبي حَمْزَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن أَبَا حَمْزَة لم ينْفَرد بِهِ، لِأَن أَبَا عوَانَة رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش فِي كتاب الْأَيْمَان وَالتَّفْسِير عَن أبي وَائِل عَن عبد الله، وَفِيه: قَالَ الْأَشْعَث: كَانَت لي بِئْر فِي أَرض ابْن عَم لي، وسيجىء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ من حَدِيث عَليّ بن مسْهر عَن الْأَعْمَش، وَقَالَ الطرقي: رَوَاهُ عَن أبي وَائِل مَنْصُور وَالْأَعْمَش، فمنصور لم يرفع قَول عبد الله إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَالْأَعْمَش يَقُول: قَالَ عبد الله، قَالَ رَسُول الله ﷺ ، وَكَذَا ذكره الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَقَالَ الطرقي: رَوَاهُ عبد الْملك بن أَيمن وجامع بن أبي رَاشد وَمُسلم البطين عَن أبي وَائِل عَن عبد الله مَرْفُوعا، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْأَشْعَث، وَرَوَاهُ كرْدُوس التغلبي عَن الْأَشْعَث ابْن قيس الْكِنْدِيّ عَن النَّبِي ﷺ ، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ الْمزي: وَمن مُسْند الْأَشْعَث بن قيس أبي مُحَمَّد الْكِنْدِيّ عَن النَّبِي ﷺ ، مَقْرُونا بِعَبْد الله بن مَسْعُود، وَرُبمَا جَاءَ الحَدِيث عَن أَحدهمَا مُفردا. قَوْله: (ابْن عَم لي) واسْمه معدان بن الْأسود بن سعد بن معدي كرب الْكِنْدِيّ، والأشعث بن قيس بن معدي كرب، وَقيس وَالْأسود أَخَوان، ولقبه الجفشيش على وزن فعليل بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْفَاء وبالشينين المعجمتين أولاهما مَكْسُورَة بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة. وَقيل: بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، وَقيل: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَبَقِيَّة الْحُرُوف على حَالهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: إسمه جرير، وكنيته أَبُو الْخَيْر. قلت: الْأَصَح هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَقَالَ لي: شهودك) ، أَي: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ، وشهودك، بِالنّصب
стр. 3613
على تَقْدِير: أقِم أَو أحضر شهودك، وَكَذَا: يَمِينه، بِالنّصب أَي: فاطلب يَمِينه، ويروى بِالرَّفْع فيهمَا، وَالتَّقْدِير: فالمثبت لدعواك شهودك أَو فالحجة القاطعة بَيْنكُمَا يَمِينه، فَيكون إرتفاعهما على أَنَّهُمَا خَبرا مبتدأين محذوفين. قَوْله: (إِذا يحلف) قَالَ الْكرْمَانِي: و: يحلف، بِالنّصب لَا غير. قلت: كلمة إِذا حرف جَوَاب وَجَزَاء ينصب الْفِعْل الْمُسْتَقْبل، مثل مَا يُقَال: أَنا آتِيك، فَيَقُول: إِذا أكرمك، وَإِنَّمَا قَالَ: بِالنّصب لَا غير، لِأَنَّهَا تصدرت فَيتَعَيَّن النصب، بِخِلَاف مَا إِذا وَقعت بعد الْوَاو وَالْفَاء فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: أَن الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي، وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا أنكر، وَبِه اسْتدلَّ من يَقُول: إِنَّه إِذا اعْترف الْمُدَّعِي أَنه لَا بَينه لَهُ لم يقبل دَعْوَاهُ بعد ذَلِك، ورد بِأَنَّهُ: لَيْسَ فِيهِ حجَّة على ذَلِك لِأَن الْأَشْعَث لم يدعِ بعد ذَلِك أَن لَهُ بَينه. وَفِيه: أَن للْحَاكِم أَن يطْلب الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عِنْد عدم الْبَيِّنَة، وَإِن لم يَطْلُبهُ صَاحب الْحق، لِأَن النَّبِي ﷺ أمره بِالْحلف. وَفِيه: إبِْطَال مَسْأَلَة الظفر، لِأَنَّهُ ﷺ ردده بَين الْبَيِّنَة وَالْيَمِين، فَدلَّ على عدم الْأَخْذ بِغَيْر ذَلِك، وأصرح من هَذَا قَوْله، ﷺ فِي حَدِيث وَائِل بن حجر عِنْد مُسلم، وَقد ذَكرْنَاهُ: لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَاّ ذَلِك.
٥ - (بابُ إثْمِ مِنْ مَنَعَ ابنَ السَّبِيلِ مِنَ المَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من منع ابْن السَّبِيل أَي: الْمُسَافِر من المَاء الْفَاضِل عَن حَاجته، وَهَذَا الْقَيْد لَا بُد مِنْهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب: رجل لَهُ فضل مَاء بِالطَّرِيقِ فَمَنعه من ابْن السَّبِيل، وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ دلَالَة على أَن صَاحب الْبِئْر أولى من ابْن السَّبِيل عِنْد الْحَاجة، فَإِذا أَخذ حَاجته لم يجز لَهُ منع ابْن السَّبِيل.
٧ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْأَعْمَش قَالَ سَمِعت أَبَا صَالح يَقُول سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم رجل كَانَ لَهُ فضل مَاء بِالطَّرِيقِ فَمَنعه من ابْن السَّبِيل وَرجل بَايع إِمَامًا لَا يبايعه إِلَّا لدُنْيَا فَإِن أعطَاهُ مِنْهَا رَضِي وَإِن لم يُعْطه مِنْهَا سخط وَرجل أَقَامَ سلْعَته بعد الْعَصْر فَقَالَ وَالله الَّذِي لَا إِلَه غَيره لقد أَعْطَيْت بهَا كَذَا وَكَذَا فَصدقهُ رجل ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله رجل كَانَ لَهُ فضل مَاء بِالطَّرِيقِ فَمَنعه من ابْن السَّبِيل فَإِنَّهُ أحد الثَّلَاثَة الَّذين أخبر النَّبِي ﷺ َ - بِأَن الله لَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم وَلَو لم يَأْثَم مَانع ابْن السَّبِيل من المَاء الْفَاضِل عَنهُ لما اسْتحق هَذَا الْوَعيد. وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف الْبَصْرِيّ وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان قَوْله " ثَلَاثَة " أَي ثَلَاثَة أشخاص وارتفاعه على أَنه مُبْتَدأ وَقَوله لَا ينظر الله إِلَيْهِم خَبره وَهَذَا عبارَة عَن عدم الْإِحْسَان إِلَيْهِم قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ هُوَ كِنَايَة عَنهُ فِيمَن يجوز عَلَيْهِ النّظر مجَاز فِيمَا لَا يجوز عَلَيْهِ والتنصيص على الْعدَد لَا يُنَافِي الزَّائِد فَالَّذِي ذكره من الْوَعيد لَا ينْحَصر فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة قَوْله " وَلَا يزكيهم " أَي يثني عَلَيْهِم أَولا يطهرهم من الذُّنُوب قَوْله " رجل " مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره من الثَّلَاثَة رجل قَوْله " كَانَ لَهُ فضل مَاء " جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لرجل قَوْله " فَمَنعه " أَي فَمنع الْفَاضِل من المَاء قَوْله " وَرجل " أَي الثَّانِي من الثَّلَاثَة رجل بَايع إِمَامًا المُرَاد هُوَ الإِمَام الْأَعْظَم وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره بَايع إِمَامه وَالْمرَاد من الْمُبَايعَة هُنَا هُوَ المعاقدة عَلَيْهِ والمعاهدة فَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْده من صَاحبه وَأَعْطَاهُ خَالِصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره قَوْله " إِلَّا لدُنْيَا " أَي إِلَّا لأجل شَيْء يحصل لَهُ من مَتَاع الدُّنْيَا وَكلمَة دنيا غير منون واضمحل مِنْهَا معنى الوصفية لغَلَبَة الإسمية عَلَيْهَا فَلَا تحْتَاج إِلَى من وَنَحْوه وَالْفَاء فِي قَوْله فَإِن أعطَاهُ تفسيرية تفسر مبايعته للْإِمَام للدنيا قَوْله " أَقَامَ " من قَامَت السُّوق إِذا نفقت قَوْله " سلْعَته " أَي مَتَاعه قَوْله بعد الْعَصْر هَذَا لَيْسَ بِقَيْد وَإِنَّمَا خرج هَذَا مخرج
стр. 3614
الْغَالِب إِذْ كَانَت عَادَتهم الْحلف بِمثلِهِ وَذَلِكَ لِأَن الْغَالِب أَن مثله كَانَ يَقع فِي آخر النَّهَار حَيْثُ أَرَادوا الانعزال عَن السُّوق والفراغ عَن معاملتهم وَقيل خصص الْعَصْر بِالذكر لما فِيهِ من زِيَادَة الجراءة إِذْ التَّوْحِيد هُوَ أساس التنزيهات وَالْعصر هُوَ وَقت صعُود مَلَائِكَة النَّهَار وَلِهَذَا يغلظ فِي إِيمَان اللّعان بِهِ وَقيل لِأَن وَقت الْعَصْر وَقت تعظم فِيهِ الْمعاصِي لارْتِفَاع الْمَلَائِكَة بِالْأَعْمَالِ إِلَى الرب تَعَالَى فيعظم أَن يرتفعوا بِالْمَعَاصِي وَيكون آخر عمله هُوَ الْمَرْفُوع فالخواتم هِيَ المرجوة وَإِن كَانَت الْيَمين الْفَاجِرَة مُحرمَة كل وَقت قَوْله " لقد أَعْطَيْت " على صِيغَة الْمَجْهُول وَقد أكد يَمِينه الْفَاجِرَة بمؤكدات وَهِي بتوحيد الله تَعَالَى وباللام وَكلمَة قد الَّتِي للتحقيق هُنَا قَوْله " فَصدقهُ رجل " أَي المُشْتَرِي وَاشْتَرَاهُ بذلك الثّمن الَّذِي حلف أَنه أعْطِيه بِكَذَا اعْتِمَادًا على حلفه (وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ) مَا ذكرنَا أَن صَاحب المَاء أولى بِهِ عِنْد حَاجته وَفِي التَّوْضِيح فَإِذا كَانَ المَاء مِمَّا يحل مَنعه منع إِلَّا بِالثّمن إِلَّا أَن لَا يكون مَعَهم وَأما الْمَوَاشِي والسقاة الَّتِي لَا يحل منع مَائِهَا فَلَا يمْنَعُونَ فَإِن منعُوا قوتلوا وَكَانَ هدرا وَإِن أُصِيب طَالب المَاء كَانَت دِيَته على صَاحب المَاء مَعَ الْعقُوبَة والسجن كَذَا قَالَه الدَّاودِيّ وَقَالَ ابْن التِّين أَنَّهَا على عَاقِلَته إِن مَاتَ عطشا وَإِن أُصِيب أحد من الْمُسَافِرين أَخذ بِهِ جَمِيع مَا نعى وَقتلُوا بِهِ -
٦ - (بابُ سكْرِ الأنْهارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم سكر الْأَنْهَار، السكر، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف: سد المَاء وحبسه، يُقَال: سكرت النَّهر إِذا سددته. وَقَالَ صَاحب (الْعين) السكر، اسْم ذَلِك السد، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: وَأَصله من: سكرت الرّيح: سكن هبوبها، وَفِي (الْمغرب) : السكر، بِالْكَسْرِ الِاسْم وَقد جَاءَ فِيهِ الْفَتْح على تَسْمِيَته بِالْمَصْدَرِ.
حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني ابنُ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَبد لله بنِ الزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ حدَّثَهُ أنَّ رجُلاً مِنَ الأنْصَارِ خاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْ النبيِّ ﷺ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ سَرِّحِ المَاءَ يَمُرُّ فأبَى عَلَيْهِ فاخْتَصَمَا عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ للزُّبَيْرِ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ المَاءَ إلَى جارِكَ فغَضِبَ الأنْصَارِيُّ فقالَ إنْ كانَ ابنِ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رسولِ الله ﷺ ثُمَّ قَالَ إسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حتَّى يَرْجِعَ إلَى الجَدْرِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَالله إنِّي لأحْسِبُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا ورَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (سرح المَاء يمر فَأبى عَلَيْهِ) أَي: امْتنع عَلَيْهِ وَلم يسرح المَاء بل سكره. والْحَدِيث صورته صُورَة الْإِرْسَال وَلكنه مُتَّصِل فِي الْمَعْنى.
وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي القضايا عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة وَفِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ.
قَوْله: (رجلا من الْأَنْصَار خَاصم الزبير) يَعْنِي: الزبير بن الْعَوام أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، قَالَ شَيخنَا: لم يَقع تَسْمِيَة هَذَا الرجل فِي شَيْء من طرق الحَدِيث فِيمَا وقفت عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ الزبير وَبَقِيَّة الروَاة أَرَادوا ستره لما وَقع مِنْهُ، وَحكى الدَّاودِيّ فِيمَا نَقله القَاضِي عِيَاض عَنهُ: أَن هَذَا الرجل كَانَ منافقاً. فَإِن قلت: ذكر فِيهِ أَنه من الْأَنْصَار؟ قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: لَا يُخَالف هَذَا قَوْله فِيهِ: أَنه من الْأَنْصَار، لِأَنَّهُ يكون من قبيلتهم لَا من أنصار الْمُسلمين. قلت: يُعَكر على هَذَا قَول البُخَارِيّ فِي كتاب الصُّلْح: أَنه من الْأَنْصَار قد شهد بَدْرًا، وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا قَوْله فِي الحَدِيث فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَغَيره: فَغَضب الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، وَلم يكن غير الْمُسلمين يخاطبونه، ﷺ ، بقَوْلهمْ: يَا رَسُول الله، وَإِنَّمَا كَانُوا يَقُولُونَ: يَا مُحَمَّد، وَلَكِن أجَاب الدَّاودِيّ عَن هَذَا الرجل بعد أَن جزم أَنه كَانَ منافقاً، بِأَنَّهُ وَقع مِنْهُ ذَلِك قبل شُهُوده
стр. 3615
بَدْرًا لانْتِفَاء النِّفَاق عَمَّن شهد بَدْرًا، وَأما قَوْله: من الْأَنْصَار، فَيحمل على الْمَعْنى اللّغَوِيّ، يَعْنِي: مِمَّن كَانَ ينصر النَّبِي، ﷺ ، لَا بِمَعْنى أَنه كَانَ من الْأَنْصَار الْمَشْهُورين، وَقد أجَاب التوربشتي عَن هَذَا بقوله: قد اجترأ جمع بِنِسْبَة هَذَا الرجل إِلَى النِّفَاق وَهُوَ بَاطِل، إِذْ كَونه أَنْصَارِيًّا وصف مدح، وَالسَّلَف احترزوا أَن يطلقوا على من اتهمَ بالنفاق الْأنْصَارِيّ، فَالْأولى أَن يُقَال: هَذَا قَول أزله الشَّيْطَان فِيهِ عِنْد الْغَضَب، وَلَا يستبدع من الْبشر الِابْتِلَاء بأمثال ذَلِك. قلت: هَذَا اعْتِرَاف مِنْهُ أَن الَّذِي خَاصم الزبير هُوَ حَاطِب، وَلكنه أبطل اتصافه بالنفاق، واعتراف مِنْهُ أَنه أَنْصَارِي، وَلَيْسَ بِأَنْصَارِيِّ إلَاّ إِذا حملنَا ذَلِك على الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا.
وَقد سَمَّاهُ الواحدي فِي (أَسبَاب النُّزُول) وَقَالَ: إِنَّه حَاطِب بن أبي بلتعة، وَكَذَا سَمَّاهُ مُحَمَّد بن الْحسن النقاش ومكي والمهدوي، ورد عَلَيْهِم بِأَن حَاطِبًا مُهَاجِرِي وَلَيْسَ من الْأَنْصَار، وَلَكِن يحسن حمله على الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ الواحدي: وَقيل: إِنَّه ثَعْلَبَة بن حَاطِب، وَقَالَ ابْن بشكوال فِي (المبهمات) ؛ وَقَالَ شَيخنَا أَبُو الْحسن مغيث مرَارًا: إِنَّه ثَابت بن قيس بن شماس، قَالَ: وَلم يَأْتِ على ذَلِك بِشَاهِد ذكره.
وَذكر أَبُو بكر بن الْمقري فِي (مُعْجَمه) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة: أَن حميدا رجلا من الْأَنْصَار خَاصم الزبير فِي شراج الْحرَّة ... الحَدِيث. قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ: هَذَا حَدِيث صَحِيح لَهُ طرق وَلَا أعلم فِي شَيْء مِنْهَا ذكر حميد إلَاّ فِي هَذِه الطَّرِيق. وَقَالَ: حميد، بِضَم الْحَاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة. قلت: روى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب، سمعته من الزُّهْرِيّ: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . الْآيَة، قَالَ: نزلت فِي الزبير بن الْعَوام وحاطب بن أبي بلتعة اخْتَصمَا فِي مَاء ... الحَدِيث، فَهَذَا إِسْنَاده قوي، وَإِن كَانَ مُرْسلا، وَإِن كَانَ ابْن الْمسيب سَمعه من الزبير يكون مَوْصُولا فَهَذَا يُقَوي قَول من قَالَ: إِن الَّذِي خَاصم الزبير حَاطِب بن أبي بلتعة، وَهُوَ بَدْرِي وَلَيْسَ من الْأَنْصَار. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْعلمَاء: لَو صدر مثل هَذَا الْكَلَام الْيَوْم من إِنْسَان جرت على قَائِله أَحْكَام الْمُرْتَدين فَيجب قَتله بِشَرْطِهِ، قَالُوا: وَأما ترك النَّبِي، ﷺ ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي أول الْإِسْلَام يتألف النَّاس وَيدْفَع بِالَّتِي هِيَ أحسن ويصبر على أَذَى الْمُنَافِقين الَّذين فِي قُلُوبهم مرض.
وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: فَلَمَّا خرجا يَعْنِي: الزبير وحاطباً مرا على الْمِقْدَاد، فَقَالَ: لمن كَانَ الْقَضَاء يَا أَبَا بلتعة؟ فَقَالَ: قضى لِابْنِ عمته، ولوى شدقه، فطن لَهُ يَهُودِيّ كَانَ مَعَ الْمِقْدَاد فَقَالَ: قَاتل الله هَؤُلَاءِ، يشْهدُونَ أَنه رَسُول الله ثمَّ يَتَّهِمُونَهُ فِي قَضَاء يقْضِي بَينهم، وأيم الله! لقد أَذْنَبْنَا مرّة فِي حَيَاة مُوسَى، ﵊، فَدَعَانَا مُوسَى إِلَى التَّوْبَة مِنْهُ، فَقَالَ: اقْتُلُوا أَنفسكُم، فَقَتَلْنَا، فَبلغ قَتْلَانَا سبعين ألفا فِي رَبنَا حَتَّى رَضِي عَنَّا. قلت: هَذَا مَوضِع تَأمل.
قَوْله: (فِي شراج الْحرَّة) ، الشراج، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَفِي آخِره جِيم، قيل: هُوَ وَاحِد، وَقيل: هُوَ جمع شرج، مثل: رهن ورهان وبحر وبحار. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمعَانِي: الشرج مسيل المَاء من الْحزن إِلَى السهل، وَالْجمع شراج وشروج وشرج، وَقيل: الشرج جمع شراج والشراج جمع شرج. وَفِي (الْمُحكم) : وَيجمع على أشراج، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: شريج الْحرَّة، وَإِنَّمَا أضيف إِلَى الْحرَّة لكَونهَا فِيهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: الشراج نهر عِنْد الْحرَّة بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا غَرِيب وَلَيْسَ بِالْمَدِينَةِ نهر، والحرة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: من الأَرْض الصلبة الغليظة الَّتِي أفنيتها كلهَا حِجَارَة سود نخرة، كَأَنَّهَا مطرَت، وَالْجمع: حرات وحرار، وَفِي (مثلث) ابْن سَيّده: وَيجمع أَيْضا على حرون، وبالمدينة حرتان: حرَّة واقم وحرة لبلى، زَاد ابْن عديس فِي (الْمثنى والمثلث) : وحرة الْحَوْض من الْمَدِينَة والعقيق، وحرة قبا فِي قبْلَة الْمَدِينَة، وَزَاد ياقوت: وحرة الْوَبرَة بِالتَّحْرِيكِ، وأوله وَاو بعْدهَا بَاء مُوَحدَة، على أَمْيَال من الْمَدِينَة، وحرة النَّار قرب الْمَدِينَة. قَوْله: (الَّتِي يسقون بهَا) ، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب: كَانَا يسقيان بِهِ كِلَاهُمَا. قَوْله: (سرح المَاء) ، أَمر من التسريح: أَي: أرْسلهُ وسيِّبه، وَمِنْه: سرحوا المَاء فِي الخَنْدَق. قَوْله: (يمر) ، جملَة وَقعت حَالا من المَاء، وَقَالَ بَعضهم: وَضبط الْكرْمَانِي: فَأمره، بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء على أَنه فعل أَمر من الإمرار. قَالَ: وَهُوَ مُحْتَمل. قلت: لم أرَ ذَلِك فِي شرح الْكرْمَانِي، فَإِن كَانَت النّسخ مُخْتَلفَة فَلَا يبعد. قَوْله: (فَأبى عَلَيْهِ) ، أَي: امْتنع الزبير على الَّذِي خاصمه من إرْسَال المَاء، وَإِنَّمَا قَالَ الْأنْصَارِيّ ذَلِك لِأَن المَاء كَانَ يمر بِأَرْض الزبير قبل أَرض الْأنْصَارِيّ فحبسه لإكمال سقِِي أرضه، ثمَّ يُرْسِلهُ إِلَى أَرض جَاره، فالتمس مِنْهُ الْأنْصَارِيّ تَعْجِيل ذَلِك فَأبى عَلَيْهِ. قَوْله: (إسق يَا زبير) ، بِكَسْر الْهمزَة: من سقى يسْقِي، من بَاب ضرب يضْرب، وَحكى ابْن التِّين بِفَتْح الْهمزَة
стр. 3616
من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ من: أسْقى يسْقِي إسقاء، وَقَالَ بَعضهم: حكى ابْن التِّين بِهَمْزَة قطع من الرباعي. قلت: هَذَا لَيْسَ بمصطلح فَلَا يُقَال: رباعي إلَاّ لكلمة أصُول حروفها أَرْبَعَة أحرف، وَسَقَى ثلاثي مُجَرّد، فَلَمَّا زيد فِيهِ الْألف صَار ثلاثياً مزيداً فِيهِ. قَوْله: (إِن كَانَ ابْن عَمَّتك) ، بِفَتْح همزَة: أَن، وَأَصله: لِأَن كَانَ فَحذف اللَّام، وَمثل هَذَا كثير، وَالتَّقْدِير: حكمت لَهُ بالتقديم لأجل أَنه ابْن عَمَّتك؟ وَكَانَت أم الزبير صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب وَهِي عمَّة النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ ابْن مَالك: يجوز فِيهِ الْفَتْح وَالْكَسْر لِأَنَّهَا وَاقعَة بعد كَلَام تَامّ مُعَلل بمضمون مَا صدر بهَا، فَإِذا كسرت قدر قبلهَا ألفا، وَإِذا فتحت قدر اللَّام قبلهَا، وَقد ثَبت الْوَجْهَانِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿نَدْعُوهُ إِنَّه هُوَ الْبر الرَّحِيم﴾ (الطّور: ٨٢) . بِالْفَتْح، قَرَأَ نَافِع وَالْكسَائِيّ وَالْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ، وَقَالَ بَعضهم: وَحكى الْكرْمَانِي: إِن كَانَ، بِكَسْر الْهمزَة على أَنَّهَا شَرْطِيَّة، وَالْجَوَاب مَحْذُوف، قَالَ: وَلَا أعرف هَذِه الرِّوَايَة، نعم وَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق، فَقَالَ: إعدل يَا رَسُول الله، وَإِن كَانَ ابْن عَمَّتك؟ وَالظَّاهِر أَن هَذِه بِالْكَسْرِ. انْتهى. قلت: لم يذكر الْكرْمَانِي هَذَا فِي شَرحه، وَإِن ذكره فَلهُ وَجه موجه يدل عَلَيْهِ رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق، لِأَن: إِن، فِيهَا بِالْكَسْرِ جزما فَلَا يحْتَاج إلَاّ أَن يُقَال: وَالظَّاهِر أَن هَذِه بِالْكَسْرِ، وَأَيْضًا عدم مَعْرفَته بِهَذِهِ الرِّوَايَة لَا يسْتَلْزم الْعَدَم مُطلقًا. فَافْهَم. قَوْله: (فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله ﷺ ، أَي: تغير، وَهَذَا كِنَايَة عَن الْغَضَب، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق: حَتَّى عرفنَا أَن قد سَاءَهُ مَا قَالَ. قَوْله: (ثمَّ احْبِسْ المَاء) ، لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ أمسك المَاء، بل أمسك نَفسك عَن السَّقْي حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر، أَي: حَتَّى يصير إِلَيْهِ، والجدر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة، وَهُوَ: جر الْجِدَار الَّذِي هُوَ الْحَائِل بَين المشارب وَهُوَ الحواجز الَّتِي تحبس المَاء. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ: وَرَوَاهُ بَعضهم حَتَّى يبلغ الْجدر، بِضَم الْجِيم وَالدَّال: جمع جِدَار، وَقَالَ ابْن التِّين: ضبط فِي أَكثر الرِّوَايَات بِفَتْح الدَّال، وَفِي بَعْضهَا بِالسُّكُونِ، وَهُوَ الَّذِي فِي اللُّغَة، وَهُوَ أصل الْحَائِط. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لم يَقع فِي الرِّوَايَة إلَاّ بِالسُّكُونِ، وَالْمعْنَى: أَن يصل المَاء إِلَى أصُول النّخل، قَالَ: ويروى بِكَسْر الْجِيم وَهُوَ الْجِدَار، وَالْمرَاد بِهِ: جدران الشربات، وَهِي الْحفر الَّتِي تحفر فِي أصُول النّخل، والشربات، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة: جمع شربة بالفتحات، قَالَ ابْن الْأَثِير: هِيَ حَوْض يكون فِي أصل النَّخْلَة وحولها يمْلَأ بِمَاء لتشربه، وَحكى الْخطابِيّ: الجذر، بِسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة، وَهُوَ جذر الْحساب، وَالْمعْنَى: حَتَّى يبلغ تَمام الشّرْب. قَوْله: (فَقَالَ الزبير: وَالله إِنِّي لأحسب هَذِه الْآيَة نزلت فِي ذَلِك: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ (النِّسَاء: ٥٦) .) . وَزَاد شُعَيْب فِي رِوَايَته: ﴿ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . قَوْله هَذِه الْآيَة إِشَارَة إِلَى قَوْله: ﴿فَلَا وَرَبك﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . قَوْله: (فِي ذَلِك) أَي: فِيمَا ذكر من أمره مَعَ خَصمه، وَقَالَ بَعضهم: الزبير كَانَ لَا يجْزم بذلك. قلت: قَوْله: وَالله، يَقْتَضِي الْجَزْم وَيرد معنى الظَّن فِي قَوْله: لأحسب، لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: لأعد هَذِه الْآيَة أَنَّهَا نزلت فِي ذَلِك، وَلَا سِيمَا قَالَ الزبير فِي رِوَايَة ابْن جريج الَّتِي تَأتي عَن قريب: وَالله إِن هَذِه الْآيَة أنزلت فِي ذَلِك، فَانْظُر كَيفَ أكد كَلَامه بالقسم وَبِأَن وَبِالْجُمْلَةِ الإسمية، وَكَيف لَا يكون الْجَزْم بِهَذِهِ المؤكدات مَعَ أَن هَذَا الْقَائِل قَالَ: لَكِن وَقع فِي رِوَايَة أم سَلمَة عِنْد الطَّبَرِيّ وَالطَّبَرَانِيّ الْجَزْم بذلك، وَأَنَّهَا نزلت فِي قصَّة الزبير وخصمه.
قلت: رَوَاهُ الواحدي أَيْضا فِي (أَسبَاب النُّزُول) من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة: عَن عَمْرو بن دِينَار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن أبي سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن أم سَلمَة: أَن الزبير بن الْعَوام خَاصم رجلا، فَقضى رَسُول الله ﷺ للزبير، وَقَالَ الرجل: إِنَّمَا قضى لَهُ لِأَنَّهُ ابْن عمته، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ ... ﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . الْآيَة. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن مرْدَوَيْه: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن دُحَيْم حَدثنَا أَحْمد بن حَازِم حَدثنَا الْفضل بن دُكَيْن حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سَلمَة رجل من آل أبي سَلمَة قَالَ: خَاصم الزبير رجلا إِلَى النَّبِي ﷺ فَقضى للزبير، فَقَالَ الرجل: إِنَّمَا قضى لَهُ لِأَنَّهُ ابْن عمته فَنزلت: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ... ﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . الْآيَة.
وَهنا سَبَب آخر غَرِيب جدا قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى قِرَاءَة عَلَيْهِ أخبرنَا ابْن وهب أَخْبرنِي عبد الله بن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود، قَالَ: اخْتصم رجلَانِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقضى بَينهمَا، فَقَالَ الَّذِي قضى عَلَيْهِ: ردنا إِلَى عمر بن الْخطاب، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إنطلقا إِلَيْهِ، قَالَ الرجل: يَا ابْن الْخطاب قضى لي رَسُول الله ﷺ على هَذَا، فَقَالَ: ردنا إِلَى عمر فَرَدَّنَا إِلَيْك، فَقَالَ: أَكَذَلِك؟ فَقَالَ: نعم. فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: مَكَانكُمَا حَتَّى أخرج
стр. 3617
إلَيْكُمَا فأقضي بَيْنكُمَا، فَخرج إِلَيْهِمَا مُشْتَمِلًا على سَيْفه، فَضرب الَّذِي قَالَ: ردنا إِلَى عمر، فَقتله وَأدبر الآخر فَارًّا إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! قتل عمر وَالله صَاحِبي، وَلَوْلَا أَنِّي أَعْجَزته لَقَتَلَنِي، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا كنت أَظن أَن يجترىء عمر على قتل رجل مُؤمن. فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ ... ﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . الْآيَة، فَهدر دم ذَلِك الرجل وبرىء عمر من قَتله، فكره الله أَن يسن ذَلِك بعد فَقَالَ: ﴿وَلَو أَنا كتبنَا عَلَيْهِم أَن اقْتُلُوا أَنفسكُم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَأَشد تثبيتاً﴾ (النِّسَاء: ٦٦) . وَكَذَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود بِهِ، قَالَ ابْن كثير: وَهُوَ أثر غَرِيب ومرسل، وَابْن لَهِيعَة ضَعِيف.
طَرِيق أُخْرَى: قَالَ الْحَافِظ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن دُحَيْم فِي (تَفْسِيره) : حَدثنَا شُعَيْب بن شُعَيْب حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة حَدثنَا عتبَة بن ضَمرَة حَدثنِي أبي: أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي ﷺ فَقضى للمحق على الْمُبْطل، فَقَالَ الْمقْضِي عَلَيْهِ: لَا أرْضى، فَقَالَ صَاحبه: فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَن نَذْهَب إِلَى أبي بكر الصّديق،؟ ، وَقد ذَهَبا إِلَيْهِ فَقَالَ الَّذِي قضي لَهُ: قد اختصمنا إِلَى النَّبِي ﷺ فقضي لي، فَقَالَ أَبُو بكر: فأنتما على مَا قضى بِهِ النَّبِي ﷺ ، فَأبى صَاحبه أَن يرضى، قَالَ: فاتيا عمر بن الْخطاب فَأتيَاهُ، فَقَالَ الْمقْضِي لَهُ: قد اختصمنا إِلَى النَّبِي ﷺ فَقضى لي عَلَيْهِ فَأبى أَن يرضى، ثمَّ أَتَيْنَا أَبَا بكر فَقَالَ: أَنْتُمَا على مَا قضى بِهِ النَّبِي ﷺ ، فَأبى أَن يرضى، فَسَأَلَهُ عمر، فَقَالَ كَذَلِك، فَدخل عمر منزله وَخرج وَالسيف فِي يَده قد سَله، فَضرب بِهِ رَأس الَّذِي أَبى أَن يرضى فَقتله، فَأنْزل الله ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . إِلَى آخر الْآيَة.
قَوْله: ﴿فَلَا وَرَبك﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . أَي: لَيْسَ الْأَمر كَمَا يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا وهم يخالفون حكمك، ثمَّ اسْتَأْنف الْقسم فَقَالَ: لَا يُؤمنُونَ، وَقيل: هِيَ مُتَّصِلَة بِقصَّة الْيَهُودِيّ. قَوْله: ﴿فِيمَا شجر بَينهم﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . أَي: اخْتلف وَاخْتَلَطَ من أَمرهم والتبس عَلَيْهِم حكمه، وَمِنْه الشّجر لاخْتِلَاف أغصانه. قَوْله: ﴿حرجاً﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . أَي: شكا وضيقاً. قَوْله: ﴿ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . أَي: فِيمَا أَمرتهم بِهِ وَلَا يعارضوه، ودلت الْآيَة على أَن من لم يرض بِحكم الرَّسُول فَهُوَ غير مُؤمن.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن مَاء الأودية الَّتِي لم تستنبط بِعَمَل فِيهَا مُبَاح، وَمن سبق إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَق بِهِ. وَفِيه: أَن أهل الشّرْب الْأَعْلَى يقدَّم على من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ وَيحبس الأول المَاء حَتَّى يبلغ إِلَى جِدَار حَائِطه، ثمَّ يُرْسل المَاء إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ فيسقي كَذَلِك وَيحبس المَاء كَذَلِك، ثمَّ يُرْسِلهُ إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ، وَهَكَذَا، وَفِي حَدِيث الْبَاب: إحبس المَاء حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر، وَفِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو الَّذِي أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله ﷺ قضى فِي سبل المهزور أَن يمسك حَتَّى يبلغ الْكَعْبَيْنِ. ثمَّ يُرْسل الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل، والمهزور بالزاي ثمَّ بالراء وَادي بني قُرَيْظَة، قَالَه ابْن الْأَثِير، وَفِي حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت الَّذِي أخرجه ابْن مَاجَه عَنهُ قَالَ: إِن رَسُول الله، ﷺ ، قضى فِي شرب النّخل من السَّيْل: أَن الْأَعْلَى يشرب قبل الْأَسْفَل وَيتْرك المَاء فِيهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ يُرْسل المَاء إِلَى أَسْفَل الَّذِي يَلِيهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى تَنْقَضِي الحواشط، وَفِي حَدِيث ثَعْلَبَة بن أبي مَالك الْقرظِيّ الَّذِي أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا عَنهُ، قَالَ: قضى رَسُول الله، ﷺ ، فِي سيل مهزور الْأَعْلَى قبل الْأَسْفَل. فيسقي الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يُرْسل إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ لَا مُخَالفَة بَين التَّقْدِيرَيْنِ، لِأَن المَاء إِذا بلغ الكعب بلغ أصل الْجِدَار، وَقَالَ ابْن شهَاب: فقدرت الْأَنْصَار وَالنَّاس قَول النَّبِي، ﷺ : إسق يَا زبير ثمَّ احْبِسْ المَاء حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر، كَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ على مَا يَجِيء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ: لَيْسَ التَّقْدِير بِالْبُلُوغِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ على عُمُوم الْأَزْمَان والبلدان، لِأَنَّهُ يَدُور بِالْحَاجةِ، وَالْحَاجة تخْتَلف باخْتلَاف الأَرْض، وباختلاف مَا فِيهَا من زرع وَشَجر وبوقت الزِّرَاعَة وَوقت السَّقْي وَحمل بعض الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين قَول الْفُقَهَاء فِي أَنه: يسْقِي الأول أرضه ثمَّ يُرْسِلهُ إِلَى الثَّانِي ثمَّ يُرْسِلهُ إِلَى الثَّالِث أَن المُرَاد بِالْأولِ من تقدم إحياؤه، وَبِالثَّانِي الَّذِي أحيى بعد الأول، وَهَكَذَا قَالَه صَاحب الْمُهِمَّات، وَحمل كَلَام الرَّافِعِيّ عَلَيْهِ قَالَ: وَلَيْسَ المُرَاد الْأَقْرَب إِلَى أصل النَّهر فَالْأَقْرَب لَا بِالسَّبقِ، فَلذَلِك اعتبرناه انْتهى. قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء وَلَيْسَ مُرَاد الرَّافِعِيّ وَغَيره من الْفُقَهَاء بِالْأولِ الَّذِي هُوَ أقرب إِلَى أصل المَاء، لأَنا إِذا اعْتبرنَا هَذَا يضيع حق الأول، وَذَلِكَ لِأَن المَاء إِذا نزل من علو فَلم يسق الأول حَتَّى نزل المَاء إِلَى الْأَسْفَل وَسَقَى بِهِ الْأَسْفَل، وَبعد ذَلِك كَيفَ يعود المَاء إِلَى الأول
стр. 3618
وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ المَاء قَلِيلا وَانْقطع بعد سقِِي الثَّانِي، وَقد صرح النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : بِأَن المُرَاد بِالْأولِ الَّذِي يَلِي المَاء إلَاّ لمحيي الأول، فَقَالَ عِنْد ذكر حَدِيث الزبير: فَلصَاحِب الأَرْض الأولى الَّتِي تلِي المَاء الْمُبَاح أَن يحبس المَاء ويسقي أرضه إِلَى هَذَا الْحَد، ثمَّ يُرْسِلهُ إِلَى جَاره الَّذِي وَرَاءه. فَإِن قلت: مَا المُرَاد بقوله: ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك؟ فَهَل هُوَ مَا فضل عَن المَاء الَّذِي حَبسه أَو إرْسَال جَمِيع المَاء الْمَحْبُوس أَو غَيره بعد أَن يصل فِي أرضه إِلَى الْكَعْبَيْنِ؟ قلت: قَالَ شَيخنَا: الصَّحِيح الَّذِي ذكره أَصْحَاب الشَّافِعِي الأول، وَهُوَ قَول مطرف وَابْن الْمَاجشون من الْمَالِكِيَّة، وَاخْتَارَهُ ابْن وهب، وَقد كَانَ ابْن الْقَاسِم يَقُول: إِذا انْتهى المَاء فِي الْحَائِط إِلَى مِقْدَار الْكَعْبَيْنِ من الْقَائِم أرْسلهُ كُله إِلَى من تَحْتَهُ، وَلَا يحبس مِنْهُ شَيْئا فِي حَائِطه. قَالَ ابْن وهب: وَقَول مطرف وَابْن الْمَاجشون أحب إِلَيّ فِي ذَلِك، وهما أعلم بذلك، لِأَن الْمَدِينَة دارهما وَبهَا كَانَت الْقَضِيَّة وفيهَا جرى الْعَمَل بِالْحَدِيثِ. وَفِيه: حجَّة على مَا حُكيَ عَن أبي حنيفَة من أَن الْأَعْلَى لَا يقدم على الْأَسْفَل، وَإِنَّمَا يسقون بِقدر حصصهم، قَالَه بعض الشَّافِعِيَّة. قلت: هَذَا وَجه حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن الداركي، وَلَيْسَ مُرَاد أبي حنيفَة من قَوْله: إِن الْأَعْلَى لَا يقدم على الْأَسْفَل، أَنه يخْتَص بِالْمَاءِ وَيحرم الْأَسْفَل، بل كلهم سَوَاء فِي الِاسْتِحْقَاق، غير أَن الأول يسْقِي ثمَّ الثَّانِي ثمَّ الثَّالِث وهلم جراً، وَالِانْتِفَاع فِي حق كل وَاحِد بِقدر أرضه، وَقدر حَاجته، فَيكون بِالْحِصَصِ. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة: وَلَو كَانَ نهيراً صَغِيرا وسيل فتشاح أهل الْأَرْضين الشاربة عَنهُ، فَإِنَّهُ يبْدَأ بالأعلى ويسقي حَتَّى يبلغ الكعب، ثمَّ يُرْسل إِلَى الَّذِي يَلِيهِ كَذَلِك إِلَى انْتِهَاء الْأَرَاضِي، فَإِن لم يفضل عَن الأول شَيْء أَو الثَّانِي أَو الثَّالِث لَا شَيْء للباقين، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُم إلَاّ مَا فضل فهم كالعصبة فِي الْمِيرَاث، وَهَذَا قَول فُقَهَاء الْمَدِينَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، وَلَا نعلم فِيهِ مُخَالفا، وَالْأَصْل فِيهِ حَدِيث الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي حَدِيث الْبَاب: إِن الأولى بِالْمَاءِ الْجَارِي الأول فَالْأول حَتَّى يَسْتَوْفِي حَاجته، وَهَذَا مَا لم يكن أَصله ملكا للأسفل مُخْتَصًّا بِهِ، فَإِن كَانَ ملكه فَلَيْسَ للأعلى أَن يشرب مِنْهُ شَيْئا وَإِن كَانَ يمر عَلَيْهِ. وَفِيه: الِاكْتِفَاء للخصوم بِمَا يفهم عَنْهُم مقصودهم أَن لَا يكلفوا النَّص على الدعاوي وَلَا تَحْرِير الْمُدعى فِيهِ وَلَا حصره بِجَمِيعِ صِفَاته. وَفِيه: إرشاد الْحَاكِم إِلَى الْإِصْلَاح، وَقَالَ ابْن التِّين: مَذْهَب الْجُمْهُور أَن القَاضِي يُشِير بِالصُّلْحِ إِذا رَآهُ مصلحَة، وَمنع ذَلِك مَالك، وَعَن الشَّافِعِي فِي ذَلِك خلاف، وَالصَّحِيح جَوَازه. وَفِيه: أَن للْحَاكِم أَن يستوعي لكل وَاحِد من المتخاصمين حَقه إِذا لم يَرَ قبولاً مِنْهُمَا للصلح وَلَا رضى بِمَا أَشَارَ بِهِ كَمَا فعل ﷺ . وَفِيه: توبيخ من جَفا على الإِمَام وَالْحَاكِم ومعاقبته لِأَنَّهُ ﷺ عاقبه بِمَا قَالَ، بِأَن استوعى للزبير حَقه، ووبخه الله تَعَالَى فِي كِتَابه بِأَن نفى عَنْهُم الْإِيمَان حَتَّى يرْضوا بالحكم فَقَالَ: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ ... ﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . الْآيَة. وَقيل: وَقعت عُقُوبَته فِي مَاله وَقد كَانَت تقع الْعُقُوبَات فِي الْأَمْوَال، كأمره بشق الزقاق وَكسر الجرار عِنْد تَحْرِيم الْخمر، تَغْلِيظًا للتَّحْرِيم. وَفِيه: أَنه ﷺ حكم على الْأنْصَارِيّ فِي حَال غَضَبه مَعَ نَهْيه أَن يحكم الحكم وَهُوَ غَضْبَان، لِأَنَّهُ يُفَارق غَيره من الْبشر، إِذْ الْعِصْمَة قَائِمَة فِي حَقه فِي حَال الرِّضَا والسخط أَن لَا يَقُول إلَاّ حَقًا. وَفِيه: دَلِيل أَن للْإِمَام أَن يعْفُو عَن التَّعْزِير، كَمَا لَهُ أَن يقيمه.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ العَبَّاسِ قَالَ أبُو عَبْدِ الله: لَيْسَ أحَدٌ يَذْكرُ عُرْوَةَ عنْ عَبْدِ الله إلَاّ اللَّيْثُ فَقَطْ
هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده عَن الْفربرِي، وَلم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة غَيره، وَمُحَمّد بن الْعَبَّاس السّلمِيّ الْأَصْبَهَانِيّ، وَهُوَ من أَقْرَان البُخَارِيّ وَتَأَخر بعده، مَاتَ سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، يَعْنِي: هُوَ الَّذِي صرح بتفرد اللَّيْث بِذكر عبد الله بن الزبير فِي إِسْنَاده، وَفِيه نظر، لِأَن ابْن وهب روى عَن اللَّيْث وَيُونُس جَمِيعًا عَن ابْن شهَاب: أَن عُرْوَة حَدثهُ عَن أَخِيه عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، أخرجه النَّسَائِيّ، وَذكر الْحميدِي فِي (جمعه) : أَن الشَّيْخَيْنِ أَخْرجَاهُ من طَرِيق عُرْوَة عَن أَخِيه عبد الله عَن أَبِيه، وَفِيه نظر أَيْضا، لِأَنَّهُ بِهَذَا السِّيَاق فِي رِوَايَة يُونُس الْمَذْكُور، وَلم يُخرجهَا من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة إِلَّا النَّسَائِيّ كَمَا ذكرنَا وَالله أعلم، وَمِنْه الْمَنّ علينا.
٧ - (بابُ شُرْبِ الأعْلَى قَبْلَ الأسْفَلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شرب الْأَعْلَى قبل الْأَسْفَل، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني: قبل السفلي، قَالَ بَعضهم: وَالْأول
стр. 3619
أولى. قلت: لَا أَوْلَوِيَّة هُنَا، لِأَن معنى السفلي قبل صَاحب الأَرْض السُّفْلى، وَيجوز أَن يُقَال فِي مَوضِع الْأَعْلَى: الْعليا، على تَقْدِير شرب صَاحب الأَرْض الْعليا، فتذكير الْأَعْلَى والأسفل بِاعْتِبَار الصاحب، وتأنيثهما بِاعْتِبَار الأَرْض بالتقدير الْمَذْكُور.
١٦٣٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ قَالَ خاصَمَ الزُّبَيْرُ رجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ يَا زُبَيْرُ أسقِ ثُمَّ أرْسِلْ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ أنَّهُ ابنُ عَمَّتِكَ فَقَالَ ﵇ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ يَبْلُغُ الماءُ الجَدْرَ ثُمَّ أمْسِكْ فَقَالَ الزُّبَيْرُ فأحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وربُّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي ﷺ يَا زبير أسق ثمَّ أرسل) فَإِنَّهُ يعلم مِنْهُ أَن الزبير هُوَ الْأَعْلَى، لِأَن إرْسَال المَاء لَا يكون إلَاّ من الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل، وعبدان هُوَ عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر، بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ ابْن رَاشد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.
قَوْله: (ثمَّ أرسل) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِغَيْر ذكر مَفْعُوله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (ثمَّ أرسل المَاء) . قَوْله: (ثمَّ يبلغ المَاء الْجدر) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (أسق يَا زبير حَتَّى يبلغ المَاء الْجدر) وَسقط من رِوَايَة أبي ذَر ذكر المَاء، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَة من وَجه آخر عَن معمر: (ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك) ، ومعاني بَقِيَّة الْأَلْفَاظ وَالْحكم تقدّمت فِي الْبَاب السَّابِق.
٨ - (بابُ شُرْبِ الأعْلى إِلَى الكَعْبَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شرب الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى بَيَان مِقْدَار المَاء للأعلى.
١٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا مخلد قَالَ أَخْبرنِي ابْن جريج قَالَ حَدثنِي ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير أَنه حَدثهُ أَن رجلا من الْأَنْصَار خَاصم الزبير فِي شراج من الْحرَّة يسْقِي بهَا النّخل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - اسْقِ يَا زبير فَأمره بِالْمَعْرُوفِ ثمَّ أرسل إِلَى جَارك فَقَالَ الْأنْصَارِيّ إِن كَانَ ابْن عَمَّتك فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله ﷺ َ - ثمَّ قَالَ اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع المَاء إِلَى الْجدر واستوعي لَهُ حَقه فَقَالَ الزبير وَالله إِن هَذِه الْآيَة أنزلت فِي ذَلِك ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ قَالَ لي ابْن شهَاب فقدرت الْأَنْصَار وَالنَّاس قَول النَّبِي ﷺ َ - اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَعْنِي رُجُوع المَاء إِلَى الْجدر وُصُوله إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصى فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت صرح بِهِ ومخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام وَفِي آخِره دَال مُهْملَة هُوَ ابْن يزِيد وَقد مر فِي الْجُمُعَة وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ قَوْله " فَأمره بِالْمَعْرُوفِ " قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ أمره بِالْعَادَةِ الْمَعْرُوفَة الَّتِي جرت بَينهم فِي مِقْدَار الشّرْب وَهِي جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله اسْقِ يَا زبير وَبَين قَوْله ثمَّ أرسل قَوْله " واستوعي لَهُ " أَي استوفي للزبير حَقه واستوعب وَهُوَ من الْوِعَاء كَأَنَّهُ جمعه لَهُ فِي وعائه وَأبْعد من قَالَ أمره ثَانِيًا أَن يَسْتَوْفِي أَكثر من حَقه عُقُوبَة للْأَنْصَارِيِّ حَكَاهُ ابْن الصّباغ وَالْأَشْبَه أَنه أمره أَن يَسْتَوْفِي حَقه ويستقصي فِيهِ تَغْلِيظًا على الْأنْصَارِيّ وَقَالَ الْخطابِيّ هَذِه الزِّيَادَة تشبه أَن تكون من كَلَام الزُّهْرِيّ وَكَانَت عَادَته أَن يصل بِالْحَدِيثِ من كَلَامه مَا يظْهر لَهُ من معنى الشَّرْح وَالْبَيَان قيل الأَصْل فِي الحَدِيث أَن يكون حكمه كُله وَاحِدًا حَتَّى يرد مَا يبين ذَلِك وَلَا يثبت الإدراج بِالِاحْتِمَالِ قَوْله قَالَ ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ الرَّاوِي عَن عُرْوَة وَهَذَا إِلَى آخِره من كَلَام ابْن شهَاب حكى عَنهُ ابْن جريج الرَّاوِي عَنهُ قَوْله وَالنَّاس من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص أَو مَعْهُود غير الْأَنْصَار قَوْله
стр. 3620
" وَكَانَ ذَلِك " أَي قَوْله ﷺ َ - اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر قَوْله " إِلَى الْكَعْبَيْنِ " أَي يقدر إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَعْنِي يكون مِقْدَار المَاء الَّذِي يرجع إِلَى الْجدر يبلغ الْكَعْبَيْنِ وَقد ذكرنَا أَحَادِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الحكم وَقَالَ ابْن التِّين الْجُمْهُور على أَن الحكم أَن يمسك إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَخَصه ابْن كنَانَة بِالنَّخْلِ وَالشَّجر قَالَ وَأما الزَّرْع فَإلَى الشرَاك وَقَالَ الطَّبَرِيّ الْأَرَاضِي مُخْتَلفَة فَيمسك لكل أَرض مَا يكفيها لِأَن الَّذِي فِي قصَّة الزبير وَاقعَة عين وَقيل معنى قَوْله إِلَى الْجدر أَي إِلَى الْكَعْبَيْنِ قلت إِن كَانَ مُرَاده الْإِشَارَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير فَلهُ وَجه مَا وَإِلَّا فَلَا يَصح تَفْسِير الْجدر بالكعبين (الْجدر هُوَ الأَصْل) هَذَا تَفْسِير لفظ الْجدر الْمَذْكُور فِي الحَدِيث من عِنْد البُخَارِيّ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ وَهَذَا هُنَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده -
٩ - (بَاب فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل سقِِي المَاء لكل من لَهُ حَاجَة إِلَى ذَلِك.
٣٦٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ بَيْنَا رَجُلٍ يَمْشِي فاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ فنَزلَ بِئْرا فَشَرِبَ منْهَا ثُمَّ خَرَجَ فإذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ فقالَ لَقدْ بلغَ هَذَا مثلُ الَّذِي بلَغَ بِي فَمَلأَ خفَّهُ (ثمَّ أمْسكهُ بغيه) ثمَّ رَقِيَ فسَقَى الكَلْبَ فشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رسولَ الله وإنَّ لَنا فِي البَهَائِمِ أجْراً قالَ فِي كلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسُمَي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام، وَقد مر فِي كتاب الصَّلَاة، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَظَالِم عَن القعْنبِي، وَفِي الْأَدَب عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي، أربعتهم عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَينا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن أَصله: بَين، فأشبعت فَتْحة النُّون فَصَارَ: بَينا، ويضاف إِلَى جملَة، وَهِي هُنَا قَوْله: (رجل يمشي) . قَوْله: (فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ) ، الْفَاء فِيهِ وَقعت هُنَا موقع: إِذا، تَقْدِيره: بَينا رجل يمشي إِذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطش، وَهُوَ جَوَاب: بَينا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمَظَالِم: بَيْنَمَا، وَكِلَاهُمَا سَوَاء فِي الحكم، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي الموطآت. من طَرِيق روح عَن مَالك: يمشي بفلاة، وَله من طَرِيق ابْن وهب عَن مَالك: يمشي بطرِيق مَكَّة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة مُسلم هَذِه: الْفَاء، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن الْأَفْصَح أَن يَقع جَوَاب: بَينا وبينما بِلَا كلمة، إِذْ وَإِذا، وَلَكِن وُقُوعه بهما كثير. قَوْله: الْعَطش، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَكَذَا فِي رِوَايَة فِي (الْمُوَطَّأ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: العطاش، وَهُوَ دَاء يُصِيب الْإِنْسَان فيشرب فَلَا يرْوى، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالصَّوَاب الْعَطش، قَالَ: وَقيل: يَصح على تَقْدِير أَن الْعَطش يحدث مِنْهُ دَاء فَيكون العطاش إسماً للداء كالزكام. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (يَأْكُل الثرى) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة مَقْصُور يكْتب بِالْيَاءِ، وَهُوَ التُّرَاب الندي. قَوْله: (يَلْهَث) ، جملَة وَقعت حَالا من الْكَلْب، قَالَ ابْن قرقول: لهث الْكَلْب بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا إِذا أخرج لِسَانه من الْعَطش أَو الْحر، واللهاث، بِضَم اللَّام: الْعَطش، وَكَذَلِكَ الطَّائِر. ولهث الرجل إِذا أعيى. وَيُقَال: مَعْنَاهُ يبْحَث بيدَيْهِ وَرجلَيْهِ فِي الأَرْض، وَفِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ ارْتِفَاع النَّفس يَلْهَث لهثاً ولهاثاً، ولهث بِالْكَسْرِ يَلْهَث لهثاً ولهاثاً مثل: سمع سَمَاعا إِذا عَطش. قَوْله: (بلغ هَذَا مثل الَّذِي بلغ بِي) ، أَي: بلغ هَذَا الْكَلْب مثل الَّذِي،
стр. 3621
بِنصب اللَّام على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف، أَي: بلغ هَذَا مبلغا مثلَ الَّذِي بلغ بِي، وَضَبطه الْحَافِظ الدمياطي بِخَطِّهِ بِضَم: مثل، قَالَ بَعضهم: وَلَا يخفى تَوْجِيهه. قلت: كَأَنَّهُ لم يقف على تَوْجِيهه، وَهُوَ أَن يكون لفظ: هَذَا، مفعول بلغ، وَقَوله: مثل الَّذِي بلغ بِي، فَاعله فارتفاعه حِينَئِذٍ على الفاعلية. قَوْله: (فَمَلَأ خفه) فِيهِ مَحْذُوف قبله تَقْدِيره: (فَنزل فِي الْبِئْر فَمَلَأ خفه) ، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (فَنزع أحد خفيه) . قَوْله: (ثمَّ أمْسكهُ بِفِيهِ) ، أَي: بفمه. وَإِنَّمَا أمسك خفه بفمه لِأَنَّهُ كَانَ يعالج بيدَيْهِ ليصعد من الْبِئْر، فَدلَّ هَذَا أَن الصعُود مِنْهَا كَانَ عسراً. قَوْله: (ثمَّ رقي) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْقَاف على مِثَال: صعد وزنا وَمعنى، يُقَال: رقيت فِي السّلم بِالْكَسْرِ: إِذا صعدت، وَذكره ابْن التِّين بِفَتْح الْقَاف على مِثَال: مضى، وَأنْكرهُ. وَقَالَ عِيَاض فِي (الْمَشَارِق) : هِيَ لُغَة طيىء، يفتحون الْعين فِيمَا كَانَ من الْأَفْعَال معتل اللَّام، وَالْأول أفْصح وَأشهر. قَوْله: (فسقى الْكَلْب) ، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن دِينَار عَن أبي صَالح: حَتَّى أرواه من الإرواء من الرّيّ، وَقد مَضَت هَذِه الرِّوَايَة فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَنهُ إِسْحَاق عَن عبد الصَّمد عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار عَن أَبِيه عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : أَن رجلا رأى كَلْبا يَأْكُل الثرى من الْعَطش، فَأخذ الرجل خفه فَجعل يغْرف لَهُ بِهِ حَتَّى أرواه، فَشكر الله لَهُ حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة. قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أثنى عَلَيْهِ أَو قبل عمله، فغفر لَهُ، فالفاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة، أَي: بِسَبَب قبُول عمله غفر لَهُ، كَمَا فِي قَوْلك: إِن يسلم فَهُوَ فِي الْجنَّة، أَي: بِسَبَب إِسْلَامه هُوَ فِي الْجنَّة، وَيجوز أَن تكون الْفَاء تفسيرية، تَفْسِير قَوْله: فَشكر الله لَهُ لِأَن غفرانه لَهُ هُوَ نفس الشُّكْر، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٤٥) . على قَول من فسر التَّوْبَة بِالْقَتْلِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: معنى قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أظهر مَا جازاه بِهِ عِنْد مَلَائكَته، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام. قلت: لَا يَصح هَذَا هُنَا، لِأَن شكر الله لهَذَا الرجل عبارَة عَن مغفرته إِيَّاه، كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (قَالُوا) أَي: الصَّحَابَة، من جُمْلَتهمْ سراقَة بن مَالك ابْن جعْشم، روى حَدِيثه ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن مَالك بن جعْشم عَن أَبِيه عَن عَمه سراقَة بن مَالك بن جعْشم، قَالَ: سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن الضَّالة من الْإِبِل تغشى حياضي قد لطتها لإبلي، فَهَل لي من أجر إِن سقيتها؟ فَقَالَ: نعم، فِي كل ذَات كبد حرى أجر. قَوْله: (وَإِن لنا) ، هُوَ مَعْطُوف على شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره: الْأَمر كَمَا ذكرت، وَإِن لنا فِي الْبَهَائِم أجرا، أَي: فِي سقيها أَو فِي الْإِحْسَان إِلَيْهَا. قَوْله: (فِي كل كبد) ، يجوز فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: فتح الْكَاف وَكسر الْبَاء وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْبَاء للتَّخْفِيف، كَمَا قَالُوا فِي الْفَخْذ فَخذ، وَكسر الْكَاف وَسُكُون الْبَاء، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: الكبد يذكر وَيُؤَنث، وَلِهَذَا قَالَ: رطبَة، وَالْجمع أكباد وأكبد وكبود. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي كبد كل حَيّ من ذَوَات الْأَنْفس، وَالْمرَاد بالرطبة رُطُوبَة الْحَيَاة أَو هُوَ كِنَايَة عَن الْحَيَاة. قَوْله: (أجر) ، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، وَخَبره مقدما قَوْله: (فِي كل كبد) ، تَقْدِيره: أجر حَاصِل أَو كَائِن فِي إرواء كل ذِي كبد حَيّ. وَأبْعد الْكرْمَانِي فِي سُؤَاله هُنَا حَيْثُ يَقُول: الكبد لَيست ظرفا لِلْأجرِ، فَمَا معنى كلمة الظَّرْفِيَّة؟ ثمَّ قَالَ: تَقْدِيره الْأجر ثَابت فِي إرواء أَو فِي رِعَايَة كل حَيّ وَجه الإبعاد: أَن كل من شم شَيْئا من علم الْعَرَبيَّة يعرف أَن الْجَار وَالْمَجْرُور لَا بُد أَن يتَعَلَّق بِشَيْء، إِمَّا ظَاهرا أَو مُقَدرا، فَإِذا لم يصلح الْمَذْكُور أَن يتَعَلَّق بِهِ يقدر لفظ: كَائِن أَو حَاصِل أَو نَحْوهمَا، فَلَا حَاجَة إِلَى السُّؤَال وَالْجَوَاب، ثمَّ قَالَ: أَو الْكَلِمَة للسَّبَبِيَّة، يَعْنِي: كلمة: فِي، للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله ﷺ : فِي النَّفس المؤمنة مائَة إبل، أَي: بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة، وَمَعَ هَذَا الْمُتَعَلّق مَحْذُوف، أَي: بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة الْوَاجِب مائَة إبل، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير هُنَا: بِسَبَب إرواء كل كبد أجر حَاصِل. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا عَام فِي جَمِيع الْحَيَوَانَات. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا الحَدِيث كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، وَأما الْإِسْلَام فقد أَمر بقتل الْكلاب فِيهِ. وَأما قَوْله: (فِي كل كبد) ، فمخصوص بِبَعْض الْبَهَائِم مِمَّا لَا ضَرَر فِيهِ لِأَن الْمَأْمُور بقتْله كالخنزير لَا يجوز أَن يقوى لِيَزْدَادَ ضَرَره، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ: إِن عُمُومه مَخْصُوص بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَم، وَهُوَ مَا لم يُؤمر بقتْله فَيحصل الثَّوَاب بسقيه، ويلتحق بِهِ إطعامه وَغير ذَلِك من وُجُوه الْإِحْسَان إِلَيْهِ. قلت: الْقلب الَّذِي فِيهِ الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة يجنح إِلَى قَول الدَّاودِيّ، وَفِي الْقلب من قَول أبي عبد الْملك حزازة، وَيتَوَجَّهُ الرَّد على كَلَامه من وُجُوه: الأول: قَوْله: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، لَا دَلِيل عَلَيْهِ، فَمَا الْمَانِع أَن أحدا من هَذِه الْأمة قد فعل هَذَا، وكوشف للنَّبِي ﷺ بذلك وَأخْبرهُ بذلك حثاً لأمته على فعل ذَلِك، وصدور هَذَا الْفِعْل من أحد من أمته يجوز أَن يكون فِي زَمَنه، وَيجوز أَن يكون بعده، بِأَن يفعل أحد
стр. 3622
هَذَا. وَأعلم النَّبِي ﷺ بذلك أَنه سَيكون كَذَا وَأخْبرهُ بذلك فِي صُورَة الْكَائِن، لِأَن الَّذِي يُخبرهُ عَن الْمُسْتَقْبل كالواقع لِأَنَّهُ مخبر صَادِق، وكل مَا يُخبرهُ من المغيبات الْآتِيَة كَائِن لَا محَالة. وَالثَّانِي: قَوْله: وَأما الْإِسْلَام، فقد أَمر بقتل الْكلاب لَا يقوم بِهِ دَلِيل على مدعاه، لِأَن أمره ﷺ بقتل الْكلاب فِي أول الْإِسْلَام، ثمَّ نسخ ذَلِك بِإِبَاحَة الِانْتِفَاع بهَا للصَّيْد وللماشية وَالزَّرْع، وَلَا شكّ أَن الْإِبَاحَة بعد التَّحْرِيم نسخ لذَلِك التَّحْرِيم، وَرفع لحكمه. وَالثَّالِث: دَعْوَى الْخُصُوص تحكم وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ، لِأَن تَخْصِيص الْعَام بِلَا دَلِيل إِلْغَاء لحكمه الَّذِي تنَاوله، فَلَا يجوز، وَالْعجب من النَّوَوِيّ أَيْضا أَنه ادّعى عُمُوم الحَدِيث الْمَذْكُور للحيوان الْمُحْتَرَم، وَهُوَ أَيْضا لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وأصل الحَدِيث مَبْنِيّ على إِظْهَار الشَّفَقَة لمخلوقات الله تَعَالَى من الْحَيَوَانَات، وَإِظْهَار الشَّفَقَة لَا يُنَافِي إِبَاحَة قتل المؤذي من الْحَيَوَانَات، وَيفْعل فِي هَذَا مَا قَالَه ابْن التَّيْمِيّ: لَا يمْتَنع إجراؤه على عُمُومه، يَعْنِي: فيسقي ثمَّ يقتل، لأَنا أمرنَا بِأَن نحسن القتلة ونهينا عَن الْمثلَة، فعلى قَول مدعي الْخُصُوص: الْكَافِر الْحَرْبِيّ وَالْمُرْتَدّ الَّذِي اسْتمرّ على ارتداده إِذا قدما للْقَتْل، وَكَانَ الْعَطش قد غلب عَلَيْهِمَا، يَنْبَغِي أَن يَأْثَم من يسقيهما لِأَنَّهُمَا غير محترمين فِي ذَلِك الْوَقْت، وَلَا يمِيل قلب شفوق فِيهِ رَحْمَة إِلَى منع السَّقْي عَنْهُمَا، يسقيان ثمَّ يقتلان.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ بَعضهم: فِيهِ: جَوَاز السّفر مُنْفَردا وَبِغير زَاد. قلت: قد ورد النَّهْي عَن سفر الرجل وَحده، والْحَدِيث لَا يدل على أَن رجلا كَانَ مُسَافِرًا، لِأَنَّهُ قَالَ: (بَينا رجل يمشي) ، فَيجوز أَن يكون مَاشِيا فِي أَطْرَاف مَدِينَة أَو عمَارَة، أَو كَانَ مَاشِيا فِي مَوضِع فِي مدينته. وَكَانَ خَالِيا من السكان. فَإِن قلت: قد مضى فِي أَوَائِل الْبَاب أَن فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: يمشي بفلاة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: يمشي بطرِيق مَكَّة؟ قلت: لَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الرجل الْمَذْكُور مُسَافِرًا، وَلَئِن سلمنَا أَنه كَانَ مُسَافِرًا لَكِن يحْتَمل أَنه كَانَ مَعَه قوم فَانْقَطع مِنْهُم فِي الفلاة لضَرُورَة عرضت لَهُ، فَجرى لَهُ مَا جرى فَلَا يفهم مِنْهُ جَوَاز السّفر وَحده فَافْهَم. وَأما السّفر بِغَيْر زَاد، فَإِن كَانَ فِي علمه أَنه يحصل لَهُ الزَّاد فِي طَرِيقه فَلَا بَأْس، وَإِن كَانَ يتَحَقَّق عَدمه فَلَا يجوز لَهُ بِغَيْر الزَّاد. وَفِيه: الْحَث على الْإِحْسَان إِلَى النَّاس، لِأَنَّهُ إِذا حصلت الْمَغْفِرَة بِسَبَب سقِِي الْكَلْب، فسقي بني آدم أعظم أجرا. وَفِيه: أَن سقِِي المَاء من أعظم القربات. قَالَ بعض التَّابِعين: من كثرت ذنُوبه فَعَلَيهِ بسقي المَاء، فَإِذا غفرت ذنُوب الَّذِي سقى كَلْبا فَمَا ظنكم بِمن سقى مُؤمنا موحداً وأحياه بذلك؟ وَقَالَ ابْن التِّين: وَرُوِيَ عَنهُ مَرْفُوعا: أَنه دخل على رجل فِي السِّيَاق، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا ترى؟ فَقَالَ: أرى ملكَيْنِ يتأخران وأسودين يدنوان، وأري الشَّرّ ينمى وَالْخَيْر يضمحل، فأعني مِنْك بدعوة يَا نَبِي الله، فَقَالَ: أللهم أشكر لَهُ الْيَسِير، واعف عَنهُ الْكثير، ثمَّ قَالَ لَهُ: مَاذَا ترى؟ فَقَالَ: أرى ملكَيْنِ يدنوان والأسودين يتأخران، وَأرى الْخَيْر ينمي وَالشَّر يضمحل. قَالَ: فَمَا وجدت أفضل عَمَلك؟ قَالَ: سقِِي المَاء. وَفِي حَدِيث سُئِلَ ﷺ : أَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: سقِِي المَاء. وَفِيه: مَا احْتج بِهِ على جَوَاز الصَّدَقَة على الْمُشْركين لعُمُوم قَوْله: أجر. وَفِيه: أَن المجازاة على الْخَيْر وَالشَّر قد يكون يَوْم الْقِيَامَة من جنس الْأَعْمَال، كَمَا قَالَ ﷺ : من قتل نَفسه بحديدة عذب بهَا فِي نَار جَهَنَّم، وَقَالَ بَعضهم: يَنْبَغِي أَن يكون مَحَله، مَا إِذا لم يُوجد هُنَاكَ مُسلم، فالمسلم أَحَق. قلت: هَذَا قيد لَا يعْتَبر بِهِ، بل تجوز الصَّدَقَة على الْكَافِر، سَوَاء يُوجد هُنَاكَ مُسلم أَو لَا، وَقَالَ بَعضهم أَيْضا: وَكَذَا إِذا دَار الْأَمر بَين الْبَهِيمَة والآدمي الْمُحْتَرَم واستويا فِي الْحَاجة، فالآدمي أَحَق. قلت: إِنَّمَا يكون أَحَق فِيمَا إِذا قسم بَينهمَا، يخَاف على الْمُسلم من الْهَلَاك، إو إِذا أَخذ جُزْءا للبهيمة يخَاف على الْمُسلم، فَأَما إِذا لم يُوجد وَاحِد مِنْهُمَا يَنْبَغِي أَن لَا تحرم الْبَهِيمَة أَيْضا، لِأَنَّهَا ذَات كبد رطبَة.
تابَعَهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ والرَّبِيعُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ
٤٦٣٢ - حدَّثنا ابنُ أبِي مرْيَمَ حدَّثَنَا نافِعُ بنُ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى صَلاةَ الكُسُوفِ فقالَ دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حتَّى قُلْتُ أيْ رَبِّ وأنَا مَعَهُمْ فإذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ تخْدِشُها هِرَّةٌ قَالَ مَا شأْنُ هَذِهِ قَالُوا حبَسَتْها حتَّى ماتَتْ جوعا. (انْظُر الحَدِيث ٥٤٧) .
стр. 3623
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه الْمَرْأَة لما حبست هَذِه الْهِرَّة إِلَى أَن مَاتَت بِالْجُوعِ والعطش فاستحقت هَذَا الْعَذَاب، فَلَو كَانَت سقتها لم تعذب، وَمن هُنَا يعلم فضل سقِِي المَاء، وَهُوَ المطابق للتَّرْجَمَة.
وَهَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد قد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب مَا يقْرَأ بعد التَّكْبِير، وَلَكِن بأطول مِنْهُ.
وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي مَوْلَاهُم الْمصْرِيّ، وَنَافِع بن عمر بن عبد الله الجُمَحِي من أهل مَكَّة، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم: واسْمه زُهَيْر بن عبد الله الْأَحول الْمَكِّيّ القَاضِي على عهد ابْن الزبير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (دنت) أَي: قربت. قَوْله: (أَي رَبِّي) يَعْنِي: يَا رَبِّي. قَوْله: (وَأَنا مَعَهم) ، فِيهِ تعجب وتعجيب واستبعاد من قربه من أهل جَهَنَّم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَيفَ قربوا مني وبيني وَبينهمْ غَايَة الْمُنَافَاة الْمُقْتَضِيَة لبعد المشرقين. قَوْله: (فَإِذا امْرَأَة) كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (حسبت) من كَلَام أَسمَاء. قَوْله: (أَنه قَالَ) ، أَي: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ. قَوْله: (تخدشها) أَي: تكدحها، وأصل الخدش قشر الْجلد بِعُود أَو نَحوه، من خدش يخدش خدشاً من بَاب ضرب يضْرب.
٥٦٣٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عبد الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ عُذِّبَتِ امْرَأةٌ فِي هِرَّةٍ حبَسَتْها حتَّى ماتَتْ جُوعاً فدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ وَالله أعْلَمُ لَا أنْتِ أطْعَمْتِيها ولَا سَقَيْتِيها حِينَ حَبَسْتِيها ولَا أنْتِ أرْسَلْتِيهَا فأكَلَتْ مِنْ خَشاشِ الأرْضِ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب وَفِي الْحَيَوَان عَن هَارُون بن عبد الله وَعبد الله ابْن جَعْفَر الْبَرْمَكِي.
قَوْله: (فِي هرة) أَي: فِي شَأْن هرة أَو بِسَبَب هرة. قَوْله: (فَدخلت فِيهَا) أَي: بِسَبَبِهَا. قَوْله: (قَالَ: فَقَالَ) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ الله تَعَالَى أَو؟ مَالك خَازِن النَّار، قَوْله: (وَالله أعلم) جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله: فَقَالَ، وَبَين: لَا أَنْت ... إِلَى آخِره. قَوْله: (أطعمتها) يروي: (أطعميتها) مَعَ أخواتها آلَة بإشباع كسراتها يَاء، قَوْله: (فَأكلت) ويروى: فتأكل. قَوْله: (من خشَاش الأَرْض) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وخفة الشين الأولى: الحشرات، وَقد تفتح الْخَاء. وَقَالَ النَّوَوِيّ وَقد تضم أَيْضا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الخشاش، بِالْكَسْرِ إلَاّ الطير الصَّغِير فَإِنَّهُ بِالْفَتْح. وَفِي (الْغَرِيب) للْمُصَنف: الخشاش شرار الطير.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَظَاهر الحَدِيث يدل على تملك الْهِرَّة لِأَنَّهُ أضافها للْمَرْأَة بِاللَّامِ الَّتِي هِيَ ظَاهِرَة فِي الْملك. وَفِيه: أَن النَّار مخلوقة. وَفِيه: أَن بعض النَّاس معذب الْيَوْم فِي جَهَنَّم. وَفِيه: فِي تعذيبها بِسَبَب الْهِرَّة دلَالَة على أَن فعلهَا كَبِيرَة لِأَنَّهَا أصرت عَلَيْهِ.
٠١ - (بابُ مَنْ رَأى أنَّ صاحِبَ الحَوْضِ أوْ الْقَرْبَةِ أحَقُّ بِمائِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من رأى إِلَى آخِره، وَالْحكم فِيهِ أَن من كَانَ لَهُ حَوْض فِيهِ مَاؤُهُ أَو مَعَه قربَة فِيهَا مَاء فَهُوَ أَحَق بذلك المَاء من غَيره، لِأَنَّهُ ملكه وَتَحْت يَده وَله التَّصَرُّف فِيهِ بِالْبيعِ وَالشِّرَاء وَالْهِبَة وَنَحْو ذَلِك، وَلَا يجوز لغيره أَن يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا إلَاّ بِإِذْنِهِ إلَاّ الْمُضْطَر فِي الشّرْب، كَمَا مر تَفْصِيله فِيمَا مضى.
٦٦٣٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدثنَا عبدُ العزِيزِ عنْ أبِي حازمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أتِيَ رسولُ الله ﷺ بِقَدَحٍ فشَرِبَ وعنْ يَمِينِهِ غُلامٌ هُوَ أحْدَثُ القَوْمِ والأشْيَاخُ عنْ يَسَارِهِ قَالَ يَا غُلامُ أتأْذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ الأشْيَاخَ فَقَالَ مَا كُنْتُ لاُِوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أحدَاً يَا رسولَ الله فأعْطَاهُ إيَّاهُ. .
قيل: لَا مُطَابقَة هُنَا بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيث إلَاّ أَن الْأَيْمن أَحَق بالقدح من غير. وَأجِيب: بِأَن
стр. 3624
مُرَاد البُخَارِيّ أَن الْأَيْمن إِذا اسْتحق مَا فِي الْقدح بِمُجَرَّد جُلُوسه واختص بِهِ، فَكيف لَا يخْتَص صَاحب الْيَد والمتسبب فِي تَحْصِيله؟ قلت: فِيهِ نظر، لِأَن الْفرق ظَاهر بَين الاستحقاقين، فاستحقاق الْأَيْمن غير لَازم حَتَّى إِذا منع لَيْسَ لَهُ الطّلب الشَّرْعِيّ، بِخِلَاف اسْتِحْقَاق صَاحب الْيَد، وَهَذَا ظَاهر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه تعلقه أَي: تعلق الحَدِيث بالترجمة قِيَاس مَا فِي الْقرْبَة والحوض على مَا فِي الْقدح، وَتصرف بَعضهم فِيهِ بقوله: ومناسبته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، إِلْحَاقًا للحوض والقربة بالقدح، فَكَأَن صَاحب الْقدح أَحَق بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ شرباً وسقياً. انْتهى. قلت: أما قِيَاس الْكرْمَانِي فَقِيَاس بالفارق، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَأما قَول بَعضهم: إِلْحَاقًا للحوض والقربة بالقدح، فَإِن كَانَ مُرَاده بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ فَغير صَحِيح لما ذكرنَا، وَإِن كَانَ مُرَاده من الْإِلْحَاق أَن صَاحب الْقدح مثل صَاحب الْقرْبَة فِي الحكم فَلَيْسَ كَذَلِك على مَا لَا يخفى. وَقَوله: فَكَانَ صَاحب الْقدح أَحَق بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ شرباً وسقياً، لَا يَخْلُو أَن يقْرَأ قَوْله: فَكَانَ، بكاف التَّشْبِيه دخلت على: أَن، بِفَتْح الْهمزَة، أَو: كَانَ، بِلَفْظ الْمَاضِي من الْأَفْعَال النَّاقِصَة، وأيّاً مَا كَانَ ففساده ظَاهر يعرف بِالتَّأَمُّلِ، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَلَا مُطَابقَة هُنَا بَين الحَدِيث والترجمة إلَاّ بِالْجَرِّ الثقيل، بِأَن يُقَال: صَاحب الْحَوْض مثل صَاحب الْقدح فِي مُجَرّد الِاسْتِحْقَاق مَعَ قطع النّظر عَن اللُّزُوم وَعَدَمه، والْحَدِيث مضى قبل هَذِه بِثمَانِيَة أَبْوَاب فِي: بَاب فِي الشّرْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن أبي غَسَّان عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد، وَهنا أخرجه: عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن عبد الْعَزِيز عَن أَبِيه أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار عَن سهل، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
١٥ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا غنْدر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لأذودن رجَالًا عَن حَوْضِي كَمَا تذاد الغريبة من الْإِبِل عَن الْحَوْض) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله عَن حَوْضِي فَإِنَّهُ يدل على أَنه أَحَق بحوضه وَبِمَا فِيهِ والترجمة أَن صَاحب الْحَوْض أَحَق بِهِ وغندر بِضَم الْغَيْن وَسُكُون النُّون مر غير مرّة وَهُوَ لقبه واسْمه مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ ربيب شُعْبَة وَمُحَمّد بن زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف الْقرشِي الجُمَحِي أَبُو الْحَارِث الْمدنِي مر فِي بَاب غسل الأعقاب وَلَا يشْتَبه عَلَيْك بِمُحَمد بن زِيَاد الْأَلْهَانِي وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا تابعيا. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ َ - عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة بِهِ وَفِي التَّلْوِيح لما أعَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الْحَوْض ذكره مُعَلّقا من طَرِيق عبيد الله بن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا كَاد أَن يبلغ مبلغ الْقطع والتواتر على رَأْي جمَاعَة من الْعلمَاء يجب الْإِيمَان بِهِ فِيمَا حَكَاهُ غير وَاحِد وَرَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ َ - جمَاعَة كَثِيرَة من الصَّحَابَة مِنْهُم فِي الصَّحِيح ابْن عمر وَابْن مَسْعُود وَجَابِر بن سَمُرَة وجندب بن عبد الله وَزيد بن أَرقم وَعبد الله بن عَمْرو وَأنس بن مَالك وَحُذَيْفَة وَعند أبي الْقَاسِم اللالكائي ثَوْبَان وَأَبُو بردة وَجَابِر بن عبد الله وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَبُرَيْدَة وَعَن القَاضِي أبي الْفضل وَعقبَة بن عَامر وحارثة بن وهب والمستورد وَأَبُو بَرزَة وَأَبُو أُمَامَة وَعبد الله بن زيد وَسَهل بن سعد وسُويد بن جبلة وَأَبُو بكر الصّديق والفاروق والبراء وَعَائِشَة وَأُخْتهَا أَسمَاء وَأَبُو بكرَة وَخَوْلَة بن قيس وَأَبُو ذَر والصنابحي فِي آخَرين (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " لأذودن " أَي لأطردن من ذاد يذود ذيادا أَي دَفعه وطرده ويروى فليذادن رجال أَي يطردون وَفِي الْمطَالع كَذَا رَوَاهُ أَكثر الروَاة عَن مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَرَوَاهُ يحيى ومطرف وَابْن نَافِع فَلَا يذادن وَرَوَاهُ ابْن وضاح على الرِّوَايَة الأولى وَكِلَاهُمَا صَحِيح الْمَعْنى والنافية أفْصح وَأعرف وَمَعْنَاهُ فَلَا تَفعلُوا فعلا يُوجب ذَلِك كَمَا قَالَ ﷺ َ - لَا أَلفَيْنِ أحدكُم على رقبته بعير أَي لَا تَفعلُوا مَا يُوجب ذَلِك قَوْله " كَمَا تذاد الغريبة من الْإِبِل " أَي كَمَا تطرد النَّاقة الغريبة من الْإِبِل عَن الْحَوْض إِذا أَرَادَت الشّرْب مَعَ إبِله وَعَادَة الرَّاعِي إِذا سَاق الْإِبِل إِلَى الْحَوْض لتشرب أَن يطرد النَّاقة الغريبة إِذا رَآهَا بَينهم وَاخْتلف فِي هَؤُلَاءِ الرِّجَال فَقيل هم المُنَافِقُونَ حَكَاهُ ابْن التِّين وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هم المبتدعون وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ هم الَّذين لَا سِيمَا لَهُم من غير هَذِه الْأمة وَذكر قبيصَة فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَنهم هم المرتدون الَّذين بدلُوا وَقَالَ ابْن
стр. 3625
بطال فَإِن قيل كَيفَ يأْتونَ غرا وَالْمُرْتَدّ لَا غرَّة لَهُ فَالْجَوَاب أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ تَأتي كل أمة فِيهَا منافقوها وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم يَقُول المُنَافِقُونَ والمنافقات للَّذين آمنُوا انظرونا نقتبس من نوركم﴾ فصح أَن الْمُؤمنِينَ يحشرون وَفِيهِمْ المُنَافِقُونَ الَّذين كَانُوا مَعَهم فِي الدُّنْيَا حَتَّى يضْرب بَينهم بسور وَالْمُنَافِق لَا غرَّة لَهُ وَلَا تحجيل لَكِن الْمُؤْمِنُونَ سموا غرا بِالْجُمْلَةِ وَإِن كَانَ الْمُنَافِق فِي خلالهم وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فَإِن قيل كَيفَ خَفِي حَالهم على سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - وَقد قَالَ تعرض عَليّ أَعمال أمتِي فَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا تعرض أَعمال الْمُوَحِّدين لَا الْمُنَافِقين والكافرين
١٦ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ أخبرنَا معمر عَن أَيُّوب وَكثير بن كثير يزِيد أَحدهمَا على الآخر عَن سعيد بن جُبَير قَالَ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - يرحم الله أم إِسْمَاعِيل لَو تركت زَمْزَم أَو قَالَ لَو لم تغرف من المَاء لكَانَتْ عينا معينا وَأَقْبل جرهم فَقَالُوا أَتَأْذَنِينَ أَن ننزل عنْدك قَالَت نعم وَلَا حق لكم فِي المَاء قَالُوا نعم) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْلهَا لجرهم وَلَا حق لكم فِي المَاء لِأَنَّهَا أَحَق من غَيرهَا وَقَالَ الْخطابِيّ فِيهِ أَن من أنبط مَاء فِي فلاة من الأَرْض ملكه وَلَا يُشَارِكهُ غَيره فِيهِ إِلَّا بِرِضَاهُ إِلَّا أَنه لَا يمْنَع فَضله إِذا اسْتغنى عَنهُ وَإِنَّمَا شرطت هَاجر عَلَيْهِم أَن لَا يتملكوه قَوْله وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي وَهُوَ من أَفْرَاده وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَكثير بن كثير ضد الْقَلِيل فِي اللَّفْظَيْنِ ابْن الْمطلب السَّهْمِي وَهُوَ عطف على أَيُّوب قيل يلْزم أَن يكون كل مِنْهُمَا مزيدا أَو مزيدا عَلَيْهِ أُجِيب نعم باعتبارين. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا مطولا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِيه أَيْضا عَن أبي عَامر وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَمُحَمّد بن عبد الله بن الْمُبَارك عَن أبي عَامر الْعَقدي وَعُثْمَان بن عمر كِلَاهُمَا عَن إِبْرَاهِيم بن نَافِع قَوْله " أم إِسْمَاعِيل " هِيَ هَاجر وَكَانَ إِبْرَاهِيم ﷺ سَار إِلَى مصر لما وَقع الْقَحْط بِالشَّام لِلْمِيرَةِ وَمَعَهُ سارة وَلُوط عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَانَ بهَا أول الفراعنة سِنَان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سَام بن نوح ﷺ وَقيل غير ذَلِك وَكَانَت سارة من أجمل النِّسَاء وَجرى مَا جرى بَينه وَبَين إِبْرَاهِيم ﷺ بِسَبَب سارة على مَا ذكره أهل السّير فآخر الْأَمر نجى الله سارة من هَذَا الفرعون فَأَخْدَمَهَا هَاجر وَاخْتلف فِيهَا فَقَالَ مقَاتل كَانَت من ولد هود ﷺ وَقَالَ الضَّحَّاك كَانَت بنت ملك مصر وَكَانَ سَاكِنا بمنف فغلبه ملك آخر فَقتله وسبى ابْنَته فاسترقها ووهبها لسارة ثمَّ وهبتها سارة لإِبْرَاهِيم فواقعها فَولدت إِسْمَاعِيل ثمَّ حمل إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل وَأمه هَاجر إِلَى مَكَّة وَذَلِكَ لأمر يطول ذكره وَمَكَّة إِذْ ذَاك عضاه وَسلم وَسمر فأنزلهما فِي مَوضِع الْحجر وَكَانَ مَعَ هَاجر شنة مَاء وَقد نفد فعطشت وعطش الصَّبِي فَنزل جِبْرِيل ﷺ وَجَاء بهما إِلَى مَوضِع زَمْزَم فَضرب بعقبه ففارت عين فَلذَلِك يُقَال لزمزم ركضة جِبْرِيل ﷺ فَلَمَّا نبع المَاء أخذت هَاجر شنتها وَجعلت تستقي فِيهَا تدخره وَهِي تَفُور قَالَ ﷺ َ - يرحم الله أم إِسْمَاعِيل لَو تركت زَمْزَم لكَانَتْ عينا معينا فَشَرِبت وَقَالَ لَهَا جِبْرِيل لَا تخافي الظمأ على أهل هَذِه الْبَلدة فَإِنَّهَا عين ستشرب مِنْهَا ضيفان الله وَإِن هَهُنَا بَيت الله يَبْنِي هَذَا الْغُلَام وَأَبوهُ فَكَانَ كَذَلِك حَتَّى مرت رفْقَة من جرهم تُرِيدُ الشَّام مُقْبِلين من طَرِيق كَذَا فنزلوا فِي أَسْفَل مَكَّة فَرَأَوْا طائرا على الْجَبَل فَقَالُوا إِن هَذَا الطَّائِر ليدور على المَاء وعهدنا بِهَذَا الْوَادي وَمَا فِيهِ مَاء فأشرفوا فَإِذا هم بِالْمَاءِ فَقَالُوا لهاجر إِن شِئْت كُنَّا مَعَك وانسناك وَالْمَاء ماؤك فَأَذنت لَهُم فنزلوا هُنَاكَ فهم أول سكان مَكَّة فَكَانُوا هُنَاكَ حَتَّى شب إِسْمَاعِيل وَمَاتَتْ هَاجر فَتزَوج إِسْمَاعِيل امْرَأَة مِنْهُم يُقَال لَهَا الجداء ابْنة سعد العملاقي وَأخذ لسانهم فتعرب بهم وحكايته طَوِيلَة لَيْسَ هَذَا مَوضِع بسطها ثمَّ اعْلَم أَن جرهم صنفان الأولى كَانُوا على عهد عَاد فبادوا ودرست أخبارهم وهم من الْعَرَب البائدة وجرهم الثَّانِيَة من ولد جرهم بن قطحان وَكَانَ جرهم أَخا يعرب بن قحطان فَملك يعرب الْيمن وَملك أَخُوهُ جرهم الْحجاز وَقَالَ الرشاطي
стр. 3626
جرهم وَابْن عَمه قطورا هما كَانَا أهل مَكَّة وَكَانَا قد ظعنا من الْيمن فَأَقْبَلَا سيارة وعَلى جرهم مضاض بن عمر وعَلى قطورا السميدع رجل مِنْهُم فَنزلَا مَكَّة وجرهم بن قحطان بن عَامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سَام بن نوح ﵇ قَوْله " لَو تركت زَمْزَم " بِأَن لَا تغرف مِنْهَا إِلَى الْقرْبَة وَلَا تشح بهَا لكَانَتْ عينا معينا بِفَتْح الْمِيم أَي جَارِيا قَوْله " أَو قَالَ " شكّ من الرَّاوِي قَوْله أَتَأْذَنِينَ خطاب لهاجر بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام على سَبِيل الاستخبار قَوْله " أَن ننزل " بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر ويروى أَن أنزل بِاعْتِبَار قَول كل وَاحِد مِنْهُم قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) نعم مقررة لما سبق وَهَهُنَا النَّفْي سَابق (قلت) يسْتَعْمل فِي الْعرف مقَام بلَى وَلِهَذَا يثبت بِهِ الْإِقْرَار حَيْثُ يُقَال أَلَيْسَ لي عَلَيْك ألف فَقَالَ نعم (قلت) التَّحْقِيق فِيهِ أَن بلَى لَا تَأتي إِلَّا بعد نفي وَأَن نعم تَأتي بعد نفي وَإِيجَاب فَلَا يحْتَاج أَن يُقَال يسْتَعْمل فِي الْعرف مقَام بلَى -
٩٦٣٢ - حدَّثنا عبد الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍ وعنْ أبي صالِحٍ السَّمَّانِ عنْ إبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ ولَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ رجُلٌ حَلَفَ علَى سِلْعةٍ لقَدْ أعْطَى أكْثَرَ مِمَّا أعْطَى وهْوَ كاذِبٌ ورجُلٌ حلَفَ علَى يَمِينٍ كاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ورَجُلٌ منَعَ فَضْلَ ماءٍ فيَقُولُ الله الْيَوْمَ أمْنَعُكَ فَضْلِي كَما منَعْتَ فَضْلَ مالَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَرجل منع فضل مَاء) ، لِأَنَّهُ اسْتحق الْعقَاب فِي الْفضل، فَدلَّ هَذَا أَنه أَحَق بِالْأَصْلِ الَّذِي فِي حَوْضه، أَو فِي قربته، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان السمان، والْحَدِيث مضى قبل هَذَا الْبَاب بأَرْبعَة أَبْوَاب فِي: بَاب إِثْم من منع ابْن السَّبِيل من المَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَكِن بَينهمَا بعض اخْتِلَاف فِي الْمَتْن بِزِيَادَة ونقصان يعلم بِالنّظرِ، فَإِن فِيهِ هُنَاكَ الرجل المبايع للْإِمَام هُوَ ثَالِث الثَّلَاثَة، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا إِذا لم يحصر على هَذِه الثَّلَاثَة وَلَا على تِلْكَ الثَّلَاثَة.
قَوْله: (أَكثر مِمَّا أعْطى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي: أَكثر مِمَّا أعْطى فلَان الَّذِي يستامه. قَوْله: (وَهُوَ كَاذِب) جملَة حَالية. قَوْله: (الْيَوْم أمنعك فضلي) أَي: إِنَّك إِذا كنت تمنع فضل المَاء الَّذِي لَيْسَ بعملك، وَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْك أمنعك الْيَوْم فضلي مجازاة لما فعلت. وَقيل: قَوْله: الْيَوْم أمنعك ... إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أأنتم أنزلتموه من المزن أم نَحن المنزلون﴾ (الْوَاقِعَة: ٩٦) . وَحكى ابْن التِّين عَن أبي عبد الْملك أَنه قَالَ: هَذَا يخفي مَعْنَاهُ، وَلَعَلَّه يُرِيد أَن الْبِئْر لَيست من حفره، وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَنعه غَاصِب ظَالِم، وَهَذَا لَا يرد فِيمَا حازه وَعَمله، وَيحْتَمل أَن يكون هُوَ حفرهَا ومنعها من صَاحب الشّفة، أَي: العطشان، وَيكون معنى: مَا لم تعْمل يداك، أَي: لم تنبع المَاء وَلَا أخرجته. قلت: تَقْيِيد هَذَا بالبئر لَا معنى لَهُ، لِأَن قَوْله: وَرجل منع فضل مَاء، أَعم من أَن يكون ذَلِك الْفضل فِي الْبِئْر أَو فِي الْحَوْض أَو فِي الْقرْبَة وَنَحْو ذَلِك.
وقالَ عَلِيٌّ حدَّثنا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ سَمِعَ أبَا صالِحٍ يبْلُغُ بِهِ النبيَّ ﷺ
أَي: قَالَ عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار سمع أَبَا صَالح ذكْوَان يبلغ بِهِ، أَي يرفع الحَدِيث إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن سُفْيَان كَانَ يُرْسل هَذَا الحَدِيث كثيرا، وَلكنه صحّح الْمَوْصُول لِأَنَّهُ سَمعه من الْحفاظ مَوْصُولا وَوَصله أَيْضا عَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه مُسلم عَنهُ عَن سُفْيَان عَن عَمْرو عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أرَاهُ مَرْفُوعا، وَالله أعلم.
١١ - (بابٌ لَا حِمَى إلَاّ لله ولِرَسُولِه ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قَول النَّبِي، ﷺ : لَا حمى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ، وَعقد هَذِه التَّرْجَمَة بِلَفْظ حَدِيث الْبَاب من غير زِيَادَة عَلَيْهِ، والحمى، بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْمِيم بِلَا تَنْوِين مَقْصُور، وَفِي (الْمغرب) : الْحمى: مَوضِع الْكلأ يحمى من النَّاس
стр. 3627
وَلَا يرْعَى وَلَا يقرب، وَفِي (الصِّحَاح) : حميته حماية أَي: دفعت عَنهُ، وَهَذَا شَيْء حمى على فعل أَي: مَحْظُور لَا يقرب. قلت: دلّ هَذَا أَن لفظ: حمى، اسْم غير مصدر، وَهُوَ على وزن فعل بِكَسْر الْفَاء بِمَعْنى مفعول، أَي: محمي مَحْظُور، هَذَا مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، وَمَعْنَاهُ الاصطلاحي: مَا يحمي الإِمَام من الْموَات لمواشٍ يعينها وَيمْنَع سَائِر النَّاس من الرَّعْي فِيهَا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: قيل: كَانَ الشريف فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا نزل أَرضًا فِي حيه استعوى كَلْبا فحمى مدى عواء الْكَلْب لَا يُشْرك فِيهِ غَيره، وَهُوَ يُشَارك الْقَوْم فِي سَائِر مَا يرعون فِيهِ، فَنهى النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك، وأضاف. الْحمى إِلَى الله وَرَسُوله إلَاّ مَا يحمى للخيل الَّتِي ترصد للْجِهَاد وَالْإِبِل الَّتِي يحمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله، وإبل الزَّكَاة وَغَيرهَا، كَمَا حمى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، النقيع، بالنُّون: لنعم الصَّدَقَة وَالْخَيْل الْمعدة فِي سَبِيل الله. قيل: فِيهِ نظر من حَيْثُ إِن الْمُلُوك والأشراف كَانُوا يحْمُونَ بِمَا شاؤا، فَلم يحك أحد أَنهم كَانُوا يحْمُونَ بالكلب إلَاّ مَا نقل عَن وَائِل بن ربيعَة التغلبي، فَغلبَتْ عَلَيْهِ اسْم كُلَيْب، لِأَنَّهُ حمى الْحمى بعواء كلب كَانَ يقطع يَدَيْهِ ويدعه وسط مَكَان يُريدهُ، فَأَي مَوضِع بلغ عواؤه لَا يقربهُ أحد وبسببه، كَانَت حَرْب البسوس الْمَشْهُورَة. وَقَالَ ابْن بطال: أصل الْحمى الْمَنْع، يَعْنِي: لَا مَانع لما لَا مَالك لَهُ من النَّاس من أَرض أَو كلأ إلَاّ الله وَرَسُوله، قَالَ: وَذكر ابْن وهب أَن النقيع الَّذِي حماه سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، قدره ميل فِي ثَمَانِيَة أَمْيَال، والنقيع بالنُّون الْمَفْتُوحَة وَالْقَاف الْمَكْسُورَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: على عشْرين فرسخاً من الْمَدِينَة، وَقيل: على عشْرين ميلًا، ومساحته بريد فِي بريد، قَالَ ياقوت: وَهُوَ غير نَقِيع الْخضمات الَّذِي كَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حماه، وَعكس ذَلِك أَبُو عبيد الْبكْرِيّ، وَزعم الْخطابِيّ أَن من النَّاس من يَقُوله بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ تَصْحِيف، وَالْأَصْل فِي النقيع أَنه: كل مَوضِع يستنقع فِيهِ المَاء، وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ أَن بَعضهم ذهب إِلَى أَنَّهُمَا وَاحِد، وَالْأول أصح.
٠٧٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَن يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله ابنِ عبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثَّامَةَ قَالَ إنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا حِمَى إلَاّ لله ولِرَسُولِهِ. (الحَدِيث ٠٧٣٢ طرفه فِي: ٣١٠٣) .
الحَدِيث عين التَّرْجَمَة فَلَا مُطَابقَة أقوى من هَذَا، وَرِجَاله سَبْعَة كلهم قد ذكرُوا، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، والصعب ضد السهل ابْن جثامة، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة: اللَّيْثِيّ، مر فِي جَزَاء الصَّيْد وَرِوَايَة اللَّيْث عَن يُونُس من الأقران، لِأَن اللَّيْث قد سمع من شَيْخه ابْن شهَاب أَيْضا. وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد تابعيان: ابْن شهَاب وَعبيد الله، وصحابيان: عبد الله بن عَبَّاس والصعب بن جثامة.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَوَقع فِي (الْإِلْمَام) للشَّيْخ تَقِيّ الَّذين الْقشيرِي: أَنه من الْمُتَّفق عَلَيْهِ، وَهُوَ وهم، بل رُبمَا يكون من النَّاسِخ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن ابْن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحمى وَفِي السّير عَن أبي كريب عَن ابْن إِدْرِيس عَن مَالك عَن ابْن شهَاب.
قَوْله: (لَا حمى إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ) ، أَي: لَا حمى لأحد يخص نَفسه يرْعَى فِيهِ مَاشِيَته دون سَائِر النَّاس، وَإِنَّمَا هُوَ لله وَلِرَسُولِهِ وَلمن ورد ذَلِك عَنهُ من الْخُلَفَاء بعده إِذا احْتَاجَ إِلَى ذَلِك لمصْلحَة الْمُسلمين، كَمَا فعل الصّديق والفاروق وَعُثْمَان لما احتاجوا إِلَى ذَلِك، وَعَابَ رجل من الْعَرَب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: بِلَاد الله حميت لمَال الله، وَأنكر أَيْضا على عُثْمَان أَنه زَاد فِي الْحمى، وَلَيْسَ لأحد أَن يُنكر ذَلِك، لِأَنَّهُ ﷺ قد تقدم إِلَيْهِ ولخلفائه الِاقْتِدَاء بِهِ والاهتداء، وَإِنَّمَا يحمى الإِمَام مَا لَيْسَ بِملك لأحد مثل بطُون الأودية وَالْجِبَال والموات، وَإِن كَانَ ينْتَفع الْمُسلمُونَ بِتِلْكَ الْمَوَاضِع فمنافعهم فِي حماية الإِمَام أَكثر. وَقَالَ ابْن التِّين: معنى الحَدِيث: لَا حمى إلَاّ على مَا أذن الله لرَسُوله أَن يحميه، لَا مَا كَانَ يحميه الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة. قيل: الْأَرْجَح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَن الْحمى مُخْتَصّ بالخليفة، وَمِنْهُم من ألحق بِهِ وُلَاة الأقاليم، وَقَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بِهِ الطَّحَاوِيّ لمذهبه فِي اشْتِرَاط إِذن الإِمَام فِي إحْيَاء الْموَات، وَتعقب بِالْفرقِ بَينهمَا، فَإِن الْحمى أخص من الْإِحْيَاء. انْتهى. قلت: حصر الْحمى لله وَلِرَسُولِهِ يدل على أَن حكم الْأَرَاضِي إِلَى الإِمَام، والموات من الْأَرَاضِي، وَدَعوى أخصية الْحمى من الْإِحْيَاء
стр. 3628
مَمْنُوعَة لِأَن كلا مِنْهُمَا لَا يكون إلَاّ فِيمَا لَا مَالك لَهُ، فيستويان فِي هَذَا الْمَعْنى.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله بلَغَنَا أنَّ النبيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ وأنَّ عُمَرَ حَمى السَّرَفَ والرَّبَذَةَ
وَقع للأكثرين من الروَاة هَكَذَا، وَقَالَ: بلغنَا أَن النَّبِي ﷺ بِدُونِ لفظ أَبُو عبد الله، وَلم يَقع: قَالَ أَبُو عبد الله، إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقع فِي بعض رِوَايَات البُخَارِيّ: وَقَالَ أَبُو عبد الله: وبلغنا، فَجعله من قَول البُخَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم: فَظن بعض الشُّرَّاح أَنه من كَلَام البُخَارِيّ المُصَنّف وَلَيْسَ كَذَلِك. قلت: إِن كَانَ مُرَاده من بعض الشُّرَّاح ابْن التِّين فَلَيْسَ كَذَلِك، لَان ابْن التِّين لم يقل إِنَّه من كَلَام البُخَارِيّ، وَإِنَّمَا هُوَ ناقل وَلَيْسَ بقائل، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِي قَوْله: فَجعله، يرجع إِلَى ناقل هَذِه الرِّوَايَة من أبي ذَر وَلَيْسَ يرجع إِلَى ابْن التِّين، وَلم يدر نِسْبَة الظَّن إِلَى أَي شَارِح من شرَّاح البُخَارِيّ، وَالْحَاصِل أَن رِوَايَة الْأَكْثَرين هِيَ الصَّحِيحَة، وَأَن الضَّمِير فِي قَوْله: وَقَالَ: بلغنَا، يرجع إِلَى الزُّهْرِيّ، وَأَنه من الْبَلَاغ الْمَنْسُوب إِلَيْهِ. وَذكر أَبُو دَاوُد أَن الْقَائِل: وبلغنا ... إِلَى آخِره ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ، ﵀، وروى فِي (سنَنه) من طَرِيق ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، فَذكر الْمَوْصُول، والمرسل جَمِيعًا. أما الْمَوْصُول فَرَوَاهُ عَن سعيد بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن الصعب بن جثامة: أَن رَسُول الله ﷺ حمى النقيع، وَقَالَ: لَا حمى إلَاّ لله. وَأما الْمُرْسل فَهُوَ، قَالَ ابْن شهَاب: وَبَلغنِي أَن رَسُول الله ﷺ حمى النقيع. قَوْله: (النقيع) ، بالنُّون، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (وَأَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حمى الشّرف والربذة) عطف على قَوْله: (بلغنَا أَن النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ أَيْضا من بَلَاغ الزُّهْرِيّ، و: الشّرف، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ الْمَشْهُور، وَذكر عِيَاض أَنه عِنْد البُخَارِيّ بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء، وَالصَّوَاب الأول، لِأَن الشّرف بِالْمُعْجَمَةِ من عمل الْمَدِينَة، وبالمهملة وَكسر الرَّاء من عمل مَكَّة، وَلَا تدخله الْألف وَاللَّام، بَينهَا وَبَين مَكَّة سِتَّة أَمْيَال، وَقيل: سَبْعَة، وَقيل: تِسْعَة، وَقيل: اثْنَي عشر، والربذة، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة المفتوحات: قَرْيَة قريبَة من ذَات عرق، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ثَلَاث مراحل، وَقد مر تَفْسِيره فِيمَا مضى أَيْضا. وروى ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حمى الربذَة لنعم الصَّدَقَة.
٢١ - (بابُ شُرْبِ النَّاسِ وسَقْيِ الدَّوَابِّ مِنَ الأنْهَارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال شرب النَّاس وَسقي الدَّوَابّ من الْأَنْهَار، مَقْصُوده الْإِشَارَة إِلَى أَن مَاء الْأَنْهَار الْجَارِيَة غير مُخْتَصّ لأحد. وَقَامَ الْإِجْمَاع على جَوَاز الشّرْب مِنْهَا دون اسْتِئْذَان أحد، لِأَن الله تَعَالَى خلقهَا للنَّاس وللبهائم وَلَا مَالك لَهَا غير الله، فَإِذا أَخذ أحد مِنْهَا شَيْئا فِي وعائه صَار ملكه فيتصرف فِيهِ بِالْبيعِ وَالْهِبَة وَالصَّدَََقَة وَنَحْوهَا، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا بَأْس بِبيع المَاء بِالْمَاءِ مُتَفَاضلا وَإِلَى أجل، وَقَالَ مُحَمَّد: هُوَ مِمَّا يُكَال أَو يُوزن، وَقد صَحَّ أَنه، ﷺ ، كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمدِّ ويغتسل بالصاع، فعلى هَذَا لَا يجوز عِنْده فِيهِ التَّفَاضُل وَلَا النَّسِيئَة لوُجُود عِلّة الرِّبَا، وَهِي الْكَيْل وَالْوَزْن، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، لِأَن الْعلَّة الطّعْم.
١٧٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكُ بنُ أنَسٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِي صالِحٍ السَّمَّانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ الخَيْلُ لِرَجُلٍ أجْرٌ ولِرَجُلٍ سِتْرٌ وعلَى رجُلٍ وزْرٌ فأمَّا الَّذِي لَهُ أجْر فرَجُلٌ ربَطَها فِي سَبِيلِ الله فأطالَ بِها فِي مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ فَما أصَابَتْ فِي طِيَلِها ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ أوِ الرَّوْضَةِ كانَتْ لَهُ حَسَناتٍ ولوْ أنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُها فاستَنَّتْ شَرَفاً أوْ شَرَفَيْنِ كانَتْ آثارُها وأرْوَاثُها حَسناتٍ لَهُ ولَوْ أنَّها مَرَّت بِنَهْرٍ فشَرِبَتْ مِنْهُ ولَم يُرِدْ أنْ يَسْقِيَ
стр. 3629
كَانَ ذلِكَ حَسناتٍ لَهُ فَهْيَ لِذَلِكَ أجرٌ ورجلٌ ربَطهَا تغَنِّياً وتعَفُّفاً ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ الله فِي رِقابِهَا وَلَا ظُهُورِها فَهْيَ لِذَلِكَ سترٌ ورَجلٌ ربَطَهَا فَخْراً ورِياءً ونِوَاءً لأهْلِ الإسْلَامِ فَهْيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ وسُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الحُمُرِ فَقَالَ مَا أُنْزِلَ علَيَّ فِيها شَيءٌ إلَاّ هذهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الْفَاذةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهْ ومَنْ يَعْملْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهْ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨) . .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَلَو أَنَّهَا مرت بنهر فَشَرِبت مِنْهُ) وتوضيحه أَن مَاء النَّهر لَو كَانَ مُخْتَصًّا لأحد لاحتيج إِلَى إِذْنه، وَحَيْثُ أطلقهُ الشَّارِع يدل على أَنه غير مُخْتَصّ بِأحد وَلَا فِي ملك أحد. وَقَالَ بَعضهم: وَالْمَقْصُود مِنْهُ، أَي: من هَذَا الحَدِيث، قَوْله فِيهِ: (وَلَو أَنَّهَا مرت بنهر فَشَرِبت مِنْهُ) وَلم يرد أَن يسْقِي، فَإِنَّهُ يشْعر بِأَن من شَأْن الْبَهَائِم طلب المَاء وَلَو لم يرد ذَلِك صَاحبهَا، فَإِذا أجر على ذَلِك من غير قصد فيؤجر بِقَصْدِهِ من بَاب الأولى. انْتهى. قلت: غَرَض هَذَا الْقَائِل من هَذَا الْكَلَام بَيَان الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث الْمَذْكُور، وَلَكِن بمعزل من ذَلِك وَبعد عَظِيم، لِأَن عقد التَّرْجَمَة فِي بَيَان أَن مَاء الْأَنْهَار لَا يخْتَص بِأحد يشرب مِنْهَا النَّاس وَالدَّوَاب، وَلَيْسَت بمعقودة فِي حُصُول الْأجر بِقصد صَاحب الدَّابَّة وَبِغَيْرِهِ قصد إِذا شربت مِنْهُ.
وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو صَالح ذكْوَان.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد، وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن القعْنبِي وَفِي التَّفْسِير وَفِي الِاعْتِصَام عَن إِسْمَاعِيل، كِلَاهُمَا عَن مَالك عَنهُ بِهِ وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن يحيى بن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن مَالك بِقصَّة الْحمر. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن سُوَيْد بن سعيد وَعَن يُونُس عَن ابْن وهب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْخَيل عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِقصَّة الْخَيل.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أجر) : أَي: ثَوَاب. قَوْله: (ستر) أَي: سَاتِر لفقره ولحاله. قَوْله: (وزر) ، أَي: إِثْم وَثقل. قَوْله: (ربطها فِي سَبِيل الله) ، أَي: أعدهَا للْجِهَاد، وَأَصله من ربط الشَّيْء، وَمِنْه المرابط، وَهُوَ الرجل الَّذِي يحبس نَفسه فِي الثغور، والرباط هُوَ الْمَكَان الَّذِي يرابط فِيهِ الْمُجَاهِد ويعد الأهبة لذَلِك، وَقيل: من ربط صَاحبه عَن الْمعاصِي وعقله كمن ربط وعقل. قَوْله: (فَأطَال بهَا فِي مرج) ، أَي: شدها فِي طوله، الطول بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره لَام، وَكَذَلِكَ: الطيل، بِالْيَاءِ مَوضِع الْوَاو، وَهُوَ حَبل طَوِيل يشد أحد طَرفَيْهِ فِي وتد أَو غَيره والطرف الآخر فِي يَد الْفرس ليدور فِيهِ ويرعى، وَلَا يذهب لوجهه. وَقيل: هُوَ الْحَبل تشد بِهِ ويمسك صَاحبه بطرفه ويرسلها ترعى، وَقَالَ ابْن وهب: هُوَ الرسن، والمرج: الأَرْض الواسعة، قَالَ أَبُو الْمعَانِي: يجمع الْكلأ الْكثير وَالْمَاء تمرج فِيهَا الدَّوَابّ حَيْثُ شَاءَت، وَالْجمع: مروج. قَوْله: (طيلها) بِكَسْر الطَّاء، وَقد مر الْآن، وَأنكر يَعْقُوب الْيَاء، وَقَالَ: لَا يُقَال إلَاّ بِالْوَاو. وَعَن الْأَخْفَش: هما سَوَاء، وَزعم الخضراوي: أَن بَعضهم أجَاز فِيهِ: طوال، كَمَا تَقول الْعَامَّة، وَأنكر ذَلِك الزبيدِيّ، وَقَالَ: لَا أعرفهُ صَحِيحا. وَفِي (الْجَامِع) : وَمِنْهُم من يشدد فَيَقُول طول، وَمِنْه قَول الراجز:
(تعرضت لي فِي مَكَان حلي ... تعرض المهرة فِي الطِوَل)
وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لم يسمع فِي الطول الَّذِي هُوَ الْحَبل إلَاّ بِكَسْر الأول وَفتح الثَّانِي وشدده الراجز ضَرُورَة، وَقد يَفْعَلُونَ مثل ذَلِك للتكثير، وَيزِيدُونَ فِي الْحَرْف من بعض حُرُوفه. وَفِي (الْمطَالع) : وَعند الْجِرْجَانِيّ: فِي طولهَا، فِي مَوضِع من البُخَارِيّ، وَكَذَا فِي مُسلم. قَوْله: (فاستنت) ، أَي: أفلتت ومرحت، والاستنان: قَالَ فِي (التَّلْوِيح) : الاستنان تفعل من السّنَن وَتَبعهُ على ذَلِك صَاحب (التَّوْضِيح) . قلت: هَذَا غلط، بل هُوَ افتعال، وَالسّنَن الْقَصْد، وَقيل: معنى استنت: لجت فِي عدوها إقبالاً وإدباراً، وَقيل: الاستنان يخْتَص بالجري إِلَى فَوق، وَقيل: هُوَ النشاط والمرح، وَفِي (البارع) : هُوَ كالرقص، وَقيل: استنت رعت، وَقيل: الجري بِغَيْر فَارس. قَوْله: (شرفا) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء: مَا أشرف من الأَرْض وارتفع، وَقيل: الشّرف والشرفان
стр. 3630
الشوط والشوطان، سمي بِهِ لِأَن العادي بِهِ يشرف على مَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ. قَوْله: (آثارها) الْآثَار جمع أثر، وَأثر كل شَيْء بَقِيَّته، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ أثر خطواتها فِي الأَرْض بحافرها. قَوْله: (بنهر) ، بِسُكُون الْهَاء وَفتحهَا لُغَتَانِ فصيحتان ذكرهمَا ثَعْلَب، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: الْفَتْح أفْصح، وَقَالَ ابْن خالويه: الأَصْل فِيهِ التسكين، وَإِنَّمَا جَازَ فَتحه لِأَن فِيهِ حرفا من حُرُوف الْحلق. قَالَ: وحروف الْحلق إِذا وَقعت آخر الْكَلَام فتح وَسطهَا، وَإِذا وَقعت وسطا فتحت نَفسهَا، وَقيل: لِأَنَّهُ حرف استعلاء فَفتح لاستعلائه. وَفِي (الموعب) : نهر ونهور مثل جمع وجموع، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: نهر وأنهار مثل جبل وأجبال. قَوْله: (وَلم يرد أَن يسقيها) من بَاب التَّنْبِيه، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ يحصل لَهُ هَذِه الْحَسَنَات من غير أَن يقْصد سقيها فَإِذا قَصدهَا فَأولى بأضعاف الْحَسَنَات. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا يُرِيد أَن يسقيها أَي: يمْنَعهَا من شرب يَضرهَا إِذا احْتبست للشُّرْب لفوته مَا يأمله أَو إِدْرَاك مَا يخافه، أَو لِأَنَّهُ كره أَن يشرب من مَاء غَيره بِغَيْر إِذْنه. قَوْله: (تغَنِّيا) ، نصب على التَّعْلِيل أَي: اسْتغْنَاء عَن النَّاس بِطَلَب نتاجها الْغنى والعفة. قَوْله: (وَتَعَفُّفًا) ، عطف عَلَيْهِ أَي: لأجل ذَلِك تعففه عَن سُؤَالهمْ بِمَا يعمله عَلَيْهَا ويكتسبه على ظُهُورهَا ويتردد عَلَيْهَا إِلَى متاجره أَو مزارعه وَنَحْو ذَلِك فَتكون سترا لَهُ عَن الْفَاقَة. قَوْله: (ثمَّ لم ينس حق الله فِي رقابها) ، فَيُؤَدِّي زَكَاة تجارتها. قَوْله: (وَلَا ظُهُورهَا) ، أَي: لَا يحمل عَلَيْهَا مَا لَا تُطِيقهُ، وَقيل: أَن يغيث بهَا الملهوف وَمن تجب معونته، وَقيل: لَا ينسى حق الله فِي ظُهُورهَا فيركب عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله، وَاسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة على وجوب الزَّكَاة فِي الْخَيل السَّائِمَة، وَقد مر فِي كتاب الزَّكَاة. قَوْله: (فخراً) نصب على التَّعْلِيل، أَي: لأجل التفاخر. قَوْله: (ورياء) عطف عَلَيْهِ، أَي: لأجل الرِّيَاء، ليقال: إِنَّه يُربي خيل كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (ونواء) ، عطف على مَا قبله أَيْضا أَي: وَلأَجل النواء، بِكَسْر النُّون وبالمد وَهِي المعاداة وَهِي: أَن يَنْوِي إِلَيْك وتنوي إِلَيْهِ. أَي: ينْهض. وَقَالَ الدَّاودِيّ: بِفَتْح النُّون وَالْقصر، وَقَالَ: كَذَا رُوِيَ وَالْمَعْرُوف الأول. وَقَالَ ابْن قرقول: الْقصر وَفتح النُّون وهم، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَالَ ابْن أبي الْحجَّاج عَن أبي المصعب: بَوَاء، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (عَن الْحمر) بِضَم الْحَاء وَالْمِيم: جمع حمَار. قَوْله: (الفاذة) ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، أَي: المنفردة القليلة النظير فِي مَعْنَاهَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: سُئِلَ عَن صَدَقَة الْحمر وَأَشَارَ إِلَى الْآيَة بِأَنَّهَا جَامِعَة لاشتمال اسْم الْخَيْر على أَنْوَاع الطَّاعَات، وَجعلهَا فاذة لخلوها عَن بَيَان مَا تحتهَا من تَفْصِيل أَنْوَاعهَا، وجمعت على انفرادها حكم الْحَسَنَات والسيئات المتناولة لكل خير ومعروف، وَمَعْنَاهُ: أَن من أحسن إِلَيْهَا أَو أَسَاءَ رَآهُ فِي الْآخِرَة. وَقيل: إِنَّمَا قيل: إِنَّهَا فاذة إِذْ لَيْسَ مثلهَا آيَة أُخْرَى فِي قلَّة الْأَلْفَاظ وَكَثْرَة الْمعَانِي لِأَنَّهَا جَامِعَة بَين أَحْكَام كل الْخيرَات والشرور، وَكَيْفِيَّة دلَالَة الْآيَة على الْجَواب هِيَ أَن سُؤَالهمْ أَن الْحمار لَهُ حكم الْفرس أم لَا؟ فَأجَاب: بِأَنَّهُ إِن كَانَ لخير فَلَا بُد أَن يجزى جزاءه، وَيحصل لَهُ الْأجر وإلَاّ فبالعكس، وَإِنَّمَا لم يسْأَل ﷺ عَن البغال لقلتهَا عِنْدهم، أَو لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْحمار.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: حجَّة من يحْتَج أَن النَّبِي، ﷺ ، لم يكن مُجْتَهدا، وَإِنَّمَا كَانَ يحكم بِالْوَحْي، ورد بِأَنَّهُ، ﷺ ، لم يظْهر لَهُ أَو لم يُفَسر الله تَعَالَى من أَحْكَامهَا وَأَحْوَالهَا مَا قَالَه فِي الْخَيل وَغَيرهَا. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ، وَهُوَ تَنْبِيه للْأمة على الاستنباط وَالْقِيَاس، وَكَيف يفهم معنى التَّنْزِيل لِأَنَّهُ نبه بِمَا لم يذكر الله فِي كِتَابه، وَهِي: الْحمر، لما ذكر من عمل مِثْقَال ذرة خيرا يره، إِذْ كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا، وَهَذَا نفس الْقيَاس الَّذِي يُنكره من لَا تَحْصِيل لَهُ. وَفِيه: الْحَث على اقتناء الْخَيل إِذا ربطها فِي سَبِيل الله، أَلا تَرى أَن أرواثها كَانَت حَسَنَات يَوْم الْقِيَامَة؟ وَفِيه: أَن الرِّيَاء مَذْمُوم، وَأَنه وزر، وَلَا يَنْفَعهُ الْعَمَل المشوب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة.
٢٧٣٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ زِيدَ مولَى الْمُنْبَعِثِ عنْ يَزِيدِ بنِ خالِدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ رجُلٌ إِلَى رسولِ الله ﷺ فسَألَهُ عنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِف عِفَاصَها وَوِكاءَهَا ثُمَّ عرِّفْها سَنَةً فإنْ جَاءَ صاحِبُها وإلَاّ فشأْنَكَ بِها قَالَ فَضالَّةُ الغَنَمِ قَالَ هِيَ لَكَ أوْ لَاِخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضالَّةُ الإبِلِ قَالَ مالَكَ ولَها مَعَهَا سِقَاؤُها وحذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَلْقاها ربُّها. .
стр. 3631
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ترد المَاء) بَيَان ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ منع عَن الْتِقَاط الْإِبِل لِأَنَّهُ لَا يخَاف عَلَيْهَا من الْعَطش والجوع، فَترد مَاء من الْمِيَاه وتشرب لَا يمْنَعهَا أحد، لِأَن الله خلقه للنَّاس وللبهائم، وَلَيْسَ لَهُ مَالك غير الله تَعَالَى، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس عبد الله ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَرَبِيعَة، بِفَتْح الرَّاء: هُوَ الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي، وَيزِيد من الزِّيَادَة.
وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ وهما ربيعَة وَيزِيد.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْغَضَب فِي الموعظة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن أبي عَامر عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن ربيعَة عَن يزِيد عَن زيد بن خَالِد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، والعفاض، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالفاء: هُوَ الظّرْف الَّذِي فِيهِ النَّفَقَة، والوكاء: الْخَيط الَّذِي يرْبط بِهِ، والسقاء: الْقرْبَة، والحذاء، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة: مَا وطىء عَلَيْهِ الْبَعِير من خفه، وَأَصله من حذاء النِّعَال، فَقيل لخف الْجمل حذاء من ذَلِك، وَكَذَا يُقَال لحافر الْخَيل.
٣١ - (بَاب بَيْعِ الحَطَبِ والْكَلإ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْحَطب والكلإ، بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام وَفِي آخِره همزَة، وَهُوَ العشب سَوَاء كَانَ رطبا أَو يَابسا، وَقد مر تَفْسِيره غير مرّة، وَجه إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الشّرْب من حَيْثُ اشْتِرَاك المَاء والحطب والكلأ فِي جَوَاز الإنتفاع بهَا لِأَنَّهَا من الْمُبَاحَات، فَلَا يخْتَص بهَا أحد دون أحد، فَمن سبقت يَده إِلَى شَيْء من ذَلِك فقد ملكه. وَقَالَ ابْن بطال: إِبَاحَة الاحتطاب فِي الْمُبَاحَات والاختلاء من نَبَات الأَرْض مُتَّفق عَلَيْهِ، حَتَّى يَقع ذَلِك فِي أَرض مَمْلُوكَة فترتفع الْإِبَاحَة.
٣٧٣٢ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حَدثنَا وُهَيْبٌ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لأنْ يَأخُذَ أحدُكُمْ أحْبُلاً فَياخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ فيَكُفَّ الله بِهِ وجْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَن يَسْألَ النَّاسَ أُعْطِيَ أمْ مُنِعَ. (انْظُر الحَدِيث ١٧٤١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَيَأْخُذ حزمة من حطب فيبيع) ووهيب مصغر وهب بن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير ابْن الْعَوام. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الاستعفاف فِي الْمَسْأَلَة. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى عَن وهب عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن الزبير إِلَى آخِره. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَجهه) ، أَي: مَاء وَجهه، أَي: عرضه. قَوْله: (أعطي أم مُنع) ، كِلَاهُمَا على بِنَاء الْمَجْهُول.
٤٧٣٢ - حدَّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ أبِي عُبَيدٍ مَوْلَى عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ لِأَن يَحْتَطِبَ أحَدُكُمْ حُزْمَةً على ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسألَ أحدا فَيُعْطِيَهُ أوْ يَمْنَعَهُ. .
هَذَا الحَدِيث مضى أَيْضا فِي كتاب الزَّكَاة فِي الْبَاب الْمَذْكُور، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَأَبُو عبيد مصغر العَبْد، وَقد مر.
٥٧٣٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشامٌ أنَّ ابنَ جرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أخبرَنِي ابنُ شِهَابٍ عنْ عَلِيِّ بنُ حُسَيْنِ بنِ عَلِيٍ ّ عَن أبيهِ حُسَيْنِ بنِ عَلِيّ بنِ أبي طالِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أنَّهُ قَالَ أصَبْتُ شارفاً مَعَ رسولِ الله ﷺ فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ وأعْطَانِي رسولُ الله ﷺ شارِفاً أُخْرَى فأنَخْتُهُما يَوْماً عِنْدَ بابِ رجلٍ مِنَ الأنْصارِ وَأَنا أُرِيدُ أنْ أحْمِلَ عَلَيْهِمَا إذْخِراً لَاِبِيعَهُ ومَعِي صائِغٌ مِنْ بَنِي قَيْنُقاعَ فأسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ فاطِمَةَ وحَمْزَةُ
стр. 3632
ابنُ عبدِ الْمُطَّلِبِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَشْرَبُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ ومَعَهُ قَيْنَةٌ فقالَتْ: أَلا يَا حَمْزَ لِلْشُّرُفِ النِّوَاءِ. فَثارَ إلَيْهِمَا حَمْزَةُ بالسَّيْفِ فَجَب أسْنِمَتَهُمَا وبَقَرَ خَواصِرَهُما ثُمَّ أخَذَ مِنْ أكْبَادِهِما قُلْتِ لابنِ شِهَابٍ ومِنَ السَّنامِ قَالَ قَدْ جبَّ أسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِها قَالَ ابنُ شِهَابٍ قَالَ عَلِيٌّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أفْظَعَنِي فأتَيْتُ نَبيَّ الله ﷺ وعِنْدَهُ زَيْدُ بنُ حارِثَةَ فأخْبَرْتُهُ الخَبرَ فخَرَجَ ومَعهُ زَيْدٌ فانْطَلَقْتُ مَعه فَدخلَ على حَمْزَةَ فتَغَيَّظَ علَيْهِ فرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ وَقَالَ هَلْ أنْتُمْ إلَاّ عَبِيدٌ لآِبائِي فرَجَعَ رسولُ الله ﷺ يُقَهْقِرُ حتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَأَنا أُرِيد أَن أحمل عَلَيْهِمَا إذخراً لأبيعه) ، فَإِنَّهُ يدل على مَا ترْجم بِهِ من جَوَاز الاحتطاب، وَقلع الْإِذْخر وَبيعه من نوع الاحتطاب وَبيع الْحَطب.
وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ قاضيها، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن أَحْمد بن صَالح وَفِيه وَفِي الْبيُوع وَفِي اللبَاس وَفِي الْخمس عَن عَبْدَانِ. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد، وَمضى بعض الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا قيل فِي الصواغ، وَمر تَفْسِير مَا ذكر هُنَاكَ. ولنذكر مَا بَقِي وَإِن كَانَ لَا يَخْلُو عَن تكْرَار، لِأَن كل مَا تكَرر تقرر.
قَوْله: (شارفاً) ، بالشين الْمُعْجَمَة وبالفاء: وَهِي المسنة من النوق. قَوْله: (يَوْم بدر) كَانَت غَزْوَة بدر فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة. قَوْله: (وَمَعِي صائغ) ، ويروى: وَمَعِي رجل صائغ، كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول من الصوغ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعند أبي ذَر طالع، بِاللَّامِ، أَي: دَال على الطَّرِيق، وَفِي (الْمطَالع) : وَمَعِي طالع كَذَا لأكثرهم، فسروه بِالدَّلِيلِ، يَعْنِي: الطليعة، وَوَقع للمستملي وَابْن السكن: صايغ، وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي غير هَذَا الْموضع من هَذَا الْكتاب وَمُسلم وَغَيره، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وصائغ، بِالْمُهْمَلَةِ وبالهمزة بعد الْألف وبالمعجمة، و: طَابع، بِالْمُوَحَّدَةِ، و: طالع، بِاللَّامِ أَي: من يدله عَلَيْهِ ويساعده وَقد يُقَال أَيْضا: إِنَّه اسْم الرجل. قَوْله: (من بني قينقاع) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسر النُّون وَفتحهَا وَضمّهَا ذكر مَعْنَاهُ، قَوْله: (قينة) ، بِفَتْح الْقَاف: الْأمة، وَهَهُنَا المُرَاد بهَا المغينة. قَوْله: (أَلا يَا حمز للشرف النواء) ، وَهَذِه إِشَارَة إِلَى مَا فِي قصيدة مطْلعهَا:
(أَلا يَا حمز للشرف النواء ... وَهن معقَّلات بالفناء)
(ضع السكين فِي اللَّبَّات مِنْهَا ... وضرِّجهن، حَمْزَة، بالدماء)
(وعجِّل من أطايبها لشَرْبٍ ... قَدِيرًا من طبيخٍ أَو شواء)
قَوْله: (الا) ، كلمة تَنْبِيه قَوْله: (يَا حمز) ، مرخم. قَوْله: (للشرف) ، بِضَمَّتَيْنِ: جمع شَارف هِيَ المسنة من النوق، وَقد مر الْآن. وَقَالَ الدَّاودِيّ: الشّرف الْقَوْم المجتمعون على الشَّرَاب. قَوْله: (النواء) ، بِكَسْر النُّون: صفة للشرف، وَهُوَ جمع: ناوية، وَهِي السمينة وَفِي (الْمطَالع) : النواء السمان و: النيّ، بِكَسْر النُّون وَفتحهَا وَتَشْديد الْيَاء: الشَّحْم، وَيُقَال بِالْفَتْح الْفِعْل وبالكسر الِاسْم، وَيُقَال: نَوَت النَّاقة إِذا سمنت فَهِيَ ناوية، وَالْجمع: نواء، وَوَقع عِنْد الْأصيلِيّ فِي مَوضِع وَعند الْقَابِسِيّ أَيْضا: النَّوَى، بِكَسْر النُّون وبالقصر، وَحكى الْخطابِيّ: أَن عوام الروَاة يَقُولُونَ: النَّوَى، بِفَتْح النُّون وَالْقصر، وَفَسرهُ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ، فَقَالَ: النَّوَى جمع نواة، يُرِيد الْحَاجة. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا وهم وتصحيف، ثمَّ فسر النَّوَى بِمَا تقدم، وَفَسرهُ الدَّاودِيّ بالحبا والكرامة، وَهَذَا أبعد. قَوْله: (وَهن) ، أَي: الشّرف الْمَذْكُورَة. معقلات أَي: مشدودات بالعقال، وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يعقل بِهِ الْبَعِير أَي: يشد ويربط حَتَّى لَا يذهب، وَإِنَّمَا شدد معقلات للتكثير. قَوْله: (بالفناء،) ، بِكَسْر الْفَاء وَهُوَ الْمَكَان المتسع أَمَام الدَّار. قَوْله: فِي اللبات، جمع لبة وَهِي المنحر قَوْله: وضرجهن، أَمر من التضريج، بالضاد الْمُعْجَمَة وبالجيم: التدمية. قَوْله: حَمْزَة، أَي: يَا حَمْزَة، فَحذف مِنْهُ حرف النداء. قَوْله: من أطايبها، جمع أطيب، الْعَرَب تَقول: أطايب الْجَزُور السنام والكبد. قَوْله: لشرب، بِفَتْح الشين وَسُكُون
стр. 3633
الرَّاء: وَهُوَ الْجَمَاعَة يشربون الْخمر. قَوْله: قَدِيرًا، نصب على أَنه مفعول لقَوْله: وَعجل، والقدير الْمَطْبُوخ فِي الْقدر. قَوْله: (فثار إِلَيْهِمَا) ، أَي: إِلَى الشارفين، وثار من ثار يثور إِذا قَامَ بنهضة. قَوْله: (فجب) ، بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة: أَي قطع. قَوْله: (أسنمتها) ، الأسنمة جمع سَنَام، وَلَكِن المُرَاد إثنان، وَهَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ (التَّحْرِيم: ٤) . وَالْمرَاد: قلبا. كَمَا قَوْله: (وبقر) بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْقَاف، أَي: شقّ خواصراهما، وَالْمرَاد: خصراهما، والخاصرة الشاكلة. قَوْله: (ثمَّ أَخذ من أكبادهما) ، الأكباد جمع كبد، وَإِنَّمَا أَخذ من أكبادهما وَأخذ السنامين لأَنا قد ذكرنَا الْآن أَن الْعَرَب تَقول: أطايب الْجَزُور السنام والكبد. قَوْله: (قلت لإبن شهَاب) ، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج الرَّاوِي، وَهُوَ من قَوْله هَذَا إِلَى قَوْله: قَالَ عَليّ، لَيْسَ من الحَدِيث، وَهُوَ مدرج وَقَوله: (قَالَ عَليّ) ، هُوَ ابْن أبي طَالب لَا عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَذْكُور فِيهِ، وَذكره ابْن شهَاب تَعْلِيقا. قَوْله: (أفظعني) أَي: خوفني. قَالَ ابْن فَارس: أفظع الْأَمر وفظع: اشْتَدَّ وَهُوَ مفظع وفظين ومادته: فَاء وظاء مُعْجمَة وَعين مُهْملَة. قَوْله: (وَعِنْده زيد بن حَارِثَة) ، أَي: عِنْد النَّبِي ﷺ ، وَزيد بن حَارِثَة بن شرَاحِيل الْقُضَاعِي الْكَلْبِيّ، حب رَسُول الله ﷺ ومولاه، أَصَابَهُ سباء فاشتري لِخَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَوَهَبته لرَسُول الله ﷺ وَهُوَ صبي فَأعْتقهُ وتبناه. قَالَ ابْن عمر: مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إلَاّ زيد بن مُحَمَّد حَتَّى نزلت ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) . وآخى رَسُول الله ﷺ بَينه وَبَين حَمْزَة، قتل بمؤتة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَدخُول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على رَسُول الله ﷺ وَزيد بن حَارِثَة عِنْده فِيهِ خُصُوصِيَّة بِهِ، وَكَانُوا يلجأون إِلَيْهِم فِي نوائبهم. قَوْله: (فتغيظ عَلَيْهِ) ، أَي: أظهر الغيظ عَلَيْهِ. قَوْله: (إِلَّا عبيد لآبائي؟) أَرَادَ بِهِ التفاخر عَلَيْهِم بِأَنَّهُ أقرب إِلَى عبد الْمطلب وَمن فَوْقه. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي أَن عبد الله أَبَا النَّبِي ﷺ وَأَبا طَالب عَمه كَانَا كالعبدين لعبد الْمطلب فِي الخضوع لِحُرْمَتِهِ وَجَوَاز تصرفه فِي مَالهمَا، وَعبد الْمطلب جد النَّبِي ﷺ ، وَالْجد كالسيد. قَوْله: (يقهقر) ، فِي مَحل النصب على الْحَال، وَمَعْنَاهُ: رَجَعَ إِلَى وَرَائه. قَوْله: (وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الْخمر) ، أَي: الْمَذْكُور من هَذِه الْقَضِيَّة كَانَ قبل تَحْرِيم الْخمر، لِأَن حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اسْتشْهد يَوْم أحد وَكَانَ يَوْم أحد فِي السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة يَوْم السبت منتصف شَوَّال، وَتَحْرِيم الْخمر بعده، فَلذَلِك عذره النَّبِي ﷺ فِيمَا قَالَ وَفعل وَلم يؤاخذه.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن للغانم قد يعْطى من الْغَنِيمَة بِوَجْهَيْنِ: من الْخمس، وَمن الْأَرْبَعَة أَخْمَاس، قَالَه التَّيْمِيّ. وَفِيه: أَن مَالك النَّاقة لَهُ الِانْتِفَاع بهَا بِالْحملِ عَلَيْهَا. وَفِيه: جَوَاز الاحتشاش. وَفِيه: سنة الْوَلِيمَة. وَفِيه: إناخة النَّاقة على بَاب غَيره إِذا لم يتَضَرَّر بِهِ. وَفِيه: تبسط الْمَرْء فِي مَال قَرِيبه إِذا كَانَ يعلم أَنه يحلله مِنْهُ. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد، لِأَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عمل على قَول من أخبر بِفعل حَمْزَة حِين استعدى عَلَيْهِ. وَفِيه: جَوَاز الِاجْتِمَاع على شرب الشَّرَاب الْمُبَاح. وَفِيه: جَوَاز الْغناء بالْقَوْل والمباح من القَوْل وإنشاد الشّعْر. وَفِيه: إِبَاحَة السماع من الْأمة. وَفِيه: جَوَاز النَّحْر بِالسَّيْفِ. وَفِيه: جَوَاز التَّخْيِير فِيمَا يَأْكُلهُ، كاختيار الكبد، وَذَلِكَ لَيْسَ بإسراف. وَفِيه: أَن من دلّ إنْسَانا على مَال لقريبه لَيْسَ ظَالِما. وَفِيه: حل ذَبِيحَة من ذبح نَاقَة غَيره بِغَيْر إِذْنه. وَفِيه: جَوَاز تَسْمِيَة الْإِثْنَيْنِ باسم الْجَمَاعَة. وَفِيه: جَوَاز الاستعداء على الْخصم للسُّلْطَان. وَفِيه: أَن للْإنْسَان أَن يستخدم غَيره فِي أُمُوره، لِأَنَّهُ، ﷺ دَعَا زيدا وَذهب بِهِ مَعَه. وَفِيه: سنة الاسْتِئْذَان فِي الدُّخُول واستئذان الْوَاحِد كَاف عَنهُ وَعَن الْجَمَاعَة. وَفِيه: أَن السَّكْرَان يلام إِذا كَانَ يعقل اللوم. وَفِيه: أَن الإِمَام يلقى الْخصم فِي كَمَال الْهَيْئَة، لِأَنَّهُ ﷺ أَخذ رِدَاءَهُ حِين ذهب إِلَى حَمْزَة. وَفِيه: جَوَاز إِطْلَاق الْكَلَام على التَّشْبِيه، كَمَا قَالَ حَمْزَة: هَل أَنْتُم إلَاّ عبيد آبَائِي؟ أَي: كعبيد آبَائِي؟ وَفِيه: إِشَارَة إِلَى شرف عبد الْمطلب. وَفِيه: عِلّة تَحْرِيم الْخمر من أجل مَا جنى حَمْزَة على الشَّارِع من هجر القَوْل. وَفِيه: أَن للْإِمَام أَن يمْضِي إِلَى أهل بَيت إِذا بلغه أَنهم على مُنكر فيغيره. وَفِيه: أَن تضمين الْجِنَايَات من ذَوي الْأَرْحَام العادم فِيهَا أَن يهدر من أجل الْقَرَابَة، كَمَا هدر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قيمَة الناقتين مَعَ تَأْكِيد الْحَاجة إِلَيْهِمَا، وَإِلَى مَا كَانَ يستقبله من الْإِنْفَاق فِي وَلِيمَة عرسه. وَفِيه: أَن السَّكْرَان إِذا طلق أَو افترى لَا شَيْء عَلَيْهِ، وعورض أَن الشَّارِع وعلياً تركا حقوقهما، وَأَيْضًا فالخمر كَانَت حَلَالا إِذْ ذَاك، بِخِلَاف الْآن، فَيلْزم بذلك
стр. 3634
لِأَنَّهُ أدخلهُ على نَفسه، هَكَذَا ذكرُوا هَذِه الْأَشْيَاء، وَفِي هَذَا الزَّمَان لَا يمشي بعض ذَلِك، بل يقف عَلَيْهِ من لَهُ اعتناء بالفقه، وَالله أعلم.
٤١ - (بابُ القطائع)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم القطائع، وَهُوَ جمع قطيعة من: أقطعه الإِمَام أَرضًا يَتَمَلَّكهُ ويستبد بِهِ وينفرد، والإقطاع يكون تَمْلِيكًا وَغير تمْلِيك، وإقطاع الإِمَام تسويفه من مَال الله تَعَالَى لمن يرَاهُ أَهلا لذَلِك، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي إقطاع الأَرْض، وَهُوَ أَن يخرج مِنْهَا شَيْئا يحوزه إِمَّا أَن يملكهُ إِيَّاه فيعمره، أَو يجل لَهُ غَلَّته مُدَّة. قلت: فِي صُورَة التَّمْلِيك يملك الَّذِي أقطع لَهُ، وَهُوَ الَّذِي يُسمى المقطع لَهُ رَقَبَة الأَرْض فَيصير ملكا لَهُ يتَصَرَّف فِيهِ تصرف الْملاك فِي أملاكهم، وَفِي صُورَة جعل الْغلَّة لَهُ لَا يملك إلَاّ مَنْفَعَة الأَرْض دون رقبَتهَا، فعلى هَذَا يجوز للجندي الَّذِي يقطع لَهُ أَن يُؤجر مَا أقطع لَهُ لِأَنَّهُ يملك مَنَافِعهَا، وَأَن لم يملك رقبته، وَله نَظَائِر فِي الْفِقْه. مِنْهَا: أَنه إِذا وَقعت الْمُصَالحَة على خدمَة عبد سنة كَانَ للْمصَالح أَن يؤجره، وَمَعْلُوم أَنه لَا يملك رقبته، وَإِنَّمَا يملك منفعَته. وَمِنْهَا: أَن المستؤجر يملك إِجَارَة مَا اسْتَأْجرهُ، وَإِن كَانَ لَا يملك مِنْهُ إلَاّ الْمَنْفَعَة. وَمِنْهَا: أَن الْوَقْف بِأَن غَلَّته لفُلَان صَحِيح، وَله أَن يؤجره فِي الصَّحِيح ذكره فِي (الْمُحِيط) . وَمِنْهَا: أَن أم الْوَلِيد يجوز لسَيِّدهَا أَن يؤجرها، مَعَ أَنه لَا يملك مِنْهَا سوى مَنْفَعَتهَا، فَإِذا جَازَت لَهُ الْإِجَارَة تجوز لَهَا الْمُزَارعَة أَيْضا، لِأَن الْقرى والأراضي فِي الممالك الإسلامية لَا يُمكن أَن ينْتَفع بهَا إلَاّ بالكراء والزراعة ومباشرة أَعمال الفلاحة من السَّقْي والحصاد والدياس والتذرية وَغير ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي يتَوَقَّف عَلَيْهَا الاستغلال، وَذَلِكَ لَا يحصل إلَاّ بالمزارعة عَلَيْهَا، أَو بإيجارها لمن يقوم بِهَذِهِ الْأَعْمَال، فَإِن الْجند لَا يقدرُونَ على الْقيام بذلك بِأَنْفسِهِم، إِذْ لَو أمروا بذلك لصاروا أكرة وتعطل الْمَعْنى الْمَطْلُوب مِنْهُم، وَهُوَ الْقيام بِمَا أعدُّوا لَهُ من مصَالح الْمُسلمين، وَهِي: قتال أَعدَاء الْإِسْلَام، وردع المفسدين، وقمع الخارجين، وصون الْأَمْوَال والأنفس من السراق واللصوص وقطاع الطَّرِيق، وَحفظ مراصد الطرقات ومواطن المرابطات، فَمَتَى اشْتغل الْجند بذلك تفوت تِلْكَ الْمصَالح، كَمَا قَالَ أَصْحَابنَا فِي رزق القَاضِي: إَنه إِذا كَانَ فَقِيرا فَالْأَفْضَل لَهُ، بل الْوَاجِب عَلَيْهِ، الْأَخْذ لِأَنَّهُ مَتى اشْتغل بِالْكَسْبِ أقعد عَن إِقَامَته فرض الْقَضَاء، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك يجوز لَهُم الِانْتِفَاع بِالَّذِي يقطع لَهُم بِالْإِجَارَة أَو الْمُزَارعَة، فبأيهما تمكن الجندي فعل، أما الْمُزَارعَة فعلى قَول الصاحبين، فَإِنَّهَا فِي معنى الْإِجَارَة، فليزارع الْجند على قَوْلهمَا بِالشُّرُوطِ الَّتِي ذَكرنَاهَا، كَمَا هِيَ محررة فِي كتب الْفِقْه، وَالله أعلم.
٦٧٣٢ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أرادَ النبيُّ ﷺ أنْ يُقْطِعَ مِنَ البَحْرَيْنَ فقالَتْ الأنصَارُ حتَّى تُقْطِعَ لإخْوَانِنا مِن المهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا قَالَ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً فاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَوْنِي. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، يعلم ذَلِك من قَوْله: (أَن يقطع من الْبَحْرين) وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَفِي بعض النّسخ ذكر مَنْسُوبا، وَيحيى ابْن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن أَحْمد بن يُونُس، وَفِي فضل الْأَنْصَار عَن عبد الله بن مُحَمَّد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن يقطع من الْبَحْرين) يَعْنِي: أَرَادَ أَن يقطع من الْبَحْرين للْأَنْصَار، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: دَعَا الْأَنْصَار ليقطع لَهُم الْبَحْرين، وَفِي حَدِيث الْإِسْمَاعِيلِيّ: ليقطع لَهُم الْبَحْرين أَو طَائِفَة مِنْهَا، وَكَانَ الشَّك فِيهِ من حَمَّاد. قلت: الظَّاهِر أَنه أَرَادَ أَن يقطع لَهُم قِطْعَة مِنْهَا، لِأَن كلمة: من، فِي قَوْله: من الْبَحْرين، تَقْتَضِي التَّبْعِيض، وَلَا يُنَافِي أَن تكون للْبَيَان أَيْضا، وَلكُل من الصُّورَتَيْنِ وَجه، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا سَيَأْتِي فِي الْجِزْيَة من طَرِيق زُهَيْر عَن يحيى بِلَفْظ: دعى الْأَنْصَار ليكتب لَهُم بِالْبَحْرَيْنِ، لِأَن الظَّاهِر أَن مَعْنَاهُ ليكتب لَهُم طَائِفَة بِالْبَحْرَيْنِ، وَيحْتَمل أَن يكْتب لَهُم الْبَحْرين كلهَا، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار من رِوَايَة سُفْيَان عَن يحيى: إِلَى أَن يقطع لَهُم الْبَحْرين. وَقَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون ﷺ أَرَادَ العامر من الْبَحْرين، لَكِن فِي حَقه من الْخمس، لِأَنَّهُ كَانَ ترك أرْضهَا فَلم يقسمها. وَقَالَ ابْن قرقول: وَالَّذِي فِي هَذَا الحَدِيث لَيْسَ مِنْهَا، فَإِن الْبَحْرين كَانَت صلحا فَلم
стр. 3635
يكن لَهُم فِي أرْضهَا شَيْء، وَإِنَّمَا هم أهل جِزْيَة، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ عِنْد عُلَمَائِنَا: إقطاع مَال من جزيتهم يأخذونه، يُقَال مِنْهُ: أقطع، بِالْألف وَأَصله من الْقطع، كَأَنَّهُ قطعه لَهُ من جملَة المَال، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث بِلَال بن الْحَارِث، أخرجه أَحْمد من رِوَايَة كثير بن عبد الله عَن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده، وَمن حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه أقطعه معادن الْقبلية، والقبلية: بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى: قبل، بِفَتْح الْقَاف وَالْبَاء، وَهِي نَاحيَة من سواحل الْبَحْر بَينهمَا وَبَين الْمَدِينَة خَمْسَة أَيَّام، وَقيل: هِيَ من نَاحيَة الْفَرْع، وَهُوَ مَوضِع بَين نَخْلَة وَالْمَدينَة، هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ. وَفِي كتاب (الْأَمْكِنَة) : معادن القلبية، بِكَسْر الْقَاف وَبعدهَا لَام مَفْتُوحَة ثمَّ بَاء، و: الْبَحْرين، على صِيغَة التَّثْنِيَة للبحر، وَهِي من نَاحيَة نجد على شطر بَحر فَارس، وَهِي ديار القرامطة، وَلها قرى كَثِيرَة وَهِي كَثِيرَة التمور. قَوْله: (حَتَّى تقطع) ، غَايَة لفعل مُقَدّر أَي: لَا تقطع لنا حَتَّى تقطع لإِخْوَانِنَا الْمُهَاجِرين. قَوْله: (مثل الَّذِي تقطع لنا) ، وَزَاد فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: فَلم يكن ذَلِك عِنْده، يَعْنِي: بِسَبَب قلَّة الْفتُوح يَوْمئِذٍ، وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ أَنه لم يرد فعل ذَلِك، لِأَنَّهُ كَانَ أقطع الْمُهَاجِرين أَرض بني النَّضِير. قَوْله: (أَثَرَة) ، بِفَتْح الْهمزَة والثاء الْمُثَلَّثَة، ويروى بِضَم الْهمزَة وَإِسْكَان الثَّاء، وَقَالَ ابْن قرقول: وبالوجهين قَيده الجياني، والوجهان صَحِيحَانِ، قَالَ: وَيُقَال أَيْضا: أَثَرَة، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء، قَالَ الْأَزْهَرِي: وَهُوَ الاستيثار أَي: يستأثر عَلَيْكُم بِأُمُور الدُّنْيَا ويفضل عَلَيْكُم غَيْركُمْ، وَعَن أبي عَليّ القالي: الأثرة: الشدَّة. وَفِي الْكتاب (الواعي) عَن ثَعْلَب: الأثرة، بِالضَّمِّ خَاصَّة: الحدب وَالْحَال غير المرضية، وَعَن غَيره: التَّفْضِيل فِي الْعَطاء، وَجمع الأثرة: أثر. وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ: سَتَلْقَوْنَ بعدِي أَثَرَة للْأَنْصَار، وَرَوَاهَا البُخَارِيّ عَن أسيد بن حضير فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار، وَعَن عبد الله بن زيد بن عَاصِم فِي غَزْوَة الطَّائِف، وَعَن أنس بن مَالك بِزِيَادَة: أَثَرَة شَدِيدَة. فَاصْبِرُوا حَتَّى تلقوا الله وَرَسُوله فَإِنِّي على الْحَوْض. وَقَالُوا: هَذَا يدل على أَن الْخلَافَة لَا تكون فيهم، أَلا تَرى أَنه جعلهم تَحت الصَّبْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة؟ وَالصَّبْر لَا يكون إلَاّ من مغلوب مَحْكُوم عَلَيْهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز إقطاع الإِمَام من الْأَرَاضِي الَّتِي تَحت يَده لمن شَاءَ من النَّاس مِمَّن يرَاهُ أَهلا لذَلِك، قَالَ الْخطابِيّ: وَذهب أهل الْعلم إِلَى أَن أهل العامر من الأَرْض للحاضر النَّفْع وَالْأُصُول من الشّجر كالنخل وَغَيرهَا، وَأما الْمِيَاه الَّتِي فِي الْعُيُون والمعادن الظَّاهِرَة: كالملح والقير والنفط وَنَحْوهَا، لَا يجوز إقطاعها، وَذَلِكَ أَن النَّاس كلهم شُرَكَاء فِي الْملح وَالْمَاء وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا يسْتَحقّهُ الْأَخْذ لَهُ بِالسَّبقِ إِلَيْهِ، فَلَيْسَ لأحد أَن يحتجرها لنَفسِهِ أَو يحتظر مَنَافِعهَا على أحذ من شركائه الْمُسلمين، وَأما الْمَعَادِن الَّتِي لَا يتَوَصَّل إِلَى نيلها ونفعها إلَاّ بكدوح واعتمال واستخراج لما فِي بطونها، فَإِن ذَلِك لَا يُوجب الْملك البات، وَمن اقتطع شَيْئا مِنْهَا كَانَ لَهُ مَا دَامَ يعْمل فِيهِ، فَإِذا قطع الْعَمَل عَاد إِلَى أَصله، فَكَانَ للْإِمَام إقطاعه غَيره. وَفِيه: من أَعْلَام نبوته، ﷺ ، حَيْثُ مَا أخبرهُ بقوله: (سَتَرَوْنَ بعدِي أَثَرَة) .
٥١ - (بابُ كِتَابَةِ الْقَطائِعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كِتَابَة القطائع لمن أقطع الإِمَام أَرضًا من الْأَرَاضِي ليَكُون وَثِيقَة بِيَدِهِ حَتَّى لَا ينازعه أحد.
стр. 3636
٦١ - (بابُ حَلَبِ الإبِلِ عَلَى الْمَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حقية حلب الْإِبِل على المَاء، الْحَلب، بِفَتْح اللَّام، يُقَال: حلبت النَّاقة وَالشَّاة أَحْلَبَهَا حَلبًا، بِفَتْح اللَّام. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْحَلب بِالتَّحْرِيكِ اللَّبن المحلب، والحلب أَيْضا مصدر. قَوْله: (على المَاء) ، قَالَ بَعضهم: أَي: عِنْد المَاء. قلت: لم يذكر أحد من أهل اللُّغَة والعربية أَن: على، تجىء بِمَعْنى: عِنْد، بل: على، هَهُنَا بِمَعْنى الاستعلاء، بِمَعْنى على مَا يقرب مِنْهُ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو أجد على النَّار هدى﴾ (طه: ٠١) مَعْنَاهُ: على مَا يقرب من النَّار، وَهنا مَعْنَاهُ: حلب الْإِبِل على مَا يقرب من المَاء، يَعْنِي: على مَكَان قريب من المَاء الَّذِي تورد إِلَيْهِ للسقي.
٨٧٣٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحٍ قَالَ حدَّثني أبِي عنْ هِلَالِ بنِ عَلِيٍّ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي عَمْرَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مِنْ حَقِّ الإبلِ أنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ. .
وَرِجَاله سِتَّة: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد الله أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمَدِينِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَمُحَمّد بن فليح، بِضَم الْفَاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: مر فِي أول الْعلم، وَأَبوهُ فليح بن سُلَيْمَان أَبُو يحيى الْخُزَاعِيّ، وَكَانَ اسْمه عبد الْملك فغلب عَلَيْهِ لقبه: فليح، وهلال بن عَليّ هُوَ هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، وَيُقَال: هِلَال بن أبي هِلَال الفِهري الْمَدِينِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الْأنْصَارِيّ الثِّقَة الْمَشْهُور.
قَوْله: (من حق الْإِبِل) ، أَرَادَ بِهِ الْحق الْمَعْهُود الْمُتَعَارف بَين الْعَرَب من التَّصَدُّق بِاللَّبنِ على الْمِيَاه، إِذْ كَانَت طوائف الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين ترصد يَوْم وُرُود الْإِبِل على الْمِيَاه لتنال من رسلها وتشرب من لَبنهَا، وَهَذَا حق حلبها على المَاء، لَا أَنه فرض لَازم عَلَيْهِم، وَقد تَأَول بعض السّلف فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ (الْأَنْعَام: ١٤١) . هُوَ أَنه: يُعْطي الْمَسَاكِين عِنْد الْجذاذ والحصاد مَا تيَسّر من غير الزَّكَاة، وَهَذَا مهذب ابْن عمر وَبِه قَالَ عَطاء وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَجُمْهُور الْفُقَهَاء على أَن المُرَاد بِالْآيَةِ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، وَهَذَا تَأْوِيل ابْن عَبَّاس وَغَيره، وَهَذَا كَمَا نهى عَن جذاذ النّخل بِاللَّيْلِ لأجل حُضُور الْمَسَاكِين بِالنَّهَارِ، وَأَجَازَهُ مَالك لَيْلًا. قَوْله: (أَن تحلب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، و: تحلب، بِالْحَاء الْمُهْملَة فِي جَمِيع الرِّوَايَات، وَعَن الدَّاودِيّ أَنه روى بِالْجِيم، وَقَالَ: أَرَادَ أَنَّهَا تجلب، أَي: تساق إِلَى مَوضِع سقيها، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لقَالَ: أَن تجلب إِلَى المَاء، لَا: على المَاء، وَالْمَقْصُود من حلبها على المَاء حُصُول النَّفْع لمن يحضر من الْمَسَاكِين هُنَاكَ، وَلِأَن ذَلِك ينفع الْإِبِل أَيْضا. قَوْله: (على المَاء) ، قد ذكرنَا وَجهه، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق الْمعَافى بن سُلَيْمَان عَن فليح: يَوْم وردهَا وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٧١ - (بابُ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ مَمَرٌّ أوْ شِرْبٌ فِي حائطٍ أوْ فِي نَخْلٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر الرجل الَّذِي يكون لَهُ ممر، أَي حق الْمُرُور، أَو يكون لَهُ حق شرب بِكَسْر الشين، وَهُوَ النَّصِيب من المَاء. قَوْله: (فِي حَائِط) ، يتَعَلَّق بقوله: ممر، والحائط هُوَ الْبُسْتَان. قَوْله: (أَو فِي نخل) ، يتَعَلَّق بقوله: شرب، وَذَلِكَ بطرِيق اللف والنشر، وَحكم هَذَا يعلم من أَحَادِيث الْبَاب، فَإِنَّهُ أورد فِيهِ خَمْسَة أَحَادِيث كلهَا قد مضى. قيل: وَجه دُخُول هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْفِقْه التَّنْبِيه على إِمْكَان اجْتِمَاع الْحُقُوق فِي الْعين الْوَاحِدَة بِأَن يكون لشخص ملك وَللْآخر الِانْتِفَاع فِيهِ، مثلا لرجل ثَمَرَة فِي حَائِط رجل، فَلهُ حق الدُّخُول فِيهِ لأخذ ثَمَرَته، أَو لرجل أَرض وَلآخر فِيهَا حق الشّرْب، فَلهُ أَخذ الشّرْب مِنْهَا بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَيَأْتِي بَيَان ذَلِك كُله فِي أَحَادِيث الْبَاب.
قَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ باعَ نَخْلاً بَعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ
هَذَا الحَدِيث مضى مَوْصُولا فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب من بَاعَ نخلا قد أبرت، من طَرِيق مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، ومطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فثمرتها للْبَائِع) لِأَن الثَّمَرَة الَّتِي بِيعَتْ بعد التَّأْبِير لما كَانَت للْبَائِع لم يكن
стр. 3637
لَهُ وُصُول إِلَيْهَا إلَاّ بِالدُّخُولِ فِي الْحَائِط، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون لَهُ حق الْمَمَر، وَمعنى التَّأْبِير: الْإِصْلَاح والإلقاح، وَقد مضى هُنَاكَ مُسْتَوفى.
فَلِلْبَائِعِ الْمَمَرُّ والسَّقْيُ حتَّى يَرْفَعَ وكَذَلِكَ رَبُّ العَرِيَّةِ
قَوْله: (فَللْبَائِع) إِلَى آخِره من كَلَام البُخَارِيّ، استنبطه من أَحَادِيث الْبَاب، وَفِيه أَيْضا لما فِي التَّرْجَمَة من الْإِبْهَام، وَلَا يظنّ أحد أَن قَوْله: (فَللْبَائِع. .) إِلَى آخِره من الحَدِيث، وَمن ظن هَذَا فقد أَخطَأ، وَالْفَاء فِي قَوْله: (فَللْبَائِع) تفسيرية، ويروى: وللبايع، بِالْوَاو. قَوْله: (الْمَمَر) ، أَي: حق لأخذ الثَّمَرَة والسقي، أَي: وَسَقَى النخيل، لِأَنَّهُ ملكه. قَوْله: (حَتَّى ترفع) ، كلمة: حَتَّى، للغاية أَي: إِلَى أَن ترفع الثَّمَرَة، أَي: تقطع وَذَلِكَ لِأَن الشَّارِع لما جعل الثَّمَرَة بعد التَّأْبِير للْبَائِع كَانَ لَهُ أَن يدْخل فِي الْحَائِط لسقيها وتعهدها حَتَّى تقطع الثَّمَرَة، وَلَيْسَ لمشتري أصُول النخيل أَن يمنعهُ من الدُّخُول والتطرق إِلَيْهَا. قَوْله: (ترفع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَيجوز أَن يكون على صِيغَة الْمَعْلُوم على معنى: حَتَّى يرفع البَائِع ثَمَرَته. قَوْله: (وَكَذَلِكَ رب الْعرية) ، أَي: كَالْحكمِ الْمَذْكُور حكم صَاحب الْعرية، وَهِي النَّخْلَة الَّتِي يعير صَاحبهَا ثَمَرَتهَا لرجل مُحْتَاج عامها ذَلِك، وَقد مر تَفْسِيرهَا مُسْتَوفى فِي كتاب الْبيُوع، وَصَاحب الْعرية لَا يمْنَع أَن يدْخل فِي حَائِط المعرى لتعهد عريته بالإصلاح والسقي، وَلَا خلاف فِي هَذَا بَين الْفُقَهَاء، وَأما من لَهُ طَرِيق مَمْلُوكَة فِي أَرض غَيره، فَقَالَ مَالك: لَيْسَ لَهُ أَن يدْخل فِي طَرِيقه بماشيته وغنمه، لِأَنَّهُ يفْسد زرع صَاحبه. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ: لَيْسَ لصَاحب الأَرْض أَن يزرع فِي مَوضِع الطَّرِيق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: رب الْعرية صَاحب النَّخْلَة الَّذِي بَاعَ ثَمَرَتهَا لَهُ الْمَمَر والسقي، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ صَاحب ثَمَرَتهَا. قلت: إِذا بَاعَ لَا يُسمى عرية، وَإِنَّمَا الْعرية هِيَ الَّتِي ذَكرنَاهَا الْآن، وَعكس الْكرْمَانِي فِي هَذَا فَإِنَّهُ جعل الْمَعْنى الْمَقْصُود مُحْتملا، وَالَّذِي هُوَ مُحْتَمل جعله أصلا يفهم بِالتَّأَمُّلِ.
٩٧٣٢ - أخبرنَا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّثنا اللَّيْثُ حدَّثني ابنُ شِهَابٍ عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ مَنِ ابْتاعَ نَخْلاً بعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ فثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَاّ أنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ومَنِ ابْتاعَ عَبْدا ولهُ مالٌ فمَالُهُ لِلَّذِي باعَهُ إلَاّ أنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِيهَا، بَيَان ذَلِك أَن الَّذِي اشْترى نخلا بعد التَّأْبِير تكون ثَمَرَتهَا للْبَائِع، ثمَّ لَيْسَ للْمُشْتَرِي أَن يمْنَع البَائِع من الدُّخُول فِي النّخل، لِأَن لَهُ حَقًا لَا يصل إِلَيْهِ إلَاّ بِالدُّخُولِ، وَهُوَ: سقِِي النّخل وإصلاحها. قَوْله: (إلَاّ أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع) ، أَي: المُشْتَرِي بِأَن تكون الثَّمَرَة لَهُ، فَحِينَئِذٍ لَا يبْقى للْبَائِع حق أصلا. وَالْكَلَام مَعَ الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع مفصلا فِي: بَاب من بَاعَ نخلا قد أبرت.
وعنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ عُمَرَ فِي العَبْدِ
قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ: عَن مَالك، إِمَّا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَإِمَّا عطف على: حَدثنَا اللَّيْث، أَي: روى عمر الحَدِيث فِي شَأْن العَبْد، أَو قَالَ عمر فِي العَبْد إِن مَاله لبَائِعه، أَو أَرَادَ لفظ: فِي العَبْد بعد إلَاّ أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع، وَقَالَ بَعضهم: وَعَن مَالك، هُوَ مَعْطُوف على قَوْله: حَدثنَا اللَّيْث، فَهُوَ مَوْصُول، وَالتَّقْدِير: وَحدثنَا عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَزعم بعض الشُّرَّاح أَنه مُعَلّق، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقد وَصله أَبُو دَاوُد من حَدِيث مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر فِي النّخل مَرْفُوعا، وَعَن نَافِع عَن ابْن عمر فِي العَبْد. قلت: إِن أَرَادَ هَذَا الْقَائِل بقوله: وَزعم بعض الشُّرَّاح أَنه مُعَلّق، أَنه الْكرْمَانِي، والكرماني لم يزْعم أَنه مُعَلّق بل تردد فِيهِ على مَا ذكرنَا؟ وَلَئِن سلمنَا أَنه زعم فزعمه بِحَسب الظَّاهِر صَحِيح، لِأَن التَّقْدِير الَّذِي قدره هَذَا الْقَائِل خلاف الظَّاهِر، ويؤكد زَعمه بعد التَّسْلِيم قَول هَذَا الْقَائِل: وَقد وَصله أَبُو دَاوُد ... إِلَى آخِره، والكرماني لم ينف أصل الْوَصْل فِي نفس الحَدِيث، بل زعم بِحَسب الظَّاهِر أَن البُخَارِيّ لم يوصله، وَوصل أبي دَاوُد هَذَا لَا يسْتَلْزم وصل البُخَارِيّ، وَلَئِن سلمنَا أَنه مَوْصُول من جِهَة البُخَارِيّ فَمَاذَا يدل عَلَيْهِ هَهُنَا؟ فَهَذَا الْمقَام مقَام نظر وَتَأمل، وَلَيْسَ مقَام المجازفة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَالَ الدَّاودِيّ فِي حَدِيث مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر فِي الثَّمَرَة: إِن مَا رَوَاهُ عَن عَمْرو هُوَ وهم من نَافِع، وَالصَّحِيح مَا رَوَاهُ ابْن شهَاب عَن سَالم عَن أَبِيه عَن
стр. 3638
رَسُول الله ﷺ فِي العَبْد وَالثَّمَرَة، وَاعْترض ابْن التِّين، فَقَالَ: لَا أَدْرِي من أَيْن أَدخل الدَّاودِيّ الْوَهم على نَافِع، وَمَا الْمَانِع مِنْهُ أَن يكون عمر قَالَ مَا تقدم من قَوْله ﷺ ؟
٠٨٣٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يوسُفَ حدَّثنا سُفيانُ عنْ يَحْيى بنِ سَعِيدٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ عَن زَيْدِ بنِ ثابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَالَ رَخَّص النبيُّ ﷺ أَن تُباعَ العرَايا بِخَرْصِها تَمْراً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن المعرى لَيْسَ لَهُ أَن يمْنَع المعري من دُخُوله فِي الْحَائِط لتعهد الْعرية. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب تَفْسِير الْعَرَايَا، فِي كتاب الْبيُوع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن زيد بن ثَابت، وَأخرجه هُنَا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف أبي أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ... إِلَى آخِره.
١٨٣٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءٍ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَهاى النبيُّ ﷺ عنِ الْمُخَابَرَةِ والْمُحَاقَلَةِ وعنِ الْمُزَابَنَةِ وعنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا وأنْ لَا تُبَاعَ إلأ بالدِّينَارِ والدِّرْهَمِ إلَاّ العَرَايَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إلَاّ الْعَرَايَا) ، وَقد ذكرنَا الْآن أَن المعرى لَيْسَ لَهُ أَن يمْنَع المعري عَن الدُّخُول فِي الْحَائِط لتعهد الْعرية، والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب بيع الثَّمر على رُؤُوس النّخل بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ ذكر المخابرة والمحاقلة والمزابنة، وَأخرجه هُنَاكَ: عَن يحيى بن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن ابْن جريج عَن عَطاء وَأبي الزبير عَن جَابر، وَهنا أخرجه: عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز ابْن جريج الْمَكِّيّ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ، وَتَفْسِير المخابرة قد مضى فِي كتاب الْمُزَارعَة، وَتَفْسِير المحاقلة فِي حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَتَفْسِير الْمُزَابَنَة فِي حَدِيث ابْن عمر وَابْن عَبَّاس فِي: بَاب بيع الْمُزَابَنَة، وَتَفْسِير بَقِيَّة الحَدِيث فِي: بَاب بيع التَّمْر على رُؤُوس النّخل.
٢٨٣٢ - حدَّثنا يحيَى بنُ قَزَعَةَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ دَاوُد بنِ حُصيْنٍ عَن أبِي سِفْيانَ مَوْلاى أبِي أحْمَد عَن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رَخَّصَ النبيُّ ﷺ فِي بَيْعِ العَرَايا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ أوْ فِي خَمْسَةِ أوْسُقٍ شَكَّ داوُدُ فِي ذالِكَ. (انْظُر الحَدِيث ٠٩١٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي بيع الْعَرَايَا) وَقد ذكرنَا وَجه ذَلِك فِي الحَدِيث السَّابِق، والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب بيع التَّمْر على رُؤُوس النّخل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب عَن مَالك ... إِلَى آخِره، وَدَاوُد بن حُصَيْن، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة، وَهنا أخرجه: عَن يحيى بن قزعة، بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي، وَقد مر الْكَلَام فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ فِي الْبَاب الْمَذْكُور.
٤٨٣٢ - حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحْيَى اأخبرنا أبُو أُسَامَةَ قَالَ أَخْبرنِي الوَلِيدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أَخْبرنِي بُشَيْرُ بنُ يَسارٍ مَوْلَى بَنِي حارِثَةَ أنَّ رافِعَ بنَ خَدِيجٍ وسَهْلَ بنَ أبِي حَثْمَةَ حدَّثَاهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نهاى عنِ الْمُزَابَنَةِ بَيْعِ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ إلَاّ أصْحَابَ العَرَايَا فإنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ. (انْظُر الحَدِيث ١٩١٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إلَاّ أَصْحَاب الْعَرَايَا) وَقد ذكرنَا وَجهه فِيمَا سبق. والْحَدِيث سبق أَيْضا فِي: بَاب بيع الثَّمر على رُؤُوس النّخل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان، قَالَ: قَالَ يحيى بن سعيد: سَمِعت بشيراً، قَالَ: سَمِعت سهل ابْن أبي حثْمَة إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن زَكَرِيَّاء بن يحيى الطَّائِي الْكُوفِي عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن الْوَلِيد بن كثير
стр. 3639
ضد الْقَلِيل عَن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وبالسين الْمُهْملَة ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَالَ أبُو عبدِ الله وَقَالَ ابنُ إسْحااق حدَّثني بُشَيْرٌ مِثْلَهُ
هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت: قَالَ: وَقَالَ ابْن إِسْحَاق، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَابْن إِسْحَاق هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار صَاحب (الْمَغَازِي) ، وَبشير هُوَ الْمَذْكُور آنِفا، وعَلى رِوَايَة الْأصيلِيّ: وَهُوَ مُعَلّق.
٣٤ - (كتَابٌ فِي الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان حكم الاستقراض، وَهُوَ طلب الْقَرْض. قَوْله: (وَالْحجر) ، وَهُوَ لُغَة: الْمَنْع، وَشرعا: منع عَن التَّصَرُّف، وأسبابه كَثِيرَة محلهَا الْفُرُوع. قَوْله: (والتفليس) ، من: فلسه الْحَاكِم تفليساً يَعْنِي: يحكم بِأَنَّهُ يصير إِلَى أَن يُقَال: لَيْسَ مَعَه فلس، وَيُقَال: الْمُفلس من تزيد دُيُونه على موجوده، سمي مُفلسًا لِأَنَّهُ صَار ذَا فلوس بعد أَن كَانَ ذَا دَرَاهِم ودنانير، وَقيل: سمي بذلك لِأَنَّهُ يمْنَع التَّصَرُّف إلَاّ فِي الشَّيْء التافه، لأَنهم لَا يتعاملون بِهِ فِي الْأَشْيَاء الخطيرة، وَهَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلَكِن بِلَا بَسْمَلَة فِي أَولهَا، وَعند غَيره الْبَسْمَلَة فِي أَولهَا، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بَاب، بدل: كتاب، وَلَكِن عطف التَّرْجَمَة الَّتِي تليه عَلَيْهِ بِغَيْر بَاب.
١ - (بابُ مَنِ اشْتَراي بِالدَّيْنِ ولَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ أوْ لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من اشْترى بِالدّينِ، وَالْحَال أَنه لَيْسَ عِنْده ثمن الَّذِي اشْتَرَاهُ. قَوْله: (أَو لَيْسَ) أَي: الثّمن بِحَضْرَتِهِ وَقت الشِّرَاء، وَهَذَا أخص من الأول لِأَن الأول: يحْتَمل أَن لَا يكون الثّمن عِنْده أصلا، لَا بِحَضْرَتِهِ وَلَا فِي منزله. وَالثَّانِي: لَا يسْتَلْزم نفي الثّمن إلَاّ بِحَضْرَتِهِ، فَقَط وَجَوَاب: من، مَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ جَائِز، وَقد أَجمعُوا على أَن الشِّرَاء بِالدّينِ جَائِز لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم من طَرِيق سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (لَا أَشْتَرِي مَا لَيْسَ عِنْدِي ثمنه) . فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث ضَعَّفُوهُ، وَاخْتلف فِي وَصله وإرساله، وَيحْتَمل أَن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى ضعف هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور.
٥٨٣٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخبرنَا جَرِيرٌ عنِ المغيرَةِ عنِ الشِّعْبِيِّ عَن جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ غَزَوْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ قَالَ كَيْفَ تَراى بَعيرَك أتَبِيعُنِيهِ قُلْتُ نَعَمْ فَبِعْتُهُ إيَّاهُ فلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ إلَيْهِ بِالْبَعِيرِ فأعْطَاني ثَمَنَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ، ﷺ ، اشْترى جمل جَابر وَلم يكن الثّمن حَاضرا، وَلم يُعْطه إلَاّ بِالْمَدِينَةِ. وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، وَقَالَ الغساني: وَمَا وَقع فِي بعض النّسخ: مُحَمَّد بن يُوسُف، فَلَيْسَ بِشَيْء. قلت: قد وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، والمغيرة هُوَ ابْن مقسم، بِكَسْر الْمِيم، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، وَالْكل قد ذكرُوا غير مرّة، وَهَذَا الحَدِيث أخرجه هُنَا مُخْتَصرا، وَقد أخرجه فِي الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء الدَّوَابّ، مطولا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (أتبيعنيه؟) بنُون الْوِقَايَة، ويروى: (أتبيعه؟) .
٦٨٣٢ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ حدَّثنا عبْدُ الوَاحِد حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ تَذَاكَرْنا عِنْدَ إبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ فَقَالَ حدَّثني الأسْوَدُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ اشْتَرَى
стр. 3640
طَعَاماً مِنْ يَهُودِيٍّ إلاى أجَلٍ ورَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَدِيدٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن فِيهِ الشِّرَاء بِالدّينِ، وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد الْبَصْرِيّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء الطَّعَام إِلَى أجل، واليهودي اسْمه: أَبُو الشَّحْم، وَالْمرَاد من السّلم: السّلف، لَا السّلم المصطلح، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٢ - (بابُ مَنْ أخَذَ أمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أدَاءَهَا أوْ إتْلافَهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من أَخذ شَيْئا من أَمْوَال النَّاس بطرِيق الْقَرْض، أَو بِوَجْه من وُجُوه الْمُعَامَلَات، حَال كَونه يُرِيد أَدَاء هَذِه الْأَمْوَال، أَو حَال كَونه يُرِيد إتلافها، يَعْنِي: قَصده مُجَرّد الْأَخْذ، وَلَا ينظر إِلَى الْأَدَاء وَجَوَاب: من، مَحْذُوف حذفه اكْتِفَاء بِمَا فِي نفس الحَدِيث، لَكِن تَقْدِيره: من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد أداءها أدّى الله عَنهُ، يَعْنِي: يسر لَهُ مَا يُؤَدِّيه من فَضله لحسن نِيَّته، وَمن أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد إتلافها على صَاحبهَا أتْلفه الله، يَعْنِي: يذهبه من يَده فَلَا ينْتَفع بِهِ لسوء نِيَّته، وَيبقى عَلَيْهِ الدّين، ويعاقب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة. وروى الْحَاكِم مصححاً من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّهَا كَانَت تدان، فَقيل لَهَا: مَا لَك وَالدّين وَلَيْسَ عنْدك قَضَاء؟ قَالَت: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (مَا من عبد كَانَت لَهُ نِيَّة فِي أَدَاء دينه إلَاّ كَانَ لَهُ من الله عون، فَأَنا ألتمس ذَلِك العون) . وَعَن أبي أُمَامَة يرفعهُ: (من تداين وَفِي نَفسه وفاؤه، ثمَّ مَاتَ، تجَاوز الله عَنهُ وأرضى غَرِيمه بِمَا شَاءَ، وَمن تداين بدين وَلَيْسَ فِي نَفسه وفاؤه، ثمَّ مَاتَ، اقْتصّ الله لغريمه مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة) . وَعَن مُحَمَّد بن جحش: صَحِيح الْإِسْنَاد أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (سُبْحَانَ الله! مَا أنزل الله من التَّشْدِيد، فَسئلَ عَن ذَلِك التَّشْدِيد، قَالَ: الدّين، وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو قتل رجل فِي سَبِيل الله ثمَّ عَاشَ، وَعَلِيهِ دين مَا دخل الْجنَّة) ، وَعَن ثَوْبَان على شَرطهمَا مَرْفُوعا (من مَاتَ وَهُوَ بَرِيء من ثَلَاث: الْكبر والغلول وَالدّين، دخل الْجنَّة) .
٧٨٣٢ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله الأُوَيْسِيُّ حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ عنْ ثَوْرِ بنِ زَيْدَ عنْ أبِي الْغَيْثِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أخَذَ أمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أدَاءَهَا أدَّى الله عنهُ ومَنْ أخَذَ يُرِيدُ إتْلافَها أتْلَفَهُ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا سبكت مِنْهُ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى بن عَمْرو بن أويس، بِضَم الْهمزَة: ونسبته إِلَيْهِ. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ. الثَّالِث: ثَوْر، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن زيد أخي عَمْرو الديلِي، بِكَسْر الدَّال، وَهُوَ غير ثَوْر بن يزِيد، بِلَفْظ الْفِعْل، فَإِنَّهُ شَامي كلاعي. الرَّابِع: أَبُو الْغَيْث، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة: مولى أبي عبد الله بن الْمُطِيع. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَرُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده.
والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن يَعْقُوب بن حميد عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن ثَوْر بِبَعْضِه: (من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد إتلافها أتْلفه الله) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أداءها) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: ردهَا إِلَى الْمقْرض. قلت: تَخْصِيص الْمقْرض لَيْسَ بِشَيْء، بل مَعْنَاهُ: أدّى أَمْوَال النَّاس الَّتِي أَخذهَا، سَوَاء كَانَت تِلْكَ الْأَمْوَال من جِهَة الْقَرْض أَو من جِهَة مُعَاملَة من وُجُوه الْمُعَامَلَات. قَوْله: (أدّى الله عَنهُ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَدَّاهَا الله عَنهُ) ، وروى ابْن مَاجَه وَابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث مَيْمُونَة: (مَا من مُسلم يدان دينا يعلم الله أَنه يُرِيد أداءه إلَاّ أَدَّاهُ الله عَنهُ فِي الدُّنْيَا) . قَوْله: (أتْلفه الله) أَي: فِي معاشه أَو فِي نَفسه، وَقيل: المُرَاد بِالْإِتْلَافِ: عَذَاب الْآخِرَة، وَقد ذكرنَا مَعْنَاهُ آنِفا بِغَيْر هَذَا الْوَجْه.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الثَّوَاب قد يكون من جنس الْحَسَنَة، وَأَن الْعقُوبَة قد تكون من جنس الذَّنب، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 3641
قد جعل مَكَان أَدَاء الْإِنْسَان أَدَاء الله عَنهُ، وَمَكَان إِتْلَافه إِتْلَاف الله لَهُ. وَفِيه: الحض على ترك إستئكال أَمْوَال النَّاس، وَالتَّرْغِيب فِي حسن التأدية إِلَيْهِم عِنْد المداينة، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ. وَفِيه: التَّرْغِيب فِي تَحْسِين النِّيَّة، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ. وَفِيه: أَن من اشْترى شَيْئا بدين وَتصرف فِيهِ وَأظْهر أَنه قَادر على الْوَفَاء، ثمَّ تبين الْأَمر بِخِلَافِهِ، أَن البيع لَا يرد بل ينْتَظر بِهِ حُلُول الْأَجَل لاقتصاره ﷺ على الدُّعَاء، وَلم يلْزمه برد البيع. قيل: وَفِيه التَّرْغِيب فِي الدّين لمن يَنْوِي الْوَفَاء، وروى ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَليّ عَن عبد الله بن جَعْفَر أَنه كَانَ يستدين، فَسئلَ، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: إِن الله مَعَ الدَّائِن حَتَّى يقْضِي دينه، وَإِسْنَاده حسن. وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَفِيه: أَن من عَلَيْهِ دين لَا يعْتق وَلَا يتَصَدَّق، وَإِن فعل رد. قلت: الحَدِيث لَا يدل عَلَيْهِ بِوَجْه من وُجُوه الدلالات.
٣ - (بابُ أدَاءِ الدُّيُونِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب أَدَاء الدُّيُون. قَوْله: (الدُّيُون) ، بِلَفْظ الْجمع هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب أَدَاء الدّين، بِالْإِفْرَادِ.
وَقَالَ الله تعَالى: ﴿إنَّ الله يأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلاى أهْلِها وإذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بالْعَدْلِ إنَّ الله نَعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إنَّ الله كانَ سَمِيعَاً بَصِيراً﴾ (النِّسَاء: ٨٥) .
سَاق الْأصيلِيّ وَغَيره الْآيَة كلهَا، وَأَبُو ذَر اقْتصر على قَوْله: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، وَأَكْثَرهم على أَنَّهَا نزلت فِي شَأْن عُثْمَان بن طَلْحَة الحَجبي الْعَبدَرِي، سَادِن الْكَعْبَة حِين أَخذ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مِفْتَاح الْكَعْبَة يَوْم الْفَتْح، ذكره إِبْنِ سعد وَغَيره، وَقَالَ مُحَمَّد بن كَعْب وَزيد ابْن أسلم وَشهر بن حَوْشَب: إِنَّهَا نزلت فِي الإمراء، يَعْنِي الْحُكَّام بَين النَّاس. وَفِي الحَدِيث: إِن الله تَعَالَى مَعَ الْحَاكِم مَا لم يَجُرْ، فَإِذا جَاءَ وَكله الله إِلَى نَفسه. وَقيل: نزلت فِي السُّلْطَان يعظ النِّسَاء. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ (النِّسَاء ٨٥) . قَالَ: يدْخل فِيهِ وعظ السُّلْطَان النِّسَاء يَوْم الْعِيد، وَقَالَ شُرَيْح، ﵀ لأحد الْخَصْمَيْنِ: أعْط حَقه، فَإِن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . قَالَ شُرَيْح: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عسرة فنظرة إِلَى ميسرَة﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨٢) . إِنَّمَا هَذَا فِي الرِّبَا خَاصَّة، وربط الْمديَان إِلَى سَارِيَة. وَمذهب الْفُقَهَاء: إِن الْآيَة عَامَّة فِي الرِّبَا وَغَيره، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَة عَامَّة، قَالُوا هَذَا يعم جَمِيع الْأَمَانَات الْوَاجِبَة على الْإِنْسَان من حُقُوق الله، ، على عباده من الصَّلَوَات والزكوات وَالْكَفَّارَات وَالنُّذُور وَالصِّيَام وَغير ذَلِك، فَهُوَ مؤتمن عَلَيْهِ، وَلَا يطلع عَلَيْهِ الْعباد، وَمن حُقُوق الْعباد بَعضهم على بعض: كالودائع وَغَيرهَا، مِمَّا يأتمنون فِيهِ بَعضهم على بعض، فَأمر الله تَعَالَى بأدائها، فَمن لم يفعل ذَلِك فِي الدُّنْيَا أَخذ مِنْهُ ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة، كَمَا ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لتؤدن الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا حَتَّى يقتض للشاة الْجَمَّاء من القرناء، ثمَّ إِن البُخَارِيّ أَدخل الدّين فِي الْأَمَانَة لثُبُوت الْأَمر بِأَدَائِهِ، لِأَن الْأَمَانَة فسرت فِي الْآيَة بالأوامر والنواهي، فَيدْخل فِيهَا جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِالذِّمةِ وَمَا لَا يتَعَلَّق. قَوْله: ﴿أَن تحكموا بِالْعَدْلِ﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . أَي: بِأَن تحكموا بِالْعَدْلِ. قَوْله: ﴿إِن الله نعمَّا يعظكم بِهِ﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نعما يعظكم بِهِ، إِمَّا أَن تكون مَنْصُوبَة مَوْصُوفَة: بيعظكم بِهِ، وَإِمَّا أَن تكون مَرْفُوعَة مَوْصُولَة، كَأَنَّهُ قيل: نعم شَيْئا يعظكم بِهِ، أَو: نعم الشَّيْء الَّذِي يعظكم بِهِ، والمخصوص بالمدح مَحْذُوف أَي: نعم مَا يعظكم بِهِ ذَاك، وَهُوَ الْمَأْمُور بِهِ من أَدَاء الْأَمَانَات وَالْعدْل فِي الحكم، وقرىء: نعما، بِفَتْح النُّون. قَوْله: ﴿إِن الله كَانَ سميعاً بَصيرًا﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . هما من أَوْصَاف الذَّات، والسمع إِدْرَاك المسموعات حَال وحدوثها، وَقيل: إنَّهُمَا فِي حَقه تَعَالَى صفتان تكشف بهما المسموعات والمبصرات انكشافاً تَاما، وَلَا يحْتَاج فيهمَا إِلَى آلَة لِأَن صِفَاته مُخَالفَة لصفات المخلوقين بِالذَّاتِ. فَافْهَم.
стр. 3642
٨٨٣٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا أبُو شِهَابٍ عنِ الأعْمَشِ عنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ فلَمَّا أبْصَرَ يَعْنِي أُحُداً قَالَ مَا أُحِبُ أنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَباً يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينارٌ فَوقَ ثَلاثً إلَاّ دِيناراً أرْصِدُهُ لِدَيْنٍ ثُمَّ قل إنَّ الأكْثَرِينَ هُمُ الأقَلُّونَ إلَاّ مَنْ قالَ بالْمَالِ هاكذَا وهاكَذَا وأشارَ أبُو شِهَابً بيْنَ يَدَيْهِ وعنْ يَمِينِهِ وعنْ شِمَالِهِ وقَلِيلٌ مَّا هُمْ وقالَ مَكَانَكَ وتَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَسَمِعْتُ صَوْتاً فأرَدْتُ أنْ آتِيَهُ ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ مَكانَكَ حَتَّى آتِيكَ فَلَمَّا جاءَ قُلْتُ يَا رسولَ الله الذِي سَمِعْتُ أَو قالَ الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُ قَالَ وهَلْ سَمِعْتَ قلْتُ نَعَمْ قَالَ أتَانِي جبريلُ ﵇ فَقَالَ مَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وإنْ فَعَلَ كَذا وكَذا قَالَ نَعَمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مَا يدل على الاهتمام بأَدَاء الدّين، وَهُوَ قَوْله: إلَاّ دِينَارا أرصده لدين، وَفِيه مَا يدل على شدَّة أَمر الدّين، والمديون إِذا نوى أداءه يرزقه الله تَعَالَى مَا يُؤَدِّيه مِنْهُ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن يوسن، هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس بن عبد الله أَبُو عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي. الثَّانِي: أَبُو شهَاب، واسْمه: عبد ربه الحناط، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون الْمَشْهُور: بِالْأَصْغَرِ. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: زيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الْهَمدَانِي الْجُهَنِيّ. الْخَامِس: أَبُو ذَر، واسْمه: جُنْدُب بن جُنَادَة فِي الْأَشْهر.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور باسم جده، وَأَنه وَالْأَعْمَش وَزيد بن وهب كوفيون، وَأَن أَبَا شهَاب مدائني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: راو مَذْكُور بكنيته وَآخر بلقبه.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن عمر بن حَفْص، وَفِي الرفاق عَن حسن بن الرّبيع، وَفِيه عَن قُتَيْبَة، وَفِي بَدْء الْخلق عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى وَمُحَمّد بن عبد الله وَأبي بكر وَأبي كريب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَبدة بن عبد الرَّحِيم، وَعَن بشر بن خَالِد وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن الْحُسَيْن بن مَنْصُور، وَعَن عمرَان بن بطال، وَعَن أبي قدامَة عَن معَاذ بن هِشَام.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّه) أَي: أَن أُحُداً. قَوْله: (تحوَّل) بِفَتْح التَّاء المثناء من فَوق على وزن: تفعل، فِي رِوَايَة أبي ذَر، هَكَذَا وَفِي رِوَايَة غَيره، بِضَم التَّاء آخر الْحُرُوف على صِيغَة الْمَجْهُول، من بَاب التفعيل. وَمعنى تحول: صَار، فيستدعي إسماً مَرْفُوعا وخبراً مَنْصُوبًا، فالإسم هُوَ الضَّمِير فِي تحول الَّذِي يرجع إِلَى أحدا. وَالْخَبَر هُوَ قَوْله: (ذَهَبا) . قَوْله: (يمْكث) ، فعل وفاعله هُوَ قَوْله: (دِينَار) أَي: دِينَار وَاحِد، وَهُوَ جملَة فِي مَحل النصب، لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (ذَهَبا) . قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من الذَّهَب. قَوْله: (فَوق ثَلَاث) ، أَي: فَوق ثَلَاث لَيَال، وَهِي ظرف، وَالْعَامِل فِيهِ يمْكث. قَوْله: (إلَاّ دِينَارا) ، مُسْتَثْنى مِمَّا قبله. قَوْله: (أرصده) ، جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله دِينَارا، وأرصده، بِضَم الْهمزَة، من الإرصاد يُقَال: أرصدته أَي: هيأته وأعددته، وَحكى ابْن التِّين أَنه روى أرصده، بِفَتْح الْهمزَة من قَوْلك: رصدته، أَي: رقبته. وَقَالَ ابْن قرقول: قَوْله: (إلَاّ دِينَارا أرصده) أَي: أعده، بِضَم الْهمزَة وَفتحهَا ثلاثي ورباعي، يُقَال: أرصدته ورصدته أرصده بِالْخَيرِ وَالشَّر: أعددته لَهُ. وَقيل: رصدته ترقبته، وأرصدته أعددته. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وأرصاداً لمن حَارب الله﴾ (التَّوْبَة: ٧٠١) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شهاباً رصداً﴾ (الْجِنّ: ٩) . وَمِنْه: من يرصد لي عير قُرَيْش، والرصد الطّلب. قَوْله: (إِن الْأَكْثَرين هم الأقلون) أَي: أَن الْأَكْثَرين مَالا هُوَ الأقلون ثَوابًا. قَوْله: (إِلَّا من قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا) ، مَعْنَاهُ: إلَاّ من صرف المَال على النَّاس يَمِينا وَشمَالًا، وأماماً. وَقَالَ هُنَا: لَيْسَ من القَوْل، بِمَعْنى الْكَلَام، بل مَعْنَاهُ: صرف أَو فرق أَو أعْطى، وَنَحْو
стр. 3643
ذَلِك، لِأَن الْعَرَب تجْعَل القَوْل عبارَة عَن جَمِيع الْأَفْعَال وتطلقه على غير الْكَلَام، وَاللِّسَان، فَتَقول: قَالَ بِيَدِهِ، أَي: أَخذه، وَقَالَ بِرجلِهِ أَي: مَشى، وَقَالَ الشَّاعِر:
(وَقَالَت لَهُ العينان سمعا وَطَاعَة)
أَي: أَوْمَأت. وَقَالَ بِالْمَاءِ على يَده، أَي: قلب، وَقَالَ بِثَوْبِهِ أَي: رَفعه، وكل ذَلِك على الْمجَاز والاتساع، كَمَا روى فِي حَدِيث السَّهْو قَالَ: مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: صدق. رُوِيَ أَنهم أومأوا برؤوسهم. أَي: نعم، وَلم يتكلموا. وَيُقَال: قَالَ، بِمَعْنى: أقبل، وَبِمَعْنى: مَال واستراح وَضرب وَغلب، وَغير ذَلِك. قَوْله: (وَأَشَارَ أَبُو شهَاب) ، هُوَ عبد ربه الرَّاوِي الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث. قَوْله: (وَقَلِيل ماهم) ، جملَة إسمية لِأَن قَوْله: هم، مُبْتَدأ وَقَوله: قَلِيل، مقدما خَبره، وَكلمَة: مَا، زَائِدَة أَو صفة. قَوْله: (مَكَانك) ، بِالنّصب أَي: إلزم مَكَانك. قَوْله: (الَّذِي سَمِعت) ، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره مَا هُوَ الَّذِي سَمِعت؟ قَوْله: (أَو قَالَ) ، شكّ من الرَّاوِي أَي: مَا هُوَ الصَّوْت الَّذِي سَمِعت؟ قَوْله: (هَل سَمِعت) ، اسْتِفْهَام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (وَإِن فعل كَذَا وَكَذَا) ، أَي: وَإِن زنى وسرق وَنَحْوهمَا، وَالرِّوَايَة الَّتِي فِي الرقَاق تفسر هَذَا، وَهِي قَوْله: وَإِن زنى وسرق، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: وَمن فعل كَذَا وَكَذَا، عوض؛ وَإِن، الشّرطِيَّة.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: الاهتمام بِأَمْر الدّين وتهيئته لأدائه، وَصرف المَال إِلَى وُجُوه القربان عِنْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ، وَالْخَوْف من استغراق الدّين لِأَن الْمَدْيُون إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف، والاحتراز من المطل عِنْد الْقُدْرَة لِأَنَّهُ فِي معنى الْخِيَانَة فِي الْأَمَانَة، وَقد جَاءَ فِي: خِيَانَة الْأَمَانَة من الْوَعيد، مَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق من حَدِيث ذاذان عَن عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: إِن الْقَتْل فِي سَبِيل الله يكفر كل ذَنْب إلَاّ الدّين وَالْأَمَانَة. قَالَ: وَأعظم ذَلِك الْأَمَانَة تكون عِنْد الرجل فيخونها، فَيُقَال لَهُ يَوْم الْقِيَامَة: أدِّ أمانتك، فَيَقُول: من أَيْن وَقد ذهبت الدُّنْيَا؟ فَيُقَال: نَحن نريكها، فيمثل لَهُ فِي قَعْر جَهَنَّم، فَيُقَال لَهُ: إنزل فأخرجها، فَينزل فيحملها على عُنُقه حَتَّى إِذا كَاد، زلت فهوت وَهوى فِي إثْرهَا أبدا. وَفِيه: مَا يدل على فضل أمة مُحَمَّد ﷺ .
٩٨٣٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ شَبِيبِ بنِ سَعِيدٍ حدَّثنا أبي عنْ يُونُسَ قَالَ ابنُ شِهابٍ حدَّثني عُبَيدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ قَالَ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسولُ الله ﷺ لَوْ كانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبَاً مَا يَسُرُّنِي أنْ لَا يَمُرَّ عَليَّ ثَلَاثٌ وعِنْدِي منْهُ شَيْءٌ إلَاّ شيْءٌ أرْصِدُهُ لِدَيْنٍ.
وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة مثل الْوَجْه الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق. وَأحمد بن شبيب، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: الحبطي الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبوهُ سعيد بن الحبطي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالطاء الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى الحبطات، من بني تَمِيم، وَهُوَ الْحَارِث بن عَمْرو، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق. قَوْله: (ذَهَبا) ، نصب على التَّمْيِيز، وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: وَلَو جِئْنَا بِمثلِهِ مدَدا﴾ (الْكَهْف: ٩٠١) . وَقَالَ ابْن مَالك: وُقُوع التَّمْيِيز بعد: مثل، قَلِيل. قَوْله: (مَا يسرني) ، جَوَاب: لَو، وَقَالَ ابْن مَالك: الأَصْل فِي وُقُوع جَوَاب: لَو، أَن يكون مَاضِيا مثبتاً، وَهنا وَقع مضارعاً منفياً، بِمَا، فَكَأَنَّهُ أوقع الْمُضَارع مَوضِع الْمَاشِي، أَو كَأَن الأَصْل: مَا كَانَ يسرني، فَحذف: كَانَ، وَهُوَ جَوَاب: لَو، وَفِيه ضمير، وَهُوَ اسْمه. وَقَوله: ويسرني خَبره. قَوْله: (أَن لَا يمر) ، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: مَا يسرني. قَوْله: (عَليّ) ، بتَشْديد الْيَاء. لِأَن كلمة: عَليّ، دخلت على يَاء الْمُتَكَلّم. قَوْله: (ثَلَاث) أَي: ثَلَاث لَيَال، وارتفاعه على أَنه فَاعل: يمر. قَوْله: (وَعِنْدِي) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من الذَّهَب. قَوْله: (شَيْء) ، مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ مقدما خَبره، هُوَ قَوْله: مِنْهُ. قَوْله: (إلَاّ شَيْء) ، ارْتِفَاع: شَيْء، على أَنه بدل من: شَيْء، الأول. قَوْله: (أرصده) ، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لشَيْء، وَوَقع للأصيلي وكريمة: مَا يسرني أَن لَا يمْكث وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْء، وَكلمَة: لَا، زَائِدَة، قَالَه بَعضهم. قلت: إِذا كَانَت كلمة: مَا، فِي: مَا يسرني، نَافِيَة فَنعم، وَأما إِذا كَانَت مَوْصُولَة فَلَا.
رَوَاهُ صالِحٌ وعُقَيلٌ عنِ الزُّهْرِيِّ
أَي: روى صَالح بن كيسَان وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن أبي هُرَيْرَة فِي معنى حَدِيث أبي ذَر.
стр. 3644
٤ - (بابُ اسْتِقْرَاضِ الإبِلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز استقراض الْإِبِل، وَهَذِه التَّرْجَمَة على مَا ذهب إِلَيْهِ من جَوَاز استقراض الْحَيَوَان، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد أَيْضا. وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْحسن ابْن صَالح وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا يجوز استقراض الْحَيَوَان، وَاحْتج المجوزون بِحَدِيث الْبَاب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الْوكَالَة.
٠٩٣٢ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ أخبرنَا سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا سلَمَةَ بِبَيْتِنَا يُحَدِّثُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رجُلاً تَقَاضَى رسولَ الله ﷺ فأغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ أصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فإنَّ لِصاحِبِ الْحَقِّ مقَالاً واشْتَرُوا لَهُ بَعِيراً فأعْطُوهُ إيَّاهُ وَقَالُوا لَا نَجِدُ إلَاّ أفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ قَالَ اشْتَرُوهُ فأعْطُوهُ إيَّاهُ فإنَّ خَيْرَكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ دفع الْحَيَوَان عوض الْحَيَوَان. فَإِن قلت: ظَاهر الحَدِيث لَا يدل على أَن النَّبِي، ﷺ ، افْترض من الرجل سنا، وَلم يبين فِي هَذَا بِصُورَة الْقَرْض صَرِيحًا حَتَّى يُقَال: إِنَّه يدل على جَوَاز استقراض الْحَيَوَان، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: كَانَ لرجل على رَسُول الله، ﷺ ، حق فَأَغْلَظ لَهُ الحَدِيث، وَالْحق أَعم من الْقَرْض؛ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: كَانَ لرجل على النَّبِي ﷺ دين فتقاضاه ... الحَدِيث، وَالدّين يَشْمَل الْقَرْض وَغَيره. قلت: صرح فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: اسْتقْرض رَسُول الله ﷺ سنا فَأعْطَاهُ سنا خيرا من سنه، وَجَاء فِي رِوَايَة لمُسلم من حَدِيث أبي رَافع: أَن رَسُول الله ﷺ استسلف من رجل بكرا ... الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: كَانَ لرجل على النَّبِي، ﷺ ، سنّ من الْإِبِل ... الحَدِيث، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، فَدلَّ أَن رَسُول الله، ﷺ ، اقْترض بَعِيرًا ثمَّ أعْطى عوضه بَعِيرًا أحسن مِنْهُ، فَدلَّ على جَوَاز الاستقراض فِي الْحَيَوَان، وَقد أجَاب المانعون من استقراض الْحَيَوَان بِمَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى فِي: وكَالَة الشَّاهِد وَالْغَائِب جَائِزَة، ذكره فِي الْوكَالَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان عَن سَلمَة عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: كَانَ رجل ... الحَدِيث، وَهنا أخرجه: عَن أبي الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.
قَوْله: (بَينا يحدث) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن: بَينا، وبينما، ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة يضافان إِلَى جملَة، وَرَأَيْت فِي نُسْخَة صَحِيحَة مقروءة: سَمِعت أَبَا سَلمَة بمنى يحدث، وعَلى هامشها: سَمِعت أَبَا سَلمَة ببيتنا يحدث، وَلم ألتزم صِحَة هذَيْن، وَالله أعلم. قَوْله: (تقاضى) ، أَي: طلب قَضَاء الدّين من رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فَأَغْلَظ لَهُ) ، يحْتَمل إغلاظه فِي طلب حَقه وتشدده فِيهِ، لَا فِي كَلَام مؤذ يسمعهُ إِيَّاه، فَإِن ذَلِك كفر مِمَّن فعله مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَقد يكون الْقَائِل بِهَذَا غير مُسلم من الْيَهُود، كَمَا جَاءَ مُفَسرًا مِنْهُم فِي غير هَذَا الحَدِيث، لَكِن جَاءَ فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: أَنه كَانَ أَعْرَابِيًا فَكَأَنَّهُ جرى على عَادَته من جفائه وغلظه فِي الطّلب. قَوْله: (فهم بِهِ أَصْحَابه) ، أَي: عزموا أَن يوقعوا بِهِ فعلا. قَوْله: (دَعوه) أَي: اتركوه، وَهُوَ أَمر من: يدع. قَوْله: (اشْتَروا لَهُ بَعِيرًا) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: التمسوا لَهُ مثل سنّ بعيره. قَوْله: (من سنه) ، السن هِيَ الْمَعْرُوفَة، ثمَّ سمى بهَا صَاحبهَا. فَإِن قلت: فِي حَدِيث مُسلم عَن أبي رَافع أَن رَسُول الله، ﷺ ، استسلف من رجل بكرا فَقدمت عَلَيْهِ إبل من إبل الصَّدَقَة، فَأمر أَبَا رَافع أَن يقْضِي الرجل بكره، فَرجع إِلَيْهِ أَبُو رَافع فَقَالَ: لم أجد فِيهَا إلَاّ جملا خيارا رباعياً. فَقَالَ: أعْطه إِيَّاه، إِن خِيَار النَّاس أحْسنهم قَضَاء. انْتهى. فَكيف الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ؟ قلت: أَمر بِالشِّرَاءِ أَولا، ثمَّ قدمت إبل الصَّدَقَة فَأعْطَاهُ مِنْهَا، أَو أمره بِالشِّرَاءِ من إبل الصَّدَقَة مِمَّن اسْتحق مِنْهَا شَيْئا، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة: استسلف من رجل بكرا، فَقَالَ: إِذا جَاءَت إبل الصَّدَقَة قضيناك. قَوْله: (فَإِن خَيركُمْ) أَي: أخيركم، فالخير وَالشَّر يستعملان للتفضيل على لَفْظهمَا، بِمَعْنى الأخْيَر والأشرّ، وَالله أعلم.
стр. 3645
٥ - (بابُ حُسْنِ التَّقَاضِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب حسن التقاضي، أَي: حسن الْمُطَالبَة.
١٩٣٢ - حدَّثنا مُسْلِمٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ ماتَ رَجُلٌ فَقيلَ لَهُ قَالَ كُنْتُ أبايِعُ النَّاسَ فأتَجَوَّزُ عَنِ الْمُوسِرِ وأُخَفِّفُ عنِ الْمُعْسِرِ فَغُفِرَ لَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت أبايع النَّاس) إِلَى آخِره، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن حسن التقاضي، وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ القصاب، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر الْقرشِي الْكُوفِي، ورِبْعِي، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن جراش، مر فِي: بَاب إِثْم من كذب على النَّبِي، ﷺ . والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب من أنظر مُعسرا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن مَنْصُور أَن ربعي بن حِرَاش حَدثهُ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (فَقيل لَهُ) : قَالَ: فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَقيل لَهُ مَا كنت تصنع؟ قَالَ: كنت ... وَوَقع هُنَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: فَقيل لَهُ: مَا كنت تَقول؟
قَالَ أبُو مَسْعُودٍ سَمِعْتُهُ مِنَ النبيِّ ﷺ
أَبُو مَسْعُود البدري اسْمه عقبَة بن عَمْرو. قَوْله: (سمعته) ، أَي: سَمِعت هَذَا الحَدِيث من النَّبِي ﷺ ، قيل: هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَلَكِن صورته صُورَة التَّعْلِيق. وَأخرجه مُسلم، قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن حجر وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَاللَّفْظ لِابْنِ حجر، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن الْمُغيرَة عَن نعيم بن أبي هِنْد عَن ربعي بن حِرَاش، قَالَ: اجْتمع حُذَيْفَة وَأَبُو مَسْعُود، قَالَ حُذَيْفَة: لَقِي رجل ربه، فَقَالَ: مَا عملت؟ قَالَ: مَا عملت من الْخَيْر إلَاّ أَنِّي كنت رجلا ذَا مَال، قَالَ: فَكنت أطالب بِهِ النَّاس، فَكنت أقبل الميسور وأتجاوز عَن المعسور، قَالَ: تجاوزوا عَن عَبدِي. قَالَ أَبُو مَسْعُود: هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول.
٦ - (بابٌ هَلْ يُعْطى أكْبَرَ مِنْ سِنِّهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يُعْطي الْمُسْتَقْرض للمقرض أكبر من السن الَّذِي اقترضه؟ وَجَوَاب هَل، مَحْذُوف تَقْدِيره: نعم يُعْطي.
٢٩٣٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيَى اعنْ سُفْيَانَ قَالَ حدَّثني سلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ عنْ أبي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رَجُلاً أتَى النبيَّ ﷺ يتَقَاضَاهُ بَعيراً فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أعْطُوهُ فَقَالُوا مَا نَجِدُ إلَاّ سِنَّاً مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أوْفَيْتَنِي أوْفَاكَ الله فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أعْطُوهُ فإنَّ مِنْ خِيارِ النَّاسِ أحْسَنُهُمْ قَضَاءً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقد مضى الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا بِبَاب. قَوْله: (أوفيتني) ، أَي: أَعْطَيْت حَقي وافياً كَامِلا، وَالْفرق بَين أوفاك الله، وأوفى بك الله، أَن الأول: الْإِكْمَال، وَالثَّانِي: بِمَعْنى: ضد الْغدر، يُقَال: وفى بعهده وأوفى.
٧ - (بابُ حُسْنِ الْقَضَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب حسن الْقَضَاء، أَي: قَضَاء الدّين، أَي: أَدَائِهِ.
следующие страницы →